خزائن الأحكام‏ - ج2

- آغا بن عابد الدربندي المزيد...
408 /
301

او المال او القريب او بعض المؤمنين بل يجوز اظهار كلمة الكفر عند التقية و من القاعدة الشرعية التيمّم عند خوف التلف من استعمال الماء او الشين او تلف حيوانه او ماله و منها ابدال القيام عند التعذر فى الفريضة و مط فى النافلة و صلاة الاحتياط غالبا و منها قصر الصلاة و الصوم و منها المسح على الراس و الرّجلين باقل سماه و من ثم ابيح الفطر فى جميع الليل بعد ان كان حراما بعد النوم و من الرخص ما يختص كرخص السفر و المرض و الاكراه و التقية و منها ما يعم كالقعود فى النافلة و اباحة الميتة عند المخمصة بعم عندنا فى السّفر و الحضر و من رخص السفر ترك الجمعة و سقوط القسم بين الزوجات لو تركهن بمعنى عدم القضاء بعد عوده و سقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن و من الرخص اباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية و اباحة الفطر للحامل او المرضع و الشيخ و الشيخة و ذى العطاش و التداوى بالنجاسات و المحرمات عند الاضطرار و شرب الخمر لإساغة اللقمة و اباحة الفطر عند الاكراه عليه مع عدم القضاء و لو اكره على الكلام فى الصّلاة فوجهان و منه الاستنابة فى الحج للمعسور و المريض المأيوس من برئه و خالف العدو و الجمع بين الصّلاتين فى السّفر و المرض و المطر و الوحل و الاعذار بغير كراهيّة و منه اباحة نظر المخطوبة المجيبة و اباحة اكل مال الغير مع بذل القيمة مع الامكان و لا معها مع عدمه عند الاشراف على الهلاك و منه العفو عما لا يتم الصلاة فيه منفردا مع نجاسته و عن دم القروح و الجروح الذى لا ترقى ثم التخفيف قد يكون لا الى بدل كقصر الصّلاة و ترك الجمعة و صلاة المريض و قد يكون الى بدل كفدية الصّائم و بعض الناسكين فى بعض المناسك و الرّخصة قد تجب كتناول الميتة عند خوف الهلاك و قصر الصّلاة و الصيام او يستحبّ كنظر المخطوبة و قد يباح كالقصر فى الاماكن الاربعة و المشقة الموجبة للتخفيف هى ما تنفك عنه العبادة غالبا اما ما لا ينفك عنه فلا كمشقة الوضوء فى البرودات و اقامة الصّلاة فى الظهيرات و الصوم فى شدة الحر و طول النهار و سفر الحج و مباشرة الجهاد اذ مبنى التكليف على المشقة و منه المشاق التى يكون على جهة العقوبة على المجرم و ان ادت الى تلف النفس كالقصاص و الحدود بالنسبة الى المحمل و الفاعل و ان كان قريبا يعظم المه باستيفاء ذلك من قريبه و الضابط ما قدره الشرع و قد اباح الشرع حلق المحرّم للقمل كما فى قصة كعب بن عجره و أقر النبى (ص) عمروا على التيمم لخوف المبرد فليقاربها المشاق فى باقى محظورات الاحرام و باقى مسوغات التيمّم و ليس مضبوطا ذلك بالعجز الكلى بل بما فيه تضيق على النفس و من ثم قصرت الصّلاة و ابيح الفطر فى السّفر و لا كثير مشقة فيه و لا عجز غالبا فح يجوز الجلوس فى الصّلاة مع مشقة القيام و ان امكن تحمله على عسر شديد و كذا باقى مراتبه و يقع التخفيف فى العقود كما يقع فى العبادات و مراتب الغرر فيها ثلث إحداها ما يسهل اجتنابه كبيع الملاقيح و هذا لا تخفيف فيه و ثانيها ما يعسر اجتنابه و ان امكن تحمله بمشقة كبيع البيض فى قشره و بيع الجدار و فيه الاس و هذا يعفى عنه تخفيفا و ثالثها ما يتوسّط بينهما كبيع الجوز و اللوذ فى القشر الا على و الاعيان الغائبة بالوصف و منه الاكتفاء بظاهر الصّبرة المتماثلة و من التخفيف شرعية خيار المجلس و منه شرعيّة المزرعة و المساقات و القراض و ان كان معاملة على معدوم و منه اجارة الاعيان فان المنافع و معدومة حال العقد و منه جواز تزويج المرأة من غير نظر و وصف دفعا للمشقة اللاحقة للاقارب و من ذلك شرعية الطلاق و الخلع دفعا لمشقة المقام على الشقاق و سوء الاخلاق و منه شرعية الكفارة فى الظهار و الخبث و منه التخفيف عن الرقيق بسقوط كثير من العبادات و منه شرعية الدية بدلا عن القصاص مع التراضى كما قال اللّه تعالى ذلك تخفيف من ربّكم و رحمة انتهى منا نقله من كلامه و هو كما ترى فى التخفيفات الثابتة من الشرع و الفائدة فى نقله فى هذا الكتاب هو ما اشرنا اليه قد تم من كتاب خزائن الاصول المطلب الأهمّ و المقصد الاسنى مبتدأ من مبحث التحسين و التقبيح العقليّين منتهيا الى هذا البحث الذى هو فى اصل السّعة من متعلقات‏

مباحث اصل البراءة و يتلوه فى الجلد الآخر الكلام فى المقصد الاقصى من مباحث الاستصحاب إن شاء الله اللّه تعالى و كان مدة الاشتغال بتضييف هذا الجلد مدة قريبة من سنتين و لكن قد وقع ذلك فى زمن تكدر الاحوال و اغتشاش البال و الحمد للّه اولا و آخرا و ظاهر و باطنا و كان يوم الفراغ يوم الاربعاء من تسع و عشرين لمن لشهر المعظم الربيع الاول سنة 1258 و كتب ذلك بيمناه الداثرة الفانية اقلّ العباد مصنّف هذا الكتاب المشتهر بآقا ابن عابد بن رمضان بن زاهد الدربندى اللّهم اغفر ذنوبهم و تجاوز عن سيّئاتهم بحقّ حججك الطاهرين و خلفائك المعصومين (عليهم السلام) قد تم مقابلة 4 شهر جمادى الآخر من سنة 1384

302

باب: فى الاستصحاب‏

هذه ديباجة فنّ الاستصحاب‏

[خطبة الكتاب‏]

خطبة لباب‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه الذى جعل اصل تمسّكنا بولاية معادن الكرم و الرّحمة و العصمة من اوليائه و حججه من الاصول المنجيات الثابتات التى تغفر بها الآثام و السيئات و لو كانت من الموبقات المهلكات و صير استصحاب آثار محبّتهم من زيارة قبورهم و البكاء على مصائبهم من الأسباب المطلقة للارتقاء الى الدرجات العاليات و مقامات المقرّبين فى الجنات و قدّر البراءة من اعدائهم اعظم ركن فى باب الاعتقادات و الديانات و هدانا الى كل ذلك بالمحكمات من الآيات و ازاح بما فيها لاصحاب العقول و الدرايات قوائم الشكوك و قواعد الشبهات فمن طلب الحق و جاهد نفسه لاجله فهو على بصيرة من ربه فى امر الدّين و سعة من الاستطاعة فى تحصيل اليقين و من اتبع الهوى و خالف منجزات العقل المبيّن و محكمات القرآن الحكيم فهو من الغاوين الهالكين المعلّقين على رءوسهم فى الجحيم و الصّلاة و السّلام على العقل الاول و النور الانور و الرّوح الاعظم الاطهر صاحب المعراج الى السماك و المخاطب بخطاب لولاك لما خلقت الافلاك اشرف الاولين و الآخرين و سيّد الانبياء و المرسلين حبيب اللّه و صفيّه محمد بن عبد اللّه ثم على آله و خاصّة عترته الذين اذهب اللّه عنهم الرّجس و طهرهم تطهيرا و بعد فيقول العبد الافقر الاحقر اللائذ باذيال الطاف ربه الكريم المنان المشتهر بآقا بن‏ عابد بن رمضان بن زاهد الشيروانى الدربندى اعطاهم اللّه تعالى طروسهم بايمانهم يوم الحساب ان من منن اللّه الكريم المنان على عباده فى زمن تمادى غيبة وليّ اللّه و حجته عجل اللّه فرجه و فرجنا بظهور دولته الحقة ان تصير العلوم الشرعية و الفنون الشريفة كاملة منضوجة و تامة مطبوخة و لعل هذا من جملة الالطاف فى تمادى ازمنته الغيبة و كيف لا فان جملة من المسائل التى كانت فى كلمات الاوائل مما تسعه صفحة او ورقة قد ربت و نمت و تزايدت بتظافر الافكار و تكاثر الالتفاتات مباحثها و مطالبها حتى ان صارت كل واحدة من تلك المسائل بمنزلة علم مستقل و فن تام مستقر فالمتصف بالانصاف و المغضى عن الاعتساف يحكم بان علم الاصول قد صار ذا فنون كثيرة و مثله فى ذلك الشأن فى العلوم العقلية غير عزيز و لكن الاستقراء التام و التجربة من ذوى الافهام مما قد قضى بان الاكملية و الاتمية فى تلك المسائل التى صارت بمنزلة فنون مستقلة و علوم مستقرة لا تجرى الا فى يد من هو ابن بجدة الصّناعة و حامل لوائها و اصل اصيل لقرومها و جهابذتها و من هو اتى فيها بفرس قاطع و برهان ساطع و افتتح فى كل امر خاتمته و استخرج عاقبته و طلّع بذهنه الثاقب و فكره الصّائب من كل غرس ما يجنى منه و من كل زرع ما يحصد عنه و من سهّل اللّه تعالى له المتعذر و ذلل المتوعّر و انال البعيد و ألان الشديد و من يكون هو السّلطان القاهر فى قلاع تلك الصناعة بل فى اقاليم العلوم و مدن الفنون فهو كمن هو بين صدع يشعب و شعث يلم‏ (1) و عضد يشد و شتات يجمع و خرق يرقع و ذمام يؤكد و عهد يؤيّد و عان ينتاش و مهيض يرتاش و لكن تلك السّلطنة القاهرة لا يلقاها الا ذو حظ عظيم فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم فاذا عرفت هذا فاعلم ان من جملة المسائل التى كانت فى كلمات الاوائل‏ (2) مما تسعه صفحة او ورقة و فى كلمات متاخرى المتاخرين ذات وريقات هى مسئلة الاستصحاب فهى قد صارت فى كلمات جمع ممن عاصرناه من المسائل الطويلة الأذيال و مع ذلك لم يبلغ مبلغ الاستحقاق لان تصير بمنزلة فن او تسمى فنا فلما بلغت بافكارنا الكثيرة و التفاتاتنا الوفيرة الى مباحث رشيقة و عناوين جديدة غاية المنضوجيّة و نهاية التمامية صارت فى كتابنا هذا بمنزلة فن مستقل بل فنا مستقرا ذا مقاصد كثيرة و مباحث عظيمة و مسائل وفيرة و مطالب عزيزة فمن امعن النظر غاية الامعان و استقصى بذل جهده فى تتبع مسائله و تصفح مقاصده و مباحثه علم صدق ما ادعينا من بلوغ ذلك النصاب المذكور ثم ان هذا النحو من التاييد و التوفيق من قبل اللّه الملك المنان لم يتيسّر لهذا العبد الافقر الاحقر الا ببركات صاحب هذه‏

____________

(1) و ثغر سيد

(2) و الاواسط و الاواخر

303

القبة الياقوتية النورانية و بتسديدات و توجّهات ولده التاسع الامام المهدى المنتظر القائم (صلوات اللّه و سلامه عليهما) و جعلنى فداهما و العجب من جمع من الفضلاء فى جملة من الأعصار حيث يشتكون من اعصارهم لفقدهم فيها سلطانا يكون داعيا الى تضييف العلماء و باعثا لترويج تصانيفهم هيهات هيهات فان توجّه يسير و التفات واحد من الامام المنتظر القائم (عجّل اللّه تعالى فرجه) و جعلنى فداه خير من دعوة الف الف الف ملك الى التصنيف و ترويج الف الف سلطان بل لا نسبة فى البين اصلا الا نسبة المعدوم الى الموجود فقد جعلت كتابى هذا كسائر كتبى و تصنيفاتى خدمة لحضرته الشريفة العينية عجّل اللّه تعالى ظهورها و ليست هذه الخدمة لحضرته الشريفة الا بمثابة خدمة الطير الصّغير للبحر المحيط الاعظم بالقاء ما فى منقاره من القطرة الحقيرة فيه التى اخذها منه‏

خزينة: فى شأن دليل الاستصحاب‏

خزينة فى المقصد الاشرف الاهم من مقاصد الادلة العقلية و هو باب الاستصحاب اعلم انه قال بعض اجلة الافاضل هذا الاصل هو العمدة بعد الكتاب و السّنة بل ما يثبت به من الاحكام الفرعيّة النظرية اكثر مما يثبت بالكتاب اقول لو قال مما يثبت بالكتاب و السنة لما كان فيه ضير اصلا نظرا الى الفروع الغير المحصاة فى كل ما يثبت بالكتاب و السنّة (1) فان شانه ارفع مما قال و قلت فيه لكنه اذا لوحظ فيه ما تحقق من حجيته فى كل ما يجرى فيه قاعدة الجريان و جريانه فى كل ما نحققه من الانواع المختلفة و الموارد المتباينة و المجارى المتغايرة مما يبلغ اربعين او ازيد فاذا قلنا بحجيته فيها باسرها و لم نفصّل بتفصيل من التفاصيل البالغة الى نيّف و خمسين فيليق ان يقال فى شانه ح بين الادلة فكل الصّيد فى جنب الفر او يزيد شانه على ذلك اذا لوحظ كون اصل الاشتغال نوعا من انواعه و اصل البراءة قسما من اقسامه و كيف كان فان ما فى هذا المقصد يذكر إن شاء الله اللّه تعالى فى طى خزائن ثم فى خاتمة ذات فصول‏

خزينة: فى تعريف الاستصحاب و تمييز صحيحه من فاسده‏

خزينة اعلم ان جمعا قد طووا الكشح عن التعرض لتعريفه و طائفة قد اكتفوا بذكر المثال و خربا قد عرّفوه برسوم مختلفة فنكتفى بالاشارة الى جملة منها و ما فيها فقيل هو عبارة عن الحكم باستمرار امر كان يقينىّ الحصول فى وقت او حال و مشكوك البقاء بعد ذلك الوقت او الحال ففيه انه غير مطرد لشموله لما يثبت فى وقت الشك بدليل منجّزا و اسند ثبوته اليه خاصة اللّهم الا ان يلاحظ فيه بنوع من العناية و التنوير و غير منعكس ايضا لعدم احاطته بطائفة من المجارى مما فيه الحكم او الزمان تقديرى و شأنيّ مع ان ظاهره يفيد ما هو خارج عن المقام اللّهم إلّا ان يراد من الحكم ما يشمل الحكم العرفى و قيل هو ان يثبت لشي‏ء فى الزمان الثانى ما ثبت له فى الزمان الاول و قيل هو اثبات ما علم تحققه فى الزمان الاول فى الزمان الثانى و يرد عليهما مضافا الى ما ذكر انهما لا يشملان جل المجارى لو لم ندع الكل مع ان فيهما شيئا آخر هذا و قد يزيّف هذه الرسوم و ما يضاهيها بامور أخر من ان الاستصحاب دليل و الاثبات و الابقاء مما ليس بدليل و من ان الاثبات و الحكم بالاستمرار مما يحتاج الى دليل و دليله الاستصحاب فلو كان الاستصحاب عبارة عن الاثبات و الحكم بالاستمرار لزم اتحاد الدليل و المدلول و من انه اذا لم يحكم بالاستمرار لم يحكم بتحقق الاستصحاب و اذا حكم بالاستمرار تحقق الاستصحاب فتحقق الاستصحاب موقوف على الحكم بالاستمرار و الحكم بالاستمرار موقوف على الاستصحاب هذا و انت خبير بان الايراد الاول مما فى غير مخره اذ لا ضير فى كون الاثبات الملحوظ فيه ثبوت حجّيته بالعقل او الشرع دليلا و الاسناد الى المكلف مما لا يابى عن ذلك كما فى الاجماع فانه عبارة عن الاتفاق و لا فرق بين اسناد البقاء و نحوه الى المستصحب و بين اسناده الى المكلف بعد هذا التنوير و تلك العناية على ان الحكم بدليليّة الاستصحاب على الاطراد غفلة اذ هو قد يكون فى طريق الحكم الا ان الامر فى هذا سهل و اما الايراد الثانى فالعجب عنه اولى من العجب به اذ ليس دليل الاثبات الذى هو بالقيود المذكورة هو الاستصحاب عين الاستصحاب هذا اذا لوحظ مقام الحجية الذى خارج عن المقام و اما اذا لوحظ مقام التصور او الحكم العرفى فسقوطه من اصله مما لا يرتاب فيه و من التامل فيما قررنا يتبين عدم اتجاه الايراد الثالث ايضا و اما الايراد بقضية عدم الشمول للعدميات و المشكوكات فى الزمان الثالث فى الرابع و هكذا فمما لا يحتاج الى الجواب و قال البعض بعد تعريفه بانه عبارة عن ابقاء ما علم ثبوته فى الزمن السّابق فيما يحتمل البقاء فيه من الزمن اللاحق ان المراد بمعلوميّته ما يعم معلوميّته بحسب الظاهر و الواقع فيدخل فيه ما قطع بثبوته فى زمان ثم شك فى ثبوته فى ذلك الزمان و ان كان المختار عدم حجية الاستصحاب هنا و باحتمال البقاء احتماله واقعا و ظاهرا مع قطع النظر عن وجوه حجّية الاستصحاب فلا يرد انه ان اعتبر البقاء بالقياس الى الواقع انتقض طرد الحدّ بما علم عدمه ظاهر الامارة معتبرة فانّ الاستصحاب لا يطلق عليه عرفا و ان اعتبر بالقياس الى الظاهر فهو معلوم لادلة الاستصحاب و يدخل فيه مشكوك البقاء و مظنونه و موهومه و يخرج مقطوع البقاء و عدمه لخروجه عن مورد الاستصحاب اما فى جانب العدم فواضح و اما فى جانب البقاء فلثبوته ح باليقين لا بالاستصحاب و يشكل بانّ هذا انما يتم فيما علم بقائه واقعا اذ فى غيره قد يستند الى الاستصحاب كما هو المتداول بين الفقهاء هذا و انت خبير بانه لم يصب الحق من بعض الوجوه لان ما ذكره لا يشمل الشأنيات التى اشرنا اليها فى الجملة و ياتى بيانها تفصيلا على ان اخراج ما هو مقطوع وجوده او عدمه بدليل عن كونه موردا للاستصحاب على خلاف التحقيق كما تطلع عليه كما على خلافه عدم اعتبار الاستصحاب فى موارد الشكوك السّارية بعد قوله بجريانه فيها فان قلت ما تقول فى قول من عرّفه بالقاعدة التى يكون مقتضاها ان كل ممكن بل كل امر ثبت لمحققه سابقا

____________

(1) و بالجملة

304

سابقا فليحكم بالبقاء ما لم يثبت المزيل قلت انه بعد الغض عن عدم اطراده و عدم انعكاسه و ظهوريّته فى مقام اثبات حجيته الذى ليس فى شي‏ء من هذا المقام ليس مما وقع فى مخره لا لان القاعدة قد تضاف الى الاستصحاب فان هذا كما ترى بل لأن الاستصحاب من المعانى الاربعة المستقلة للفظ الاصل فلا يجوز تعريفه بها و هذا لا ينافى ما قدمنا سابقا من جواز ادخاله تحت القاعدة كما لا يخفى وجه ذلك على ان المتبادر منه و فى المشتقات منه غيرها و اعتبار التبادر فى المشتقات و تقريب الاحتجاج به على المط بملاحظة الاصل و الاستقراء من وجهين فى البين و بعد الاغضاء عن ذلك كله ان ارادة القاعدة على خلاف ما عليه ديدنهم ظاهرا و منع التبادر فيه كمنع كونه من الوضعى فى المشتقات منه و حمل ديدنهم على الخطاء نظرا الى اختلافهم فى التعريف او حمل الظن الحاصل منه على البدوي من المجازفات لا يقال انه لو كان معناه الحقيقى غير القاعدة لصحّ اطلاق قولنا يجب الاستصحاب من غير منافرة كما يصح بدونها قولنا يجب الحكم بالبقاء او الابقاء اذ لا معنى لصحّة اسناد شي‏ء الى احد المترادفين دون الآخر و التالى بط لمكان المنافرة فيكشف ذلك عن لتحقق القرينة فى مثل يستصحب من الاسناد الى الضمير و كون التبادر فى المشتقات اطلاقيا على ان الحكم بالتوافق انما كان بملاحظة الاصل و الاستقراء و هذا فى غير مخره لتقدّم ما قرر على ذلك تقدّم الاجتهادى على الفقاهتى على ان بعد الغض عن ذلك نقول انه لو لم يحمل على القاعدة للزم عدم صحّة قولنا الاستصحاب حجّة و كذا عدم صحة قولنا يجب العمل بالاستصحاب و التالى بط و كذا المقدم و بيان الملازمة انه لا شك فى عدم صحة قولنا الحكم بالبقاء او الابقاء حجة اذ الحكم بالبقاء و نحوه من جملة افعال الشخص فهى لا تكون حجة شرعيّة فى حقه فهذا يكشف عن عدم تحقق الترادف بين الاستصحاب و غير القاعدة و انه يقال ان التنافر المذكور مم اذ انه لو تحقق لاطرد حتى فى صورة الاضافة مثل ان يقال و يجب استصحاب ما كان بيان الملازمة ظاهر اذ الطريق فى الكل واحد و كذا بطلان التالى ثم الحكم بالترادف بين المحدود و اول جزء من الحدّ فى غاية الفساد اذ لا مجال للترادف بين الحد و المحدود اصلا فكيف يكشف مثل ذلك عن التجوز فى استعمال المشتقات الغير المحصاة من الاستصحاب و عن كون التبادر اطلاقيا او كيف يحكم ح بكون التنافر على فرض ثبوته من التنافر الناشى من جهة اللّب و المعنى لا من جهة اللفظ خاصّة او تقديمه على الامارات الكثيرة و الادلة الوفيرة و بعد الغضّ عما ذكر نقول ان قضية التنافر لو تمت لجرت فى الكتاب و السّنة ايضا اذا فسر الاول بالخطاب المنزل للاعجاز حين التحدى و فسر الخطاب بالكلام الموجّه و السنة بالخبر الحاكى كلام المعصوم (ع) او فعله او تقريره و الخبر بما له نسبة خارجية و التقريب فى الكل واضح اذ مترادف المترادف مترادف على ان المنافرة لو سلمت نقول انها مسبّبة عن قلة الاستعمال و لهذا يوجد الفرق بين قولنا الانسان ضاحك و بين قولنا الحيوان الناطق ضاحك و كيف كان فلا يحتاج الى تجشم الاحتجاج بان عدم صحّة قولنا يجب الاستصحاب لاجل نقله من معناه اللغوى الى واحد من التعاريف ثم منه الى آخر حتى يعارض باصل عدم النقل سيما النقل بعد النقل مع انه مدخول فى نفسه من وجه آخر ثم العجب من اطلاق قوله ان فعل الشخص لا يكون حجة شرعية أ ليس من ذلك القبيل الظن لكنه لا مط بل بملاحظة جهات شرعية على ان عدم صحة ارادة معنى من لفظ ليس دالا على عدم وضعه له اذ قد يكون المقام مما اشتمل على قرينة التجوز ثم ان من امعن النظر فيما اشرنا اليه يعلم ان تعريفه باثبات الحكم فى الزمن الثانى تعويلا على ثبوته فى الزمن الاول كتعريفه بكون الحكم او الوصف يقينى الثبوت فى الزمن الاول مشكوك البقاء فى الزمن الثانى مما مدخوليته ايضا واضحة فلا نسهب الكلام بالتعرّض لذلك و كيف كان فالاولى ان يقال فى تعريفه انه عبارة عن ابقاء ما كان فى الزمن الثانى تعويلا على ثبوته فى الزمن الاول و لو تقديرا مع عدم العلم بالبقاء و لو تقديرا فباخذ قيد التقدير الاول يشمل الحد ما فيه تحقق الحكم فى الزمن الاول شأنيّ كما يشمل ما فيه تعدد الزمان فرضى بل يشمل ما على خلافه دليل مط ايضا و بالاخير يشمل ما فيه‏

على طبق الاستصحاب دليل منجز قطعيّا كان او ظنيا فانتظر لتفصيل الكلام و بيان المرام فى كل ذلك‏

خزينة: فى أنّ الاستصحاب من الأدلّة العقلية

خزينة فى بيان ان الاستصحاب من الادلة العقلية اعلم انه قد تقدم منا الاشارة الى ان حكم العقل الاستقلالى قد يتحقق بالنظر الى ملاحظة مرحلة الواقع و قد يتحقق بالنظر الى ملاحظة مرحلة الظاهر و قد عرفت ان حكمه بالبراءة و الاباحة فى مقام الشك فى الوجوب و الحرمة من الثانى و كذا حكمه بابقاء ما كان على ما كان ثم اعلم انه كما يلاحظ فى احكامه الواقعية الاقيسة المركبة من المقدمات المنتجة اياها كذا يلاحظ تلك فى احكامه الظاهريّة فالاقيسة هى الادلة العقلية فى المقامين لا الاحكام و النتائج التى تكون فى مقام اثبات التلازم و التطابق مقدّمة من القياس المنتج كون حكم العقل حكم الشرع مثلا ان حكمه بلزوم العمل و وجوب الاذعان على وتيرة الاستصحاب من الاحكام العقلية فى مرحلة الظاهر و هذا مستنتج من المقدمتين مثل ان الحكم الفلانى او الوصف الفلانى مما تحقق ثبوته فى الزمن الاول و كلما كان كل يجب الحكم ببقائه فى الزمن الثانى بالنظر الى مرحلة الظاهر عند العقل فهذا هو حكم العقل و هو الذى يصير صغرى القياس الملحوظ فيه مرحلة الظاهر و كيف كان فلا ريب فى كون ذلك فى غير المسبوق بالحكم الشرعى من مستقلات العقل سواء رجع الى قاعدة التحسين و التقبيح كالمنع من توجيه الخطاب‏

305

الى المعدوم و التكليف بما لا يطاق و ارادة خلاف الظاهر من الخطاب ام لا كما هو الظاهر و لعل من اطلق قوله ان الاستصحاب من التبعيّات العقلية و غير المستقلات انما لاحظ الامر بالنسبة الى المسبوق بالحكم الشرعى الذى كان هو محطّ انظار الاصوليّين او ما هو اهمّ عندهم فعلى هذا يكون عنوانهم لبيان ما هو من التبعيات العقلية و غير المستقلات كما يكون سوقهم الكلام فى غير المسبوق بالحكم الشرعى الذى مما يستقل فيه العقل من الاحكام من المستطردات فكذا فى طرق الاحكام اذ القسم الثانى لا يكون الادلة فيها من الادلة المصطلحة فهذا كله مما لا يروقنى بل يتجلى عند نظرى ان الاذعان بذلك لا يتحقق ممن له فطانة تامة و دربة كاملة و كيف لا فان احد الامرين لازم اما تخطئة الكل نظرا الى انّ سياق كلماتهم و صدور عناوينهم مما يؤدى كون الاستصحاب مط من مستقلات العقل مع ان ما هو الاهمّ من اقسامه ليس الحكم فيه الا من التبعيات العقلية او نسبتهم الى الغفلة الواضحة اذا لوحظ ان عنوانهم هذا انما جعل لمستقلات العقل من غير المسبوق بالحكم الشرعى مما مرجع الاستصحاب فيه الى امر عدمى و مما يتم الامر فى اكثره بغير هذا العنوان ايضا فيكون الكلام فى المسبوق بالحكم الشرعى مع كونه اهم المهمات و مسائله و تفاصيله غير محصاة مما ذكر على نهج الاستطراد فالاولى ان يقال ان المراد من الدليل هنا اعم من معناه الاصطلاحى فما فى طرق الاحكام و الموضوعات المستنبطة ايضا من الدليل لادائه فى آخر الامر الى ملاحظة الحكم و ان يقال ايضا ان المسبوق بالحكم الشرعى ايضا مما يستقل فيه العقل نظرا الى ملاحظة الامر الكلى المندرج تحته المسبوق بالحكم الشرعى من غير ملاحظة نفس هذا المسبوق به و ابتناء الامر عليه و هذا مما لا يستلزم ضيرا إلّا ان يقال ان هذا يتمشى فى قضية مقدّمة الواجب و نحوها ايضا فما الفرق بينهما فح لا بدّ من الالتزام بذلك و الالتزام بان عدّهم قضية مقدّمة الواجب و نحوها من التبعيات العقلية انما بالنظر الى ملاحظة خصوصيات الخطابات الاصلية لا بملاحظة العنوان الكلى من حال المقدّمة و ذى المقدّمة فهذا مما لا ضير فيه اصلا إلّا انه يشكل الامر ح من وجه آخر و هو ان هذا مما ينبعث عنه اثبات التلازم و التطابق بين الحكم العقلى و الشرعى كما ينبعث عن هذا الاثبات ترتب الثواب و العقاب فى قضية مقدمات الواجب و نحوها و ان بنى الامر على عدم دلالة الخطابات الاصلية بنحو من انحاء الدلالات فالتفصّى ح اما بالتزام ذلك او بتنويع المستقلات على نوعين و الاذعان بقضية التلازم فى احدهما دون الآخر و هذا التنويع قد يلاحظ فيه الاستقلالية من وجه دون وجه آخر و الاستقلالية من جميع الجهات و قد يلاحظ فيه قضيّة الرّجوع الى قاعدة التحسين اولا و بالذات و الرّجوع اليها بالواسطة فح عدم اطراد التلازم قد ينبعث عن اختصاص حاكمية العقل بالتلازم بالبعض بملاحظة بعض الامور المزبورة فينبعث عن ذلك عدم شمول ادلة حجية العقل الكائنة على طبق حكمه بالتلازم شمولا للكل كما قد ينبعث عن اختصاص اثبات التلازم بما هو ينظر فيه الامر الى مرحلة الواقع خاصّة و كيف كان فان الاخبار المحتجّ بها على حجية الاستصحاب انما هى ادلة على طبق حكم العقل بالنسبة الى الموارد كالآيات و الاخبار الدالة على البراءة و الاباحة كل اى بالنّظر الى مواردهما فلا شي‏ء من ذلك مما يدلّ على حجية العقل بالعنوان الكلى و اثبات التلازم بالنظر الى مرحلة الظاهر فكم من تفرقة غير خفية بين المقامين و ثمرة جلية بين المرحلتين ثم ان فى بناء الامر على كون الاستصحاب من التعبّديات العقلية لا بد من ان يلاحظ فى مثبتات كبرى القياس او بعض المقدّمات ما لا يبتنى على الظن اصلا سواء استند الى الامر العقلى القطعى او ما عليه البناء فى العادة هذا و اما اذا بنى الأمر على اخذ قضية الظن فيه فلا بدّ ح فى البناء عليه على نهج الاطراد الشامل لصورة الظن بالخلاف من الظن الناشى عن غير الاسباب العقلائية من القول بان هذا الظن ان تحقق انما يتحقق على النهج البدوى لا الاستمرارى فاذا لوحظ الحالة السّابقة اليقينية يزول هذا الظن و يتحقق ظن على طبق مؤدى الاستصحاب فعلى هذا وجه عدّ الاستصحاب من الادلة العقلية دون الآحاد من الاخبار و الاجماعات المنقولة و نحوها بناء على ان الاعتداد بها لاجل الظن لا لاجل الآيات و نحوها بناء على عدم تمامية دلالتها فى اثبات حجيتها و ان كان مما يخفى عند الانظار الجلية إلّا انه‏

مما لا يخفى عند الانظار الدقيقة نعم يبقى فى البين ح سؤال انه اذا كان التعويل على الاستصحاب لاجل الظن فما وجه جعل عنوان الاستصحاب عنوانا مستقلا و مبحثه‏ (1) منفردا به فالجواب عنه مما لا يخفى على المتدبّر المتفكر ثم اعلم ان الاحتجاج على حجية الاستصحاب بالاخبار و استنباط كونه من الاسباب المطلقة الشرعية منها مع الاذعان بكونه من الادلة العقلية مما لا غبار فيه لان هذا اما مبنى على عدم حاكمية العقل بالتلازم و التطابق فى غير ما يرجع الى قاعدة التحسين رجوعا بلا توسيط او فيما حكم العقل فيه على التبعيّة او فيما لا يكون الحكم فيه من المستقلات العقلية مثل المسبوق بالحكم الشرعى فعلى كل حال ان الاحتجاج بالاخبار على حجيته لا يخرج عن كونه من الادلة العقلية و لا يدخله تحت الادلة الشرعية اذ كم من فرق بين قولنا ان الاستصحاب من الادلة العقلية و بين قولنا انه من الاسباب الشرعية و هكذا بين قولنا ان الاخبار من الادلة الشرعية و بين قولنا انها من الاسباب العقلية اذ الملحوظ فى القضية الثانية ليس الا مقام الحجّية بملاحظة المدرك الدالّ عليها و اما الفرق بين هذا المقام و مقام اثبات التلازم و التطابق فيما يرجع الى قاعدة التحسين بلا

____________

(1) مبحثا

306

بلا توسيط شي‏ء و يكون الحكم مما يلاحظ فيه مرحلة الواقع مع اشتراك كلا المقامين فى اقامة المدارك الشرعية عليهما فقد مر الاشارة اليه و الحاصل ان اخبار مقامنا هذا ناظرة الى الموارد و المجارى خاصّة بخلاف ذلك المقام فان اخباره ناظرة الى اثبات حجية مدركات العقل و احكامه سواء لوحظ فى ذلك حاكمية العقل ايضا بالتلازم ام لا هذا فخذ الكلام فى هذا المقام بمجامعه و حقق المطلب بما حققنا و ادفع بذلك العويصات المخطورة ببالك و انظم به الامر من الباب الى المحراب و ان كنت قبل هذا فى زعم ان هذا المقام صعب مستصعب نظرا الى ان كل ما يتخيل فيه كالثياب الخلقة كلما خيطت من جانب تهتكت من جانب آخر فقد بان مما ذكرنا ان ما قيل انّ الاستصحاب ان كان مدركه العقل فيدخل فى العقل و الا ففى السّنة مما ليس فى محله كما ليس فى محله ما عن البعض من تخطئة الاصحاب لدخوله ح تحت العقل و الاشكال فى حصرهم الادلة فى الاربعة قائلا لا اشكال فى الحصر على الوصفية لدخوله ح تحت العقل و الاشكال فى البناء على السّببية ظاهر اذ عدم كونه ح مما عدا السّنة واضح و كونه منها ركيك و الا لزم انحصار الدليل فى العقل اذ حجّية كل واحد من الكتاب و السّنة و الاجماع مستفادة منه مع ان ما قالوا لا يشمل صورة ان حصل لنا العلم من فتوى زرارة مثلا و نعلم ايضا ان المعصوم (ع) راض بذلك و لا صورة ان حصل لنا العلم من بعض الامور كالنوم و الجفر و الرمل هذا فمدخولية هذا الكلام فى منار و قال بعض المتنطعين بعد تزييفه قول من قال انه داخل فى الادلة لان مدركه العقل او الاخبار و على الاول يدخل تحت الاول و على الثانى تحت الثانى بانه لا وجه ح لجعل الكتاب من جملة الادلة الاربعة لان مدرك حجية الاجماع و الاعتبار بمدرك الاعتبار لا بمدرك الحكم على انّ لازمه انحصار الدليل فى العقل لانه المدرك للكل و انه لو كان الدليل على اعتباره هو الاستقراء لخرج عن الاربعة و بعد الغض عن ذلك كله ان المتبادر من الدليل هو الدليل على الحكم بلا واسطة و لا ريب ان الدليل على الحكم بلا واسطة هو الاستصحاب دون مدركه ثم تفصى بعد ذلك تارة بقوله ان الادلة خمسة و الاستصحاب منها كما يظهر من البعض و تارة بان المراد من القضية الحاصرة هو الحصر بالنسبة الى الادلة المجمع عليها بين الطائفة و الاستصحاب ليس منها بلا شبهة بخلاف السّنة اذ المراد من الادلة المجمع عليها ما يكون بحسب جنسها كل و ان كان فى بعض افراده مختلفا فيه و الاختلاف فى الاستصحاب فى جنسه و ذاته هذا و انت خبير بان اقل ما يرد عليه هو ان ما ذكره فى توجيهه فى غير الاستصحاب يتمشى فى الاستصحاب ايضا و كيف لا فان الاستصحاب ايضا بحسب جنسه و ذاته مما لم يقع فيه الخلاف و ان كان بحسب بعض افراده مختلفا فيه اما تنظر الى الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة ان اراد من الخلاف الخلاف المعتد به بحسب صدوره من جمع او ممن يعتد بكلامه و هو معترف بذلك حيث قال فى بحث الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة ان عبارات القوم من حيث اطلاقها و ان او همت الخلاف لكنه خلاف الواقع بلا خلاف بل قد ادعى ذلك فى جملة من اقسام الاستصحاب و ان اراد من عدم الخلاف بحسب الجنس و الذات عدم تحققه مط و لو كان المخالف ممن لا يعتد بشانه نظرا الى بعض الوجوه و الاعتبارات فلا يتمشى ما ذكره فى الكتاب و السّنة و الاجماع ايضا و الحاصل انك اذا نظرت و امعنت النظر فيما ذكرنا و اذ وقفت على ما حققنا عسى ان لا استبعد ان تقول هذا هو الطريق المستوى قد نصب على معاطفه النار و اوقد عليها الانوار حتى يسلك السّالك فيه سلوك المتبين لوجهه و يقطعه قطع الواثق بالنجح فى طينته فلا تنسب بعد ذلك الى قروم الصناعة باجمعهم و بزل هذا الفن باتبعهم و اكتعهم الغفلة او الغلط او التقليد و لا ترضى بالبدار فى ان تترنم بامثال هذه المقالة من الاوائل و الاواسط و معظم الاواخر كان بنائهم فى الاستصحاب على اعتباره من باب الوصف خاصّة فتسميتهم اياه بالدليل العقلى لاجل هذا فقط و تبعهم متأخرو المتاخرين فى هذه التسمية و ان خالفوهم من كل وجهة او ان القدماء و الاواسط و جل الاواخر قد اطلقوا الدّليل العقلى على الاعم الشامل للاقيسة و الاستحسانات و التمثيلات و الاستقراءات‏

و بعبارة اخرى على ما عدا الدليل الشرعى كما شاع عند جمع فى هذا الزمان مقالة نحن نثبت النبوة الخاصة بالدليل العقلى و يريدون بذلك ما يستنبط من الجفر و الاعداد و الحروف و نحوها مما يدل عليها فان كل واحدة من تلك المقالات و امثالها لو خيطت من الف اطراف و رقعت من مائة جانب لتهتكت من الف موضع آخرا تعطى من نفسك الرضاء بذاك و تجعل شغل الاكارم و الأفاخم شكر اللّه تعالى مساعيهم لعبة الصّبيان حاشاك ثم حاشاك و من التامل فيما ذكرنا يظهر لك ايضا عدم استقامة ما قال بعض المتنطعين و هو ان المراد بالدليل العقلى هنا غالبا الاصل و الاستصحاب سميا به مع انهما يثبتان بالآيات و الاخبار و الاجماع لانهما كما يثبتان بالشرع يثبتان بالعقل ايضا اما ثبوت اصل العدم و البراءة و الاباحة فظاهر حيث انه لولاه لزم التكليف بما لا يعلم و هو قبيح عقلا و اما ثبوت استصحاب الحال فلتمسّكهم فى اثباته بحكم العقل بلزوم ما كان على ما كان و لا يضر عدم تماميّته لان المسمّين زعموا التمامية و الذى اراه ان الاصولين من العامة لما اثبتوا هذين الاصلين بادلة عقلية يزعمونها تامة و لم يتمسّكوا فيهما بدليل شرعى زاع دخولهما فى الادلة العقلية و ساغت التسمية بين العلماء فجرت عليها الطريقة هذا و عدم استقامة بهذا الكلام من وجوه كما لا يخفى على الندس الخبير فت فان قلت ان ما حققت‏

307

صعب المرتقى و عسر المنحدر و ان لازمه ارتكاب التكلّف و مخالفة المش على بعض الوجوه كما فى قضية مقدّمة الواجب قلت ان هذا مما لا غائلة فيه اذا ارتفعت الغائلة عن البين و اتفق التوفيق و الجمع بلا مين و لا رين عند اصحاب الانظار الدقيقة و الافكار الرشيقة و ان احتج الى تصدّع الشوامخ و التصعّد على الشواهق اذ تصير ح شريعة لكل حاضر و باد و مورد الكل وارد و صادر مع ذلك لا اقول ان المجد بين ثوبى ما ذكرت و الكرم بين برديه بل لا اطمئن من عترة القلم و كبوة الذهن وهنتموه الحفظ و غفلة القلب فلا تتهم بعد ذلك الا نفسك او نفسى‏ فريدة فى بيان ما يتعلق بالمقام و يلتصق به مما قد اشتهر فى الالسنة ان مدرك كل الادلة هو العقل و انه المرجع فى مقام اثبات حجيتها و ما يتعلق بذلك فاعلم ان لحكم العقل بحجية الادلة الشرعية طرزين و طريقين طريق لا يلاحظ فيه الا اثبات النبوة و بعد اثباتها لزوم اتباع النبى (ص) فيما جاء به و فى هذا من الصدر الى الساقة لا يلاحظ فيه الا جملة من احكامه و قواعده المستنتجة من ادلته القطعية من لزوم شكر المنعم و لزوم دفع الضرر المحتمل و قبح اظهار المعجزة فى يد الكاذب و لزوم اظهاره فى يد الصادق و وجوب اللطف على اللّه تعالى و قبح فعل ما يلزم منه افحام النبىّ (ص) و عدم جواز الترجيح بلا مرجح و قبح ترجيح المرجوح على الراجح فملاك الامر فى هذا على ذلك و على تحقق الصدور من الشارع و طريق لا يلاحظ فيه ما ذكر لتحققه و كونه متسالما بل يلاحظ فيه نفس الخطابات التى تحقق ثبوته من الشارع تحققا لفظيا او لبيا و التى تنزل منزلة المتحقق الصدور و المقطوع به فحكم العقل ح على طريق آخر من مقدمات و ادلة على اطراف أخر مثل قبح خطاب المعدوم و الخطاب بما لا يعنى و التكليف بما لا يطاق و ارادة خلاف الظاهر من الخطاب فكل ذلك كما عرفت مما يرجع الى قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين ثم ان فى حجية العقل و لزوم الاعتداد بادلته القطعية لا بد من ان يلاحظ حكمه بالتلازم و التطابق فاذا كان ذلك منه على سبيل البت و القطع انقطع الكلام و سؤال ما الدليل على حجّية قطعه هذا اذ ليس وراء عباد ان قرية فليس السؤال فى مثل هذا عن مثل ذلك الا السؤال عن حجية القطع فى قضية ان النقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان و ليس المقصود انتهاء الامر ح الى البداهة بل انتهائه الى القطع مط فليس التشكيكات و الأسئلة بعد ذلك الا ما يكون من قبيل الشبهات السّوفسطائية و أسئلة الطائفة اللانسلمية هذا و اما ما وقع فى كلمات فحول هذا الصناعة و بزل هذا الفن من الاحتجاج على حجية العقل بالآيات و الاخبار فهو لا ينافى ما قلنا و لا يستلزم شيئا من المفاسد من الدور و نحوه ان هذا من قبيل الاعتضاد و تسديد ما حكم العقل بذلك و ليس مقصودهم ان حجية العقل لا تتم الا بهذا بل ان هذا فى الحقيقة تبيين لما حكم العقل به ايضا يعنى ان العقل كما حكم بالتلازم و التطابق كذا بالتعاضد فى ذلك بمعنى انه يجب على اللّه تعالى بيان ما يثبت التلازم ليتعاضد بحكمه حكمى و ذلك نظرا الى ما حكم به من وجوب اللّطف على اللّه تعالى فالتعاضد مط من اللطف و هذا كله مما لا سترة فيه و بقى فى المقام شي‏ء آخر و هو ان العلماء الاعلام شكر اللّه تعالى مساعيهم ديدنهم الاحتجاج على حجية الكتاب بالاخبار و الاجماع و على حجية الاخبار بالكتاب و الاجماع و على حجية الاجماع بالاخبار و الكتاب و هل هذا الا من الدور فى منار و الجواب عن هذه العويصة هو ان حجية ظواهر الكتاب مما دل العقل عليه كما اشرنا الى ذلك فحجيتها مما لا يتوقف على ثبوت حجية الاجماع و لا الاخبار فالاحتجاج عليها بالاخبار و الاجماع انما فى قبال من ينكر حجيتها نظرا الى جملة من الاخبار سواء كان من حزب الاخباريّين الذين ينكرون التلازم من اصله او فى بعض المواضع او من غيرهم و اما الاجماع فهو ايضا بعد البناء على كاشفيته عن رضاء المعصوم (ع) كاشفية قطعية مما دل على حجية العقل و الاحتجاج عليها بعد ذلك بالكتاب و الاخبار انما هو فى قبال من يقول بحجيتهما دون حجية الاجماع و هذا النزاع فى الحقيقة راجع الى النزاع فى الصغرى بمعنى ان الاجماع‏

هل هو يكشف عن رضاء المعصوم (ع) كشفا قطعيّا ام لا و اما الاحتجاج على حجية الاجماع المنقول بالاخبار و غيرها فهو مما لا غائلة فيه اصلا كما لا يخفى و اما الاخبار فالمتواتر منها مما دل على حجّية العقل و اعتضد بالكتاب و الاجماع الذين دل على حجيتهما العقل و الاحتجاج على الآحاد منها بهذه الادلة او بعضها مما لا يستشم منه رايحة الدور اصلا و بالجملة فان الحيثيات متعددة و الجهات كثيرة فهذه قد تلاحظ بالنظر الى احزاب العلماء من الاخباريّين و الاصوليّين و القائلين بالطريقة الوسطى و المقتصرين على الظنون الخاصة و المعمّين فى الظن و قد تلاحظ بالنّظر الى جملة من المقامات كالاعتضاد و بيان ما جاء على طبق حكم العقل فلا دور و لا غائلة اصلا و من التامل فيما ذكرنا يظهر لك انه لا ضير فى الاحتجاج ببعض الاخبار على بعض منها و هكذا ببعض من الآيات على بعض منها فخذ الكلام بمجامعه و تامل جيّدا حتى لا يخفى عليك شي‏ء فى هذه المقامات‏

خزينة: فى أن الاستصحاب من السائل الأصولية لا الفرعيّة

خزينة فى بيان ان مسئلة الاستصحاب من المسائل الاصولية فلا بد قبل الخوض فى المطلب و احقاق الحق من التنبيه على مقدّمة و هى انه قد قرع الاسماع و اشتهر اشتهار الشمس فى كبد السماء مقالة ان تمايز العلوم بحسب تمايز موضوعاتها و هى بعد اشتهارها و كونها متلقاة بالقبول مما على طبقها الدليل الساطع و البرهان القاطع فموضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن احواله و قد مرّت الاشارة الى انه قد يكون واحدا و قد يكون متعدّدا و الثانى قد يبقى على حاله و قد ينزل‏

308

و قد ينزل منزلة الواحد ثم ان لكل علم مباحث و مسائل فهذه عبارة عن تلك الاحوال و بعبارة تامة القضايا المحمول فيها الاعراض الذاتية لازمة او مفارقة مما يلحق الشي‏ء لذاته او بواسطة جزئه الاعم او المساوى او امر خارج مساو و قد يخصّ بما يلحق الشي‏ء من حيث هو هو او بواسطة امر يساويه و كيف كان فان الموضوع فى القضايا قد يكون نفس الموضوع و قد يكون جزئه كما قد يكون جزئيا من جزئياتهما او عرضا ذاتيا من اعراض هذه الامور و الحمل قد يكون على الوجه المتعارف و قد يكون على وجه التاويل ثم ان وقع الاشتباه فى المسائل فالمعيار التام و الميزان المستوفى فى ازالته انما بملاحظة جهة وحدة العلم فان لكل علم جهة وحدة مخالفة لجهة وحدة علم آخر بها يعلم حال المسألة المجهول حالها و يعمل على طبقها من جهة الحاقها بعلم من العلوم فهى عبارة عن حدّ العلم او رسمه و شموله للمسائل اما على الوجه الظاهر المتعارف او على الوجه التاويل و الارجاع بملاحظة واسطة او وسائط و اعتبار اعتبارات و دقايق و ليس الاخير مما انفرد به بل قد صدر مثل هذا عن بعض الاعلام ايضا حيث قال فى كلام له و اما الاجتهاد فالادلة الاجمالية و ان كانت هى الموضوع لكن الغرض من الكلام على احوالها انما هو الاستدلال بالتفصيلية و هو لا يتم الا بالاجتهاد فوجب التعرض له فى هذا الفن لانه مقدمة للاستدلال فكان كالاستطراد و ربّما جعل من العوارض باعتبار الاستنباط و فيهما نظر و الوجه عده فى الموضوع كما فعل بعضهم و ذلك انا لما احتجنا فى استنباط الاحكام الى امور كثيرة مبحث عن احوالها كان كل واحد من تلك الامور داخلا فى الموضوع و لما كان الاجتهاد واحدا منها وجب عده فيه هذا و التقريب غير خفى اذا عرفت هذا فاعلم انك اذا نظرت فيما ذكرنا لك و امعنت النظر باخذ مجامع ما مر فى الخزينة السابقة كنت فى الحكم بكون كل ما ذكر فى هذا المقصد من المسائل و المباحث من المسائل الاصولية الا المبادى التى يتوقف عليها التصديق بالمسائل من تصورات او تصديقات من بيان ذوات الاستصحابات و ماهياتها بالحدود و الرسوم و نحو ذلك على يقين و جرم و بالجملة لا فرق فيما ذكرنا بين مثل ان الاستصحاب يقدم على اصلى البراءة و الاشتغال و انه مما يقدم عليه الادلة المنجزة قطعية كانت او ظنية قاعدة كانت او غيرها و ان مزيله مقدم على مزاله الى غير ذلك و بين مثل انه يجرى فى كلما يجرى فيه قاعدة الجريان و حجّة فى كل ما يجرى فيه الى غير ذلك و التفرقة بعدم عدّ ما اخذ فيه الحجية محمولا من المسائل الاصولية كما يتراءى من البعض مما ليس فى محلّه و اما ما ذكره البعض قائلا فان قلت دليل العقل عبارة عن المسائل التى يحكم فيها العقل بملاحظة الادلة الشرعية كباب المقدّمة و مسئلة الضد و الاستصحاب خصوصا الاصول التى لا يحتاج فيها الى ملاحظة الادلة الشرعية كاصل البراءة و اصل الاباحة و اصل العدم و استصحاب حال العقل و استصحاب عدم الحكم فلو كان هذا كله موضوعا لاتحدت المسائل و الموضوع قلت نفس دليل العقل ما يحكم به العقل من ملازمة او اصل و المسألة كون تلك الملازمة و ذلك الاصل حجة و طريقا من الطرق الشرعيّة و لا ريب ان كون الشي‏ء حجة و دليلا حال من احوال الشي‏ء لا عينه فمما فيه ما يؤدّى انحصار المسائل فيما اخذت الحجية محمولا فيه فيكون على ضدّ ما مر اليه الاشارة اذ ما ذكره من باب التمثيل و الاكتفاء بفرد من افراد الكلى بل ذيل كلامه كالصّريح فى ذلك ثم اعلم ان فى المقام كلاما قد صدر ممن صنع فى هذا الفن و صبغ بهذه الصّناعة يده حيث عانى فيها و كده و كدّه و قد كان ممن يقال فى شانه هو الناشى عليها و غيره فيها الدخيل كما كان قد يقال فيه فى ضبط معاقد الفن و مقاصده هو الذى لم تسمح بمثله الأدوار ما دار الفلك الدوار تغمده اللّه تعالى بغفرانه فلا بد من التعرّض لذكر ما صدر عنه بشراشره و مجامعه فى ادوار دروسه ثم التعرض لما فيه و ما يرد عليه فقال موضوع علم الفقه فعل المكلف بالمعنى الاعم اذ هو القدر المشترك بين موضوعات المسائل ثم ان مسائل الاصول عبارة عن الاحكام و الحالات التى تعرض ادلة الفقه من حيث ابتناء الفقه عليها و بعبارة اخرى الاحكام المتعلقة بما يرتبط بالعمليات و لو بعيدا مع كون تلك‏

الاحكام مبانى لما سواها من الاحكام و موضوع اصول الفقه هو دليل الفقه من غير دعوى انحصاره فى عدد معيّن فظهر ان الاستصحاب من المسائل الاصولية نظرا الى كونه من المبانى و كل مسائل الاجتهاد و التقليد باجمعها لانها مبانى للمقلدين كما ان الادلة الخاصّة مبانى للمجتهدين و ليس المراد من المبانى ما هو المبانى لمجموع الامة و الا لانتقض عكس تعريف الاصول بالادلة الخاصة لعدم كونها مبانى لغير المجتهدين و لا يستلزم ما ذكر كون بعض مسائل الفقه و جملة من قواعده كقاعدة اصل البراءة مما يدخل تحت الاصول اذ ملاك الامر فى تمييز القواعد على امر و هو ان القاعدة ان كان مفادها من الجزئيات المندرجة تحتها فهى قاعدة فرعيّة و ان كان مفادها من متفرعاتها فهى اصولية فاصل البراءة من حيث اندراج الحكم الفرعى تحته فرعى و من حيث اعتباره اصولى لاندراجه فى مسلك التحسين و التقبيح العقليّين ثم لو قلنا بحجية الاستصحاب من باب الاسباب فهل هو يكون داخلا فى الادلة الاربعة او يكون خارجا فيكون هو دليلا خامسا و الاخير هو الظاهر و ادخاله فى السّنة باعتبار اخذه منها غير سديد و الا لزم ان يكون الدليل منحصرا فى العقل و القول بان المناط على مدرك الحكم و العقل مدرك المدرك غير جيّد اذ يرجع النزاع ح الى النزاع فى دلالة الاخبار و عدمها و هذا باطل اذ ينفيه عباداتهم على ان لازمه كون مسئلة الاستصحاب من الموضوعات الصّرفة هذا كلامه او لا ثم عدل عنه و قال ثانيا ان مسئلة الاستصحاب ليست‏

309

الا من المسائل الفرعية لان المسائل الاصولية ليست إلا عبارة عن احوال المبانى بحيث يكون كل من المبانى مدركا للحكم و مفيدا له و يكون نفس الاحوال من الحجية و العدم موجبا لاستقرار المفاد فى الذمة مثلا اقيموا الصلاة مدرك لوجوب الصّلاة و مفيد له و الحجية موجبة لاستقرار ذلك المفاد فى الذمة فهذه اى الحجية مسئلة من المسائل الاصولية بخلاف الاستصحاب فان دلالة لا تنقض الخ على الحكم من الوجوب و التحريم و الطهارة و النجاسة و نظائرها ليست الا كدلالة اقيموا على الوجوب فكما ان المفاد من الاخير ليس من المسائل الاصولية فكل مفاد الاول ايضا من هذا القبيل و بعبارة اخرى كلما يتضح استناد الحكم الفرعى اليه بدون الواسطة فليس مفاده الا من الاحكام الفرعية كلا تنقض اليقين الا باليقين و كلما ليس كذلك فليس و بهذا اندفع ما قيل من ان اللازم ح ان يكون حجية الاخبار الآحاد من المسائل الفرعية نظرا الى دلالة مفهوم قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الخ على حجيتها و وجه الاندفاع ظاهر تعدم صحة استناد الحكم الفرعى المستفاد من الخبر الى الآية كما لا يخفى و الحاصل ان تعبير الحكم بلباس كلى غير موجب لصيرورته اصوليا فكما ان مفاد قوله (ع) من كان على يقين من وضوئه فليمض عليه حتى يتيقن بالحدث ليس الا حكما فرعيا كل مفاد قوله (ع) من كان على يقين فشك فليمض على يقينه ايضا حكم فرعى إلّا انه فى الاول جزئى و فى الاخير كلى و بالجملة ان الفرعية ليست الا الاحكام العارضة للافعال الظاهريّة الصّادرة من المكلفين مفيدة لعدم كونها مبانى لأحكام أخر و ان كان العروض عروضا بعيدا و الحكم مستفادا من جزئى المدرك من باب الاستلزام كوجوب الاجتناب المستفاد من النجاسة من باب الاستلزام و لا ريب ان الاستصحاب ايضا يكون من هذا القبيل لان المستفاد من قوله (ع) لا تنقض اليقين إلّا بيقين الخ ليس الا امرين احدهما حرمة النقض و وجوب الابقاء و الآخر بقاء الاحكام الثابتة فى السابق فى الآن اللاحق و ان هذا الا حكما فرعيّا و لئن تنزلنا و سلمنا ان المفاد منه ليس الا الامر الاول لقلنا باستفادة الامر الثانى منه ايضا بالاستلزام و قد عرفت ان الاستلزامات ايضا تكون من المسائل الفرعيّة فان قلت لو كان الاستصحاب من المسائل الفرعية فما معنى الحجية فى قولهم الاستصحاب حجة قلت ان حجية الاستصحاب لا تخلو اما ان يكون من باب الوصف او من باب السّببية و على التقديرين بعد ما لاحظنا فى مسئلة الاستصحاب فيحصل لنا العلم بعدم كون النزاع فى المسألة فى حجية الاخبار و لا فى حجية خصوص لا تنقض و نظائره لان للاول عنوانا على حدة و الثانى جزئى مندرج تحت ذلك العنوان ضرورة ان خصوص لا تنقض جزئى من اخبار الآحاد بحيث لو قلنا (1) بحجيته مضافا الى انّ البحث عن احوال جزئيات المدرك ليس من شان الاصولى و كذا يحصل لنا العلم بعدم كون النزاع فيها فى حجية العقل و العدم و لا فى حجية خصوص الحكم المستفاد من العقل لان للاول عنوانا مستقلا و الثانى جزئى مندرج تحت ذلك العنوان بل النزاع انما يكون فى ان هذه الكلية اى وجوب الحكم بالبقاء اى بقاء كل امر ثبت فى زمان ما لم يعلم بالمزيل هل لها صدق ام لا و هذا هو المراد من الحجة فى قولهم الاستصحاب حجة ام ليس بحجة فكان النزاع بناء على حجية من باب الاسباب مما يرجع الى دلالة لا تنقض لا فى اعتباره اذ هو ثابت فى مسئلة حجية الاخبار و اما على البناء من باب الوصف فيكون النزاع فى تشخيص صغرى الادراك اى العقل مدرك ام لا و اما الاعتبار على فرض الادراك فقد مضى فى مسئلة التحسين و التقبيح العقابين هذا كلامه ثم عدل عنه ايضا و قال ثالثا و لكن التحقيق ان ما ذكر من كون مسئلة الاستصحاب من المسائل الفرعية انما يتم لو كان مصاديق الكلى منحصرة فى الفرعيات و ليس كل اذ ربّ مقام يكون المستصحب اصليّا كما فى مسئلة الرّجوع فى التقليد و مسئلة جواز التقليد للمتجزّى المسبوق بالاطلاق او التقليد الى غير ذلك فمقتضى التحقيق ان يقال ان المسألة المتنازع فيها من حيث الاصولية و الفروعيّة تابعة للمستصحب ففيما يكون المستصحب اصليا فيكون المسألة ايضا اصلية و فيما يكون فرعيا فتكون فرعية و هذا كله مما نقل عنه فى التقريرات و اما ما سمعناه عنه مشافهة فهو ان ترتب القاعدة على الافراد و الموارد لو كان من باب شمول الكلى افراده و كانت تلك الافراد تحتها من باب اندراج الافراد

تحت الكليات كانت القاعدة من القواعد التابعة للافراد بحسب الاصلية و الفرعية اذ القاعدة عبارة عن مجموع الافراد فاذا كانت من مسائل فن فلا معنى لكون القاعدة من مسائل فن آخر و لو كانت لشمولها للافراد من باب التفريع و اللزوم لكانت اصلية و بالجملة ان الدليل الذى يكون دليلا و مبنى لحكم كلى ان كان دليلا لا نفس تلك الموارد لذلك الكلى كانت المسألة فرعية و ذلك مثل اصالة اللزوم فى العقود فانها دليل للموارد و الافراد و دليله الذى هو قوله تعالى اوفوا بالعقود دليل بعينه لتلك الافراد و الموارد و هكذا الاستصحاب فانه دليل الحكم بالطهارة فى صورة الشك فى حصول الحدث فى الزمان الثانى بعد القطع بالطهارة فى الزمان الاول و هكذا دليله من قوله (ع) لا تنقض اليقين إلّا بيقين الخ فان لم يكن الامر كل فيكون المسألة اصلية و ذلك مثلا ان خبر العدل اذا ورد فى وجوب السورة فى الصّلاة فيكون ذلك الخبر دليلا لوجوب السورة و دليل حجّيته الا بيان من آيتى البناء و النفر و هما ليستا دليلين لوجوب السّورة ثم ان جملة من المسائل و القواعد اصولية محضة و جملة منها فرعية محضة بتحقق المعنى الذى اعتبر فيهما و جملة منها ذات وجهين بمعنى‏

____________

(1) بحجيتها لقلنا

310

بمعنى ان يكون لها افراد و موارد اصلية و افراده و موارده فرعيّة فح تلك المسائل و هذه القواعد اصلية من جهة و فرعيّة من اخرى فهل تلحق بالاصليّات المحضة ام الفرعيات المحضة و الثمرة فى اثباتها بالدليل الظنى و عدمه و الحق الحاقها بالاصليات المحضة و كيف كان فان القواعد التى لها جهتان مثل الاستصحاب و اصل البراءة و ان الظن فى الموضوعات الصّرفة حجة الى غير ذلك لأن جملة من موارد كل واحد منها اصلية و جملة من موارد كل واحد منها فرعيّة هذا مجموع ما افاده فى المقام و تمام كلامه فى هذا المرام اذا كنت على خبر من ذلك و اطلعت على ما قرّره فى المقام بشر اشره و مجامعه فاعلم ان ما قدمنا مما يكفى فى ردّه لكنه عند من كان ندسا نطسا فيستغنى به من كان فى هذا الفن ثقفا لقفا و من كان فى هذه الصناعة حولا قلبا و مع ذلك لا اقتصر بذاك بل اقول ان بعد الغض عن تمجمجه و اضطرابه فى المبحث و تحيره و تشكيكه فى المسألة بالعدول مرة بعد مرة و نقضه ما ابرمه كرة بعد كرة مما ينبئ عن عدم استقامة مبنى هذه الارومة و اصل تلك الجرثومة (1) عليه على انّه لو تم لجرى فى الكل فلا يكون لما ذكره فى آخر كلامه من اتباع الاستصحاب المستصحب وجه اصلا كما لا يخفى على الفطن الندس ثم بعد فرض تسليم ما قرره من ان قولنا الاستصحاب حجة ام لا يرجع النزاع فيه الى دلالة لا تنقض بمعنى انه هل لها صدق ام لا الخ يرد عليه ان مثل هذا ليس من المسائل الفرعيّة جدا كما يرد عليه ان مسائل الاستصحاب غير منحصرة فى الحجية و العدم فمسائله غير مستقصاة من ان مزيله يقدم على مزاله و انه يقدم على اصل البراءة و اصل الاشتغال و انه من الادلة التى لا تقاوم لمعارضة الادلة المنجزة و ما فى مقامها من القواعد الى غير ذلك و اعجب من ذلك كله ما ذكره فى اصل البراءة فانه مما لا يمكن ان يستصح بوجه اصلا و بعد التعامى و الاغضاء عن كل ذلك يرد عليه امور مما لا دافع له اصلا من ان تشخيص المسائل اما بملاحظة الموضوع او بملاحظة الجهة الوحدة للعلم فقوله لا يتمشى على كل من التقديرين و ان المسألة الفرعيّة ما فيه حظ للتقليد بمعنى ان كلما ليس فيه حظ للتقليد ليس من المسائل الفرعية بل لا يبعد اناطة الامر فى مقام الاشتباه على هذا خاصّة فهذا لا يجرى على ما ذكره فى اكثر المقامات لو لم نقل فى كلها و ان ما ذكره لا يجرى فى الموضوعات المستنبطة اصلا و هى غير ما استثناه فى مقام اتباع الاستصحاب المستصحب جدّا و ان ما ذكره فى بعض اواخر كلماته لو تم لجرى فى كل الادلة ايضا و ان لازم بعض كلماته اثبات مثل الترادف بين الاستصحاب و بين لا تنقض الخ و هذا كما ترى مما لا معنى معقول له قطعا و ان ما نحن فيه كيف يكون من المسائل الفرعيّة مع عدم تعرض احد لذكره فى الكتب الفقهية من الكتب التى يتعرض فيها لكل ما يتفرّع على المرام و يتصور فى المقام حتى الفروع النادرة الغريبة مما لا يمسّ به الحاجة اصلا فيا ليت شعرى بما اوقعه فى هذا الخبال و لعل منشأ ذلك نظره الى صحة الاستدلال بلا تنقض فى موارد الاستصحاب كالاستدلال فيه بنفس الاستصحاب مسدّدا ذلك بالنظر الى الموارد و المجارى فى الموضوعات الصّرفة و هذا كما ترى مما لا يعيّن مطلبه على انه لا وجه للمصير الى مثل ذلك لمثل هذا ثم ان شئت ان تزيد الكلام على ما ذكر فقل ما الفرق بين اصل البراءة و الاستصحاب حيث لم يعتبر فى الاستصحاب ما اعتبره فى اصل البراءة من ادخاله فى الفقه بملاحظة جهة و فى الاصول بملاحظة جهة اخرى بل قد عدّه من الفقه او لا ثم اتبعه المستصحب ثانيا من غير ادراجه بجميع أقسامه فى الفقه من وجه و بملاحظة وجه آخر فى الاصول كل اى بجميع اقسامه فان قلت الفرق بينهما واضح حيث يتمشى فى اصل البراءة الحيثية المذكورة من ملاحظة قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين بخلاف الاستصحاب قلت انه اذا بنى الامر على ملاحظة حيثيات و جهات فى البين تمشى الامر جدّا فى الاستصحاب ايضا اذ للاندراج فى المقام حيثيّات و جهات اوضح من الحيثية المذكورة على انها تتمشى على بعض الوجوه التى اشرنا اليها فى الاستصحاب ثم ان شئت ان تبين المرام على وجه اتم فقل ان ما

ذكره فى اصل البراءة على الوجه المزبور يجرى فى اصل الاشتغال و اصل الاباحة و اصالة التخيير ايضا بل المتراءى من كلامه انه لا فرق بينه و بينها (2) فهذه هذه فى البشاعة و الشناعة و ان قطع النظر عن جريان ما ذكره فى الاستصحاب ايضا فى هذه الامور اذ ح قد شق العصا على الاصول و الاصوليّين حيث ضاع صنائعهم الروائع و عوارفهم الذوارف فيليق ح ان يقال ذهبوا ايادى سبا فجزء حوته الدبور و جزء حوته الصّبا هذا و يمكن ان يؤجّه كلام هذا القائل بوجه يخرج به عن حيز الكلمات الفاسدة و المقالات الباطلة فيدخل تحت المستصحات و ذلك بان يقال ان مسئلة الاستصحاب حجة ليست مما يصدق عليها حدّ المسائل الاصولية مما هو الجهة الوحدة للعلم فهذه هنا هو قولنا هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية و هذا يتضح اذا لوحظ ان المناط فى القضية التى تكون مسئلة من المسائل الاصولية على كون الموضوع فيها هو موضوع العلم او جزءا من اجزائه او جزئيا من جزئياته او حالا من احوال هذه الامور اى عرضا ذاتيا من اعراضها كما عرفت فيكون المحمول فيها حالا من احوال موضوع العلم او من احوال جزئه او جزئى من جزئياته او من احوال الاعراض الذاتية لهذه الامور و ليس الامر فيما نحن فيه كل فكما ليست الحجية حالا من احوال هذه الامور فكل الموضوع فى القضية ليس بموضوع العلم و لا جزئى من جزئياته و لا من اجزائه و لا حال من احوال هذه الامور فتكون هذه المسألة من الكليات الفقهية الماخوذة من الاخبار فح يكون النزاع‏

____________

(1) يرد عليه ان ما ذكر فى اناطة كون المسألة فرعية عليه مما لا دليل‏

(2) اصلا

311

فى هذه المسألة فى دلالة الاخبار و عدمها على ان الابقاء او الاثبات او التمسك و نحو ذلك مما وقع فى حد الاستصحاب من جملة افعال المكلفين فيشمله و يصدق عليه حد المسائل الفرعيّة باعتبار القضية التى هو فيها و مثل ذلك اصل البراءة و اصل الاباحة ايضا بل هذا فيهما اوضح لان معنى ان البراءة فى مقام الشك ثابتة او غير ثابتة بل الثابت هو الاشتغال هو ان الحكم نفى الوجوب او نفى الحرمة او الوجوب او الحرمة و هذا كما ترى مما يدخل تحت الفرعى دخولا بلا خفاء و لا سترة هذا و انت خبير بان القول بفرعية مسائل هذه الاصول كالقول باتباعها مواردها مما لا يمكن ان يستصحّ و يستقام بامثال هذه التوجيهات و نظائر تلك الانتصارات اذ كل ذلك ليس فى قبال ما قدمنا الا كالشبهة فى قبال البديهيات على ان بعد تسليم ان مسئلة الاستصحاب مما لا يصدق عليه حدّ المسائل الاصولية لا نم انها مما يصدق عليها حدّ المسائل الفرعيّة و الفقهية لانه فرق بيّن بين الاستصحاب حجة او مما يجب عليه العمل و بين الاستصحاب واجب او تركه حرام فهذا كله بعد الغض و الاغضاء عن ان ساير مسائل الاستصحاب لا يتصوّر ما ذكر فيه و التفكيك بحكم و ان وقوع فعل من افعال المكلفين موضوع القضية لا يستلزم فرعيتها و الا لزم فرعية الاجماع حجة ايضا نظرا الى انه عبارة عن الاتفاق الذى هو فعل من افعال المكلفين و ان عدم جواز صحّة الاستصحاب واجب او ليس بحرام او تركه حرام يكشف عن انه ليس من قبيل افعال المكلفين على النهج المذكور و الا فالامر اوضح من ان يبيّن ثم الجواب عن ذلك على سبيل الحل التفصيلى هو ان يقال ان بعد الغض عما قررنا و بيّنا سابقا ان المناط فى موضوعية الموضوع على كونه مبنى و دليلا كما اختاره هذا القائل فح يتم مطلبنا و ان قلنا ان الاستصحاب غير داخل فى جملة الادلة العقلية بل هو مما يستنبط من الاخبار فلا حاجة الى التكلفات التى ذكرها هذا القائل للادراج فى الفرعية او لاتّباعه المستصحب فلم يبق للاتّباع وجه بل هو مما لا يعقل الا ان يؤخذ نفس الاستصحاب فى البين من غير اثباته و ايقاعه فى قضية من القضايا و هو على ما عرفت مما لا وجه له ايضا ثم اعلم ان ما سمعناه مشافهة عن هذا القائل من ميزان الامتياز بين الفرعيّة و الاصلية و ان كان مما يتجلى فى جلى النظر ليس بمنزلة ما نقلوه عنه فى التقريرات من وضوح الفساد إلّا انه بعد امعان النظر و تجوال التفكار يرجع اليه فى المؤدى و المطلب فلا حاجة الى اسهاب الكلام و اطالته بتخريج ما ليس فى السّابق و استنباط ما يزيد به عليه و لو من بعض الوجوه فى رده فكل ما ذكرنا انما كان على التنزل و المماشاة و بيان حقيقة الامر و كشف كيفية المقال ليتضح الحال و يعرف مقادير الرجال و شئونهم بالاقوال و الا فمثل ذلك الكلام مما يدفع فى اول الوهلة بحواليته على مخالفة الاجماع المحصّل بل الاتفاق و البديهة ثم العجب كل العجب من هذا القائل حيث يقول فى تضاعيف مسائل اصل البراءة و مسائل الاستصحاب المسألة اصولية و لا يجوز اثباتها بخبر الواحد و نحوه و ليس هذا مع ملاحظة ما سبق منه‏ (1) من المتدافعات و المتناقضات إلّا ان يقال ان ذلك كاشف عن اختصاص مقالته فى هذا الباب بالاستصحاب من حيث هو هو و من حيث حده او بمسألة الاستصحاب حجة خاصّة و قد عرفت عدم معقولية الاول فى المقام و عدم وجه وجيه للتفكيك بين الثانى و ساير المسائل نعم يمكن ان يقال ان بنائه فى آخر كلامه الامر على اتباع الاستصحاب المستصحب ان اصليا فاصلى و ان فرعيا ففرعى مما يجامع مع هذه المقالة لان المسألة اذا كانت ذات وجهين فتتبع فى مقام اثباتها جهتها الاصلية على ما هو المتداول فى الالسنة من ان النتيجة تتبع اخسّ المقدّمتين هذا فان قلت قد علم من مطاوى ما قدّمت ان المسألة الفرعية ما للمقلد حظ فيها بل هذا مما يمكن جعله معيارا فى البين فح يمكن تصحيح ما عليه هذا القائل بل يلزم اناطة الامر على ما قاله من اتباع الاستصحاب المستصحب ان فرعيا ففرعى و اصليا فاصلى فنقول فى توجيه كلامه انه ان كان مورده الحكم الكلى الذى منشأ الشبهة فيه مثل فقد النصّ او اجماله او معارضته بدليل فالمسألة داخلة فى الاصولية اذ ليس حظ للمقلد فيها لاختصاص الشك الماخوذ فيه بالمجتهد و ان كان الموضوعات الصّرفة فهى‏

داخلة فى الفرعيّة اذ الشبهة ناشئة عن الامور الخارجية فالمجتهد و المقلد فى ذلك سواء و ح تصير كسائر القواعد الفقهية و مثل ذلك فى ذلك مسئلة البراءة و الاشتغال و التخيير فح يندفع الايرادات باسرها بل يكون هذا الكلام مما يجب اتباعه قلت ان ما ذكر فى كلام هذا القائل يابى عن هذا الاختصاص اذ الفرعية اعم مما ذكر فى هذا السؤال على ان بعد الغض عن ذلك و تسليم انّ مثل الاستصحاب حجة فى الموضوعات الصّرفة مما يتعقل فيه حديث التقليد نقول ان وقوع هذا الموضوع اى الاستصحاب موضوعا للقضايا الاصولية مما لا ريب فيه باذعان منك فالشقوق المتصورة اربعة فشقان منها باطلان باتفاق منى و منك فبقى شقان اما ادخال الكل فى الاصولية و اما الاتباع و الثانى مستلزم لمحذور لزوم اتحاد العلمين اذ لم يعهد ان يكون شي‏ء واحد موضوعا او جزء من موضوع للعلمين و بالجملة فمحاذير ما فى هذا الانتصار و معايب ما فى السؤال كادت ان يساوى معايب كلام من ينتصر له و من جملتها عد القواعد الفقهية على الاطلاق مما فيه الشبهة ناشئة عن الامور الخارجيّة و المجتهد و المقلد فيها سواء و منها ايضا اختصاص أصولية الاستصحاب بالمورد الذى منشأ الشبهة فيه ما ذكر فت فان قلت قد بقى الجواب عن قضية التقليد و لم يبيّن الكلام فيها قلت الجواب‏

____________

(1) الّا

312

الجواب عنها بان كل ما فيه حظ للتقليد لا يجب ان يكون فرعيّا بل المسلّم ان الفرعى لا يخلو عن ذلك فكم من فرق بين الامرين و نظير هذا غير عزيز فان قلت ما وجه كون مسئلة الاستصحاب مسئلة اصلية على الاطلاق مع انه فى الموضوعات الصّرفة من الامارات و ليس مما يصدق عليه حد الدليل العقلى و لهذا قيل تعميم البحث فيه استطرادى قلت لو تمشى هذا التمشى فى المستنبطة ايضا فيلزم ان لا يكون ما فيها من الاصولية و هذا خلاف البديهة على ان الموضوع فى الكل هو الموضوع للعلم الاستطرادى ايضا لا بد ان يكون كل المسائل من الاصولية و وجهه ان الموضوع فى الكل هو الموضوع للعلم غاية ما فى الباب قد لوحظ فى البعض نوع من ارتكاب العناية و نظير ذلك غير عزيز و قس الامر على ما قلنا فى اصل البراءة و الاشتغال و التخيير و نحو ذلك هذا فخذ الكلام بمجامعه فى المقام فانه من مزالق الاقدام و لو باشتهار هذه المقالة بين الطلبة فى هذه الاعوام‏

خزينة: فى تقسيم الاستصحاب باعتبار اليقين و الشك و المستصحب و غيره‏

خزينة فى الاشارة الى جملة من الامور مما يكون كالمقدّمة فى هذا المقصد فيشتد اليه الحاجة فى مقامات عديدة و مباحث كثيرة فاعلم انه قد علم مما تقدم من التعريف ما هو معتبر فى الاستصحاب من اركانه من الحكم او الوصف و هما المورد المستصحب و من الزمانين و من اليقين بالثبوت فى الاول و من عدم العلم به فى الثانى فيتكثر اقسام الاستصحاب و يتوفر انواعه بملاحظة ذلك كله و الامور المتصورة فيه كما يتنوّع الى اصناف عديدة بملاحظة مجاريه من حيث الدليل الدال على الحكم او الوصف المستصحبين فينقسم بملاحظة الاول الى وجودى و عدمى و بملاحظة الاول من هذين الى استصحاب حكم شرعى و وضعى من غير فرق فى ذلك بين ان يثبتا بالاجماع او الضرورة او الكتاب او السنة و الى استصحاب موضوع لاحدهما و متعلق له و المراد بالموضوع ما كان احد الاحكام محمولا عليه كالصّلاة و الغسل و النجاسة و الحيض و حيوة الغائب و الرطوبة فيقال الصّلاة واجبة و الغسل سبب للطهارة و النجاسة مانعة عن دخول الصّلاة و الحيض عن دخول المسجدين و حيوة الغائب مانعة عن تقسيم ماله و الرطوبة سبب لقبول النجاسة و المراد بالمتعلق ما كان له مدخلية فى ثبوت الحكم او نفيه و لم يكن حكما و لا موضوعا له كاستصحاب الوضع و المعنى اللغوى و شياع المعنى و غيره و الموضوع و المتعلق على قسمين لانه اما من الامور الشرعية او الخارجيّة و المراد بالشرعى ما كان من الماهيّات الجعلية للشارع او من امور مترتبة على اسباب جعلها الشارع اسبابا لها كالطهارة و النجاسة و الزوجيّة و المالكية و الرقية و نحو ذلك و بالخارجىّ ما لم يكن كل كالرّطوبة و الجفاف و اليوم و الليل و اطلاق الماء و اضافته و نحو ذلك هكذا صنع فى المقام بعض الاعلام و هو من وجه تقسيم وجيه فيما ذكره حيث يغنى عن تقسيمه الى استصحاب حال اللغة و العرف و حال الامور العادية لكنه غير جامع لجميع الاقسام و مع ذلك فيتداخل اكثر موارد استصحاب‏ (1) المتعلق على ان فيه شيئا آخر اذ موضوعات الاحكام الشرعية لا تكون الا افعالا غير قارة فلا يجرى فيها الاستصحاب اللهمّ إلّا ان يقال ان ما فى هذا التقسيم مبنى على الاغلب و ذكر الموضوعات المذكورة من باب الاستطراد او انها مما يمكن الاستصحاب فيها ايضا و لو كان ذلك بوجه من العناية ثم ان الاستصحاب العدمى المعبر عنه باستصحاب حال العقل ينقسم الى استصحاب نفى التكليف و استصحاب عدم الحادث و منه استصحاب تاخر الحادث بل اليه يرجع كل الاصول العدمية فى باب الالفاظ من اصل عدم حدوث النسخ و عدم ورود المخصّص و المقيد و عدم ثبوت القرينة الصارفة و عدم تعدد المجاز و عدم الاشتراك الى غير ذلك و الحق ان استصحاب حال العقل ليس بمنحصر فى العدمى بل يعبّر فى الوجودى ايضا بذلك لجريانه فيه ايضا و ذلك كاستصحاب اباحة الاشياء الخالية عن امارات المفسدة قبل الشرع و تحريم التصرف فى مال الغير و وجوب رد الوديعة هذا فى التكليفيّات اذا عرض ما يحتمل زواله كالاضطرار و الخوف و استصحاب شرطية العلم لثبوت التكليف اذا عرض ما يوجب الشك فى بقائها مط او فى خصوص مورد و هذا فى الوضعيات و اما القول بانه اذا كان المستند هو الحكم العقلى لا يمكن ان يكون فى مثل ذلك المجرى من مجارى الاستصحاب اذ من جملة شرائط جريانه ثبوت الحكم على نهج الاهمال لا التقييد و الاطلاق و هذا لا يتصوّر فى حكم العقل اذ لا يحكم العقل بشي‏ء الا بعد احاطته و احرازه بجميع حدوده و اطرافه فاذا فرض الشك فى ان من الآنات انكشف فقد العلة التى استند اليها العقل فينتفى المعلول فلا يبقى للاستصحاب موضوع على ان المراد بالحكم العقلى ما ليس للشرع فيه نصيب و لو كان ذلك بقرينة المقابلة فينحصر استصحاب حال العقل بحسب المورد فى مثل البراءة الاصلية فممّا وقع فى غير محله اذ بعد تسليم ان حكم العقل لا بد من ان يكون حكما بعد احرازه جميع حدود الشي‏ء و اطرافه نقول ان حكمه بالنسبة الى غير زمان الخوف مثلا كان كل و هو حكمه الموصل الى مرحلة الواقع و اما بالنسبة الى هذا الزمان فهو ساكت عن الحكم بهذا النهج و متحير فيه نفيا و اثباتا و هذا لا ينافى كونه حاكما ببقائه بملاحظة مرحلة الظاهر فلا ضير و لا غائلة اصلا على ان قضية اشتراط الجريان باهمال الدليل على الاطلاق كما فى ذيل هذا القول من العلاوة المذكورة مما لا يصغى اليه‏

جدا فت ثم ينقسم بهذا اللحاظ اى لحاظ الحكم المستصحب الى الفعلى و التقديرى الشانى و امثلة الاول مما لا يعد و لا يحصى و من امثلة الثانى ما تقدم اليه الاشارة مما فى قضية نقيع الربيب اذا غلى و هذا التقسيم يجرى بملاحظة الزمانين و اليقين ايضا كما يجرى بملاحظة عدم العلم ايضا و من امثلة الاول بالنسبة الى التقديرى‏

____________

(1) الموضوع مع اكثر موارد استصحاب‏

313

كما فى قضيّة الإناءين المشتبهين الواردين على متنجس و الامثلة من الثانى فى غاية الكثرة اذ هو فى كل موضع يتمسّك الفقهاء فيه بالاستصحاب بعد تمسّكهم او قبله بالدليل المنجز من القطعى او الظنى كما مر اليه الاشارة ثم اعلم ان بعض الاصحاب قد استوفى الكلام فيما يتعلق بالمقام و ما يمسّ به الحاجة غاية المماسة فى المباحث الآتية حيث قال الامور الشرعيّة مط سواء كان حكما شرعيا او وضعيا او من القسم الاول من الموضوع و المتعلق على ثلاثة اقسام لانه اما ان يعلم استمراره ابدا و يثبت من الشرع كل و لا يعلم له مزيل او يعلم له مزيل اى يكون مغيّا الى غاية اى يعلم ثبوته الى غاية زمانية او حالية او يعلم ثبوته فى الجملة او فى وقت معين بمعنى ان يعلم ان استمراره ليس فى اقل من ذلك و لم يعلم بعده و ليس المراد بالمغيا ما يثبت كون شي‏ء غاية له بالالفاظ الدالة على الغاية بل ما يثبت انتهائه و انتفائه عند شي‏ء و ثبت كون ذلك الشي‏ء مزيلا له فالمراد بالغاية للشي‏ء ما يثبت له وصف مزيلية بحيث اذا تحقق ارتفع و قد يكون لشي‏ء واحد غايات متعددة و اما الامور الغير الشرعيّة التى تصير موضوعا او متعلقا لحكم شرعىّ فكلها من القسم الثانى اذ كلها مما علم له مزيل لو لم يتحقق لم يرتفع فاما سبب الشك فى ثبوت الحكم فى الزمان الثانى فاما فى الامور الشرعية فعلى قسمين احدهما ان يشك فيه باعتبار الشك فى تحقق ما جعله الشارع مزيلا للحكم و ثانيهما ان يشك فيه باعتبار الشك فى نفس ثبوت الحكم من غير شك فى تحقق المزيل لا يقال كلما يشك بسببه فى انتفاء الحكم يكون شكا فى جعله مزيلا اذ لولاه لكان الحكم ثابتا لان سبب انتفاء الحكم فى زمان او حال قد يكون مخصوصا او مقيّدا بغيره ابتداء من غير التفات الشارع الى هذا الزمان او الحال او خطوره بباله فضلا عن جعله اياه مزيلا نعم يحكم العقل بكونه مزيلا للحكم و الكلام فى جعل الشارع اياه كل و ايضا قد يكون الشك باعتبار اطلاق دليل الثبوت فى الاول فلا يعلم انه هل يكتفى فى المطلق بالاقل ام لا و كل من قسمى الشك انما يتصوّر على وجوه اما الاول فلان الشك فى تحقق ما جعله الشارع مزيلا اما يكون مع عدم العلم بالجعل و هو على وجهين احدهما ان يشك فى الحكم باعتبار الشك فى انه هل جعل الشارع شيئا مزيلا له فى ذلك الزمان ام لا و ثانيهما ان يشك باعتبار الشك فى انه هل جعل هذا الشي‏ء الفلانى مزيلا له ام لا و هذان الوجهان اما يكونان فى القسم الاول من اقسام الامور الشرعية اى المستمر ابدا و قد يحصلان فى القسم الثالث اذا وقع الشك قبل مضى الزمان المعيّن او ما يصلح ظرفا للثبوت فى الجملة او يكون مع العلم بالجعل و هو على ستة وجوه لان ذلك المزيل اما يكون ماهيّة معلومة و يشك فى حصولها مع عدم العلم بحصول شي‏ء او يكون معلومة و يشك فى صدقها على الشي‏ء الحاصل و هو على وجهين لان الشك فى الصدق اما لاجل الالتباس الخارجي او لعدم العلم بكون هذا الفرد من افرادها مع العلم ببعض افرادها او لا يكون معلومة و يشك فى حصولها او فى صدقها على شي‏ء حاصل و قد يكون الشك مع العلم بجعل الشي‏ء مزيلا فى انّه هل جعل شيئا آخر او هذا الشي‏ء مزيلا ام لا و هذا القسم من الشك بوجوهه السّتة انما يحصل فى القسم الثانى من الاقسام الثلاثة اذا كان الشك قبل العلم بحصول الغاية و اما الثانى فلان الشك فى نفس ثبوت الحكم فى الثانى على نوعين الاول ان يكون باعتبار الشك فى ان ما يثبت فى الاول هل يشمل الثانى ايضا ام لا و هو انما يكون لاجل كون دليل الثبوت لفظا صالحا للامرين من اطلاق و نحوه مما لا يتعيّن معه احد القيدين او لاجل كون الثابت من الحكم هو القدر المشترك بين الاطلاق و التقييد بالاقل او الاكثر فلا يعلم انه مطلق او مقيّد بالاقل او الاكثر و على الاطلاق هل يكتفى فيه بالاقل او لا و هذا النوع من الشك انما يتحقق فى القسم الثالث بعد مضى الزمان المعيّن او ما يصلح ظرفا للاستمرار فى الجملة ان لم يثبت اختصاص دليل الثبوت فى الاول به و النوع الثانى ان يكون باعتبار الشك فى تحقق المثبت فى الثانى مع العلم بعدم ثبوته بالدليل الاول و هذا انما يكون فى القسم الثالث مع‏

ثبوت الاختصاص و فى المغيا ايضا اذا شك بعد الغاية و اما سبب الشك فى الامور الخارجية فهو ليس محصورا و ان كان الجميع مشتركا فى انه باعتبار الشك فى تحقق المزيل القطعى اذ كل امر خارجى فهو مما علم له مزيل لو لم يتحقق لم ينتف كما مر و اما دليل الثبوت فى الاول فهو اما ان يكون شرعا او عقلا او حسا و على الاول اما ان يكون اجماعا او غيره ثم ان ما ذكر انما كان اقساما للمستصحب و سبب الشك و دليل الثبوت و لا ينقسم الاستصحاب بتوسّطها الى جميع تلك الاقسام ايضا لعدم جريان الاستصحاب و المراد بجريانه امكان‏ (1) اقسام المستصحب و سبب الشك و دليل الثبوت و ان لم ينقسم الاستصحاب بتوسّطها الى جميع تلك الاقسام فجملة من تلك الاقسام قد تعرّض لذكرها السيّد الفحل السّيد الصدر و جملة منها المحقق السبزوارى فاذا كان ذلك المقام كالمقدمة للمباحث الآتية فلا بدّ فيه من اشباع الكلام و تفصيل المرام بذكر ما يتصور من الاقسام مما يرجع الى المستصحب و ينبعث عنه او الى الشك او الى سببه او اليقين و لو بحسب متعلّقه من المتيقن او الى المقتضى او الى المانع او الى دليل الثبوت و ان كان بعض ما يذكر مما لا يجرى فيه الاستصحاب و لا يتعقل فيه و ان استلزم ذلك التفصيل بعض التكرار فى الكلام بملاحظة ما تقدم فاقول ان الاستصحاب ينقسم باعتبار الشك الى قسمين ما كان شكه طاريا و ما كان ساريا فالشك فى بقاء المعتقد مع اليقين بثبوته او لا هو الاول كما ان الشك فى نفس الثبوت و صحة الاعتقاد السّابق هو الثانى فكلما تحقق الثانى تحقق فيه الاول بخلاف العكس و ينقسم‏

____________

(1) تحققه فيه و هو امر غير الحجية هذا كلامه و لقيد اجاد فيما ذكر من‏

314

و ينقسم ايضا باعتبار الشك الى ما كان حدوثا صرفا و ما كان حادثيا و الاول الى شخصى و نوعى و الثانى الى ما يكون الشك فيه بالنّسبة الى امور محصورة او غير محصورة و الشك فى الحادث المحصور قد يكون باعتبار تعدد المجرى و قد يكون باعتبار تعدد المورد مع وحدة من يجرى الاستصحاب و كيف كان فالشك الحدوثى هو الذى لا يكون له بحسب شخصه و لا نوعه و لا جنسه امر قاطع للحالة السابقة بحيث يتخلف فيه حكم الاستصحاب حتى يشك فى انه هل هو من المواقع التى تخلف الحكم فيها قطع ام لا و الحادثى هو الذى حصل فيه العلم الاجمالى بتخلف حكم الاستصحاب و زوال الحالة السّابقة المعلومة و لو فى ضمن فرد آخر من افراد نوع هذا الاستصحاب او جنسه و بالجملة فالشك فيه مقترن بعلم اجمالىّ بارتفاع الحكم و لو فى ضمن فرد آخر من هذا النوع فيئول الشك‏ (1) ام لا و ينقسم ايضا بملاحظة الشك و اليقين الى عرضى و غير عرضىّ فالعرضى هو الذى يكون فيه للحكم جهتان إحداهما قطعية و الاخرى مشكوكة محتملة و زالت الجهة المقطوعة ثم ان معرفة اسباب الشك تفصيلا تحصل من اخذ ما تقدّم هنا و ما تقدّم فى مباحث اصل البراءة بمجامعه ثم اعلم ان الشك فى بقاء الحكم بملاحظة المقتضى و الرافع على اقسام كثيرة الاول الشك فى البقاء باعتبار الشك فى وجود المقتضى و هذا فيما لم يثبت كون المقتضى من الاستمراريات و الثانى الشك فى البقاء باعتبار الشك فى وجود الرافع و هذا فيما ثبت كونه من الاستمراريات اذ الحكم ح مما يستمر لو لا الرافع فباعتبار الشك فيه يعرض الشك فى بقاء الحكم كالشك فى الطلاق بعد تحقق النكاح يقينا و الثالث الشك فى البقاء باعتبار وجود شك محتمل لكل واحد من الشكين بمعنى ان يفرض انك شاك فى ان شكك من اىّ منهما و الرابع الشكّ فيه باعتبار الشك فى بقاء المقتضى و هذا ايضا على انحاء الاول ان يكون الشك فى بقاء المقتضى باعتبار الشك فى وجود رافع له مع كونه مستمرا لو لا الرافع الثانى ان يكون باعتبار الشك فى بقاء مقتضى المقتضى و الثالث ان يكون باعتبار الشك فى الشكين ثم الشك فى الرافع المانع على اقسام الاول ان يكون الشك فى حدوث المانع المعلوم مانعيته و الثانى ان يكون الشك فى حدوث المانع المشكوك مانعية و الثالث ان يكون الشك مسبّبا عن الشك فى الحكم الشرعى بعد القطع بالحدوث و الرابع ان يكون مسببا عن الشك فى الموضوع الصرف و الخامس عن الشك فى الموضوع المستنبط و كل من هذه الاقسام الثلاثة الاخيرة على قسمين لانه اما يعلم فيه مانعية احد الامور المرددة المشكوكة مانعيتها بالعلم الاجمالى و ذلك كما لو شككنا فى ناقضية كل من المذى و الوذى‏ (2) و علمنا بان واحدا منها ناقض او لا يعلم كل اما لفقد التعدد او لفقد العلم الاجمالى و الاول من هذين على قسمين الاول ما تحقق فيه الامور المشكوكة مما علم ناقضية احدها اجمالا فى الدفعة الواحدة من غير تخلل عبادة فى البين و الثانى ما تحقق فيه الامور المذكورة على وجه التعاقب ثم اعلم ان الحكم اما معلوم الاستمرار او معلوم عدمه او الامر فيه محتمل و على الاول اما علم استمراره مط بحيث لا يكون له حدّ و غاية اصلا او علم استمراره مغيا بغاية معينة او علم استمراره فى الجملة سواء لم يثبت له غاية اصلا او ثبت و لكنها لم تكن معلومة او كانت معلومة و لكنها لم تكن مما يعلم انحصارها ثم ان ما يعلم استمراره مغيا بغاية تارة يقع الشك فيه باعتبار الشك فى حدوث الغاية المزيلة و تارة باعتبار الشك فى كون الامر الحادث هو المزيل المعلوم مزيليته او غيره و بعبارة اخرى باعتبار الشك الناشى عن الموضوعات الصرفة و تارة باعتبار الشك فى كونه من افراد المزيل ام لا و بعبارة اخرى باعتبار الشك فى الموضوعات المستنبطة ثم اعلم قد ينقسم موارد الاستصحاب الى التعليقيات و التنجيزيات فالمراد بالاولى هنا هو ما علق فيه الحكم على وجود الموضوعات سواء تعلق بالاعيان الخارجية او بالافعال و الامر فى الاحكام الوضعية كلها من هذا القبيل فمعنى الغنم طاهر و الصّلاة صحيحة هو ان الاول لو وجد لكان طاهرا كما ان الصّلاة لو وجدت لكانت صحيحة و هكذا الكلام فى قولنا الغنم حلال و الخنزير حرام الى غير ذلك فمن هنا علم المراد بالثانية مثل وجوب الصّلاة و الحج و غير ذلك من التكليفيات فان تحقق الوجوب لا يتعلق على تحقق الافعال‏

و تنقسم الموارد ايضا الى الامور التدريجية و الى غيرها و التدريجية على قسمين تدريجية بحسب العرف و العادة و تدريجية بحسب الواقع دفعية فى نظر العرف و تنقسم ايضا الى ما لا يكون من التوابع و اللوازم و الى ما يكون منها فاللزوم و التّبعية اما من قبيل العقلية او العادية او الشّرعية و قد تنقسم الموارد الى ما لا يكون من اجزاء الزمان و الى ما يكون منها كما قد تنقسم الى ما يكون الحكم فيه حكما واقعيّا و الى ما يكون الحكم فيه حكما ظاهريا و كما قد تنقسم الى ما يعرض الحكم فيه الى اجزاء المهيات المركبة و الى ما لا يكون كل و ينقسم الاستصحاب تارة الى ما يجرى فى مداليل الالفاظ و الى ما يجرى فى غيرها كما ينقسم تارة اخرى الى ما يثبت به حكم المركّب لجزئه بعد فقده و الى ما لا يكون كل و التركيب كما قد يكون خارجيا كذا قد يكون عقليا و كما قد ينقسم تارة اخرى كسائر الاصول الراجعة اليه من وجه الى الاصول المثبتة و الى غيرها و كما قد تنقسم تارة اخرى الى الاستصحاب المعروف المستقيم و الى الاستصحاب المعكوس القهقرى ثم ان التقاسيم و الاقسام بالنسبة الى الدليل الدال على الحكم المستصحب قد مر اليها الاشارة قد قسمه البعض بالنسبة الى دلالته الى المقيدة الواجدة المفهوم مثل الماء المتغير بالنجاسة نجس ما دام متغيرا فهذه ذات حكمين و الثانى منه شامل لحالة عدم‏

____________

(1) الى ان هذا الحاد هل هو من الافراد تخلف فيها حكم الا

(2) و الودى‏

315

الحدوث كشموله لحالة الزوال و الى المقيدة الغير الواجدة اياه مثل الماء المتغير نجس فهى من جهة النفى ساكت كما فى المشككات بالتشكيك المضرّ المبيّن فيه عدم ارادة غير الفرد الظاهر إلّا ان يقال بمفهوم الوصف و مع ذلك الفرق بينه و بين الاول غير خفى و الى المطلقة على تعبير و المؤبدة على تعبير آخر مثل الماء اذا تغير نجس هذا اذا فرض تواطؤها بالنسبة الى حالة بقاء التغير و زواله و اما اذا فرض تشكيكها بان يكون دلالتها بالنسبة الى زوال التغيّر مشككة بالتشكيك المبيّن العدم فيكون مرجعها الى القسم السّابق و ان فرض تشكيكها بالنسبة التشكيك المضرّ الاجمالى فتسمّى بالمهملة و هذه كما يجرى فى الشك فى المقتضي كذا تجرى فى الشك فى المانع و الى المرددة بين المهملة و غيرها و الى المرددة بين المطلقة و المقيدة بالمعنى الاعم ثم لا يخفى عليك ان ما ذكر مما فى التقاسيم و الاقسام المذكورة اذا اعتبر بعضها مع بعض على سبيل الضرب او نهج آخر غيره تصير الصور مما لا تعد و لا تحصى ثم لا ضير فى وقوع بعض التكرار فيما ذكر فان الغرض هنا اخذ التقاسيم و الاقسام بمجامعتها و مثل ذلك لا يخلو عن وقوع بعض التكرار و ذكر جملة من المتداخلات مرتين و هكذا و من هنا قد انصدع انه لا ضير فى ذكر جملة امور هنا مما ليس‏ (1) فيه بحجة او هو مما وقع فيه التنازع بل لا يجرى و لا يتعقل فيه و ذلك كما فى مجارى الاستصحاب العرضى فالتسمية به فى ذلك مما فيه التجوز و التسامح و هكذا الامر فى جملة مما ذكر مما لا يجرى فيه الاستصحاب و بالجملة فان الغرض هنا ذكر ما له مدخلية فى المرام و لو على نهج الاستطراد ليكون ما فيه كالعناوين و المقدّمات للمباحث الآتية فيكون الضابط لذلك و الحافظ اياه على دربة و روية و اختبار و بصيرة

خزينة: فى بيان الضابطة فى جريان الاستصحاب و عدمه‏

خزينة فى بيان الضّابط و المعيار فى جريان الاستصحاب و عدمه و بيان ما فى ذلك من التنازع و التشاح بالنسبة الى بعض الموارد فاعلم انّ مقام تعقل الاستصحاب و جريانه هو غير مقام دليليته و حجّيته و قد اشتبه الامر على القوم حيث خلطوا بين كلّا من المقامين و لم يميزوا احدهما عن الآخر مع ان ذلك من الامور المهمة و ما يشتد اليه الحاجة فى مساقات الادلة و ذكر الحجج من الطرفين و نقضها و ابرامها فالاشارة الى الميزان فى ذلك من الامور المهمة بل بيانه من الاشياء اللازمة فقيل لما كان الاستصحاب هو الحكم ببقاء حكم ثابت فى الاول فى الثانى كان الثبوت فى الاول هو ذلك المعيار فى المقام و تلك القاعدة فى المرام و قيل انّ ذلك كون المورد بحيث لو فرض عدم عروض الشك لحصل اليقين ببقاء الحكم الاول و قد يقال ان ذلك عدم العلم بالاستمرار و عدمه و قال البعض بعد نقل تلك الامور و شي‏ء منها لا يتم اما الاوّل فالجواز تحقق الثبوت فى الاول و عدم امكان بقائه ذاتا فى الثانى و اما الثانى فلعدم كونه مفيدا فيما لم يعلم انه اذا ارتفع الشك هل يحصل اليقين بالبقاء او بعدمه كما شك فى بقاء اليوم او الليل لغيم متراكم و اما الثالث فلانه قد يعلم الاستمرار و يحصل الشكّ لمعارض فى البين فانه يجرى فيه الاستصحاب فالصواب ان يقال انه قد علم ان الاستصحاب هو الحكم بثبوت حكم ثبت فى وقت او حال فيما بعده فكما يلزم من تعريفه اشتراط ثبوت الحكم فى الاول فكذا يلزمه امكان بقائه فى الثانى مع قطع النظر عن جميع الامور الخارجيّة عن هذا الامر الثابت فى الاول اى يكون بنفسه بحيث يمكن بقائه و اما امكان بقائه مط و لو بانتفاء امر خارجى مانع كمعارض اقوى و نحوه فهو غير شرط فى كون المورد مورد الاستصحاب و فى جريانه بل هو شرط فى حجّيته و وجوده مانع له من عمله و لذا لو ارتفع ذلك الامر الخارجى او لم يوجد لكان الحكم ممّا يستصحب و على هذا فالقاعدة لمعرفة موارد جريانه هو كون الحكم الثابت اولا من حيث هو هو او مع لوازمه الغير المنفكة من دون ملاحظة شي‏ء آخر ممكن البقاء محتمل الثبوت فى الثانى و الى هذا ينظر من جعل القاعدة هى عدم مدخلية الزمان الاول او الحالة الاولى فى ثبوت الحكم و منهم من يجعلها امكان البقاء مط فما لا يمكن بقائه و لو من جهة مانع خارجى لا يجرى فيه الاستصحاب هذا و انت خبير بان هذا القائل و ان افاد و اجاد فيما ذكره من المعيار فى المقام الا ان ما فى ذيل كلامه و الى هذا ينظر الخ مما لم يحصل له محصّل مع انّ ما ذكره لا يشمل بظاهره لجميع المجارى و الموارد اذ منها الشأنيات و التقديريّات على ما عرفت اجمالا و ستعرف البيان اللهم إلّا ان يقال ان هذا على ما هو المختار عنده من اخراج الشأنيات باسرها عن ذلك و هذا كما ترى مع انه لم يعهد هذا عنه و ارتكاب العناية و التنوير فى كلامه بحيث يشمل الشأنيات و ان كان مما يمكن إلّا انه لو بنى الامر على ذلك لامكن ان يقال ان مثل ذلك مما يتيسر فى غير ما ذكر ايضا مما نقله عن الغير من الامور الثلاثة المذكورة للمعيار فى مقام التعقل و الجريان فلا يتوجّه الايرادات المذكورة عليها اذ ليس مراد القائل ان مجرّد تحقق الثبوت هو نفس القاعدة بل امكان البقاء ذاتا ملحوظ عنده ايضا و القرينة على ذلك تصريحه فى مقام ذكر القاعدة بالتعريف و لا شك انه ماخوذ فيه و لو التزاما و اندفاع الايراد الثانى بان القائل الثانى لم يؤخذ فى القاعدة ارتفاع الشك و لم ينط الامر عليه بل على عدم عروض الشك فمعلوم انه لو لم يعرض الشك فى المثال لحصل اليقين ببقاء الحكم اذ الواسطة غير معقول بعد خروج العلم بالعدم بالفرض و بالجملة فان ساير المجارى و الموارد و ان كان يعلم فيه انه اذا ارتفع الشك حصل اليقين بالبقاء من غير فرق فى ذلك بين الشك فى المقتضى و الشك فى المانع بخلاف هذا المورد إلّا انه لا يضرّ هذا القائل لانه لم ينط الامر على الامر الاخصّ بل على الامر الاعم الشامل للمثال المذكور ايضا فما نقرّره انما يتضح دفعه الايراد اذا بنينا الامر فى الاستصحاب فى اجزاء الزمان الى ما يرجع الى الامر العدمى او استصحاب‏

____________

(1) الاستصحاب‏

316

او استصحاب ما يقع فيها فت و اما الجواب عن الثالث ففى غاية الاتضاح لان ما يحصل فيه الشك لمعارض فى البين لا يعلم فيه الاستمرار حين الشك جدّا و معلوميّته قبل ذلك مما لا يجدى فى مطلب المورد نعم يرد على ذلك المعيار اعتراض آخر و هو انه يجرى الاستصحاب مع العلم بالاستمرار بدليل آخر كما مر اليه الاشارة هذا و دفعه بان عدم العلم فيه فرضى كما ان الاستصحاب فيه كل كما ترى فت و كيف كان فانّ المعيار السّارى بالنسبة الى الجميع و لو بارتكاب عناية و التفات تنوير بل القاعدة المشترك فى افادتها جميع الحدود مما نقلناه فى هذا الكتاب و غيره هو كون الحكم الثابت اولا من حيث هو هو من دون ملاحظة شي‏ء آخر ممكن البقاء محتمل الثبوت فى الثانى فهذا ينسحب فيما يعلم الاستمرار فيه بدليل آخر ايضا كما ينسحب فيما يوجد فيه معارض للتمسّك بالاستصحاب و مانع خارجى عن العمل به ايضا و بذلك يلزم و يفحم من لا يقول بجريانه فى المواضع التى ياتى اليها الاشارة لان هذه القاعدة هى ما يعطيها التعاريف كلا و القدر الذى اشتركت فى افادته و كيف كان فان الاهمّ فى هذا المقام بيان ما وقع النزاع فيه من حيثية الجريان و استنباط ذلك من فحاوى كلمات القوم و مطاوى عبائرهم و كيفية مساق ادلتهم و طرق استنباطاتهم و انهاج احتجاجاتهم و لو فى الكتب الفقهيّة و ان لم يصرّحوا بذلك فى عناوين مقالاتهم الاصولية و تضاعيف مباحثهم الفقهية فان المناط فى تخريج المذاهب و العلم بالآراء على ما قررنا و العلوم و الفنون فى ذلك على السواء فلو لم بين الامر على ما قلنا لما علم اكثر المذاهب فى مسائل الفنون و مباحث العلوم و السّر واضح و الامر لائح و بالجملة فان من جملة ذلك ما ثبت بالاجماع فى زمان او حال و وقع الخلاف فى آخر فعن الغزالى عدم جريان الاستصحاب فيه محتجا بان كل دليل يضاده نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه معه و قيل منشأ القول بذلك تبعية الاستصحاب لدليله و كيف كان فان انتساب المخالفة الى الغزالى بالنسبة الى عدم الحجّية فى ذلك بعد نقل جم مطلبه و دليله عنه مما ليس فى مخره كما وقع ذلك عن البعض و منها ما صرّح به الفاضل التونى من عدم جريانه فى الطلبيّات مط و التكليفيّات المنبعثة عن الوضعيات اى المدلول عليها بها و المترتبة عليها و بعبارة اخرى فى سببيّة السّبب و شرطية الشرط و مانعية المانع كما قيل هكذا و جريانه فى نفس الوضعيات من نفس الاسباب و الشرائط و الموانع اى ثبوتها و منها ما علم استمراره فى الجملة او فى وقت و لم يعلم بعده اذا شك بعد هذا الزمان لاجل الشك فى شمول الدليل الاول فعدم جريان الاستصحاب فى ذلك هو مذهب المحقق الثالث حيث قال الاستصحاب يتبع الموضوع فى مقدار صلاحه للامتداد فان كان الموضوع جزئيا معيّنا ثبت بالاستصحاب بقائه الى اقصى مدّة يمكن بقائه فيها و ان كان كليا مردّدا بين انواع او افراد مختلفة فلا يثبت بالاستصحاب الا بقائه فى اقصى مدّة ما هو اقل الانواع المحتملة بقاء هذا محصّل كلامه فعليه فرع بطلان استصحاب نبوة عيسى مثلا و على ذلك البعض كلامه و المتراءى من جمع ان نزاعه فى ذلك نزاع فى الحجية لا فى الجريان و التحقيق فى ذلك هو ان كلماته فى ذلك المقام فى غاية الاضطراب و التمجمج فجملة منها يعطى الأول كما ان جملة منها يعطى الثانى كما ستعرف هذا فى محله و يمكن حمل كلامه على كلا الامرين بمعنى ان الاستصحاب لا يجرى فى ذلك و على فرض جريانه فيه فهو ليس فيه بحجة و منها الاستصحاب فى اجزاء الزمان كاليوم و الليل و الشهر فان عدم جريانه فيها هو المستفاد من مطاوى كلمات جم غفير و القائلون بجريانه فيها يرجعونه الى العدمى فلعل النزاع ح ان يكون لفظيا و كانه معنوى و منها الاستصحاب فيما يكون الشك فيه من الشكوك السّارية و المصرّح بعدم اعتباره ح هو بعض مشايخنا و كلامه فى ذلك ذو وجهين الا ان اظهر كلماته و اوضح مقالاته يعطى ان نزاعه فى ذلك نزاع فى الحجية و منها الاستصحاب فيما لا يمكن بقائه من جهة مانع خارجى و معارض وارد فعدم جريانه فيه هو مصرّح البعض كما مر اليه الاشارة فيما نقلنا عن البعض و منها استصحاب تاخر الحادث و النزاع فيه كما يصلح ان يكون فى الجريان كذا يصلح ان يكون فى الحجّية كما تعرف و منها الاستصحاب فيما على طبقه دليل منجز

من القطعيات او الظنيات فعدم جريانه فيه هو المتراءى من مطاوى احتجاجات جم فى الكتب الفقهية و المستفاد من فحاوى مقالات طائفة فى الكتب الاصولية و منها الاستصحاب فيما فيه الحكم تقديرى و شأنى كما فى قضية نقيع الزبيب فعدم تعرض القوم له فى الكتب الفقهية فى مقام الاحتجاج على الطرفين من الحلية و الحرمة فى عداد الادلة من المستقيمات و المزيفات و مكان النقض و الابرام بصبّ الأسئلة و افراغ الاجوبة بمقالة ان قلت قلت مرة بعد مرة و كرة بعد كرة كاشف عن عدم جريان الاستصحاب فيه عندهم لا عن عدم حجيته خاصة كما لا يخفى على من له درية و مسكة و المصرّح بجريانه فيه و المستدل به على الحرمة هو بعض اجلاء افاضل السّادات و منها الاستصحاب فيما تعدد الزمان فيه فرضى و شأنيّ كما مر مثاله و حاله كسابقه فيما ذكر و منها الاستصحاب فى اثبات ماهيّة مداليل الالفاظ اذا شك فى تركيبها و بساطتها فالمتراءى من المعظم عدم جريان الاستصحاب فى ذلك و قد يظهر من مطاوى كلمات البعض جريانه فيه و يمكن ان يكون بناء المعظم على الجريان و عدم الحجّية كما يعطيه نفحات احتجاجاتهم فى جملة من المقامات و منها الاستصحاب فى اثبات حكم المركب لجزئه بعد فقد جزء منه سواء كان المركب من المركبات العقلية او الخارجيّة فعدم جريانه فى ذلك هو الظاهر المتراءى من المعظم و الحكم بالجريان هو المتراءى عن البعض‏

317

و منها الاستصحاب فى صورة الشك فى الحادث و قد ينسب عدم جريانه فيها الى الجلّ بل الكل و الحق ان عدم اعتبارهم الاستصحاب فيها لا لاجل عدم تعقله و جريانه بل لعدم حجيته من جهة مانع خارجى و منها الاستصحاب فى المتنجس المستحال فعدم جريانه فيه و عدم الفرق فى ذلك بين النجس و المتنجس هو ما عليه المشهور المنصور و جريانه فيه هو مذهب البعض و منها الاستصحاب فى الارتباطيات فعدم الجريان هو مصرح جمع و المستفاد من كلام البعض الجريان و عدم الحجّية كما ان الجريان و الحجية هو المستفاد من كلام جمّ و منها الاستصحاب العرضى و قد مرّ الاشارة الى تفسيره و منها الاستصحاب المعكوس القهقرى و قد اشرنا الى ان التسمية فى الاول تسمية مجازية و كذا فى الثانى و قد يتراءى من البعض ان الاول مما وقع فى جريانه و عدم جريانه النزاع و الظاهر ان هذا مما ليس فى محله بل عدم جريانه مما عليه الوفاق من الكل هذا ما حصر عندى الآن من المواضع التى وقع النزاع فيها بحسب جريان الاستصحاب او نسب هذا فى كلام البعض فى بعضها الى البعض و ان كان ذلك فى البعض على خلاف الحق و مع ذلك لا ادّعى الحصر فيما ذكر بل لا يبعد العثور على مواضع أخر مما خفى علينا امرها و لعل اللّه تعالى يلهمنا ذلك فى تضاعيف المباحث الآتية فان كلمات القوم فى هذا المقام كاكثر المقامات غير مضبوطة بل الذى ذكرته انما يعلم بالتصفح التام و التتبع الكامل و اخذ مجامع كلمات القوم مبحثا فمبحثا و مسئلة فمسألة فى كتب الاصول بل باضافة تتبع الكتب الفقهية الى ذلك و كيف كان فان حقيقة الحال و حقية المقال بحسب الجريان و عدمه فى هذه المواضع و ان كان مما يعلم و يستخرج مما ذكرنا من المعيار و القاعدة فى المقام فيبقى الكلام فيما يجرى فيه ح فى الحجّية و عدمها اذ بثبوت الاعم لا يثبت الاخص الا انى لا اقتصر على ذلك بل احرّر الكلام فى كل ذلك و لو على سبيل الايجاز فى خزائن مستقلة بعد الفراغ من جملة من مباحث هذا المقصد ثم لا باس بالتكرار ان اخذنا جملة من هذه المواضع و ذكرناها ايضا فى مقام ذكر الاقوال فى الحجّية و عدمها باعتبار وقوع النزاع فيها من هذه الجهة خاصّة و لو على زعم البعض او من كلتا الجهتين فان ما فى هذه الخزينة المذكورة كالخزينة الآتية كالعناوين و المقدّمات لمباحث ذلك المقصد فمثله يغتفر فى مثلها

خزينة: فى بيان الأقوال فى حجّية الاستصحاب و عدمها

خزينة فى الاشارة الى الاقوال فى حجية الاستصحاب و عدمها و التفاصيل الواقعة فى ذلك فمنها الحجّية مط و هذا فى كلام جمع من المعاصرين هكذا اى على سبيل الارسال و قال بعض المعاصرين و هو للاكثر من محققى الخاصّة و العامة و ذهب اليه المقيّد و المحقق فى اصوله و العلامة و نسب الى الشيخ و كلامه فى العدة مخالف لذلك هذا و منها عدمها كل و هكذا وقع فى كلام جمع من المتاخرين و المعاصرين و قال البعض نسبة فى العدة الى اكثر المتكلمين و اكثر الفقهاء من اصحاب ابى حنيفة و ذهب اليه السيّد المرتضى (ره) و هو الظاهر من الشيخ فى العدّة و اختاره صاحب المعالم و غراه الى المعتبر ايضا و منها التفصيل بين الحكم الشرعى فيجرى فيه و بين الامور الخارجيّة فلا يجرى فيها و قد عبّر جمع فى مقام نقله بهذا التعبير و البعض بالامور الشرعيّة و الخارجية و البعض بالاحكام و الموضوعات و كيف كان فقد نقله شارح الدّروس عن بعضهم و منها عكس ذلك نقله جمع هكذا اى من غير استناد الى احد و قد قيل انه قد ينسب الى اكثر الاخباريّين و منها الحجّية فى الموضوع و المتعلق دون الحكم الشرعى نقله بعض المعاصرين و قال هذا ما ذهب اليه اكثر الاخباريّين و منها حجيته فيهما و فى نفس الحكم ايضا بالنسبة الى النسخ خاصّة نقله عن بعض الاخباريّين و منها ما ذكره صاحب الهداية من اختصاص حجّيته بصورتين إحداهما ان يصل الينا حديث فى حكم شرعى فيستصحب العمل حتى يظهر ما هو ارجح منه و أخراهما ان يستصحب كل امر من الأمور التى دل الشرع على ثبوتها لوجود سببها الى ان يقوم دليل نصبه الشارع على رفع حكمه فهذا كما ترى اعمّ من سابق‏ (1) سابقه ايضا و يحتمل تساويه معه و منها التفصيل بين ما ثبت استمراره الى غاية معينة عند الشك فى حصولها او فى صدقها على امر حاصل مع العلم بصدقها على غيره فيعتبر و بين غيره فلا يعتبر و هو مذهب الخوانسارى و لعل هذا هو مراد البعض فى مقام نقل الاقوال من قوله و سابعها الحجّية فيما اذا لم يكن الشك فى المقتضى بل فى حدوث المانع او مانعية الحادث هذا و قال بعض المعاصرين فى مقام نقل الاقوال السابع ما ذهب اليه المحقق الخوانسارى و هو الحجية فى القسم الثانى ايضا اذا كان الشك فى حصول الغاية او فى صدقها على شي‏ء حاصل لكن اذا كان ذلك فى الامور الشرعية دون الخارجيّة و يظهر من كلامه قوله بالحجية فى القسم الثالث ايضا و قد نسب اليه الحجّية فى الشّك فى حصول الغاية فقط مط و ليس كل هذا و منها التفصيل بين الشك فى المقتضى فليس بحجة فيه و الشك فى المانع فهو حجة فيه و هذا مذهب المحقق الحلى (ره) و قد ينسب اليه تفصيل آخر كما ستعرفه و منها التفصيل بين ما اذا شك فى طرو ما علم رافعيته للحكم الشرعى الذى ثبت استمراره اليه مع عدم العلم بطر و ما يحتمل كونه ذلك الرافع فيعتبر و بين غيره فلا يعتبر و قد نسب فى كلام جمع الى السبزوارى و قد يقال فى التعبير عن ذلك الحجّية فيما اذا كان الشك فى حصول الرافع المعلوم الرافعية كما قد يقال الحجّية فيما اذا شكّ فى طرو المانع و عدمها اذا شك فى مانعية الطارى هذا و قال بعض المعاصرين السادس حجيته فى القسم الثانى من الاقسام الثلاثة المتقدمة فى المقدمة اذا كان الشك فى حصول الغاية لا مط و هو مذهب السبزوارى قيل و لعلّه موافق للاخباريّين بل قال والدى العلامة و طائفة

____________

(1) سابقه بل من‏

318

و طائفة من مشايخنا باتحاد قوليهما و هو محل كلام إلّا ان يكون الاصطلاح على تسمية استصحاب ما شك فى حصول مزيله القطعى استصحابا فى الموضوع و منها التفصيل بين ما اذا كان الشك فى عروض القادح فيعتبر و فى قدح العارض فلا ذكره بعض المعاصرين قائلا حكى عن بعض المتاخرين اقول ان المتراءى من بعض المتاخرين ان اعتبار الاستصحاب فى الاول مما لا خلاف فيه الا عن بعض الاخبارية حيث قال اما ما يكون عند الشك فى عروض القادح باقسامه الثلاثة اى الاستصحاب الذى يلحظ لدفع ذلك الشك فلا كلام فيه حتى للاخباريّة الا ما يحكى عن بعضهم و منها التفصيل بين النفى و الاثبات فاثبتت حجيته فى النفى و نفيت فى الاثبات ذهب اليه اكثر الحنفية على ما احتمله التفتازانى فى بيان ما حكاه العضدى عنهم و منها التفصيل بين الحكم الطلبى فلا يجرى فيه و الوضعى فيجرى فيه ذكره البعض قائلا نقل ذلك عن بعض و منها التفصيل بين الحكم الوضعى فيجرى فيه و بين غيره فلا يجرى فيه و هذا ترتيب من سابقه اذ لا فرق بينهما الا فى الاباحة و غير الحكم حيث لا تعرض لهما فى الاول و ظاهر الثانى عدم جريانه فيهما و لعلهما متحدان و المغايرة من التسامح فى النقل هكذا قيل و منها عكس ذلك هكذا ذكر البعض و منها التفصيل بين ما ثبت بغير الاجماع من نفس الحكم فيعتبر و بين غيره فلا يعتبر هكذا فى كلام جمع و قال بعض المعاصرين و لم اعثر على قائل به نعم قال صاحب الذخيرة و شارح الدروس بعدم الحجية فيما كان الدليل الاجماع و الشك فى محل الخلاف و لكنهما لا يقولان بالحجية فى جميع البواقى اقول يمكن ادراج هذا فيما سبق من التفصيل بين الشك فى قدح العارض و الشك فى عروض القادح اذ الاستصحاب فى الاول مما يسمى باستصحاب حكم الاجماع و ربما يحصى به استصحاب حال الشرع ايضا فيتناول استصحاب الحال ح الكل او ما عدا استصحاب حال الاجماع او استصحاب حال الشرع بناء على تناوله لما عدا استصحاب حال العقل و كيف كان فيكون القائل بذلك على هذا النهج كل الاخباريّين او جلهم بل جمع كثير من غيرهم ايضا و منها ما نسبه البعض الى المحقق حيث قال و المفهوم من كلامه بعد التروى انه يقول بالحجّية فى جميع اقسامه حتى فى استصحاب حكم الاجماع و لكنه يستثنى من هذا القسم ما كان محل الاجماع فيه مقيّدا بما خلا عن المعارض كمثال واجد الماء فى الاثناء بناء على ان الحكم المجمع عليه فيه غير مطلق و فى حكم الاجماع تفصيل آخر كما تعرفه فى محله و منها ما اختاره بعض المعاصرين من التفصيل بين ما اذا كان قضية الشي‏ء المعلوم ثبوته بقاء فى الوقت المشكوك بقائه فيه لو لا عروض المانع او منع العارض و بين غيره فيعتبر الاستصحاب فى الاوّل دون الثانى و منها التفصيل لبعض المعاصرين فى الموضوعىّ حيث قال و القول الحق هو الفصل بين الموضوعى الذى يعلم قابلية للبقاء و لكن يحصل الشك فى عروض الرافع و بين ما لم يعلم قابليته للبقاء كالحيوان المجهول حاله فيقول بالحجّية فى القسم الاول و بعدمها فى القسم الثانى و قال فى موضع آخر و قد تحقق ما هو الحق فى المسألة و هو الحجّية فى الموضوعات الصّرفة و عدمها فى استصحاب حكم الاجماع بكلا قسمين الشك فى قدح العارض و الشك فى المقتضى هذا كلامه و منها ما عليه بعض اجلاء المعاصرين على ما حكى عنه بعض افاضل تلامذته من الحجّية فى نفس الاحكام الشرعية دون الموضوعات و المتعلقات لكن هذا لا على الاطلاق بل على تفصيل و بيانه ان الاستصحاب على ثلاثة اقسام الاول الاستصحاب فى نفس الحكم الشرعى تكليفيا كان ام وضعيّا و الثانى الاستصحاب فى موضوعه الذى يترتب عليه حكم شرعىّ بلا واسطة سواء كان ذلك الحكم المترتب عليه حكما ثابتا مترتبا عليه باقيا ببقائه او كان احكاما متجددة يترتّب كل منها على ابقائه فى زمان كالحكم بابقاء علاقة الزوجية المتفرع عليه وجوب الاتفاق فان وجوب الاتفاق ليس حكما واحدا يبقى فى الايام ببقاء علاقة الزوجيّة بل يجب يوما فيوما و الثالث استصحاب حكم عادى ليترتّب عليه حكم عادى آخر فيترتب عليه حكم شرعىّ مثل استصحاب الرطوبة المترتب عليها ملاقاة الشي‏ء الرطب للنجس المترتب عليها حصول التنجس له فيعتبر الاستصحاب فى القسمين الاولين دون الاخير هذا و انت خبير بان مآل هذا الى عدم حجية الاصول المثبتة و هو فى هذا القول لم ينفرد به بل هو مذهب جمع و منهم صاحب‏ (1) التفصيل‏

السّابق و فى هذا التفصيل تفصيل آخر كما ستسمعه فى محلّه و منها الحجية من حيث الوصف لا السّبب و منها عكس ذلك هكذا ذكر البعض فى مقام عدا الاقوال و هذا التفصيل مما يحتمل فيه وجوه من اعتبار الوصفية النوعيّة و من اعتبار الوصفية الفعلية الشخصيّة و من السّببية المطلقة و من السببيّة المقيدة و على ذلك اما شرعية او عقلية و اكثر هذه الاحتمالات بل كلها مما له قائل كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم و ستعرف الحال فى ذلك إن شاء الله اللّه تعالى و منها ما صرح به بعض اجلاء السادات على ما حكى عنه من حجيته فقاهة لا اجتهادا فيعلم من ذلك تحقق القول بحجية من باب الاجتهاد بل هذا مما عليه العامة و قد يستفاد من كلام جمع من الخاصة ايضا فاذا عرفت هذا فاعلم ان هذه الاقوال و التفاصيل و ان لم تجمع بهذا المبلغ فى كتاب و لم تذكر كل فى باب نظرا الى ان المتصدين لنقل الاقوال لم يتعدّوا عن اثنى عشر فمنهم من جعل المسألة ذات قولين و منهم من جعلها مثلثة الاقوال و منهم من جعلها مثمنة الاقوال و هكذا إلّا انها مما تحصل و تبلغ هذا المبلغ من اخذ ما فى صدور عناوينهم فى المقام و غيره و جمع ذلك ثم ان بعد

____________

(1) على السابق‏

319

امعان النّظر فى مطاوى مقالات العلماء و مجامع كلماتهم فقها و اصولا يظهر ان التفاصيل غير منحصرة فيما اشرنا اليه بل يمكن دعوى ترقيها اذا لوحظ ما مر فى مقام الجريان ايضا الى اربعين فان جملة ان الاقوال مما يتخرج من تضاعيف جملة من المباحث و مقامات أخر من مقام ذكر شرائط العمل بالاستصحاب و غيره فكم من مطلق القول فى الحجية او عدمها فى صدر المقصد قد اختار تفصيلا فى التضاعيف و كم من مفصّل بتفصيل من وجه مطلق قوله فى غيره فى صدر المقصد و اوائله قد فصّل تفصيلا آخر فى ذيله و اواخره فلم أر مسئلة متشتتة الاقوال مختلفة الانتسابات مثل هذه المسألة و من جملة التفاصيل الاثنائية ما وقع عن بعض مطلقى القول فى الحجية فى الصدر و هو التفصيل بين الشكوك الطارية و السّارية بالحجية فى موارد الاولى دون الثانية و ايضا بين غير مهيات العبادات و بينها و ايضا بين غير جملة من التدريجيات و بينها و قد يفصّل بعض المطلقين بين كونه حجة من باب التعبديّة العقلية و التعبديّة الشرعية و قد ذلك بعض المفصّلين ببعض التفاصيل المذكورة و من المطلقين فى الصدر المفصّلين فى الاثناء الفاضل القمىّ لو حمل كلامه على البحث فى الحجّية لا الجريان كما مر اليه الاشارة و ياتى البيان و من جملة التفاصيل الواقعة فى تضاعيف المبحث من بعض المفصّلين بتفاصيل عديدة التى قد مرّت اليها الاشارة عدم الحجية فى المسائل اللغوية الغير اللفظية و منها عدم الحجية فى مسائل اصول الفقه و منها عدم الحجية فى اصول الاديان قد فصل البعض تفصيلا آخر لاجل المعارضة و من جملة عدم نظم المسألة اختلاف عناوين القوم فيها حيث عنوان جمع الكلام فى مطلق الاستصحاب و ذكر فيه الاقوال نفيا و اثباتا و تفصيلا و طائفة فى استصحاب الحكم مطلقين فيه الكلام بحيث يشمل حكم العقل ايضا و جم فى الحكم الشرعى و هذا من جملة اسباب اضطراب الانتسابات و اختلافها

خزينة: فى أنّ اصالة عدم النسخ هل هو خارج عن محلّ النزاع أم لا و كذا سائر الاستصحابات العدمية

خزينة اصل البراءة و ان دخل فى العنوان من وجه الا انا قد فرغنا عن الكلام فيه فنسوقه فى غيره و نقول الظاهر ان اصل عدم النسخ مما لا خلاف فى حجيته و هو خارج عن مراد النافين على الاطلاق اذ لم ينسب فيه خلاف الى احد و لم ينقل عن احد و المتراءى من حزب الاخبارية كالاصولية انه خارج عن النزاع بالكلية و ان قرض تحقق النزاع فى العدميات و لو كانت فى الموضوعات المستنبطة و يدل على ذلك بعد ذلك الاجماع بكل طرقه مؤيدا بالاستقراء و سجية العقلاء معتضدا باخبار الباب و غيرها من قولهم (ع) حلال محمد (ص) حلال الى يوم القيمة الخ و نحو ذلك و التقريب واضح و تطرق المناقشة اليه خفى و مثل ذلك فيما ذكر (1) اصل عدم التخصيص و اصل عدم التقييد الا ان بعض العبائر يوهم وقوع الخلاف من بعض الاخبارية فيهما هذا و لكن فى المقام اشكالا و هو تحقق الفرق بين مظان اصل عدم النسخ و مظانهما لعدم تحقق المتيقن فى الزمن الاول بارادة العموم و الاطلاق من العام و المطلق فلا يكون مثل ذلك من مجارى الاستصحاب و جعلهما منزلة اصالة الحقيقة و اثبات العموم و الاطلاق بهما مردود بان ذلك خارج عن المقام على ان الغلبة فى العكس و يمكن دفعه بان العام و المخصّص امران حادثان نثبت ورود الاول و شك فى الثانى فيدفع بالاصل و لما كان ذلك ملازما للعمل بعموم العام عبّر فيه باصل عدم التخصيص و كذا الحال فى اصل عدم التقييد فلا غائلة فى ذلك و ان كان المخصّص كاشفا عن عدم العموم فى الاول و مبيّنا للمراد واقعى على ان العام بعد وروده كان شاملا للافراد بحسب وضعه و فى مقام الشك يستصحب ذلك الشمول فالاستصحاب انما فى ظاهر العموم و هذا لا ينافى فرض عدم العموم فى الواقع تم اعلم ان ساير الاصول العدميّة فى الموضوعات المستنبطة و ان لم يكن بمثابة ما ذكر من كونه مما اتفق على اعتباره الكل من الاصولية و الاخبارية باجمعهم نظرا الى ان جملة من كلمات بعض الاخباريّة تفيد اختصاص الاعتبار بما تقدم خاصة إلّا انه مع ذلك لا بد من اخراجه من حيث الاعتبار و عدمه عن حريم محل النزاع و ان كان مما وقع فيه النزاع من وجه و هو ان اعتبار ذلك هل هو لاجل الوصف او السببيّة و ذلك لعدم قدح بعض الاخبارية فى تحقق الاجماع خصوصا اذا كان الاجماعات المنقولة فى حدّ التسامع و التظافر و كان من مدعيه جمع من محققى حزب الاخباريّة فى اصل عدم النقل و اصل عدم الاشتراك و علم بالمساق و لحاظ اتحاد الطريق ان ذكر ذلك من باب المثال لا الاختصاص النافى الاعتبار فى غيره على انه لم يعهد مصرّح بالخلاف و ما ذكرنا من المتراءى من البعض انما كان بحسب المساق و كيف كان فانها على كثرتها ترجع الى امور ثلاثة من مثبت الوضع‏ (2) و عدم النقل و عدم اشتراك و مثبت المراد كاصل عدم القرينة و الاضمار و الحذف و مثبت نفس الموضوع كاصل عدم التحريف و التبديل و عدم الزيادة و عدم السقط ثم اعلم ان الاجماع كسجية العرف لما لم يقوما الا على اعتبارها و لم يفد ازيد من الامر المجمل ساغ نزاع هل انها حجة لاجل الوصف او السببيّة و على الثانى هل لاجل السببيّة المطلقة او المقيدة بعدم الظن بالخلاف و الاوسط هو الاوسط و ذلك لاخبار الباب و القول بعدم انصرافها الى الموضوعات المستنبطة لبعد العلقة بينها و بين الاحكام بخلاف الموضوعات الصّرفة لقربها بينهما كالقول بانها منزلة على ما لم يكن الاصول فيه من الاصول المثبتة من المجازفات الصّرفة لعدم تمشية قضية عدم الانصراف فى العمومات و عدم الدليل على ذلك التنزيل كما تعرف ذلك مفصّلا على انّ دعوى ان سجيّة

____________

(1) لما ذكر

(2) كاصل عدم الوضع‏

320

ان سجيّة العرف قاصية ايضا بما قلنا غير بعيدة اذ نرى بنائهم عليها و لو حصل ظن بنحو من الظنون الغير المعتبرة على الخلاف و لم يحصل ظنّ نوعى ايضا على طبقها فاتضح ان بنائهم عليها ليس لاجل الظن النوعى الاستقرائى و يكشف عن هذا حكم الجاهل بالاصطلاح بكون المستعمل فى معنى مجرّدا عن القرينة حقيقة فيه و ليس ذلك الا لاعتماده على اصل عدم استعماله فى غيره و اثباته به وحدة المعنى و بيان هذا ان الاحتمالات خمسة من عدم كونه مستعملا فى غيره و من كونه مستعملا فيه و من عدم ملاحظة المناسبة على الثانى و ملاحظتها و هذه اما بين ذلك الغير و المستعمل فيه او بينه و بين الآخر فالاحتمال الاول كالخامس ملازم لكون اللفظ حقيقة خاصّة فى المعنى المستعمل فيه و الثانى و الثالث ملازم لاشتراك اللفظى و الرابع لكون اللّفظ مجازا فى المعنى الموجود و حقيقة خاصّة فى غيره فالحكم بكونه حقيقة خاصّة فى الموجود موقوف على رفع المنافى له من الاحتمال الثانى و الثالث و الرّابع و رفع غير الاخير يمكن بالاستقراء و غلبة اتحاد الحقيقة لكن رفعه لا يمكن الا باصل عدم الاستعمال فى المعنى الآخر و ان كان مقتضى الاستقراء كون اللفظ مستعملا فى ازيد من واحد فظهر ان بناء العرف على الحكم بالحقيقة الخاصّة لاجل الاصل و ان عارضه الاستقراء و القول بان الحكم بها مستند الى الاستعمال او مسبب عنه مع ملاحظة قلة الاشتراك او عن غلبة الاستعمالات الشخصيّة فى الحقائق مع لحاظ ندرة الاشتراك او عن عدم الالتفات الى وجود استعمال آخر او ان نفى الاستعمال فى الآخر مسبّب عن الظن الحاصل بعد من بعد الفحص لا عن الاصل مدفوع بان الاول ليس دليلا للحقيقة خصوصا للخاصّة و بان الثانى لا يثبت الحقيقة الخاصة فى المستعمل فيه الا بضم عدم الاستعمال فى الآخر و بان الثالث لا يغنى عن ضم الاصل اذ نرى حكم اهل العرف بالحقيقة الخاصّة و ان نبهوا بمنبه بوجود استعمال آخر و بان الرابع مم على انهم يحكمون بها مع الالتفات و كذا الكلام فى الخامس اى يحكمون بها قبل الفحص ايضا فاذا امعنت النظر فيما قلنا يظهر لك ان ما عليه بعض اجلاء المعاصرين من اناطته الامر على الوصف فى الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة تمسكا بالاصل و العرف و العادة و ببناء المشهور فى مطلق الاستصحاب و بما نقل عن البعض من ان المعتبر فى الالفاظ هو الظهور و تزييفا لدليل التعبدية من الاخبار بعدم الانصراف و لزوم الدّور مما لا وقع له اذ الاول مخصّص بما مر و الثانى و الثالث على وفق ما قدمنا لما برهنا و الشاهد على ذلك عدم ردع الخصم خصمه فى احتجاجه بالاصول العدميّة بانه لا يفيد لى الظن فسجيتهم هذه جيلا بعد جيل يقمع نبيان القول بالوصفية و مثل هذا فى المدخولية ما عن البعض بعد ميله الى اشتراط حصول الظن بالغلبة و نحوها من قوله اخيرا و لو قيل بحجية الاستصحاب فيما اذا اشتبه طريق اهل اللسان و لزوم تركه اذا كان مخالفا لم يكن بعيدا اذ الاشتراط المذكور مثل الخرق للاجماع المركب كما لا يخفى على المتامل و الرابع معارض بالشهرة المتاخرة مع ان فيه كلاما آخر و لا اعتبار على الخامس بعد تحقق الاجماع المركب على انه يمكن تخصيصه بغير المقام و هو غير قليل و قضية عدم الانصراف كالاخير من المجازفات اذ الدور لازم التمسّك بها على الحجّية لا على التعبّدية بعد فرض الحجّية و بالجملة فالمط فى غاية الاتضاح ثم لا شك بعد البناء على الوصفية فى ان العمل به من قبيل العمل بالظنون الخاصّة لا المطلقة و الثمرة فى العمل به حين انفتاح باب العلم و ايضا حين تعارضه الظن الشخصىّ الذى ليس من الظنون المخصوصة ثم لا يخفى عليك ان الاستصحابات الوجودية فى الموضوعات المستنبطة مثل العدميات فيما قررنا باسره إلّا انه لا يوجد وجودى لا ينضم اليه عدمى و لا يخفى ايضا ان هذه الاصول لا تقاوم لمعارضة ساير الامارات اللفظية من التبادر و عدمه و صحة السلب و عدمها و صحة التقسيم الى غير ذلك بعد البناء على اعتبارها لانها امارات اجتهادية و الاصول من الامارات الفقاهية و ان كانت كلتا الطائفتين من الإنيات لا اللميات و لا فرق فى ذلك بين المذاهب فى هذه الاصول و مقام الكلام المشبع فى ذلك غير هذا المقام ثم لا يخفى ان بعض ما يثبت نفس الموضوع من اصل عدم الزيادة ليس التعويل فيه على الاستصحاب بل مقتضى الاستصحاب فى مجاريه هو الحكم بالزيادة بل من باب الظهور و الغلبة

تقديما اياهما فيها على الاستصحاب كما هو الشأن فى الموضوعات المستنبطة و هكذا الامر فى اصل عدم التبديل و التحريف نظرا الى عدم كون مجاريهما من مجارى الاستصحاب لكون الشك فيها شكا فى الحادث‏ تذنيب‏ قال البعض الظنّ بحجية الاستصحاب من باب الاسباب ليس بحجة فى الموضوعات المستنبطة و هو حجة فيها بناء على حجية الاستصحاب فيها من باب الوصف فاحتج على الاول بالاصل الاولى الخارج عنه بالدليل الظن بالحكم الواقعى و الظاهرى المسبّب من الدليل بلا واسطة و بفقد المعمّم من الاجماع و العقل هاهنا مضافا الى ان التمسّك هاهنا بقولهم (ع) لا ينقض الخ مستلزم لعدم جوازه بيانه ان التمسك بالاخبار فى اثبات الاحكام على الابتناء على الاصلين من اصل عدم السّقط اذا شك فى اسقاط الراوى شيئا و من اصل عدم الزيادة اذا شك فى الحاق الراوى شيئا و مبنى الاول واضح او مرجع الشك فيه الى الشك فى ان الصادر من الائمة (ع) هل هو القدر الصّادر من الراوى ام ازيد فالاصل عدمه و مبنى الثانى غير واضح اذ الشك فى الزيادة و عدمها يرجع الى ان الصادر من الائمة (ع) هل القدر الذى‏

321

رواه الراوى او انقص عنه فلا ريب ان الاصل عدم صدور ما احتمل زيادته من الراوى عن الائمة (ع) فيكون الاصل هو الزيادة فح لا يصح التمسّك هاهنا بلا تنقض و نحوها لاحتمال ان يكون اللفظ الصادر هنا هو انقض فقد استبان عن ذلك ان لازم صحّة التمسّك بالاخبار عدم جواز التمسّك بها و هذا محال و احتج على الثانى بان الملازم لهذا هو الظن بالحكم الفرعى الواقعى الذى دال الدليل على حجّيته هذا لب مرامه و ستطلع فى بعض المباحث الآتية على ما فيه إن شاء الله اللّه تعالى‏

خزينة: فى تحرير محل النزاع‏

خزينة اعلم ان غير ما ذكر من الاصول فى الموضوعات المستنبطة داخل فى محل النزاع و ليس شي‏ء غيرها يكون مما اتفق على اعتباره هذا و قال البعض يظهر من بعض المتاخرين كون الاستصحاب العدمى ايضا داخلا فى محل النزاع و الحق خلافه للاجماع المحكى عن الفاضل الجواد (ره) و صاحب الرياض و لاتفاق العلماء على التمسّك بالآيات و الاخبار و التقريب واضح اذ دعوى قطعية الدلالة عند الكلّ فاسدة فهذا يكشف عن اتفاقهم على حجية الاصول العدمية و لا شعار بعض ادلة القوم من ان الثابت اولا قابل للثبوت ثانيا و الا انقلب من الامكان الذاتى الى الاستحالة بذلك بل ظهوره فيه اذ احتمال اعميّة النزاع مع اخصّية الدليل بعيد عن الصّواب و لان الظاهر من قولهم اختلفوا فى استصحاب الحال هو الوجودى مضافا الى تصريح البعض بذلك هذا و انت خبير بان ظاهره يعطى انسحاب هذه المقالة فى كل العدميات و فى كلماته فى مواضع أخر ما يوجد شواهد لذلك و من ذلك ما قال فى موضع ان ثمرة الحجية فى الموضوع المستنبط تظهر فيما وجد فيه استصحاب وجودى غير مقارن لاستصحاب عدمى‏ (1) حال عن الاستصحاب الوجودى معارض بالاستصحاب العدمى المنضم الى الوجودى فلو قلنا بحجية الاستصحاب فى الموضوع المستنبط اخذنا بالوجودى المنضم الى العدمى لتعارض العدميّين و بقاء الوجودى سليما عن المعارض و لو لم نقل بالحجية لم نقل كل و لا يظهر ثمرة للنزاع فيما كان فيه استصحاب وجودى معاضد مع الاستصحاب العدمى لما عرف من خروج الاستصحاب العدمى عن محل النزاع فانه حجة عند الاصحاب هذا و لا يخفى عليك ما فى هذه الدعوى من الغرابة بل من الغفلة الواضحة عن كلمات القوم فانهم ما اشاروا الى خروج العدميات على سبيل الاطلاق و الكلية عن محل النزاع فضلا عن التصريح به و يرشد الى ذلك نقل جمع فى مقام عدّ الاقوال المفصّلة قول اكثر الحنفية من حجية الاستصحاب فى النفى دون الاثبات فلو كان الامر كما ذكر هذا القائل لما كان لذكر هذا و عدّه من الاقوال المفصّلة وجه اصلا و اما ما نسبه الى الفاضل الجواد و صاحب الرياض فمن الانتسابات التى لم يظهر لها عين و لا اثر و كيف لا فان الولدين الاجلين العالمين الخبيرين لصاحب الرياض لم ينقلا هذا عنه و لا عن غيره مع كونهما حريصين فى نقل الاقوال و اخذ كلمات القوم بمجامعها بل ان ولده الاكبر صاحب المفاتيح ممن يستشكل فى الاعتماد على مجرد الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة و ممّن يميل الى اشتراط حصول الظن بالغلبة و نحوها و اشرنا الى حاصل مرامه فى الخزينة السّابقة و ان ولده الاصغر العالم الاورع الا زهد صاحب الرّسالة الجيّدة فى الاستصحاب قال فيها فى مقام ذكر ادلة حجية الاستصحاب و للقول بالحجية وجوه عديدة الاول ان ما يثبت يدوم لان الباقى لا يحتاج فى بقائه الى علّة بل علة لوجود علة البقاء و فيه نظر اذ هذا الدليل اخصّ من المدعى لان مقتضاه حجية الاستصحاب فى الامور الوجودية خاصّة مع ان المدّعى اعم منهما هذا فتنظره بذلك كاشف عن دخول العدميات فى حريم النزاع و الا لما كان له وجه اصلا و فى كلماته شواهد أخر لما قلنا و من جملتها قال فى موضع آخر و الحاصل ان الاقسام المزبورة و هى الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة و استصحاب حكم النص و استصحاب الاشتغال و استصحاب ما ثبت عند الشك فى عروض القادح و استصحاب البراءة الاصلية خارجة عن محلّ الخلاف فى المسألة اما الاربعة الاول فللحجية و اما القسم الاخير فلان له عنوانا على حدة هذا و بالجملة فان مدّعى هذا القائل كادلته مما وقع فى غير محله فان كلا منها مدخول من وجوه عديدة كما لا يخفى على الفطن و بعد الغض و الاغضاء عما اشرنا اليه نقول انه لو كان حجية الاستصحاب فى العدميات على سبيل الإطلاق و نهج الارسال اجماعية لكان النزاع فى حجية فى الوجوديات لغوا خاليا عن الثمرة اذ لكل شي‏ء وجودى ضد او اضداد فيجرى استصحاب عدم وجود المتفق عليه على زعم هذا القائل فيثمر ثمرة استصحاب نفس ذلك الشي‏ء الوجودى اذ نفى احد الضدين مستلزم لاثبات الآخر فاذا شك فى بقاء الطهارة او فى بقاء الوجوب مثلا لا يستصحب الطهارة السابقة و لا الوجوب حتى يقال انه فيهما من الخلافيات بل اصل عدم طرو البول و نحوه و اصل عدم الحرمة و الكراهة و الندب و الاباحة هذا و اما الذب عن ذلك بان تحقق امثال هذه الاصول العدميّة فى موارد الاستصحابات العدمية الوجودية غير مغنية عن البحث فى الوجوديات لان هذه الاصول‏

و ان كانت عدمية إلّا انها اصول مثبتة فلا يعوّل عليها و من المعلوم ان نفى احد الضدين لا يوجب اثبات الآخر الا على تقدير حجية الاصول المثبتة و لعل عدم حجيتها مما قد اجمع عليه فلا يصير النزاع فى هذه المسألة خاليا عن الثمرة و ان سلم حجية الاصول العدمية فى حد ذاتها فمما لا وقع له اصلا و لا مخر له قطعا لا لما قد يتوهّم ان عدم اعتبار الاصول المثبتة لا يتمشى الا على القول النادر من كون حجية الاستصحاب من باب السّببية لا على القول المشهور فيها من اناطة الامر على الظن الاستصحابى لان قضية عدم اعتبار الاصول المثبتة تتمشى حتى على القول بحجية الاستصحاب من باب الوصفية خصوصا على القول بالاقتصار على الظنون الخاصّة على انه يمكن ان يقال ان التعميم من اصحاب‏

____________

(1) كما تطهير مما وجد فيه استصحاب عدمى‏

322

من اصحاب القول بالوصف غير معلوم و لعلهم يقتصرون على غير الموارد التى يترتب فيها الاحكام بتوسيط امور عادية و ان دعوى شذوذية القول بالتعبّدية فاسدة بل القيل المش بين المتاخرين هو هذا القول بل لان القول بعدم اعتبار الاصول المثبتة قول مستحدث من الفاضل التونى (ره) و لم يتبعه فى ذلك الا طائفة من علماء النجف و ادّعاء كونه مجمعا عليه او مشهورا من المجازفات الصّرفة على ان مادة النقض غير منحصرة فيما اذا كان الاصل العدمى من قبيل الاصول المثبتة فان مسئلة استصحاب الطهارة مما ليس منه قطعا و ان هذا القائل الذى قد صدر عنه دعوى خروج الأصول العدميّة عن محل النزاع و ساق على طبقها الوجوه و الادلة ليس ممن يفصّل بين الاصول المثبتة و غيرها كما لا يخفى على من تتبع كلماته و عقد الباب ان هذه الدعوى مما لا تستصح و لا تستقام فهى من الغفلات الواضحة فغاية ما يتمشى فى تصحيح كلام هذا القائل تنزيل دعواه على العدميات الغير الملازمة للوجوديات من الاصول العدميّة اللفظية فهذا احسن من كل توجيه يستصح به كلامه اذ لا ضير فى هذا اصلا إلّا انه يستلزم اخراج كلامه عن ظاهره و الامر فى مثله سهل ثم لا يخفى عليك ان ما نقلنا عن السيّد الاورع الازهد ولد صاحب الرياض من مفروغية الكلام و عدم تحقق الخلاف فى جملة من الاستصحابات و منها استصحاب الاشتغال و استصحاب ما ثبت عند الشك فى عروض القادح مما لم يقع فى محلّه ايضا فامثال هذه الكلمات كما عن البعض من ان مفروغية الكلام عن الاصول العدمية فى مورد من الموارد من حيث اندراجها تحت الاستصحاب الذى يلاحظ فيه مراعاة الحالة السّابقة غير معلومة لنا و لا نمنع اعتبارها من حيث اندراجها تحت ساير القواعد كالبراءة و قاعدة عدم الدليل دليل العدم او كونها موجبة للظن المسلم حجية فى اللغة او اندراجها تحت القاعدة المسلّمة التى استقرت عليها سجية العقلاء من البناء على العدم لو شك فى وجود شي‏ء و عدمه لا بمعنى ان يترتّب على المشكوك جميع احكام العدم حتى الاحكام التى من جملة لوازمه الشرعية المترتبة عليه لو قيل بحجية الاستصحاب من باب الشرع بل مجرّد الحكم بالعدم لا غير من الكلمات الواقعة فى طرفى الافراط و التفريط و قد مر بعض ما يدل على ذلك و ياتى فى المباحث الآتية ما يرشد اليه و يبيّنه‏

خزينة: فى تحقيق الحق فى حجّية الاستصحاب‏

خزينة اعلم ان مقتضى التحقيق على ما يسنح لى الآن هو حجية الاستصحاب فى كل ما يتعقل فيه و يجرى فيه القاعدة المتقدمة من قاعدة الجريان و الملحوظ فى هذه الخزينة اقامة الدليل على حجية فى الجملة فى قبال القول بالسّلب الكلى ثم يشير فى خزائن أخر معنونة لبيان ادلة الاقوال الأخر الى وجوه التعميم فى تضاعيف رد تلك الادلة بل ان هذه الخزينة ايضا اذا امعن النظر فيها يمكن ان يستفاد منها ما يعطى التعميم‏

فى بيان صحيحتا زرارة فى هذا المجال‏

و كيف كان فالحجة فى ذلك جملة من الاخبار فمنها صحيح زرارة عن الباقر (ع) قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوءا يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فاذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء قلت فان حرّك الى جنبه شي‏ء و لم يعلم به قال لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك امر بين و الا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر الحديث و التقريب باشتماله على برهان صغراه فانه يقين من وضوئه و كبراه و لا ينقض الخ و لا ينزل على افادته قانونا فى الوضوءات خاصّة اذ هو قد علم من السّابق جدّا فلو لم يبق على ظاهره الذى يعطى قاعدة سارية فى جميع موارد الشكوك و قاطبة ما يتعقل فيه مغيا جريان الاستصحاب لزم التكرار مضافا الى نحو من اتحاد الدليل و المدلول فالاحتجاج بالخبر مما فى مخره و ان فرضنا عدم كون الجنس حقيقة خاصّة او كون اللام حقيقة فى العهد خاصّة او افادة توجّه النفى الى العموم سلبه على وجه الحقيقة و الظهور و بالجملة فان معينات الحمل على ما يعطى قانونا كليا من نهج استدلال الامام (ع) و تعليله الكائن دليلا فى نفسه من جهة النصّ بالعلة و ما فى ذيل الخبر من لفظ ابدا و لزوم التكرار و نحو من اتحاد الدليل و المدلول لو لا هذا و التبادر العرفى من الخبر باخذ صدره و ذيله مع الغضّ عن الكل مما لا ينكر على ان اللام حقيقة فى الجنس و ما يصلح للحمل على المجاز غير القرينة و الجنس بمنزلة النكرة فالعموم يستفاد من النكرة فى سياق النفى لا من اللام فلا حاجة الى تجشم ان هذا خارج عن القانون بالسياق كما فى بعض الآيات و لا فرق فيما قلنا بين تعلق الاحكام بالطبائع و عدمه و اما الاستشكال فى البرهان الذى هو يستنبط عن الفقرتين من ان الوضوء يقينى و كل يقينى لا ينقض بالشك ابدا بان ما قرر انما دل على التعميم فى اليقين دون الشك و بدون التعميم فيهما مع لا يتم المط على انه لا يلزم لكلية الكبرى تعميم اليقين بحيث يشمل كل يقين بل يكفى التعميم فى الوضوء بان يقال انه على يقين من الوضوء و لا ينقض يقين وضوء بالشك فهذا اليقين لا ينقض بالشك فمن الاشكالات التى قد علم جوابها فلا حاجة الى الاعادة و بالجملة فالمط واضح و لا ضير فيما قلنا اصلا الا انّ الكلام على البناء عليه مما يحتاج الى اضمار الجزاء لكلمة و الّا الكامنة بمعنى ان لم يستيقن و الجزاء المضمر هو فلا يجوز له النقض او نحوه فلا غائلة فيه ايضا فانه كثيرا ما يحذف الجزاء و يقوم السّبب مقامه و هو فى الكتاب غير عزيز و كذا فى الخطب و كلمات البلغاء قال اللّه تعالى‏ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ‏ و فى الاشعار الفصيحة فان تفق الانام و انت منهم فان المسك بعض دم الغزال على ان جعل قوله (ع) فانه على يقين جزاء لا صغرى للبرهان مما لا وجه له ظاهرا لان التعليق و الترتّب مما قد اشترط بين الجزاء و الشرط و هذا مفقود هنا على هذا التقدير الا ان يحمل فانه على يقين على الانشاء و هذا و ان كان مما يصحح الترتب و يلزمه‏

323

عدم تمشية الاحتجاج بالخبر على المط نظرا الى ان التقدير يكون ح و ان لم يستيقن و لم يجئ منه امر بين فليكن على يقين من وضوئه فى الظاهر و لا ينقض اليقين بالوضوء الظاهرى او مط اليقين الظاهرى بالشك فيكون مفاده لزوم العمل بالحكم الظاهرى لا حجية الاستصحاب الذى الملحوظ فيه الحالة السّابقة على نهج المعيار المزبور إلّا انه مما يلزمه ارتكاب خلاف الاصل من وجوه كثيرة فكما لا يصحّ جعله جزاء كذا لا يصحّ هذا و ان اضيف اليه الفقرة الاخرى كما لا يخفى على الفطن ثم الظاهر من الخبر لزوم العمل بالاستصحاب الذى خلا عن المعارض او ما له معارض مرجوح كما فى مورد السؤال و امر الاستصحابين المتعارضين مما لا دلالة للخبر عليه فهذا يندفع ما قد يتوهّم ان الحمل على غير المعارض كالحمل على الكل لكن باخذ الوجوب عينيا فى البعض و تخييريا فى البعض مما فى غير محله لاستلزام الاول التخصيص الموردى مضافا الى تخصيص الاكثر و لاحتياج الثانى الى ارتكاب خلاف الاصل من التجوز مع انه لا قرينة و نحوه على ان الامام (ع) قد حكم فى الخبر بالعينية هذا فوجه الاندفاع ظاهر فلا حاجة الى الاطالة و قد يقال ان للخبر دلالتين إحداهما على العينية و الاخرى على المنع من الترك و هى المرادة حين المعارضة هذا و فيه من التعسّف ما لا يخفى ثم لا يخفى عليك ان جملة من المناقشات من ان الحمل على العموم مستلزم للتخصيصات الكثيرة بل تخصيص الاكثر و من انه مستلزم للقول بعدم حجية الاستصحاب نظرا الى كون صدور الخبر مما يجرى فيه الاستصحاب و من ان قوله (ع) لا تنقض اليقين الخ لو حمل على الأخبار لزم كما يلزم عدم جواز العمل بالاحتياط فى موارد الاستصحابات لو حمل على الانشاء من المناقشات البعيدة اذ الاولى من الغفلات المحضة لان ما ينقض فيه حكم الاستصحاب بالاخبار و القواعد بل بمطلق الظنون المعتبرة ليس نقضا بغير اليقين فهذا من قبيل التخصّص الموردى لا من قبيل التخصيص فلا حاجة الى القول بانّ ما ذكر من قبيل التقييد و لا ضير فيه و ان بلغ ما بلغ كما لا حاجة الى التزام جواز تخصيص الاكثر على ان الاول من الامور الواقعة فى غير محله و اما الثانية فالغفلة فيها اوضح لما تقدّم من قيام الظن بالصدور مقام القطع مع عدم كون ذلك من التخصيص فى شي‏ء لقيام الدليل على اعتباره على ان الخبر لا ينصرف إلّا الى غيره و اما دفع الثالثة فبان الاخبار ليس عن احوال المكلفين بل عن الحكم الواقعى فلا ضير فيه اصلا كما لا ضير فى الحمل على الانشاء اذ النهى واقع فى مورد توهّم الوجوب على ان العمل بالاحتياط غير النقض ثم لا يخفى عليك ان المراد باليقين هو الاعم من اليقين الوجدانى فيشمل الظن الذى قام الدليل على الاعتماد عليه كما ان المراد بالشك هو الاعم الشامل لمعناه الاخصّ الذى ادعى كونه فيه حقيقة خاصّة بحكم جملة من الامارات و للوهم و الظن الغير القائم على اعتباره دليل و ذلك كما نشاهده من فهم العلماء و سجيتهم فى الاحتجاج بهذا الخبر على انه يمكن دعوى ظهور ما قلنا من سياقه و كيف كان فلا بد من حمل اليقين على المتيقن او ارتكاب اضمار قبله لامتناع اجتماعه مع الشك فى ان واحد إلّا ان يقال ان هذا مما لا ضير فيه بعد اختلاف متعلقهما هذا و اما حمله على الظن الفعلى كحمل الشك على مجرّد الاحتمال و اخراج الخبر بهذا عن صحّة الاحتجاج به على المط تفصّيا بذلك عن قضية عدم اجتماع اليقين و الشك فى زمان واحد و تشبثا بان حمل اليقين على اليقين تقييد بالفرد الغير الظاهر و المجاز اولى منه فمن المجازفات الصّرفة و المصادرات المحضة و المستلزمة لمحاذير كثيرة من مخالفة الاصول الكثيرة و غيرها و منها حمل الوضوء على الاثر الحاصل منه اى الطهارة كما ان منها لزوم اخصّية التعليل فى الخبر من المدعى فيه بل ان ذلك يعطى عدم صحة الاحتجاج به حتى فى مورد السؤال فيه على نهج التعميم الذى يستدل الفقهاء به فى صوره المتصورة و كيف كان فقد انصدع عن تضاعيف ما تلونا عليك ان الخبر يعطى قاعدة اخرى ايضا و هى ان الظن بالخلاف لا يضر الاحتجاج بالاستصحاب فهى مما تستفاد من ملاحظة فقرات منطوقا و مفهوما فتلك عينت حمل الشك على المعنى الاعم مع كونه اخص لغة على ما يقتضيه التحقيق بحكم الامارات من التبادر و غيره فقد ظهر مما قررنا فساد مقالة من حكم بعدم وجوب الطهارة لمن ظن الطهارة بعد الحدث‏

استنادا الى اصل البراءة و زعما منه سلامته بعد تعارض المفهومين من فقرة لا ينقض اليقين بالشك و من فقرة و لكن تنقضه بيقين آخر هذا و انت خبير بان مع الغض عما قدّمنا و البناء على اخصيّته الشك ايضا لا تقاوم مفهوم الفقرة الاولى الضّعيف لمعارضة امور كثيرة دالة على انه لا تنقض اليقين الا باليقين هذا و اعجب من الكل غفلة البهائى (ره) حيث اناط الامر فى مسئلة الطهارة و الحدث مط حتى فى صورة تقدم الطهارة على الظن قائلا ان‏ (1) الاستصحابى لا يبقى على نهج واحد بل قد يضعف بطول المدة الى ان يتساوى و الطرفان او يصير الراجح مرجوحا فالمدار على الظن ما دام باقيا و ان ضعف هذا و اشد تعجبا منه تنظره فى حكم العلامة (ره) بعدم الالتفات الى الظن فيما ظن الحدث و تيقن الطهارة و بالجملة فالخبر فى غاية الاتضاح فى الدلالة على المط فصدور امثال ما ذكر من جمع فى اخراجه عن ظاهره مما لا يقدح فى الاحتجاج به على ما قلنا كما قلنا كما لا يقدح فيه التشبث بطائفة من المناقشات من ان مفهوم قوله (ع) فاذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء الخ مخالف لما عليه الفقهاء كما ان فى ترتيب وجوب الوضوء على الامر المذكور مخالفة لما عليه المعظم بل الكل من كون الوضوء من الواجبات الغيرية لا النفسيّة فيقع الوهن بذلك فى الخبر فيسقط عن درجة الاعتبار كما يقع‏

____________

(1) الظن‏

324

كما يقع الوهن فيه باختلاف النسخ بالنسبة الى بعض الفقرات حيث وقع فى بعضها تنقض و لا تنقض بصيغة الخطاب و فى بعضها بصيغة الغيبة و وقع فى بعضها مكان لكن تنقضه الخ انما تنقضه هذا اذ غاية ما يلتزم فى الاول تخصيصه بالدليل و فى الثانى ان المراد بالوجوب هو الثبوت و فى الثالث ان مثل هذه الاختلافات لا ينبعث عنه الوهن كما لا يخفى على الفطن فمن امعن النظر فى هذا الخبر و اجاد فكره فيما قررنا يظهر له صحة الاحتجاج به فى كل مقام من المقامات فيما يتعقل فيه معيار جريان الاستصحاب و ستطلع على زيادة توضيح و اتقان فيما يفيده الخبر فى جملة من المقامات و طائفة من الخزائن الآتية ثم ان من جملة تلك الاخبار صحيحة لزرارة رواها الشيخ فى باب طهارة الثياب و البدن من النجاسات عنه (ع) انه قال قلت أصاب ثوبى دم رعاف او غيره او شي‏ء من منىّ فعلمت اثره الى ان اصيب له الماء فاصبت و حضرت الصّلاة و نسيت ان بثوبى شيئا ثم انى ذكرت بعد ذلك قال يعيّد الصّلاة و تغسله قلت فان لم اكن رايت موضعه و علمت انّه اصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد قلت فان ظننت انه قد اصابه و لم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال تغسله و لا تعيد الصّلاة قلت لم ذلك قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا قلت فانى قد علمت انه قد اصابه و لم أدر أين هو فاغسله قال تغسل من ثوبك الناحية التى ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك قلت فهل على ان شككت فى انه اصابه شي‏ء ان انظر فيه قال لا و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذى وقع فى نفسك قلت ان رايته و انا فى الصّلاة قال تنقض الصّلاة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رايته و ان لم تشك ثمّ رايته رطبا قطعت الصّلاة و غسلته ثم بنيت على الصّلاة لانك لا تدرى لعله شي‏ء اوقع عليك فليس ينبغى ان تنقض اليقين بالشك الحديث فاعلم ان هذا الحديث الشريف مما يعطى قواعد كثيرة و مما يستنبط منه احكام وفيرة فمنها حجية الاستصحاب على التقريب السّابق و منها تقديم الاستصحاب المزيل على المزال و هذا مما كان قد افاده الخبر المتقدم ايضا و منها عدم لزوم البحث و الفحص فى العمل به فى الموضوعات الخارجيّة و ذلك لمكان قوله (ع) لا بعد سؤال السائل بهل على ان شككت الخ و لعلّ مستند الاجماع فى عدم لزوم البحث فى العمل به فيها هو هذا الحديث الشريف و منها كون حجية الاستصحاب من باب التعبّد و السّببية مط لا لاجل الوصف في ذلك الفقرة قلت فان ظننت انه قد اصاب الى قوله قال تغسله و لا تعيد الصّلاة و التقريب فى غاية الاتضاح و منها اجراء حسن الاحتياط فى الامور العامة من الملبوسات و المفروشات و الماكولات كغيرها و ذلك لمكان قوله (ع) و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذى وقع فى نفسك و التقريب غير خفى و ان لم يحمل على الانشاء فيكون هذا مما يدل على بطلان ما عليه البعض من عدم اجرائه فيها و منها جواز العمل بالظن فى الموضوعات الخارجية و كونه حجة فيها كما فى غيرها و ذلك لمكان قوله (ع) تغسل من ثوبك الناحية التى ترى انه قد اصابها الخ و التقريب بان المراد من قوله (ع) ترى تظن لان حمله على معنى تعلم مما يمنعه جلالة شان زرارة لان وجوب غسل ما علم كونه نجسا مع العلم بالموضع الذى اصابه مما لا يرتاب فيه اغنياء العوام فكيف يسأل عن مثله زرارة و بالجملة فان حمل هذا اللفظ سواء كان مشتقا من الراى او الرؤية على ما ذكرنا دون غيره من العلم او المشاهدة بحسّ البصر و ان كان ذلك على نهج التجوز مما يعيّنه امور و منها سياق هذه الفقرة سؤالا و جوابا كما لا يخفى على من له دربة فى فقه الاخبار فان قلت ان هذا ينافى ما قدّمت مما استفدته من بعض الفقرات من ان حجية الاستصحاب من باب التعبد و السببيّة مط فمقتضى ذلك عدم الاكتفاء بغسل الناحية المظنون نجاستها فالبناء على ما ذكرت آنفا يناقض ذلك جدا فلا بد من حمل ترى على غير ما حملت صونا عن وقوع التدافع و احترازا عن التناقض مع ان تعليله (ع) حتى تكون على يقين من طهارتك مما

يعين ما قلنا و يدفع ما قلت جدّا قلت الظن فى الموضوعات الخارجيّة على قسمين ظن حاصل قبل الفحص و البحث و ظن حاصل بعدهما فالذى لا يعول عليه و لا يقدح مخالفته للاستصحاب فى التمسّك به هو الاول دون الثانى فالثانى مما يقدم على الاستصحاب ورود المنجز على المعلق فليس التوجيه المستقيم و التوفيق الصّحيح بين الفقرات الا بما قررنا و بنينا عليه الامر فيستفاد من ذلك كله ان الظن الحاصل بعد الفحص و البحث مما هو منزل منزلة اليقين فى الشرع فيكون الخبر رادا لمن اطلق القول بعدم التعويل على الظن فى الموضوعات زعما منه فقد ما يعطى حجيته فيها و منها قاعدة الاجزاء فى الظاهريات الشرعية يعنى اذا اتى المامور به على الوجه الظاهرى ثم انكشف الخلاف فالتقريب بقوله (ع) لانك كنت على يقين من طهارتك الخ بعد سؤال السائل فلم ذلك مستفسرا به وجه حكمه (ع) بعدم اعادة الصّلاة فى الفقرة السابقة مع انه كان شاكا فى وصول النجاسة و عدمه قبل الشروع فى الصّلاة فاذا افاد الخبر جريان هذه القاعدة فى الظاهريات الشرعية و حجيتها يتم الامر فى غيرها من الواقعيات الاختيارية و الواقعيات الاضطرارية و الظاهريات العقلية بالاجماع المركب على ان الاولى مما هو عن غنية عن تجشم الاحتجاج بقاعدة الاجزاء عليها و بعد الغض عن ذلك يصح فيها كالثانية التمسّك بالاولوية القطعية ايضا و بالجملة

325

فان كل ذلك واضح إلّا انه يمكن منع الاجماع المركب بالنسبة الى الظاهريات العقلية فان البعض لم يقل فيها بالاجزاء هذا و يمكن اثبات القاعدة و اجرائها فى الصور الاربعة و اثبات حجيتها فى الصور الاربعة و اثبات حجيتها فيها باسرها و ذلك بملاحظة ما مرّ مضافا الى ملاحظة تنقيح المناط و اناطة الامر على اليقين مط و كيف كان فان القاعدة المستفادة من هذه الفقرة على طبق الاصل الاولى على مذاق من يجرى اصل البراءة فى مهيات العبادات و اما على مشرب القائل بقاعدة الشغل فيها فيكون هذه القاعدة واردة عليها ورود المنجز على المعلق مسدّدة بسجية اهل العرف و العقلاء فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل و منها قاعدة صحة عبادة الجاهل بالحكم الوضعى اذا طابقت الواقعى و ذلك لقوله (ع) لانك كنت على يقين و التقريب غير خفى لكن من ملاحظة كون السؤال عما وقع او عن الاعمّ منه و مما وقع و تنزيله على ما يقع خاصّة كدعوى ظهور كونه لاجل الجهل بالموضوع لا الحكم حتى لا يكون للخبر اثر من هذه القاعدة مما لا يقبله الذوق السّليم ثم لا يخفى عليك ما يفيد هذا الحديث الشريف من الاحكام الفقهية من لزوم الاعادة على من علم بالنجاسة فصلى بها ناسيا مط و من عدم لزوم الاعادة مط اذا ظن وصول النجاسة فنظر و لم يجدها ثم وجدها بعد الفراغ و من عدم جواز الصّلاة لمن علم بالنجاسة و لم يعلم مكانها الا بعد القطع بالزوال فالمفصّل فى الاول بخروج الوقت و عدمه كالمفصّل بذلك فى الثانى محجوج بالخبر و كيف كان فقد يستفاد منه شي‏ء آخر و هو ان من وجد النجاسة فى الاثناء و كان ممن سبق له العلم فعليه قطع الصّلاة و الاستقبال و هذا هو الذى افاده قوله (عليه السلام) تنقض الصّلاة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رايته و المراد بالشك هنا الشك فى موضع من الثوب بمعنى هل النجاسة فيه ام لا و بهذا يجمع بينه و بين ما فى بعض الفقرات هذا و يستفاد منه ايضا حكم آخر و هو ان من لم يسبق له العلم بالنجاسة اذا وجدها فى الاثناء وجب عليه التطهير ان امكن و البناء على ما مضى من الصّلاة و هذا هو المستفاد من قوله (ع) و ان لم تشك ثم رايته رطبا قطعت الصّلاة و غسلت ثم بنيت الخ فالمراد من القطع هو الاشتغال عن الصّلاة بالغسل و التطهير بقرينة قوله (ع) ثم بنيت على الصّلاة و بقرينة قوله (ع) لانك لا تدرى لعله شي‏ء اوقع عليك ثم لا يخفى عليك ان ما مضى فى الخبر السابق من جملة الابحاث و الاجوبة عنها يجرى هاهنا ايضا نعم ان بعضا من الابحاث مختص بالسّابق هذا و قد يتوهم البعض ان قضية حمل اللام على العهد هنا اولى لان الكلام صريح فى ان المط عدم وجوب الصّلاة فاستدل هكذا لا تعاد الصّلاة لان الطهارة متيقنة و الحدث مشكوك به و لا ينقض يقين الطهارة بالشك فى الحدث و قوله (ع) ثم شككت مع قول زرارة فان ظننت شاهد على حكم الظن مع اليقين السّابق هذا و انت خبير بان ظهور الخبر كالسّابق فيما بيننا الامر عليه مما لا يخفى على احد و للخبر فى نفسه على ذلك شواهد و قرائن و لعل هذا المتوهم توهم ما ذكر لمكان فاء التفريع فى قوله (ع) فليس الخ اى لما كان الامر على هذا الحال لم يكن لك ان تنقضه بالشك و فيه ان مثل ذلك لا يقاوم لما قررنا فى السابق على انه يمكن ان يقال ان الكلام مبتنى على الحذف و الايصال و المعنى فلا ينقضه بالشك اذ ليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا و إلّا فلا وجه لتفريع ما بعد ليس على كونه على يقين من طهارته ثم شك و فى قوله اخيرا لعله شي‏ء الخ شاهد آخر اذ المراد فليس ينبغى لك ان ترتكب بنقضك يقينك هذا بالشك ما هو محظور من نقض طبيعة اليقين بطبيعة الشك هكذا افاد بعض الاجلة و هو مما فى محلّه‏

فى ذكر جملة من الأخبار الدالة على حجّية الاستصحاب‏

ثم ان من جملة الاخبار ما فى الكافى فى باب السهو فى الفجر و المغرب و الجمعة فى الصّحيح عن زرارة عن احدهما (ع) قال قلت له من لم يدر فى اربع هو ام فى ثنتين و قد احرز ثنتين قال يركع ركعتين و اربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يشهد و لا شي‏ء عليه و اذا لم يدر فى ثلث هو او فى اربع قام فاضاف اليها اخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك فى اليقين و لا يختلط احدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبنى عليه و لا يعتد بالشك فى حال من الحالات الحديث و دلالته على المط اوضح من ان يبيّن و ان كان ما تضمنه لحكمين على خلاف ما عليه المعظم بل الخلاف فى الاول انما يحكى عن الصّدوق حيث حكم بالاعادة و فيه رواية فيصير من هذا الوجه مخالفا لما عليه الكل و فى الثانى انما يحكى عنه و عن ابن الجنيد حيث حكما بالتخيير بين البناء على الاقل و الاكثر جمعا بين هذا الخبر و ما دل على البناء على الاكثر و ربّما قوى بعض المتاخرين التخيير فى الاول ايضا لذلك ثم ان فيه اشكالا آخر و هو ان المراد مما فى هذه الفقرات من اليقين و الشك اما العموم او الفرد المعهود فعلى الثانى يخرج عن حيز الاحتجاج به على المط مع كونه مما يؤكد ما لم يقل به احدا و الشاذ النادر و على الاول يلزم تخصيص المورد و هو مما يستهجن و يستلزم الهذرية و من هنا ينصدع ضعف ما يتفصّى به عن قضية مخالفة الكل او الجل من انه كالعام المخصّص ح فلا ضير فيه هذا و يمكن الذب عن ذلك كله بان ما فى الصّدر يحمل على ركعتى الاحتياط بل يمكن ادعاء انه لا ظهور له فى غير ذلك كما يحمل ما بعده على صورة التروى و الفحص و البحث و الظن بالاقلّ فيكون المقصود انه لا ينقض اليقين الذى هو عبارة عن الظن بالاقل بعد التروى و الفحص بالشك الحاصل البدوى قبله و بعده و قد مرّ نظير ذلك فى الخبر السابق فاذا كان الامر على ذلك المنوال يندفع قضية ان حمله على العموم مستلزم تخصيص المورد فيكون الخبر مما يعطى‏

326

يعطى ضابطا كليا كسائر اخبار الباب و كيف كان فلا بد من بيان فقرات هذا الخبر فانها قد وقعت فى جملة من الاخبار ايضا و قد تصدى البعض لذلك و حاصل كلامه بعد ذكر معنى الفقرة الاولى هو ان المراد بالفقرة الثانية انه لا يدخل حكم الشك على المتيقن ابدا و لا يخلط حكم احدهما مع حكم الآخر بان يردا على محل واحد بل كلّ متيقن له حكم فله ذلك الحكم الى ان يرد عليه حكم يقين آخر فلا يرد حكم الشك عليه اصلا و اما الثالثة فمعناها انه لا يلتفت الى الشك و لا يعتمد عليه و لا يعمل بمقتضاه فمفاد ذلك لزوم العمل بمقتضى اليقين السابق اذ لولاه فاما ان يقال بانتفاء الحكم السّابق من جهة الشك السّابق او لا يحكم بوجوده و لا عدمه و كل منهما عين الاعتداد و الالتفات اليه و اما الرابعة فالمراد بها اما امضاء المتعلق اليقين السّابق اى ابقائه او احكامه هذا و انت خبير بان مرجع كل ذلك الى شي‏ء واحد فيكون مما فيه من التكرار الزائد و هذا خلاف ما نشاهد من ديدنهم (ع) فاقول انه يمكن ان يكون المراد بالثانية بيان ان الشك لا يدخل على اليقين اى انّ الشك لا يرد و لا يقدّم و ان كان مجامعا مع العلم الاجمالى على اليقين التفصيلى فيستفاد منها قاعدة تقديم الاستصحاب على الاشتغال حين التعارض فيكون قوله (ع) و لا يخلط احدهما بالآخر من القرائن على ذلك ثم يكون المراد من هذه الفقرة بيان انه كما لا يرد الاشتغال على الاستصحاب كذا لا يتحقق المساواة فى مقام المعارضة بينهما حتى يحتاج الى مرجح فيكون قوله (ع) و لكنه ينقض الشك باليقين مما يفسر ذلك و يبيّنه جدا فكما يستفاد من ذلك تقديم الاستصحاب على الاشتغال كذا يستفاد منه تقديمه على قاعدة الاحتياط و قاعدة المقدمة العلمية ثم المقصود من قوله (ع) و يتم على اليقين فيبنى عليه بيان ان هذا الاتمام من قبيل الاتمام فى الحكم الالزامى فيكون مما فيه اشعار بعدم نفى الاحتياط ندبا ثم يكون قوله (ع) فى الفقرة الاخيرة مما يعطى ضابطا كليا فى باب الاستصحاب فيؤدّى حجيته فى كلما يجرى فيه المعيار المذكور و يتاتى فيه قاعدة الجريان فيكون رادا للمفصّل فى هذا الباب باىّ تفصيل فصّل ثم لا يخفى عليك ان قوله (ع) و يتمّ الامر على اليقين يفيد شيئا آخر ايضا و هو ان الاستصحاب مما لا يجب فيه البحث عن المعارض نعم قد خرج عنه الاحكام بالدليل الخاصّ الوارد عليه و لا يخفى ايضا ان فى الفقرة الاخيرة ايماء الى كون الاستصحاب من الادلة الظاهرية المعلقة لا الواقعية المنجزة بل يمكن دعوى ظهور البناء و الابتناء فى ذلك اذ هو الالتزام بشي‏ء فى مرحلة الظاهر و ان لم يعتقد مطابقته للواقع فيكون الخبر مما يسترشد به الى رد من يخصّص به الادلة المنجزة من العمومات و الاطلاقات زعما منه انه من الادلة الواقعية فان قلت ان ذلك كله من التكلفات الباردة و التاويلات البعيدة و الالتزامات الخفية و لا دلالة للخبر على حجية الاستصحاب فضلا عن دلالتها على تلك الامور اذ المفهوم منه ان الركعات الثلاث التى علم بفعلها لا يبطلها بما اعتراه من الشك فى فعل الرابعة بل يبنى على اليقين اعنى الركعات الثلث التى تيقن الاتيان بها و ياتى بالركعة المشكوك فيها على الوجه الذى استفيد من ساير الاخبار ليكمل اربعا و لا يعتد بالشك بجعله ناقضا للعمل الصحيح فى حال من الحالات و بالجملة فما فى الخبر مما يختص بمورد السؤال فلا يستفاد منه قاعدة اصلا قلت ان ما ذكر و ان كان يدفع ضيم مخالفة الخبر لما عليه الكل او الجل من غير احتياج الى ما ذكرنا فى توجيهه و بيّنا فى تاويله إلّا انه بعيد عن السياق و غير منساق الى الاذهان قطعا فحمل الشك و اليقين على ما ذكر من المحامل البعيدة و التاويلات الغريبة و مما يدفعه الفقرات باسرها اذ هى متفقة فى تادية انه لا ينقض اليقين بعدم فعل الرابعة سابقا بالشك فى فعلها لاحقا بل ينقض الشك فى لحوق فعل الرابعة بيقين عدمها السابق فينفى فعلها بالاصل فيبنى عليه و ياتى بها على الوجه المقرر و بالجملة فكما ان الفقرة الاولى تعطى قانونا كليا بعد تاديته حكم مورد السؤال و لا يابى عن ذلك رجوع ضمير الفعل الى من لم يدر فى ثلث هو او اربع كذا يعطى ساير الفقرات قوانين كلية بعد تاديتها ما ادته الاولى و اعطائها ما اعطته و قضية كون ذلك من الالتزامات البعيدة ناشئة من عدم التعمق فى فقه‏

الاخبار و الاستبعاد بذكر طائفة من القواعد المستحدثة فى طى فقرات غفلة عن ان الاستحداث انما بحسب التسمية و الا فكل ذلك من الامور الواقعية و الاحكام الالهية التى من شانها تبيينها الائمة (ع) و ذهولا عن ان كلماتهم مما ينبغى ان يحمل على تاسيس اصول و تقنين قوانين مهما امكن كما يرشد الى ذلك كلامهم الشريف علينا ان نلقى عليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا عليها و غير ذلك مما فى معنى ذلك فخذ بمجامع الكلام و لا تغفل ثم ان من جملة الاخبار ما رواه الصدوق فى باب الاربعمائة من كتاب الخصال عن ابى عبد اللّه عن ابيه عن جدّه (ع) ان امير المؤمنين (ع) علّم اصحابه فى مجلس واحد اربعمائة باب ما يصلح للمسلم فى دينه و دنياه فكان من ذلك ما قال لهم من كان على يقين فيشك فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين الحديث و عن البحار عن امير المؤمنين (ع) من كان على يقين فاصابه شك فليمض على يقينه فان اليقين لا يدفع بالشك الحديث و قد رويا فى جملة من الكتب ايضا و هذان الخبران فى اعطائهما القانون الكلى و عدم تطرق خدشة من الخدشات المشار اليها و شمولها جميع مجارى الاستصحاب و كلما يتعقل فيه معيار الجريان فى منار لا ينكر و كالنار فى علم لا يستحقر و مثلهما فيما ذكر ما رواه الشيخ فى يب عن الصفار عن القاشانى انه قال كتبت اليه و انا بالمدينة عن اليوم الذى يشك فيه من‏

327

من رمضان هل يصام ام لا فكتب (ع) اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية و افطر للرؤية الحديث و كذا ما ذكره بعض الاصحاب من موثق عمار اذا شككت فابن على اليقين قلت هذا اصل قال نعم و كيف كان فان بلوغ تلك الاخبار حد التواتر المعنوى بل اللفظى الاجمالى ايضا بمعنى القطع بصدور واحد منها من المعصوم (ع) مما لا يرتاب فيه ذو دربة فالمناقشة فيها تارة بآحاديتها مع كون المسألة من الاصولية و تارة بقصور اسانيد جملة منها مما لا يصغى اليها جدا على ان عدم جواز التمسّك بالآحاد من الاخبار الحائرة للشرائط فى المسألة الاصولية اول الكلام و ان قصور اسانيد جملة منها على ما عليه المتاخرون مما لا يضر اذا كانت من الصحاح على طريق القدماء محفوفة بالقرائن الكثيرة المفيدة الظن بالصدور و منجبرة بعمل جل متاخرى المتاخرين بل كلهم هذا و اما سابق جوابا عن الاول انا نمنع كون حجية الاستصحاب من المسائل الاصولية بل حجية الاستصحاب من قبيل حجية الاقرار و من قبيل اعتبار اليد و الفراش و الشاهد و امثالها فمن المجازفات الصّرفة و الخيالات الفاسدة كما عرفت سابقا و اجماله الفارق هو الاجماع فانه منعقد على كون الاستصحاب من المسائل الاصولية دون الامور المزبورة على ان الاستصحاب دليل على الحكم الفرعى و هى عين الاحكام الفرعية و انه يقال بعد التنزل و المماشاة ان المسألة من المشتبهات و لا ريب فى ان الحكم فيها هو عدم الحجية بناء على اصالة عدم الحجّية الا فى المسائل الفقهية و بالجملة فامثال هذه المناقشات و الاجوبة عنها كالمناقشة بان الاخبار لا تفيد حجية الاستصحاب بل انما تقيد شيئا يوافق الاستصحاب و بعبارة اخرى العمل بالاخبار فى الحكم بالبقاء فى زمان الشك عمل باطلاق الدليل او عمومه فالحكم بالبقاء انما نشاء من ذلك لا من العمل بالاستصحاب مما لا يصغى اليه جدّا اذ المقصود الاصلى من اثبات حجية الاستصحاب اثبات وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان و هذا مما يعطيه الاخبار سواء سمّى بالاستصحاب ام لا و ليس النزاع فى التسمية و الاصطلاح‏

فى ذكر أخبار خاصّة الواردة فى موارد خاصّة أحتج بها على حجّية الاستصحاب‏

ثم اعلم ان فى المقام اخبارا خاصة واردة فى موارد خاصّة فقد احتجّ بها ايضا جمع فمنها قول الصادق (ع) كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر و منها قوله (ع) نعم بعد سؤاله عن الثياب السابرية تعملها المجوس و هم اخباث يشربون الخمر و نسائهم على تلك الحال البسها و لا اغسلها و اصلّى فيها و منها ما رواه الفضلاء فى الصّحيح عن ابى جعفر (ع) بعد السؤال عن شراء اللحم من السوق و لا يدرون ما فعل القصابون قال كل اذا كان ذلك فى سوق المسلمين و لا يسأل عنه و منها ما روى عن الصادق (ع) بطرق عديدة انه قال‏ (1) عن اكل الجبن و تقليد السّيف و فيه الكيمخت و العرى قال لا باس ما لم يعلم انه ميتة و منها صحيح ضريس عن الباقر (ع) عن السّمن و الجبن نجده فى ارض المشركين بالروم أ نأكله فقال اما ما علمت انه قد خلط الحرام فلا تاكل و اما ما لا تعلم فكل حتى تعلم انه حرام و منها خبر كل شي‏ء حلال و حرام الخ و هو خبر مروى بطرق عديدة و منها صحيح عبد اللّه بن سنان قال رجل أبا عبد اللّه (ع) و انا حاضر انى اعير الذمّى ثوبى و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده على فاغسله قبل ان اصلّى فيه فقال ابو عبد اللّه (ع) صلّ فيه و لا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه و هو طاهر و لم تستيقن نجاسته فلا باس ان تصلى فيه حتى يستيقن انه نجس و منها خبر بكير عن الصّادق (عليه السلام) قال اذا استيقنت انك قد توضأت فاياك ان تحدث وضوءا ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت و منها ما فى الفقيه قال و قال عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه للصادق (ع) اجد الريح فى بطنى حتى اظن انها قد خرجت فقال ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت او تجد الرّيح ثم قال ان ابليس تجلس بين التى الرّجل فيحدث ليشككه الحديث و منها النبوى ان الشيطان ياتى احدكم فينفح بين اليتيه فيقول احدثت احدثت فلا ينصرفن حتّى يسمع صوتا او يجد ريحا الحديث الى غير ذلك و التقريب بالاستقراء للقضايا الصادرة من الشرع فان الاخبار و ان كانت واردة فى موارد خاصة لكن باجتماعها يحصل الظن القوىّ بجريان الحكم فى ساير الموارد ايضا هذا و اعترض او لا عليه بمنع حجية ظن الاستقراء و ثانيا بمنع حصول الظن من ملاحظة تلك القضايا الجزئية القليلة و لاجل ذلك عدل بعضهم الى فهم العلة و هو اظهر مصادرة لو اريد من ذلك ما يرجع الى تنقيح المناط و ثالثا بان للاستصحاب اقساما مختلفة و تلك القضايا مخصوصة ببعض مواردها و اقسامها فلو سلّمت ثبوت الحجية بها اختص بتلك الموارد فان استقراء صنف من نوع لا يثبت الحكم الا فى ذلك الصنف كما ياتى فى بحث الاستقراء و رابعا بان تلك القضايا انما تفيد ما ذكر لو كان الاعتماد فيها على اليقين السّابق و لم يعلم ذلك فيها هذا و انت خبير بان مقصود المستدل من الاحتجاج بهذا الاستقراء اثبات دلالة الاخبار على اعتبار الشارع الحالة اليقينية السّابقة و او كان ذلك بملاحظة ضمّ بعضها الى بعض و اثبات افادتها الظن القوىّ بما ذكر فهذا نحو من الاحتجاج بالاخبار و ان لم يكن كل واحد واحد مستقلا فى افادته لا الاحتجاج بالاستقراء المعروف حتى يتوجّه عليه الايراد الاول و بالجملة فان هذا هو الظاهر من الاخبار اذ ظهور ارادة لا ظهور ثبوت حتى يرد ان الشأن فى جميع انواع القياس كل و من هنا ينقدح ورود الايراد الثانى ايضا و تاييد الايراد الثانى بتخصيص الاستصحاب فى اكثر مجاريه و موارده بما يرد عليه من الادلة المنجزة و لو كانت من العمومات او الاطلاقات و نحوها من الغفلة و الذهول عما قدّمنا فى معنى خبر زرارة اذ هذا ليس من التخصيص‏ (2) على ان بعد الغض عن ذلك ليس الاكثرية اكثرية على الاطلاق بل اذا لوحظ الاحكام خاصّة بل هى فيها ايضا محل كلام فلم يثبت استقراء على عكس ما ما ذكرتم الايراد الثالث مما لا وقع له ايضا لان ما ذكر و ان لم يكن مما يحتج به على الكل إلّا انه يكفى فى قبال السلب الكلى على ان دعوى تحقق‏

____________

(1) كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر و منها رواية سماعة قال سالت‏

(2) فى شي‏ء التخصص‏

328

تحقق فحوى معتبرة منها و اتمام الامر بلحاظ ذلك بعدم القائل بالفصل ليست من البعيد هذا و اما الايراد الاخير فتحقيق الحال فيه يحتاج الى ملاحظة الاخبار ما فيها و دلالتها و ما يسترشد بها اليه فاعلم ان هذه الاخبار ليست على نهج واحد فما فيه قضية الثياب السّابرية كخبر بكير و النبوى و صحيح ابن سنان مما فيها الاسترشاد بل الدلالة على اعتبار الحالة اليقينية السّابقة و ابتناء الامر عليها فلا ضير فى ذلك من وجه اشتمال خبر بكير على التحذير النصّ فى التحريم المنافى لما عليه الاخبار و الاخيار من كون تجديد الوضوء كالنور فوق الطور و لا من وجه اشتمال خبر ابن سنان على النهى عن الغسل المنافى لما قدّمنا من جريان الاحتياط الندبى فى الامور العامة كجريانه فى غيرها نظرا الى ان التحذير فى الاول انما فيما يفضى الى الوسوسة او بالنسبة الى اعتقاد وجوب الوضوء و ان النهى فى الثانى لا يفيد ازيد من الرخصة فى الترك لكونه واقعا فى مورد يتوهّم فيه الوجوب كما يعطيه السياق بل لا يبعد دعوى كون هذا الخبر كالاخبار العامة المتقدمة كما لا يخفى هذا و اما خبر الفضلاء فهو ايضا مما يمكن فيه اعتبار الحالة السّابقة لكن لا مط بل اذا لوحظ اختصاصه بالحلال بالاصل كالغنم و نحوه و كأن الشك من جهة التذكية و عدمها و كان هذا اللحاظ لحاظ الطهارة الاصلية اللازم لها فى المقام الحلية ايضا و بالجملة فهذا ليس كالاخبار السابقة فى ظهور الاشعار بالمط بل له ظهور فى عكسه و كذا خبر سماعة كما لا يخفى على الفطن و اما خبر خلط الحلال بالحرام فقد مرّ الكلام فيه تفصيلا و هو مما لا اشعار له بالمط اصلا و اما خبرا كل شي‏ء نظيف و كل ماء طاهر فقد قيل فى توجيهما انهما كما يدلان على الاصل فى المياه و الاشياء من الطهارة و لو بحسب الظاهر عند عدم العلم بالنجاسة و هذا لا تعلق له بمسألة الاستصحاب كذا يدلان على ان هذا الحكم مستمر الى زمن العلم بالنجاسة هنا من موارد الاستصحاب و جزئياته ثم قضية عدمها عدم الفرق بين الشك فى عروض المتنجس و تنجيس العارض او العلم بالعروض و اشتباه مورده بين افراد غير محصورة لان الظاهر من العلم هو التفصيلى او الاجمالى القريب اليه كما فى الشبهة المحصورة و لو بمساعدة ما دل على اراقة الاثنين المشتبه طاهرهما بغيره و نحو ذلك فالخبران يدلان على حجية الاستصحاب فى الموارد الثلاثة هذا و انت خبير بان للخبرين وجوها من المحامل من اختصاصهما بالشبهة الحكمية او الموضوعية و من كون المراد منهما اعم و على الاول و الثالث لا دخل لهما بمسألة الاستصحاب اصلا و وجه الاول ظاهر و كذا الثالث اذ يناط الامر ح على الجهل مط من غير ملاحظة الحالة السابقة و الثانى مثلثة الاقسام من المختصّ بالمسبوق بالحالة السابقة و المختص بغيره و الاعم من ذلك و ما له مدخلية بالاستصحاب هو الاول من هذه الاقسام لان الثانى مما لا دخل له به اصلا و فى الثالث قد انيط الامر على الجهل فالاستدلال بهما مبنى على الحمل على الاول من اقسام الثانى و لا ريب فى فقد القرينة عليه فالحمل على ثالث الاقسام من التقسيم الاول وجه وجيه فعليه لا يكون للاحتجاج بهما على الاستصحاب وجه اصلا ثم لا يخفى عليك ان بعض المحققين قال فى المقام ما حاصله ان خبر كل شي‏ء نظيف الخ يحتمل اربعة معان الاول ان كل شي‏ء علمت نظافته سابقا فهو محكوم بنظافته و الثانى ان كل شي‏ء اشتبه انه من الاشياء المعلوم النجاسة او المعلوم الطهارة فيحكم بانه من الثانية و الثالث ان كل شي‏ء لم يعلم حكمه الشرعى انه نجس او طاهر فهو طاهر و الرابع ان كلّ شي‏ء لم يعلم نجاسته سواء كان من الاول او الثانى او الثالث فهو طاهر فمما يبعد ارادة المعنى الاول هو ان الظاهر ان لفظ قذر صفة مشبّهة دالة على الثبوت مناسبة لارادة ما ثبت قذارته بالذات او بالعرض بسبب الملاقاة لا فعل ماض مفيد لتجدد حصول القذارة فيفيد انّ الشك انّما هو فى ان الشي‏ء هو الطاهر او القذر لا فى ان الشي‏ء حصل له القذارة ام لا على ان ارادته مما فيه التاكيد للاخبار الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك و هو مرجوح بالنسبة الى التأسيس و مما يبعّد ارادة المعنى الثالث هو لزوم التجوز اذ العلم هو اليقين و الحاصل فى الحكم غالبا هو الظن على انه يساوق اصل البراءة و العمل به مشروط بالفحص و ظاهر الخبر ينفى لزومه و

انه مما يشبه التاكيد لخبر كل شي‏ء مط الخ و الحمل على الرابع مستلزم الحمل على الحقيقة و المجاز معا فتعين المعنى الثانى و مما يسدّد هذا كون العموم ظاهرا فى الافرادى و ارادة الاشخاص لا الانواع فليس بظاهر فى ارادة الكلى و لا الجزئى بملاحظته فانطباقه على البناء على هذا المعنى على الاستصحاب ظاهر و كل على الاخيرين لكنهما يرجعان الى استصحاب حال العقل بخلاف هذا المعنى فيمكن حمله عليه و على استصحاب حال الشرع ايضا اذا علم طهارته سابقا شرعا هذا و انت خبير بان مع تسليم كل ما ذكر من الامور المورثة تعيّن الحمل على المعنى الثانى‏ (1) و الثانى كل جزئى حقيقىّ لم يعلم انه هل هو من الاشياء التى اتصف بالنجاسة بسبب ملاقاتها للنجاسة ام من الاشياء الباقية على طهارتها فيحكم بكونه من الاشياء الباقية على الطهارة كما لو اشتبه الثوب المتنجس بالثوب الطاهر و كل الكلام فيما لو اشتبه الجزئى الطاهر العين بنجس العين كالعذرة المتردّدة بين عذرة الانسان و عذرة البقر هذا و هو كما ترى ظاهر فيما قلنا ثم ان اكثر كلمات هذا القائل من المصادرات و ارادة المعنى العام مما لا ضير فيه لان اختلاف اضافة الطهارة و القذارة الى الاشياء و كل اسباب العلم لا يجعل اللفظ مستعملا فى معنيين و ان قضية اشتراط بعض انواعه بالفحص مما لا غائلة فيه و بالجملة فان هذا الخبر ظاهر فى المعنى العام الشامل المقامات الشبهة الحكمية و مجارى الشبهة الموضوعيّة من المسبوقة بالحالة السابقة و غيرها فالمراد انشاء واحد عام و هو يجمع بين بيان الحكم الابتدائى الغير المسبوق بالحالة

____________

(1) لا دلالة للخبر على حجية الاستصحاب اصلا لانه لم ينط الامر جنيد على اعتبار الحالة اليقينية السابقة بل على لحاظ الجهالة و مما يحدد الى ذلك قول هذا القائل ايضا حيث قال فى بيان المعنى الثانى‏

329

و الحكم بالبقاء للمسبوق بها من غير غائلة فى البين اصلا فهذا المعنى هو ما بنى عليه العلماء كما يظهر ذلك من كلماتهم و تفريعاتهم فعليه لا معنى للاحتجاج به على حجية الاستصحاب كما عرفت ثم نرجع الى ما كنا فيه فنقول ان اكثر تلك الاخبار الخاصّة مما لا دلالة على اعتبار الحالة السابقة فالاحتجاج بالباقى منها على حجية الاستصحاب و تسمية ذلك بالاستقراء الاخبارى كما ترى فت‏

خزينة: فى ذكر غير الأخبار من الأدلّة الاستصحاب‏

الاستدلال بالاستقراء على حجّية الاستصحاب‏

خزينة اعلم ان من جملة ما احتجوا به الاستقراء و تقريبه بان الشك فى الحكم اما مسبّب من تغيير الزمان او الحالة و عروض الوصف و الشك فى الاول إمّا سنخى او باعتبار خصوص الواقعة و على هذا اما الشكّ فى كيفية الجعل او الموضوع فهذه اربعة اقسام و الاستقراء فى الاول يلاحظ على انحاء من ملاحظة اغلب احكام شريعتنا باقيا غير منسوخ و من مطلق الاحكام الالهية و من مط الاحكام الصادرة عن الموالى الى العبيد و قد يلاحظ ما هو اعمّ من الكل من مطلق الممكنات القارة ثم القسم الثانى على قسمين مما يشك فى تضيقه و توسّعه و مما يشك فيه بحسب التوقيت و الدّوام فالاستقراء فى الاول يقتضى التوسعة و فى الثانى التابيد و هذا فى غير الوجوب و الاستحباب مما لا ريب فيه و كذا فيهما لكن بعد امعان نظر اذ الغالب فى الواجبات الموقتة بقاء الوجوب ببقاء الموضوع و يكشف عن ذلك الامر بالقضاء و كذا الكلام فى المستحبات على ان بعد فرض الشك فى التساوى و الغلبة فيهما يلحقان بالنوع ثم القسم الثالث اى ما يكون الشك فيه مسببا عن عروض القادح هو من اقسام الموضوعات الصرفة و ستعرف الكلام فيها و اما القسم الرابع اى ما يكون الشك فيه منبعثا عن عروض الوصف فيجرى فيه الاستقراء ايضا كما لا يخفى على من لاحظ احوال المكلف فان اغلبها مما لا يتغير فيه حكم صلاته من حيث القصر و الاتمام و كذا الكلام بالنّسبة الى وضوئه و تيمّمه نعم مثل الماء الزائل تغيره يشكل التمسّك فيه بالاستقراء و يمكن التفصيل فى مثل ذلك بان يقال انه ان علم ان الحالة المرتفعة ليست من الاسباب المحدثة للحكم او ان حدوث الحكم انما كان لاجل تلك الحالة لكنها آنية لا استقرار لها فيسوغ التمسك بالاستقراء و ان علم مع ما علم فى الصورة الثانية ان تلك الحالة مما لها استقرار فلا يجرى الاستقراء ثم الموضوعات الصّرفة يجوز التمسك فيها بالاستصحاب من باب الاستقراء لكن لا مط بل اذا كانت قارة الاجزاء فلا بد فى ذلك من تمييز كل نوع من انواع الممكنات حسبما يستعدّ لمقدار البقاء و اما جريان الاستقراء فى اكثر الموضوعات المستنبطة مما لا ريب فيه نعم لا يجرى فى جملة منها من اصل تاخر الحادث و اصلى عدم التخصيص و التقييد و السّر واضح هذا غاية التقريب فى بيان الاستقراء فى هذا الباب ثم لا يخفى عليك ان المتصدين لذكر الاستقراء ممن يعولون عليه و من غيرهم بين مطلقى كلامهم فيه و بين المصرّحين بان‏ (1) اعتباره لاجله من باب الوصف و قد يقال فى المقام ان التمسك به مما لا اختصاص له بارباب الظنون المطلقة لان مرجع هذا الى الظنون الخبرية اذ كما ان الظن الخبرى الحاصل من خبر واحد معتبر كل الظن الخبرى الحاصل من ملاحظة مجموع الاخبار هذا و انت خبير بعدم استقامة هذا الكلام لانه انما يتمشى فى التمسك بالاخبار الخاصة لا فى مثل هذا النوع من الاستقراء ثم قد يقال ان الاستقراء على قسمين مما يوجب الظنّ باعتبار الاستصحاب و هو يجامع الاعتبارين من السّببية و الوصفية لدوران الامر مدار الاستقراء و مما يوجب الظن ببقاء المستصحب و هو لا يجامع الا الاخير و كيف كان فان التعويل على اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد بالاستقراء او باعتبار ايراثه الظن باعتبار الاستصحاب مما لا دليل عليه بل لم يتحقق هذا الاستقراء قطعا لان المقصود منه ح ان بناء الشارع فى اكثر الموارد من الاصليات و الارتباطيات على اعتبار الحالة السابقة فيلحق المشكوك به فدون هذه الدعوى خرط القتاد على ان الامر لو كان كل لما صح التمسك بالاستصحاب فيما يكون مقتضى الاستقراء الصنفى عدم اعتبار الاستصحاب كما فى الصلاة و الوضوء و الحج و نحوها فان بناء الشارع على عدم اعتبار الاستصحاب غالبا فيها كما يظهر من مسائل الشكوك فى عدد الركعات و الشك فى فعل من افعال الصّلاة بعد تجاوز المحل اذ الاستقراء الصنفى يقدم على النوعى مع ان العلماء يتمسّكون بالاستصحاب فيها فذلك يكشف عن عدم كون حجية الاستصحاب عندهم من باب الاستقراء التعبدى او الاستقراء الموجب الظن باعتبار الاستصحاب اللهمّ إلّا ان يقال ان من يتمسّك به لا يقول بانحصار الدليل فيه مع انه يثبت به الايجاب الجزئى فح لا يتجه ما ذكر نعم المطالبة بالدليل الدال على التعويل عليه مما هو متجه ثم ان من قال بالاستصحاب من باب الاستقراء الوضعى محجوج بان الامر يناط ح على الظن فى كل الاحوال فى حق الكل فدعوى حصول الظن الفعلى فى كل الاحوال فى حق الكل فيما يجرى‏

فيه الاستصحاب من المجازفات الصّرفة على ان هذا فى الحقيقة تمسّك بالاستقراء لا بالاستصحاب و القول بان التمسّك بالاستقراء لتشخيص الموضوع من افادة الاستصحاب الظن فى مجارية او كونها مما لا ينفك عنه فاذا تحقق ذلك كان داخلا تحت ظن المجتهد فيكون حجّة مدفوع بان هذا لا يتمشى فى شأن المقلد و لا فى شان المجتهد فى الموضوعات كما لا يتمشى فى الموارد الاصلية و الاتمام بعدم القول بالفصل دونه خرط القتاد إلّا ان يقال ان هذا كاف فى قبال السلب الكلى و فيه ان المتراءى من المستدل به هو التعميم كما لا يخفى على من اخذ مجامع كلامه ثم هذا على التنزل و المماشاة و الا فالامر اوضح اذ بناء الامر على الاستصحاب لافادته الظن فى مجاريه مما لا وجه له اصلا و ان صار اليه جمع او الاكثر كما تعرف الكلام المبين فى ذلك على ان منع الاستقراء و تحقق الاغلب فى البين سواء اعتبر بالوجه الاول الاخصّ‏

____________

(1) اعتبار الاستصحاب لاجله من باب التعبد و بين المصرحين بان‏

330

الاخصّ او الاخير الاعم او ما بينهما مما ليس من البعيد و بيان هذا بذكر الشواهد و الامثلة مما يفضى الى الاسهاب و الاطالة نعم تسليمه فى باب الالفاظ و التمسّك به فيه مما فى محلّه إلّا انه مما فى غنية عن مثله كما عرفت هذا و قد يجاب عن التمسّك بالاستقراء بان الموارد المستقرأة باسرها من الموضوعات الخارجية و الشك فيها من الشك فى عروض القادح و حجية الاستصحاب فيه مما لا ريب فيه بل الظاهر انه اجماعىّ حتى فى صورة الشك فى مانعية العارض اذا كانت الشّبهة مصداقية فالمحتجّ بالاستقراء ان اراد الحاق الافراد التى من سنخ الافراد المستقرأة يرد عليه ان هذا لا يحتاج الى التشبّث بالاستقراء لكفاية الاجماع و ان اراد الحاق افراد ساير اقسام الاستصحاب يرد عليه ان هذا الاستقراء غير مفيد للظن فضلا عن القطع هذا و انت خبير بعدم استقامته من وجوه الاول ان التقريب المذكور لا اختصاص له بالموضوعات و الثانى ان هذا اذعان بتمامية الاستقراء و ليس كل بعد امعان النظر و الثالث ان دعوى اجماعية حجية الاستصحاب فى الموضوعات من المجازفات و الرابع ان هذا يشعر بعدم تمامية الاستقراء فى الالفاظ و ليس الامر كل فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل‏

الاستدلال بالعقل على حجية الاستصحاب‏

ثم من جملة الادلة التى احتجّ بها جمع ما سماه البعض بقضاء صريح العقل و حكمه و البعض بطريقة العقلاء و قد قرروه بتقريرات متقاربة فتارة يحرر بانه لو لا ذلك لما استقام النظام و لا قام طرق معايش الانام فان ارباب الصنائع و الحرف و الحرث و التجارة انما يتعاطونها طلبا للوصول الى فوائدها و لا ريب فى ابتناء ذلك على استصحاب بقائهم و بقاء ما يتوقف تحصيل الفوائد عليه بل هذا مما هو مركوز فى نفوس البهائم ايضا و تارة يقرر بان بناء العقلاء فيما ذكر و نحوه من امور معاشهم و معادهم على ما ذكر و ليس ذلك للاتكال على مجرّد العادة و نحوها بل للاتكال و التعويل على الحالة اليقينية السّابقة كما يعطيه تتبع سجيّتهم فهذا فى الامور العادية و الاحكام العرفية مما لا ريب فيه كما لا ريب فى تنقيح المناط فى ذلك فثبت فى الشرعيات ايضا بل دعوى عدم الفرق بين العاديات و العرفيات و بين الشرعيات فى اول الامر سائغة و حجية بناء العقلاء من باب تقرير الحجج الطاهرة (ع) بل ما فى المقام اظهر افراده فاذا تحقق بناء العقلاء ينفى ردعهم (ع) المشكوك بالاصل و ان كان ذلك حسبما يفهمه العقلاء و ما عندهم فعلم ان وجود الآيات الناهية عن العمل بغير العلم و نحوها من الاخبار لا يابى عن الاحتجاج بهذا البناء هذا ثم لا يخفى عليك ان المتصدين لذكر هذا الدليل ليسوا على نهج واحد فمنهم من صرّح بان بناء العقلاء على ذلك لإيراث الاستصحاب الظن او تحققه فى مجاريه فالاتكال فى الحقيقة انما على الظن و منهم من صرّح بان بنائهم على السّببية و منهم من اطلق الكلام فى ذلك هذا و غاية ما يعترض على ذلك هو ان اكثر ما ذكر (1) لملاحظة الحالة السّابقة و لا الظن الحاصل منها بل لامر آخر فان العادة تحكم بوجود الامصار و نحوها و اما ساير الامثلة فى المقام فالامر فيه بسبب الجبلية الانسانية التى جبل عليها العمارة العالم من غير لحاظ حالة سابقة و لذا يشتغلون ايضا فيما يعلمون عدم وصول النفع اليهم و قد يلاحظ امر آخر من حال الاولاد و تحصيل الثواب ثم مثل ارسال الهدايا و نحوها منوط فى الاكثر بالظنون العادية و بالجملة فليس التعويل فيما ذكر على الاستصحاب و لا الظن الناشى منه من حيث هو بل على الظن الدائر معه و الناشى من كونه ظنّا مط و يكشف عن ذلك ان بنائهم على عدم ارسال المكاتيب و نحوها الى مسافر الى بلد حتى يعلموا باستقراره فيه و عدم خروجه عنه او يظنوا بذلك بظن غير حاصل من الاستصحاب على ان اعتباره فى الامور العادية لا يستلزم اعتباره فى الاحكام الشرعية و قضية تنقيح المناط و نحوه مما لا وجه له فى المقام و اعتباره فى بعض موضوعات الاحكام كحياة الغائب و نحوها و ترتيب الاحكام الشرعيّة عليه لاداء اهماله الى فساد النظام و لعله لاجل ذلك عدمن الادلة العقلية لاستقلال العقل فيه كاستقلاله فى باب الاصلين الذين هما قسمان منه من اصل البراءة و اصل الاشتغال و بالجملة فان عدّه من الادلة العقلية بالنظر الى ان حجّية و لو بحسب بعض موارده مستفادة من العقل هذا و انت اذا اعطيت الانصاف و تجاوزت الاعتساف تجد ان بناء العقلاء على ما ذكر انما لاجل الحالة السّابقة و لا يضر فى ذلك عدم التفاتهم اليها فى الاغلب التفاتا تفصيليا كما الشأن كذلك فى العلوم الضرورية و اغلب مقتضياتها فساير ما ذكر مما توهّم انه المبنى فى البناء انما هو من المقارنات الاتفاقية او الامور اللازمة فى الاغلب لملاحظة هذه الحالة السّابقة فتارة يتحقق و تارة لا و ليس انكار ذلك الا من المكابرات المحضة و بالجملة فان هذا من المركوزات فى طبائع العقلاء و انتقاض ذلك بعدم بنائهم على ارسال المكاتيب و نحوها الى مسافر الى بلد حتى يعلم او يظن عدم خروجه عنه مما ليس فى محلّه اذ هذا المثال مما له صور من صورة العلم فى اول الامر بارادته قراره فى ذلك البلد و صورة العلم بارادته عدمه فيه و صورة الجهل بكل ذلك ففى الاولى يرسلون المكاتيب و نحوها للاستصحابين و فى الثانية لا يرسلونها للاستصحاب فى المتبوع المقدم على الاستصحاب فى التابع و فى الثالثة ايضا بنائهم على جواز الارسال نظرا الى نفس الحالة السابقة فلم ينتقض ما ذكر بشي‏ء مما ذكر ثم دعوى عدم فرقهم فى ذلك بين الامور العادية و الاحكام العرفية و بين الاحكام الشرعية ليست من البعيد فاذا اتجه هذا الحكم العقلى و البناء العقلائى الذين يفرق بينهما فرق‏

الاجمال و التفصيل تمشى قضية عدّ الاستصحاب بجميع اقسامه من الادلة العقلية من غير تغييب و نظر الى بعض الاقسام على ان عدّه من الادلة العقلية و لو بنى الامر على عدم تمامية هذا الدليل مما له وجه كما اشرنا اليه و تزيد لذلك بيانا إن شاء الله اللّه تعالى‏

الاستدلال بثبوت حجّيته فى جملة من الموارد

ثم ان من جملة ادلة المثبتين انه قد ثبت‏

____________

(1) من المصادرات اذ ليس ما ذكر

331

حجيته فى جملة من الموارد كالشاك فى بقاء الطهارة او الحدث مع العلم بثبوته فى الزمن السّابق فيستصحب الى ان يعلم طرو الآخر و فى بقاء الزّوج او الوارث و الغائب فيحكم ببقاء الزوجيّة و يعزل نصيب الوارث من المال الى غير ذلك فيثبت فى بقية الموارد اما لان المناط فى الحكم عدم حصول اليقين‏ (1) السّابق و هو جار فى الجميع و اما لعدم قائل بالفصل هذا فمدخوليته من وجوه فاقل ما يرد عليه ان القائلين بالفصل فى غاية الكثرة و دعوى ان هذا الوجه مما يوجب الظن القوىّ بان المناط هو ما ذكر غير مسموعة على انها مبنية على اصالة حجّية الظن و ستعرف البيان فى ذلك هذا و اما الجواب عن هذا الدليل كما عن البعض بان النزاع فى استصحاب حكم الاجماع لا فيما عداه فانه محل اجماع و حمل احدهما على الآخر قياس و دعوى التنقيح مع ظهور الفرق فى حيز المنع فمما قد اشتمل على بعض من المجازفات و كيف كان فان التمسك بهذا الدليل و نحوه من ان معظم الامامية على حجية الاستصحاب و الاصل فيما صاروا اليه لحجية بناء على حجية الشهرة خصوصا اذا لوحظ مع ذلك دعوى الاجماع من البعض على الاطلاق او بعض اقسامه و من انه لو لم يكن حجة لتظافرت الاخبار الصّريحة بعدم حجّية و مما ذكره المحقق فى المعارج من انه اطبق العلماء على ان مع عدم الدلالة الشرعيّة يجب ابقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الاصلية و لا معنى للاستصحاب الا هذا فان قال قائل ليس هذا استصحابا بل هو ابقاء الحكم على ما كان لا حكما بالاستصحاب قلنا نحن نريد بالاستصحاب هذا القدر و لا نعنى به شيئا سوى ذلك مما يشبه تمسّك الغريق بكلّ حشيش على ان جملة منها من المصادرات و بعض منها تشبّث بما هو خارج عن حريم النزاع و مشتمل على اغلاق و تعقيد

الاستدلال ببقاء المقتضى للحكم الاول‏

ثم ان من جملة الادلة ما ذكره المحقق (ره) و غيره من ان المقتضى للحكم الاول ثابت فيثبت الحكم و المعارض لا يصلح رافعا له فيجب الحكم بثبوته فى الثانى اما ان مقتضى الحكم الاول ثابت فلانا نتكلم على هذا التقدير و اما ان العارض لا يصلح رافعا فلان العارض انما هو احتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه فيكون كل واحد منهما مدفوعا بمقابله فيبقى الحكم الثابت سليما عن رافع هذا و فيه ان صدره مصادرة جدّا مع انا نمنع الحكم ببقاء المقتضى و اثره مع الشك فى وجود المانع و دفعه مستلزم بالاصل مستلزم للدّور اللهم إلّا ان يراد به الراجح فيدفع ضيم الدّور لكنه يرجع الى الدليل الآتي بعد ذلك فلا يكون دليلا مستقلا و بالجملة فان مقتضى التعارض و التساقط المذكورين فى كلام المستدلّ هو التوقف لا ابقاء الحكم فى الزمان الثانى ثم انه لو تم لكان اخصّ من المدّعى فيثبت الحجّية حيث يتحقق المقتضى للبقاء لا مط اللهمّ الا ان يتكلف فى كلام المستدل بنوع من العناية ثم ان من عمدة ما عوّل عليه علماء العامة و جمع من الخاصّة من الاوائل و الاواسط و الاواخر هو ان بقاء ما ثبت راجح فيجب الاخذ به و الا لزم العمل بالمرجوح و بعبارة اخرى ان الاستصحاب مما يفيد الظن او ان الظن مما لا ينفك عن مجاريه فيجب العمل به و لهذا تقريرات كثيرة و تحريرات وفيرة كادت ان تبلغ الى عشرة فقد عدّ جمع من المتاخرين كلا من تلك التقريرات دليلا مستقلا و وجها مستبدا فى الحجّية مما احسنوا و ما اجادوا فى ذلك و كيف كان فان منها ما ذكره جمع و هو ان الباقى مستغن فى بقائه عن المؤثر و الا لزم تحصيل الحاصل بناء على ما عليه المتكلمون من ان علة الاحتياج هو الحدوث فحسب او الامكان بشرط الحدوث مع انا بخد عدم الافتقار الى المؤثر عيانا كما فى البناء و النساجة و الكتابة فكان ارتفاع الواقع وجودا و عدما مرجوحا و بقائه راجحا فيجب العمل بالراجح و منها ان الثابت او لا قابل للثبوت ثانيا و الا لانقلب من الامكان الذاتى الى الاستحالة فوجب ان يكون فى الزمن الثانى جائز الثبوت كما كان اولا فلا ينعدم الا لمؤثر لاستحالة خروج الممكن من احد طرفيه الى الآخر الا لمؤثر فاذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر يكون بقائه ارجح من عدمه و العمل بالراجح واجب و منها ان ما ثبت فى الزمن الاول و لم يظهر زواله قطعا او ظنا كان الظن ببقائه فى الثانى لانه لو لم يكن مظنون البقاء للزم ثلاثة امور باطلة احدها ان لا يتقرر معجزة فان تقررها مبنىّ على استمرار العادة و الثانى ان لا تثبت احكام الشريعة لجواز النسخ و الثالث ان يكون الشك فى الطلاق كالشك فى النكاح فاما ان يباح الوطى فى كليهما او يحرم لكن الاجماع على الاباحة فى الاول و التحريم فى الثانى و منها ان الباقى لا يعدم الا عند وجود المانع و المفتقر الى المؤثر كما يعدم عند وجود المانع كذا يعدم عند عدم المقتضى و ما لا يعدم الا بطريق واحد اولى بالوجود مما يعدم بطريقين و لا معنى للظن الا اعتقاد انه اولى بالوجود و منها ان عدم حدوث الحادث اكثر من عدم الباقى لانه يصدق على ما لا نهاية له انه لم يحدث و اما عدم الثانى بعد حدوثه فهو متناه لاشتراط وجوده فى عدمه بعد وجوده فاذا كان الوجود متناهيا كان العدم بعد الوجود متناهيا فاذا كان عدم الحادث اكثر من عدم الباقى و الكثرة موجبة للظن ثبت ان عدم الحادث اغلب على عدم الشي‏ء بعد بقائه و لا معنى للظن الّا ذلك و منها ان البقاء لا يتوقف الا على وجود الزمان المستقبل و مقارنة الباقى له و اما التغير فيتوقف على وجود الزمان المستقبل و تبدل الوجود بالعدم او بالعكس و مقارنة الوجود او العدم بذلك الزمان و المتوقف على شيئين اغلب مما يتوقف عليهما و على ثالث و يقرب من ذلك ما ذكره البعض من ان الحكم بابقاء الباقى يوجب تقليل العدم و القول باثبات الحادث يوجب تكثيره فكلما يوجب تقليل العدم فهو

____________

(1) بخلاف اليقين‏

332

فهو راجح‏

الاستدلال بان الغالب المظنون هو البقاء و الظن يلحق الشى بالأعم الأغلب‏

و منها ان الغالب البقاء فالظن يلحق الشي‏ء بالاعم الاغلب فيجب الاخذ بالمظنون‏

الاستدلال بعدم الظن بالمزيل للوجود

و منها ان ما تحقق وجوده فى حال و لم يظن طروّ و ما يزيله كان الظن فى بقائه بالضّرورة و الا لما ساغ لعاقل مراسلة من فارقه و لا السّفر الى ما يعهد الى البلاد و هكذا هذا فنقتصر على هذا المقدار فى تقريرات هذا الدليل و تحريرات بيانه و لا يخفى عليك ان ادلة الاوائل و الاواسط فى حجية الاستصحاب و ان كانت مما قد كثرت الا ان اكثرها مما ينتهى الى اعتبار الاستصحاب لافادته الظن او حصوله فى مجاريه و قلما ينفك دليل من ادلتهم عن ذلك بل لا ينفك عند امعان النظر و قد سلك مسلكهم بعض افاضل المتاخرين و حذا حذوهم فى ذلك كله و لكن زاد على ذلك الاحتجاج بالاخبار و هذا طريق مستحدث بين متاخّرى المتاخرين و لقد احسن البعض فى التأدية عن جهة المثبت و عن الاعتراض عليه حيث اقتصر على ان المثبت يدّعى الظن و المعترض لا يعتبره هذا فلنا فى رد هذه الوجوه كلامان كلام يتعلق بكل واحد منها على سبيل الاستقلال بما ذكر فيه من المقدمات و اخذ ما فيه من المبانى و كلام يتعلق بالمجموع من حيث المجموع و القدر المشترك المتحقق فيه فلنقدم الكلام الاول فاعلم ان الوجه الاول من هذه الوجوه قد يحرر على وجه اخصر و لا يؤخذ فيه قضية الظن و الرجحان اصلا و لكن يغاير الاول من بعض الوجوه و هو ان ما ثبت يدوم لأن الباقى لا يحتاج فى بقائه الى علة بل علّة الوجود علة البقاء هذا و يرد على اول تحريرى هذا الوجه انا نمنع استغناء الباقى عن المؤثر بل لا ينبغى اعتقاد ذلك و مثله فان اللّه تعالى هو المفيض لوجود الاشياء و بقائها و البرهان عليه من العقليات و النقليّات غير عزيز فايجاده تعالى علة الوجود كما ان امساكه تعالى علة البقاء و هو يؤثر فى البقاء لا تجديد الايجاد فلا يلزم تحصيل الحاصل و اما الامثلة فليس التاييد به مما فى محله فان حركات يد البناء مثلا علة لحركات اللبنات و اجزاء البيت و انتهاء حركتها علة لانتهاء هذه الحركات و انتهاء تلك الحركات علة الاجتماع المتحركات من اللّبنات و غيرها على هيئة مخصوصة و اما حفظ تلك الهيئة و امساكها عن التفرق فبقوة ممسكة افادها اللّه تعالى و بالجملة فان معنى البقاء هو حصول الشي‏ء فى هذا الزمان بعد ان كان حاصلا فى آخر فيؤثر المؤثر فيه فلا يلزم من ذلك كونه محدثا صرفا لا مبقيا كما لا يخفى فرجح الوجود بالمؤثر فى الزمن الثانى على النهج المذكور او بهذا المؤثر كترجحه به فى الزمن الاول مما لا ضير فيه بل لا بد من ان يقال به و لا يعتبر بقضية استغناء الباقى عن المؤثر لانها بعد الغض عما ذكر مناقضة للمقالة المسلمة من ان الحادث مفتقر و التقريب بان الباقى ايضا حادث و مناقضة لما عليه الاتفاق ايضا من ان الباقى حال بقائه ممكن لامكانه حال الحدوث فكل ممكن له مؤثر و اعتبار احتياج الممكن الى المؤثر بشرط الحدوث مما لا مساغ له لاستلزامه الدور اذ معنى الحدوث مسبوقية الشي‏ء بالعدم و هذا صفة الموجود المتاخرة عنه بالذات و هو متاخر عن الوجود المتاخر عن الايجاد المتاخر عن احتياج الاثر الى المؤثر المتاخر عن علة احتياجه فلو كان الحدوث معتبرا فى ذلك لزم الدور ثم ان بعض ما يرد على هذا التحرير يعرف بعد بيان ما يرد على التحرير الأخير فاعلم انه يرد عليه انه اخصّ من المدعى لعدم جريانه فى العدميات بل لعدم جريانه فى غير الموضوعات الصّرفة و ما فى حكمها من الاحكام التى لا دخل للشارع فيها كبقاء الطّهارة اذا شك فى عروض القادح لان قضية الاستغناء لا تتمشى فى الاحكام الذهنيّة من التكليفية و الوضعيّة اذ لا يعقل استمرار الحكم من دون حاكم ثم ان اريد من العلّة العلة التامة لزم استحالة الانعدام بعد الوجود نظرا الى عدم صحّة تخلف المعلول عن العلة التامة و هذا بديهى الفساد على انه لا معنى للتمسّك بالاستصحاب و ان اريد منه العلة الناقصة اى المقتضى خاصّة فلا اتجاه و لا مخر لهذا الكلام اصلا و هذا واضح لا سترة فيه اللهمّ الا ان يلاحظ ح اعتبار الشك فى وجود المانع ثم يدفع بالاصل و هذا كما ترى مما ليس فى مخره ايضا لاستلزامه الدور على انه لا معنى لاقتضاء المقتضى البقاء الابدى اذ من المعلوم اختلاف المقتضيات فى الاقتضاء نعم ارادة ان الشي‏ء ما دام يكون موجودا و باقيا يكون المقتضى لبقائه هو علة الوجوه مما ليس فى غاية البعد إلّا انه لا يجدى‏

نفعا بالنسبة الى الشك فى البقاء من حيث الشك فى اقتضاء المقتضى و لا بالنسبة الى الشك فى كون الموجود الخارجى مما هو اطول بقاء او الاقصر نعم يثمر بالاضافة الى الشي‏ء المشكوك بقائه باعتبار الشك فى وجود المانع و هذا كما عرفت مما لازمه الدّور و كيف كان فان هذا الدليل فى غاية المدخولية و ان قرر على وجه آخر ايضا كما عن البعض بعد تمهيد مقدمة من ان الحكماء و المتكلمين اتفقوا على ان كل ممكن محتاج فى وجوده الى المؤثر و ان الاعدام لا يحتاج فى الاستمرار الى علّة بل يكفى فيها عدم العلم بوجود علة الوجود و اختلفوا فى ان الموجود الباقى هل هو مجدّد ام لا و الحق هو الثانى و عليه هل هو محتاج فى بقائه الى علة ام لا و الحق هو الثانى و على الاول هل العلّة المبقية هى عين العلة الموجدة ام غيرها فلكل قائل فاذا علم هذه المقدّمة فاعلم انه استدل على حجية الاستصحاب بالبرهان العقلى و هو ان كل ما ثبت يدوم لان الممكن كما يحتاج فى وجوده الى المؤثر فكل فى انعدامه فيقال ان الحالة السّابقة ممكنة غير محتاجة فى بقائه الى المؤثر و محتاجة فى انعدامها اليه فالاصل عدمه على ان زوال البقاء محتاج الى المقتضى و رفع الموانع بخلاف بقاء البقاء فانه محتاج الى رافع الموانع فقط فيقدم الثانى لكونه اقل احتمالا من الاول هذا و انت خبير بان جملة

333

مما تقدّم مما يرد على هذا التقرير ايضا بل ان تطرق الخدشة و اليه اكثر سيّما اذا لوحظ المقدمة المذكورة فيه ثم ان الوجه الثانى مما قد اشتمل على مقدّمة مستدركة جدّا اذ الكلام فى حجّية الاستصحاب انما فى المواضع التى يجرى فيها بتحقق قاعدة الجريان فيكون مقدّمة ان الثابت فى الزمن السّابق ممكن الثبوت و قابل له فى الزمن اللاحق مما لا طائل تحتها اللّهم إلّا ان يقال ان ذلك فى قبال من احال بقاء وجود الممكن المستصحب عقلا مط او فى خصوص الاغراض لقوله فيها بتجدّد الامثال فح لا يتم الدليل المذكور العقلى الا بهذه المقدمة لان المناط فى تحقق قاعدة الجريان هو الامر العرفى فلا تعويل على مثله فى الامور المبتنية على الوجوه العقلية ثم ان ما فى ذيل هذا الوجه مما هو مبنى على مقدّمة استغناء الباقى عن المؤثر و إلّا فلا يتوقف انعدام الشي‏ء على اقتضاء مؤثر فيه بل يكفى عدم اقتضاء مؤثر فيه بل يكفى عدم اقتضاء مؤثر فى بقائه و قد عرفت عدم استقامة تلك المقدّمة هذا و قد يعترض على هذا الوجه بمنع الارجحية و انما هى اذا ظن عدم المؤثر و هو مم و لو سلّمت فلا حجية فيها ثم لو بيّن عدم المؤثر بقاعدة عدم المدرك مدرك العدم كما جرى عليه الشيخ فى العدة فيخرج عن الاستصحاب كما صرّح الشيخ به لان عدم المؤثر انما يفيد فى بقاء الحكم فيما اذا لم يكن هناك مؤثر فى الرفع و هذا يكون اذا دلّ دليل على الاستمرار فهو مع عدم المزيل موجب للحكم بالبقاء دون اليقين السّابق و من هذا يظهر ان هذا الدليل لو تم لدل على الحجية فى بعض المواضع هذا و انت خبير بان هذا الكلام قد اشتمل على ما ليس فى محله اذ مقصود المستدل بالوجه المذكور هو ان مجارى الاستصحاب لا تنفك عن الظن ببقاء ما ثبت و بيّن حصول الظن بما ذكر و هو لا ينحصر فى قاعدة عدم المدرك مدرك العدم كما لا يخفى على ان دعوى اختصاص ذلك بالمستمرات مما لا يتجلى الا فى بادى الانظار و الحاصل ان المستدل لم يدع استناد الظن ببقاء الحكم الى اليقين السّابق بل الظاهر من مساق كلامه ان موارد الحالة السّابقة اليقينية لا تنفك عن تحقق الظن فيها و ان استند حصوله الى ملاحظة شي‏ء آخر و يرشد الى ذلك ملاحظة ما فى ساير الوجوه المذكورة و بالجملة فان تعويل المستدل على الظن من حيث كونه ظنا مطلقا لا ينافى تعويله على الاستصحاب فى موارده بل يستلزمه من حيث توقفه فيها عليه و يرشد ايضا الى ما قلنا بعض احتجاجاتهم من ان وجود الشي‏ء فى الحال يقتضى ظن وجوده فى الاستقبال لقضاء العقل بذلك فى اكثر الوقائع و التقريب غير خفى فظهر ان هذا الوجه لو تم لدل على الحجّية فى جميع المواضع نعم لا يشمل العدميات الا ان يتكلّف فيه بنحو من العناية (1) و اما الجواب عن الوجه الثالث فمما يظهر بادنى تامل اذ المدار فى تقرر المعجزة ليس على الظن بالبقاء بل على القطع فان الاعجاز انما يتحقق فيما يستحيل وقوعه بحسب عادة اللّه تعالى و عادة البشر و عادة ما يظهر فيه و بعبارة اخرى ان العادة و ثبوتها فى نفسها مما يفيد العلم بالاستمرار من دون توقف على الاستصحاب اصلا و مجرّد احتمال الخلاف لا ينافى العلم العادى و معنى مجامعة احتمال الخلاف للعلم العادى ليس انه بعد ملاحظة العادة ايضا يكون احتمال الخلاف قائما حتى يصير العلم العادىّ عبارة عن الظن العقلى بل معناه ان احتمال القائم للخلاف قبل ملاحظة العادة لا ينافى العلم العادى الحاصل من ملاحظتها فاحتمال الخلاف فيه انما هو بالنظر الى الامكان الذاتى على ان ما ذكر لو تم لدل على كون المعجزة امرا ظنيا لابتنائه على استمرار العادة الذى يحصل بالاستصحاب و هذا بديهى الفساد و البطلان اذ كيف يبتنى على مثله اساس الشرائع و بناء الدّين من اصوله و فروعه باسرها او فروعه و جملة من اصوله هذا و قد يجاب ايضا بان المعجزة ليست فعلا خارقا للعادة مط بل ما يعجز البشر عن فعله و ليس ذلك من الاستصحاب هذا و هو كما ترى لا يخلو عن مناقشة واضحة و اما الامران الاخيران فالاخذ بالظن فيهما انما كان بالاجماع مع ان الاول منهما مما هو خارج عن محل النزاع كما عرفت بل قيل و كذا الثانى لكونه من استصحاب الحال حيث يكون الشك فى عروض المزيل و ليس ذلك مثل استصحاب حكم الاجماع مما وقع الشك فيه فى قدح العارض هذا و لكنه مما ليس‏

فى محله لتحقق النزاع فى كلا القسمين كما عرفت و قد اجيب عن الوجه الرابع بان ما ذكر لا يقتضى عدم رجحان الحادث من وجه آخر فان الشي‏ء لا يصدق عليه كونه باقيا إلّا اذا حصل فى الزمان الثانى فحصوله فيه امر حادث فاذا لم يكن وجود الحادث راجحا لم يكن وجود الباقى المتوقف عليه راجحا لان المتوقف على ما لا يكون راجحا غير راجح و الحاصل انه ما لم يعرف وجوده فى الزمن الثانى لا يعرف كونه راجح الوجود فجعل رجحان الوجود دليلا على وجوده فى الزمن الثانى مستلزم للدور على انّ رجحان الباقى بحسب الوجود الخارجى لا يستلزم رجحانه بحسب الوجود الذهنى هذا و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة بل المغالطة الصّرفة اذ مراد المستدل بالحادث المرجوح هو الحادث الابتدائى و يرشد الى ذلك بعد كون الفرض فى ذلك تعليل المستدل فلا يتماسّ به كلام هذا المجيب اصلا و مما هو اوضح مغالطة و ابين فسادا تفريع المجيب بقوله فاذا لم يكن وجود الحادث الخ اذ ليس هذا الحادث الموقوف عليه وجود الباقى من الحادث الابتدائى الذى فيه الكلام و المستدل لم ينكر رجحان وجود الحادث مط من راسه بل رجح وجود الباقى على وجود الحادثى الابتدائى لما ذكرنا فارجحية الموقوف من وجه لا يستلزم ارجحية الموقوف عليه بحسبه بل هذا مما لا يتعقل ثم ان قضية الدّور مما فى غير محله لان مقصود المستدل ان ما وجد الآن لا يمتنع‏

____________

(1) هذا

334

لا يمتنع عقلا ان يوجد فى الزمن الثانى و ان يعدم لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذى ذكر فالعلم بالاولوية مستفاد من العلم بوجوده فى الحال فلا دور فى البين و اما ما فى ذيل كلام المجيب فمما ضعفه بين اذ الامر الذهنى لو لم يطابق الواقعى لكان جهلا على ان الظاهر من كلام المستدل هو ادّعاء الامرين و كيف كان فالتحقيق فى الجواب ان يقال ان ما ذكر المستدل مبنى على مقدّمة غير مسلمة من استغناء الباقى عن المؤثر و إلّا فلا اولويّة فى البين اصلا اذ كما يعدم الباقى بوجود المانع كذا يعدم بعدم المقتضى كالحادث الابتدائى و من التامّل فيما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الخامس ايضا على انه يمكن ان يقال فيه ان اكثرية عدم الحادث من عدم الباقى لا يقتضى كون عدم الحادث بطريقين و عدم الباقى بطريق واحد موجبا للترجيح الباقى على الحادث فت و اما الجواب عن الوجه السابع بعد بيان تقريب الاحتجاج به بان الحكم بابقاء الباقى يوجب تقليل العدم و باثبات الحادث تكثيره لان الباقى انما ينعدم بوجود المانع فقط و الحادث قد ينعدم بوجود المانع او انعدام الجزء من العلة او الجزء الاخير او هذا الشرط الى غير النهاية فيكون العمل بالباقى راجحا على العمل بالحادث فبان مرجع هذا الاحتجاج بعد امعان النظر الى استغناء الباقى عن المؤثر و لا يتم ذلك الا باعتبار هذا اذ انعدام الشي‏ء بانعدام الجزء من العلة او الجزء الاخير منها او هذا الشرط الى غير ذلك مما يجمعه فقد المقتضى فاذا بنى الامر على افتقار الباقى الى المؤثر لم يفرق بين ابقاء الباقى و اثبات الحادث من جهة تقليل العدم و تكثيره هذا و اما الجواب عن ساير الوجوه المذكورة كجملة من الوجوه التى اعرضنا عن ذكرها و كانت تؤدى تادية طائفة من هذه الوجوه مما قد اخذ فيه قضية افادة الاستصحاب الظنّ بل حصوله فى مجاريه و عدم انفكاكه عنها من الامور الغير الماخوذ فيها المبانى العقلية و المقدمات الطويلة الاعتبارية فبالوجه العامّ السّارى فى كل تلك الوجوه و الكلام الدافع لها باسرها ببيان فساد المبنى القدر المشترك بينها فسنذكر هذا الوجه بعيد هذا إن شاء الله اللّه تعالى و اما ما يجاب به عن الوجه السادس تارة بمنع اغلبية ظن البقاء من ظن التغير و تسديد ذلك بان ما ذكر لاغلبية ظن البقاء من زيادة توقف التغيير على تبدل الوجود بالعدم و بالعكس معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق و تارة بمنع دلالة ان ما يتوقف عليه التغيير اكثر على غلبة البقاء على التغيير لجواز ان يكون الاشياء المتعددة التى يتوقف عليها التغيير اغلب فى الوجود من الاعداد القليلة التى يتوقف عليها البقاء او مساوية لها و تارة بمنع كون البقاء غالبا على الظن و ان سلم كونه اغلب من التغيير لجواز ان يكون الشي‏ء اغلب من غيره و ان غلب على الظن عدمه فى نفسه و تارة بعد الغضّ عما ذكر بمنع قابلية الاعراض التى وقع النزاع فيها فيما نحن فيه للبقاء فمما يتطرق اليه المناقشة الواضحة جدّا لان الشي‏ء اذا كان موقوفا على شي‏ء واحد و الآخر على شيئين فما يتوقف على شي‏ء واحد لا يتحقق عدمه الا بتقدير عدم ذلك الشي‏ء و ما يتوقف تحقيقه على امرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الامرين فمن المعلوم ان ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه اغلب من عدم ما لا يتحقق عدمه الا بتقدير و ما كان عدمه اغلب كان تحققه و بالعكس مقابله ثم ان تسليم اغلبية البقاء و عدم تسليم كونه غالبا على الظن من المجازفات الصّرفة و مثل ذلك القول بعدم قابلية الاعراض للبقاء على ان امكان البقاء و لو بطريق تجدد الامثال مما يثبت مطلب المستدل و لا شك ان الكلام انما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الاعراض لا فيما هو غير ممكن اذا عرفت هذا فاعلم ان هذا الوقت وقت الشروع فى ذكر الجواب العام و الوجه السّارى فى الكلّ فلا يخفى ان القدر المشترك بين الكل و ما يؤدّيه ما ذكرنا و ما اعرضنا عنه له عبارات متقاربة و تقريرات متعانقة و احسنها ما افاده العلامة (ره) فقال لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو بديهى البطلان و قال فى موضع آخر لزم العمل بالمرجوح و يقبح عقلا ترجيح المرجوح على الراجح هذا قال بعض افاضل السّادات الظاهر ان مراده بالوجوب هو الوجوب العقلى اى ما يستحق تاركه المذمّة (1) و ليس مراده من الوجوب المعنى المقابل للامكان و الامتناع‏

كما يوهمه ظاهر قوله و هو بديهى البطلان لان مثل هذه العبارة تستعمل فى المحالات و القبيح لا بد ان يكون من الافعال الاختيارية و الجواب عن هذا الدليل هو ان عمل المفتى بالظن اما ان يراد منه الافتاء او عمله بنفسه و كل منهما يتّصف بالراجحية و المرجوحية لا بمعنى المظنونية و الموهومية بل بمعنى استحسان العقل او الشرع و عدم ذلك الاستحسان او كون الفعل او الترك اولى عند الفاعل لداع و غرض فان اراد بالعمل الافتاء و بالراجح المظنون و بالمرجوح الموهوم مع قطع النظر عن كون الافتاء بالمظنون راجحا و بالموهوم مرجوحا بالمعنى المذكور الذى ذكرنا فلا نم قبح الافتاء بالموهوم اذ ربما كان مستحسنا عند العقل كما اذا كان المظنون الاباحة و كان الفعل مستلزما لرفع تلك المشقة و المضرة مع عدم الضرر فى الترك او كان الافتاء موافقا لغرض المفتى لا يقال ان الافتاء اخبار قطعى او ظنى فالافتاء بالموهوم يصير كذبا فيكون قبيحا لانا نقول هذا على تقدير عدم ملاحظة حال نفس الافتاء من حيث حسنه و قبحه و رجحانه و ان اراد به الافتاء ايضا و كان مقصوده ان نفس الافتاء بالمظنون لو لم يكن واجبا عنده مع انه مرجوح قبيح فعله عند العقل فنقول لا نم حكم العقل بلزوم الافتاء مط لا بالمظنون و لا بالموهوم نعم يحكم العقل بان الافتاء لو كان‏

____________

(1) و مراده من قوله و هو البطلان امر قبيح فعله بالبديهة

335

واجبا لكان هو لافتاء بالمظنون و الملازمة انما تصحّ على تقدير لزوم الافتاء اما بالمظنون او الموهوم و ان اراد بالوجوب الشرعى بناء على انه يجب على المفتى الافتاء اجماعا اما بالمظنون او الموهوم فان كان الاول ثبت المط و ان كان الثانى لزم وجوب الامر بالقبيح فالجواب انّ الاخباريّين و هم من اهل الاجماع يقولون الافتاء انما يجب بالمقطوع به و اما غيره فالتوقف و الاحتياط و القول بان مخالفة ما ظنّه المجتهد حكم اللّه تعالى مظنة للضرر و دفع الضرر المظنون واجب مدفوع بان علمنا بوجوب نصب الدلالة من الشارع على ما يتوجّه التكليف به يؤمننا الضرر عند صدق المخبر على ان ذلك منقوض برواية الفاسق و الكافر لا يقال لو لا الاجماع لقلنا به لانا نقول حيث منع من اطراد هذه الحجة دلّ على بطلانها لان الدليل العقلى لا يختلف بحسب مظانه و على تقدير التسليم فالمسلّم فى العقليات الصّرفة المتعلقة بامر المعاش دون المسائل الشرعية المتعلقة بامر المعاد فان العقل يستقل بمعرفة حكم العقليات دون الشرعيات و القول بان الموجود من ادلة الاحكام لا يفيد غير الظن مردود بان ذلك لا يوجب جواز العمل بالظن لجواز ان لا يجوز العمل بالظن فكل حكم حصل به العلم عن ضرورة او اجماع يحكم به و ما لم يحصل العلم به يحكم فيه باصالة البراءة لا لكونها مفيدة للظن و لا للاجماع على وجوب التمسّك بها بل لان العقل يحكم بانه لا يثبت تكليف علينا الا بالعلم به او ظن يقوم على اعتباره دليل يفيد العلم هذا كلامه و قال بعض من تاخر عنه محتذيا حذوه ان ذلك انما يتم على ما يذهب مخالفونا اليه من وجوب العمل بالظن و كون ذلك اصلا دون ما نذهب اليه من المنع الا ما قام عليه القاطع كما فى خبر الواحد قولكم و الا لزم الخ مغالطة فان المحال عادة انما هو الاقدام على ما هو مرجوح عند النفس بل على المساوى من دون ان يترجح عندها و لا يلزم من عدم العمل بالاستصحاب الاقدام على العمل المرجوح و لا الحكم به بل اقصاه ان تجيز على الشارع عدم الحكم بثبوت ما ترجح ثبوته لديك فلا تتديّن ثبوته لانه انما يسوغ لك التديّن بما تعلم حكم الشارع به لا بما تظن إلّا ان يكون ظنا قام الدليل على جواز التديّن به كالظن الحاصل بخبر الواحد او من ظاهر الخطاب انتهى ثم قد احتذى حذوهما بعض المعاصرين و ادعى وضوح فساد الدليل المذكور فقال لانه ان اراد بالراجح و المرجوح ما يساوى و الحسن و القبح فمصادرة او فى حكمها و ان اراد بهما ما هو معتبر فى مفهوم الظن و الوهم من الرجحان فى النظر و المرجوحية فيه فان ادعى فساد ترجيح الاول على الثانى و قبحه واقعا فهو بديهى الفساد ضرورة عدم جواز العمل بالظن فى بعض الموارد فيلزم فيه على التقدير المذكور احد المحذورين اما انتفاء القبيح فى تلك الموارد خاصّة فيلزم تخصيص العمومات العقلية و انفكاك الاسباب عن مسبّباتها و فساده واضح او تعلق الاوامر الشرعيّة بارتكاب القبائح العقلية و هو مخالف لقواعد العدلية مع ان الدّليل مبنىّ عليها و ان ادعى قبحه ظاهرا فيكون منوطا بصورة عدم انكشاف الخلاف ففيه ان العقل لا يعتد على الظن على الإطلاق فكيف يمكن دعوى البداهة على فساد ترك العمل به مع ان الآيات الناهية عن العمل بغير العلم قد كشفت عن حرمة العمل بالظن مط فلا يتم الاستدلال الا بعد اثبات عدم شمولها لهذا النوع من الظن على ان الاستصحاب قد لا يفيد الظن فالدليل لا يطابق المدعى هذا و لو جعل الدليل مبنيا على قاعدة انسداد باب العلم و بقاء التكليف ففيه ان قضية ذلك حجية الظن فى معرفة دليل الحكم لا نفس الحكم مع ان الاستصحاب يجرى فى الاحكام و الموضوعات و قاعدة الانسداد انما تجرى فى القسم الاول الا ان الامر فى هذا سهل لامكان تخصيص العنوان به انتهى و لا يخفى عليك ان كلام هذا لمعاصر كالتفسير و البيان لكلام الاول كما ان كلام الثانى كالنتيجة الحاصلة منه و بالجملة فان هذين الفاضلين قد تاسيا الاول و احتذا حذوه لكن المعاصر قد زاد فى مقالة حديث الصغرى اى قضية حصول الظن من الاستصحاب و عدمه و مثله فى هذه المقالة غير عزيز و لكن تقديم الكلام فى الكبرى بالمحاكمة بين الفريقين ممن احتجّ بتلك الحجة و من لا يرضى بها ثم ذكر ما يتعلق بحال الصّغرى و ما يلحقها بجعله عنوانا على حدة فى تذييل اولى و انسب فاعلم ان اكثر كلمات الاول مما فيه زيادة و

تطويل و تشقيق غير مثمر و اما ما فى ذيل كلامه مما يتعلق بالمقام و يلتزم بالوجوب المذكور فيه القائل بحجية الاستصحاب من باب الوصف فما ضمنه من الاحتجاج بمقالة الاخبارية مردود بانها من المقالات الجزافية و مستلزمة لتعطيل الاحكام و محق الحقوق فى مواضع كاستلزامها العسر و الحرج فى مواضع أخر فمخالفتهم مما لا يقدح فى تحقق الاجماع حدسيا كان او برهانيا ثم ان دفعه قاعدة الضّرر بما ذكر ليس فى محله لانه ان اراد من الدلالة الدلالة العلمية يرد عليه ان دعوى وجوب تلك الدلالة على الشارع فى ازمنة الغيبة من المصادرات و ان اراد منها الاعمّ يرد عليه ان الفرق بين الظن الاستصحابى و بين ما ظن صدوره من الشارع تحكم محض و دعوى قيام الدليل على اعتبار هذا دون من الخيالات الكاسدة و بالجملة فالقاعدة مما فى مخرها و النقض الذى ذكره مما لا وقع له لان التزام القائلين بحجية الظن مط برواية الفاسق بل الكافر ايضا اذا افادت الظن مما لا ضير فيه كما لا ضير فى اخراج ذلك بالاجماع لانه ما كان حكم العقل فى القاعدة على سبيل التنجز و البت بل على سبيل التعليق فاذا كان القاعدة من التعليقيّات و ما فى مرحلة الظاهر فرعيته بعدم كشف الخلاف فلا يكون ما ذكر من التخصيص فى شي‏ء ثم ان تنزيله بتسليمها فى الدنيوية دون الاخروية من عجائب الامور كحكمه بالرّجوع الى اصل البراءة فيما لم يعلم او يظن بما قام الدليل على اعتباره لان ذلك مما يفضي الى الخروج عن الدين و عدم التديّن‏

336

التديّن بشريعة سيّد المرسلين (ص) لقلة وجود ما يعتبره فى غاية القلة خصوصا اذا اعتبر فى تزكية الرواة تزكية العدلين و عقد الباب ان حكم العقل بقبح ترك الراجح و اخذ المرجوح او التسوية كحكمه بلزوم دفع الضرر المظنون مما لا ريب فيه فاذا انضم الى ذلك حديث حاكمية العقل بالملازمة و التطابق بين العقليات و الشرعيات فى الظاهريّات و التعليقيات كحكومته بذلك فى التنجيزيات و الواقعيات تم احتجاج المستدل و كان فى موقعه و يدفع حديث النقض و عدم جواز تخصيص العمومات العقلية بما مر اليه الاشارة من ان القاعدة تعليقية من اصلها فلا ضير و لا تخصيص فالمط واضح اللهمّ الا ان ينكر حديث حاكمية العقل بالتطابق و الملازمة فى الظاهريات و يختصّ بالواقعيات و هذا ايضا كما ترى لانه بعد الغضّ عن انه خلاف ما يعطيه القواعد و الادلة خرق للاجماع المركب اذ القائلون بالتطابق لم يفصّلوا من هذا الوجه كما لا يخفى على ذى دربة كاملة نعم هذا يناسب مذهب من ينكر حاكمية العقل بالملازمة راسا او حجية احكامها من اصلها و قد عرفت فساد هذين المذهبين فقد استبان ما يرد على كلام المعاصر ايضا مع انه مما فيه تمجمج و اضطراب و تلوّن و اعتراض اذ قوله فى ردّ كون حكم العقل على سبيل التعليق العقل لا يعتد بالظن على الاطلاق مما لا يناسب ما هو فى صدره من الجواب الحلى التفصيلى بذكر الشقوق و الترديدات على انه من المكابرات المحضة و المجازفات الصّرفة كتسديد ذلك بالآيات الناهية اذ المستدل بالحجة المذكورة ممن يدعى بداهة عدم شمول الآيات لامثال ما فى هذه الازمنة على انها مما فيه الف كلام و اعجب الامور قوله ان قاعدة الانسداد مما تعطى حجية الظن فى معرفة دليل الحكم لا نفس الحكم اذ مستلزم لمزية الفرع على الاصل ثم الكلام المشبع فى ذلك يطلب من مظانه‏

فى أن الاستصحاب ليس من الأدلّة الاجتهادية

ثم لا يخفى عليك ان المحتج بتلك الحجة و ان لم يكن محجوجا بما ذكر فى كلام هؤلاء الفضلاء و نحوه إلّا انه محجوج بان لازمها كون الاستصحاب من الادلة الاجتهادية و عدم الفرق بينه و بين غيره فلا بد من ان يعامل فيه ما يعامل فيها مع ان المحتجين بتلك الحجة من الاماميّة لا يصنعون كذلك بل يعولون على الاستصحاب حين فقد الادلة الاجتهادية براسها و حذافيرها و يعلنون اصواتهم فى مقامات غير محصاة بان الاصول من الادلة الفقاهية و ادلة مقام العجز عن الادلة الاجتهادية و لهذا يقدّمونها عليها فى مقام التعارض بل يصرّحون بانه مما لا يقاوم لمعارضة الاجتهادية مط بل ان المواضع التى تقدم فيها الادلة الاجتهاديّة على الاستصحاب ليس تحقق الاستصحاب فيها الا تحققا صوريّا فليس هذا الا من التدافع الصرف و التناقض المحض و دعوى ان ذلك لكون الظن الحاصل من الاستصحاب اضعف الظنون الحاصلة من الادلة الاجتهادية فلا ينافى تاخيره عنها و كون العمل به مشروطا بفقدها كونه من الادلة الاجتهادية اذ هى باعتبار قوة الظن و ضعفه ذات مراتب من الدّعاوى العرية عن البينة بل مما يكذّبها الحسّ و العيان و لو فى بعض الاحيان فان قلت انه قد عدّ من جملة الاقوال فى الاستصحاب قول البعض بانه حجة من باب الفقاهة لا الاجتهاد كما اشرت اليه و هذا مما يعطى ظاهرا تحقق القول بكونه من الادلة الاجتهادية ثم ان معاملة بعض الاصوليين فيه معاملة الادلة الاجتهادية غير عزيز و يسدّد هذا المقال قول بعض اجلّاء فضلاء السّادات بجواز تخصيص العمومات و المطلقات بالاستصحاب كما يؤيده ما يتراءى عن البعض من ان النزاع بين العلماء او الامامية فى حجية الاستصحاب انما هو فى حجية من باب الاجتهاد لا الفقاهة على ان كلام الفاضل التونى فى موضعين من كتابه من الشواهد على المطلب حيث قال فى باب التعارض الخامس بين الكتاب و الاستصحاب بناء على حجية و يبعد تقديم الثانى مط و قال ايضا الثانى عشر بين خبر الواحد و الاستصحاب فان كان اصل الاستصحاب ثابتا بخبر الواحد فالظاهر تقديم الخبر و الّا محل تامل هذا و التقريب فى كلامه من وجهين كما لا يخفى و بالجملة فان كون الاستصحاب من الادلة الاجتهادية مما ليس فيه استبعاد قلت انّ ما ذكر او لا مما لا يعوّل على مثله فى مثل المقام كما لا يخفى على انه يمكن ان يكون مما يشير الى قول العامة فان تحقق القول منهم بكون الاستصحاب من قبيل الادلة الاجتهادية مما لا ينكر و اما ما سدد به من قضية تخصيص العمومات بالاستصحاب فهو مما ليس فى مخره لانه بعد الغضّ عن صحته و سقمه مما لا دخل له بالمط اذ لم ينط الأمر فيه على افادة الاستصحاب الظن فان هذا السيّد الاجل ممن يقول بحجّية الاستصحاب من باب التعبّدية الاخبارية فالقول بكونه من قبيل الادلة الاجتهاديّة لا يناسب هذا القول جدّا بل لا قائل بهذا من اصحاب ذلك القول و الحاصل ان القول بكونه من الادلة الاجتهادية فرع القول بحجّيته من باب الظن فسّر ما افاده هذا السيّد الاجل امر غير ما ذكر على ان انتساب الغفلة الى هذا السيد الاجل و وقوع التدافع بين كلماته مما لا ضير فيه ثم ان ضعف ما يتراءى من البعض مما فى غاية الظهور اذ وقوع التشاجر و التنازع بين العلماء فى حجية الاستصحاب مط و لو فى كونه من قبيل الادلة الفقاهية مما لا ينكر و بقى الكلام فى الاستشهاد بكلام الفاضل التونى (ره) فنقول ان الانصاف ان هذا الكلام فى ذلك الباب مما يستشم منه ان العمل بالاستصحاب لظن البقاء مما يجرى فيه قضية التعارض بينه و بين الادلة الاجتهادية و كذا قضية الترجيح و ان ذلك مما كان معروفا بين العلماء ايضا و اما ما رد به كلامه فى كلام البعض من ان الاستصحاب انما يكون حجة عندنا باعتبار التعبّد لا باعتبار افادته الظن فهو دليل تعبدى و لا كل الخبر فانه انما يكون حجة عندنا باعتبار افادته الظن فهو دليل اجتهادى و قد تقرر ان الدليل الاجتهادى مقدم على الدليل التعبدى و الظاهر انه‏

337

متفق عليه بين اصحابنا و لان الظن بعد حجّية يقوم مقام العلم و يكون اقرب الى الواقع فيكون اولى و لانه لو لم يقدم لزم عدم حجية الظن اذ ما من مورد الا و فيه دليل تعبدى من الاستصحاب و اصل البراءة و اصل الاباحة و ذلك باطل قطعا فمما قد اشتمل على جملة من المصادرات و الدعاوى الغير الواقعة فى محلها فاقل ما يرد على ظاهر كلامه من ان الامامية من القائلين بحجية الاستصحاب انما يقولون بها من باب التعبّد لا من باب الظن هو ان الامر ليس كل اذ انتساب جمع كثير الى المعظم مط الحجّية من باب الظن مما لا ينكر و لا يخفى على احد فمن تتبع كلمات الاصوليّين اطلع على صدق هذا الانتساب على ان عدّه الاستصحاب من قبيل ما اتفق على كونه من التعبّديات من اصل البراءة و اصل الاباحة من عجايب الامور و بالجملة فرق بيّن بين نسبة كون الاستصحاب من الادلة الاجتهادية الى الامامية و بين نسبة ان بنائهم على افادته الظن كما انه فرق بين انكار النّسبتين معا و بين انكار الاولى خاصة فانكار النسبتين معا مكابرة كما ان انكار الاولى مما لا يخلو عن صواب فكون لازم ثبوت النسبة الثانية هو ثبوت الاولى مع ان الامر ليس كل لا يكشف عن انتفاء الثانية من اصلها بل يكشف عن وقوع التدافع و التناقض بعد ملاحظة تحقق النسبة الثانية فى كلمات المعظم و الحاصل ان الفاضل التونى (ره) لا يؤاخذ بما ذكر هذا البعض بل بان كلامه هذا اما ان يكون مما يشير الى الفرض على الابتناء على ما عليه المعظم او على كون مدركه الاخبار او غيرها فعلى الاول يرد عليه ان الابتناء على سجية القوم و عملهم لازمه تقديم الخبر جدّا من غير تامل كما ان الابتناء على ما عليهم من اعتبار الاستصحاب من باب الظن مع قطع النّظر عن عملهم المتناقض لذلك لازمه مراعاة قوة الظن و ضعفه من غير تامل ايضا كما يرد عليه على الثانى ان الحكم بتقديم الخبر ح لا بد ان يكون على سبيل البت و الجزم لو كان الاستصحاب ثابتا بالخبر سواء كان متواترا او خبر واحد كلزوم مراعات قوة الظن و ضعفه لو بنى الامر عليه و كيف كان فضعف الكلام من هذه الوجوه لا الوجوه المذكورة فى كلام البعض هذا و لا يخفى عليك انه يمكن ان يقال ان قول المعظم باعتبار الاستصحاب من باب الظن مع عدم معاملتهم به معاملات الاجتهاديات ليس من التدافع فى شي‏ء و ذلك لا لاجل ضعف الظن الحاصل منه حتى يقال هذا بديهى الفساد بل لانه انما يفيد الظن حين فقد الادلة الاجتهادية من راسها و بعبارة اخرى ان دليليته كما هى معلقة بفقد الدّليل فكذا افادته الظن و هذا يتضح غاية الاتضاح اذا ابتنى افادته الظن على بعض الوجوه العقلية المتقدّمة هذا و الانصاف ان امثال هذه التفصيات مما لا يدفع الضيّم جدا بل ان هذه من الدّعاوى القائمة على خلافها البينة فالالتزام باحد الامور من قبول التناقض فى كلماتهم و من ضعف الظن الحاصل من الاستصحاب و من ان من يقول بحجّيته من باب الظن يقول باجتهاديّته ايضا لازم و التزام الاخيرين مما يكذبه الحسّ و العيان فتعين الالتزام بالاول فان قلت ان الاذعان بان مذهب المعظم هو حجية الاستصحاب من باب الظن و انه عندهم من الادلة الاجتهادية مما لا محيص عنه و ذلك لان كونه من الادلة الفقاهتية و ادلة مقام العجز عن الدليل انما ينبعث عن اثبات حجيته بالاخبار نظرا الى ما فيها من التعليق اللبى و التخصّص الموردى الحاصلين من الهيئة التركيبية الاستثنائية و تنزيل اخبار الآحاد و نحوها منزلة اليقين و هذا امر مستحدث بعد زمن صاحب المعالم (ره) فانّ الاصوليّين فى عصره و قبله لم يتمسّكوا بالاخبار فى هذا الباب اصلا فهى انما تفيد ان الاستصحاب دليل الفقاهة و مقام العجز عن الدليل كما تفيد ان اناطة الامر عليه من باب التعبّدية و السّببية المطلقة و اما غيرها من الادلة فهو يفيد ان التعويل عليه من باب الظن و انه من الادلة الاجتهادية و بالجملة فغير الاخبار كله من الوجوه العقلية فالعقل لا يحكم بحجية امارة من الامارات من باب التعبّد فنسبة اجتهاديته الى المعظم مما لا مفرّ عنه غاية ما فى الباب انه يسع ح نسبة الغلط و الغفلة اليهم بما هم عليه فى باب التعارض و الترجيح من تقديم الخبر و نحوه على الاستصحاب مط و كذا الحال فى غير ذلك الباب من المقامات العديدة فى الاصول او الفقه و هذا امر وراء ما ذكرت قلت‏

ان بعضا مما ذكرت و ان كان مما فى مخره الا ان بعضا منه ليس فى محلّه اذ ليس كل الادلة و الوجوه العقلية مما يؤدى انّ ملاك الامر فى الاستصحاب على الظن حتّى ينبعث عن ذلك كونه من الادلة الاجتهادية بل ان جملة منها مما يؤدى ان اناطة الامر فيه على الحيرة و العجز عن الدليل و يقضى قضاء صريحا و بتيا بكونه من التعبّديات العقلية و ما توهّم من عدم قضاء العقل بحجية امارة من الامارات من باب التعبّد مما يدفعه امعان النظر فى مباحث اصل البراءة و اصل الاباحة و ان قطع النظر عما فى جملة من الوجوه المذكورة لحجّية الاستصحاب ثم بعد الّتى و اللتيا نقول ان كل ذلك مما لا يضرنا اصلا من معشر القائلين بحجّية الاستصحاب من باب التعبّد الشّرعى بل كل ذلك من المسدّدات و المقويات لمذهبنا نظرا الى ان الاشياء تعرف باضدادها اذ غير ما صرنا اليه مما ينبعث عنه التدافع و التناقض و الغلط كما عرفت و ستعرف بقية الكلام مما يتعلق بذلك إن شاء الله اللّه تعالى‏

تذييل فى المراد بظن فى كلام القائلين بحجّية الاستصحاب من باب الظن‏

تذييل‏ اعلم انّ جمعا ممن لا يرتضون بالوجوه المؤدية افادة الاستصحاب الظن قد نازعوا فى الكبرى كما عرفت و جمعا فى الصغرى اى فى افادته الظن و جمعا فى كليتهما ثم قد ابهم الامر و اختلفت النسبة فكم من قائل ان المراد بالظن فى قول القائلين بحجيته من باب الظن هو الظن الشخصى الفعلى و كم من زاعم ان المراد هو النوعى الشانى و ذلك الابهام و هذا

338

و هذا الاختلاف انما نشاء عن عدم وقوع تصريح باحد الامرين من القائلين بحجّية من باب الظن فكم من امارات و سياقات فى كلماتهم تؤدّى الاول و كم من قرائن و لوازم تعطى الثانى فقبل الخوض فى بيان الحال و كيفية المقال فى ذلك لا بد من تمهيد مقدّمة و ان كان بعض ما فيها مما مر اليه الاشارة فى بعض المباحث السّابقة فاعلم ان من يقول به من باب الظن الشخصى الفعلى لا يعتبره فى صورة الشك و فى صورة الظنّ بالخلاف بالاولوية من غير فرق فى ذلك بين ان يكون مؤدّى الظن بالخلاف من قسمى المظنون الاعتبار و الموهوم الاعتبار على البناء على عدم دليليتهما و بين ان يكون من القسم المقطوع عدم اعتباره من الاقيسة و الاستحسانات و هذا كله ظاهر لا سترة فيه ثم ان هؤلاء هل يقولون بالتعقل و الجريان فى هذه الصورة لا فيه اشكال لكن الحق انهم يقولون بالجريان فيها كما لا يخفى على من امعن النظر فى كلماتهم ثم من يعول عليه من باب الظن النوعى يعتبره فى صورة الشك جدا نعم يشكل الامر فى صورة الظن بالخلاف فهل لا يعتبر ح اصلا او يعتبر مط او يفصّل بين الامارات على خلافه فيعتبر فى قبال الاقيسة و نحوها و لا يعتبر فى قبال الشهرة و نحوها فالحق ان المتراءى من كلماتهم هو انه يعتبر مط بل لا فرق بين الابتناء (1) على التعبّدية العقلية من هذا الوجه اصلا نعم الفرق بينهما من وجه آخر و هو انه يلاحظ الواقع و كون الاستصحاب كالمرآة فى الكاشفية عنه على القول بالظنية الشأنية النوعية و لا يلاحظ ذلك على القول بالتعبّدية العقلية و هذا كما ترى فرق اعتبارى محض فالفرق البين بينهما هو انه على القول بالظنية النوعية يقدّم حين التعارض الاستصحاب الذى افاد الظن الشخصىّ الفعلى على الذى لم يفده و كذا على ما يفرض فى درجته من ساير الادلة و الامارات هذا اذا قلنا ان مثل ذلك من المرجّحات الداخلية كما هو الحق كالاعدلية و الاوثقية و الاورعية فى رواة الاخبار مما تعد من المرجّحات الداخلية حين تعارضها لا المرجّحات الخارجيّة فانها لا تجدى بعد بناء الامر على الظنية النوعية كما لا يخفى و كيف كان فلا يكون الامر كما ذكر اذا بنى الامر على التعبّدية العقلية فلا يعوّل على المرجحات داخلية او خارجية اصلا بل مقتضى القاعدة ح التخيير او التساقط و الرّجوع الى الاصول الاولية من اصل البراءة و الاشتغال اذا عرفت هذا فاعلم ان العبارات الواردة فى مقام الاحتجاج من ان بقاء ما ثبت وجوده او عدمه فى حال او زمان و لم يحصل الظنّ يطر و ما يرفعه مظنون و كل ما هو مظنون مما يجب الأخذ به و نحو ذلك من ساير العبارات المؤدية ذلك مما يعطى ان المراد بالظن هو الظن الشخصىّ الفعلى لان المعروف اختصاص كلية الكبرى بالظن الفعلى على انّ المتبادر من الظن هو ذلك و يساعده كلام البهائى فى حبل المتين كما مر اليه الاشارة و التقريب بانه يظهر من نفحات كلامه ان ما كان عليه كان مذهب القائلين بحجية الاستصحاب من باب الظن باسرهم و مما يساعد ذلك ايضا كلام المحقق الثالث حيث قال الاستصحاب كون حكم او وصف يقينى الحصول فى الآن السّابق مشكوك البقاء فى الآن اللاحق و المراد من المشكوك اعم من المتساوى الطرفين ليشمل المظنون البقاء و غيره و ان كان مراد القوم من الشك هنا هو الاحتمال المرجوح فى الواقع لان بنائهم فى الحجّية على حصول الظن و نحن انما عممنا الشّك لانا لا ننقض اليقين إلّا بيقين بسبب الاخبار فلا يضرنا تساوى الطرفين بل كون البقاء مرجوحا ايضا فالاستصحاب عندنا قد يستند فى حجّية الى الظن الحاصل من جهة اليقين السّابق و قد يستند فى حجية الى الاخبار و هو لا يستلزم حصول الظن الا انّ الاخبار ايضا مبنية على الاعتماد بالظن الحاصل من الوجود السابق و هو مشكل هذا كلامه و هو بعد ملاحظة كلامه الآخر فى مسئلة اصل البراءة و غيرها و حكمه البتى فيه على افادة الاستصحاب الظن و ان التعويل عليه لاجله و ان كان مما قد يشتمل على بمحتج و اضطراب نظرا الى قوله و هو مشكل إلّا انه مما يمكن التمسك به فى بيان مراد القوم و الانتساب اليهم فجهة الاضطراب المذكور كما فى كلامه هذا من مدخولية تعريفه و ما كالغلط من قوله و المراد من الشكّ هنا هو الاحتمال المرجوح مما لا مدخلية له فيما نحتاج اليه‏ (2) هو ما نسبه الى القوم فهذا المحقق ممن يعتنى بنقله و اخباره ثم‏

ان من جملة ما يساعد هذا الحمل هو ان ارادة الظن النوعى الشأنى مما يدفعها كلامهم المذكور من حصول الظن بالبقاء عند عدم الظن بطروّ الرافع اذ مجرّد معارضة ما من شانه افادة الظن لا يقدح فى حصول الظن بالاستصحاب اذا التزم بكونه من اسبابه ما لم يتساويا فى القوة او يقوى الظن الآخر فلا وجه لتخصيص حصول الظن به بصورة عدمه و كذا ارادة ما يعم الظن الشأنى النوعى من قولهم الظنّ بالبقاء لانه لا وجه ح لتقييده بصورة الظنّ بطرو الرافع سواء اريد به الظن الفعلى او الشانى اذ لا يقدح فى الظن الشأنى كون الظن الفعلى بخلافه فضلا عن الظن الشأنى هذا على ان قضية الاصل قاضية بارادة الظن الشخصى لانه القدر المتيقن فى البين و ان من نازع فى تلك الوجوه المذكورة من حيث الصغرى انما نازع فى الظن الشخصى كما هو ظاهر مقالاتهم و هذا مما هو كاشف عن مراد المحتجّين بتلك الوجوه و اما الامارات و القرائن الدالة على لزوم حمل الظن على النوعى الشانى هو ان افادة الاستصحاب الظن الشخصى فى الموضوعات لكل احد فى كل حال من الحالات كإفادته اياه لكل احد من المجتهدين فى كل حال من الاحوال فى الاحكام و ما ضاهاها من الدعاوى البعيدة جدّا بل مما لا يقبله ذو مسكة قطعا على ان لازم ذلك انتفاء الشك فى الحوادث الوجودية و العدمية

____________

(1) على هذا المذهب و بين الابتناء

(2) فما نحتاج اليه‏

339

بالكلية و هذا بديهى البطلان و كذا بطلان مباحث الشكوك المقرّرة فى الصّلاة اذ قضية المصير الى الظن الشخصى هى ان يظن المصلّى عدم الزيادة ما لم يقم عنده امارة تفيد الظن مط فلا يبقى مورد للشك على ان قضية اجتهادية الاستصحاب المنبعث عنها (1) وقوع التناقض او الغلط فى كلامهم انما هى منبعثة عن ذلك ثمّ من المعلوم ان الوجوه المزبورة للحمل على الظن الشخصى مما لا يقاوم هذه الوجوه جدّا بل هى فى قبالها مثل الشبهات فى قبال البديهيات بل ان جملة منها من قضية التبادر و معروفية اختصاص كلية الكبرى بالظن الشخصى من الدّعاوى العريّة عن البيّنة و فهم البهائى و المحقق الثالث (ره) مما لا حجة فيه فى مثل المقام و لعلهما لرسوخ خفية هذا فى ذهنهما قد نسباه ايضا الى القوم و النزاع فى الصغرى كما يتصوّر بالنسبة الى الظن الشخصى كذا يتصور فيها بالنسبة الى الظن النوعى و قضية عدم الظنّ بطرو الرافع لم تقع الا فى بعض العبائر و ليس ما فى كلها مثل ما فيه مع انها مما يمكن التفصّى عنها و التمسّك بالاصل المذكور من المجازفات الصّرفة اذ ليس المقام مقام احقاق الحق حتى يصحّ ذلك بل مقام الاستكشاف عما فى الواقع و مقام استصحاح النسبة الى القوم و بالجملة فان تلك الوجوه مما لا يقاوم هذه الوجوه و لو فرضت صحّة تلك الوجوه فى نفسها فكيف بذا مع ما نشاهد من عدم استقامتها من اصلها هذا و لا يخفى عليك انا نقول مع ذلك ان المقام اما مقام ما هو تعيين اقرب الى الصواب و الحق او مقام استخراج مذهب الحق من خاصرة احتجاجاتهم و جنب مساق كلماتهم فلا ريب ان الاول خارج عن الفرض فتعين الثانى فعليه لا شك فى كون مذهب معظم القوم ان لم نقل كلهم كون الظنّ الحاصل من الاستصحاب هو الظن الشخصى الفعلى و ورود الايرادات عليه بعد تسليم انه مما لا مدفع له مما لا يعين كون مذهب القوم فى ظن الاستصحاب هو الظن النوعى و بالجملة فان لزوم تلك الايرادات التى لا دافع لها على الانصاف و التجاوز عن الاعتساف كاشف عن بطلان ذلك المذهب لا عن انه ليس مذهبا للقائلين بالحجية من باب الظن على ان جملة من الايرادات الواردة على القول بحجيته من باب الظن النوعى مما لا دافع لها ايضا و الحاصل انه و ان لم يكن من البعيد ان يكون مذهب البعض هو الحجية من باب الظن النوعى الا ان مذهب المعظم هو حجيته من باب الظن الشخصىّ الفعلى و هذا مما لا ينكره المتدرب المتتبع فقد انصدع و تبيّن فى هذه الخزينة و تذييلها حقية ان حجّية الاستصحاب من باب السّببية المطلقة الشرعية كتبين فساد ساير الاحتمالات المتصورة بل المذاهب المتحققة من حجية من باب الظنية النوعيّة و من حجيته من باب الظنية الشخصيّة و كذا من حجيته من باب التعبّدية العقلية على اشكال و تامل فى هذا الاخير و تبين ايضا عدم استقامة الوجوه المتصورة لهذه المذاهب و ايضا انّه دليل اجتهادى لا فقاهتى و ان ما اخترنا هو مذهب جلّ متاخرى المتاخرين و من سبقهم بل مذهب كلهم الا من شذ و ندر و جملة الكلام و عقد الباب ان المدارك التى يصحّ التعويل عليها فى هذا الباب ليست الا الاخبار فهى انما تفيد انه من قبيل الاسباب الشرعيّة المطلقة و قد اشرنا الى ذلك فى مقام تفسير الاخبار الواردة فى الباب و بيانها و نزيد الكلام هنا بما ذكره بعض شركائنا مبينا كلامه و شارحا مرامه و مشيرا بعد ذكره الى بعض الغفلات الواقعة فيه فاعلم ان من جملة ما يدل عليه الخبر الاول من زرارة و ذلك باخذ ما فيه من صدره و ذيله من حكم الامام (ع) باعتبار الاستصحاب فى مورد الظن بالعدم كما يشهد بذلك قول زرارة فان حرك الخ اذ هذا من الامارات الظنية على عدم بقاء الطهارة و من جعل الامام (ع) اليقين غاية و من إيقاعه الشك فى قبال اليقين و من اعتبار نقض اليقين باليقين و منها خبره الآخر فى قضية دم الرعاف و التقريب به زائدا على ما مرّ بقول زرارة فان ظننت الخ و ايضا بترك الاستفصال فى كلامه كما لا يخفى على الفطن و القول بان الغالب عدم بقاء الظن بعد الفحص فيكون المراد بالشك هو الأخص أو الوهم مدفوع بان ذلك ممنوع فليس اطلاقه على الوهم الا من باب اطلاق الكلى على الفرد هذا بل لا يبعد ان يقال ان كل الاخبار الواردة فى الباب مما قد اشتمل على لفظى الشك و اليقين مما يدل‏

على ذلك و ذلك بملاحظة امور من كون الشك حقيقة فى مطلق الاحتمال لاجماع اهل اللغة على ذلك و ليس العرف الا على طبقها على ان فى مقام الشك يكفى الاصل و اللغة تقدم عند التعارض هذا بعد الغض عن القرائن الحاصلة عن تتبع الاخبار فمنها ان المعنى المتعقل من نقض اليقين بالشك ليس الا نقض احكام اليقين باحكام الشك فكان الشارع يقول اذا حصل لك اليقين بشي‏ء فاجز احكامه عليه و لا تجر احكام الشك من الرّجوع الى البراءة و نحوها و من المعلوم ان الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ فلا يمكن اجراء حكمه و هو المط و منها انه لو لا ذلك لزم خلو الاخبار عن حكم ما يظن فيه على طبق الاستصحاب لان هذه الصورة و ان كان يمكن اثباتها بالاولوية و الاجماع المركب الا ان خلو الاخبار عنها بعيد و الا فالامر اوضح على انه يمكن ان يقال ان اتمام المط مما فى مخره و ان حمل الشك على الاخصّ لان صورتين من الصور مما لا شك فى حجية الاستصحاب فيهما فالاولى من دلالة الخبر عليها منطوقا و الثانية فحوى مضافة الى الاجماع المركب و كذا صورة الظن بالخلاف اذا كان مسبّبا من الامور الغير المعتبرة لبناء العقلاء و اما اذا كان مسببا عن المعتبرة فيعمل به جدا فلم يبق فى البين شي‏ء فظهر كونه من قبيل السّببية المطلقة و اما احتمال التفضيل بالحجية من باب الوصفية فى قبال الاسباب المعتبرة عند العقلاء و بها من باب السّببية فى قبال الاسباب الغير المعتبرة نظرا الى ان الظاهر من الشك هو المسبّب من الاسباب الغير المعتبرة عند العقلاء

____________

(1) حديث‏

340

عند العقلاء فيكون مشككا بالنسبة الى الشك المسبّب من الاسباب المعتبرة فلا يثبت الحجية من باب السّببية بالاخبار الا فى قبال الاسباب الاسباب الغير العقلائية و بعبارة اخرى انها منصرفة الى طريقة العقلاء و هى الحجية من باب الوصفية فى قبال الشك الناشئ عن الاسباب العقلائية و السّببية المطلقة فى قبال غيره فمدفوع بان مورد الخبرين مما يابى عن ذلك فان الشك المسبّب عن الخفقة و الحركة و الظن بالاصابة من الامور المسبّبة عن الاسباب العقلائية جدّا فاذا لم يحمل ما فى جواب الامام (ع) على ذلك او الاعمّ لم يطابق السؤال قطع على انه يرجح فى المشككات جانب غلبة الاستعمال على جانب غلبة الوجود فيتم المط و التقريب بان الشك اغلب استعمالا فى الحيرة المنبعثة عن الأسباب العقلائية و ان كان الاغلب بحسب الوجود ما هو المسبّب عن الاسباب الغير العقلائية فاذا كان فى هذا القسم من باب السّببية المطلقة بالاخبار ثبت حجّية فيما فيه الشك مسبّب من الاسباب الغير العقلائية بالاولوية و الاجماع المركب و طريقة العقلاء من باب السّببية المطلقة ايضا هذا لبّ مرامه قد بيّناه بعبارات رشيقة قريبة التأدية بعيدة عن تطرق الخدشات اليها الا ان يلاحظ ما تضمنه نفس مرام هذا القائل من حيث هو هو و الحاصل انه و ان كان فى جادة الحق فى اعتقاده فى دلالة الاخبار على حجية الاستصحاب من باب السّببية المطلقة الا ان مرامه مما قد اشتمل على جملة من الغفلات الواضحة كدعوى اعميّة الشكّ لغة و دعوى اجماع اهل اللغة عليها و تقدّم اللغة على العرف حين التعارض مضافة الى ما فيه من التجشمات الباردة و الاستدراكات الشاردة فما ذكرنا سابقا فى تفسير الاخبار و توجيهها مما فيه غنية جدّا ثم لا يخفى عليك ان الاخبار المذكورة مما يعول عليها قطع فى هذا الباب كما كانت مما يعوّل عليها فى اثبات‏ (1) الحجّية لكونها متواترة معنى بل لفظا على وجه كما مر اليه الاشارة على ان الامر مما يستتم بها و ان بنى الامر على آحاديتها لاعتبار الآحاد ايضا فى المسألة الاصولية اذا حازت الشرائط كما هو مختارنا وفاقا لجمع من المحققين فخذ ما آتيناك فى هذا المقام و غيره و لا تركن الى بعض الكلمات الصادرة عن البعض فانه فى مبعد من الصواب و ان شئت الاطلاع على ذلك ثم على فساده فاستمع لما نذكر من لب مرامه حتى يظهر لك صدق ما ادعينا فقال ما حاصل مرامه اعلم انه يعتبر الظن فى مدرك الاستصحاب لو قلنا بكونه من قبيل الاسباب اذا كان المستصحب مسئلة فرعيّة كاستصحاب الطهارة مثلا فخبر واحد كاف فى ذلك و هذا للدليل العقلى المسمّى بالدليل الرابع لان مقدّماته المعمّة من الاجماع المركّب و الترجيح بلا مرجّح كما تجرى فى الاحكام الواقعية كذا تجرى فى الظاهريّة فلا وجه لاختصاصها بالاولى و اما توهّم ان لازم ذلك حجية الظن فى المسائل الاصولية بتقريب ان الظن بالحكم الاصلى لا ينفك عن الظن بالظاهرى الفرعىّ فيقال ح انه اذا ثبت حجية الظن الحاصل من الاخبار بالظاهرى الفرعى لزم حجيته اذا كان حاصلا من الظنّ بالاصلى و الا لزم ترجيح المرجوح او الترجيح بلا مرجح فاذا ثبت ما ذكر بهذا التقرير فى الفرعى ثبت ايضا فى الاصلى قطع لان الاول هو المنبعث عن الثانى و المتفرع عليه فمن التوهمات المحضة لوضوح الفرق بين الظن بالفرعى المستفاد من الاخبار خاصّة او عامة و بين ما هو مسبّب عن الظن بالحكم الاصلى من وجوه من ان الاول مسبّب عن الدليل بلا واسطة بخلاف الثانى و من ان حجية الاول ملازمة لحجية الظن فى المسائل التى انسداد باب العلم فيها اغلبىّ بخلاف الثانى و غير ذلك ثم لا يخفى انه كما يعول على الظن فى مدرك الاستصحاب اذا قلنا بكونه من قبيل الاسباب اذا كان المستصحب فرعيا كذا اذا كان اصليّا مثل استصحاب جواز التقليد و هذا و ان كان مخالفا للاصل إلّا انه للاجماع المركب اذ لم يفرق فى جهة كلمة لا تنقض اليقين بالشك الواردة فى الاخباريين الاصلية و الفرعية و لا يلزم من ذلك ثبوت حجية كل ظن فى الاصول لانا نقتصر على ذلك و نمنع الاجماع المركّب هذا و لكن التحقيق عدم حجية الظن فى ذلك للاصل الاصيل و اما الدعوى المذكورة من ان كل من عمل بلا تنقض عمل و التفصيل خرق للاجماع المركّب فهى مدفوعة بانه لو لم يفرق المتمسكون بالاخبار بين الاصلية و الفرعية فى اعمال الظن و عدمه مع القول بدوران الاستصحاب فى كونه مسئلة اصلية او فرعية مدار المستصحب لكان الاجماع المركّب مما يوجد فى البين و لكن الامر ليس كل اذ

من المتمسّكين بها لم يفرق بين الاصلية و الفرعية فى العمل بالظن و منهم من تمسّك بها معتقدا فرعيّة المسألة مط و ليس هذا اجماعا على العمل بالاخبار من جهة واحدة بل من جهات فهذا مما لا يضر جدّا فلم يثبت الاجماع المركب فى البين قطع‏

فى أن الحق حجّية الاستصحاب فى الموضوعات العرفة

ثم الحق حجيته فى الموضوعات الصّرفة المرتبطة بالفرعيات مثل قلة الماء و يبوسة الثوب و رطوبته الى غير ذلك نظرا الى عموم الخبر و ان كان مقتضى الاصل فى هذا ايضا عدم الحجية فمجرّد بيان القلة و نحوها و ان لم يكن من شان الشارع الا ان ما فى الاخبار يحمل على ترتيب الآثار فتدل بالالتزام و الاقتضاء على حجية الاستصحاب بالنسبة الى اللوازم الفعلية من النجاسة و الطهارة و غيرهما و القول بان المقدّمة المعمّمة لحجية الظن من الاجماع و العقل مفقودة هنا لوضوح الفرق بين الاحكام و الموضوعات مدفوع بانه من الواضح جواز العمل فيما ذكر بالخبر الخاص فعدمه بالخبر العام مستلزم للترجيح بلا مرجّح او ترجيح المرجوح على الراجح على ان الاجماع المركب ايضا موجود هنا اذ كل من تمسّك بالاخبار و اعتبر الظن المسبّب عنها بالنسبة الى الاحكام الغير المرتبطة بالموضوعات تمسّك بها فى المرتبطة بها ايضا و العقل ايضا قاض بان الارتباط بالموضوع و عدمه مما ليس‏

____________

(1) اصل‏

341

من الفارق جدا

فى أن الحق عدم حجّية الظن فى مدرك الاستصحاب‏

ثم الحق عدم حجّية الظن فى مدرك الاستصحاب من باب الاسباب فيما كان المستصحب من الموضوعات المرتبطة بالمسائل الاصولية كالعدالة و الفسق المعلومين فى السّابق و المشكوكين فى اللاحق مع صدور الرواية من هذا الشخص المشكوك الحال و ذلك للاصل و لا معمّم من العقل و غيره لان العقل يجوز حجية الظن فى غير المبانى و عدمها فيها و الاجماع و ان كان موجودا الا ان الحيثية تقييدية ثم اعلم ان عدم اعتبار الظن باعتبار الاستصحاب من باب الاسباب فى المسائل الاصولية و المرتبط بها من الموضوعات الصّرفة انما فيما لم يكن الامر دائرا بين المحذورين كان علمنا من الإجماع جواز رجوع المقلد من الميّت الى الحى اما مط او اذا كأن الحى اعلم و لكن شككنا فى حرمة البقاء و جوازه و اما اذا دار الامر بين المحذورين كالمسألة المفروضة حيث قد اختلف فى حرمة الرّجوع و وجوبه و كالمتجزى المسبوق بالاطلاق او التقليد فح يعتبر الظنّ من باب كونه مرجحا و مثل هذا الكلام فى الموضوعات المستنبطة

فى حجيّة الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة

ثم ان الكلام فى حجية الظن فى مدرك الاستصحاب بناء على حجية من باب الوصف هو الكلام السّابق حرفا بحرف نعم يستثنى من ذلك فى ذلك الموضوعات المستنبطة فالظن حجة فيها على ما مر اليه الاشارة فى بعض الخزائن السّابقة نقلا عن هذا القائل و حاصل الفرق بين الوصفية و السّببية فى الموضوعات المستنبطة هو انّ الملازم لهذا على الاولى هو الظن بالحكم الفرعى الواقعى الذى دل الدليل على حجية بخلافه على الثانية فان الظن الملازم فيها هو الظنّ بالحكم الظاهرى هذا و اما الظن المتعلق بالموضوع الصرف المرتبط بالحكم فلا يكون حجة ايضا فان الكلام ح يرجع الى حجية الظن فى الموضوع الصرف فالحق عدم حجيته فيه للاصل و قد يفصّل فى هذا بين تطابقه الحالة السابقة و عدمه بالحجّية فى الاول دون الثانى لكنه مدخول لانه اما ان يعتبر الظن لاجل انه ظن بالفرعى او للمطابقة للحالة السّابقة او لهما معا فيرد على الاول او لا ان الثابت هو حجية الظن فى الفرعى الكلى لا الجزئى و ثانيا ان الفرق ح بين التطابق و عدمه من التحكم الصرف و يرد على الثانى و الثالث ما يرد على الاول او لا كما لا يخفى ثم ان عدم حجية الظن فى الموضوع الصرف انما هو من حيث الاصل و الا و قد يقوم دليل على حجيته فيه فى مقامات خاصّة كالظنون الرجالية و الظن باجتهاد المجتهد هذا لبّ مرامه و حاصل كلامه و لا يخفى عليك ان هذا القائل هو القائل فيما تقدم باتباع الاستصحاب المستصحب ان اصليا فاصلى و فرعيا ففرعىّ فهذا الكلام كالنتيجة و الفرع المتفرع على كلامه السّابق و قد عرفت فيما تقدم عدم استقامته ثم ان هذا الكلام بعد الغض عن ابتنائه على المبنى الفاسد و ما فيه من المصادرات و المجازفات الكثيرة كما لا يخفى وجهها على الفطن كما صدر من بعض اجلة سادات المعاصرين من انه على القول بحجية الاستصحاب اما مط او على التفاصيل لا بد من الشي‏ء على مداركها من الاخبار و الاجماع و الاعتبار و غيرها اذ ليس الاعتبار بالاستصحاب بل بالمدرك فيدور الامر مداره فان كان الاجماع خاصة فيقتصر فى الحجية على مورده و ان كان الاخبار فلا بد من ملاحظتها من جهة عمومها و اطلاقها و انه شكك و مراعاة القواعد اللفظية و السّندية فلو تحقق مثلا فى بعض الموارد عنوان الاستصحاب و لم يشمله الاخبار المعتبرة لم نقل بالحجية و ان شمله الاخبار الغير المعتبرة بل لو ثبت شمول الاخبار لبعض ما لا يصدق عليه نقول بالحجّية و كل الحال فى المدارك الأخر و بالجملة لم يقم الدليل على حجّيته من حيث الوصف العنوانى و القول بانه اذا ثبت الحجية فى بعض الانواع بمدرك من المدارك ثبت فى جميع افراد ذلك النوع مدفوع بانه لم يقم على هذا دليل مما يشبه الكلمات الفرضية و المقالات التخمينية لان الاخبار متواترة معنى و انكار ذلك مكابرة على انّ منها ما هو صحيح و معتبر فى نفسه فهو كاف فى اثبات المط و ان قطع النظر عن ملاحظة المجموع من حيث المجموع و عدم حجية الآحاد فى المسائل الاصولية من المجازفات سواء قلنا ان مدرك حجية الاخبار هى الآيات او الاجماع او غيرهما من الدليل الرابع العقلى فوجه اعتبار الاخبار و ان فرضت انها من الآحاد هو ما ذكرنا لا ما قد يتوهّم فى بادى الانظار من انا نعمل بالمستصحب دون الاستصحاب فلا ضير فى الاحتجاج بها اذ هذا من المجازفات لان كل من قال بعدم حجية الاستصحاب قال بعدم جواز العمل بالمستصحب المستفاد منه بل ليس فائدة عدم حجيته الا هذا على ان العمل بالمستصحب على فرض عدم التلازم بين الاستصحاب و بينه يحتاج الى دليل و حصول المظنة بحجية الاستصحاب لا يستلزم حصولها بالحكم بالمستصحب حتى يقال انها مظنة فى المسألة الفقهية مع ان المستصحب كما يكون فقهيّا كذا يكون اصوليا فما ذكر لا يجدى الا ان يخصّص بالفقهى و هذا كما ترى فت ثم ان ظهور دلالتها فى المط و افادتها العموم و الشمول السارى فى جميع المقامات و الموارد بحيث يستفاد منها اناطته الامر على الوصف العنوانى او معيار التعقل و قاعدة الجريان مما لا ينكر و لهذا لم يفرق حزب محققى المتمسّكين بها بين المقامات و الموارد اصلا و بالجملة فان مفاد الاخبار حجّية الاستصحاب فى الاحكام التكليفية و الوضعية و الموضوعات الصرفة و المستنبطة و لا فرق فى الاخيرة بين ان يتعلق الاستصحاب بامر لفظى حتى يعد من الاصول اللفظية كاصالة عدم التقييد و عدم التخصيص و اصالة الحقيقة و اصالة عدم القرينة و بين‏

غيره كاصالة بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب و اصالة بقاء وجوب الحمل على الحقيقة فى الحقيقة المرجوحة فالفرق عن البعض بعدم الحجية فى هذا القسم الاخير بدعوى عدم انصراف الاخبار اليه كدعوى عدم حجية الاخبار الظنية فى المسائل الاصولية و دعوى اجراء هذا الفرق على القول‏

342

على القول بالوصفية ايضا من الدعاوى المبتنية على الغفلة و الجزافيات التى علم وجهها فمطلبنا واضح و ان قطع النظر عن اتمامه بدعوى الاجماع المركب فى البين كدعوى ان الظن الاستصحابى من الظنون المعتبرة حتى عند المقتصرين بالظنون الخاصة و من التامل فيما قررنا يظهر وجه حجيته فى المسائل الاصولية باسرها و شراشرها فهو مما يصحّ الاحتجاج به فى كل مقام و مورد بحكم الاخبار المتفقة على اناطة الامر فيه على الوصف العنوانى و المفترق بعضها من البعض فى افادة قواعد أخر من الاصولية و الفقهية و عدمها كما عرفت بل ان جملة من اقسامه مما لا يبعد فيها دعوى تمامية غير الاخبار ايضا من بعض الوجوه التعبّدية العقلية و غيرها بل هو مما يصح الاحتجاج ايضا (1) به كما تعرف وجه هذا فى بعض الخزائن الآتية إن شاء الله اللّه تعالى ثم اذا فتحت عين بصيرتك و امعنت النظر فيما ذكرنا تنفتح لك عيون من التحقيقات الرشيقة و التدقيقات الانيقة تهدى بها الى فهم الحقائق و اتباع الحق فيما يتلى عليك بعد ذلك فى ساير المقامات و الخزائن إن شاء الله اللّه تعالى‏

خزينة: فى عدم وجود القائل بعدم حجيّة الاستصحاب مطلقا

خزينة اعلم ان القول بالنفى على الاطلاق و ان كان مما نسب الى جمع فى كلام جمع إلّا انه لم يوجد مصرّح بنسبة تعميم النفى الى احد و لا بنسبته على سبيل التنصيص بالاطلاق تصريحا هاديا الى ان هذا النفى يشمل الاقسام باسرها او ما عدا الذى استثنى فى كلام جمّ من الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة بل ان طائفة من صدور عناوين جمع و جمة من فحاوى كلمات فرقة مما تعطى ان النفى فى كلمات النافين مختصّ بالاحكام و فى مطاوى مقالات جماعة انه مختصّ باستصحاب حكم الاجماع نعم ان ما يوجد فى كلمات جم من متاخرى المتاخرين يرشد الى تحقق القول بالنفى الشامل لجميع الاقسام بل هذا مما صرّح به بعضهم و دل عليه مطاوى مقالات بعضهم فى صدور العناوين و غيرها مستثنيا فى ذلك الاستصحاب فى الموضوعات المستنبطة اما بتقديم الكلام فيها او بالتصريح بذلك فى صدور العناوين حين عد الاقوال و الاشارة اليها او ببيان ذلك فى تضاعيف المباحث و مطاوى المسائل و بالجملة فان هذا القول و ان كان مشكوك الحال من حيث ان له قائلا فى الواقع ام لا الا ان انتسابه الى جمع فى كلام جمع مما لا ينكر بل ان المتراءى من كلمات جمع فى مقام تقسيم الاستصحاب و غيره ان الموضوعات المستنبطة ايضا داخلة فى حريم النزاع سواء كانت الاصول فيها اثباتية او نفيية و يرشد الى ذلك امعان النظر فى كلام الشهيد الثانى (ره) حيث نقل حجية الاستصحاب عن اكثر المحققين ثم قسمه على اقسام اربعة من استصحاب حال العقل و استصحاب حكم العموم الى ورود مخصّص و حكم النصّ الى ورود ناسخ و استصحاب حكم ثبت شرعا كالملك عند وجود سببه و شغل الذمة عند اتلاف مال و استصحاب حكم الاجماع فى مورد النزاع و هذا كما ترى ظاهر فيما اشرنا اليه فاذا كان استصحاب حكم العموم مما وقع فيه الخلاف كان ساير الاصول اللفظية من الاثباتية و النفيية مما يسعه الخلاف بل وقع فيه لاتحاد الطريق فيكون ما ذكر من باب المثال و الاكتفاء باحد الافراد و بالجملة فالسياق ظاهر فيما ادعينا اللهمّ إلّا ان يقال ان مفاد العبارة هو ان الاستصحاب مط حجة عند اكثر المحققين و هذا لا يعطى ازيد من وقوع الخلاف فى هذا الاطلاق فيكفى فى تحقق الخلاف فى الاطلاق تحققه فى بعض افراده و لا يستلزم وجود القول بعدم الحجية على الاطلاق هذا و انت خبير بانه على خلاف الانصاف بل ان ما اشرنا اليه لا اختصاص له بكلام الشهيد (ره) الثانى اذ هو مما تعطيه كلمات جمع و منهم المحقق الخوانسارى (ره) كما لا يخفى على من امعن النظر فى كلامه فى شرح الدروس على ان دعوى شمول بعض ادلة النافين لذلك مما فى مخره ثم لا يخفى عليك ان ذلك و ان كان مما يستبعد فى بادى الانظار غاية الاستبعاد نظرا الى ان اساطين العلماء ممن ينسب اليهم النفى على سبيل الارسال كالمرتضى و من حذا حذوه كيف يذهبون الى ما لازمه مخالفة البداهة الاولية بعد لزوم اختلال النظام و انسداد باب الاحكام بلا تامل و كلام مضافة الى مخالفة الاجماع و السيرة المستمرة القطعية الموجبة للقطع بالحجية مع ان كتب هؤلاء الاساطين من الاصولية و الفقهية ممتلئة بالاحتجاج بالاصول اللفظية اثباتية و نفيية إلّا انه يمكن التفصّى عنه بان ما ذكر لم يفد ازيد من جواز العمل بالمستصحب او وجوبه فى الموضوعات المستنبطة و لعلّ ذلك لاجل امر آخر وراء الاستصحاب الذى روعى فيه ملاحظة الحالة السابقة اليقينية فيكون مرادهم من الأصول المجراة فيها الظواهر و القواعد الماخوذة من سجية العرف و غيرها و هذا هو سر تعبيرهم باصالة عدم التخصيص و عدم النقل و عدم القرينة فيها الى غير ذلك و عدم تعبيرهم باستصحابه و بالجملة فرق بين بين العمل بالمستصحب فى موارد الاستصحاب على طبقه لاجله و اناطة الامر على الوصف العنوانى و بين العمل به فيها على طبقه لاجل غيره و نظير ذلك غير عزيز كما لا يخفى على من تتبع موارد الاقيسة و غيرها و الحاصل انه لا ضير فى ان يكون المراد منها غير الاستصحابات و الاصول المرعية فيها الحالات السابقة فى مباحث الالفاظ غير قليلة فمنها اصالة الحمل على الحقيقة حيث يقولون الاصل فى الاستعمال هو الحقيقة و منها اصالة الوضعيّة فى التبادر حيث يقولون فى صورة دوران التبادر بين كونه وضعيا او اطلاقيا الاصل فى التبادر ان يكون وضعيّا و غير ذلك فمدرك هذه الاصول هو الغلبة و الاستقراء و ليس الفرق بين هذه الاصول و بين اصالة عدم القرينة و نحوها الا الصلوح‏

لارادة الاستصحاب من اصالة عدم القرينة و نحوها فيها و امثالها دون هذه الاصول فمن ذلك ينقدح انه لا بعد فى ان يذهب ذاهب الى عدم حجّيته فى الموضوعات المستنبطة مع ذهابه الى حجيته فى الاحكام مط او فى بعض اقسامه كما هو المتراءى من المحقق‏

____________

(1) فى اصول الاديان‏

343

الخوانسارى بعد اخذ مجامع كلامه و كيف كان فلا بد من ذكر ادلة النافين بحيث يتم النفى على كل وجه و ان كان مما لم يذكر فى كتب القوم و لم يشر اليه اصلا فما يصلح لذلك وجوه منها ان العمل بالمستصحب كما هو ثابت فكذا ثابت ترك العمل به فلو كان حجة لعمل به فى جميع الموارد فعلم ان كل واحد منهما انما نشاء من الخصوصيات لا من الاستصحاب و منها ان لازم القول بالاستصحاب و حجيته هو الحكم بموت من لم يعلم بقائه دون الحكم بحياته مثلا لان البقاء مستلزم لحوادث عديدة و لا ريب انها مخالفة للاستصحاب كما لا ريب فى اولوية ما يكون خلاف الاصل فيه اقل مما يكون خلاف الاصل فيه اكثر و مع التنزل فالواجب هو التوقف دون الحكم فظهر ان الحكم بالبقاء ليس من جهة الاستصحاب و منها انهم يحكمون بالبقاء فى الاستقبال كما يحكمون فى الماضى فان ارسال المراسيل و غيره من هذا القبيل مع ان الاستصحاب فى الاستقبال غير معلوم الحجّية و منها ان العمل به عمل بغير دليل فيكون باطلا و منها ان ما ثبت او لا جاز ان يدوم و جاز ان لا يدوم و منها ان التسوية بين الوقتين فى الحكم ان كان لاشتراكهما فى المقتضى كان قياسا و الا كان تسوية بينهما من غير دليل و منها قد ثبت فى العقول ان من شاهد زيدا فى الدار ثم غاب عنه لم يحسن ان يعتقد استمرار كونه فى الدار الا بدليل متجدد و منها ان العمل بالاستصحاب لازمه التناقض فانه كما يصحّ ان يستدلّ به المستدل كذا يصح ان يستدل به خصمه و منها انه لو كان الاصل فى كل شي‏ء استمراره و دوامه لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدليل المقتضى لاستمرار عدمها و هو خلاف الاصل و منها ان الاجماع منعقد على ان بنية الاثبات مقدّمة على بنية النفى و لو كان الاصل فى كل متحقق دوامه لكان بيّنة النفى مقدّمة لاعتضادها بهذا الاصل و منها ان العمل به انما لاجل الظن و نحن نمنع حصول الظن منه و منها ان غاية ما يفيده هو الظن و ليس بحجة خصوصا فى الاصول و منها ان العمل به مناف للعمل بالاحتياط و منها انه لو عمل به وجودا و عدما فى جميع الموارد يستلزم المخالفة القطعية لان فى الموارد صورة ارتفع فيها اليقين السابق فالعمل به فى جميع الموارد يستلزم المخالفة القطعية و لو عمل فى البعض دون البعض يلزم الترجيح بلا مرجح فالعلم الاجمالى بالارتفاع كاف و منها ان ما يجرى فيه الاستصحاب اما مطابق للاشتغال و الاحتياط او المخالف لذلك و لكنه موافق لاصل البراءة او موضع الحكم فيه التخيير كما فى الشك بين المحذورين و لا مرجح فى البين فيقع التعارض بين الادلة الدالة على هذه الامور من الاخبار و غيرها فى مواردها و بين الادلة الدالة على حجية الاستصحاب فكيف ترجح ادلة الاستصحاب على غيرها بل الترجيح مع ادلة غيره هذا غاية ما يمكن ان يكون مما يصلح حجة للنافين و اذا عرفت هذا فاعلم ان حاصل الدليل الاول ان الحكم بالبقاء و العمل بالمستصحب ليس من جهة الاستصحاب الذى لا بد ان يلاحظ فيه الحالة اليقينية السّابقة بل من جهة اخرى كالعادة و يساعد ذلك الادلة التى ذكرت بعد الدليل الاول على ان الترديد و غير المعلومية مما هو كاف فى المقام و كيف كان فالتحقيق فى الجواب هو ان يقال ان النافى اما ان ينفى الحجية فى موارد الجريان و مواضع التعقل من حيث الاستناد الى الحالة السّابقة و يسلمها فيها لكن لا من جهة تحقق الشي‏ء فى الزمن الاول بل من حيث ملاحظة العادة و اما ان لا يسلّم ثبوت القاعدة المطردة و تحقق الحجّية فى موارد التعقل لا من الجهة الاولى و لا الثانية بل ان الحكم بالبقاء فى بعض المواضع انما هو لاجل دليل خاص لا دليل مطّرد و هذا قد يكون عادة و قد يكون غيرها فنقول على الاول ان النزاع ح يكون من قبيل النزاع اللفظى اذ بعد تحقق الحجّية لا ثمرة لنزاع انها هل هى من باب الاستصحاب الذى روعى فيه الحالة اليقينية السابقة ام من باب العادة و غيرها على ان تحقق العادة على الحجية فى موارد التعقل لا يكون بلا علة و ليست هى الا تحقق الشي‏ء فى الزمن الاول فنقول على الثانى انا نجد العمل بالمستصحب فى بعض المواضع و القطع بالحجّية فيه كما اعترف به الخصم إلّا انه قال ان ذلك انما نشاء من بعض الخصوصيات‏ (1) ان كانت منبعثة عن الادلة

الخارجيّة فنخرج النافى بذلك عن حريم النزاع و ان كانت منبعثة عن العادة فنقول ان تحقق العادة على الأخذ بالمستصحب و العمل به فى ذلك الموضع لا يكون من غير علة فليست الّا ملاحظة الحالة السابقة فالقطع بعدم العمل بالمستصحب فى بعض المواضع انما ينشأ من الخارج و الدليل الآخر و ان خفى ذلك على الناظر و كذا الشك فى بعض الصور انما هو بمصادمة امور أخر هذا هو الجواب على طريق الحل التفصيلى و اما الجواب بالمعارضة و استنهاض الاقوى فهو مما فى غاية الكثرة كما لا يخفى على من امعن النظر فى الخزائن السابقة ثم ان الجواب عن الدليل الثانى فى غاية الاتضاح اذ لا يلزم من القول بحجية الاستصحاب فى غير صورة المعارض القول بحجيته فيها فالاخذ بما فيه خلاف الاصل اكثر انما لجهة ملاحظة قاعدة الواردية و المورودية و المزيلية و المزالية التى تستنبط من الاخبار و غيرها و الدليل الثالث مما يضحك منه الثكلى فحوالة جوابه على البداهة اولى من التعرّض له كحوالة الجواب عن الرابع و الخامس و السّادس على ما ذكر و على ما ياتى و الجواب عن السابع بانه لا ضير فى استدلال الخصمين بالاستصحاب من جهتين مختلفتين فنظير ذلك فى الاخبار و غيرها فى غاية الكثرة فيلاحظ فى الاخذ و الطرح المرجحات الداخلية و الخارجيّة و قد اجيب عن الثامن بانا خالفنا الاصل فى الحوادث لوجود السّبب الموجب للحدوث و نفى حكم الدليل مع وجوده لمعارض اولى من اخراجه عن الدلالة و ابطاله بالكلية مع ظهور دلالته و عن التاسع بان تقدم الشهادة المثبتة على النافية

____________

(1) فتلك الخصوصيات‏

344

النافية و ان كان معتضدة باصل البراءة فانما كان لاطلاع المثبت على السّبب الموجب لمخالفة براءة الذمة و عدم اطلاع النافى عليه لامكان حدوثه حال غيبة النافى عن المنكر و تعذر صحبته له و اطلاعه على احواله فى ساير الاوقات هذا و انت خبير بمدخولية هذا الجواب الاخير اذ الحدوث يدفع باصل عدمه و لا يلتفت الى الامكان مع القول بحجية الاستصحاب و التحقيق ان يقال ان الاجماع هو الباعث على التقدم فهو الحجة و لا يحتاج فى موضع تحققه الى شي‏ء على ان فى الاحتجاج ما به يخرج النافى عن حريم النزاع إلّا ان يقال ان اصل البراءة ايضا قسم من الاستصحاب فاذا لم يكن حجة لم يكن ساير الاقسام حجة بالاولوية و الجواب عن العاشر بان العمل به ليس لاجل افادته الظن حتى يتمشى ما ذكر بل لأجل التعبّد على ان انكار الظن النوعى من المكابرات و الجواب عن الحادى عشر يستفاد من الجواب المذكور على ان انكار حجّية الظن و لو كان فى اصول الفقه بعد قيام الدليل الثابت الحجية عليها من المكابرات لا يقال ان بين الاخبار الدالة على الحجية و بين ادلة حرمة العمل بالظنّ تعارض العامين من وجه فيجب الرجوع الى الاصل و هو حرمة العمل بالظن ايضا لفقد مرجح لاحد من الطرفين لانه يقال ان هذا مما قد اشتمل على المصادرة جدّا مع ان التعارض مفقود قطع لأن العمل بالاستصحاب عمل بالعلم بحكم الاخبار فيكون المقام من قبيل التخصّص الموردى و قد يقال ان التعارض بين ادلة الباب المثبتة لاعتبار الحالة السابقة المظنونة او المشكوكة و بين هذه العمومات الناهية عن العمل بالظن موجود الا ان التعارض من قبيل تعارض العام و الخاص المطلقين و هذا كما ترى و كيف كان فان هذا بعد الاغضاء عن غير الاخبار و الا فالامر اوضح و بادنى تامل فى ذلك يظهر الجواب عن الثانى عشر (1) و اما الجواب عن الثالث عشر فبانا نمنع كفاية العلم الاجمالى فى جميع الموارد حتى فى غير المحصور على ان العمل بالاستصحاب فى جميع ما يرد علينا لا يستلزم القطع بالمخالفة لان ذلك لا يكون عشرا من اعشار موارد الاستصحاب و اما الجواب عن الرابع عشر فبان ادلة الاستصحاب واردة على ادلة البراءة ورود المعلق على المنجز لان الحكم بالبراءة اما للعقل من قبح التكليف بلا بيان و نحو ذلك من الادلة العقلية و اما للنقل مما عياره فى هذا المعيار من المنبئ عن رفع العقاب عن الحكم الواقعى الغير المعلوم كما فى قولهم (ع) ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم و نحو ذلك مما وزانه وزان انشاء الحكم الظاهرى كقولهم (ع) كل شي‏ء مط حتى يرد فيه نهى فكل من ذلك يرد عليه ادلة الاستصحاب ورود المعلق على المنجز و هكذا النسبة فى ادلة الاحتياط من خوف العقاب و عدم الأمن عن ترتب الثواب و من اخباره و اما ما قيل من ان اخبار الاحتياط من الضّعاف قاصرة الدلالة كما قيل انه يمكن‏ (2) دفع الشك الماخوذ فى موضع الاحتياط بادلة الاستصحاب كل يمكن التعكيس الا ان الاحتياط لم يثبت وجوبه فى باب من الابواب بل من باب العقل فمما وقع فى غير مخره كما لا يخفى على من كان فى خبر مما قدمنا فى مباحث اصل البراءة و اما الكلام بالنسبة الى التخيير فنقول ان الحاكم به هو العقل و هو بعد ملاحظة مصير جم من اعاظم الاصحاب الى اعتبار الاستصحاب يحكم بتقديمه على التخيير اذ الامر ح يكون دائرا بين الوجوب العينى و التخييرى فالاول مقدم على الثانى اصلا و عقلا هذا ثم ان تمسّك الخصم بالخبر الدال على التخيير فنقول انه لا يقاوم لمعارضة ادلة الاستصحاب على انّ فى نفس التمسّك به على المط اشكالا فت‏

خزينة: فى حجية الاستصحاب فى الاحكام الشرعيّة دون الامور الخارجية

خزينة قد عرفت ان من جملة الاقوال حجية الاستصحاب فى الاحكام الشرعيّة دون الامور الخارجيّة و المراد منها ما لم يكن من المهيات المخترعة و لا من الامور المترتبة على اسباب جعلها الشارع اسبابا لها و ذلك كالرطوبة و الجفاف و الموت و الحياة و اليوم و الليل و اطلاق الماء و اضافته و نحو ذلك و كيف كان فان الوجه المنقول فى عدم حجيته فى الامور الخارجيّة هو انه لا حجة تامة على الحجّية الا الاخبار و دلالتها عليها فى الامور الخارجية ممنوعة و قد يقرر سندا لمنع بان وظيفة الشارع ليست بيان حال الامور الخارجيّة على انه لا بد من صرف الاخبار عن ظواهرها اذ عدم اجتماع اليقين و الشكّ مما لا ريب فيه و ذلك اما باضمار حكم او بجعل اليقين عبارة عن المتيقن فعلى الثانى لا تشمل الامور الخارجيّة لان المتيقن الخارجى لا ينقض باليقين الخارجى لا ينقض باليقين الخارجى مع انهم (ع) قالوا و لكن تنقضه بيقين آخر مثله و ذلك يجرى فى الاحكام لمكان الجعل الثانوى فيها فاذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال على ان المجاز يرجح على الاضمار هذا و الجواب عن الاول بان بيان الشارع انه يصحّ استصحاب كل امر غير شرعى يترتّب عليه الامر الشرعى بالفعل من وظيفة الشارع و هذا فى الحقيقة من باب جعل الاحكام على سبيل دلالة الاقتضاء و يكون معنى عدم النقض فى الامور الخارجيّة ابقاء احكامها فجميع الامارات المجعولة لتمييز الموضوعات من اليد و البيّنة و الاقرار و الفراش و نحو ذلك من هذا القبيل و بالجملة فكما ان الشارع من وظيفته بيان قاعدة لتمييز الاحكام الجزئية الموجودة بالشخصيات التى بمثابة الامور الخارجية من حيث لحاظ انفسها فكل من شانه اعطاء معيار لتمييز الامور الخارجيّة التى يترتب عليها الاحكام الشرعية بالفعل على انّ فى بيانه امرا خارجيا يترتّب عليه حكم شرعى و لو بالقوة او من جهة بعض افراده مما لا ضير فيه خصوصا اذا وقع السؤال عن ذلك و احتاج الى علمه السّائل و يهديك الى ذلك بيان الائمة (ع) كثيرا من مسائل النحو و الطب و الحساب و النجوم و غير ذلك فاذا لاحظت ما اشرنا اليه من تحقق دلالة الاقتضاء فى البين تقدر على الجواب عن العلاوة المدّعاة فى تقريب الاحتجاج و ان صرنا الى التصرف المجازى دون الاضمارى على انّ‏

____________

(1) ابنا

(2) كما

345

ترجيح المجاز على الاضمار انما هو فى صورة المرجح و ليس المقام من ذلك لوجود بعض القرائن على الاضمار فى بعض الاخبار مثل قولهم (ع) لانك كنت على يقين من طهارتك فمن تامل فى سياق الاستدلال و جوابنا عنه علم ان التمسّك فى الجواب بعمومية بعض اخبار الباب مما وقع فى غير مخره و اما ذكر جملة من ادلة الاستصحاب غير الاخبار مما يشمل الامور الخارجية ايضا فى قبال هذا القائل كالتمسّك بقاعدة الاشتغال فمما لا يكون من الجواب على سبيل الحل التفصيلى نعم يكون من قبيل الجواب بالمعارضة على ان التمسك بقاعدة الاشتغال المنبعثة من مقدمات وجوب العمل بالاستصحاب و عدم وجود القدر المتيقن فى البين و لزوم القطع بالامتثال و لو بعد تصحيح الفرق بين قاعدة الاشتغال و استصحابه و بعد دفع ما يرد عليه من ان مقتضى الاصل حرمة العمل بالظن فيدور الامر بين المحذورين بان المرجّح مع العمل بالاستصحاب اذ ماخذ اصل الحرمة مخصّص بالمجمل و العلم الاجمالى على العمل بالاستصحاب متحقق مما وقع فى غير مخره لان هذا المفصّل لا ينكر دلالة الاخبار على حجية الاستصحاب فى الاحكام و لا كونها مما يصح الاحتجاج بها حتى يتم مقدّمات هذه القاعدة على ان ذلك معارض بالمثل بحسب ملاحظة الموارد الخارجيّة مما لا يعد و لا يحصى و بعبارة اخرى يقع التعارض بين اصل الاشتغال فى الاصول و بين اصل الاشتغال فى الموارد و اتمام المط بالاجماع المركّب مما لا وجه له فان احد شطرى الاجماع دليل فقاهتى فلا يكشف مثل هذا عن رضاء المعصوم (ع) مع ان القاعدة انما تتمشى اذا لم يحتمل الضّرر فى اخذها و ليس المقام من ذلك كما لا يخفى فاسهاب الكلام فى مثل ذلك بالنقض و الابرام لا يحسن من الاعلام ثم ليعلم ان الظاهر ان هذا المفصّل لا يقول بحجية الاستصحاب فى المسائل الاصولية ايضا و هذا و ان لم يساعده تعبيرات القوم فى بيان مذهبه بالامور الخارجيّة او الموضوعات الا ان سياق الاستدلال و التقريب المذكور مما يهدى الى ذلك مع ان التعميم فى الموضوعات مما هو سائغ و بالجملة فان اتحاد الطريق مما يعطى ذلك و لو فرضنا ان قوله بعدم الحجية من باب عدم حصول الوصف او ان الظن ليس بحجة فى الموضوعات الصّرفة و القول بان مذهبه بالنسبة الى المسائل الاصولية غير معلوم كاحتمال ذلك بعيد فخذ بمجامع الكلام ثم اعلم انه قد يقال ان ثمرة النزاع مفقودة اذ بعد تسليم حجية الاستصحاب فى الاحكام يكون نفى حجيته فى الموضوعات و الامور الخارجيّة خاليا عن الفائدة نظرا الى ان استصحاب الاحكام المترتبة عليها كافية هذا و يمكن ان يجاب بان الثمرة غير مفقودة فهى يتحقق بالنسبة الى الاحكام الحادثة اذ الاستصحاب بالنسبة اليها انما هو على عدمها و ذلك مثل ان يشك فى حيوة زيد فيستصحب احكامه السّابقة من بقاء ماله و زوجية زوجته و نحو ذلك و اما ترتيب الاحكام اللاحقة ككونه وارثا لقريبه الميّت فمبنى على حجية استصحاب الموضوع و الاستصحاب الحكمى غير مثمر ح هذا و لا يخفى عليك ان الاستصحاب التعليقى موجود فى كونه وارثا لقريبه الميّت ايضا و هو حجة كما ستطلع عليه فلا يحتاج الى تحقق حجية الاستصحاب الموضوعى فانتفت الثمرة و التحقيق ان يقال ان منكر الاستصحاب الموضوعى لا يجوز استصحاب الاحكام المترتبة عليه بل هذا لازم مقالته على ان الثمرة تظهر ايضا فى تعارض الاستصحابين‏

خزينة: فى ذكر ادلّة القول بحجية الاستصحاب فى الامور الخارجية دون الاحكام الشرعيّة و ردّها

خزينة فى بيان الحال و تحقيق المقال فى القول الرابع و هو عكس القول السابق اعلم انه يمكن ان يحتج له بامور بعد التعميم فى الموضوعات و الامور الخارجية بعد الاحكام الجزئية الموجودة بالوجودات الشخصيّة منها الاول ان عدم الفحص فى الاستصحاب فى الامور الخارجية مما اتفق عليه كما اتفق على لزومه فى الاستصحاب فى الاحكام الشرعية فنقول ان الاخبار قد دلت على الحجّية مط فلا بد من التخصيص فيها و التخصيص بالعمل به قبل الفحص فى الاحكام ليس باولى من التخصيص بالامور الخارجيّة و الثانى ان الاخبار عامة شاملة

خزينة: فى جريان الاستصحاب فيما تعدّد الزمان فيه من زمان الشك و زمان اليقين‏

للمجتهد و المقلد فمما اتفق عليه جواز عمل المقلد بالاستصحاب فى الامور الخارجيّة كما اتفق على عدم جواز ذلك فى الاحكام فتختص بالامور الخارجيّة فيكون الأمر فى الحقيقة من قبيل التقييد و هذا اولى جدا من ارادة الاحكام ايضا من الأخبار لاستلزامه تخصيص الاكثر و الثالث ان من المقرر اختصاص الخطابات بالمشافهين فلا ريب انهم كانوا متمكنين من تحصيل العلم بالنسبة الى الاحكام فان اختصّت الاخبار بالموضوعات ثبت المط و الا لزم جواز العمل بالاستصحاب مع التمكن من العلم ايضا و هذا كما ترى مما لا يقول به احد هذا و الجواب عن الاول ان التخصيص الذى على وفق المذهب المختار اقلّ موردا كما لا يخفى على ان العموم فى الاخبار عموم افرادى لا احوالى فبالنظر الى الفحص و عدمه من الامور المجملة و الجواب عن الثانى بالنقض بالبراءة الاصلية و التقريب غير خفىّ على انه لا دليل على انه لا يجوز العمل بالاستصحاب للمقلد فى الاحكام فقول المجتهد بالنسبة اليه كالاخبار بالنسبة الى المجتهد و ذلك مما وقع فى الشريعة فيما اذا شك فى تغير راى المجتهد بل امثلته فى غاية الكثرة فدعوى الاتفاق المذكور ممنوعة و بعد الاغضاء عن ذلك فنقول انا لا نم اولوية التقييد المذكور لان به يخرج غير الامور الخارجيّة باسره و فى تخصيصنا يخرج العوام و يبقى الاحكام و الامور الخارجية و غيرها و الجواب عن الثالث بان الخطابات اللغوية التى هى عبارة عن توجيه الكلام نحو الغير شاملة لغير المشافهين ايضا و بعد الاغضاء عن ذلك فنقول انّ فى بعض الاخبار ما يدل على العموم الشامل لكلا الصّنفين كقولهم عن رجل نام و من كان على يقين و بعد الغض عن ذلك ايضا فنقول ان التمكن‏

346

ان التمكن من العلم لمن كان فى زمن الأئمة (ع) مما ارساله و اطلاقه ممنوع لتفرق الناس فى اسقاع الارض و بالجملة فرق بيّن بين امكان العلم و بين التمكن منه على سبيل الفعلية و الاول مما لا يجدى و دعوى الثانى بعيدة ثم ان التمسّك على نفى حجّيته فى الاحكام بانه كان العمل به قبل الفحص حراما فيشك بعد فيستصحب الحرمة مما لا وقع له لان ذلك من الاحتجاج بالاستصحاب العرضى و هو ليس بحجة بل ليس من الاستصحاب فى الحقيقة على ان بعد تسليم دلالة الاخبار يكون ذلك من قبيل نقض اليقين باليقين اذا عرفت ذلك فاعلم انه قد يقال فى ردّ هذا القائل لعل هذا القائل لا يقول بتعميم اسباب الظن فى الاحكام من مظنون الاعتبار و مشكوك الاعتبار و موهوم الاعتبار فيستفاد من قوله انه لا يقول بحجية الاخير و هو على خلاف التحقيق اذ تعميم الاسباب بمقدمتى عدم الكفاية و الترجيح بلا مرجح ثابت ثم ان كان محطّ نظره الى ان الحجّية انما هى من باب التعبّد فلا دلالة للاخبار عليها لكون موردها الموضوعات فنقول ان المورد من طهارة البدن و الجسد من الاحكام و قول جمع من العلماء انه يقدم استصحاب الطهارة على استصحاب الوجوب لكون الاول من الموضوعى مما فيه تجوز كما يقال الاشتغال يقدم على البراءة لكون الاول اجتهاديا على ان بعد تسليم كون المورد فى الموضوعات فنعمل بعموم التعليل فى بعض الاخبار و كذا العموم فيما ليس مسبوقا بالسؤال هذا لبّ مرامه و انت خبير بان ما فيه لا يقلع ما عليه هذا المفصّل على النهج الذى قررنا فى تقريب احتجاجه خصوصا اذا لوحظ ما اشرنا اليه من التعميم فى الامور الخارجية بادخال الاحكام الجزئية تحتها و لكنه يبقى فى المقام شي‏ء و هو على ان هذا التعميم لا يكون فرق بين هذا القول و القول الآتي فى الخزينة الآتية الا ان نفرق بين الموضوع و المتعلق فيكون القول الآتي اخصّ انكارا نظرا الى دخول المتعلق فى هذا القول تحت الاحكام او سكوته عن بيان حاله و هذا كما ترى مما دونه خرط القتاد و الانصاف ان هذا القول اعم بحسب النفى و الانكار فيكون المراد من الامور الخارجيّة و الموضوعات ما يقابل الاحكام مط و لو كانت من الجزئيات فيكون ح لما قيل فى الرد وجه فى الجملة فخذ بمجامع الكلام و تامل‏

خزينة: فى ذكر ادلّة القول بحجيّة الاستصحاب فى الموضوع و المتعلّق دون الاحكام و ردّها

خزينة اعلم ان القول بعدم الحجية فى الاحكام و الحجّية فى الموضوع و المتعلق مما قد نسب الى اكثر الاخباريّين و قد صرّح به الشيخ الحر العاملى (ره) فى مواضع عديدة قال فى الفصول المهمّة فى باب ان الشك لا ينقض اليقين ابدا بعد ذكر جملة من الاخبار اقول ان هذه الأحاديث لا تدل على حجية الاستصحاب فى نفس الحكم الشرعى و انما تدل عليه فى موضوعاته و متعلقاته كتجدد حدث بعد الطهارة او طهارة بعد الحدث او طلوع الصّبح او غروب الشمس او تجدد ملك او نكاح او زوالهما و نحو ذلك كما هو ظاهر من حديث المسألتين و قد حققنا فى الفوائد الطوسيّة ثم اليقين المتجدد قد يكون المشاهدة و قد يكون شهادة عدلين او خبر ثقة او اذانه او غير ذلك من الامور المحسوسة التى دلّت عليها الادلة الشرعية هذا و قال فى موضع آخر فى باب عدم جواز العمل بالاستصحاب فى نفس الاحكام الشرعية بعد ذكر صحيح خلف من حماد الوارد فى تمييز دم الحيض عن دم العذرة اقول ابو حنيفة و من معه استدلوا هنا بالاستصحاب فى الحكم الشرعى و قد حكم بان ذلك باطل ثم ذكر الحكم الشرعى و قد تقدم ما يدل على المقصود عموما فى مواضع و الاحاديث فى ذلك كثيرة هذا كلامه اعلى اللّه تعالى مقامه و قال فى حاشية الوسائل فى باب ذكر هذا الخبر ما يقرب من هذا و قال الأسترآبادي فى الفوائد المدينة ما حاصله انه لا يجوز التمسّك بالاستصحاب فى الحكم الشرعى و ذلك لوجوه الاول عدم ظهور دلالة على اعتباره شرعا و ما ذكره علماء الشافعية و من وافقهم فى هذه القاعدة من حصول ظن البقاء و من جواز العمل بذلك الظن شرعا مردود من وجهين او لهما ان وجود الظن فيه مم لان موضوع المسألة الثانية مقيّد بالحالة الطارية و موضوع المسألة الاولى مقيد بنقيض تلك الحالة فكيف يظنّ بقاء الحكم الاول و ثانيهما ما حققناه ببراهين قاطعة من ان الظن المتعلق بنفس احكامه تعالى او بنفيها غير معتبر شرعا الوجه الثانى انه قد ورد من الشارع فى بعض الصور حكم يوافق الاستصحاب الذى اعتبروه و فى بعضها حكم يخالفه فعلم ان الاستصحاب بالمعنى الذى اعتبروه ليس معتبرا شرعا و من تامّل فى جملة من الاحاديث يقطع بعدم اعتباره شرعا هذا و ذكر جملة من الاحاديث الواردة فى الحيض من صحيح خلف بن حماد و رواية أبان و رواية زياد بن سوقه و جملة من الروايات الواردة فى البول و الاستبراء ثم قال الوجه الثالث ان هذا الموضع من مواضع عدم العلم بحكمه تعالى و قد تواترت الاخبار (1) بعد اكمال الشريعة يجب التوقف فى تلك المواضع ثم قال ثم اقول ينبغى ان يسمّى هذا المسلك بالسراية لا بالاستصحاب لانه من باب سراية حكم موضوع الى موضوع آخر ثم اقول ان للاستصحاب صورتين معتبرتين بالاتفاق و ضرورة الدين احدهما ان الصّحابة و غيرهم كانوا يستصحبون ما جاء نبيّنا (ص) الى ان يجئ ما ينسخه و ثانيهما انا نستصحب كل امر من الأمور الشرعية مثل كون رجل مالك ارض و كونه زوج امراة و كونه عبد رجل آخر و كونه على وضوء و كون ثوبه طاهرا او نجسا و كون الليل باقيا و كون النهار باقيا و كون ذمة الانسان مشغولة بصلاة او طواف الى ان نقطع بوجود شي‏ء جعله الشارع سببا لنقض تلك الامور من شهادة العدلين و قول الحجام المسلم و القصار المسلم و بيع ما يحتاج الى الذابح و الغسل فى سوق المسلمين و اشباه ذلك من الامور الحسّية ثم قال و اما الامثلة

____________

(1) بانه‏

347

الموعودة للصورة الثانية من صورتى المعتبرتين فمنها صحيح زرارة الخ فذكر جملة من الاخبار التى قد استوفينا فى بعض الخزائن السّابقة و ذكر جملة آخر من الاخبار الواردة فى مقامات خاصة و مواضع عديدة و قال فى موضع آخر ان كثيرا من العلماء زعموا ان قولهم (ع) لا تنقض يقينا بشك انما تنقضه بيقين آخر جار فى احكامه تعالى و قد فهمناك انه مخصوص بافعال الانسان و احواله و اشباهها من الوقائع المخصوصة هذا فاذا كنت على خبر من‏ (1) هذين الجزئيّتين فى فن الاخبار فاعلم انّ صاحب الهداية قد حذا حذوهما و نسبح على منوالهما فقال فى بعض كلامه و الحق انه ليس بدليل كما قاله المرتضى (ره) لورود النّصوص موافقة له تارة و مخالفة له اخرى كما فى حديث الجارية التى اشتبه عليها دم العذرة بدم الحيض و غير ذلك من الاحاديث الموافقة و المخالفة و لو كان قاعدة يرجع اليها فى اثبات الاحكام لم ترد الاحاديث بخلافه نعم هو حجة فى صورتين امر بهما الائمة (ع) احدهما ان يصل الينا حديث فى حكم شرعى فيستصحب العمل به حتى يظهر ما هو ارجح و ثانيهما ان يستصحب كل امر من الأمور التى دل الشرع على ثبوتها لوجود سببها الى ان يقوم دليل نصبه الشارع على رافع حكمه و كل هذه ترجع الى قضايا جزئية تتعلق باحوال الاحكام المتعلقة بافعالنا و يتفرع من قواعد كلية قرّرها الائمة (ع) لنا فنعمل بها و نتعداها هذا كلامه ثم ساق الامثلة فيما الاستصحاب فيه حجة من الكلية ارض و مالكية عبد و نحو ذلك و قال فى موضع آخر و مثل تعارض الاصل و الظاهر ثوب القصاب و ارض الحمام فان الاصل اى الحالة السّابقة عدم عروض النجاسة لهما و الظاهر اى المظنون عروضها و يمكن حمل الاصل هنا على الحالة الراجحة و هذه القاعدة موافقة للنص لكنها انما تجرى فى الوقائع الجزئية لا فى نفس احكامه تعالى هذا و قال مثل ذلك الأسترآبادي ايضا فى موضع من كتابه اذا عرفت هذا فاعلم ان قول المحقق الشيخ الحر العاملى (ره) و ان كان يعطى اعميّة بحسب النفى من قول الأسترآبادي (ره) حيث لم يذكر الشيخ فيما استثناه ما جاء من النبى (ص) الى ان يثبت الناسخ إلّا انه يمكن ان يقال بالتساوى بينهما نظرا الى ان ذلك كان مما اتفق عليه بين احزاب المحققين من الاصولية و الاخبارية فلم يذكره الشيخ اتكالا على البداهة و كيف كان فان قولهما خال عن بيان حكم العموم و المطلق من ان يجئ المخصّص و المقيد بل اطالة الأسترآبادي الكلام فى هذا الباب و عدم استثنائه من المنفى ذلك مما يعطى عدم حجية الاستصحاب فى ذلك كما فى نفس الاحكام و هكذا عدم حجية الاصول اللفظية من العدمية و الاثباتية و احتمال ان ذلك ايضا من باب الاتكال على البداهة عندهما فيكون ما ذكر داخلا فى المستثنى لا المستثنى منه احتمال بعيد فانقدح من ذلك ان عدم حجيته عندهما فى المسائل الاصولية ايضا مما لا ريب فيه اللهم إلّا ان يدّعى ان كل ما ذكر من قبيل الموضوع و المتعلق فيهما قائلان بحجيّته فيهما و هذا كما ترى فى غاية الحزازة على ان عدم قولهما بحجية الاستصحاب فى المسائل الاصولية مما هو لازم مذهب الاخبارية قاطبة بل ان ذلك من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ثم المستفاد من كلامهما و هكذا كلام صاحب الهداية عدم حجيته فى الامور الخارجيّة التى لم يدل الشرع على ثبوتها لوجود سببها و ذلك كالرطوبة و اليبوسة و نحو ذلك فيكون النسبة بينها و بين الموضوعات و المتعلّقات نسبة التباين و احتمال اندراج الامور الخارجيّة تحت الموضوعات و المتعلقات بملاحظة بعض الاعتبارات مما لا يساعده كلمات هؤلاء الفحول فى صناعة الاخبار و كيف كان فان مذهب صاحب الهداية اعم بحسب الاثبات و الحجّية من قول الشيخ الحرّ و الأسترآبادي و كذا من قول كل من اقتصر فى الاستثناء على الموضوع و باب النسخ اذ كلامه ان احدهما ان يصل الينا حديث فى حكم شرعى فيستصحب العمل به الى ان يظهر ما هو ارجح منه يعطى اندراج باب العام و المط و نحوهما فى ذلك فقد بان انه كما يبيّن فى هذه الخزينة حال خامس الاقوال فكذا حال سادسها و سابعها مما قد اشرنا اليهما فى الخزينة العنوانية التى كان المقصود فيها الاشارة الى اقوال المسألة ثم قد علم مما ذكر ان الاحكام الجزئية من الوضعية و التكليفية الموجودتين بالوجودات الشخصية من الموضوعات و المتعلقات عند هؤلاء بل لا يبعد دعوى التساوى على مذاقهم بناء على التعميم فى الوضعية بان يعد مثل المالكية و

الزوجيّة و نحوهما منها و على عدم اندراج الخارجيّة المحضة و الموضوعات الصّرفة تحتهما و هل فرق عندهم بين الموضوعات و المتعلقات ام هما تعبيران متساويان يمكن الاول و لو بالاعتبار و لكن الاظهر هو الثانى و كيف كان فان الجواب عن اقوال الاخبارية باسرهم بان ملاك الامر اذا كان على الاخبار المذكورة فى الكتب الاربعة و نحوها من اصول اصحاب الائمة (ع) و لو كانت من الآحاد الغير المتصفة بوصف الصحيحيّة و الموثقية و الحسنية كان العمل بالاستصحاب على الاطلاق مما قرره الائمة و بينوه اذ بعض اخبار الباب كخبر الخصال غير مسبوق بالسؤال و لا وارد فى مقام الجزئيات الموجودة بالوجودات الشخصيّة و حمله على الاحكام الجزئية مما لا يساعده شي‏ء لان ورود غيرها فى الجزئيات لا يعين حمل ذلك عليها اذ الحمل فى مقام التنافى فى ابقاء كل على حاله على ان مقتضى القاعدة حمل كل من الاخبار على العموم نظرا الى ان المورد مما لا يخصّص خصوصا اذا لوحظ عموم التعليل فى جملة منها و قولهم بان الاخبار تارة وقعت على طبقها و تارة على خلافها كما فى باب المسافر و مسئلة الجارية المشتبه دمها فلا يكون حجة من اعجب العجاب اذ الكلام فى تقنين القانون و تمهيد القاعدة لا فى ان الاستصحاب حجة حتى فى صورة

____________

(1) كلمات‏

348

فى صورة ورود الدليل الخاص للمنجز عليه فالقاعدة مما يخصّص جدا على ان ذلك من باب التخصّص الموردى لانهم (ع) قالوا و لكن تنقضه بيقين آخر مثله على ان عدم جواز تخصيص القاعدة لو تم كما قاله صاحب الهداية لجرى فى الاحكام الجزئية ايضا مع انه قد اعترف بثبوت القاعدة فيها و التوبيخ و التهديد و التقريع فى صحيح خلف بن حماد فى مسئلة الجارية لعدم فحصهم عن المعارض مع تحقق تمكن سؤالهم المعصوم (ع) (1) على ان ذلك من وجه آخر كما لا يخفى على الفطن فاذا لوحظ ما قررنا ظهر ان تمسكهم باخبار الشبهة و التوقف و الاحتياط مما ليس فى محلّه كما ليس فى محله تدقيق الأسترآبادي من ان وجود الظن فيه مم اذ موضوع المسألة الثانية مقيّد بالحالة الطارية و موضوع المسألة الاولى مقيّد بنقيض تلك الحالة فكيف يظن بقاء الحكم الاول فينبغى ان يسمّى هذا المسلك بالسراية لا بالاستصحاب لانه من الغفلات الواضحة فانه لو اراد من ذلك تبدل الموضوع من اصله بحيث ان لا يبقى موضوع المسألة الاولى ليرد عليه ان بقاء الموضوع فى العمل بالاستصحاب مما هو شرط جدّا بل هو من شرائط الجريان و التعقل و التسمية ايضا و كذا لو اراد منه ان الحكم الثابت فى موضوع فى حال كان ثبوته له مقيدا بتلك الحال بان يكون كالجزء منه و لو اراد منه تبدل وصف الموضوع و قيده لورد عليه ان هذا مما هو شرط الجريان و التعقل و إلّا فلا معنى لحدوث الشك و موارد الاخبار باسرها من ذلك القبيل على انه من يقبل القاعدة فى الاحكام الجزئية التى هى موارد اكثر الاخبار تعقلا و جريانا و تسمية و حجية و لو تم ما ذكر لجرى فيها ايضا و كان ينبغى ان يسمى فيها القانون الكلى سراية لا استصحابا فليس الفرق الا من اوضح التحكم ثم ان من يعمم المقال من هؤلاء او من غيرهم من حزب الاخبارية فى انكار الحجّية النسبة الى حال العموم و المط و نحو ذلك فالكلمات السالفة منا متكفلة لردّه و كذا الكلام فى الامور الخارجيّة فلا حاجة الى الاعادة بلا فائدة

خزينة: فى بيان مذهب المحقق الخوانسارى فى المقام‏

خزينة فى بيان مذهب المحقق الخوانسارى و لما كان ممن يعبأ بشانه لكونه ممّن حاز سهمى الرّقيب و المعلى بهجره فى مقام الروية و الفكر فى المطالب العلية الكرى حتى قبل فى افكاره فكل الصّيد فى جنب الفراء و لقد قال فى شان تدقيقه فى المقام من هو من هو من اهل البصيرة و الاختبار انه غاية ما يصل اليه ايدى الافكار لزم اخذ مجامع كلامه لئلا يفوت شي‏ء من مرامه قال (قدس سرّه) عند شرح كلام الشهيد (ره) و يجزى ذو الجهات الثلاثة حجة القول بعدم الاجزاء الروايات الواردة بالمسح بثلاثة احجار و الحجر الواحد لا تسمّى ثلاثة احجار و استصحاب حكم النجاسة حتى يعلم لها مطهر شرعى و بدون ذلك لم يعلم و حسنه ابن مغيرة و موثقة بن يعقوب لا يخرجان عن الاصل لعدم صحّة مستندهما خصوصا مع معارضتهما بالروايات‏ (2) الواردة بثلاثة احجار و اصل البراءة بعد ثبوت حكم النجاسة و وجوب ازالتها لا يبقى بحاله ثم قال بعد منع حجية الاستصحاب اعلم ان القوم ذكروا ان الاستصحاب اثبات حكم فى زمان لوجوده فى زمان سابق عليه و هو ينقسم الى قسمين باعتبار انقسام الحكم الماخوذ فيه الى شرعى و غيره فالاول مثل ما اذا ثبت حكم الشرع بنجاسة ثوب او بدن مثلا فى زمان فيقولون ان بعد ذلك الزمان يجب الحكم بالنجاسة اذا لم يحصل اليقين بما يرفعها و الثانى مثل ما اذا ثبت رطوبة ثوب فى زمان ففى بعيد ذلك الزمان ايضا يحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف و ذهب بعضهم الى حجيته بقسميه و بعضهم الى حجية القسم الاول فقط و استدل كل من الفريقين على مطلبه بدلائل مذكورة فى محلها كلها قاصرة عن افادة المرام كما يظهر عند التامل فيها و لم نتعرض لذكرها هاهنا بل نشير الى ما هو الظاهر عندنا فى هذا الباب فنقول الظاهر ان الاستصحاب بهذا المعنى لا حجية فيه مثلا بكلا قسميه اذ لا دليل عليه تاما لا عقلا و لا نقلا نعم الظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر و هو ان يكون دليل شرعىّ على ان الحكم الفلانى بعد تحققه ثابت الى حدوث حال كذا او وقت كذا مثلا معيّن فى الواقع بلا اشتراطه بشي‏ء اصلا فح اذا حصل ذلك الحكم فيلزم الحكم باستمراره الى ان يعلم وجود ما جعل مزيلا له و لا يحكم بنفيه بمجرّد الشك فى وجوده و الدليل على حجّيته امران الاول ان ذلك الحكم اما وضعى او اقتضائى او تخييرى و لما كان الاول ايضا عند التحقيق يرجع اليهما فينحصر فى الاخيرين و على التقديرين يثبت ما ذكرنا اما على الاول فلانه اذا كأن امر او نهى بفعل الى غاية مثلا فعند الشك بحدوث تلك الغاية او لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال و الخروج عن العهدة و ما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال فلا بدّ من بقاء ذلك التكليف حال الشك ايضا و هو المط و اما على الثانى فالامر كل كما لا يخفى و الثانى ما ورد فى الروايات من ان اليقين لا ينقض بالشك فان قلت هذا كما يدل على حجية المعنى الذى ذكرته كل يدل على حجية ما ذكره القوم لانه اذا حصل اليقين فى زمان فينبغى ان لا ينقض فى زمان آخر بالشك نظرا الى الرواية و هو بعينه ما ذكروه قلت الظاهر ان المراد من عدم نقض اليقين بالشك انه عند التعارض لا ينقض به و المراد بالتعارض ان يكون شي‏ء يوجب اليقين لو لا الشك و فيما ذكروه ليس كل لان اليقين بحكم فى زمان ليس مما يوجب حصوله فى زمان آخر لو لا عروض شك و هو ظاهر فان قلت هل الشك فى كون شي‏ء مزيلا للحكم مع اليقين بوجوده كالشك فى وجود المزيل أو لا قلت فيه تفصيل لانه ان ثبت بالدليل ان ذلك الحكم مستمر الى غاية معيّنة فى الواقع ثم علمنا صدق تلك الغاية على شي‏ء و شككنا فى صدقها على شي‏ء آخر ام لا فح لا ينقض اليقين بالشك و اما اذا لم يثبت ذلك بل انما ثبت ذلك الحكم مستمرا فى الجملة و مزيله الشي‏ء

____________

(1) عن ذلك‏

(2) الآخر

349

الفلانى و شككنا فى ان الشي‏ء الآخر ايضا مزيل ام لا فح لا ظهور فى عدم نقض الحكم و ثبوت استمراره اذ الدليل الاول ليس بجار فيه لعدم ثبوت حكم العقل فى مثل هذه الصورة خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالة على عدم المؤاخذة بما لا يعلم و الدليل الثانى الحق انه لا يخلو من اجمال و غاية ما يسلم منه افادته الحكم فى الصورتين اللتين ذكرناهما و ان كان فيه ايضا بعض المناقشات لكنه لا يخلو من تاييد للدليل الاول فان قلت الاستصحاب الذى يدعونه فيما نحن فيه و انت قد منعته الظاهر انه من قبيل ما اعترفت بحجيته لان حكم النجاسة ثابت ما لم يحصل مطهّر شرعى اجماعا و هاهنا لم يحصل الظن المعتبر شرعا بوجود المطهر لان حسنة ابن المغيرة و موثقة ابن يعقوب ليستا حجة شرعية خصوصا مع معارضتهما بالروايات كما تقدّم فغاية الامر حصول الشك بوجود المطهر و هو لا ينقض اليقين كما ذكرت مما وجه المنع قلت كونه من قبيل الثانى مم اذ لا دليل على ان النجاسة باقية ما لم يحصل مطهّر شرعى و ما ذكره من الاجماع غير معلوم لان غاية ما اجمعوا عليه ان بعد التغوط لا يصح الصّلاة مثلا بدون الماء و التمسّح راسا لا بثلاثة احجار متعدّدة و لا بشعب حجر واحد و هذا الاجماع لا يستلزم الاجماع على ثبوت حكم النجاسة حتى يحدث شي‏ء معين فى الواقع مجهول عندنا قد اعتبره الشارع مطهرا فلا يكون من قبيل ما ذكرنا فان قلت هب انه ليس داخلا تحت الاستصحاب المذكور لكن نقول انه قد ثبت بالاجماع وجوب شي‏ء على المتغوّط فى الواقع و هو مردد بين ان يكون المسح بثلاثة احجار متعدّدة او الاعمّ منه و من المسح بجهات حجر واحد فما لم يات بالاول لم يحصل اليقين بالامتثال و الخروج عن العهدة فيكون الاتيان به واجبا قلت الاجماع على وجوب شي‏ء فى الواقع مبهم فى نظره عليه بحيث لو لم يات بذلك الشي‏ء المعيّن لاستحق العقاب مم بل الاجماع على ان ترك الامرين معا سبب لاستحقاق العقاب فيجب ان لا يتركهما و الحاصل انه اذا ورد نصّ او اجماع على وجوب شي‏ء معين مثلا معلوم عندنا او ثبوت حكم الى غاية معلومة عندنا فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين او الظن بوجود ذلك الشي‏ء المعلوم حتى يتحقق الامتثال و لا يكفى الشك فى وجوده و كذا يلزم الحكم ببقاء ذلك الحكم الى ان يحصل العلم او الظن بوجود تلك الغاية المعلومة و لا يكفى الشك فى وجودها فى ارتفاع ذلك الحكم و كذا اذا ورد نصّ او اجماع على وجوب شي‏ء معيّن فى الواقع مردّد فى نظرنا بين امور و نعلم ان ذلك التكليف غير مشروط بشي‏ء من العلم بذلك الشي‏ء مثلا او على ثبوت حكم الى غاية معينة فى الواقع مردّدة عندنا بين اشياء و نعلم ايضا عدم اشتراطه بالعلم مثلا يجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المرددة فيها فى نظرنا و بقاء ذلك الحكم الى حصول تلك الاشياء ايضا و لا يكفى الإتيان بشي‏ء واحد منها فى سقوط التكليف و كذا حصول شي‏ء واحد فى ارتفاع الحكم و سواء فى ذلك كون ذلك الواجب شيئا معيّنا فى الواقع مجهولا عندنا او اشياء كل او غاية معينة فى الواقع مجهولة عندنا او غايات كل و سواء ايضا تحقق قدر مشترك بين تلك الاشياء و الغايات او تباينها بالكلية و اما اذا لم يكن كل بل ورد نصّ مثلا على ان الواجب الشي‏ء الفلانى و نصّ آخر على ان الواجب شي‏ء آخر و ذهب بعض الامة الى وجوب شي‏ء و الآخرون الى وجوب شي‏ء آخر دونه و ظهر بالنص او الاجماع فى الصورتين ان ترك ذينك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب فح لم يظهر وجوب الاتيان بها معا حتى يتحقق الامتثال بل الظاهر الاكتفاء بواحد منها سواء اشتركا فى امر او تباينا بالكلية و كل الحكم فى ثبوت الحكم الى الغاية هذا مجمل القول فى هذا المقام و عليك بالتامل فى خصوصيات الموارد و استنباط احكامها عن هذا الاصل و رعاية جميع ما يجب رعايته عند تعارض المعارضات و اللّه الهادى الى سواء الطريق و قال ايضا عند شرح قول الشهيد (ره) و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه به ان توضيحه ان الاستصحاب لا دليل على حجّيته عقلا و ما تمسكوا به ضعيف و غاية ما يتمسّك به فيها ما ورد فى بعض الروايات الصّحيحة ان اليقين لا ينقض بالشك ابدا و انه ينقضه يقين آخر مثله و على تقدير تسليم صحة الاحتجاج بالخبر فى مثل هذا الحكم‏

و عدم منعهما بناء على ان هذا الحكم الظاهر انه من الاصول و يشكل التمسك بالخبر الواحد فى الاصول ان سلم جواز التمسّك به فى الفروع نقول الظاهر او لا انه لا يظهر شموله للامور الخارجية مثل رطوبة الثوب و نحوها اذ يبعد ان يكون مرادهم بيان الحكم فى مثل هذه الامور الذى ليس حكما شرعيّا و ان كان يمكن ان يصير منشأ لحكم شرعى بالعرض و مع عدم الظهور لا يمكن الاحتجاج به فيها و هذا ما يقال ان الاستصحاب فى الامور الخارجيّة لا عبرة به ثم بعد تخصيصه بالاحكام الشرعيّة نقول الامر على وجهين احدهما ان يثبت حكم شرعى فى مورد خاص باعتبار حال يعلم من خارج ان زوال تلك الحال لا يستلزم زوال ذلك الحكم و الآخر ان يثبت باعتبار حال لا يعلم فيه ذلك مثال الاول اذا ثبت نجاسة ثوب خاصّ باعتبار ملاقاته للبول بان يستدل عليها بانّ هذا شي‏ء لاقاه البول و كل ما لاقاه البول فهو نجس فهذا نجس و الحكم الشرعى النجاسة و ثبوته باعتبار حال هو ملاقاة البول و قد علم من خارج ضرورة او اجماعا او غير ذلك بانه لا يزول النجاسة بزوال الملاقاة فقط و مثال الثانى ما نحن فيه بصدده فانه ثبت وجوب الاجتناب عن الاناء المخصوص باعتبار انه شي‏ء يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه و كل شي‏ء كل يجب الاجتناب عنه و لم يعلم بدليل من خارج ان زوال ذلك الوصف الذى لا يحصل باعتبار زوال المعلوميّة بعينه لا دخل له فى زوال الحكم و على هذا نقول شمول الخبر للقسم الاول ظاهر فيمكن التمسّك بالاستصحاب فيه و اما القسم الثانى فلا فالتمسّك فيه مشكل فان قلت بعد ما علم فى القسم الاول انه لا يزول الحكم بزوال الوصف فاىّ حاجة الى التمسّك بالاستصحاب و اىّ فائدة فيما ورد فى الاخبار بان اليقين الخ قلت فائدته ظاهرة و هى على وجهين احدهما ان يثبت ان الحكم مثل النجاسة بعد ملاقاة

350

ملاقاة النجس حاصل ما لم يرد عليها الماء على الوجه المعتبر فى الشرع و ح فائدته‏ (1) ما ورد ان عند حصول الشك بورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة و الآخر ان يعلم ثبوت الحكم فى الجملة بعد زوال الوصف لكن لم يعلم انه ثابت دائما او فى بعض الاوقات الى غاية معينة محدودة او لا و فائدته ح انه اذا ثبت الحكم فى الجملة فيستصحب الى ان يعلم المزيل ثم لا يخفى ان الفرق الذى ذكرنا بين القسمين و ان كان لا يخلو عن بعد ظاهرا لكن بعد ملاحظة ما ذكرنا من ان اثبات مثل هذا الحكم بمجرّد الخبر مشكل مع‏ (2) انضمام ان فى القسم الثانى لم يبلغ مبلغه فى القسم الاوّل و ان نقض اليقين بالشك قد يقال ان ظاهره ان يكون اليقين حاصلا او لا الشك باعتبار دليل دال على الحكم فى غير صورة ما شك فيه اذ لو فرض عدم دليل عليه لكان نقض اليقين حقيقة باعتبار عدم الدليل الذى هو دليل العدم لا الشك كانه يصير قريبا و مع ذلك ينبغى رعاية الاحتياط فى كل من القسمين بل فى الامور الخارجية ايضا هذا كلامه من اوله الى آخره اعلى اللّه تعالى مقامه فاذا كنت على بصيرة من ذلك فاعلم انه فى امّ حبوكرى و داهية كبرى فقد جعل كلامه عرضا للابحاث و هدفا للايرادات فاول ما يرد عليه ان منعه حجّية الموثقات و الحسان فى الاحكام الفرعيّة و عدّه اياهما كالضعاف مما على خلاف التحقيق اذ مقتضاه التعميم فى اسباب الظن و على فرض الاقتصار على الظنون الخاصّة فيها فنقول انّ هذين النّوعين من الاخبار مما يمكن ادراجهما تحتها كما لا يخفى على ذى اللبّ الملب و الثانى ان ادعائه عدم تمامية شي‏ء من ادلة الاستصحاب ما عدا الاخبار من المجازفات و ما قدمنا متكفلة لبيان ذلك فلا نسهب الكلام باعادته و الثالث ان ارجاعه الوضعيات الى الاقتضائى و التخييرى كادعائه ان هذا مقتضى التحقيق خلاف الحق و التحقيق لانها احكام مفهومة من الادلة كغيرها و لا داعى لارجاعها اليه سواء عممنا القول فيها بان نقول كل امر شرعى غير الاحكام التكليفية من الوضعيات او كل امر شرعىّ ينتزع من الخطابات جعل و وضع للشارع فيه من الوضعيات او لا بحصرها فى الثمانية من السّببية و الشرطية و المانعية و الصّحة و البطلان و الرّخصة و العزيمية او فى الخمسة او فى الثلاثة و الحاصل انه و ان لم يكن منفردا فى هذا القول إلّا انه ناش عن بعض الافكار الغير المستقيمة من انّ قول الشارع الطهارة شرط للصّلاة مثلا لا يفهم منه الجعل و الوضع اصلا و هكذا و من ان هذه الاحكام راجعة الى الاوصاف المجعولة فى الاشياء كالحرارة و البرودة فهى مخلوقة للّه تعالى لا من حيث انه شارع بل من حيث انه قادر و من انه قد تداول فى الالسنة ان الاسباب الشرعيّة معرفات فتكون كاشفة عن الامر الثابت فى نفس الامر و هو الحكم التكليفى و من ان هذا يتم فى كل موضع و لا ينقض فى مقام حتّى فى مقام مثل ضمان الصبى و جنايته نظرا الى ان حكمنا بذا ليس على سبيل التنجيز مط بل المقامات فى ذلك مختلفة فقد يكون بعنوان التعليق بشرط او وصف كما قد يكون بعنوان التنجيز لان كل ذلك كالشبهة فى قبال البديهة و اما ما قيل فى المقام من انه يمكن التعكيس على انه لو صحّ لتعين ارجاع الوجوب و الحرمة الى الآخر و كذا الندب و الكراهة فيصير الأقسام ثلاثة فمما وقع فى غير مخره لان محطّ نظر القائل بالارجاع هو ما اشرنا اليه لا مجرّد الصّلوح و القابلية و يمكن ان يقال ان فى قول هذا القائل اشارة الى لحاظ مجرّد الصّلوح و القابلية فيكون ما ذكر ايضا مما فى مخره فت و الرابع ان بعد تسليم الارجاع يرد عليه ان كون الاحكام الوضعيّة مغيّاة بغاية لا يستلزم ان يكون الاحكام التكليفية العارضة عليها مغيّاة بهذه الغاية بل ربما يكون غير مغيّاة بغاية اصلا او مغيّاة بغاية الاستمرار مثلا ان الوكالة كانت مغيّاة بغاية الموت و العزل و الاحكام المتفرعة عليها من جواز التصرف فى ماله و وجوب الوفاء بالعقود الحاصلة من الوكيل بسبب وكالته غير مغيّاة بغاية الموت و العزل فاجراء الاشتغال فى مثل ذلك لا وجه له هكذا قيل و فيه ما لا يخفى اذ لهذا القائل منع كون الوكالة و امثالها من الوضعيات بل انها من الامور العرفية على ان فرقا بين مطلق الامور الشرعيّة و بين الاحكام الوضعية فت و الخامس انه قد اجرى الاشتغال فى الاباحة

و ما يرجع اليها من الاحكام الوضعية كاجرائه فى الاقتضائى و ما يرجع اليه فيرد عليه انه ان اعتبر الغاية فى الاباحة و شبهها بالنسبة الى نفس الحكم فلا وجه لجريان الاشتغال فيه و كذا ان اعتبرها بالنسبة الى وجوب الاعتقاد بالاباحة اذ وجوب الاعتقاد باباحة المباح المغيا بالغاية الشرعيّة ثابت مع ثبوت الاباحة اليها قبل حضور زمامه و حاله و بعده اذ هو راجع الى وجوب الاعتقاد بصحّة ما جاء به النّبى (ص) و ان قرر الدليل فى حكم الفعل فى الزمان المشكوك فيه ففيه ان الواجب انما هو الاعتقاد بصحّة ما ثبت فى الشريعة من الاحكام اجمالا و بصحّة حكم كلّ عنوان علم تفصيلا انه مما ثبت فيها و بثبوت ذلك الحكم المعلوم تفصيلا فى كلّ مورد علم اندراجه فى ذلك العنوان و اما الموارد التى لا علم باندراجها فيه فلا يجب تعيين المورد هكذا قيل و هو مما فى مخره و الحاصل انه لم يدخل الاباحة ح بما هو اباحة فيما ذكره بل هو بهذا الاعتبار يعمّ جميع الاحكام نعم ان غير الاباحة يجرى فيه الاشتغال مرّتين من وجهين مختلفين و فيها مرة واحدة و مع ذلك يكون الارجاع فى الوضعى الراجع الى الاباحة مرتين فكل ذلك من الحزازات المنبعثة عن ارجاع الوضعيّة الى التكليفية و السادس انه لو تم قاعدة الاشتغال فيما ذكره لكان الحكم على طبقها لاجلها من غير احتياج الى الاستصحاب فلا يكون الاستصحاب اصلا يحتاج اليه‏ (3) لان مدركه مما هو مغن عنه و هذا كما ترى مما لا يناسب و لا يلاصق باستدراكه و استثنائه بابدائه الفرق بين المجارى و التأسيس لحجّيته بالنسبة الى بعضها و هذا البحث و ان كان فى جلى النّظر مما يشبه المناقشات اللفظية إلّا انه فى دقيق النظر مما يتعلق بالمعنى فت‏

____________

(1) فائدة

(2) عمل الاستصحاب‏

(3) اصلا