خزائن الأحكام‏ - ج2

- آغا بن عابد الدربندي المزيد...
408 /
151

المواضع على الثلاثة و فى بعضها على الاثنين و قد انقدح ايضا ان هذه الاربعة مما يمكن ارجاع بعضها الى بعض فالراجح مندرج تحت القاعدة باعتبار انها عبارة عن الامر الكلى المنطبق على جميع جزئياته فهى قد تستفاد من عمومات الكتاب او السّنة و قد ينعقد عليه الاجماع و قد تتحقق بالغلبة و الظهور فى الوجود قد تثبت بالاصطلاح و يمكن ادراج الاستصحاب ايضا تحت القاعدة نظرا الى انّه ضابطة كلية مستفادة من العقل و الشرع نعم لا يمكن اخذ الدليل اعم من الكل و اندراج غيره تحته لان القاعدة قد لا تصير دليلا على الحكم و قد يكون مما يتعلق بالموضوعات و طرق الاحكام و كذا الراجح مع ان كل راجح فى الحكم ليس دليلا الّا على حجّية الظن مط كما عرفت و الاستصحاب غير داخل فيه بالنظر الى طريق الحتم فت ثم لا يخفى ان حجية الاصول المندرجة تحت اصول فوقها تثبت بثبوت حجية ما هو الاعم فيثبت حجية داخل داخل تحت اصل بثبوت حجية كل من الثانى و الثالث و هكذا اللهم الا ان لا يثبت حجية المضاف اليه على سبيل الاطلاق و لو عند قوم فان اصالة عدم كل ممكن و ان كان مما عليه العقلاء و العلماء من الاصوليين و الاخباريين الا ان كونه مما اتفق عليه انما هو فى غير الاحكام من ساير الممكنات فبثبوت حجية فى الجملة لا يحكم بحجية اصل البراءة المندرجة تحتها من وجه و لا بحجية الاستصحاب كل مما اختلف فيه مما يتعلق بنفس الاحكام الشرعية نعم يثبت بذلك حجية الاصول العدميّة مما يتعلق بالالفاظ عدم الاشتراك و التخصيص و التقييد و الاضمار و التجوز و نحو ذلك نعم فى هذا القسم من الاصول العدمية يقع النزاع من وجه آخر و هو ان حجية لكونها من قبيل الاسباب او من باب افادتها الظنّ و على الاول هل لاجل السببيّة المطلقة فتكون حجّة و لو فى قبال الظن بالخلاف ام لاجل السببيّة المقيدة بعدم الظنّ بالخلاف ام لاجل السببيّة المقيدة بعدم الظن بالخلاف و قس على ما ذكرنا حال اصل البراءة و حال اضافته الى الاستصحاب و هكذا و لا يخفى ايضا انه لا يلزم من اثبات حجية الاخص ثبوت حجية الاعم و هذا واضح و لا يخفى ايضا ان القواعد الكلية ليست لانواعها كلى يمكن من اثباته اثباتها بحيث ينفع ذلك لكل قاعدة بل يستدل على ثبوت كل قاعدة فى مقامها نعم يمكن ان يوجد كلى يندرج كليّات تحتها يلزم من اثباته اثباتها و هذا فى غاية القلة و مع ذلك لا يشمل القواعد كلها ثم ان القواعد ليست على نهج واحد فان بعضها منها يقبل التخصيص بكل ما ثبت حجيته و بعضا لا يقبل التخصيص نظرا الى قوته و عدم تطرق التخصيص اليه و اعتضاده بالحمل قديما و حديثا و نحو ذلك و ذلك كما يدّعيه الفقهاء فى بعض المقامات و يعدونه من اصول المذهب و قد يلاحظ ذلك بالنظر الى ضعف الوارد المخصّص و ان يبلغ هذه القاعدة من القوة مبلغا كاملا فت‏

المقدمة الثانية: فى تعيين المعنى الحقيقى و المجازى لحكمة الأصل‏

المقدّمة الثانية فى بيان انّ ايا من هذه الاربعة حقيقة و ايا منها مجاز فاعلم ان الحق ان الراجح ليس من المعانى الحقيقة للفظ الاصل اصطلاحا و ذلك لعدم اطراده فى الاستعمال فيه و تبادر غيره عند الاطلاق مع صحة سلبه عنه و المنافرة بينه و بينه بل قد يترقى فى المقام و يدعى انه ليس معنى مستقلا برأسه و لو على سبيل المجازية اذ ما مثل له من ان الاصل فى الاستعمال الحقيقة غير متعيّن للحمل عليه لجواز حمله فيه على القاعدة و الدليل معنى مستقل برأسه قد استعمل فيه الاصل جدّا الا ان تبادر غيره يثبت مجازيته و ايضا عدم صحة سلبه عنه غير مسلم و على فرض التسليم فالتبادر مقدم عليه لاعتضاده بالمنافرة بين الاصل و بين الدليل و بعد البناء على تقديم عدم صحة السّلب على التبادر نظرا الى قلة انفكاكه عن الوضع دون التبادر و اعتضاده فى المقام بصحة الحمل فلا بد فى دعوى ان التبادر فى المقام تبادر بالمعنى الاخص فيثبت مجازية غير المتبادر كما يثبت حقيقية المتبادر فبذلك و بوجود علائم الحقيقة فى القاعدة و الاستصحاب و بعدم تحقق معنى جامع لهما مما استعمل فيه اللفظ اكثر من الاستعمال فيها يحكم بكونه حقيقة فيهما على سبيل الاشتراك و كيف كان فالاهمّ بيان المراد بالاصل فى عنوان اصل البراءة فصحة ارادة القاعدة منه فيه مما لا شك بل لا خلاف فيه ممن يعتد به و انما الكلام فى جواز ارادة غيرها ايضا بان يناط عليه النزاع كاناطته عليه بمعنى القاعدة فاحتمل البعض جواز ارادة ما عدا الدليل منه و لكن قيّد الكلام فى الراجح بقوله ان جعلنا الراجح من معانى الاصل اعم من المتيقن و المظنون و المتراءى منه و من غيره عدم صحة ارادة الدليل منه اصلا بل قد صرّح بعض المعاصرين بذلك تعليلا بعدم ملائمته بالمقام فان البحث هنا عن مدلوله لا عن نفسه و فيه نظر بين اذ كون اصل البراءة مدلول دليل دال عليه من العقل و النقل و البحث فى المقام عن نفس المدلول الذى هو الاصل باقامة الدليل على حجيته لا عن نفس الدليل عليه باعتبار البحث عن حجية هذا الدليل و عدمه لا يستلزم عدم صحة ارادة الدليل من الاصل فى العنوان فليكن هذا كسائر ادلة الاحكام المعنونة فى العناوين كقولهم فى الكتاب و السنة و الاجماع و العقل و الاستصحاب فالتعليل فاسد خصوصا على اخذ العنوان على سبيل التركيب الحملى كما صنعه البعض و كذا على التركيب الاضافى اذا قصدت من الاضافة الاضافة البيانية مع انه لو تم لجرى فى ساير المعانى ايضا كما لا يخفى فغاية ما فى الباب ارتكاب الاضمار فى العنوان بان يكون التقدير مقتضى الدليل البراءة على تقدير التركيب الحملى و قس على ذلك التركيب الاضافى و هذا اقضى ما يسلم لدفع الركاكة فى العنوان لولاه مع ان ساير المعانى او بعضها مثل هذا فى ذلك نعم يمكن ان يستدل على عدم مراديّة هذا المعنى من الاصل بمجازيته فيه بناء على ما قررناه اذ لا يصار الى المعنى المجازى الا بالقرينة إلّا انه مشترك بالورود بينه و بين الراجح ايضا غير مراد منه لاجله و قد يستدل على عدم جواز ارادة الرّاجح لما تقدم فيكون الراجح ايضا غير مراد منه لاجله و قد منه بان المراد ح المظنون اذ المقطوع به لا يسمى اصلا فى عرفهم و لا خفاء فى ان البراءة ان قيست الى الواقع فقد لا يكون ظنّ بها و ان قيست الى الظاهر فهى‏

152

مقطوع بها و لئن سلّم ان معناه الاعم فانما يصح على الظاهر اعتباره فى التركيب الحملى دون الاضافى هذا و فى ذيله ما لا يخفى ضعفه فكيف كان فلا يصار الى الراجح لما قلناه مضافا الى انه يتم فيما يعمّ به البلوى دون غيره اذ اكثر مواردا غيره من موارد الشك بل الوهم ايضا و ارجاع الرجحان‏ (1) الشانى مما لا داعى اليه فهو خلاف الظاهر من اللفظ جدا كالحمل على الراجح من حيث الدليل الدال عليه مع انه من هذه الجهة مقطوع به هذا و اما ارادة الاستصحاب من الاصل فى المقام فهى و ان لم تكن كما سبق من ارادة الراجح و الدليل منه من عدم الاستقامة فى منار سيّما اذا لوحظ ما عن جمع حيث عبّروا عن استصحاب النفى بالبراءة الاصلية و ما عن جم غفير من الاوائل حيث لم يستدلوا للبراءة الاصلية الّا باستصحابها لكن توجد فى المقام امور تعين ان المراد به هو القاعدة خاصة منها اختلاف مدارك المسألتين كما يشهد به تتبع كتب القوم و منها اختلاف الاقوال فيهما فليس كل من قال بحجية اصل البراءة قال بحجّية الاستصحاب بل انّ نفى حجية الاول برأسه و من اصله لم يصرّح به احد فان الاخباريين كالاصولية متفقون على حجيته اذا كان الشك فى طريق الحكم و موضوعه كما ان الفريقين لا نزاع بينهم فى حجّيته فى مقام الشك فى الوجوب فالنزاع من الاخباريّين انما هو فى الشبهة الحكمية التحريمية و التفضيل بين ما يعمّ به البلوى و بين غيره ان وجد فهو نزاع آخر فالنزاع فيه انما هو من وجهين بخلاف الثانى فالاقوال فيه ترتقى الى عشرة فمنها القول بعدم حجيته مط الّا ان يكون من قبيل الاستصحابات العدمية فى باب الالفاظ مع ان كلام البعض يومي بوقوع النزاع فيها ايضا الّا انه مما ليس فى مخره فت و منها ان جمعا من المحققين قد جعلوا لكل منهما عنوانا مستقلا فنحكم بذلك بتمايزهما عن الآخر بامور تدل على كونهما ماهيّتين متمايزتين عند الكل ايضا ما لم ينكشف‏ (2) اذ قضيته تعبير جمع عن استصحاب النفى بالبراءة الاصلية كاستدلال جم من الأوائل للبراءة الاصلية باستصحابها مما لا يومي بالاتحاد فضلا عن الدلالة الصّريحة عليه بل الثانى مما يدل على عدمه جدا و منها حكم القائلين بحجيتهما بتقديم الاستصحاب على اصل البراءة حين تعارضهما فى شي‏ء و ليس هذا لمحض التغاير النّوعى او الصنفى ما لا ينبعث عنه التعدد بحسب‏ (3) الماهية بل لاجل التغاير فيها كما يكشف عن ذلك تصريح جمع بانّ نسبة اصل البراءة الى الاستصحاب من قبيل نسبة المعلق الى المنجز و الفقاهتى الى الاجتهادى هذا و قد يستدل ايضا على التمايز و كونهما اصلين مستقلين بتمسّك الاصوليين باصل البراءة فيما لا يصح‏ (4) البراءة لا باستصحاب البراءة مع انه لا وجه له هنا اذ الاستصحاب يقتضى الخلاف هذا و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة لانه كما يصحّ فى مقام الاستدلال على الثانى ان يقال لاصل البراءة مرادا به القاعدة كذا يصح ان يقال لاستصحاب البراءة الازلية و رفعها فى زمان من الازمنة لا يستلزم نفيها من اصلها فالتعبير ان مما هو سائغ نعم لا بد فى الثانى من اضافة الاستصحاب الى البراءة لئلا يشتبه الامر بالاستصحاب الوجودى الحكمى الدال على خلاف المط فكم من فرق بين اطلاقه و تقييده بالاضافة فمن هنا انقدح عدم استقامة ان الاستصحاب يقتضى الخلاف اذ ذلك من قبيل المغالطات فصحة جريان صنف من شي‏ء دون صنف آخر منه فيه لا تستلزم المغايرة النوعية بينهما بان يخرجا بذلك عن كونهما صنفين من شي‏ء و هذا واضح ثم ان وجه التمسك باصل البراءة فى المثال المذكور دون استصحاب الحكم الوجودى ليثبت به خلاف ما يثبت باصل البراءة مع انه وارد على اصل البراءة ورود المنجز على المعلق هو شي‏ء آخر مما لا دخل له فى المقام فلعل القائل بكون القضاء بامر جديد لا يقول بكون المقام من مجارى الاستصحاب بناء على فقد شرط من شرائطه و نحو ذلك فت و قد يستدل بصحة اجراء اصل البراءة بمعنى القاعدة فيما دار الامر بين الوجوب و الاستحباب بعد القطع بالطلب دون اجراء استصحاب البراءة نظرا الى ان مدرك حجية الاستصحاب اما طريق العقلاء و اما الاخبار فلا يصحّ التمسك بالاول فى المثال لان العقلاء لا يجوزون تصرف العبد فيما شك فى اذن السّيد فيه نظرا الى اعتباره اصالة عدم المنع الثابت فى الزمان السابق قبل البلوغ او بعده فكذا بالثانى لان الاخبار فيه لا تنصرف إلّا الى ما عليه طريقة العقلاء هذا و لا يخفى ما فيه ايضا من المدخولية و المصادرة و بالجملة

لا شك فى صحة التمسّك فى امثال ما ذكر باستصحاب البراءة فهو كاصل البراءة بمعنى القاعدة فى ذلك سواء ففى معظم موارد اصل البراءة لا يجرى الاستصحاب بل فى كله فكما اقتضت القاعدة البناء على النفى حتى يتحقق وجود الحكم من الوجوب و الحرمة كذا قد اقتضى الاستصحاب العدم الازلى حتى يثبت المزيل و يكشف عمّا قلنا عدهم الاستصحاب من جملة ادلة اصل البراءة فالفرق بينهما فى المجارى التى يجريان فيها بالاعتبار فالملحوظ حين التعبير بالاستصحاب استمرار حكم النفى بعد ثبوتها اوّلا و حين التعبير باصل البراءة و التمسك به هو انتفاء الحكم فى الحال من غير التفات الى الحالة السابقة فيحكم بكون العدم اصلا حتى يثبت خلافه فبهذا يظهر التفصّى و الاستخلاص عن اشكال انّ اشتداد التنازع و كثرة الاختلاف و الخلاف فى الاستصحاب انما هو بالنسبة الى الاستصحاب الوجودى و اما العدمى فهو كاصل البراءة بل هو هو فى مجارى اصل البراءة من مقامات الشك فى الوجوب و الحرمة فلا فرق بينهما من هذه الجهة الا ان اصل البراءة قسم خاص من مطلق الاستصحاب فحاصل التفصى و الجواب هو ان الفرق فى المجاز التى يجريان فيها انما هو بما اشرنا اليه فاتفاقية اصل البراءة فى الجملة دون الاستصحاب كل مما لا غائلة فيه و امثال ذلك من الوفاق و الخلاف غير عزيزة و مع ذلك كله فالتزام كون اصل البراءة قسما خاصا من الاستصحاب كما عليه جمع و منهم الشهيد فى اوائل الذكرى مما لا ضير فيه ايضا و سر ذكرهما فى عنوانين كما صنعه جمع لا ينافى ذلك و كما يظهر الفرق بين اصل عدم كل ممكن و بين كل من اصل البراءة و استصحاب حال العقل اختصاص الثانى بنفى التكليف و الثالث بملاحظة الحالة السابقة و عدم اختصاص الأول بشي‏ء منهما فكذا يظهر الفرق بين اصل البراءة

____________

(1) الى الرجحان‏

(2) خلاف ذلك فلم ينكشف‏

(3) و انفراد كلّ منهما

(4) فيه الاستصحاب كما فى مسئلة تبعية القضاء للامر الاوّل او الفرض الجديد و يستدلّ من على الثانى باصل‏

153

اصل البراءة و الاستصحاب بالاعمية و الاخصيّة فلا يجرى اصل البراءة الا فى نفى التكليف و اشتغال الذمة عن حقوق اللّه الواجبة و حقوق الناس كل بخلاف الاستصحاب فانه اعمّ بحسب الموارد و المجارى و اما ما زعمه بعض المعاصرين من جريان اصل البراءة فى نفى الاحكام ما عدا الاباحة نظرا الى ان البراءة هو الخلو و الفراغ من مطلق التكليف المشكوك فيه فمما لا يساعده شي‏ء بل تصفح كلمات القوم و مظان استعمال هذه الاصل فى كلمات الفقهاء و الاصوليين مما يدفعه جدا و العجب من زعمه ان اختصاص هذه الاصل بالإلزاميّين مما انفرد به المحقق الثالث مما ذكره انما يتمشى بالنسبة الى اصالة عدم الحكم و انى هذا من ذاك ثم ان التعبير بالاستصحاب فى محاز اصل البراءة لا ينبعث منه بحيث ان هذا معارض بالمثل نظرا الى ان الشك فى الحادث لان هذا انما ينفى آثار الالزاميّين من الوجوب و الحرمة و اللوازم المترتبة عليهما لا الجعل فيهما اذ هذا لا يطابق ما عليه العدلية من تبعية الاحكام للعلل النفس الأمريّة و ما عليه معظم الامامية من عدم جواز اخلاء الواقعة عن الحكم فالمعارضة بالمثل بالنسبة الى الجعل و عدمه مما فى مخره بل ان استصحاب نفى الحكم بملاحظة هذا الوجه يجرى بالنسبة الى الاباحة الخاصة الواقعية او الشرعيّة ايضا فثبوت الاباحة بعد ذلك انما هو بالنسبة الى مرحلة الظاهر فهى اباحة عامة و قد يستدل على صحة اجراء استصحاب النفى فى الاباحة كسائر الاحكام بان المراد بالاحكام الشرعيّة ما بينه الشارع بلسان احد الرسولين اذ الحكم هو الخطاب و لا شك انه امر حادث يعلم عدمه او لا و يتحقق الواسطة فى ذلك و اما استواء الطرفين واقعا او ترجيح احدهما و ما هو دائر بين النفى و الاثبات فهى بواعث للاحكام الشرعيّة و ليست بانفسها احكاما فيدفع ما يمكن ان يقال ان استصحاب نفى الاباحة موقوف على العلم بالعدم السابق فان الاباحة هى الاستواء فى نظر الشارع و لا علم بعدمه اولا و ايضا لا يخلو فعل المكلف عن احد الاحكام الخمسة لانها دائرة بين النفى و الاثبات فكيف يجرى فيه اصل عدم الكل هذا و انت اذا تاملت فيه يظهر لك ما فيه فت‏

المقدمة الثالثة: فى الفرق بين أصالة البراءة و الأصل المعروف بعدم الدليل دليل العدم‏

المقدمة الثالثة فى الاشارة الى بيان الفرق بين اصل البراءة و الاصل الآخر المعروف بينهم بعدم الدليل دليل العدم فاعلم ان المحقق الثالث قد حكم قبل بيان الفرق بينهما بكونه متفقا عليه بينهم و هذا كما ترى غير مستقيم جدا سيما اذا اخذ فى هذه الدعوى اتفاق الاخباريّين ايضا كما هو ظاهر سياق كلامه صدرا و ذيلا فالاخباريون كيف يحكمون فى محتمل التحريم بالاباحة اللازم لاجراء عدم الدليل دليل العدم و لا يجرون فيه اصل البراءة الذى لا يفيد على مذاق هذا المحقق الّا نفى الحكم فهو انزل بمرتبة من مثبتى الحكم جدا فما تمسّك به الاخباريّون فى قبال اصل البراءة مما يجرى فى قبال هذا الاصل قطعا فكذا ان اريد من الاتفاق الاصوليين اذ لم يعهد منهم هذا الاتفاق كما لا يخفى على من تصفح كلماتهم خصوصا اذا كان المراد بنفى الحكم نفيه بالنسبة الى مرحلة الواقع بل هذا لا يتعقل عند من قال بتبعيّة الاحكام للصفات و عدم جواز اخلاء الواقعة عن حكم مختصّ بها عموما او خصوصا و عند من يقول بصدور الاحكام من اللّه الى رسوله و تسليمه (ص) اياها الى خزنة العلوم من اله هذا و يمكن ان يؤجّه كلامه بان المراد بالاتفاق هو اتفاق الفريقين و بالنفى النفى بالنسبة الى مرحلة الواقع و لكن بعد اخذ قضية عموم البلوى فى البين فعدم الدليل فيما يعم به البلوى دليل لنفى الاحكام الاربعة عن الواقع و الشاهد يكون بذلك متفقا عليه بين الفريقين قول الامين الأسترآبادي فانه مع اشتداد تعصّبه فى منع التمسّك باصل البراءة بحيث كان المستفاد من كلامه تعميمه القول بحيث يشمل محتمل الوجوب الذى لا يجرى فيه غيره من الاخباريّين قاعدة الاحتياط بل كانوا فيه كالاصوليين قد حكم باجراء اصل عدم الدليل دليل العدم فيه بعد استحسانه المحقق فى حكمه بذلك و لا اطراء فى المدح و الثناء عليه لاجل ذلك فكلامه المطلوب فى المقام هو ان المحدث الماهر اذا تتبع الاحاديث المروية عنهم (ع) فى مسئلة لو كان فيها حكم مخالف لاشتهر لعموم البلوى فيها و لم يظفر بحديث يدل على ذلك الحكم ينبغى ان يقطع قطعا عاديا بعدمه الى ان قال ففى مثل تلك الصورة يجوز التمسك بان نفى ظهور الدليل على حكم مخالف للاصل دليل على عدم الحكم فى الواقع مثاله نجاسة ارض الحمام و نجاسة الغسالة و وجوب قصد سورة معينة عند قراءة البسملة و وجوب نية الخروج من الصّلاة بالتسليم انتهى ما اردنا نقله عنه فى المقام و لكن لا يخفى عليك ان هذا التوجيه لا يلائم لما ذكره المحقق الثالث بعد كلامه هذا انسب التفصيل بين ما يعم به البلوى و بين غيره الى المحقق بالنسبة الى اصل البراءة لا بالنسبة الى عدم الدليل دليل العدم هذا و يمكن ان يقال ان التفصيل الجارى عند المحقق فى الاعم الذى هو هذه القاعدة يجرى فى الاخص الذى هو اصل البراءة فيكون القاعدة مما لا نزاع فيه لاحد فلا ضير فى اخصّيته اصل البراءة من هذه القاعدة من وجهين من وجه اختصاصه بالالزاميّين و من اختصاصه بالنفى بالنسبة الى مرحلة الظاهر اذ نفى الحكم عن الواقع يستلزم نفيه عن مرحلة الظاهر ايضا نعم يكون اصل البراءة اعم من القاعدة من وجه حيث يجرى فيما يعم به البلوى و فى غيره و هذا التوجيه كما ترى مما يمكن التوفيق بينه و بين وجه الفرق الثانى فى كلامه و ان كان هذا الوجه مدخولا فى نفسه و لكن ستعرف مدخولية هذا التوجيه فى مقام الاشارة الى بيان مطلب المحقق فى المسألة فت ثم ان وجه ابداء الفرق بينهما بان ذلك الاصل ناظر الى اثبات الاحكام الشرعيّة و نفيها للموضوعات العامة من حيث انها احكام شرعية و هى ناظرة الى تعلقها بخصوص ذمة آحاد المكلفين مما لا فائدة و لا محصّل له قطعا بل يظهر من ظاهره نفحات عدم الاستقامة كما لا يخفى على الفطن هذا و يمكن الفرق بعد الفرق بالاعمية و الاخصيّة مط كما اشرنا اليه بالاعمية و الاخصية من وجه بالنسبة الى الموارد فمادة الاجتماع الاحكام التكليفية اى الالزاميّين منها و مادة افتراق اصل عدم الدليل عن صاحبه الاحكام الوضعية نظرا الى ان اصل البراءة و ان كان من مفاده و مجاريه مقامات الشك فى الجزئية و الشرطية و المانعية و نحو ذلك الا ان الملحوظ فيها نفى‏

154

نفى الوجوب عن الشي‏ء المشكوك فيه لا نفى جزئيته او شرطيته و ان كان ذلك مما يلازمه و لو قطع النظر عن اصل عدم الدّليل و مادة افتراق اصل البراءة عن صاحبه الموضوعات و طرق الاحكام فلا يجرى فيها اصل عدم الدليل دليل العدم لان الدليل الشرعى لا يجرى فيها فلا يستعمل فيها (1) من ان اصل البراءة يجرى فيما يحتمل الاباحة و فيما لا يحتمل سواء كان عدم الاحتمال لنفسه كما فى العبادة او لقيام دليل على نفيها بالخصوص كما فى الدّخول على صوم المؤمن بخلاف اصل البراءة الاباحة فانه لا يجرى الا فيما يحتمل الاباحة فمما لا يخلو عن عدم استقامة كما لا يخفى على الفطن و كيف كان فقد انصدع من جميع ما ذكرنا ان اصل البراءة مختصّ بمقام الشك فى الوجوب و الحرمة فلا يجرى فى مقام الشك فى الندب و الكراهة فالاعم الشامل للكلّ هو قاعدة عدم الدليل و اصل نفى الحكم اى استصحابه و اما ما زعمه بعض المعاصرين من جريان اصل البراءة فى الاحكام الاربعة و تفسيره البراءة بالخلو و فراغ الذمة عن مطلق التكليف المشكوك فيه فمن الاشتباه الواضح اذ لا يساعده شي‏ء بل ما يساعده على خلافه فى غاية الكثرة فان المتبادر من لفظ البراءة هو البراءة من الحقوق الواجبة من حقوق اللّه و حقوق الناس و ان تمثيلهم لاصل البراءة بجميع اقسامه بالامثلة المذكورة فى كتبهم مما هو كالصّريح فى نفى تلك المقالة نعم هذه المقالة قد صدرت عن جمع و منهم الشهيد الثانى فى شرحه على اللمعة و السّيد الكاظمينى فى شرحه على الوافية و لعل هذا القائل قد تبعهما فى ذلك من غير تتبع فى كلمات الاصوليين ممن يعوّل عليه ثم العجب منه حيث زعم ان اختصاص اصل البراءة بمقام الشك فى الوجوب و الحرمة هو من منفردات المحقق الثالث و قد اوقعه فى هذا الوهم عبارته حيث قال و هذا الاطلاق انما يناسب بالنسبة الى ما شك فى تحريمه او وجوبه لان اشتغال الذمة لا يكون الا بتكليف هو منحصر فيهما هذا و قد غفل عن مراده هو الاشارة الى ما ذكرنا فت‏

المقدمة الرابعة: فى المراد بالنص الذى يفقده تجرى أصالة البراءة

المقدّمة الرابعة فى الاشارة الى امور مما لا بدل من بيانه ليتضح به المرام بناء على كونه من مبانى المسألة فاعلم ان اصل البراءة انما يجرى عند من يقول بحجيته فيما يحتمل وجوبه او تحريمه فيما فقد فيه الدليل المعتبر فهذا هو مراد من عبر بفقد النصّ فهو يشمل المقام كل دليل معتبر لكن القائلين بحجية اصل البراءة ليسوا فى هذا المقام على نهج واحد فالمرتضى و ابن ادريس و من حذا حذوهما ممن لا يعمل بالآحاد من الاخبار و ان كانت من الصّحاح يجرون البراءة فى قبالها و غيرها مما يفيد الظن كما ان المقتصرين على الظنون الخاصة يجرونه فى قبال ما لم يدل دليل من الشرع على حجيته كعدم ظهور الخلاف و ظهور عدمه و الشهرة و الغلبة و الاستقراء كما ان المعممين فى الظنون و القائلين بحجيتها مط الا ما خرج بالدليل يجرونه فى قبال الظنون التى دلت الادلة على عدم اعتبارها فالاشتباه و الاحتمال و الشك يختلف باختلاف هذه المذاهب فكم من محتمل وجوبه او تحريمه عند جمع هو مما علم وجوبه او تحريمه بالعلم بالمعنى الاعم عند غيرهم فالاخبارية يوجبون التوقف فيما يقولون من محتمل التحريم كما عليه معظمهم او فيه و فى محتمل الوجوب كما هو المتراءى من بعضهم فى مطلق الشبهة فهى تشمل الظن الغير المستفاد من الاخبار كما تشمل الشّك فكلماتهم كادلتهم مما هو كالصّريح فى ذلك بل ان بعضهم قد صرّح به و هو الامين الأسترآبادي حيث قال فى الفصل الثامن من كتابه فعلم من ذلك ان كل ما ليس بيقينى حتى الظنى شبهة ثم قال القائدة الثانية انه وقع فى كلامهم (ع) اطلاق الجاهل على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكا او ظانا و الجاهل بهذا المعنى يجب عليه التوقف و وقع اطلاقه على الغافل الذاهل ذهنه عن تصور المسألة و الجاهل بالمعنى الاخير لا يجب عليه الاحتياط و الا لزم تكليف الغافل انتهى فقد علم من ذلك ان ما ذكره بعض الاصولين فى المقام من انه يحتمل ان يكون المراد بالاحتمال ما يقابل العلم مط ظنا كان او شكا او وهما كما يحتمل ان يكون ما يتساوى فيه الطرفان كما يحتمل ان يكون غيره لكن لا سبيل الى الاول للزوم الاختلال و ان قلنا باصالة الاحتياط فى كل مقام لم يقم دليل معتبر على الخلاف و ان ظن بالوجوب و التحريم او بعدمهما انتهى مما لا وقع له جدّا لان هذا مما لم يقل به الاختيارية اذ قد عرفت ان الظن الغير الخبرى داخل عندهم فى الشبهة بل ان الظن الخبرى داخل عندهم تحت العلم و اليقين فالاخبارية فى مندوحة مما ذكر لان الظن الخبرى الغير المعتبر فى غاية القلة عندهم على ان استلزام التعميم فى الاحتمال و الشبهة الاختلال على القول بالاحتياط كيف يصحح الى ان ينتسب الى الاخبارية غير ما هم عليه فليس هذا اول مفسدة لازمة لقولهم فكم له من مفاسد و قد انقدح مما ذكرنا عدم استقامة كلام آخر لهذا القائل ايضا حيث قال و لا ريب فى دخول ما فيه نص غير معتبر بالمعنى الاعم الشامل لقول الفقيه المنبئ عن النص و لو بطريق الاحتمال فى محل النزاع ثم ان لم يشعر قول المفتى بوجود نص كان كالعدم فيكون مما لا نص فيه فيدخل ما لا نص فيه بالمعنى الاعمّ فى المتنازع فيه اذا كان الشك فى التحريم لا فى الوجوب لاستلزامه التكليف بما لا يطاق اذ كل شي‏ء يحتمله و لو بمجرّد الامكان الذاتى هذا و كيف كان فقد صرّح غير واحد من الاصوليين بان ما يحتمل فيه التحريم و الوجوب لا يجرى فيه الاحتياط و علل باستلزامه التكليف بما لا يطاق و هذا كالصّريح فى ان الاخبارية يجرى فيه اصل البراءة عن التعيين فيكون الحكم هو التخيير الابتدائى فلا يطرحان معا للعلم الاجمالى بان احدهما حكم اللّه من غير فرق فى ذلك بين العبادة و غيرها و قد يقال ان مع فقد المرجح فى احدهما يمكن ترجيح جانب النهى من حيث ان دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة و لقضاء الاستقراء من انتهى اقول ان المتراءى من بعض الاخبارية ان المقام مما يتوقف و مصداقه ترك الفعل الوجودى و قد صرح بذلك الا بين الأسترآبادي فى الفصل الثامن من كتابه و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيه و فى غيره انش تعالى ثم انه كما يجرى النزاع من وجه فيما تعارض فيه نصان مما لم يوافق احدهما الاصل فكذا فيما وافقه احدهما لما تعرفه بعد ذلك انش تعالى‏

المقدمة الخامسة: فى بيان صور الاشتباه‏

المقدّمة الخامسة فى الاشارة الى الاحتمالات المتصورة فى مظان الاحتمالات المتصوّرة فى مظان الاحتمال و الشبهة مما يمكن ان يقع فيه النزاع و ان كان بعضها مما لم يوجد و بعضها مما لم يقع فيه النزاع‏

____________

(1) الا البيّنة و امثالها ثم ان إبداء الفرق بين اصل البراءة و بين قاعدة الاخذ بالأقل حين دوران الامر بينه و بين الاكثر باعمية الاول و اخصية الثانى بحسب الموارد كما صنعه المحقق الثالث ما لا له اذ النسبة بينهما بحسبها نسبة العامين وجه فمادة افتراق اصل البراءة صورة عدم السبق بالعلم الاجمالى فلا يجرى القاعدة فيها بل لا متصور مادة افتراقها عن صاحبها ما دار الامر فيه بين الاقل و الاكثر و لكن فى المندوبات و المكروهات و لعل المحقق الثالث ناظر فيما منعه الى ان الزائد المشكوك فيه فى المندوبات و المكروهات لا ينفى بالاصل فيوجد الاكثر للتسامح بينهما هذا و انت خبير بانه اذا الكلام فى صحة اجراء هذا الاصل قطع النظر عن ورود وارد عليه ثم اعلم ان اصل البراءة اخص موردا من اصل البراءة فان اصل البراءة يجرى فى نفى الوجوب و التحريم و ما يتعلق بالثانى ان كان يتعلق بالافعال فيسمى باصل الاباحة و ان كان يتعلق بالاعيان فباصالة الحلية و ان كان يتعلق بالاشياء فباصالة الطهارة و اما ما قرر فى العام و تملك به المرء

155

و بعضها مما الحكم فيه لزوم الاحتياط حتى عند الاصوليين و لو عند بعضهم فاعلم ان الاشتباه قد يتحقق اما فى الحرمة من غير احتمال الوجوب و اما فى الوجوب من غير احتمال الحرمة و اما فيهما بعد القطع بثبوت احدهما فى الرافع و اما فى باقى الاحكام معهما او مع احدهما ثم كل واحد من القسمين الاولين اما انه مما لا علم فيه بتعلق التكليف و لو اجمالا او مما علم بوجوده بين المشتبهات فما لا علم به على نحو ما ذكر لا يوجد فى ازمنة الانسداد الاغلبى و ما علم تعلقه و وجوده بين المشتبهات على قسمين قسم لا يتحقق فيه العلم الا بالنسبة اليها من حيث هى هى فالشك فى طائفة من الوقائع انما هو بالنظر اليها من حيث خصوصياتها و قسم يضاف فيه الى العلم المذكور العلم الى الواقعة الخاصّة ايضا لكن على سبيل الاجمال فح اما الامر دائر بين المتباينين او الاقل و الاكثر و الاول اما الشبهة فيه فى الحكم و المراد و اما فى المصداق فما فى الحكم يسمى شبهة حكمية و مرادية كما انّ فى الثانى يسمى شبهة موضوعية و مصداقية و شبهة فى طريق الحكم ثم الباعث على الاجمال اما تعارض النصوص و الادلة و اما اشتمال النصّ على الاجمال الناشى من مثل الاشتراك او تعدد المجاز ثم ان النسبة بين الاقل و الاكثر اما نسبة الاجزاء و الشرائط الى المركّب فيسمى الاقل و الاكثر ح بالارتباطيين و اما انها ليست كل فيسميان بالاستقلاليين ثم الشبهة اما مصداقية طريقية و موضوعية و اما حكمية فالشبهة فى الثانى اما ناشئة عن الشك فى الحادث و ذلك كما فى تعارض الادلة كما سبق و اما عن الشك فى الحدوث و ذلك فيما قطع بتعلق التكليف بالاقل و شك فى حدوث تكليف ينبعث منه مع ملاحظة ما سبق التكليف بالاكثر و اما عما يتعلق باللّفظ من الاجمال الناشئ عن الاشتراك و نحوه و قد يكثر الاقسام فى التحريمية باعتبار المتعلق من المحصور و غيره و من اللحوم و الفروج و نحو ذلك اذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام فى هذه المسألة فى مقامات عديدة

فى الشبهة الحكمية التحريمية

فنجعل المقام الاوّل فى الشبهة الحكمية التحريمية فان بيان الحال فيها هو اهم ما فى الباب لان ذلك مما اتفق عليه الاخبارية فى الحكم بوجوب التوقف بالنسبة الى جميع اقسام الشبهة من المسبّبة من فقد النص او تعارض النصّين من غير طريق الى الترجيح و من جملة ما لا نصّ فيه عندهم الاحكام التى يمكن استنباطها من متشابهات القرآن و جميع اقسام المفهوم و الاستصحاب و غيرها و من كل ما ليس بدليل معتبر عند الاخبارية

فى الأقوال فى المسألة

فنقول ان الكلمة الجامعة لاقوال الاخبارية فى هذا المقام هو لزوم التوقف المنبعث منه الآثار المترتبة على الخطر من تفسيق مرتكبه و غير ذلك فتسمية ذلك بالتوقف اما لاجل ملاحظة مرحلة الواقع او لاجل اكثر اخبار الباب مما قد وقع فيه الامر بالارجاء و التوقف فالاخبارية المتوقف كالاصولية المبيحة بالنسبة الى مرحلة الواقع فكلا الفريقين يحكمون بجهالة الحكم الواقعى و التوقف بالنسبة اليه الا ان الاخبارية يحكمون بالنسبة الى مرحلة الظاهر بالخطر كما ان الاصوليين يحكمون بالنسبة اليها بالاباحة فتسمية الاخبارية بالحاظرين اولى من تسميتهم بالمتوقفين و قد ينسب الى الاخبارية اقوال اربعة فمنهم من قال بالخطر واقعا و منهم من قال به ظاهرا و منهم من قال بالاحتياط و منهم من قال بالتوقف قبل و يمكن الفرق بان الادلة التى تمسكوا بها على التحريم منها ما يدل تظاهره عليه من جهة وجوب التوقف كما فى الفتوى قبل مراجعة الادلة و منها ما يدل عليه من جهة وجوب الاحتياط كما فى ركعات الشك و منها ما يدل عليه من جهة انه فى نفسه حرام ظاهرى كما فى مستصحب التحريم فصاحب كلّ مذهب يتمسّك على دعواه بما يختار العمل به منها و لهذا يعبر عن مذهبه بما يساعد عليه دليله هنا و يمكن حمل كلام المتوقف على التوقف فى تعيين الحكم الواقعى و الظاهرى و ارتكاب الفعل و الترك مجردا عن التقييد لجهة شرعية لكنه ينافى ما نسب اليهم من الاتفاق على التحريم انتهى و انت خبير بعدم استقامة الفرق المذكور مع انه لم يذكر فيه وجه الخطر الواقعى مع انه مما لا يتصور فى المقام اذ كيف يحكم الاخبارية فى صورة الاشتباه بان الحكم الواقعى الصّادر من الشارع الكائن على طبق الصّفة الكامنة فى الواقع هو الحظر نعم قد يتصور الحكم بالاباحة الواقعية فيما وقع الاشتباه فيه و كان مما يعم به البلوى كما اذعن بذلك و حكم بها فيه بعض الاخبارية و بالجملة ان دعوى القطع بان الحكم الظاهرى مط الذى هو لنا هو عين الحكم الواقعى الواصل من الشارع بالخصوص كائنا على طبق الصفة النفس الامرية مما لا يصح ان يصدر من الاخبارية او من غيرهم بل دعوى الظنّ بذلك على سبيل الارسال بعيدة فالحكمان قد يتحدان و قد يظن اتحادهما و قد لا يظن بل يحتمل المخالفة و كيف كان فالاصوليون متفقون على اجراء اصل البراءة فى المقام و لم ينسب المخالفة فى ذلك الى احد منهم إلّا الى المحقق كما فى كلام جمع حيث فصل بين ما يعمّ به البلوى و غيره ففى الاول كالاصولية و فى الثانى كالاخبارية و هذا التفصيل منه فى أوائل المعتبر بعد اذعانه بما عليه الاصوليون فى كتاب الاصول فلا باس بايراد كلامه فى المقام ليتضح به المرام فالاولى نقل ما ذكره الامين الأسترآبادي حيث انه قد تضمن كلام المحقق وشيا زائدا عليه فقال و اما التمسك بالبراءة الاصلية فى نفى حكم شرعى لان الاصل فى الممكنات العدم سواء ظهرت شبهة مخرجة عنها او لم تظهر فقد قال‏ (1) المحقق الحلى فى اصوله اطبق العلماء على ان مع عدم الدلالة الشرعية يجب ابقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الاصلية و قال ايضا اذا اختلف الناس على اقوال و كان بعضها يدخل فى بعض كما اختلف الناس على اقوال و كان بعضها يدخل فى بعض كما اختلف فى حدّ الخمر فقال قوم ثمانون و آخرون اربعون او فى دية اليهودى فقيل كدية المسلم و قيل ثمانون و قيل على النصف و قيل على الثلث هل يكون الاخذ بالاقل حجة حكم بذلك قوم و انكره آخرون اما القائلون بذلك فقالوا قد حصل الاجماع على وجوب الاقل و الاجماع‏

____________

(1) به كذلك علينا و العامة كلّ المتاخرين من اصحابنا قال‏

156

و الاجماع حجة و اختلف فى الزائد و البراءة الاصلية نافية له فيثبت الاقل بالاجماع و ينتفى الزائد بالاصل لان التقدير عدم الدلالة الشرعية الى ان قال انتهى كلام المحقق فى كتاب الاصول و قد رجع عن جواز التمسّك بالبراءة الاصلية فى غير ما يعم به البلوى فى أوائل المعتبر ثم قال ثمّ اقول هذا المقام مما زلت فيه اقدام اقوام من فحول العلماء فجرى بناء ان تحقق المقام فنقول التمسّك بالبراءة الاصلية انما يتم عند الاشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيين و كذا انما يتم عند من يقول بهما و لا يقول بالوجوب و الحرمة الذاتيين و هو المستفاد من كلامهم (ع) و هو الحق عندى ثم على هذين المذهبين انما قبل اكمال الدين لا بعده الا على مذهب من جوز من العامة خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى لا يقال بقى اصل آخر و هو ان يكون الخطاب الذى ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الاصلية لانا نقول هذا الكلام مما لا يرضى به لان خطابه تعالى تابع للحكم و المصالح و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة قد يكون ايجابا و قد يكون تحريما و قد يكون تخييرا و قد يكون غيرها لا يعلمها الا هو و نقول هذا الكلام فى قبحه نظير ان يقال الاصل فى الاجسام تساوى نسبة طبائعها الى جهة السّفل و العلو و من المعلوم بطلان هذا المقال الى ان قال و اما التمسك بان عدم ظهور مدرك شرعىّ لحكم عند المجتهد بعد تفتيشه مدرك شرعىّ لعدم الحكم فى الوقائع اجماعا فانما يتجه على مذهب العامة و قال المحقق فى أوائل المعتبر الثانى ان يقال عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه و هذا يصحّ فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف و لا يكون ذلك الاستدلال حجة و منه القول بالاباحة لعدم دليل الوجوب و الخطر و قال فى كتاب الاصول اعلم ان الاصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية فاذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه ان يتمسك فى انتفائه بالبراءة الاصلية فنقول لو كان تلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية ليس كل فيجب نفيه و لا يتم هذا الدليل الا ببيان مقدّمتين إحداهما انه لا دلالة عليه شرعا بان لا يضبطه طرق الاستدلالات الشرعية و يبين عدم دلالتها عليه و الثانية ان يبيّن انه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه احدى تلك الدلائل لانه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلف الى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق و لو كان عليه دلالة غير تلك الادلة لما كانت ادلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الاحكام فى تلك الطرق و عند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفى الحكم و اللّه اعلم انتهى كلامه ثم قال و انا اقول لقد احسن و اجاد المحقق الحلى فيما نقلنا عنه و ما رايت فقيها يكون حكيما بعد السّيد المرتضى رضى اللّه عنه و رئيس الطائفة (قدس سرّهما) الّا اياه يشهد بذلك من تتبع كلامه فى كتاب الاصول و فى كتاب المعتبر و كلام غيره من المتاخرين و تحقيق كلامه ان المحدث الماهر اذا تتبع الاحاديث المروية عنهم (ع) فى مسئلة لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر لعموم البلوى بها و لم يظفر بحديث يدل على ذلك الحكم ينبغى ان يقطع قطعا عاديا بعدمه لان جما غفيرا من افاضل علمائنا اربعة آلاف منهم تلامذة الصّادق (عليه السلام) كما مر نقله عن كتاب المعتبر رجال كانوا ملازمين لائمتنا (ع) فى مدة تزيد على ثلاثمائة سنة و كان هممهم و همم الائمة (ع) اظهار الدين عندهم و تاليفهم كلما يسمعونه منهم فى اصول لئلا يحتاج الشيعة الى سلوك طرق العامة و لتعمل بما فى تلك الاصول فى زمن غيبة الكبرى فان رسول اللّه و الائمة (ع) لم يضيعوا من فى اصلاب الرجال من شيعتهم كما تقدم فى الروايات المتقدمة ففى مثل تلك الصور يجوز التمسك بان نفى ظهور الدليل على حكم مخالف للاصل دليل على عدم دليل عدم الى ذلك الحكم فى الواقع مثاله نجاسة ارض الحمام و نجاسة الغسالة و وجوب قصد سورة معينة عند قراءة البسملة و وجوب نية الخروج من الصّلاة (1) ثم قال و لا يجوز التمسك به فى غير المسألة المفروضة الا عند العامة القائلين بانه (ص) اظهر عند اصحابه كلما جاء به و توفرت الدواعى على اخذه و نشره و ما خص احدا بتعليم شي‏ء لم يظهره عند غيره و لم يقع بعده فتنة اقتضت اخفاء بعض ما جاء به انتهى هذا ما

اردنا نقله من الامين الأسترآبادي (ره) فاعلم ان مقصود المحقق (ره) قد خفى على جم من المتاخرين و لهذا تمجمجت السنتهم فى بيان مرامه مما ذكره فى الكتابين و ممن تعرض لنقل كلامه و حمله على التفضيل بين ما يعم به البلوى و بين غيره صاحب الوافية فلا باس بايراد عمدة كلامه فى المقام ثم التعرّض لما فيه و لما عليه فهو قد جعل الدليل على اقسام القسم الاول ما يستقل به العقل و القسم الثانى استصحاب حال العقل اى الحالة السابقة و هى عدم شغل الذمة عند عدم دليل او امارة عليه ثم قال من غير اشارة الى الخلاف و وجه حجيته ح ظاهر اذ التكليف بشي‏ء مع عدم الاعلام به تكليف بما لا يطاق و يدل عليه الاخبار ايضا كما سيجي‏ء ثم قال القسم الثالث اصالة النفى و هى البراءة الاصلية ثم ذكر كلام المحقق فى كتابه الاصول و بيّن المتقدمتين و استفاد منهما التفصيل و اذعن به ببيان ما يقرب مما ذكره الأسترآبادي فقال فى جملة كلامه فى بيان عدم جواز التمسّك باصل البراءة فيما لا يعمّ به البلوى و على هذا فكيف يعلم من انتفاء الدليل انتفاء الحكم فى نفس الامر نعم يعلم عدم التكليف المكلف اذا لم يجد الدليل بعد التتبع بما فى نفس الامر لانه لا تكليف بما لا يطاق ثم ذكر فى بيان المقدمة الثانية التى كانت فى كلام المحقق (ره) و جواز التمسك باصل البراءة فيما يعم به البلوى ان الفرق بين هذا القسم و القسم الثانى اى استصحاب حال العقل ان بناء الاستدلال فى القسم الثانى على انتفاء الحكم فى الزمان السّابق و اجرائه فى اللاحق بالاستصحاب فيرد عليه ما يرد على حجية الاستصحاب فى نفس الحكم الشرعى و لهذا اعترضت الشافعية على الحنفية بان قولكم بالاستصحاب فيرد عليه ما يرد على حجية الاستصحاب فى نفى الحكم الشرعى دون نفسه تحكم و بناؤه فى هذا القسم‏

____________

(1) بالتسليم‏

157

على انتفاء الدليل على ثبوت الحكم فى الحال سواء وجد فى السابق او لا نعم لما اعتبر فى القسم الثانى عدم العلم بتجدد ما يوجب ثبوت الحكم فى الآن اللاحق بعد الفحص المعتبر فى الحكم ببراءة الذمة كان كل موضع يصحّ فيه الاستدلال بالقسم الثانى يصح بهذا القسم ايضا فلذا لم يفرق جماعة بينهما و عدوهما واحدا ثم ذكر القسم الرابع من اقسام دليل العقل و هو الاصل المعروف بالاخذ بالاقل و ذكر ما يشترط فيه ثم ذكر القسم الخامس و هو التمسك بعدم الدليل فقال فيقال عدم الدّليل على كذا فيجب انتفاؤه و ذكر ما ذكره المحقق فيه فى المعتبر فاستجوده و استحسنه ثم قال ففيما يعم به البلوى يمكن التمسّك بهذه الطريقة و اما فى غيره فيحتاج الى المقدّمتين المذكورتين و لا يتم الا ببيانهما مع استحالته عندنا لما عرفت ثم ذكر بعض ما فى الذكرى و انا اقول ان كل ما فى الذكرى فى هذا الباب كنفى‏ (1) الغسلة الثالثة فى الوضوء و كذا الضربة الزائدة فى التيمّم و نفى وجوب الوتر و يسمّى استصحاب حال العقل و قد نبه عليه فى الحديث بقولهم (ع) كل شي‏ء فيه حلال و حرام و هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه و شبه هذا الثالث لا دليل على كذا فينتفى و كثيرا ما يستعمله الاصحاب و هو تام عند التتبع التام و مرجعه الى اصل البراءة و الرابع الاخذ بالاقل عند فقد دليل على الاكثر كدية الذمى عندنا لانه المتيقن فيبقى الباقى على الاصل و هو راجع اليها انتهى كلام الشهيد فى الذكرى ثم قال و الظاهر ان الفقهاء يستدلون بهذه الطريقة على نفى الحكم الواقعى و باصالة البراءة على عدم تعلق التكليف و ان كان هناك حكم فى نفس الامر فلذا عدا قسمين و اختلف العامة فى ان عدم المدرك هل هو مدرك شرعى لعدم الحكم او لا و قد عرفت مما مر جلية الحال و الحق عندنا انه لا يوجد واقعة الا و له مدرك شرعى بركات ائمة الهدى (ع) و لا اقل من اندراجها فى ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و فى كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى و فى اخبار التوقف و غير مما مر فلا تغفل انتهى كلامه فاذا عرفت هذا فاعلم ان المتراءى من الامين الأسترآبادي على ما عرفت من كلامه جواز التمسّك بكلا الاصلين من اصل البراءة و اصل عدم الدليل دليلا لعدم فيما يعم به البلوى لكن لم يبيّن مراد المحقق من التوقف فيما لا يجرى فيه اصل العدم على ما فى المعتبر مما يعمّ به البلوى على ما فهمه من كلامه هذا التفصيل نعم يتراءى من الأسترآبادي و يستشم من نفحات كلماته ان توقف المحقق توقف بالنسبة الى فهم ما فى مرحلة الواقع كما ان حكمه بالبراءة فيما يعمّ به البلوى حكم بالنسبة اليها و ان هذا التوقف هو التوقف الذى يترتب عامه ما عليه الاخباريون من الحكم بالخطر فى مقام العمل و تفسيق المخالف نظرا الى ما يدل عليه من الاخبار فلازم هذا عدم صحة التمسك للتحقيق باستصحاب حال العقل ايضا و عدم حجّيته عنده لان مفادة الاباحة و مرجع التوقف الحظر هذا إلّا انه يأباه اطلاق عبادة المعتبر فى استصحاب حال العقل و يحتمل ان يكون مراد الأسترآبادي ان المحقق لا يجرى الاصلين او احدهما فيما لا يعم به البلوى لنفى الحكم عن مرحلة الواقع بل يتوقف فى ذلك و ان كان ممن يحكم بالاباحة و يثبتها طاهرا نظرا الى العمومات الدالة عليه فيكون استجارة كلامه و استحسانه و الاطراء فى المدح و المبالغة فى الثناء عليه لاجل توقفه بالنسبة الى ما ذكر و ان كان هو ممن يخالفه نظرا الى مرحلة الظاهر و مقام العمل و هذا ايضا كما ترى ممّا لا يناسب اذ لا فائدة فى ذلك لان وظيفة الاصولى الفقيه بيان ما ينفعه فى الفقه و التعرض لما يثمر فى مقام العمل فيكون تعرضه من التوقف بالنسبة الى مرحلة الواقع فيما لا يعمّ به البلوى مع حكمه بالاباحة فى مرحلة الظاهر و حكمه بها فيما يعم به البلوى بالنسبة الى المرحلتين مما فيه استدراك غير نافع و تطويل غير مثمر على ان هذا ليس مما يختصّ بالاصلين او احدهما كما انه ليس مما انفرد به المحقق (ره) بل ان سجية الاصوليين على ذلك و ان مثل ما ذكر يجرى فى اكثر الادلة مما يكون من قبيل الاصول او غيره و مع ذلك فاطلاق كلام المحقق (ره) فى استصحاب حال العقل مما يدفعه جدّا هذا و اما ما يستفاد من صاحب‏

الوافية على ما سبق من كلامه فهو ان استصحاب حال العقل حجة من غير اشتراطه بشرط غير ما اشار اليه من عدم تجدد ما يوجب شغل الذمة فى الزمان الثانى فيجريه فيما يعم به البلوى و غيره و يثبت به الحكم الشرعى اى الاباحة و ان اصل البراءة لا يجرى فى غير ما يعم به البلوى لانه بالنسبة الى نفى الحكم عن الواقع فذلك يتمشى فيما يعم به البلوى فيفيد الظن بعدم الحكم فى نفس الامر و كذا الكلام فى قاعدة عدم الدليل إلّا انها مما لا يحتاج اليها عندنا نظرا الى عدم خروج شي‏ء عن الدليل و النص عندنا و لو كان من قبيل العمومات فليس توقف المحقق فيما يتوقف فيه عنده من التوقف الذى لازمه الخطر كما كان هذا احد المحتملات من كلام الأسترآبادي بل توقف المحقق عنده توقف فى نفى الحكم عن الواقع هذا و هو كما ترى مدخول ايضا من وجوه فيعرف جملة منها من التامل و المراجعة الى ما سبق على انّ قوله فى ذيل كلامه و الحق عندنا لا يوجد واقعة الخ لا يلائم لما ذكره المحقق اصلا مع انه زعم تطبيق كلامه بكلام المحقق و كذا عده استصحاب حال العقل قسيما لاصل البراءة و عدم اشتراطه فى الاول شرط عموم البلوى بخلاف الثانى و مع الاغضاء و الاغماض عن كل ذلك يرد عليه ان مقتضى استصحاب حال العقل على ما ارسلت الكلام فيه هو اثبات الاباحة على سبيل الارسال فالمقصود اثباته فلا غائلة ح ان لا يجرى اصل البراءة و لا قاعدة عدم الدليل اذ لا نزاع بحسب التسمية و التفرقة الناشئة عن الاعتبارات و ان كان فهو مما لا فائدة فيه فالحق ان مراد المحقق (ره) ليس شيئا مما زعماه و لا ما زعمه جمع من المعاصرين بل مراده ما بنى عليه الشهيد الامر فى الذكرى فان استصحاب حال العقل الذى ليس موارده الا مظان الحكمين من التحريم و الوجوب فينفى به التكليف فى مرحلة الظاهر و لكن شرط التمسّك به فقد الدليل فى قباله فهو لا يؤثر شيئا الا نفى التكليف‏

____________

(1) هو هكذا الثانى التمسك باصل البراءة عند عدم دليل و هو عام الورود فلا؟؟؟ تمسك‏

158

نفى التكليف و يثبت به الحكم اى الاباحة بملاحظة عدم الدليل و نحوه فهو مما يجوز ان يتمسّك به فى نفى التكليف و لو قبل التتبع التام فى مقام رد الخصم و قبال من يثبت التكليف نعم فى مقام العمل بترتيب الآثار يرجع الى عدم الذى لا بدّ فيه من التتبع التام و هو دليل لاثبات الحكم و لهذا اشترط الشهيد فى عدم الدليل ما ذكر فلا يستفاد من كلام المحقق ازيد من ذلك و ليت شعرى بان القوم كيف حملوا كلامه على التفصيل بين ما يعم به البلوى و بين غيره و كيف غفلوا عن كلام من هو انس بلسانه و اعرف بكلماته بقرب العصر و نحوه كالشهيد (ره) فعلى هذا يكون فى كلام المحقق شي‏ء من التفصيل الذى نسبوه اليه ثم ان شئت ان يتبين لك حال اصل البراءة و التفاوت بينه و بين عدم الدليل فقل ما اشار اليه البعض من الاصوليّين و الفقهاء تارة يتعلقون فى النفى باصل البراءة ثم يشيرون الى توفى شرطه فيقولون و لا دليل و تارة يتعلقون فيه بعدم الدليل ثم يشيرون الى اصله فيقولون الاصل البراءة و لما اشتهر ذلك تعلقوا بعدم الدليل على الاطلاق من دون اشارة الى الاصل لثبوته كما انهم كثيرا ما تعلقوا بالاصل من دون اشارة الى عدم الدليل للعلم بالاشتراط ثم لما فشاء ذلك عدوا عدم الدليل من الادلة و فهم ان الاستدلال به فى الحقيقة استدلال باصل البراءة هذا و لنعم بعض ما ذكر بعض اعاظم الافاضل حيث قال لا يخفى ان الحكم الواقعى مما لا فائدة للفقيه من حيث هو لان الفقه يعلم ليعمل و اما العلم بثبوت الاشياء و انتفائها فى نفسها لا سيّما احكام افعال المكلفين فان كان وظيفة لعلم فهو وظيفة علم آخر و على هذا فمن يستدل بقاعدة عدم الدليل على نفى الحكم فى الواقع انما يستدلّ به لاثبات عدم التكليف اللازم لهذا النفى اذ لا تكليف حيث لا حكم فان استدل ثانيا بالبراءة الاصلية على العدم يكون الغرض اقامة الادلة على مدلول واحد و هى مطلوبة فى بعض المطالب و ان عكس فاستدل على العدم او لا ثم على النفى فان كان الثانى على العدم ايضا و توسيط النفى للانتقال منه الى لازمه فصحيح كالاول و الا فهذر ثم اذا انت فتشت وجدت مرجع هذا القسم و البراءة الاصلية الى عدم وجدان الدليل لكنهم اختلفوا فمنهم من يقول بعدم الملازمة بين عدم الوجدان و عدم الوجود و منهم من يدعيها فواحد يقول لم اجد التكليف فلا تكليف و الآخر يقول لم اجد الدليل فلا دليل فى الواقع فلا تكليف فليت المصنف يعد الجميع واحدا و يتكلّم عليه و الحاصل ان اصالة العدم هى التى يدور عليها الاقسام حتى الاستصحاب‏ (1) عدم تجدد الرافع و الغاية انتهى فلا يخفى جودة بعض ما فى هذا الكلام و ان كان بعضه مما لا يخلو عن نظر ثم اعلم ان ما صدر فى المقام عن المحقق الثالث مما فيه من الغفلات لا لاجل انه قال ان المحقق قد خصّ حجية اصل البراءة فى كتابه المعتبر مما يعمّ به البلوى مع ان الامر ليس كذلك ما فى المعتبر انما فى قاعدة عدم الدليل لان الامر فى مثل ذلك سهل بل لانه وجه كلام المحقق اولا بان مراده فيما يعمّ به البلوى يحصل الظنّ بالحكم الصّادر عن الشارع اى الحكم الخاص المكائن على طبق الصّفة الواقعية و انه هو الاباحة بخلاف ما لا يعمّ به البلوى فانه يحتمل ان يكون الحكم الصّادر مخالفا للاصل و لكن لم يصل الينا لعدم توفر الدواعى ثم اورد عليه ثانيا بانه انما يحسن علّة للحكم بالاباحة الشرعية و عدمه بالخصوص و لكنه لا ينافى ذلك كون حكم ما لم يعلم حكمه من الشارع بالخصوص هو البراءة اللزوم التكليف بما لا يطاق لولاه و انّ المثمر فى البيان هو البيان الواصل الى المكلف لا مطلق البيان هذا ثم قال الحق و التحقيق هو جواز التمسّك باصل البراءة فيما لم يبلغ الينا فيه نص الى ان قال و ما يتراءى فى الكتب الفقهية من التوقف انما هو التوقف من حيث خصوص المسألة بالنظر الى الدليل او تعارض الامارات من الطرفين و ان كان عملهم بعد ذلك الرّجوع الى الاصل و التخيير هذا و انت خبير بان بين ما نسبه الى المحقق اولا من اختصاص حجية اصل البراءة بما يعم به البلوى و التوقف فيما عداه على ما فهمه من كلامه اثبات الاباحة الصّادرة عنه بالقول او التقرير بخلاف ما يعم به البلوى فانه لا يجرى فيه فهذا لا ينافى اجراء اصل البراءة

فى كلا القسمين بالنّظر الى مرحلة الظاهر و نفى التكليف فلا تدافع و لا تناقض فيما فهمه من كلام المحقق و لا فيما نسبه اليه قلت ان هذا ايضا مدخول جدّا لانه ان كان مراده هذا فلا وقع لما اورده على المحقق (ره) على ان حمل كلام المحقق فى الاول على ملاحظة حال الواقع و بيان الحكم المترتب على طبقه مما يرد عليه ما قدمنا و ما ايدناه بقول بعض الاعاظم فليته قد بيّن مراد المحقق (ره) من التوقف الواقع فى عبارة كتابه المعتبر هل هو التوقف الذى ينبعث منه الاحتياط كما عليه الاخباريّة او غيره و على الثانى بيان ما يترتب عليه و بالجملة فهذا المحقق الثالث لم يات فى بيان مراد المحقق بشي‏ء يطمئن به النفس و ما هو اهمّ فى المقام فلعله اراد من التوقف فى كلام المحقق التوقف الغير المنبعث عنه الاحتياط فمع هذا فنقل الكلام عنه و الايراد عليه مما لا مخر له اصلا فت ثم من اعجب الامور ما صدر عن بعض المعاصرين فى بيان المراد من عبارة المعتبر و بيان الفرق بين استصحاب حال العقل و قاعدة عدم الدليل و ذلك قوله اقول تثليث المحقق لاقسام الاستصحاب يبتنى على احد امرين الاول ان يريد بقوله عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه استصحاب عدم غير التكليف من احكام الوضع بقرينة المقابلة فيستفاد من كلامه اشتراط العلم بعدم الدليل فى حجية الاستصحاب المعمول فى نفى الحكم الوضعى دون التكليفى فان اراد بالعلم معناه الحقيقى كما هو الظاهر فالفرق واضح و ان اراد به ما يتناول الظن المستند الى الفحص فى الادلة

____________

(1) كان مرجعه الى استصحاب‏

159

كان الفرق باعتبار اشتراط حصوله فى نفى الاول دون الثانى فان الفحص قد لا يفيد الظنّ بالعدم فيكفى فى نفى التكليف دون حكم الوضعى الثانى ان يريد ان الاستصحاب قد يستعمل فى نفى الحكم ظاهرا و هذا لا يعتبر فيه الا عدم العثور على ما يدل على الخلاف و ينقسم باعتبار المورد الى القسمين المذكورين و قد يستعمل فى نفى الحكم واقعا و هذا يعتبر فيه العلم بعدم الدليل على الخلاف و لا يخفى ما فيه بل الصّواب ح ان يقال يعتبر فيه العلم بان الحكم لو كان خلاف ذلك لعثر على دليله اذ مجرّد العلم بعدم الدليل لا يفيد العلم بعدم الحكم غاية الامر ان يفيد الظّن و لا دليل على اعتباره هنا و لا يذهب عليك بان الوجه الثانى اقرب الى مساق بيانه و كيف كان فليس فى كلامه التفصيل فى حجية اصل البراءة بل فى حجية اصل العدم و قد عرفت الفرق بينهما بقرينة المقابلة انتهى كلامه و انت خبير بان ذلك التفسير و التوجيه لكلام المحقق (ره) من المجاز فات الصّرفة و التخمينيات المحضة فالمحقق اجل شأنا من ابتناء امره فى المسألة على ما احتمله من الوجهين اذ كل منهما لو بنى الامر عليه يورث اعتراضات عديدة على المحقق (ره) و بالتامل فيما قدّمنا يظهر لك وجه كل ذلك فلا حاجة الى الاطالة بالاعادة ثم الاعجب من كل ما ذكر من كلمات هؤلاء الفضلاء الواردة فى بيان مراد المحقق (ره) ما صدر عن بعض مشايخنا (ره) حيث نسب التفصيل الى المحقق (ره) فى المعتبر بمعنى ان مذهبه فيما يعم به البلوى اجراء اصل البراءة و الحكم على طبقه من الاباحة و فى غيره التوقف المنبعث عنه الاحتياط و الحكم بالخطر فى مرحلة الظاهر فليت شعرى بانه من اين فهمين كلام المحقق (ره) و بالجملة فاكثر ما ذكر فى المقام من الغفلات الناشئة عن ملاحظة ما اشار اليه الأسترآبادي و قصور التتبع و قلة التامل فى العبارات و عدم الالتفات الى ان كلمات المعاصرين يكشف بعضها عن بعض فالتعويل على ما ذكرنا فى بيان مراد المحقق على ما اهتدينا به من كلام الشهيد (ره) و عقد الباب و جملة الامر ان التفصيل فى المقام بان يقال بالاباحة فيما يعم به البلوى و الخطر فى غيره لم يصدر من احد من المجتهدين فما نقلنا عن صاحب الوافية ليس تفصيلا من هذه الجهة بل ان عمله على الاباحة مط نظرا الى الاستصحاب حال العقل المغاير عنده لاصل البراءة و قاعدة عدم الدليل او الى الآيات و الاخبار التى هى مدرك هذا الاستصحاب فالتفصيل منه انما هو بالنسبة الى اصل البراءة و قاعدة عدم الدليل نظرا الى ملاحظة الحكم الصّادر عن الشارع كما بنى عليه امره فى بيان المقدمتين نعم انّ الأسترآبادي قد خرج فى المقام عن الطريقة الاخبارية فقال باجراء الاصل فيما يعم به البلوى و اثبات الاباحة به نظرا الى ما ذكر فى المقدّمتين و بالخطر فى غيره و ستطلع انش تعالى على عدم تمامية كلامه و مدخولية مقدّمتيه و كيف كان‏ فالمقام الاول‏ من مقامات مسئلة اصل البراءة فى بيان الشبهة الحكمية التحريمية

فى أن الحق فى المسألة هو البراءة كما عليه الاصوليون‏

فالحق مع ما عليه الاصوليون للعقل و النقل من الكتاب و السنة فالعقل القاطع كطريقة ذويه يحكم بانه لا تكليف الا بعد بيان الشرع او العقل فيقبحه بدونه فلا ريب ان التكليف بالشي‏ء هو طلب فعله او تركه و الطلب هو بيان المطلوبيّة لمن طلب عنه و قد يترقى فى المقام و يقال ان التكليف من دون بيان تكليف بما لا يطاق و هو من وجه فى محله فما قدمنا من الادلة العقلية فى مقام اثبات الاباحة العقلية يجرى باسره فى هذا المقام فان قلت ان المتوقف لا يثبت تكليفا فى المقام قلت هذا هذر من الكلام اذ هو مثبت الخطر فى مرحلة الظاهر فقوله بالمؤاخذة و العقاب بالارتكاب هو عين اثباته و احتمال انه يقول لا ادرى ان المرتكب هل يعاقب ام لا من المجازفات على ان تجويز العقاب فى المقام يستلزم اثبات التكليف من وجه هذا و قد يستدل على المط بغير ذلك من دلائل العقل من استصحاب عدم الحرمة و قاعدة عدم الدليل و هذا مما فى مخره لو لم يكونا اعم من البراءة بان يثبت المغايرة بينهما و بينها و لو بالاعتبار و إلّا فلا لكونه نوعا من المصادرة فالاستدلال بالاعم ليس فى كلّ موضع من المصادرة بل فيما يشبه المقام‏

فى بيان الاستدلال بالآيات الدلالة على أصالة البراءة

بان يكون الدليل من القواعد المنطبقة على الجزئيات فت ثم الآيات التى يمكن ان يتمسّك بها فى المط تقرب من عشرين الا اوضحها دلالة و اصلها من تطرق الخدشة فى الاستدلال به عليه جملة من ذلك فمنها قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها و التقريب واضح سواء كان الاتيان بمعنى الاقدار او الاعطاء او الاعلام بنصب الدّلائل و الاول بعد ملاحظة ان التكليف بلا بيان تكليف بما لا يطاق فالمتأمل فى دلالته فى غفلة و منها قوله تعالى‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ و التقريب اوضح فهو ينفى التكليف الالزامى قبل البيان فالمعاصر المستدل على نفى الاربعة بناء على اصله من اجراء اصل البراءة فيها فى زلة ظاهره و منها قوله تعالى‏ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ و التقريب ظاهر و ان كان مما لم يرد فى بيانه نص و قد ورد عن الصّادق (عليه السلام) حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه و منها قوله تعالى‏ وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏ و التقريب ظاهر اذا استفيد منه ان عدم التفصيل و البيان علة الحكم بالحلية فى مرحلة الظاهر و منها قوله تعالى‏ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ* الخ و التقريب بالحصن المستفاد و منها قوله تعالى‏ قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً و التقريب فى غاية الظهور اذ دل على انّ عدم الوجدان دليل على نفى مطلق التحريم و قد ترقى البعض فى المقام و قال فى الآية اشعار بان اباحة الاشياء مركوزة فى العقول قبل الشرع لانها فى صورة الاستدلال على الحل بعدم وجدان التحريم الا للاشياء الخاصّة هذا و اعترض عليه بان الحلال بل فصل الحرام نقله مفاد الآية انى لا اجد فيما اوحى الى من الاشياء

160

من الاشياء التى بين لى حلها و حرمتها محرما الا كذا و كذا و انما لم يفصل الحلال بل فصل الحرام لقلة الثانى و كثرة الاول فاقتضى مقام البلاغة ذكر الثانى ليعلم ان ما يغايره من القسم الاول و هذا المعنى و ان كان فى الثمرة و هى اباحة كل ما سوى المذكورات بعد الاستثناء كما لمعنى الاول و لكنه لا يفيد كون الاباحة هو الاصل المركوز فى العقول بل يفيد ان اللّه تعالى اباح ما سوى المذكورات فيثبت الاباحة الشرعية هذا و قد تنظر فيه البعض بان ما ذكر انما يناسب ما لو كان الكلام هكذا قل ليس فيما اوحى الى الخ و اما قوله قل لا اجد فيشعر بان سبب الحل عدم وجدانه لا البيان بالوحى هذا و فيه نظر جلى فالحق الانتصار للترقى المذكور ان يقال ان هذا هو المستفاد من ملاحظة كون الخطاب لمن لا يتديّن بالشرائع فلا يحسن الرد و الانكار عليهم الا بثبوت الاباحة و كونها مركوزة فى العقول فيكون المعنى الاشياء على اصلها الاولى المركوز فى العقول الا ما اخبر اللّه تعالى بحرمته فما لكم تخالفون لمركوزات العقول بالحكم بحرمة ما لم يخبر اللّه بحرمته و بالجملة فالآية ادل دليل على المط و منها قوله تعالى ليس على الذين آمنوا و عملوا الصّالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصّالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و احسنوا ان اللّه يحب المحسنين و التقريب بعموم ما فيه و دعوى ان ما فى الآية مختص بمن جمع الصّفات المذكور فيها و بالطعام الذى طعموه قبل نزولها مما ليس فى مخره اذ العبرة بما يستفاد من الآيات من العموم فلا اعتبار بخصوص السّبب و الا لم يخبر التمسك باكثر الآيات المستدل بها فى ابواب الفقه و الاصول فلا فرق فى ذلك بين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصة و اخبارهم من انها وردت فى قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد و الترهب و بين ان يكون ما عليه اكثر العامة من انها وردت فى قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد و الترهّب و بين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصّة و اخبارهم بعد تحريم الخمر و بعد سؤال الاصحاب بقولهم فكيف باخواننا الذين ماتوا و هم يشربون الخمر و ياكلون مال الميسر يا رسول اللّه (ص) و بالجملة فالتعويل على ما يفيده الآية بظاهرها و لا يقدح فيما قررنا كون الافعال فيها بصيغة المضى و هذا ظاهر و نظائر ذلك كثيرة على ان ثبوت ذلك فى حق جمع ممن اتصف بالصفات المذكورة يثبت المط لادلة التشريك من الاخبار و الاجماع ثم اذا ثبت فى الطعام من الماكول و المشروب ثبت فى ساير الافعال من اللمس و الشم بعدم القائل بالفرق و الاولوية و تكرار بعض الالفاظ فى الآية مما لا يقدح فيما قررنا كما انه لا يؤيده و المتكفل لبيان سره علم البلاغة و علم التفسير فالنكتة فيه غير غريزة نعم فيها شي‏ء مما يوهم القدح فيما قررنا فى الجملة و هو ان عطف الايمان على الاتقاء قاض بدخوله فى شرط نفى الجناح عن المباح و ذلك يستلزم ثبوت الجناح على الكافر فى المباح هذا و مع ذلك فلا قدح لما ذكر فيما قررنا بعد امعان النظر لان الاثبات فى الجملة كاف لنا على انه يمكن التقدير مما يصح به التعميم و انه يمكن ان يقال ان الايمان ليس بداخل فى الشرط حقيقة و انما عطفه عليه لاشتراكهما فى الوجوب توسعا فى البلاغة بما يستقر به الفصحاء و يستحسنه العقلاء البلغاء هذا و منها قوله تعالى‏ خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و قد مرّ تقريب الاستدلال به فى بحث الاباحة العقلية فما صدر عن البعض من انه ليس فيه لفظ دال على العموم فى الانتفاع و على تقدير عمومه يكفى فى مقام الامتنان اباحته تعالى جميع الانتفاعات و لو كان بعضها عند الاضطرار لان منع عدم المضطرين نعمة و منة عليهم و يؤيد ذلك منع الباغى عن الانتفاع بالميتة فى حال اضطراره فمما ليس فى محلّه فبأدنى الالتفات يظهر ردّه و مثل ذلك اختصاص الانتفاع بالاستدلال على وجود الصانع و توحيده و اثبات صفات له و نفى صفات عنه و الاحاديث الواردة فى تفسيره بانه خلق لكم ما فى الارض جميعا لتعتبروا به مما لا يقدح فيما قررنا لما ذكرنا فلعل الاختصاص فى الاخبار بالنظر الى ملاحظة الاهم الاعظم و منها قوله تعالى‏ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ* و منها قوله تعالى‏ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏ و قد مر التقريب‏

فيهما و منها قوله تعالى‏ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏ و منها قوله تعالى‏ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ و منها قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً و منها قوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و لعلّك تقدر بالتامل فيما قررنا على دفع ما يرد على الاستدلال بهذه الآيات و منها قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فمن يستدلّ به فلا بد ان يقول فى معناه انه نفى التحريم و الوجوب بالاخبار عن العفو عن المؤاخذة عن كل ما يفعله المكلف او يتركه مما لم يستقل بادراكه العقل الى زمان وصول اليه و اما من استدل به على حجية اصل البراءة و دفع الاشكال الوارد عن جهته من قبل المنكرين للتطابق و التلازم على مثبتية بجواز العفو فقد وقع بين كلاميه تناف و تدافع جدا و القول بان من فعل كل فلعله اراد نفى الوجوب و التحريم بالمعنى الذى اثبته الخصم فانه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه بالعقود و عدم المؤاخذة و لو مع الاصرار بل يجعله كغيره من الذنوب مما لا يجدى فى الانتصار بل يزيد الشناعة و البشاعة فت‏

فى الاستدلال بخبر كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى‏

ثم ان الاخبار الدالة على المط فى غاية الاستفاضة بل لا يبعد دعوى كونها متواترة معنوية فمنها ما رواه الصّدوق فى يه عن الصّادق (عليه السلام) فى باب جواز القنوت بالفارسية و هو قوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى و قد رواه الشيخ ايضا و فى روايته امر و نهى و التقريب واضح و حمل المط على كل حكم عام او مطلق او حمل ما فى الخبر على الشبهة الموضوعية او على ما يحتمل الوجوب و الاباحة او على ما قبل اكمال الشريعة او على صورة ما يعم به البلوى او قبل البعثة او على التقية من التاويلات و التكلّفات البعيدة مع ان جملة مما ذكر مما لا يصح ارادته جدّا و المناقشة بالارسال‏

161

و الضّعف و ظنية الدلالة كالمناقشة بان اخبار الاحتياط واردة عليه و ما فى معناه ضعيفة اذ الضّعف منجبر بعمل المعظم و دعوى الاجماع من غير واحد كما سيأتي الى ذلك الاشارة و الآيات الكثيرة و عدم حجية الظن فى الاصول اول الكلام على انه يفيد المط بعد تعاضده بما مر و بما ياتى على ان المسألة من وجه من المسائل الفقهية و ان ذلك البحث من الاخبارية مما لا يقع فى محله لقولهم بقطعية ما فى الكتب الاربعة خصوصا كتاب الفقيه و بعد امعان النظر فى الخبر يظهر ان بينه و بين اخبار الاحتياط تدافعا و تعارضا لا انها واردة عليه لانه يثبت الاباحة بالنسبة الى الوقائع الخاصّة و تلك الاخبار تنفيها نفى التعارض يبقى الموضوع فى المتعارضين بحاله الا انهما يختلفان فى الكيف و الامر هنا كل فى الوارد و المورود لا يبقى الموضوع فى المورود بحاله بعد ملاحظة الوارد و القول بانه اذا لوحظ الامر بالنسبة الى هذه الواقعة العامة اى مسئلة اصل البراءة و الاحتياط يكون المقام مما فيه وارد و مورد مما لا يصغى اليه لان المآل الى التدافع و التعارض بعد امعان النظر و الحاصل ان المتبادر من الرواية ثبوت الاباحة لا سلب الاحكام و هو معنى التزامى له و لذلك الالتزامى التزامى آخر و هو سلب الحكم فى الواقعة اى سلب الوجوب و الحرمة فدل الخبر على المط فرجع الامر الى التعارض فيرجح الخبر على اخبار الاحتياط لوجوه كثيرة من المرجحات فتحمل على الاستحباب و المناقشة بانه يدل على اباحة ما لم يرد فيه نهى و ان استقل به العقل و هذا خلاف التحقيق او الاجماع كالمناقشة بانّ مقتضاه اباحة كل شي‏ء يعلم بعدم ورود النهى عنه فلا يشمل ما احتمل فيه احد الامرين مع ان المقصود اثبات اباحته و المناقشة بانّ اقصى ما يدل عليه هو كون ما لم يرد فيه نهى مباحا بالذات و هو لا ينافى الحرمة من باب المقدمة بمعنى اللّابدّية العقلية من المناقشات التى لا يصغى الى مثلها اذ لا يشمل الخبر مستقلات العقل فالمتبادر منه الشي‏ء الذى لا يستقل به العقل على انه لا ضير فى التخصيص و التقييد و ان مقتضاه هو الحكم باباحة كل شي‏ء لم يعلم بانه منهى عنه سواء علم بعدم النهى او الشك فيه لان التقدير كل شي‏ء مطلق حتى يحصل العلم بورود النهى عنه اى العلم بالمعنى الاعم الشامل للظن المعتبر و من هنا انقدح بطلان المناقشة الثالثة لان الحكم بالاباحة لاجل عدم العلم بورود النهى لا يجتمع مع الحكم بالخطر من باب المقدّمة فهذا انما يتمشى لو تساوى مع احتمال الاباحة و قد ابطله الخبر و القول ان هذا الخبر انما يتمّ المط لو اضمر العلم او يقال بان الالفاظ موضوعة للامور المعلومة و الاول خلاف الاصل و الثانى خلاف التحقيق مما ليس فى مخره فلعله انما نشأ مما اشرنا اليه من ان التقدير كذا و كذا فذلك انما كان لبيان المراد لا ان فى المقام تقدير او اضمارا بل ان ما قلنا هو المستفاد من الخبر بملاحظة ارادة الوصول و البلوغ لا الصدور من الورود و هذا هو المتبادر من الخبر فعلى هذا لا غائلة مما ينافى الاصل و التحقيق على انّ ارادة الصدور من الورود مما يمكن بفرضه الاستدلال ايضا غاية ما فى الباب يؤخذ فى البين قضية العلم و عدمه و ذلك لا بالاضمار بل لانصراف المعلومة و بالجملة فاذا شك فى الصدور فيقال الاصل عدم الصّدور في ملاحظة هذا يتم الاستدلال بالخبر على المط و لو على الفرض المذكور و حديث ان الاصل لا يجرى هنا لان الشك فى الحادث فيعارض اصل عدم الحرمة باصل عدم الاباحة غير مسموع لان المعارضة بالمثل انما تجرى لو كان المقصود اثبات الاباحة بالخصوص و ليس الامر كذلك و نظير ذلك مما يتوهّم فيه المعارضة بالمثل نظرا الى الشك فى الحادث و ليس منه فى الحقيقة باعتبار امر آخر نفى اشتراك بالامر فى الوجوب و الندب بعد تيقن كونه حقيقة فى الاول فلا يعارض اصل عدم الاشتراك باصل عدم المجاز نظرا الى ان كلا منهما يحتاج الى الوضع و ذلك ان الوضع النوعى فى المجاز ليس بمنزلة الوضع فى الحقائق فان ثبوت فاذا نفى كون لفظ حقيقة الى الوضع و ذلك ان الوضع النوعى فى المجاز ليس بمنزلة الوضع فى الحقائق فان ثبوت الاول اى بحسب السنخ و النوع متيقن فاذا نفى كون لفظ حقيقة فى معنى دخل تحت ذلك الوضع و غير ذلك فى المواضع الكثيرة على ان اجراء الاصل فى صورة المشتبهات الكثيرة مما لا ريب فيه و

ذلك كما فى الشبهة الغير المحصورة لا يقال انه يثبت ح قياس صغراه ثابت بالاصل و كبراه بالخبر فثبوت حكم الكبرى للصّغرى التى ثبت بالاصل اول الكلام لانّه جزاف اذ على فرض حجية اصل العدم و استصحابه لا مخر له فان قلت انه لو حمل النهى فى الخبر على حقيقته لزم خلاف المقطوع به الا ان يخصص بصورة الندب او الكراهة و ذلك يستلزم تخصيص الاكثر فيحمل على المجاز فلا يكون دليلا فى المط قلت ان الحمل على الحقيقة مع التخصيص مما لا ضير فيه و التخصيص المردود بحسب خروج الاكثر انما هو فى الافرادى لا الصنفى فيقدم التخصيص على التجوز على ان بارتكابه ايضا يتم المط كما لا يخفى فت و منها خبر زكريا بن يحيى عن الصادق (ع) قال ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم الحديث و التقريب واضح و حمل ما فيه على الاغتفار و رفع المؤاخذة فى الخطاء فى الاجتهاديات بعد الفحص اللازم كاختصاصه باسرار القضاء و القدر و مسئلة الطينة و الخلق و نحو ذلك من الامور الغامضة و الحكم الدقيقة بعيد جدا خصوصا الاول و كون سياق الرواية صدرا و ذيلا فى مثل اسرار القضاء و القدر لا يعين الحمل عليه سيّما اذا لوحظ ما هو ظاهر فى التكاليف و الالزاميات و هو موضوع فمن هنا انقدح ضعف ما قيل ان الوضع فيما لم يجعل سبحانه و تعالى طريقا لنا الى علمه فيختصّ بمعرفة ذاته و كيفية صفاته و سائر الاسرار و العلوم الغامضة على ان هذا التفسير قد اشتمل على ما يسلب الخبر عن افادة شي‏ء بل على ما لا معنى محصّل له لا يقال ان مفاد الخبر انّ ما حجب لا بسبب من العبيد فهو موضوع عنهم فالمط المهم لنا لا يثبت منه اذا كنا سببا فى فقد الحجة فلا يشمل‏

162

يشمل الخبر ما احتجب بسبب منا و كذا ما شك فى ان حجبه بنا مع ان اغلب الموارد من هذا القبيل و اثبات كونه بغير سبب من العباد بالاصل و اثبات كونه من اللّه ثم اتمام المط بالخبر مما لا معنى له لاستلزامه خلو الواقعة ان نفى جميع الاحكام او التحكم ان كان المنفى هو البعض لانا نقول ان المراد هو مطلق الحجب فهو اعم و هو المتبادر من الخبر و اضافة الحجب الى اللّه لا يدل على الاختصاص بل هى مومية بل كاشفة عن انه يعتبر فى البناء على البراءة الفحص التام اذ بدون ذلك لا يصدق انه مما حجبه اللّه فسر الاضافة اخراج غير المتفحّص الباحث على ان قضية التحكم المذكور ليس فى محله اذ اجراء الاصل فى هذا الخبر مثل اجرائه فى الخبر السّابق فلا غائلة و دعوى الفرق بينهما بان الخبر الاول ظاهر فى الاباحة العامة بخلاف ما فى هذا الخبر فانه اعمّ منها مما لا يصغى اليه اذ الطريق فيهما واحد و بالجملة فدلالته على المط واضحة غير انه لا بدّ فيه من الاضمار و احتمال ان المضمر يحتمل امور و ليس شي‏ء يدل على تعيينه فيسقط الخبر عن مخر الاستدلال به مما ليس فى محلّه اذ الظاهر من الخبر وضع التكليف و وضع المؤاخذة و المعنى انّ ما حجب اللّه علمه عن العباد من العلوم و المعارف و اسرار القضاء و القدر و الاحكام و غير ذلك ساقط فيه التكليف بالتعلم و التفكر فيها او موضوع فيه المؤاخذة فلا يختصّ الخبر بغير مورده و هو اسرار القضاء و القدر بل يشمل كل ما ذكر و قد انقدح مما ذكر فساد توهم ان الوضع قرينة الحمل على الشبهة الوجوبية تعليلا بانه لا معنى لوضع التحريم هذا و اما ما يتوهّم من ان التعميم فى الخبر و حمله على العموم على النهج المذكور مما يورث ارتكاب تخصيصات اذ معظم الاحكام محجوب علمه عن العباد فتعين الحمل على اسرار القضاء و القدر فمما ضعفه بين اذ هذا لا يتمشى الا على حمل العلم بالمعنى الاخص و ليس الامر كل بل المراد به ما يشمل الظن المعتبر فلا اشكال هذا و اما دفعه بانه يمنع من كون معظم الاحكام محجوبا علمه عن العباد اذ الامام (ع) عالم بالاحكام كلها فمما لا يخفى ما فيه فان قلت انّ مقتضى التعليق فى هذه الجملة الشرطية فى هذا الخبر تحقق الوضع و عدم المتعلق فى شي‏ء من الاشياء اذا لم يعلمه العباد و الاستدلال به انما يتم اذا لم يعلمه جميع العباد على سبيل الاستغراق فكيف بهذا مع ان النبى (ص) لم يحجب عنهم شي‏ء على ان اصحاب الائمة (ع) و من فى ازمنتهم و من فيما يقارب من ذلك لم يحجب عنهم ما حجب عنا قلت الامر كما ذكر لو لم يكن المراد بالعموم العموم التوزيعى و لكن المراد به هو ذلك و ان كان معنى مجازيا للعام و ذلك بظهور هذا التركيب كما فى كثير من التراكيب فيه فان قلت ان الاحتمالات فى الخبر كثيرة منها اضمار المؤاخذة فى جانب الجزاء و تخصّص الشرط بالحكمين الالزاميّين و منها اضمار الحكم فى جانب الجزاء و اختصاص‏ (1) الشّبهة بالموضوعيّة و منها اختصاص الشرط بالاحكام و الاباحة داخلة فيها من غير ارتكاب اضمار و تجوز اذ الاحكام مما ترفع بانفسها و منها ارادة هذه الصورة لكن بعد اخراج الاباحة عن الاحكام و منها ابقاء لفظة ما على العموم و مراعاة التطابق بين الضمير و المرجع بارادة العموم من الضمير ايضا و لكن بعد اضمار المؤاخذة و نحوها فى الكلام منها ابقاء لفظة ما على العموم و التجوز فى لفظ موضوع بحمله على رفع الحكم بالنسبة الى الشبهة الحكمية و على رفع الاثر من العقاب و نحوه بالنسبة الى الشبهة الموضوعية فيكون من قبيل اللفظ المستعمل فى المعنيين فاذا تقرر ذلك فيقال ان الاحتمال الاول مما يصح ان يبتنى عليه الاستدلال إلّا انه مخالف الاصل من وجوه ثلاثة مع انه مستلزم لتخصيص الاكثر فهو أردأ الاحتمالات و الثانى بعد الغض عما فيه من مخالفة الاصل من وجهين مما لا يصح به الاستدلال و كذا الثالث الا انهما يرجحان على الاول و السّر واضح و الرابع و ان كان مخالفة الاصل فيه اقل مما مر و راجحا من هذا الوجه عليه إلّا انه مستلزم لرفع الاباحة ايضا فلا يصح الاستدلال بالبناء عليه و الخامس مما يصحّ به الاستدلال إلّا انه مرجوح بالنسبة الى بعض ما مرّ باعتبار كثرة المخالفة للاصل و السادس كالخامس فى صحّة الاستدلال به إلّا انه راجح بالنسبة الى‏ (2) البعض الآخر

و كذا السّابع فاذا تطرقت هذه الاحتمالات فى الخبر و كان ارجحها مما لا يصحّ به الاستدلال و كذا ما ادون منه و ارجح من غيره فكيف يجوز به التمسّك فى المقام قلت ان ما يجوز به الاستدلال ليس مرجوحا من غيره بل فيه ما هو ارجح من الكل بحسب ظهور الخبر فيه على ان ما هو ارجح من الكل بحسب قلة مخالفة الاصل فيه و هو الرابع بناء على ترجيح التخصيص و ان بلغ النصف على الاضمار و استعمال اللفظ فى المعنيين مما يصحّ به الاستدلال ايضا و حديث انّ ذلك مستلزم لرفع الاباحة ايضا فلا يصح به الاستدلال مما لا يصغى اليه اذ لا غائلة فى ارتفاع الاباحة الخاصّة و الثابت بالخبر انما هو الاباحة العامة فالمرتفع شي‏ء و المثبت غيره هذا فان قلت ان الخبر غير ظاهر فى المط اذ الاستدلال به مبنى على كون المراد مما حجب علمه ما حجب حرمته و لو بعد الالتفات الى الواقعة و الى الحرمة و لعل المراد منه ما حجب لاجل عدم الالتفات الى الواقعة او الى الحرمة بعد الالتفات الى الواقعة قلت هذا السؤال ساقط من اصله اذا لوحظ ما بيّنا و بالجملة فالظ هو الاحتمال الاول فالخبر واضح الدلالة و حديث انه من الآحاد و المسألة مما يشترط فيه العلم قد مرّ الجواب عنه‏

فى الاستدلال بخبر رفع عن امتى تسعة على البراءة

ثم ان من الاخبار التى تمسّك بها جمع من الفحول صحيح حرير بن عبد اللّه عن ابى عبد اللّه (ع) قال قال رسول اللّه (ص) رفع عن امتى تسعة الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر فى الوسوسة فى الخلق ما لم ينطقوا بشفة الحديث و قد روى عن البحار قريب من هذا عن الصّادق (عليه السلام) قال قال ابو عبد اللّه (ع) رفع عن هذه الامة ستة الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا اليه الحديث قال بعض الاجلاء فى تقريب الاستدلال به دلالة هذا الحديث على رفع المؤاخذة الاخروية عن الجاهل بالوجوب‏

____________

(1) الشرط بما الشبهة فيه فى الموضوع و منها التجوز فى لفظ موضوع مجمله على المطلوب اختصاص‏

(2) بعض ما مرّ و مرجوح بالنسبة الى‏

163

لو تركه و بالحرمة لو فعله ظاهرة و هذا معنى الاباحة الشرعية هذا فاعلم ان هذا الحديث من الاحاديث المشكلة و هو و ان كان مما كثر به الامثلة فى كلمات الاصحاب فى كثير من الابواب من العبادات و المعاملات و السّياسات إلّا انه لم يبيّن فى كلام احد غاية البيان و لم يشر احد الى حل عقد الاستدلال به فى هذا المقام و غيره فاعلم ان ما يرد على التمسّك به فى هذا الباب هو ان الخبر ما لا بد من التصرف فيه و اخراجه عن ظاهره اذ ابقائه عليه يستلزم الكذب فيه و كيف لا فان اكثر التسعة متحقق فى اكثر هذه الامة فح لا بد من اضمار ما اشير اليه و نحوه او حمل الامة على المجموع من حيث هو هو حتى يكون المعنى بالنسبة الى ما نحن فيه انه لا فرض تحقق الجهل بامر من امور الدّين فى هذه الامة لعدم خلوهم عن امام معصوم (ع) و الاستدلال به انما يتمشى على الاول و الاقرب الى الارادة هو الثانى اذ هو اظهر الاحتمالات و اقرب المجازاة فعليه يسقط الاستدلال و بالجملة فان الاحتمالات كثيرة منها ابقاء الامة على العموم و منها حملها على المجموع و على كل منهما اما ان يضمر فيه مثل رفع المؤاخذة أو لا و الاول و ان كان البناء عليه مما يمكن الاستدلال به إلّا انه مدخول من وجهين من استلزامه خلاف الواقع اذا لوحظ بعض الامور المذكورة فى الخبر بالنسبة الى الامام اذ المرفوع منه (ع) نفس هذا الامر لا المؤاخذة عنه اذ هى متفرعة على التحقق و الصّدور و من استلزامه لغوية التخصيص هذه الامة فان ما ذكر يجرى فى ساير الامم ايضا و احتمال نفى المفهوم بناء على عدم حجية مثله ينافى سياق الخبر فى الامتنان إلّا ان يقال ان الاخبار عن عدم رفع الامور المذكورة عن ساير الامم باعتبار ملاحظة نسخ شرائعهم و انقطاعها و انه لا يعتبر التطابق فى الكم بين المنطوق و المفهوم فح نقل المدخولية فى الجملة و الثانى اى الحمل على العموم الافرادى من غير اضمار فبعد الاغضاء عن استلزامه الكذب و لغوية التخصيص مما لا يصح به الاستدلال و الثالث حاصله الى رفع المؤاخذة عن هذه الامة من حيث المجموع و هو مع كونه مما لا محصّل له يستلزم لغويّة التخصيص و عدم صحّة الاستدلال فى المقام بالخبر و الرابع مما البناء عليه يمنع عن الاستدلال مع استلزام بعض ما ذكر هذا فاذا كان الخبر على هذا المنوال فكيف يصح به الاستدلال هذا و قد يقال فى توجيه الخبر و الاستدلال به ان الاحتمالات ثلاثة كون المراد دفع ما ذكر عن مجموع الامة و رفعه عن كل واحد واحد منها اذا انبعث من الجميع و اخذ كل واحد مما ذكر على سبيل الاستقلال بالنسبة الى كل واحد واحد من الامة على سبيل الاستقلال بان يرفع ما لا يعلمه زيد مثلا عنه و ما لا يعلمه عمر و عنه و هكذا الحال فى باقى الامور و الظاهر من الخبر هو الاحتمال الاخير مع ان الاول يستلزم تخصيص الامة بالامام فينافى خروج الخبر فى بيان الامتنان و ان ما ذكر ليس مخصوصا بهذه الامة لاشتمال الامم الماضية ايضا على المعصومين (ع) من الاوصياء و ان بعض ما ذكر مثل الاكراه و الاضطرار يمكن فرضهما بالنسبة الى الامام (ع) ايضا و الاحتمال الثانى مع انه لم يذهب اليه احد ينافى الامتنان المقص فى الخبر فيتعيّن الاحتمال الاخير فيصح به الاستدلال على المط هذا و انت خبير بان ذلك لا يدفع الضّيم اذ بحث لغوية التخصيص باق بحاله اذ لا معنى لرفع المؤاخذة بالنسبة الى ما فى الخبر عن ساير الامم فان البناء عليه فى اكثر ما ذكر ينافى القواعد العدلية فما ينبغى فى المقام بيان طريق اختصاص ما ذكر بهذه الامة مع ان ما ذكره هذا القائل يجرى فى الامام ايضا و هو كما ترى لا وجه له و ارادة رفع هذه الامور بنفسها عن الامام (ع) يستلزم التفكيك و هو كما ترى اللهم إلّا ان يقال بخروج الامام (ع) عن حكم هذا الخبر و هذا كما ترى امر لم يشر اليه هذا القائل هذا و قد يقال فى توجيه الخبر و بيان الاستدلال به و دفع ما يرد عليه ان المقصود منه رفع ما ذكر فيه عن هذه الامة سواء كان مسبّبا عن نفس المكلف او غيره فلا غائلة فى ان لا يرفع عن ساير الامم اذا كان مسبّبا عنهم فان قلت هذا تقييد فى المفهوم و الاصل عدمه قلت هذا مشترك الورود فانه يجرى‏

ايضا على احتمال الحمل على المجموعى اذ هو على فرض خلو بعض الازمنة عن المعصوم (ع) و الاضمار اولى من المجاز المنبعث عن الحمل على العموم المجموعى و عقد الباب انه لا ريب فى جواز ارادة العموم لكن بالاضمار او بحمله على المجموعى ثم اما ان يكون للخبر مفهوم ام لا و على الاول اما ان يشترط الموافقة فى الكم بين المنطوق و المفهوم ام لا فعلى فرض عدم المفهوم او عدم الاشتراط المذكور يحمل العموم على الافرادى و يضمر ما ذكر من المؤاخذة و نحوها و يرجح على المجاز و لو فى خصوص المقام بحكم العرف و على عكس ذلك لا بد من التجوز او الاضمار و من تقييد المفهوم ايضا إلّا انه يختلف فعلى فرض الاضمار يقيد المفهوم ببعض الافراد و هو ما كان مسبّبا عن المكلّف و على فرض التجوز يقيد ببعض الازمنة و التقييد مشترك الورود و الاضمار اولى من التجوز هذا و انت خبير بان هذا التوجيه لم يبيّن منه ما فى الخبر غاية البيان بل على ما ارتضى به هذا الموجّه و بنى عليه الامر يبقى الاشكال فيه من وجوه من دخول الامام (ع) تحت الخبر مع ان الامور المذكورة مرفوعة عنه بنفسها او لا معنى لرفع المؤاخذة عنه على ما عرفت و اخذ رفعها بنفسها عنه و المؤاخذة عنها عن ساير الامة يستلزم التفكيك مع ان هذا الوجه لم يشر الى ذلك اصلا ثم ان تصحيح الفرق بين هذه الامة و ساير الامم بما ذكر غير مستقيم اذ هو لا يتمشى فى اكثر ما ذكر فى الخبر على ان ما وقع فى كلامه من بناء الامر على فرض خلو زمان من الازمنة من المعصوم على بعض الاحتمالات فى التوجيه مما ليس فى مخره فت و التحقيق فى توجيه الخبر ان يقال ان المستفاد منه عرفا و المتبادر فيه دفع المؤاخذة و ما فيه مختص بحكم المتفاهم العرفى بغير الامام و ليس ذلك من قبيل التخصيص بل من قبيل الاختصاص و اما تصحيح الفرق بين هذه الامة و ساير الامم بحيث لا ينافى ما عليه‏

164

ما عليه القواعد بناء على ثبوت المفهوم للخبر و حجية بحكم العرف و ان لم يكن الخبر خاليا عن ادوات الحصر و ساير ما يقيده فهو ان الامور التسعة ليست فى ذلك على نهج واحد فرفع المؤاخذ عن الخطاء و النسيان عن هذه الامة يراد به لازمه من رفع الآثار من الاعادة و القضاء و ذلك فى الحقيقة مطابق لقاعدة الاجزاء و عدم تمسك احد به فى اثباتها لعله لاجل كونه من المولات على ان مثل ذلك لا يضر فكم من شي‏ء يدخره اللّه للاواخر مما لم يطلع عليه الأوائل ثم ثبوت الاعادة و القضاء فى مواردهما كما فى كثير منها انما بدليل خارج و هذا لا ضير فيه نعم ما يضر هو ان لا يتحقق مورد الا و فيه الاعادة و القضاء فهذا النّهج من رفع المؤاخذة و ما يشبهه فى الاجتهاديات و باب المرافعات الدعاوى و غير ذلك مخصوص بهذه الامة (1) لا يترتّب عليه الآثار مثل الخطاء فى المقال و نحوه ذلك و لا يشترط التوافق فى الكم بين المفهوم و المنطوق من كل وجه و اما الاستكراه و الاضطرار و ما لا يطاق فهى على قسمين قسم يحكم العقل فيه بقبح بقاء التكليف و قسم لا يكون كل و ان بلغ من العسر و الحرج ما بلغ فح لا ضير ان يرفع عن هذه الامة القسم الثانى باسره او بعض اقسامه و اصنافه كرفع القسم الاول باسره و لا يرفع عن ساير الامم الا الاول و هذا مما لا ينافى القواعد العدلية جدا بل واقع قطع كما يستفاد من الكتاب الكريم و الاخبار و الآثار و اما تصحيح الفرق فيما لا يعلمون فهو بانه يمكن ان يكون ساير الامم مكلفين بالاحتياط فى مقام الاشتباه كما يقول به الاخبارية فى هذه الامة ايضا و اما بيان الفرق فى الحسد و الطيرة و التفكر فى الوسوسة فى الخلق ما لم ينطقوا بشفة فهو ان ساير الامم مثل هذه الامة فى رفع المؤاخذة عنهم بالنسبة الى هذه الامور اذا لم ينطقوا بشفة اصلا و لم يترتب عليها آثارها فى الخارج كما انهم مثل هذه الامة فى الاستحقاق للعقاب اذا رتبوا عليها الآثار و نطقوا بما ينبعث عنها من كلمة سوء و ما يفضى الى الكفر ان للنعمة و استهانة اهل الايمان و طلب حظهم عن درجتهم من المال و المنال و نحو ذلك و ليسوا مثل هذه الامة اذا نطقوا بغير ما ذكر مما لا يعدّ من المعصية فى شريعتنا و كان ذلك منبعثا من تلك الامور القلبية فمؤاخذة ساير هذه الامم بمثل هذا مما لا قبح فيه عقلا لكونه من الامور الاختيارية فان قلت ان الحسد من الاخلاق الذميمة عقلا و شرعا حتى ورد فى الآثار الكثيرة انه من موانع قبول الطاعات و القربات فكيف يرفع عن هذه الامة المؤاخذة عنها ما لم يترتب عليه الآثار و لم ينطق بما يقتضيه من المقال قلت الامر كما ذكر إلّا انه لا ملازمة بين كونه مذموما و مورثا استحقاق العقاب لصاحبه و بين ان يكون صاحبه معاقبا و الاخبار عن تجاوز اللّه تعالى عن ذلك بعد تحقق قبحه الواقعى المنبعث منه استحقاق العقاب مما لا ضير فيه و مثله غير عزيز و كون الحسد مانعا عن قبول الطاعات لا ينافى ما ذكرنا قطع لان كون الشي‏ء مما لا يعاقب عليه بنفسه لا ينافى كونه من موانع القبول بل من موانع الصّحة ايضا و نظير ذلك نجاسة البدن و الثوب بالنسبة الى صحة الصّلاة غاية الفرق بينهما ان الحسد مانع عن القبول و ان لم يلتفت اليه فى حال العبادات اذ المط زوال ملكته فما دامت لم تقبل الطاعات و اذن هل عنه فى حالها هذا و اما احتمال ان المرفوع عنه المؤاخذة هو المحظور من طلب زوال النعمة عن المحسود و نحو ذلك لا الامر الذى بلغ مرتبة الملكة و صار من الكيفيّات الراسخة فمما لا يصغى اليه لان المحظورات القلبية ما كانت مظنة العقاب و لا من مظان الذم و اللوم حتى يرد فيه ما ورد فى مقام الامتنان اذ هو من قبيل الاضطرارية و استعاذة المعصوم (ع) عنها الى اللّه تعالى فى كلماته الشريفة فى مقامات عديدة انما هى بملاحظة ما تفضى اليه فى بعض الاوقات نعم العزم على المحظورات مما يقبل الاتصاف بالمدح و الذم و قد فصلنا الكلام فى ذلك المرام فى خزائن الاحكام فى مباحث نية الصّلاة و بالجملة فقد تبيّن الحال و اتضح المقال فى توجيه هذا الحديث الشريف فان قلت لم لا تحمل ما لا يعلمون على صورة الاشتباه فى الموضوع و طريق الحكم‏

قلت لئلا يلزم التخصيص بلا داع اليه و كذا الكلام فى الحمل على صورة الاشتباه فى الوجوب فان قلت ان الحمل على الاعم يستلزم التقييد فى الخبر من وجوه لان البناء على الاباحة فى مقام اشتباه الحكم لا يجوز الا بعد الفحص المعتبر شرعا فيقيد من هذا الوجه و من وجه حجية الظن و وجوب التقليد قلت التقييد مشترك الورود اذ ليس كل محتمل الحرمة و الاباحة مما فى الموضوع و طريق الحكم حكمه الاباحة و ذلك كما فى الشبهة المحصورة و قضية الظن و التقليد مما وقع فى غير محله لان المراد بالعلم هنا هو الاعم الشامل للظن المعتبر و التقليد هذا و اما ما يقال من انه لا بد من حمله على صورة الاشتباه فى الحكم خاصة تعليلا بانه لا يحتاج ح الى اضمار اصلا بخلاف الحمل على الاشتباه فى الموضوع و ترجيح التقييد على الاضمار فمما لا يصغى اليه جدا لان المنساق المتبادر من الخبر هو الاعم فان قلت ان التمسك به من اصله غير صحيح اذ الظاهر من قوله لا يعلمون نفى العلم من اصلها اجمالا و تفصيلا فمفاده لا يتم الا بالنسبة الى الغافلين الذين لا يعلمون شيئا لا تفصيلا و لا اجمالا و لا يشمل من شك فى واقعة اذ هو و ان لم يكن عالما بحكم المشكوك فيه إلّا انه عالم بان لها حكما قلت هذا السؤال من المجازفات الصّرفة و لا وجه له بعد امعان النّظر فيما قررناه فان قلت هل للخبر معنى معقول اذا اريد من الامة ما يشمل الامام (ع) و كان المراد بعمومها العموم الحقيقى التفصيلى ام لا قلت نعم لكن يستلزم محذور او هو التفكيك فى المراد بالرفع فيكون المراد بالنسبة الى الامام (ع) رفع تلك الامور بانفسها و بالنسبة الى غيره رفع المؤاخذة عنها بعد تحققها و صدورها و هذا كما ترى مع ان فيه تفكيكا فى تفكيك اذ الامام ع‏

____________

(1) و اما ساير الامم لا غائلة فى ان لا يرفع عنهم هذه الآثار و ان كانوا مثل هذه الامة فلما

165

ايضا مما يتعلق فى شانه الاكراه و الاضطرار و ما لا يطاق به اللهم إلّا ان يقال ان الاضطرار الى فعل ما هو كان من القبائح الواقعية و الشرعية لو لا الاضطرار اللهمّ إلّا ان يقال ان الاضطرار الى فعل ما هو معصية لو لا الاستكراه و ان استكره بالنسبة كان من القبائح الواقعية و الشرعية لو لا الاضطرار مثل اكل الميتة لم يتحقق فى شان الامام (ع) و كذا الاستكراه بالنسبة الى ما هو معصية لو لا الاستكراه و ان اضطر و استكره بالنسبة الى ما ليس من هذا القبيل الذى هو المقص فى الخبر و اكل بعض من الائمة (ع) الشي‏ء المسموم مع علمه به لم يثبت و لا ينافى ذلك علمهم بالاشياء بما كان و بما يكون لان من علمهم ما هو ارادى و لو ثبت قضية الرضا (ع) مع المامون من اجبار المامون اياه (ع) على اكل العنب او الرطب المسموم و علمه (ع) به فى حال اجبار المامون اياه (ع) على اكله لحمل على انسائه حين الاكل هذا و لكن لا يخفى ما فيه من عدم الاستقامة و مع هذا فاىّ فرق بين الامور التى يفعلها الامام فى حال التقية و بين ما اشير اليه و بالجملة فتقسيم المستكره عليه و المضطر اليه الى قسمين و الفرق به مما لا وجه له على ان ما ذكر لا يتم فيما لا يطاق به و من هنا انقدح ان ارادة العموم المجموعى الذى يسقط به الخبر عن مصب الاستدلال به احترازا عن ارتكاب الاضمار مما لا وجه له ايضا لما عرفت من ان الاضمار لازم على هذا التقدير ايضا و لو فى بعض التسعة فت‏

فى الاستدلال بحديث كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام على البراءة

و من الاخبار التى تمسّك به فى المقام جمع من فحول الاصحاب و منهم الشهيد فى الذكرى صحيح ابن سنان المروى فى الكافى فى باب النّوادر من المعيشة عن الصّادق (ع) قال كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه الحديث و قد بين التقريب به بعض الاعاظم بعد تمهيد مقدمات فى المقام بقوله انه يحتمل احد معان ثلاثة الاول ان كل فعل من جملة الافعال التى يتصف بالحل و الحرمة و كذا كلّ عين مما يتعلق به فعل المكلّف و يتصف بالحل و الحرمة اذا لم تعلم الحكم الخاص به من الحل و الحرمة فهو لك حلال فخرج ما لا يتّصف بهما جميعا من الافعال الاضطرارية و الاعيان التى لا يتعلق بها فعل المكلف و ما علم انه حلال لا حرام فيه او حرام لا حلال فيه و ليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرّد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه فصار الحاصل ان ما اشتبه حكمه و كان محتملا لان يكون حلالا و لا يكون حراما فهو حلال سواء علم حكم كلى فوقه او تحته بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته او تحققه فى ضمنه لعلم حكمه ايضا الثانى ان كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى انك تقسمه الى هذين و تحكم عليه باحدهما لا على التّعيين و لا تدرى المعيّن منهما فهو لك حلال الثالث ان كل شي‏ء تعلم له نوعين او صنفين نصّ الشارع على احدهما بالحل و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك اندراج هذا الفرد فلا تدرى من اى النوعين او الصنفين هو فهو لك حلال فيكون معنى قوله (ع) فيه حلال و حرام انه ينقسم اليهما و يمكن ان يكون المراد بالشي‏ء الجزئى المعين و ح يكون المعنى انه يحتمل الحل و الحرمة و الاشتباه فى كونه فردا للحلال او الحرام مع العلم بهما النص الشارع عليهما و حاصل المعنيين امر واحد و المعنى الثالث اخصّ من الاولين و الثانى مرجعه الى الاول و هو الذى ينفع القائلين بالاباحة و الثالث هو الذى حمل القائل بوجوب التوقف كان الاشتباه فى الموضوعات بما حاصله ان هذا التفسير يوجب و الاحتياط هذه الاحاديث عليه انتهى و اعترض عليه المحقق الثالث بعد تصريحه بان الخبر لا يمكن الاستدلال به إلّا اذا كان الاشتباه فى الموضوعات بما حاصله ان هذا التفسير يوجب استعمال اللّفظ فى المعنيين مع كونه خلاف المتبادر من الرواية بيانه ان خروج الاعيان التى لا يتعلق بها فعل المكلّف انما هو لاجل عدم امكان الاتصاف بشي‏ء من الحل و الحرمة و خروج الافعال الضّرورية لاجل انه لا يتصف باحدهما ايضا شرعا و خروج ما تعيّن حله او حرمته لعدم اتصافه الا باحدهما فيلزم استعمال قوله (ع) فيه حلال و حرام فى معنيين احدهما انه قابل للاتصاف باحدهما و الثانى انه ينقسم اليهما و يوجد النوعان فيه اما فى نفس الامر او عندنا و هذا غير جائز مع انه لا معنى لاخراج المذكورات لان المراد من قوله (ع) فهو لك حلال ان مجهوله حلال و لا يتصور الجهالة فى المخرجات حتى يحتاج الى الاخراج مع انه لا معنى للاخراج ح و اعتبار المفهوم المخالف الا بتاويل السّالبة بانتفاء الموضوع و هو غير مفيد فان قلت انه يرد على ما ذكرت من اختصاصها بشبهة الموضوع ايضا قلت نعم و لكن فائدة القيد هنا التبنية على ان القابلية لهما و احتمال كل منهما فى نظر المكلف لا يوجب الحرمة و لما كان الحلية و الحرمة فى الموضوع مما يثبت فى الجملة و اذهان المكلفين متوجّهة اليها فيحتاج الى التنبيه لتبادر اذهانهم الى احتمال الحرمة بخلاف مجهول الحكم اصلا فالتقييد هنا ليس لاجل الاحتراز و لا لاعتبار المفهوم المخالف هذا مع ان ما ذكر يستلزم استعمالا آخر للفظ فى المعنيين اذ قوله (ع) حتى تعلم الحرام منه بعينه لا بد ان يكون المراد منه حتى تعرف من الادلة الشرعيّة الحرمة اذا اريد معرفة الحكم المشتبه و حتى تعلم من الخارج من البيّنة او غيرها الحرمة اذا اريد معرفة الموضوع المشتبه انتهى و انت خبير بان ظاهر الخبر و ما يستفاد منه حسبما يقتضيه مفردات الالفاظ فيه بحسب اوضاعها اللغوية هو الحكم بحلية الموضوع المشتبه المخلوط فيه الحلال بالحرام خلطا مزجيا فى المحصورة و غير المحصورة و لما اخرج عن ظاهره و لم يرد هو منه بملاحظة الدليل الخارج و حمل أداة الظرف على افادة الظرفية الغير الحقيقية او على معنى من كان ما ذكره المستدل مما فى مخره مع ان ما ذكره هو المستفاد من‏

الهيئة التركيبيّة التزاما عرفا و كثير من الاخبار من هذا القبيل حيث لا يراد معنى المطابقى و الحقيقى للمفردات كما فى خبر ما ترددت فى شي‏ء انا فاعله الخ و غير ذلك فادعاء المعترض‏

166

المعترض ان التعميم خلاف المتبادر منه مما ليس فى مخره و كذا ادعائه ان هذا يستلزم استعمال اللفظ فى المعنيين لا لما توهم من انه لو تم لزم ان يكون القائم فى قولك اكرم الانسان القائم للاعتراض عن الراكب و القاعد مستعمل فى معنيين و هكذا فى ساير الاوصاف الاحترازية لانه مما لا ربط له بالمقام كما لا يخفى بل لان المستدل قد صرّح بان المعنى الثانى راجع الى المعنى الاول و مفادهما شي‏ء واحد فهما فى افادة التعميم سواء و المراد منهما شي‏ء واحد الا ان التعبير مختلف و اما قول المعترض بانه لا معنى لاخراج المذكورات لان الضمير عبارة عن مجهوله و لا جهالة فى المذكورات فهو غير صحيح لا لما توهّم و قيل من انه فاسد ان اراد ان الضمير راجع الى المجهول المضاف الى الشي‏ء المقيد بالقيد المذكور لعدم سبق ذكره و كذا ارادة حذف المضاف و ابدال الضمير المجرور بالمرفوع لكونه من التكليف من غير قرينة و لا ضرورة و لا لما توهّم و قيل ايضا من ان المعنى ان كل مجهول الحكم الخ فلا يجعل المجهول وصفا لامر آخر مخرج للمذكورات حتى ما ذكر لان الاول ظاهر فى ان وجه الفساد منحصر فيما ذكر و ليس الامر كل و الثانى غفلة عن كلام المستدل فانه صرّح باحترازية القيد المذكور على ان ما ذكره من المعنى من ان كل مجهول الحكم الخ لا يدفع الضّيم اذ لا فرق بينه و بين اخذ المجهول وصفا لامر الآخر بعد البناء على اعتبار مفهوم الوصف بل لان جعل الضّمير عبارة عن مجهوله يستلزم ان يكون تقدير الخبر هكذا كل مجهول الحكم مجهوله حلال فبقدير مجهول المجهول فى خبر المبتدا مما لا يتعقل هذا و اما ما يتوهّم فى المقام من ان جعل الضمير كناية عن مجهوله هو المنبعث عنه لزوم اخذ المفهوم سالبة منتفية الموضوع فمما ليس فى مخره جدّا اذ هو لازم اخذ القيد احترازيا بعد ملاحظة ان المفهوم المخالف لا يتعقل فى المقام من وجهين لا لازم قضية جعل الضّمير كناية عن مجهوله خاصّة ثم العجب من هذا المتوهّم حيث قال ان محصّل كلام المستدل انّ تقييد الشي‏ء بكونه محتملا للحرمة و الحلية احترازى بالنسبة الى الاعيان و الافعال التى لا يمكن اتصافها باحدهما و ما يثبت انه حرام لا حلال فيه فان اخراج هذه الثلاثة بالقيد المذكور عن العنوان للاحتراز عن لحوق الحكم المذكور لها و ينافى بالنسبة الى ما علم انّه حلال لا حرام فيه فان اخراجه ليس للاحتراز عن لحوق الحكم له بل لبيان انّ المقصود بالبيان هو مشتبه الحرمة و الحلية فيبتنى اعتباره للمفهوم بالنسبة الى ما علم انه حلال لا حرام فيه فان اخراجه ليس للاحتراز عن لحوق الحكم له بل لبيان المقصود بالبيان هو مشتبه الحرمة و الحلية الى الثلاثة الاول على احد الوجهين المتقدّمين لكن لا يلزمه كون المفهوم سالبة منتفية الموضوع انتهى و انت خبير بان ما ذكر من التفصيل مما ليس اليه الاشارة فى كلام المستدل جدّا على انه لا يدفع الضيم من لزوم اخذ المفهوم سالبة منتفية الموضوع اصلا هذا ثم اعلم ان النكتة التى ذكرها المعترض فى الشبهة الموضوعيّة لو تمت لجرت فى الحكمية ايضا و الفرق تحكم و دعوى انصراف الاذهان الى ما ذكره دعوى بلا بينة على ان اختصاص الفائدة و النكتة بالشبهة الموضوعية كاف فى حسن التقييد اذ لا يلزم ان يكون للقيد فائدة بالنسبة الى جميع افراد مقيده و الحاصل ان قضية لزوم اخذ المفهوم منتفية الموضوع سواء قلنا ان المفهوم مفهوم الشرط المنبعث من تضمين المبتدا معنى الشرط بشهادة دخول الفاء على خبره او هو مفهوم الوصف مشتركة الورود كما ان منع المفهوم نظرا الى منع الشرط فى المقام و عدم اعتبار الوصف كل فكذلك عدم اعتبار مفهوم المخالف نظرا الى ان تحقق النكتة المتقدّمة و اعتبارها خاصّة ثم العجب من تسديد المحقق الثالث اختصاص الخبر بالشبهة الموضوعية بانه لو لا ذلك لزم استعمال لفظ المعرفة فى المعنيين اذ انت خبير بانه لو تم لجرى فى الشبهة الموضوعية ايضا اذ قد يكون المعرفة بالحس و قد يكون بالبينة و قد يكون باليد فالمراد منها هو الامر الكلى و اعجب منه تسديده و اعتضاده بالاخبار الأخر الواردة فى هذا المعنى كما فى قول الصّادق (عليه السلام) كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك يكون مثل ثوب عليك قد اشتريته و هو سرقة او المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه او خدع فبيع قهرا او امراة تحتك و هى اختك او

رضيعتك و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك او يقوم به البينة الحديث اذ ليس التمثيل من التخصيص فى شي‏ء و لفظ بعينه ظاهر فى معنى بخصوصه لا فى الموجود الجزئى الخارجى و كذلك لا ظهور لقوله (ع) فتدعه من قبل نفسك فيه فلا بد من حمل الخبر على عمومه و اما قول هذا المحقق ليس تخصيص العام الثانى باولى من تخصيص العام الاول فمما لم يقع فى مخره ايضا اذ لا بد من حمل اللفظ على حقيقة ما لم يظهر قرينة تدل على خلاف ذلك فليس فى الاول قرينة بخلاف الثانى و عقد الباب ان الخبر ظاهر فى التعميم و هذا هو الذى فهم منه محققوا اواسط الاصحاب بل هو اظهر الادلة فى الباب و عليه استند الشّهيد فى الذكرى فى هذا الباب و هذا من الشواهد السّاطعة على بطلان ما توهّم من اى التمسك به على التعميم تعسّف فاسد و تكلف بارد لما فيه من تقدير ما لا يساعد عليه اللفظ و لا يدل عليه امارة خارجية و بالجملة فالاحتجاج به غنى عن تجشم ان يقال انا اذا ضممنا عنوان مشتبه الحكم الى عنوان معلوم الحرمة و عنوان معلوم الحلية صدق على المجموع بانه شي‏ء فيه حلال و حرام فيثبت الحلية فى مشتبه الحكم لعدم العلم بحرمته و كذا لو جمعنا بين مصاديق الثلاثة فينسحب الحكم ح من المصداق الى العنوان و بالجملة فالاخبار الدالة على حلية ما فيه حلال و حرام كالاخبار الدالة على ان كل شي‏ء حلال حتى يعلم الحرام من الاخبار الكثيرة الواردة فى ابواب‏

167

متفرقة ما ظاهره فى المط فلا احتياج الى ذكر ذلك تفصيلا هذا ثم ان المحقق الثالث (ره) قد ذكر بعد ما ذكر فى بيان هذا الخبر و تخصيصه بالشبهة الموضوعيّة و رد من عمم المقال فيه معيارا لتشخيص الشبهة الموضوعية من الحكمية و ميزانا فى ذلك فنحن نقتفى اثره و نحذو حذوه فنقول ان الميزان المستوفى و المعيار الاوفى فى ذلك هو ان تلاحظ ما فوق الشي‏ء المشكوك من فعل او عين فان كان فيه نوعان منصوصان احدهما بالحل و الآخر بالحرمة او صنفان كل و لم يعلم انه فى ايّهما داخل فالشبهة موضوعية فهى ح فى طريق الحكم لا فى نفسه و الا فهى حكمية ففى الاول يجرى القضية الشرطية بمعنى انا لو سئلنا عن اللحم المشترى من السوق مثلا المتردّد بين المذكى و الميتة بسؤال أ هو حلال ام حرام لقلنا فى الجواب هذا لا نصّ فيه و لا نعلم حكمه بالخصوص و لكنه ان كان من المذكى فهو حلال و ان كان من الميتة فهو حرام و ذلك بالنصّ الوارد فيهما و لا ينعقد عقد هذه القضية الشرطية فى جواب السؤال عن الشبهة الحكمية و عما الاشتباه فيه فى نفس الحكم الشرعى فلو سئلنا عن استعمال الحشيشة المسماة بالتتن لقلنا فى الجواب مثل ما فى الاول و لكن لا تاتى فيه بعقد القضية الشرطية فهما يشتركان فى ان الحكم الشرعى المتعلق بهما غير معلوم و يفترقان من وجه ان الاول حكم متعلقه معلوم بخلاف الثانى فقد استبان مما قرر ان كل فعل او عين مما لهما انواع و نصّ الشارع على احدها بالحل و الآخر بالحرمة و اشتبه الامر فى نوع ثالث بمعنى انه هل نصّ عليه بالحل يكون الشبهة فى هذا النوع الثالث من الشبهة الحكمية و مثال ذلك ان اللحم له انواع لحم الغنم و لحم الخنزير و لحم الحمير فالاشتباه فى الثالث اشتباه فى نفس الحكم الشرعى و كل الكلام فى عين او فعل مما له نوعان حلال و حرام و اشتبه الامر فى صنف بمعنى انه هل هو مندرج تحت الاول او الثانى مثاله اللحم‏ (1) له نوعان حلال و حرام وقع الاشتباه فى لحم الحمير و الفرق بين هذا التقرير و السابق بان التنوع ليس باعتبار الحلية و الحرمة بخلاف هذا مع ان الملحوظ فى هذا القسم هو ان له نوعين حلال و حرام سواء علم بعض اصناف كل منهما ام لا و بالجملة فالمط واضح و يقرب مما ذكرنا فى ذلك الميزان ما قرره المحقق الثالث بقوله ان المتبادر الظاهر من ملاحظة المصداق و المفهوم و الكلى و الفرد فى العرف و العادة هو الكلى القرب المعهود اطلاقه على الفرد فى اصطلاح المخاطب لا كل ما يمكن فرضه من الاجناس البعيدة و الافراد الفرضية و كل المعتبر فى الكلى ما لوحظ فى عنوان الحكم من الصّفات الممكنة له هذا كلامه فما فرع عليه مما لا يبعد عن الحق و لكن ما فى ذيل تفريعاته من قوله و اما الغناء فانه و ان امكن اثبات عنوانين للصوت هو الغناء و غير الغناء و لكن الاظهر فيه ايضا جهالة الحكم كما لا يخفى مما يبعد عن الحق و التحقيق لان حرمة الغناء فى الجملة مما لا ريب فيه و القدر المتيقن منه ما اشتمل على الترجيع المطرب المفرح او المحزن مع اطلاق هذه اللفظة فى العرف عليه و لم يكن فى المراثى و انّما الشّك فيما اشتمل على بعض هذه الامور دون بعض من اصناف الاصوات و ذلك باعتبار الشك فى الموضوعات المستنبطة عنها الاحكام فح يمكن ادخاله فى الشبهة (2) بوجه من اللحاظ و ان كان من لحاظ آخر من الشبهة الحكمية و بالجملة فظاهر العبارة مما لم يقع فى مخره و الظاهر ان مراده هو ما قلنا الا انّ العبارة قاصرة عن تاديته او مما فيه سقط و احتمال انه فرض الغناء باصله و كلية خاليا عن النصّ و عما يقع فيه الشك بسنخه احتمال بعيد مع انه لا يساعده قوله و لكن الاظهر فيه ايضا جهالة الحكم اذ هو على هذا النهج مما يتعيّن اندراجه تحت الشبهة الحكمية و كيف كان فالثمرة بعد تشخيص الشبهة الموضوعية من الحكمية غير خفية فتظهر فى مقام الاستدلال بالاخبار و غيرها باعتبار عموميّة الدليل و خصوصية كما تظهر فى مقام العمل فالاخبارية كالاصولية يجرون الاثم فى الموضوعية فيحكم الاخبارية بالخطر فى الحكمية كما يحكم الاصولية بالاباحة فعلى ما قررنا يصير شرب التتن حراما عند الاخبارية لما عرفت من انه اشتباه فى الحكم فخذ الكلام بمجامعه و تامل‏

فى الاستدلال بخبر الناس فى سعة ما لا يعلمون على البراءة

و من الاخبار الدالة على المط قولهم (ع) الناس فى سعة ما لم يعلموا قد نقل هكذا فى اكثر الكتب و فى بعض الكتب زيد حتى يعلموا و التقريب على كل من احتمال موصولية ما و موصوفيتها و زمانيتها واضح و لا تحتمل غيرها من الزائدة و النافية و المصدرية و غيرها و الظاهر من التركيب كونها زمانية فالفرق بحسب الاعراب و بالجملة فترتيب القياس واضح و القول بان على احتمال الزمانية لا يتم المط بناء على حذف المتعلق ح مع ملاحظة ما قرر فى محله انه يفيد العموم اذ لا يكون مسلم عاقل بالغ الا و قد يعلم شيئا من الاحكام فيكون الخبر مما يبين حال المجانين و الصبيان من رفع التكليف عنهم مما ليس فى مخره اذ ما ذكر يستلزم التخصيص فى الناس و الاصل عدمه و قضية حذف المتعلق و افادته العموم مما ليس فى مخره لان ذلك اذا لم يكن فى البين اظهر و هو فى البين متحقق و التقدير الناس فى سعة كل شي‏ء ما لم يعلموا ذلك الشي‏ء فهذا هو المتبادر من الخبر جدا و الحمل المذكور ينافى السّياق الظاهر فى الامتنان و يصير الخبر مما يظهر الواضحات على انه لا يكون على التقرير المذكور مما يتمشى فى شان الصبيان و المجانين اذ كثير منهم يعلمون جملة من الاحكام و ان ذلك لا يستلزم الحمل المذكور اذ هذا ناش عن الحمل على الزمانية فليحمل على الموصولة او الموصوفة و هذا هو الاقرب الاظهر بعد الغض عن الزمانية التى يتم بها المط فان قلت ان الخبر يؤدى رفع الاحكام الوضعية ايضا و ليس الامر كل فيكون مما قد اشتمل على مخالف للاجماع فيتطرق اليه الوهن قلت لا اختصاص لهذا السؤال بهذا الخبر بل هو يتمشى فى طائفة من الاخبار المتقدمة فالتمسّك بالعام المخصص مما لا ضير فيه‏ (3) ذلك من قبيل ما اشتمل على تخصيص الاكثر كما لا يخفى على ان شموله للاحكام الوضعيّة اول الكلام و الجواب عن ارسال الخبر ظاهر و منها الاخبار الكثيرة الحاكمة بانحصار المحرّم بما حرّم اللّه فى كتابه من صحيح‏

____________

(1) فى السابق‏

(2) الموضوعية

(3) و ليس‏

168

من صحيح زرارة و موثقة و صحيح محمد بن مسلم و السؤال فيها او فى بعضها و ان كان عن الماكولات كلحوم الحمر الاهلية و الغراب الا ان العبرة بما فى الجواب من انه ليس الحرام الا ما حرّم اللّه فى كتابه‏ (1) و قضية تخصيص الاكثر مشترك الورود بين الحمل على العموم و بين الحمل على الماكولات خاصّة على ان الحمل على الثانى ايضا يتم المط غاية ما فى الباب يلاحظ الاجماع المركب فى البين‏

فى الاستدلال بخبر أيما امرئ ركب أمرا بجهالة فليس عليه شي‏ء على البراءة

و منها ما روى عنه (ع) انه قال ايما امرئ ركب امرا بجهالة فليس عليه شي‏ء و الحمل على الموضوعية كالحمل على الارتكاب باعتقاد ان حكمه كذا حتى يخرج عن مخر الاستدلال بناء على ان ما لا نص فيه ليس كل تقييد بلا مقيد و قضية انّ يرفع الاحكام الوضعية ايضا و ليس الامر كل قد مر الجواب عنها على انها تجامع احتمال الاختصاص بالموضوعات ايضا و ليس الاختصاص بالموضوعات لئلا يستلزم التخصيص بناء على ان الحكم بالاباحة فى الاحكام مشروط بالفحص اولى من ابقائه على الاطلاق ثم تقييده بالنسبة الى الاحكام بما بعد الفحص بل الظاهر من الخبر هو هذا و بالجملة فالخبر ظاهر الدلالة نعم يمكن المناقشة فى الاستدلال بما روى عن الصّادق (عليه السلام) حين سئل عن الرّجل تزوّج المرأة فى عدتها أ هى ممن لا تحل له ابدا فقال لا اما اذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما ينقضى عدتها و قد يعدد الناس فى الجهالة بما هو اعظم من ذلك فقلت اى الجهالتين أعذر أ بجهالته ان ذلك محرّم عليه ام بجهالته انها فى عدة فقال احدى الجهالتين الهون من الاخرى الجهالة بان اللّه حرّم عليه ذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها فقلت هو فى الآخر معذور قال نعم اذا انقضت عدّتها معذور فى ان يتزوّجها الحديث و ذلك بان يقال ان هذا الارتكاب باعتقاد ان حكمه كذا و ليس ذلك من قبيل ما لا نص فيه على ان الخبر مما لا ربط له بالمط اصلا اذا كان المراد به ان الجهل بحرمة تزويج ذات العدة عذر فى عدم صيرورتها محرّمة ابدا كما هو الظاهر المتبادر منه و حمله على بيان الجهل المشار اليه يكون عذرا فى جواز تزويج المرأة و هى معتدة مخالف لما عليه الاتفاق على انه على هذا الاحتمال يكون مما حكم بان الجاهل بالحكم معذور و ان كان مقصرا فى تحصيله فكيف يتم المط بعدم القول فى الفصل فيختصّ بالمورد على تسليم هذا الاحتمال لان اجراء الاصل فى الاحكام مشروط بالفحص و بالجملة فالخبر و ان كان صحيحا الا ان الاستدلال به ليس فى مخره و منها ما رواه ابن بابويه بسنده عن حفص بن غياث القاضى قال قال ابو عبد اللّه (ع) من عمل بما علم كفى ما لم يعلم الحديث و التقريب بان المراد من فعل ما يعلم وجوبه او ندبه و كف عما يعلم حرمته او كراهته فقد عمل بما علم‏ (2) كذلك كفاه اللّه مئونة تكليف ما لم يعلم و اغناه عن تحمل مشقته فيدل على عدم التكليف بالنسبة الى ما لم يعلم فعلا و كفا فلا ظهور للحديث فى الواجب او فيه او من المستحب و من الحمل البعيد ان يحمل على عدم وجوب الحكم فيما لا يعلم و حكمه ان الواجب التوقف و الاحتياط هكذا قيل و اورد عليه بانه انما يدلّ على ان سبب الكفاية هو العمل بجميع ما علم فيمكن ان يكون من باب الحسنات يذهبن السّيئات و لم يدل على ان ما لم يعلم مباح بل مفهوم الشرط يدل على خلاف المط هذا و فيه انه اذا دل بمنطوقه على البراءة و الاباحة فى بصورة العمل بجميع ما علم تم المط فى غيرها بعدم القائل بالفرق فهذا مما لا ضير فيه كما لا ضير فى طرح مفهومه باعتبار مخالفته للاجماع و كذا تخصيصه بصورة الفحص عن المعارض و كون الغلبة فى الاخبار بيان الاحكام ينافى جعله من قبيل الحسنات يذهبن السّيئات على ان التكفير التفضلى يتمشى باتيان جملة كثيرة مما علم مع ان المفهوم ينفى ذلك فت و تدبر كما ينافى سياقه الظاهر فى الامتنان حمله على لزوم التوقف بان يكون ما يكفيه هو ذلك على انه لا يتعقل معنى للخبر ح كما لا يخفى و اما الاختصاص بالشبهة الموضوعية و تاييد ذلك و تسديده بان الحمل على التعميم بعيد لما فيه من الرخصة العامة فى الاحكام الشرعية مع انه قد علم من حالهم الترغيب الى تحصيلها على انه يستلزم تخصيص العام الى الاقل من النصف اذ ليس كل احد اذا عمل بما يكفيه ما لم يعلمه و ذلك كما فى الكفار و ساير فرق المخالفين و الاطفال بل العوام من المسلمين ايضا فمما ليس فى مخره جدا اذ هذا تخصيص‏ (3) و تقييد بلا مقيّد و لا يخفى ما فى التاييد المذكور اذ ما ذكر او لا لو تم لجرى فى اكثر الاخبار المتقدمة بل فى كلها فالفرق تحكم و الجواب الحلى بالتقريب المذكور فى الاستدلال فى اول الكلام بعد ملاحظة تخصيصه بصورة الفحص عن المعارض و اما الجواب عن الثانى فواضح اذ

عمل الكفار و المخالفين بما فى شرعنا ما يقتضيه مذهبنا ليس من العمل بما علموا و ان تعلموا من الطائفة الحقة ان الحكم فى الواقعة الفلانية كذا و فى اخرى كذا و هكذا لان العلم بالاحكام لا يتحقق الا بعد تحقق الاعتقاد بحقية شرعنا و مذهبنا و الاذعان بما فيه من اصول الايمان و علم الكفار و المخالفين بما فى طريقتنا فرضى اى تعليقى على ان المتبادر من الخبر هو الاختصاص بالمسلمين و الفرق بين الاختصاص و التخصيص بين هذا بعد الغضّ عن ان تخصيص الاكثر جائز على ان ما ذكر يجرى على الاختصاص بالموضوعات ايضا و لا يندفع هو بهذا الوجه فت و اما النقض بقضية عوام المسلمين المؤمنين فمما ليس فى مخره قطعا كما لا يخفى و بالجملة فان الخبر عندى تام الدلالة و ليس فيه ظهور فى غير المط و لا اجمال فيه فت و منها رواية ابن اعين قال سالت أبا عبد اللّه (ع) عمن لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء قال لا الحديث و قد اورد على الاستدلال به ان النكرة فى سياق النفى يفيد العموم فيختصّ بمثل المستضعفين و السفهاء و فيه ان ارادة خلاف الظاهر مما لا بد منه فلا يدفع هذا بالاختصاص بالمستضعفين و السفهاء لانهم يعرفون جملة من الاحكام خصوصا اذا اخذت اعمّ من الفروع و من التفصيليات فالحمل على ما حمل عليه خبر الناس فى سعة اقرب فيتم الاستدلال و الاختصاص بالمجانين و الاطفال قد مرّ ما فيه هذا و قد يستدل ببعض الاخبار

____________

(1) و انما الحرام ما حرّم الله فى كتابه‏

(2) و متى عمل‏

(3) علم بلا مخصص‏

(

169

ايضا و ذلك مثل ما فى بعض خطب امير المؤمنين (ع) ان اللّه قد حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقضوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من اللّه تعالى فاقبلوها الحديث الّا ان الاستدلال به ليس فى مخره اذ حمل سكوت اللّه تعالى فيه على السكوت عن بعض الاحكام الفرعية الكائنة على طبق المصالح و العلل النفس الامرية المساوقة للجعل الاولى ينافى ما عليه الاخبار المستفيضة بل ما عليه الاماميّة من ان اللّه تعالى بين جميع الاحكام لنبيه (ص) و هو بينها لاوصيائه (ع) حجج اللّه تعالى و ذلك البيان اما على نهج العموم او الخصوص و حمل سكوته تعالى على عدم جعله فى واقعة من الوقائع حكما و اخلائها عنه ينافى ما عليه الاخبار المستفيضة من عدم خلو واقعة من الحكم و ينافى ايضا ما يقتضيه جملة من القواعد العقلية على طبق التحقيق و حمله على عدم بيان النبى (ص) و الحجج باعلام اللّه تعالى اياهم بناء على بعض المصالح تجوز محض‏ (1) فى اللفظ مع ان ذلك لا يلائم النهى عن السؤال و الفحص اذ لا اقل من اباحته بل حسنه واضح لا غبار فيه فلا بد من حمل سكوته على السّكوت عن بعض الاسرار الغامضة مما اطلع عليه حججه ام لا و هذا يلائم النهى المذكور و لو بوجه من الغاية هذا و اما ما قيل فى عدم جواز الاستدلال به ان عدم الوصول الينا لا يدل على سكوته تعالى الا ان يتمسّك باستصحابه فمما لا وقع له بعد ملاحظة ما قررنا هذا و عقد الباب ان دعوى افادة الاخبار من حيث المجموع القطع مما لا يبعد جدّا لبلوغها حد التواتر المعنوى و لو اغمضنا عن ذلك و اغمضنا ايضا عن افادة كل واحد من الاقسام المذكورة من العقليات و الآيات و الاخبار القطع لقلنا بحصوله من المجموع من حيث المجموع خصوصا اذا لوحظ اعتضاد ذلك بدعوى الاجماع من غير واحد و انضم اليه دعوى الاجماع من رئيس الاخباريّين و المحدثين مثل الصّدوق (ره) و اما ما يترقى فى المقام و يقال ان الادلة المذكورة لا اقل من افادتها الظن فيكفى فى المقام و ان قلنا باشتراط المسألة الاصولية بالقطع نظرا الى كون تلك المسألة من الفرعيات فمما هو من المجازفات الصّرفة اذا عرفت هذا فاعلم ان الحاظرين احتجوا باخبار كثيرة و قبل الاشارة و الى ما يرد على الاستدلال بها لا بد من نقل ما ذكره بعض متاخريهم ليعلم سر مصيرهم الى الحظر و ان لم يفده الا طائفة من الاخبار و تكلفهم فى الاستدلال بطوائف أخر من الاخبار و تاويلهم فى الاخبار المتقدمة الدالة على البراءة بالتكليفات الباردة البعيدة فاعلم ان صاحب الفوائد قال التمسّك بالبراءة الاصلية من حيث هى هى انما يجوز قبل اكمال الدين و اما بعد ان اكمل و تواترت الاخبار عن الائمة (ع) بان كل واقعة تحتاج اليها الامة الى يوم القيمة و كل واقعة تقع فيه الخصومة بين الاثنين ورد فيها خطاب قطعى من قبله تعالى حتى ارش الكف الى اقال و اكد المقال التمسّك بالبراءة الاصلية انما يتم عند الاشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيين و كذلك انما يتم عند من يقول بهما و لا يقول بالوجوب و الحرمة الذاتيين و هو المستفاد من كلامهم (ع) و هو الحق عندى ثم على هذين المذهبين انما يتم قبل اكمال الدين لا بعده الا على مذهب من جوز من العامة خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى لا يقال بقى اصل آخر و هو ان يكون الخطاب الذى ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الاصلية لانا نقول هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب و ذلك لان خطابه تعالى تابع للحكم و المصالح و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة قد يكون ايجابا و قد يكون تحريما و قد يكون تخييرا و قد يكون غيرها لا يعلمها الا هو و نقول هذا الكلام فى قبحه نظير ان يقال الاصل فى الاجسام تساوى نسبة طبائعها الى جهة السّفل و العلو و من المعلوم بطلان هذا المقال‏

فى الاستدلال بحديث التثليث على الاحتياط

ثم اقول الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور فى ثلاثة امر بين رشده و امر بين غيّه و شبهات بين ذلك و حديث دع ما يريبك الى ما لا يريبك و نظائرهما اخرج كل واقعة لم يكن حكمها بينا عن البراءة الاصلية و اوجب التوقف فيها و رايت فى آخر جمع الجوامع و شرحه من كتب اصول الشافعية حكاية حسنة فى هذا المقام فاستمع لها ففى جمع الجوامع اذا حضر لك امر فزنه بالشرع فان كان مامورا فبادر فانه من الرحمن و ان كان منهيّا عنك فاياك فانه من الشيطان و ان شككت مامور ام منهى فامسك و فى شرح الفاضل بدر الدّين الزركشى له القسم الثالث ان‏ (2) تشك فى كونه مامورا او منهيّا فالواجب لقوله (ص) دع ما يريبك الى ما لا يريبك و انما اقتصر المصنف على هذه الاحوال الثلاثة لانها قطب العلم و عليها تدور رحى العمل و قد بلغنى عن بعض الائمة انه راى فى ابتداء امره فى المنام انه حضر الجامع فوجد فيه متصدرا فجلس ليقرء عليه فقال كيف تقرأ على و قد علمك اللّه المسائل الثلث فانتبه و اتى معبرا فقال اذهب فتصير اعلم اهل زمانك فان المسائل الثلث التى اشار اليها امهات العلم فى قوله (ص) الحلال بين و الحرام بين و بينهما امور مشتبهات الحديث انتهى كلامه و انا اقول ايها الناظر اللبيب‏ (3) كيف انطقهم اللّه بالحق من حيث لا يدرون انتهى كلام صاحب الفوائد و اقول قد حذا حذوه بعض علماء الاخباريّة ممّن يعاصره او يتاخر عنه بزمان حتى فى نقل قضية صاحب الجوامع و شارحه و هو حسين بن شهاب الدين العاملى فى كتابه المصنوع صنع الفوائد المسمى بهداية الابرار الى طريقة الائمة الاطهار و زاد هذا الفاضل و اكد كلامه بقوله ثانيا و اعلم ان حكم البراءة بعد ثبوت صحّة احاديثنا قليل الجدوى لان كل ما تعم به البلوى موجود فيها و ترجيح العمل بالبراءة على ما لم يروه الثقة الإمامي منها غفلة منشؤها عدم التامل لاجماع الاصوليين على ان اصل البراءة انما يفيد الظن لا غير و هذه الاخبار التى يطرحونها اذا عارضتها لا تقصر عن افادة الظن بمجردها فكيف اذا شهد لها مثل الكلينى و الصدوق مع معرفتهما بحال رواتها فى جرحهم و تعديلهم فلو لم يجزموا بصدقهم فيها لما حكموا بصحتها فانظر بعقلك اىّ الظنين الحق بالاتباع‏

____________

(1) ذلك‏

(2) الامساك‏

(3) الظن‏

170

بالاتباع ظن يستند الى قول المعصوم (ع) او ظن يستند الى قول فلان و فلان و لقد ضيق على نفسه و على غيره من يطرح اعنى كالشهيد الثانى الاحاديث الحسان و الموثقات اذا خالفت الاصل ثم ساق كلامه على هذا المنوال الى ان قال فان قلت ان الشهيد الاول قد صرّح فى الذكرى بان الاصل يقيد القطع فلا تعارضه اخبار المجروحين قلت لو صح هذه لبطل التكليف لان خبر العدل الامامى غاية ما يفيد الظن الغالب عندكم و هو لا يعارض اليقين فيجب طرحه عند المعارضة ايضا و انتم لا تقولون بذلك فعدّ هذا القول غفلة من الشهيد الاول اولى من جعله مذهبا انتهى كلامه و انت خبير بان عدم استقامة هذا المبنى فى منار فيرد على الاول اولا ان الآيات الدالة على اكمال الدين و كذا الاخبار المتواترة معنى من ان للّه تعالى فى كل واقعة حكما بينه لنبيّه (ص) و هو بينه لاوصيائه (ص) مما لا دخل للاحتجاج بها اصلا فى المقام و ذلك ان كلامنا انما هو بالنسبة الى مرحلة الظاهر فالمط معرفة سقوط التكليف حين الجهل بما فى الواقع و لا تاثير للاصل بالنسبة الى حال الواقع و لم يلاحظ فى ذلك انتفاء الحكم بالنسبة الى الواقع جدّا مع انه لا فائدة فى هذا بعد معرفة التكليف من النفى و الاثبات و كيف لا فان معظم ادلة الفقه انما يثبت ما كلفنا به فى مرحلة الظاهر نعم افادة بعضها الظن بالواقع مما لا ينكر لكنه لا يعقل ان يكون طريقا مثبتا للواقع و بالجملة فلا ارتباط لما ذكر نفيا و اثباتا بالمط و ثانيا ان ما ذكره منقوض بالتكليف بمجمل الذى لم يتمكن من تحصيله على سبيل الاحتياط و لم يبيّن فى تمام الوقت فتجويز الحكم بانتفاء التكليف عنا مع العلم بحصوله واقعا على سبيل الاجمال هنا دون ما نحن فيه تحكم محض و ثالثا ان فرقة بين القول بذاتية الحسن و القبح و بين غيره بعدم تجويز اجراء اصل البراءة بناء على الاول دون الثانى من الغفلة عن فهم المطالب الاصولية و ما قرر فى مسئلة التحسين و التقبيح العقليين لان القول فيها بالوجوه و الاعتبارات لا يلازم صحّة القول بخلوا الواقعة عن الحكم و كيف لا و ليس معنى القول بالعرضية الا ان الاحكام الواقعية منبعثة عن الوجوه و الاعتبارات النفس الامرية للافعال فالوجوه ايضا من الامور الواقعية و قد علمت ان العلم و الجهل ليسا من جملة تلك الوجوه ثم بعد التنزل و الغض عن ذلك فنقول ان خلوا الواقعة عن الحكم مما يصح ان يجامع مع القول بذاتية الحسن و القبح فيكون المقص من القول بالذاتية ان حسن الافعال و قبحها مما هو منبعث عن ذواتها و بعبارة اخرى ان كل واقعة فيها حكم هو كل لا ان كل فعل يقتضى ذاته ذلك و ينبعث عنه الحكم فقد انصدع ان خلو واقعة من الوقائع التى لا يحتاج اليها عن الحكم لا ينافى اكمال الدّين و بالجملة فقد اخذ فى هذا المبنى الذى عليه عول فيما عليه الاخبارية امورا غير مرتبط بعضها ببعض و رابعا ان ما قرره من انّ ذاتية الحسن و القبح مما هو المستفاد من كلام الائمة من طرائف الحكايات و عجايبها فالاخرى الاليق به الاتيان بما كان يدل على مطلبه و لعمرك ان هذه الدعوى مما دونها خرط القتاد فلا يوجد فى الاخبار تلويح و ايماء اليها فضلا عن دلالتها عليه و بالجملة فان الذاتية بالمعنى الاخصّ المقابل للصّفاتية و الاعتبارية او بالمعنى الاعم الشامل للاولى و المقابل للثانية مما لا تلويح فى الاخبار اليه و ليس ما ادعاه الا دعوى بلا بينة و خامسا ان ما قرره بقوله لا يقال بقى اصل آخر الخ مما لا وقع له اصلا اذ موافقة الخطاب فى مرحلة الظاهر بعد فقد الدليل و البيان لاصل البراءة مما لا شك فيه عند الاصولية و نفيه بذلك الكلام من المصادرات الصّرفة فالمثال المضروب له و التنظير الماتى به مما ليس فى مخره و توافق الاصل للخطاب بالحكم الواقعى المنبعث عن الحسن و القبح الواقعيين مما لم يخطر ببال احد من الاصوليين حتى يصح التمثيل و التنظير و يؤاخذ به الاصوليون و بالجملة فاستدراك هذا الكلام مما لا ريب فيه و سادسا ان اعتضاد مطلبه بكلام بعض من العامة مما ينافى ما قرره او لا من ان التمسّك بالبراءة انما يتم على مذهب الاشاعرة إلّا ان يقال ان هذا انما هو بالنظر الى اصلهم مع قطع النظر عن شي‏ء آخر من اكمال الدين و عدم خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى هذا و

هو كما ترى لا يلائم لاطرائه فى مدح صاحب جمع الجوامع و شارحه بانطاق اللّه تعالى اياهما بالحق لانهما لم ينطقا بما يخالف مذهبهما و انما نطقا بما يخالف القاعدة الاولية الواردة عليها ادلة اكمال الدين و عدم خلو الواقعة عن الحكم و بالجملة فلا فرق بين الاشاعرة و غيرهم فى هذا الباب و لا بين من يجوز خلو الواقعة عن الحكم من الاشاعرة كان او غيرهم و بين غيرهم لان الكلّ انما يتمسّكون بالاصل بالنظر الى معرفة سقوط التكليف بالنسبة الى مرحلة الظاهر لا بالنسبة الى الواقع بل لا فرق من هذه الجهة بين المخطئة و المصوبة ايضا و عدم ملائمة اخذ الامرين من الواقع و الظاهر ثم اجراء البراءة بالنظر الى الظاهر للقول بالتصويب امر آخر لا ينبعث منه الفرق فى هذا الباب بين المذهبين غاية ما يلزم منه تحقق التدافع فى قول المصوبة و هو لا يستلزم ان يلاحظوا فى مقام اجراء البراءة مرحلة الواقع على ان دفع التدافع و التناقض من كلامهم من الامور السّهلة ثم يرد على الفاضل الثانى الحاذى حذو الاول بالنسبة الى زياداته ايرادات و ابحاث لا مدفع له عنها الاول ان قضية صحة احاديثنا مما لا يصغى اليه و ان علل بشهادة الكلينى و الصدوق بها بل و ان اضيف اليها شهادة جم غفير اذ لا يلزم من حصول القطع لجمع حصوله لغيرهم و هذا واضح و تصدى جم غفير للتصنيف فى الرجال و ثبوت الكذب و اختلاط الغث بالسّمين فى الاخبار بالحسن و الاختبار و شهادة الاعلام الافاضل الاخيار و بعد تحقق القطع بلا تحقق تواتر و احتفاف القرائن و جواز تحقق صفات فى بعض الرواة تمنع عن الاطمينان باخبار ثقاة انه صحيح مما يحسم بنيان هذه الدعوى على ان ادعاء ان الكلينى قد شهد

171

بصحة جميع ما فى الكافى من المجازفات و مع الغض عن ذلك كلّه فلعل اخباره بذلك امر باعتبار اجتهاده على انه يظهر منه العدول بعد بناء الامر عليه و ذلك بمعونة ملاحظة ذكره فى الكتاب جملة مما لا يعول عليه كاخبار الجبر و التفويض و سهو النبى (ص) و القول بان ذكره مثل هذه الاخبار لا يدل على عدوله عما قال فى اول الكتاب فلا ضير فى ان يكون من مقطوع الصّدور الواردة فى مقام الاتقاء او التقية عنده كالقول بانّه اذا لم يكن بعض ما ذكر صحيحا عنده لم يكن لذكره وجه من المجازفات و تضعيف جم غفير و منهم اساطين علماء هذه الامة كالمفيد و الشيخ لجملة من اخبار الكافى من المؤيّدات و من هنا يظهر حال من لا يحضره الفقيه و التهذيبين و باقى الأسئلة و الاجوبة فى المقام يحال الى باب حجية الاخبار و الثانى ان ادعائه اجماع الاصوليين على ان اصل البراءة لا يفيد الا الظن و اخذهم بذلك باعتبار عملهم به دون الاخبار الضعاف على معتقدهم غفلة واضحة اذ قد عرفت ان الاصل يفيد القطع بالنسبة الى مرحلة الظاهر و بعبارة اخرى ان العمل به من باب التعبّد فيعملون به من هذا الوجه لهذا الوجه و ان كان المظنون بالنسبة الى ملاحظة الواقع خلاف ما افاده و من هنا يظهر ان طعنه على الشهيد الثانى بطرحه الحسان و الموثقات مطعون اذ هما ليسا من ادلة الاحكام عنده لا انهما منهما الا ان الظن الحاصل‏ (1) بالاصل انما يعمل به ما لم يرد عليه دليل و دليلته امور من الحسان و الموثقات و الشهرات و الضعاف و نحو ذلك مما يختلف فيه باعتبار اختلاف مذاهب الاصولية فى مسئلة حجية الظنّ و الثالث ان نسبة الغفلة الى الشهيد غفلة عما عليه الاصولية من افادة الاصل القطع فما قرّره الشهيد فى مخره و لا يلزم طرح الاخبار الصحاح ايضا اذا عارضت الاصل حتى يرد عليه انه مما لم يقل به الكل او الجل و منهم الشهيد لانه معلّقة بعدم الدليل مما يثبت دليليته و ان كان مما يفيد الظن فاذا تحقق الدليل لم يفد الاصل القطع بنفى الحكم بالنسبة الى مرحلة الظاهر جدّا

فى بيان الأخبار التى استدل بها الأخباريون على الاحتياط

فاذا تمهّد ذلك فنقول ان الاخبارية قد تمسكوا باخبار كثيرة و قد جمعها صاحب الوسائل فى كتاب القضاء فى باب جواز التوقف و الاحتياط فى القضاء و الفتوى و العمل فى كل مسئلة نظرية لم يعلم حكمها بنصّ منهم (ع) و فيه نيف و ستون حديثا بل ذكر فى الفهرست ان فيه سبعة و ستين حديثا و فيه معارض حمل على التقية و غيرها و فيه مخصص مخرج صورة الشك فى الوجوب فيبقى الشك فى التحريم و فيه عدم جواز العمل بغير علم و تحريم اتباع الظن و الشك و فتوى الناس الى غير ذلك هذا و لم يذكر من الاخبار المتقدمة المعارضة لاخبار الاحتياط الا حديث كل شي‏ء مطلق و حديث ان اللّه حد حدودا ثم ذكر فى تاويلهما احتمالات ثمانية كما ستعرفها و كذا ذكر حديث الحجب و اوّله فاذا انضم الى تلك الاخبار الاخبار الواردة فى ان للّه تعالى فى كل واقعة حكما كما استدل به جمع من الاخبارية تبلغ اخبار الباب ثمانين بل ازيد الا انك قد عرفت انه لا دلالة للاخبار الدالة على عدم خلّوا الواقعة عن الحكم على الخطر و الاحتياط فلا احتياج الى تجشم التعرّض لها و اما غير هذه الاخبار فعلى انواع منها ما يدل على التوقف و الكف فيما لا يعلم و منها ما يدل على الاخذ بالاحتياط و منها ما بين فيه حكم الشبهة بالامر بالوقوف عندها او بيان ما يترتب عليها من المثلات و الهلكات او بالامر بلفظه او تركها او بان الشبهة من الامور الثلاثة التى انحصرت الاحكام فيها فلنبدا بذكر هذا النوع لكون معظم ادلتهم فيه ثم نقرب الاستدلال بما فيه و نسدّده و ترخى أزمة الانصاف و التجاوز عن الاعتساف باستسلام التقريب و الاستدلال و استخلاصه عن الاعتراضات و المناقشات مهما امكن اتساعا للمجال على هؤلاء الرجال و اعطاء للنصفة فى مقام النزال و استدراجا فى المقال لاستنطاقهم بالحق و ان لم يعقدوه بالبال فنقول ان من ذلك النوع ما رواه فى الكافى عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن ابى عبد اللّه (ع) فى حديث قال انما امور ثلاثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غير فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الى اللّه و الى رسوله (ص) قال رسول اللّه حلال بين و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم ثم قال فى آخر الحديث فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام فى الهلكات الحديث و رواه الصّدوق باسناده عن داود بن الحصين و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن على بن المحبوب عن محمد بن عيسى مثله و بالجملة فهو خبر مشهور حتى على طريقة العامة و قد خرج مخارج يقرب بعضها من بعض و فى مرسل الصدوق عن امير المؤمنين (ع) حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك و المعاصى حمى اللّه تعالى فمن يرتفع حولها يوشك ان يدخلها و فى خبر جميل بن صالح عن الصّادق (عليه السلام) عن آبائه قال قال رسول اللّه (ص) فى كلام طويل الامور ثلاثة امر بين لك رشده فاتبعه و امر بين لك غيّه فاجتنبه و امر اختلف فيه فرده الى اللّه تعالى و فى خبر ابن مهزيار مثله و من ذلك النوع خبر مسعدة بن زياد عن الصّادق (عليه السلام) لا تجامعوا فى النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة الى ان قال فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام فى الهلكة الحديث و ما فى الذيل قد وقع مكررا فى الاخبار و منها خبر داود بن فرقد و من ذلك خبر ابى الحسن بن ابى جارود عن الباقر (ع) قال لزيد بن على (ع) فلا ترو من ما انت منه فى شك و شبهة الحديث و فى خبر الفضيل عن الصّادق (عليه السلام) فاذا لم يتق الشبهات وقع فى المحارم و عنه (ع) ايضا لا ورع كالوقوف عند الشبهة و ايضا اورع الناس من وقف عند الشبهة و من ذلك ما فى خطب النهج فيا عجبا و ما لى لا اعجب من خطاء هذه الفرق على اختلاف حجتها فى دينها لا يقتفون اثر نبيّ (ص) و لا يقتدون بعمل وصى فيعملون فى الشبهات و يسيرون فى الشهوات‏ (2) و من ذلك قوله (ع) للأشتر أوقفهم فى الشبهات و عن تحف العقول و احذروا

____________

(1) من الاصل اقوى من الظنّ الحاصل منهما و لجملة انّ العامل‏

(2) الحديث‏

172

و احذروا الشبهة و عن الباقر (ع) اذا اشتبه الامر عليكم فقفوا عنده و فى خبر نعمان بن بشير عن النبى (ص) ان لكل ملك حى و ان حى اللّه حلاله و حرامه و المشتبهات بين ذلك كما لو ان داعيا رعى الى جانب الحمى لم يثبت غنمه ان تقع فى وسطه فدعوا الشبهات الحديث و فى خبر عن الباقر (ع) فى تفسير قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها الخ قال هؤلاء اهل البدع و الشبهات و الشهوات قال يسود اللّه وجوههم يوم يلقونه و عنه (ع) فى تفسير هل انبئكم بالاخيرين اعمالا انهم النصارى و القسيسون و الرهبان و اهل الشبهات و الاهواء من اهل القبلة الحديث و مما فى الخطب قوله (ع) لما بويع بالمدينة ذمتى بما اقول رهينة و أنا به زعيم ان من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن الشبهات الى ان قال الا و ان التقوى مطايا ذلل حمل عليها اهلها و اعطوا ازمتها فاوردتهم الجنة و ان الخطايا خيل شمس حمل عليها اهلها و خلعت لجمها فتقحمت بهم النار حق و باطل و لكل اهل فلئن امر الباطل لقديما فعل و لئن قل الحق فلربما و لعل و لقل ما ادبر شي‏ء فاقبل الحديث و مما فيها فى كتاب له الى عثمان بن حنيف الانصارى و هو عامله على البصرة و قد بلغه انه قد دعى الى وليمة قوم من اهلها فمضى اليها قوله (ع) اما بعد يا ابن حنيف فقد بلغنى ان رجلا من فتية اهل البصرة دعاك الى مائدة فاسرعت اليها تستطاب لك الالوان و تنقل اليك الجفان و ما ظننت انك تجيب الى طعام قوم عائلهم مجفو و غنيهم‏ (1) نظر الى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما ايقنت بطيب وجهه فنل منه الا و ان لكل ماموم اماما يقتدى به و يستضئ بنور علمه الا و ان امامكم قد اكتفى من دنياكم بطمريه و من طعمه بقرينة الا و انكم لا تقتدرون على ذلك و لكن اعينونى بورع و اجتهاد فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا و لا ادخرت من غنائمها و فرا و لا اعددت لبالى ثوبى طمرا الخ الحديث فهذه اوضح الاخبار من ذلك النوع فاذا كنت على خبر من ذلك فلنفتح الكلام فى الخبر الاول الحاصر الامور فى الثلاثة بالاعانة البالغة فى التقريب على الاخبارية و دفع ما يرد عليهم فى احتياجهم به فانه هو المتداول فى الكتب الاصولية و فيه اكثروا الكلام نقضا و ابراما ثم تجيب عنه بما يقتضيه التحقيق و اذا علم حاله علم حال ساير اخبار هذا النوع و مع ذلك لا نضايق فى الاشارة الى بعض الزيادات فيها ردا و اعتراضا و سؤالا و جوابا ليتضح المقال و يتحقق الحال فاعلم ان المناقشة فى سند الخبر ليست فى محلها اذ من يتوقف فيه به هو محمد بن عيسى و داود بن الحصين و ابن حنظلة لتعارض الجرح و التعديل‏ (2) باعتبار كثرة المعدّلين فى الاول و وثق الثانى بلا كلام و قدم احد من اهل الاجماع عليه و ورد فى الثالث عن الصّادق (عليه السلام) انه لا يكذب علينا لم يبق للمناقشة مجال مع ان من طعن فى خبر ابن عيسى انما طعن فى منفرداته فلا يجرى الطعن فى هذا الخبر لانه فى الاشتهار فى منار بل لا بعد فى ادعاء انه من المتواترات معنى هذا و اما التقريب فهو ان قوله (ع) و من اخذ بالشبهات فقد هلك اما انشاء لطلب الكف طلبا تحريميا عن فعل الشبهة كما هو الظاهر او اخبار عما يترتب عليه من العقوبات كما يترتب على فعل القبائح الواقعية المعلومة بالعقل او الشرع و على التقديرين يثبت المطلوب و دعوى الحمل على الاستحباب جمعا بين الاخبار او ظهوره فيه ليلائمه ما فى الذيل من لفظة خير الظاهرة فيه كدعوى الاختصاص بالموضوعيّة مردودة بان تعكيس الامر اولى فليحمل اخبار البراءة على الموضوعية و الحمل على استحباب الاجتناب او كراهة الارتكاب مجاز فلا يصار اليه بلا داع و لفظة خبر فى امثال التركيب منسلخة عن معنى التفضيل بل قد صار ذلك من قبيل الحقائق العرفية و الاخيرة مستلزمة لارتكاب خلاف الاصلين من التخصيص و التجوز و ذلك بان اطباق الفريقين على عدم لزوم الاحتراز عن الموضوعية و التعميم مستلزم للتجوز فالتخصيص المنبعث عن الاختصاص بالموضوعية اولى منه و القول بانه على فرض دلالته على الحرمة و انما يدل عليها اذا استوعب جميع الشبهات و هو غير محل النزاع بل النزاع فى‏ (3) المشتبه و كل ما صدق‏

عليه لا الجميع و لا يفيد ازيد من الكراهة مما وقع عن غفلة اذ عدم مرادية ارتكاب جميع الشبهات باعتبار تعسّره او تعذره مع عدم الجدوى فى التصدى له بناء على انه لا يوجب الوقوع فى جميع المحرّمات مشترك الورود بين الحمل على الحكمية و الموضوعية و بين ارادة الحرمة و الكراهة فارتكاب خلاف الاصل بالحمل على الجنس لداع عليه لا يوجب ارتكاب خلاف اصل آخر من غير داع عليه و القول بان الخبر انما ورد فى تعارض الاخبار و قد ذكر فى صدره جملة من وجوه التراجيح فليحمل ما فيه باسره عليه يدفعه الاعتبار بالعموم خصوصا اذا لوحظ احتجاج المعصوم (ع) بقول النبى (ص) على انه قد روى ابتداء من غير سبب كما فى جملة من الطرق و كما هو المشهور بين العامة فان قلت قرينة اختصاصه بتعارض الخبرين امره (ع) فى هذا الخبر باخذ المجمع عليه و طرح الشاذ النادر فيكون المشتبهات من الاخير قلت ان هذا لو سلم فانما يتمشى فى خبر ابن حنظلة لا الاخبار الابتدائية فحمله عليها اولى من العكس على ان ما ذكر فيه من الامر ياخذ المجمع عليه و طرح الشاذ مما يعين عدم الحمل عليه اذ الشاذ النّادر ممّا عينه لا يقال ان استدلال الصّادق (عليه السلام) بقول النبى (ص) ابداء للحكم و وجه المنع عن اتباع الامر المشكل فان وجه منع رسول اللّه (ص) عن الشبهة انما كان هو الوقوع فى الحرام فاذا كان الوقوع فى الحرام مع الجهالة منشأ للمنع فمع معلومية الحق المجمع عليه و ثبوت الحجة فهو اولى بالمنع فاذا كان ذلك مكروها فيكون هذا حراما لانا نقول ان ابداء الحكم العام الشامل لما مر فى وجوه التراجيح لا يقتضى الحمل على الكراهة فيما فيه الابداء فبالحمل على الحرمة ايضا يظهر الابداء و ذلك بعمومية المبدا به فلا ضير فى ان يجب الاخذ بالمرجحات المذكورة فى الصّدر و ان لم‏

____________

(1) مدعوّ

(2) فى الأول و واقفته الثانى و عدمه ذكر الثالث الرّجال بمدح و ذم اذ اقدم التعديل على الجرح‏

(3) مطلق‏

173

الاولوية الناشئة من حمل الذيل الذى فيه الابداء على الكراهة فانقدح ضعف ما قيل ان المقام لو لم يؤجّه بذلك فلا بد ان يقول باستحباب العمل بالمرجحات المذكورة و المستدل لا يقول به و اختصاصه يتعارض الاخبار لكن بتقرير آخر بان يكون المراد من الحلال و الحرام ما تبيّن جواز العمل به و عدم جوازه و من الشبهات ما لم يتبين فيه شي‏ء منهما باعتبار عدم العلم بانها من اى النوعين منهما تكلف بارد لا يلائم الاخبار الابتدائية و مستلزم ارتكاب خلاف الاصل فى فقرات عديدة من الخبر و اختصاصه بالشبهة المحصورة الموضوعية اوهن التاويلات بل افسدها و ادعاء ظهوره فى ذلك من الامور الجزافية كاعتضاده لا بد من التصرف فيه ان اخذ العموم مع الحمل على الشبهة الحكمية مما لا سبيل اليه فيقيد المحرمات بكلمة فيها او يحمل الارتكاب على الحقيقى و المحرّم على الظاهرى او الاول على المجازى المشارفي و الثانى على الواقعى لانه قد علم ان المراد من الشبهات هو جنس الشبهة و قضية حمل الارتكاب و المحرم على ما ذكر لا يقتضى الحمل على الشبهة المحصورة مع انه مستلزم لارادة الاقل فى غاية القلة من العام و لا يلائم الصدر و لا الذيل و لا الاخبار الابتدائية لا يقال انه دل على التثليث فلو لم يحمل التوقف فيه على الكراهة لزمت الزيادة و ذلك بملاحظة الشبهة الموضوعية التى يستحب الاجتناب عنها قطعا لانا نقول الظاهر منه بيان ما يجوز فعله و ما لا يجوز فعله و انّ الثانى على قسمين قسم قد نشأ تحريمه عن قبحه الواقعى الدال عليه العقل القاطع او الشرع مما يفيد القطع او ما يقوم مقامه و قسم قد نشأ تحريمه عن الجهل بحاله و ان لم يكن فى الواقع من القبائح الواقعية فلا ينافى ذلك استحباب الاجتناب عن الشبهة الموضوعية و هذا الذى قررنا اولى من ان يقال انّ ما يستحب الاجتناب عنه من الشبهة الموضوعية من الحلال البين او ان الثلاثة المدلول عليها الحلال البيّن و الحرام البيّن و الشبهات و لا ينافى كون الشبهات على قسمين هذا و وجه الاولوية واضح و اما القول بانه قد تقدم بعض الاخبار الصحيحة الناطقة بان الجهل بنفس الحكم اعذر من الجهل بموضوعه فالتوسعة فى الاخير يوجبها فى الاول على ان التعليل فيه بان الاول لا يقدر مع الجهل فيه على الاحتياط من الشواهد لذلك فيحمل ما فى هذا الخبر على الاستحباب سواء اريد الاعم اى الحكمية و الموضوعية معا او الثانية خاصة كالقول بانا نمنع صدق الشبهة على ما لا نصّ فيه لكون الحكم معلوما باخبار الاباحة فمما لا وقع له لانه قد علم ان الخبر المتقدم الوارد فى قضية العدة مورده من لم يتمكن من السؤال و الفحص من جهة اعتقاده بالحكم و هو غير ما نحن فيه فالاولوية المستفادة منه انما فى القضية المعهودة و الشاهد على عدم قول من الاصوليّين باولوية الاجتناب اولوية استحبابيته فى الموضوعات منه فى الاحكام فالثابت عندهم اما تعكيس الامر و اما التساوى و قضيّته منع صدق الشبهة على ما لا نص فيه مما وقع فى غير محله اذ مورد اخبار الطرفين امر واحد فللاخبارية تعكيس الامر اذا كان مشتبها اندرج تحت عموم اخبار الشبهة فلا يعقل الاباحة للزوم التناقض و لا يدفع ذلك بتعدّد الحيثية و اعتبار ذلك اذا قضى ذلك تاثيره بحسب القصد لا ثبوت الحكم و المط هو الثانى فان قلت انه لا ريب فى شمول الشبهة للموضوعية و لما احتمل الوجوب و غير الحرمة و الاخباريّة لا يقول بوجوب التوقف فيهما فما هو جوابهم هو جوابنا قلت قد مر الكلام فى ذلك و حاصله ان اخبار الشبهة تخصّص بالاخبار الكثيرة الدالة على حلية الموضوعية و منها اخبار البراءة و كذا الحال بالنسبة الى محتمل الوجوب و غير الحرمة على ما عليه معظم الاخبارية و على ما عليه بعضهم من تسوية الامر بين الوجوبيّة و التحريمية فالسؤال ساقط هذا هو تمام الاحكام و التسديد و الاتقان بالنسبة الى خبر بن حنظلة و ما فى معناه من الاخبار الحاصرة

فى بيان ذكر بعض المؤيدات للأخبارية

و اما تسديد بناء الاخبارية و تشديده بالنسبة الى غير ذلك فنقول ان الباقر (ع) لزيد بن على (ع) لا ترو من ما انت منه فى شك مما دلالته على المط واضحة اذ النهى عن طلب المشتبه و قصده يدل على حرمة ارتكابه و تخصيصه بادعاء الخلافة و الامامة او بما ظنه فى قضية خروجه على بنى امية لعنهم اللّه من وجود الناصر تخصيص من غير وجود ما يدل عليه فى الكلام و بعض الأسئلة السّابقة مما يتمشى هنا و فى غيره من الاخبار الجواب عنه هو الجواب فلا ذهب الكلام بالنقض و الابرام ثم ظهور التقريب فى قوله (ع) اوقفهم فى الشبهات و احذروا الشبهات مما لا ينكر و كذا فى خبر الفضيل سواء حمل على الاخبار او الانشاء و كذا فى حديث فيا عجبا الخ و ذلك بان كل ما ذكر فيه من الامور المتفرعة على الخطاء و هو ظاهر فى فعل الحرام و ترك الواجب و التقريب فى حديث ذمتى بما اقول به رهينة الخ ايضا ظاهر اذ المثلات عبارة عن الهلكات و العقوبات فيكون الشبهات مما يورثها و قوله (ع) فيه الا و ان الخطايا خيل شمس الخ من القرائن و الشواهد لذلك و لا ينافى ذلك حكمه (ع) بخبر التقوى عن الشبهات اذ لملكة التقوى و الورع مراتب فاولها الاجتناب عن المحرمات و هذا هو المراد بالسياق فمن ذلك بان الحال فى الاخبار المتضمنة للورع ايضا و قوله (ع) لعثمان بن حنيف و ان كان مورده الاشتباه فى الموضوع الا ان لفظة ما عامة فلا ضير فى الحمل على العموم غاية ما يلزم ارتكاب حمل الامر على القدر المشترك بين الوجوب و النّدب فقد تم المط و اتضح المرام اذا كنت على خبر من ذلك بامعان النظر تعلم انه غاية ما ينتصر به للاخبارية فكل ما يتصور للانتصار و الاعانة لهم لا يخلوا عن حياطة ما قلنا اذ كل الصّيد فى جنب الفرى فاقصرنا من استنهاض الاخبار المذكورة على مطلبهم و ما ضايقنا فى دفع ما اورد عليهم فى احتجاجهم بها و ما يمكن ان يورد و مع ذلك فلا نتعامى عن الحق و لا نغمض عنه بل نحقق الحق و نخرجه عن حاصرة الباطل فنقول ان التحقيق‏

174

ان التحقيق ان يقال ان التصرف فى خبر ابن حنظلة مما لا بدّ منه و لا سبيل الى ابقائه من كل وجوه على حقيقته على كل حال فاذا كان الامر على هذا المنوال فالاولى الاوجب اخذ ما يساعده الامارات و يكون بها ظهور فيه حتى يخرج عن سنخ المؤولات و المتشابهات و يعد فى جملة الظواهر بل بملاحظة امور فى المحكمات فحمله على صورة عدم الفحص بعد الاختصاص بالحكمية وجوبية او تحريميّة احسن بل اولى فلا ريب ان ارتكاب الامر الغير المنصوص من الاحكام قبل الفحص مما يوجب الايقاع فى المهلكة و يورث استحقاق العقوبة عن المحرمات و هذا هو الظاهر من الخبر اذا لوحظ فقراته خصوصا قوله (ع) و الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام فى الهلكات اذ الاقتحام و التقحم انما يكون برمى النفس بارتكاب امر من غير فكر و رؤية و فحص فيه و مع ذلك فهذا مما يرتبط به الفقرات فيه و به ينتظم على وجه احسن و يلائم القضية المذكورة من الابداء بل هذا مما يعينه بعض فقراته مما حكم باخذ موافق الكتاب اذ علمتك ان اخبار البراءة على طبق الكتاب من الآيات الكثيرة المتقدم اليها الاشارة و من الآيات الدالة على نفى العسر فاختصاصها بالموضوعية تاويل يساوى درجة الطرح فذلك مما يوقع التدافع و التناقض بين الفقرات اذ المراد باخذ الاخبار الموافقة للكتاب اخذ ظاهرها الموافق لظاهر الكتاب و عدم الاذعان بكون ظاهر الكتاب على طبق مقالة الاصولية مكابرة و دعوى ظهوره على وفق مقالة الاخبارية ايضا بعد الاذعان بما ذكر مناقضة متدافعة لا لانه لا يمكن ان يقع فى الكتاب ظاهران متدافعان بل لانه لا يبقى ظاهران كذلك على حالهما فيئول احدهما الى الآخر كما ان دعوى ظهور و لا تقف ما ليس لك به علم و لا تلقوا بايديكم الى التهلكة فيه مجازفة فكيف بظهور الاول فيه بعد تطرق التخصيص اليه من جهات بل بعد ظهوره فى الاعتقادات و بالثانى بعد القطع بالعقل و النقل بعدم التكليف و المؤاخذة قبل البيان فالتهلكة ما يورث العقاب بقبحه الواقعى الكاشف عنه العقل او الشرع عند المكلف لا ما يحتمل ان يكون قبيحا فى الواقع اذ قد عرفت مرارا ان العلل الواقعية ذاتية او صفاتية او اعتبارية مما لا يؤثر بالنسبة الى مرحلة الثواب و العقاب قبل البيان و ان اثرا بالنسبة الى ملكتى السّعادة و الشقاوة فاين ذلك من المرام نعم يمكن ان يقال ان فى الخبر ما يصدق مقالة الاخبارية من حرمة الارتكاب قبل الفحص و بعده حيث ذكر فيه قلت جعلت فداك أ رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السّنة و وجدنا احد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم باى الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرّشاد قلت جعلت فداك فان وافقها الخبران جميعا قال تنظر الى ما هم اليه اميل حكامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر الحديث و هذا بتقريب ان معظم العامة يجرون اصل البراءة و يحكمون به و ان كان بعضهم يحكم ممن فى موارده بالاحتياط و يمكن ان يقال ان بعد تسليم ذلك ان ذلك لا يقاوم لادلة البراءة فلا نعول على هذا الخبر اصلا او نؤوّل هذه الفقرة خاصّة و يتصرّف فيها بحيث يوفق بينها و بين ما مر على انه يمكن ان يقال ان الامر بالاخذ بوجوه التراجيح على وجه الترتيب فلا ينافى ما ذكر فى الذيل لما قلنا و ان التراجيح العديدة مما يقدّم على ترجيح واحد و الحصر فى قوله (ع) ففيه الرشاد اضافى فت و قد يؤجّه الخبر ايضا بحيث لا يصحّ الاحتجاج به على مط الاخبارية بان المراد ان من ارتكب الشّبهة تحصل له بالمزاولة ملكة رذيلة باعثة على ان لا يبالى بفعل المنهيّات الصّريحة لان لفعل المحرمات الواقعية تاثيرا فى النفس و ان لم تشعر بها و ذلك مثل بعض الاغذية البدنية فانه يؤدى الى بعض الامراض و ان لم يشعر به الأكل فيكون النهى المستفاد منه نهيا تنزيهيا فيعم ما فيه الحكمية وجوبيّة او تحريمية و الموضوعية و هذا هو الظاهر من الخبر بل مما لا بد من حمله عليه اذ حمل الخبر على ما عليه الاخبارية انما يتم بحمله على الانشاء و ذلك لا يناسب ما فى قوله (ع) و هلك من حيث لا يعلم بل يدافعه لان من ارتكب الشبهات امّا يرتكبها قبل بلوغ هذا الخبر اليه او بعده و على الاول لا يكون هالكا اصلا لان ذلك فرع التكليف و لا تكليف قبل البلوغ و على الثانى لا يكون هالكا من حيث لا يعلم لانّه علم النهى و ارتكب المنهى عنه‏

فلم يبق له شبهة لان هذا النهى جعل الشّبهة من الحرام البيّن اذ المراد بالبيّن ما علم بالنصّ بالخصوصية او بالعموميّة و تسليم ذلك فى طرف الحلال دون الحرام باختصاصه فيه بما علم بالخصوصية تحكم محض هذا و انت خبير بان هذا التوجيه و ان كان من الامر الانيق و الشي‏ء الرشيق فى جلى النظر و مما يعين لصرف الخبر اليه إلّا انه فى دقيق النظر لا يقاوم ما ذكرنا فى الجودة و المتانة و قضية تعينه مما لا وجه له و ليس قوله (ع) و هلك من حيث لا يعلم مما لا يصلح له لانه يجامع ما قلنا ايضا اذا التصرف فى هذه الفقرة ايضا مما لا بد منه حتى على توجيه هذا الموجه لان معناها بناء عليه ان للهلاك وسيلتين قريبة و بعيدة فارتكاب الشبهة بعيدة باعتبار انه يصيّر النفس متهاونة و غير مبالية حتى يئول الامر الى فعل معلوم الحرمة فيكون كمن سلك جادة لا يعلم هلاكه فيها (1) فهذا من التاويل و اخراج اللفظة عن ظاهرة فى منار فان اللفظ ظاهر فى الاستحقاق القريب الفعلى و المراد المقدّمية الشأنية من قبيل ان تارك المقدمة مستحق للعقاب حين تركها لا لاجل تركها بل للافضاء الى ترك ذيها فاذا كان الحال على ذلك المنوال فلنا ان نتصرف فى هذه الفقرة بنوع آخر و هو ان ارتكاب المشتبه قبل الفحص مما هو محرم و مورث لاستحقاق العقوبة إلّا انه فى نظر المكلف غير معلوم الوجه من حيث عدم علمه بقبحه المشتبه من قبحه الواقعى الكاشف عنه العقل او الشرع بالخصوص او مط لكن من حيث انه مشتبه‏ (2) قبل الفحص اى بهذا التوصيف و هذا العنوان‏

____________

(1) مع كون سببه فيها

(2) لا من حيث انّه مشتبه‏

175

و ان كان معلوم الوجه من حيث عموم هذا الخبر و ملاحظة عنوان انه مشتبه قبل الفحص فالتقييد المذكور لاجل ما ذكر و فيه ايماء لطيف الى تقسيم المحرمات الى الاشد فالاشد و تنويع القبائح الى الاقوى و الاضعف و مع ذلك فينتظم الكلمات و ينتسق الفقرات ثم العجب من هذا الموجه حيث عدل عن مقالته الاولى فقال فى موضع من كتابه و حمل الحلال و الحرام على المآكل و المشارب و نحوها خاصة و ليس بذلك البعيد هذا لان التوجيه المتقدم لا يساويه الحمل على الشبهة الموضوعية و كيف لا فان هذا مستلزم لارتكاب خلاف الاصل من وجوه كثيرة و اخراج الكلام عن الانتساق و الانتظام فمرجوحية الحمل على الموضوعية لهذا الوجوه و اما ما يتوهّم فى المقام ان الحمل على الموضوعية مما لا يمكن بناء على تحقق ما يدفعه فى الخبر جدّا و خروج الموضوعية عن حكم هذا الخبر ليس من قبيل التخصيص اذ هو فرع الدخول فالتعيين للحكمية بنفس الخبر و ذلك انه لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن مما يوجد فى الموضوعات و طرق الاحكام حتى يحمل الشبهات على شبهاتهما لانه قد تحقق الاشتباه و وجد الاختلاط فى النّوعين منها من زمان آدم (ع) الى الآن بحيث لا يوجد الحلال البين و لا الحرام البيّن و لا يعلم احدهما من الآخر الاعلام الغيوب فمما لا وقع له اصلا و لا مخر له جدّا لان المراد بالبين ما قامت عليه الادلة الشرعية اذا لوحظ الاحكام او العلامات و الامارات المقررة من الشّرع اذا لوحظ الموضوعات و ذلك كاليد و التصرف و الحيازة و الاحياء و نحو ذلك و هذا الحمل مما لا بدّ منه اذ الحمل على ما يطابق الواقع و يكون على طبق الامور الواقعية و العلل النفس الامرية مما لا يصح ارادته بالنسبة الى الاحكام ايضا فيما دل عليه الدليل القطعى من العقلى و النقلى من الاجماع و المتواتر المعنوى و ليس الامر عند هذا المتوهم كل فان غير المشتبه بفقد النص او بتعارض النصين و نحو ذلك من الحلال البيّن و الحرام البين علما بالخصوص او بالعموم على ان كون ما عليه الاجماع بالاجماع المحقق برهانيا او حدسيّا او لطفيا على طبق الواقع اول الكلام اذ الاجماع انما يكشف عن رضاء المعصوم (ع) و هو يجامع الحكم الواقعى على طبق الاتقاء و التقية ايضا اللهم إلّا ان يراد من الواقع اعم مما على طبق العلل النفس الامرية ثم انّ هذا مما يكفى فى رد هذا المتوهم فلا حاجة الى نقض ما قرره بمياه السماء و الاودية و ما يملك بالغوص و الاصطياد و الحيازة و الاحياء و نحو ذلك على ان من الممكن تطرق الشبهة اليها ايضا كما لا يخفى تعقله و ان حمل الخبر عليه بعد الغض عن المذكور يقل الجدوى و يستندر الفائدة اذ المراد من هذه الامور الثلاثة ما يتمكن من ارتكابه او اجتنابه المكلفون او معظمهم فما ذكر ليس مما يحصل لهم على هذا النهج بل هو مما هو فى غاية القلة هذا و يمكن ان يجاب ايضا عن هذا التوهّم بنهج آخر بان يقال ان الاشتباه فى طريق الحكم على قسمين اشتباه كثير فى كثير على نهج ما مر من قضية الاختلاط من حين آدم (ع) الى الآن و اشتباه زائد على هذا كما فى اللحم المشترى من السّوق المتردّد بين ان يكون من المذكى او الميتة او المملوك او المغصوب فالاول اى ما هو المنظور فيه الاشتباه الاولى الاجمالى من الحلال البيّن و الثانى اى ما يزيد فيه الاشتباه و يمتاز بهذه الزيادة عن مشتركاته فى الاشتباه و الاولى الاجمالى المحض ليس من الحلال البيّن و ان كان من الحلال المطلق و لعلّ هذا هو مراد من قال فى دفع هذا التوهّم ان ما علم حاله من حيث ذاته المخصوصة لا من حيث هو مشتبه فهو من الحلال البيّن اى ان ما لا يمكن الاجتناب عنه من الحلال البين لا من الحلال المطلق و يكون ما يمكن الاجتناب عنه شبهة هذا ثم العجب من هذا المتوهّم و قد صار الى ما قرره مع كونه من جهابذة الاخبارية و هم قد عدوا المشتبه‏ (1) و هو لا يقر بتعقل الحلال البين فيه فضلا عن كون مشتبهه منه و هذا من الافراط و التفريط فى منار و لهذا صار اغرب و اعجب هذا تمام الكلام بالنسبة الى الجواب المقرر فى خبر التثليث غاية ما فى الباب ان القرينة على حمل خبر التثليث على التوجيه المقرر قد تحققت فى نفسه بخلاف ساير الاخبار يكون قرينة حملها عليه ثم لا ضير

من حملها على الاستحباب بل ان سياق اكثرها ظاهر فيه فح يعم ما فيها الاحكام و الموضوعات كما لا ضير فى ان يقال ان النهى عن ارتكاب الشّبهة نهيا صريحا كما فى بعض الاخبار او التزاميّا كما فى بعضها انما هو باعتبار بعض اقسام الشبهة بان تكون فى الاعتقادات و اصول الديانات و امر الخلافة و الامامة و نحو ذلك و من ذلك العمل بالاقيسة و الاستحسانات و المصالح المرسلة و الآراء و من ذلك الشبهة فى الاحكام قبل الفحص و هذا التوجيه فى حديث ذمتى بما اقول رهينة الخ و حديث فيا عجبا الخ و نحو ذلك احسن من ساير التوجيهات مما مر و من ان حديث فيا عجبا الخ محمول على حرمة ارتكاب الشبهة منضما الى كل ما ذكر فيه من عدم الاقتفاء بالنبى (ص) و الاقتداء بالوصىّ (ع) او بعضه و ان كان حرمة بعض هذه الامور على سبيل الاستقلال و بالجملة فان الشبهة اعمّ مما نحن فيه فيراد بها غير ما نحن فيه فى جملة من هذه الاخبار بلا تصوف فى النهى‏ (2) او الضمنى و يكشف عن تلك الاعمية قول امير المؤمنين (ع) و انما سمّيت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق ثم ان بعضا من الاخبار المذكورة ظاهر فى الموضوعية و ذلك كما فى خبر عثمان بن حنيف و ان كان ذلك مكابرة مع انه قد خرج مخرج بيان الزهد و الارشاد الى طرق المجاهدات و الرياضات و مكارم الاخلاق كما يشهد بذلك فقرات كثيرة منه و اما النوع الثانى من الاخبار اى الاخبار الناهية عن العمل بغير علم فهى اخبار كثيرة منها صحيح بن الحجاج عن الصّادق (عليه السلام) اياك و خصلتين ففيهما هلك من هلك‏

____________

(1) فى طريق احكام فى الحلال البين‏

(2) الصّريح‏

176

من هلك اياك ان تفتي الناس برأيك او تدين بما لا تعلم الحديث و يقرب منه خبر آخر و منها موثق حمزة بن طيار عنه (ص) لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا يعلمون الّا الكف عنه و التثبت له و الرد الى ائمة الهدى (ع) حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق قال اللّه تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ* الخ و منها خبر هشام بن سالم عنه (ع) ما حق اللّه على العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لا يعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد ادّوا الى اللّه تعالى حقه و منها خبر مفضل بن عمر عنه (ع) من فرط تورط و من خاف تثبت عن التوغل فيما لا يعلم و من هجم على امر بغير علم جدع انف نفسه و منها خبر ان من شك او ظن فاقام على احدهما فقد حبط عمله ان حجّة اللّه هى الحجة الواضحة و منها ما فى الخطب فلا تقولوا ما لا تعرفون فان اكثر الحق فيما لا تنكرون و منها خبر زرارة لو ان العباد اذ جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا و منها عن امير المؤمنين (ع) دع القول فيما لا تعرف و الخطاب فيما لا تكلّف و امسك عن طريق اذا خفت ضلالته فان الكف عند حيرة الضّلالة خير من ركوب الاهوال و منها خبر زرارة و فيه انما اهلك العجلة و لو انّ الناس تلبثوا لم يهلك احد و منها موثق سماعة و فيه ما لكم و القياس الى ان قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا فيه و ان جاءكم ما لا تعلمون فها و اهوى بيده الى فيه الحديث و اما النوع الثالث اى الاخبار الآمرة بالاحتياط فمنها النبوى المرسل فى جملة من كتب الاصحاب دع ما يريبك الى ما لا يريبك و منها خبر داود بن القسم الجعفرى عن الرّضا (ع) عن امير المؤمنين (ع) (1) لكميل اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت و منها عنوان المصرى عن الصّادق (عليه السلام) خذ بالاحتياط فى جميع امورك ما تجد اليه سبيلا و منها ما روى عنهم (ع) ليس بناكب عن الصّراط من سلك طريق الاحتياط و منها مرفوعة زرارة الواردة فى تعارض النصّين خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر الى ان قال فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط و منها خبر ابن الحجاج عن ابى الحسن (ع) عن رجلين اصابا صيدا و هما محرمان الجزاء بينهما ام على كلّ واحد منها جزاء فقال لا بل عليهما جميعا و يجزى كل واحد منهما الصّيد فقلت ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم ادر ما عليه فقال اذا اصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه و تعلموا و منها خبر عبد اللّه بن وضاح عن العبد الصّالح (ع) يتوارى القرص و تقبل الليل ارتفاعا و تسر عنها الشمس و ترتفع فوق الجبل حمرة و يؤذن عندنا المؤذنون فاصلّى ح و افطر ان كنت صائما او انتظر حتّى تذهب الحمرة التى فوق الجبل فكتب الى ارى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة و تاخذ بالحائطة لدينك الحديث فاذا امعنت النظر فيما قدّمنا تقدر عن الجواب عن الاحتجاج بالنوع الثانى على انه يمكن ان يقال ان اخبار البراءة و اخبار الشبهة و هذا النوع من الاخبار و ان كانت متساوية فى الموضوع متناقضة فى المحمول الا ان طائفة من اخبار البراءة و هى الاخبار الحاصرة الحرام فيما حرمه اللّه تعالى فى كتابه و الاخبار الناطقة بان كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو حلال اخصّ مط من هذه الاخبار فترد عليها ورود الخاص على العام و هذا فى الحقيقة يرجع الى بعض ما قلنا و اما الجواب عن النوع الاول و النوع الثانى بان اخبار البراءة اى مثل ما حجب اللّه علمه عن العباد و كل شي‏ء مط وارد على هذين النوعين من الاخبار ورود الخاص و ذلك بان يكون المراد المراد من ان كل شي‏ء مطلق و مما حجب اللّه علمه كل ما لا نهى عنه و لا امر به و كل ما تفطن به المكلف و لم يتيسّر له العلم لا ما يعمّ ذلك و ما لم يحظر بباله فلا يشمل الخبران و نحوهما على ما تعارض فيه النصان اذ لم يحجب علمه بالذات و انما صار محجوبا بالعرض و هو وجود المعارض فيكون مورد هذين النوعين اعم فممّا لا وقع له كما لا وقع لما يقال ايضا انه على تقدير التنزل و شمول ما حجب اللّه لهما نقول فح تكون‏

الكليتان اعنى قولنا كل شبهة فيه التوقف و كل ما حجب موضوع متساوى الموضوع متناقضى المحمول فيجمع بينهما اما بالتخيير بين التوقف و جواز الفعل و الترك او تخصيص كل منهما باخراج ما لا دليل عليه عن الاولى لخبر كل شي‏ء مطلق بنحو ما مر و اخراج ما فيه نصان عن الثانية بما دل على حكمه من التوقف صريحا كما مر من الاحاديث فيصير الحاصل هكذا كل شبهة فيها التوقف الا ما لا دليل عليه و كل ما حجب علمه موضوع الا ما فيه نصان متعارضان و ذلك لان الجواب الاول فيه اخراج الاخبار المذكورة عن ظاهرها لانها شاملة لما تعارض فيه النصان جدّا و الدعوى المذكورة فيه غير مسموعة و الجواب الثانى لا يعين المصير الى البراءة فللاخبارية ان يقولوا انا نختار التوقف ابتداء و يكون هو حكم اللّه فى حقنا و ما فى الذيل الذى يعدّ جوابا ثالثا من السخافة فى منار و بالجملة فالتدافع و التعارض بين مثل ما حجب اللّه و كل شي‏ء مطلق و بين هذين النوعين من الاخبار مما لا ينكر فان قلت ان هذه الاخبار مما لا يرد على الاصولية اصلا و ذلك ان هاهنا امور اربعة احدها الامر المخصوص الذى لا نصّ فيه بخصوصه كشرب التتن و الثانى عنوان ما لا نصّ فيه و الثالث الحكم الواقعى لخصوص شرب التتن و الرابع حكمه من حيث انه مما لا نصّ فيه‏ (1) و واحد من هذه الاربعة يصدق عليه انه مما لا يعلم اتفاقا و هو الثالث و واحد آخر مما وقع الخلاف فى انه هل هو مما لا يعلم او لا و هو الرابع فالاصولية يقولون انه معلوم و الا و لان مما لا يصدق عليهما بنفسهما انهما ما لا يعلم بل على الاول انه ما لا يعلم حكمه المخصوص و الثانى انه مما وقع الخلاف فى حكمه و بعد ذلك نقول ان الظواهر الناهية عن غير العلم بين ناه عن القول و الافتاء و الإراءة بما لا يعلم و اتباعه و بين امر بالكف و التوقف فيما لا يعلم و بين امر بالتوقف اذا جاء او نزل حالا يعلم و لا شك ان المراد بما لا يعلم فى الاول لا يمكن ان يكون ما لم يعلم حكمه كشرب التتن اذ لا معنى للقول بشرب التتن و الافتاء به و نحوه‏

____________

(1) اى حكم ما لا نص فيه‏

177

بل المراد به حكم لا يعلم و قد عرفت انه منحصر فيما نحن فيه بالثالث لان الرابع موضع الخلاف و من الظاهر ان الاصولية ايضا متوقفون فى الثالث فلا يقولون ما لا يعلمون و اما ما لا يعلم فى الثانيين يمكن ان يكون هو الحكم اى توقفوا فى حكم ما لا يعلمون اى اذا جاءكم و نزل بكم حكم لا تعلمونه فتعرفوا فيكون كالاول او ما لا يعلم حكمه كشرب التتن اى توقفوا فيما لا يعلم حكمه و ح يكون تلك الاخبار واردة على الاصولية لانهم لا يتوقفون فيما لا يعلم حكمه و لكن لا دليل على ان المراد الثانى فلا ايراد عليهم و لا ينافى تلك الاخبار قولهم قلت ان هذا القائل و ان كان ما لا ياتى به فى ردّ الاخبارية مما يشتمل على التدقيق الانيق فى بادى الانظار بل التحقيق الرشيق عند جلى الافكار إلّا انه بعد امعان النظر فيه لا يدفع الضّيم و لا يكون مما يلزم به الاخبارية اذ لهم ان يقولوا ان اقل ما يفيده هذه الاخبار بجميع اقسامها من الاخبار الناهية عن القول و الافتاء بما لا يعلم و الاخبار الآمرة بالكف و التوقف فيما لا يعلم و الاخبار الآمرة بالتوقف اذا جاء او نزل ما لا يعلم لزوم التوقف بالنسبة الى حكم لا يعلم و هو الحكم الواقعى لخصوص الفعل فاذا ثبت هذا بالنسبة الى ملاحظة مرحلة الواقع لزم الاجتناب عما لا يعلم حكمه من باب المقدّمة و هذا نظيره قول القائل بالوقف فى الاشياء قبل ورود الشرع كالشيخ و احزابه فالشيخ مع كونه من المتوقفين قال انه قد ثبت فى العقول ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما يعلم قبحه هذا كلامه و قال المرتضى لا خلاف بين هذه الفرقة اى القائلين بالوقف و بين من قطع على الحظر فى وجوب الكف عن الاقدام إلّا انهم اختلفوا فى التعليل فمن قال بالخطر كف لانّه اعتقد انه مقدم على قبيح مقطوع به و من يقول بالوقف انما كف لانه لا يأمن من كونه مقدما على محظور قبيح هذا مع انه يمكن ان يقال ان الاخبار خرجت لافادة هذا بل لا بد من الاذعان به لئلا يقل الجدوى و يستندر الفائدة فيها و بل لا يبعد دعوى ان هذا مما هو المستفاد منها التزاما بينا عرفا ثم العجب من قوله ان شرب التتن مثلا معلوم الاباحة عند الاصولية اذ هذا خلط فى مقام المناظرة مع الخصم لان البناء على استنهاض اخبار التوقف و الكفّ عما لا يعلم على مطلب الاخبارية و عدمه مع قطع النظر عن ملاحظة شي‏ء آخر فان اراد انه لا تدافع بين هذه الاخبار و ان انضم اليها اخبار الشبهة و بين اخبار البراءة فيردّ بان عدم استقامته بيّن و ان اراد ذلك مع قطع النظر عن اخبار الشبهة و بين اخبار البراءة فيرد بان عدم استقامته بين و ان اراد ذلك مع قطع النظر عن اخبار الشبهة فيدفع بان هذا لا يدفع الضيم فى مقام الجدال و النزاع مع الخصم على انك عرفت وجه التدافع بينهما و ان قطع النظر عن اخبار الشبهة فقد اتضح ان تشقيقه الامر الى الاربعة و تنويعه الاخبار الى الثلاثة مما فيه تجشم تعب مشقة بلا فائدة ثم قد انصدع مما قررنا ان القول بان هذه الاخبار ورودها على الاصولية و الاخبارية سواء اذ الكل يتوقفون بالنسبة الى مرحلة الواقع و الاصولية يحكمون بالاباحة كما ان الاخبارية يحكمون بالخطر بالنسبة الى مرحلة الظاهر فتسمية الاخبارية انفسهم بالمتوقفين و عدم تعديهم فيها الى الاصولية تحكم مما يمكن ان يدفعه الاخبارية فت هذا و اما الكلام فى اخبار الاحتياط فقد يجاب عن الاول بان مخرجه مخرج لاخبار الناهية عن مظان التهمة مع انه ضعيف السّند كضعف اسانيد الثانى و الثالث و الرابع و الخامس على ان الكل او الخامس معارض للاخبار الدالة على التوقف لان التوقف عبارة عن ترك الامر المحتمل للحرمة و حكم آخر من الاحكام الخمسة و الاحتياط عبارة عن ارتكاب الامر المحتمل للوجوب و حكم آخر ما عدا التحريم كما هو ظاهر موارد التوقف و الاحتياط و عن السّادس و السّابع بانهما مما ليسا مما نحن فيه لكونهما مما ورد فى مقام الشك فى المكلف به لا التكليف مع انهما ضعيفان هذا و انت خبير بما فيه من الاعتساف لكون دلالة الاول و ان احتيج الى الحذف و الاضمار و التضمين فى غاية الظهور ككون الوجه المذكور من التاويل المحض و قضية ضعف الاسانيد ممّا لا يصغى اليه بعد دعوى جمّ من الفحول اتفاق العامة و الخاصة

على نقل الاول فبذلك بعد بلوغ غيره مرتبة الاستفاضة او احتفافه بالقرائن التى اقل ما يعطيه الظن بالصدور و لا ينقص الاخبار عن الصحاح المستفيضة فيجوز التمسك بها فى المسألة الاصولية و ان لم تبلغ حد التواتر كما هو مذهب جمّ من الاصوليين و قضية التغاير بين الاحتياط و التوقف المنبعث عنه المتعارض من الغفلات الواضحة اذ الاحتياط لغة و عرفا الاخذ بالاوثق الاخرم و اصطلاحا هو الاخذ بما يخرج عن عهدة التكليف على جميع الوجوه و لو بالاضافة فكل من ترك المحتمل للحرمة و فعل محتمل الوجوب مورد للاحتياط فلا تغاير فلا تعارض اذ غاية ما فى الباب اعمية الاحتياط من التوقف و لعل المتوهّم قد استفاد ما ذكره من ظاهر حد الاحتياط الاصطلاحى و ذلك ان ظاهره فيما يتكلف فعلا يخاف وجوبه هذا و انت خبير بان الامر انما يناط على ما عليه العرف و اللغة على ان هذه الدعوى غير مسموعة فالاخذ بالحائطة كما يتحقق فى محتمل الوجوب و ما عدا الحرمة كذا يتحقق فى محتمل الحرمة و ما عدا الوجوب ففى الاول بالفعل و فى الثانى بالترك و مع ذلك فما ذكره منقوض بما فى بعض الاخبار مثل خبر المتقدّم فى قضية العدة فان الاحتياط فيه بالنسبة الى الترك و ما ذكر فى السّادس انما يتم لو لم يرد من المشار اليه بهذا المجهول الحكم فاخراجه بذلك عن مخر الاستدلال كدعوى خروجه عنه بكونه وارد فيما يتمكن من السؤال عن الائمة عليهم السّلم بناء على انّ العمل بالاصل مع حضوره و التمكن من سؤالهم بمنزلة العمل بالاصل فى هذا الزمان من دون التفحّص و التفتيش عن النص هل هو متحقق ام لا

178

ام لا و هو غير جائز بالاجماع ليس فى محله لما عرفت و لان اصحاب الائمة (ع) عند احتياجهم الى حكم الواقعة اما يتمكنون من السؤال بقول المعصوم (ع) فيجب عليهم و لا معنى لوجوب الاحتياط او لا فيجوز لهم العمل بالاصل ح و ان تمكنوا بعد ذلك من السؤال كالمجتهد فى زمان الغيبة فلا فائدة لهذا الحمل و التخصيص‏ (1) فى دفع هذا الحمل ما حققه البعض و هو ان الظاهر جواز العمل بهذا الاصل لكل مكلف فى كل زمان الا ان يعلم ان للحكم ناقلا عن الاصل و مقتضاه و الذمة مشغولة به و لكن لم يصل اليه فح يجب الفحص و السؤال و على تقدير تسليم وجوب الفحص على كل مكلّف عن كل ما يمكن ان يصدر عنه فى جميع عمره من الافعال و التروك فنقول بجواز العمل بالاصل فى مجموع زمان الفحص الى ان يظهر الناقل عنه نعم التوقف فى بعض الافعال او التروك الى تمام زمان الفحص ثم العمل بما ظهر من الفحص هو الاولى و دعوى الاجماع المعتبر فى امثال هذه المسائل حالها غير خفية هذا و بالجملة الحمل المذكور مما ليس فى محله ثم ان المناقشة فى الاحتجاج بالخبر الاول بانه بنفسه بنفى لزوم الاحتياط اذا لزم المكلف بالاثقل مظنة الرّيبة لانه الزام مشقة لم يدل الشرع عليها فيجب اطراحها بموجب الخبر كالمناقشة فى الاحتجاج بالخامس بان المراد منه و ما يشبهه الاخذ بما وافق الكتاب و ترك ما خالفه مما ليس فى محله و الوجه فى الثانية معلوم و كذا فى الاولى لان هذا لا يتمشى بعد القول بحجّية الظنون مط الا ما خرج بالدليل او الظنون الخاصة لانه لا يعقل الاحتياط فيما علم حكمه و انما يعقل فيما اشتبه حكمه و المظنونات قائمة مقام المعلومات بل هى من المعلومات فكيف يتمشى ما ذكر على انه لو كان ح له وجه معقول لكان بالنسبة الى الافعال لا التروك و هذا اولى مما قد يقال فى دفع هذه المناقشة من ان الخبر لم يدل على ترك العمل بما هو محل الرّيب مط بل الى ما ليس بمحل الرّيب فلا بد من اثبات عدم الريب فى ترك العمل بالاحتياط حتى يتعيّن العدول اليه بموجب الخبر هذا و كيف كان فان الحق فى الجواب عن الاحتجاج بهذه الاخبار هو ان يقال ان الامر فى هذه الاخبار يحمل على الاستحباب و القرائن عليه ادلة البراءة من الاخبار و غيرها من العقل القاطع و الكتاب المحكم و ذهاب المعظم و دعوى الاجماع من غير واحد فلا يؤول لاجلها اخبار البراءة بالحمل على التقية او الشبهة على الموضوعية او الجاهل على الفاضل الذاهل او لاختصاص ما فيها بما قبل اكمال الفريضة او بما لم يبلغ فيه احاديث النهى عن ارتكاب الشبهات و الامر بالاحتياط او بما لا يحتمل التحريم بل علم اباحته و حصل الشك فى وجوبه او بالاشياء المهمة التى تعم بها البلوى و نحو ذلك هذا و ستعرف الكلام المشبع فى الخبر السّادس و السّابع فى بعض الخزائن الآتية و كذا فى طائفة من الآيات التى قد يستدل بها على الاحتياط مثل قوله تعالى‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ و اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ و نحو ذلك و كذا بعض من الاخبار مثل اخبار النية

خزينة: فى الشبهة الموضوعية و المصداقية التحريمية

خزينة فى بيان حال الاشتباه فى موضوع الحكم و طريقه و بعبارة اخرى فى بيان احوال الشبهة الموضوعية و المصداقية التحريميّة و لا يخفى عليك ان الشبهة الحكمية التحريميّة مما ينقسم الى اربعة اقسام من الشبهة الصّرفة الغير المسبوقة بالعلم لا اجمالا و لا تفصيلا التى كانت الخزينة السّابقة متكفلة لبيان حالها و احقاق الحق فيها و من الشبهة المسبوقة بالعلم الاجمالى فيما دار الامر فيه بين الاقل و الاكثر اللذين لا ارتباط بينهما كالغناء مثلا بتقريب ان الترجيع داخل فى مفهومه جدّا و الشّك فى ان المحرّم هل هو الترجيع مط ام هو مع الطرب و لا تتوهّم ان هذا من الشبهة الموضوعية نظرا الى عدم معلومية المعنى المراد باعتبار حصول الاختلاف فيه لانه قد قرر فى محله و بيّن فى مقامه ان الاجمال المرادى الناشئ من الاشتراك او تعدد المجازات المتساوية و غير ذلك من وجوه الاجمال فى الموضوعات الاستنباطية لا ينافى معلومية الموضوعات الصّرفة فى الجملة فت و من الشبهة المسبوقة بالعلم اجمالا فيما دار الامر بين المتباينين و ذلك كحرمة الطيب بالنسبة الى المحرّم مثلا فانا نعلم ان طيبا يحرم على المحرم و نشك فى انه هل هو الاذخر مثلا ام غيره و من الشبهة المسبوقة بالعلم الاجمالى فيما دار الامر بين الاقل و الاكثر مما بينهما ارتباط و ذلك كما شككنا فى انه هل الشرب التتن مدخلية فى الصوم بحيث لو ترك لتم ماهية الصوم و بعبارة اخرى ان تركه من الشرائط و فعله من الموانع ام لا

فى الأقوال فى المسألة

فهذه الاقسام الثلاثة حكمها الحرمة عند الاخبارية اى ان هذا فحوى مقالتهم فى القسم الاول بل ان التصريح بذلك مما يوجد فى كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع ثم انّ الاصوليّين ليسوا فى هذه الاقسام الثلاثة على نهج واحد فهم فيها بين مبيح قائل‏ (2) بالحظر فالكلام فيها يعلم من الكلام فى نظائرها من اقسام الشبهة الحكمية الوجوبيّة كما يحقق ذلك فى بعض الخزائن الآتية ثم ان الشبهة الموضوعية التحريمية مما تنقسم الى اربعة اقسام ايضا الاول كالاول مثاله انه نشك فى انه هل صدر منا نذر متعلق بعدم اكرام الفاسق او عهد كل ام لا و امثلة ذلك فوق الحد و الاحصاء و الثانى كالثانى و ذلك كما علمنا بصدور نذر او عهد متعلق بعدم اكرام الفاسق و شككنا فى انه هل هو الفاسق مط ام هو زيد بخصوصه مثلا و الثالث كالثالث و ذلك كما صدر منا نذر متعلّق بترك المفطرات التى قد اخذ تركها فى ماهيّة الصوم و اعتبر فيها و شككنا فى ان ترك ايصال الغبار الغليظ الى الجوف مثلا داخل فيها ام لا فالقسم الاول مما لا خلاف فى اجراء اصل البراءة فيه فعليه اتفاق الاخبارية كالاصولية و الثالث مما وقع فيه النزاع بين الاصولية جدا فهم فيه بين مبيح قائل بالبراءة و محتاط حاكم بالحظر و يمكن استخراج مذهب الاخباريين فيه و فى الثانى‏

____________

(1) و الحاصل‏

(2) بالبراءة محتاط قائل‏

179

من تضاعيف كلماتهم و فحاوى مقالاتهم و ان كان التصريح بمثل ذلك مما يقل فى كلماتهم فانتظروا الكلام فيهما فى مقام الكلام فى نظير مهما من الشّبهة الوجوبيّة الموضوعية مما يبيّن تفصيلا فى بعض الخزائن الآتية

فى تحقيق الأقوال فى الشبهة المحصورة

ثم القسم الرابع من الشبهة التحريميّة الموضوعية ما سبق بالعلم الاجمالى و دار الامر فيه بين المتباينين و هو على قسمين محصور و غيره و الاول على قسمين مزجى و غيره فالمزجىّ مما لا شك و لا خلاف فى لزوم الاجتناب عنه و ذلك كاد ان يكون من ضروريات المذهب بل الدين بل هو منها فالمقص فى هذه الخزينة بيان حال المشتبه المحصور الغير المزجى و احقاق الحق فيه ثم يقع الكلام فى ذيل ذلك فى بيان حال غير المحصور و يقع الاشارة فيه الى تنبيهات و فروع قل ان يوجد جملة منها فى تحقيقات فحول القوم فنقول اختلف الاقوال فى المحصور الغير المزجى فما ينسب الى المش هو لزوم الاجتناب عن الكل و قد يردّ اطلاق هذا الانتساب و ارساله نظرا الى خلو كلمات اكثر الاوائل و الاواسط عن التعرّض للمسألة حتى بالنسبة الى جملة من مواردها فيخص الاشتهار بما بين الاواخر و هو وجيه و قد يقال ان القول بلزوم الاجتناب عن الكل بتصور على وجهين من وجه الاصلية و النفسية و من وجه المقدّمية بل قد يزعم انعقاد قولين عليهما و تحقق مذهبين بهما و الفرق بينهما من بعض الوجوه من تعدد العقاب و نحوه و ستعرف ما فى هذا الزعم فى تضاعيف الكلمات و كيف كان فالقول بلزوم الاجتناب عن الكل هو ما اختاره اكثر من عاصرنا و من قاربنا عصره و القول الآخر فى المسألة هو جواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام و عدم جواز ارتكاب الكل او ازيد من مقدار الحرام و لو كان تدريجا و ظاهر كلامهم يعطى عدم الفرق فيما يجوز ارتكابه بين الدفعى و التدريجى و هذا القول قد نسب فى كلام جمع الى البعض و اختاره بعض من عاصرناه و اليه مال المحقق الثالث فى اول كلامه و القول الآخر هو جواز ارتكاب الكل تدريجا و قد نسب فى كلام جمع الى البعض و هو مختار المجلسى (ره) و مال اليه المحقق الثالث فى آخر كلامه و هو المختار عندى و القول الآخر هو تعيين الحرام عن الحلال بالقرعة و قد نسب فى كلام جمع الى بعض فى كلام المتعرضين للمسألة و لم اظفر بقائله و ستطلع فى تضاعيف ادلة القوم على ان الاقوال قد تترقى الى ثمانية مع احتمال القرعة فى تعيين الحكم يصير الاحتمالات تسعة و بملاحظة اعتبار الظن ان تحقق يصير الاحتمالات ثمانية عشر كما لا يخفى على المتدبر فافتتح الكلام ما يصلح دليلا للمشهور و اسدّده و ادفع عنه ما يرد عليه مهما امكن ثم اذكر ما يرد عليه مما لا مدفع له‏

فى بيان أدلّة القائلين بلزوم الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة المحصورة و اردّها

فما يصلح ان يكون دليلا لهم مما احتجّوا به و ممّا لم يحتجّوا به امور الاول الخطابات الشرعية الآمرة بالاجتناب عن الحرام و الناهية عن ارتكابه و التقريب بوضع الالفاظ للامور النفس الامرية و انصرافها اليها او انصرافها الى الامور المعلومة بالمعنى الاعم اى اجمالا كان او تفصيلا فالمط ثابت على كل من التقديرين و على تقدير التفصيل فى قضية الانصراف ايضا بان يقال بالاول فى المواد فى الاخباريات كانت او فى مثل التعداد و كذا فى هيئات الاوامر و بالثانى فى هيئات النواهى كما لا يخلو المصير اليه عن وجه لكونه على وفق متفاهم العرف فى المواضع الخالية عن القرائن و بذلك ينقدح ضعف ما قيل ان الالفاظ ليست اسامى للمعلومات و لا مستعملة فيها لا فى حال الانفراد و لا فى ضمن المركبات و حال تعلق الحكم بها و لا فيما لا يمكن ان يعلم و كيف كان فنقدم على اخبار البراءة لكون طائفة منها مختصة بالشبهة الحكمية مثل خبر كل شي‏ء مط و التعارض بين الخطابات و بين اكثرها مما يشمل الموضوعات تعارض العامين من وجه الافتراق من جانب الخطابات فيما علم تفصيلا كافتراق تلك الاخبار بما لم يعلم و لو اجمالا و الخطابات اقل موردا فلا ريب فى تقديمه على ما هو اكثر موردا و على فرض التساوى و الشهرة العظيمة يترجح الخطابات ثم ان التمسّك بالخطابات مما يتم و لو قطع النظر عن ملاحظة وجوب مقدّمة الواجب اصليا او تبعيّا فان دلالة الخطابات على لزوم الاجتناب عن الحرام الواقعى او المعلوم فى الجملة من المطابقة و دلالتها على لزومه عن المشتبه من الالتزام عرفا هذا غاية ما يحرّر فى تقرير هذا الدليل لكن يرد عليه بعد الاغضاء عن عدم المغايرة بين الاحتجاج بهذا و الاحتجاج بوجوب المقدّمة و تسالم الدلالة الالتزامية المذكورة ان اكثر الاخبار البراءة المذكورة فى الخزينة السّابقة من الاخبار الحاصرة المحرّم فيما حرم اللّه فى كتابه و الاخبار الكثيرة الناطقة بان كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال يرد على تلك الخطابات ورود الخاص على العام مع ان مثل ما حجب اللّه و مثل الناس فى سعة و رفع عن امتى ليس اكثر موردا من الخطابات كما لا يخفى على المتأمّل بل يمكن ان يقال ان كل واحد واحد من المشتبه المحصور مما لم يحصل فيه الظّن الاجمالى بحرمته فضلا عن العلم الاجمالى فاقضى ما يتسالم كون هذا الدليل ردا لمن يجوز ارتكاب الجميع تدريجا لا لمن يجوز ارتكاب ما عدا القدر الحرام و مما ذكرنا انصدع عدم استقامة التشبث بمرجحية الشهرة هذا بعد الغض عن الاخبار الخاصة الآتية تفصيلا الدالة على المختار و الا فبملاحظتها ينجلى الامر فى غاية الاتضاح و لا يجدى الاحتجاج بالخطابات اصلا و يمكن ان يوجه بتوجيه بل يكون هذا دليلا مستقلا و هو ان القواعد المتلقاة من اهل بيت العصمة قاضية بطهارة الاشياء و حليتها ما لم يحصل العلم بالنجاسة و الحرمة فكل شي‏ء يرد علينا مما جهل حاله تحكم فيه بمقتضاها ما لم يعلم الخلاف فيه فعلى هذا اذا كان آتية من الماء إحداها نجسة فنحكم الآن ايضا بطهارتها

180

بطهارة الا واحدا منها فهذا لعدم معلوميّة مجمل فهذا بمنزلة التخصيص بالمجمل فالاصل فيه سقوط التمسّك به و بعبارة اخرى ان القواعد و العمومات الدالة على الطهارة و الحلية مقيدة بعدم حصول العلم بنقيضهما و ثابتة الى زمان حصول العلم بهما (1) بالخلاف فالحكم على مقتضاه متعيّن كيف لا و قد علم حرمة احدها و ان لم يكن معيّنا فيجب الحكم بالحرمة كل بل ان العمومات الناهية عن بعض الاشياء المحرّمة لها مطلقة يشمل صورة الاشتباه ايضا و الحاصل انه يقال لما كان ذلك الواحد مجملا محتملا لكلا الامرين او الامور سقط تلك القواعد و العمومات عن الحجّية فيما نحن فيه و النقض بغير المحصور مما ليس فى مخره و الوجه ظاهر هذا و الجواب عنه واضح بعد اخذ مجامع كلماتنا فيما تقدّم و ما ياتى فلاحظ و تأمل و الثانى بطلان الاولويّة اى الترجيح بلا مرجح و تقريره ان الحكم بحلية الجميع حكم بحلية الحرام و بواحد منهما مستلزم للترجيح بلا مرجح هذا و اورد عليه بعد الاغضاء عن معارضته بالمثل ان الحكم بحلية الجميع من حيث هو اى بشرط الاجتماع و ان كان يستلزم ما ذكر من المفسدة من الحكم بحلية الحرام الواقعى الا ان هذا ليس بمراد بل المحكوم بالحلية هو المجموع على البدلية بمعنى ان استعمال هذا مثلا حلال اذا لم يكن معه الآخر فيكون مباحا تخييريا فقد بان ايضا ان الحكم بحلية احدهما لا يستلزم الاولوية و التحكم اذ الممنوع عند الشارع استعمال الحرام المعلوم و المجموع من حيث هو و ان كان معلوم الحرمة و لو كان باعتبار جزئه و كذا كل منهما بشرط الاجتماع الا ان كلا منهما بشرط الانفراد من مجهول الحرمة فيكون حلالا فلا يرجح احدهما على الآخر حتى يلزم الترجيح بلا مرجح و لا المجموع حتى يلزم العلم باستعمال الحرام و الحاصل ان هذا الدليل لا يثبت المط إلّا انه يدفع القول بجواز ارتكاب الجميع و لو تدريجا و التحقيق فى الجواب ان يقال ان بعد ملاحظة ادلة البراءة و الاخبار الخاصّة الآتية لا يكون فى البين حرام واقعى و لو فى ضمن استعمال الجميع على سبيل التدريج نعم هو يتحقق فى ضمن الاستعمال الدفعى فلا عن و فيما قلنا و لا ضير فيه و لا ينافى ما قرر فى محلّه من تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد الكامنة و لا لما قرر ايضا من ان الحسن و القبح مما لا يتغير بالعلم و الجهل و بعبارة اخرى انهما ليسا من الوجوه و الاعتبارات المنبعثة عنها الاحكام لان اثبات الحرمة الواقعية المنبعثة عن القبح الواقعى يحتاج الى اثبات القبح الواقعى المنبعث عن العلل الواقعية بين الذوات او الصّفات او الوجوه و ليس ادعائه فى المقام الا من المصادرات و بعبارة اخرى انه لا ضير فى ان يكون الحكم الالهى فى مرحلة الظاهر هو اباحة الكل على التدريج بل لا ضير فى الحكم بان هذا هو الحكم الواقعى الكائن على طبق الصفة و هذا و ان كان يعطى فى بادى النظر كون العلم و الجهل مما يغير به الحكم فهو ينافى ما قرر فى محلّه بين عدم كونهما من الوجوه المعتبرة فى الحسن و القبح الا بعد امعان النظر لا يعطى ذلك على ان التزام ذلك فى بعض الموارد بملاحظة النّصوص مما لا ضير فيه و الحاصل ان ما قلنا يخرب بنيان هذا الدليل فلا يتمشى من اصله حتى فى قبال القول المختار كما لا يتمشى فى قبال القول المشهور و الايراد المذكور و ان كان مما لا يدفع باعتراض ان الحرام المعلوم فى كل منهما بشرط الاجتماع اما هو المشروط او الشرط او مجموعهما و الكل باطل باعتبار ان الاول لم يثبت العلم بحرمته و الاجتماع من الامور الاعتباريّة التى لا يتّصف بالحرمة فعدم اتصافه بها يستلزم عدم اتصاف المجموع بها اذ المركب من الداخل و الخارج‏ (2) لامكان ان يقال ان هنا امرا رابعا و هو المشروط الماخوذ فيه التقييد بالاشتراط بمعنى ان يكون التقييد داخلا و القيد خارجا و بعبارة اخرى ان حرمة كلّ بشرط الاجتماع باعتبار اشتماله على صاحبه لا باعتبار نفسه و لا شرطه و بعبارة اخرى ان الحرام هو احدهما لا بعينه فاذا ترك واحد لم يشمل الباقى على الواحد لا بعينه من المجموع فلذا يجوز استعماله إلّا انه من التكلف الذى لا يحتاج اليه مع انه منبعث عن القول بلزوم الاجتناب عن قدر الحرام و جواز ارتكاب الباقى و هو مما لا يساعده الدّليل كالقول المش كما تعرف على انّ حاصله راجع الى حرمة واحد لا بعينه و ستعرف انّ هذا مما معنى لا معقول له الثالث‏

تنقيح المناط و التقريب بانه ورد الامر بالاجتناب عن الجميع فى الموثقين فى الإناءين المشتبهين و قد ادّعى الاجماع على ذلك فى ذلك جمع من الاصحاب و العلة هى الاشتباه و هى متحققة فيما زاد عنهما و فى غير الاناء و فى الميتة و فيما اشتبه بغير النجس من المحرّمات و الجواب عنه ان قطعيّة العلة ممنوعة بل ظنيتها ايضا فيقتصران على موردهما و يكشف عن ذلك اشتمالها على ما ينافى القواعد من الامر بالاراقة مع فرض ان المكلف لا يقدر على ماء غيره و كيف لا فان حفظهما خوفا عن العطش على نفسه او نفس محترمة لازم على ان المشتبه فى موردهما مما يقبل المعارضات و ترتب جملة من العقود عليه لكونه مما يملك باعتبار ان احد الإناءين طاهر و الآخر متنجس و المتنجس لا يخرج عن الملك و يقبل الخبازة و يثبت فيه الاولوية اللهمّ إلّا ان يقال ان الامر بالاراقة كناية عن نجاستهما فى مرحلة الظاهر و هو كما ترى لا يلائم القول بطهارة ملاقى احدهما كما عليه الاكثر نعم يمكن ان يقال ان الامر بالاراقة كناية (3) عن استعمال فى الوضوء فلا ضير و كيف كان فهما مختصان بما فيهما و ليس ادعاء الاجماع على المنع من غير واحد الا فيهما هب انه ثابت فى غيرهما ايضا كما يجئ اليه الاشارة لكنه لا يثبت الكلية المدّعاة هب ان دعوى الاجماع على نفس القاعدة لكنها مما لا يعول فى المقام و لا يكافئ لمقاومة ما يدل على جواز الارتكاب و ان اضيف الى ذلك استصحاب الاشتغال بناء على الفرق بين قاعدة الاشتغال و استصحابه و الرابع‏

____________

(1) و امّا مع حصول العلم‏

(2) خارج‏

(3) عن المنع‏

181

قاعدة الاشتغال و تقريرها ان اشتغال الذمة بالصّلاة يستدعى البراءة اليقينية و هى لا تحصل الا بالطهارة من غير الماء المشتبه‏ (1) و السجدة على غير الموضع المشتبه فاذا كان الامر كل فيتم الكلية بعدم القول بالفصل هذا و قد اجيب عن ذلك بانه يحصل اليقين بالبراءة مع الطهارة بفرد من ذلك الماء او بلبس فرد من ذلك الثوب بملاحظة الادلة هذا و هو فى محلّه و نزيد عليه بان ما قرر مبنىّ على كون الاصل المعول عليه فى مقام الشك فى الشرطية و الجزئية و المانعية هو اصل الاشتغال لا اصل البراءة و هو اول الكلام و مما وقع فيه النزاع ايضا و الخامس خبر التثليث من مقبولة عمر بن حنظلة و التقريب بان الألف و اللام فى الشبهات مما يمكن حمله على جنس المفرد و العموم الاستغراقى لكن لا مط بل بملاحظة خصوص الواقعة و العموم الاستغراقي التفصيلى على الاطلاق فالثالث غير مراد لاستلزام ان لا يوجد للخبر مورد و يحتمل الاول احتمالات من حمل المحرّم على الواقعى مع اخذ الارتكاب على حقيقة و من حمله على الظاهرى و من حمله على الواقعى لكن بعد التجوز فى الكلام تجوز مشارفة فالاول غير مراد جدّا لاستلزامه الكذب و الثالث يثبت المط كالثانى لان مقتضى التشبيه اثبات احكام المشبه به للمشبه او اظهر احكامها اذا كان فى البين فعلى كلا التقديرين يثبت المط كما لا يخفى فهذه الاحتمالات الثلاثة جارية فى المعنى الثانى ايضا لكن الاحتمالين الاخيرين الصّحيحين فيه لا يثبتان الا تعدد العقاب بعدد الشبهات اذا ارتكب الكل و ترتب العقاب على ارتكاب البعض المنبعث عن حرمته مما لا يدل عليه الخبر فيتم المط ح بعدم القول بالفصل و القلب ان كان ممكنا الا ان الضّميمة لاحد شطرى الاجماع المركب فيه هو الاصل مع ان ما فى القلب ناف و مخالف للاشتغال فيقدم المثبت الموافق للقاعدة عليه على ان الاظهر هو الحمل على جنس المفرد فيثبت المط بلا غائلة فيه فاذا تم ذلك على هذا النهج لزم تقديمه على اخبار البراءة تقديم الخاصّ على العام حتى على الاخبار الحاكمية بان كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو حلال ثم ان هذا الخبر و ان كان شاملا لغير المحصور ايضا إلّا انه خارج بالاجماع عنه هذا و الجواب بانّ حمل اخبار التثليث على الشبهة المحصورة الموضوعية مما لازمه ارتكاب خلاف اصل من وجوه على انه لا يتمشى فى خبر ابن حنظلة من وجوه أخر من عدم ملائمة الصّدر و لا الذيل و لا الابداء المذكور فيه كما اشرنا فى السّابق الى كل ذلك و لهذا لم يتمسّك احد من اصحاب القول المش به غير بعض مشايخنا (ره) على انه لا يقاوم لمعارضة الاخبار الخاصّة الآتية و بالجملة فالتمسّك به فاسد جدّا و السّادس ما تمسّك به ايضا بعض مشايخنا (ره) من الاخبار الآمرة بالاخذ بالاحتياط و ما يؤدّى مؤداها و الجواب ان حمل اوامر تلك الاخبار على الاستحباب فى قبال الاخباريّين كما عرفت فى الخزينة السّابقة مما يناقض المذكور هنا جدّا على انه مستلزم لارتكاب خلافى اصل من وجوه و السّابع قاعدة تبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد الواقعية و التقريب بانه اذا علم ان فى شي‏ء حراما او نجسا علم ان فى استعماله مفسدة فيجب اجتناب الجميع فعدم مدخليته للعلم و الجهل‏ (2) مما يسدد المط كما يثبته مثل هذه القاعدة و قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل و لا اقل من ثبوته بملاحظتهما معا و الجواب ان كان المراد من المفسدة ما يترتب على فعل ما فيه العقاب فبطلان التمسّك به واضح لافضائه الى المصادرة و ان كان المراد بها ما اشتمل على القبح الواقعى الذى لا يكون الجعل الاوّلى الا على طبقه فهو مسلّم لكنه لا يثبت المط غاية ما ثبت من ذلك ان ارتكاب القبيح الواقعى مما يورث القساوة و ملكة الشقاوة فانّ هذا من المط و من التامل فى ذلك يظهر الجواب عن قاعدة لزوم دفع الضرر المظنون او المحتمل لو احتج بها استقلالا و بعبارة اعود ان هذه القاعدة لا يتمشى بعد ملاحظة اخبار البراءة و باقى الكلام نقضا و ابراما و اعتراضا و ردا و تسديدا و تزييفا قد مرّ فى الكلام فى الدليل الثانى ثم إنها لو تمّت لجرت فى غير المحصور ايضا و اخراج ذلك عن حكمها بقاعدة العسر و نفى الضرر و الضرار كما ترى لامكان ان يقال انه لا جرح فى الاجتناب عنه خصوصا اذا لوحظ تكليفنا بغسل موضع الغائط و البول فى يوم مرات و ليس هذا بازيد من ذلك على انه قد يكون اشد فى المحصور و امثلته فى غاية الكثرة

فابداء الفرق تحكم اللهمّ إلّا ان يقال ان الملحوظ فى كلا النوعين الافراد الغالبة مكلّفا و موضوعا فالفرق بين مع ان الاجماع فارق و لو قطع النظر عن قاعدة العسر و فيه ما لا يخفى اذ الاجماع على تحققه انما دل على مجارى قاعدة العسر لا على الفرق بين المحصور و غيره نحكم على ان الاضطرار و العسر و الحرج لا يستلزم انقلاب جميع الآثار و الحكم بالطهارة فان قلت ان هذا غير عزيز المثال و ذلك كالحكم بطهارة الحديد مع ورود الاخبار بنجاسته قلت ان الاجماع كاصل الطهارة الثابت بالاخبار دل على الطهارة لا قاعدة العسر خاصة و بعبارة اخرى ان اخبار النجاسة ما قامت ادلة الطهارة التى من جملتها قاعدة العسر و بالجملة فهذا من قبيل الدفع لا الرفع و الفرق واضح و القول بان ما يصلح للدفع و التأسيس يصلح للرفع مما لا وقع له كما لا وقع لما يقال ان ما فى المقام اى فى غير المحصور من قبيل الدفع لا الرفع حيث يدفع بلزوم العسر و الحرج عموم الادلة الدالة على التحريم فلا يجب الاجتناب فان مبنى الوجوب على فعلية التحريم المستتبع لخوف الضرر على ارتكاب البعض فاذا دفع عموم التحريم ارتفع الخوف و سقط الوجوب اذ ليس المراد من دفع النجاسة عن الشي‏ء الا عدم كونها صفة من صفاته الواقعية بمعنى ان هذا لم يتصف بهذه الصّفة لا فى مرحلة الظاهر و لا فى مرحلة

____________

(1) و لبس غير ثوب الشبهة

(2) فى الحسن و القبح‏

182

فى مرحلة الواقع و لو فى وقت من الاوقات فكيف يتصور هذا فى الامور الثابت نجاستها بوقوعها فى الامور الغير المحصورة و الثامن القاعدة المقدميّة و التقريب بانه لا شك فى ان اجتناب الحرام و النجس و هو لا يتم الا باجتناب كل واحد هذا و قد يقال فى المقام ان كون لزوم الاجتناب من باب المقدّمة يتصور على قسمين الاول ان يكون من باب المقدّمة العقلية المحضة فلا يترتب العقاب بسبب ارتكاب البعض إلّا اذا انكشف ان الذى ارتكبه كان الحرام الواقعى و الثانى ان يكون من باب المقدمية الشرعيّة فترتب استحقاق العقاب بمحض ارتكاب البعض و ان ظهر بعد ذلك انه لم يكن حراما اذ الاحتياط كان واجبا شرعيّا فعدد العقاب بعدد الارتكابات و لو ارتكب الجميع دفعة واحدة استحق العقاب مرة واحدة لا ازيد هذا و انت خبير بان القول بلزوم الاجتناب عن الجميع مع القول بعدم الاستحقاق لترتب العقاب بارتكاب البعض إلّا اذا انكشف انه كان حراما واقعيا مما يقرب من المتناقضات و لا اظن ان احدا صار اليه و بالجملة فان القول بوحدة العقاب و لو تعدّد الارتكاب لم يعهد من القائلين بلزوم الاجتناب عن الجميع و ان كان بعض من ينفى وجوب المقدّمة شرعا ينفى ترتب العقاب على ترك المقدّمة فعد القاعدة من ادلة المش لا بد من ان يقال فيه باحد الامرين فى ترك المقدمة من ترتب العقاب عليه و تعدده بتعدّد التروك لكن لا لاجل المقدمات بل لاجل الترك الحكمى لذى المقدمة كما عليه البعض و من ترتبه عليه و تعدّده بتعدّده ملحوظا فيه ترك نفس المقدّمة فالقول بقول المش فى هذه المسألة و الاحتجاج عليه بالقاعدة لازمه القول بوجوب المقدّمة شرعا و ان كان بالقول بان العقاب على تركها و تعدّده عقاب على الترك الحكمى لذى المقدّمة فتشقيق قول المعظم فى هذه المسألة على شقين و تفريقهم بما ذكر على مذهبين و تخميس الاقوال بذلك فى المسألة مما ليس فى مخره و كيف كان فقد تنظر فى الاحتجاج بهذه القاعدة بان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه الا مع‏ (1) الشّك فيه و استبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا اذا لم تحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه غير ملتفت اليه و قد ثبت نظيره فى حكم واجدى المنى فى الثوب المشترك و اعترف به الاصحاب فى غير المحصور ايضا و الفرق بينه و بين غير المحصور غير واضح عند التامل و يستفاد من قواعد الاصحاب انه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة فى الماء و خارجه لم ينجس الماء بذلك و لم يمنع من استعماله و هو مؤيد لما ذكر هذا و قد ينهنا الى ما يرد على ذلك فى الخزائن الفقهية شرح الدرّة الغروية فى بحث الإناءين المشتبهين و قد يجاب ايضا عن الاحتجاج بهذه القاعدة بانه ان اريد بالواجب الذى جعل الاجتناب عن كل فزد مقدّمة له الاجتناب عن كل فرد مقدّمة الى له الاجتناب عن الحرام الواقعى فالوجوب مم و ان اريد الاجتناب عن الحرام المعلوم فكون الاجتناب عن كلّ فرد مقدّمة له مم بل المقدّمة هى الاجتناب عن المجموع او كل فرد بشرط الاجتماع مع البواقى هذا و قد يقرر القاعدة بان المفروض فيه حرام و الاجتناب عنه واجب فيقال الاجتناب عن ذلك الحرام واجب و لا يتم الا بالاجتناب عن الجميع و كلما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب و منع كلية كبرى القياس الاول فى حيّز المنع كما لا يخفى و القول بان ما ذكر انما يسلّم فيما حصل العلم بالاجتناب يرده ان امتثال نهى الشارع واجب و امره موكول الى العرف و هو لا يتحقق هنا الا بالاجتناب عن الجميع و الكلام هنا فى تاسيس الاصل و ما يقضى به العقل‏ (2) مختص بغير ما دل الدليل على خلافه فلا يرد ان العقلى لا يقبل التخصيص اصلا و القول بانه ليس المراد دفع اصل القاعدة مما ذكر من النقض بغير المحصور حتى يتجه ما ذكر بل المراد ان بعد تسليم القاعدة المذكورة مط لا دليل يقضى بخروج غير المحصور بل كلما هو جار فيه فهو بعينه جار فيه فالفارق تحكم مردود بان الفارق من وجوه من الاجماع و السيرة و الضرورة مضافة الى لزوم الحرج الشديد بمعنى انه لما كان الغالب من افراد غير المحصور مما يستلزم الحرج جعل ذلك مانعا عن اصل التشريع لا انه جعل عذرا فى جواز عدم الاجتناب مع ثبوت اصل التشريع فلا يرد ان ما ذكر ينيط الامر على لزوم الحرج و عدمه و هو قد يوجد فى المحصور ايضا على ان غاية ما يفيده جواز الارتكاب فى غير المحصور و

دفع العقاب من باب الاضطرار لا الحل و لا الطهارة ثم ان منع وجوب مقدمة الواجب شرعا فى حيز المنع و لا ينافى ذلك عدم ترتب الثواب او العقاب على فعلها او تركها لو سلّمنا ذلك اذ ليس معنى الواجب الا الطلب الحتمى المتعلق بالفعل المانع من النقيض هذا و كيف كان فانّ التحقيق فى الجواب ان يقال ان بعد فرض تسليم وجوب المقدّمة شرعا لا نم تحقق واجب فى البين و ذلك اذا لوحظ اخبار البراءة مما تقدّم و مما ياتى بالنسبة الى المقام و قد مر ما يرتبط بذلك الكلام و يجئ ما يبيّن المرام و يمكن ان يحتج عليه ايضا بوضع الالفاظ للصحيح و خبر يحيى بن اكثم فى القرعة بل بالاخبار العامة فى القرعة ايضا و برهان ان غرض اللّه تعالى من تشريع الشرائع حفظ الامور الخمسة من الدين و العقل و النفس و النسب و المال و التقريب فى الكل ظاهر فت و التاسع الاستصحاب كما تمسّك به البعض و التقريب بانه بعد الاحتراز عن مقدار الحرام الكلّى شهد فى بقاء الامر به و ارتفاعه فيستصحب الامر به هذا و فيه بعد الغض عن انّ ذلك لا يكون دليلا فى قبال جميع الاقوال بل فى قبال من يقول بوجوب الاحتراز عن قدر الحرام خاصّة ان المسلّم عند اصحاب هذا القول هو لزوم الاحتراز عن المقدار الكلى من الحرام بمعنى ان التخيير فى ذلك بين افراد المشتبه بالنسبة الى الارتكاب و الاحتراز على النهج المذكور ثابت فلم يثبت الامر بالاحتراز الا على‏

____________

(1) تحققه بعينه لا مع‏

(2) فغير المحصور بالدليل خارج بمعنى انّ ما يقتضى به العقل‏

183

هذا النحو و ليس فى المقام حالتان حالة القطع و حالة الشك حتى يستصحب الامر بالاحتراز فى الحالة الثانية بل حالة واحدة هذا و يمكن ان يستدل بالاستصحاب على نهج يجرى فى قبال الكلّ بان يقال انه اذا طرأ الاشتباه بعد تعين النجس او الحرام فى نفسه تحقق المنع من استعمال ذلك المتعيّن قبل عروض الاشتباه فيستصحب بعده الى ان يثبت الناقل عنه فيتم المط فى غير تلك الصورة بعدم القائل بالفرق و القلب بالنّظر الى استصحاب اباحة متعيّن الطهارة او استصحاب اباحة كل واحد منهما قبل وقوع النجاسة غير مستقيم لان استصحاب المنع وارد على ما يقابله ورود المزيل على المزال هذا و لكن المتراءى من صاحب المدارك التفصيل فى المسألة حيث قال فى بحث الإناءين المشتبهين و اطلاق النص و كلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق فى ذلك بين ما لو كان الاشتباه حاصلا من حين العلم بوقوع النجاسة و بين ما لو طرأ الاشتباه بعد تعين النجاسة فى نفسها و الفرق بينهما محتمل لتحقق المنع من استعمال ذلك المتعين فيستصحب الى ان يثبت الناقل عنه هذا ثم و ان كلامه و ان كان فى بحث الإناءين الذى هو مورد النصّ الذى استضعفه على طريقته من عدم العمل بالموثق بجماعة من الفطحية لكن الوجه المذكور عام فيعلم انّ ميله الى ذلك سارى فى جميع المواضع فبعد ملاحظة هذا و عدّ مثل هذا الميل من القول و ملاحظة ما سبق فى الدليل السّابق من قضية الفرق بين المقدّمة العقلية و المقدّمة الشرعية و تشقيق قول الاكثر بذلك على قولين و تفريقهم على مذهبين يكون مسدّسة الاقوال و كيف كان فان بعد تسليم عدم القائل بالفرق بناء على عدم الاعتداد لما فى المدارك لان الاحتمال لا يعدّ من القول فى شي‏ء لا نم تحقق المزيل و المزال فى البين بل نقول ان الاستصحابين فى درجة واحدة هب ان ما ذكر محقق لكن الاستصحاب لا يقاوم لمعارضة ما يجئ عن الاخبار المستفيضة التى كادت ان تبلغ حدّ المتواتر المعنوى فمن هنا ينقدح انّ ما مال اليه صاحبك ليس ايضا فى محلّه و العاشر الدليل الاعتبارى الذى ذكره بعض المعاصرين و حاصله ان فتح هذا الباب يؤدى الى رفع العصمة عن الاموال و الفروج و الدّماء و بطلانه فى الجملة مما يعرف من ضروريّات الاديان و ذلك بعد ملاحظة ما ذكره اصحاب القولين من ارتكاب الكل تدريجا و من ارتكاب ما عدا قدر الحرام من قضية عدم الفرق بين صورة امكان تعيين الحرام و غيرها و لا بين انواع الحرام فيقرع على القول الثانى انه يجوز لجماعة اجتمعوا على ارغفة مغصوبة اذا وضعوا بينها رغيفا مباحا على وجه حصل الاشتباه بينه و بينها و لو لعارض كالظلمة ان يتناول كل واحد منهما رغيفا و كذا الامر فى الدّراهم و غيرها و يتفرّع عليه ايضا انه اذا صادفوا امراة و اشتبه على كل واحد منهم زوجته او اجنبية ان يحل لهم وطئها على التعاقب مع تخلل العدة ان كانت ذات عدة و بدونه فبدونها و لو بطريق الاجتماع بقدر الامكان و ان حرّم عليها تمكين نفسها لغير واحد منهم مع تمكنها و ايضا انه اذا عقد اثنان على امراتين و اشتبهتا جاز لهما ان يختارا واحدة و يطأها مع تخلل العدة حيث تجب و ايضا اذا صادفوا جماعة من المسلمين فيهم رجل مباح الدّم و اشتبه بينهم و لو لعارض جاز لكل واحد منهم ان يباشر قتل واحد و ايضا اذا اراد وطى اجنبية جاز له احداث الاشتباه بينها و بين زوجته و مثله الكلام فى المال و النفس و يتفرع على القول الآخر ان يجوز لمن كان له زوجة فى دار او بلد ان يطأ كل امراة يصادفها فيهما ما لم يعلم انها غيرها و لمن فقد ما لا ان ياخذ كل مال يجده مما يحتمل ان يكون ماله ما لم يقم امارة شرعية على خلافه و ان يحل لواحد قتل جماعة بمجرد وجود شخص مباح الدم بينهم و اما الفرق فى ذلك بين الاموال و الفروج و الدّماء كما وقع من البعض فناش عن قصور النظر و قلة التدبّر اذ حفظ الكل عند الشارع على السواء و ان كان الحكم فى البعض آكدّ هذا و الجواب بعد كسر صولة هذا المستدل بان الاستبعاد المحض مما لا يعد من الدليل فكم من مستبعد عند الاوهام و فى بادى الانظار قد تحقق و ثبت و من قبيل ذلك ما ذكرنا فى الخزائن الفقه من تحقق مورد يخرج به المطلقة المدخول بها غير اليائسة و غير الصّغيرة من عدة المطلق و من عدة الف رجل‏

مثلا وطؤها بالشبهة فى مقدار ساعتين او ثلث ساعات مثلا مع عدم القول بالتداخل فى العدد بان الكلام فى اثبات الاصل الاصيل غير الكلام فيما يقتضيه الدّليل الوارد عليه فبطلان القول بالجواز فى اكثر ما ذكر لتحقق السيرة القطعية الاديانية بل العقلائية و هذا لا ينافى ما عليه جمع من المحققين من تاسيس الاصل على الجواز و من فرق بين الفروج و الدماء و بين الاموال كالمحقق الثالث فقد فرق بينهما بملاحظة ورود الدليل و عدمه على الاصل لا بملاحظة ان ادلة الاصل لا يجرى فى الفروج و الدماء حتى يرد عليه ما اورده ثم تكون المسألة بعد ملاحظة ما سبق سبعة الاقوال و بالجملة ان الفرق بالدليل و إلا فان الاصل تجرى فى الكل و لو كان الاشتباه مما قد حصل بسوء الاختيار و حفظ الاموال كما يكون بالمنع و الضمان كذا يكون بالضمان خاصّة و الحاصل ان كلّ ما ذكر من الامور الفرضية الغير الواقعة و على فرض وقوعها او اكثرها فالدليل على عدم الجواز فى ذلك هو السّيرة القطعية المخصّصة للاصل و هى انما تسلّم فى الدماء و الفروج لا فى الاموال فالاموال فى هذا الباب كالطاهر و النجس من جهة عدم ثبوت السيرة على المنع عنها فلم يبق فى البين ما يدلّ على عدم الجواز فى الاموال‏

184

فى الاموال الا قضية انّ حفظ الاموال عند الشارع كحفظ الدّماء و الفروج و قضيّة نفى الضّرر و الضرار فهما لا تثبتان مطلب الخصم و لا تنافيان ما نحن فيه بعد ملاحظة تشريع الضمان و جواز التصرف فى مال الغير بدون اذن المالك بل باذن الشارع غير غريز الوجود بل هو فى غاية الكثرة إلّا انه على خلاف القاعدة على ان قضية الضرر مشترك الورود اذ قد يكون من يريد التصرف فى المشتبه ماله منحصرا فيه و لا يقدر على غيره و لا على الاستيذان ممن اشتبه ماله بماله و نحو ذلك و الحادي عشر طريقة العقلاء و حكم القوة العاقلة و الفرق بينهما فرق الاجمال و التفصيل و فيه انهما على طبق ما نحن عليه لا على ما عليه الخصم نظرا الى انه لا تكليف عندهما الا بعد البيان نعم يصح التمسّك بذلك فيما ضرره عاجل كالسموم و ما اشتبه بها و الثانى عشر ما احتج به بعض المعاصرين من جملة من الآيات الآمرة باطاعة الرسول (ص) و الانتهاء عما نهى عنه و جملة من الاخبار خبر العوالى النبوى الذى قد قال فى شانه بعض الفضلاء انه مما اتفق على نقله و بعضهم ان النصّ فى مضمونه عن الائمة (ع) فى غاية الكثرة و هو ما اجتمع فيه الحلال و الحرام الاغلب الحرام الحلال و مثل ما رواه الراوندى باسناده عن على (ع) قال سئل عن شاة مسلوخة و اخرى مذبوحة و قد عمى على صاحبها فلا يدرى الزكية من الميتة فقال (ع) يرمى بهما جميعا الى الكلاب الحديث ثم ايد ذلك بجملة من الاجماعات المنقولة فى مواضع عديدة ربما ادعاه البعض من انا تتبعنا الاخبار بالنسبة الى المحصور فوجدناها قد وردت فى جملة من الاحكام متفقة النظام ملتئمة تمام الالتئام على الدخول تحت هذه القاعدة من اعطاء المشتبه بالنجس حكمه فالقواعد الكلية كما تثبت بادوات السور كذا تثبت بتتبّع الجزئيات و قد زاد هذا المستدل فى بعض كلماته ان الحكم بعدم الاجتناب مخالف للآيات و القواعد المتبعة مما مر اليه الاشارة و من غيره و من لزوم الاعتداد بالعلم الاجمالى مط الا ما خرج بالدليل و قاعدتى بقاء السلطنة للمالك و عدم حصولها للتصرف و استصحابات عدم الانتقال و اللزوم و حرمة الوطى فيما يشترى المشتبه الاماء و هكذا و امثال هذه الاستصحابات فى العقود و الايقاعات و العبادات فوق حد الاحصاء و قاعدة دفع مجازية المخاصمات و نحو ذلك و ما عليه الشهرة العظيمة المعتضدة بالاجماعات المنقولة الكثيرة مع ان القول به شاذ هذا و فيه ان الاستدلال بالآيات من المصادرات اذ النهى عن المشتبه اول الكلام و الاستطراق الى ذلك بجملة من الادلة المتقدّمة و تحقيق الموضوع بذلك خروج عن الاستدلال بالآيات مع انه لا حاجة ح الى الاستدلال بها و الخبر ان بعد تسليم ما قيل فى شان اولهما لا يقاومان الاخبار الآتية البالغة حدّ التواتر المعنوى على ان ما قيل انما قيل بالنظر الى الصدور لا المراد فليحمل الاول على الاستحباب و ليختصّ الثانى بمورده بعد تسليم انجباره بالعمل على ان احتمال النّصب فى الحرام المدخول لارادة الاستثناء و الرفع فى الحلال سائغ خصوصا اذا لوحظ الاخبار الآتية و الاجماعات المنقولة (1) من ظاهر كلامه يفيد دعوى الاجماع قد خالف فى المسألة الاوّل أ لا ترى كلام صاحبك حيث قال بعد قول المحقق فى الشرائع و لو اشتبه الاناء النجس بالطاهر وجب الامتناع و ان لم يجد ماء غيرهما تيمّم هذا مذهب الاصحاب ثم تنظر فيما ذكروه ثم مال الى التفصيل كما نقلناه عنه سابقا هب ان دعوى الاجماع فى ازيد من موضعين لكنها لا يثبت الكلية المدّعاة و بالجملة التشبّث بالاجماعات المنقولة استقلالا او اعتضادا مما ليس فى محلّه لما عرفت و لانها لا تزيد على الاخبار الجامعة لشرائط العمل بل انّ حجّيتها متفرّعة على حجيتها و من التامل فيما ذكرنا ينقدح عدم استقامة دعوى شذوذية القول بعدم الاجتناب خصوصا اذا لوحظ القول المختار و القول الآخر معا و كون كل واحد منهما مذهب جمع من المحققين و انضم الى ذلك ما عن المجلسى (ره) حيث قال فى مقام نقل الاقوال فى المسألة و قيل يجب التخلص عنه بالقرعة و قيل يجب الاحتراز عن الجميع من باب المقدّمة و قيل يجوز التصرف فيه اجمع الا الاخير

أقوائية جواز ارتكاب جميع أطراف الشبهة المحصورة

و قيل يحل له الجميع لما ورد فى الاخبار الصّحيحة اذا اشتبه عليك الحلال و الحرام فانت على حل حتى تعرف الحرام بعينه و هذا اقوى عقلا و نقلا هذا فلا ينفع الشهرة بين متاخر المتاخرين على فرض تحققها خصوصا اذا لوحظ عدم استقامة ما تشبث به المش فكيف مع ذلك دعوى الاجماع المحقق الحدسى كما وقعت من بعض المعاصرين ثم ان الدعوى المذكورة من وجدان الاخبار متفقة النظام ملتئمة تمام الالتيام على النهج المذكور مما يكذبه الاخبار الآتية فالقاعدة المستفادة من ادوات السور و من تتبع الجزئيات هى البراءة اذ لم يرد خبر مانع عن الاستعمال الا فى موضعين كما عرفت ثم ان قول المستدل ان الحكم بعدم الاجتناب مخالف للقواعد المتبعة مع ملاحظة ما اشرنا اليه و ما ياتى اليه الاشارة من اعجب العجاب و الوجه ظاهر فلا نسهب الكلال و كيف كان فالمتبع هو الدليل التام لا الاستحسانات و الاستبعادات و الوجوه الغير التامة و الامور المدخولة فالقول المختار مما يثبت بالاخبار المتقدّمة من الاخبار الحاصرة فيما حرّم الى الكتاب الواردة على الخطابات ورود الخاصّ على العام و على جملة مما تقدم من ادلة الخصم على فرض تماميتها ورود المنجز على المعلق و كذا الاخبار الدالة على حليّة شي‏ء فيه حلال و حرام و شمولها للاحكام لا يمنع عن ذلك اى عن ورودها عليها ورود الخاص على العام كما لا يخفى على الفطن فاذا

____________

(1) انما هى موضوعين من مسئلة المنع عن الوضوء عن الإناءين المشتبهين مسألة المنع عن السجود على الموضع المشتبه بالنجس على ان بعض‏

185

ينضم الى ذلك الاخبار المستفيضة الخاصّة ينجلى المط فى غاية الانجلاء

فى الأخبار الدالّة على جواز ارتكاب جميع الأطراف‏

فمنها صحيح ابى بصير عن احدهما قال سالته عن شراء الخيانة و السّرقة قال لا إلّا ان يكون قد اختلط معه غيره فامّا السّرقة بعينها فلا إلّا ان يكون من متاع السّلطان الحديث و منها صحيح الحلبى عن الباقر (ع) قال اتى رجل فقال انّى ورثت ما لا و قد علمت ان صاحبه الذى ورثت منه قد كان يربى و قد اعترف ان فيه ربى و استيقن ذلك قال ان كنت تعرف ان فيه ما لا معروفا ربّى و تعرف اهله فخذ راس مالك و رد ما سوى ذلك و ان كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك الحديث و منها الصّحيح الآخر عنه و فيه لو ان رجلا ورث من ابيه ما لا و قد عرف ان فى ذلك المال ربى و لكن قد اختلط فى التجارة بغيره فانه له حلال طيّب فلياكله و ان عرف منه شيئا انه ربى فلياخذ راس ماله و ليرد الزيادة الحديث و منها صحيح ابى عبيد عن الباقر (ع) قال سالته عن الرّجل منا يشترى من السّلطان من إبل الصّدقة و غنمها و هو يعلم انهم ياخذون منهم اكثر من الحق الذى يجب عليهم قال ما الابل و الغنم الا مثل الحنطة و غير ذلك لا باس به حتى تعرف الحرام بعينه الحديث و منها صحيح معاوية بن وهب قال قلت للصادق (ع) اشترى من العامل الشي‏ء و انا اعلم انه يظلم فقال اشتر منه الحديث و منها خبر إسحاق بن عمار قال سالته عن الرّجل يشترى من العامل و هو يظلم قال يشترى ما لم يعلم انه ظلم فيه احد الحديث و فى رواية عنه (ع) قال ان كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا لا يعرف الحلال من الحرام فلا باس الحديث فهذه الاخبار كما ترى متفقة النظام و ملتئمة تمام الالتئام فى باب المال المشتبه و افادة حليته فيثبت القاعدة فيه يحكم الاخبار و فى غيره من باب الطّاهر و النجس و غير ذلك بعدم القائل بالفصل فحمل ما فى جملة منها من معروفية الربا على معروفية قدره كحمل جملة منها على صورة ان يدخل الربا و الفضل و حمل جواز الشراء و البيع على اعتبار وقوع الثمن فى قبال ما يملك البائع و حمل نفى الباس على نفى البأس فى الجملة لا عن الجميع كالقول بان ما فيها خارج عن محل النزاع اذ هو فيما لم يقم دليل و قد قام هنا و هذا يد المسلم من التاويلات البعيدة و التكلفات الركيكة المنبعثة عنها فى الحقيقة طرح الاخبار براسها على ان جملة من الاخبار لا يتمشى فيها شي‏ء من هذه التاويلات جدّا كما لا يتمشى الحمل على صورة غير المحصور لان هذا الحمل على فرض تعقله فى جملة من الاخبار يستلزم الحمل على الافراد النادرة مضافة الى طرح قضية ترك الاستفصال فى الاكثر او الكل و هذا فى الحقيقة نوع من طرح الاخبار براسها و بالجملة فان هذه التاويلات مما يبعد عن الانصاف و يقرب الى الاعتساف و الاستثناء من الاستثناء الاول فى الخبر الاول مما يدل على حلية الخراج ياخذه المخالف او ترتيب آثارها عليه و ان لم يكن فى الحقيقة حلالا فالحمل على انه يجوز السرقة منه لكونه فيئا للمسلمين فيه ما فيه و بالجملة فلا ضير من جهة هذا الاستثناء و اما المناقشة بان جملة منها مما تضمن قضية الربا لم تحكم بالضمان و لا بالاستحلال من المالك‏ (1) و كالمناقشة بان اكثرها يفيد الحلية و اباحة ارتكاب الجميع و لو دفعة واحدة مع ان ذلك مما لم يقل به احد فمما ليس فى محله لان الاطلاق الوارد فى مورد بيان حكم آخر لا يفيد العموم حتى يرد ما اورده فالسكوت عن الضمان لا يدل على نفيه بعد التصرف فلا ضير من هذا الوجه اصلا نعم ينزل الاطلاق على الصورة على التدريجية على ان الالتزام بالالتزام الى بالاطلاق من هذا الوجه مما لا غائلة فيه غاية ما فى الباب تكون المسألة بعد ملاحظة الاقوال السّابقة مثمنة الاقوال فلا ضير و لا غائلة بل هذا هو الحق الحقيق المستفاد (2) من كلام المجلسى (ره) فلا فرق بين الارتكاب التدريجى و الدفعى على انّ هذا القول قد نسب الى البعض و دعوى الاجماع على نفيه دونها خرط القتاد و لم يشر الى هذه الدعوى فى كلام احد ممن يقول على كلامه نعم قد وقعت هذه الدعوى فى كلام بعض المعاصرين ثم العجب من البعض حيث اذعن بكثرة الاخبار و صحتها و صراحتها فى المط و مع ذلك قد طوى كشحه عن العمل بها تعليلا بان صفح الاصحاب عنها مع اتصافها بهذه‏

الاوصاف مما يوجب الوهن فيها فليت شعرى بمراده من هذا الكلام فان ادعى هذه الدعوى مط حتى فى مواردها فعليه البيّنة بايراد كلمات الاصحاب فيها و بيان مخالفتها لما عليه الاخبار و ان ادعاها فى مقام اناطة الكلام على الاصل و القاعدة نفيا و اثباتا فهى مردودة بان المسألة لم تعهد ذكرها فى كلمات الاوائل و لا اكثر الاواسط فهى قد عنونت فى كلمات طائفة من المتاخّرين فكيف يقال فى مثل ذلك ان اعراض الاصحاب عن الاخبار بصراحتها و صحتها يوجب الوهن فيها خصوصيا اذا لوحظ مصير جمع من المحققين الى ما تضمنته و تشتت الاقوال فى المسألة غاية التشتت ثم انّ هذه الاخبار مما يفيد القطع بالمط و لو بعد ملاحظة ما تقدم و انضمامه اليها فلا اقل من افادة الظّن الاطمينانى و هو كاف و لو فى المسائل الاصولية على ان المسألة بعد ملاحظة القاعدة العقلية من نفى الحكم فى مرحلة الظاهر قبل وصول البيان تكون من القطعيات و كيف كان فان هذه الاخبار كما تكون رادة لقول بلزوم الاجتناب عن قدر الحرام فان قلت انه لا بد من التصرف فى هذه الاخبار اذ كما يحرم ارتكاب الحرام الواقعى المتيقن فكذا يحرم تحصيل العلم بارتكاب الحرام فوجوب ابقاء قدر الحرام و تحريم ارتكابه من هذه الجهة لان ارتكاب الفرد الاخير الذى يوجب العلم بارتكاب الحرام الواقعى مقدّمة لتحصيل‏

____________

(1) بالمصلى و غيرها

(2) من الاخبار كما هو المستفاد

186

لتحصيل اليقين بارتكابه و مقدّمة الحرام حرام قلت ان اشتمال المشتبه على الحرام اول الكلام فالقطع باشتمال المشتبه على مال الغير و عدم رضاه بالتصرف غير القطع بتحقق الحرام اذ النسبة بين هذين نسبة العامين من وجه بحسب الموارد و تحقق التصرف فى مال الغير مع عدم اذنه و رضاه من غير تحقق الحرمة غير قليل و منه التصرف فى مال المحتكر و منه تصرف المقاص و منه تصرف المضطر فى بعض المواضع و منه التصرف فى غير المحصور فيصح الحكم بعدم اشتمال المشتبه على الحرام فى مرحلة (1) الظاهر و ما يتوهّم ان يكون ردّا لهذا الكلام قد مر الجواب عنه فى ذكر ادلة المش فهذا عين التحقيق فى ردّ هذا الاشكال المنبعث عنه القول بلزوم ابقاء قدر الحرام فلا احتاج الى ما قيل من ان المقدّمة الحرام ليست بحرام و لا الى ما قيل ايضا من ان ما ذكر لو تم لدل على حرمة تذكر المعاصى السّابقة و القول بذلك بط جزما مع انه لم يعهد القول به عن احد ايضا و التخصيص بالعلم الابتدائى تحكم محض هذا و يمكن ان يجاب ايضا بان ما فعله او لا لم يكن حراما عنده لاحتمال ان يكون مال الغير او النجس هو الآخر و كذا ما يفعله آخر أ فلم يتحقق له علم فى ان من الآنات باستعمال الحرام غاية ما فى الباب يحصل له باستعمال الجميع العلم بثبوت اشتغال الذمة تعبر بحق الغير او تنجس بدنه او ثوبه و نحن لا ننكر ذلك اذ الكلام فى الحكم التكليفى لا الوضعى من الضمان و التنجيس هذا و الصواب الجواب هذا فى الجواب هو ما قررنا اولا على ان هذا لو تم و سلّم عن تطرق الخدشة فانما يدل على رفع الاشكال عن القول بجواز ارتكاب الجميع تدريجا خاصة لا عن جواز ذلك مط كما هو المستفاد من الاخبار و هو المختار لو لا الاجماع على خلافه و قد عرفت عدم تحققه و ان مدعيه لا يصدق فان قلت ان الحرام قد يكون مجهول الحرمة و لا يجب اجتنابه و قد يكون معلوم الحرمة و هو على قسمين معلوم العين و مجهولها فكما علم وجوب الاجتناب فى الاول كذا علم فى الثانى و لو كان الحرام فى كل من المشتبهين بشرط الاجتماع او فى المجموع هو الواحد المجهول بعينه و ذلك لصحيح ضريس و فيه بعد السؤال عن السّمن و الجبن فى بلاد المشركين اما ما علمت انه قد خلطه الحرام فلا تاكله و اما ما لا تعلم فكل حتى تعلم انه حرام الحديث و رواية عبد للّه ابن سليمان كل شي‏ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان عندك بأن فيه الميتة الحديث بل لرواية إسحاق بن عمار ايضا حيث قال فيها يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احد الحديث و التقريب بانه اذا لم يترك من الجميع قدر الحرام يصدق انه علم قد خلطه الحرام او انه ظلم فيه احدا (2) على ان كل شي‏ء حرم شرعا فالحرام حقيقة هو ذلك الشي‏ء لوضع الالفاظ للامور النفس الامرية فلما لم يكن‏ (3) شرطية العلم بكونه ايّا من هذين الامرين فلا دليل عليه مثلا انه قد حرّمت الميتة و هى موضوعة للحصة النفس الأمريّة لكنها مقيّدة قطعا بالمعلوم كونه ميتة فالمعنى حرمت عليكم كل ما علمتم كونه ميتة و ذلك التخصيص قطعى و لكنه عام بالنسبة الى هذا الشي‏ء المعين او احد الاشياء فانه اذا علم كون احد هذه الاشياء ميتة يصدق على احدها لا بعينه انه ما علم كونه ميتة فيجب الاجتناب عنه قلت ان الحكم بان الحرام هو الواحد المجهول بعينه غير مستقيم و صحيح ضريس ليس ظاهرا فى كونه مستندا له فالمراد من الاختلاط فيه الاختلاط المزجى بل هذا هو المتبادر منه فيه فعليه يكون ذيله من قوله (ع) و اما ما لا تعلم فكل الخ من أدلّة المختار كسائر الاخبار و على فرض عدم ظهوره فيه يحمل عليه او على الكراهة لينتسق الاخبار على نظم واحد و تنتظم على نسق قويم على انه لو تم فيما ذكر هذا القائل لدل على لزوم الاجتناب عن الكل مع انه لا يقول به فمن هنا ينقدح الجواب عن استدلاله بالخبرين الاخيرين ايضا و بالجملة فهذه الاخبار كالاخبار المتقدّمة المذكورة و غيرها من خبر عبد الرحمن عن ابى عبد اللّه و خبر محمد بن ابى خمرة و الاخبار الدالة على حلية ما يختلط بالحرام باخراج الخمس مما يؤيد به القول المختار لو لم نقل بصحة الاستدلال بها عليه ثم العجب مما ساقه هذا المستدل فى تقريب الاستدلال بهذه الاخبار من قضية لزوم التعويل‏

على العلم بان فى المشتبه حراما لانه لو اراد من العلم العلم الاجمالى لما كان لهذا الكلام معنى معقول مع العدول عن القول المش اذ لو كان العلم الاجمالى معبّرا لما كان لارتكاب ما عدا قدر الحرام وجه جواز فانه مما علم بهذا النهج انه مما خلطه الحرام على ان لازم هذا الكلام على ذلك النهج ابقاء قدر الحرام فى غير المحصور ايضا مع انه لم يعهد القول به عن احد ظاهرا حتى عن صاحب هذا القول المستدل بهذه الاخبار و تلك الوجوه و الفرق بلزوم العسر و عدمه لا يتمشّى هنا جدّا كما لا يخفى و ان قطعنا النظر عن عدم استقامة الفرق فيما تقدم بين المحصور و غيره بلزوم العسر و عدمه و الفرق بالاجماع كما ترى على انه لو انعقد على عدم لزوم ابقاء قدر الحرام لكشف عن عدم تحقق الحرمة و المحرم فى البين لا ان هذا المحرّم يجوز ارتكابه مع ان هذا لا يتعقل قطعا فاذا بنى الامر فى غير المحصورة على عدم لزوم ابقاء قدر الحرام للاجماع فليبين الامر عليه فى المحصور بالاخبار فليس الفرق الا من التحكم الصرف و عقد الباب انّ هذه الاخبار غير ظاهرة فى مطلب المستدل و الوجه المعتضد به الاخبار مدخول و ما فى ذيله قريب من المصادرة فالاخبار الامر بعد تسليم ظهورها فيه تحمل اما على الصورة الدفعية او التعيينية او المزجية و الاخيرة الاظهر بملاحظة الاخبار الكثيرة الخاصة المتقدّمة آنفا و الاخبار الحاكمة بحلية كل شي‏ء فيه حرام و حلال حتى يعرف الحرام بعينه فانتساق الاخبار و التئامها و الانتظام بينها لا يكون الا بما ذكرنا و صرف الاخبار الكثيرة فى غاية الكثرة و اقصى تدرج الاستفاضة لاجل جملة قليلة

____________

(1) الواقع فضلا عن الحكم بعدم ذلك فى مرحله‏

(2) و انّ فيه الميتة اذا ترك مساوى قدر الحرام فلا نعلم انّ الباقى خلطه الحرام او ظلم فيه احد او فيه الميتة

(3) التكليف بدون العلم فاشترط فى وجوب الاجتناب العلم بكون ذلك الشي‏ء هو الحرام و امّا

187

من الاخبار غير ظاهرة فى مطلب الخصم مما لا يرضى به ذو اللبّ الملب على ان جملة كثيرة و طائفة جمّة من تلك الاخبار الكثيرة غير قابلة الارجاع الى هذه الاخبار القليلة المفروض دلالتها الا بتأويلات بعيدة تعد فى الحقيقة مما يطرح الاخبار فان قلت ان معنى حتى يعرف الحرام بعينه ليس ان يعرف بعين الشخص الخارجى حتى ينافى الاخبار المتضمنة للفظ بعينه لما قلنا بل المراد بذلك حتى يعرف الحرام بخصوصه اى بخصوصيّة الحرمة بحيث يمتاز عما عداه من حيث هو سواء كان عينا خارجيّا شخصيّا او غيره كمطلق الميتة او كل فرد منها مثلا و الواحد لا بعينه من تلك الاشياء ايضا مما علمت حرمته بخصوصه فان الواحد لا بعينه ايضا شي‏ء مخصوص ممتاز عن غيره بحيث لو ارتفع عنه عدم التعيين لم يكن هذا الشي‏ء و الحاصل ان كلا من المطلق و كل فرد و الواحد المعيّن شي‏ء له خصوصية بها يمتاز عن غيره فاذا صرّح الشارع بحرمة كل واحد منها يصدق عليه انه حرمه بخصوصه فعرف الحرام بعينه قلت عدم استقامة هذا الكلام فى منار اذ لو بنى الامر فى تعيين الشي‏ء على ذلك لم يبق شي‏ء غير معين فى سلسلة الاشياء من المتاصّلات و الاعتباريّات لانه يمكن ان يمتاز بهذا النهج كل ما يتخيل و كل ما يفرض من الفرضيات المحضة و العدميات الصّرفة فلا يتحقق التقابل ح بين المعلوم و المجهول على ان حمل الاخبار على ما ذكر بعيد قطعا مع انه لا يناسب الجملة التوصيفية فيها جدّا و انه يمكن ان يستدل بهذا النهج القائلون بلزوم الاحتراز عن الكل ايضا فضلا عن ان يقولوا ان تلك الاخبار غير منافية لمطلبنا و بالجملة فان الحمل على هذا المعنى البعيد و ارتكاب ذلك التكلف من غير داع عليه الا قليلة من الاخبار غير ظاهرة فى المط معتضدة بما هو مدخول فى نفسه ليس من صناعة التحقيق فى شي‏ء فان قلت انّا لا نقول ان الشارع صرّح بتحريم الواحد لا بعينه حتى يرد ما ذكر بل نقول ان الشارع صرّح بتحريم الميتة مثلا و صار واحد لا بعينه اى عندنا لا فى الواقع ميتة فصار حراما قلت هذا الكلام قريب من المصادرة اذ تحقق الحرام مع عدم العلم اول الكلام و المطلوب بالاوامر و ان كان من الامور الواقعية بناء على الوضع للامور النفس الامرية الا ان التكليف بالشي‏ء لا يكون الا بعد العلم به‏ (1) و القول بان مطلق الميتة او كل فرد منها معلوم الحرمة فيحكم بحرمته و ان لم يكن موجودا خارجيّا و لم يعرف بعينه الخارجيّة اعادة من القول اللازم للمصادرة فضعفه بين و خلاصة المط انه لا معنى لحرمة الشي‏ء لا بعينه على ان استعمال كل فرد فرد غير استعمال الواحد لا بعينه غاية ما فى الباب انه متضمّن له فلا معنى للتحريم ايضا فان قلت الامر كما ذكرت لكنه باستعمال الكل يحصل العلم باستعمال الواحد لا بعينه الذى هو الحرام نسبب الحرام حرام و بالجملة فان ارتكاب كل منها بشرط الاجتماع مع البواقى مما يحصل به العلم بارتكاب الحرام سواء كان الاجتماع فى ان واحد اى على الدّفعية او فى آنات فالفرد الاخير الذى يرتكبه يتحقق معه الشرط فيكون حراما لا لانه حرام معلوم بل لانه سبب الحرام الذى هو العلم باستعمال الحرام و لانه الفرد الواحد للشرط المذكور قلت قد عرفت الجواب عن ذلك من وجوه عديدة فلا نسهب فى الكلام بالاعادة فان قلت ان لزوم الاجتناب عن قدر الحرام لاجل ان تجويز ارتكاب الجميع مستلزم لجواز العزم عليه باعتبار انه جائز لكنه غير جائز لانه عزم على المحرم و لو فى ضمن الجميع مع مصادفته فعله فيكون حراما قلت لا ريب فى عدم استقامة هذا الكلام لان هذا العزم عزم على الحلال الظاهرى بل الواقعى ايضا فلا ضير على ما قررنا و قدمنا على انّ ارتكاب الجميع لا يتوقف على العزم على الجميع ابتداء لجواز حدوث العزم على بعض الباقى بعد ارتكاب البعض المساوى للحرام فمن اراد التحقيق فى مسئلة حرمة العزم على الحرام فليراجع الى مبحث النية فى الصلاة فى الخزائن الفقهية شرح الدرة الغروية فانها حائزة لسهمى الرّقيب و المعلى فى كل باب ثم اعلم ان ما ذكرنا من الاخبار كما يدل على ما اخترنا فى غاية الاتضاح و يدفع بها ساير الاقوال التى اشرنا الى مستندها من القول بلزوم الاجتناب‏ (2) عن قدر الحرام و القول التفصيلى المستفاد من صاحب كذا يدفع بها القول بالتخلّص عن الحرام بالقرعة مستندا الى طائفة من اخبار عامة ناطقة بانها لكل امر مشكل او امر مشتبه و الى خصوص خبر متضمن‏

سؤال يحيى اكتم عن قطيع غنم فيه شاة موطوءة لانها لا تقاوم لمعارضة ما قدّمنا على ان عموماتها اشبه شي‏ء بالمجملات لاحتمال ان يكون المراد من الاشكال الواقعى و ذلك كما اذا اوقع طلاق احدى الامرأتين و هكذا و بعبارة جامعة ان يكون الاشكال اشكالا ابتدائيا كاحتمال ان يكون المراد منه الاشكال الظاهرى بان يقع الاشكال فيما يقبل الامتياز و التعيين مع قطع النظر عن القرعة كما فيما نحن فيه‏ (3) ليس من الاول جدّا و هو و ان كان مما يصحّ اتصافه بالثانى لكن هذا فى بادى النظر اذ لا اشكال بعد ملاحظة الاخبار و كذا على ساير الاقوال ثم الخبر الخاص مرمى بالضّعف او محمول على الاستحباب او مختص بمورده على ان الاستدلال به على ما نحن فيه عجيب اذ قطعية الغنم كما تكون من المحصور كذا تكون من غيره بل هى فى غير المحصور فى هذا الباب اى المقابل للمحصور اظهر كما ستعرف وجه ذلك فحمله على الاستحباب متعيّن‏

تذييل: فى الشبهة غير المحصورة

تذييل‏ اعلم ان ما ذكرنا انما كان فى المشتبه المحصور و اما غيره فلم يعهد فيه بالنظر الى جواز ارتكابه مط سواء كان مشتبها بالحرام او بالنجس خلاف من احد و قد صدر فى ذلك دعوى الاجماع من جمع و هذه و ان كانت فى مواضع‏

____________

(1) فترتب آثار الحرمة الواقعية انّما هو بعد العلم‏

(2) عن الكلّ و من العقل بلزوم الاجتناب‏

(3) مما نحن فيه‏

188

فى مواضع مختصّة مثل مبحث المكان و ما يسجد عليه و نحو ذلك الا ان تعليلاتهم تفيد العموم على ان غير واحد قد ادعى الاجماع على الكلية كما صرف الاخبار الكثيرة الدالة على القول المختار عن ظواهرها و حملها على غير المحصور حتى انه قد صرّح البعض بذلك فى مواضع قائلا فى بعضها بعد ذكر طائفة من الاخبار و يمكن الجواب بان الظاهر مما ذكر و ان كان عدم لزوم الاجتناب فى المشتبه المحصور ايضا لكن لا يمكن المصير الى ذلك لمعارضته بما دل على عدم جواز التصرف فى المال المختلط بالحرام المجهول القدر و المالك و عدم حليته الا بعد اخراج خمسه و ما دل على عدم جواز تصرّف احد الشركاء فى المال المشترك الا بعد الاذن من شريكه فهو فى المقامين معارض للنصوص المذكورة هذا و ذلك الكلام و ان كان مدخولا فى نفسه و مردودا فى ذاته بان الاخبار الواردة فى لزوم اخراج الخمس فى المال المختلط بالحرام المجهول القدر و المالك لا تدل على عدم جواز التصرف فيه قبل اخراج الخمس بل انما تدل على حليته بمعنى ترتيب جميع آثار الملك المط الخالص عليه و منها نفى الضمان بعد اخراج الخمس و انّى هذا من المدعى أ لا ترى الى ما ورد فى ذلك عن امير المؤمنين حيث قال فى جواب من قال انى اصبت ما لا لا اعرف حلاله من حرامه اخرج الخمس من ذلك المال فان اللّه عز و جل قد رضى من المال بالخمس و الى قوله (ع) ايضا فى جواب من قال اصبت ما لا اغمضت فيه فلى توبة ائتنى بخمسه و الى قوله (ع) ايضا تصدق بخمس مالك فان اللّه قد رضى من الاشياء بالخمس و ساير المال لك حلال الحديث و بانها بعد امعان النظر و تجوال التفكار مما يحتج به على المذهب المختار و يرد به ساير الاقوال كما اشرنا اليه فى السّابق فلا اقل من تاييد هذا بذلك اذ القائل بلزوم الاجتناب عن الكل لازم ادلته و مساق وجوهه عدم انفكاك ذلك عن التصرف الحرام بعدم معقولية انفكاكه عن الحرام الواقعى فهذه الاخبار كافية فى ردّه و ان اغمضنا النّظر عن دلالتها على المذهب المختار و كذا هى كافية فى ردّ القول بلزوم الاجتناب عن قدر الحرام كما لا يخفى على الفطن و بعد الغض و التعامى عن ذلك و الاغضاء و الاغماض عن ان كلام هذا القائل و احتجاجه بما ذكر فيما ذكر لو تم لزم عدم جواز التصرف فى المال المذكور قبل اخراج الخمس و ان كان من جملة غير المحصور كما تقتضيه اطلاق الاخبار و ان قطع النظر عن ان ذلك ليس من اظهر الافراد يرد عليه ان هذا الاحتجاج مما لا وقع له لان الكلام انما كان فى تاسيس الاصل و تقنين القانون بحيث يكون دستورا تاما فى البين ليرجع اليه عند الاشتباه و ذلك لا ينافى جواز تخصيص القاعدة من وجه او وجهين و هكذا فلتكن هذه الاخبار باعتبار اشتمالها على قيود مما يرد على مدرك القاعدة ورود الخاص على العام و لتخصّص بها القاعدة و ايضا و ان كان ذلك الكلام مدخولا فى قضية الشركة بناء على ان الشركة عقد من العقود فليكن ما ذكر من خواصّه فقد يمتاز الاخصّ موردا عن الاعمّ باحكام و خواص و ان النقض بالشركة المزجيّة الحاصلة بلا اختيار ايضا غير مستقيم لاشتراط ذلك بمعلوميّة الجنس و تعين القدر و ان لم يكن المالان متساويين و اعمية موارد المشتبه المحصور بل ان النقض فاسد من اصله لان الكلام انما كان فى الاشتباه الاختلاطى الغير المزجى و الشركة ليست من قبيل ذلك اذ الاشتباه فيها مزجى و مشاعى فكلّ جزء جزء من مال المشترك مما فيه التشارك فى مرتبة الظاهر و الواقع معا و لهذا لا يفرق فى ذلك بين المحصور و غيره بل لا يتعقل هذا التنويع الا ان ذلك الكلام المذكور من هذا القائل فى باب المكان و المسجد من مباحث الصّلاة ككلمات غيره صريح فى عدم الفرق بين المكان و الثوب و الاموال و العروض و نحو ذلك فيندرج فى ذلك المشتبه بالنجس و بالجملة فان عدم الفرق بين اقسام المشتبه الغير المحصور مما عليه اتفاقهم ظاهر كاتفاقهم على عدم لزوم ابقاء قدر الحرام فيه و اتفاقهم على جواز ارتكاب الكل مط تعاقبيّا كان أو دفعيا ظاهر فالمط من هذا الوجه مما لا غبار فيه و لكن لا بد من تحقيق القول فى تحديد المحصور و تمييزه عن غيره فاعلم ان جمعا من الاصحاب قد اكتفوا بالمثال فى كلا الامرين و لم يحدوا واحدا منهما

فمثل البعض للاوّل بالبيت و عبر عن الثانى فى بحث المكان بالمواضع المتسعة و قال المحقق الثانى فى ذلك المقام فى ح عد و هذا اذا كان محصورا فى العادة كالبيت و البيتين اما ما لا يعدّ محصورا عادة كالصّحراء فان حكم الاشتباه فيه ساقط و الظاهر انه اتفاقى لما فى وجوب اجتناب الجميع من المشقة هذا فلو كان الكاف فى كلامه كاف تمثيل لدخل فى المحصور ثلث بيوت ايضا و يحتمل ان يكون الكاف استقصائية فلا تدخل فيه و قد مثل البعض للاول بالدار و للثانى بالبلد و الصّحراء هذا و انت خبير بما فيه من الاجمال و عدم تهذيب المقال فمقتضى التمثيل بالمثال المضروب للاول دخول غيره و ما يقرب منه فى الثانى كما ان مقتضى التمثيل للثانى بالمثال المضروب له دخول غيره و ما يقرب منه فى الاول فيختل الامر جدّا و لا يبيّن المرام قطع على ان البيوت و الدور مما فى نفسها مختلفة و متفاوتة غاية الاختلاف و التفاوت و انه لا يهتدى و لا يسترشد من ذلك الى حال ما يكون من قبيل الكميات المنفصلة اصلا و قال البعض فى بحث المكان و لعل الضّابط ان ما يؤدى اجتنابه الى ترك الصّلاة غالبا فهو غير محصور هذا و قد اناط جمع الامر على تحقق التمكن من الاجتناب بلا حرج و عدمه و هذا كما ترى يجرى فى كلا الامرين من الكميات المتّصلة (1) و قد عبر عن ذلك المط

____________

(1) و الكميات المنفصلة

189

فى كلام البعض بامكان الاحاطة بلا عسر و صعوبة بالنسبة الى المحصور و عدم ذلك‏ (1) بالنسبة الى الثانى هذا و لعل المنظور فى ذلك حال الاوساط فى الامور الثلاثة من الاشخاص و الاوقات و الاحوال و الا لاختل الامر و لا يكون ما ذكر من المعيار فى شي‏ء و ان شمل كلا الامرين من الكميات المتصلة و المنفصلة اذ ربّ شي‏ء فيه مشقة فى حالة دون اخرى و فى وقت دون آخر و ربّ شي‏ء فيه مشقة بالنسبة الى شخص دون آخر فان كان ملاك الامر و مداره على حال الاوساط فى الامور الثلاثة فلا يكرر الصّلاة فى الموضع الذى فيه نجس و اشتبه و كان من غير المحصور على الضابط المذكور من لا يشق عليه الاحتراز بالنسبة الى ملاحظة نفسه او الى الوقت و ان امكن التكرار و لم ينحصر المكان المباح فى ذلك المكان المحصور فله التخيير فى ايقاع صلاته فى اى موضع شاء من ذلك المكان المحصور و كيف كان فان المرجع فى امثال المقام هو العرف فان لفظ المشتبه المحصور مما لم يقع فى الكتاب و لا السنة و ليس هو ايضا مما يثبت وضع من الشارع فيه بل هو مما وقع فى عبائر الاصحاب بمعنى ان غير المحصور من معاقد الاجماع فلا بد ح فى مقام تشخيص مرادهم من الرّجوع الى العرف لا اللغة فان كل ما يوجد فى الخارج فهو محصور فغير المحصور العرفى داخل تحت المحصور اللغوى فلا مصداق لغير المحصور لغة لا اتساعا و تجوزا او اضافيا فالمراد هو المعنى العرفى سواء ثبت النقل من المعنى اللغوى الى العرفى فى ذلك اللفظ كما عليه البعض او لم يثبت بل استعمل فيه مجازا كما هو الظاهر و طريق اثبات ذلك العلم ثم الظنّ لجواز التعويل عليه فى اللغات و مدلولات الالفاظ و مع الشك يرجع الى الاصل و هو لزوم الاحتراز بناء على القول به فى اصل المسألة لان مقتضى ادلة القول به التى استنبط منها القاعدة كان هو الاحتراز و لو فى غير المحصور لكن خرج هو بقاعدة العسر هذا و قد يستشكل ذلك اذا بنى الامر على ان التخصيص مرجعه الى تنويع العام فح يكون الشكّ من اول الامر بمعنى ان العام لم يشمل الامر المشكوك أو لا و ذلك كما ان نقول او لا اكرم العلماء ثم تقول لا تكرم اليهود فاذا شك المخاطب بهذا الكلام فى يهودية رجل عالم لا يجب عليه اكرامه فعلى هذا يكون الاصل فى المقام هو الاباحة هذا و لكن الحق هو الاول و الاشكال ليس فى محله و مرجع التخصيص الى التبيين لا الى التنويع و العرف شاهد حق على ذلك و لتفصيل الكلام مقام آخر هذا و اما ما عن المحقق الثانى فى شرح الارشاد و الشرائع من بيان الطريق الى الضّبط الكلى و هو ان تاخذ مرتبة من مراتب العدد العليا كالالف مثلا فتقطع بانها لا تعد فى الزمان القصير فيكون غير محصور لاجل ذلك فتجعلها طرفا ثم تاخذ مرتبة دنيا جدا كالثلاثة فتكون محصورة لسهولة عدها فى الزمان اليسير فتجعلها طرفا متقابلا للاول و ما بينهما يلحق بهما من كل ما جرى مجراهما فيما قرر و فى الشك يرجع الى الاصل و بهذا ينضبط الامر فى باب الطهارة و النكاح و غيرهما فليس مما يرجع الى ما وراء العرف بل هو مما يبين به المرام بطريق العرف و هذا الضبط الكلّى لا يتمشى الا فيما يكون من الكميات المنفصلة و اما غيرها فالمعيار فيه انما هو ما ذكر او لا من لزوم المشقة و العسر عن اجتنابه فعلى هذا قد يكون الشي‏ء غير محصور و لو لم يكن فى الاجتناب عنه مشقة كما فى اموال بعض الظلمة مثلا فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

تذنيب: فى بيان جملة من أحكام الشبهة المحصورة و احقاق الحق فيها

تذنيب‏ لا بد من الاشارة فيه الى امور يتمّ ببيانها تمام المرام فى المقام الاول ان الكلام السّابق انما كان بالنسبة الى الحكم التكليفى و ثبوت الحكم الوضعى من الضمان مما لا ريب فيه و ذلك لعموم ادلة الضّمان من قاعدة اليد و من قاعدة الاتلاف بعد الاتفاق من الكل على ذلك و لا فرق فى ذلك بين المحصور و غيره و كذا الكلام فى المشتبه بالنجس فهو ينجس كلما يلاقيه بتمامه من غير فرق فى ذلك ايضا ح بين المحصور و غيره الثانى ان الطّاهر الملاقى لاحد من المشتبهين او المشتبهات طاهر كما حكم به جمع لسلامة استصحاب طهارته على المعارض و ان كان استصحاب طهارة كل من المشتبهين معارضا بمثله و قال بعض القائلين بالقول المش فى اصل المسألة بالنجاسة لان تنزيل المشتبه منزلة النجس يعطى اجزاء احكامه عليه فيقدم مثل هذا على الاستصحاب و نحوه و قد يرد ذلك بان التنزيل المذكور انما كان بحسب المنع عن الاستعمال و إلّا فلا دليل يعطى المساواة من كل وجه و الحق ان يقال ان ادلّة المشهور على قسمين قسم يعطى تنزيل المشتبه منزلة النجس و اثبات المساواة من كل وجه و ذلك كالقاعدة المقدّمية و الاشتغال و تبعية الاحكام للصفات و تنقيح المناط الحاصل من النص فى باب الوضوء و قسم لا يثبت الا المنع عن الاستعمال و ذلك اكثرها فان كان محط نظرهم الى القسم الاول فلا بد من الحكم بتنجيس الملاقى بخلاف ان يكون نظرهم الى الثانى فالمتراءى منهم هو الاول و حكم الاكثر مع ذلك بطهارة الملاقى كما ترى اللهم إلّا ان يقال ان مفاد القسم الاول ايضا ليس الا المنع عن الاستعمال و فيه كما ترى نظر جلى فان قلت ان الحكم بطهارة الملاقى تمسكا بالاستصحاب منظور فيه و ان قطع النظر عما تقدم اذ لازم ذلك الحكم بطهارة الملاقى و ان لاقى المشتبهين معا مع انه بط جدا و لا يقول به احد قطعا قلت ان هذا السؤال ساقط فلا يرد على الحاكم بطهارة الملاقى اصلا فان قضية تعارض الاستصحابين بالنظر الى المشتبهين و بقاء طهارة الملاقى سليما عن المعارض لا يتمشى هنا قطع للقطع بحصول النجاسة نعم مقتضى الحكم بطهارة الملاقى تمسكا بالاستصحاب هو الحكم بطهارة الشيئين اللذين لاقى واحد منهما احد المشتبهين و الآخر الآخر منهما و ان كانا من مكلف واحد و جواز الصّلاة بذلك و هذا كما ترى‏

____________

(1) بالنسبة الى غيره و فى كلام بعض آخر بحصول الحرج و الضرر بالاجتناب بالنسبة الى الاوّل و عدمه‏

190

كما ترى ينبعث عنه سؤال انه يلزم ح عدم لزوم الاجتناب عن الجميع و هو ينافى القول المش فى اصل المسألة كما ينبعث عنه ايراد انّ ذلك يعطى عدم التنجيس من النجس الواقعى فاذا كان الحال على ذلك المنوال و حكم بالتنجيس فى هذه الصورة لتسديد الايراد و عدم تحقق دافع لذلك السؤال حكم بنجاسة احدهما ايضا اذ هو احد الامرين مما حكمه النجاسة فى مرحلة الظاهر (1) و ان لم يوجد الآن الامر الآخر على الوصف المذكور هذا اللّهم إلّا ان يقال ان الحكم بنجاسة الشيئين الملاقيين للمشتبهين احدهما (2) و الآخر الآخر اذا كانا من مكلف واحد و الحكم ببطلان الصّلاة مصطحبا مع ذلك لاجل ان الحكم بطهارتهما معا مستلزم للمحذور المذكور من عدم التنجيس من النجس الواقعى و الحكم بطهارة احدهما دون الآخر مستلزم للترجيح بلا مرجح فحكموا بنجاستهما معا بخلاف الملاقى الواحد فانّ استصحاب الطّهارة بعد عدم جريانه فى المشتبهين للمعارضة بالمثل سليم عن المعارض و هذا كما ترى وجه‏ (3) لو لم يقض الى المصادرة فت فان قلت هل فرق فى ما ذكرت بين المذاهب فى اصل المسألة ام لا قلت نعم فالقول بنجاسة الملاقى لاحد المشتبهين لا يتمشى على القول بعدم لزوم الاجتناب اذ كل واحد منهما بمنزلة الطاهر فى مرحلة الظاهر نعم ليس فرق بين المذاهب فى صورة ملاقاة الطاهر الواحد المشتبهين معا كما لا فرق بينها فى صورة ملاقاة شيئين بهما احدهما باحدهما و الآخر بالآخر اذا كانا من مكلف واحد و ذلك لما تقدم بعينه فان قلت ما لازم المذاهب عدا المش و هو عدا المختار فيما يفترق فيه المش و المختار و لو على قول بعض من المش قلت الظاهر ان لازم القول‏ (4) بلزوم ابقاء قدر الحرام هو الحكم بطهارة الملاقى لاحد المشتبهين قولا واحدا فان قلت هل ينسحب الاحكام المذكورة فى الصور المذكورة فى ملاقى الملاقى و هكذا و هلم جرا ام يختصّ التنجيس فيما حكمه التنجيس بالسّلسلة الاولى لمن الملاقى و لا يترامى فيما عداها من السّلاسل بل الحكم ح الطهارة مط قلت مقتضى ما ذكر ترامى الحكم فى السّلاسل كلها و ان بلغت ما بلغت لاتحاد الوجه فى الكل و احتمال ابداء الفرق غير مستقيم جدّا الثالث انه لا فرق على القول المختار فيما ذكر من جهة الحكم التكليفى بين ان تبقى المشتبهات على حالها و بين ان يتلف منها ما بقدر الحرام او ازيد و هذا واضح لا سترة فيه بل ما ذكر هناك من الحكم بالاباحة يجرى هاهنا بالطريق الاولى ثم ان طهارة الملاقى لما بقى بعد التلف مما لا شك فيه من غير فرق فى ذلك بين الصور فملاقى الشي‏ء الواحد من بقية المشتبهات كملاقى الشيئين او الاشياء منها و الملاقيين لهما او لها على النهج المذكور على السّواء فالوجه فى الكلّ هو سلامة استصحاب طهارة الملاقى عن المعارض و القول بلزوم ابقاء قدر الحرام فى هذه الصورة كالقول المختار فى الحكم التكليفى و الوضعى و اما لازم القول المش فى هذه الصورة فهو الحكم بالاجتناب ايضا لجريان طائفة من ادلتهم هاهنا ايضا على ان بعد الغض عن ذلك و تسليم انه لا يجرى واحد من الادلة المذكورة هاهنا يصح التمسّك بالاستصحاب و هذا الاستصحاب غير الاستصحاب السّابق فى الادلة المذكورة نعم ان المشهور فى الحكم بطهارة الملاقى مط و كيف كان كالقول المختار سلامة استصحاب طهارة الملاقى عن المعارض هذا و يمكن ان يقال ان لازم قول من حكم بنجاسة الملاقى مط من اصحاب القول المش تمسكا بان تنزيل المشتبه منزلة النجس يقتضى اعطاء حكمه له هو الحكم بنجاسة الملاقى‏ (4) فى هذه الصورة ايضا و هذا كما ترى مما فى محله و كيف كان فان فى صورة تلف الناقص عن قدر الحرام كصورة عدم تطرق التلف اصلا حيث لا يؤثر شيئا فى شي‏ء ثم اعلم اذا تلف ما بقدر الحرام او ازيد ثم انضم الى الباقى طاهر بقدر التالف او ازيد و حصل الاشتباه فالكلام ح كالكلام فى صورة التلف انه من غير انضمام و من التامل فيما ذكرنا تقدر على استنباط لوازم اقوال الأخر من قول صاحب و القول بالقرعة و القول بالتفصيل بين الفروج و الدّماء و بين غيرهما فى هذه الامور المذكورة فخذ بمجامع الكلام و تامّل الرابع انه هل ينسحب الحكم المشتبه تكليفيّا و وضعيّا بترامى السلاسل ام لا بمعنى انه اذا كان ثلاثة آنية فيها مثلا اناء نجس و اخذ منها اناء و وضع فى سلسلة اخرى من الآنية و حصل الاشتباه ثم اخذ اناء من السلسلة الثانية و وضع فى السّلسلة الثالثة و هلم جرا و هكذا الامر فيما اشتبه‏

الحلال بالحرام فاعلم ان لازم القول المختار هو الحكم بالاباحة و الحل بالنسبة الى جميع السّلاسل مط سواء كان الموضوع فى الثانية بقدر الحرام و النجس او ازيد او انقص و هكذا الامر فى ساير السّلاسل و سواء كانت السّلاسل من جهة الموضوع الملقى فيها على نهج واحد او طرق مختلفة و سواء كانت متقاربة فى الحسّ او متباعدة فيه على نمط واحد او انماط مختلفة فيهما ثم طهارة الملاقى لفرد من افراد السّلاسل مما لا شك فيه كما لا شك فى طهارة اشياء اذا لا فى بعضها بعض السّلسلة الاولى و بعضها بعض الثانية و بعضها بعض الثالثة و هكذا و ان كانت من مكلف واحد كالاصابع العشرة الملاقية لعشرة آنية من عشرة سلاسل و الوجه فى الكلّ هو الاستصحاب السليم عن المعارض نعم يحكم بنجاسة ملاقى جميع افراد السلسلة الاولى اذا كان الماخوذ منها اقل من قدر النجس كما يحكم بحصول النجاسة لاحد من الاشياء الملاقية لتلك الافراد اى مع ملاقاة بعضها لبعض منها و البعض الآخر للبعض الآخر و هكذا و ذلك كالاصابع الخمسة الملاقية لخمسة آنية من السلسلة الاولى بعد اخذ ما هو اقل من قدر النجس منها و وضعها فى الثانية فيمنع ح‏

____________

(1) بملاقات نجس فى مرحلة الظاهر

(2) احدهما

(3) بالقرعة كالقول‏

(4) مطلقا

191

عن الدخول فى الصّلاة و الحال كل و من هنا يعلم حكم الاشياء المستوعبة لافراد آحاد السلاسل كلا من مكلف واحد و ذلك كالاصابع العشرة الملاقية لعشرة آنية ثلاثة سلاسل او اربعة او خمسة من المنع و دخول الصّلاة معها و من التامل فيما ذكر يقدر على استخراج الفروع المتصورة و الصور العديدة فى ملاقى السّلاسل ما عدا السّلسلة الاولى من ملاق واحد او عديدة على وجه الاستيعاب فى الكل او على عدمه فيه او على وجه التلفيق هذا اجمال ما يتعلق بالقول المختار من التكليفات و الوضعيات و اما ما يتعلق بالقول بلزوم الاجتناب فهو ان السّلسلة الاولى مما يمنع عن ارتكابه و استعماله و ان كان قد اخذ منها ما بقدر الحرام او ازيد و وضع فى الثانية و ذلك للاستصحاب و كذا ساير السّلاسل اذا تحقق العلم الاجمالى بتحقق النجاسة فيها او فى بعضها فيمنع استعمال افراد ما تحقق فيه العلم و لا يخفى عليك تصور الصور المتصورة فباختلافها يختلف الحكم و ان لم يتحقق العلم فلا يمنع عن الاستعمال و الحاصل انّ ملاك الامر وجودا و عدما فيما عدا السلسلة الاولى على تحقق العلم و عدمه هذا و يمكن ان يقال بالمنع مط نظرا الى بعض ادلة المش فانه يفيد المنع عن الكل و ان لم يتحقق العلم إلّا انه لا يخلو عن نظر جلى هذا و اما حكم الملاقى بالنسبة الى هذا القول فهو كما ترى فى القول المختار فلا تفاوت بينهما من هذا الوجه نعم ان من قال من اصحاب القول المش ان ملاقى المشتبه نجس يفترق فى بعض صور هذا المقام عما قررنا و بينا فلا نسهب الكلام ببيان ذلك و اما ما يلزم على القول بلزوم ابقاء قدر الحرام و النجس فهو (1) مراعاة العلم و اناطة الامر على ما يدور مداره فلو كانت فى السّلسلة الاولى خمسة آنية مثلا اربعة منها نجس فاخذ منها ثلاثة و وضعت فى سلسلة اخرى من سلسلة الإناءين حتى تبلغ بها الخمسة ثم اخذ من الثانية اناءان و وضعا فى سلسلة الاربعة حتى تبلغ بها الستة ثم اخذ منها اناءان و وضعا فى سلسلة الخمسة فتبلغ السّبعة للزوم الاجتناب من اناء واحد فى السّلسلة الاولى و هكذا فى الثانية ثم لا يمنع عن آحاد السلاسل الباقية و افرادها نعم يشترط عدم منعه عن ذلك باحترازه عن إناءين من اى سلسلة كانا و لو واحدا من واحدة و الآخر من الاخرى فقس على ذلك ما لم يذكر لك من الامثلة ثم ان حكم الملاقى بناء على هذا القول لحكمه على القول المختار ثم اعلم ان فروع هذا المقام و نتائج هذا التنبيه اكثر من ان يعد و يحصى اذا لوحظ الاحوال و الصفات مما اخذ منه و مما وضع فيه و من مراتب السّلاسل و اختلاف الاخذ و الوضع فى المراتب باجمعها او ببعضها و مقدار النجس و التقارب و التباعد بين السلاسل و نحو ذلك و لوحظ مع ذلك اعتبار البعض مع البعض بطريق الضرب لكن يسهل الامر على من امعن النظر فيما ذكرنا من الضبط الكلى بالنسبة الى الاقوال تكليفا و وضعا و فيما بينا من الامثلة المضروبة لذلك فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل الخامس انه اذا تعاقب الاناءان المشتبهان على رفع الخبث ارتفع تعاقبهما عليه لان اصل تاخر ورود الطاهر و ان كان معارضا باصل تاخر ورود النجس إلّا انه لما كان زوال الخبث و حصول الطهارة (2) فان قلت انه لا بد فى تحقق الاستصحاب و صحة اجرائه من تحقق زمان القطع و تقدّمه على زمان الشك كما لا بد من تحقق هذين الامرين من اليقين و الشك الاول بالنسبة الى الاول و الثانى بالنسبة الى الثانى اذ هذا هو الماخوذ فى حد الاستصحاب من كون الحكم او الوصف يقينى الثبوت فى الزمان السابق مشكوك البقاء فى الزمان اللاحق فليس الامر هاهنا كذلك اذ قبل تعاقب الإناءين لا قطع اصلا فبعده يحصل القطع لكن زمان تحققه عين زمان تحقق الشك فيلغى هذا القطع لاجل ذلك من اصله و لا يعوّل عليه و يبقى استصحاب النجاسة سليما عن المعارض لتحقق ما ذكر فيه من تقدم زمان القطع على زمان الشك فيعتبر و يعوّل عليه قلت ان ما ذكر فى هذا السؤال و ان كان من المداقة فى منار إلّا انه مع ذلك مما يتجلى فى الانظار الجلية لا الدّقيقة لان اكثر مجارى الاستصحاب من قبيل ما اتّحد فيه وقت القطع و الشك و لا ضير فيه اذ التغاير الاعتبارى كاف فى مثل ذلك و لا يفيد حد الاستصحاب ازيد من ذلك هب انه يفيده لكن‏

التعويل ليس على الحد الذى ذكره البعض و هو فى نفسه مدخول فان قلت الامر على ما ذكرت من كفاية التغاير الاعتبارى كما فى اكثر مجارى الاستصحاب لكن فى اكثر مجارى الاستصحاب يمكن فرض زمانين للقطع‏ (3) و زمان للشك بخلاف ما نحن فيه قلت ان ادلة الاستصحاب تفيد اعمّ مما ذكرت فالقول بالنجاسة او احتماله فى المقام مما لا وقع له اصلا سواء قلنا بان الخبث الثانى الوارد على الاول يؤثرا تاثيرا حديدا غير ما اثر الخبث الاول او يؤكد ما اثره الاول و بعبارة اخرى ان الاخباث هل هى علل مستقلة فى التاثير او علل متداخلة فيه كما لا وقع لما يحتمل ان يقال انه لاجل كون الطهارة و النجاسة بعد التعاقب فى صقع واحد من الشك و عدم الترجيح لإحداهما فى البين لزم الرجوع الى الاصل الآخر فى البين و هما اصلان اصل الطهارة و اصالة المنع بذلك عن الدخول فيما يشترط بالطهارة كالصّلاة فيثمر الاول بالنسبة الى الملاقى و نحو ذلك هذا و كيف كان فالمط فى غاية الا بخلاء فقد انصدع عما ذكر حال تعاقبهما على الظاهر فالحكم فيه هو النجاسة و السر واضح ثم لا فرق فيما ذكرنا بين تعاقب إناءين و بين تعاقب ما هو ازيد عن ذلك من الاشفاع و الاوتار اذ الطريق فى الكل واحد السادس ان الإناءين‏

____________

(1) لزوم‏

(2) عنه متيقنا على كلا التقديرين من تقدير تاخر ورود الطهار عليه و من تقدير ورود تاخر ورود النجس عليه استصحب حكم هذه الحالة اليقينية من زوال الخبث و حصول الطهارة

(3) زمان‏

192

ان الإناءين او الآنية المشتبهة مما لا يرفع الحدث جدّا و لو استعملت على التعاقب لان الوضوء و الغسل من العبادات فلا بد فى تحققها من تحقق النية المشتملة على القربة و هى لا يتحقق بعد ملاحظة النصّ الوارد فى مسئلة الوضوء من الموثقين اللذين اشرنا اليهما و لا فرق فى ذلك بين المذاهب اذ القول بعدم لزوم الاجتناب عن الاستعمال فى الاكل و الشرب و نحوهما لا ينافى القول بلزوم عدم استعمالهما فيما هو مشروط بالتقرب لاجل النصّ فعدم صحّة الوضوء و الغسل بناء على المختار لاجل النصّ لا انه قد توضأ او اغتسل بما هو نجس فى مرحلة الظاهر نعم ان هذا قد يتمشى بالنسبة الى القول المش هذا ما يقتضيه جلى النظر و اما ما يقتضيه دقيق النظر فهو الفرق بين صورة انحصار الماء فى المشتبه و بين غيرها فلا يصح الوضوء و الغسل منه على الاولى دون الصورة الثانية لانقلاب التكليف الى التيمم فى الاولى دون الثانية و مورد النص انما هى الاولى فح يكون التعارض بين الاوامر برفع الحدث و بين الخطابات الشرعية الناهية عن استعمال المشتبه بناء على عدم تماميتها كما عليه الش تعارض العامين من وجه فيرجع المسألة الى مسئلة جواز اجتماع الامر و النهى بالنسبة الى واحد شخصى ذى جهتين بالجهة التقييديّة فعلى القول بالجواز يصح الطهارة و ان كان آثما فى فعله كما تفسد على القول الثاني على ان البطلان لا يتمشى فيما عدا الإناءين من الغديرين و الغدائر و ثلاثة آنية فصاعدا و ان لم ينحصر فيما فيها لما عرفت من عدم تمامية تنقيح المناط القطعى فلا يبقى فى البين مانع عن رفع المتعاقبين او المتعاقبات على وجه يزيد على قدر النجس الحدث الاقضية القربة و تشريع مثل هذه العبادة بحكم الاستقراء و كلاهما كما ترى مما ليس فى مخره و الشاهد على ذلك لزوم تكرار الصّلاة فى ثياب مشتبهة فما نحن فيه من هذا القبيل جدّا و لو ببعض صوره من صورة انحصار الماء فى ثلاثة آنية او الغديرين او الغدائر بناء على عدم تمامية تنقيح المناط القطعى نعم يبعد الفرض من وجه آخر و هو عدم التمكن من غير هذا الماء بالنسبة الى الوضوء و الغسل و التمكن من غيره بالنسبة الى ازالة الخبث الحاصل من تعاقب الآنية او الغديرين او الغدائر على رفع الحدث فلا يكون هذا من قبيل المثال المضروب اللّهم إلّا ان يقال باستصحاب طهارة اعضاء الوضوء او على تقديم مراعاة رفع الحدث على رفع الخبث و كلا الامرين منظور فيه الاوّل بما تقدم فى الفرع السّابق و الثانى بان للوضوء و الغسل هنا بدلا فيراعى الطهارة من الخبث و كيف كان فالثمرة فى صورة عدم الانحصار ظاهرة و المبنى هو ما اشرنا اليه و مع هذا يمكن ان نقول بتحقق الثمرة فى صورة الانحصار ايضا اذ غايات الوضوء و الغسل كثيرة و ليست بمنحصرة فى الصّلاة على ان بعد استقامة ما ذكر يتمشى الأمر فى امور كثيرة منها التيمم بحجرين مشتبهين اذا انحصر الطهور فيهما (1) انه اذا صحّ ما قلنا و استقام تعين التيمّم بهما و لا ينتقل التكليف الى التيمّم بالغبار و نحوه فت‏ (2) لا يخفى عليك انه ليس لازم القول المختار رفع احد المشتبهين الخبث او الحدث لان الحكم بالطهارة غير الحكم بالطهورية فادلة المختار انما تعطى فى الماء المشتبه الطهارة و الحلية بالنسبة الى مرحلة الظاهر لا الطهورية السّابع ان لازم القول المختار هو جواز اتيان الصّلاة فى احد من الثياب المشتبه و لو فى حال الاختيار و السّعة و لا يجوز الصّلاة فيها على القول المش الا فى صورة فقد الكل من الثياب الطاهرة المباحة و الحشيش و الورق و الطين مع تعذر الصّلاة عاريا فيكرر الصّلاة ح بما يزيد على المحظور بواحد فبذلك يحصل البراءة اليقينية هذا و قد نسب الى البعض لزوم اتيانها بعدد المشتبه تعليلا بان مقتضى الاشتغال اليقينى كان عدم تحقق الامتثال الا بالصّلاة فى ثوب طاهر يقينيا فينبعث عن ذلك عدم تحقق البراءة اليقينية و ان كررت الصّلاة فخرجت عن ذلك المكررة بعدد المشتبه و بقى الباقى تحت الاصل هذا و لا يخفى عليك ان ضعفه فى منار فت الثامن انه لا شك فى صحّة ترتب العقود و المعاوضات على المشتبه مما هو بمقدار مال المتصرف بناء على القول المختار و كذا على القول الآخر و هذا هو المستفاد من الاخبار المتقدّمة بل اظهر مصاديقها فعلى هذا لا يكون العقود المترتبة عليه من العقود المرعية و المعلقة على شي‏ء من رضاء من اختلط ماله بمال هذا المتصرف و لا على رضاء من يقوم مقامه من‏

الاولياء الشرعية هذا و اما على القول المش فيدور الامر بعد القطع بحرمة التصرف و ان كان قد تحقق مدار صحّة العقود الفضولية و عدمها هذا اذا كان العنوان عنوان الاشتباه بمال الغير و اما اذا كان العنوان عنوان اشتباه الطاهر بالمتنجّس فلا شك فى الصّحة ح قولا واحدا و ان كان المتنجّس مما لا يقبل التطهير لعدم خروج المتنجس مما لا يقبل التطهير لعدم خروج المتنجّس عن الملك و قبوله التمليك و اما اذا كان العنوان عنوان النجس و الطاهر فيختلف الحكم فيه بحسب الاقوال فلا لزم القول المختار كالقول الآخر هو صحة العقود المترتبة (3) لان ما هو من الطاهر القابل للانتفاع و لو كان فى مرحلة الظاهر مما يقبل التمليك و التملك فلا مانع فى البين و اما لازم القول المش فهو عدم الصّحة و السّر واضح فينقدح من التامل فيما ذكر حال ما اخذ فى العناوين الثلاثة اذا ترتّب عليه العقود مجتمعا كان يباع المشتبهان فى صفة واحدة فما فى العنوان الثانى فالحكم فيه الصّحة قولا واحدا فما فى العنوان الاول فيختلف فيه الحكم بحسب اختلاف الاقوال فلازم القول المختار هو الصّحة و اللزوم مما هو فى مرحلة التنجز لا التعليق و هذا هو المستفاد من الاخبار الخاصة المتقدّمة نعم يضمن المتصرف فى حصة الغير المثل فى المثليات و القيمة فى القيميات و لازم القول الآخر

____________

(1) بمعنى‏

(2) ثم‏

(3) عليه‏

193

كالمش هو ترتب الصّحة و اللزوم المراعى بتحقق الاجازة من الشخص الآخر الذى هو غير المتصرف و ليس ذلك من قبيل بيع ما يملك و ما لا يملك حتى يجئ فيه قضية ثبوت الخيار للمشترى بين امضائه العقد بالنسبة الى ما يملك و بين نسخه العقد من اصله نظرا الى تبعض الصفقة لان ذلك لا يعقل على القول المش فى مثل ذلك و اما الكلام بالنسبة الى العنوان الثالث فهو ان العقد مما هو صحيح و لا فرق فى ذلك بين الاقوال فان ذلك من قبيل بيع الشاة و الخنزير فى عقد واحد فيقسط الثمن هذا و يمكن ان يقال ان لازم القول المش هو عدم صحة هذا العقد (1) بناء على مقالتهم مما يعد العقد عليه سفها لان احد الامرين مع وصف الاشتباه مما لا يترتب عليه الانتفاع و ليس الامر على هذا المنوال بناء على القولين الآخرين نعم يمكن الصّحة فى صورة القطع بزوال الاشتباه و لو بعد مدة طويلة بحضور البينة الغائبة فخذ الكلام بمجامعه حتى لا يخفى عليك امر التاسع انه اذا لاقى شخصان ان الإناءين المشتبهين احدهما احدهما و الآخر الآخر فلا شك فى صحّة صلاة كل واحد منهما منفردا من غير فرق فى ذلك بين الاقوال الا عند من يحكم بنجاسة الملاقى لاحدهما فالكلام بالنسبة الى غير هذا القول انما بالنسبة الى صلاة المقتدى منهما اذا اقتدى الآخر فيشكل الامر هنا فالوجه للبطلان هو ان الماموم يكون عالما ح بوقوع هذه الصّلاة منه و فى بدن احدهما او ثوبه نجس كما ان وجه الصّحة هو انه اقتدى بمن صلاته صحيحة عندهما و هذا لا يخلو عن وجه لو لم يبن الامر على الوضع للصحيح و لا على الاشتغال فى مقام الشك فى الشرطية و الجزئية و المانعية هذا و يمكن القول بالبطلان و ان لم يبن الامر عليهما فت ثم لا فرق بين الاقوال فى هذا الفرع نعم يمكن الفرق بينها فى ادخال احد المشتبهين المسجد مع التعدى منه اليه و هذا ظاهر كظهور عدم جواز ادخالهما و لو تعاقبا اليه من غير فرق ح بين الاقوال و احتمال الفرق ح بينها غير مستقيم العاشر انه يظهر الثمرة بين الاقوال فيمن افطر بالمشتبه فى شهر رمضان فلازم القول المش هو لزوم كفارة الجمع مط كما ان لازم القولين الآخرين عدم ذلك الا على القول بلزوم ابقاء قدر الحرام فان لازمه ذلك فى صورة واحدة و يمكن ان يقال ان لازم القول المذكور و ان كان فى بادى الانظار هو ما ذكر الا ان الادلة (2) على الجمع لا تشمل ما نحن فيه و هذا كما ترى لا يخلو عن نظر و تحقيق ذلك و تحقيق ان ارتكاب المشتبه بناء على القول المش و القول الآخر فى صورة واحدة مذكورة هل هو من الصّغائر ام الكبائر يطلب عن مظانه كما يطلب عنها تحقيق انه هل يجب نهى الجاهل بالحال عن ارتكابه ام لا و ان الصّبى المميز الجاهل بالحال هل هو كالجاهل البالغ ام لا ثم ساير الفروع من قضية اشتباه المؤمن بالكافر او المنافق و اشكال الامر بالنسبة الى الغسل و التكفين او بالنسبة الى الصّلاة باربع تكبيرات او خمس اذا لم يمكن الجمع بين المؤمن و المنافق فى الصّلاة مما لا دخل له كثيرا بالمقام كما لا دخل لمسألة خنثى المشكل و مسئلة ذى الحقوين به بل يمكن ان يقال ان هذه الامور و امثالها من صناعة الفقه من جميع الجهات فت جدّا

فريدة: فى بيان امور:

فريدة لا بدّ فيها من بيان‏

الأمر الأوّل: فى حكم المشتبه من جنس الواحد فى سلاسل مختلفه‏

امور الامر الاوّل‏ اذا تحقّق المشتبه من جنس واحد و لكن فى سلاسل مختلفة و ذلك بان قطع بكون احد من الامور المحصورة نجسا او متنجسا و لكن تردد فى انه هل هو فى سلسلة الثياب مثلا او الآنية او الامكنة و هكذا الامر فى الحرام فح نقول انّ ما ذكر و ان لم يدخل فى جلى النظر فى المبحث نظرا الى ظاهر عنوانهم و تمثيلاتهم فى المقام و لكن ما يعطيه دقيق النظر هو دخوله فيه لا عمية الوجوه المذكورة فى البين بل ان ظاهر العنوان ايضا لا يابى عن ذلك فهذا مما لا ينبغى ان يرتاب فيه و كيف كان فان لذلك صورا عديدة من كون النجس مثلا فى كل واحدة من السلاسل على نهج الاستواء بمعنى ان النجس مثلا فى سلسلة الثياب على فرض كونه فيها واحدا و اثنان و فى سلسلة الآنية كل ايضا كل و من تحقق الاختلاف فى ذلك على الاطلاق و من تحقق التوافق على وجه و التخالف على وجه ثم ان ما ذكر يتمشى فى صورة ان القطع بان النجس اما هذا الثوب و اما هذا الاناء

الأمر الثانى: فى حكم المشتبه من أجناس متعددة فى سلاسل مختلفه‏

الامر الثانى‏ اذا تحقق هذا فى السّلاسل المختلفة بحسب الامور المختلفة من الطهارة و النجاسة و الحلية و الحرمة و ذلك بان يقطع بتحققه بين السّلسلتين او السّلاسل المختلفة كالآنية بحسب الطهارة و النجاسة و الدنانير بحسب الحلية و الحرمة و اما الاماء بحسب ما به يتحقق الحرمة فى الوطى و نحوه فح نقول ان الشبهة هنا من وجهين شبهة بين السّلاسل منبعثة عن القطع باحد الامرين من النجس و الحرام و شبهة بين افراد كل واحدة من السّلاسل منبعثة عن فرض احدهما فيها ثم ان ذلك ينقسم الى قسمين قسم لا يتحقق بملاحظة جميع ما فى السّلسلتين او السّلاسل ما به يخرج عن المحصورية او قسم يتحقق فيه ذلك و ان كان داخلا فى عنوان المحصور بملاحظة نفس عدد السّلاسل خاصّة و كيف كان فان ظاهر العنوان كتمثيلاتهم فى المقام خروجه عن المبحث و يؤيده الاصل الاصيل الاولى عند الكل و يمكن ان يسترشد الى دخوله فيه بجملة من الامور كما لا يخفى ذلك على الندس المنطش ثم انّ هذا انما فيما يرد ما ذكر الى غير المحصورية و لو كان ذلك بملاحظة المجموع فعلى هذا فان لذلك صورا كثيرة من تساوى عدد النجس و الحرام بان يقطع ان الممنوع منه على التقديرين سواسية فى العدد و من الاختلاف فى ذلك بان يقطع ان الممنوع منه اذا كان فى سلسلة مما فيه الاشتباه بحسب‏ (3) الحلية و الحرمة فعدد الحلال كذا و عدّد الحرام كذا فيختلف الامر بذلك بالنسبة الى كل واحد منهم الى بعض الاقوال فى اصل المسألة اذا لوحظ جملة من الامور المذكورة

____________

(1) لان ذلك الحكم‏

(2) الدالة

(3) الطهارة و النجاسة فعدد النجس كذا و عدد الطاهر كذا و ان كان فى سلسلة مما فيه الاشتباه بحسب‏

194

المذكورة و الفروع المزبورة فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

الأمر الثالث: حكم المشتبه فى مال شخصين أو أشخاص‏

الامر الثالث‏ اذا كان ذلك فى مال شخصين او اشخاص بان قطع احدهم او قطعوا جميعا بان فى مال احدهم حراما او نجسا فح كيف يكون تكليفهم بناء على القول المش او الاقوال الأخر فى اصل نفس المسألة فاعلم انه لا ريب فى تعيين اجراء اصل البراءة بالنسبة الى كل واحد منهم اذا كان تصرّفه فى ماله خاصّة من غير فرق فى ذلك بين الاقوال و لكن يشكل الامر اذا اراد احدهم شراء ما لغيره و كذا اذا كان احدهم ماذونا فى التصرف فى مال غيره فح فهل ينسحب حكم المشتبه بملاحظة مجموع ماله و مال غيره ام لا و الحق ان جملة من الوجوه و الادلة من المتخاصمين فى اصل المسألة مما يجرى هنا جدا و ان لم يشمل ظاهر عنوانهم لذلك فالحاق هذا بذلك مما له وجه وجيه و حال شخص خارج منهم اذا كان ماذونا منهم كحال انفسهم من غير فرق فى ذلك بين الاقوال ايضا ثم ان اقسام هذا و صوره مما يكثر بملاحظة ما تقدم من الجنسين المختلفين فى السلاسل المختلفة و من جنس واحد فيها و تكثر فى غاية الكثرة اذا لوحظ امور أخر من تساوى الاشخاص فى ذلك على نهج واحد و من اختلافهم فى ذلك على اقسامه المتصورة و صورة الوفيرة خصوصا اذا لوحظ فى ذلك الفروع المتقدّمة فى التذنيب و التذييل فهى كما تتمشى فى هذا الامر فكذا فى الامر الاول و الثانى و لكن تحقيق الحال و بيان المقال بالنسبة اليها فى هذه الامور مما يفضى الى الاسهاب و التطويل فيخيل ذلك على ذهن الندس و فكر النطس‏

الأمر الرابع: حكم الشبه فى الأعداد بحسب القلّة و الكثرة

الامر الرابع‏ اذا كان الاشتباه مضافا الى ما سبق فى الاعداد بحسب القلة و الكثرة فح نقول ان ذلك بهذا اللحاظ يندرج فى عنوان الاقل و الاكثر الاستقلاليّين من اقسام الشبهة التحريميّة الموضوعية فيجرى هنا من هذه الجهة ما كان يجرى فيه‏

الأمر الخامس: فى الاشتباه بحسب الرضاع و الايلاء و الظهار و اللعان و نحو ذلك‏

الامر الخامس‏ اذا كان الاشتباه بحسب الرضاع و الايلاء و الظهار و اللعان و نحو ذلك فح نقول ان لذلك اقساما وفيرة و صورا كثيرة فان ذلك كما يكون بالنسبة الى جماعة مخصوصة من النسوان فكذا يكون بالنسبة الى جماعات مختلفة منهن بان يكون شبهة الرّضاع بالنسبة الى جماعة و شبهة الايلاء بالنسبة الى جماعة اخرى و هكذا و بعبارة اخرى تارة يقطع بان فى سلسلة تلك النسوان من هى مظاهرة مثلا و لا يدرى من هى بخصوصها و تارة يقطع بان فيها من هى يحرم وطئها و لكن لا يدرى ان هذا مؤبد كما فى الملاعنة ام غير ذلك كما فى المظاهرة و نحوها و تارة يقطع بان بين هاتين السّلسلتين من هى محرّمة بسبب من الاسباب فان كانت فى هذه السّلسلة من النسوة فحرمتها بالايلاء مثلا و ان كانت فى تلك السلسلة منهن فباللعان مثلا و قس على ذلك غير ذلك و كيف كان فانه لا ينبغى ان يرتاب فى دخول القسم الاول و نحوه فى المبحث و كذلك الثانى من وجه و ان كان يتمشى النزاع فيه من وجه آخر من البناء على الحرمة التأبيدية او على عدمها او على قلة الكفارة او كثرتها فبملاحظة ما ذكر يعلم جملة من الكلام فى الثالث و يتضح بقيته بعد ذلك اذا عرفت ذلك فاعلم انه قد يضاف الى اقسام ما ذكر و انواعه و صوره الحرمة لا من جهات بل من جهة ما له بان يقع التردّد بين ذلك و بين حرمة مال من امواله و قد يضاف الى ذلك قضية الطهارة و النجاسة فبملاحظة ذلك و جميع ما تقدم يكثر الاقسام و التقسيمات و الصور بحيث يقصر عن الاحاطة بذلك اذهان الاواسط فى الفهم و الذكاء فاذا امعنت النظر و كررت التفكار فيما تقدم من القواعد و الضوابط و ما ياتى مما لم يذكر فيه تكون ممن يقدر على استنباط احكام ذلك كله فشحذ عزار خاطرك بكثرة التامل و التدبّر

الأمر السادس: فى بيان أن المحصوريّة و عدمها هل يناطان على أفراد كثيرة

الامر السّادس‏ فى بيان ان المحصوريّة و عدمها هل يناطان على افراد السّلاسل بمعنى ان يكون الملحوظ فى ذلك نفس مجموع الافراد كما فيما اتّحد السّلسلة فاذا كثرت الافراد بملاحظة جميع ما فى السّلاسل كثرة يقال لها فى العرف انها غير محصورة يخرج العنوان عن عنوان المحصوريّة فلا يدخل فى المبحث او الملحوظ عدد السّلاسل فمتى لم يبلغ ذلك الكثرة الغير المحصوريّة بحسب العنوان من عناوين الشبهة المحصورة و ان بلغت الافراد ما بلغت فيدخل فى المبحث فاذا عرفت هذا فاعلم ان مقتضى التحقيق ان الجهة الجامعة فى البين هى الحرمة فلاجل ملاحظة تلك الجهة فى البين يدخل ما فيه قضية تعدد السّلسلة فى المبحث فح لا يرتاب فى اناطة الامر على عدد افراد السّلاسل فلا يناط على عدد السلاسل جدا على ان هذا مقتضى الاصل الاصيل فى البين‏

الأمر السابع: فى بيان أمر أهم من الأمور المهمّة

الامر السّابع‏ فى بيان أمر أهم من الامور المهمّة اعلم ان كلما ذكر فى هذه الفريدة مما فيه قضية السّلسلتين او السلاسل على النهج المذكور مما يحتاج الى امعان النظر فيما نشير اليه فى هذا الامر حتى يجد المتامل سمهجه لمهجه اى حلاوته و دسومته فاعلم انه اذا اخذ شي‏ء من احدى السّلاسل و وضع فى سلسلة خالية عن الشبهة فاشتبه الامر فيها ايضا كالسلاسل الاصلية الاولية فهل يجرى فيها اى السّلسلة الجديدة الموضوع فيها شي‏ء حكم المشتبه المحصور ام لا ثم هل يتحقق فرق فى ذلك بين ان يؤخذ من سلسلة و بين ان يؤخذ من السّلاسل كلها ام لا و قس على ذلك الامر فى ترامى السلاسل هل جرا اذا عرفت هذا فاعلم ان ما يرتبط بذلك و ما يناسبه قد مرّ بيانه فى مقام بيان الامر الرابع من التذنيب فمن جهة الموضوع منه اى السّلاسل الاصلية الاولية لا فرق بين ما هنا و بين ما هناك نظرا الى الاستصحاب المذكور هناك و اما الفرق بحسب الموضوع فيه فمما يتضح عند التامل فانه اذا اخذ شي‏ء اخذ من سلسلة من السّلاسل الاصلية و وضع فى سلسلة اخرى جديدة

195

لا يترتب حكم المشتبه المحصور على الموضوع فيه اصلا لانه قد انيط الامر هناك على تحقق العلم الاجمالى فى الموضوع فيه و هذا كما ترى لا يتمشى الا بالاخذ من الكل و هو ايضا لا يتمشى على الاطلاق بل فى الجملة هذا على الاحتمال الاقوى فيما تقدم هناك و على احتمال آخر يمكن ان يقال بالمنع مط كما عرفت هناك هذا كله على البناء على مذهب المش فعليك باستنباط ما يجرى و يترتب على ساير الاقوال و المذاهب فى اصل المسألة و استنباط كل ما يتصور من الشقوق و الصور فى المقام فانا قد اعطيناك ابوابا من الاصول و القواعد فى هذه المسألة ينفتح بالتامل فيها ابواب كثيرة ذات شقوق و صور غير محصاة

الأمر الثامن: فى بيان أمر فيه لطافة

الامر الثامن‏ فى بيان امر فيه لطافة و عذوبة اعلم ان آثار جملة من المذاهب فى اصل المسألة و خواص طائفة من الاقوال فيها مما يتغير فى هذه الامور المذكورة فى هذه الفريدة اى فيما يتصرّف فيه من التصرّفات المالية و نحوها بمعنى ان دائرة ما تعدد السّلسلة فيه على النهج المزبور و نحوه على وفق ما نشير اليه الا على قياس ما مر فيما قبل الفريدة فلازم مذهب القائلين بجواز الارتكاب تدريجا اجراء التدريجية بين السّلاسل لا بين الافراد مثلا اذا كان الاشتباه فى الاغنام و الآبال و الدّنانير على النمط المسطور جاز للمالك التصرف فى سلسلة الاغنام و لو دفعة واحدة و صفقة واحدة ثم فى سلسلة الآبال ثم فى سلسلة الدنانير لان كلّ سلسلة من هذه السّلاسل بمنزلة فرد من افراد سلسلة فيما تحقق العلم الاجمالى فيه بين الافراد و هذا مما لا ريب فيه عند من هو مجرّس طلق اليدين حوّل قلب مجذور محظوظ من برّ لا لصناعة و فحولة الفن فاحتمال التدريجية على النهج المتعارف بين الافراد مما لا وجه له جدّا و اما لازم مذهب القائلين بجواز الارتكاب الا فيما بقدر الحرام فهو مما يحتمل على وجهين احدهما ان ذلك يراعى فى السلاسل و الآخر انه يراعى فى الافراد لكن الاقوى هو الاخير بل هو المتغيّر فيتصرف فى كلّ سلسلة من السّلاسل اى نحو من التصرف الا فى سلسلة منها ثم يتصرف فيها ايضا الا بقدر الحرام و يحتمل احتمال آخر و هو ان يراعى ابقاء قدر الحرام فى كل واحدة من السّلاسل لكنه كما ترى فى غاية البعد هذا و اما لازم مذهب صاحب ك فمما يشكل الامر فيه فى جلى الانظار و يتوهم بحسبه انه امر مريج فهل يفصل ح فيما مال اليه و افتى به فى صورة تعدد السلسلة ايضا بمعنى ان يقطع بالعلم الاجمالى ان فى هذه السلسلة شيئا من الحرام ثم اشتبه الامر بطريان النسيان و نحوه فلا يدرى هل هى سلسلة الاغنام مثلا او الدنانير او الا بال ام ان التفصيل السّابق المتمشى بجريان الاستصحاب و عدمه لا يتمشى فيما تعدد السّلسلة فيه على النهج المذكور آنفا فالبناء فيه على جواز الارتكاب على الاطلاق فما يستفاد من النجوج و اريج كلامه و يلنجوج و فوحة مرامه هو هذا مع انه لا بد ان يصار اليه فى مقام الشك و يبتنى الامر على الجواز مط فيه فانه لا يعجز مسك السوء عن عرف السوء نعم ان فى هذا المقام صورة واحدة يتمشى فيها التفصيل السّابق و ذلك بان يعلم اولا ان هذا الشي‏ء المعين حرام من هذه السّلسلة ثم اشتبه بين افرادها او (1) فى تلك السّلسلة فح يمكن الأمر الحادي عشر: فى بيان أمر جامع أمور التمسّك بالاستصحاب للاحتراز عن السّلسلتين فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

الأمر التاسع: فى بيان أمر به يؤاخذ مجامع أمور

الامر التاسع‏ فى بيان امر به يؤخذ مجامع امور فاعلم ان ما فى قضية السّلسلتين مط او السّلاسل مط مما يجرى فيه حكم المشتبه المحصور مثل ما يتحد فيه السلسلة فى صور من صورة تلف الناقص عن قدر الحرام و صورة تلف ما بقدر الحرام او ازيد و صورة الانضمام و اضافة ما بقدر التالف او ازيد الى الباقى و بالجملة فان لوازم الاقوال هنا كلوازم الاقوال هناك و الوجه فى ذلك ظاهر مما لا سترة فيه اصلا و كذا الكلام فى احكام الملاقى و ملاقى الملاقى و هكذا فيما تعدد السّلسلة و لم يدخل جهة الحرمة فى البين بل اختصّت الجهة بالنجس و المتنجس و اما احكام الملاقى فيما تعددت الجهة و اختلف الجنسان من جهة الحلية و الحرمة و النجاسة و الطهارة فالظ تخلف ما هنا عما هناك بالحكم بالطهارة فيما هذا بقول واحد و على كل تقدير فيما سبق و يحتمل الحاق ما هنا بما هناك إلّا انه بعيد هذا كله على البناء على دخول مثل هذا فى المبحث كما اشرنا اليه و الا فالامر اوضح كوضوحه على البناء على المختار فى اصل المسألة و ان دخل فى المبحث فخذ الكلام بشراشره فى كل ما ذكر حتى يتجلى لك ما لم يذكر

الامر العاشر فى بيان امر به يعلم جملة من الامور المهمّة و المقاصد الرشيقة

الامر العاشر فى بيان امر به يعلم جملة من الامور المهمّة و المقاصد الرشيقة فاعلم انه اذا كانت الشبهة شبهة الطهارة و النجاسة لكنها فى سلسلتين او السّلاسل كالآنية و الثياب‏ (2) مثلا على النهج المزبور فهل الحكم فى تعاقب الإناءين على النجس او على الطاهر مثل ما سبق فى تطهيرهما الاوّل و تنجيسهما الثانى ام لا فاعلم ان الحكم مما يتغير هنا فى الجملة بمعنى ان ما سبق لا يجرى هنا على سبيل الاطلاق و الارسال و ذلك اذا كان مثلا عدد النجس اثنان و كان السّلاسل ثلاثا و لكل واحدة منها فردان فبتعاقب الإناءين ح على النجس لا يتطهر النجس و بتعاقبهما على الطاهر لا ينجس الطاهر فيبقى الحكم فيما وردا عليهما على ما قبل الورود و السرّ واضح و ذلك هو عدم تحقق العلم الاجمالى بالنسبة الى طهارة الواردين فالعلم الاجمالى انما هو بالنسبة الى الامر المردّد بين السلاسل و بالجملة فان صور هذا المقام و شقوقه وفيرة و لكن اناطة الامر فيه بالنسبة الى الوارد انما على العلم الاجمالى ثم ان فى المقام شيئا آخر لا بد من الاشارة اليه و هو سؤال انه كيف البناء فى ورود شي‏ء من سلسلة على سلسلة اخرى من سلاسل المقام بان يرد من سلسلة

____________

(1) ثم طرأ اشتباه آخر بمعنى انّه لا يدرى انه فى هذه السلسلة

(2) و الأمكنة

196

من سلسلة الإناءين شي‏ء على شي‏ء من سلسلة الثوبين فاعلم انه اذا كانت السلسلتان اثنتين و كان لكل واحدة منهما فردان و كان النّجس فى نفس الامر اثنان فيتعاقب الاناءان على ثوب واحد كان الحكم فى المقام هو ابقاء الثوب على حالة هى قبل التعاقب و ذلك انه كما يحتمل تطهيره بورودهما عليه على احتمال نجاسته كذا يحتمل تنجّسه بذلك بناء على احتمال طهارته فلا اصل فى البين الا اصل البقاء على ما كان قبل التعاقب من حكم المشتبه المحصور و كذا الكلام فيما وردا عليهما بان يرد احد الإناءين على احد الثوبين و الآخر على الآخر فخذ الكلام بارجائه و انحائه و استنباط ما لم نشر اليه‏ (1)

الامر الحادى عشر فى بيان امر جامع آخر و هو سؤال كيف حقيقة الحال فى التوضؤ

الامر الحادى عشر فى بيان امر جامع آخر و هو سؤال كيف حقيقة الحال فى التوضؤ و الغسل فيما تعددت السّلسلة على النهج المزبور (2) الاربعة نجس و هكذا الامر فى غير هذا المثال فنقول ان ما يجرى فيما تقدم فى التذنيب يجرى هنا جدا بل انه يجرى ايضا فيما تعددت السّلاسل و كان التردّد فيما بين‏ (3) نفس السّلاسل كما عرفت امثلته بعد فرض دخوله فى المبحث كما اشرنا اليه و بالجملة فان كل ما ذكر هناك مما يقتضيه المذاق المشهورى و كذا كل ما يقتضيه التحقيق يجرى هنا و من التامل فيما قررنا تعلم ان ما قرر فى سابع الامور من امور التذنيب من قضية اتيان الصّلاة فى الثياب المشتبهة يجرى هنا حرفا بحرف فاذا لم تكن فى مقام التفكر فى المطالب من الجراثيم الخمود فى تلعة من الارض او المنجفلين حين الفكر و ممّن هدات فورتهم على الفور تطأ اجنحة ما ذكر فى الامر الثامن و الامر التاسع و الامر العاشر من امور التذنيب باخمص تدبرك و فهمك بوضع كل شي‏ء من ذلك بالنسبة الى امور هذه الفريدة فى موضعه ببيان الموافقة و المخالفة و الانطباق فى الكم و الكيف و عدم ذلك فلا نعيد الكلام حتى لا يفضى الى نوع من الاسهاب الأمر الثانى عشر: فى بيان أمر لطيف و سؤال شريف‏

الامر الثانى عشر فى بيان امر لطيف و سؤال شريف‏

الامر الثانى عشر فى بيان امر لطيف و سؤال شريف و هو مما يتعلق بما تقدم من امور هذه الفريدة غاية التعلق و يتماس به فى اقصى درجة التماس فاعلم انه اذا كان ما به يمنع عن الاستعمال على المذاق المشهورى الامر المردد بين النجاسة و الحرمة فى سلسلة او فى سلسلة او فى سلاسل فبنى الامر فى ذلك على دخول هذا فى المبحث ساغ سؤال كيف حقيقة الامر بالنسبة الى الضمان فهل يضمن المتصرف مثل ما يتصرّفه فى المثليات و قيمته فى القيميات لمن يزعم ان ماله اختلط بماله على فرض كون الممنوع منه لاجل الحرمة المنبعثة عن اختلاط مال الغير بماله ام لا ثم هل فرق فى ذلك بين ما يعلم مقداره و بين ما لم يعلم ثم هل فرق‏ (4) بين تعين الشخص على الفرض المزبور و بين تردد بين كونه زيدا او عمروا مثلا ثم هل فرق فى ذلك بين ما ذكر و بين ان لا يعلم اصلا ففى هذه الصورة الاخيرة هل يبنى الامر على اخراج الخمس مط او فى بعض صوره او يرجع الامر فى بعض الصور الى المجتهد فاذا عرفت هذا فاعلم ان جريان ادلة الضمان او ادلة اخراج الخمس او ادلة ما يرجع الى المجتهد فى المقام و امثاله مما دونه خرط القتاد فالاصل الاصيل من البراءة فى المقام مما فى مخره محكم و مستحكم و يمكن ان يكون انفكاك امثال هذه اللوازم كاشفا من الكواشف لعدم دخول ما فى هذا العنوان فى المبحث و مع ذلك فطريق الاحتياط مما لا يخفى على احد الأمر الثالث عشر: فى بيان أمر يليق أن يقال لم يحلّ عقده‏

الامر الثالث عشر فى بيان امر يليق ان يقال لمن يحل عقده‏

الامر الثالث عشر فى بيان امر يليق ان يقال لمن يحل عقده ان اللّه ادخر لكل قرن فضيلة اتخذوها الى نيل مناهم وسيلة و ان جعل اللاحق فى الاغلب طامحا ببصر همته الى علو درجة السابق و سموّ رتبته غير راض بالتخلف عن مضماره فاعلم ان الجهة الجامعة فى البين فى سلسلة واحدة اذا كانت هى الحرمة بان يعلم بان احدى هذه السلسلة من النسوة و فيها الاماء و غيرها مثلا ممن يحرم وطئها و لكن لا يدرى السّبب فح نقول ان هذا على قسمين قسم‏ (5) لا يترتب فيه على وجه من الوجوه غير الحرمة شي‏ء من الانفساخ و الانعتاق بان يقطع بان حرمة احدى هذه النسوة اما لاجل الرضاع و اما لاجل الايقاب فى اخيها و ذلك فيما لم تكن هذه النسوة تحتها و قسم يترتب فيه شي‏ء من ذلك مضافا الى الحرمة و ذلك بان يقطع بان احدى هذه الاماء اما اختها من النسب و اما من الرضاع و لهذا امثلة كثيرة و كيف كان فان هذا ايضا على قسمين قسم يترتب ما ذكر فيه على كل من التقارير و قسم لا يكون كل ثم قد يلاحظ فيما قررنا تقسيمات أخر بان يقال ان الحرمة اما مؤبّدة كما فى الملاعنة و الاخت الرّضاعية و نظائرها و المؤبدة حرمتها بالمصاهرة و المطلقة تسعا و نحو ذلك و الأمر العاشر: فى بيان أمر يعلم به جملة من الأمور المهمة اما غير مؤبدة و كل منهما اما على وجه الاستيعاب او على وجه التلفيق ثم يزيد التقاسيم بملاحظة تمشية قضية الكفارة كما فى الظهار و الايلاء و نحوهما و عدمها ثم انها اما على جميع التقادير او على بعضها و على كل حال فهى اما على نهج واحد بحسب الجنس و الكيف و الكم او ليس كل فاذا عرفت هذا فاعلم ان الكلام فى بيان هذه المرام يقع فى مقامات‏ المقام الاوّل‏ فى بيان ايضاح الطريق الى دخول هذه الامور فى المبحث فنقول ان اكثر الادلة المذكورة و الوجوه للمشهور مما يبلغ خمسين مما يعطى دخوله فى المبحث فلا يعارض ذلك شي‏ء الا ظاهر العنوان و التمثيلات و انت خبير بان مثل هذا لا يقاوم لمعارضة مثل ذلك على ان ظاهر العنوان لا يابى عما قلنا ايضا فان قلت ان هذه الامور مما لم يخطر ببال احد من اصحاب الاقوال فكيف يترتب لوازم مذاهبهم بالنسبة الى هذه الامور قلت ان هذا اول الكلام فان عدم ذكرهم ذلك فى كتبهم و مصنفاتهم لا يشعر بعدم التفاتهم اليه فضلا عن دلالته عليه فالاعتداد انما على ما ذكروه من اطلاق العنوان و عدمه بل على الادلة من اطلاقها و ارسالها و عمومها و عدم ذلك فاذا لوحظ عموم الادلة و ارسالها

____________

(1) بان يقع الاشتباه بين الإناءين و بين الثوبين يقطع بان احدا من هذه الامور

(2) مما اشرنا اليه‏

(3) الحرمة و النجاسة كالتردد فيما بين‏

(4) فى ذلك‏

(5) لا يعلم فيه السبب اصلا و قسم يعلم فيه مرددا بين امور فالاخير ايضا على قسمين قسم‏

197

صحّ الترتيب المذكور بل الانتساب الى اصحاب المذاهب بملاحظة هذه الجهة و امثال ذلك غير عزيزة فى الفقه و الاصول بل ساير العلوم ايضا فان قلت ان متعلق الحرمة و ان كان مما قد علم على نهج القانون المزبور فى المشتبه المحصور الا ان السّبب مما لم يعلم فى ذلك فاذا اختلفت الحرمة بملاحظة الاسباب نظرا الى اعتبار الآثار و ترتيب اللوازم فلا يبنى الامر على دخول ما ذكر فى المبحث قلت ان القدر المشترك و هو حرمة الوطى مثلا مما هو متحقق فى الآن و الحال فى البين و هذا مما على البيان و التفصيل فى المقام و ان طرأ بعد ذلك بملاحظة امور و جهات اجمال فى البين فلا يابى مثل ذلك عن دخول ما ذكر فى المبحث‏ المقام الثانى‏ فى بيان حقيقة الحال و كيفية المقال بالنسبة الى ترتب الامور الوضعيّة من الانعتاق و الانفساخ و نحو ذلك فنقول ان الامر المرتب الوضعى على الحرمة المفصلة من وجه و المجملة من وجه قد يكون الانفساخ و الانعتاق معا و قد يكون الاول دون الاخير و قد يكون بالعكس فكل واحدة من النسوة قد تكون قابلة (1) لهما دون بعضهنّ و الامثلة واضحة عند المتأمّل فنقول للايضاح و ارادة الطريق ان ذلك كان يكون الاشتباه باعتبار الامر المردّد بين الرضاع و المصاهرة سواء كن حرائرا او اماء فالمقام مقام الانفساخ خاصّة و السّلسلة التى تتمشّى فيها قضية الانعتاق كان تكون ممن فيهن الاماء و يحتمل كونها من المحارم و هكذا فالامثلة فى غاية الكثرة و الاتضاح و كيف كان فانه يترتب على المرأة القابلة لكلا الامرين كلاهما معا كما يترتب واحد منهما على القابلة اياه خاصّة ثم اعلم انه يلاحظ ساير الاسباب من الايلاء و اللعان و الظهار و نحو ذلك فاعتبر البعض مع البعض و اضف الى ذلك ما اشرنا اليه من الرضاع و المصاهرة و النسب و رتب الآثار و الاحكام على النهج الذى مر و النمط الذى ياتى فاعلم انه اذا دار الامر بين الحرمة من جميع الوجوه كما فى احتمال كونها اختا نسبيا و بين الحرمة من بعض الوجوه كما فى الاخت الرّضاعى بنى الامر على الثانى و اذا دار الامر بين الحرمة التأبيديّة كما فى اللعان و الرضاع و بين غيرها كما فى الايلاء و الظهار بنى الأمر على الحرمة التى ليس فيها تابيد و كذا يبنى الامر على الاقل امتدادا بحسب الزمان اذا دار الامر بينه و بين ما هو اكثر امتدادا بحسبه و بالجملة فان شقوق المسألة كثيرة و صوره وفيرة و امثلته عديدة و فيما اشرنا اليه غنية للمتدبّر المتأمّل اذا اخذ الكلام بمجامعه و سبح فى قواميس تجوال الفكر و تشحيذ الذهن فان قلت بم الاهتداء و على م الاعتماد فى ترتب امثال هذه الاحكام التى فى الزامها صعوبة مع ان هذا مما لم يشر اليه اصلا فى كلام احد غاية ما فى الباب ان جمعا قد صرّحوا بان ترتب الحكم الوضعى مما ليس فيه خلاف و هو فى الامثلة التى ذكروها ليس الا الضمان فنقول ان بعد تسليم دخول ما ذكر فى المبحث لا نم ترتب امثال هذه الاحكام فناخذ القدر المتيقن فى البين و هو الضمان للمال و تنجيس الإناءين المشتبهين مثلا ما يلاقيهما معا قلت ان سخافة هذا الكلام و بشاعته مما لا يخفى على احد من ذوى النهى و اصحاب اللب و الحجى و كيف لا فان انفكاك الآثار و اللوازم مما لا معنى له فرفعها يحتاج الى دليل لا اثباتها و بعد الغض عن ذلك اما بمنع كون ما ذكر لوازم و اما بتجويز الانفكاك بين اللوازم و الملزومات الشرعية نقول انه لا معنى لحرمة الوطى مثلا فى ساعة واحدة و القطع بذلك ثم بقاء المقام بحسب الحكم مجملا و مهملا و غير معلوم فيه شي‏ء بل هذا مما لا يتعقل فبترتيب الآثار المذكورة يقطع دائرة الاجمال و الاهمال فيكون المقام مما فيه جواب للمسئول عن سؤال السّائل حين احتياجه اليه فت و قضية عدم اشارة القوم الى ذلك مما يضحك الثكلى و كيف لا فاين للقوم من ذكر مطالب يناط عليها قلائد الشرف و تخطى لديها مهائر الادب مرجحة مكهّلة (2) ممتدة فى حذر الصّيانة مرفقة الى مجلس سميدع الصناعة و مأدبة مقرم الفن فليس هذا اول قارورة كسرت منهم فكم من قوارير مكسورة و ليس الفيض و الافاضة الا بيد اللّه الفيّاض المفيض تعالى شانه ثم انّ قضية تمثيلهم اغرب اذ هو انما بالنسبة الى ما ذكروه و بالجملة فانه لا وجه لانكار ما يترتب على ما ذكره بعد الاذعان بدخول ما ذكر فى‏

المبحث فخذ الكلام باصقاعه و ارجاعه و كن من المتامّلين‏ المقام الثالث‏ فى بيان ما يترتب على ما ذكر من الكفارة فاعلم انه لا ريب فى بناء الكفارة على الاقل كالبناء على عدمها حين دوران الامر بين وجودها و عدمها و لكن الاشكال فى مقام آخر و هو مقام دوران الامر بين الحرمة التأبيدية و عدمها و مقامها كثرة امتداد زمان الحرمة و قلة ذلك بمعنى انه اذا بنى الامر على ما يترتب عليه‏ (3) لا يكون الحرمة من المؤبدات او ما يمتد زمانها كثيرا بخلاف ما بنى الامر على عكس ذلك اذا عرفت هذا فاعلم ان ذلك و ان كان عند الانظار الجلية مما فيه اشكال و صعوبة إلّا انه مما لا غبار فيه و لا اشكال فيه اصلا لدى الانظار الدقيقة اذا المرجع ح الاصول فيبنى الامر على ما يلزمه الكفارة و ان كانت على خلاف ما يقتضيه اصل البراءة لتقديم استصحاب بقاء العلقة على اصل البراءة من الكفارة تقديم المنجر على المعلق و الاجتهادى على الفقاهتى و كذا الكلام فى صورة استلزام ما هو اقل امتدادا بحسب الزمان الكفارة دون ما هو اكثر امتدادا بحسبه و اما القول بان الاستصحاب فى امثال هذه المقامات من الاصول المثبتة او الاصول التى شكها من الشكوك السّارية فلا اعتداد به فمما لا يصغى اليه جدّا

الأمر الرابع عشر: فى بيان مقصد آخر أهمّ‏

الامر الرّابع عشر فى بيان مقصد آخر اهم و هو ان‏

____________

(1) لكلا الامرين و قد يكون بعضهن قابلة

(2) مسورة محجلة

(3) الكفارة

198

و هو ان يكون الاشتباه بين السّلسلتين او السّلاسل على النّهج الذى مرّت الاشارة فنقول ايضا فى بيان ذلك بان يتحقق الحرمة فى البين و يقطع بها و لكنه على هذا النهج بمعنى انه اذا كان الاشتباه فى هذه السلسلة فالاشتباه فى هذه السّلسلة الثالثة فالاشتباه اشتباه بحسب الايلاء و هكذا فاذا عرفت هذا فاعلم ان ما تقدم فى الامر الثالث عشر بحسب مقاماته الثلث مما يتمشى هنا فيبنى الامر على وتيرة ما ذكر هناك و يمكن ان يقال هنا ان القدر المتيقن و الامر الثابت فى المقام ليس الا الحكم التكليفى فلا ضير فى جواز تخلف الاحكام الوضعية من الانعتاق و الانفساخ و كذا الكفارات عنه لان المقام هنا مقام الفرض و التقدير على وجه و ان كان الامر بملاحظة الحرمة الاجمالية على وجه الثبوت و التحقق و بالجملة فان اقصى ما يسلم هنا تمشية الحكم التكليفى تعبدا اى المنع من الاستعمال و المقاربة مثلا فى الحال و الآن نظرا الى القطع بتحقق الحرمة فى الجملة هذا و انت خبير بان القول بالتخلف المذكور و ان لم يكن فى غاية البعد هنا كما انه فى غاية البعد فى السّابق إلّا انه مع ذلك نقول ان هذا المقام مما فيه عويصة و اشكال جدّا لان المسلم ايضا اى المنع من الاستعمال و المقاربة مثلا مما له عرض عريض لا يعلم مبلغه و منتهاه فالى متى يكون هذا الحكم و انى يكون امتداد هذه الحرمة الاجمالية فلاجل هذه العويصة لا يبعد اختيار القرعة هنا و تمييز الامر بها و سيجي‏ء الكلام فى تحقيق الحال و بيان المقال فيها ثم لا يخفى عليك ان ما ذكر من قضية الانعتاق و الانفساخ هاهنا و فيما سبق انما هو لازم القول المش و إلّا فلا معنى لذلك بناء على القول المختار بل مما لا يتعقل ذلك كما لا يخفى على من امعن النظر و من هنا يعلم امر الكفارات ايضا و بالجملة فان الانعتاق و الانفساخ و كذا الكفارات مما لا يلزم على القول المختار و ليس فيما سبق فى اول التذنيب من ان الحكم الوضعى من الضمان مما لا ريب فيه عند اصحاب جميع الاقوال ما يسترشد به الى ثبوت الانعتاق و الانفساخ و الكفارات فى هذه الامور المذكورة على سبيل الارسال و الاطلاق حتى على البناء على القول المختار فالامر واضح فى غاية الاتضاح عند النّدس النطس فقد انصدع عما قررنا تاييد تام و وجه وجيه لتزييف القول المش و كذا القول الآخر من البناء على جواز الارتكاب الا فيما بقدر الحرام اذ اصحاب هذا القول ايضا فى هذه الامور فى ام حبوكرى و داهية كبرى كما لا يخفى تعقله على الفطن الا ان يميز و اما بقدر الحرام او لا بالقرعة ثم يرتبوا عليه الحكم الاولى من حرمة المقاربة و الوطى مثلا ثم ما يترتب على ذلك من الانفساخ و الانعتاق و عدمها و كذا الكفارات او عدمها و هذا كما ترى مما لا وجه له عند المتامل كما لا وجه لاخراج ما فى هذا المقام و ما فى السّابق عن المبحث هذا و اما لازم قول صاحب المدارك فى هذه الامور فمما بين عند المتدبر فلا نطيل الكلام بايضاح ذلك ثم انتظر لبعض ما يتعلق بالمقام فانه ستبين لك إن شاء الله اللّه تعالى‏

الأمر الخامس عشر: فى تحقيق الحال فى القرعة زيادة على مرّ

الامر الخامس عشر فى تحقيق الحال زيادة على ما مرت اليه الاشارة فى القرعة فاعلم ان شرعيّة القرعة و جواز استعمالها فى الجملة مما لا ريب فيه عندنا و لعل ذلك من خصائص مذهب الشيعة بل هى منها جدّا و عند العامة على ما يستفاد من كلام بعض الاصحاب انها من الميسر و يرده مضافا الى ما دلّ عليه الكتاب من شرعيتها و جواز استعمالها فى الشرائع السّالفة نظرا الى اعتبار مثل ذلك كما ياتى الاشارة فى بعض المباحث الآتية اليه قضية اقراع النبى (ص) بين ازواجه فانها مما لا ينكر و بالجملة فان شرعيتها و جواز استعمالها فى الجملة مما دل عليه اخبارنا فمما يؤدى ذلك مما هو قطعى الصدور عن الحجج الطاهرة (ع) سواء كان ذلك على نهج الاخبار المتواترة معنى او الاخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن قال بعض اجلة الاصحاب ثبت عندنا قولهم (ع) كل امر مجهول فيه القرعة و ذلك لان فيها تساوى الحقوق و المصالح و وقوع التنازع دفعا للضغائن و الاحقاد و الرضاء بما جرت به الاقدار و قضاء الملك الجبار و لا قرعة فى الامامة الكبرى لانها عندنا بالنصّ هذا و لا يخفى عليك ان هذه العبارة مما فيه الركاكة لان ظاهر التعليل‏ (1) للثبوت و هو كما ترى و يمكن دفعها بان المقصود بقوله و ذلك الخ بيان وجه ما تضمّنه الخبر من شرعية القرعة و المصلحة الواقعية التى تضمنتها لا بيان علّة ثبوت الخبر من الحجج الطاهرة (ع) فافهم و كيف كان فان قوله كالخبر الذى ذكره يعطى الاعم بحسب الموارد فلا فرق فيها بين ان تكون مما فيه الاشكال اشكال واقعى اصلى بمعنى انه ليس متحملا و لا قابلا لا قامة البيّنات و ازالته بتلك لا تحقيقا و لا شأنا و تقديرا على احد من افراد ما هو فيه نفيا و اثباتا ثم ابانة الامر و استبانته بتمامه بذلك بل ان ذلك من هذا الوجه مما يتاتى فى ازمنة حضور الحجج الظاهرين و المخبرين الصادقين (ع) ايضا و بين ان لا يكون كل بمعنى ان يكون الاشكال فيه اشكالا ظاهريا متحملا لا قامة البيّنات و لو تقديرا و استعدادا و مبيّنا حاله بتلك و باخبار المخبرين الصادقين (ع) مثلا ثم لا يخفى انه يجوز حمل الخبرين العامين الاخيرين من قولهم عليهم السّلم القرعة لكل امر مشكل و قولهم (ع) انها فى كل امر مشتبه على ذلك ايضا و ان كان للثانى ظهور ما فى الثانى ثم ان امثلة القسم الاول فى غاية الكثرة و سيجي‏ء الاشارة الى جملة (2) امثلة القسم الثانى موارد هذا المبحث الذى نحن فى صدد بيانه اى موارد المشتبه بغيره لا ينحصر ثم ان ظواهر هذه الاخبار و ان كانت تعطى اعم مما ذكر ايضا بحيث تشمل الاحكام و تعارض الاخبار و نحو ذلك إلّا انها قد خصصت من هذه الجهة قطعا فنشير

____________

(1) انه تعليل‏

(2) منها و من جملة

199

اولا الى الموارد التى من القسم الاول و هى مما افتوا باجراء القرعة فيه ثم نشير الى الموارد التى منه ايضا و لكنهم ذكروا اجزاء القرعة فيها على وجه احتمال من الاحتمالات فاعلم انه قال بعض اجلّة الفقهاء كل امر مجهول فيه القرعة بالنصّ و لها موارد منها بين ائمة الصّلاة عند الاستواء فى المرجّحات و بين اولياء الميت فى تجهيزه مع الاستواء (1) فى الافضلية او عدمها و بين المزدحمين فى الصّف الاول مع استوائهم فى الورود و كذا فى القعود فى المساجد او المباح و كذا فى الحيازة و احياء الموات و الدعاوى و الدروس إلّا ان يكون منهم مضطر بسفر او امراة و بين الزوجات فى الاسفار و فى الابتداء لو سبق اليه زوجات دفعة و بين الموصى تعقبهم او المنجز من غير ترتيب و عند تعارض البينتين او تعارض الدعويين و لا تستعمل فى العبادات فى غير ما ذكرنا و لا فى الفتاوى و لا الاحكام المشتبهة اجماعا هذا و الظاهر من نفحات هذا الكلام ان ما ذكر مما اتفق على كونه موارد للقرعة و عسى ان لا يخالف فى ذلك احد اصلا و ممن يعتد بشانه فهذا اى العمل بالقرعة فى هذه الموارد على وجه الوجوب اذا تحقق التشاجر و التنازع بل فى بعضها على وجه الاطلاق كما لا يخفى و لا يتوقف اعماله الى الحكم من الحاكم بل له الالزام بعد الاقراع على وفق ما ازيل الابهام بالقرعة ثم اعلم ان هذه الموارد مما لا يتصور فى مظانه شي‏ء معارض للعمل بالقرعة من القواعد و الاصول و لو كانت اولية اى معارضة على نهج المعارضة فى القسم الثانى و الا فان اصل البراءة عن عدم لزوم ما يعيّنه القرعة مما يتصور إلّا انه مما لا يندفع به المنازعة و المخاصمة بمعنى ان البناء عليه ينافى الحكمة المقررة فى القرعة نعم ان ما فيه قضية العبيد مخالف للقاعدة و هى الحمل على الاشاعة فذلك فى هذا المقام مع ملاحظة ما ذكر انما بالنصّ الخاصّ و الاجماع ثم ان الذى ذكروا اجراء القرعة فيه على وجه احتمال من الاحتمالات مما امثلة فى غاية الكثرة و اكثر ابواب من العقود و الايقاعات و غيرهما مما قد اشتمل على ذلك فمن ذلك الطلاق فيما قال المطلق احد يكن طالق ودية العبد الموصى بخدمته فان القرعة فى الاول احد الاحتمالين فى المسألة و فى الثانى احد الاحتمالات الاربعة او الخمسة ثم اعلم ان ما يستفاد من كلمات الاصحاب بعد التتبع التام ان الموارد للقرعة انما هى موارد القسم الاول خاصّة فلعلهم نزلوا الاخبار على انّ ذلك نظرا الى ان مع تحقق قاعدة او اصل فى البين لا يكون المقام مما اشتمل على اشكال و جهالة فالاشكال و الجهالة قد اخذ فيهما الحيرة الغير المندفعة بشي‏ء من الاشياء و لو بالاصل ثم ينزل على ما نزلا عليه الخبر المشتمل على لفظ الاشتباه ايضا و عسى ان لا يستبعد ان يقال ان ما مر اليه الاشارة من الحكمة و المصلحة مما يختص بذلك ايضا كما لا يخفى على المتأمّل فمن التامل فيما قررنا يظهر لك انه كما لا يكون فى مظانه شي‏ء معارض له من القواعد و الاصول كذا لا يكون فى طبقه شي‏ء من ذلك فبذلك ينصدع عدم استقامة ما صار اليه البعض من ان القول بالقرعة فى هذه المسألة ليس قولا مغايرا للقول المش تعليلا بان القرعة انما هى من الامور التى يرتفع بها الاشتباه فهى مثل شهادة العدلين و نحوها من سائر الامور الرافعة للاشتباه فالمشهور لا يقول الا بذلك بمعنى انه يجب الاجتناب و انه لو اريد الارتكاب فلا يجوز الا برفع الاشتباه باحد الامور الرافعة له او بخصوص القرعة هذا و انت خبير بان عدم استقامة هذا الكلام من وجوه عديدة كما لا يخفى على النطس الندس و قد بان من ذلك ان الاحتجاج على قول المش باخبار القرعة مما لا وجه له فاذا اخذت الكلام بمجامعه فاعلم ان القول بالقرعة و ان كان قولا بعيدا فى اصل المسألة و مذهبا شاذا فى ذلك الا ان المصير اليها فى الامر الثالث عشر و الرابع عشر بعد البناء على القول المشهور فى اصل المسألة مما لا بعد فيه فيبنى الامر ح فى الاخبار على افادتها العموم و الشمول لكلا الامرين من الاشكال الواقعى و الظاهرى إلّا انه يراعى فى الثانى بحسب اجراء القرعة و عدمه امور أخر من كون المقام مما تعرض له الاصحاب ام لا و انها هل فى قبالها شي‏ء يخالفها من الاصول و القواعد فى طبقها شي‏ء يساعدها فاذا لوحظ فى الامر الثالث عشر و

الرابع عشر بحسب الامور التى مرّت اليها الاشارة العسر الشديد و الحرج العظيم و لوحظ مع ذلك ايضا عدم جواز رفع اليد عن المذاق المشهورى بالكلية اتجه القرعة فيهما جدّا فيمكن ح تصديق القول الذى مرّت اليه الاشارة من ان القول بالقرعة ليس قولا مخالفا للمشهور تصديقا فى امثال هذه المقالات لا مط فلا يبقى فى البين الا سؤال ان ارتكاب ما ذكر فيما ذكر خرق للاجماع المركب و فيه كما لا يخفى على الندس النطس نظر جلى فخذ الكلام بمجامعه و تامل جيّدا

الأمر السادس عشر: فى بيان أمر دقيق و مطلب رشيق‏

الامر السادس عشر فى بيان امر دقيق و مطلب رشيق فاعلم ان المتراءى من ظواهر كلمات القوم ان الامر فى المحصورية قد ادير مدارا لكميات من المتصلات و المنفصلات فلا اعتداد فى باب الاحتساب و الانتساب من احدهما بغيرها و ان كان من الكيفيات و جملة من الجهات التى تشارك المكيف بها و المكيف منها غير المحصور فيما هو وجه لاخراج غير المحصور عما يفيده الادلة من الحرمة فهذا (2) قررنا مما يعطيه ظاهر عنوانهم و تمثيلاتهم و جملة مما ذكروه فى تمييز المحصور عن غير المحصور فيتفرع على ذلك انه اذا كان فى ثلاثة آلاف من الفلوس النحاسيّة فلس واحدا و ازيد من مال الغير صدق عليها عنوان غير المحصور و ترتب عليها احكامه و ان لم تبلغ‏

____________

(1) و بين الموتى فى الصلاة و الدّين مع الاستواء

(2) و غير المحصورية

200

تبلغ قيمتها ثلاثة دنانير او عشرة من الدراهم فلو عكس الامر فيما ذكر لحسب المقام من عنوان المحصور و ترتب عليه احكامه و يمكن ان يقال ان لبعض الجهات و الكيفيّات التى مرّت اليها الاشارة مدخلية فى هذا الباب و لو لم يكن ذلك على الاطلاق بل فى باب الاموال خاصّة فلو لم يحرز الامران فيه من الامر الراجع الى مقولة الكم الذى يعدّ عرفا غير محصور و الامر الراجع الى الكيف الذى باعتباره يلزم الحرج الشديد على المجتنب المحترز لم يدخل العنوان فى عنوان غير المحصور و هذا مما يمكن ان يسترشد اليه بجملة من كلماتهم هذا و لا يخفى عليك ان هذا بعد امعان النظر مما يرجع الى ملاحظة الحرج الشديد و عدمه بالنسبة الى الاجتناب و عدمه فاذا كان الامر كل لزم اناطة الامر فى باب الاموال الى الجهة الراجعة الى مقولة الكيف خاصّة هذا و انت خبير بان ذلك بعد الاغضاء و التعامى عن انه لا يمكن ارجاع كل ما ذكروا فى مقام تمييز احدهما عن الآخر اليه مما لا يطرد اذ لا يمكن المصير اليه فى جملة من الموارد و الصور جدّا و كيف لا فان ذلك المبحث كما يلاحظ فى مال المرء بالنسبة الى تصرفاته اذا خالطه حرام كذا يلاحظ فى اموال الناس الذين يريدون‏ (1) المعاملة معهم فلا بد ان يلاحظ فى اموال الناس الذين يريدون المعاملة معهم فلا بد ان يلاحظ ذلك فى ذلك الجهة الراجعة الى مقولة الكم جدّا و لا محيص عن ذلك قطعا و بالجملة فان تلك الالتفاتات مما لم يلتفت اليه احد و لعمرى ان المقام من المقامات المشتملة على العويصة و المبحث من المباحث المشكلة فان التفت ملتفت الى ما ذكر و تنبه متدبّر فيما سطر اضطرب فكره فى بناء الامر على اسّ و ترتّب المقال على قانون اضطراب الارشية فى الطوى البعيدة فاقول و باللّه التوفيق و عليه التكلان ان ذلك انما انبعث عن عدم اشتمال الكتاب و السّنة على لفظ المحصور (2) و الا لكان من الامور السّهلة فان المتبادر من هذين اللفظين ما يرجع الى الجهة الراجعة الى مقولة الكم خاصّة فح نقول انه ان قلنا بان غير المحصور معقد للاجماع على عدم لزوم الاحتراز بهذا الوصف العنوانى كان المقام كمقام اشتمال الكتاب او السّنة على هذين اللفظين او احدهما فيناط الامر على الجهة الراجعة الى الكمية خاصّة و ان كان الاجماع على ما ذكر لقاعدة العسر و لم يلاحظ الوصف العنوانى من حيث هو هو انيط الامر على الجهة الراجعة الى مقولة الكيف فيدور غير المحصور لبّا و معنى مدار هذا الوجه فقد يجامع غير المحصور المنسوب الى مقولة الكم ايضا كما اذا لوحظ معاملة الظلام و السّارق مثلا و قد يفارقه و ذلك كما اذا كان عنده جوهران مشتبهان من الجواهر الثمينة و اللآلئ العظيمة او قطعتان كل من الاكسير و هكذا فح عسى ان لا تستبعد اناطة الامر فى لزوم العسر و الحرج على حال المرء المباشر خاصّة بحسب الوقت و بعض الجهات دون ما مرّت اليه الاشارة من حال اوساط الناس على الوجه الذى ذكر فاذا عرفت هذا فاعلم ان دعوى الامر الاول فى قضية الاجماع مما دون اثباته خرط القتاد فالقدر المتيقن هو المصير الى الامر الثانى و ترتيب الآثار على نهجه مع انه هو الموافق للاصل كما لا يخفى فح ينكشف الاغطية و الاغشية براسها عن وجه المطلب فيكون المبحث فى غاية الاتضاح يتناوله كل من يريد فقد انصدع عند النطس النّدس عما قررنا و حققنا سهولة الامر و عدم افضائه الى تكاليف شاقة و امور صبعة مستصعبة فى الامر الثالث عشر و الرابع عشرة حتى على البناء على المذاق المشهور فى اصل المسألة من التدبّر فيما ذكرنا و امعان النظر فيما قررنا ينجلى لك احكام صورة ان اختلط مال زيد مثلا مع مال غيره و لو كان خلطا على وجه التمييز كان يكون بين الدّنانير الكثيرة فلوس قليلة او بالعكس و لا يدرى ان الفلوس للغير ام الدنانير و هكذا (3) الا بخلاء انما من الجهة التى تتعلق بهذه المسألة دون جهة اخرى فان هذه الصورة لها جهة متعلقة بمسألة اخرى كما لا يخفى و قد علم ايضا عما قررنا احكام الصّور الأخر من كون مال الغير المختلط بمال هذا المتصرف ازيد من ماله او انقص او مساويا مع احكام جميع الشقوق المتصورة لهذا الصور فخذ الكلام بمجامعه و كن من المتدبّرين‏

الأمر السابع عشر: فى بيان كون الظن بأحد الطرفين مثل الشك‏

الامر السّابع عشر فى بيان ان اصحاب الاقوال المذكورة كيف بنائهم و على؟؟؟ فى صورة الظن المميز فاعلم ان المتراءى من اطلاق كلمات القوم انّ وجود الظن فى المقام كعدمه فلا اعتداد به فكل جماعة يبنون امرهم على ما صاروا اليه غير فارقين و مفصّلين فى ذلك بين ارتفاع الشك بتحقق الظنّ الرافع اياه و المتحقق لا من طرق الاسباب الشرعية و بين عدم ذلك فكما ان العنوان عنوان المقام الشك المحض كذا المقام ان تحقق الظّن المذكور من اول الامر و لمقام ان طرا ثانيا على ان هذا هو ما يقضى به الاصل الاصيل فى المقام من عدم حجية الظن و لا سيّما فى الموضوعات الصّرفة و بعبارة اخرى ان هذا هو مقتضى القاعدة الموصلة المعتبرة فيها فلا يقاوم لمعارضة (4) ما ذكر من اطلاق كلماتهم و غيرها من سياق احتجاجاتهم و نفحات مقالاتهم نقضا و ابراما و تزييفا و تسديدا ظاهر العنوان بقولهم فى المشتبه المحصور و نحو ذلك بتقريب ان المتبادر من ذلك هو ما لا يوجد فيه ظن اصلا ففى مقام انتساب كل من الاقوال الى صاحبه يصح الانتساب بكلمة و لو وجد الظن فى البين هذا و لكن ما يقضى به التحقيق هو بناء الامر على اجراء احكام المشتبه المحصور بعد فقد الظن لا مط و ذلك لما يستفاد من بعض الاخبار الصّحيحة من الاعتذار بالظن فى الموضوعات فى الجملة ثم ان لتفصيل الكلام و بسطه فى ذلك مقاما آخر فللعمل به فى الموضوعات معيار فلا يصار اليه حيث ما تحقق فيها و هذا المقام من المقامات التى لا ضير فى المصير

____________

(1) يريد

(2) و غير المحصور

(3) و هذا

(4) هذه القاعدة مضافة الى‏