خزائن الأحكام‏ - ج2

- آغا بن عابد الدربندي المزيد...
408 /
401

فى تقديم احد الاستصحابين على الآخر على المزيلية الواردية و المزالية الموروديّة لكان ما حكم به من الاختصاص بتقديم استصحاب حال العقل خاصّة على مثله فى امثلة القسمين الآخرين المذكورين فى كلامه تحكما فالمزيل الوارد فى الامثلة المذكورة ليس الا استصحاب حال الشرع و المزال الذى لا يكون شكه مسبّبا الا عن الشك فى الاول ليس الا استصحاب حال العقل و هذا هو ما يفيده الاخبار قطعا اما تنظر الى قوله (ع) لانك كنت على يقين من وضوئك او طهارتك فاناط الامر على تيقن الوضوء او الطهارة لا على ما ذكره هذا القائل على انّ ما ذكره على خلاف ما عليه ديدن العقلاء كافة و الفقهاء قاطبة من العاملين بالاستصحاب و غيرهم اذ لا يخطر ببال احد فى الامثلة التى ذكرها من القسمين الآخرين الاستصحاب الوارد الذى ذكره و ان كان مما له واقعية و تحقق فى نفس الامر فالاخبار انما على وفق سجيّة العقلاء و الفقهاء كما ان سجيتهم على طبق ما يفيد الاخبار ثم ان لازم كلام هذا القائل بل صريحه عدم حجية استصحاب حال الشّرع اصلا و ان كان ذلك لا من حيث هو هو بل بسبب امر خارج من ابتلائه بالمعارضة باستصحاب آخر و هذا و ان كان فى بادى الانظار الجلية مما لا ضير فيه بعد ملاحظة ترتب الاحكام الشرعيّة فى الامثلة المذكورة و نظائرها و الاذعان بهذا الترتيب على النّهج الذى ذكره و كذا بعد ملاحظة ترتبها فى استصحاب الامور الخارجيّة الا ان غرابة هذا و بعده عند الانظار الدقيقة مما لا يمكن انكاره بعد ملاحظة انّ ملاك الامر فى الحجّية انما على الاخبار ثم اعلم انه من الغفلات الواقعة فى كلماته ما ذكره من التغاير بين استصحاب حال العقل و بين اصل البراءة و بيان ذلك ان استصحاب عدم الحكم تكليفيّا او وضعيّا الى ان يظهر دليله مما يقرب منه استصحاب حال العقل فانه يستلزمه و ليس هو بعينه فان هذا عبارة عن استصحاب البراءة السابقة و هى صفة للذمة و ذاك استصحاب العدم السّابق و هو صفة للحكم و هذا الذى ذكرنا مما صرّح به بعض المحققين ثم اعلم انه قد يعترض على كلامه بالنسبة الى مطلبه بان المراد من العدم الازلى الذى يعارض استصحاب حال الشرع ان كان قاعدة العدم المركوزة فى اذهان العقلاء ففيه انها لا تثبت الاحكام الوجوديّة بل ليس فيها الا عدم الحكم بالوجود و بعد تسليم ذلك لا تعارض استصحاب حال الشرع لوروده عليها و ان كان المراد منه العدم السابق ففيه ان المراد بالعدم اما العدم المطلق او المقيد بالزمان المخصوص و الحالة المخصوصة فيرد على الأول انه قد انتقض العدم المطلق بالوجود المطلق و على الثانى ان الزمان ليس من مشخصات الفعل كما هو واضح بملاحظة الموجودات الخارجيّة نعم فى الاحكام الدائرة مدار اعتبار المعتبر يمكن ذلك و لكن المقيّد بالزمان كنفس الزمان غير قابل للاستصحاب اذ العدم المقيّد بهذا القيد ليس له حالة سابقة يقينية كما انه بهذا الاعتبار لا يمكن استصحاب حال الشرع اى استصحاب الامر الوجودى فلا استصحاب فى المقامين حتى يرفع اليد عنه باعتبار المعارضة على ان بعد تسليم ذلك لا ينفع التمسّك باصل العدم الموجود فى القسمين الاخيرين بناء على عدم حجّية الاصل المثبت هذا و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة اذ قوله ان القاعدة لا تثبت الاحكام الوجودية مما لا دخل له فى المقام اذ المفصّل لم يدّع هذا و لا يحتاج اليه ايضا فى اثبات مرامه على ان الترتب اذا كان من لوازم القاعدة المتقنة المقبولة فلا معنى لانكاره و اما قوله ان العدم المطلق قد انتقض بالوجود المطلق فممّا لا وجه له ايضا بل انه مما صدر عن عدم التعمق فى مراد المستدل و مساق احتجاجه فان مراده ان الحكم بالعدم المكمم السيال الزمانى مما لا دليل على انقطاعه بل الدليل على عدمه و هو ما افاده الاخبار غاية ما فى الباب تخصّص هذا الحكم بالنسبة الى زمان ما او حالة ما على النهج الذى ذكره المستدل فعلى ما ذكره يكون الحكم بالامر الوجودى مما لم يقيّد بزمان فكما يخصّص به العدم السّابق المكمّم السيال الزمانى على الطرز المزبور فكذا يكون مما له صلاحية للاستصحاب فكل واحد من الحكمين مما له صلاحية للاستصحاب على ان هذا الاعتراض لو تمشى لما كان وجه لاجراء استصحاب حال العقل و استصحاب البراءة الاصلية فى قضية دوران الامر بين الاقل و الاكثر مط و التقريب غير خفى فت جيّدا و اما الجواب عن قضية عدم حجّية الاصل المثبت فقد مرّ مرارا فلا نسهب الكلام بالاعادة فريدة اعلم انّ مقتضى‏

ما ذكره هذا المفصّل جريان ما ذكره من قضيته تعارض الاستصحابين من استصحاب حال العقل على المعنى الذى ذكره و استصحاب حال الشرع فى اكثر موارد اصل البراءة مما يدور فيه الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيّين و مما يدور فيه الامر بين الاقل و الاكثر الاستقلاليّين كما اشرنا الى ذلك و لكن عمله فى كل ذلك على اصل البراءة لما عرفت فمواضع عمله باصل البراءة مما تفقد فيه الثمرة العملية بين قوله و بين ما يقتضيه التحقيق و كذا تفقد فى كل موضع يحكم فيه ببقاء الاحكام الشرعية الثابتة على النهج الذى ذكره مما فيه الشك فى المزيل بكلا قسميه فينحصر تحقق الثمرة العملية فيما فيه الشك فى المقتضى بكلا نوعيه كما عرفتهما فى المثالين اللّذين ذكرناهما ثم انتظر البقية ما يتعلق بهذا المبحث فى خاتمة هذا المقصد

خزينة: فى أن الاستصحاب هل هو من الأدلّة الاجتهادية او الفقاهتية

خزينة فى بيان ما عليه بعض افاضل اجلّة السّادات فاعلم انه قد علم فيما قدمنا ان الاستصحاب من الأدلة الفقاهتية و علم ايضا ان القول بكونه من الادلة الاجتهادية غير عزيز بل الظاهر انّه مما قد استقر عليه مذهب العامة و لهذا هو لازم مقالة معشر الامامية ايضا ممن اناط حجّيته على الظن سواء كان‏

402

سواء كان حجّيته بالاصل او بالعرض بملاحظة خصوصيّة هذا الظن كما هو طريقة الاكثر و قد اشرنا فيما سبق الى ان لازم القول بكونه من الادلة الاجتهاديّة اجراء آثارها عليه حين تعارضه مع ساير الادلة الاجتهادية من تقديم الخاص على العام و ملاحظة القوة و الضعف و نحو ذلك الا ان المتراءى من ديدن معشر الاماميّة غير ذلك حيث يقدمون الادلة الاجتهادية عليه من غير التفات الى ذلك اصلا و بهذا زيفنا القول باناطة الامر فى حجّيته على الظن كما عرفت و قد يتراءى من البعض إلّا انه ليس لازم القول باعتباره لا من باب الاخبار اجراء آثار الادلة الشرعيّة الاجتهادية عليه حيث قال بعد قول من قال الثانى عشر بين خبر الواحد و الاستصحاب فان كان اصل الاستصحاب ثابتا بخبر الواحد فالظاهر تقديم الخبر و الا فمحل تامل و حكم القياس على تقدير حجّيته و كذا المفاهيم لا يزيد على حكم الاستصحاب فيما ذكرنا ان الاستصحاب من جملة الادلة العقلية التى لا تستقل فى الدلالة بل لا بد فيه من دليل سابق يثبت به الحكم الذى يراد استصحابه ثم انه ليس ورد الدليل على الحكم فى الاستصحاب حتى يدل على نفيه فى ثانى الحال الا كوروده على الحكم الثابت باصلى البراءة و الاباحة و ليس ذلك من التعارض فى شي‏ء كيف لا و المدار فى الاستصحاب على الحكم ببقاء ما كان‏ (1) و اصالة عدم التغيير فكيف يجوز التعلق باصالة عدم عروض التغيير مع قيام الدليل على التغيير ام كيف يجعل احدهما معارضا للآخر و بعبارة اخرى الاستصحاب انما يصحّ حيث يجوز تغيير الحكم السّابق فى الحال الثانى و متى جاز التغيير و ورد ما يدل عليه وجب الاخذ به لوجود الداعى و انتفاء المانع هذا و هو كما ترى اللهمّ إلّا ان يقال انه فى هذه المقالة اناط الامر على كونه من الامور التعبّدية العقلية التى لا يلاحظ فيها الظن اصلا بل فقد الدليل على الخلاف و هذا كما ترى مما لا يساعد مساق كلامه اذ هو اعمّ اذا عرفت هذا فاعلم ان القول باجراء آثار الادلة الاجتهادية على الاستصحاب مع اناطة الامر على الاخبار مما لم يعهد عن احد ظاهر الا ما عن بعض افاضل اجلة السادات حيث جعل استصحاب الحكم المخالف للاصل دليلا شرعيا مخصّصا للعمومات حيث قال بعد التمسّك بالاستصحاب فى موضع فان قيل مرجع الاستصحاب الى ما ورد من عدم جواز نقض اليقين بالشك و هذا عام لا خاص قلنا الاستصحاب فى كل شي‏ء ليس الا ابقاء الحكم الثابت له و هذا المعنى خاصّ بذلك الشي‏ء و عدم نقض اليقين بالشك و ان كان عاما إلّا انه واقع فى طريق الاستصحاب و ليس نفسه و العبرة بنفس فى العموم و الخصوص بنفس الادلة لا بادلة الادلة و الا لم يوجد فى الادلة الشرعيّة دليل خاصّ اذ كل دليل ينتهى الى ادلة عامة هى دليل حجّيته و ليس عموم لا ينقض اليقين الخ بالقياس الى افراد الاستصحاب الا كعموم ان جاءكم فاسق بالقياس الى آحاد الاخبار فكما ان ذلك لا ينافى كون الخبر خاصا اذا اختصّ مورده فكذا هذا و لذا ترى الفقهاء يستدلون باستصحاب النجاسة و الحرمة فى مقابلة عمومات طهارة الاشياء و حليتها و كذا استصحاب شغل الذمة فى مقابلة ما دل على البراءة هذا و قد اعترض عليه بان اصل الاستصحاب ليس الا عدم نقض اليقين بالشك كما ان استصحاب كل حكم ليس الا عدم نقض اليقين به فجعل الثانى طريق الاول و دليله غلط و قياسه على دليل حجية الخبر و نفسه خطاء كيف و لا يفيد دليل حجية الخبر فى اثبات حكم شرعىّ بدون وجود غيره بخلاف عدم نقض اليقين بالشك فانه كاف فى ابقاء الحكم الفرعى الثابت فى كل موضع من غير احتياج الى شي‏ء آخر فيقال النجاسة المتيقنة سابقا بهذا المحل ثابت شرعا لقوله (ع) لا تنقض اليقين من غير حاجة الى امر آخر و لا يمكن ان يقال الماء طاهر لقوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ‏ الخ الا بجعله علّة بعيدة و ذكر القرينة ايضا هذا و يمكن ان يجاب عن هذا الاعتراض بان عدم جواز نقض اليقين بالشك و ان كان مما يلازم الاستصحاب إلّا انه ليس نفسه و يكشف عن ذلك عدم تعريف احد الاستصحاب به ثم ان انكاره وقوع عدم جواز نقض اليقين بالشك فى طريق حجية الاستصحاب و دليلها الذى هو اخبار الباب مما لا وجه له اذ كيف يسع لاحد ممّن يقولون بحجّيته من باب التعبّدية الشرعيّة ان يقول ان الاخبار ليست ادلتها و السيّد الاجل (ره) لم يدع ان عدم جواز نقض اليقين‏

بالشك عين طريق حجية الاستصحاب و نفس دليله بل ادعى ان هذا مما وقع فى الطريق و الدليل فنسبته الغلط اليه مما وقع فى غير محلّه و يتضح عدم استقامة كلام المعترض عند الفطن الخبير اذا لوحظ ما ذكره سند الاساس اعتراضه من صحّة الاحتجاج فى موارد الاستصحاب بعدم جواز نقض اليقين بالشك او بلا تنقض الخ ثم ليس مراد السيّد الاجل (ره) من تشبيهه لا تنقض الخ بآية ان جاءكم الخ انهما فى صقع واحد من جميع الجهات بل المقصود بيان الدليلية فى كلا الامرين فلما كان الاعمية التى ادعاها السيّد الاجل (ره) فى الآية اجلى و انتهاء الادلة اليها فيها اوضح اوقعها مشبها بها فلا يتجه ما ذكره المعترض فت و كيف كان فان السيّد الاجل (ره) و ان لم يكن محجوجا بما ذكر إلّا انه محجوج بان ما ذكره من اجراء الآثار الادلة الاجتهاديّة على الاستصحاب مما لم يعهد من احد من حزب القائلين بحجّيته من باب التعبدية الشرعية حتى على التفصيل الذى يتراءى من صدر كلامه باجراء بعض الآثار عليه من تخصيص العام به دون بعضها من التوقف حين معارضته لدليل اجتهادى مناف له على وجه المناقضة و المنافاة بالكلية او تقديمه على هذا الدليل على ان‏

____________

(1) على ما كان‏

403

ما ذكره لو تم لزم ان يكون الاستصحاب اخصّ من كل دليل شرعىّ فلا يجوز الخروج عنه ابدا و اما تمسكه باستصحاب الفقهاء للنجاسة و الحرمة فى قبال عمومات لطهارة و الحلية فمما لا يجديه ان اراد من العمومات المخالفة للاستصحاب العمومات الناظرة الى مرحلة الظاهر و بيان الاحكام الظاهرية حين العجز عما ينظر الى الاحكام الواقعية الاولية كعمومات البراءة و الاباحة و الاشتغال اذ لا نزاع لاحد فى ذلك و السر فى ذلك هو ان نفس اخبار الاستصحاب واردة على تلك العمومات فانه انيط الامر فيها على الحجب و عدم العلم و فى موارد الاستصحاب علم و يقين و بالجملة فان عمومات كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر او حلال حتى تعرف الحرام مما لا يدل على الطهارة و الحلية المطلقتين حتى يترك بها الاستصحاب بل الطهارة و الحلية فيما لم يكن دليل على خلافهما و فى موارد الاستصحاب يتحقق الدليل مع انه يمكن ان يقال معنى قوله حتى يعلم اى فى وقت ما و قد علم هنا و مع هذا فان ذلك لا يعد من التخصيص بل هذا من قبيل التخصّص و الوجه واضح و مثل ما ذكر ما علم ان انشاء الحكم و جعله فيه انما على سبيل الابتداء لا الاستمرار و الاستدامة و ان لم يشتمل ما تضمنه على الحجب و عدم العلم و نحو ذلك و ذلك كالعمومات الدالة على طهارة الماء فما قيل ان تقديم الاستصحاب على مثل كل ماء طاهر ممنوع بل يترك و يعمل بالعموم مما وقع فى غير مخره و ان اراد من العمومات العمومات الناظرة الى مرحلة الواقع و بيان الاحكام الواقعية الاولية و بيان الاستدامة و الاستمرار مما نسميها بالادلة الاجتهادية فعدم استقامة كلامه فى منار لان ذلك المقام مما لا يجرى فيه الاستصحاب الا على سبيل الفرض و الشأنية فتقدم تلك العمومات على الاستصحاب بنفس اخباره و ليس هذا ايضا من قبيل تخصيصها بتلك العمومات بل من قبيل التخصّص فلهذا يقدّم مثل الماء اذا بلغ قدر كر لم يحمل خبثا مما يفيد استدامة الطهارة بعد عدم الطعن فيه بارساله كما هو الحق على الاستصحاب من غير خلاف و ارتياب من القائلين بحجيته تم ان التمسك بامثال هذه العمومات و ان لم يمكن الا بعد اجراء الاصول اللفظية لكنها فى قبال الاصول الفقاهتية العملية بمنزلة الادلة الاجتهادية و بعبارة اخرى يثبت باجراء الاصول اللفظية موضوع الادلة الاجتهادية الرافعة لموضوع الادلة الفقاهتية و عقد الباب ان مراد السيّد الاجل من العمومات اما ما يشمل النوعين او ما يختص بالاول او الثانى فعلى كل من التقادير لا يتجه كلامه كما عرفت وجه ذلك فخذ الكلام بمجامعه و تامل‏ فريدة قد يسبق الى بعض الاذهان ان مقتضى ما ذكر و حقق عدم جواز التمسّك بالاستصحاب فيما ثبت الخيار فى عقد من العقود او فى بيع من البيوع اذا شك فى فوريّته و عدمها و ذلك لمكان العموم الزمانى المستفاد من خطاب اوفوا بالعقود مع ان التمسّك به فى ذلك مذهب جم و بالجملة فان الحكم بان الاستصحاب لا يقاوم لمعارضة العمومات بنحو من الانحاء مما ينافى ذلك هذا و التحقيق ان يقال ان معنى آية اوفوا بالعقود لو كان هو الالزام بوجوب الوفاء بكل عقد فى كل جزء من اجزاء الزمان بحيث يكون الخارج عن ذلك خارجا على سبيل الاستثناء لكان ما ذكر اشكالا و عويصة فى المقام و لما كان لذلك فصية الا بالتزام عدم جواز التمسّك بالاستصحاب و لكن الامر ليس كل بل الخارج عن ذلك خارج باخذ الغاية لاصل الحكم و ذلك لأن العموم الذى اشير اليه ليس من العموم اللفظى فى شي‏ء و لا مما يقوم مقامه بل هو مما استفيد من استمرار الحكم فاذا لم يكن عموم لفظى و لا ما يقوم مقامه فى المقام يكون الحكم لا محالة حكما واحدا مستمرا كما فى العمومات اللفظية فيتمشى ما قلنا جدّا من غير ورود اشكال و عويصة فى المقام قطعا و لعل الذاهب الى عدم جواز التمسّك بالاستصحاب فيما ذكر انما ذهب اليه لاجل كون الشك فيه من قبيل الشك فى المقتضى لا لحمل الآية على المعنى الاول بل هذا هو المتعيّن‏

خاتمة:

خاتمة ذوات فصول متضمنة لخزائن‏ فصل‏ فى بيان الحال و تحقيق المقال فى موضوع الاستصحاب و ما يتعلق بذلك و فيه خزائن‏

خزينة: فى اشتراط جريان الاستصحاب ببقاء الموضوع‏

خزينة اعلم ان اشتراط جريان الاستصحاب ببقاء الموضوع مما صرّح به جمع لكنه بعبائر مختلفة فى كلماتهم فمنهم من عبّر بانه يشترط فى الاستصحاب عدم تبدّل الموضوع و منهم من عبّر بانه يشترط فيه‏ (1) بقاء الموضوع مرسلا و مطلقا كلامه و منهم من عبر بانه يشترط فيه عدم التغاير و عدم التعدد فى الموضوع و قد يتراءى من البعض ان هذا مقابل لما سبق بمعنى انه قسيم له و ذلك بان التغاير و التعدد انما يقال فيما التغاير و التعدد فيه من الاصل كزيد و عمرو مثلا بخلاف ما سبق ثم ان بعض من عبّر بالبقاء قد اخذ العلم فيه بمعنى انه يشترط فيه العلم ببقاء الموضوع و ظاهر كلام جمع مما يعطى هذا و جمع قد اعتبروا عدم العلم بانتفائه و ان جما لم يتعرّضوا لذكر ذلك المبحث اصلا و لعلّ ذلك للاتكال على ما يستفاد من حد الاستصحاب بناء على اخذ قضية الظن فيه او مط ثم ان كلمات المتعرضين قد وقعت على سبيل الاطلاق و الارسال و لم يبيّن المرام فيها بانه سار فى جميع اقسام الاستصحاب ام مختصّ بالبعض دون البعض و الظاهر ان هذا الاطلاق يعطى شموله لجميع اقسام الاستصحاب من الاستصحاب فى الاحكام الكلية من التكليفية و الوضعيّة و الجزئية و متعلّقات الاحكام و الموضوعات المستنبطة و الموضوعات الصّرفة مما لا يتعقل له موضوع و ما يتعقل له ذلك ثم انه كما يعطى الشمول‏ (2) للعدميات و هذا و ان كان على خلاف ما يتجلى فى الانظار الجلية إلّا انه مما لا ضير فيه عند الانظار الدقيقة اذ المستصحب المنفى غير الموضوع المنفى نعم يتجه اشكال فى هذا المقام و عويصة

____________

(1) اتحاد الموضوع و منهم من عبّر بانه يشترط بقاء

(2) للوجوديات كذا يعطى الشمول‏

404

و عويصة فى ذلك المرام بالنّسبة الى الموضوعات التى لا تعقل لها موضوعات و ذلك كما انه يستصحب بقاء زيد و يترتّب عليه الأحكام الشرعية هذا و التفصى عن ذلك بوجوه الوجه الأول ان محط انظارهم فى الباب الى الأحكام و ذلك يتصور على وجهين الاول أن يقال ان هذا الكلام انما صدر فى اول الأمر من القائلين بعدم حجّيته فى الموضوعات مط ثم تبعهم فى ذلك الآخرون و الثانى ان هذا الاختصاص انما استفدناه من الخارج بمعنى ان القدر الثابت من هذا الاشتراط بل المعقول منه هو الاشتراط فى خصوص استصحاب الاحكام اذ اثبات شي‏ء لشي‏ء فرع العلم به و اما اثبات نفس الشي‏ء فلا يتوقف على ذلك بل هذا مما لا يتحقق له معنى اصلا و بهذا التقرير يندفع توهّم ان ذلك تخصيص فى امر عقلى و هو بديهى البطلان هذا و انت خبير بان كل ذلك من التكلفات الباردة فت و الوجه الثانى هو ان يلاحظ الموجود الخارجى معرّى عن الوجود و البقاء بان يقال ان المراد ببقائه ليس كونه موجودا بالوجود الثانى كما هو ما يعطيه حال لفظة البقاء بل تقرره على وجه يصح نسبة الحكم اليه نحو تقرّره فى الزمان السّابق و بالجملة فان الموضوع ليس الا نفس زيد العارية عن قيد الوجود و العدم اى الماهيّة الصّرفة المعراة عن لحاظ كونها موجودة بالوجود الخارجى او الذهنى او معدومة هذا و انت خبير بان ذلك مما لا يسمن و لا يغنى بل مما فساده فى منار فت و الوجه الثالث ما قيل انا نقول انّ ابقاء نفس الموضوع ايضا و الحكم بوجوده فى الزمان الثانى اثبات الوجود له ثانيا و الحكم عليه بالابقاء فيه له لا فى غيره فلا ضير فى التزام الشرط المذكور و القول به فى الموضعين إلّا انه فى كل منهما بحسب حالة ففى الاحكام يشترط بقاء الموضوع فى الثانى ليمكن اثبات حكمه له و فى الموضوعات يشترط ليمكن اثبات البقاء ثانيا للموجود اولا لا لامر آخر هذا و انت خبير بان ذلك ايضا مما لم يقع فى مخره و ان قطع النظر عن انه مما لا يلائم تعبيرهم عن الشرط المذكور بابقاء الموضوع بل هو مما يلائم بعض التعبيرات كعدم تبدل الموضوع و عدم تغيره و الوجه الرابع هو ان يناط الامر على النفس الناطقة بالنسبة الى الموضوعيّة و على ثبوت العلقة بالنسبة الى المستصحب بان يقال الموضوع هنا هو النفس الناطقة و الامر المستصحب المشكوك بقائه فى زمان الشك هو علاقتها و تعلقها بالبدن هذا و انت خبير بان هذا الوجه مما لا يبعد فى غاية البعد عن الصواب بل هو وجه له وجه اتجاه و اما الايراد عليه بانا نفرض الشك فى النفس الناطقة ايضا اذ لم يبلغ ما يدل على بقائها حدّ الضّرورة و البداهة و كيف لا فان ذلك مما اختلف فيه آراء الحكماء و بعد الغض عن ذلك نقول انها ايضا هالكة نظرا الى عموم الآية فمما لم يقع فى مخره جدّا كما لا يخفى على الندس النطس و الوجه الخامس هو ان يقال ان كلامهم محمول على عدم العلم بانتفاء الموضوع لا على العلم بوجوده و هذا و ان كان على خلاف ما يتبادر من اطلاق عبائرهم و ظواهر كلماتهم الا ان الوجه الذى ذكر للاشتراط المذكور لا يفيد ازيد من ذلك كما ستطلع عليه و لهذا صرّح بذلك جمع ممن يعتد بكلامهم لا يقال ان هذا ينافى ما ذكره بعض الاساطين فانه كالصّريح فى انه يشترط العلم بالبقاء و لا يكتفى عدم العلم بالانتفاء و ذلك كالمنقول عن السيّد الداماد (ره) فى كتابه شارع النجاة حيث قال فى باب التقليد ان المجتهد بعد موته يمكن خطاء ظنه فلا يمكن القول باصالة لزوم اتباع ظنه كما فى حال الحياة اذ بقاء الموضوع معتبر فى الاستصحاب هذا و التقريب بانه كما يعطى ان ما ذكره هو ما عليه فى باب الموضوع كذا يعطى انه ما عليه القوم فى ذلك الباب لانه يقال ان الثانى مم على انه على ما فهمه من اطلاق العبارات لا على ما عليه القوم بالتّصريح عليه و انه معارض بما افاده بعض الافاضل حيث اجاب عن كلامه المذكور بان دعوى لزوم بقاء ظن المجتهد الى حين عمل المقلد اول المسألة غايته لزوم عدم العلم بتغير اعتقاده و هو حاصل هاهنا بحسب الفرض و احتمال ظهور خطاء الظن غير مضر كما فى الحى هذا و بالجملة ان هذا الوجه هو اقرب الى الصواب بل انه هو المتعيّن فى هذا الباب سواء قلنا ان اخذ العلم بالبقاء فى هذا المقام هو مذهب الاكثر ام‏

لا و المصرّح بذلك جم ام فى غاية القلّة اذ بما حققنا ينطبق الدليل بالمدّعى و يسهل الامر فى دفع جملة من العويصات و الاشكالات و لا يحتاج الى ارتكاب طائفة من التكلفات مع ان المصرّح بذلك فى غاية القلة

خزينة: فى بيان الفرق بين المستصحب و الموضوع‏

خزينة فى الإشارة الى الفرق بين المستصحب و الموضوع و الى جملة من الامور قيل فى بيان الفرق بين المستصحب و الموضوع ان الاول امر عرضى مقطوع البقاء فى الزمان السابق و مشكوك البقاء فى الزمان اللاحق و الثانى امر معروض للاول و لو كان عارضا لامر آخر فان كان الموضوع امرا خارجيّا لا يكون متعلّقا بامر خارجى آخر فالمستصحب هو وجود ذلك الامر الخارجى و الموضوع نفس ذلك الامر الخارجى مثاله زيد المفقود الذى شك فى وجوده و عدمه فالمستصحب وجوده و الموضوع نفسه و اما ان كان الموضوع امرا خارجيا متعلقا و عارضا لامر خارجى آخر فالمستصحب هنا و ان كان بحسب الواقع هو وجود ذلك الموضوع و لكن المتداول هنا ان المستصحب نفس ذلك الموضوع و موضوع المستصحب معروض ذلك الموضوع مثاله الرطوبة العارضة للثوب فالوجود عارض للرطوبة و هى موضوعة كما انها عارضة للثوب و هو موضوعها و كذا الكلام فى الاحكام فلو شك فى بقاء وجوب الصّلاة و عدمه مثلا لكان هنا امور وجود الوجوب و نفس الوجوب و نفس الصّلاة فالمستصحب هنا و ان كان فى الحقيقة هو وجود الوجوب و لكنّ المتداول فى الالسنة ان المستصحب هنا هو نفس الوجوب و موضوعه هو الصّلاة هذا و انت خبير بان ذلك و ان كان مما لا ضير فيه الا انّ‏

405

الكلمة الجامعة فى المقام هو ان يقال ان الموضوع هو معروض للمستصحب و هو ما يمكن ان يحمل على هذا الموضوع ايجابا او سلبا على نهج حمل الاشتقاق فهذا يشمل الكل الوجوديات و العدميات من الاحكام و الموضوعات من المستنبطة و الصرفة ثم اعلم ان جمعا قد بنى الامر فيما اشترط للاستصحاب بحسب الموضوع على امتناع انتقال العرض من موضوع الى موضوع آخر و انت خبير بان ملاك الامر فى ذلك على ما قرر فى محله من ان الموضوع من جملة مشخصات العرض فبيانه انه اذا ثبت ان الموضوع من جملة مشخصات العرض ثبت ان العرض لا يصحّ عليه الانتقال لانه اذا كان الموضوع مشخصا له يكون محتاجا الى موضوع مشخّص لان الموضوع المبهم لا يكون موجودا فى الخارج و ما لا يكون كذلك لا يفيد وجودا مشخصا خارجيّا فالعرض اذن لا يتحقق وجوده الا بموضوع بعينه فلو انتقل انتفى هذا الموضوع المعيّن و انتفى بانتفائه العرض ايضا ضرورة انتفاء المحتاج عند انتفاء المحتاج اليه هذا و لا يخفى على الفطن النّدس ان هذا مما يتطرق اليه طائفة من المناقشات فابتناء الامر على مثله مما لا وقع له عند الانظار الدقيقة على ان بعد فرض تماميّته لا يشمل العدميات كما لا يشملها ما يقال فى المقام ان فعلية الانتقال يحتاج الى دليل و لا ريب ان مقتضى الاصل فيما يحتاج الى الجعل عدمه فالتحقيق فى المقام ابتناء الامر على الاخبار بان يقال انها انما تساعد على حجّيته مع بقاء موضوع الحكم لا مع انتفائه و ان شئت ان تعمّم المقال بالنسبة الى القولين من القول بالتعبّدية و القول بالوصفية فقل ان اتحاد النّسبتين اى النسبة فى الزمان السّابق و النسبة فى الزمان اللاحق مما هو المعتبر فى حدّ الاستصحاب كما انه معتبر فى قاعدة الجريان و لو كان ذلك على نهج التنوير و العناية و كيف كان فان كل ما ذكر لا يفيد ازيد مما حققنا من الشرط فى المقام و هو عدم العلم بانتفاء الموضوع لا العلم ببقائه و دعوى الاتفاق و الاجماع فى المقام كما عن جمع مما لا يناسبها ايضا الا ما حققنا و من التامل فيما ذكر ظهر لك ان الكلام فى المحمول المستصحب كالكلام فى الموضوع اذ تغاير المحمول ايضا مما يوجب تغاير النسبتين و يتفرّع على ذلك ان الوجوب اذا ثبت لشي‏ء فى ضمن مركب لا يمكن استصحابه بعد ارتفاع الامر عن المركب اذ الوجوب الاولى مقدمى و الثانى نفسى و المحمول الثانى غير المحمول الاول و لعل تركهم هذا الشرط للاتكال على الوضوح و البداهة فخذ الكلام بمجامعه فت‏

خزينة: فى بيان الطريق إلى موضوعيّة الموضوع‏

خزينة فى بيان الطريق الى موضوعيّة الموضوع و قبل الخوض فى المطلب لا بد من تمهيد مقدمات المقدّمة الاولى فى الاشارة الى جملة من التقاسيم و الشقوق فاعلم ان للموضوع بملاحظة الاسماء و التسمية و المفهوم و المعنى و الذات و الحقيقة و الطبيعة و المشخصات و المميزات من المتاصلات و الاعتباريّات شئونا و اطوار او تقاسيم و احوالا و باتّضاح الحال فى تلك يتضح الحال فى سوق الكلام و بيان المرام فيه فكما يتوارد على المعنى الواحد اسماء و الفاظ من المتواردات و المترادفات مما لا تغاير بينها بحسب المفهوم اصلا و مما فيه تغاير باعتبار الاعتبارات و ملاحظة الحيثيات سواء كانت تلك الالفاظ من المشتقات او الجوامد من اسماء الاجناس و غيرها فيتحقق بتلك الالفاظ المسمّى الشرعى او المتشرعى او العرفى او اللغوى تسمية ملحوظا فيها مداليل الالفاظ من حيث هى هى لا تسمية اختراعية فكذا يتوارد على المعنى الواحد بملاحظة امور من الزمان و المكان و الفعل و الانفعال و ساير مقولات الاعراض مما يعطيه الجمل التركيبيّة من التامة و غيرها من التقييدية و التوصيفية و الاضافية و الشرطية و نحوها احوال و اطوار و تغيرات و تكثرات ثم ان ذلك كله كما يلاحظ فى الكتاب و السنة و المحاورات بحسب العقود و الايقاعات و الفسوخ و نحو ذلك كذا يلاحظ فى معاقد الاجماعات و موارد الاتفاقيات مثلا بان يكون الامر الفلانى على نحو التركيب الاضافى معتقدا للاجماع و موردا للاتفاق‏ المقدمة الثانية فى الاشارة الى امور يلزم بيانها و يجب تبيانها فاعلم ان التبدلات و التحولات الراجعة الى امور غير الذات و الحقيقة من حيث هى هى من جهة المشخصات و المكتنفات و مقولات الاعراض و الحيثيات مما يبقى معه الخواص و الآثار السّابقة بقاء على الاطلاق او فى الجملة او تنهدم و تزول بالكلية مما لا يتبدل به حقايق المهيات و طبائع الاجسام فى غاية الكثرة و فوق حد الاحصاء من غير فرق فى ذلك بين ما له اسام خاصّة مغايرة لأسامي الاصول من الجوامد و المشتقات و المترادفات و المتواردات و المشتركات فى الكل لغة من اللغات سيّما لغة العرب التى الدائرة فيها اوسع و المضمار فيها افسح و بين غير ذلك بان لا ينطلق على المتبدّل لفظة خاصّة الا على نهج الاضافة و نحو الانتساب فى تركيب من التراكيب و مفهوم من المفاهيم ثم ان التبدلات و التحولات و الانقلابات و الاستحالات الراجعة الى الذوات و حقايق المهيات و طبائع الاجسام بتبدل الصّور النوعيّة و ان بقيت الالفاظ الأولة فى اطلاقاتها و تستعمل مع ملاحظة تلك الامور بفرضها من المشتركات اللفظية مما لا ينكر و لا يستقل بل فى غاية الكثرة ايضا و ناهيك فى هذا المقام و كافيك فى ذلك المرام ما فى اطوار خلقة الانسان و نشأة اصوله من البسائط العنصرية و النباتات و ما بين ذلك و بين انسانيته من النّشأة الدموية و الطبيعة المنويّة و الحقيقة المضغية و غير ذلك الى ان يصير انسانا ثم بعد ذلك من التطورات الرّميمية و الطّبيعية الترابية و غير ذلك الى ان يعاد فى الحشر اجزائه الاصلية و قس على ذلك غير ذلك و بالجملة فانّ المط المهمّ هنا الاشارة الى ان من التبدلات و الانتقالات ما يتبدل به الصورة النوعيّة الجوهريّة فيصير المتبدّل بذلك نوعا مغايرا

406

مغايرا للحقيقة الاولية و طبيعة ثانويّة غير طبيعة الاصلية ثم ان شئت قسم امثال ذلك بانقلاب الطبيعة و تحول الحقيقة تسمية حقيقة لغوية او تسمية مجازية بناء على ان انقلاب المهيات او تحول الحقائق و الطبائع حقيقة محال كما ذاع و شاع هذه المقالة بين علماء الاعصار و فضلاء الادوار من علماء صناعة الحكمة بل بين غيرهم ايضا فلما كان تحقيق المقام و ازالة بعض الاوهام مما ينبعث عنه الآثار و الخواص فى صناعتى الاصول و الفقه و لو عند اصحاب الانظار الدقيقة كان التعرّض لبعض المقالات و بعض المباحث من المهمات الاستطرادية و المطالب المقدماتية فنقول ان العبارات المقولة فى هذا المقام متقاربة و قد عبر الشيخ الرئيس ابن سينا بعبارة ان قلب اعيان صور الموجودات ممتنع نقله بعض اجلة الحكماء و حدقة الصناعة الاكسيرية قائلا اتى رايت للرئيس ابن سينا كتابا يحوم فيه على مقاصد الحكماء و اقوالهم فى هذه الصناعة فنفى فيها الحق و اثبت فيها الباطل و لم يبرهن على كل من النفى و الاثبات بوجه مقبول على الحقيقة فانه قال ان قلب اعيان صور الموجودات ممتنع فلا يمكن انقلاب الذهب الى الفضة كما لا يمكن انقلاب الفضة الى الذهب و يمتنع انقلاب النحاس فضة كما يمتنع ان ينقلب الفضة نحاسا و كل فى بقية الاشخاص المعدنية لكن ارى بامكان وجود الصّبغ الابيض على النحاس فيصير فى قوام الفضة و لونها فيكون نحاسا مصبوغا لا فضة و يمكن دخول الصّبغ الاحمر على الفضة فيصير فى قوام الذهب و لونه فيكون فضة مصبوغة لا ذهبا هذا و بالجملة فان صدور مثل ما نقله عن ابن سينا من الامور المشهورة بل المتسامعة المتظافرة و قد عبّر فى هذا المقام بعض اجلة عرفاء الحكماء بان انقلاب الحقائق ممتنع و قد عبر بعض علماء الاصول ممّن له تتبع فى علم الحكمة ايضا بان انقلاب الحقيقة حقيقة مح و كيف كان فانّى لم اظفر ببيان شاف و تبيان كاف فى مقالاتهم لا فى عنوان مستقل و لا فى تضاعيف كلماتهم بحيث يكون معيارا فى البين و دستورا رافعا عن الأذهان المين و الرّين فاطلاق كلام الاول و ان كان مما يعطى قانونا و ضابطا كليا إلّا انه مما هو بين الفساد مخالف للحس و العيان كما انه مخالف للقواعد المسلّمة عندهم و ان قطع النظر عن فساد تفريع ما فرع عليه و عدم اصابته الواقع فى ذلك ايضا كما تعرف الكلام الامتع الاعود فيه فمن جملة القواعد المسلّمة عندهم قاعدة الكون و الفساد و انقلاب العناصر بعضها الى بعض بلا توسّط او توسّط واحد او ازيد فان قلت ان هذا لا ينافى لما ذكره بل ان هذا بعد امعان النظر و تجوال الفكر مما يسدّده أ لا ترى ان بعض المحققين قال فى باب انقلاب العناصر بعضها الى بعض اعلم ان المص لما اثبت انقلاب العناصر اى تبدل صور بعضها الى بعض الذى يدل على طاعة هيولى مشتركة لما يرد عليها من خلع الصور و لبسها و تسليمها لامر اللّه تعالى لئلا يلزم انقلاب الحقيقة اراد ان يشير الى طاعة صور العنصريّة لورود الاعراض و الكيفيات عليها المعدة لحصول المزاج على المركّب منها لئلا يلزم انخلاع صور العناصر حين حصول المزاج كما نقله الشيخ من بعض اهل زمانه و ذلك انما يتحقق باثبات ان الأعراض و الكيفيات الحاصلة للعناصر امور زائدة على صورها النوعيّة مغايرة لها فاشار الى زيادتها بقوله و نقول ايضا ان الكيفيّات العنصريّة زائدة على الصّور الطبيعية و ذلك لأنها تستحيل فى الكيفيّات اى تزول عنها بعض الكيفيات و يحدث فيها بعض آخر مثل التسخن و التبرد فى الماء مثلا مع بقاء الصور النوعيّة المائية بحالها فى كلتا الحالتين فلولا المغايرة بين الصورة و الكيفية للزم اجتماع وجود الشي‏ء و عدمه فى حالة واحدة و انه مح و لا يخفى ان المط الذى هو المغايرة بين صور العناصر و كيفياتها انما يحصل بارادة الاطلاق العامة من المقدّمة المذكورة فالاعتراض عليه بزوال الصورة النارية عند زوال حرارتها و كذا زوال الصّورة المائية و الارضية بزوال الميعان و الجمود غير متوجه لعدم كونه منافيا للمدّعى لما تحقق ان المطلقتين لا تتنافيان و انما يتوجّه او كان المراد منها الدوام و هو مما لا حاجة اليه فى هذا المقام قلت ان ما ذكر لا يدفع الضّيم اذ ليس فيه ما يسدّد كلامه و يبيّن مرامه و ذلك ان كلامه مما يابى عن الحمل على ما ذكر بان يقيّد اطلاقه بما فى هذا القيد على انه لو كان مراده كما ذكر لما صحّ ما فرعه على ما اطلقه لان التفريع المذكور انما

يناسب اطلاق كلامه لا لما قيد به على النهج المزبور بل ان على البناء عليه يوجد تناقض صرف و تهافت بحت بين اصله و ما فرعه عليه كما لا يخفى على الندس الفطن و بعد الغض عن كل ذلك نقول ان كلام هذا البعض الذى ايدت به كلام ابن سينا فى غاية الاجمال ايضا اذ لم يبيّن شيئا من المواضع التى لا توجد فيها هيولى مشتركة من المعادن فاذا تحقق الهيولى المشتركة فى باب انقلاب العناصر بعضها الى البعض على النهج المزبور فهل هى لا يتحقق فيما ذكره ابن سينا من المعادن على ان هذا البعض قد استند فيما ذكره على ما قرره ابن سينا و بنى عليه الامر فيكون التسدية به من المصادرات فلا ينفع ح القول بان المقصود من سوق كلام هذا البعض بيان ان ما ذكره ابن سينا من المسلّمات عندهم على انه مما لا يخلو عن مدخوليته من وجه آخر كما لا يخفى على من ياخذ مجامع الكلمات المذكورة باسرها و من جملة القواعد المسلّمة عندهم ما فى اثبات الصورة النوعية الجوهريّة و تلازمها مع الصورة الجسمية و المراد من الصورة النوعيّة هى التى يختلف بها الاجسام انواعا فقالوا ان لكل واحد من انواع الاجسام الطبيعيّة صورة اخرى غير الصورة الجسميّة بها يصير ذلك النوع نوعا و لهذا سميّت صورة نوعية اى منسوبة الى النوع بالتقويم‏

407

و التحصيل و تسمّى طبيعة ايضا باعتبار كونها مبدأ للحركة و السّكون الذاتيين و قوة ايضا باعتبار تاثيرها فى الغير و كما لا لصيرورة الجنس به بالفعل نوعا مركبا فللمشاءين الذين منهم ابن سينا فى اثبات الصورة النوعيّة الجوهرية مناهج ثلاثة فمنها ما ذكروه من جهة كونها مقومة لماهيات الاجسام و تقريره ان الصورة اذا تبدلت فى الاجسام يتغير بتغيّرها جواب ما هو بخلاف الاعراض اذ بتبدلها فى الجواهر لا يتغير جواب ما هو بخلاف الاعراض اذ بتبدلها فى الجواهر لا يتغيّر جواب ما هو فان قلت ان هذا كالمنهجين الآخرين اللّذين فى معناه غير مرضى عند غير المشائين قلت ان ابن سينا من المشائين كما اشرنا اليه اولا على ان النزاع بين المشائين و بين غيرهم انما هو فى كون الصورة النوعيّة جوهرا او عرضا و الا فانها عند الكل مما يتبدل بتبدّلها الحقيقة النوعية على ان المناهج الثلث للمشائين و ان كانت مدخولة و مما لا يعوّل عليه عند التحقيق فى اثبات جوهرية الصورة النوعيّة الا ان الطريق ليس منحصرا فيما ذكروه بل التحقيق فى اثبات ذلك هو ان يقال انه لا يجوز ان يتحصّل حقيقة محصّلة نوعية لها وحدة طبيعيّة كالبسائط الاسطقسية و المركبات الطبيعية من مقولتين مختلفتين نعم يمكن ذلك فى المركبات الاعتبارية او الصناعية التى لها وحدة بمجرّد الاجتماع و الصناعة و ايضا ان تلك المخصصات اى الصور النوعية انما هى مبادى لفصول ذاتية لانواع الجسم على ما هو المقرر عندهم من ان الجنس و الفصل فى المهيات المركبة ماخوذان من المادة و الصورة الخارجيتين و الاجزاء المحمولة انما تكون محفوظة الحقائق فى الذهن و الخارج على ما هو راى المحصّلين الذاهبين الى انضباط المهيات فى انحاء الوجودات و حصول الاشياء بانفسها لا باشباحها فى الاذهان فاذا كان فصول الجواهر جواهر و فصول انواع الاجسام متحدة الحقيقة مع صورها الخارجيّة فلا محالة تكون تلك الصور جواهر فيجب ان يستند الآثار المختصة بنوع نوع من الاجسام الى تلك الصور نوعا من الاستناد و ان كان لكل نوع منها ذو عناية من ملائكة اللّه الرّوحانيّين يقوم بكلاءة ذلك النوع بأذن مبدا الكل جلّت اسمائه و هو من ورائهم محيط فان قلت ان امثال هذه الامور كيف تخفى على الشيخ الرئيس و هو أس اهل صناعة المعقول و سنامه و ذورته الشامخة فليس المراد من كلامه ما يتسابق الى الأذهان بل المقصود منه ما اشار اليه بعض المحققين من الحكماء العرفاء حيث قال فى جملة من كلامه ان المبدا العقلى الذى وجدت و انتشرت منه النفوس الى هذا العالم غير متناهى القوة و الجهات و الحيثيات الوجودية و كلما انفصلت منه النفوس بقيت فيه القوة الغير المتناهية فى العالم العقلى على نعت الكثرة العددية فوجود النفس عند مبدئها العقلى وجود شريف مبسوط غير منجز و لا متفرق لا يقال ما ذكرته هو قول بانقلاب الحقائق و هو ممتنع قلت ليس هذا من انقلاب الحقيقة فى شي‏ء و ذلك لان انقلاب الشي‏ء عبارة عن ان ينقلب ماهيّة شي‏ء من حيث هى هى الى ماهيّة شي‏ء آخر بحسب المعنى و المفهوم و هذا ممتنع لان الماهية من حيث هى هى ليست الا هى و كذا يمتنع ان ينقلب وجود ماهيّة الى وجود ماهيّة اخرى من غير مادة مشتركة يتبدل عليها الصور بحسب الانفعالات المتواردة عليها او ينقلب حقيقة بسيطة الى حقيقة بسيطة اخرى و اما اشتداد الوجود فى كماليته و استكمال صورة جوهرية فى نفسه حتى يصير منعوتا باوصاف ذاتية اخرى غير ما كانت اولا فليس بممتنع لان الوجود متقدم على الماهية و هو اصل و الماهيّات تبعة له أ لا ترى ان الصور الطبيعيّة تتكامل و تشتد الى ان تتجرّد عن المادة و تنقلب صورة عقلية موجودة فى عالم الا على العقلى على وصف الوحدة و التجرّد و كل النفوس بعكس ذلك كانت فى عالم العقل شيئا واحدا و جوهرا بسيطا متحدا عقليّا فتكثرت و نزلت فى هذا العالم هذا و قال فى مقام آخر ان لكل شي‏ء جوهرى حركة جبلية نحو الآخرة و تشوقا طبيعيّا الى عالم القدس و الملكوت و له عبادة ذاتية تقربا الى اللّه تعالى سيما الانسان لكونه اشرف الانواع الواقعة تحت الكون و الفساد فله كما سبق تبدلات و انتقالات ذاتية من لدن حدوثه الطبيعى الى نشأته الطبيعيّة ثم منها الى آخر نشأته النفسانية و هلم جرّا الى آخر نشآته العقلية قلت ان كلام هذا المحقق بعد الغض عما فيه من الامور المبتنية على وحدة الوجود و قاعدة بسيط الحقيقة كل الاشياء التى مخالفة لقواعد الشريعة الغراء جدا و حكم صراحة العقل قطعا مستلزمة

لامور متناقضة غير معقولة مما يمكن ان يستنبط منه بالنسبة الى المقام معيار و ضابط بان يكون ما يمتنع الانقلاب فيه مثل الاعراض بان ينقلب عرض من مقولة الى عرض آخر من مقولة اخرى او عرض الى جوهر او بالعكس او جوهر الى جوهر بان ينقلب الصورة مثلا الى الهيولى و بالعكس و هكذا الامر فى الحقائق المركبة بحسب العقل و البسيطة بحسب الخارج كالسواد و البياض فهذا كما ترى مما لا يمكن ان يرجع اليه كلام الشيخ الرئيس نظرا الى ما فرعه على ما اصله و لا يناسبه ايضا تعبيره باعيان صور الموجودات كما لا يخفى ثم ان شئت ان يتبيّن الامر لك غاية التبين و تكون على بصيرة فى هذا المقام فاصنع الى ما صدر من جمع من اساطين صناعة الحكمة قال بعضهم فى مقام اثبات الوجود الذهنى لما كانت موجودية الماهيّة متقدّمة على نفسها فمع قطع النظر عن الوجود لا يكون هناك ماهيّة اصلا و الموجود الذهنى و الخارجى مختلفان بالحقيقة فاذا تبدل الوجود بان يصير الموجود الخارجى موجودا فى الذهن لا استبعاد ان يتبدل الماهيّة ايضا فاذا وجد الشي‏ء فى الخارج كانت له ماهيّة اما جوهر او كم او مقولة اخرى و اذا تبدّل الوجود و وجد فى الذهن انقلبت ماهيّته و صارت من مقولة الكيف و ليس هذا من القول بالشبح فى شي‏ء لانه ليس للشي‏ء بالنظر

408

بالنظر الى ذاته بذاته مع قطع النظر عن الوجودين حقيقة معيّنة يمكن ان يقال هذه الحقيقة موجودة فى الذهن و فى الخارج بل الموجود الخارجى بحيث اذا وجد فى الذهن انقلب كيفا و اذا وجدت الكيفية الذّهنية فى الخارج كانت عين المعلوم الخارجى فان كان المراد بوجود الاشياء انفسها فى الذهن وجودها فيه و ان انقلبت حقيقتها الى حقيقة اخرى فذلك حاصل و ان اريد بها انها توجد فى الذهن باقية على حقيقتها الخارجية فلم يقم عليه دليل اذ مؤدى الدليل ان المحكوم عليه باحكام صادقة يجب وجوده عند العقل و فى الذهن ليحكم عليها بها و لا يخفى ان هذا الحكم ليس عليه بحسب الوجود الذهنى بل بحسب نفس الامر فيجب ان يوجد فى الذهن امر لو وجد فى الخارج كان متصفا بالمحمول و ان انقلبت حقيقته بتبدّل الوجود فان قلت انما يتصوّر هذا الانقلاب لو كان بين الموجودات الذهنية و الخارجيّة مادة مشتركة تكون بحسب الوجود الذهنى كيفا و بحسب الوجود الخارجى من مقولة المعلوم كما قرر و الامر فى الهيولى المبهمة فى ذاتها حق الابهام فتصير باقتران كل صورة عين حقيقتها و ظاهر ان هاهنا ليست مادة مشتركة بين جميع الموجودات اقلت انما استدعى هذا الانقلاب المادة لو كان انقلاب امر فى صفة كانقلاب الهواء ماء و اما انقلاب نفس الحقيقة بتمامها الى حقيقة اخرى فلا يستدعى مادة مشتركة موجودة بينهما نعم يفرض العقل لهذا الانقلاب امرا بينهما عاما هذا و قال البعض معترضا عليه لا يخفى على من له ادنى بصيرة ان انقلاب الحقائق غير معقولة بل المعقول منه ان ينقلب المادة من صورة الى اخرى او الموضوع من صفة الى اخرى و ليت شعرى ما هذا الواحد الذى زعم انه بحيث اذا وجد فى الخارج كان ماهيّة و اذا وجد فى الذهن كان ماهيّة اخرى و كيف ينحفظ الوحدة مع تعدّد الماهية ثم تقدم الموجودية على الماهيّة غير مبين و على فرض التسليم لا يوجب جواز الانقلاب اذ العوارض متقدّمة كانت او متاخرة لا تغير حقيقة المعروض فانها انما تعرض لتلك الحقيقة فلا بد من بقائها معا ثم على فرض الانقلاب يكون الحاصل فى الذهن مغايرا لماهيّة الحاصل فى الخارج و هو خلاف مقتضى الدليل الدال على الوجود الذهنى و ما ذكره من ان حصول الماهيّة فى الذهن اعمّ من ان يبقى فيه او ينقلب الى ماهيّة اخرى من قبيل ان يقال حصول زيد فى الدار اعم من ان يبقى فيها على ما كان او ينقلب فيها الى عمرو مثلا ثم من البيّن انه اذا لم يكن بين الامرين امر مشترك يبقى مع الانقلاب كالمادة او كالجنس مثلا لم يصدق ان هناك شيئا واحدا يكون تارة ذلك الامر و اخرى غيره و الفطرة السّليمة يكفى مئونة هذا البحث هذا كتبه العبد الراجى محمّد على ابن محمّد رضاء اللهمّ اغفر لهما بجاه محمّد و آله الطّاهرين و قد تمّ هذا الكتاب كتابة و مقابلة فى اواخر شهر جمادى الأولى من شهور سنة 1284 و اجهد و اسعى فى جمع صحيحة من العلماء و الفضلاء كثر اللّه امثالهم غاية الجهد و السّعى و الحمد للّه اوّلا و آخرا 1284