خزائن الأحكام‏ - ج2

- آغا بن عابد الدربندي المزيد...
408 /
251

ان يقال بكون المكلف به هو الامر النفس الامرى او بكونه الواحد الكلى فعلى الاول ثبت المط لما اشرنا اليه و اما الثانى فالبناء عليه مستلزم للمخالفة القطعيّة اعتقادا و عملا اما الاول فظ لكون المكلف فى الواقع هو الواحد المعين فالاعتقاد بكونه واحدا كليا مخالف للواقع قطع و اما الثانى فهو فيما اتى باحدى الصّلاتين مثلا فى يوم جمعة و بالاخرى فى الاخرى إلّا ان يقال انا لا نقول الا بالتخيير الابتدائى فح يندفع عنه هذا المحذور و يبقى المحذور الاول مضافا الى كون ذلك خلاف الظاهر من التخيير على ان مرجعه الى كون المكلف به هو المجمل الذى يقتضى كونه هو الواحد النفس الأمرى فلا مناص عن الاخذ بالاشتغال و لا مخر الا للاحتياط إلّا ان يدعى انه مستلزم للعسر و لو بعد ملاحظة وجوبه فى الارتباطيات ايضا و لكن ضعف هذا ظاهر اذ هذا انما ينبعث عن كثرة الشبهات فدعوى ذلك دونها خرط القتاد اذ باب العلم اما مفتوح او مسدود فالامر على الاول ظ و كذا على الثانى و ذلك لحجّية الظاهر فكيف بكثرة الشبهات هذا على ان الاحتجاج على البراءة عن الجمع باصالة عدم الدليل و استصحاب عدم الوجوب و دعوى ذهاب المعظم و اطلاق الاجماعات المنقولة و بناء العقلاء و حكم القوة العاقلة و الآيات و الاخبار مما لا يخلو عن عدم الاستقامة اذ الاولان معارضان بالمثل و يزيف الثالث بما مرّ و الرابع بعدم انصرافه الى المقام و كون الخامس و السادس على خلاف ما ذكر بحكم الوجدان و الجواب عن السّابع و الثامن بالقلب اذ الآيات و الاخبار تتمشى بالنّسبة الى الواحد الكلى ايضا على انهما لا بد من تخصيصها بغير المقام اذ العمل بمقتضاها يستلزم نفى الامرين معا و هذا خلاف الاجماع و اما القول بان التقييد اولى من التخصيص و التقييد فيها بالقول بان كل شي‏ء مط على سبيل الاطلاق اعمّ من ان يكون مع البدل او بدونه الا ما نحن بصدده كالظهر مثلا فانه مجوّز تركه ان كان مع البدل فلا يلزم خروج الموضوع عن تحتها راسا بل بعض احواله فمما يندفع بان هاهنا امورا من خصوص صلاة مثلا و صلاة الظهر و المبهم و المجمل و ترك الكل فلا ريب ان الآيات و الاخبار قاضية بنفى الجميع و هذا مخالف للاجماع فلا بد من الحمل على التخصيص و التخصيص اما بالواحد المبهم او المجمل فلو لم يكن الاخير ارجح لما كان الاول ارجح منه فيسقط الاستدلال لعدم حجّية العام المخصّص بالمجمل على ان الاخبار معارضة باخبار الاحتياط فهذه معتضدة بمرجحات كثيرة على ان بعد البناء على التكافؤ يبقى اصل الاشتغال سليما عن المعارض و القول بان التعويل فى المقام على الاخبار العلاجية الآمرة بالتخيير اذا تعارض النصان مدفوع بان انصرافها الى غير ما نحن فيه و ان مورد بعضها دوران الامر بين المحذورين على انها تفيد التخيير الابتدائى و لم يقل به فى المقام احد و حملها على الاستمرارى حتى ينطبق مع المقام مستلزم للاخراج عن الظاهر بلا دليل و للمخالفة القطعية اذا اتى فى كل جمعة مثلا بواحدة منهما هذا بعد الاغضاء عن عدم حصول الظاهر منها باختلافها فى انفسها بالامر فى بعضها بالوقف و فى آخر (1) بالتخيير و فى آخر بالطرح فالاخبار الغير المفيدة للظن ليس بحجة و بعد الغضّ عن ان بعد التكافؤ بينها و بين اخبار الاحتياط ان اصل الاشتغال سليم عن المعارض و الا فالامر اوضح هذا ما سمعناه عنه مشافهة و ما ضبطه مقرر و دروسه فى التقريرات و انت اذا امعنت النظر فيما اشرنا اليه او لا من ان المعظم فى كلا المبحثين من هذا المبحث و مبحث الترجيح و التعادل على التخيير بل لم يعرف القائل بالجمع بالخصوص ممّن يعول على كلامه عرفت عدم استقامة ما ذكره باسره جدا اذ اعظم ما عول عليه فى المقام و جبر به ضعف ساير ادلته و اقام به المعوجات من وجوبهم و زيف‏ (2) الادلة القويمة و الحجج الناهضة على البراءة عن الجمع هو ما زعمه من ذهاب المعظم الى ما اختاره و لعمرك ان هذا من الغفلات الظاهرة و الزلات الواضحة فانه (قدس سرّه) و ان كان طويل الباع وسيع الذراع فى المطالب الاصولية إلّا انه كان قليل المراجعة الى الكتب و مع ذلك لا ازرى عليه بل استجير الى اللّه من الإزراء و الطعن عليه و اسأل اللّه اعلاء درجاته فى جنانه و لكن اقول لن تعدم الحسناء ذا ما و اظن ان ما اوقعه فى هذا الوهم هو نسبة الفاضل القمىّ (ره) الجمع الى المحقق الخوانسارى مع نسبة اليه البراءة فى‏

الارتباطيات فظن (قدس سرّه) ان تمشية الاشتغال و الاحتياط فى هذا المقام اقوى منها فى الارتباطيات و هو (قدس سرّه) قد كان زاعما ايضا ان المش فى الارتباطيات على الاخذ بالاشتغال فاخذ من ذلك نتيجة ما ذكر و لكن كلام الخوانسارى (ره) لا يعطى ذلك كما ستطلع عليه بل هو مختصّ بالمجمل الناشى فيه الاشتباه عن الاشتراك و مثله و بعد تسليم ظهور كلامه فى التعميم لا بد من تخصيصه بما اشرنا اليه لما عليه اطباق من تاخر عنه فى نسبة الجمع فى بحث التعادل إلّا الى القيل على ان اختياره هنا الجمع و فى الارتباطيات الشغل ليس من سبيل على مذهب المش على ان نسبة الشغل الى المش فى الارتباطيات ايضا غفلة كما عرفت ثم انى لا اقتنع بذلك بل اشير الى مواضع الخبط و محاز الغفلة ليتضح المط و لا يختفى على احد فاقول ان ديدن العقلاء و حكم قوة العاقلة على طبق البراءة فانظر الى ما حققه السّيد الصدر (ره) حيث قال فعلى تقدير الجمع يحصل القطع بارتكاب المحرم الواقعى و على تقدير فعل واحد منهما يكون فعل الواجب و ترك المحرّم معا محتملا كما ان عدمهما ايضا محتمل بان لا يكون الماتى به هو الواجب الواقع و لا ريب ان العاقل يختار الثانى على الاول اذ هو مقتضى الحزم فافرض طريقين يقطع بالهلاك و النفع فى احدهما و يحتمل فى الآخر حصول الهلاك مع عدم النفع‏ (3) و انظر الى ما تختار منها و لو

____________

(1) بالاحتياط و فى آخر

(2) لاجله‏

(3) و النجاة مع النفع‏

252

منها و لو تنزلنا عن الترجيح لقلنا بالمساواة على تقدير مساواة ترك الواجب لفعل الحرام و قد عرفت ان الاول اسهل عند العقل و قد ظهر مما قررنا انه لا يجوز التمسّك باحاديث الاحتياط لوجوب الجميع او استحبابه لانه موقوف على كونه احتياطا حتى يكون مندرجا تحت مثل قوله (ع) خذ بالحائطة و غيره و قد اتضح خلافه فت لان المقام من مزال الاقدام انتهى كلامه و هذا الكلام و ان كان مما لا يخلو عن تطرق البحث و الخدشة اليه و مما لا يؤخذ مسالمة باعتبار افادته كراهة الجمع او اولوية تركه إلّا انه مع ذلك مما يصلح لقمع بنيان ما عليه الاستاد النحرير و الشيخ الشريف (قدّس اللّه تربته) و الوجه ظ على ان بعد امعان النظر يمكن دفع الابحاث و الخدشات الواردة على كلام السّيد الصدر كما ستطلع على الكلام المشبع فى ذلك و بالجملة فان طريقة العقلاء و حكم القوة العاقلة و ان فرضا عدم كونهما على خلاف ما قرره فلا اقل من عدم كونهما على وفق ما عليه و اخبار الاحتياط و ان كانت و من المتواترات المعنوية او المحفوفة بالقرائن القطعية الصّدورية غير محتاجة بالنسبة الى قضية الصدور الى قضية الجبر و الانجبار إلّا انه قد علم مرارا انها مما لا يصحّ الاحتجاج بها فى اثبات الحكم الالزامى و قاعدتا الاستصحاب و الاشتغال قد عرفت الكلام فيهما (1) بالنسبة اليهما فى تضاعيف هذا المبحث و كيف كان فالاخبار الدالة على التخيير المؤول اليها ما يعارضها من الاخبار و المنجبر ما فيها بذهاب المعظم بل الاجماع الحدسى كافية فى اثبات البراءة عن الجمع و دعوى عدم انصرافها الى المقام و اختصاصها بصورة دوران الامر بين المحذورين مع تصريح العاملين بها بتعميمها و تمثيل كلهم بالامثلة الكثيرة من الامرين من المجازفات و كذا دعوى عدم افادتها العلم المعتبر فى الاصول على ان الاحتجاج باصالة عدم‏ (2) الوجوب ايضا صحيح و دعوى المعارضة بالمثل مع الوفاق من الكل على لزوم اتيان احدهما عجيبة اذ الهيئة الاجتماعية هنا غير معتبرة لان الامرين المتباينين عند القائل بلزوم اتيانهما واجبان مستقلان و بالتامّل يظهر وجه جواز الاحتجاج بالآيات و اخبار البراءة ايضا و يندفع ما اورد على قضية التقييد فيها فبذلك يتم الامر فى هذا المقام فى بعض الاقسام من حصول الاشتباه من تعارض الاجماعين المنقولين او الشّهرتين او الاجماع المنقول مع الشهرة او احدهما مع النصّ و نحو ذلك مما يفرضان فى درجة واحدة ايضا فخذ الكلام بمجامعه و كن ممّن يمعن النظر فى فهم المطالب و لا تكن امعة كما ورد فى الآثار و الاخبار ففيها اختر من تقتاس به من الحكماء (3) و لا تكن امّعة و فيها ايضا اغد عالما او متعلّما و لا تكن امّعة و الامّعة بكسر الهمزة و تشديد الميم المفتوحة و فتحة العين المهملة على ما ضبطه علماء الادب من يتابع كل احد فى رايه و يقول انا معك‏

المقام الثانى: فى المتباينين الناشى فيهما الاشتباه عن الاشتراك و تعدد المجازات‏

المقام الثانى فى بيان الحال و تحقيق المقال فى المتباينين من الناشئ فيهما الاشتباه عن الاشتراك و تعدد المجازات و نحو ذلك فى نصّ واحد او نصوص متفقة فى تادية المط او امارة واحدة او امارات كذلك فاعلم ان اكثر القائلين بالبراءة فى الارتباطيات و دوران الامر بين الاستقلاليّين من قسم الاقل و الاكثر من تصدى لهذه الامور و لو على سبيل الاشارة و الاجمال قد قالوا بلزوم الجمع فى هذا المقام و منهم السّيد الاجل الكاظمى و قد صرّح بذلك بعض المعاصرين ايضا و عبارة الخوانسارى فى شرح الدّروس ظ فيه حيث قال نعم لو حصل يقين بالتكليف بامر و لم يظهر معنى ذلك الامر بل يكون مترددا بين امور فلا يبعد ح القول بوجوب تلك الامور جميعا ليحصل اليقين بالبراءة و كذا لو قال الامر انّ الامر الفلانى مشروط بكذا و لم يعلم او يظن المراد من كذا فعلى هذا ايضا الظاهر وجوب الاتيان بكل ما يمكن ان يكون كذا حتى يحصل اليقين او الظن بحصوله انتهى و هذه العبارة كما ترى غير ظاهرة الشمول لما تعارض فيه النصان كما توهم ذلك غير واحد و كيف كان فان هذا المقام و ان لم يكن كالمقام السابق و لا مثل ما قبله من عنوان الاخذ بالاقل لسهولة اجراء الاصل فيهما و عدم تحقق عويصة من هذا الوجه فيهما و ليس ايضا مثل عنوان الاقل و الاكثر الارتباطيّين لعدم تمشية ما له هنا الا ان مع ذلك الاذعان بصحة جريانه و الحكم باستقامة حجيته هنا ايضا مما يعطيه غور النظر و دقيق الفكر و عميق الراى فبعد اعطاء الفكر حقه يقضى بان الامر فى افق خافق و باب صافق و ان فقد عنده مما للمقامات المتقدّمة من اتضاح الامر فى المقام السّابق آنفا بحسب اخبار التخيير و غيرها و فى الاقل و الاكثر المتداخلين الاستقلاليّين باعتبار اتضاح كون الشك به فى التكليف فى غاية الاتضاح و ان كان بالنظر الى القسم الذى نشاء الاجمال من الاشتراك و نحوه لتحقق قضية تيقن الارادة فيه و ان لم تيقن كون الاقل هو الموضوع له او المستعمل فيه و فى الارتباطيات بحسب الادلة الكثيرة الدالة على المط و منها استصحاب الصّحة الغير المعقول فى هذا المقام و نحو ذلك و ذلك لامكان ارجاع الشك الى الشك فى التكليف بان يقال ان احد الامرين بعد تحقق الاجمال فى اللّفظ و عدم جواز طرحهما راسا و اختلاف العلماء مما هو متيقن و الزائد على ذلك من لزوم الجمع او تعيين احدهما تكليف زائد فالاصل ينفيه مع ان الثانى مما لا يقول به احد و بهذا اللحاظ يرجع الشك الى الشك فى التكليف فان شئت فقل ان المتيقن بعد ما اشير اليه هو الكلى القابل للانفراد على سبيل التخيير و للمجامعة مع الآخر و بعبارة اخرى الملحوظ الواحد على اللابشرطية فهو كما يتحقق باتيان الامرين كذا يتحقق بدون ذلك بالبناء على التخيير و الزائد على ذلك و اعتباره تكليف زائد فالشك‏

____________

(1) و سيجي‏ء تمام الكلام‏

(2) الدليل و استصحاب عدم‏

(3) و الزم خيرتك من العلماء

253

ليس فى المكلف بل فى نفس التكليف فيتمشى ادلة البراءة من الاخبار و الآيات فعلى هذه الطريقة لا تحتاج الى التقييد فيها لانّ ما حجب علمه هنا هو التعيين و الجمع اذ ذلك هو المنبعث عن تعدد القول فى المسألة و الاجمال فى اللفظ فالتمسّك على الجمع بقاعدة الشغل كالاحتجاج عليه باستصحاب التكليف على النهج المقرر فى الارتباطيات مدفوع بما مرّ هناك و بما اشير اليه هاهنا اذ ليس الشغل اليقينى الا بما قلنا و هذا لا يستلزم المخالفة القطعية لا اعتقادا و لا عملا اما الاول فلان التكليف فى مرحلة الظاهر هو الواحد الكلى فالاعتقاد مطابق الحق لان الامر لم يكن منوطا بما هو فى الواقع بل على ما هو فى مرحلة الظاهر و الا لانتقض ذلك بالف نقض فمن هذا يعلم ان البناء على التخيير الاستمرارى ايضا مما لا ضير فيه كما صرّح بجوازه بعض الاعلام فى بحث تعارض النصّين و الطريق من هذا الوجه فى المقامين واحد على ان الالتزام بالتخيير الاستمرارى ليس بلازم كما عرفت و بالجملة فالمط ناهض الوجوه فيجرى فيه اصالة عدم الدليل و استصحاب عدم الوجوب و اصالة عدم العقاب لان المتيقن منه استحقاق المكلف له اذا ترك الامرين معا فان قلت ان مقتضى اوامر الكتاب بالاطاعة كوضع الالفاظ للامور النفس الامرية مما يقتضى الاتيان بالجميع على ان الترديد اذا كان من جهة الوجه المذكور او لاجل نسيان او عروض امر خارجى او خفاء قرينة و امثالها فلا شك فى ان التكليف كان ثابتا قبل عروض سبب التشكيك فرفعه يحتاج الى دليل و ليس هنا امر يوجب عدم لزوم الامتثال او رفع التكليف المعلوم‏ (1) بالتعيين و لم يدل دليل على الجائه لذلك و لم يوجد ما يصلح التخصيص من لا يعلم التعيين مع علمه بان المكلف به غير خارج عن اثنين او ثلاثة او اكثر اذا كان الجميع معلوما غير مستلزم لحرج‏ (2) او ارتكاب حرام معلوم حرمته اذ ليس هناك ما يتوهم كونه موجبا لذلك الا عدم جواز تاخير البيان عن وقت الحاجة و حكم العقل بقبح التكليف بما لا يعلم و اشتراط التكليف بالفهم و الظواهر الدالة على انه لا تكليف الا بما اوتى به او الا بعد البيان او ما حجب علمه فهو موضوع او فى سعة ما لم يعلموا و امثالها و شي‏ء منها لا يصلح للتخصيص اما الاول فلان دليل عدم جواز التاخير لزوم الاغراء و التكليف بما لا يطاق و شي‏ء منهما لا يجرى هنا اذ المفروض ان المحكوم به مردّد بين امور متعددة معلومة و لا يلزم من الاتيان بالجميع عسر و لا حرج فالتكليف بالمعيّن المردّد بينها لا يوجب عسرا و لا اغراء لانه انما يكون لو لم يكن المحكوم به معلوما بوجه اوامر بشي‏ء و اراد غيره و عدم امكان تحصيل العلم بخصوص المعين غير ضائر بعد امكان تحصيل العلم باتيانه فى ضمن الجميع و عدم امره بالاتيان بالجميع لا يوجب اعزاء و لا تكليفا بما لا يطاق كما انه امر بذى المقدمة و لم يأمر صريحا بمقدمته و اما الثانى فلان التكليف بما لا يعلم انما هو قبيح لو كان المكلف به غير معلوم اصلا و اما مع كونه معلوما بهذا الوجه فلا قبح فيه اصلا و فيه يظهر ما فى الثالث ايضا و اما الرابع فلمنع شمول الظواهر لما نحن فيه اما او لا فلان الظاهر منها عدم التكليف ما لم يعلم التكليف و بدون بيانه لا بيان المكلف به بخصوصه و ليس فى شي‏ء منها دلالة على انتفاء التكليف اذا لم يعلم المكلف به و اما ثانيا فلمنع عدم تحقق البيان و الاتيان و العلم و امثالها فى هذا المقام اذ ليس المراد البيان و العلم من جميع وجوه المكلف به و لو ادعى ارادته منعناها بل المراد على نحو يمكن الامتثال اذ لم يثبت ازيد من ذلك و فيما نحن فيه متحقق و اما ثالثا فلان غير المبيّن و غير المعلوم هنا هو تعيين المكلف به بخصوص انه مكلّف به و هذا غير مكلّف به و ما كلف به و هو واحد معين فى الواقع من هذه الامور ليس بغير معين يعنى ان ما لم يؤت و لم يعلم و حجب علمه و امثالها هو تعيين المكلف به و امّا التكليف باحد الامور فالمفروض انه مما اوتى به و علم قلت ان الكلام و ان اسهب فى هذه السؤال إلّا انه ليس فيه ما يسكت الأوام و يشفى من الغرام و قد (3) مرة فى تضاعيف كلماتنا ما يكون جوابا عن الاحتجاج بآيات لزوم الاطاعة و اتباع اوامر اللّه و عن التمسك‏

بوضع الالفاظ للامور النفس الامرية ايضا ثم ان فقد لزوم تاخير البيان فى البين لا يوجب المصير الى ما ذكر لعدم انحصار دليلنا فيه و ان كان قد يتراءى ذلك من بعض شركائنا فى التحقيق و قد عرفت ما يدل على مطلبنا على ان تحقق لزوم تكليف ما لا يطاق منبعثا عنه عدم جواز تاخير البيان عن وقت الحاجة مما لا يتوقف على تحقق التعذر او التعسر بل انه مما يتحقق مع التمكن من اتيان المشكوك فيه مع عدم لزوم احد من الامرين اذ هو مما ينبعث من ارادة الامتثال بما يريد من دون ان يعلم ما يريد أ لا ترى انا متمكنون من الاتيان بما لم يقع فيه شك ايضا فلو اتجه ما ذكر لاتجه ايجابه ايضا لجواز ان يريد كلما يتمكّن منه و لم يكن فيه عسر و بطلانه فيه و فى الشكوك الابتلائية اوضح من ان يبيّن الا ان يفرض ثبوت عموم دال على لزوم اتيان كل مشكوك فيه حتى تنفى ح قضيّة التكليف بما لا يطاق عن البين و لكن دون اثباته خرط القتاد مع انّ مثل ذلك مما فيه ما ينافى قاعدة اللّطف الواجب و بالجملة فان ادلة السّمع فى عدم جواز التكليف بما لا يطاق و انه لا تكليف الا بعد البيان كافية فى اثبات المط و مغنية عن تجشم الاستدلال بالعقل و دعوى استقلاله فى نفى التكليف بالشي‏ء الا بعد بيان كونه مامورا به بحسب الواقع على ان لزوم العسر دعواه مسموعة سيّما اذا لوحظ تكثر (4) و وقوع ذلك فى كثير من العبادات و غيرها و انضم الى هذا المقام ما فى وتيرته من المجمل العرضى المصداقى و نحو ذلك و

____________

(1) الا عدم العلم‏

(2) او عسر

(3) من غير

(4) موارده‏

254

ذلك و انفتاح باب الظن لا يدفع الضّيم كما لا يخفى على الخبير و الحاصل ان المط ظاهر و ان اغمضنا عن استقلال العقل فى عدم جواز التكليف الا بعد البيان بالنسبة الى المامور به الواقعى و قلنا ان استقلاله فى ان التكليف فرع العلم بلزوم الاقدام و لو من باب الاحتياط و ان مجرّد الجهل بالحكم الواقعى غير مانع من التكليف و ذلك ان مجرّد تجويز العقل ذلك لا يستلزم وجوب الاحتياط و قضية لزوم دفع الضرر المحتمل كقضيّة وجوب المقدّمة مما من قضايا العقل مما لا يصغى اليه فى المقام لعدم تحقق الصغرى فى المقام و ذلك بملاحظة ان الامر لم ينط بالامور الواقعية من حيث هى بل مما ظنه المكلف امورا واقعية و بعبارة اخرى انه منوط بما فى مرحلة الظاهر و ذلك لا ينافى ما عليه اهل التحقيق من تبعية الاحكام للمصلحة الكامنة فى الاشياء لما عرفت مرارا و عرفت الفرق بين اوامر اللّه تعالى و بين اوامر العبيد فلزوم الاحتياط فى الثانية عند العقلاء على فرض تحققه لا يستلزم لزومه فى الادلة و بالتامل فيما ذكرنا يظهر الجواب عن ساير (1) المقامات باسرها ايضا مع ان هذا السّائل لا يقول بالاحتياط فيها إلّا ان يقال ان هذه الفقرات انما بالنسبة الى الموانع عن لزوم الجمع لا المقتضى و اعجب فقرات هذا السؤال الفقرة الاخيرة منه فدفعه ظ مما مر فلا احتياج الى الاطالة و عقد الباب و جملة الامر ان الامر مما قد اتضح خصوصا اذا انضم اليه استصحاب حال العقل و اصل العدم و اصالة عدم الدليل فى بعض صور هذا المقام مما يتوفر شرطه و يكثر دواعيه لانه اذا كان تلك الامور حجة بلا خلاف فى ذلك تم الامر فى غيره بعدم القول بالفصل و دعوى عدم جريانها فى المقام غير مسموعة لما عرفت و قد يسدّ القول بالجمع بان هنا امرين احدهما التكليف بواحد معين عند اللّه من تلك الامور و الآخر التكليف الاصلى بكل واحد معين عند المكلف و الاول مما علم فيجب الحكم به و لم يعلم الثانى فثبت التكليف و اشتغال الذمة ثم محل التكليف لا يتعين بخصوصه لاستلزامه التحكيم اذ الاحتمالات من كونه واحدا معينا و واحدا لا بعينه و الامرين معا متساوية فلا شك ان مدلول اللفظ او الثابت بالإجماع او المعلوم او لا قبل عروض الموجب للاشتباه لم يكن التخيير و لا وجوب الكل و الاصل عدمهما بل ليس المراد الا واحدا معينا و لم يعرض ما اوجب عدم كونه حكما لنا الا ابهامه و هو غير موجب لدفع كونه حكما اذ الاتيان بالجميع ممكن فيسرى الحكم من الوجوب او الاستحباب اليه من باب المقدّمة العلمية و توهّم انه كيف يجب الكل او يستحبّ مع ارادة الواحد فاسد كيف لا و قد يجب من الامر بالشي‏ء امور كثيرة كقطع مسافة بعيدة و تحصيل آلات كثيرة فلا ضير فى وجوب ذلك سيّما مع ان استحباب الكل مط لاجل أدلّة الاحتياط ثابت ثم ان هذا التحصيل غير لازمه فى الحرام و المكروه بل اللازم فيهما عدم العلم بارتكابهما بعد الفحص الممكن فاذا قال الشارع لا تصل مثلا فلا يجب عليك الا عدم العلم بايقاع الصّلاة و هذا يحصل فى المردّد بترك واحد من هذه الامور هذا و انت خبير بان هذا تكرار من الكلام مع عدم تضمّنه فائدة قابل تدافعا ما كما لا يخفى على الخبير على ان ما فيه من المقدّمات المذكورة لا تعطى نتيجة لزوم الجمع اذا قضى ما فيها عدم المنع عنه و اين هذا من تحقق المقتضى له و كم من فرق بين ما دفع به الاستبعاد فى وجوب اشياء بوجوب شي‏ء واحد و بين ما نحن فيه اذ الواجب الواقعى هناك معلوم بخلاف ما نحن فيه على ان بعد تسليم ان ما فيه مما يعطى لزوم الجمع كما يعطى عدم المانع عنه نقول انّ ما حققنا مما يدفعه جدا ثم لا يخفى انّ ما فيه لو تم لجرى فى‏ (2) المتغايرين و لا يابى عن ذلك وجود قدر المشترك بين الاقل و الاكثر المندفع به قضية الاولوية و التحكم كما لا يخفى على الفطن ثم ان ما حققنا انما هو بعد الاغضاء عما عليه البعض فى المسألة من حرمة الجمع و ما عليه السيد الصدر من كراهة او اولوية تركه كما هو الظّاهر من كلامه كما عرفت و ستعرف تمام الكلام فيه و الا فالامر اوضح و اسهل ثم ان شئت فقل انه يمكن التقرير فيما نحن فيه على نهج ما فى الاقل و الاكثر المتداخلين فيجرى ما فيه بعينه فيه و ان شئت ان‏

تقول ان الحكم بالتخيير فى المتغايرين الذين تعارض فيهما النصان انما كان لاجل عدم جواز الطرح للقطع بالحكم فى البين و هو مع قطع النظر عن النصّين كان مما لم يثبت فيكونان بمنزلة افعل هذا او هذا و لو بالنظر الى مرحلة الظاهر فليكن المجمل فى ذلك بمثابتهما فلك هذا ايضا اذ القول بثبوته اولا مع قطع النّظر عن النصّ المتضمّن المجمل مما لا يسع اذ هو مع ذلك متساوقان فكل ما يجرى فيه يجرى فى النصّين المتعارضين من هذا الوجه و كذا بالعكس فالفرق‏ (3) ثم ان ما حققنا كما يجرى فى الواجب كل يجرى فى المستحب و المكروه و الحرام الا ان الاخيرين خارجان عن المقام و لا فرق فى ذلك كله بين المجتهد و بين المقلد له و لكن الفرق من وجه آخر كما عرفت و بين المعاصر للمعصوم (ع) ايضا كما اشرنا الى انّ ذلك هو مقتضى عموم الادلة و ما ظفرنا الى الآن بوجه الفرق بين الاول و الآخرين و ان ادعاه البعض فى مواضع عديدة فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل فان المقام من مزال الاقدام‏

تنبيهات:

ثم ان استشمام المرام ببيان تنبيهات فى هذا العنوان‏

الاول: فى الاشارة إلى بعض ما يترتّب على القول بالجمع‏

التنبيه الاوّل‏ فى الاشارة الى بعض ما يترتّب على القول بالجمع فاعلم ان تارك احد المتغايرين يستحق العقاب على هذا القول و ان لم ينكشف كون المتروك هو المكلّف به الواقعى فيثمر فى الخروج بذلك عن العدالة و نحو ذلك و ذلك لظ الاخبار الناهية عن نقض اليقين إلّا بيقين و التقريب واضح و لاخبار الاحتياط بناء على تماميتها فى اثبات الحكم الالزامى و لما قرر فى محلّه من ان تارك ذى المقدّمة كان حقيقيا

____________

(1) فقرات ذلك السؤال ايضا على انها لو تمت هنا لاتجهت فى ساير

(2) المتداخلين مثل جريانه‏

(3) تحكم‏

255

او حكميا مستحق للعقاب و لكن لا يخفى عليك ان كل واحد منهما مما يقبل الاجارة و تعلق النذور و يجرى ايضا بالنسبة اليه الاهميّة و غير الاهميّة اذا تزاحمت العبادات و الحقوق و لا ترتب بينهما و يجوز التخلل بينهما بعبادة و غيرها ما لم يتضايق الوقت ثم ان القول بالاحتياط انما يتم فى بعض الصور و هو ما كان فيه اتيان الامرين ممكنا مع بقاء الامكان الى آخر الوقت المقدر او مع عدم بقاءه بان كان فى اول الوقت المقدر ممكنا فمضى مدّة امكان اتيانهما فيها ثم طرأ او عرض عدمه فى احدهما و اما اذا لم يكن كل بل كان مما قد طرأ عدم الامكان بالنسبة الى احدهما فى اوّل الامر و بدو الحال فلا يجب ح شي‏ء حتى الفرد الممكن لرجوع الشك ح الى التكليف لاحتمال كون المكلف به الواحد المجمل عندنا المعيّن فى نفس الامر و كان الفرد الغير المتمكن منه هو ذلك فلا تكليف فى الواقع لعدم القدرة على المكلف به و بعبارة اخرى يحتمل كونه الكلى و بزوال التمكن من احدهما يتعين الآخر كما يحتمل ان يكون احدهما المجمل المحتمل و بزوال التمكن من احدهما لا يكون المكلّف مكلفا بشي‏ء نظرا الى كون المكلف به الواقعى هو الفرد الغير المتمكن منه فعلى التقديرين يكون الشك فى سنخ التكليف هذا هو الذى يستفاد من بعض القائلين بلزوم الجمع و لكن الاكثر منهم ما فصّلوا هذا التفصيل و التحقيق ان هذا هو ما يتجلى فى جلى النظر و ما يقضى به دقيق النظر عدم الفرق فى ذلك بمعنى انه لا يسقط التكليف من اصله فى الصورة المذكورة لانهما فى مرحلة الظاهر و لو بملاحظة اخبار الاحتياط و نحوها من الواجبات الاستقلالية فلا يسقط بعدم التمكن من احدهما على النهج المذكور الآخر المتمكن منه و ليست المقدمية هناك من قبيل المقدّمية فى المقدمات التوصّلية المحضة حتى يكون لما ذكر تمشية فى الجملة و هذا بعد البناء على عدم تحقق الاجماع المركّب فى البين و الا فالامر اوضح نعم يمكن ان يقال بالفرق بين البناء على المختار و البناء على لزوم الجمع و التكرار و الاتيان بجميع المحتملات فى بعض الصور و هو اذا دار الامرين الامرين المتغايرين او امور مختلفة متغايرة كل او تعين المتعلق لكن طرأ الاجمال و دار بين امور كل اذا لم يتمكن من تخصيص اليقين بالفراغ لاجل عدم انحصار الوجوه المحتملة او لاستلزامه العسر و الحرج اذ الاقتصار على البعض ح غير مجد لان هذا يصير ذلك بمنزلة الجهل باصل التكليف فيكون المكلف به ح من قبيل التكليف بغير المقدور و الاتيان بما يحتمل كونه الواجب لا يوجب تفريغ الذمة فيجرى اصالة البراءة فت‏

الثانى: فى الإشارة إلى الفرق بين الأحكام التكليفية و بعض الوضعيات و غيره فى ذلك‏

التنبيه الثانى‏ فى الاشارة الى الفرق بين الاحكام التكليفية و بعض الوضعيات و غيره فى ذلك فاعلم ان الاقوال المذكورة فى المسألة و الادلة المزبورة فيها انما تتمشى فى العبادات و التوصليات و العقود و الايقاعات مما يتضمّن وجها من العبادات كجملة من العقود و الايقاعات من ذوات الوجهين وجهى العبادة و المعاملة فانّ مخر هذا العنوان فى باب اصل البراءة انما هو ما ذكر و اما الوضعيات الصّرفة و المعاملات المحضة كالسّياسات و المواريث فهى ليس من مخار هذا العنوان مط سواء كان الاشتباه فيها ناشيا من تعارض النصّين او مثل الاشتراك و تعدد المجازات فى امارة واحدة اذ عدم تمشية الوجوه الدالة على البراءة او الشغل فيها الا باعتبار بعض اللوازم البعيدة و الاعراض الغريبة فى بعض منها اوضح من ان يبيّن فالذى يدخل فى عنوان من العناوين ما يجرى عليه ادلته و وجوهه بملاحظة نفسه لا باعتبار اللوازم البعيدة و الآثار الغريبة على ان امثال ذلك مما لا ينضبط بضابط لاختلاف الوجوه باعتبار اختلاف الاعتبارات و اللوازم و كونها فى موارد الاصول الواردة على كلا الامرين من البراءة و الشغل كقاعدة الاستصحاب و فى محاذ القواعد المحكمة عليهما استحكام الثانويات على الاوليات فتلك الامور من السّياسات و الخصومات و الدعاوى و المواريث مما لا يراعى فيه هذا العنوان بل قد يجرى فى بعضها القرعة و لا يتم الامر فى بعضها الا بالمصالحة نحو ذلك كما لا يخفى على المتتبع المتصفح صناعة الفقه هذا و اما ما يقع فى غير ما ذكر من النّصوص الواردة فى ثواب الزيارات و الادعية و ساير المبرات و الخيرات و ما ورد فى الفضائل و المدائح و ما يشبه ذلك مما لا يجب على المكلف اعتقاد الخصوصية فيه فمما يمكن ان يوضع على صقع مخرجه من غير تصرف فيه كما يمكن الاخذ بالمتباينين باعتبار ملاحظة الاختلاف باعتبار المراتب و الاحوال و الصعوبة و السّهولة و المكلفين و نحو ذلك و كما يمكن الحمل فى بعض المقامات على التخيير و كل ذلك مما لا ضير فيه كما لا لزوم لاعتباره ثم ان الاجمال فى امثال ما ذكر كما يكون بما ذكر من الاشتراك و تعدّد المجاز كذا يكون بالحمل و من ذلك القبيل ما وقع من خواتيم كتاب الحج فى باب النوادر عن محمد بن يحيى بن جعفر العطار عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل عن الحسين بن مسلم عن ابى الحسن الاول (ع) قال يوم الاضحى يوم الصوم و يوم عاشورا يوم الفطر الحديث و ذلك اما يحمل الحمل على الظاهر فيكون المراد منه بيان الحال لاوقات ان غمت الاهلة فيها او على المبالغة و سبيل التجوز فيكون المراد منه الإشارة الى انه اذا تم نصاب الالتذاذ بالعبادات و لا سيّما الصّلاة التى هى معراج المؤمن و الصوم الذى جزاء العارف به لقاء الواحد الحق فلا بد ان لا يعد لاجل ذلك اول الشوال يوم عيد بل يحسب عند العارف يوم ما تم لمضى شهر الرّحمة فقد بان ايضا مضى الفقرة الاولى فيكون المراد منها ان اول شهر رمضان هو الحقوق عند المؤمن و التحقيق فى طريقة خلوص الايمان بان يعدّ يوم العيد و هو يوم الاضحى هذا و بالجملة فمصبّ قاعدة البراءة و مخر قاعدة الشغل فى المتغايرين الناشئ فيهما الاشتباه من اى‏

256

من اىّ شي‏ء كان ليس الا ما اشرنا اليه اولا و انما اشرنا الى الخارج عنه مع خروجه عن العنوان او الصّناعة لتشحيذ الاذهان و استصفاء البصائر

الثالث: فى بيان حال الجمع بعد البناء على المختار

التنبيه الثالث‏ فى بيان حال الجمع بعد البناء على المختار بمعنى انه هل يتّصف بالاستحباب ام لا فاعلم انك قد عرفت انه ثالث الاقوال فى المسألة هو حرمة الجمع كما حكاه السّيد الصدر ناسبا الى القيل و متوجها لوجهه من انه تشريع محرمة اذ لا قائل بانهما يجبان معا و لم يدل دليل شرعى على جوازه فضلا عن وجوبه او استحبابه هذا و قدر (ره) السّيد الاجل بقوله و الجواب عنه هو ان التشريع عبارة عن ادخال ما علم انه ليس من الدين او شك انه من الدين فى الدّين و الاول كان يتخذ المكلف سبيلا مغايرا لسبيل صاحب الشّرع و يتعبّد اللّه به و الثانى كالافتاء بان هذا حكم اللّه تعالى مع انه لا يدرى هل هو كل فى الواقع ام لا و من الظاهر انّ من قطع بوجوب شي‏ء من طريق الشرع عليه و بذل جهده فى تحصيل الامتثال بان ياتى بكل ما يمكن ان يكون مطلوبا منه فاتفق الجمع بين فردين او ازيد مع احتمال ان يكون كل واحد منهما هو المطلوب من غير ان يكون نفس الجمع مقصودا له يتعبّد اللّه به لا يصدق على فعله التشريع بالمعنى الذى سبق و ان فسّر بغير ما ذكر فلا بدّ من بيان حرمته نعم لو قصد الجمع و التعبد به فلا بد ان يكون عند المكلف مامورا به و لو على سبيل الاحتمال من الافراد المشكوك فيها لنوع من العبادة معلوم من الشرع و الذى يتراءى هو كون الجمع مورد الاحتياط فيكون مندرجا تحت ما يدل عليه و انت بعد التامل فيما قلنا لا يخفى عليك وجه التامل فى كونه كل فت انتهى و انت خبير بان كلامه هذا مما يتطرق اليه المناقشة لانّ بينه و بين ما قرره او لا و بنى عليه الامر من طريقة العقلاء و البرهان العقلى الاعتبارى تدافعا ما بل تدافعا صريحا فان ما افاده اولا كان اقل ما يستفاد منه كراهة الجمع او اولوية تركه بل بعد امعان النظر فيه و لو بملاحظة مقدّمة غير مذكورة فى كلامه من ان العبادة مشروطة بالرجحان كان المال الى التشريع و الحرمة اللهم الا ان يلاحظ تعدد الجهات و الحيثيات بالخصوصيّة و العموميّة و انت خبير بان كلامه مما يابى عن ذلك ايضا و بالجملة فان اضطراب كلامه و تمجمج مرامه مما لا يخفى على ذى فطنة و درية و ذيل كلامه احق شاهد على ذلك و مع ذلك فالمتراءى منه باخذ مجامع صدر كلامه و ذيله و الحكم باولوية الترك بل لا يبعد دعوى فهم تصديقه بالنسبة الى القيل من كلامه و كيف كان فان امر الجمع مما قد صعب على بعض من تاخر عنه ايضا ممن اختار البراءة فى المقام فاقتفى اثره فى الجواب المذكور اخذا فى ذيل مرامه نتيجة و الاصل جوازه و مستدركا فيه بقوله و لكنه يحتاج الى اثبات رجحان ذلك فان العبادة مشروطة به و مثبتا اياه بما يثبت صغراه بقوله تعالى‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ و كبراه بقوله (ص) دع ما يربيك الى ما لا يريبك و ما يؤدى مؤدّاه و مؤيّدا ذلك بل مسدّدا اياه بفعل الصّلحاء و العلماء من اعادة عباداتهم اجد زيادة معرفتهم بمسائل العبادات و مستحكما ذلك بما ذكره الشهيد (ره) من جواز اعادة الصّلوات و الاحتجاج عليه بفعل اعاظم العلماء و الصّلحاء و وصاياهم بذلك بعد الوفاة و جملة من الآيات و الاخبار و بان الاحتياط المشروع فى الصّلاة من هذا القبيل فان غايته التجويز و لذا قال الصادق (ع) و ان كان صلّى اربعا كان هاتان نافلة و مستختما كلامه بقوله و لكن ما ذكره الشهيد (ره) مع ما تحقق فى محله من المسامحة فى ادلة السّنن الثابتة بالاجماع و الاخبار المعتبرة يكفى فى جواز هذا الاحتياط و استحبابه هذا و انت خبير بان استطراق المناقشات اليه فى منار اذ كون الجمع فيما نحن فيه من الحسنات اول الكلام خصوصا اذا لوحظ ما قرره السّيد الصدر (ره) من البرهان العقلى و لا سيّما اذا انضمّ اليه ما نسبه الى القيل و الفرق بين ما نحن فيه و بين ما عليه السّيرة فعلا و وصيّته مما يمكن ان يدعى انه غير خفى اذ الاحتياط (1) فى المجملات العرضية المصداقية و بعبارة اخرى ان الاعادة او الوصيّة بها لاجل الشك بل الوهم فى اتيان الشي‏ء المعلوم كونه عبادة واجبة على ما كلف به عليه بزيادة المعرفة و الاستبصار مما بينه و بين ما نحن فيه مغايرة تامة فالسّيرة على ذلك لا على ما نحن فيه و لهذا لم يعهد من احد الوصيّة بجميع ما كان‏

الحكم فيه التخيير كالظهر و الجمعة خصوصا مما قد حكم البعض فيه بالحرمة و البعض بالكراهة فالفرق بين ما نحن فيه و بين ما ذكر من وجوه فالاحتجاج بجملة من الآيات و الاخبار التى اشار اليها الشهيد (ره) غير مستقيم و ان قلنا ان له تمشية فيما ساقه الشهيد من قضية اعادة الصّلاة و الوصيّة بها و الاحتجاج او التاييد بالاحتياط المشروع فى الصّلاة اعجب و اعجب منه التاييد بالخبر المذكور و الوجه على المتامل غير خفى و قضيّة التسامح بعد ملاحظة ما قررنا معارضة بالمثل بل لا مخر لها اصلا نعم الجمع فى التّوصليات و ما ضاهاها مما لا ضير فيه جدّا و بالجملة فالحكم بالجمع و لو ندبا فيما نحن فيه اذا كان من قسم العبادة مشكل إلّا ان يقوم الاجماع عليه و دون اثباته خرط القتاد كما عرفت و يؤيد ما ذكرنا بعد ما تقدم ما وقع عن البعض حيث قال فان قلت لم جعل الشارع حكم المتحير التخيير و لم يجعله الترك لمجموع الفعلين مع ان فيه افرادا عن تبعات المرتكب المحرم قلت على تقدير ان يكون فى ترك الواجب الواقعى و ان لم يكن واجبا علينا تبعة اخروية لا ريب فى تحققها مع ترك مجموع الفعلين و اما فعل احدهما فكما يحتمل اشتماله على التبعة اذا كان محرما فى الواقع يحتمل ان يكون خاليا عنها كما اذا كان هو الواجب فى الواقع فالراجح هو فعل احدهما عند العقل و لهذا جعل حكم المتحير التخيير على ان فى استلزام فعل كل واجب و ترك كل محرّم للمنفعة دنيوية كانت او اخرويّة و كذا ترك الاول ففعل الثانى للتبعة كذلك مع عدم العلم او الظن بالوجوب و

____________

(1) فى ذلك مثل الاحتياط

257

الحرمة تاملا لان العقل اذا لاحظ كلا منهما من حيث انه يترتب عليه شي‏ء يجده قسمين بحسب الاحتمال العقلى احدهما ما يترتب عليه نفع او ضرر دنيوى او ثواب او تبعة اخرويّة سواء علم الوجوب و الحرمة ام لا و الثانى ما يترتب عليه شي‏ء مع العلم بهما و تحقق كلا القسمين فى الخارج هو الظاهر القريب فانا (1) فرقا ظاهرا بين من يعرف اللّه و يوحّده و ان لم يكن عالما بوجوبهما لا عقلا و لا نقلا و من يرمى الجمرة مع الجهل بوجوبه و كذا بين من يترك الاول و بين من يترك الثانى و الحاصل ان تاثير البعض فى النفوس مع العلم او الجهل بالوجوب و الحرمة و عدم تاثير البعض مع الجهل كانه امر ظاهر فاذا تحقق هذا الاختلاف فى هذه النشاة فمن القريب تحققه فى النشاة الآخرة فح يمكن ان يكون المحرّم فى جميع ما هو من قبيل صلاة الجمعة و الظهر و القصر و الاتمام الذى لم يرخص الشارع فى تركه مط من هذا القسم الذى لا تبعة فى ارتكابه مع الجهل و التردد و فى حرمته هذا و انت خبير بان ما فيه و ان كان مشتملا على ما يقبل المناقشة الا ان ما فيه سؤالا و جوابا مما يعطى الاحتراز عن الجمع و لا اقل من اولوية تركه كما يعطى عدم الفرق فى ذلك بين ما تعارض فيه نصان و بين غيره ثم انا لم نشر فى هذا العنوان الى امور كثيرة مما لم يتعلّق بما تعارض فيه النصان لان ذكر غير ما قدمنا مما هو الصق و انسب بباب التعادل و التراجيح‏

خزينة: فى دوران الأمر بين المتباينين فى الشبهات الموضوعية

خزينة فى بيان الحال و كيفية المقال فى دوران الامر بين المتباينين المتغايرين من الشبهات الموضوعيّة اى المجملات العرضية المصداقية من النفسيّات و الغيريات فمن الاول الفائتة المقطوع فوتها و الدائرة بين ان يكون ظهرا او مغربا مثلا و من الثانية اشتباه القبلة

الاقوال فى المسألة

فاعلم ان البعض قد صرّح بلزوم الاحتياط بالجمع و التكرار فى كلا القسمين بعد حصره الاحتمالات المتصورة فى الخمسة من طرح الامرين و الرجوع الى اصل البراءة نظرا الى انصراف الالفاظ الى الامور المعلومة بالتفصيل و من القرعة نظرا الى اخبارها و من التخيير و من الجمع على النهج المقتضى لوحدة العقاب و من الجمع على النهج المقتضى لتعدّده نظرا الى الوجوه التى يشار اليها و بعد تزييفه و ابطاله الكل الا الاخير فالاول بالاجماع و بان الانصراف الى المعلوم بالمعنى الأعم و الثانى بضعف المستند و فساد الاحتجاج به و الثالث بانه اما ان يكون منبعثا عن عدم تحقق المقتضى للاحتياط او وجود المانع عنه فلا سبيل الى الاول لان المقتضى من التبادر العرفى من مثل اقض ما فات و استقبل الى القبلة و بناء العقلاء و اخبار الاحتياط مما لا ينبغى ان ينكر و لا سبيل الى الثانى ايضا لان المانع عنه ليس الا الاخبار و الآيات الدالة على نفى التكليف عند عدم العلم فالاحتجاج بها يورد النقض و سؤال التخصيص بالمجمل و المعارضة باخبار الاحتياط و الرابع بانه اما منبعث عن عدم المقتضى او وجود المانع لا سبيل الى الاول لما قرر و بين فى مقدمة الواجب و للاخبار الدالة على حجية الاستصحاب و لزوم الاحتياط و كذا الى الثانى لعدم تحقق مانع فى البين فمن يدعيه فعليه البيان فحيث ما ثبت فساد الاربعة تعين الاخير و هو المط فاذا ثبت المط فى النفسيات ثبت فى الغيريات بالاولويّة القطعية على انه لا مانع عن ذلك اصلا لان الدليل على اشتراط الاستقبال مثلا بناء على فرض الانصراف الى المعلوم بالتفصيل انما يدل على الاشتراط فى صورة كون الجهة معلومة بالتفصيل لا على عدم الاشتراط فى صورة عدم العلم بها فيكون الاشتراط فيها مشكوكا فيه فالاصل يقتضيه بناء على ان الاصل فى مقام الشك فى الشرطية و الجزئية هو اصالة الشغل فثبت لزوم تكرار الصّلاة لاجل المقدّمة و الاشتغال و الاستصحاب هذا خلاصة مرامه و لا يخفى عليك ان المقام لم يعنون على وجه الاستقلال بحيث يستوفى فيه الكلام فى كلام احد فاقضى ما ذكر فيه هو الذى نقلناه عن ذلك البعض نعم ان لبعض الافاضل عنوانا لا ينبغى ترك نقله لا اتصاف ما فيه بما نحن فيه قال اذا علم اشتغال ذمته بشي‏ء من الاعمال و لم يشخّصه كما اذا انذر شيئا من الأعمال او الاموال يميزه او علم انه قد اشتغلت ذمته بعبادة ابتداء و لم يميزها و لم يكن لها جامع فان دار بين محصور يمكن الاحاطة به من غير عسر لزم الاتيان بالجميع و ان تعذرت او تعسرت ارتفع الوجوب و انحل نذره و شبهه و ينكشف عدم انحلاله بظهور حاله هذا اذا كان من مختلف الجنس و اما فى متحده بين قليله و كثيره فيجزى الاقتصار على المتيقن فى غير المنصوص على خلافه و استصحاب الجنس لا وجه له و الفرق بين الجزء و الجزئى واضح و الاحوط فيه مراعات يقين الفراغ بعد يقين الشغل و لو تعددت العبادات و اختلفت هيئاتها بقص و اتمام او اجتماع عبادات مختلفة الذوات و الهيئات كالفرائض اليوميّة و الآيات اتى من الامرين بما يحصل به الاطمينان فى الاتيان ثم اذا حاول الاحتياط استحبابا لتحصيل الاطمينان فى الاتيان بالواجب و اراد المحافظة على نية الوجه نوى الواجب قربة الى اللّه و اختلاف نية الوجه فى الغاية و التقييد لا مانع منه انتهى فاذا كنت على خبر من ذلك فاملى عليك ما ينتفع به المتولعون اولو اكباد ظامية و ادماغ حامية و ذووا مهج من اللّوعة فى وامية من مبتغى استكشاط الفواشى عن مطالب الصّناعة الى ان يحصل البغية المبتغاة و الامنية المتوخاة و يذعن اولو القسوط الوافية و الطسوق الكافية من هذا الفنّ بان الفضل لمن دقق النظر و لطف التدبر فتبصر لا لمن يخلو عن ذلك و ان اشتهر فالاول اولى لان تبسّم‏ (2) الصناعة و عامر بلدة الفن و حامل لوائهما و عامل روائهما لا الثانى و ان كان من قروم الدهر و ابناء سلطان الزمن و ان طنج فى الصّناعة و نضجها و لم شعث الفن و اتقانه مما لا يحصل عند ذى تتبع عريض و تدبر وميض‏

____________

(1) نجد

(2) بان مجدة

258

وميض عزيز المراجعات كثير المباحثات قد راجع و روجع و ناظر و نوظر دهرا صالحا و امدا طويلا فللّه در من دابه الانصاف و تخلية نفسه عن التعصب و الاعتساف‏

فى بيان الاقسام فى المسألة

فاقول مستغنيا من اللّه و لائذا برحمته و جوده ان ذلك اما فى العبادات او غيرها فهذا فى العبادات مما له تقاسيم كثيرة و اقسام وفيرة فكما اذن بكون دائرا بين امرين كذا يكون بين امور محصورة عرفا و غير محصورة مستلزمة العسر بحسب الجمع او غير مستلزمة اياه مما يندرج تحت نوع خاصّ من متفقة الذوات و الهيئات كفرائض الصّلاة و نوافلها و من المختلفات فى تلك الفرائض و الآيات او غير ذلك مما لا يجمعها الا اسم العبادة كالصّلاة و الصوم و الاعتكاف ثم انها اما دائرة بين اصناف ما من عبادة بدنية خاصّة او من عبادة (1) جامعة لهما او بين الكل او بين الاثنين منها و بتقسيم آخر اما ان يتمحض الامن لدورانه بين المتغايرين و المتغايرات أو لا بان يكون من وجه داخلا فى هذا العنوان و من وجه آخر او وجهين داخلا فى عنوان الاقل و الاكثر و بتقسيم آخر اما ان يكون الكل مما وقته باق او وقته فورى إلّا انه بهذا اللحاظ يخرج عن العنوان او البعض من الاول و البعض الآخر من الثانى و بتقسيم آخر ان المالية اما انها مما يتعلق بالذمم او بالاعيان و على الثانى اما ان يبقى الامر على هذه الحالة بان لا يتطرق التلف فى الجملة او بالكلية على الاعيان او يتطرق التلف اليها بالكلية و بتقسيم آخر اما ان يكون محل الصرف دائرا بين الامرين او الشخصين او الامور و الاشخاص محصورة عرفا او غير محصورة و بتقسيم آخر ان الامر اذا كان دائرا بين امرين و بين امرين آخرين او بين امور و بين امور أخر فاما ان يكون الحال فى الجملة معلومة بان يعلم مقدر التقسيط من كونه على السّوية او غيرها او لا يعلم ذلك اصلا ثم اعلم ان غير العبادات اما من التوصّليات المحضة بمعنى ان لا يكون من قبيل الحقوق من حقوق اللّه او حقوق الناس او من حقوق اللّه و حقوق الناس معا او ليس كل و الثانى من هذا اما من قبيل الاعيان و الاموال او الحقوق الصّرفة فعلى هذا اما ان يكون المشكوك فيه من الاعيان و الاموال او الحقوق للناس الدائر بين الامور كالمستحق له الدائر بين الاشخاص قليلا محصورا بحسب العرف او لا واحدهما قليلا و الآخر بالعكس و على كل حال اما ان يلاحظ فى ذلك ضمّ قضية الاقل و الاكثر او لا و بامعان النظر فيما قررنا يظهر التشقيقات العديدة و الصور المتصورة فى حقوق اللّه المحضة و حقوقه تعالى مع حقوق الناس معا ثم التقسيم الآخر انّ ما على المكلف من حقوق الناس اما مما هو موجب للقصاص او الدية و على الاول قد يكون الدوران و الشك بالنسبة الى من له القصاص و قد يكون بالنظر الى دوران الامر بين الاعضاء بعضها مع بعض و قد يكون بالنظر الى دورانه بين النفس و بعض الاعضاء و قد يكون ذلك بالنسبة الى الامرين ممّن له القصاص و من الاعضاء و النفس و يزيد الصور بملاحظة كون من له القصاص قليلا محصورا و غير محصور و ملاحظة دوران الامر بين القصاص و الدّية و ملاحظة قضية الاقل و الاكثر فى بعض تلك الصور و بتقسيم آخر ان المكلف اما متمكن من المصالحة فى تلك الصور او بعضها او لا و بتقسيم آخر ان الحقوق اما هى مما تنتقل الى الورثة او لا و بتقسيم آخر انّ حقوق اللّه اما هى مما يوجب الحدّ او التعزير او لا و بتقسيم آخر ان ذلك قد يكون فى الطلاق و الظهار و المكاتبة و التدبير و نحو ذلك و بتقسيم آخر جامع للكل من العبادات و غيرها هو انه اما ان يكون الشك من الشكوك الطارية بمعنى ان يزيد على الشك الابتدائى الشك الطارى الحادث بعد تذكر ما كان عليه و تيقّنه فى البين مرة او مرّتين و هكذا او لا و على الاول فاما ان يكون عدم تفريغ الذمة و الخروج عن العهدة ان التذكر و حين التيقن لعلة و عذر من الاعذار الشّرعية ام بسوء الاختيار و التفريط من المكلف هذا و قد يزيد التقاسيم و الاقسام على ما ذكر باعتبار اعتبارات و ملاحظة وجوه فاذا كنت على اصغاء مما تلونا عليك بامعان النظر الدقيق و تجوال الفكر مرة بعد مرة فاعلم انّ الاحتمالات فى ذلك المقام كثيرة منها التعيين بالقرعة و منها البناء على البراءة و منها تحصيل اليقين بتفريغ الذمة و الخروج عن العهدة مط الا ان يستلزم ذلك التعذر او التعسر و فى ذلك اما القرعة او التخيير او البراءة او ما

ياتى اليه الاشارة و منها التفصيل فى ذلك بين الشكوك الابتدائية و الشكوك الطارية على المعنى المتقدم فتحصيل اليقين فى الثانية الا ان يستلزم التعذر او التعسّر دون الاولى فح يحتمل الاحتمالات المشار اليها من القرعة و البناء على البراءة و ما ياتى ذكره و منها الاكتفاء بالظنّ مط من غير تفصيل بين التقاسيم و الاقسام المذكورة ان تحقق الظن و تمكن المكلف من تحصيله و الا فيجرى الاحتمالات المتقدّمة و منها التفصيل بين حقوق الناس و حقوق اللّه بتحصيل اليقين بالفراغ فى الاولى دون الثانية الا ان يستلزم ذلك التعذر او التعسّر فيجرى فيها كالثانية الاحتمالات المتقدّمة و قد يزيد الاقسام و التقاسيم فى ذلك على ما ذكر باعتبار ملاحظة بعض الوجوه و الاحتمالات بحيث يكاد ان يخرج الاقسام عن الحدّ و الاحصاء الا ان الاهم صرف الهمة عن ذلك الى بيان حقيقة الحال و كيفية المقال لان المقام مما لم يتعرّض له فحول الرّجال و من تعرّض لشي‏ء قليل من صور المقام لم يات بشي‏ء قليل من صور المقام لم يات بشي‏ء يسكت الأوام و يشف العزام فاعلم ان القسم الاول اى ما هو من العبادات البدنية مما هو محصور غير متعذر و لا متعسّر اتيان جميع المحتملات فيه و ان كان يتجلى فيه فى بادى النظر لزوم الاحتياط بالاتيان بالكل و التكرار من غير فرق فى ذلك بين متفقة الذوات و الهيئات و بين غيرها و لا بين النفسيات‏

____________

(1) ماليّة خاصّة او من عبادة

259

و بين الغيريات و لا بين الواجبات الاصلية و بين العرضية كالواجب بالنذر و نحوه نظرا الى ما اشرنا اليه ناقلا عن البعض فى صدر العنوان و الى الادلة الحاكمة بلزوم الوفاء بالنذور على النهج المقرر فى قضية اقض ما فات و استقبل القبلة الا ان ما يعطيه دقيق النّظر هو التخيير المدلول عليه بادلة اصل البراءة لمدخولية الاستدلال بالامور المستدلّ بها على الجمع و التكرار و سلامة ادلة التخيير بعد ذلك عن المعارض و وجه ذلك لا يخفى على من امعن النظر فى كلماتنا فى المقامات السالفة و لا يخفى عليك ان هذا الحكم يجرى فى المحصورة من العبادات المالية ايضا فهى كالبدنية فى الابتناء على القولين سواء هذا و يمكن التفصيل فى ذلك بين الصور التى يحصل الظن فيها و بين غيرها نظرا الى ان المرء متعبّد بظنه و انه حجة فى الموضوعات فت و اما غير المحصور من جميع تلك الاقسام من العبادات فمقتضى التحقيق فيه هو البراءة عن الكل و بعبارة اخرى سقوط التكليف من راسه لعدم الدليل على التخيير ح لفقد ما فى السّابق فيه من تحقق الاتفاق على عدم جواز الطرح بالكلية نعم يجرى قضية التفصيل لو فرض التعويل عليها هاهنا ايضا و اما احتمال التفصيل هاهنا و فى السّابق بين الشكوك الطارية و بين غيرها او بين ان يكون التفويت و النسيان بسوء اختيار المكلف و بين غيره فمما لا يساعد بشي‏ء نعم يمكن ان يقال ان المالية سواء كان عدم الحصر فيها بحسب المتعلق او بحسب المصرف لا بد من المصالحة اورد المظالم و نحو ذلك فقد اتضح مما ذكر الامر فى التوصّليات المحضة ايضا فلا شي‏ء فيها اصلا هذا و اما حقوق اللّه تعالى مط سواء كانت مما يوجب الحدّ او التعزير (1) فلا يجب فيها شي‏ء الا الاستغفار و التوبة و هل يوجب مثل ذلك التعزير اذا أقرّ بذلك عند الحاكم على سبيل الترديد ام لا الظاهر لا اللهم إلّا ان يكون ما ترد و فيه بجميع اقسامه و احتمالاته مما يوجب التعزير او الحد ان فرض ان هذا الحد المعيّن مما يقتضيه كل من الاسباب المرددة فيه و اما اذا فرض ان هذه الاسباب مثلا مما يقتضى هذا النوع من الحدّ لكنه على تقدير هذا السّبب يقتضى الاقل منه و على تقدير ذلك السّبب يقتضى الاكثر ففيه اشكال حتى على تقدير ابتناء الامر على الاقلّ حين دوران الامر بين الاقل و الاكثر بل لا يستبعد ان يقال ان ما ذكر فى الاستثناء ايضا مما لا يوجب التعزير و لا الحدّ إلّا انه بعيد فت ثم لا يخفى عليك انه لا فرق فى ذلك النوع بين اقسامه المتصورة بملاحظة و غيره و ملاحظة الشك الابتدائى و الطارى و ملاحظة حصول الظن و عدمه و الوجه فى الكل ظاهر ثم ان حقوق الناس مط سواء كانت مما ينتقل الى الورثة ام لا يجرى فيها ايضا ما ذكرنا حتى العمل بالظن بل هو فيها اولى و لكن طرق الاستدلال يتفاوت بالنظر الى الشقوق و الاقسام المتصورة فلا بد من دقة النظر حتى يجرى على منواله الكلام و يعمل على وفقه المرام و يزاد فى مثل الاعيان و الاموال فى الاستدلال على الاحتياط و تفريع الذمة فيها مثل على اليد ما اخذته حتى تؤديه الى اهله و من اتلف شيئا ضمنه لكن ضعف الاستدلال بذلك مما لا يخفى و كيف كان فان ذلك النوع ايضا مما علم حاله بجميع اقسامه لجريان ما تقدم فيه كل بحسب مقامه الا ان الاحتياط و تفريغ الذمة مهما امكن مما ينبغى ان لا يترك فيه سيّما اذا كان الامر دائرا بين امور محصورة مط سواء كان بحسب المتعلق او بحسب المستحق له و المصرف هذا و اما ما يجئ فيه قضية القصاص مط سواء كان لاجل الاشتباه بين القصاص و الدية بحسب الموجب و السّبب او لاجل الاشتباه بين الاعضاء بعضها مع البعض او غير ذلك فلا يجوز فيه القصاص اصلا بل لا بد فيه من تفريغ الذمة بالمصالحة و نحو ذلك هذا اجمال ما يقتضيه القواعد فى ذلك‏ (2) فيعمل بها إلّا ان يثبت فى بعض الموارد الدليل الوارد عليها من الاجماع و نحوه فمن التامل فيما حقق يظهر عدم استقامة كلام من نقلنا كلامه فى صدر العنوان خصوصا عدم استقامة اطلاقه و ارساله فكما لا يخلو ذلك عن مدخولية و عدم استقامته فكذا لا يخلو عن الوهن و الضّعف كلام بعض الافاضل الذى نقلناه ايضا فنكتفى بما اشرنا اليه فلا نسهب الكلام فان الفطن ياخذ بمجامع الكلمات و يستنبط غير المذكور من المذكور و لا يخفى عليه‏

شي‏ء سيما اذا اخذ مجامع الكلام فى المشتبه المحصور و غير المحصور من المصداقيات فى التحريمية فان ما فى هذه المسألة نظير لما فى تلك المسألة فالمتدرب الفطن يقدر ان يجرى فنون المباحثات و ضروب المقالات المتقدّمة فى تلك المسألة بوضع كل بحث و دليل و تسديد و تزييف و نقض و اعتراض فى محله من هذه المسألة فكم من قسم من اقسام هذه المسألة يمكن التشبث فيه للقول بالاحتياط بثلثين وجها من وجوه الاحتياط و ادلته البالغة الى خمسين و قد يزاد فى البعض على ذلك كما ينقص عنه فى البعض و هكذا بل يمكن ان يقال ان جملة من الاقسام و التقسيمات فى هذه المسألة مما يمكن ادراجه فى تلك المسألة فيتمشى للقول بالاحتياط فى هذه الاقسام الوجوه البالغة الى خمسين على ما ذكر الوجوه المذكورة للبراءة و الفروع المزبورة لها فى تلك المسألة فخذ بمجامع الكلام فت‏

تذنيب: فى بيان الأمر فيما يقع الشك فى المكلّف كما فى و إحدى المنى فى الثوب المشترك‏

تذنيب‏ اعلم ان ما ذكر فى هذا العنوان انما كان فيما يقع الشك فيه بحسب المكلّف به فلا بدّ من بيان الامر و حقيقة الحال فيما يقع الشك فى المكلف ايضا و ذلك كما فى واجدى المنى فى الثوب المشترك فمقتضى الحقّ و التحقيق فيه ايضا البراءة عن الغسل و ذلك لان المكلف اما متطهر فى الزمان السّابق على زمان الفعل المشكوك سببيته للغسل او محدث فيه فيجرى فى الاول استصحاب الطهارة كما يجرى فى الثانى اصول عديدة الاول استصحاب وجوب الوضوء و ذلك بتقريب انّ‏

____________

(1) او غيرهما

(2) العنوان‏

260

ان تكليف هذا المكلف ما كان قبل ايقاع الفعل المشكوك سببيّته للغسل الا الوضوء فيستصحب بقائه حين الشك فى بقائه و ارتفاعه و الحاصل ان الكلام فى هذه الصورة انما فى المحدث بالحدث الاصغر و من ضرورة ان الغسل واجب على المحدث بالحدث الاكبر و ان لم يصدر منه الفعل المشكوك سببيّته للغسل فبعد الصدور ايضا لا يجب عليه الا غسل واحد بناء على التداخل فى الاغسال و الثانى استصحاب كفاية الوضوء و الثالث ايضا استصحاب عدم وجوب الغسل و الرابع استصحاب عدم كفايته و الخامس استصحاب الحالة السابقة الغير المقتضية للغسل و التقريب فى الكل واضح و بالجملة فالمط واضح غير محتاج الى تجشم الاستدلال بامور أخر و انضمامها الى هذه الادلة من استصحاب عدم التكليف بالغسل و اصالة عدم حدوث سبب الغسل و اصالة عدم الجناية مع ان الاستدلال بها مما فى غير مخره لان الاول مما يرد عليه ان الشك واقع فى المكلف به دون التكليف للقطع بثبوته بالنسبة الى احد الامرين من الغسل و الوضوء فاجراء الاصل بالنسبة الى احدهما دون الآخر تحكم و من هنا يظهر وجه عدم استقامة الاستدلال بالاخيرين ايضا ثم لا يخفى عليك انه لا فرق فيما ذكر بين الرجلين و بين الامرأتين و بين الامرأة و الرّجل و الاختصاص فى الاخير بالاخير مما لا يساعده الا بعض الوجوه الغير التامة و حكم الزائد على الاثنين كحكمهما إلّا انّه يثمر بالنسبة الى بعض الأمور ثمرة ما هذا كله فيما يمكن و تحمل ما ذكر فى شأن كل منهما و اما اذا اختصّ باحدهما فهل يدخل فى العنوان ام فيه اشكال و الحق الاختصاص باحدهما ان لم يحتمل كون المنى فى نوبة الآخر من انسان غير الشركاء ثم اذا كان احدهما مما يمكن فى شانه ذلك لكنه بالشأنية التهيّئية كالمراهق اشكل الامر و الحق دخوله فى العنوان ثم المقصود من الشركة هنا المعنى الاعمّ فيدخل الماذونان و المستجيران و المستعيران و نحوهما فى المبحث ثم انّ صور المسألة و شقوقها كثيرة من كون وقت احدهما مساويا لوقت الآخر و هكذا و بالجملة فان الامر يدور مدار الاحتمال ثم لا يخفى عليك انّ ما ذكر يتمشّى بالنسبة الى الحيض و النفاس و الاستحاضة ايضا فيكون الكاف فى قولهم كواجدى المنى فى الثوب المشترك الكاف التمثيلية لا الاستقصائية فخذ الكلام بمجامعه فت ايضا فان قلت ان هاهنا امورا تعين المصير الى القول بلزوم الغسل فهى استصحاب الامر بالصّلاة و استصحاب الامر بالطهارة و اصل الاشتغال بالنسبة الى الصّلاة و اصل الاشتغال بالنسبة الى الطهارة و التقريب فى الاوّلين بانه لو بنى الامر على اتيان الوضوء و الغسل معا لكان التكليف مرتفعا لا قطعا بخلاف ما لو بنى الامر على اتيان الوضوء فقط كما ان التقريب فى الاخيرين بانه لا شك فى اشتغال الذمة بالصّلاة و ان الاشتغال اليقينى يقتضى البراءة اليقينية و هى لا تحصل الا باتيانها بالوضوء و الغسل معا و خامس الامور اصالة بقاء الحالة السّابقة المانعة من الدخول فى الصّلاة و تقريبه واضح كوضوح تقريب الاستدلال بسادس الامور من استصحاب المنع من الدخول فى الصّلاة و وضوح الفرق بينه و بين الخامس بالحكمية و الموضوعية و القول بانهما انما يتمان فى صورة واحدة و هى صورة كون المكلف قبل ايقاع الفعل المشكوك سببيته للغسل محدثا اذ مقتضى الاصل فى صورة كونه متطهر قبل هذا الايقاع هو عدم لزوم الغسل و السّر واضح مع ان المقصود فى العنوان تسوية الحكم فى الصورتين مدفوع بان بعد ما ثبت الامر فى إحداهما يتم فى الاخرى بالاجماع المركب و قلب الاجماع المركب و ان كان مما له مساغ فى بادى النظر إلّا انه مما لا يسوغ بعد امعان النظر لكون الاول مثبتا و اشتهار تقديم المثبت على النّافى هذا ان تحقق الاجماع المركب فى المسألة و الا فالامر فى غاية الاتضاح فيعمل فى كل من الصّورتين بما يقتضيه الاصل فلا ضير و لا غائلة فى ذلك قلت ان هذه الاصول الستة بعد الاغضاء عن ان المقام ليس من محاز جملة منها لا تكافى لمعارضة ما تقدّم من تلك الاصول فان فيها ما تقدّم على هذه الاصول تقدم المنجز على المعلق و الوارد على المورود و المزيل على المزال فلولا فى المقام الا استصحاب الطهارة لكفى فى اثبات المرام و تقديم الاجماع المركب المثبت على النافى مما لم يساعده شي‏ء و لو فرض هذا فانما هو فى صورة تساوى دليلى الشطرين من الاجماعين المركّبين و ليس الحال فى المقام كل كما لا يخفى على من له درية و روية لا يقال لا يعوّل على الاستصحابات الدالة على‏

عدم لزوم الغسل اذا قوى ادلة حجية الاستصحاب انما هو طريقة العقلاء و الاخبار المستفيضة و طريقة العقلاء فى المقام و امثاله على الاحتياط فلا ينصرف الاخبار إلّا الى ما استقرّ عليه بناء العقلاء فيبقى الاصول المقتضية لوجوب الغسل سليمة عن المعارض لانا نقول ان الدعوى الاولى غير مسموعة فبناء العقلاء فى المقام و امثاله على البراءة و الشواهد العرفية على ذلك غير عزيزة على ان بعد الغض و الاغضاء عن ذلك نقول ان دعوى الانصراف فى الاخبار (1) الاستصحاب العمومات فى غاية الكثرة هذا بعد الاغماض عن ان دلالة اخبار الاستصحاب من حيث الصراحة و النّصوصية اذ قد ورد اكثرها فى استصحاب الطهارة و الا فالامر اوضح و بالجملة فان حجّيته بناء العقلاء تعليقية لا تنجزية فالاخبار كافية فى اثبات حجّية فلا ضير و لا غائلة فمن هنا يندفع ايراد ان قطعيّة اعتبار الاستصحاب من باب تراكم الظنون السّبب على حصول القطع فيه هو بناء العقلاء فاذا لم يتحقق هو لم يتحقق القطع بالاعتبار هذا على انه يمكن ان يقال انه اذا ثبت قطعية اعتبار الاستصحاب من باب تراكم الظنون فيما عليه بناء العقلاء يثبت فى غيره بالاجماع المركب فت و ستعرف الكلام المشبع فى ذلك فى محله إن شاء الله اللّه تعالى‏

تنبيه: فى جمع و إحدى المنى فى الثوب المشترك بين الوضوء و الغسل‏

تنبيه‏ اعلم انّ جواز الجمع بين الوضوء و الغسل هنا مما لا يمكن اشكال فيه ظاهر الا لان الاحتياط لا يحصل إلّا به لمكان ايقاع الاحداث‏

____________

(1) انما يتمشى فى المطلقات لا العمومات و فى اخبار

261

الموجبة للوضوء بعد الغسل فالاخذ بالاوثق الاحوط ليس إلّا به بل لعدم الدليل على حرمة الجمع هنا لعدم انصراف ادلة حرمته الى مثله مضافا الى عدم ظهور الخلاف فيه ثم اعلم ان للمسألة فروعا كثيرة من انه هل يجوز اقتداء احد هذين المكلفين بالآخر ام لا و من انه هل يجوز لبثهما معا فى المساجد او دخولهما فى المسجدين مط او فى غير صورة كون احدهما حاملا و الآخر محمولا ام لا و نحو ذلك من الفروع الكثيرة و لا يخفى حكمها على من امعن النظر فى المقام و ما قدمنا فى المقامات السّالفة و كذا حكم التعويل على الظنون الحاصلة من القرائن و نحو ذلك و عدمه فلا حاجة الى اسهاب الكلام و اطالته ثم ان من امثلة المقام مما يكون حاله كحال المثال المذكور لكون الشك فى المكلف دون المكلف به حال رجل و امرأة فيما اوقب الرّجل الخنثى المشكل و اوقب الخنثى الامرأة فيجب الغسل على الخنثى و الوجه ظاهر دون الرّجل و الامرأة لما قدمنا من المدرك و لهذا اشتهر فى الالسنة اذا دخل الرّجل بالخنثى و الخنثى بالانثى وجب الغسل على الخنثى دون الرّجل و الانثى‏

خزينة: فى دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر مع كون منشأ الاشتباه فى المصداق‏

خزينة فى بيان الحال و كيفية المقال فيما دار الامر بين الاقل و الاكثر مع كون الدوران منبعثا عن اشتباه المصداق فهذا القسم من المجمل العرضى المصداقى و انّ مما ينقسم فى بادى النظر الى قسمين من الارتباطى و الاستقلالى كما فى الحكميات الا ان هذا التقسيم هنا تقد يرى فرضى لا تحقيقى لعدم تحقق مثال و مصداق للقسم الارتباطى منه فعدم تعرضنا للارتباطى من ذلك بجعله فى عنوان مستقبل انما لاجل ذلك كما ان عدم تعرضنا لما لم يسبق بالعلم الاجمالى لوضوح الامر فيه غاية الاتضاح و عدم تحقق نزاع من منازع فيه فان الحكم بنفى الوجوب فيه من البديهيّات الدينية فافهم و كيف كان فمقتضى التحقيق فى المقام هو الحكم بلزوم الاخذ بالاقل و البراءة عن الزائد لادلة البراءة المتقدمة مستوفاة فى مبحث الحكمى الارتباطى مما يجرى فى المقام من غير استصحاب الصّحة و نحوه و ذلك من الأوليات و الاخبار و البرهان العقلى الاعتبارى و قضيته ان شان الشارع ليس بيان حال الموضوعات فلا يصحّ التمسّك فى المقام بالآيات و الاخبار مما لا يصغى اليه قطعا لان بيان حال الموضوعات على النهج الكلى من شان الشارع جدا و بالجملة فان الاستدلال بها فى المقام على المط اوضح من الاستدلال بها عليه فى المقامات السّابقة لعدم تطرق خدشة و ايراد الى الاستدلال بها هاهنا حتى فى بادى النظر بخلاف المقامات السالفة او بعضها فكما انّ هذا واضح فى المقام فى غاية الايضاح فكذا الجواب عما كان يستدل به على الشغل و الاحتياط من قاعدتى الشغل‏ (1) و بناء العقلاء و اخبار الاحتياط و تبادر المسميات النفس الأمريّة من الالفاظ فلا نعيد الكلام فى ذلك اصلا الا فى الجواب عن الاخير فنزيد الكلام فيه على ما سبق و نقول ان خطاب اقض ما فات فى العبادات و خطاب ادّ دينك فى المعاملات مما هو ظاهر فى معنى انه يجب عليك قضاء ما علمت تفصيلا و تادية ما علمت تفصيلا فلا يصحّ الاستدلال بهذين الخطابين على لزوم اتيان الاكثر جدا فلو فرض عدم ظهورهما فى ذلك فلا اقل من ظهورهما فى معنى انه يجب عليك قضاء ما علمت انه فات و تادية ما علمت انك مديون به سواء كان بالعلم التفصيلى او الاجمالى فلا يشمل الخطاب لما نحن فيه مما لم يعلم فوته بالعلم الاجمالى و ان علم الفوت فى الجملة و يشمل لما علم فوته بالعلم الاجمالى كالفائتة المردّدة بين الخمس مثلا و اما حمل هذين الخطابين على انه معنى يجب عليك قضاء الفائتة النفس الامرية و اداء الدين النفس الامرى مط حتى يشمل المقام فيخرج عنهما صورة الشك و صورة عدم التفات من باب التقييد او على معنى انه يجب عليك قضاء الفائتة النفس الامرية و اداء الدّين النفس الامرى ان كنت عالما بالفوت فى الجملة فيشملا المقام لتحقق العلم فيه فى الجملة و يخرج عنهما ما فيه الشك من قبيل الشكوك السنخية و البدوية فمن المحامل البعيدة و بالجملة فان الظاهر من الخطاب هو احد الاولين و على فرض التساوى و تحقق الاجمال يرجع الامر الى البراءة ايضا لان ثبوت التكليف بحسب احد الاولين على سبيل اللابشرطية متيقن فالزائد مشكوك فيه فليس مقتضى الاصل الا البراءة و القول بانه لا مناص بعد رفع اليد عن المعنيين الاولين عن العمل بالاحتياط نظرا الى دوران الامر بين كون المطلق متواطئا و كونه مشككا و كون مقتضى الاصل ح هو التواطى فيشمل الخطاب لما نحن فيه ايضا مما يمكن ان يدفع بان اعتبار الاصل و حجيته فى باب الالفاظ انما لاجل الوصف و افادته الظن لا لاجل كونه من قبيل الاسباب لفقد الدليل عليه فالظ فى المقام غير حاصل و كيف كان فان ما صرنا اليه من القول بالبراءة فى هذا المقام مط هو ما يقتضيه التحقيق و مذهب كلّ من اعتبر قاعدة الاخذ بالاقل عند دوران الامر بينه و بين الاكثر لانّ المقام من اوضح محازها و اظهر مجازيها و اما ساير الاحتمالات المتصورة فى المقام من التزام الاحتياط بالاتيان حتى يحصل الظاهر بالبراءة كما ينسب هذا فى كلام البعض الى المشهور و من التزام الاحتياط باتيان ما يتيقن به البراءة من غير كفاية الظاهر بها كما مذهب جمع من حزب الاخبارية و الاصولية و المتراءى من كلمات بعض الاخباريّين ان هذا ما عليه حزب الاخباريين و من جواز الرجوع هو الى اصل البراءة ما لم يحصل الظن بالاشتغال و من التفصيل بين الشك الطارى و البدوى بالحكم بلزوم الاحتياط فى الاول دون الثانى كما ينسب الى بعض من قاربنا عصره فمما لا يساعد شي‏ء منه بدليل معتبر و ان‏

كان الكل من كل من تلك وجه و مبنى فى بادى النظر و التفاصيل المذكورة مبنية على حجية الظن فى الموضوعات الصّرفة كما فى غير الاخير و على زعم جريان الاستصحاب كما فى الاخير فاندفاع الاوّل‏

____________

(1) و الاستصحاب‏

262

الاول واضح خصوصا اذا لوحظ تظافر ادلة البراءة من غير تطرق خدشة اليها فى المقام و كذا الثانى لان اجراء الاستصحاب موقوف على تحقق المستصحب فليس على انّ هذا التفصيل مخالف لما عليه سيرة العقلاء فيكشف ذلك عن عدم جواز التعويل عليه و ان تصور جريانه و بالجملة فانه لا يصار الى احد من تلك الاحتمالات التى يحتمل الاخير منها احتمالات اربعة من التزام الاحتياط فى الشك الطارى ما لم يحصل القطع بالبراءة و جواز الرّجوع الى البراءة ما لم يحصل القطع بالاشتغال و من التزام الاحتياط فى الاول حتّى يحصل الظن بالبراءة و جواز الرّجوع الى البراءة فى الثانى ما لم يحصل الظن بالاشتغال و من التزام الاحتياط فى الاول بالطريق الاول و الرّجوع الى البراءة فى الثانى بالطريق الثانى و من عكس هذا و لا الى احتمال القرعة على ان كثيرا منها مما لم يذهب اليه ذاهب ثم لا يخفى عليك انه لا فرق مما حققنا بين الديون و نحوها و بين الصّلوات الفوائت و نحوها فلا باس بايراد ما يتعلق بالمقام من كلمات بعض الاعلام فاعلم ان بعض اجلاء فضلاء السادات قال المعروف بين الاصحاب هو الاخذ بالاقل فى غير التكاليف كالديون و نحوها تمسكا باصل البراءة و انما يعرف الاحتياط بالاكثر فى التكاليف كان يشك فى ان الفوائت عشر و عشرون و نحن نطالبهم بالفرق و انما نوجب الاحتياط حيث يعلم القدر المطلوب و يقع الشك فى الاداء فذلك الشغل اليقينى الذى يستدعى البراءة اليقينيّة و قد خرج بعض اصحاب للفرق وجها و هو ان ما شك فيه من الفوائت يرجع الى الشك فى الاداء و ذلك ان مقدار التكاليف كالصّلاة و الصيام معلوم عند المكلف بالفعل او بحيث يمكن استعلامه فمن شك فيما فاته من صلاة او صيام بعد بلوغه سنة مثلا كان ما كلف به منهما معلوما لديه و شكه فيما فاته منهما شك فى مقدار ما ادّى‏ (1) و المثال المطابق الدين المضروب بنحو ما فيفوته البعض و يشك فى مقدار ما فات او ليس ذلك شكا فيما ادى و يؤخذ بالاصل و لا يحتسب الا المعلوم و هذا بخلاف ما شك فى ثبوته عليه من الدين فان الاصل براءة الذمة منه الا ما علم اشتغالها به و كل التكليف اذا كان بهذه المثابة كان يشك فى فوائت من صلاة الزلزلة او الكسوف و هو لا يعلم كم مجموع ما وجب و كل النذور من صلاة او صيام او قراءة او حج او عمره او صدقة او نسك او غير ذلك حيث لا يعلم ما نذر فان الاصل فى ذلك كله البراءة و لا يكلف الا بما تطمئن به النفس و الذى يؤيد هذا و يدل على ان القوم ما ياخذون الا بالاقل و يتعلّقون فى نفى الزائد باصل البراءة و لا يعرفون التعلق بحديث الشغل اليقينى فى اثبات الزيادة المشكوك فيها و يدل على ذلك عدهم الاخذ بالاقل فى الادلة انتهى اقول ان ما اختاره هذا السيّد الفاضل من عدم الفرق بين الدّيون و بين الفوائت من الصّلوات مما فى محله و الوجه المخرّج الذى نقله عن البعض فى وجه الفرق مما عدم استقامته بيّن نعم ان بعض المعاصرين قد اختار القول بلزوم الاحتياط فى الشك فى عدد الفوائت لاجل الدّليل الوارد على قاعدة البراءة بعد اختياره القول بالبراءة من حيث كونها مقتضى القاعدة فى المقام و ذلك لامرين من اصالة عدم الاتيان و استصحاب الامر و التقريب فى الاول و ترتيب القياس المنتج للاخذ بالاكثر ظاهر و احتمال منع كلية الكبرى نظرا الى ان الظاهر من قوله اقض ما فات ليس الا وجوب قضاء الفائتة المعلوم كونها فائتة باليقين مدفوع بعدم تمشيته بعد القول بحجية الاصول فلا شك فى ترتب الآثار ح عليها و اما التقريب فى الاستصحاب فبان الامر بالصّلاة ثابت فى مواقيتها و الشك فى الفوت و عدمه مرجعه الى الشك فى البقاء و الارتفاع فمقتضى الاصل هو الاول و القول بان المقام ليس من مجارى الاستصحاب لعدم تحقق المستصحب اذ الاصل الاولى مقتضاه عدم الامر و عدم المطلوبية سنخا و القدر الثابت من قوله صل من الزوال الى الغروب مثلا ليس الا مطلوبية الماهية المقيدة فلا وجه للاستصحاب إلّا ان يثبت التعدد المطلوبى و لم يثبت مردود بان الامر الدال على وجوب القضاء دال على مطلوبية الماهية المطلقة و كاشف عنها و الا لزم تجدد الراى و هو مما لا يصحّ فى حق العالم بالعواقب على ان الامثلة العرفية و الشواهد العقلائية مما يحد و الى ذلك و ان الامر الدال على وجوب قضاء الفائتة دال على اتصاف الماهية

المطلقة بصفة محسنة فى نفس الامر و هى مقتضية لتعلق الامر الالزامى بها و لو لا الامر كل لزم تبدل الصفة و الاصل عدمه فيجرى الاستصحاب جدا ثم ان مقتضى الامرين و ان كان لزوم الاحتياط فى الشك البدوى السنخى ايضا بان يشك المكلف فى فوت الصّلاة و عدمه من غير حصول العلم بالفوت و لو بالعلم الاجمالى الا انا لا نقول به فيه لانعقاد الاجماع على عدم اعتبار هذا القسم من الشك فلا ضير و لا باس بما ذكر فى المقام هذا فهذا كما ترى غاية ما ينتصر للفرق و انت خبير بان هذا و ان كان مما يتجلى فى جلى النظر إلّا انه بعد امعان النظر و دقيق الالتفات مما هو مدخول و ذلك لان عدّ المحققين الاخذ بالاقل عند دوران الامر بينه و بين الاكثر من عداد الادلة كاشف عن عدم اعتنائهم بما يقابله من بعض الاصول الاولية كالاصلين المذكورين فلا باس بتقديم هذا القسم من اصل البراءة على الاصلين المذكورين و ان كانا مما يقدم على ساير الاقسام منه و القول بان ما ذكر لا يدل على عدم كون عمل المحققين الآخذين بذيل قاعدة الاخذ بالاقل على الاحتياط اذ من السائغ ان يكون محط نظرهم فى تقنين القاعدة الى دوران الامر و وقوع التعارض بينها و بين قاعدة الشغل مع قطع النظر عن ساير الاصول المتحققة فى بعض الموارد و المقامات مدفوع بانه هذا انما يتمشى لو كان منهم الى‏

____________

(1) كمن علم انّ لزيد عليه مائة و أدّى اليه منها او شك فى مقدار ما ادى‏

263

هذا اشارتهم‏ (1) اليه مع كون الفوائت من اعظم الموارد و اهمها بل تمثيل جمع منهم فى بناء الامر على الاقلّ بها كاشف عن حقية ما قلنا على انه يمكن ان يقال ان اصالة عدم الاتيان معارضة بظاهر حال المسلم فليكن المقام مما يقدّم الظاهر فيه على الاصل و ان تطرق الخدشة الى الاستصحاب المبنى جريانه على كون المطلوب بالامر الموقت الماهية المطلقة نظرا الى انه لو لا كل لزم تجدد الراى و تبدل الصّفة النفس الامرية المقتضية لتعلق الامر الالزامى بالماهية اذا ورد اقض ما فات مما هو فى منار كما لا يخفى وجهه على الفطن فان قلت ان فى المقام استصحاب الصحة الوارد على الاصلين و ذلك اذا دخل فى الصّلاة الحاضرة ثم ذكر انه لم يقض ما وقع الشك فيه من الفوائت فاذا ثم الامر فى هذه الصورة ثم فى غيرها بالاجماع المركب فالمصير الى الاحتياط مما لا وجه له و ان قطع النظر عما ذكر قلت الامر كما ذكر انه مبنى على المضايقة و اقتضاء الامر بالشي‏ء النهى عن ضده على ان فيه كلاما آخر و لهذا عرضنا عن التمسّك به فت و الحاصل انه لا فرق فيما حققنا بين الديون و نحوها و بين الفوائت و نحوها فالبناء فى الكل على البراءة لما سمعت و هى قد تعتضد فى بعض الموارد بامور كما فى صورة ان يكون الشك فيها من الشك فى وحدة الحادث او تعدده و ذلك كما لو حصل للمكلف القطع بانه استقرض من زيد خمسة دنانير فى اول شهر و حصل له الشك فى استقراضه منه بدينار آخر فى وسطه فاعتضدت البراءة هنا باصالة العدم من وجهين ثم اعلم ان بعض القائلين بالفرق بين الديون و الفوائت قد قال ان من جملة الموارد التى يحكم فيها بلزوم الاحتياط لا من باب القاعدة بل لاجل وجود المرجح ورود الوارد صوم اليوم الذى وقع الشك فى كونه من آخر الرمضان او اول الشوال و ذلك لبناء كل اهل العرف فى امثاله على الاحتياط كما يتجلى تعلقه فى امر المولى عبده بسكنى دار فى مدة شهر معين اذا وقع الشك فى اليوم الاخير منه و يمكن ان يكون ذلك مستندا الى اصالة عدم دخول الشهر الذى يليه و الاستصحاب الوجودى و ان كان غير معقول جريانه فيما هو من اجزاء الزمان نظرا الى عدم تعقل تحقق المستصحب بالنسبة اليها الا ان الاستصحاب الاعتبارى العدمى فيه معقول و سائغ جريانه و توهم ان الاستصحاب لا يجرى فيه و فى نظائره من الليل و النهار و نحو ذلك من الامور الغير القادة الذوات و الاجزاء لرجوع الشك ح الى الشك فى الحادث مردود بان الشك فى الكل فى حدوث الحادث المقطوع حدوثه فبعد ملاحظة كون اجزاء الزمان تدريجية الحصول ساغ اجراء اصالة تاخر الحادث فالمرجع فى الكل الى الشك فى الحدوث فيجرى الاستصحاب جدّا هذا و لا يخفى ان بين المثال الشرعى و العرفى فرقا بينا اذ لا يحتمل الحرمة فى الثانى بخلاف الاول فانّ الامر فيه دائر بين الوجوب و الحرمة فمع دوران الامر بينهما لا يسلم اتفاق كل اهل العرف على لزوم الاتيان هذا و مع ذلك فمقتضى الانصاف هو لزوم الاتيان فى المثال الشرعى و ليس هو من قبيل الفوائت اذ الاستصحاب فيه مما له تمشية جدّا سالما عما اوردنا عليه فى قضية الفوائت و نحوه بالجملة فان سلامة هذا الاستصحاب عن تطرق الخدشة اليه كسلامة الاستصحاب فيما كان الاتيان فى الزمان المقرر مقطوعا و وقع الشك فى كونه على الوجه المقرر شرعا عن ذلك مما لا خفاء فيه فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل‏

خزينة: فى دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة

خزينة فى بيان الحال و تحقيق المقال فيما دار الامر بين الوجوب و الحرمة اعلم ان هذا المبحث و ان كان مما له مدخلية بجملة من مباحث الاصول فلا باس فى ذكره فى طيها خصوصا فى مبحث تعادل الاخبار و مبحث النهى الا ان انسب المواضع لتفصيل الكلام و تهذيب المرام فيه لاجله انما هذا الموضع من مباحث اصل البراءة و لهذا ذكره فى طيها جمع من فحول القوم و الكلام فى ذلك يقع فى مرحلتين الاولى فى المرادية و الثانية فى المصداقية فلنشرع فى الاولى و نقول ان الاشتباه اما ناش عن تعارض النصوص و اما عن غيرها من ساير الادلة كالاجماعات المنقولة و الشهرات المحققة او المحكية مما هى فى درجة واحدة اذ الكلام فى صورة التساوى و لا يخفى عليك ان بعض ما تقدم فى بعض المقامات السابقة من انبعاث الشك من اشتمال نص واحد على لفظ محتمل المعانى حقيقية او مجازية متساوية بعد تعذر الحقيقة لا يجرى هنا لانه مما قد كاد ان لا يوجد له مصداق بالنّسبة اليه بل لم يوجد جدّا و كيف كان فنقدم الكلام فى تعادل النصوص ثم نشير الى ما فى غيره و قد عرفت فى بعض المقامات السّابقة ان الاقوال فى تعادل الخبرين ثلاثة القول بالتخيير قول المعظم من العامة و الخاصّة بل قد نفى البعض الخلاف فيه و القول بالوقف الاحتياط هو ما عليه حزب الاخباريين و مصداق ذلك هنا اختبار الترك بالبناء على الحرمة فى مرحلة الظاهر كما صرّح به بعض متاخريهم و القول الثالث هو القول بالتساقط و الرّجوع الى الاصل و هو مما مال اليه بعض مشايخنا فى بعض كلماته فنقدم ما يدل على القول الثالث و نفى القولين الآخرين ثم نشير الى ما فيه من صحّته او سقمه فاقضى ما يدل على ذلك هو ان يقال ان ادلة البراءة و اصالة الاباحة مما هى محكمة فى المقام اذا ما ساعد دليل على القول بالاحتياط بالمعنى المذكور و هذا ظ و لا على القول بالتخيير اذ هو ناش عن عدم امكان الطرح و لا دليل عليه و اما عدم تحقق الاجماع فظ و كذا عدم استفادته من الكتاب بلا واسطة و الاخبار فيه موهونة بمعارضتها اخبار الوقف مع انها ضعاف و الصّحيح منها انما فى العلمين لا الخبرين و انجبارها بالشهرة لا يعيّن العمل بها لان المسألة اصولية و لا اقل من الاشتباه على ان حجّيته كل ظن فى الفروع ممنوعة و العمل به فى ساير المقامات للاحتراز عن التحكم فليس فى المقام لكون ظنّه‏

____________

(1) اشاره فعدم‏

264

ظنه من الظنون المرجوحة بكونه ظنا اجماليا و لا يدل عليه العقل و الحال و كذا بناء العقلاء و لا اقل من عدم العلم به هذا اذا اريد اثبات ذلك بدليل العقل او غيره بلا واسطة و اما اذا اريد ذلك بها فيقال لا دليل على ذلك لعدم دلالة (1) الرابع على حجية الظن الاجمالى لعدم جريان مقدماته المعمّمة من عدم الكفاية هنا و كيف لا و قد انكر البعض جواز وقوع مطلق التعادل و كذا قاعدة التحكم و الاجماع المركب اذ بعض من عمل بالظن التفصيلى يرجع هنا الى الاصل و القول بان القول بالتخيير فى الخبرين مع القطع بنفى الثالث اجماعى من المجازفات فلا اجماع فى المقام لا بسيطا و لا مركبا و دعوى ان الظن بالنسبة الى نفى الثالث تفصيلى شخصى فيجئ قضية التحكم مدفوع بان الاجماع لم يتحقق الا فى الظنون الحاصلة من الصحاح فليس هو فيما نحن فيه فيكون ظنه من الظنون المرجوحة و العمل بالموثقات و الحسان لاجل مقدمة عدم الكفاية لا لاجل الاجماع و قد عرفت عدم جريانها فى المقام فكما لا دليل على التخيير بناء على اعتبار الظن المطلق كذا لا دليل عليه بناء على الاقتصار على العمل بالظنون الخاصّة لعدم تحقق الاجماع بالنسبة الى المقام و لعدم انصراف الآيات اليه مع ان الاحتجاج بها مستلزم لمحاذير كما لا يخفى تعقلها على الفطن و اقلها استعمال اللفظ فى المعنيين و احتمال انه يمكن اثبات التخيير بان الخبرين متفقان على نفى الثالث بالالتزام فيحكم بالمقدّمة العقلية من عدم جواز الطرح و الجمع و التحكم على التخيير مدفوع بان الآيات لا تشمل لمثل ذلك جدّا و ان قطع النّظر عما ذكرنا على ان الانصراف اليه على فرض الشمول مم و ان ذلك يستلزم طرح المعنى المطابقى و هو واضح فانتفائه يستلزم انتفاء الالتزامى ايضا لعدم جواز الانفكاك بينهما فلم يعمل باحدهما فى المعنى الالتزامى فلا وجه للتخيير هذا و انت خبير بان هذا تمام المساعدة و كمال الانتصار للرّجوع الى الاصل و لكن لا يخفى على ذى درية و روية ان اكثر ما ذكر كان من المصادرات فالقول بالتخيير هو المتجه من غير فرق فى ذلك بين المذهبين فى حجية المظنة اما على القول بالاقتصار فمن جهة الاخبار العلاجيّة اذ هى دلت على التخيير بلا واسطة و الآيات دلت على حجيتها تعبّدا و لا ينافى ذلك كون جل الاخبار من الضعاف اذ التبيّن الامر به منطوق الآية قد حصل من الشهرة العظيمة و دعوى الاجماع و القائل بهذا المذهب يعمل بالاخبار من غير تفرقة بين الاصولية و الفرعية و قضية معارضتها اخبار الوقف مما لا يصغى اليه اذ اخبار التخيير بعد القض عن ارجحيتها بالكثرة و العمل و وضوح الدلالة مما هى مختصة بالمتعارضين بخلاف‏ (2) الوقف مع انها مما هى ظاهر بعضها فى كون ما فيها حين انفتاح باب العلم هذا و اما على القول بالاطلاق فى الظن فيفرض خبرين صحيحين مما حصل منهما الظاهر ينفى الثالث على وجه المتاخم للعلم فهذا ينفى الثالث تفصيلا فلو لم نقل بحجيته مع اوفقيته للاحتياط من وجه و عمل المعظم و قلنا بحجية الشهرة المجردة لزم التحكم فاذا ثبت التخيير فى هذه الصورة ثبت فى غيرها بالاجماع المركب و القول بان ذلك الظاهر الذى فرضته اجمالى المتعلّق بخلاف الشهرة مما لا يصغى اليه فلكل رجحانية من وجه و مرجوحيته من آخر و لو عمل بها دونه لزم التحكم كما ذكر و بالجملة فان ما ذكر وارد على اخبار البراءة و محكم عليها قطع نعم هى ايضا مما يساعد القول بالتخيير و يمكن الاحتجاج بها فى قبال من يقول بالاحتياط بالمعنى المذكور و لو كان ذلك بملاحظة مقدّمة من عدم جواز الطرح و الجمع هذا و اما ما يمكن ان يحتج به للاخبارية فموثقتا سماعة و زرارة ففى الاولى قال سالت الصّادق (عليه السلام) عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه فى امر كلاهما يرويه احدهما يامره باخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع قال يرجيه حتى يلقى من يخبر فهو فى سعة حتى يلقاه الحديث و فى الاخرى فى اناس حجوا بامراة فقدموا الى الموقت و هى لا تصلّى و جهلوا انّ مثلها ينبغى ان يحرم فمضوا بها كما هى حتى قدموا مكة و هى طامث حلال فسئلوا الناس فقالوا تخرج الى بعض المواقيت فتحرم منه و كانت اذا فعلت لم تدرك الحج فسئلوا أبا جعفر (ع) فقال تحرم من مكانها قد علم اللّه بينها الحديث و التقريب فى الاولى بان المضي لا يؤاخذ به بل تركه حتى يلقى امامه و هذا بارجاع الضّمير فى يزجيه الى‏

الامر الذى وقع الاختلاف فى شانه هذا يامره به و ذلك ينهاه عنه و فى الثانية بان المرأة قد تركت واجبا لاحتمال حرمته عندها و الامام (ع) قرّرها على ذلك و لم ينكره عليها بل استحسن ذلك من فعلها بقوله قد علم اللّه نيتها هذا و يمكن ان يحتج عليه بانا نرى العقلاء يعدون فعل الحرام اعظم من ترك الواجب و كانّ السّر فى ذلك هو ان اكثر المحرمات مما تقضى بها العقول و تنفر منها و ذلك كالظلم و العدوان و قتل النفوس و الزنا و السّرقة بخلاف الواجبات فانها بالعكس كالعبادات و من هذا بان سرّ اهمية ذلك فى نظر الشارع لان توجه الملامة عليهم بحسب ظهور الامر عندهم مما كان امره عندهم اظهر كانت الملامة فى المخالفة فيه اشد على ان تادية التحريم الى الفرض المقصود منه اعنى الترك اتم و ذلك لموافقته لاصل العدم و عدم توقفه على القصد بخلاف الواجب فانه بالعكس هذا و انت خبير بان ذلك كلا لا يقاوم لمعارضة ما قدمنا و ان اضيف اليه ما ورد عنهم عليهم السّلم ما اجتمع الحلال و الحرام الا ان غلب الحرام الحلال و نحو ذلك و كل الاخبار الواردة فى الاحتياط و ان كان الاحتجاج بها بعد ملاحظة الوجه العقلى على ان الخبرين المذكورين مما ليس له ظهور فى المطلوب فمرجع الضمير فى الاول ما يرجع اليه فى امثاله و هو ذلك الامر و المعنى انه لا يحكم عليه باحد الحكمين و لا يعتمد على شي‏ء مما قيل له فلما كان الاخذ و الترك نقيضين لا يرتفعان‏

____________

(1) الدّليل‏

(2) اخبار

265

مع ان قضية الامر بالتاخير و النهى عن التعويل على شي‏ء من الحكمين ان لا يعمل بشي‏ء من ذلك فهو محال قال فى سعة و يكشف عن كون المراد من الارجاء هو ما اشرنا اليه الاخبار الكثيرة من مقبولة عمر بن حنظلة و رواية سماعة بن مهران على ما فى الاحتجاج و رواية اخرى على ما فى العيون كما لا يخفى على من امعن النظر فيها و بالجملة فان الامر بالارجاء مط سواء كان المراد منه ما ذكرنا او ما مرّ فى تقريب الاستدلال على لزوم الترك انما هو عند عدم الاضطرار الى العمل اما مع الاضطرار اليه فليس الا التخيير لما ذكرنا و اما عدم ظهور دلالة الخبر الثانى على المرام فبمنار كما اذعن به بعض الاجلاء كيف لا و الذى رجح ترك الواجب على فعل الحرام على تقدير تسليمه انما هم اصحاب المرأة لا هى و اما هى فلم يعرض لها شك و لم يقع منها ترجيح لانها ما كانت تعرف الا ما كان يرد عليها من اصحابها فاذا امرها بشي‏ء او اقروها عليه كانت تظن انه امر اللّه فلم تتعمّد خلافا على اللّه تعالى و لهذا قال الامام (ع) قد علم اللّه نيتها بل يمكن ان يقال ان اصحابها ايضا لم يعرض لهم شك و لا وقع بينهم ترجيح بل كانت نفوسهم مطمئنة بان مثلها لا تحرم لما يرون من اغتسال الناس له و لبس الثياب الطاهرة فمن ثم لم يسألوا فلا ترجيح و لا تقرير و اما الوجه العقلى فهو و ان كان مما عليه بعض الاصوليّين و رجح به خبر التحريم على خبر الوجوب كالعلامة فى مبحث التراجيح من النهاية و مال اليه بعض المتاخرين معتضدا اياه باحاديث التوقف و الاحتياط قائلا بعد الاشارة الى ذلك فاقل مراتبه الاستحباب و لا ريب ان الترك فى هذه الصّورة موردا لاحتياط الا انك خبير بان العقل مما لا مسرح له فى ترجيح صدر (ره) الخطاب المقتضى لتحريم شي‏ء عن الشارع على الخطاب المقتضى لايجابه فلا يطرح لاجل ما ذكر اخبار التخيير التى اظهر مصاديقها دوران الامر بين المحذورين نعم يمكن التعويل عليه اذا كان لاجل تعارض الشهرتين او الاجماعين المنقولين و نحو ذلك و مع ذلك فلا يبعد دعوى القطع بعدم لزوم الترك نظرا الى اخبار البراءة الدالة على التخيير و لو كان ذلك بعد ملاحظة القطع بنفى الثالث و عدم التسليم افادة الوجه المذكور ازيد من استحباب الترك للاغلبية المذكورة ثم لا يخفى عليك ان التخيير او التوقف او الرجوع الى الاصل فى تعارض الخبرين انما بعد العجز عن الجمع و الترجيح و المعتبر فى الجمع هو ما يدور على القواعد المتقنة و الضوابط المحكمة لا مط و اما الاخذ بذيل كل جمع فى صورة تعارض الخبرين مط سواء كان فى المتباينين او المحذورين كما يتراءى من جم فمما لا يساعده دليل بل هو مما يورث عويصة و اشكالا حيث يجعل الاحتمال دليلا مثبتا للحكم الشرعى و هذا هو القول بما لا يعلم المنهى عنه فى الاخبار و الآيات و الاستدلال عليه بان هذا ليس قولا بما لا يعلم اذ قد ورد عنهم (ع) انتم افقه الناس اذا عرفتم معانى كلامنا فان الكلمة ترد على وجوه فلو شاء انسان ان يصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب الخ الحديث من الضعف فى منار و اقل ما يرد عليه بعد الغض عن تطرق تخصيص الاكثر اليه ان المقصود منه التصرف على مقتضى متفاهم العرف مما يقتضيه القواعد المتقنة الاصولية على ان ظاهره فى اباحة التورية فى مقامات التقية و الاتقاء و خلاصة الكلام فى الترجيح انه اذا بنى الامر على اعتبار مطلق الظن و اتساع الدائرة فيه اتجه التعميم فيكتفى بكل مرجح و إلّا فلا و قد يتراءى من البعض البناء على التعميم فى ذلك و ان بنى الامر على الاقتصار على الظنون الخاصة مستدلا فى ذلك بما ورد عنهم (ع) عليكم بالدرايات دون الروايات و التقريب بظهر بالتامل و بان بعض الظنون الحاصلة من بعض المرجحات الغير المنصوصة اقوى من بعض الظنون الحاصلة من المرجحات المنصوصة فيدخل هذا تحت قولهم (ع) لكل حقّ حقيقة و لكل صواب نور الخ الحديث و التقريب فيه اجلى من الاول و لكن اثبات المطلب بذلك دونه خرط القتاد كما لا يخفى على الفطن و تفصيل الكلام فى ذلك كله يطلب من مباحث التراجيح ثم اعلم ان بعض المائلين الى الاحتياط اختيارا لما عليه العلامة (ره) قال هذا كله اذا كان مفر عن ارتكاب الحرام الواقعى و اما اذا لم يكن كل كما اذا دل على وجوب شي‏ء و دليل آخر

على حرمته من غير ترجيح و دل دليلان آخران على وجوب شي‏ء آخر و حرمته كل و قطعنا بشغل الذّمة باحد الشيئين فح و ان كان‏ (1) كل منهما احتياطا بالنسبة الى فعله و لكن مع ترك واحد منهما لا بد من فعل الآخر المحتمل للحرمة فلا يحصل من الترك الخلاص من ارتكاب المحرّم و هذا مثل صلاة الجمعة و الظهر و القصر و الاتمام فى اربعة فراسخ و الصوم و الافطار مع رؤية هلال شوال قبل الزوال هذا كلامه و قد تقدم بعض ما يتعلق بذلك فخذ بمجامعه و لا تغفل‏ تذييل‏ اعلم ان بعض من يعول على كلامه افاد فى المقام و قال ان التخيير اباحة فى المعنى لعدم تعلق رجحان و مطلوبيّة من جهة الشارع بالنسبة الى واحد من الطرفين اصلا لانه بعد العجز عن الجمع و الترجيح معا فكيف يتحقق فى العبادات لاشتراط الرجحان و اشكل من هذا تحققه فى المعاملات و لم يكن احد الطرفين موافقا للاصل فان احد الطرفين مثلا لو دل على حلية امراة لرجل و الآخر على حرمتها عليه و لو تزوّجها بناء على المحلل كيف يتحقق التوسعة و التخيير و يمكن ان يقال انه لو ارتكب الفعل بناء على امر الشارع يكون مستحقا للثواب فيكون عبادة و اما حكاية المعاملة فيمكن ان يقال اذا تزوّجها بناء على المحلل يكون تزويجها صحيحا مطابقا للشرع فيترتب عليه الآثار الشرعية و تتبعه الثمرات اللازمة اللاحقة و منها مثلا عدم جواز الافتراق و التفريق بغير الوجه المقرر و النحو المعتبر فان قلت اذا كان احد الطرفين يدل على الوجوب و الآخر على الحرمة فكيف الوجوب و الحرمة مع التخيير و التوسعة قلت لم يظهر من الادلة غير حكاية التّوسعة و انه مع الفعل و الترك لا يكون مؤاخذة على ان بعض المجتهدين يقول‏

____________

(1) ترك‏

266

يقول بان باختيار الوجوب يصير واجبا و باختيار الحرمة يصير حراما نعم يشكل الامر بالنّسبة الى المنازعة فى دين او ميراث و نظائرهما و لم يكن احد الطرفين موافقا للاصل و كيف كان فلا تخيير و يجترى على ترك الاحتياط فى امثال المقامات فان الزمان زمان الحيرة هذا اقول ان ما افاده مما فى محلّه الا ان ما نقله عن البعض من عدم بقاء التخيير بعد اختيار الواجب و البناء عليه او الحرام كل و ميله ظاهرا الى هذه المقالة ممّا ليس فى مخره فالتخيير الاستمرارى ثابت باطلاق اخبار التخيير على ان فى صورة الشك فى شموله يستصحب الحكم الثابت اذ من مجارى الاستصحاب ما يعلم ثبوت الحكم فى الجملة او فى وقت معيّن بمعنى ان يعلم ان استمراره ليس فى اقل من ذلك و لم يعلم بعده و بعبارة اخرى ان يكون دليل الثبوت لفظا صالحا لاطلاق و نحوه مما لا يتغيّر معه احد القيدين فاذا ثبت التخيير الاستمرارى فيما دار الامر بين المحذورين لاجل تعارض النصّين ثبت فى غيره بعدم القائل بالفصل هذا و قد يستدل على تعيّن التّخيير البدوى و عدم جواز المصير الى الاستمرارى بقاعدة الاشتغال و كونه هو المتيقن و باستصحاب ما تعلق بالذمة مقتضى ما اختاره المكلف او لا و بان المصير الى الاستمرارى يستلزم المخالفة للواقع يقينا هذا و انت خبير بان الاول بعد تسليم كون المقام من مجاريه لا يقاوم لمعارضة الاستصحاب الحاكم ببقاء التخيير و يرد هذا على الثانى ورود المزيل على المزال و القطع بالمخالفة الواقعية لا يصر اذ المناط على ما هو فى مرحلة الظاهر و نظير ذلك غير عزيز و قد تقدم فى بحث الشّبهة المحصورة ما فيه غنية و بالجملة فان هذا الوجه و ان لم يعارضه ان الاستمرارى كما معه المخالفة الواقعية فكذا معه الموافقة الواقعية و ان البدوى ايضا مما فيه احتمال المخالفة نظرا الى ان نفع الموافقة لا يقاوم لمعارضة ضرر المخالفة على انه لم يذهب ذاهب الى لزوم الاخذ بالخبرين على وجه التبادل بان يؤخذ فى بعض الازمنة احدهما و فى بعضها الآخر و الى ان المخالفة الاحتمالية لابقائه و لمعارضة المخالفة القطعية اذ الضرر القطعى يقدم على الاحتمالى كما يقدم الاخروى على الدنيوى و الاكثر على الاقل إلّا انه لا يعارض الاستصحاب المذكور و قضية ان فى الاستمرارى ضررا قطعيّا مما لا يصغى اليه و اما القول بان قضية الاستصحاب الدال على التخيير الاستمرارى مما لا يصغى اليه لان جريان الاستصحاب فرع ثبوت المستصحب و الثابت من دليل التخيير مطلق التخيير لا التخيير المطلق و التخيير فى الجملة قد ارتفع بالاختيار و التعيين و بعبارة اخرى ان الدليل على التخيير ان كان مقتضيا له مط فيمنع ذلك على انه لا مجرى للاستصحاب ح و ان ثبت منه ما هو فى الجملة فيقال ان القدر الثابت منه هو البدوى فلم يثبت او لا غيره حتى يستصحب و ان كان الدليل عليه مرددا بين المطلق و ما هو فى الجملة ففيه ان الكلى وجود له مستقلا فى الخارج فيوجد اما فى ضمن الاول او الثانى و قد عرفت عدم جريان الاستصحاب على كلا التقديرين فمن المجازفات الصّرفة و التخمينيات المحضة و قد عرفت ان من مجارى الاستصحاب ما يعلم فيه ثبوت الحكم فى الجملة بان يكون دليل الثبوت لفظا صالحا لاطلاق و نحوه مما لا يتعيّن معه احد القيدين و العجب من البعض حيث يقول بجريان الاستصحاب فى هذا القسم من المجارى مع انه يقول بعدم جريان هذا الاستصحاب فى المقام نظرا الى الوجه المذكور المزخرف و كيف كان فان الامر واضح إلّا انه ينبغى ان لا يترك الاحتياط و هو فى اصل المسألة مع ترك الفعل و انزل منه اخذ احد الخبرين بالقرعة و هذا و ان لم يذهب اليه ذاهب إلّا انه لا ضير فيه فى مقام الاخذ بالاوثق الاخرم اذ هو القدر المتيقن فى الامتثال بعد التنزل الاول و بالجملة فان العمل بالقرعة على سبيل اللزوم و ان لم يكن مما فى محلّه نظرا الى مدخولية الاحتجاج باخبار القرعة فى المقام من وجوه كثيرة الا ان الحكم باستحبابه فى اخراج الاخذ باحد الخبرين مما فى محله ثم الاحتياط بعد البناء على التخيير مع التخيير البدوى‏ تنبيه‏ قيل اذا اشتبه حكم الاستعاذة فى الصّلاة من وجهى الوجوب و الحرمة احتمل فيه احتمالات فيحتمل ان يكون كل منهما نفسيّا كما يحتمل ان يكون كل منهما شرطيا و ان يكون احداهما نفسيّا كما يحتمل ان يكون كلّ منهما شرطيا و ان يكون احدهما نفسيا و الآخر شرطيا و المراد بالنفسى ان يكون بحيث لا

دخل له فى الصّحة و البطلان و الشرطى على خلاف ذلك ففى الصورة الاولى التخيير فى التعيين للمكلف و فى الثالثة يجب عليه تقديم الشرطى و فى الثانية يجب عليه الاحتياط بان يصلّى صلاتين إحداهما بالاستعاذة و الاخرى بتركها و كذا القول فى جهر البسملة فى الصّلاة الاخفاتية اذا اشتبه حكمه من جهة الوجوب و الحرمة هذا و قد تقدم فى بعض المقامات السّابقة ما يزيف فى هذه المقالة و يبيّن ان اللازم فى الكل ليس الا التخيير فخذ الكلام بمجامعه و تامل المرحلة الثانية و فى بيان دوران الامر بين المحذورين مع كون الشبهة من الشبهة الموضوعيّة المصداقية فنقول ان ذلك على ثلاثة اقسام القسم الاول ما لا يمكن الخلوّ منهما عقلا و ذلك كما فى اليوم المشكوك كونه من الشوال او من رمضان و اليوم المتجاوز دمه ايام العادة للمعتادة و الحكم فى هاتين الصورتين بحسب الاصل مما لا اشكال فيه فيؤخذ بذيل الاستصحاب فيهما فيجب الصوم فى الاولى كما يحرم العبادة فى الثانية و اما الصورة الثالثة من هذا القسم مما لا يوجد على طبق احدهما اصل فى البين كما فى ما علم صدور النذر من المكلّف و شك فى انه هل هو بالنسبة الى اكرام زيد مثلا او عدمه فالحكم فيه التخيير لبطلان سائر الاحتمالات المتصورة فيه جدا و القسم الثانى ما يمكن الخلوّ عنهما عقلا و شرعا و ذلك كصلاة النافلة عند اشتباه القبلة و دخوله فى المقام و ان لم يكن من جميع الوجوه إلّا انه داخل فيه من وجه كما

267

لا يخفى و القسم الثالث ما يمكن الخلوّ عنهما عقلا لا شرعا و ذلك كما فى صلاة الفريضة عند اشتباه القبلة فالحكم فيه على التحقيق هو التخيير و قيل بلزوم الاحتياط و قد عرفت الوجه فى الكل فلا حاجة الى الاطالة ثم لا يخفى عليك ان دوران الامر بين المحذورين قد يكون بالنظر الى الشخصين بمعنى انّ كل واحد منهما و ان كان شيئا واحدا غير دائرين المحذورين الا ان الامر يكون دائر بينهما بالنظر الى حال هذين الشخصين بالنسبة الى بعض الامور و ذلك كما فى رجل نذر وطى امراة لو تزوج بها فى كل يوم الجمعة مثلا و نذرت المرأة صوم كل يوم الجمعة ان زوجت به فدوران الامر بين المحذورين من جهة وجوب الوطى على الرجل و حرمة التمكين على المرأة و لا فرق فى ذلك بين ان يقترن نذرهما فى الزمان او يفترقا فيه هذا فالاحتمالات فى المقام كثيرة القرعة نظرا الى انها لكل امر مشكل فى الموضوعات و انحلال نذريهما و الرجوع الى الاصل نظرا الى عدم امكان الجمع و لزوم التحكم لو تقدم احدهما دون الآخر على ان ادلة لزوم الوفاء بالنذر لا تنصرف الى مثله و التخيير و لا يخفى وجهه و ان كان دقيقا و عمل كل‏ (1) منهما امكن بمعنى ان اللازم على الرجل الغلبة على المرأة و وطئها كما ان اللازم عليها الغلبة على منعه و عدم التمكين له فمن غلب يعمل بنذره و لا اثم على‏ (2) منهما هذا و الاوسط اوسط و الاخيران اردأ و الاول غير بعيد غاية البعد مثلهما تذنيب‏ اعلم انه على ما اخترنا من القول بالتخيير فى الحكمية و الموضوعيّة فى دوران الامر بين المحذورين هل يجب على المجتهد الافتاء بالتخيير لقلده مط او بما اختاره من احدهما مط او بالتخيير فى الموضوعية و بما اختاره فى الحكمية ففيه اشكال فقاعدة التحكم تقتضى التخيير بين قسمى الافتاء مط هذا و لكن الحق هو الافتاء بالتخيير مط و عليه السّيرة قديمة و حديثة فليس المراد بالتخيير هنا ان المجتهد مخير فى الفتوى بايهما شاء حتى يجوز له اختيار احدهما و الفتوى بمقتضاه فقط بل المراد ان كل احد مخير فى العمل بايّهما شاء اذ التخيير هو حكم من تعارضت الادلّة بالنسبة اليه و من يقلده فيتعيّن الافتاء بالتخيير جدّا اذ الاحكام المستنبطة من الروايات احكام لجميع المكلفين‏ تنبيه‏ اعلم انه اذا تعدّد المشروط بالاستقبال الى القبلة فى صورة اشتباهها كالصّلاة و الدفن و التذكية و توجيه المحتضر فهل يتعيّن ما اختاره اولا ام يجوز الاختلاف و التعدد مط او بالنسبة الى الاصناف ففيه اشكال من قاعدة الاشتغال و ان الاخذ بالاول هو القدر اليقينى و لو اختار غير ذلك يلزم المخالفة القطعيّة فى بعض الصور و ان هذا هو مقتضى‏ (3) ما اختاره المكلف اولا و من ان التخيير الثابت قبل اختياره مشكوك الارتفاع فالاصل بقاءه على انّ هذا هو المستفاد من اطلاق عبائر الاصحاب هذا و لكن التحقيق يقتضى الثانى كما عرفت فلا حاجة الى الاطالة بالاعادة ثم على القول الاول فهل يبقى التخيير اذا تلبس بالاخذ باحد الاطراف بالقصد و الجزم عليه إلّا انه لم يعينه باقامة الصّلاة و نحوها ام لا فالحق هو الاول للاصل السّليم عن المعارض فمن اراد الاطلاع على الفروع الكثيرة مما يتعلق بهذا التنبيه فعليه المراجعة الى ما يتعلق بمباحث الجنائز من كتاب خزائن الاحكام‏ تذييل‏ اعلم ان مسائل اصل البراءة مما يتعلق بالوجوب و الحرمة مما يكون فى مقابل الاباحة و البراءة المطلقة من حكمياتهما و موضوعياتهما و ما يدور الامر بين الوجوب و الحرمة قد اشبعنا الكلام فيها و امعنّا النظر فى ادلتها فتم نصاب المرام و سهم الكلام فى ذلك غاية التمام و لم يبق للّاحق فيه سهما الرقيب و المعلى من السهام و ان بعض الاقسام من التحريمية من حكمياتها و مصداقياتها و ان لم يعنون فى عناوين مستقلة الا انا قد اشرنا فى صدر بعض المباحث ان حال ذلك مما يعلم بالمقايسة الى الوجوبيّة من الاخذ بالبراءة او الاحتياط قولا و دليلا تسديدا و تزييفا نقضا و ابراما فلا حاجة الى الاسهاب بالاعادة نعم قد بقى فى البين ما يتعلق بالشبهة التحريميّة من قضية اصالة الحرمة فى اللحوم المشتهرة الدائرة بين الفقهاء فلا من الاشارة الى ذلك و بيان الحال فيه فاعلم ان جمعا قد حكموا فى الحيوان المتولد من الطاهر و النجس مما لا يشابههما و لا واحدا مما علم حاله بطهارته و حرمة لحمه احتجاجا بان مقتضى الاصل بالنسبة الى الاول هو الاول و الثانى هو الثانى و غاية ما يصلح ان يكون مدركا

للاصل الثانى هى آية حرّمت عليكم الميتة بتقريب ان الميتة بحسب اللغة يشمل المذكى و غيره فخرج ما خرج و بقى المشكوك تحتها ثم الشهرة ثم الغلبة و الاستقراء ثم الاستصحاب من استصحاب عدم التذكية على وجه و الحرمة على وجه ثم اخبار الاحتياط هذا و لا يخفى عليك مدخولية ذلك اذ ليس الميتة الا ما يقابل المذكى حتى على اللغة فلا يتم المط و ان لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية و بعد الغض عن ذلك كله ان المطلق لا ينصرف الى مثله و الاعتبار على الشهرة لافادتها الظنّ و هو مع العلم بفساد مدرك المشهور غير حاصل‏ (4) و الاستقراء لا يقاومان لمعارضة ادلة البراءة و الاباحة و العجب من جمع من المقتصرين على الظنون الخاصّة حيث يعوّلون على هذا الاصل لامثال هذه المدارك مع ان بعضا منهم لا يرضى بجابريّة الشهرة و قضية الاستصحاب‏ (5) قطع اذ الحرمة العرضية قد انتفت بالتذكية و الذاتية كانت اولا ايضا مشكوكا فيها و بالجملة الشبهة حكمية لا موضوعيّة و ضعف الاحتجاج باخبار الاحتياط ظاهر و كيف كان فان الحكم بالحلية و الاباحة احتجاجا بالآيات و جملة من الاخبار المتقدمة فى بعض المقامات السّابقة خصوصا بجملة مما تقدم فى بحث الشبهة المحصورة مما فى محله و المناقشات الواردة فى الاستدلال بها على ذلك مما لا يصغى اليه جدّا و كيف لا فان اظهر المناقشات على الاستدلال بالآية من ان الغرض المسوق منها هو بيان ان فى الاشياء منفعة لا بيان حكم الاشياء فيكفى‏

____________

(1) منها بما نذر

(2) المغلوب‏

(3) استصحاب ما تعلق بالذمة من مقتضى‏

(4) و الغلبة

(5) فى غاية الضعف لان المقام مما لا يتصور فيه الاستصحاب‏

268

فيكفى تحقق المنفعة فى الجملة على انها لا تنصرف إلّا الى ما ليس فيه امارة مفسدة و انها قيدت بقيود متشتتة و خصّصت بالمجمل نظرا الى تخصيصه بقوله حرّمت عليكم الميتة المخصّص بقوله تعالى‏ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ فالاخير مجمل فيسرى الاجمال الى الاول ايضا و هذا وارد سواء ثبت الحقيقة الشرعية فى لفظ الميتة ام لا بقرينة الاستثناء و هو يكشف عن كون المراد من الميتة ما يشمل المذكى و جمل الاستثناء على الانقطاع خلاف الاصل و هو حجة و ان كان الظن على خلافه‏ (1) فى اعتباره و حجيته اذ الظهور الحاصل من مقابلة الميتة بالمذكى ظهور بدوى لما ذكر هذا و انت خبير بان اندفاع هذه الايرادات بادنى التفات من الفطن الخبير و بالجملة فالمط واضح و مقتضى التحقيق هو الحكم بالاباحة و الحلية إلّا ان يدعى ان الشهرة و الاستقراء مما يفيد الظن فيردان على ادلة الحلية ورود الخاصّ على العام و الظن الشخصى على الظن النوعى لكن تحقق الشهرة فى المسألة اول الكلام و يمكن ان يتشبث بذيل الاستقراء خاصّة و يثبت به المط حتى على القول بالاقتصار على الظنون الخاصة نظرا الى ان الاستقراء على قسمين و ما لا يعوّل عليه المقتصرون انما الاستقراء الحاصل من غير ملاحظة الاخبار و هذا مما يحصل من ملاحظة الاخبار ففى الحقيقة ان التمسّك به تمسّك بالاخبار ثم اعلم ان الحيوان الطاهر العين الغير الماكول اللحم اذا ذكى فهل الاصل فيه الطهارة و جواز الانتفاع منه حتى يثبت المنع منهما او الأصل فيه عدمهما حتى يقوم دليل على ثبوتهما فيه ففيه خلاف و الاول هو المحكى عن المرتضى و به صرّح بعض المتاخرين و نقل الثانى عن العلامة (ره) و ولده و الشهيد الثانى نقل عنه و الحق هو الاول لان المذكى الغير الماكول اللحم عين يصحّ الانتفاع منها فالاصل بقاء الطهارة مع ان المرتضى قد ادّعى الاجماع على ما نقل عنه هذا و دليل القول الثانى ان هذا ميتة و الاصل فيها الحرمة و النجاسة مما له نفس سائلة اذ الميتة عبارة عن ذات ثبت لها الموت و هو عبارة عن مطلق خروج الرّوح و لو كان بالتذكية على ان الذكاة تعذيب للحيوان و لا يجوز الا باذن من الشارع بل فى النبوى النهى عن ذبح الحيوان الغير اكله و ان الذكاة حكم شرعىّ لها شروط مقرّرة و يترتب عليها طهارة الحيوان و جواز الانتفاع منه فتوقف على دليل صالح يخرج عما دل على عدمها و هو مفقود هذا و انت خبير بعدم استقامة هذه الاحتجاجات فقد عرفت الجواب عن الاحتجاج الاول و اما الجواب عن الثانى ففى غاية الوضوح لان الخبر ضعيف مع ان الذكاة ليست بتعذيب و ان ذلك على فرض تسليمه غير مستلزم للمنع عن المنافع بعد الذبح و اما الجواب عن الثالث فهو ان التذكية حاصلة فلا دليل بعد ذلك على حرمة الانتفاع و النجاسة فبملاحظة التذكية يبقى مندرجا تحت ما دل على اصالة الطهارة و اصالة الاباحة فلا ندّعى ان التذكية سبب شرعى لذلك حتى يطالبنا الخصم بدليله بل نقول ان مع التذكية لا دليل على المنع من الانتفاع و الحكم بالنجاسة فان قلت يلزم على مقالتك جواز الانتفاع منه بالبيع و نحوه و اصالة عدم التملك تدفعه و اذا ثبت المنع منه ثبت من غيره بعدم القائل بالفصل قلت ان هذا معارض بالمثل فاذا ثبت جواز الانتفاع على ما قلنا فى الجملة ثبت بالبيع و نحوه ايضا و الاجماع المركب المثبت يقدّم على الاجماع المركب النافى فى المقام بحسب قوة احد شطرى الاول مع ان ما ذكر هو مقتضى العمومات فلا يعدل عنه اذا لم يعدّ مثل ذلك سفها و بالجملة فان هذا واضح نعم اذا شك فى تذكيته او تذكية الحيوان الماكول اللحم فيحكم بالنجاسة و عدم الانتفاع منه للاصل الوارد على اصالة الطهارة الجارية فى المقام و على اصالة عدم الموت حتف الانف ايضا ورود المزيل على المزال و استشكال البعض هنا بل ميله الى الطهارة مما ليس فى محلّه جدّا لانه مبنىّ على عدم حجية الاصل او عدم جريانه او معارضة بما اشير اليه و الجواب عن الكلّ ظ على انّ مفاد الاخبار ان الطهارة و الحلية فى اللحوم معلقان على عنوان تحقق التذكية و ان غيره ميتة ثم المراد من الاصل هو استصحاب عدم التذكية لا استصحاب حرمة اكل اللحم فانه لا معنى له فى المقام جدّا و كيف كان فهذا ايضا ضابط كلى لا يعدل عنه و لو كأن فى بعض موارده الظن على خلافه الا بدليل فالموارد التى يؤخذ فيها بالظن و يعول عليه غير عزيزة و

قد بينا الكلام فى ذلك فى خزائن الاحكام ثم اعلم ان الكلام فى الفروج مما يناسب ايضا فنقول ان الشبهة التحريمية فى الفروج ان كانت من قبيل العرضيات كالشك فى تحقق الرضاع بالعشرة مثلا فالاصل فى ذلك البراءة و ان كان من قبيل الذاتيات فالاصل الحرمة و لتفصيل الكلام مقام فى الفقه‏

خزينة: فى دوران التكليف بين الوجوب الندب‏

خزينة فى بيان حال دوران التكليف بين الوجوب و الندب فاعلم ان ذلك‏ (2) اما تعارض النصّين او لاشتمال نصّ على ما يحتملهما احتمالا متساويا مثل ان يشتمل على صيغة الامر و بنى الامر على كونها مشتركة بين الوجوب و الندب او لتعارض الاجماعين المنقولين او الشهرتين او نحو ذلك مما فى درجة واحدة و لو كان ذلك بالاعتبار كان يقال مثلا ان الخبر الصّحيح او الموثق عند العاملين بالظنون المطلقة كالاجماع المنقول و الشهرة بمعنى ان الاولين لا يترجح على الاخيرين من حيث هما هما و على كل حال اما ان يتحقق القطع بنفى غيرهما بالنسبة الى الواقع او يظن ذلك او لا يكون من ذلك سواء تحقق الظن بالخلاف ح اى بالظن الغير المعتبر ام لا اذا عرفت هذا فاعلم ان المسألة بالنظر الى الصورة الاولى تدخل تحت عنوان تعادل الخبرين اذا لم يكن لاحدهما شي‏ء من المرجحات المعتبرة فى البين فيتمشى الاقوال فيه فيها من التخيير كما عليه المعظم و من الوقف و الاحتياط كما نسب الى الاخباريّين و من التساقط و الرّجوع الى الاصل‏

____________

(1) لانه من الاسباب الطاقة

(2) لاجل‏

269

كما نسب الى البعض هذا و ستسمع الكلام فى ذلك و قد عنون هذه المسألة فى كلمات البعض بانه اذا دار الامر بين الوجوب و الندب و قطعنا بانه لا ثالث فى البين واقعا سواء كان الاحتمالان مسبّبين عن النصّ او عن قول المفتى او احدهما من احدهما و الآخر من الآخر فاختلفوا فيه على اقوال و منها الوجوب و هو المحكى عن طائفة و منهم من قال بالرّجوع الى الاصل و منها التخيير كما عن بعض الاخباريّين و صاحب الرياض من الاصوليّين و منها القرعة على احتمال مقتضى هذا و انت خبير بعدم استقامة العنوان على هذا النهج كما انت خبير بعدم صحة بعض هذه الانتسابات فان مقتضى القواعد الاخبارية هو القول بالوجوب لا من باب التعيين فى احد الخبرين بل من باب الاحتياط و كلام بعضهم فى بعض المقامات صريح فى ذلك قال صاحب الفوائد هل‏ (1) حكم فعل بلغنا حديث ضعيف صريح فى وجوبه و حكم فعل بلغنا حديث‏ (2) صريح فى انه مطلوب غير صريح فى وجوبه و ندبه واحدا من جهة جواز الترك و جوابه ان للفرض الثانى صورا إحداها ان يكون الظاهر الوجوب و لم يكن نصّا فيه و من المعلوم ان الترك ح من باب الجرأة فى الدّين و تعيين الاحتمال الظاهر كل فيجب الاحتياط فى الفتوى و العمل و ثانيتهما تساوى الاحتمالين و هنا يجب التوقف عن تعيين احدهما و مصداقه الاحتياط و ثالثها ان يكون هو الندب و قد مضى حكمه سابقا هذا كلامه و هو كما ترى صريح فى ان بناء الاخبارية فى صورة احتمال النص الوجوب و الندب على الاحتياط فى مقام العمل و الظاهر ان بنائهم قد انعقد على ذلك فى صورة تعارض النصّين ايضا لاتحاد الوجه فى الكل نعم يعارض ذلك ما عليه صاحب الوسائل من محققى الاخباريّين الا انك قد عرفت وجه الجمع بين كلامه و بين كلام صاحب الفوائد ثم اعلم ان هذا العنوان لم يعنون فى كتب القوم و لم يبيّن‏ (3) فيه المرام غاية البيان بل حكم المسألة مما علم من تضاعيف كلماتهم و تلويحاتهم و اشاراتهم فى جملة من العناوين فى ابواب متفرقة و قد اقتصر بعض اجلاء السّادات على قليل من الكلام مع انه مدخول من حيث خروجه عن محل النزاع من وجه حيث قال و من المستحب ما اذا تعارضا بالوجوب و الندب و كان الراجح بحسب المرجحات ما دل على الندب فان الفعل هاهنا ايضا احوط و كذا بالكراهة و الحرمة فكان الراجح الكراهة و هذا مع اختصاصه بقسم واحد خارج عن محل النزاع كما لا يخفى و قال الآخر اذا دار الامر بين الوجوب و الندب يرجح جانب الندب للقطع بالرّجحان و قضاء الاصل بعدم المنع من النقيض هذا و كيف كان فان مقتضى التحقيق هو الحكم بنفى الكل فى الكل الا الندب الظاهرى فيدل على نفى الوجوب بعد الشهرة المركبة بل البسيطة المحققة و المحكية و اطلاق الاجماعات المتظافرة المتقدمة فى بحث دوران الامر بين الوجوب و الاباحة بتقريب انه كان شاملا للمقام ايضا بل قد يدعى انصرافه اليه لكثرة موارده الآيات و الاخبار النافية التكليف بلا بيان و الثابتة الرفع و الوضع بالحجب و عدم العلم ظاهرة فى التقريب معتضدة بالاستقراء بالنظر الى الاوامر الشرعية غير قادح فى الاحتجاج بها فى المقام بعض التخيلات الفاسدة و لا مقالة ان بناء العقلاء على خلاف ذلك فلا وجه للاستقراء نظرا الى انه فى الاوامر العرفية لقلة الامر الندبى فيها فاستنهاض طرق القول بالوجوب و الجواب عنها مما عنه غنية ثم لا يخفى ان الآيات و الاخبار مما يمكن الاحتجاج بها على نفى التخيير ايضا فلا يعارضها الاخبار الحاكمة بالتخيير جدّا لعدم انصرافها الى المقام و نحوه قطع بل هى مختص بحكم التبادر و غيره بما دار الامر فيه بين المحذورين او المتباينين من غير هذا النوع و نحوه على ان التعارض تعارض العامين من وجه فيقدم ادلة البراءة لاعتضادها باطلاق الاجماعات المنقولة و الشهرة نظرا الى عدم شمول عنوان ما تعارض فيه النصان الذى المشهور على التخيير لما نحن فيه و ان الاخبار الدالة على التخيير اخصّ من المدّعى لان هذا العنوان عام كما عرفت و التشبّث بالاجماع المركّب مقلوب و تقدم المثبت على النافى كتقدم ما هو احد شطريه اجتهادى على ما هو فقاهتى لو سلّم فانما فى صورة فقد المرجّح لا مط و اذا علم ذلك فلا شك فى حقية الحكم بالاستصحاب الظاهرى فى قبال القول بالطرح او احتماله و الرجوع الى الاصل فيدل على ذلك بعد ذهاب المعظم و الاجماع المركب الحدسى و بناء العقلاء ادلة التسامح فى‏

السنن المعتضدة فى المقام بالاولويّة القطعية اذ التسامح جاز فى المحتمل مطلوبيّة و بالدليل الاعتبارى العقلى من انه يقبح المنع من الترك من غير بيان كما يقبح عكس ذلك كل فالقدر المبين باتفاق الامارتين هو مجرّد المطلوبيّة فلما كان ذلك كالجنس و تحصّله بدون الفصل محالا و انتفى بما سبق المنع من تركه ثبت الفصل الآخر من جواز تركه فثبت الاستحباب الظاهرى و القول بان ذلك موقوف على القطع بثبوت المطلوبيّة بعد القطع بانتفاء احد الفصلين ايضا و هو فى غير محله مدفوع بان هذا الايراد لا يتمشّى فيما كان احد الفصلين بعد القطع بالمطلوبيّة و نفى احدهما واقعيّا و الآخر ظاهريا لان القطع بالمطلوبية الواقعية غير مناف للقطع بانتفاء احد الفصلين بحسب الظاهر اذ القطع بحسبه غير ملازم للقطع بانتفائه بحسب الواقع بل تحصّله فى ضمن كل من الفصلين مع القطع بعدم تحصّله فى ضمن احد الفصلين مقطوع به لا ظاهرا (4) و بالجملة فلا شك فى القطع بالمطلوبية بعد القطع بالمطلوبيّة الواقعية و ان قطع بنفى احد الفصلين فى الظاهر فلو فرضنا ان المعصوم (ع) اخبر بكون شي‏ء مطلوبا واقعيا ثم اخبر بكون كلّ مطلوب واقعى مطلوبا ظاهريا و ان الوجوب الظاهرى ينتفى بعدم العلم به لاستفيد الندب الظاهرى عن ذلك عرفا قطعا على انه‏

____________

(1) يكون‏

(2) صحيح‏

(3) يفصّل فيه الكلام و لم‏

(4) بل واقعا الظاهرية

270

على انه يمكن ان يقال القطع بالمطلوبيّة الظاهريّة انما كان مسببا من القياس المذكور لا من اتفاق الامارتين نعم هذا القطع قد يجامع القطع باتفاق الامارتين و قد يتخلف عنه فبذلك التقرير يندفع ما يمكن ان يقال ان القطع بالمطلوبيّة و عدم تحصّلها فى ضمن الفصل الوجوبى بحسب الظاهر لا يثبت المط اذ لا ضير فى كون مثله مباحا او غير محكوم بحكم كاندفاع ما يمكن ان يقال ايضا ان القياس المذكور لا يثبت المط ايضا لان القطع بانتفاء مدلول احد الامارتين حاصل فيكون المطلوبيّة الظاهريّة مشكوكا فيها لاحتمال كونها فى ضمن الفصل المنتفى هذا و وجه الاندفاع ظاهر و بالجملة فان ارتفاع اليقين بالمطلوبيّة الظاهر فانما يحصل اذا حصل القطع بالجنس بسبب العلم الاجمالى بانّ الحكم الظاهرى احد الامرين الوجوب و الندب لكنه هنا مسبّب عن دوران الجنس فى الواقع بين الفصلين‏ (1) ارتفاع احد الفصلين فى الظاهر لا يلزم ارتفاع العلم الاجمالى بوجود الجنس المسبّب عن الدوران الواقعى و الحاصل ان بعد ملاحظة العلم الاجمالى بوجود الجنس فى الواقع و ملاحظة مقدّمة ان كل مطلوب واقعى مطلوب ظاهرى و ملاحظة اصل البراءة و لم يبق ارتياب فى ثبوت الندب الظاهرى على انه يمكن اثباته بعد الاغضاء عما ذكر بانه لا ريب فى ان المطلوبيّة الواقعية مع اتفاق الامارتين مقطوع بها فلا سبيل الى الطرح لمنافاته ح من طريقة العقلاء و لا الى القرعة لخلوّها عن المستند بالنسبة الى امثال المقام و لا الى التخيير اذ هو فرع تحقق الحيرة و كيف بدا مع ما اشير اليه من ذهاب المعظم الى الندب و نحوه فالمصير الى التخيير و الامر كل ليس الا ترجيح المرجوح على الراجح فتعين الحكم بالندب الظاهرى ثم لا شك ان كل ما ذكرنا فى هذا العنوان من الاقوال و طرق الاحتجاجات يجرى فيما دار الامر بين الحظر و الكراهة فالحكم فيه الكراهة الظاهريّة فلا حاجة الى الإسهاب و الاطالة بالاعادة ثم لا يخفى عليك ان الامر اذا دار بين الوجوب و الندب او الحظر و الكراهة و احتمل مع ذلك الاباحة فالحكم فيه هو البراءة و الاباحة نعم ان الحكم بالاستحباب هنا من باب التسامح و حسن الاحتياط خاصة لا غير و ليس من ذلك القبيل الشبهة بين الاستحباب و الكراهة فان مقتضى التحقيق فى ذلك هو الحكم بالتخيير مط سواء انضم الى ذلك الاحتمال الاباحة ايضا ام لا غاية ما فى الباب ان التخيير بين الامور الثلاثة فى الاول دون الثانى و يحتمل الفرق فى ذلك بالحكم بالاباحة فى الثانى بل فى كل صورة ينضم اليها الاباحة من الثنائيات و الثلاثيات و الرباعيات و هذا هو الاقوى و لا يخفى على من امعن النظر فيما قدمنا وجه ذلك و طريق اجراء الادلة الدالة على الاباحة نعم يجرى فى بعض الصور بعد الحكم بالاباحة الاستحباب الظاهرى او الكراهة الظاهريّة من باب التسامح كما عرفت ثم لا يخفى عليك ان ما اشرنا اليه من منشأ الاشتباه و الشك فى السابق يجرى فى هذه الصور ايضا فامعن النظر فيما قدمنا حتى لا يخفى عليك شي‏ء مما لم يطل الكلام فى بيانه‏ تذنيب‏ اعلم ان مقتضى ما حققنا سابقا فى بعض المقامات هو الحكم بالتخيير اذا دار الامر بين الوجوب‏ (2) او بين الحرمة و الندب لحكومة الاخبار الدالة على التخيير فى تعارض النصّين اذ لا اختصاص لها يدور الامر بين المحذورين فان هذا المقام من مواردها ايضا فاذا تم الامر فى تعارض النصّين بهذه الحكومة الجلية و البينة الغير الخفية ثبت فى غيره مما تعارض الاجماعان المنقولان او الشهرتان او نحو ذلك بالاجماع المركب من غير فرق فى ذلك كله بين العلم بنفى الثالث او؟؟؟ او لا ثم لا يبعد دعوى انّ ما ذكرنا هو ما عليه المعظم و ان كان بالنسبة الى بعض الصور لاندراج ذلك تحت عنوان تعارض النصّين فيجرى فى ذلك ايضا و لو بالنظر الى بعض الصور الاقوال المتقدّمة فى بحث دوران الامر بين المحذورين و كيف كان فان الاحتمالات المتصورة فى المقام من القرعة و الطرح و الرّجوع الى الاصل كلها باطلة لعدم تساعد شي‏ء من ذلك بشي‏ء من الدليل نعم فى المقام احتمالان آخران الرّجوع الى الاصل الفقاهتى المستفاد من بعض ما مر فى بحث دوران الامر بين الوجوب و الندب و مقتضاه الحكم بالكراهة فى الاول و الندب فى الثانى و الحكم بعكس ذلك و قد اختار البعض الثانى احتجاجا بحكم العقل و طريق العقلاء و اخبار الاحتياط و اطلاق كلمات الاصحاب فى تقديم حسن الاحتياط و اخذ جانب الوجود و تسديدا ذلك بقوله فان قلت انك تقول بحجية الظن بنفى الثالث‏

فكيف تاخذ به قلت الاخذ بالثالث اذا كان سائغا مع العلم الاجمالى فى البين كما فى صورة دوران الامر بين الوجوب و الندب حيث علم نفى الثالث كان سائغا بالظن بنفى الثالث بالطريق الاولى على ان حجّية مثل هذا الظن انما فى صورة فقد المعارض و هو فى المقام موجود و انه لا منافاة بين حجية الظن بنفى الثالث و الاخذ به اذ هذا الاخذ اخذ عرضى و من باب مقدّمة الوصول الى الواقع المحتمل اعنى الوجوب و الصفة الموافقة له فالندب فى الاول و الكراهة فى الثانى ليسا من المندوبات الذاتية الواقعية و لا الظاهريّة و الاول ظ و كل الثانى لان الحكم الظاهرى ما يحتمل موافقته للواقع و بالجملة فان الندب فى الاول ندب عرضى كالكراهة فى الثانى كراهة عرضية هذا و انت خبير بان هذا بعد الاغضاء عما فيه من عدم شموله لجميع اقسام المقام يرد عليه ان الندب فى الاول و الكراهة فى الثانى اذا لم يكونا من الاحكام الظاهريّة كما انهما ليسا من الاحكام الواقعية فكيف يعدان من الاحكام اذ هى دائرة بين الواقعية و الظاهرية و لا ثالث فى البين جدّا مع ان ذلك مستلزم لتسبيع الاحكام او تثمينه بل ازيد كما لا يخفى على الفطن فنقول لو تم الوجوه المذكورة لاتجه الحكم بالندب فى الاول و الكراهة فى الثانى حكما فى مرحلة الظاهر و لا يحتاج ذلك الى احتمال الموافقة

____________

(1) فبعد

(2) و الكراهة

271

للواقع و نظير ذلك غير عزيز و بالجملة فالتقسيم المذكور و التثليث فيه بزيادة العرضيات على الظاهريات مما لم يعهد عن احد مع انه غير مساعد بالدليل و مستلزم المحاذير ثم لا يخفى عليك بانه يمكن ان يقال ان ما ذكرنا من الحكم بالتخيير انما كان مما يعطيه النظر الجلى اما ما يعطيه دقيقه هو نفى الوجوب و رفعه عن البين بالمرة نظرا الى جريان ادلة البراءة فى المقام و تقديمها على اخبار التخيير بوجوه مرّت اليها الاشارة فى بحث دوران بين الوجوب و الندب و لو ببعضها و تنزيل اخبار التخيير على ما لا يشمل المقام ثم الحكم بعد ذلك اما بما يقتضيه الاصل الفقاهتى من الحكم بالكراهة فى الاول و الندب فى الثانى او بعكسه و لعله هو الاقرب ثم الفرق بين الاتيان من باب التخيير و بينه من باب الاحتياط ظ اذا بنى الامر على ان التخيير فى المقام و امثاله انما هو التخيير البدوى و اما على البناء على التخيير الاستمرارى كما عرفت انه هو الحق فى امثال المقام فالفرق بالقصد و النية فلا بد من الامتياز بالنية بل هذا مما يحتاج اليه و ان بنى الامر على التخيير البدوى ثم لا يخفى عليك ان الاقسام مما تكثر من القسم التثليثى و التربيعى و التخمينى الا ان الفطن لا يخفى عليه استنباط احكامها و بيان حالاتها باجراء الادلة و نقضها و ابرامها و تسديدها و تزييفها مما قررنا و من القواعد التى اعطيناها فنكتفى بهذا المقدار فى باب اصل البراءة فليطلب بعض ما ندر و شذ و لم يذكر فى هذا الباب فى خاتمته فانا نشير فيها الى ما يشتد اليه لحاجة و ما لا بد من بيانه و يتعلّق بالباب غاية التعلق و كل ذلك مما قد تيسر لى بعون اللّه و بركة حججه الطّاهرة

خاتمه: و فيها خزائن‏

خاتمة و فيها

خزينة: فى بيان الحال فيما يتعلّق بالاحتياط بحسب الكيفية و الحكم و الوارد

خزائن‏ خزينة فى بيان الحال فيما يتعلّق بالاحتياط بحسب الكيفية و الحكم و الموارد و بيان ان الموارد فيه على نهج واحد ام لا و بيان انه هل يمكن ان يؤسّس اصل بالنسبة اليه و يؤخذ به فى اثبات الاستحباب فيما يصدق عليه حده ام لا فاعلم ان المستفاد من كتب اللغة ان الاحتياط هو الاخذ بالثقة و العمل بما لا يحتمل الضرر اصلا او يحتمل احتمالا مرجوحا او بما يحتمل ان يكون اقل ضرر اقال فى الصّحاح احتاط الرّجل لنفسه اى اخذ بالثقة و فى القاموس احتاط اخذ بالحزم و فى المجمع احتاط بالامر فى نفسه اى اخذ بما هو احوط له اى اوقى مما يخاف هذا و قد عرفه العلماء من الاصوليين و الاخباريّين بتعاريف مختلفة فقال البعض هو الاخذ بما هو اوقى للنفس من الهلاك فى صورة الاحتمال لا فى صورة الجزم و قال آخر هو ان ياخذ المكلف بما يخرجه عن عهدة التكليف و لو بالاضافة و قال السّيد الصّدر فى بيان كيفيته و لا ريب فى انه لا يقال فى العرف لمن عمل بما قطع بوجوبه عليه او ترك ما قطع بحرمته انه احتاط فى الفعل او الترك و انما يقال لمن كان له حيرة فى الفعل و الترك عقلا او شرعا و كان احدهما مما يقطع بعدم الضرر فيه و الآخر مما يظن به ذلك او يشك فى حاله او كان عدم الضّرر فى احدهما مظنونا و فى الآخر مشكوكا او كان احدهما اقل ضررا او ظنا او احتمالا انه احتاط فى امره اذا اختار القطعى او الظنى على ما يقابله او الاقل على الاكثر و لا يبعدان يكون فى اللغة ايضا كل و قال بعض الأخباريّين الاحتياط هو العمل بما يتيقن معه براءة الذمة عند عدم وضوح الحكم الشرعى انتهى و قال بعض المعاصرين الاحتياط عبارة عن الاتيان بما يحتمل وجوبه واقعا فى الجملة و لا يحتمل التحريم او ترك ما يحتمل تحريمه كل و لا يحتمل الوجوب فان علم لدليل يدلّ عليه غير دليل الاحتياط كالخبر المعتبر او الاستصحاب او ما اشبه ذلك لم يعد العمل به احتياطا و كذا اذا احتمل الوجوب و التحريم و انما اعتبرنا قولنا فى الجملة احترازا عن مثل الاقل اذا دار الامر بين وجوبه و وجوب الاكثر و ان كان وجوبه النفسى محتملا الّا ان وجوبه فى الجملة فهو على الوجه المزبور مما حكم بديهة العقل و اتفق على اولويّته و رجحانه العقلاء اذ به جلب المنافع و دفع المفاسد دنياوية او اخرويّة و لو لمجرّد قيام الاحتمال بوجه يكون ملحوظا عند العقلاء بحيث لا يفضى بصاحبه الى حد الوسواس الذى هو عبارة عن حالة فى الانسان تمنعه عن الثبات و الاطمينان و هو على ما قيل كالجنون له فنون و منشؤه غلبة الوهم و اضطراب الفكر و هو اداء عظيم و بلية سارية فى الاعتقادات و الدلائل الشرعيّة فى الاحكام العبادات و المعاملات فان وقع فى العقائد افسد الاعتقاد و يورث الفساد فى العبادات و المعاملات فهو ذو محاذير كثيرة و مفاسد عظيمة و ربما آل امر صاحبه الى انكار ضرورى المذهب او الذين فكفى بذلك ذمّا و قبحا فيه و قيل ان اقوى البواعث على حصوله فى غالب العبادات الرياء و السمعة ثم يقوى و يحكم فيتسلط عليه الشيطان و يرفع عنه الاطمينان و كيف كان فان اجراء حسنه و الحكم باولويته مشروط بعدم الافضاء الى هذا المرض العظيم كما هو مشروط بعدم استلزامه العسر و الحرج الشديدين الموجبين لمنافرة القلوب عن الدين المبين و المذهب المستقيم و بعدم استلزامه التعطيل فى الاحكام و وقوع الحيرة و الحرج بين الانام بتوقف حاكم الشرع عن الافتاء و قطع الخصومات و المنازعات و قيل ايضا انه لا يجرى فى الامور العامة بحسب الجواز و الحرمة و الطهارة و النجاسة لترتب الحرج على الخطاب بها و ان كان ندبيّا و يرشد الى ذلك النظر الى حال الحبوب و الملبوس و اللحوم و الادهان فان اباحتها موقوفة على سلامة سلسلة الاصول من يوم ابتداء الخلق الى زمان الانتفاع و مما يرشد الى ذلك سيرة الاجلاء على استعمال الدراهم المسكوكة بسكّة حكّام الجوز و على اخذ اموال الاغراب و ركوب ابلهم خصوصا الى طريق الحجاز و التصرف فى ادهانهم و البانهم و نحو ذلك فمن طلب الحلال الواقع باخذ البذر من بلاد الكفار الحربيّين و اراد حصول العلم بذلك فقد ضيق على نفسه و طلب محالا فانه كيف يعلم فى تضاعيف الطبقات من مبدا خلق الاصول لم يدخل غصب و نحوه فى ذلك و لو ان لمثل هذه الامور

يكون لها يوما رجحان و وجه مقبول ما خلت عنه الاخبار و لظهر منه‏

272

و لظهر منه اثر فى الآثار مع ان المسلمين لا يتحاشون من ايام النّبى (ص) و الائمة (ع) من استعمال السكر و العقاقير و الاقمشة المجتلبة من الهند و من المظنون بحيث يقارب القطع انها مما تعملها الكفار و كذا عن الادهان المتخذة من السّمسم و نحوه و من البعيد ان لا يصيب محله نجاسة فى حين من الاحيان فمن تعاطى غسل الاقمشة الهندية و نحوها اذا اراد لبسها و هجر البرغال و الجلد المسمّى عند العجم بالسّاغرى و الادهان الطيبة المختلقة فى بلاد الهند الى غير ذلك طلبا للاحتياط كان آتيا بالمرجوح دون الراجح هذا و انت خبير بعدم استقامة اطلاق هذا الكلام و بسقم ارساله اذ نفى اولوية الاحتياط و حسنه عن الامور العامة المفسرة عند هذا القائل بما فسر على سبيل الاطلاق و طريق الكلية غير مشروط بشي‏ء من العسر و الحرج و نحو ذلك مما لا يتقوه به عاقل و كيف لا فان ذلك اما لاجل عدم كونه مصداقا من مصاديق احد الحدود المذكورة للاحتياط او لعدم شمول مدارك الاحتياط له من العقلى و النقلى و لو كان ذلك لاجل عدم الانصراف اليه او باتفاق العلماء على استثناء ذلك بعد تسالم الامرين من صدق الحد و الشمول فالاول كما ترى من البعد فى منار و لا اظن ان يظن به هذا القائل و كذا الثانى اذ كيف ينكر شمول قولهم (ع) دع ما يريبك الى ما لا يريبك لما فى المقام و كذا قول امير المؤمنين (ع) مخاطبا لعثمان بن الحنيف فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه الحديث و نحو ذلك من الاخبار العامة مع انك قد عرفت مرارا ان الاحكام الالهية من التكليفيّات و الوضعيات انما هى على طبق الامور الواقعية و العلل النفس الامرية و لا دخل فى ذلك للعلم و الجهل و ان القبائح النفس الأمريّة و ان لم تؤثر اثر العقاب و العذاب فى صورة الجهل بها إلّا انها مما يؤثر فى الجملة و لو بحسب الحط و الانخفاض فى درجة ملكة السعادة و الازدياد و التقوية فى درجة ملكة الشقاوة و اما الثالث فكيف يدعيه هذا القائل مع تصريح العلماء جيلا بعد جيل بحسن الاحتياط و اولويّته فى كل مقام من المقامات مهما امكن و ما لم يعارض بحسب بعض المقامات ما هو اقوى منه و يرد عليه و لو كان ذلك بحسب ملاحظة بعض الحالات و جملة من الأشخاص و السّيرة المدّعاة ان كانت بالنسبة الى نفى اولوية ما قلنا فى الامور العامة فغير متسالمة و لا مسلّمة و ان كانت بالنسبة الى اثبات الاباحة و الجواز و الطهارة بالنّظر الى مرحلة الظاهر فهى مسلمة متسالمة الا ان ذلك لا يجديه من غير لكونه حريم محل هذا البحث و ليت شعرى بانه كيف يدعى هذه المقالة و كيف يرضى بهذا الاستثناء مع ان ذلك يكاد ان يستلزم القول بعدم الاحتياط فى الموضوعات باسرها اذ اكثرها من الامور العامة على ان الاعمية بهذا المعنى امر اضافى يختلف بحسب الحالات و الاشخاص و الازمنة و من اعجب الامور و العجائب جمة ادعائه عدم الامر بالاحتياط فى الامور العامة فى خبر من الاخبار و اثر من الآثار أ ليس‏ (1) من اعظم الاخبار و الآثار قول امير المؤمنين (ع) حيث بلغه ان عثمان بن الحنيف الانصارى عامله (ع) بالبصرة قد دعى الى مأدبة فاجاب يا ابن الحنيف انه قد بلغنى انك قد دعيت الى مأدبة فاسرعت اليها تنقل اليك الجفان و تستطاب لك الالوان فما كنت اظن انك تجيب الى مأدبة قوم عائلهم مجفوّ و غيّهم مدعوّ فانظر الى المقضم الذى تقضمه فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه الا ان لكل ماموم اما ما يقتدى به و يستضئ من نوره الخ الحديث أ ليس مورد ذلك فى الامور العامة و التوبيخ و التقريع على مناولتها من غير علم بطيب وجوهه و مقام المعارضة مع الاقوى او الاستلزام العسر و الحرج الشديدين بحسب بعض الموارد و الاشخاص و الازمنة مقام آخر و بالجملة فان ارسال هذا الكلام كالقول بعدم مشروعية الاحتياط بالجمع و التكرار فى العبادات و تشريعه كما نقلناه عن البعض فى بعض المقامات السابقة مما لا يصغى اليه فقد انصدع عما ذكرنا معيار اوفى و ميزان مستوفى لمعرفة موارد جريان الاحتياط الندبى ثم لا يذهب عليك ان كل ما ينبغى ان يفعل او يترك انه من باب الاحتياط اذ قد يكون ذلك من باب التسامح فى السّنن و المكروهات و لا تنهض ادلة التسامح دليلا لاثبات استحباب الاحتياط لانها انما دلت‏

على اعتبار ما لا ينهض دليل من خبر ساقط او قول فقيه فى اثبات الاستحباب بهما و الكلام فى الاحتياط فيما لم ينهض دليل على احد الاحتمالين او احد المتعارضين او قول الفقيه الذى دل على المنع و التحريم فالفرق بينهما مفهوما و موردا و دليلا واضح على ان الاحتياط اعمّ موردا حيث يجرى فى الموضوعات و الاحكام و اعمّ منه من غير هذه الجهات ايضا و انّ ما يحصل بقاعدة التسامح اثبات حكم فكم من فرق بينه و بين الاحتياط ثم لا باس بايراد ما يتعلق بالمقام من كلمات بعض الاعلام حيث قال ان السّنن على اقسام اولها ما علم فيه استحباب الاصل و شك فى رجحان الخصوصية ثانيها ما دار بين المباح و السّنة ثالثها ما جهل حكمه بالمرة رابعها ما لم تثبت شرعيته بالاصل و لا معارض له كوضوء الحائض و الجنب خامسها ما كان مخالفا لقاعدة شرعيّة كصوم النافلة و السّفر و نذر الاحرام قبل الميقات و نذر الصوم حضرا او سفرا و ركعتى الوتيرة ان جعلت نافلة للعشاء و الزيادة على الاثنتين فى النوافل سادسها ما كان داخلا تحت عموم الادلة التحريم و الكراهة الذاتيين و الظاهر فى القسم الاول الاكتفاء بمجرّد المظنة من قول فقيه او من غيره فضلا عن الرواية الضعيفة بل الاحتمال القوى كاف لان طريق الاحتياط فى تحصيل رجحان الخصوصية حجة شرعية كما هو كل فيما يحتمل الوجوب و الحرمة و القسم الثانى و يقع فى الآداب و الرواجح الغير المشروطة بالنية ملحق بسابقه و القسم الثالث و الرابع لا يثبتان الا بحجة و لو رواية ضعيفة لدخولها فى ادلة السّنن و اما القسم الخامس فيحتمل فيه ذلك نظرا الى ان الضّعيفة

____________

(1) اذ هذا يكشف عن قصر باع هذا القائل فى تتبع الاخبار و تصفح الآثار

273

لما استفيد انها حجة فى السّنن و الآداب و المكروهات ارتفع احتمال التشريع بوجوب الدليل و يقوى الحاقه بالقسم الآتي لان الخبر الضعيف لا تنهض فى تخصيص القاعدة المستفادة من الادلة و رفع التشريع انما هو فى الاقسام الادلة و اما السادسة فلا ينبغى الشك فى مساواته لسائر الاحكام و لا يعتمد فيه على ضعيف الاخبار هذا و لا يخفى عليك ان هذا الكلام مما هو فى مخره فلا فرق فى القسم الاول بين ما ثبت بالعموم بالاطلاق و بين غيره مما ثبت عن الادلة اللّبية و ثمرة اثبات رجحان الخصوصيّة بما اشير اليه بعد ذلك غير عزيزة و تظهر فى باب النذور و الايمان و نحو ذلك فهذا كثيرا ما يتحقق فى باب الزيارات و الادعية و الاوراد و الاذكار و التمجيدات و يثمر فيما ذكر كما يثمر فى باب الاجارات و الجعالة و نحو ذلك و بالجملة فان كل ما استفيد من هذا الكلام مما فى غاية الجودة و المتانة الا ان الاحتمال الاول فى القسم الخامس مما فى غاية الضّعف كما اذعن به صاحبه هذا و سيجي‏ء بعض ما يتعلق بالكلام فى الاحتياط فيما سيأتي إن شاء الله اللّه تعالى فانتظره‏

خزينة: فى بيان القاعدة الاشتغال‏

خزينة فى بيان الحال و تحقيق كيفية المقال فى قاعدة الاشتغال فاعلم ان من القواعد المتداولة بين الاصوليّين قاعدة الاشتغال و قد يعبّرون عنها باصالة (1) و اصل الاشتغال و قد يستبدلون عن الاشتغال بالشغل فيقولون قاعدة الشغل و اصالة الشغل و اصل الشغل و قد يضعون موضع القاعدة و الاصل الاستصحاب فيقولون استصحاب الاشتغال او استصحاب الشغل و قد يكتفون بذكر المضاف اليه فيقولون مقتضى الاشتغال او الشغل كذا و كذا و هكذا يصنعون فى اصل البراءة و اصل الاحتياط و نحو ذلك من جملة من الاصول و القواعد و كيف كان فان مفاد الكل و مرجع الجميع امر واحد و قد يتراءى من البعض التفريق بين قاعدة الاشتغال و استصحابه حيث يعدهما دليلين فيما يجريان فيه و لعل وجه ذلك هو ان القاعدة تجرى و لو لم يتحقق العلم الاجمالى فى البين بخلاف الاستصحاب فانه مما لا بد فى اجرائه من تحقق المستصحب و بعبارة اخرى ان قاعدة الاشتغال اعمّ موردا من استصحاب‏ (2) فتناط القاعدة على اعتبار وقوع الاحتمال مط و لو لم يتحقق فى البيّن العلم مط و لا كل الامر فى الاستصحاب فعلى هذا لا يتحقق الفرق الموردى بين قاعدة الاشتغال و قاعدة الاحتياط هذا و يمكن ان يقال ان الاحتياط اعم موردا من الكل اذ المناط فى جريانه هو تحقق الرّيبة و قاعدة الاشتغال اعمّ موردا من استصحاب الاشتغال اذ لم ينط هذه القاعدة الا على التحقق للشك التفصيلى الجامع للعلم الاجمالى و ملاك الامر فى استصحاب الاشتغال على تحقق العلم التفصيلى السّابق و الشك التفصيلى اللاحق فقد انصدع من ذلك ان الاحتياط اعمّ موردا من القاعدة المقدميّة العلمية ايضا لانها مما اعتبرنا فيها العلم الاجمالى المجامع للشك التفصيلى ايضا و لكن الفرق بينها و بين قاعدة الاشتغال فى غاية الاشكال اللهم إلّا ان يقال ان قاعدة الاشتغال اعمّ موردا من القاعدة المقدمية العلمية حيث تجرى الاولى فى الاحكام و الموضوعات بخلاف الثانية فانها تختص بالموضوعات هذا و التحقيق ان يقال ان الفرق بينهما من وجه آخر و هو انهما و ان كانت لمشتركين فى تحقق العلم الاجمالى المجامع للشك التفصيلى الا ان القاعدة المقدّمية يلاحظ فيها دلالة الخطاب الشرعى و لو كانت دلالة تبعيّة فتكون قاعدة الاشتغال اعمّ موردا اذا عرفت هذا فاعلم ان العلماء لم يجعلوا لقاعدة الاشتغال عنوانا مستقلا يستوفى فيه الكلام لها و يبيّن فيه المرام لاجلها ببيان حكمها و محازها و كيفيتها و مدركها بل قد اشار جمع الى بعض ذلك فى تضاعيف بعض المباحث و خلال بعض العناوين لبعض الاصول و القواعد نعم ان بعض المعاصرين قد عنون لها عنوانا مستقلا و زعم انه قد استوفى فيه الكلام المتعلق بها فلا بد من نقل عمدة كلامه و خلاصة مرامه فقال و من جملة الادلة العقلية اصل الاشتغال و هو يكون فى غير الاباحة من الاحكام الشرعية اما فى الواجب و الحرام فظاهر و اما فى المندوب و المكروه فلانه اذا علم استحباب فعل او تركه فما لم يفعل نحكم ببقاء الاستحباب حتى يعلم ارتفاعه و معنى هذا الاصل انه اذا علم اشتغال الذمة بشي‏ء يحكم ببقائه حتى يعلم البراءة و ذلك معنى قولهم شغل الذمة اليقينى يحتاج الى البراءة اليقينية و يلزمه ثبوت التكليف مع عدم العلم بالبراءة و كثيرا ما يلزمه ثبوت الحكم الوضعى او الموضوع ايضا و لا بد فى اجرائه احدهما (3) العلم باشتغال الذمة بشي‏ء اولا و اما بدونه فالحكم للبراءة الاصلية و هو الخروج عنها يستدعى اليقين بالشغل و ثانيهما حصول الشك فى البراءة و اما مع العلم بعدم ذلك فوجوب تحصيل مطلق البراءة بديهى اذ هو لازم الاشتغال‏ (4) به اما ان يكون مما علم استمراره ابدا او يكون مغيّا بغاية او علم الشغل به فى الجملة و لا يعلم ما بعده و الشك فى رفع الاشتغال تارة يكون باحد اسباب الشك المتقدمة فى الاقسام الثلاثة و اخرى باعتبار الشك فى الاتيان فان كان من الاول فحكم امكان الحكم ببقاء الاشتغال و عدمه بعد الشك حكم استصحاب الحكم الوجودى الثابت فى كل قسم اذ لا دليل على ابقاء الاشتغال فيه الّا استصحاب حال الشرع و حكم استصحابه بعينه حكم استصحاب الحكم من الجريان و وجود (5) المعارض و عدمه بعينه عليه و المقصود هنا بيان الثانى و هو تارة يكون بان يكون محل الحكم معيّنا و لكن شك فى انه هل اتى به ام مع عدم علمه باتيان شي‏ء او فى ان ما اتى به هل هو من افراد ذلك المعيّن ام لا و تحصيل العلم بالبراءة يكون بالاتيان به ثانيا و اخرى بان يكون محله مرددا

بين شيئين او اكثر و اتى باحد الامور المردّدة فى وجوبها او استحبابها او اجتنب عن واحد من المردد فى حرمتها او كراهتها و شك لاجله فى البراءة (6) اليقينية يكون بالاتيان بجميع ما يحتمل ان يكون محكوما به فان كان الاول فلا شك فى اصالة الاشتغال‏

____________

(1) الاشتغال‏

(2) الاشتغال‏

(3) من امرين‏

(4) ثم ما علم الشغل‏

(5) و عدمه‏

(6) و حصول البراءة

274

للاجماع القطعى و استصحاب عدم الامتثال و عدم الاتيان بالمامور به اللذان هما المزيلان لاشتغال الذمة و اما استصحاب نفس الاشتغال فهو و ان كان صحيحا ايضا إلّا انه يعارض استصحاب عدم الاشتغال فى زمان الشك المعلوم او لا على ما مرّ بيانه و ان كان الثانى فالترديد اما يكون باعتبار شرط المحكوم به او جزء ماهيّة او تمامها و المراد بالترديد فى الشرط و الجزء الترديد فى اصل الاشتراط و الجزئية و اما الترديد فى شرط او جزء او جزئهما او تمام ماهيتهما بعد ثبوت الاشتراط او الجزئية فهو ترديد فى المحكوم به باحد الاعتبارات الثلث حيث ان بعد ثبوته يكون الشرط و الجزء محكوما به و المراد بالترديد فى تمام الماهيّة ان لا يعلم ان المحكوم به اصلا او تبعا هذا او ذاك ثم الترديد اما يكون بسبب تعارض الادلة او لاجل شي‏ء من الاحكام اللفظية كاشتراك او تعدد مجاز او عرف او نحوها او لاجل عدم وصول التعيين مع وصول التكليف باحد الاشياء باجماع و نحوه او بسبب عروض امر اوجب الاشتباه كنسيان او عذر آخر و منه الترديد فى جهة القبلة و نحوه هذا كلامه ثم ذكر ما عنده من الاحكام فى ذلك فحكم بعدم حجية اصل الاشتغال فى صورة كون الترديد باعتبار الشرط و الجزء و كذا فيما كان باعتبار تعارض الادلة و فصل فى بعض الصور ثم حكم بحجيته اذا كان الترديد لاحد الوجوه الثلاثة اذا لم يفض و لم يؤد الى العسر فيما كان الحكم الوجوب او الندب و لم يكن قدر مشترك بين الجميع و الا فيسقط التكليف فى الاول من اصله و يكتفى بالقدر المشترك فى الثانى و انت خبير بان مقصودنا الاهمّ فى هذا العنوان اشارة الى مظان جريان هذا الاصل و بيان مداركه و حجيته و وجه دخوله فى الادلة العقلية و كشف الستر عن انه من العقليات الاستقلالية بالنسبة الى مرحلة الظاهر او العقليات التبعية (1) بالمقام و يلتصق به غاية الالتصاق فاعلم انه اصل عام يتصور جريانه فى كلما يتصوّر فيه جريان القاعدة المقدمية العلمية و قاعدة الاحتياط الا فى مواضع قليلة كما مر من الاشارة الى ذلك فيتعقل فى الاعتقادات و العبادات و المعاملات و الاحكام و الموضوعات على وجه و بالجملة فهو مما يتعقّل جريانه فى مواضع الشك و مظان الرّيبة مما يجامع العلم من وجه و لو اجمالا و قد عرفت فى المباحث السّالفة الامور التى ينبعث ذلك عنها و بعبارة اخرى انه اصل يضاد اصل البراءة آثار او احكاما و يباينه غاية التباين بحيث لا يجتمعان على شي‏ء واحد و لا يصيران دليلين عليه فلا بد فيما يتعقل جريانهما فيه و لو كان ذلك فى بادى النظر من رفع اليد عن احدهما ثم النسبة بينهما بحسب المورد الجريانى نسبة العامين من وجه فمادة الافتراق من جانب موارد اصل البراءة ما لم يتحقق فيه العلم اصلا و مادة الافتراق من جانب اصل الاشتغال ما شك فيه بحسب تحققه فى الخارج و حصوله على الوجه الشرعى و يمكن ان يقال ان النسبة بينهما من هذه الجهة نسبة الاعم و الاخصّ المطلقين فيتعقل جريان اصل البراءة فيما ذكر ايضا غاية ما فى الباب انه ليس بحجة فيه فكم من فرق بين مقام الجريان و مقام الحجية هذا و فيه ما لا يخفى فت و كيف كان فان الدليل على حجيته و التعويل عليه هو ما يدل على حجية الاستصحاب اذا قلنا انه قسم خاص من الاستصحاب و اما اذا قلنا بان النسبة بينهما بحسب الموارد نسبة العامين من وجه و انه فرق بيّن بين قاعدة الاشتغال و استصحاب الاشتغال فيمكن ح ان يستند فى حجيته الى حكم العقل و بناء العقلاء الراجع من وجه الى تقرير المعصومين (ع) و المنكشف عنه و من وجه آخر الى حكم العقل كما يمكن ان يستند فيها الى جملة من الآيات كقوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* الخ و نحو ذلك بنوع من التقريب و ان كان لا يخلو عن تكلف و اما قاعدة وضع الالفاظ للصحيح كقاعدة وضعها للامور الواقعية فمما ليس من تدارك هذا الاصل جدا بل هما مما يعين المصير الى الاخذ بهذا الاصل فيما يتعقل جريانه فيه و يتحققان فيه فينبعث عنهما تقديمه على مضاده من اصل البراءة لا يقال ان ما اشير اليه من حكم العقل و بناء العقلاء و كيف يكونان من مدارك هذا الاصل مع ان الآخذين بذيله كما يتشبثون به فى مجاريه كمقام اثبات جزئية الشي‏ء المشكوك جزئية او شرطية او مانعيّته و غير ذلك فكل يتشبثون فى ذلك بحكم العقل و بناء

العقلاء فهذا يكشف عن عدم كونهما مدركين له و هذا واضح فيقع فى البين عويصة و شبهة عظيمة من تحقق دليل متداول بين العلماء مع عدم تحقق مدرك له لانه يمكن ان يقال ان هذا ليس مما يصنعه الكل بل مما يصنعه البعض فان الاكثر يكتفون بذكر القاعدة الماخوذة من هذين المدركين فلا يذكرونهما فى اثبات ما ذكر قسمين لها على ان ذلك مما لا ضير فيه بعد قطع النظر عن تحقق القاعدة و الاغماض عن استنهاض دليل على حجيتها و نظير ذلك غير عزيز و هكذا بعد ملاحظة العمومية فى المدركين فت ثم لا يخفى عليك ان بعد امعان النظر فى تعريف الدليل العقلى و الحكم العقلى ينصدع وجه دخول هذا الاصل تحت الادلّة العقلية فهو و ان لم يكن من الادلة العقلية الراجعة الى قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين و لا من الادلة العقلية الواقعية اى المثبتة للاحكام بالنسبة الى مرحلة الواقع إلّا انه من الادلة المثبتة لها بالنظر الى مرحلة الظاهر و بالنسبة اليها كاصل الاباحة و اصل البراءة و الاستصحاب فلعل وجه طى الجل كشحهم عن جعل عنوان مستقل له كما ذلك فى ساير الادلة العقلية انما هو بملاحظة اندراجه تحت عنوان الاستصحاب نظرا الى انه قسم خاص منه فيغنى عنوان العام عن عنوان الخاصّ كما صنعوا كل فى نظائر ذلك و يمكن ان يقال ان هذا لاجل عدم التعويل عليه و الاعتداد به عندهم فى اكثر مجاريه و لو كان ذلك لزعمهم عدم تحقق جريانه فيه هذا و انت خبير بان كلا من هذين الوجهين مما لا يخلو عن نظر و وجه النظر فى الاول‏

____________

(1) و غير ذلك مما يتعلق‏

275

واضح اذ قد علم ان هذا الاصل مغاير لاصل الاستصحاب مع انّ عنوان العام لا يغنى عن جعل عنوان للخاص‏ (1) ابحاث مختصّة به و مزايا امور لا تتعدى عنه و ما نحن فيه من هذا القبيل جدّا و قد صنعوا ما اشرنا اليه من تعدد العنوان فى نظائر ذلك قطعا و وجه النظر فى الثانى اوضح لان ذلك لا يسقط البحث عن يعولون عليه و يعتدون به كما عليه جم من محققى المتاخرين على ان فيه نظرا من وجه آخر كما لا يخفى على المتامل ثم لا يخفى على ذى درية تامة و مسكة قوية ان الحكم العقلى المترتّب عليه الآثار من الثواب و العقاب ما يكون من الاستقلاليات لا التبعيات اذ قاعدة التلازم بين الاحكام العقلية و الاحكام الشرعيّة و لو بالنظر الى مرحلة الظاهر انما فى الاستقلاليات لا التبعيات فلا يلاحظ توسيط الخطاب الشرعى فى الاولى كما يلاحظ ذلك فى الثانية فلا ريب ان هذا الاصل مما يلاحظ فيه ذلك كما فى وجوب المقدمة و اقتضاء الامر بالشي‏ء النّهى عن ضده و نحو ذلك فيكون اصل الاشتغال من العقليات التبعيّة و لا يكون من قبيل اصل الاباحة و اصل البراءة و ذلك لانهما لا يحتاجان الى التوسيط المذكور فيقع فى المقام اشكال لا دافع له و ان قلنا بان اصل الاشتغال مندرج تحت الاستصحاب اذ الاستصحاب ليس بجميع اقسامه من العقليات الاستقلالية بل ما يكون منه من العقليات الاستقلالية انما ما يكون فى الموارد العدمية من الموارد الاحكامية و اما الوجوديات فليست الا من التبعيات و القول بانه فرق بيّن بين الاستصحاب و القاعدة المقدميّة و قاعدة اقتضاء الامر بالشي‏ء النهى عن ضدّه و ذلك بان الاستصحاب من حيث هو غير محتاج الى التوسيط المذكور لانه لا يتحقق مصداق غير محتاج الى ذلك كما فى المصاديق من الاستصحابات العدميّة فهذا المقدار كاف فى اثبات استقلالية الاستصحاب فلا حاجة الى تنويعه الى نوعين مما لا يصغى اليه لان هذا المقدار مما يتحقق فى القاعدة المقدّمية ايضا و هذا واضح اذا كان ذو المقدّمة من الواجبات العقلية فالاشكال غير مندفع و لا سيما اذا بنى الامر على ان قاعدة الاشتغال ليست قسما خاصّا من الاستصحاب بل انها قاعدة مغايرة له هذا و يمكن التزام ان الاشتغال ليس من العقليات الاستقلالية بل هو من التبعيات و اثبات الاحكام من التكليفيات و الوضعيات و استحقاق الثواب و العقاب ليس بنفس هذا الاصل خاصة بل به بعد ضم الخطابات الشرعيّة اليه و ان كانت من المجملات فلا ضير فى ذلك و لا غائلة نعم يتوجه على ذلك بحث انه لو كان الامر كما ذكر لكان ذكره فى مباحث التبعيات اليق و انسب مع انه لم يذكر فى كتب القوم الا فى مباحث الاستقلاليات اما على سبيل الاستقلال فى العنوان كما فى قليل من الكتب او فى تضاعيف الكلمات كما فى كثير منها و هذا كما ترى مما فيه الامر سهل ثم اعلم ان وجه تقديم اصل الاشتغال على اصل البراءة و تحكيمه عليه فى ماهيّات العبادات و غير ذلك من المواضع التى بنى الامر فيها الآخذون بذيل الاشتغال‏ (2) هو تحقق المدركين المذكورين للاشتغال فيها و عدم انصراف ادلة البراءة الى مثل ذلك و ان كان مما يتعقّل فيها جريانها اذا قطع النظر عن ذلك و اوضح من ذلك اذا بنى الامر على ان الاشتغال قسم خاص من الاستصحاب لكون النسبة بين اخبار البراءة و اخبار الاستصحاب نسبة التعليق و التنجز و لو قلنا ان اصل البراءة ايضا قسم خاص من الاستصحاب هذا و اما على المختار من تحكيم اصل البراءة على اصل الاشتغال فى المواضع المذكورة فالوجه فى ذلك هو سلامة اخبار البراءة عما ذكر من دعوى عدم الانصراف و منع تحقق المدركين‏ (3) فيها اذا بنى الامر على انّ الاشتغال ليس قسما من الاستصحاب و منع شمول اخبار الاستصحاب و جريانها فيها اذا بنى الامر على ان الاشتغال من الاستصحاب و اما وجه تقديم الاشتغال على البراءة فى الموضع المتفق عليه مما كان الشك فيه باعتبار التحقق الخارجى فاوضح من ان يبيّن فاصل البراءة محكّم على اصل الاشتغال و مقدّم عليه فيعمل على طبقه و ان قطع النظر عما يتحقق فى بعض مجاريه من استصحاب الصّحة و نحو ذلك من نافى شرطية شي‏ء و جزئيته فى مهيات العبادات هذا و قد يزعم ان النزاع فى المواضع المذكورة نزاع ناش عن الخلط فى التشخيص و التمييز و بعبارة اخرى انه مما يرجع الى النزاع اللفظى فمن يأخذ باصل البراءة فيها يقول ان الشك فيها من قبيل الشك فى التكليف و من ياخذ باصل الاشتغال‏

يقول ان الشك فى المكلف به فكلا الفريقين متفقون على ان مقتضى الشك فى التكليف البراءة كما ان مقتضى الشك فى المكلف به الاشتغال و انت خبير بان هذا الزعم كزعم ان ذلك نزاع بحسب التعقل و الجريان لا التقديم و التحكيم مما لا يخلو عن مناقشة و كيف كان فنحن نحكم البراءة و نقدّمها على الاشتغال الا فيما اشرنا اليه لكن الاخذ بالاوثق الاخرم العمل بما يؤديه مط و بعبارة اخرى انا نحكم بثبوت الاحتياط الندبى فى مظان الاشتغال فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل‏

خزينة فى بيان ما يتعلق بشرائط العمل باصل البراءة

اعلم ان عدم احتياج العمل به فى الموضوعات مط و لو كان للمقلد الى الفحص عن تحقق ما يزيل حكمه فى الخارج و عدم ذلك مما لا شك فيه فالدليل عليه بعد عدم ظهور الخلاف بل ظهور الوفاق و الاجماع المحقق بكلا طريقيه اطلاق اخبار البراءة الغير المقيّد بشي‏ء من هذه الجهة و ظ بعض الاخبار الآتية فى بحث الاستصحاب بل صريحه و التقريب به بان اصل البراءة و ما ضاهاه من اصل العدم و اصل عدم تقدم الحادث من اقسام الاستصحاب و بعد الغض عن ذلك الاجماع المركّب حاكم و لا فرق فى ذلك بين الشك و الظن بوجود المعارض لو تفحّص و ان كان ظنا قويا او متاخما للعلم على اشكال فى الاخير منشؤه اطلاق ما تقدم و قيامه فى اكثر المقامات و الموارد مقام العلم و لزوم الفحص فى صورة العلم بوجود المعارض مما لا ريب فيه و الحدّ

____________

(1) اذا كان للخاص‏

(2) على اصل الاشتغال‏

(3) المذكورين‏

276

و الحدّ المحدود فى ذلك ياتى اليه الإشارة و كيف كان فان اشتراط العمل به فى الاحكام بالبحث و الفحص عن تحقق المزيل و عدمه مما يثبت بالاولوية القطعيّة و الاجماع المركّب نظرا الى انّ ذلك مما هو لازم فى الادلة الاجتهادية المنجزة و بالاعتبار الصّحيح من انه لو لم يصر لازما لزم الهرج و المرج و سدّ باب الشرع و باتفاق الاصحاب ظاهرا عدا من تشير اليه فبذلك كله يقيد اطلاق الاخبار و يمكن دعوى ان هذا هو المستفاد ايضا من بعض اخبار البراءة بل من كلها و لا اقل من سكوتها عن ذلك هذا و لكن لا يخفى عليك ما فيه و كيف كان فلم او مخالفة احد فى ذلك الّا ما يتراءى من السّيد الصدر حيث قال فالظاهر جواز العمل بهذا الاصل لكل مكلف فى كل زمان الا ان يعلم ان لحكم ناقلا عن الاصل و مقتضاه و الذمة مشغولة به و لكن لم يصل اليه فح يجب الفحص و السؤال و على تقدير تسليم وجوب الفحص على كل مكلف عن كل ما يمكن ان يصدر عنه فى جميع عمره من الافعال و التروك فنقول بجواز العمل بالاصل فى مجموع زمان الفحص الى ان يظهر الناقل عنه نعم التوقف فى بعض الافعال او التروك الى تمام زمان الفحص ثم العمل بما ظهر من الفحص هو الاولى و دعوى الاجماع المعتبر فى امثال هذه المسائل حالها غير خفية انتهى و هذا كما ترى ظاهر بل صريح فى تفرقته بين صورتى الشك و الظن و الشك بوجود المعارض و بين صورة العلم به و هذا و ان كان مما يميل اليه خلدى فى بعض الاحيان الا ان تحقق الاجماع مانع عن استقراره عليه و مخالفة السّيد الصدر غير قادحة و دعوى استبعاد تحققه فى امثال هذه المسائل غير مسموعة مع ان بعد امعان النظر و تجوال الفكر يتجلى ان المصير الى ما يفيد الحكم بالنسبة الى مرحلة الظاهر انما هو بعد العجز عن تحصيل ما يفيده بالنسبة الى مرحلة الواقع فالشك فى تحقّق كاف فى لزوم رفع اليد عن ذلك الى ان يظهر حقيقة الحال و ان السيّد الصدر (ره) غير منتصر بشي‏ء حتى بما عن جمع من جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص لانه فرق بين بينه و بين ما نحن فيه بل الفرق بين مطلق الادلة المنجزة و بين ما نحن فيه فى غاية الوضوح كما لا يخفى هذا بعد الاغضاء عن ان البناء المذكور فى الكل فاسد و انه ما اختاره هناك و الا فالامر اوضح نعم ان ما تنزل عليه بعد تسليم لزوم الفحص من تجويز العمل بالفحص فى مجموع زمان الفحص الى ان يظهر الناقل مما لا يبعد عن الصواب ثم لا يخفى عليك انّ الامر مما يختلف فى ذلك باختلاف المذاهب فى حجية المظنة و اطلاق القول فيها و اختصاصه و بحسب التعويل على جملة من الادلة دون جملة منها فمن لا يقول بحجية الشهرة و الاجماع المنقول و الاستقراء و الغلبة و عدم ظهور الخلاف مثلا لا يجب الفحص عليه بالنسبة الى تحقق هذه الامور و عدمه و ان ظن او علم بوجود المعارض فيها و هكذا الكلام فى غير ذلك و السر واضح و الوجه لا فح ثم الحدّ المحدود للفحص‏ (1) الى ان يظن بفقد المعارض و لا فرق فى ذلك بين الاحوال فصورة العلم بوجود المعارض كسائر الصور فى ذلك كما ان الشأن فى ساير الادلة من المنجزات و المعلقات كذلك اناطة الامر فى الكلّ على ما دون ما يستلزم التعطيل او العسر و الحرج و الكلام المشبع فى تحقيق الحال فى ذلك و ان القطع بفقد المعارض ابتداء هل يسقط لزوم الفحص ام لا يطلب من بعض ساير المباحث اذا عرفت هذا فاعلم ان عدم اشتراط اعمال اصل البراءة و ما ضاهاه من ساير الاصول بغير الشرط المذكور و الاقتصار عليه هو ما استقر عليه الاوائل و الاواسط و الاواخر على ما يتراءى من ظاهر كلماتهم و مطاوى مقالاتهم نعم ان طائفة من متاخرى المتاخرين قد زادوا شروطا أخر منها ان لا يكون الامر المتمسّك فيه بالاصل جزء من عبادة مركبة و قد اقتصر صاحب الوافية ذلك على هذا القدر و عمّم غيره المقال فى ذلك فحكم فى الشرائط بما حكم فى الاجزاء و هكذا فى الموانع لكن على اختلاف بينهم فى الاخيرة و قد عرفت الكلام فى ذلك على وجه الاشباع و الاستيفاء فى بحث الاقل و الاكثر الارتباطيّين و منها ان لا يكون من الاصول المثبتة فصاحب الوافية فى ذلك على اطلاق الكلام و ارساله و

غيره و قد فصل تفصيلا فلا بد اولا من نقل كلامه ليرد النقض و الابرام و التّسديد و التزييف على وتيرته فقال و التحقيق ان الاستدلال بالاصل بمعنى النفى و العدم انما يصحّ على نفى الحكم الشرعى بمعنى عدم ثبوت التكليف لا على اثبات الحكم الشرعى و لهذا لم يذكره الاصوليون فى الادلة الشّرعية و هذا يشترك فيه جميع الاقسام الاصل المذكورة مثلا اذا كان اصالة براءة الذمة مستلزمة لشغل الذمة من جهة اخرى فح لا يصحّ الاستدلال بها كما اذا علم علم بنجاسة احد الإناءين مثلا بعينه و اشتبه بالآخر فان الاستدلال باصالة عدم وجوب الاجتناب عن احدهما بعينه لو صح يستلزم وجوب الاجتناب من الآخر و كذا فى الثوبين المشتبه طاهرهما بنجاستهما و الزوجة المشتبهة بالاجنبية و الحلال المشتبه بالحرام المحصور و نحو ذلك و كذا اصالة العدم كان يقال الاصل عدم نجاسة هذا الماء او هذا الثوب فلا يجب الاجتناب عنه لا اذا كان شاغلا للذمة كان يقال فى الماء الملاقى للنجاسة المشكوك كريبة الاصل عدم بلوغه كرا فيجب الاجتناب عنه و هكذا فى ترتيب الآثار على ذلك و الظاهر انه اراد هذه الصورة و اما ما كان الشك فيه طاريا على تيقن الكرية كما فى بقايا نهر و نحو ذلك فلا شك فيه من جهة عدم وجوب الاجتناب استصحابا للطّهارة و لاصالة عدم عروض النقض و اصل البراءة من وجه بل وجوه فت هذا و اما ما قيل فى دفعه ان التمسّك باصالة عدم الكرّية صحيح و لا يوجب ذلك الحكم بوجوب الاجتناب عما لاقاه لمعارضته باستصحاب الماء و طهارة الملاقى و لو فرض محل يستلزم حكما كما لو اردنا بذلك الماء تطهير نجس فلا مانع من استلزام التمسّك باصالة عدم الكرية فيه الحكم بعدم جواز التطهير منه فمما لا يخلو عن ضعف و عدم استقامة كما لا يخفى و لقد اغرب السيد الصّدر ره‏

____________

(1) هو الفحص‏

277

حيث حكم بعدم وجوب الاجتناب بناء على ان الاصل هو الطهارة و الانفعال مشكوك فيه لانه انما يكون بالملاقات مع القلة و هى مشكوك فيها و قال (ع) كل ماء ظاهر حتى يعلم انه قدر هذا و انت خبير بان كل ذلك انما نشاء عن الغفلة و عدم التمييز بين الوارد و المورود و المزيل و المزال و الحكم المقدم و المؤخّر و قد يقال فى بيان الحال فى هذا المثال ان الماء المشكوك فى كريته قد يكون معلوم الكرية بحسب الزمن المتقدم على الشك و يكون الشك فى نقصان شي‏ء منه او نقصان ما يزيد على القدر المعلوم زيادته على الكر و ان علم بنقصان ذلك المقدار و ح فلا اشكال فى اعتبار اصالة بقاء الكرية و تحكيمه على ساير الاصول و قد يكون معلوما عدم كريته بحسب الزمن المتقدم على الشك و يكون الشك من جهة احتمال الزيادة و لا اشكال هنا ايضا فى تحكيم اصالة عدم الكرية على اصالة عدم النجاسة و عدم وجوب الاجتناب عنه كما عرفت فيحكم بنجاسته بالملاقاة و اما اذا علم بحصول الكرية و وقوع النجاسة و شك فى المتقدم فهنا قد يكون تاريخ احدهما معلوما دون الآخر فيحكم باصالة تاخر المجهول عن عدم ثبوته فى زمان يشك فى ثبوته فيه اذ لا عليه بين الحادثين فيشمل زمن العلم بحصول الآخر فيلحقه حكمه من الطهارة و النجاسة و لا اشكال فى تحكيم هذا الأصل على اصالة عدم النجاسة و قد يجهل التاريخان بالكلية و قضية الاصل فى ذلك التقارن و مرجعه الى نفى وقوع كل منهما فى زمن يحتمل عدم وقوعه فيه و هو يقتضى ورود النجاسة على ما هو كرحال الملاقاة فلا ينجس به و كذا لو علم عدم الكرية و شك فى تقدم النجاسة و مقارنتها لها اوضح من ذلك ما لو علم بعدم تقدم النجاسة و شك فى مقارنتها و تاخرها او علم بعدم المقارنة و شك فى المتاخر منهما لسلامة اصل الطهارة عن المعارض و لا يتوهّم ان قضية اعتبار التاخر فى مجهول التاريخ هنا يوجب تطرّق مثله فى مسئلة من علم بوقوع حدث و طهارة منه و شك فى المتاخر منهما فينبغى ان يحكم فيها بالطهارة مع العلم بتاريخ الحدث دون الطهارة مع انه مخالف لظ الاصحاب لوضوح الفرق بين المقامين فان الحكم الشرعى المترتب على اصالة التاخر هنا لا يتوقف على توسّط امر عقلى او عادى بل يتفرع عليه ابتداء فيصح اثباته بالاصل بخلاف مسئلة الطهارة و الحدث فان قضية اصالة تاخر الطهارة فيها عدم وقوعها فى الزمن‏ (1) المتاخر الا بواسطة امر عادى و هو العلم بوقوع الطهارة منه فيكون من الاصول المشتبه الغير المعتبرة كما نبهنا عليه و ستسمع عدم استقامة ما فى ذيل هذا الكلام و انما نقلنا بتمامه ليتضح المرام و اما المثال الثالث فله صور الاولى ان يعلم تاريخ الاستعمال دون التطهير و الثانية عكس ذلك و الثالثة ان لا يعلم شي‏ء من ذلك اصلا ففى الاولى يحكم بالنجاسة و ترتيب الآثار على ذلك و فى الثانية يحكم بالطهارة و يترتب الآثار عليها و ذلك لاصل تاخر الحادث فى الكلّ و اما الثالثة فيكون الاستعمال فيها بمنزلة استعمال ماء نجس فيترتّب عليه الآثار من تطهير الثياب و اعادة الطهارة و ذلك الاستصحاب حكم النجاسة المعلوم الخالى عن المعارض بعد سقوط الاصلين الآخرين فى البين من اصالة عدم تقدم التطهير و اصالة عدم تقدم الاستعمال و عدم التعويل عليهما لاجل كون الشك فى الحادث فعدم جواز التمسّك باصالة عدم تقدم التطهير فى المثال لاجل ذلك لا لما ذكره هذا القائل من اثباته الحكم المخالف للاصل من تطهير الملاقى و نحو ذلك لما عرفت من ان الاصل الثابت بالعقل و النقل حجة يتبعه آثاره جدا فوجوب التطهير تابع للحكم بالنجاسة هذا و اما ما قال البعض فى هذا المثال انه يمكن ان يقال إذا استعمل من ذلك الماء ثم علم بالنجاسة و شك فى الكرية مقدمة ام وقوع النجاسة و ان الاستعمال هل كان بعد النجاسة او قبله فيمكن ان يتمسّك باصالة عدم تقدّم النجاسة على الاستعمال و ذلك ليس لاصالة عدم تقدم احد الحادثين على الآخر بل لان العلم بالنجاسة لما كان متاخرا عن الاستعمال و اصالة العدم الملحوظ بالنسبة الى النجاسة مستصحبة الى حين العلم بها فيظن بقاء عدم النجاسة الى حين حصول العلم و الاستعمال ايضا قد فرض حصوله فى زمان ظنّ بقاء عدم النجاسة و هذا لا غائلة فيه اصلا فمما لا يخلو عن ضعف و ذلك لان هذا الاصل الذى ذكره هذا القائل و ان كان يرد فى بادى النظر

على الاصل بنينا عليه الامر ورود المزيل على المزال الا ان بعد امعان النظر و تجوال الفكر يظهر ان التمسّك به مما لا وجه له اصلا لان بعد ملاحظة انكشاف الحالات فى المثال لم يكن له تمشية و توجيه ذلك بان قضية الوارد و المورود و جريان الاصل الذى ذكره هذا القائل انما بالنسبة الى الحكم المترتب فهذا مما يستصحب و لو بعد انكشاف الحالات توجيه غير مستقيم كما لا يخفى على الفطن وجهه و بالجملة فما ذكرنا ناهض و ان قطع النظر عن بعض الاصول المؤيدة اياه من اصالة عدم رفع الحدث و الخبث و الحق انه لا بد من ان يقطع النظر عن ذلك لكونه من التوابع و معارضا بالمثل و كيف كان فقد انصدع عما ذكرنا ان قول صاحب الوافية فى آخر كلامه من ان مثل هذا اثبات الحكم بلا دليل من المقالات الجزافية لان ما ذكرنا اثبات الحكم بالدليل لما عرفت من لزوم ترتيب الآثار و الاحكام على الامور الثابتة بالاصول الثابتة حجيتها كما الشأن كذلك فى ساير الادلة و بعبارة اخرى انا لا نثبت الحكم بالاصل على الاستقلال بل ترتب على نفى الحكم بالاصل اثبات حكم اما لمناقضته للحكم المنفى فيثبت لامتناع ارتفاع النقيضين او لان بالنفى بشخص و يحقق موضوع و يتبعه احكامه فلا ريب ان هذا اثبات بالدليل اذا عرفت ذلك فاعلم ان جمعا من المعاصرين قد فصلوا فى الاصول المثبتة تفصيلا فلما كان المقام من مزال الاقدام و احقاق الحق فيه من المهمات لزم ذكر كلمات من تصدى لذلك و لو فى تضاعيف المباحث الفقهية بمجامعها ليتضح الحال فى بيان مقصودهم و فيما نورد على ذلك مما يقتضيه التحقيق فقال البعض فى رد كلام صاحب الوافية هذا على اطلاقه‏

____________

(1) الذى يشك فى صدور وقوعها فيه و هو لا يقتضى اثبات وقوعها فى الزمن‏

278

اطلاقه غير مستقيم بل الوجه فيه ان يفصل بين ما اذا كان واردا على الآخر و بين غيره فيسلم ما ذكره فى القسم الثانى دون القسم الاول اذ يتعيّن فيه تحكيم لوارد و ضابطه ان يكون من حكم احدهما شرعا رفع الآخر من غير توسيط امر عقلى او عادى دون العكس كما لو وجد بعد دخول الوقت ماء مستصحب الطهارة فان قضية عدم وجوب الاجتناب عنه وجوب الطهارة به بل وجوب الصّلاة اذا فرض تعذر طهور غيره و لا اشكال و كذا لو ملك ما لا كثيرا و شك فى كونه مديونا بديون يستغرقه فان اصالة براءته من ثبوت الدين يثبت عليه الاحكام التكليفية المتعلّقة بالمال من وجوب الحجّ و الانفاق على من يجب عليه نفقته هذا كلامه فى اواخر مبحث اصل البراءة و قال فى مبحث الاستصحاب كما يثبت بالاستصحاب بقاء مورده كل يثبت به لوازمه الشّرعية التى ترتّب عليه من غير توسّط امور عادية و ان كان ترتبها مخالفا للاستصحاب و المراد بالترتب ما يتناول ترتب المشروط على الشرط كترتّب صحة الصوم على استصحاب عدم الجناية و ترتب المسبّب على السّبب كترتب وجوب الاتفاق على استصحاب الزوجيّة و احترزنا بذلك عن الاحكام الغير المترتبة على الأمر المستصحب فانها لا تثبت باستصحابه و ان كانت من لوازمه الشرعية كطهارة الملاقى لاحد المشتبهين فانها و ان استلزمت شرعا طهارة ما لاقاه منهما لكنها ليست من احكامها المترتبة عليها فلا يثبت باستصحابها و كاستصحاب جواز الجواز فى المسجدين و المكث فى المساجد و قراءة العزائم لمن علم بوقوع حدث منه و شك فى كونه الاصغر او الاكبر فان الاحكام المذكورة و ان استلزمت عدم الجنابة شرعا إلّا انه ليس من احكامها المترتبة عليها فلا يثبت باستصحابها و لهذا يحكم عليه بوجوب الجمع بين الطهارتين و كذا الكلام فى ثبوت تلك الاحكام باصل البراءة فى حق من علم بسبب الجنابة و الغسل و شك فى المتاخر منهما فانه لا يثبت به عدم الجنابة و لهذا يحكم بوجوب الغسل عليه و بالجملة فالذى يثبت بالاستصحاب على ما يستفاد من اخبار الباب بقاء مورده و حدوث ما يترتب عليه او لا من احكامه الشرعية فيثبت باستصحاب الطهارة بقائها و يترتّب عليه صحة الصّلاة الماتى بها معها و حصول البراءة بها و باستصحاب الكريّة بقائها و يترتّب عليه طهارة ما يرد عليه من المتنجس و كذا يترتّب على استصحاب نجاسة متنجّس نجاسة ملاقية برطوبة و على استصحاب ملكية ما اعطاه براءة ذمّته و صحّة ما عقد عليه الى غير ذلك فان هذه الامور و ان كانت حادثة و مقتضى الاستصحاب عدمها و قضية ذلك تعارض الاستصحابين الا ان المستفاد من الاخبار الواردة فى المقام ثبوت تلك الامور بالاستصحاب أ لا ترى ان قوله (ع) فى صحيحة زرارة السّابقة و لا تنقض اليقين بالشك بعد قوله (ع) فانه على يقين من وضوئه يعطى البناء على يقينه السّابق و اثبات ما يترتب عليه من احكامه الشرعية كصحة الصّلاة اذا اتى بها و براءة ذمّته منها فى مسئلة الشك فى بقاء الطهارة كما هو مورد الرواية و ان كانت مخالفة للاستصحاب و كذا الكلام فى بواقى الاخبار و هذا واضح جدّا و به يتضح الوجه فيما يظهر من بعض المحققين من تحكيم الاستصحاب‏ (1) المورد عليه و ربّما تردد بعض افاضل العصر فى بعض فروع المسألة كتنجيس مستصحب النجاسة لملاقيه بل حكم فيه بعدم التحكيم و ابقاء الملاقى على طهارته كالمتنجّس على نجاسته و هو ناش عن عدم احكام الاصل هذا و اما بالنسبة الى ترتب احكامه العادية و ما يترتب عليها من الاحكام الشرعية فالحقّ عدم الحجّية و ما ذكره بعض المحققين من ان الاصول المثبتة ليست بحجة فالوجه تنزيله على ما ذكرناه فيكون المراد ان الاصول المثبتة لحدوث امور عادية ليست حجة على اثباتها و ذلك لتعارض الاصل فى جانب الثابت و المثبت فكما ان الاصل بقاء الاول كل الاصل عدم الثانى و ليس فى اخبار الباب ما يدل على حجيته بالنسبة الى ذلك لانها كما ترى مسوقة لتفريع الاحكام الشرعيّة دون العادية و ان استتبعت احكاما شرعية و على هذا فلا يحكم بطهارة متنجس وقع فى موضع فيستصحب فيه بقاء الماء لان التطهير انما يكون بالملاقاة و هو امر عادى لا يثبت حدوثه باستصحاب بقاء الماء نعم لو علم بوجود الماء و حصول الملاقاة و شك فى بقائه على صفة الكرية استصحب بقائها كما مرّ و ترتب عليه التطهير لانه حكم شرعى و كل الحال فى اكفاء الآتية على المتنجّس اذا استصحب بقاء الماء فيها و مثله استصحاب بقاء الشمس على الارض الرطبة المتنجسة فيكون جفافها

بها فتطهر و استصحاب رطوبة الثوب الرطب الملاقى للنجاسة فيكون قد اصابها برطوبة فتنجس باستصحاب بقاء الوكيل و صاحبه على العزم على العقد و عدم طروّ الموانع المقتضية لنقضه فيكونان قد عقدا فيحل التصرف الى غير ذلك و لا يرد مثل ذلك فى استصحاب الطهارة المترتّب عليها صحّة الصلاة من حيث توقف ذلك على مقارنة الصّلاة لها و هو امر عادى اذ ليس من حكم بقاء الطهارة فى زمان شرعا مقارنتها للصّلاة الواقعة فيه و انما ذلك من لوازمه العقلية كما انه ليس من حكم بقاء الرطوبة فى الثوب الملاقى لنجاسة شرعا ملاقاته لها برطوبة بل ذلك من احكامه العادية و ذلك لان قضيّة الحكم ببقاء الطهارة فى زمان شرعا صحّة الصّلاة فيه ما لم يمنع مانع و لا حاجة الى اثبات المقارنة فى الحكم بالصّحة بل يتفرع على ذلك صحّة الصّلاة المقارنة للطهارة الاستصحابية و كذا الكلام فى تنجس النجاسة الاستصحابية و نظائرها هكذا ينبغى ان يحقق المقام و لم اقف فى المسألة على من يصرّح بالخلاف فلعله موضع وفاق و اما التعويل على اصالة عدم حدوث الحائل على البشرة فى الحكم بوصول الماء اليها فى الوضوء و الغسل و على اصالة عدم خروج رطوبة لزجة كالودى بعد البول فى ازالة عينه بالصّب مع كون الاصل فى المقامين مثبتا لامر عادى فليس لادلة الاستصحاب بل لقضاء السيرة او الحرج به مضافا فى الاخير الى اطلاق الاخبار الدالة

____________

(1) الوارد على الاستصحاب‏

279

على كفاية الصّب مط و لا يبعد تخصيص الحكم بصورة الظنّ بالعدم لانه الغالب فلا يعول عليه عند الشك او الظاهر بالخلاف و هذا جملة كلامه فى مبحث الاستصحاب و قال فى موضع آخر من مباحث اصل البراءة بعد ذكر كلام فى عدم التعويل على الاصول المثبتة التى فسّرها بما ذكر و الوجه فيه ان المستفاد من اخبار الاستصحاب و هى العمدة فى اثبات حجّية فى نظائر المقام هو ابقاء ما من شانه البقاء لو لا المانع المشكوك فيه و اثبات احكامه الشّرعية المترتبة عليه خاصّة و السّر فى تنزيل تلك الاخبار على ذلك هو ان نسبة اليقين الى اليقين بثبوت مورد الاستصحاب كنسبة الى اليقين بعدم حدوث ما يترتّب عليه من لوازمه الشّرعية و غيرها فتناول اللفظ لاحدهما كتناوله للآخر و قضية ذلك جريان الاستصحاب من غير لاحدهما على الآخر لكن يستفاد من مورد تلك الاخبار و مساقها كما ياتى تحكيم الاستصحاب المترتب عليه حكم شرعى اولا على استصحاب عدم ذلك الحكم فيقتصر و يبقى التحكيم فى غير ذلك بلا دليل انتهى و اذا عرفت ذلك فاعلم ان كل ذلك ناش عن الغفلة و ملة التامل فى فقه اخبار الاستصحاب التى هى العمدة فى اثبات حجيته فلا ريب ان المستفاد منها كون الامر المستصحب مط بمنزلة الامر اليقينى فالتفصيل فى ترتيب ما يترتب عليه بالفرق بين كون الترتب من قبيل ترتب المشروط على الشروط المسبّب على السّبب و بين غيره و كذا بين الحكم المترتب على الامر المستصحب بترتبه بغير توسيط امر عقلى او عادى فيكون حجة و بترتبه بتوسيط من ذلك فلا يكون حجة تحكم محض فمفاد الاخبار بعد امعان النظر فيها و ملاحظة مساق بعضها و مورد جملة منها تقديم الاستصحاب المزيل الذى يكون شكه سببا للشك فى مورد الاستصحاب المزال الذى عرف تعريفه من ذلك على ذلك المزال و تحكيمه عليه فقد انصدع الجواب عن عويصة تعارض الاصلين التى الجأ هذا القائل و اصحاب مقالته الى هذا التفصيل و سرّ تحكيم الاستصحاب المترتّب عليه حكم شرعى اولا على استصحاب عدم ذلك الحكم متحقق فيما يتوسّط فيه الامر العادى او العقلى ايضا و ليس هو الا ما ذكرنا و بالجملة فان منشأ هذا التفصيل اما قضية تعارض الاصلين او دعوى عدم انصراف اخبار الاستصحاب الى ما يتوسّط فيه الامر العادى او العقلى بين المورد المستصحب و الحكم الشرعى فالاولى قد عرفت الجواب عنها و الثانية دون اثباتها فى العمومات خرط القتاد على ان ذلك فى المطلقات انما هو فى الافراد النادرة و فى صورة التشكيك الاستمرارى المعبّر عنه عند البعض بالمضر الاجمالى لا البدوى و دعوى كون ما نحن فيه من تلك الصورة من المجازفات الصرفة ثم اذا امعنت النظر فى تفريعه عدم طهارة احد المشتبهين بسبب استصحاب طهارة ملاقيه على ما اعتبره فى الترتب فى صدر كلامه فى بحث الاستصحاب من كونه من قبيل ترتب المشروط على الشرط لو المسبّب على السّبب تجده مما لا دخل له فى المقام اصلا اذ الترتب فى هذه القضية على العكس فلو قلنا بنجاسة المشتبهين فى مرحلة الظاهر ترتب عليه نجاسة الملاقى على وجه على ان التزام طهارة احد المشتبهين بعد الحكم بطهارة الملاقى مما لا غائلة فيه بناء على ما حققنا فى بحث الشبهة المحصورة غاية ما فى الباب يتعدّد الوجه فى ذلك او يكون من هذا الوجه المذكور فلا ضير و لا استبعاد و بالتامل القليل يظهر لك عدم استقامة تمثيله بالمثال الثانى من قضية استصحاب جواز الجواز فى المسجدين بل مدخوليته غير منحصرة فى وجه واحد كما لا يخفى على الفطن ثم لا يخفى عليك ان ادعائه الوفاق على ما قال اما ان يكون لاجل القضية التى تفصّى بها عن النقض و الايراد اللذين اوردهما على نفسه فايّد ما تفصّى به بوفاق الاصحاب فى العمل او لاجل عدم حجية الاصل فى الامثلة المذكورة فيكون الاستدلال او التاييد بعدم عملهم فيها بالاصل كما ان هذا هو الظاهر من مساق كلامه او لاجل اثبات اصل الضابطة التى ذكرها و التفصيل لذى قرره كما يحتمل ذلك من كلامه احتمالا غير بعيد ايضا فالاول لا يجديه بل هو شاهد لما قلنا فحكمهم بصحّة الصلاة ليس لاجل القضية التى ذكرها لانها لا تدفع النقض بعد امعان النظر كما لا يخفى و اما الثانى فنقول فى المثال الاول ان دعوى الوفاق على عدم التطهير مع القطع بالملاقاة و زوال العين على فرض بقاء الماء من المجازفات و كذا الكلام فى المثال الثانى ثم لا ريب ان الحكم فى المثال الثالث هو حصول التطهير فدعوى الوفاق على خلافه امر اغرب و السّر فى الكل‏

هو تقديم المزيل على المزال و تحكيمه عليه و اما المثال الرابع فعدم الحكم فيه بالنجاسة لسلامة اصل الطهارة بعد تعارض الاصلين من استصحاب الرطوبة و اصالة تاخر الحادث الذى هو الملاقاة و عدم تحقق المزيل و المزال فى البين و تمثيله بالمثال الخامس من الامور العجيبة و اغربها فلعله غفل عن الاستصحاب لا يعارض العمومات و القواعد مع ان فيه ليس مستصحبا يترتّب عليه الحكم و لو بتوسّط امر عادى او عقلى فى البين كما لا يخفى هذا و اما الاحتمال الثالث فدعوى الاتفاق على البناء عليه ليس الا من الدعاوى العاطلة و كيف لا فان العنوان غير معنون فى كتب القوم و لا تلويح فيها اليه و جمع ممن تاخر عن صاحب الوافية قد حكموا بفساد مقالته من غير اشارة الى التفصيل الذى ذكره هذا القائل ثم ان ما فى آخر كلامه شاهد لما قلنا لعدم تمامية ما ادعاه من قضاء السّيرة او الحرج او الاطلاق هذا ثم لا يخفى عليك بان من جملة من لا يعول على الاصول المثبتة بالمعنى المذكور هو بعض اجلاء فقهاء المعاصرين فلا باس بنقل حاصل كلامه فى بحث خيار العيب فى مسئلة اذا شك فى زمان حدوثه بمعنى انه هل هو قبل العقد ام بعده فقال اما ان يكونا مجهولى التاريخ او مختلفين فعلى الاول يحكم بلزوم العقد و السر واضح و على الثانى فالمشهور بين المتاخرين هو الحكم‏

280

هو الحكم بتاخر مجهول التاريخ للاصل فيه و القدماء على عدم الفرق بين القسمين و هذا هو ما على وفق الحق لان القدر الثابت من امر الشارع بالاستصحاب لزوم البناء على بقاء المستصحب و ترتب الاحكام الشرعية التى لا يتوقف ثبوتها على واسطة عقلية عليه و اما الحكم الشرعىّ الذى يتوقف ثبوته له على واسطة عقلية فلم يعلم الاذن من الشارع بترتبه على المستصحب و ذلك كما فى هذه المسألة فان الحكم الشرعى الذى هو الخيار يتوقف ترتبه على استصحاب تاخر مجهول التاريخ اعنى البيع على تقدم العيب فهو من مصاديق الواسطة العقلية على انّ الامر العقلى الذى هو واسطة بين الحكم الشرعى و المستصحب الذى هو الموضوع فيما نحن فيه من لوازم المستصحب و اللازم العقلى للشي‏ء تابع لنفس الشي‏ء الملزوم فلا يتحقق فى نفس الامر بدونه مثلا الاسكار انما هو اثر لنفس الخمر يتحقق بتحققها و ينتفى بانتفائها فلو علم بوجود ما علم بوجوده و لو علم بانتفائها علم بانتفائه و لو شك فى وجودها شك فى وجوده و كذا غيره من اللوازم العقلية و منها تقدم المعلوم التاريخ فيما نحن فيه فانه لازم عقلى لتاخر مجهوله فلو تحقق التاخر تحقق التقدم و لو انتفى انتفى فان علم بالتاخر علم بالتقدم و ان شك فيه شك فيه و لما لم يكن الاستصحاب من الامور المفيدة للقطع فيكون تاخر مجهول التاريخ مشكوكا فيه و ان كان موافقا للاصل فيكون التقدم مشكوكا فيه لا مقطوعا به فاذا شك فى تقدم معلوم التاريخ و عدمه فكيف يترتب الحكم الشرعى المتوقف على التقدم و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الاول ظاهر فان متعلق النّظر فى الاول هو الحكم الشرعى و انه لم يعلم الاذن بترتبه على الاستصحاب مط بل اذا لم يكن هناك واسطة و لم ينظر فيه الى حال ترتب الامر العقلى على ملزومه و انه متوقف على القطع به ام لا و فى الثانى فى حال ترتب الامر العقلى على ملزومه من غير نظر الى ما يتوقف عليه من الحكم الشرعى ثم ان الحكم بتاخر مجهول التاريخ‏ (1) مخالف للاصل فان التقدم صفة وجودية حادثة فما لم يقطع باتصاف الشي‏ء به يكون مقتضى الاصل عدمه و من الظاهر انه لم يقطع به هنا فينفى بالاصل فح يتعارض الاصلان اعنى اصالة تاخر مجهول التاريخ و عدم تقدم معلومه فان الاول يستلزم تحقق تقدّم معلوم التاريخ و اصالة عدمه يقضى بعدمه فحصل التعارض بين لازم الاصل و نفس الاصل الثانى فاذا لم يكن التقدّم مقطوعا به و لا موافقا للاصل فمن اين يترتب عليه الحكم الشرعى هذا اقول ان بعض كلمات هذا القائل مثل بعض مقالات القائل المتقدم فيرد عليه ما اوردنا عليه لكن فى كلام هذا القائل امور سخيفة و وجوه ركيكة ناشئة من عدم النضج و الكمال فى صناعة الاصول و يرشدك الى ذلك النظر الى العلاوة التى ادعاها فان ما فيها من الغفلة فى منار اذ حاصل هذه العلاوة ان الامر العقلى اللازم للشي‏ء لما كان تحققه‏ (2) نفس الشي‏ء فلا يقطع به الا عند القطع بالملزوم و مع الشك فى الملزوم يشك فيه فاذا كان مشكوكا فيه فلا يترتب الحكم الموقوف عليه اذ الموقوف على المشكوك فيه مشكوك فيه نعم لو كان الاستصحاب مفيدا للقطع لكان ثبوت ذلك الامر العقلى اللازم مقطوعا به لكن المقدم منتف فكذا التالى هذا فيرد عليه ان اخبار الاستصحاب قد نزلت الامر المستصحب منزلة الامر المقطوع به فاذا كان الامر كل و ارتفع الشك بعد ملاحظة ادلة الاستصحاب بل كان هو مما يفيد القطع بالنسبة الى مرحلة الظاهر لما كان لهذا الكلام وجه على انه لو تمشى لكان له تمشية فى غير صورة التوسّط بالامر العقلى ايضا و المقدم بط عند الكل من القائلين بحجية الاستصحاب فكذا التالى و ان شئت ان تعبر عما قلنا بانا سلّمنا ان استصحاب الشي‏ء لا يفيد القطع به فلا يقطع بتحقق لازم المستصحب بمجرّد استصحابه لكنا نقول هنا امران احدهما الشي‏ء المستصحب و هو كلازمه غير مقطوع به و الآخر استصحاب ذلك الشي‏ء و هو مقطوع به فلك الخيار ايضا الا ان هذا التعبير لا يخلو عن ركاكة كما لا يخفى و حاصل ما قررنا ان الواسطة العقلية و ان كانت فى بدو الامر مشكوكا فيها كنفس ملزومها الا ان بعد ملاحظة ادلة الاستصحاب و جعل المستصحب بمنزلة الامر اليقينى تصير الواسطة ايضا مما فى منزلة المقطوع به فيترتب على الامر المستصحب بهذه الواسطة حكم شرعىّ من غير غائلة فى البين و ايضا يمكن ان يقال انا لا نم ان ترتب الحكم على المستصحب يتوقف على القطع بوجود

الواسطة العقلية بل يكفى فى ذلك احتمال وجود الواسطة احتمالا موافقا للاصل و الاستصحاب و ايضا ان ثبوت الامر العقلى فى نفسه امر و اثبات الحكم بثبوته امر آخر و الاول و ان كان يتوقف على ثبوت ملزومه واقعا كما هذا هو الشأن فى سنخ اللوازم كلّا الا ان الثانى كما يحصل بالقطع فكذا باصل معتبر كنفس الملزوم فت ثم لا يخفى عليك ان حاصل ما فى ذيل كلام هذا القائل هو ان اصالة تاخر مجهول التاريخ المستلزمة لتقدم المعلوم فيه يعارضها اصالة عدم تقدّمه هذا و انت خبير بانه لا يلاحظ هناك تقدّم احدهما عن الآخر و لا تاخره عنه حتى يرد ما ذكر بل يستصحب عدم مجهول التاريخ بعد تاريخ المعلوم بعدم العلم بالرفع فيترتب الآثار و العجب من هذا القائل حيث انكر من لم ينكره احد حتى من لا يعوّل على الاصول المثبتة بالمعنى المذكور و بالجملة فان كلا الامرين اللذين تحققا فى الزمان بغير اقتران و ان كانت النسبة بالتقدم و التاخر بينهما مما ليس اولى باحدهما دون الآخر و كان التمسك باصالة التاخر معارضا بالمثل من اجل ذلك الّا انّ اصالة تاخر المجهول عن الزمان المعيّن مما تختصّ بمجهول التاريخ سليمة عن المعارض ثم ان اتمام هذا المط بنقل ما هو عن بعض اجلة الفقهاء فان كلامه ايضا ظ فى عدم التعويل على الاصول المثبتة بالمعنى المذكور بل ان القائلين المتقدمين قد اقتفينا اثره و حذا حذوه فقال بعد جملة من الكلام مما يتعلق بالاستصحاب و الاستصحابان يتعارضان فيبنى على الراجح ان كان و الا كانا

____________

(1) و ان كان موافقا لاصل الاستصحاب لكن تقدم معلوم التاريخ‏

(2) تابعا لتحقق‏

281

متساقطين ان كانا فى الرتبة متساويين و لا يعارض بقاء المستصحب اصالة ما يتبعه من الحوادث اللاحقة له فان ثبوت العلة و المؤثّر و لو بطريق الاستصحاب قاض بثبوت الاثر و المعلول و لو جعل ذلك معارضا لم يعمل فى البين استصحاب يعمل عليه و اما ما كان مستقلا فى نفسه كاصالة عدم اصابة الرطوبة للنجاسة المعارضة لاصل بقائها فتثبت الاصابة و اصالة عدم وصول الماء الى المحل المغسول او رطوبته الى المحل الممسوح المعارضة لاصالة عدم الحجب او عدم الحاجب و اصالة عدم المانع عن اصابة النجاسة الملقاة فى المسجد لاصالة عدم الحاجب و عدم وجود شخص غير زيد فى الدار لاصالة عدم قتل زيد فلا عمل على الاصل فيه و اما ما كان من التوابع كعصمة الماء التابعة لبقاء الكرية او الاتصال بالمادة او تقاطر المطر و نجاسته التابعة لعدمها و نجاسة الكافر التابعة لبقاء الكفر و بقاء حكم المتنجس فينجس و عدم التذكية فينجس الماء الى غير ذلك فانها تثبت لها توابعها الشرعيّة لان الثابت شرعا كالثابت عقلا و الاحكام من التوابع بخلاف توابع الموضوعات الاتفاقية لان مقتضى الظاهر من الادلة جرى الاستصحاب فى التوابع و المتبوعات مط فتحصل المعارضة ح الا فيما قام الدليل على القاء الاصل فيه هذا و انت خبير بان ذيل كلامه مشير الى هذه المسألة بل ظاهر فيها فليته قد بنى الامر فيها ايضا على ما اشار اليه او لا من لزوم الابتناء فى تعارض الاستصحابين على الراجح و قد عرفت مرارا ان الراجح بحكم الاخبار و عمل الاخبار و العرف و الاخبار هو الاصل المزيل المعلوم فيه المعيار و ستعرف بعض ما يتعلق بذلك فى مبحث الاستصحاب إن شاء الله اللّه تعالى فان الاصول فى ذلك على نهج واحد و وتيرة واحدة بل الكل من هذه الجهة مما يرجع الى الاستصحاب فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

خزينة: فى اشتراط اصالة البراءة بعدم الضرر بالغير و فيه مقامين‏

خزينة اعلم ان احد الشروط الثلاثة التى ذكرها صاحب الوافية هو ان لا يتضرر بسبب التمسّك باصل البراءة مسلم او من فى حكمه حيث قال و ثانيها ان لا يتضرّر بسبب التمسّك به مسلم او من فى حكمه مثلا اذا فتح انسان قفصا لطائر فطار او حبس شاة فمات ولدها او امسك رجلا فهرب دابته و ضلّت او نحو ذلك فانه ح لا يصحّ التمسّك ببراءة الذمة بل ينبغى للمفتى التوقف عن الافتاء و لصاحب الواقعة الصّلح اذا لم يكن منصوصا بنصّ خاصّ او عام لاحتمال اندراج مثل هذه الصور فى قوله (ص) لا ضرر و لا اضرار فى الاسلام و فيما يدل على حكم من اتلف ما لا لغيره اذ نفى الضرر غير محمول على حقيقيته لانه غير منفى بل الظاهر ان المراد به نفى الضرر من غير جبران بحسب الشّرع و الحاصل ان فى مثل هذه الصور لا يحصل العلم به بل و لا الظن بان الواقعة غير منصوصة و قد عرفت ان شرط التمسك بالاصل فقدان النصّ بل يحصل القطع ح بتعلق حكم شرعى بالضار و لكن لا يعلم انه مجرّد التعزير او الضمان او هما معا فينبغى للضار ان يحصل العلم ببراءة ذمته بالصلح و للمفتى الكفّ عن تعيين حكم لان جواز التمسك باصالة براءة الذمة و الحال هذه غير معلوم و قد روى البرقى فى كتاب المحاسن عن ابيه عن درست بن ابى منصور عن محمد بن حكيم قال قال ابو الحسن (ع) اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لا تعلمون فها و وضع يده على فيه فقلت و لم ذاك قال لان رسول اللّه (ص) اتى الناس بما اكتفوا به على عهده و ما يحتاجون اليه من بعده الى يوم القيمة فان قلت هذه الرواية كما تدل على حكم ما اذا حصل الضرر يدل على غيره ايضا قلت لا نم فانا ندعى انه ليس داخلا فيما لا تعلمون فان قبح تكليف الغافل معلوم و موضوعية ما حجب علمه عن العباد معلوم و اباحة ما لم يرد فيه نهى معلوم للاخبار المذكورة و اما فى صورة الضرر فكون التكليف ح تكليف الغافل غير معلوم اذ الضار يعلم انه صار سببا لاتلاف مال محترم و اشتغال الذمة ح فى الجملة مما هو مركوز فى الطبائع و كذا الكلام فى كونه مما حجب علمه عن العباد و مما لم يرد فيه نهى انتهى اعلم ان كل من تاخر عن صاحب الوافية ممن تعرض لنقل هذا الكلام قد عدّوه من الكلمات السخيفة و اوردوا عليه من الابحاث و الايرادات جمة و زيّفوه بطائفة من المناقشات فطائفة قد زيّفوه بان احتمال الاندراج فى عموم ما يقتضى التكليف لا يقتضى اثبات التكليف و اهمال الاصل بل لا بدّ من قيام دليل على الاشتغال و ليس من شرطا التمسّك بالاصل العلم او الظن بعدم النصّ مط بل يكفى الظن بانتفاء نصّ يدل عند العامل به على خلاف الاصل بالصّراحة او الظهور فلا يقدح وجود نصّ لا يدل عليه باحدى الدلالتين و لا ريب فى ثبوت التعزير الى الموارد المذكورة من جهة الاثم حيث يتحقق و الترديد بينه و بين الضمان لا وجه له و سقوط حكم الاصل بالنسبة الى التعزير لقيام دليل لا ينافى اعتباره فى نفى الضمان حيث لا دليل عليه اذ ليس احدهما منوطا بالآخر هذا مشيرا ببعض هذا الكلام بان الامثلة المذكورة مما لا ضمان فيه بل هذا ظاهر مساق كلام السيّد الصدر (ره) حيث قال التمسك بالبراءة بالنسبة الى المكلف ليس مرجعه إلا عدم الزام المكلف بفعل شي‏ء او تركه و كونه مخيرا فى اختيار ما شاء منهما الى ان قال فعلى هذا نقول لا شك فى قبح الاضرار عقلا و شرعا اذا لم يكن له جهة محسنة كالقصاص مثلا و انما الكلام فى لزوم جبرانه على المكلف و فى مقدار الجبران فان كان عليهما او على الاول دليل معتبر فلا يجوز التمسّك بالاصل اذ لا اعتداد به مع الناقل و الا فحكم الاصل جار و على المضر الندم و على المستضر الصّبر و الاحتساب و اما مجرّد احتمال ان يكون ما نحن فيه مندرجا تحت قوله (ع) لا ضرر و لا ضرار او مندرجا تحت حكم ما دل على حكم من اتلف ما لا لغيره فلا يكفى لعدم امضاء حكم الاصل الذى دل على حجية العقل و النقل هذا و يمكن تنزيل‏

282

تنزيل بعض ما فى هذين الكلامين على الفرض و التقدير و الغض عن الامثلة المذكورة من حيث هى هى هذا و طائفة قد اضافوا الى تزييف اصل مطلبه بما مر اليه الاشارة من ان العمل بالاصل مشروط بفقد الدليل و الفحص عنه فالظن بعد ذلك بانتفاء دليل على خلاف الاصل كاف فى العمل به لا يصرّ الاحتمال بحث ان الامثلة المذكورة فيه الضمان جدّا لصدق اسم المتلف قطعا فلا وجه للتوقّف فى ذلك و لقوله فينبغى للضار ان يحصل العلم ببراءة ذمّته بالصّلح و للمفتى الكف عن تعيين حكم اصلا فانهدام الاصل فيها لذلك و لدخولها ايضا تحت خبر الضرار و طائفة قد تسبحوا على هذا المنوال فى تزييف ذلك المقال لكنهم يقتصرون فى اثبات الضمان فيها على الاول و ينيطون الحكم وجودا و عدما عليه و لا يعدون خبر الضرار من ادلة الضمان بل يحسبون مثل ذلك الاستدلال من الاستدلالات الجزافية فاذا كان الامر على ذلك المنوال فلا بد من تحقيق الحال فى المقامين الاول فى بيان الحال فى الامثلة المذكورة و ما ضاهاهما و بيان المعيار فى الضمان و عدمه و احقاق الحق فى ذلك و الثانى فى بيان تحقيق خبر الضرار و ما يتعلق به‏

المقام الاوّل: فى بيان الحال فى الأمثله المذكورة فى اوّل هذه الخزينة

فاعلم ان ما يقتضيه التحقيق فى المقام الاول هو الحكم بثبوت الضمان فى الامثلة المذكورة و ما ضاهاها لتحقق التسبيب الخالى عن معارضه المباشرة المقدّمة على التسبيب إلّا ان يكون ضعيفة الا فى القتل فهذه قاعدة جارية بينهم و مفادها الحكم بالضمان فيمن غصب دابة فمات ولدها جوعا ايضا و كذا فيمن حبس مالك الماشية عن حراستها فاتفق تلفها و ايضا فيمن فتح ظرفا جامدا فاذابته الشمس و سال و بالجملة فالمناط فى الضمان على التّسبيب المعتبر ثبوت المنشئية المعتبرة و ذلك متحقق فى الكل فتردد البعض كحكم البعض فى البعض بعدم الضمان مما لا وجه له اللّهم إلّا ان يقال ان القاعدة مما لا مدرك لها فيناط الامر على عموم من اتلف شيئا فيثبت الضمان بثبوت الاتلاف و صدق اسم المتلف و ينتفى بانتفاء ذلك هذا و الظاهر ان القاعدة مسلّمة و انما النزاع فى بعض الموارد نزاع صغروى لا كبروى و حكمى بمعنى ان التردد من البعض باعتبار الشك فى تحقق التسبيب المعتبر فى الضمان من تحقق المنشئية المعتبرة المؤثرة فى الضمان فمن حكم بعدمه زعم انتفاء ذلك و الحق ثبوت المنشئية المعتبرة فى ذلك كله و ليس من ذلك القبيل صورة ان ابتاع منك انسان ما لا جزيلا و لم ينقدك الثمن فاراد الانصراف بالمال فابيت عليه فقال لك بعض ثقاتك انه من اهل الصلاح فتركته لكلامه فذهب بالمال و لم يرجع و كذا صورة ان سالك شخص عن ماء لاقى نجاسة هل هو كر فقلت انه كر فاستعمله فى ادهانه و ساير مائعاته اعتمادا على خبرك ثم ظهر انه اقل ففسدت عليه امواله و غير ذلك مما يشبهه من الامثلة الغير المحصاة فلا ضمان فى ذلك اصلا و ان كان المخبر قد اخبر عن كذب و تعمد التضرر و الاضرار و ذلك لفقد ما ذكر فيه فيجوز التمسّك فى نفيه بالاصل من غير شك و ريب و كيف كان فان الامثلة التى ذكرها صاحب الوافية مما فيه الضمان ثابت و ان قطع النظر عن القاعدة المذكورة لصدق اسم المتلف و الاتلاف فى الكل ثم انّ اشباع الكلام فى ذلك بايراد الامثلة و النقض و الابرام ليس مما يقتضيه المقام و فيما ذكر غنية لمن تفطن و تامل فت و

المقام الثانى: فيما يتعلّق بحديث لا ضرر و لا ضرار

اما المقام الثانى‏

فى نقل الروايات المربوطة بالمقام‏

فلا بدّ قبل الخوض فيه من نقل الاخبار الواردة فى نفى الضّرر و الضرار و ما يقرب من ذلك فالاول ما رواه العلامة فى كرة و ابن الاثير فى نهايته و هو قوله (ص) لا ضرر و لا ضرار فى الاسلام و الثانى صحيح البزنطى عن حماد عن المعلّى بن خنيس عنه (ص) قال من اضر بطريق المسلمين شيئا فهو ضامن و يقرب من ذلك صحيح الكنانى و الرابع رواية طلحة بن زيد عن الصّادق (عليه السلام) قال ان الجار كالنفس غير مضار و لا آثم و الخامس رواية عقبة بن خالد عنه (ع) قال قضى رسول اللّه (ص) بالشفعة بين الشركاء فى الارضين و المساكن قال (ع) لا ضرر و لا ضرار و السادس رواية اخرى له عنه و فيها قضى رسول اللّه (ص) بين اهل المدينة فى مشارب النخل انه لا يمنع نقع البئر و قضى (ص) بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء فقال لا ضرر و لا ضرار و السابع موثق بن بكير عن زرارة عن ابى جعفر (ع) قال ان سمرة بن جندب كان له عذق فى حائط لرجل من الأنصار و كان منزل الانصارى بباب البستان و كان يمر به الى نخلته و لا يستاذن فكلمه الانصارى ان يستاذن اذا جاء فابى سمرة فلما ابى جاء الانصارى الى رسول اللّه (ص) فشكى اليه فاخبره الخبر فارسل اليه رسول اللّه (ص) و اخبره بقول الانصارى و ما شكاه و قال اذ اردت الدخول فاستاذن فابى فلما ابى ساومه حتى بلغ من الثمن له ما شاء اللّه فابى ان ينبعه فقال لك بها عذق فى الجنة فابى ان يقبل فقال رسول اللّه (ص) للانصارى اذهب فاقلعها و ارم بها اليه فانه لا ضرر و لا ضرار الحديث و قد ورد هذه الواقعة فى روايتين اخريين ايضا إحداهما رواية ابن مسكان عن زرارة عن ابى جعفر (ع) و الاخرى رواية الحذّاء عنه (ع) ففى ذيل الاولى فقال له رسول اللّه (ص) انك رجل مضار و لا ضرر و لا اضرار على مؤمن قال ثم امر بها رسول اللّه (ص) فقلعت ثمّ رمى بها اليه و قال له رسول اللّه (ص) انطلق فاغرسها حيث شئت و فى ذيل الاخرى ان رسول اللّه (ص) قال ما اراك يا سمرة إلا مضارا اذهب يا فلان فاقطعها و اضرب بها وجهه الحديث و فى مكاتبة محمد بن الحسين عن ابى محمّد (ع) يتقى اللّه و يعمل فى ذلك بالمعروف و لا يضار باخيه المؤمن الحديث و فى رواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (ع) فى رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه رجل بعشر دراهم فجاء و اشترك فيه رجل بدرهمين بالراس و الجلد فقضى ان البعير فبلغ ثمنه الدنانير

283

قال فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ فان قال اريد الراس و الجلد فليس له هذا الضرار و قد اعطى حقّه اذا اعطى الخمس الحديث و بالجملة فالاخبار فى ذلك كثيرة و قد عقد له الشيخ الحر بابا فى كلياته فقال باب انه لا يجوز الاضرار بالمؤمن و لا يجب عليه تحمل الضرر الا ما استثنى ثم قال بعد ذكر طائفة مما نقلنا و خبر ابى البحترى عن جعفر عن ابيه عن على (ع) لا غلط على مسلم فى شي‏ء الحديث اقول و الاحاديث فى ذلك كثيرة ذكرنا بعضها فى كتاب وسائل الشيعة فى احياء الاموات و فى الشفعة و غيرهما هذا بل قد نقل عن فخر المحققين انه قد ادعى تواتر الاخبار على نفى الضرر و الضرار فاذا كنت على خبر من ذلك فاعلم ان المقصود من صحيح الكنانى هو ان من اضر فى الطريق على احد بشي‏ء فهو له ضامن و يحتمل ان يكون المقص منه ان من اضر بشي‏ء من الطريق بان ينصب فيه ميزانا او حفر بئرا او وضع فيه حجرا او رشّ فيه ماء او غير ذلك مما يوجب الضرر على المسلمين فهو ضامن لما يتلف بسبب ذلك الضرر و هذا اخصّ من الاول و يؤيده ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحلبى و فيه كل شي‏ء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه و يمكن ان يكون المراد هو الاخير و لكن يكون معنى قوله هو ضامن انه ضامن لما اضر به من الطريق لا لما تلف لاجل ذلك و قد يستبعد هذا من وجه استعمال الضمان فى مثل ذلك و من مخالفته لما فهمه الاصحاب من الحديثين ثم المراد من رواية طلحة هو بيان حق الجار بانه من الحقوق الاكيدة فينبغى ان لا يعد ما يصل منه الى ملك صاحبه من بعض التصرفات ضررا و لا يعد بذلك آثما من اجل عدم استيذانه من صاحبه كما هذا هو الشأن فى غيره من الاجانب بل اقارب ايضا و يؤيد هذا المعنى الاخبار الواردة فى لزوم اعادة حق الجار و الاحسان عليه و كيف لا و قد ورد فيها فزعمت انه ممن يورث هذا و قد يقال انّ المراد منه ان الرّجل كما لا يضار نفسها و لا يوقعها فى الاثم او لا يعد عليها الامر اثما كل ينبغى ان لا يضار جاره و لا يوقعه فى الاثم او لا يعد عليه الامر اثما

فى بيان معنى لا ضرر و لا ضرار

ثم ان طائفة من اللغويّين و قد تعرّضوا لبيان معنى لا ضرر و لا ضرار فقال البعض الضّرر عند النفع فمعنى قوله لا ضرر اى لا يضرّ الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه و الضرار فعال من الضر أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه و الضرر فعل الواحد و الضرار فعل الاثنين و الضرر فعل الاثنين ابتداء الفعل و الضرار الجزاء عليه و عن البعض الضرر ما تضرّ به صاحبك و تنتفع انت به و الضرار ان تضره بغير ان تنتفع و عن البعض هما بمعنى واحد و التكرار للتاكيد و قيل الضرر هو الاسم و الضرار و المصدر فيكون منهيّا عن الفعل الذى هو المصدر و عن ايصال‏ (1) الذى هو الاسم و قد يقال ان الوارد فى الاحاديث ثلاثة الفاظ الضرر و الضرار و الاضرار و تلك الالفاظ الثلاثة و ان كانت مختلفة بحسب المعنى اللغوى إلّا انه لا يختلف به الحكم فالضرر و الاضرار مما يرجعان الى شي‏ء واحد و اما الضرار فهو ان كان بمعنى الضرر كما قيل فواضح نعم يختلف فى الجملة اذا اخذت فيه المجازات او الاثنينيّة و الظاهر من رواية هارون بن حمزة عدم اعتبار شي‏ء منهما فيه و بالجملة الامر فى ذلك سهل جدّا لظهور المعنى هذا و انت خبير بان تعدد الحكم مع اخذ المجازاة و الاثنينية فى الضرار فى غاية الاتضاح من غير فرق فى ذلك بين كون الجملة منفية او منهية فعلى الاتحاد يكون مثل التقاص مط او اذا استلزم مثل نقب الجدار مسكوتا عنه و مما لا يدل عليه الخبر نفيا و اثباتا و على الاثنينية و اخذ المجازاة يكون منهيّا عنه مط او اذا استلزم مثل النقب و بالجملة فترتب الثمرة و لو باعتبار وقوع التعارض بين ذلك و بين الادلة الدالة على جواز التقاص مثلا و لو احتيج الى مثل النقب مما لا ينكر على ان التعدد و الاختلاف فى الحكم مما لا يسعه الكلام و ان لم يؤخذ فى الضرار معنى المجازاة كما ستعرف ذلك ثم انّ رواية هارون و ان كان الظاهر منها عدم اعتبار شي‏ء من المجازاة او الاثنينية فى الضرار الا ان ذلك لا يستلزم ان يحمل على الضّرر الابتدائى كلما وقع فحمله فيها على الضرر الابتدائى اخراج اللفظ عما يقتضيه وضعه الهيئى بقرينة مساقها و خلوها عن ذكر الضرر فكم من فرق بين انفراده بالذكر و اجتماعه مع لفظ الضرر و نظائر ذلك غير عزيزة و منها لفظتا الجار و المجرور و الفقير و المسكين و من هنا قيل ان الجار و المجرور كالفقير و المسكين اذا اجتمعا افترقا و اذا افترقا اجتمعا و كيف كان فان صرف الهمة فى تحقيق الحال و كشف المقال الى بيان المراد من لفظة لا ضرر و لا ضرار الواقعة فى اخبار جمة و ما يترتب عليها من الاحكام و استنطاق ضابطة منها من الامور المهمة فاعلم ان ذلك يحتمل امورا الاول ان يكون النفى فيه بمعنى النهى و قد اختاره البعض و ذلك بعد استلزامه التجوز من غير داع و لا قرينة عليه لا تناسبه لفظة فى الاسلام فى بعض الروايات الا بارتكاب تكلف بعيد كما لا يخفى على الفطن على ان نقل الباقر (ع) ذلك عن النّبى (ص) كما فى جملة من الاخبار ظاهر فى كونه (ع) فى مقام ابداء الحكم الخفى على العقول و اظهار ضابط منه لا فى مقام بيان ما هو من مركوزات العقول و بديهة الشرائع و ان هذا المعنى يدفعه تمسك الاصحاب به فى اثبات جملة من الخيارات و اخراج المؤن فى باب الزكاة و نحو ذلك و ان وقوعه فى قضية السّمرة مقارنا لقوله (ع) فاقلعها و ارم بها اليه مما يدفعه جدا ايضا كما لا يخفى و الثانى ان يكون المراد منه الاخبار عن حرمة المضارة و الاضرار فى الاسلام فيكون الحاصل ان الضرر و الضرار غير سائغ فى هذه الشريعة و هذا كما تقول لا عصبة عندنا و لا قمار اى ليس ذلك من احكامنا و لا يسوغ عندنا فيكون تعريفا

____________

(1) الضرر

284

بالجاهلية كما عرف بينهم من اضرار الرجال بيتامى النساء و ذكور الورثة بإناثهم و ارباب المقتول باصحاب القاتل و الاكابر بالسّفلة الى غير ذلك و هذا المعنى و ان كان فى نفسه من المعانى الصّحيحة غير متطرق اليه جملة مما تطرق الى الاول إلّا انه يكون الخبر ح مما لا يستفاد منه شي‏ء من الوضعيات بل من التكليفيات ايضا غير الحرمة فهذا خلاف ما فهمه الاصحاب منه حيث انهم تمسكوا به فيما مر اليه الاشارة على ان فيه نوعان التجوز كما لا يخفى و اما وقوعه فى قضية سمرة على النهج المذكور مما لا ينافى الحمل عليه كما يتوهّم ذلك فى جلى النظر و لا يخفى وجهه على من تامل و الثالث ان يكون النفى باقيا على حقيقته فيكون المراد منه انه لا ضرر مجوزا و مشروعا فى الاسلام و الحق ان هذا هو عين المعنى الثالث و لكن بعد امعان النظر فمعائبه معايبه و لو ابقى هذا المعنى على ما يتجلى فى بادى الراى يزيد المعايب و الرابع ان يكون لا باقية فى حقيقته التى هى لنفى الجنس فيكون المعنى لا ضرر و لا ضرار موجودا و متحققا فى دين الاسلام اى ليس من احكام دين الاسلام ما يوجب ضرر او ضرارا فكلما كان فيه ضرر فليس منها و بعبارة اخرى ان اللّه تعالى لم يرض لعبارة بضرر لا من جانبه و لا من جانب بعضهم بعضا و كلما كان متضمنا او مستلزما لضرر فهو ليس مما يرضى اللّه تعالى به و ليس من احكامه فلا يجب اتباعه فهذا هو الذى يعطى ضابطة و يؤدى قاعدة و الذى عقله الاصحاب منه كما يرشد الى ذلك النظر الى احتجاجهم به فى عدم وجوب الحج مع العلم بالضرر او ظنه فى الطريق و اخراج المؤمن فى الزكاة و اثبات جملة من الخيارات و يكون موافقا للإبداء المطلق من نقل الباقر (ع) غير مناف للاخبار المتضمنة (1) لقضية سمرة و غيرها و لا مستلزما شيئا من الكذب المنبعث عنه ارتكاب التجوز لان مثل هذا الضرر غير واقع نظرا الى ان التكاليف الواقعة فى الشريعة مما يحتاج الى صرف الاموال و اتعاب الانفس ليس من الضرر و الضرار و كذا التقاص و القصاص و الديات و تضمين الغاصب لما ستعرف وجهه على ان تلك الامور لو عدت من الضرر و كانت من مصاديقه لكان ذلك من التخصيص فى العام فلا غائلة فيه لكثرة تطرقه الى العمومات غاية ما فى الباب انبعاث تخصيص الاكثر عنه و استهجانه على اطلاقه غير مسلم بل يمكن دفعه بنوع من العناية على ان هذا مشترك الورود فيتطرق على بعض المعانى السّابقة ايضا و بالجملة فان هذا انسب الاحتمالات و احسنها و لو فرضنا ان فيه ايضا من الاحتياج الى ارتكاب خلاف الاصل من وجه او ازيد و الحاصل ان هذا مما يعطى ضوابط و يؤدى قواعد فما يعطيه ان كل حكم من الاحكام و لو كان اباحة اذا استلزم ضرر شخص من الاشخاص ليس من احكام دين الاسلام كما يعطى ان عدم الضرر و عدم كون الحكم المتضمن للضرر حكما شرعيا حكم شرعى يجب اتباعه فترتب بعض الخيارات على هذا و لو التزاما معتبرا و كذا اخراج المؤن فى الزكاة مما لا يرتاب فيه و قد يقال انه يستدل به على نفى كون ما يوجب ضررا او ضرارا حكما شرعيا و اما تعيين‏ (2) الحكم فموقوف على دليل آخر مثلا اذا كانت المبايعة مما يوجب ضررا على البائع بسبب الغبن فيحكم بتلك الاخبار على عدم كون لزوم تلك المبايعة من احكام الشرع و اما ان الحكم هو خيار البائع او فساد المبايعة او ضمان المشترى للتفاوت فهو يحتاج الى عناية اخرى هذا و انت خبير بان هذا بعد امعان النظر فيه مما لا يبعد عن الصواب فت و كيف كان فانه لا يدل على هذا على الضمانات بوجه من الوجوه و الخامس ان المنفى هو اضراره تعالى بالعبيد يعنى انه تعالى لم يرض لعباده نصر من جانبه و السادس ان المنفى هو اضرار العبيد بعضهم بالبعض فمن ثمرات الاول مثل اخراج المؤن فى الزكاة كما ان من ثمرات الثانى ترتب بعض الخيارات و لو على الوجه المذكور من اخذ قضية الغاية فى البين و ادراج هذه الثمرة ايضا فى الاول مما لا يؤديه دقيق النظر و كيف كان فان ما يرد على الحمل على اى واحد من هذين مما يظهر من الالتفات فيما سبق و السابع ان يكون المراد انه تعالى لم يجوز للعباد و لم يشرع لهم ضررا بغير حيران فكلما رخص فيه فهو مع الجبران فيترتب عليه بعض‏

الخيارات دون مثل اخراج المؤن فى الزكاة و هذا ظ و لا بد ايضا على الضمان اصلا فضلا عن ان يدل عليه و على انه مما يتعلق بمال المضر بمثل ما اضر به فهذا الوجه و ان كان من الوجوه المستقيمة إلّا انه لا يبلغ درجة المختار فاقل ما يرد عليه انه لا يلائم ما عليه الفقهاء من احتجاجهم به فى مثل اخراج المؤن كاحتجاجهم به فى بعض الخيارات و الثامن ان يكون المراد انه لا ضرر بلا جبران المتدارك للضرر و الفرق بين هذا و السابق فى غاية الظهور لان الملحوظ فى السابق دفع الضرر و هاهنا تدارك الضرر الواقع و بعبارة اخرى ان الجبران فى السّابق دفعى و هنا تداركى و هذا يترتب عليه الضمانات و لا يترتب ما سبق من قضية الخيارات و اخراج المؤن فى الزكاة و لعل من يتمسّك به فى اثبات التضمين على الغاصب اذا رد العين و نقص القيمة عن القيمة السوفية حين الغصب لهذه التفاوت كطائفة من متاخرى المتاخرين و هكذا فيما يشبه ذلك نظرهم الى هذا المعنى و هذا و ان كان بالنظر الى بعض الوجوه مما ليس فى غاية البعد إلّا انه لا يصار اليه فى التحقيق لاحتياجه الى كثرة الاضمار و التقدير مع انه مما يدفعه تمسك الاصحاب بتلك الاخبار فى الابواب المتقدّمة و ليس فى البين معنى جامع لما يعطى الثمرات المتقدّمة و لهذا الثمرة ايضا فاذا اخذ هذا المعنى فلا يجوز التمسّك به فى المتقدمة المعطية الثمرات المتقدّمة على ان اثبات الضمان بذلك فى المثال المذكور و ما ضاهاه بمعنى انه مما يتعلق بمال المضر بمثل ما اضرّ به مما يحتاج الى عناية جدّا و تلك بملاحظة ان التضمين من بيت المال على الندرة فله مواضع مخصوصة و ان الاستقراء

____________

(1) لهذه الفقرة من المتضمنة

(2) اصل‏

285

مما يؤدى ان الضمان على مقدار ما تلف او ما اضرّ به ثم لا يخفى عليك ان البناء على هذا المعنى يستلزم الحكم بالضمان فى مواضع كثيرة حتى فى صور الاخبار الكذبى العمدى فى الأمثلة المتقدمة و بالجملة فى كل ما من شأنه الضرر و هذا ايضا كما ترى من معايب هذا الحمل لانه مستلزم لتخصيصات كثيرة و التاسع ان يحمل فقرة لا ضرر على المعنى المختار المنبعث عنه الثمرات المتقدمة من الخيار و اخراج المؤن فى الزكاة و نحو ذلك و فقرة لا ضرار على المعنى المتقدم الثامن المنبعث الضمان فى المواضع المشار اليها و هذا وجه وجيه من وجه و هو عدم لزوم التكرار فى الكلام مما هو على خلاف الاصل خصوصا فى كلام المعصومين (ع) فان لزوم التكرار مما لا ينفك عنه شي‏ء من المعانى ما عدا هذا المعنى و يحتمل قريبا ان محطا انظار جمع من متاخرى المتاخرين ممن تمسكوا به على الضمانات فى مقامات الاضرار الا فيما خرج بالاجماع و نحوه الى ذلك و يمكن تاييد هذا بما عن بعض اللغويّين من ابداء الفرق بينهما بالمصدرية و اسم المصدر و الحاصل ان الاحتجاج بتلك الاخبار على ترتيب هذه الثمرات كلها من قضية الخيار و اخراج المؤن فى الزكاة و اثبات الضمان فى الضرر الواقع من شخص على الاعتبار السابق من المنشئية المعتبرة مع حمل الفقرتين على الاتحاد و التكرار يستلزم الاستعمال فى المعنيين و التقييد بقيدين مختلفين فلا فصية عن ذلك الا بالقول بالتغاير بين الفقرتين فح يندفع هذه العويصة و ان لم يخل الكلام على هذا الوجه عن ورود عويصات أخر عليه من ان الالتزام برجوع المستنصر على المضرّ بمقدار ما اضر به و ضمانه له به التزام بما يخالف البديهة خصوصا اذا لوحظ على ذلك سبيل الارسال و الاطلاق بمعنى ان يناط الامر على الضرر مط و ان فقد القصد و التعمد فان ذلك يستلزم تضمين من حفر بئرا فى غير الطريق و من اتخذ كلبا او بهيمة غير معتادى الاضرار و من وقع منه الضرر و هو محسن فى عمله و هذا مخالف لما يظهر من الاخبار و كلام الاصحاب من ان التضمين فى السّبب موقوف على عدم مباشرا قوى منه مع وجود المباشر و على صحة اسناد الاثر اليه مع عدمه و عدم تقصيره بالنسبة الى ما صدر من بهيمة لعدم معروفيتها بالاذية او معروفيتها و لكنه ما قصر فى حفظها و ان البناء على عدم الضمان فى موضع الاحسان لدليل نفى السّبيل مع الاحسان هذا و لا يخفى عليك ان هذا ذلك و ان كان مما يعد فى بادى الانظار من العويصات الواردة على اخذ لا ضرر و لا ضرار دليل التضمين فى مواضع الضرر إلّا انه ليس فى دقيق الانظار من الاشكال فى شي‏ء بل فى جلى الانظار ايضا لان المتبادر من تلك الاخبار (1) المنشئية المعتبرة فى صور التسبيب فليس المقص منها ترتيب الضمان على محض التضرر على فرض دلالتها على ذلك بل على الاضرار المنبعث عن القصد و التعمد بحكم التبادر و السياق فى البعض منها فلا نقض بالمثالين الاولين و النقض بالثالث امر عجيب لانه يجرى فى صورة القصد و التعمد ايضا اذا كان مع ذلك محسنا على ان هذا مما لا وجه له اصلا لان تقديم دليل و لو من جهة الاقلية فى المورد على دليل و لو من جهة الاكثرية فيه لا يقضى بان الدليل المورود عليه ليس دليلا فى حدّ نفسه و مع قطع النّظر عن هذه المعارضة فهذا لا اختصاص له بما ذكر بل يجرى فى قاعدة الاتلاف ايضا بمعنى انه يمكن الحكم بعدم الضمان على الضرر و المترتب على اليد و الاتلاف و لكن فى مقام تحقق الاحسان فمن هنا يستبان وجه آخر لعدم وقوع النقض بالمثالين الاولين فى محله ايضا و بعبارة اخرى ان ذلك من قبيل التخصيص فلا ضير فيه نعم ان ما يزيف به هذا الوجه هو انه مما يستلزم تطرق التخصيصات الكثيرة أ لا ترى الى صور الاخبار الكذبى العمدى كما مر اليه الاشارة فانها مما لا ضمان فيها اصلا بل بقول واحد و دفع هذا بانه مما لا ضير فيه اذ هذا ليس من قبيل التخصيص بل من باب قاعدة المباشرة بمعنى ان المباشر فيما تقدم هو المستنصر و ان كان الباعث على ذلك و السبب له اخبار المضر على سبيل تعمد الاضرار فيقدم المباشرة على التسبيب مما ليس فى محلّه جدا لانّ ما ذكر ايضا من التخصيص على ان تقديم قاعدة المباشرة على سبيل الارسال و الاطلاق على قاعدة الضمان المستفاد من خبر لا ضرر و

لا ضرار غير متسالم و لا مسلم اذ رب تسبيب قوى فى مجاريه و موارده يقدم على المباشرة الضعيفة مع ان قاعدة التسبيب غير قاعدة الضرار إلّا ان يقال ان باعتبار المنشئية المعتبرة يدخل الضرار فى التسبيب و عقد الباب و جملة الامر ان هذا الوجه و ان كان يمكن ان يقال فى تزييفه انه يؤدى الضمان فى كل ضرر وصل من شخص الى شخص و لو بتوسيط ضعيف مثل ان حبسه عن نفعه و حرفته و صناعته بالاشتغال بالمكالمة و نحوها اذا تعمد الاضرار بل مط الى غير ذلك من الامور الغير المحصاة فيحتاج الى نفى الضمان فيها فى كل مورد (2) منها بالاجماع و هذا كما ترى إلّا انه يمكن دفع هذا الايراد بما مر اليه الاشارة من اعتبار المنشئية المعتبرة فتخرج امثال هذه عن مصاديق الضرر و ان كان يصدق عليها فى بادى النظر فيسلم الخبر عن تطرق هذه التخصيصات اليه هذا لكنه مع ذلك مما يتطرق اليه التخصيصات الكثيرة و يرشدك الى ذلك النظر الى حال فاتح باب دار او حصن او حافر ثقب فى جدار او دال سارق على مال او ساع عند ظالم فى قتل او اخذ مال الى غير ذلك فان الضمان فيها انما على المباشر و اخذ المال لا على الفاتح و الحافر و الدال و السّاعى فاذا اضيف الى ذلك بعض الامثلة المتقدمة لزم التخصيصات الكثيرة بل تخصيص الاكثر خصوصا اذا منع عدم الشمول لمثل الاضرار بالمكالمة اذا كان المضر ممن يتعمده هذا و يمكن الذب عن ذلك بان تعلق الضمان على المباشرين فى هذه الامثلة لا يستلزم التخصيص لانهم ايضا من‏

____________

(1) اعتبار

(2) مورد

286

ايضا من الضارين بل اقوى من غيرهم فى الاضرار ممن ذكروا فالخبر دليل على تعلق الضمان بهم كدلالة قاعدة على اليد ما اخذته و عموم من اتلف ما لا لغيره ضمنه عليه فالحكم بتعلق الضمان بهم خاصّة لتوارد الادلة بالنسبة اليهم و منها خبر لا ضرر و لا ضرار دون غيرهم لعدم تمشيتها بالنسبة اليهم عدا خبر لا ضرر و لا ضرار فلا تخصيص و لا نقض و لا غائلة هذا و لكن لا يخفى عليك ما فيه فان ما ذكر لا يدفع الضيم جدّا اذ لو لا التخصيص لزم الحكم بضمان غير المباشرين من الفاتح و الحافر و الدال و الساعى ايضا غاية ما فى الباب ان يكون ذلك على سبيل التوزيع او يكون للمستنصر التخيير فى الرجوع الى الضارّين كما ان ذلك ثابت فى بعض المقامات و من ذلك صورة تعاقب الايادى على شي‏ء فى الغصب و القول بان قاعدة اليد و قاعدة الاتلاف مما يقدم على نفى الضرار او انهما تبقيان سليمتين بعد تحقق الاضرار فى كلنا الطائفتين مما لا يحسم قضية التخصيص و كيف كان فقد اتضح الحال و انكشف المقال و انصدع مما ذكرنا ايضا ان خبر لا ضرر و لا ضرار على فرض دلالته على تضمين المضرين لا دلالة له على تقديم الاقوى على الأضعف فى صورة تعدد المضرين و لا على تقديم المباشر على ذى الواسطة و من قلت واسطة على غيره بل ان هذا مما يحتاج الى اعتبار عنايات و اعتبارات أخر بل مفاد الخبر على هذا التقدير من غير فرق فى ذلك بين ما ذكر و بين صورة التساوى التوزيع فى هذه الصورة لا التخيير (1) بينه و بين التوزيع ايضا و بالجملة فان الحكم بما اشير اليه و بان مع التساوى بناء على التخيير يستقر الضمان على الاخير مما لا دلالة للخبر عليه و ان قلنا ان دلالته على التضمين فى غاية الظهور فاذا كنت على خبر مما ذكر

فى حد عويصة فى المقام‏

فاعلم ان فى المقام عويصة و هى ان الخبر اذا لم يحمل على النهى و لا على افادته الضمان بفقرتيه خاصة و لا على نفى الاضرار ملحوظا فيه اضرار العبيد بعضهم بالبعض بل على المعنى الذى كان من ثمراته اثبات جملة من الخيارات و جواز اخراج المؤن فى الزكاة و كان هو الذى فهمه الاصحاب منه على ما مر اليه الاشارة لزم تحقق التعارض بينه و بين ما دل على اثبات معظم التكاليف الشرعيّة اذ هو مما اشتمل على ضرر (2) عظيم جدّا كالجهاد و الحج و الصيام و بذل الاموال فى الزكاة و الخمس الى غير ذلك مما كاد ان يخرج عن الحد و الاحصاء فان الضرر ضد النفع و هو يتحقق بنقص شي‏ء من الاعيان و المنافع و تاذى البدن و تضرره بتعب و مشقة و هو مما يتحقق فى العرض و يلحق به ايضا و امثلة ذلك ايضا فى باب التكاليف غير عزيزة و بالجملة فان نفى الضرر و الضرار بالعبيد ملحوظا فيه جانب اللّه تعالى مما ينبعث عنه هذا الاشكال المنبعث عنه كون قاعدة نفى الضرر و الضرار من باب الاصل الذى قد اخذ فى حده التعليقية بكل ما يؤدّيها من ادوات الغايات و الاستثناء و الشرط و نحو ذلك و اخذ فيه ايضا عدم مقاومته لمعارضة دليل و لو كان من قبيل العمومات او المطلقات و هذا كما ترى ينافى ما عليه الاصحاب من احتجاجهم به فى جملة عظيمة من الابواب فى قبال طائفة من العمومات و المطلقات بل عدّهم صريحا اياه من جملة الادلة التى يلاحظ عند معارضتها بعضها مع بعض المرجحات من الداخليات و الخارجيات و قد يقال ان فى المقام اشكالا آخر ايضا و هو انه ان اريد به المعنى الاخبارى ملحوظا فيه جانب العبيد بمعنى انه لا يقع ضرر من الانسان على نفسه و لا غيره لزم كذب الخبر فلا بد ان يبنى على ارادة الترك و هى ظاهرة فى التحريم كما قرر فى محله مضافا الى ان انتفاء الواقعى اقرب الى الانتفاء الشرعى فاذا بنى على ذلك لزم القول بما لا يقول به احد من تحريم اخذ الدية من العاقلة و النفقات من المنفقين و تكليف الاولياء بحفظ المولى عليهم باقسامهم و تكليف من حصلت عنده امانة شرعيّة بحفظها و تكليف العبيد بطاعة الموالى و تكليف الكافر الداخل فى الذمام ببيع العبد المسلم و المحتكر ببيع الطعام الى غير ذلك هذا و قد تفصى البعض عن الاشكال الاول بان صدق الضرر عرفا انما هو اذا كان النقصان مما لم بثبت بازائه عوض مقصود للعقلاء يساويه مط و اما مع ثبوت ذلك بازائه فلا يصدق الضرر اصلا سيّما اذا كان ما بازائه أضعافا كثيرة له و خيرا منه بكثير و لا شك ان كل ما امر به من التكاليف الموجبة لنقص فى المال من الخمس و الزكاة و الحج و الصّدقة و امثالها مما يثبت بازائها اضعاف كثيرة فى الآخرة بل فى كثير منها العوض فى الدنيا ايضا و كيف يكون مثل ذلك ضررا الا عند من لا يؤمن باللّه و لا باليوم الآخر نعم انما يصح الاستشكال فيما لم يكن بازائه ثواب دنيوى او اخروى و لم يكن لجبر نقص آخر كالقصاص و دية الجنايات و امثالها و لو وجد مثله فى الشريعة كضرب الدية على العاقلة على ما يتوهم فان وجد مثله فلا اشكال ايضا لانه يكون من باب التخصيص و انه كما لا اشكال فى تخصيص ساير العمومات حتى قيل ما من عام الا و قد خص فكذا هنا و هذا و ان كان جاريا فى جميع التكاليف مثل الزكاة و الخمس و الانفاق و امثالها و لو قلنا بكونها ضررا و لكن هذا التخصيص الكثير مع هذا التاكيد فى نفى الضرر و الضرار بعيد غاية البعد فان قلت العوض يعم الاخروى و الدنيوى و الثانى مما يمكن درك وجوده او انتفائه بخلاف الاوّل و على هذا فكيف يمكن فهم ان الضرر الذى يتضمّنه الحكم الفلانى لا عوض له حتى يكون ضررا قلت ان الضرر هو الذى لم يكن بازائه عوض معلوم او مظنون و احتمال العوض لا ينفى صدق الضرر مع ان العوض الاخروى معلوم الانتفاء بالاصل فان قيل هذا ينفع اذا لم يكن الحكم المتضمن للضرر داخلا فى عموم دليل شرعى و اما اذا كان داخلا فيه سيّما اذا كان من باب الاوامر و امثاله يثبت العوض و يلزمه عدم تعارض‏

____________

(1) و لا التخيير

(2) بل على ضرر

287

نفى الضرر مع عموم مع انه مخالف لكلام القوم مثلا اذا ورد اذا استطعتم حجوا و اذا دخل الوقت صلوا يدل بعمومه على الامر بالحج او الصلاة فى كل وقت حصل الاستطاعة او دخل الوقت و ان تضمن ضررا كليا و الامر يدل على العوض فلا يكون ضررا قلنا الامر تعلق بالحجّ و الصّلاة و لازمه تحقق الاجر المقابل لماهية الحج و الصّلاة المتحقق فى حالة عدم الضرر ايضا و اما حصول عوض فى مقابل الضرر و اجرة له فلا دليل عليه نعم لو كان نفس الضرر مما امر به يحكم بعدم التعارض و عدم كونه ضررا كما فى قوله اذا ملكتم النصاب فزكوا و امثاله هذا و قد يجاب ايضا بانه بعد القطع بان التكاليف الشاقة و المضار الكثيرة الواردة فى الشّريعة ان المراد بنفى العسر و الحرج و الضرر نفى ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات الثابتة بالنسبة الى طاقة اوساط الناس المبرءين عن المرض و العذر الذى هو معيار مطلق التكاليف بل هى منفية من الاصل الا فيما ثبت و بقدر ما ثبت و الحاصل انا نقول ان المراد ان اللّه تعالى لا يريد بعباده العسر و الحرج و الضرر الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب احوال متعارف الاوساط و هم الاغلبون فالثانى منفى سواء لم يثبت اصله اصلا او ثبت و لكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة ثم ان ذلك النفى اما من جهة تنصيص الشارع فى كثير من ابواب الفقه من العبادات و غيرها كالقصر فى السّفر و الخوف فى الصّلاة و الافطار فى الصوم و نحو ذلك و اما من جهة التعميم كجواز العمل بالاجتهاد للغير المقصر فى الجزئيات كالوقت و القبلة و نحوهما او الكليات كالاحكام الشرعيّة للعلماء هذا و انت خبير بان الجواب الاول مرجعه الى ان التكاليف الثابتة لا ضرر و لا ضرار فيها لان الاوامر و النواهى المتعلقة بها كواشف عن العلل الواقعية الموجبة مع الامتثال المثوبات و الاعواض فالقضية على ما هى عليه من السّلب الكلى من غير تطرق التخصيص اليها و ان كان فعلى ندرة و هذا الجواب مما يمكن به دفع الاشكال الثانى ايضا بان يقال ان المتبادر من الضرر هو ما لم يكن مقرونا بحكم و مصالح تعود الى المستضرّ من ترتب الاعواض الاخروية او الدنيوية و ليس الامر كما ذكر لان ذلك من متعلقات الخطابات الشرعيّة فيترتب الاعواض من الاخروية او الدّنيوية فاندفع الاشكال الثانى ايضا من غير تطرق التخصيص من جهة الى القضية العامة و السّلب الكلى ان هذا الاشكال لا اختصاص له بالمعنى الذى ذكره المستشكل كما لا يخفى هذا و لكن لا يخفى عليك ان ما فى ذيل هذا الجواب و ما فيه من الضابط و المعيار يعطى ما لا يلتزم به احد من انقلاب التكليف و ثبوت التكليف بالبدل ان تحقق و ثبت فى البين او سقوطه من اصله اذا لم يكن الامر كل بتحقق ما هو مصداق للضّرر عرفا بالنسبة الى تحصيل المقدمات و ارتكابها اذا لم تكن هى مما تعلق به الامر بالخصوص و بالجملة فان هذا الكلام و ان لم يكن منقوضا بما فى بعض المواضع من لزوم ارتكاب ما هو ضرر ظاهر او عدم سقوط التكليف او انقلابه الى البدل بحسب تحققه كما فى لزوم شراء الماء للوضوء و ان كان بثمن غال مثل الف دينار او درهم نظرا الى انه يمكن ان يقال ان ذلك بالنصّ و الا كان مقتضى القاعدة انقلاب التكليف او سقوطه من اصله إلّا انه منقوض بكثير من المقدمات و الذبّ عن ذلك بالتمسك باطلاق الاوامر بذى المقدّمة او ان الامر بذى المقدّمة امر بالمقدّمة مما لا يدفع الضّيم مع ان ذلك يجرى فى المثال الذى ذكره المجيب هذا اللهم إلّا ان يقال ان التزام ما ذكر و القول بانقلاب التكليف او سقوطه من اصله فى الصور المذكورة مما لا ضير و لا استبعاد فيه و عدم جواز الالتزام بذلك اول الكلام فت و اما الجواب الثانى فظاهره يعطى انّ قاعدة نفى الضرر من باب الاصول الموثقة فلا يعارض الدليل و ان كان من العمومات او المطلقات و هذا نرى لا يرضى به احد حتى المجيب بهذا الجواب هذا و يمكن تصحيحه و تقويمه بان يقال ان مراده ليس ان نفى الضرر مقيّد فى نفسه بهذا القيد العام حتى يكون من قبيل الاصول المعلّقة بل مراده ان بعد ملاحظة عمومات التكاليف و خصوصاتها و ملاحظة معارضتها مع قاعدة نفى الضرر و اعمال القواعد الترجيحية و اخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الضارة بقيد هذه القاعدة بغير هذه المخرجات‏

و الحاصل ان هذه القاعدة لا تنافى ما عليه التكاليف الشرعية و لا يلزم ايضا مما ذكر كونها من باب الاصول الغير المقاومة للدليل من العام و الخاص لان ذلك من باب الدليل الوارد على القاعدة لا لكون القاعدة من باب الاصول بل لكون الادلة فى تلك المقامات من قبيل الادلة الواردة ورود الخاص على العام او احد العامين من وجه على الآخر بحسب المرجحات الخارجيّة او الداخلية من الاقلية فى الموارد فالتمسّك بها فى قبال العموم الذى بينها و بينه عموم من وجه جائز كجوازه فى قبال الخاص اذا لم يبلغا قولها فكما تقدم على الاصول الاولية المعلقة كذا تقدم على بعض الادلة من العام و الخاص اذا لم يبلغا رتبتها و قوتها فينبعث عن ذلك انقلاب التكليف فى بعض المقامات كسقوطه من اصله فى بعض آخر و هذا هو المعيار الا و فى و الميزان المستوفى و به ينصدع التفرقة بين طائفة من المقدمات و بين طائفة منها فلا غائلة و لا ضير فلا يصار الى غير المعنى المختار لورود هذا الاشكال مع انه مما يرد على اكثره ايضا فهذا الذى ذكرنا هو الحق الذى لا محيص عنه و ان كان يابى عن ذلك بعض كلمات المجيب الثانى و ان فرض ايضا ان مرجع الجوابين الى امر واحد و ان النزاع بين المجيبين من النزاع اللفظى‏

فى بيان حدّ الضرر المنفى‏

ثم اعلم ان حدّ الضرر الذى هو منفى و مقداره موكول الى العرف فيترتب على ما يعد فيه ضرر الامور الشرعية على نفيه من غير فرق فى ذلك بين القليل و الكثير فما لا يعد منه عرفا لا يترتب عليه ما ذكر

288

ما ذكر و ان كان الضار بذلك ايضا آثما و ضامنا مثلا اذا كان احد فى الصّلاة عند فرع كثير له و اراد واحد اخذ سنبلة واحدة منه فلا يقال انه منفى و ان كان الآخذ آثما به و ضامنا له بخلاف ما لو اخذ شيئا منه مما يعتد به فح يعارض عموم نفى الضرر عموم لا تبطلوا اعمالكم فالتعارض تعارض العامين من وجه فلا يبعد دعوى ترجيح العام الاول من وجه او ازيد ثم على هذا لا يستفاد من الخبر ازيد من جواز قطع الصّلاة فوجوبه مما لا يستفاد منه قطع كما لا يستفاد منه تعيّن اخف الضررين عند التعارض او ان الحكم عند التساوى الرجوع الى الترجيح و الا فالتوقف او التخيير فان كل ذلك انما يعلم حاله من ملاحظة امور أخر ثم اعلم ان بعضا ممن لا يقولون بافادة الخبر التضمين اصلا قال ما يكون لجبر الضرر واقعا من شخص على غيره من الالزامات فهل هو ضرر ام لا و يظهر الفائدة عند التعارض كما اذا اتلف شخص مال غيره فلو لم نقل بكون الزام المثل او القيمة ضررا يحكم بلزوم المثل او القيمة على المتلف بلا معارض و لو قلنا بكونه ايضا ضررا يحصل التعارض بين الضررين و التحقيق ان الالزامات على قسمين احدهما ما هو موجب لزوال الضرر المتحقق اولا كاعطاء المثل او القيمة فان معه لا يكون ضرر على من تلف ماله و ثانيهما ما ليس كل كقصاص الجنايات و امثالها فانه عقوبة على المضر لا جير لضرر من حصل عليه الضرر فما كان من الاول لا يعد ضررا لان بالزامه يندفع الضرر عن صاحب المال فيخرج المتلف ببذله عن كونه مضرّا و هو نفع عظيم لان الاضرار فعل محرّم موجب للعقاب و قد وقع النهى عنه فى الاخبار و مثل ذلك ليس ضررا بل دفع ضرر عظيم عن نفسه بامر يسير و ما كان من الثانى يكون ضررا لانه لا يدفع الضرر الاول فلا يحكم بثبوته بمحض الاضرار بل لا بد من دليل آخر ثم قال لا فرق فى نفى الضرر و الضرار و نفى كونهما من الاحكام الشرعية بين ما اذا اذن به من يحصل عليه الضرر ام لا يرضى بالضرر ام لم يرض لعموم الاخبار فلا يفيد اذن صاحب المال مثلا فى اتلافه فى اباحة الاتلاف و لا فى نفى الالزام بالمثل او القيمة فيما اوجبه الضرر لصدق الضرر الا فيما حصل بسببه نفع دنيوى او اخروى كالضيافة و امثالها فانه ليس ضررا حقيقة نعم لو دل دليل من الاجماع او نص على عدم الالزام بالمثل او القيمة او تجويز الضرر مع الاذن فى موضع خاص او مط يكون ذلك خارجا بالدليل هذا و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة و وقوع التدافع و التناقض فيه اذ لو حمل ما فى صدر كلامه من الالزامات على الالزامات المستفادة من اخبار الضّرر و الضرار لزم التدافع و التناقض بين مختار هذا القائل من عدم دلالتها على الضمان اصلا و بين كلامه هذا و لو حمل على الالزامات المستفادة من ادلة أخر مثل من اتلف ما لا لغيره ضمنه لزم ان يكون قوله فلا يحكم بثبوته بمحض الاضرار بل لا بد من دليل آخر مما وقع فى غير مخره و من التامل فيما قررنا يظهر عدم استقامة ما فى كلامه الثانى ايضا و بالجملة فكلامه مدخول فى كلا المقامين و التحقيق فى الاول هو ان يقال انه لا تعارض فى الالزامات سواء قلنا بافادة الاخبار التضمين ام لا اما على الاول فواضح لانها اذا دلت على نفى الضرر بلا جبران بالجبران التداركى و كان هذا مساقا للضمان فكيف يكون الالزام بالمثل او القيمة من مصاديق الضرر المنفى بل انّ هذا مما لا وجه له اصلا لاستلزامه عدم وجود مصداق للاخبار يعمل فيه على طبق ما تؤديه و اداء ذلك الى لزوم المحال او مثله من انتفاء ما يثبت و بعد الغض عن ذلك كله يرد عليه انّ مثل هذا النحو من التعارض مما لا يظهر له ثمرة اصلا كما لا يخفى وجهه على انّ دعوى انصراف الاخبار الى مثل الالزام بالمثل او القيمة فيما ذكر غير بعيدة فت و اما على الثانى فاظهر من ان يبيّن هذا

فى تحقيق المطلب:

و اما التحقيق فى المقام الثانى‏

و فيه مقدمات:

الاولى: فى مطالبة مفاد قاعدة لا ضرر لحكم العقل‏

فيتوقف على تمهيد مقدّمة فاعلم ان اخبار نفى الضرر و الضرار و ان كانت مما لها دلالة على حرمة الاضرار و لو اخرجت عن حقائقها و يتصرّف فيها باىّ نحو من الانحاء و لو كان المعنى المراد به ما يترتب عليه الضمانات و ان كانت تلك الدلالة من الدلالات الالتزامية و بالجملة فتفيد ما يعطيه العقل القاطع كبديهة الشرع الساطع إلّا انها لا تدل على حرمة اضرار صاحب المال بنفسه باتلافه و نحوه و لك ان تقول ان هذا من قبيل الاختصاص او ان هذا هو المتبادر من الاخبار و ان لم تقل بان ذلك مما ينصرف اليه الاخبار و بالجملة فانّ ما ذكرنا هو المستفاد منها عرفا فامر التسمية بعد ذلك باى اسم كان مما فيه الامر سهل ثم ان ما قلنا مما يترتّب عليه ثمرات كثيرة و من جملتها صحة وضوء من كان تكليفه التيمّم لاجل جريان هذه القاعدة نظرا الى ان التوضؤ كان مما يستلزم اذهاب المال المجحف او الخوف بنفسه او نحوها عن العطش و نحوه و ان قلنا ان النهى فى العبادات مستلزم للفساد مط و بالجملة فالثمرات بين ما قلنا و بين ضدّه مما هو فى غاية الكثرة فاذا عرفت هذا فاعلم انه يمكن ان يقال ان الاخبار كما لا تدل على حال اضرار المالك بماله و تضييعه و اتلافه اصلا كذا لا تدل على اضرار الماذون من قبله به فهى بالنسبة الى ذلك ساكتة فهذا انما هو بملاحظة نفس هذه الاخبار و ان كان الحكم مع قطع النظر عنها حرمة اضرار المالك بما له و اتلافه نظرا الى دخول ذلك تحت التبذير و الاسراف المحرمين و ورود ما يدل على حرمتهما على عموم الناس مسلطون على اموالهم ورود الخاصّ على العام على ان بعد الغض عن ذلك و البناء على دلالة الاخبار على حرمة اضرار الغير مط و ان كان ماذونا من قبل المالك فلا نحكم ايضا فى هذه الصورة بالضمان لان تعقب الضمان بعد الاذن على خلاف الاصل و القاعدة و كيف‏

289

كان فان كلام هذا القائل و تحقيقه و تفريعه مما لا وجه له و ان قطعنا النظر عما اوردنا عليه او لا من قضية التدافع و التناقض ثم اعلم انه نفى فى المقام امر يختم به المرام فلا يخفى عليك ان من موارد تعارض نفى الضرر مع دليل آخر ما لو استلزم تصرف احد فى ملكه تضرر الغير فانه يعارض ما دل على جواز التصرف فى المال مثل قوله (ع) الناس مسلطون على اموالهم و التعارض بالعموم من وجه فقد يرجح ادلة نفى الضرر بما مرّ من المعاضدات و قد يرجح الثانى هذا و قال المحقق الثالث و يشكل الامر فى الاضرار لو استلزم نفيه تضرّر الغير سيّما اذا استلزم‏ (1) فى ملكه تضرر الغير و صرّح بعضهم بجوازه ح و الاولى ان يقال انه يجوز اذا لم يتضرر الجار مع عدم تضرّر نفسه بتركه و اما مع تضرر نفسه بتركه فهو اولى بعدم الضّرر و الحديث يحكم بنفى الضّرر مط فلا بد من الاكتفاء باقل الضررين اذا دار الامر بينهما و ارجحهما اختيارا فلم يظهر وجوب دفع الضّرر عن الجار مع تضرر نفسه فلاحظ الروايات الواردة فى حكاية سمرة فانه اراد الجمع بين الحقّين بان يستاذن سمرة فى الدخول او ببيع تخطته باعلى القيم او نحو ذلك فلم يرض فحكم بقلعها و رميها فان تصرف سمرة كان فى ملكه و لكن بحيث يتضرر الانصارى فظهر انّ التصرف فى ملكه مع تضرر الجار اذا امكن دفعه بحيث لا يضر نفسه حرام منفى لو قصد الاضرار فهو حرام مط و هو غير ما نحن فيه و هو احد محتملات حكاية سمرة كما يظهر من رواية ابى عبيدة ففى آخرها قال ما اراك يا سمرة الا مضارا اذهب يا فلان فاقلعها و اضرب بها وجهه و لكن ساير الاخبار مطلقة لا يمكن حملها على ذلك للاطلاق و ظاهر اتفاقهم على العموم انتهى اقول ان تحقيق المقام يقتضى بسطا فى الكلام ليكشف به اغطية الالتباس و الاشتباه عن المرام فاعلم ان الصور فى المقام كثيرة فنقول اما ان يتضرّر المالك بترك التصرف فى ملكه تضررا داخلا تحت الضرر العرفى الذى هو العنوان فى امثال المقام مع تضرّر الجار و نحوه بفعله او لا يتضرر الاول دون الثانى و على التضرر من الطرفين اما ان يتساوى الضرران او يتفاوتا و على جميع التقادير اما ان يكون الضرر الحاصل بالفعل او الترك منبعثا عن بعض الامور الجائزة الصّادرة من المكلف كالاعارة و الاستعارة او لا يكون كل و على التقادير اما ان يمكن الجمع بين الحقين بنحو من الانحاء او لا يمكن اصلا و هذا الاخير من الفرض المحض كما لا يخفى ثم ان ما به الجمع اما منحصر فى امر واحد و لو بملاحظة بعض الاعتبارات او متعدد فاذا عرفت هذا فاعلم ان الحكم فى صورة التضرر من الطرفين و لكن فيما لم يكن الضرر الحاصل بالفعل او الترك منبعثا عن بعض الامور الجائزة من المكلف هو الحكم بالجمع مع امكانه لكن لا مط بل اذا كان هذا غير مخالف لدليل غير الاصل كما هو المفروض فى المقام بالبناء على فقد الدليل فى البين و ذلك لان هذا هو المستفاد من الاخبار الواردة فى قضيّة سمرة و هى اخبار كثيرة و فيها ما يعتبر فى نفسه فلا وجه للتمسّك فى قبال هذا بالاصل و قاعدة السّلطنة و اثبات تصرّف المالك بذلك على سبيل الارسال و الاطلاق فما عن البعض كالعلامة فى التحرير حيث قال فى كتاب احياء الاموات للرجل ان يتصرف فى ملكه و ان استضر جاره مما ليس بحسن اطلاقه سواء كان المقصود منه تصرف الرّجل فى ملكه لدفع الضّرر عن نفسه او مط و ان كان نظره فى الاخير الى ترجيح قاعدة السلطنة او اسقاط المتعارضين و الرّجوع الى الاصل الاولى من اصالة جواز التصرف لما عرفت ان ذلك لا يقاوم لما اشرنا اليه ثم لا فرق فى ذلك بين تساوى الضّررين و تفاوتهما بل المنصدع مما قررنا جريان الحكم المذكور فى صورة فوت جلب المنفعة بترك المالك تصرّفه ايضا كما لا يخفى على الفطن المتدبر المندوب ثم انه يتعيّن ما به الجمع و يلزم به ان كان واحدا و ان كان متعدّدا فالحكم هو التخيير و هذا ايضا هو المستفاد من الاخبار كما لا يخفى على المتأمّل فيها هذا و اما صور التضرر المنبعث عن بعض الامور الجائزة الصادرة عن المكلف كالاعادة و الاستعارة فالحال فيها و ان كانت غير الحال فيما تقدم فى بادى الانظار الا ان انكشاف الامر فى ذلك و تحقيق الحال فيه ببيان المثال و توضيح المقال فنقول‏

لو بنى زيد مثلا على جدار عمر و بناء باذنه و باعارته اياه فهل للمعير تخريب ما بنى المستعير على ملكه لاحتياج داع للمعير اليه من جلب النفع او دفع الضرر او مط ام لا يجوز اصلا او فى غير صورة دفع الضرر فالاحتمالات المتصورة فى ذلك كثيرة من الزام الابقاء الى ان تخرب العمارة المبنية على الجدار و من جواز التخريب مجانا مط او بالتفصيل بين الصور و من جواز ذلك لكن مع التزام المعير غرامة التخريب للمستعير و من الزام الابقاء لكن مع جواز مطالبة المعير الاجرة من المستعير و اذا عرفت هذا فاعلم انه و ان كان يمكن ان يقال ان ما سبق لا يجرى بعينه هاهنا نظرا الى تحقق وجوه هاهنا فبها يمتاز عن السّابق مثل انه يمكن ان يقال ان المستعير اقدم على ضرره للعلم منه بان العارية عقد جائز يجوز فيه الرّجوع بل ان الجهل بالحكم مثل العلم به من غير فرق بينهما بعد امعان النظر فجرى قاعدة السلطنة معتضدة بالاصل او ان الحكم هو الزام الابقاء نظرا الى ان اطلاق اذن المالك كالتابيد و الاستدامة او ان المعير قد اقدم على ضرره فليس له الرّجوع الى ان يخرب العمارة بنفسها الا ان مقتضى الحق و التحقيق هاهنا ايضا هو الحكم بمراعاة الجمع بين الحقين و الجمع بين الحقين هاهنا كما يتحقق بالتزام المعير الغرامة للمستعير كذا يحصل بالابقاء و مطالبة الاجرة من المستعير فالتخيير هنا للمالك ثم ان فى اعارة الارض للدفن ياتى هذه الاحتمالات ايضا الا ان للمسألة فيها طرزا آخر به يمتاز عن هذا المثال فمن اراد الاطلاع‏

____________

(1) التصرف‏

290

الاطلاع بحقيقة الحال فعليه المراجعة الى الكتب الفقهية الاستدلالية و بالجملة فان عموم نفى الضرر يجرى فى امثال تلك المسائل ايضا فيراعى ما قلنا من الجمع بين الحقين مهما امكن و توهّم خروجها عن الدخول تحته نظرا الى بعض الامور المشار اليه من التخيلات المحضة ثم لا يخفى عليك ان الحكم بالتزام الغرامة و الاجرة فيما ذكر ليس لاجل دلالة اخبار نفى الضّرر على الضمان بل هذا هو المنبعث عن الحكم بمراعاة الجمع بين الحقّين فالحكم بما ذكر فى محلّه حتى على البناء على نفى دلالتها عليه كما عليه الاكثر ثم من التامل فيما قررنا يظهر لك ما فى كلام المحقق الثالث فانه مع قطع النظر عما فيه من عدم تحرير المرام و اتمامه مما هو مشتمل على تشويش و اضطراب و ركاكة فى العبارة و كيف كان فقد علم ان كل ما ذكرنا و حققنا هو المستفاد من اخبار نفى الضرر و الضرار و لا ينافى اذيال الاخبار الحاكية قضية سمرة من امره (ع) بقلع نخلته لما ذكرنا فى هذه المسألة المقدّمة آنفا من مراعاة الجمع بين الحقين لان ذلك كان لاجل عدم اعتقاد سمرة بالشرع الانور و نفاقه و ان شئت ان تقول ان هذا و ان كان من مصاديق الضرر ايضا هذا الا ان عموم لا ضرر و لا ضرار قد خصّص بالنسبة الى ذلك بفعل النبى (ص) و امره بقلع النخلة فلك الخيار ايضا و بالجملة فكم من فرق بين المقامين على ان استدلال مجوزى التكليف بالمحال بانه تعالى كلف الكافر بالايمان مع انه ممتنع فى حقّه اذ لم يرده منه و لانه تعالى يكفره و يمتنع الجهل فى علمه تعالى و بانه تعالى كلف أبا لهب بالايمان بجميع ما جاء به النبى (ص) مع ان من جملة ما جاء به النبى (ص) انه لا يؤمن فيجب الايمان بانه لا يؤمن و هو مح و بان التكليف بالمحال مقدور فى نفسه و لا مانع الا قبحه العقلى و لا ضير فيه من الشواهد على بط ما زعمه هذا القائل و غفلته عن كلمات القوم و كذا ما اجيب به عن هذه الوجوه من ان عدم ارادته تعالى ايمان الكافر ان كان بمعنى عدم رضائه به فممنوع كيف و قد قال تعالى و لا يرضى لعباده الكفر الى غير ذلك مما لا يحصى و ان كان بمعنى عدم مشتبه و تقديره فلا ينافى كونه باختيار الكافر و ارادته و قدرته فلا يكون تكليفا بالمحال و من ان علمه تعالى و ان استحال انفكاك المعلوم عنه لكنه لا ينافى قدرة الكافر و تمكينه فلا يكون تكليفه بخلاف المعلوم تكليفا بالمحال و من ان أبا لهب لم يكلف بالايمان بانه لا يؤمن بل اما ان يكون قد اخفى عنه هذا الاخبار و كلف بالايمان بجميع ما جاء به النبى (ص) اجمالا او كلف بالايمان‏ (1) فى زمن سابق بانه لا يؤمن فى زمن لاحق و من ان هذه الوجوه لو تمت لدلّت على وقوع التكليف بالمحال و هم لا يقولون به على ما حكاه بعضهم هذا و كذا احتجاج المفصل منهم على جوازه فى غير الممتنع الذاتى ببعض ما مر و على امتناعه فى الممتنع الذاتى بانه مما يمتنع تصوّر وقوعه فيمتنع التكليف به فان التكليف بالشي‏ء عبارة عن استدعاء حصوله فيتوقف على تصوره و تصور حصوله تصور للشي‏ء على خلاف ماهيّته و هو مح و كذا رد ما يرد على دليل هذا الشق الثانى من ان المستحيل كالجمع بين الضدين لو لم يمكن‏ (2) وصفه بالاستحالة لان العلم بصفة الشي‏ء فرع تصوره و من انه لو امتنع تصوره لامتنع الحكم الثبوتى عليه بانه ممتنع او معدوم فان ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوته و يكفى ذلك فى صحة طلبه بان الجمع المتصور هو الجمع بين المختلفات و هو الذى حكم بنفيه و ان الممتنع هو تصوره مثبتا لا مط و الذى يلزم من ذلك امكان تصوره منفيا لا مط و بان المستحيل ح هو الامر الخارجى دون الذهنى المتصور فلا يكون المستحيل هو المتصور على انه لو كان متصورا لكان ممكنا فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل و ان الحكم على الخارج بالامتناع يستدعى تصوره فى الخارج و هو مح لانه تصور للشي‏ء على خلاف حقيقته و هكذا الجواب عن ذلك بانه ان اريد باستحالة تصور المستحيل الذاتى استحالة حصول صورته فى الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على امكان حصول صورة المطلوب فى الخيال و انما يتوقف على امكان تصوره فى الجملة و ان اريد استحالة حصول صورته فى العقل فممنوع لان دائرة العقل اوسع و بان الامر الذهنى‏

المتصور عنوانا للامر خارجى المستحيل و مرآة لملاحظته فكيف يكون الملحوظ غير المستحيل و الا لاستحال الحكم عليه بالاستحالة و ان كون الشي‏ء ممكن الوجود فى الذهن لا ينافى كونه ممتنع الوجود فى الخارج فالحكم بالامتناع باعتبار ما جعل مرآة لملاحظته اعنى وجوده فى الخارج و كذلك الحال فى الحكم على الممتنع الذهنى كحكمنا على الوجود الخارجى بانه ممتنع التحقق فى الذهن و ان تصور المستحيل فى الخارج لا يوجب كونه تصورا له على خلاف حقيقته اى مفهومه كيف و التقدير انه تصور لمفهومه و انما يوجب كونه تصوّرا له على خلاف حقيقته بمعنى ما يمكن تحققه به و الفرق ظ هذا و بالجملة فان ما زعمه هذا القائل من كون عدم جواز تكليف المح و غير المقدور من الوفاقيات عند الكل بعد فرض وفاقية الصّغرى بان يكون غير المقدور غير مقدور عند الكل من المجازفات الصّرفة و التخمينيات المحضة و من العجائب و العجائب جمة اختفاء ما قلنا على هذا القائل مع انه كان يعد من جهابذة علماء الاصول فان قلت ان الاشاعرة لا ينكرون حجية ظواهر الكتاب و الآيات النافية تكليف ما لا يطاق و غير المقدور منطوقا و فحوى فى غاية الكثرة فيكون ما صار اليه هذا القائل فى ادعائه الاجماع المزبور مما فى محله قلت انّ مثل هذا الاحتجاج على تعيين مذهب الاشاعرة فى هذه المسألة مما لا يخفى فساده على ذى دربة و مسكة على ان الآيات تنفى الوقوع و اين هى من نفى الجواز و النزاع بين الاشاعرة فى الجواز و عدمه و ان كان بعض الادلة المذكورة للجواز يعطى الوقوع ايضا ثم ان هذا على التنزل و المماشاة مع هذا القائل و الا فنقول ان الآيات تنفى ما عليه الأشاعرة من تكليف الغير المقدور مط ايضا مع ان الاشاعرة يقولون‏

____________

(1) عدا ذلك و مكلف بالايمان‏

(2) تصوره لم يمكن‏

291

بجوازه بل وقوعه بالنسبة الى الافعال الاختيارية عندنا فان قلت ان للاشعرى ان يخصّص العمومات النافية تكليف ما لا يطاق و غير المقدور بالتكاليف الصادرة الواقعة فى الشريعة فيكون لقول هذا القائل فى بيان مذهب الاشعرى وجه وجيه قلت خلاصة الكلام ان مثل هذه التوجيهات و الانتصارات لا يتمشى بعد وقوع التّصريح من اعلام الاشاعرة بوقوع التشاجر و التنازع بينهم فى هذه المسألة ثم ان فساد هذا النوع من التخصيص مما لا يخفى وجهه على المتأمّل و كيف كان فان عدم جواز التكليف بما ذكر من الضروريات عندنا و ليس مثل هذا من مجارى قاعدة السّعة و اصل نفى العسر و الحرج لان الجريان فرع تعقل المعارضة و الخلاف و هذا كما ترى مما لا يتعلق فيه‏

الثانية: فى الممتنع العرضى المستند إلى اختيار المكلّف‏

المقدّمة الثانية فى بيان الحال و تحقيق المقال فى الممتنع العرضى المستند الى اختيار المكلف فاعلم ان تجويز التكليف بذلك من لوازم مذهب المجوزين فى القسمين السّابقين معا او فى الاخير فقط فذلك يثبت عندهم بالاولوية و ان قطع النظر عن بعض ادلتهم الشامل له و كيف كان فالنزاع قد وقع بين الامامية ايضا فمنهم من جوّزه و منهم من منعه فاحتج الاولون بانه لو لا ذلك لخرج كثير من افراد الواجب المط عن كونه واجبا مط و التالى بط اما الملازمة فلان الواجب اذا توقف على مقدمات مقدورة و تركها المكلف فلا يخلو اما ان يبقى التكليف فى حقه و هو التكليف بالمحال او لا فيلزم ان لا يكون وجوب الواجب مط بل مشروطا بحصول تلك المقدمات و هو المراد بالتالى و اما بطلانه فواضح و ان المستند على امتناع التكليف بالمحال من قبحه العقلى و هو لا يجرى فيما اذا استند الى اختيار العبد اذ لا يقطع العقل بقبحه ح هذا و قد اجيب عن الاول بانا نختار عدم بقاء التكليف بعد ارتفاع القدرة و نمنع لزوم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مط ان اعتبر الخروج بالنسبة الى زمن القدرة لعدم ما يوجبه ح و ان اعتبر بالنّسبة الى ما بعده فهو لا يوجب ان يكون الوجوب مشروطا بل بقائه مشروطا و لا اشكال عليه اذ يكفى فى عصيانه و استحقاقه العقاب تفويته فعل الواجب بعد وجوبه بتقصيره و اختياره و لا يعتبر فى ذلك اتصال التكليف بزمن ترك الواجب و بعبارة اخرى ان الأفعال التى تتولد من الفعل الاختيارى بطريق الاضطرار باسرها مستندة الى اختيار الفاعل الذى يستند اليه الفعل الاختيارى فهى اختيارية له بالنسبة الى زمن اختياره السابق بمعنى انه فى زمن وجود الاختيارى له فى الفعل الذى تولدت منه كان له ان يتسبّب لحصولها بفعله او لعدمها بتركه و ان كانت اضطرارية الى ما بعد زمن حصول ذلك الفعل الاختيارى حيث انه لا يتمكن ح من التسبّب لعدمها و التكليف الفعلى عندنا انما يجوز ان يتعلق بها فعلا او تركا حال وجود الاختيار و اما بعد ارتفاعه فيمتنع بقاء التكليف بها و لا يلزم منه وقوعها بلا حكم بالنسبة الى زمن الاختيار كيف و هى مورد التكليف الذى يحقق فى ذلك الزمان و انما اللازم وقوعها بل حكم بالنسبة الى ما بعد زمن الاختيار اذ لا تكليف بها فيه فهى واجبة مثلا او محرمة بالايجاب السّابق او التحريم السابق كما انها اختيارية بالاختيار السابق و ليست واجبة او محرّمة بايجاب مقارن او تحريم مقارن كما انها ليست باختياريّة باختيار (1) ان هذا و قد اجيب عن الثانى بان حكم العقل بقبح التكليف بالمحال و طلبه يعم كلا من الصورتين كما يعمّهما ما دل على عدم وقوعه من الآيات و الاخبار هذا اقول التحقيق فى المقام هو ان يقال ان المجوز ان اراد من ذلك بقاء الخطاب و توجّهه الى المكلف كسائر الخطابات الشرعيّة فالحق مع المانع لان مثل ذلك بعد فى العرف من الجهل و السّفه مضافا الى استقباحه العقل من الحكيم و ليس من ذلك القبيل تكليف الكفار و العصاة فان بقاء التكليف و توجّه الخطابات الى المكلفين اذا استند الامتناع الى ارادتهم مع بقاء التمكن على الفعل مما لا ضير فيه اصلا كما لا شك ان ذلك من التكاليف الحقيقية لا الابتلائية التسجيلية كما توهّم و ان اراد ترتب الآثار و استحقاق العقوبة آنا فآنا بامتداد الازمنة و حيوة المكلف فيكون النزاع بينه و بين المانع وحدة زمان استحقاق العقاب و امتداده و بذلك يخرج التنازع عن المنازعات اللفظية فهو مما لا غائلة و لا ضير فيه الا ان اثبات ذلك دونه خرط القتاد و تحقيق الحال فى مثل ذلك يطلب من الاخبار و الآثار و مع ذلك فليس اثبات مثله مما يستند اليه الحاجة لعدم ترتب الثمرات الفقهية عليه الا نادر او التمسّك فى انبات ذلك بما هو الدائر فى السنة المتكلمين و الاصوليّين من ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار بتقريب انه لما لم يكن الظاهر منه مرادا من بقاء توجّه الخطابات بناء على ما عرفت لزم حمله على ما يقاربه و هو ما ذكر مما وقع فى غير مخره لان مثل ذلك يعد من المصادرات كما لا يخفى وجهه على الفطن على ان هذا الحمل مما لا يلجئ اليه شي‏ء اذ مصداق هذا الكلام و المعنى به هو صورة امتناع الفعل باستناده الى الارادة مع بقاء التمكن بل هو اقرب و يكشف عن ذلك كلامهم الآخر من ان الايجاب بالاختيار لا ينافى الاختيار فالاشياء كما تعرف بامثالها كذا تعرف باضدادها

فقد انصدع عما قررنا ان الحق مع المانع و ان حملنا كلام المجوز على ما ذكرنا فى توجيهه ثم لا فرق فى ذلك بين التكليف الابتلائى و غيره لجريان ما ذكر فى الكل و التفرقة ناشئة عن عدم امعان النظر نعم لا يقبح ايراد صورة الامر ح من باب الاهانة او حمل المخاطب على التحسّر و التحزن كما فى قوله تعالى‏ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً و قوله تعالى‏ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ‏ قيل و اما ما ورد فى بعض الاخبار من ان من كذب‏

____________

(1) مقارن‏

292

من كذب فى رؤياه متعمدا يكلفه اللّه تعالى يوم القيمة ان يعقد شعيرة و ما هو بعاقد فالظاهر ان التكليف هنا بمعنى بيان طريق التخلص عن عقوبة تلك المعصية او للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشّعيرة و ربما يحتمل ان يكون عند التكليف متمكنا عن عقدها لكنه لا يفعله لصعوبته عليه حتى انه‏ (1) العقوبة بالنسبة اليه هذا فت و لا تتوهّم ان قضية تكليف الكفار بالقضاء كتكليفهم بالاداء مع ملاحظة ما ورد عليه العمل من ان الاسلام يجبّ ما سبق يسدد مذهب المجوز و لا اقل من تسديد التوجيه الذى ذكر له و التقريب فى ذلك بان ذلك يستولد منه مثل التكليف بالمحال بل هو منه فالتفصّى عنه باحد الوجهين اما بالتزام جوازه فيما استند الى المكلف كما هو مذهب المجوّز او ارادة حكم التكليف عن هذه الفقرة اعنى كون الكفار مكلفين بالقضاء نظرا الى ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار فيرجع الامر الى انهم معاقبون لاجل ما فات عنهم من العبادات الفائتة اوقاتها بالعقوبات العديدة فيحمل بناء على ذلك كلامهم الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار على التوجيه المذكور للمجوز لان ذلك من التوهمات التى لا طائل تحتها اذ لا دخل لما ذكر بما ذكر اصلا فالتفصّى عن الاشكال المستولد من القضيّتين المذكورتين بحمل التكليف فى القضاء على التكليف حكما اى عقابا ما داموا كافرين لا خطابا فهذا مما لا ضير فيه و لا يحتاج الى تجشم تكلف مع انه لا يمس بالمط اصلا فخذ بمجامع الكلام و تامل و كيف كان و ان مجارى ما ذكر فى هذه المقدّمة ليست من مجارى اصل نفى العسر و الحرج و قاعدة السّعة ايضا و الوجه ظاهر كما اشرنا اليه‏

الثالثة: فى بيان الفعل و تقسيمه‏

المقدّمة الثّالثة فى بيان الفعل و تقسيمه فاعلم ان الفعل اما غير مقدور و هو على ثلاثة اقسام كما مرّ بيانه او مقدور لا مشقة فيه اصلا او مقدور فيه مشقة لكن تتحمل عادة كاغلب التكاليف و يمكن ان يكون الجهاد منه لكن مع عدم العلم او الظن بالهلاك او مقدور فيه مشقة لكن لا تتحمل عادة و هذا مثلّثة الاقسام من المفضى الى الآلام من الهلاك و نقص الاعضاء و الاطراف و نحو ذلك و مما فيه المشقة بالغة الى حد يعد من اعظم المشاق كالاقتصار على الضرورى من التعيّش مثلا و مما فيه المشقة انزل من هذا الحدّ كتربّص من فقد زوجها العمر الطبيعى هذا و قد يقال فى المقام ان مراتب التكليف المتصورة عقلا اربعة دون العسر و يطلق عليه السّعة و السّهولة و اليسر و العسر الغير البالغ حدا الضيق و الضّيق الغير البالغ حدّ ما لا يطاق و هو و الحرج و ما لا يطاق و قد يطلق الحرج على ما يعم ذلك هذا و لكن لا يخفى على الفطن ما فيه من المدخولية من وجوه و كيف كان فان الآيات و الاخبار قد اشتملت على الفاظ مما يتداول فى هذا المقام فلا بد من الاشارة الى تفسيرها و بيانها فالطاقة بمعنى القدرة و القوة و كذا الاستطاعة و السّعة الجدة و الطاقة و خلاف الضيق فالضيق خلاف السّعة و قد يفسّر بالمشقة ايضا و العسر ضد اليسر و هو الضيق و الشدة و الصّعوبة و الحرج الضيق و قيل اضيق الضّيق و قيل ما لا مدخل له بخلاف الضيق و الامر غير خارج عن العسر و الضيق لانه يقال اصره يأصره اذا ضيق عليه و حبسه و قد جاء بمعنى الاثم و العقوبة و الثقل ايضا هذا هو المستفاد من كلام اللغويّين و قد يقال فى المقام ان الاستطاعة و الطاقة بمعنى واحد و هو القدرة و السّعة ايضا اما راجعة اليهما او الى عدم الضيق و ان الحرج ايضا هو الضيق و العسر يحتمل ان يكون مع الضّيق بمعنى واحد بان يكون معنى العسر ما فيه صعوبة شديدة واصلة حد الضيق او يكون معنى الضيق ما فيه صعوبة مط و ان يكون اعم منه بان يصدق على كل صعب و شديد و لا يصدق الضيق الا على ما كان فى غاية الصّعوبة و الشدة و الظاهر من العرف هو الاخير فان اهل العرف يطلقون العسر على كل شديد صعب و لا يطلقون الضيق عليه و لم يثبت من اللغة خلاف ذلك ايضا و اما الاصر فهو لا يخرج عن العسر و الضيق بل اما بمعنى الاول او الثانى او بمعنى بعض مراتب احدهما هذا و هو لا يخلو عن جودة و استقامة و مع ذلك فان الامر فى مثل هذه الاختلافات لانه مما لا يتفاوت به الامر الا قليلا و بالجملة فان المرجع هو العرف و اللغة فى صورة اختلافهما هو الاول و سيجي‏ء بعض الكلام فى ذلك ثم اعلم ان الآيات و الاخبار قد دلّت و تظافرت على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق بل على عدم جوازه الا انا فارغون عن الكلام فى ذلك فالكلام هاهنا فى بيان الحال فيما فيه حرج و عسر فمن الآيات ما له دلالة على وجه الظهور بل النصوصية على عدم جعل اللّه تعالى الحرج فى الدّين و ارادته تعالى فيه اليسر دون العسر و الاخبار فى ذلك متظافرة متواترة معنى و مما عقد له باب مفصّل فى جملة من كتب الاصحاب و حديث بعثت بالحنيفية السّهلة السمحة مشتهر الفريقين بالاسانيد المتلوّنة المختلفة و روايتا العياشى و الطبرسى فى حديث بعثت بالحنيفية السّهلة السمحة مشتهر الفريقين بالاسانيد المتلونة المختلفة و روايتا العياشى و الطبرسى فى حديث المعراج من المشتهرات ثم الاخبار فى ذلك بين صحاح و موثقات و معتبرات و لو بملاحظة جهات و قد احتجّ حجج الطاهرة (ع) على نفى العسر و الحرج بالآيات النافية اياهما فى مواضع كثيرة و مقامات وفيرة و قد كثر ذلك منهم (ع) فى ابواب الطهارات و الوضوءات و الاغسال و غير ذلك هذا

و فيها مقامات:

و فيه مقامات مربوطة بقاعدة نفى العسر و الحرج‏ ثم ان طائفة من الاخبار قد دلت على نفى التكليف بقدر الطاقة ايضا و حكمت بانه لا بد من ان يكون ادون منه و ذلك كما فى رواية قرب الاسناد عن الصادق (ع) قال لا غلظ على مسلم فى شي‏ء و رواية كتاب العقائد عنه (ع) و اللّه ما كلف العباد الادون ما يطيقون الحديث‏

____________

(1) يستهل‏

293

الا ان ذلك من الضعاف فيحمل ما فيه على نفى الضيق و العسر فاذا تمهّد هذه المقدمات فلنشرع فى المقامات‏

المقام الاوّل: فى أنه هل يمكن تخصيص قاعدة نفى الحرج ام لا؟

فالمقام الاوّل‏ فى بيان ان اصل نفى العسر و الحرج هل هو من القواعد الغير القابلة للتخصيص و بعبارة اخرى هل هو من الاصول المسماة باصول المذهب مثل الحر لا يصير رقا ام من القواعد القابلة اياه ام من الاصول الاولية الغير المقاومة لمعارضة دليل من المنجزات و ان كانت من قبيل العمومات او المطلقات كاصل الاباحة و اصل البراءة فاعلم ان المسألة مع كونها من المعضلات و المهمات لم يحرر الى الآن الكلام فيها غاية التحرير و لم يبين فيه المرام غاية التوضيح فاقول قد اختلف كلمات الفحول و اضطرب مقالات اساطين الاصول ممن تعرض لبيانها فى تحقيق الحال و بيان المقال فى ذلك فظ جمع بان ذلك من قبيل القسم الاول و هو مصرّح السيّد الاجل الطباطبائى صاحب الدرة المنظومة الغروية فى الفقه لكن قد يعطى كلامه التفرقة بين مطلق العسر و الصّعوبة و بين الصعوبة المفضية الى حدّ الحرج و بعد امعان النظر فى مجامع كلامه يظهر ان هذه باعتبار جريان بعض الادلة التى ذكرها و عدمه و كيف كان فقد تبعه فى ذلك بعض المعاصرين من غير اشارة الى الفرق بين القسمين المذكورين آنفا و المذهب الآخر فى المسألة انه من الاصول الاولية و هذا القول و ان لم اجد مصرّحا به إلّا انّه قد يتراءى من بعض كلمات البعض و قد يعطيه كلام المحقق الثالث فى بادى النظر إلّا انه ممن صرّح بخلافه و مذهب طائفة انه من قبيل القواعد القابلة للتخصيص كسائر القواعد و العمومات و هو مختار بعض افاضل المعاصرين بل يمكن ان يقال انه مذهب الاكثر كما لا يخفى على تتبع احتجاج الفقهاء به و تامّل فى طرز احتجاجهم به و من الاصحاب من يقول ان نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق و الا لزم رفع جميع التكاليف و هو الشيخ الحر العاملى (ره) فى فصوله المهمة حيث عقد فى هذا الكتاب لبطلان تكليف ما لا يطاق و انه لا حرج فى الدّين بابا ثم‏ (1) فى آخر الباب هذا الكلام هذا و يمكن ان يكون مرجع هذا الى كونه من قبيل الاصول الاولية لكن دقيق النظر يعطى بين الامرين ثم الظاهر من كلمات هؤلاء الفرق و اصحاب تلك المقالات قاطبة عدم الفرق فيما صاروا اليه و فيما اختار كل فرقة مذهبه بين اشخاص المكلفين باعتبار ملاحظة مراتبهم و درجاتهم فى الايمان و الزلفة و القربى كعدم الفرق فى ذلك بين مراتب الصّعوبة و الحرج الا محتمل كلام السيّد الطباطبائى فى الاخير على ما مر اليه الاشارة إلّا انه محتمل بعيد من كلامه كما تعرف وجهه هذا و لكن قد وقع هنا لبعض مشايخنا تفصيل يفرق بين الموارد و به يصير هذا الاسل ذا وجوه كما ستطلع على ذلك و التقسيم الذى اوردناه فى المقدّمة الثالثة مما يحتاج اليه فيما بنى عليه الامر و بالجملة فقد بان ان المسألة مخمسة الاقوال بناء على ان تفصيل الطباطبائى انما هو بالنسبة الى الدليل و ان قول الشيخ العاملى غير راجع الى انه من الاصول الاولية حجة القول الاول ما اشار اليه السيّد الطباطبائى (ره) حيث قال على ما حكى عنه و ليس المراد ان الاصل نفى الحرج و ان الخروج عنه جائز كما فى ساير العمومات الواردة فى الشريعة اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظ و الا لزم ان تكون مساوية لغيرها فى الاشتمال على الحرج و الضّرر و الفرق بالقلة و الكثرة تعسف شديد و اما على العموم فلاجماع المسلمين على ان الحرج منفى فى هذا الدين و لان التكليف بما يفضى الى الحرج مخالف لما عليه اصحابنا من وجوب اللطف على اللّه تعالى فان الغالب ان صعوبة التكليف المفضية الى تبعد عن الطاعة و تقرب عن المعصية بكثرة المخالفة و لان اللّه تعالى ارحم بعباده و أرأف من ان يكلفهم ما لا يتحملونه من الامور الشاقة و قد قال اللّه سبحانه و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها هذا كلامه و قد احتذى حذوه بعض المعاصرين فقال نفى التكليف بالمحال يعم ساير المذاهب و الاديان و اما التكليف بما فيه عسر و حرج فمنفى فى شريعتنا و يدل عليه بعد الاجماع الآيات و الاخبار فالمستفاد منها قاعدة كلية هى انه تعالى لم يكلف هذه الامة بالتكاليف الشاقة و انما كلفهم بما دون الطاقة فكل حكم يؤدى الى العسر و الحرج بالنسبة الى اكثر موارده و اغلب افراده مرتفع عنا اصلا حتى بالنسبة الى الموارد التى لا يترتب عليه فيها عسر و حرج اذ اناطة الحكم ح بصورة تحقق العسر و الحرج مؤدية ايضا

الى العسر و الحرج أ لا ترى انه لو اجيز لنا الاكل و الشرب و نحوهما بقدر ما يندفع به العسر و الحرج لأدّى الى العسر و الحرج و اما الاحكام التى لا تؤدى الى ذلك الا نادرا ففيها مقصور على الموارد التى يتحقق فيها العسر و الحرج فلا يتعدى الى غيرها و لا فيها الى ما يزيد على قدر الضرورة الى ان قال ثم انه لما كان المستفاد من الآيات و الاخبار المتعلقة بالمقام ان القاعدة المذكورة مطردة فى جميع جزئياتها غير مخصّصة فى شي‏ء من مواردها ليتم المنة على هذه الامة من بين الامم برفع الاصر عنهم كما سيأتي التنبيه عليه فربما توجّه الاشكال عليها باعتبار ان جملة من الافعال الشاقة قد ثبت التكليف بها فى هذه الشريعة فلا بد من التنبيه عليها و على رفعها هذا ثم ان هذا القائل قد اشار الى بعض من هذه الامور الشاقة من الجهاد و من مجاهدة (2) فى اختيار ذى الحقّ و ان كان مشقتها بالنسبة الى البعض أشق من اتلاف النفس و من وجوب دفع النفقات و الصّدقات على من يتناهى فى النجل و شح النفس و من تمكين النفس من القصاص و الحدّ فى موارد وجوب التمكين منهما ثم اجاب عن الاول تارة بما حاصله ان الاقتحام فى الحروب ممّا يستسهل اكثر الناس لدفع الغار عن نفسه و مثله و كيف لا يستسهل فى إعزاز الدّين و حفظ بيضته مع ما فيه من رجاء الفوز العظيم و بالجملة

____________

(1) قاله‏

(2) النفس‏

294

و بالجملة فان العادة قاضية بوقوع مثلها فيما جرت العادة بالاتيان بمثله و المسامحة فيه و ان كان عظيما فى نفسه فليس من الحرج فى شي‏ء نعم تعذيب النفس و تحريم المباحات و المنع عن جميع المشتبهات او نوع منها على الدوام حرج و ضيق و مثله منتف فى الشرع و تارة بان صدق العسر و الحرج يختلف باختلاف المصالح المقتضية للتكليف فربّ عسر يعدّ سهلا بالنسبة الى ما يترتب عليه و ربما يعد ما دونه عسرا بالنسبة الى قلة ما يترتب عليه من المصالح و تارة بان منشأ هذه المشقة غلبة الجبن و استيلاء هذه الصّفة الرذيلة و انما العبرة بالمشقة الناشئة عن ضعف البدن او صعوبة العمل و بعبارة اخرى فرق بين ما من قبل المكلف و ما من قبل التكليف و بهذا الجواب الاخير اجاب عن الثانى ايضا و اجاب عن الثالث ببعض هذه الوجوه المذكورة و اجاب عن الرابع بان المتبادر مما دل على نفى العسر و الحرج نفيهما عن المكلفين ابتداء دون ما يكون مستندا اليهم بسوء اختيارهم هذا و انت خبير بان نفى كون ما ذكر و امثاله من التكليف بالجهاد و مجاهدة النفس و ارتكاب الجوع و العطش فى الاوقات الحارة و الكف عن الجماع مع الحاجة الشديدة اليه و السفر الى الحج و تحصيل مسائل الحرام و الحلال بافتراق الاهل و العيال و ترك الرسوم و العادات المتداولة بين الانام و عدم المبالاة بلوم اللوام فى اجراء الاحكام و التوضؤ بالمياه الباردة سيما فى الاسفار الى غير ذلك مما فى غاية الكثرة من مصاديق العسر و الحرج مما بعده عن الصّواب فى منار خصوصا اذا لوحظ تكرر جملة من ذلك من قسم واحد او اقسام مختلفة فى اوقات قريبة و ازمنة متقاربة و ليس انكار مصداقية هذه الامور بالنسبة الى اغلب الناس بناء على اناطة الامر عليه للعسر بل الحرج الذى هو اعلى منه بل انكار كون جملة مما ذكر من الافراد الظاهرة الكاملة للحرج الا من المكابرات الصّرفة و كيف لا فان احتجاج المعصومين (ع) فى ادنى عما ذكر بمراتب كثيرة بحسب المشقة و الصّعوبة بالآيات النافية العسر و الحرج فى مواضع كثيرة و حكمهم بسبب ذلك بانتقال التكليف الى الاخف او انقلاب التكليف بالكلية من الشواهد الساطعة على المصداقية و كذا الاحكام المبنية علة قصر الصّلاة و لزوم الافطار فى السفر و نحو ذلك و الالتجاء الى امثال هذه التكلفات الباردة و التاويلات الشاردة لاجل ما ادعى من قضية الامتنان و حديث الاجماع و حكاية اللطف من المجازفات المحضة اذ الجواب عن الاول ظاهر لان الحرج و ان فسر فى بعض الاخبار بالضيق الا ان له مراتب كثيرة فمنها ما يقرب الى العجز و عدم الطاقة فيمكن ان يكون فى هذه الشريعة هو المنفى و يكون هو المراد من الاصر و الاغلال فى قوله تعالى و لا تحمل علينا إصرا و قوله تعالى و الاغلال التى كانت عليهم فيتم الامتنان فيكون التكاليف الشاقة البالغة الى هذا الحدّ المنفية فى هذه الشريعة مما يعد حرجا و ضيقا على هذا النهج على الامم الماضية ايضا لا بالنسبة الينا خاصة كما قد يتوهّم‏ (1) الى ما فى الآثار من بسطة الاولين فى الاعمار و الاجسام و طاقتهم على تحمل شدائد الامور و حديث المعراج فينتفى الحرج فى جميع الملل و الاديان و يختلف الحال بسبب اختلاف اهلها لان ذلك لا يقاوم لمعارضة الآيات الظاهرة فى الامتنان على ان الخبر لا دلالة له صريحا على طاقة غير امّته (ص) و على فرض تسليم دلالته على ذلك يمكن ان يتخرج وجه فى ذلك فلا ينافى ما قلنا و بالجملة فان التكليف بما فوق السّعة مما لم يصل الى الامتناع العقلى او العادى قد وقع بعض مراتبه فى شرعنا ايضا فالعمومات المستدل بها على المنع قابلة للتخصيص و الامتنان باعتبار بعض المراتب او بالنظر الى اكثر الاحكام و شيوع الابتلاء بموارد العسر و الحرج فى تلك الشرائع و عمومه للمكلفين بها و القول بانه على الوجه المذكور يجوز تخصيص المرتبة المذكورة من تلك العمومات فلا يحصل الامتنان اصلا مما لا يصغى اليه جدّا لان مقام الجواز غير مقام الوقوع فبعدم الوقوع يحصل الامتنان و بالجملة فان الامتنان يحصل بما قررنا و بما بينا الامر عليه ايضا فلا حاجة الى ما يتكلف و يقال فى المقام من ان الحرج منفى فى وضع الدين لا فى عوارضه الاتفاقية فطبائع التكاليف خالية عن الحرج او ان الحرج ليس دينا لكم كما ان بنى اسرائيل يتدينون بالحرج او ان حملة الدين من حيث الهيئة الاجتماعية ليست مبنية على الحرج الى غير

ذلك من التكلفات الباردة مع ان بعضا من تلك الوجوه يستلزم محاذير كما لا يخفى على الفطن و بعضا منها لا ينافى ما بيننا الامر عليه ثمّ ان قضية الاجماع مما امرها اعجب و كيف لا فان المسألة على ما مرت اليه الاشارة مخمسة الاقوال و قد عرفت ان من جملتها القول بوقوع التكاليف الشاقة مما يكون مصداقا للعسر و الحرج عرفا و لغة فى هذا الذين ايضا بل ان هذا على ما مر اليه الاشارة هو قول الاكثر و قد عرفت ايضا ان من جملة الاقوال قول الشيخ الحر العاملى من ان جميع التكاليف مما فيه مشقة و صعوبة فلا اجماع على ذلك القول لا حدسا و لا برهانا و لا قطعيا و لا ظنيا و المسلم منه ما كان على عدم جواز التكليف بما لا يطاق او ما يقرب منه و يوجب ضيقا شديدا فى غاية الشدة او ان ما اجمع عليه المسلمون هو ورود نفى الحرج فى الشرع على سبيل العموم لا انه لا مخصّص له فيه هذا و اما قضية اللطف فالجواب بعد الغض عن غموض الامر فيه و تمشيته الف كلام على الاحتجاج بمثله هو انه قد يترتب على امر صعب و ضيق سهولة وسعة كثيرة دائمية اعلى و ارفع من هذا الصّعب فمقتضى اللطف ح هو التكليف بالصّعب الادنى للوصول الى السعة الا على و الامثلة العرفية و الشواهد العقلائية مما يحدّ و الى ذلك فى غاية الكثرة و اما ايجاب ذلك مع كثرة المخالفة فهو غير مناف للّطف‏

____________

(1) نظرا

295

فانه نقص من جانب المكلف و لو اوجب ذلك عدم التكليف لزم ان يكون مقتضى اللطف عدم التكليف لايجابه المخالفة و لا فرق فى ذلك بين القلة و الكثرة مع ان كثرة المخالفة بحيث قد تجاوز عن الحدّ و الاحصاء و لم يوجبها الا اصل التكليف و قد عرفت الكلام المشبع فى ذلك فى مباحث التحسين و التقبيح العقليّين فراجع اليها لئلا يخفى عليك شي‏ء مما يتعلق بالمقام على ان ذلك القول و الاحتجاج له بقاعدة اللطف ينافى القواعد (1) المتقنة من قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين و تبعيّة الاحكام للامور الواقعية و العلل النفس الامرية و ثبوت التلازم بين الاحكام العقلية اى الواقعية و الاحكام الشرعية فهذا ايضا من محاذير ذلك القول و من العويصات الواردة عليه لا يقضى عنه الا بالتزام بعض الوجوه و المذاهب الغير المرضية فى تلك المباحث كما لا يخفى على ذى درية و كيف كان فقد انصدع ان قاعدة نفى العسر و الحرج و اصل السّعة من القواعد القابلة لمعارضة الادلة لكونها من الادلة و مما يقبل التخصيص ايضا فلا اشكال فى المقام اصلا بالنظر الى مدارك هذه القاعدة لا من جهة وقوع جملة من التكاليف‏ (2) مشقة كما تشهد بذلك احتجاجات المعصومين (ع) فى كثير من المقامات على نفى المشاق الجزئية بالآيات النافية العسر و الحرج و كذا الفقهاء من الاصحاب و لا من جهة ما نراه و نشاهده ايضا من عدم سقوط التكليف او انقلابه فى كثير منها باكثر و اشدّ من ذلك لانه قد علم مما قررنا و حققنا ان ما يستنبط منه هذا الاصل من العمومات المخصّصة و قد عرفت ان تخصيصها بما ذكر مما لا ضير فيه اصلا و اما ما يتوهم من ان هذا البناء يستلزم تطرق المخصصات الكثيرة بل تخصيص الاكثر فلا يصار اليه فمما لا يصغى اليه لان ذلك ليس بعزيز النظر على ان دون اثبات ان لازم هذا البناء تخصيص الاكثر خرط القتاد و كيف لا فانّ الامور الصّعبة غير متناهية و التكاليف الواردة فى الشريعة محصورة مع ان اكثرها مما ليس فيه صعوبة و لا مشقة فاندفع الاشكال من هذه الجهة باسره كاندفاعه فى جهتى عدم رضاء اللّه تعالى فى بعض الامور بادنى مشقة و رضاه بما هو اصعب منه كثيرا فى بعضها بانه لم يعلم ان عدم رضاء اللّه تعالى بالاول لكونه صعبا و عسرا بل لعله لامر آخر و لو علم انه لذلك فلا منافاة ايضا لما عرفت مرارا من ابتناء الاحكام على العلل النفس الأمريّة و الوجوه الواقعية المخفية عنا فظهر من ذلك كله ان احتجاج المعصومين (ع) فى نفى الحكم الكائن مصداقا للعسر و الحرج فى جملة من المقامات بالآيات مع وجود أشق و اصعب منه فى الاحكام الواقعة فى الدّين كاشف عن اعطائهم ضابطا و هو ان مثل هذا المقام مثلا مما فيه عسر و حرج فيدخل تحت الآيات فلا يحكم بخلافه الا ان يوجد مخصّص فلا مخصّص لهذا الحكم فى هذا المقام و كذا الحال فى احتجاج الفقهاء من الاصحاب بها فى كثير من المقامات و الحاصل ان بمجرّد صدق العسر و الحرج عادة يترتب الآثار من غير ان يلاحظ مراتبهما من الكثرة و القلة و الوسطى فهى بالنسبة الى ذلك سواء فيجب البحث و الفحص عن المخصصات ثم يعمل على طبق ما يؤدّيه القواعد الاصولية من تقديم الاخصّ من هذا الاصل عليه و اعمال القواعد المرجحة اذا كان المعارض اعمّ منه من وجه او مساويا معه فقد يرجح جانب هذا الاصل بقوته كما قد يرجح جانب التكليف المعارض باجماع و نحوه و لكن اللازم ح الاقتصار على القدر ثبت فيه الاجماع فانه قد يثبت الاجماع التكليف فى شي‏ء مع مرتبة من المشقة و لا يثبت الاجماع فى مرتبة فوقها و من انقدح سر ما يرى من كلمات الفقهاء من انهم قد يستدلّون على انتفاء حكم فيه ادنى مشقة بادلة نفى العسر و الحرج و لا يستدلون فيما هو اشدّ من ذلك بكثير بها ثم اللازم فى تعيين معنى العسر و الحرج عادة ملاحظة الاوقات و الحالات فانه قد يكون حكم فى وقت او حال مما فيه عسر بل بالنسبة الى شخص دون آخر و اللازم فى ذلك ان يعد فى العرف مشقة و عسرا ان كان الفعل صعبا على فاعله عند اكثر الناس و ان لم يكن صعبا على الاكثر من جهة اختلاف حال فاعله مع حال الاكثر فلا يكفى كونه صعبا عليه عنده او عند شخص اذ بمجرّد ذلك لا يتحقق العسر العرفى فاللازم كونه صعبا عليه عند معظم الناس و بالجملة ان ذلك مما يمكن اختلافه بالنسبة

الى الاعصار و الامصار و الاشخاص و الاحوال باعتبار التعارف و التداول و حصول الملامة و عدمه ثم انّ هذا فيما تحقق القطع بالصدق او عدمه و كان الاختلاف من الوجوه المذكورة و اما اذا لم يحصل القطع بالدخول تحت العسر و الحرج فيعمل ح بمقتضى الاصل و هو اصل عدم خروجه عن تحت العام التكليفى الذى يدل على ورود التكليف عليه و عقد الباب و جملة الامر ان ما بنينا الامر عليه مما لا يرد عليه اشكال اصلا و اما ما دفع به مما مر اليه الاشارة فى نقل ما عن بعض المعاصرين من ان العسر و الحرج مما يختلف باختلاف العوارض الخارجيّة فلا يكون ما كلف اللّه تعالى مما فيه عسر و حرج لما فى ازائه من الثواب الجزيل‏ (3) ما لم يرض اللّه تعالى فيه بادنى مشقة من الامور التى لا يقابلها اجر فمما لا وقع له اصلا و كذا ما عن البعض من ان المراد بنفى العسر و الحرج نفى ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات الثابتة بالنسبة الى طاقة اوساط الناس المبرءين عن المرض و القدر الذى هو معيار التكليف بل هى منفية من الاصل الا فيما ثبت و بقدر ما ثبت لان مفاد هذين الوجهين كون الاصل من قبيل الاصول الاوليّة بقول يكونه من القواعد الغير المخصّصة و الثانى بكونه من القواعد القابلة للتخصيص و بالجملة فان ذلك من التدافع و التناقض فى منار على انهما كسائر ما مر اليه الاشارة من الوجوه المقبولة فى هذا الباب مما يتطرق اليه ايجاب كثيرة و ان قطع النظر عن قضية التدافع ثم اعلم ان القول بان هذا الاصل‏

____________

(1) المتقدمة

(2) التى اشير اليها فى هذا الدين و لا من جهة ما نراه و نشاهده من عدم رضا الشارع لنا فى بعض التكاليف ادنى‏

(3) فيكون‏

296

الاصل من قبيل الاصول الاولية و ان كان يساعده بعض الامور فى بادى النظر من ان احتجاج المعصومين (ع) بمداركه من الآيات فى جملة من من المقامات كاحتجاجهم بمدارك اصل الاباحة و اصل البراءة فالمستفاد من سياق احتجاجهم (ع) ان مفاد هذا هو حكم اللّه فى مرحلة الظاهر بعد الفحص و البحث عن الدليل و عدم الظفر به و لا يشترط فى الاصول الاولية ان يكون مداركها مما اشتمل على التعليق بادوات الاستثناء و الغاية و نحو ذلك بل قد لا يكون كذلك كما فى بعض الآيات الدالة على اصل الاباحة بل فى بعض مدارك غيره ايضا كما لا يخفى على الفطن هذا الا ان مع ذلك ايضا لا يصار اليه لا لاجل ان المصير اليه ينافى الآيات الظاهرة فى الامتنان لان الامتنان مما اليه سبيل و ان بنى الامر على كون هذا الاصل من قبيل اصل الاباحة و اصل البراءة و الاستصحاب كما لا يخفى على من امعن النظر فيما قدمنا بل لان هذا مخالف لسيرة الاصحاب قديما و حديثا حيث يتمسكون به فى قبال الادلة ايضا و كيف لا و قد عرفت ان بعض الاعلام قد ادّعى الاجماع على انه لا يعارضه دليل اصلا و ان كان من الدعاوى الغير الواقعة فى محلها لكن مع ذلك مما يمكن ان يؤيّد به ما قررنا و بالجملة فان هذا القول و ان كان اقرب الى الصواب مما يقابله من القول الاول و اقل منه استلزاما لجملة من الابحاث و المحاذير الا ان القول به فى غاية التفريط كما عرفت مع انه لم يعهد مصرّح به ثم اعلم ان ما يمكن ان يحتج به للشيخ الحر العاملى هو ان التكاليف من حيث انها تكاليف مما فيه مشقة و عسر من حيث الالتزام بها بل ان ادخال المندوبات و ان كانت مما يرغب اليه الطباع فى ذلك و لو بوجه من العناية ممكن هذا و لكن عدم استقامة هذا القول فى منار لان المرجع فى تحقق مصاديق تلك الالفاظ انما هو العرف و ليس كل تكليف من التكاليف مما يصدق عليه العسر عرف فضلا عن صدق الحرج عليه و يرشد الى ذلك ايضا النظر الى قوله تعالى فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام أخر يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر فان التعليل قد دل على ان الصوم مع المرض و فى السّفر عسر و انه فى ايام أخر خالية عن المرض و السفر يسر و لقد احسن و اجاد من قال ان العسر هو ما يعد عرفا شاقا و يقال انه يشق تحمله او يصعب على فاعله و مما لا شك فيه و لا شبهة يعتريه انه اذا كان لمولى عبد هيّأ له معاشر و يرزقه و يحسن اليه اذا امره باشتراء يسير من اللحم و الخبز لعيال المولى كل يوم من السوق لا انه صعب عليه او حمله ادل عسرا او شاقا بل كذا لو ضمّ معه كنس بيته و سقى دابته و علفها بل و لو ضم مع الجميع بسط فراشه وطئه و اغلاق بابه و فتحه و نحو ذلك بل لا بدّ فى تحقق العسر من كون الخدمة مما يشق عرفا و يصعب عليه تحمله و امثال ذلك فى التكاليف الشرعيّة خارجة عن حدّ الاحصاء فان رد السّلام مثلا تكليف مع عدم كونه صعبا بل كذا الوضوء و ركيعات من الصلاة سيّما مع عدم مزاحمته لشغل مهمّ و عدم كونه فى برد شديد و كذا الصوم سيّما فى الايام الباردة القصيرة هذا و بالجملة فان قول الشيخ الحر العاملى ان نفى الحرج بحمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق و الا لزم رفع جميع التكاليف مما يستلزم مفاسد و محاذير كثيرة من اخراج الآيات و الاخبار عما يؤديه من الامتنان و من لغوية احتجاج المعصومين (ع) بالآيات فى كثير من المقامات و من مخالفته لسيرة الاصحاب قديما و حديثا و من مخالفته لطريقة العقلاء و العرف و اللغة بل لا بعد فى دعوى انه مخالف للاجماع بكلا طريقيه ايضا فاذا كنت على خبر مما ذكر فاعلم ان القول الخامس المتضمن للتفصيل فى المسألة هو قول بعض مشايخنا (ره) تعالى فلا بدّ من اخذ مجامع فى كلامه فى مقام آخر حتى يتبيّن الحال و لا يختلط الامر ثم نشير الى ما يعطيه النظر الدقيق من تصحيحه و توجيهه او تزيفه و تسقيمه فنقول‏

المقام الثانى: فى بيان نظريّة بعض مشايخنا فى قاعدة نفى الحرج‏

المقام الثانى فى بيان مذهب هذا القائل فنذكر فى ذلك ما هو خلاصة كلامه و لبّ مرامه بعبارات مفيدة وجيزة فنقول فى تحرير ذلك و تقريره ان المقدور بلا مشقة لا ريب فى جواز التكليف به للاتفاق المضاف الى سدّ التكليف لولاه و كذا المقدور مع مشقة يتحمل عادة اذ ما لا مشقة فيه فى غاية الندرة لا يقال مقتضى القاعدة فى هذا عدم الجواز فما خرج انما بالدليل لان ذلك مستلزم لتخصيص الاكثر ثم المقدور مع مشقة موجبة لاختلال النظم لا يجوز التكليف به اجماعا لمنافاته غرض الحكيم و لفحوى ما ينفيه فى موارد العسر و الحرج و كذا لا يجوز التكليف بما فيه مشقة لا تتحمل عادة مفضية الى الضرر كالهلاك او غير مفضية اليه و ذلك بعد الاجماع على القاعدة بمعنى انعقاد الاجماع على نفى التكليف فيما فيه مشقة غير متحملة عادة ما لم يقم دليل اجتهادى على الثبوت للآيات و النسبة بينها و بين ما يثبت مثل هذا التكليف و ان كان نسبة العامين من وجه إلّا انها تقدم عليه لما تعرف و للاخبار المتواترة معنى بل لفظا ايضا بمعنى العلم بصدور واحد منهما و للاجماعات المنقولة و للعقل القاطع نظرا الى ان ذلك ينافى غرض الحكيم و وقوع ذلك فى جملة من الشرائع فى باب جمع من الصّديقين المقرّبين لا ينافى ما ذكر لان الاستحالة العقلية انما فيما ينافى غرض الحكيم و ينقضه و ليس ما وقع مما ينافى الغرض كما ذلك فى امر المرأة المفقود زوجها بالصّبر فى عمرها و من فاقته فرائض بالاقتصار على القدر الضرورى من التعيش و لان التكليف فى ذلك على خلاف اللطف و لاطباق العقلاء على تسفيه من امر عبده بقطع يده و نحو ذلك هذا و يمكن تزييف الوجوه الثلاثة الاخيرة بان الاول مبنى على انحصار الغرض من التكليف مط فى الاطاعة و ليس كل لانه قد يكون للابتلاء الساذج كما فى الكفار و العصاة

297

و بان الثانى بعد الغض عما يرد عليه من وجوه مناف لما قرر عند العدلية من تبعيّة الاحكام للصفات اذ قد يقتضى المصلحة الواقعية التكليف بما ذكر و بان الثالث انما فى الاوامر العرفية لا اوامر العالم بالعواقب و الفرق بين فالتحقيق ان الافعال الغير المحتملة فى الاغلب على اقسام منها ما يكون ارتكابه مفضيا الى الآلام من الهلاكة و نقص الاطراف و منها ما يكون المشقّة بالغة الى حد يعد من اعظم المشاق كالاقتصار على القدر الضرورى من التّعيش و منها ما لا يكون المشقة فيه بالغة الى هذا الحدّ كتربّص المرأة المذكورة العمر الطبيعى اما القسم الاول فالعقل لا يحكم بقبح التكليف به فى حق الانبياء و الاوصياء (ع) و من حذا حذوهم كيف لا و هو واقع و يحكم بقبحه بالنسبة الى غيرهم لان هذا التكليف اما حقيقى او ابتلائى و لا سبيل الى الأول لفقد شرطه من علم الامر بالامتثال لعلمه بعدم تحملهم ذلك و كذا الى الثانى لاشتراطه بقابلية المحل و ليست فليس لاطباق العقلاء على عدم قابلية المحل للابتلاء و القسم الثانى كالاول لما فيه بعينه و اما القسم الثالث فلا يابى العقل عن التكليف به مط إلّا انه ينفى بالشارع للادلة الاربعة و ما ورد فى الآثار من وقوع القسم الاول من ذلك فى شان بنى اسرائيل لا يجدى الاحتجاج به هنا لعدم بلوغه حدّ التواتر على انه ان يدّعى قابلية المحل هناك ثم ليعلم ان هذه القاعدة هل تقبل التخصيص ام لا و على فرض ذلك هل هو تخصّص او تخصيص بمعنى ان الاستثناء حكمى ام موردى فالاظهر ان نفى العسر ان كان من باب العقل بطريق الايجاب الكلى فلا يقبل التخصيص و ان كان من باب الشرع فيقبل ذلك لكن ان كان المدرك هو الاجماع المحقق كان الاستثناء مورديا و الا كان حكميا و ان كان نفى العسر فى بعض المقامات بالشرع و فى بعضها بالعقل فالعقل لا يقبل التخصيص و الشرعى يقبله و فى الاجماع يكون تخصّصيا و فى غيره تخصيصيا ثم انه لو دل على تكليف فى معسور يعارض القاعدة فيلاحظ النسبة بينهما فهى اما عموم و خصوص مط او عموم من وجه و على الثانى اما ان يكون المعارض من الاصول الاولية او من غيرها ففى الثانى من تلك الاقسام يعمل بالقاعدة لبناء العلماء و تنجيزية القاعدة و كونها اقل موردا و لانه لو لا ذلك لزم طرحها راسا و فى الثالث ايضا تقدّم القاعدة لان العمل بالتقييد فى دليل التكليف و العمل به تخصيص فى مدركها و لان العمل به مستلزم للاستثناء المستغرق او تخصيص الاكثر فينتفى الفائدة او تقلّ لان مورده ينحصر ح فى معارضة الاستصحاب فينتفى الفائدة اذا لم نقل بحجّيته و لان مدارك القاعدة جمل خبريّة بخلاف مدارك التكاليف و التخصيص فى الاخبار اقلّ منه فى الانشاء و لعل السّر انه فى الاخبار مما فيه شائبة الكذب و لان ذلك مقتضى الاستقراء لان الاغلب نفى التكليف فى موارد الضّيق و الحرج و لان انصراف دليل التكليف الى ذلك ممنوع لا لكونه من قسم المبين العدم حتى يرتفع التعارض من اصله بل هذا من باب المضرّ الاجمالى فح يزول المرجح الذى فى جانب دليل التكليف من اقليته موردا اذ يقع الشك ح فى انه ذات مورد ام لا هذا كلّه فيما كان دليل التكليف قطعى الصدور و الا فالامر اوضح و اما الاول من تلك الاقسام اى ما كان الدليل فيه اخص مط من القاعدة فيعمل فيه بالدليل و ان كان ظنيا لبناء الاصحاب عليه و لقوة دلالة الخاصّ و كل ذلك اذا كان مدرك القاعدة هو الدليل الشرعى و اذا كان المدرك و هو العقل فيلاحظ فان كان حكم العقل تنجيزيا كما فى نفى العسر الموجب للاختلال او الموجب للايلام و المشقة الشديدة بالنسبة الى عامة الناس قدّمت القاعدة و ان كان دليل التكليف قطعى الصّدور و اخصّ و ان كان حكم العقل تعليقيا كما فى نفى العسر و الحرج الموجب للايلام فى حق واحد لو وجد مثله فى الشريعة قدم دليل التكليف اذا كان قطعى الصدور لان حكم العقل بالنفى انما كان لاجل المنافرة الذاتية و مع القطع بالصّدور المستلزم للقطع بالمصلحة يرتفع المنافرة و ان كان الدليل ظنى الصدور قدمت القاعدة لعدم حصول الوصف بعد ملاحظة المنافرة الذاتية فتسلم القاعدة عن المعارضة انتهى حاصل كلامه و خلاصة مرامه و انت اذا امعنت النظر فيما رامه فى المقام و شحذت غرار التفكر فى مجامع ما ساقه من هذا الكلام الفيته مما لا يستقيم و لا يستصح و ان بالغت غاية المبالغة فى ارتكاب‏

العنايات و التزام التكلفات بل كلما اعدت النّظر و جددت الفكر وجدته متدافع الارجاء و متناقض الاطراف و سقيم المبانى و فاسد الانحاء و المجامع فلا باس فى ان يشير الى جملة من ذاك لنهدى الى ان الامر فيه كله كذاك فاعلم ان ادعائه حكم العقل بقبح التكليف فى باب عامة الناس فى القسمين الاولين من الاقسام الثلاثة المذكورة فى كلامه المصدر بعنوانه التحقيق و التفرقة فى ذلك بينهم و بين العباد الخلص من الانبياء و الاوصياء (ع) و من حذا حذوهم من الدعاوى الجزافية و المقامات التخمينية و كيف لا فانّ دعوى استقلال العقل فى ذلك مما لا يجامع مع ما نشاهد فى الشرع من وقوع الامر بالجهاد على انواعه و اقسامه و دعوى اختصاصه بصورة عدم العلم و الظن بالهلاك و نقض الاطراف و التألم بما يصيب حين التهاب نيران الحرب من الجراحات من الدّعاوى الباطلة فكفى بذلك فى ردّ هذه الدعوى و ان قطع النظر عن التمثيل بالحدود و القصاص و التعزيرات فبعد ملاحظة ذلك و ملاحظة تبعية الاحكام للعلل الواقعية يظهر ان ما ادّعاه على فرض تسليمه فى الجملة من الاحكام الوهمية الشبيهة بالالف و العادة و الاستيناس بالاحكام العقلية ثم انظر الى تعليله حكم العقل بما ذكر فى القسم الثانى بما ذكره من حصره التكليف فى الحقيقى و الابتلائى و عدم تعلقهما فى المقام فان‏

298

فان مثل هذا التعليل لا يصدر عما له ممارسة بالفنّ فضلا عن جهابذة الصّناعة و اساطين الفن و مدخولية هذا التعليل من وجوه كمدخولية ما ذكره فى القسم الثالث من عدم قبحه عقلا و لكن نفيه بالادلة الاربعة بل التناقض و التدافع فى هذا مما لا يخفى على من ادنى درية و مسكة ثم لا يخفى عليك ان بعد الغض و الاغضاء عما اوردنا و اخذ كلامه بمجامعه لا يحصل ايضا منه معيار و ميزان فى معرفة العسر و الحرج و تاسيس القاعدة فى المقام و ترتيب الآثار و على ذلك و من جملة مقام معارضتها مع دليل آخر لانه اذا خرج القسمان المذكوران او لا فى كلامه من المقدور بلا مشقة و المقدور بمشقة تتحمل عادة يمسّ بالمقام كخروج الاقسام الثلاثة المذكورة فى كلامه اخيرا عنه بما ذكره فاىّ شي‏ء يبقى فى المقام حتى يؤسس له القاعدة و يجرى فيه قضية التعارض و الترجيح فاذا لوحظ ما ذكرنا آنفا و لوحظ ايضا ترديداته و تشقيقاته فى قضية التخصيص و التخصص و الترجيح و التعارض ظهرت فى كلامه متدافعات و متناقضات زائدة على ما مر على ان تلك الترديدات و التشقيقات مما تشتمل على عيوب أخر و محاذير غير ما مر ايضا كما لا يخفى على الفطن و الحاصل ان حاصل كلام هذا القائل بعد الغض و الاغضاء عما فيه من المتدافعات و المتناقضات و الركاكات و المبانى السقيمة و الترديدات الغير الراجعة الى محصّل و الوجوه الضعيفة المزيفة يرجع الى ان قاعدة نفى العسر و الحرج ليست على منوال واحد بل هى قد تكون من قبيل القواعد الغير القابلة للتخصيص كما قد تكون من القواعد القابلة اياه و ذلك بحسب اختلاف المدارك حسب ما يختلف الموارد فاذا عرفت ما قدمنا فلا حاجة الى اطالة الكلام فى تزييف هذا الحاصل فعليك باخذ مجامع ما حققنا لئلا يخفى عليك شي‏ء

المقام الثالث: فى بيان بعض الامور المهمة المرتبطة بقاعدة نفى الحرج‏

المقام الثالث فى بيان الحال و كيفية المقال فى بعض الامور المهمّة فى هذا المبحث فاعلم ان هذا القاعدة كما يترتّب عليها احكام تكليفية كذا يترتّب عليها آثار وضعية بل هما بالنسبة اليها فى بعض المواضع متساوقتان متلازمتان فاذا لوحظ العموم الغير المتمشى معه قضية الانصراف و التشكيك فى بعض مدارك هذه القاعدة ظهر تعين الحكم بعدم انعقاد النذر و شبهه فيما يشتمل على العسر و الحرج فكما يستفاد من هذا ذلك كذا يستفاد منه عدم جواز اجبار الموالى عبيدهم و امائهم المسلمين و المسلمات و من بحكم على ما فيه عسر و حرج و يمكن ان يكون من هذا القبيل نظرا الى نفس هذه القاعدة من غير ملاحظة شي‏ء من المعارضات و الواردات صحة عبادات من عليه القضاء بمعنى ان يستفاد من القاعدة عدم الالزام بالمضايقة فى القضاء و صحة ما اتى به من العبادات و ان قلنا باقتضاء الامر النهى عن ضدّه و هكذا جواز مرافعة من لم يبلغ درجة الاجتهاد و حكمه بشي‏ء فى الدعاوى براى مجتهد من المجتهدين فى البلاد التى لا يوجد فيها مجتهد اذ ادّى المشى الى المجتهد فى الدعاوى و الخصومات من بلد الى بلد الى العسر و الحرج و ان لم يكن هذا المقلد وكيلا فى المرافعات من قبل المجتهد بناء على فرض تمشية ادلة الوكالة فى مثل ذلك و لم يتمش ايضا فيه عمومات الحكم من الآيات و الاخبار و بالجملة فان ما ذكرنا من مجارى القاعدة و محاذ تعقلها فيبنى الامر عليها فى ترتب الآثار من التكليفية و الوضعيّة الى ان يثبت الوارد من الاجماع و غيره و لا تتوهّم ان ما اشرنا اليه يعطى سقوط التكليف عن وجوب تحصيل الاجتهاد على الناس على الكفاية بقدر الكفاية لان ما حققنا لا يستلزم ما ذكر و لو بالالتزام‏ (1) فضلا عن تحقق التلازم و التساوق بينهما و بالجملة فالثابت من القاعدة لا يعطى قضية السقوط المذكور اصلا هذا و يمكن ابداء الفرق بين قضية النذر و شبهه و بين قضية المواسعة و المضايقة فى القضاء و قضية حكم المقلد فى الدعاوى و قطعه الخصومات بان المستفاد المتبادر من ادلة نفى العسر و الحرج هو نفيهما فى غير ما يستند ان الى سوء اختيار المكلف لا يفهما على الوجه الاعمّ فلا غائلة فى الحكم بوجوب المشى فى المرافعات و الخصومات الى المجتهد و ان كان فى بلد نائى فى غاية البعد عن بلد المتداعين و استلزم العسر و الحرج الشديدين و ذلك كما فى الاغتسال فى البرد الشديد الذى لا يتحمل مثله عادة اذا استند سببه الى تعمد المكلف بعد دخول وقت التكليف إلّا اذا لوحظ فى هذا المثال دليل آخر من قاعدة نفى الضرر بناء على التغاير بين نفى الضرر و بين نفى الحرج او الاعميّة من وجه و اما الاحتمالان الآخران من اعمية الاول مط او الثانى كل فمما لا وجه له فتدبر و ايضا من قاعدة حرمة القاء النفس الى التهلكة و الحاصل انه لا ضير فى الحكم بكون اهل البلاد الخالية عن المجتهدين مكلفين بخطاب ابقاء النّظم و عدم الاخلال الناشئ عن النفر عن الاوطان و البلدان اليهم به مع الحكم بالرّجوع الى المجتهدين فى الدعاوى و الخصومات لان الامتناع بالاختيار و ان نافى الاختيار خطابا اى خطاب توجه و طلب إلّا انه لا ينافيه عقابا فلا مجال للتوقف فى ذلك و لا استبعاد فيه اصلا الا ما يستبعد من استلزام ذلك الحكم بفسق اغلب المكلفين من المسلمين المؤمنين من بدو الغيبة بل من زمن الائمة (ع) على وجه و الى هذه الازمنة نظرا الى عدم تحقق ما بقدر الكفاية فى كل زمان من تلك الازمنة من المجتهدين و الى تقصير المكلفين فى تحصيل الاجتهاد او تحمل مئونة المستغلين فى العلوم و تحصيل الاجتهاد فهذا يفضى الى عدم قبول شهاداتهم و الاقتداء بهم فلا فصية و لا محيص عن ذلك بالبناء على كون مثل ذلك من الصّغائر لان صحة العبادات موقوفة على ذلك فكيف يكون التقصير فيه منها هذا فلا تعويل على مثله لانه من نحض الاستبعاد فكيف يصغى اليه فى قبال ما يؤدّيه الدليل على ان قضية قبول الشهادات و الاقتداء مما له فصية و عنه خلاص كما لا يخفى على‏

____________

(1) البعيد

299

الفطن هذا و انت خبير بان ما قررنا غاية ما ينتصر و يؤيد به التفرقة بين التكاليف العارضية من قضية النذر و شبهه و قضيته الموالى و العبيد و بين ما يتلوه مما ذكر و مع ذلك فما يعطيه دقيق النظر هو عدم الفرق اذ الادلة عامة و التقريب فى قوله تعالى‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ غير خفى كما اذ يدخل تحته الاصليات فكذا العارضيات من غير فرق بين نوعيها و دعوى الانصراف و التشكيك غير مسموعة و قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار حكما اى عقابا غير مماسة بما نحن فيه اصلا حتى تقدح فيه و عقد الباب ان ما ذكر كلا من مظان القاعدة و مجاريها فيترتب عليها آثار لها حتى يقوم الدليل الوارد عليها ورود الخاصّ على العام او احد العامين من وجه المرجّح بالمرجّحات على الآخر فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل‏

تذنيب: فى جريان قاعده نفى الحرج فى الواجبات الكفائية

تذنيب‏ اعلم ان هذه القاعدة كما تجرى فى الواجبات العينية فتنفى الوجوب من اصله كذا تجرى فى الواجبات الكفائية لاتحاد الطريق و جريان الوجه فى الكل و هو ان كل حكم يؤدى الى العسر و الحرج بالنسبة (1) اكثر افراده و اغلب موارده فهو مرتفع عنا حتى بالنسبة الى الموارد التى لا يترتب عليه فيها عسر و حرج فانّ اناطة الحكم بصورة تحقق العسر و الحرج مؤدّية اليهما فلا ريب ان كلا النوعين من الواجبات فى ذلك على نهج واحد فيترتب على ذلك ما قررنا من بناء الامر على القاعدة حتى يرد عليها ما هو اخصّ منها او ما هو اعم من وجه منها لكنه مرجح بما هو من المرجحات المعتبرة ثم لا يخفى عليك انه اذا تحقق العسر و الحرج فى شان بعض المكلفين على المعيار المتقدّم فى بعض المباحث السّالفة فيما تحقق فيه الواجب فى شان بعض المكلفين على المعيار المتقدم فى بعض المباحث الكفائى فى الجملة سقط التكليف من اصله بالنسبة الى هذا البعض فح قد يبقى الواجب على حاله من الكفائية و قد يصير عينيا بالعرض ثم ان القاعدة تجرى فى الواجبات التخييريّة ايضا اذا كانت الافراد و الآحاد سواسية و على نهج واحد و اما اذا لم تكن كل بل تكون مما تجرد بعضها عن الحرج ففيه اشكال من تحقق العسر و الحرج بالنسبة الى الفرد المشتمل عليهما فيدخل تحت العمومات و من ان الترخّص فى الترك نظرا الى تحقق البدل الخالى عنهما فلا يتحققان فلا يدخل تحتها و هذا هو الاظهر لا يقال ان بناء الامر عليه ينبعث عنه الحكم ببقاء الوجوب على وجه التخيير اذا اشتمل الواجب التعينى على مشقة شديدة لا يتحمل مثلها عادة و سقط وجوبه العينى بذلك و كان ذلك مما له بدل اضطرارى خال عن المشقة و ذلك كالغسل فى البر و الشديد اذا امن من الضرر و ايضا بقاء رجحانه على وجه الاستحباب مع عدم البدل عند عدم قيام دليل عليه و هذا كما ترى مما لا مخر له اذ المستفاد من القاعدة انقلاب التكليف فيما له بدل او سقوطه من اصله اذا لم يكن كل فيترتب على ذلك بالنهج الآثار الوضعية من بطلان ما اتى به من الاصل و المبدل كما مر الى ذلك الاشارة فى بحث قاعدة الضرر فالقاعدتان من هذا الوجه على مسلك واحد على ان زوال الفصل يوجب زوال الجنس فيحتاج اثباته فى ضمن فصل آخر الى دليل لأنا نقول ان ما ذكرنا لا يستلزم ما ذكر بل لا مساسة له اصلا و على فرض الاستلزام يمكن التزام ما ذكر نظرا الى انه هو وجه الجمع بين الحكمة القاضية (2) بنفى الحرج هذا و لكن لا يخفى عليك ما فيه من عدم الاستقامة فت و كيف كان فقد انصدع عن بعض ما اشرنا اليه ان القاعدة لا تجرى ايضا فى الندب و الكراهة و بيان ذلك تفصيلا هو ان الحرج و العسر انما فيما فيه الالزام لا فيما فيه الترغيب فعلا او تركا لنيل الثواب اذا رخص فى المخالفة فالمراد من لا يريد فى قوله تعالى‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و المتبادر منه هو نفى الطلب الالزامى و ليس المراد منه انه تعالى يبغض العسر فلا يكون حسنا و لا مباحا او انه تعالى لا يحبّه فلا يكون مطلوبا الزاما و ندبا و ان امكن اباحته او انه تعالى لا يطلبه و ان كان كونه محبوبا على ان تحقق الاجمال من تلك الوجوه كاف فى المط لسلامة ما يدل على استحباب المعسور عن المعارض مضافا الى ظهور الاتفاق على عدم جريان القاعدة فى الندب و الكراهة و بالجملة فان تحقق ذلك فى الشريعة و الترغيب عليه فى الاخبار و الآثار و الخطب و المواعظ و كون ارتكاب ذلك فى ذلك من شعار المقرّبين و دثار الزاهدين مما لا ريب فيه و قد يفصّل فى المقام و يقال ان التكليف بالندب لا يجوز اذا ادى الى اختلال النظم و اما اذا لم يكن كل فاما ان يكون مما فيه ايلام كقطع بعض الاعضاء او ما فيه مشقة شديدة يتحرز عنها اغلب الناس فح ان كان المدرك هو العقل جاز هو العقل جاز فى غير الايلامى و فيه فى شان اعاظم الدين و ان كان هو الدليل اللفظى فهو لا ينصرف الى الندب هذا و انت خبير بما فى هذا التفصيل من عدم الاستقامة نظرا الى ما فيه من الترديد فى المدرك و قد مر الاشارة الى وجه عدم الاستقامة و بالجملة فالمط واضح اذا لوحظ ما فيه الحرج و لو كان فى‏

الدرجة القصوى من المندوبات و المكروهات على وجه الاستقلال و الانفراد فلا تجرى القاعدة و يظهر عند ذلك الآثار المترتبة على عدم الجريان فتثبت المندوبات و المكروهات بكلّ دليل فلا يلاحظ النسبة بينه و بين ما ينفى الحرج اصلا بل هى ثابتة فيما نحن فيه ايضا على ما كانت عليه من ابتنائها على الاصل فيها و هو اصل التسامح ثم انه قد بقى من الكلام ما يتعلق غير بعيد فى المقام و هو انه كيف يتعلق الامر بالمندوبات مع كثرتها الموجبة للاختلال بل مع تضادها و عدم امكان جمعها بل ان هذا نوع من التكليف بما لا يطاق و التكليف بالمحال فوقوع الامر بها و هى على ذكر يؤيد بعض المذاهب من جمّ من العامة تاييدا غير خفى هذا و يمكن ان يقال ان ما ذكر قرينة لحمل الاوامر على الارشاد

____________

(1) الى‏

(2) بوجوب الفعل و الحكمة القاضية

300

على الارشاد بمعنى بيان الحسن الذاتى لا على الطلب و هذا كما ترى مدخول من وجهين الاول انه خلاف ما نشاهده من تحقق الطلب جدا و الثانى ان هذا يخالف ما عليه التحقيق من عدم انفكاك الاحكام العقلية اى الواقعية عن تعلق الطّلب بها فعلا او تركا و الحمل على التخيير بالنسبة الى المتضادّين مع التقييد بصورة عدم الاختلال مما لا يخلو عن وجه و ليس مثل هذا الحمل على صورة عدم اختيار الضدّ و عدم الاختلال فانه لا يخلو عن مناقشة ظاهرة و قد يقال انه لو كان دليل الندب دالا على الحكم الوضعى اى على الحسن الذاتى من دون دلالة على الطلب كقوله الصّلاة خير موضوع و الصوم جنة من النار او كان دليل احد المستحبّين اللّذين لا يجتمعان او يستلزمان الاختلال وضعيّا و ان كان الآخر بلفظ الامر (1) دالا على ايجاد الماهيّة مطابقة و على حسن الماهية من حيث فى ضمن كل الافراد التزاما عرفيّا من دون دلالته على طلب كل الافراد اندفع الايراد من اصله لعدم انصراف ما هو وضعى الى صورة الاختلال او عدم الامكان و على فرض الانصراف لا تنافى لانه لا طلب هذا و انت خبير بان هذا الكلام و ان كان مما له جودة و مما يروق الناظر إلّا انه مع ذلك مما لا يخلو عن نظر نظرا الى اشتماله على قضية نفى طلب المنبعث عنها عدم الامتثال و حصول التقرّب فى العبادات الندبيّة و الطاعات التطوعيّة لان ذلك لا يحصل الا بالطلب و ان كان مضمنا فيما دل على حسن الماهيّة على سبيل الوضعيّة هذا بعد الاغضاء عما اشرنا اليه عن قضية عدم انفكاك الاحكام الواقعية عن الطلبات الشرعيّة و ان خفيت علينا و لم يصل الينا و الا فورود المناقشة اوضح اللهم إلّا ان يقال ان هذا المقدار المذكور كاف فى تحقق الامتثال و تصحيح التطابق بين الامور النفس الأمريّة و الاحكام الشرعية و بعبارة اخرى يغتفر فى هذا الباب ما لا يغتفر فى غيره أ لا ترى ان حل الاشكال و الجواب عن العويصة بالجواب السّابق من الحمل على التخيير مما يحتاج الى التزام ما هو غير (2) او غير مشتهر اذ المصلحة مما ينحد فى الاشياء المخيّر بينها كما فى خصال الكفارة و غيرها بخلاف ما نحن فيه فان اختلاف المصالح فيه مما لا ريب فيه فالقاعدة فى التخيير هو ما ذكر و؟؟؟ هذه ما يخرج عنها كما لو دار الامر بين الامرين فى ضيق الوقت و لا يقدر الا على احدهما فهو مخير بينهما مع اختلاف المصالح الا ان يتعين احدهما فهو مخير بينهما مع اختلاف المصالح الا ان يتعين احدهما بدليل خارجى كصلاة الآيات مع اليوميّة فتقدم الثانية فت ثم اعلم ان هاهنا كلاما ينبغى التنبيه عليه و هو ان انواع المندوبات و اصناف التطوعات و ان كانت على مراتب متفاوتة و درجات مختلفة بحسب العلل النفس الأمريّة المنبعث عن اختلافها بحسب ما فيه من ارتكاب المشاق او ما يكشف عن خلوص الاعتقاد و ان لم يكن مما فيه مشقة كثيرة او ما هو الصق و اقرب الى حصول التقرّب بتوغله فى التعبّدية او غير ذلك من العلل الخفية و المصالح الكامنة التفاوت فى الثواب و الاعواض و تحقق الافضل‏ (3) و الاوسط فالاوسط و الادنى فالادنى و هكذا فى البين الا ان مع ذلك لا ينبغى الاقتصار على الافضل فالافضل باستيعاب الاوقات فى فعله و استغراق الجدّ و الاشتغال فى تكراره بل ينبغى الاتيان بضروب الطاعات و اصناف العبادات التطوعية فى حال السّعة و تقديم الافضل و اختياره و لو كانت الافضلية لا بحسب نفس الماهية من حيث هى بل بضم امور أخر ايضا حين المزاحمة و المعارضة فى الضيق لا يقال ان هذا ينافى القاعدة العقلية من لزوم تقديم الافضل او اولويته اذ المستفاد من القاعدة عدم حسن اتيان المفضول مهما يمكن من الافضل لانا نقول ان الامر لو كان كما ذكر لما كان لجعل المفضولات من العبادات المندوبة و تشريعها و الترغيب اليها مط و لو فى حال التمكن من الافضل فالافضل وجه فاذا كانت الاحكام الشرعيّة على وفق الاحكام الواقعية تبين ان ما ادعى كونه قاعدة عقلية ليس على اطلاقها (4) بمعنى اولوية اتيان الماهيّة ذى الفضيلة على غيرها من اتيانه و لو اتى بذى الفضيلة فى اوقات متقاربة مرة او مرات من الامور العقلية الواقعية و إلا لوقع التناقض و التدافع فى الامور الواقعية و بالجملة فان الافضلية بحسب الماهية لا يستلزم اولوية الاقتصار على افراد الافضل بل الاولى و الافضل التعبّد بضروب الطاعات الندبية بتقديم الافضل فالافضل و هكذا فهذا هو المستفاد من‏

تتبع الاخبار و الآثار و سيرة الصّلحاء و الاخيار ثم اسهاب الكلام فى مثل ذلك لا يليق بصناعة الاصول‏

تذييل: فيما يستفاد من ادلّة نفى الحرج من كونها موجبة للتخفيف‏

تذييل‏ اعلم ان المستفاد من ادلة نفى العسر و الحرج انهما موجبان للتخفيف و ذلك يستعمل فى موردين احدهما انهما يوجبان لحكمنا بالتخفيف فى كلّ مورد لم يتحقق دليل معارض و اما فيما تحقق فيه المعارض فيبنى الامر فيه على طبق ما مر اليه الاشارة و بالجملة فانه بهذا المعنى وقع الكلام فيه فى المباحث المذكورة و هذا هو الذى يفيد للفقيه فى الفروع و لهذا كان وظيفة الاصولى التكلم و البحث فيه و ثانيهما انهما اوجبا وقوع التخفيفات الثابتة من الشريعة المطهرة فانتفاؤهما سبب للرخص الواردة فى هذه الملة و هذا و ان لم يفد للفقيه كثير فائدة اذ بعد ثبوت الحكم من اللّه تعالى لا جدوى كثيرا فى ادراك انه للتخفيف و دفع المشقة إلّا انه مما يؤيّد بذكر امثلته المذهب المنصور من كون اصل نفى العسر و الحرج من القواعد القابلة للتخصيص و يحسم بنيان مقالة من عده من القواعد الغير القابلة للتخصيص و قد تقدم الكلام فى وجه التاييد و بيانه تفصيلا و كيف كان فان الشهيد (قدس سرّه) قد تكلم فى قواعده فى نفى العسر و الحرج من هذه الجهة لترتب الفروع الفقهية عليه من اجلها فقال ما ملخّصه المشقة موجبة لليسر و هذه القاعدة يعود اليها جميع رخص الشرع كاكل الميتة فى المخمصة و مخالفة الحق للتقية عند الخوف على النفس او البضع‏

____________

(1) او كان الامر

(2) معهود

(3) فالافضل فالافضل‏

(4) و ارسالها