أسماء البقاع والجبال في القرآن الكريم‏

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
156 /
57

1- ..........

ثم ظهرت الروم و فارس على جميع الممالك و الملوك الذين في وسط الأرض، فقاتلت الروم أهل مصر ثلاثين سنة و حاصروهم برّا و بحرا إلى أن صالحوهم على شي‏ء يدفعونه إليهم في كل عام على أن يمنعوهم و يكونوا في دمتهم. ثم ظهرت فارس على الروم و غلبوهم على الشام، و ألحّوا على مصر بالقتال. ثم استقرّت الحال على خراج ضرب على مصر من فارس و الرّوم في كل عام، و أقاموا على ذلك تسع سنين، ثم غلبت الروم فارس و أخرجتهم من الشام و صار صلح مصر كله خالصا للروم و ذلك في عهد رسول اللّه في أيام الحديبية (83) و ظهور الإسلام.

و كان الروم قد بنوا موضع الفسطاط الذي هو مدينة مصر اليوم حصنا سموه: قصر اليون، و قصر الشام، و قصر الشمع. و لما غزا الرّوم عمرو بن العاص تحصّنوا بهذا الحصن، و جرت لهم حروب إلى أن فتحوا البلاد.

قال أمية: و مصر كلها بأسرها واقعة من المعمورة في قسم الإقليم الثاني و الإقليم الثالث معظمها في الثالث.

و أما سكان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفو الأصناف من قبط

____________

(83) أيام الحديبية: هو صلح تم بأواخر سنة 6 ه الموافق 627 م، خرج رسول اللّه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بمن معه من المسلمين معتمرا لا يريد حربا، و ساق معه الهدي (القرابين) ليعلم أن مسيره لزيارة البيت و تعظيم الحرمات، فمنعه قريش من دخول مكة، فانتدب عثمان بن عفان ليخبر قريشا بنيّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمسكوه بمكة، و إذ شاع أنهم قتلوه، أعلن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صحبة بالبيعة و بايعهم على الموت، و سميت (بيعة الرضوان) و حصلت تحت الشجرة، و بعد عودة عثمان أوفدت قريش مفاوضا عنهم، فعقدت معاهدة الصلح، أو الهدنة بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قريش في موضع الحديبية لمدة عشرة أعوام. و من نعمة هذه المعاهدة أن انتشر الإسلام.

58

1- ..........

و روم و عرب و بربر و أكراد و ديلم و أرمن و حبشان و غير ذلك من الأصناف و الأجناس، إلا أن جمهورهم قبط، و السبب في اختلاطهم تداول المالكين لها و المتغلبين عليها من العمالقة و اليونانيين و الروم و العرب و غيرهم، فلهذا اختلطت أنسابهم و اقتصروا من الانتساب على ذكر مساقط رؤوسهم.

و كانوا قديما عبّاد أصنام و مدبّري هياكل إلى أن ظهر دين النصرانية بمصر فتنصّروا و بقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فأسلم بعضهم و بقي البعض على دين النصرانية، و غالب مذهبهم يعاقبة (84).

قال: أما اخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات و الانهماك في اللذات و الاشتغال بالتنزهات و التصديق بالمحالات و ضعف العزمات.

قالوا: و من عجائب مصر النّمس و ليس يرى في غيرها، و هو دويبة كأنها قديدة (85)، فإذا رأت الثعبان دنت منه، فيتطوّى عليها ليأكلها إذا صارت في فمه زفرت زفرة و انتفخت انتفاخا عظيما فينقدّ (86) الثعبان من شدّته‏

____________

(84) اليعاقبة: أو السريان: هم اليوم المسيحيون أبناء اللغة السريانة، انفصلت منهم جماعة عن كنيسة أنطاكية على أثر المجادلات اللاهوتيه حول طبيعة المسيح، و تنظمت في سورية و في بلاد ما بين النهرين، بفضل يعقوب البردعي كنيسة يعرف أبناؤها باليعاقبة في القرن السادس، كما تفرّعت منهم في القرن الخامس الكنيسة المارونية، و قد تكوّنت في القرن السابع عشر كنيسة سريانية كاثوليكية، و في الهند طائفة لا يستهان بها من السريان هم المالنكاريون. (المنجد في الأعلام 354).

(85) القديد: من اللحم: ما قطع طولا و ملّح و جفّف في الهواء و الشمس.

(86) ينعقد: ينشق.

59

1- ..........

قطعتين. و لو لا هذا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر. و هي أنفع لأهل مصر من القنافذ لأهل سجستان.

قال الجاحظ: من عيوب مصر أن المطر مكروه بها، قال اللّه تعالى:

وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ (87). يعني المصر، و هم لرحمة اللّه كارهون، و هو لهم غير موافق، و لا تزكو عليه زروعهم، و في ذلك يقول الشاعر:

يقولون مصر أخصب الأرض كلها* * * فقلت لهم: بغداد أخصب من مصر

و ما خصب قوم تجدب الأرض عندهم‏* * * بما فيه خصب العالمين من القطر

إذا بشّروا بالغيث ريعت قلوبهم‏* * * كما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر

قالوا: و كان المقوقس‏ (88) قد تضمن مصر من هرقل‏ (89) بتسعة عشر ألف ألف دينار، و كان يجيبها عشرين ألف ألف دينار، و جعلها عمرو بن العاص عشرة آلاف ألف دينار أول عام، و في العام الثاني إثني عشر ألف ألف.

____________

(87) سورة الأعراف الآية 57.

(88) المقوقس: اسم أطلقه العرب على كورش وزير حاكم مصر البيزنطي و بطريرك الإسكندرية لما فتح عمرو بن العاص مصر سنة 639- 642.

(89) هرقل: امبراطور روماني عرف عهده حروبا كثيرة و تطورات جذرية في الشرق. تقدم الفرس و احتلوا انطاكية سنة 611 م و القدس سنة 614 م و مصر سنة 619 م و اقترب الآثار من القسطنطينية سنة 617، مدة البطريرك سرجيوس بالمال، فنظّم الجيش وردّ الآثار، ثم حمل على الفرس فردّهم إلى ما وراء الفرات، و احتل تبريز، و استرد عود الصليب سنة 622 م- 630 م، و عندما بدأ الفتح الإسلامي، فانكسرت جيوش هرقل و خسرت الامبراطورية سورية و فلسطين و بلاد ما وراء النهرين و مصر سنة 634- 642 م.

60

1- ..........

و لما وليها في أيام معاوية (90) جباها تسعة آلاف ألف دينار، و جباها عبد اللّه بن أبي سرح أربعة عشر ألف ألف دينار.

____________

(90) معاوية: هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، مؤسس الدولة الأموية في الشام، و أحد الدهاة المتميزين الكبار، كان فصيحا حليما و قورا، ولد بمكة سنة 20 ق. ه الموافق 603 م، و أسلم يوم فتحها سنة 8 ه، و تعلّم الكتابة و الحساب، فجعله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كتّابه، و لما ولي أبو بكر الصديق ولّاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء و عرقة و جبيل و بيروت.

و لما ولي عمر بن الخطاب جعله واليا على الأردن، و رأى فيه حزما و علما فولّاه دمشق بعد موت أميرها يزيد (أخيه)، و جاء عثمان بن عفان فجمع له الديار الشامية كلها و جعل ولاة أمصارها تابعين له، و قتل عثمان، فولي علي بن أبي طالب، فوجه لفوره بعزل معاوية، و علم معاوية بالأمر قبل وصول البريد، فنادى بثأر عثمان واتهم عليا بدمه، و نشبت الحروب الطاحنة بينه و بين علي، و انتهى الأمر بإمامة معاوية على الشام و إمامة علي في العراق، ثم قتل عليّ و بويع بعده ابنه الحسن، فسلم الخلافة إلى معاوية سنة 41 ه، و دامت لمعاوية الخلافة إلى أن بلغ سن الشيخوخة، فعهد بها إلى ابنه يزيد، و مات في دمشق سنة 60 ه الموافق 680 م. روى 130 حديثا، و هو أحد عظماء الفاتحين في الإسلام، بلغت فتوحاته المحيط الأتلانطيقي، و افتتح عامله بمصر بلاد السودان، و هو أول مسلم يركب بحر الروم للغزو، و في أيامه فتح كثير من جزائر اليونان و الدردنيل، و حاصر القسطنطينية برا و بحرا سنة 48 ه. و هو أول من جعل دمشق مقر خلافة، و أول من اتخذ المقاصير (الدور الواسعة المحصنة و المقصورة كذلك كنّ في المسجد يقصر للخليفة لوقايته)، و أول من اتخذ الحرس و الحجاب في الإسلام، و أول من نصب المحراب في المسجد، كان يخطب قاعدا، و كان طوالا جسيما أبيض، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، و ضربت في أيامه الدنانير عليها صورة أعرابي متقلد سيفا، و كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذا نظر إليه يقول: هذا كسرى العرب. (انظر: الكامل لابن الأثير: 4/ 2، و تاريخ الطبري: 6/ 180، و منهاج السنة: 2/ 201- 226، و تاريخ اليعقوبي: 2/ 192، و تاريخ الخميس: 2/ 291 و 296، و البدء و التاريخ: 6/ 5، و شذور العقود للمقريزي: 6،-

61

1- ..........

قال صاحب الخراج: إن نيل مصر إذا رقي ستة عشر ذراعا وافى خراجها كما جرت عادته، فإن زاد ذراعا آخر زاد في خراجها مائة ألف دينار لما يروي من الأعالي، فإن زاد ذراعا آخر نقص من الخراج الأول مائة ألف دينار لما يستبحر من البطون.

قال كشاجم‏ (91) يصف مصر:

أما ترى مصر كيف قد جمعت‏* * * بها صنوف الرّياح في مجلس‏

السوسن الغضّ و البنفسج ال* * * ورد و صنف البهار و النرجس‏

كأنها الجنّة التي جمعت‏* * * ما تشتهيه العيون و الأنفس‏

كأنما الأرض ألبست حللا* * * من فاخر العبقريّ و السّندس‏

و قال شاعر آخر يهجو مصر:

مصر دار الفاسقينا* * * تستفزّ السّامعينا

____________

- و المرزباني: 393، و المسعودي: 2/ 42، و خلاصة تذهيب الكمال: 326، و الإسلام و الحضارة العربية: 2/ 146- 161، و المحبر: 19، و الذهب المسبوك: 24، و الأعلام:

7/ 261- 262).

(91) كشاجم: هو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك، أبو الفتح الرملي، شاعر متفنن أديب من كتّاب الإنشاء من أهل الرملة بفلسطين، فارسي الأصل، كان أسلافه الأقربون في العراق، تنقل بين القدس و دمشق و حلب و بغداد، وزرا مصر أكثر من مرّة، و استقر بحلب، فكان من شعراء أبي الهيجاء عبد اللّه والد سيف الدولة بن حمدان، ثم ابنه سيف الدولة، له ديوان شعر، و أدب النديم، و المصايد و المطارد، و الرسائل، و خصائص الطرب، و الطبيخ. توفي سنة 360 ه الموافق 970 م. (انظر: الديار للشابشتي: 167- 170، و شذرات الذهب: 3/ 37، و حسن المحاضرة: 1/ 322، و الأعلام: 7/ 167- 168).

62

1- ..........

فإذا شاهدت شاهد* * * ت جنونا و مجونا

و صفاعا و ضراطا* * * و بغاء و قرونا

و شيوخا و نساء* * * قد جعلن الفسق دينا

فهي موت الناسكينا* * * و حياة النا .... ينا

و قال كاتب من أهل البندنيجين يذمّ مصر:

هل غاية من بعد مصر أجيئها* * * للرزق من قذف المحل سحيق‏

لم يأل من حطّت بمصر ركابه‏* * * للرزق من سبب لديه وثيق‏

نادته من أقصى البلاد بذكرها،* * * و تغشّه من بعد بالتعويق‏

كم قد جشمت على المكاره دونها* * * من كل مشتبه الفجاج عميق‏

و قطعت من عافي الصّوى متخرقا* * * ما بين هيت إلى مخاريم فيق‏

فعريش مصر هناك فالفرما إلى‏* * * تنيّسها و دميرة و دبيق‏

برّا و بحرا قد سلكتهما إلى‏* * * فسطاطها و محلّ أيّ فريق‏

و رأيت أدنى خيرها من طالب‏* * * أدنى لطالبها من العيّوق‏

قلّت منافعها فضجّ ولاتها* * * و شكا التّجار بها كساد السوق‏

ما أن يرى الغريب إذا رأى‏* * * شيئا سوى الخيلاء و التبريق‏

قد فضّلوا جهلا مقطّمهم على‏* * * بيت بمكة للإله عتيق‏

لمصارع لم يبق في أجدادهم‏* * * منهم صدى برّ و لا صدّيق‏

إن همّ فاعلهم فغير موفّق،* * * أو قال قائلهم فغير صدوق‏

شيع الضلال و حزب كل منافق‏* * * و مضارع للبغي و التنفيق‏

أخلاق فرعون اللعينة فيهم،* * * و القول بالتشبيه و المخلوق‏

لو لا اعتزال فيهم و ترفّص‏* * * من عصبة لدعوت بالتفريق‏

63

1- ..........

أما جميل فإنه يقول:

إذا حلّت بمصر و حلّ أهلي‏* * * بيثرب بين أطام و لوب‏

مجاورة بمسكنها تجيبا،* * * و ما هي حين تسأل من مجيب‏

و أهوى الأرض عندي حيث حلت‏* * * بجدب في المنازل أو خصيب‏

مزارات مصر و مشاهدها:

و بمصر من المشاهد و المزارات الكثيرة جدا منها.

- في القاهرة: مشهد به رأس الحسين بن علي (عليه السلام) نقل إليها من عسقلان لما أخذ الفرنج عسقلان، و هو خلف دار المملكة يزار (92).

- و بظاهر القاهرة مشهد صخرة موسى بن عمران (عليه السلام)، به أثر أصابع يقال إنها أصابعه، فيه اختفى من فرعون لما خافه.

- و بين مصر و القاهرة قبّة يقال إنها قبر السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب.

- و مشهد يقال إن فيه قبر فاطمة بنت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.

- و قبر آمنة بنت محمد الباقر.

- و مشهد فيه قبر آسية بنت مزاحم‏ (93) زوجة فرعون.

____________

(92) كذلك يقال أن رأس الحسين (عليه السلام) مدفون في جانب المسجد الأموي، و على ما اعتقد هذا هو الصحيح.

(93) يقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حق آسية بنت مزاحم: «سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم، و فاطمة،-

64

1- ..........

- و بالقرافة الصغرى قبر الإمام الشافعي رضي اللّه عنه.

- و عنده في القبة قبر علي بن الحسين بن علي زين الدّين.

- و قبر الشيخ أبي عبد اللّه لكيراني.

- و قبور أولاد عبد الحكم من أصحاب الشافعي.

- و بالقرب منها مشهد يقال إن فيه قبر علي بن عبد اللّه بن القاسم بن محمد بن جعفر الصادق.

- و قبر آمنة بنت موسى الكاظم في مشهد.

- و مشهد فيه قبر يحيى بن الحسين بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

- و قبر أم عبد اللّه بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصادق.

- و قبر عيسى بن عبد اللّه بن القاسم بن محمد بن جعفر الصادق.

و مشهد فيه قبر كلثم بنت القاسم بن محمد بن جعفر الصادق.

- و على باب الكورتين مشهد فيه مدفن رأس زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتل بالكوفة و أحرق و حمل رأسه فطيف به الشام، ثم حمل إلى مصر فدفن هناك.

- و على باب درب الشعارين المسجد الذي باعوا فيه يوسف الصديق (عليه السلام).

____________

- و خديجة و آسية». أخرجه الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي اللّه عنها، و صححه السيوطي في الجامع الصغير في الحديث رقم (4760).

65

1- ..........

و فيها كثير من قبور الصحابة الكرام و أولادهم و التابعين مثل:

- عبد اللّه بن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه.

- و دحية الكلبي رضي اللّه عنه.

- و عبد اللّه بن سعد الأنصاري رضي اللّه عنه.

- و سارية بن زنيم رضي اللّه عنه.

- و ذو النون المصري.

- و أبو مسلم الخولاني.

- و عبد اللّه بن عبد الرحمن الزهري.

- و ورش المدني و هو عثمان بن سعيد.

- و شقران بن علي.

- و ابن طباطبا.

- و قبور كثير من الأنبياء و الأولياء و الصّدّيقين و الشهداء، و لو أردت حصرها لطال الشرح‏ (94).

[ثمّ‏]: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي (أي: المهملة)، يقال:

جاء أحمد ثم بلال.

[الاحقاف‏]: يقول اللّه تعالى: وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (95).

____________

(94) معجم البلدان: 5/ 137- 143.

(95) سورة الأحقاف الآية 21.

66

1- ..........

* الأحقاف: جمع حقف من الرمل. و العرب تسمّي الرمل المعوجّ حقافا و أحقافا. و الأحقاف المذكور في القرآن الكريم: واد بين عمان و أرض مهرة.

عن ابن عباس قال: الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت.

قال قتادة: الأحقاف رمال مشرفة على البحر بالشّحر من أرض اليمن، و هذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى.

و قال الضّحاك: الأحقاف جبل بالشام.

و في كتاب العين‏ (96): الأحقاف جبل محيط بالدنيا، من زبرجدة خضراء تلهب يوم القيامة، فيحشر النّاس عليه من كل أفق، و هذا وصف جبل قاف‏ (97).

و الصحيح ما رويناه عن ابن عباس و إسحاق و قتادة: أنها رمال بأرض اليمن، كانت عاد (98) تنزلها، و يشهد بصحة ذلك ما رواه أبو المنذر هشام بن محمد، عن أبي يحيى السجستاني، عن مرّة بن عمر الابلي، عن الأصبغ ابن نباتة قال:

____________

(96) كتاب العين: أول معجم باللغة العربية رتب ابتداء من حرف العين، ألفه الخليل بن أحمد النحوي لكنه لم يكمله.

(97) قاف: انظر ترجمتها في صفحة 138 من هذا الكتاب.

(98) عاد: شعب من العرب البائدة، سكنوا أعالي الحجاز بالقرب من ديار ثمود، اضطهدوا النبي هود فسحقتهم العاصفة كما جاء في القرآن، ورد ذكرهم في القرآن الكريم في 24 موضع.

67

1- ..........

إنا لجلوس عند علي بن أبي طالب‏ (99) ذات يوم في خلافة أبي بكر

____________

(99) علي بن أبي طالب: بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو الحسن، أمير المؤمنين و رابع الخلفاء الراشدين و أحد العشرة المبشرين بالجنة، و ابن عم النبي و صهره و أحد الشجعان الأبطال، و من أكابر الخطباء و العلماء بالقضاء، و أول الناس إسلاما بعد خديجة، ولد بمكة سنة 23 ق. ه الموافق 600 م، و ربي في حجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يفارقه و كان اللواء بيده في أكثر المشاهد، و لما أخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين أصحابه قال له: أنت أخي.

ولي علي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان سنة 35 ه، فقام بعض الصحابة يطلبون القبض على قتلة عثمان و قتلهم، و توقىّ علي الفتنة، فتريث، فغضبت عائشة و قام معها جمع كبير في مقدمتهم طلحة و الزبير و قاتلوا عليا، فكانت وقعة الجمل سنة 36 ه و ظفر علي بعد أن بلغت قتلى الفريقين عشرة آلاف، ثم كانت وقعة صفين سنة 36 ه و خلاصة خبرها أن عليا عزل معاوية من ولاية الشام، يوم ولي الخلافة، فعصاه معاوية، فاقتتلا مئة و عشرة أيام، قتل فيها من الفريقين سبعون ألفا، و انتهت بتحكيم أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص، فاتفقا سرّا على خلع علي و معاوية، و أعلن أبو موسى ذلك، و خالفه عمرو فأقر معاوية، فافترق المسلمون ثلاثة أقسام: الأول بايع لمعاوية و هم أهل الشام، و الثاني حافظ على بيعته لعلي و هم أهل الكوفة، و الثالث اعتزلهما و نقم على عليّ رضاه بالتحكيم، و كانت وقعة النهروان سنة 38 ه بين علي و أباة التحكيم، و كانوا قد كفروا عليا و دعوه إلى التوبة و اجتمعوا جمهرة فقاتلهم، فقتلوا كلهم و كانوا ألفا و ثمانمائة فيهم جماعة من خيار الصحابة، و أقام عليّ بالكوفة دار خلافته إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة في مؤامرة 17 رمضان المشهورة سنة 40 ه الموافق 661 م، روى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) 586 حديثا- نقش خاتمه: «اللّه الملك». (انظر: الكامل لابن الأثير: حوادث سنة 40 و تاريخ الطبري: 6/ 83، و البدء و التاريخ: 5/ 73، و صفة الصفوة:

1/ 118، و مقاتل الطالبين: 14، و حلية الأولياء: 1/ 61، و شرح نهج البلاغة: 2/ 579، و منهاج السنة: 3/ 2، و ما بعدها، و تاريخ الخميس: 2/ 276، و الإسلام و الحضارة العربية:

2/ 141، و الرياض النضرة: 2/ 153- 249، و الإصابة الترجمة رقم 5690، و الأعلام: 4/ 295).

68

1- ..........

الصديق‏ (100) رضي اللّه عنه، إذ أقبل رجل من حضرموت، لم أر قط رجلا أنكر منه، فاستشرفه الناس، وراعهم منظره، و أقبل مسرعا حتى وقف علينا، و سلّم و جثا، و كلّم أدنى القوم منه مجلسا، و قال:

- من عميدكم؟

- فأشاروا إلى عليّ رضي اللّه عنه و قالوا: هذا ابن عمّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عالم الناس، و المأخوذ عنه، فقام و قال:

____________

(100) أبو بكر الصديق: هو عبد اللّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي، أول الخلفاء الراشدين، و أول من آمن بالرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و سلم) من الرجال، و أحد أعاظم العرب، ولد بمكة سنة 51 ه الموافق 573 م، و نشأ سيدا من سادات قريش، و غنيا من موسريهم، و عالما بأنساب القبائل و أخبارها و سياستها، كانت العرب تلقبه بعالم قريش، و حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، فلم يشربها، و كانت له في عصر النبوّة مواقف كبيرة، شهد الحروب و احتمل الشدائد، و بذل الأموال. و بويع بالخلافة يوم وفاة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) سنة 11 ه، فحارب المرتدين و الممتنعين عن دفع الذكاة، و افتتحت في أيامه بلاد الشام و قسم كبير من العراق، و اتفق له قواد أمناء كخالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و أبي عبيدة الجراح، و العلاء بن الحضرمي، و يزيد ابن أبي سفيان، و المثنى بن حارثة. كان أبو بكر موصوفا بالحلم و الرأفة بالعامة، خطيبا لسنا، و شجاعا بطلا، مدة خلافته سنتان و ثلاثة أشهر و نصف شهر، و توفي في المدينة المنورة سنة 13 ه الموافق 634 م، له في كتب الحديث 142 حديثا. قيل: كان لقبه الصّدّيق في الجاهلية، و قيل في الإسلام لتصديقه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في خبر الإسراء. (انظر: طبقات ابن سعد: انظر فهرسته في الجزء 9 صفحة 26- 28، و الإصابة في تمييز الصحابة الترجمة رقم 4808، و الكامل لابن الأثير: 2/ 160، و تاريخ الطبري: 4/ 46، و اليعقوبي: 2/ 106، و صفة الصفوة:

1/ 88، و الإسلام و الحضارة العربية 2: 107 و 351، و حلية الأولياء: 4/ 93، و تاريخ الخميس: 2/ 199، و الرياض النضرة: 44- 187، و منهاج السنة: 3/ 118، و الأعلام:

4/ 102).

69

سمعت بالدّين، دين الحقّ جاء به‏* * * محمد، و هو قرم الحاضر البادي‏ (104)

فجئت منتقلا من دين باغية* * * و من عبادة أوثان و أنداد (105)

و من ذبائح أعياد مضللة،* * * نسيكها غائب ذو لوثة عاد (106)

فادلل على الفصد، و اجل الرّيب عن خلدي‏* * * بشرعة ذات إيضاح و إرشاد

(107)

و المم بفضل، هداك اللّه عن شعثي،* * * و أهدني إنّك المشهور في النادي‏ (108)

____________

(101) افرج: اكشف. الغلة: شدة العطش و حرارته.

(102) التنائف: المفرد: التنوفة: القفز من الأرض، و الفلاة لا ماء فيها و لا أنيس و إن كانت معشبة.

سكاك: موضع باليمن من حضرموت. ذات الاماحل: المنطقة الجدب المنقطعة المطر.

و الماحل: المجدب. البطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. أجياد: جمع جيد و هو العنق.

جبل بمكة. قال عمر بن أبي ربيعة:

هيهات من أمة الوهّاب منزلنا* * * لما نزلنا بسيف البحر من عدن‏

و جاورت أهل أجياد فليس لنا* * * منها سوى الشوق أو حظّ من الحزن‏

(103) الدمنة: آثار الدار و الناس، و المزبلة. السّداد: ما يسد من خيل و رجال. قال الشاعر:

أضاعوني و أي فتى أضاعوا* * * ليوم كربهة و سداد ثغر

(104) القرم: السيد المعظم، الجمع: قروم.

(105) الباغية: الظالم المستغل. الأنداد: المثل و النظير. و يرى أكثر اللغويين تخصيصه بالمثل الذي يناوى‏ء نظيره و ينازعه. المفرد: النّد.

(106) النسيك: الذبيحة. اللوثة: الحمق.

(107) الريب: الظّنّ و الشّك و التهمة.

(108) المم: اجمع و ضم، و لم اللّه شعثي: جمع ما تفرّق من أموري و أصلحه.

70

1- ..........

إنّ الهداية للإسلام نائبة* * * عن العمى، و التّقى من خير أزواد (109)

و ليس يفرج ريب الكفر عن خلد* * * أفظّه الجهل، إلّا حية الوادي‏ (110)

قال: فأعجب عليا رضي اللّه عنه، و الجلساء شعره، و قال له علي:

للّه درّك من رجل، ما أرصن‏ (111) شعرك! ممن أنت؟

قال: من حضرموت.

فسرّ به عليّ و شرح له الإسلام، فأسلم على يديه، ثم أتى به إلى أبي بكر رضي اللّه عنه، فأسمعه الشعر، فأعجبه.

ثم إنّ عليا رضي اللّه عنه سأله ذات يوم و نحن مجتمعون للحديث:

- أعالم أنت بحضرموت؟

- قال: إذا جهلتها لا أعرف غيرها.

قال له علي رضي اللّه عنه: أتعرف الأحقاف؟

قال الرجل: كأنك تسأل عن قبر هود (112) (عليه السلام)؟

قال علي رضي اللّه عنه: للّه درّك‏ (113) ما أخطأت!

____________

(109) نائبة: راجعة.

(110) الخلد: البال، و القلب، و النفس، الجمع: أخلاد، يقال: لم يدر في خلدي كذا، أي: في بالي و قلبي. و وقع ذلك فى خلدي: أي في قلبي.

(111) أرصن: أوزن و أثبت. و الرّصين: المحكّم المتين.

(112) هود: النبي (عليه السلام) ورد ذكره في القرآن الكريم في 10 مواضع.

(113) للّه درّك: ما اعقلك.

71

1- ..........

قال: نعم خرجت و أنا في عنفوان شبيبتي‏ (114)، في أغيلمة (115) من الحيّ، و نحن نريد أن نأتي قبره لبعد صيته فينا، و كثرة من يذكره منّا، فسرنا في بلاد الأحقاف أياما، و معنا رجل قد عرف الموضع، فانتهينا إلى كثيب‏ (116) أحمر، فيه كهوف كثيرة، فمضى بنا الرجل إلى كهف منها، فدخلناه فأمعنّا فيه طويلا، فانتهينا إلى حجرين، قد أطبق أحدهما على الآخر، و فيه خلل يدخل منه الرجل النّحيف متجانفا (117)، فدخلته، فرأيت رجلا على سرير شديد الأدمة (118)، طويل الوجه، كثّ اللحية، و قد يبس على سريره، فإذا مسست شيئا من بدنه أصبته صليبا، لم يتغيّر، و رأيت عند رأسه كتابا بالعربية:

أنا هود النّبيّ الذي أسفت على عاد بكفرها، و ما كان لأمر اللّه من مردّ.

فقال لنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: كذلك سمعته من أبي القاسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)(119).

____________

(114) عنفوان شبيبتي: أول شبابي، في نشاطي وحدّته.

(115) أغيلمة: تصغير غلام.

(116) الكثيب: التل من الرّمل، الجمع: أكثبة و كثبان، و كثب.

(117) المتجانف: المائل.

(118) الأدمة: السّمرة.

(119) معجم البلدان: 1/ 115- 116.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

[2 بكّه يثرب الجودي طوى بابل عرم سد الألى‏]

2 بكّه يثرب الجودي طوى بابل عرم سد الألى‏

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

2-

و بكّة يثرب الجودي ثمّ طوى‏* * * و بابل عرم سدّ الألى خافوا

2

[بكّة]: قال اللّه تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ (1).

* بكّة: هي مكّة بيت اللّه الحرام، أبدلت الميم باء، و قيل: بكة بطن مكة. و قيل: موضع البيت المسجد و مكة و ما وراءه. و قيل: البيت مكة، و ما ولاه بكة.

قال ابن الكلبي: سمّيت مكة لأنها بين جبلين بمنزلة المكّوك.

و قال أبو عبيدة: بكّة اسم لبطن مكة، و ذلك أنهم كانوا يتباكّون‏ (2) فيه.

و روى عن مغيرة عن إبراهيم قال: مكة موضع البيت، و بكة موضع القرية.

و قال عمرو بن العاص: إنّما سميت بكة لأنها تبكّ أعناق الجبابرة.

و قال يحيى بن أبي أنيسة: بكة موضع الكعبة و المسجد، و مكة ذو طوى‏ (3).

____________

(1) سورة آل عمران الآية 96.

(2) يتباكون: يزدحمون.

(3) معجم البلدان: 1/ 475.

76

2- ..........

و قال أبو بكر بن الأنباري: سميت مكة لأنها تمكّ الجبّارين أي تذهب نخوتهم.

و يقال: إنما سميت مكة لازدحام الناس بها من قولهم:

قد امتكّ الفصيل ضرع أمه إذا مصّه مصا شديدا.

و سميت بكة لازدحام الناس بها، قاله أبو عبيدة و أنشد:

إذا الشريب أخذته أكّه‏* * * فخلّه حتى يبكّ بكّه‏

و يقال: مكة اسم المدينة و بكة اسم البيت.

و قال آخرون: مكة هي بكة و الميم بدل من الباء كما قالوا: ما هذا بضربة لازب و لازم.

قال الشرقي بن القطاميّ، إنما سميت مكة لأن العرب في الجاهلية كانت تقول: لا يتمّ حجّنا حتى نأتي مكان الكعبة منمكّ فيه. أي نصفر صفير المكاء حول الكعبة، و كانوا يصفرون و يصفقون بأيديهم إذا طافوا بها.

قال أعرابي ورد الحضر، فرأى مكاء (4) يصيح، فحنّ إلى بلاده فقال:

ألا أيها المكاء ما لك ههنا* * * ألاء و لا شيح فأين تبيض‏

فاصعد إلى أرض المكاكي و اجتنب‏* * * قرى الشام لا تصبح و أنت مريض‏

و قال قوم: سميت مكة لأنها بين جبلين مرتفعين عليها و هي في هبطة بمنزلة المكوك‏

و المكاكي و الصّحاف من الفضّ* * * ة و الضامرات تحت الرحال‏

(5).

____________

(4) المكاء: طائر يأوي الرياض.

(5) المكوك: عربي أو معرب قد تكلمت به العرب، و جاء في أشعار الفصحاء، قال الأعشى:

و المكاكي و الصّحاف من الفضّ* * * ة و الضامرات تحت الرحال‏

77

2- ..........

أما قولهم: إنما سميت مكة لازدحام الناس فيها. و يقال أيضا: سميت مكة لأنها عبّدت الناس فيها فيأتونها من جميع الأطراف.

و قال آخرون: سميت مكة لأنها لا يفجر بها أحد إلا بكّت عنقه فكان يصبح و قد التوت عنقه. قال بعضهم:

يا مكة الفاجر مكي مكّا،* * * و لا تمكي مذحجا و عكّا

مكة في القرآن الكريم:

سماها اللّه تعالى أم القرى فقال: وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها (6).

و سماها اللّه تعالى البلد الأمين في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (7). و قال تعالى: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ. وَ طُورِ سِينِينَ. وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (8). و قال تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام): رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ (9).

و سماها اللّه تعالى البيت العتيق لقوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (10).

و سماها اللّه تعالى البيت المحرم. فيقول على لسان إبراهيم عليه‏

____________

(6) سورة الأنعام الآية 92.

(7) سورة البلد الآيتان 1- 2.

(8) سورة التين الآيات 1- 2- 3.

(9) سورة إبراهيم الآية 35.

(10) سورة الحج 29.

78

2- ..........

السلام: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ (11).

و لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة وقف على الحزورة (12) و قال: «إنّي لأعلم أنّك أحبّ البلاد إليّ و أنك أحب أرض اللّه إلى اللّه، و لو لا المشركين أخرجوني منك ما خرجت» (13).

و قالت السيدة عائشة رضي اللّه عنها: لو لا الهجرة لسكنت مكة فإني لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة، و لم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة.

و قال ابن أم مكتوم و هو آخذ بزمام ناقة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يطوف:

يا حبّذا مكة من وادي‏* * * أرض بها أهلي و عوّادي‏

أرض ترسّخ بها أوتادي‏* * * أرض بها أمشي بلا هادي‏

و لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة هو و أبو بكر و بلال فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:

كلّ امرى‏ء مصبّح في أهله،* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏ (14)

____________

(11) سورة إبراهيم 37.

(12) الحزورة: سوق بمكة، و دخلت في المسجد لما زيد، و باب الحزورة معروف من أبواب المسجد الحرام، و العامة تقول: باب عزورة.

(13) أخرجه ابن حجر العسقلاني في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: 125.

(14) الشراك: سير النعل على ظهر القدم، الجمع: شرك، و أشرك.

79

2- ..........

و كان بلال بن رباح رضي اللّه عنه إذا انقشعت عنه رفع عقيرته و قال:

بفخّ و عندي إذخر و جليل؟* * *ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة

و هل يبدون لي شامة و طفيل؟* * *و هل أردن يوما مياه مجنّة

و وقف رسول اللّه عام الفتح على جمرة العقبة و قال: و اللّه إنك لخير أرض، و إنك لأحب أرض اللّه إليّ، و لو لم أخرج ما خرجت، إنها لم تحل لأحد كان قبلي، و لا تحلّ لأحد كان بعدي، و ما احلّت لي إلّا سّاعة من نهار، ثم هي حرام لا يعضد (17) شجرها و لا يحتش‏ (18) خلالها، و لا تلتقط ضالتها إلا لمنشد، فقال رجل: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا الأذخر، فإنه لبيوتنا و قبورنا.

فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «إلا الأذخر» (19).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من صبر على حرّ مكة ساعة تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام، و تقرّبت منه الجنة مائتي عام» (20).

____________

(15) الفخ: واد بمكة قتل فيه الحسين بن علي بن الحسن يوم التروية سنة 169 و قتل جماعة من أهل بيته، و فيه دفن عبد اللّه بن عمر و جماعة من الصحابة. قال الشاعر:

صرعى بفخّ تجرّ الريح فوقهم‏* * * أذيالها و غوادي دلج المزن‏

حتى عفت أعظم لو كان شاهدها* * * محمد ذبّ عنها ثم لم يهن‏

الأذخر: أو الأذاخر: موضع بأعلى مكة، منه دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ضربت هناك قبته.

(16) مجنة: اسم سوق للعرب كانت في الجاهلية، و قيل: مجنة بلد على أميال من مكة. شامة:

جبل قرب مكة يجاوره جبل طفيل. طفيل: جبل على نحو عشرة فراسخ من مكة. (مراصد الاطلاع: 2/ 888).

(17) يعضد شجرها: يفت.

(18) يحتش: يقال: حش على غنمه: ضرب أغصان الشخر لينتشر ورقه.

(19) معجم البلدان: 5/ 183.

(20) معجم البلدان: 5/ 183.

80

2- ..........

و من فضائل مكة أنه من دخلها كان آمنا، و من أحدث في غيرها من البلدان حدثا ثم لجأ إليها فهو آمن، و من أحدث فيها حدثا أخذ بحدثه.

و من شرفها أنها كانت لقاحا لا تدين لدين الملوك، و لم يؤدّ أهلها إتاوة (21)، و لا ملكها ملك قط من سائر البلدان، تحجّ إليها ملوك حمير و كندة و غسان و لخم فيدينون للحمس‏ (22) من قريش، و يرون تعظيمهم و الاقتداء بآثارهم مفروضا و شرفا عندهم عظيما. و كان أهلها آمنين يغزون الناس و لا يغزون، و يسبون و لا يسبون، و لم تسب قرشية قط فتوضأ قهرا، و لا يجال عليها السّهام. و قد ذكر عزهم و فضلهم الشعراء فقال بعضهم:

أبوا دين الملوك فهم لقاح‏* * * إذا هيجوا إلى حرب أجابوا

و قال الزبرقان بن بدر (23) لرجل من بني عوف كان قد هجا أبا جهل‏ (24)

____________

(21) الأتاوة: الجزية.

(22) الحمس: قبيلة قريش من تابعها في الجاهلية، لتشددها في الدين.

(23) الزبرقان بن بدر: التميمي السعدي، صحابي، من رؤساء قومه، قيل اسمه الحن و لقّب‏

بالزبرقان و هو من أسماء القمر، لحسن وجهه، ولاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صدقات قومه فثبت إلى زمن‏

عمر، و كفّ بصره في آخر عمره، و توفي في أيام معاوية، كان فصيحا شاعرا، فيه جفاء الاعراب‏

قال ابن حزم: و له عقب بطلبيرة لهم بها تقدم و كانوا أول نزولهم بالأندلس نزلوا بقرية ضخمة

سميت الزبارقة توفي سنة 45 ه الموافق 665 م، (انظر: الإصابة في معرفة الصحابة:

1/ 543، و ذيل المذيل: 32، و جمهرة الأنساب: 208، و خزانة البغدادي: 1/ 531، و عيون الأخبار: 1/ 226، و الأعلام: 3/ 41).

(24) أبو جهل: هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عداوة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) في صدر الإسلام، و أحد سادات قريش و أبطالها و دهاتها في الجاهلية. قال صاحب عيون الأخبار:

سوّدت قريش أبا جهل و لم يطرّ شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول، أدرك الإسلام، و كان يقال-

81

2- ..........

و تناول قريشا:

أتدري من هجوت أبا حبيب‏* * * سليل خضارم سكنوا البطاحا

أزاد الركب تذكر أم هشاما* * * و بيت اللّه و البلد اللّقاحا؟

و قال حرب بن أميّة (25) و دعا الحضرمي‏

و كل أخ مفارقه أخوه،* * * لعمر أبيك، إلا القرقدان‏

(26) إلى نزول مكة و كان‏

____________

- له «أبو الحكم» فدعاه المسلمون «أبو جهل». سأله الأخنس بن شريق الثقفي و كانا قد استمعا شيئا من القرآن، ما رأيك يا أبا الحكم في ما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا، و أعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب و كنا كفرسي رهان قالوا منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، و اللّه لا نؤمن به أبدا و لا نصدقه. و استمر على عناده، يثير الناس على محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه، لا يفتر عن الكيد لهم و العمل على إيذائهم، حتى كانت وقعة بدر الكبرى، فشهدها مع المشركين، فكان من قتلاها: (انظر: الكامل لابن الأثير: 1/ 23 و 25 و 26 و 27 و 32 و 33 و 38 و 40 و 45 و 46 و 47، و عيون الأخبار: 1/ 230، و السيرة الحلبية: 2/ 33، و دائرة المعارف الإسلامية: 1/ 322، و إمتاع الأسماع: 1/ 18، و الأعلام: 5/ 87).

(25) حرب بن أمية بن عبد شمس، من قريش، كنيته أبو عمرو، من قضاة العرب في الجاهلية، و من سادات قومه، و هو جد معاوية بن أبي سفيان بن حرب، كان معاصرا لعبد المطلب بن هاشم، و شهد حرب الفجار، و مات بالشام، و تزعم العرب أن الجن قتلته بثأر حية. قال زياد بن أنعم المعافري لعبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما: هل كنتم معاشر قريش تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي؟ قال: نعم. قال: فمن علمكم؟ قال: حرب بن أمية. (انظر: المحبة: 132 و 165 و 173، و تاريخ اليعقوبي: 1/ 215، و الأعلام: 2/ 172.

(26) الحضرمي: هو الحضرمي بن عامر بن مجمّع الأسدي من خزيمة، صحابي، من الشعراء الفصحاء الفرسان، حضر حرب الأعاجم في أيام عمر بن الخطاب فأنشده أبياتا حسنة و هو صاحب الأبيات التي منها:

و كل أخ مفارقه أخوه،* * * لعمر أبيك، إلا القرقدان‏

(انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 341، و خزانة البغدادي: 2/ 55، و الأعلام: 2/ 263).

82

2- ..........

الحضرمي قد حالف بني نفّاثة و هم حلفاء حرب بن أمية، و أراد الحضرمي أن ينزل خارجا من الحرم، و كان يكنّى أبا مطر فقال حرب:

أبا مطر هلمّ إلى الصلاح‏* * * فيكفيك النّدامى من قريش‏

و تنزل بلدة عزّت قديما،* * * و تأمن أن يزورك ربّ جيش‏

فتأمن وسطهم و تعيش فيهم،* * * أبا مطر هديت، بخير عيش‏

ألا ترى كيف يؤمّنه إذا كان بمكة؟

و مما زاد في فضلها و فضل أهلها و مباينتهم العرب أنهم كانوا حلفاء متألفين و متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم (عليه السلام)، و لم يكونوا كالأعراب الأجلاف و لا كمن يوقره دين و لا يزينه أدب، و كانوا يختنون أولادهم، و يحجون البيت، و يقيمون المناسك و يكفنون موتاهم، و يغتسلون من الجنابة، و تبرأوا من الهربذة (27)، و تباعدوا في المناكح من البنت و بنت البنت و الأخت و بنت الأخت غيرة و بعدا من المجوسية (28)، و نزل القرآن بتوكيد صنيعهم و حسن اختيارهم، و كانوا يتزوجون بالصّداق و الشهود، و يطلقون ثلاثا، و لذلك قال عبد اللّه بن عباس و قد سأله رجل عن طلاق العرب فقال:

كان الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم هو أحقّ بها، فإن طلقها اثنتين فهو أحق بها أيضا، فإن طلقها ثلاثا فلا سبيل له إليها، و لذلك قال الأعشى‏ (29).

____________

(27) الهربذة: سار سيرا.

(28) المجوس: قوم يعبدون النار و الشمس و القمر.

(29) ديوان الاعشى.

83

2- ..........

أيا جارتي بيني فإنك طالقه‏* * * كذاك أمور الناس غاد و طارقه‏

و بيني فقد فارقت غير ذميمة* * * و موموقة منّا كما أنت وامقه‏ (30)

و بيني فإنّ البين خير من العصا* * * و أن لا تري لي فوق رأسك بارقه‏

و مما زاد في شرفهم أنهم كانوا يتزوجون في أي القبائل شاؤوا، و لا شرط عليهم في ذلك، و لا يزوجون أحدا حتى يشرطوا عليه في ذلك بأن يكون متحمسا على دينهم، يدين لهم، و ينتقل إليهم.

كذلك كلّفوا العرب أن تفيض‏ (31) من مزدلفة (32)، و قد كانت تفيض من عرفة أيام كان الملك في جرهم‏ (33) و خزاعة (34) و صدرا من أيام قريش،

____________

(30) موموقة: مصدر ومق أي: محبوبة، والمقة: المحبة.

(31) تفيض: أفاض الحجاج من عرفات إلى منى: انصرفوا إليها بعد انقضاء الموقف.

(32) مزدلفة: بقعة من عرفات و منى، يبيت فيها الحجيج بعد أن يفيضوا من عرفات، و هي من المناسك، و على الحاج أن يصلي صلوات المغرب و العشاء من 9 ذي الحجة و الصبح من 10 منه، و لا يصح أن يفوتها الحاج.

(33) جرهم: قبيلة عربية يرجع نسبها إلى جدهم الجاهلي جرهم بن قحطان، كان له و لبنيه ملك الحجاز، و لما بني البيت الحرام بمكة كان لهم أمره، و أول من وليه منهم الحارث بن مضاض، إلى أن غلبتهم عليه خزاعة، فهاجروا عائدين إلى اليمن. (انظر: نهاية الأرب للقلقشندي:

178، و المقتطف: 40/ 465، و مجلة الزهراء: 5/ 460- 474، و الأعلام: 2/ 118).

(34) خزاعة: قبيلة عربية يرجع نسبها إلى خزاعة من بني عمرو بن لحيّ من مزيقياء من الأزد، من قحطان، اختلف النسابون في اسمه، و في النسابين من يجعلهم عدنانيين من حضر، و الأكثر على أنهم قحطانيون. كانت منازلهم بقرب الأبواء (بين مكة و المدينة) و في وادي غزال و وادي دوران و عسفان في تهامة الحجاز، و رحل بعضهم إلى الشام و عمان، و هم بطون كثيرة، صنمها في الجاهلية (ذو الكفين) تشاركها في قبائل دوس. قال المسعودي: كانت ولاية بيت الحرام في-

84

2- ..........

فلو لا أنهم أمنع حيّ من العرب لما أقرّتهم العرب على هذا العزّ و الإمارة مع نخوة العرب في إبائها، كما أجلى قصيّ‏ (35) خزاعة و خزاعة جرهما، فلم تكن عيشتهم عيشة العرب، يأكلون الحشرات، و هم الذين هشموا الثّريد (36) حتى قال فيهم الشاعر:

عمرو العلى هشّم الثريد لقومه،* * * و رجال مكة مسنتون عجاف‏ (37)

____________

- خزاعة ثلاثمائة سنة. (انظر: 1/ 368، و مروج الذهب: 1/ 208، و المحبر: 318، و معجم قبائل العرب: 1/ 338، و الأعلام: 2/ 304).

(35) قصي: هو قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، سيد قريش في عصره و رئيسهم، قيل: هو أول من كان له ملك من بني كنانة، و هو الأب الخامس في سلسلة النسب النبوي، مات أبوه و هو طفل، فتزوجت أمه برجل من بني عذرة، فانتقل بها إلى أطراف الشام، فشب في حجره، و سمي قصيا لبعده عن قومه. و لما كبر عاد إلى الحجاز، و كان موصوفا بالدهاء، و ولي البيت الحرام، فهدم الكعبة و جدد بنيانها، و حاربته القبائل، فجمع قومه من الشعاب و الأودية و أسكنهم مكة لتقوى بهم عصبيته، فلقبوه مجمّعا، و كانت له الحجابة و السقاية و الرفادة و الندوة و اللواء، و كانت قريش تتيمن برأيه، فلا تبرم أمرا إلا في داره، و هو الذي أحدث وقود النار في المزدلفة ليراها من دفع من عرفة، مات بمكة و دفن بالحجون. (انظر: طبقات ابن سعد: 1/ 36- 42، و تاريخ الطبري: 2/ 181، و اليعقوبي: 1/ 196، و الكامل لابن الأثير: 2/ 7، و المحبر: 164، و السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 42، و تاريخ الخميس: 1/ 153، و السيرة الحلبية: 1/ 16، و تاريخ الكعبة: 47، و الروض الأنف: 1/ 84، و سمط اللآلي: 950، و الأعلام: 5/ 198- 199).

(36) الثريد: الخبز المفتوت يبل بالمرق، الجمع: ثرائد.

(37) مسنتون: مصدر سنت، و أسنت القوم: أصابتهم سنة مجدبة فهم مسنتون. عجاف: هزال.

85

2- ..........

و هذا عبد اللّه بن جدعان‏

أ أذكر حاجتي أم قد كفاني‏* * * حياؤك؟ إن شبمتك الحياء

(38) التيمي يطعم الرّغو (39) و العسل و السّمن و لبّ البرّ حتى قال فيه أمية بن أبي الصلت‏ (40):

له داع بمكة مشمعلّ‏* * * و آخر فوق دارته ينادي‏ (41)

إلى ردح من الشّيزى ملاء* * * لباب البرّ يلبك بالشّهاد (42)

و أول من عمل الحريرة (43) سويد بن هرميّ، و لذلك قال الشاعر لبني مخزوم‏ (44):

و علمتم أكل الحريرة و أنتم‏* * * أعلى عداة الدّهر جدّ صلاب‏

____________

(38) عبد اللّه بن جدعان: التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبل النبوة، و كانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم و الراكب، فوقع فيها صبي فغرق، و هو الذي خاطبه أمية بن أبي الصلت بأبيات اشتهر منها قوله:

أ أذكر حاجتي أم قد كفاني‏* * * حياؤك؟ إن شبمتك الحياء

(انظر: الأغاني ج 3 و 4 و 8 و 19، و خزانة البغدادي: 3/ 537، و المحبر: 137، و تاريخ اليعقوبي: 1/ 215، و الأعلام: 4/ 76).

(39) الرغو: زبد اللبن الذي يعلوه عند غليانه.

(40) ديوان أمية بن أبي الصلت.

(41) مشمعل: مرتفع و مشرف، و شمعل: خفّ و طرب.

(42) الشيزى: خشب أسود تعمل منه الأمشاط.

(43) الحريرة: أن تنصب القدر للحم يقطع صغارا على ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، فإن لم يكن لحم فهو عصيدة.

(44) مخزوم: قبيلة عربية يرجع نسبها إلى جدهم الجاهلي مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب من قريش، من نسله خالد بن الوليد، و أبو جهل، و سعيد بن المسيب و كثيرون.

(انظر: سبائك الذهب: 63، و التاج: 5/ 267، و جمهرة الأنساب: 131- 140، و معجم قبائل العرب: 1058، و الأعلام: 7/ 193).

86

2- ..........

و فضائل قريش كثيرة، و لقد بلغ من تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجّون البيت و يعتمرون و يطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرا من حجارة الحرم، فنحته على صورة أصنام البيت فيحض به في طريقه و يجعله قبلة و يطوفون حوله و يتمسحون به و يصلّون له تشبيها له بأصنام البيت، و أفض بهم الأمر بعد طول المدة أنهم كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه، فذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة.

قال أهل الإتقان من أهل السّير (45): إن إبراهيم الخليل لما حمل ابنه اسماعيل (عليهما السلام)، إلى مكة، جاءت جرّهم و قطوراء و هما قبيلتان من اليمن و هما ابنا عمّ، و هما جرهم بن عامر بن سبأ بن يقطن بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام).

فرأيا بلدا ذا ماء و شجر فنزلا، و نكح اسماعيل في جرهم، فلما توفي ولي البيت بعده نابت بن إسماعيل و هو أكبر ولده ثم ولي بعده مضاض بن عمرو الجرهمي خال ولد إسماعيل ما شاء اللّه أن يليه.

ثم تنافست جرهم و قطوراء في الملك و تداعوا للحرب فخرجت جرهم من قيقعان‏ (46) و هي أعلى مكة و عليهم مضاض بن عمرو، و خرجت قطوراء من أجياد

هيهات من أمة الوهّاب منزلنا* * * لما نزلنا بسيف البحر من عدن‏

و جاورت أهل أجياد فليس لنا* * * منها سوى الشوق أو حظ من الحزن‏

(47) و هي أسفل مكة و عليهم السّميدع، فالتقوا بفاضح‏ (48) و اقتتلوا

____________

(45) معجم البلدان: 5/ 185.

(46) قيقعان: منطقة تقع في أعلى مكة سمي هكذا لقعقعة السلاح فيه.

(47) أجياد: جبل بمكة قال عمر بن أبي ربيعة:

هيهات من أمة الوهّاب منزلنا* * * لما نزلنا بسيف البحر من عدن‏

و جاورت أهل أجياد فليس لنا* * * منها سوى الشوق أو حظ من الحزن‏

(48) موضع قرب مكة عند أبي قبيس، كان الناس يخرجون إليه لحاجتهم.

87

2- ..........

قتالا شديدا، فقتل السميدع، و انهزمت قطوراء فسمي الموضع فاضحا، لأن قطوراء افتضحت فيه، و سميت أجيادا أجيادا لما كان معهم من جياد الخيل، و سميت قيقعان لقعقعة السلاح، ثم تداعوا إلى الصلح و اجتمعوا في الشعب‏ (49) و طبخوا القدور فسمي الطابخ.

قالوا: و نشر اللّه ولد إسماعيل فكثروا و ربلوا (50) ثم انتشروا في البلاد لا يناوئون قوما إلا ظهروا عليهم بدينهم، ثم إن جرهما بغوا بمكة، فاستحلّوا حراما من الحرمة، فظلموا من دخلها، و أكلوا مال الكعبة، و كانت مكة تسمى النّسّاسة لا تقرّ ظلما و لا بغيا و لا يبغي فيها أحد على أحد إلا أخرجته. فكان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة بن غسان و خزاعة حلولا حول مكة، فآذنوهم بالقتال، فاقتتلوا فجعل الحارث بن عمرو بن مضاض الأصغر يقول:

لا هم إنّ جرهما عبادك،* * * الناس طرف و هم تلادك‏

فغلبتهم خزاعة على مكة و نفتهم عنها، ففي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض الأصغر:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

و لم يتربّع واسطا مجنوا به‏* * * إلى السرّ من وادي الأراكة حاضر

بلى، نحن كنّا أهلها فأبادنا* * * صروف الليالي الجدود العواثر

و أبدلنا ربي بها دار غربة* * * بها الجوع باد و العدوّ المحاصر

و كنا ولاة البيت من بعد نابت‏* * * نطوف بباب البيت و الخير ظاهر

____________

(49) الشعب: واد بين مكة و المدينة يصبّ في وادي الصفراء.

(50) ربلوا: ربلت المرأة: كثر لحمها، و الربالة: كثرة اللحم، و الرابلة: لحمة الكتف، الجمع:

روابل، تربل الجسم: غلظ و نما.

88

2- ..........

فأخرجنا منها المليك بقدرة،* * * كذلك ما بالناس تجري المقادر

نصرنا أحاديثا و كنا بغبطة* * * كذلك عضتنا السنون الغوابر

و بدّلنا كعب بها دار غربة* * * بها الذئب يعوي و العدوّ المكاثر

فسحّت دموع العين تجري ليلدة* * * بها حرم أمن و فيها المشاعر

ثم وليت خزاعة البيت ثلاثمائة سنة يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة و هو خزاعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء الخزاعي، و قريش إذ ذاك هم صريح ولد إسماعيل حلول و صرم‏ (51) و بيوتات متفرقة حوالي الحرم، إلى أن أدرك قصي بن كلاب بن مرة و تزوج حبّى بنت حليل بن حبشية، و ولدت له بنيه الأربعة و كثر ولده و عظم شرفه، ثم هلك حليل بن حبشية، و أوصى إلى ابنه المحترش أن يكون خازنا للبيت، و أشرك معه غبشان الملكاني، فيقال إن قصيا سقى المحترش الخمر و خدعه حتى اشترى البيت منه بدنّ‏ (52) خمر، و أشهد عليه و أخرجه من البيت، و تملّك حجابته، و صار ربّ الحكم فيه.

فقصيّ أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل، و ذلك في أيام المنذر بن النعمان على الحيرة، و الملك لبهرام جور في الفرس، فجعل قصي مكة أرباعا، و بنى بها دار النّدّوة فلا تزوج امرأة إلا في دار الندوة، و لا يعقد لواء، و لا يعذر غلام، و لا تدرّع جارية إلا فيها، و سميت الندوة لأنهم كانوا ينتدون فيها للخير و الشر، فكانت قريش تؤدي الرفادة إلى قصي. و هو

____________

(51) الصرم: القطعة من الشي‏ء.

(52) الدّنّ: الجرة الضخمة للخمر و الزيت و الخل و غيرها، الجمع: دنان.

89

2- ..........

خرج يخرجونه من أموالهم يترافدون فيه فيصنع طعاما و شرابا للحاج أيام الموسم، و كانت قبيلة من جرهم اسمها صوفة بقيت بمكة تلي الإجازة بالناس من عرفة مدة، و فيهم يقول الشاعر:

و لا يريمون في التعريف موقعهم‏* * * حتى يقال أجيزوا آل صوفانا

ثم أخذتها منهم خزاعة، و أجازوا مدة ثم غلبهم عليها بنو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، و صارت إلى رجل منهم يقال له أبو سيّارة أحد بني سعد بن وابش بن زيد بن علوان و له يقول الراجز:

خلوا السبيل عن أبي سيّاره‏* * * و عن مواليه بني فزاره‏

حتى يجيز سالما و جماره‏* * * مستقبل الكعبة يدعو جاره‏

و كانت صورة الإجازة أن يتقدّمهم أبو سيّارة على حماره ثم يخطبهم فيقول:

اللهم أصلح بين نسائنا، و عاد بين رعائنا، و اجعل المال في سمحائنا، و أوفوا بعهودكم، و أكرموا جاركم، و أقرّوا ضيفكم، ثم يقول: اشرق ثبير كيما نغير. ثم ينفذ و يتبعه الناس.

فلما قوي قصي أتى أبا سيارة و قومه فمنعه من الإجازة، و قاتلهم عليها، فهزمهم و صار إلى قصيّ البيت، و الرّفادة، و السقاية، و الندوة، و اللواء.

و لما كبر قصيّ ورقّ عظمه، جعل الأمر في ذلك كله إلى ابنه عبد الدار (53) لأنه أكبر ولده، و هلك قصيّ و بقيت قريش على ذلك زمانا، ثم إن‏

____________

(53) عبد الدار: بن قصي بن كلاب بن مرة، من قريش، جد جاهلي، كان يعد من حمق

المنجبين،-

90

2- ..........

عبد مناف‏ (54) رأى في نفسه و ولده من النباهة و الفضل ما دلّهم على أنهم أحق من عبد الدار بالأمر، فأجمعوا على أخذ ما بأيديهم، و همّوا بالقتال، فمشى أكابرهم و تداعوا إلى الصلح على أن يكون لعبد مناف السقاية و الرفادة، و أن تكون الحجابة و اللواء و الندوة لبني عبد الدار، و تعاقدوا على ذلك حلفا مؤكدا لا ينقضونه ما بلّ بحر صوفة.

فأخرجت بنو عبد مناف و من تابعهم من قريش و هم بنو الحارث بن فهر، و أسد بن عبد العزّى‏ (55)، و زهرة بن كلاب‏ (56)، و تيم بن مرّة (57)،

____________

- جعل له أبوه الحجابة و الندوة و السقاية و الرفادة و اللواء، و توارثها أبناؤه، إلى أن اعتدى عليهم بنو عمهم عبد دنان بن قصي، فأرادوا انتزاعها منهم، فانقسمت قريش أحلافا، و نحر بنو عبد الدار و أنصارهم جزورا، و غمسوا أيديهم في دمه متعاهدين، و لعق أحدهم من ذلك الدم، و تابعه من كان معه، فسموا لعقة الدم، ثم اصطلحوا على أن تكون لبني عبد مناف السقاية و الرفادة، و لبني عبد الدار اللواء و الحجابة. (انظر: المحبر: 166 و 379، و نسب قريش: 250- 256، و جمهرة الأنساب: 116- 119، و نهاية الأرب: 274، و اللباب: 2/ 112، و الأعلام: 3/ 292).

(54) عبد مناف: بن قصي بن كلاب، من قريش، من عدنان، من أجداد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، كان يسمى قمر البطحاء. و كان له أمر قريش بعد موت أبيه. بنوه: المطلب، و هاشم، و عبد شمس، و نوفل، و أبو عمرو، و أبو عبيد. مات بمكة. (انظر: طبقات ابن سعد: 1/ 42، و تاريخ الطبري:

2/ 181، و تاريخ اليعقوبي: 1/ 199، و الكامل لابن الأثير: 2/ 7، و المحبر: 164، و الأعلام:

4/ 166).

(55) أسد بن عبد العزى: بن قصي من أجداد العرب في الجاهلية، بنوه حي كبير من قريش، منهم حكيم بن حزام الصحابي و خديجة أم المؤمنين، و ورقة بن نوفل، و كانت تلبية بني أسد في الجاهلية إذا حجوا: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل الوفاء و الجلد إليك. (انظر:

سبائك الذهب: 66، و تاريخ اليعقوبي: 1/ 212، و جمهرة الأنساب: 108- 116، و الأعلام:

1/ 298).

(56) زهرة بن كلاب: بن مرة، من قريش من العدنانية، جد جاهلي، من ذريته بعض الصحابة، و جماعة كانوا في بلاد الأشمونيين و ما حولها من صعيد مصر: (انظر: نهاية الأرب: 228، و اللباب: 1/ 513، و الأعلام: 3/ 51).

(57) تيم بن مرة: بن كعب بن لؤي من قريش، جد جاهلي، من نسله أبو بكر الصديق، و طلحة.

(انظر سبائك الذهب 64، و الأعلام: 2/ 95).

91

2- ..........

جفنة (58) مملوءة طيبا و غمسوا فيها بأيديهم و مسحوا بها الكعبة توكيدا على أنفسهم فسمّوا المطيبين، و أخرجت بنو عبد الدار و من تابعهم و هم: مخزوم بن يقظة (59)، و جمح‏ (60)، و سهم‏ (61)، و عدي بن كعب‏ (62) جفنة مملوءة دما و غمسوا فيها أيديهم و مسحوا بها الكعبة، فسموا الأحلاف و لعقة الدم، و لم يل الخلافة منهم غير عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و الباقون من المطّيبين فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام و قريش على ذلك، حتى فتح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكة سنة ثمان للهجرة، فأقرّ المفتاح في يد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن‏

____________

(58) الجفنة: القصعة العظيمة، الجمع: جفان، و جفنات، و جفّن.

(59) مخزوم بن يقظة: بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب من قريش، جد جاهلي من نسله خالد بن الوليد، و أبو جهل، و سعيد بن المسيب. (انظر: سبائك التاج: 63، و التاج: 5/ 267، و جمهرة الأنساب: 131- 140، و معجم قبائل العرب: 1058، و الأعلام: 7/ 193).

(60) جمح: بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، جد جاهلي بنوه بطن من قريش، و هم كثيرون اشتهر منهم قبل الإسلام و بعده جماعات. (انظر: نهاية الأرب للقلقشندي: 183، و جمهرة الأنساب: 150- 154، و اللباب: 1/ 236، و الأعلام: 2/ 136).

(61) سهم: بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، جد جاهلي، من قريش، بنوه عدة بطون، من ذريته عمرو بن العاص، و كثيرون. (انظر: جمهرة الأنساب: 154، و اللباب: 1/ 580، و نهاية الأرب للقلقشندى: 245، و الأعلام: 3/ 144).

(62) عدي بن كعب: بن لؤي بن غالب بن فهد، من قريش، من عدنان، جد جاهلي، من نسله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و كثيرون. (انظر: نهاية الأرب: 291، و اللباب: 2/ 126، و جمهرة الأنساب: 140- 149، و معجم قبائل العرب: 766، و الأعلام: 4/ 221).

92

2- ..........

عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار (63)! و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أخذ المفاتيح منه عام الفتح، فأنزلت: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (64).

فاستدعاه وردّ المفاتيح إليه، و أقر السقاية في يد العباس‏ (65) فهي في أيديهم إلى الآن‏ (66).

____________

(63) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة عبد اللّه: القرشي العبدري، من بني عبد الدار، صحابي، كان حاجب البيت الحرام: أسلم مع خالد بن الوليد في صلح الحديبية، و شهد فتح مكة، فدفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مفتاح الكعبة إليه و إلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، ثم سكن المدينة، و مات فيها سنة 42 ه الموافق 662 م. (انظر: امتاع الاسماع: 1/ 385 و 387، و الإصابة الترجمة رقم: 5442، و الاستيعاب على هامش الإصابة: 3/ 92، و النوري: 1/ 320، و الأعلام: 4/ 207).

(64) سورة النساء الآية 58.

(65) العباس: بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، من أكابر قريش في الجاهلية و الإسلام، و جد الخلفاء العباسيين. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في وصفه: «أجود قريش كفا و أوصلها، هذا بقية آبائي». و هو عمه، كان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرقّ، اشترى 70 عبدا و أعتقهم، و كانت له سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام (و هي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد و لا يقول فيه هجرا، ولد سنة 51 ق. ه الموافق 573 م، أسلم قبل الهجرة و كتم إسلامه، و أقام بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخبار المشركين، ثم هاجر إلى المدينة، و شهد وقعة حنين، فكان ممن ثبت حين انهزم الناس، و شهد فتح مكه، و عمي في آخر عمره، و كان إذا مرّ بعمر في أيام خلافته ترجّل عمر إجلالا له، و كذلك عثمان، و أحصي ولده في سنة 200 ه فبلغوا 33000، و كانت وفاته في المدينة عن عشرة أولاد ذكور سوى الإناث سنة 32 ه الموافق 653 م. و له في كتب الحديث 35 حديثا: (انظر: نكت الهميان: 175، و الإصابة، و طبقات ابن سعد، و صفة الصفوة: 1/ 203، و ذيل: 10، و ابن عساكر: 7/ 226، و تاريخ الخميس: 1/ 165، و المرزباني: 262، و المحبر: 63، و الأعلام:

3/ 262).

(66) معجم البلدان: 5/ 188.

93

2- ..........

[يثرب‏]: قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (67).

* يثرب: قال أبو القاسم الزجاجي: يثرب مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سميت بذلك لأن أول من سكنها عند التفرق يثرب بن قانية بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح (عليه السلام)، فلما نزلها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سمّاها طيبة و طابة كراهية للتثريب، و سميت مدينة الرسول لنزوله بها.

قال: و لو تكلّف متكلّف أن يقول في يثرب إنه يفعل من قولهم: لا تثريب عليكم اليوم أي لا تعيير و لا عيب كما قال اللّه يعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ‏ (68).

قال المفسرون و أهل الّلغة: معناه لا تعيير عليكم بما صنعتم.

و يقال: أصل التثريب الإفساد.

و يقال: ثرب علينا فلان. و في الحديث:

«إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها و لا يثرب» (69)، أي لا يعير بالزنا.

ثم اختلفوا فقيل: إنّ يثرب للناحية التي منها مدينة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم).

و قال آخرون: بل يثرب ناحية من مدينة النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(67) سورة الأحزاب الآية 13.

(68) سورة يوسف الآية 92.

(69) أخرجه أبو داود في سننه في الحديث رقم (4471). و أخرجه الدارقطني في سننه (3/ 161).

94

2- ..........

و لما حملت نائلة بنت الفرافصة (70) إلى عثمان بن عفان‏ (71) رضي اللّه‏

____________

(70) نائلة بنت الفرافصة: بنت الأحوص الكلبية، زوجة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، كانت خطيبة شاعرة من ذوات الرأي و الشجاعة، حملت إلى عثمان من بادية السماوة فتزوجها و أقامت معه في المدينة. و لما كان بدء الثورة عليه نصحته باستصلاح عليّ بن أبي طالب، و كان قد حذّره، فأرسل إليه يدعوه، فقال علي: قد أعلمته أني لست بعائد. و دخل المصريون دار عثمان، و بأيديهم السيوف فضربه أحدهم، فألقت نائلة نفسها على عثمان و صاحت بخادمها رباح، فقتل الرجل، و هجم آخر فوضع ذباب السيف في بطن عثمان، فأمسكت نائلة السيف فحز أصابعها، و قتل عثمان، فخرجت تستغيث، ففر القتلة، و أنشدت بعد دفنه بيتين في رثائه قيل: تمثلت بهما، و انصرفت إلى المسجد فخطبت في الناس تقول: «عثمان ذو النورين قتل مظلوما بينكم الخ ...» و هي خطبة طويلة، ثم كتبت إلى معاوية و هو في الشام، تصف دخول القوم على عثمان، و أرسلت إليه قميصه مضرجا بالدم و بعض أصابعها. المقطوعة، و لما سكنت الفتنة خطبها معاوية لنفسه فأبت، و حطمت أسنانها و قالت: إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، و أخاف أن يبلى حزني على عثمان فيطلع مني رجل على ما اطلع عليه عثمان. (انظر: نسب قريش: 105- 180، و المحبر: 294، 396، و بلاغات النساء: 70، و التاج: 4/ 415، و طبقات ابن سعد: 8/ 1355، و الدر المنثور: 516، و أعلام النساء: 3/ 1530، و الأعلام:

7/ 343).

(71) عثمان بن عفان: بن أبي العاص بن أمية من قريش، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين، من كبار الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره، ولد بمكة سنة 47 ق. ه الموافق 577 م، و أسلم بعد البعثة بقليل. كان غنيا شريفا في الجاهلية، و من أعظم أعماله في الإسلام تجهيزه جيش العسرة بماله، فبذل ثلاث مئة بعير بأقتابها و أحلاسها و تبرع بألف دينار، و صارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة 23 ه، فافتتحت في أيامه أرمينية و القوقاز و خراسان و كرمان و سجستان و إفريقية و قبرص، و أتم جمع القرآن، و كان أبو بكر الصديق قد جمعه و أبقى ما بأيدي الناس من الرقاع و القراطيس، فلما ولي عثمان طلب مصحف أبي بكر، فأمر بالنسخ عنه و أحرق كل ما عداه، و هو أول من زاد في-

95

2- ..........

سنه من الكوفة قالت تخاطب أخاها:

أحقا تراه اليوم يا ضبّ أنني‏* * * مصاحبة نحو المدينة اركبا؟ (72)

كان في فتيان حصن بن ضمضم‏* * * لك الويل ما يجري الخباء المحجّبا (73)

قضى اللّه حقا أن تموتي غريبة* * * بيثرب لا تلقين أمّا و لا أبا

قال ابن عباس رضي اللّه عنه: من قال للمدينة يثرب فليستغفر اللّه ثلاثا، إنما هي طيبة.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إليّ‏

____________

- المسجد الحرام، و مسجد الرسول، و قدّم الخطبة في العيد على الصلاة، و أمر بالأذان الأول يوم الجمعة، و اتخذ الشرطة، و أمر بكل أرض جلا أهلها عنها أن يستعمرها العرب المسلمون و تكون لهم، و اتخذ دارا للقضاء بين الناس، و كان أبو بكر و عمر يجلسان للقضاء في المسجد. روى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) 146 حديثا. نقم عليه الناس اختصاصه أقاربه من بني أمية بالولايات و الأعمال، فجاءته الوفود من الكوفة و البصرة و مصر، فطلبوا منه عزل أقاربه فامتنع، فحصروه في داره يراودونه على أن يخلع نفسه فلم يفعل، فحاصروه أربعين يوما، و تسوّر عليه بعضهم الجدار فقتلوه صبيحة عيد الأضحى و هو يقرأ القرآن في بيته سنة 35 ه الموافق 656 م. لقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رقية ثم أم كلثوم. (انظر: الكامل لابن الأثير: حوادث سنة 35، و غاية النهاية: 1/ 507، و شرح نهج البلاغة: 2/ 61، و البدء و التاريخ: 5/ 79 و 194- 208، و حلية الأولياء: 1/ 55، و تاريخ الطبري: 5/ 154، و صفة الصفوة: 1/ 112، و تاريخ الخميس: 2/ 254، المحبر: 377، و منهاج السنة: 2/ 186، و 3/ 165، و الرياض النضرة:

2/ 82- 152، و الإسلام و الحضارة العربية: 2/ 138، و الأعلام: 4/ 210).

(72) ضب: اسم شقيق نائلة بنت الفرافصة.

(73) الخباء: البيت من الشعر أو الوبر يقام على عمودين أو ثلاثة، و ما فوق ذلك فهو بيت، الجمع:

أخبية.

96

2- ..........

فأسكني أحب أرضك إليك‏ (74)». فأسكنه المدينة (75).

أسماء المدينة: للمدينة المنورة تسعة و عشرون إسما هي:

1- المدينة/ 2- طيبة/ 3- طابة

4- المسكينة/ 5- العذراء/ 6- الجابرة

7- المحبة/ 8- المحببة/ 9- المحبورة

10- يثرب/ 11- الناجية/ 12- الموفية

13- أكّالة البلدان/ 14- المباركة/ 15- المحفوفة

16- المسلمة/ 17- المجنة/ 18- القدسية

19- العاصمة/ 20- المرزوقة/ 21- الشافية

22- الخبيرة/ 23- المحبوبة/ 24- المرحومة

25- جابرة/ 26- المختارة/ 27- المحرمة

28- القاصمة/ 29- طبابة.

و روي في قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم): رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏ (76). قالوا: المدينة و مكة.

____________

(74) تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 74.

(75) معجم البلدان 5/ 430.

(76) سورة الإسراء الآية 80.

97

2- ..........

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من صبر على أوار (77) المدينة و حرّها كنت له شفيعا شهيدا» (78).

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل، فإنه من مات بها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (79).

و عن عبد اللّه بن الطّفيل قال: لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة و ثب على أصحابه و باء شديد، حتى أهمدتهم الحمّى فما كان يصلّي مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلّا اليسير منهم، فدعا لهم و قال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت مكة و اجعل ما كان بها من وباء بخمّ» (80). و في رواية أخرى قال (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة و أشدّ و صححها و بارك لنا في صاعها (81) و مدّها (82) و انقل حمّاها إلى الجحفة (83)».

____________

(77) الأوار: حر النار و الشمس، و اللهب، و الدخان، و العطش، الجمع: أور.

(78) أخرجه مسلم في الحديث رقم (481- 843) في كتاب الحج، و أخرجه أحمد في المسند (3/ 49).

(79) مشكاة المصابيح للتبريزي (2750) و كنز العمال (34840) و المغني عن حمل الأسفار للعراقي (245) و تاريخ أصبهان لأبي نعيم (2/ 103).

(80) أخرجه أحمد في المسند 5/ 309 و 6/ 65، و البيهقي في دلائل النبوة: 2/ 569، و المنذري في الترغيب و الترهيب: 2/ 225، و ابن حجر في فتح الباري: 11/ 179.

(81) الصّاع: مكيال تكال به الحبوب و نحوها و هو عند الفلاح الشامي نصف المد أي يعادل 9 لترات.

(82) المد: مكيال قديم تكال له الحبوب و الزيتون تعادل سعته 18 لترا أو ما يزن 18 كيلو غراما من الحنطة المتوسطة الحجم، الجمع: أمداد.

(83) الجحفة: قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة، كان اسمها مهيعة بينها و بين البحر ستة أميال، و بينها و بين غدير خم ميلان.

98

2- ..........

و روي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال عن بيوت السّقيا: «اللهم إن إبراهيم عبدك و خليلك و نبيّك و رسولك دعاك لأهل مكة، و إن محمدا عبدك و نبيك و رسولك يدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم أن تبارك في صاعهم و مدّهم و ثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، و اجعل ما بها من و باء بخم، اللهم إني قد حرّمت ما بين لا بثيها كما حرّم إبراهيم خليلك» (84).

و حرّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شجر المدينة بريدا في بريد (85) من كل ناحية، و رخّص في الهش‏ (86) و في متاع الناضح‏ (87)، و نهى عن الخبط (88) و أن يعضد (89) و يهصر (90).

و كان أول من زرع بالمدينة و اتخذ بها النخل و عمّر بها الدور

____________

(84) أخرجه أحمد في المسند (1/ 183 و 2/ 330) و البيهقي في السنن الكبرى (4/ 171) و السيوطي في الدر المنثور (1/ 121)، و المنذري في الترغيب و الترهيب (2/ 227) و السيوطي في جمع الجوامع (9803) و ابن السني في عمل اليوم و الليلة (274) و الطحاوي في مشكل الآثار (294) و البيهقي في دلائل النبوة (2/ 287) و الحميدي في المسند (223) و الترمذي في الشمائل (102).

(85) بريد في بريد: المسافة بين كل منزلين من منازل الطريق، و هي أميال اختلف في عددها.

(86) الهش: السريع الكسر من العيدان و نحوها.

(87) الناضح: الدابة يستقى عليها، و هي ناضحة، الجمع: نواضح.

(88) الخبط: الضرب على غير نظام أو غير استواء.

(89) يعضد: مصدر: عضد: أعان و نصر. و قال تعالى في سورة الكهف الآية 51: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.

(90) يهصر: يعطف.

99

2- ..........

و الأطام‏ (91)، و اتخذها الضياع العماليق‏ (92)، و نزلت اليهود بعدهم الحجاز، و كانت العماليق ممن انبسط في البلاد، فأخذوا ما بين البحرين و عمان و الحجاز كله إلى الشام و مصر، فجبابرة الشام، و فراعنة مصر منهم.

و كان منهم بالبحرين و عمان أمّة يسمون جاسم، و كان ساكنوا المدينة منهم بنو هفّ، و سعد بن هفّان، و بنو مطرويل، و كان بنجد منهم بنو بديل بن راحل، و أهل تيماء

بالأبلق الفرد من تيماء منزله‏* * * حصن حصين و جار غير غدّار

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس إنني‏* * * بتيماء تيماء اليهود غريب‏

(93) و نواحيها. و كان ملك الحجاز الأرقم بن أبي الأرقم‏ (94).

و كان سبب نزول اليهود بالمدينة و أعراضها: أن موسى بن عمران (عليه السلام)، بعث إلى الكنعانيين حين أظهره اللّه تعالى على فرعون، فوطى‏ء الشام، و أهلك من كان بها منهم، ثم بعث بعثا آخر إلى الحجاز إلى العماليق، و أمرهم أن لا يستبقوا أحدا ممن بلغ الحلم إلّا من دخل في دينه، فقدموا عليهم فقاتلوهم، فأظهرهم اللّه عليهم فقتلوهم و قتلوا ملكهم الأرقم، و أسروا ابنا له شابا جميلا كأحسن من رأى في زمانه، فضنّوا (95) به عن القتل و قالوا:

____________

(91) الأطام: المفرد: أطم أي الحصن، و القصر، و البيت المرتفع.

(92) العماليق: هم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام).

(93) تيماء: بلدة في أطراف الشام بينها و بين وادي القرى على طريق حاج دمشق. قال الأعشى:

بالأبلق الفرد من تيماء منزله‏* * * حصن حصين و جار غير غدّار

و قال بعض الأعراب:

إلى اللّه أشكو لا إلى الناس إنني‏* * * بتيماء تيماء اليهود غريب‏

(94) الأرقم بن أبي الأرقم: هو غير الصحابي رضي اللّه عنه.

(95) ضنّوا: بخلوا بخلا شديدا.

100

2- ..........

نستبقيه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا و هو معهم و قبض اللّه موسى قبل قدومهم. فلما قربوا و سمع بنو إسرائيل بذلك تلقوهم و سألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم بما فتح اللّه عليهم.

قالوا: فما هذا الفتى الذي معكم؟ فأخبروهم بقصته.

فقالوا: إن هذه معصية منكم لمخالفتكم أمر نبيكم، و اللّه لا دخلتم علينا بلادنا.

فحالوا بينهم و بين الشام، فقال ذلك الجيش: ما بلد إذ منعتم بلدكم خير لكم من البلد الذي فتحتموه، و قتلتم أهله فارجعوا إليه، فعادوا إليها فأقاموا بها، فهذا كان أول سكنى اليهود الحجاز و المدينة. ثم لحق بهم بعد ذلك بنو الكاهن بن هارون (عليه السلام)، و زعمت بنو قريظة (96) أنهم مكثوا كذلك زمانا، ثم أن الروم ظهروا على الشام، فقتلوا من بني إسرائيل خلقا كثيرا، فخرج بنو قريظة و النضير (97) و هدل هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو إسرائيل ليسكنوا معهم، فلما فصلوا من الشام، وجّه ملك الروم في طلبهم من يردّهم، فأعجزوا رسله و فاتوهم، و انتهى الروم إلى ثمد

عوجا نلمّ على أسماء بالثمد* * * من دون أقرن بين القور و الجمد

يا عمرو أحسن براك اللّه بالرّشد* * * و اقرأ سلاما على الأنقاء و الثّمد

(98)،

____________

(96) بنو قريظة: من قبائل اليهود بيثرب، نكثوا عهدهم مع الرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و تحالفوا مع القرشيين في غزوة الأحزاب، فحاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في معاقلهم و أعمل فيهم السيف، و صادر أملاكهم و وزعها على المسلمين.

(97) بنو النضير: من قبائل اليهود بيثرب، نكثوا عهدهم مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن حالفوه و حاولوا اغتياله، حاصرهم في معقلهم ثم نفاهم و صادر أملاكهم و وزعها على المهاجرين.

(98) ثمد: و يقال له: ثمد الروم، موضع بين الشام و المدينة قرب الحجر، قال فيه أرطاة بن سهية:

عوجا نلمّ على أسماء بالثمد* * * من دون أقرن بين القور و الجمد

-

101

2- ..........

فماتوا عنده عطشا، فسمي ذلك الموضع ثمد الروم فهو معروف بذلك إلى اليوم.

روى ياقوت في معجم البلدان‏ (99) قال: كان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان‏ (100)، اليهود و الأوس و الخزرج يدينون له، و كانت له فيهم سنّة ألّا تزوّج امرأة منهم إلا أدخلت عليه قبل زوجها حتى يكون هو الذي يفتضّها، إلى أن زوّجت أخت لمالك بن العجلان بن زيد السالمي الخزرجي، فلما كانت الليلة التي تهدى فيها إلى زوجها خرجت على مجلس قومها كاشفة عن ساقيها و أخوها مالك في المجلس، فقال لها:

- قد جئت بسوءة بخروجك على قومك و قد كشفت عن ساقيك.

قالت: الذي يراد بي الليلة أعظم من ذلك لأنني أدخل على غير زوجي.

ثم دخلت إلى منزلها فدخل أخوها و قد أرمضه‏ (101) قولها فقال لها:

- هل عندك من خير؟

- قالت: نعم، فماذا؟

____________

- و قال الفراء:

يا عمرو أحسن براك اللّه بالرّشد* * * و اقرأ سلاما على الأنقاء و الثّمد

(99) معجم البلدان: 5/ 85.

(100) في كتاب ابن الكلبي: الفيطون.

(101) أرمضة: أحرقه.

102

2- ..........

- قال أدخل معك في جملة النساء على الفيطوان، فإذا خرجن من عندك و دخل عليك ضربته بالسيف حتى يبرد.

قالت: افعل!

فتزيّا بزيّ النساء، معها، فلما خرج النساء من عندها دخل الفيطوان عليها، فشدّ عليه مالك بن العجلان بالسيف و ضربه حتى قتله و خرج هاربا حتى قدم الشام، فدخل على ملك من ملوك غسّان يقال له أبو جبيلة، فعاهده أبو جبيلة أن لا يقرب امرأة و لا يمسّ طيبا و لا يشرب خمرا حتى يسير إلى المدينة و يذلّ من بها من اليهود، و أقبل سائرا من الشام في جمع كثير مظهرا أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة و نزل بذي حرض‏

إلى أحد فذي حرض فمبنى‏* * * قباب الحيّ من كنفي صرار

أمن آل سلمى عرفت الطلولا* * * بذي حرض مائلات مثولا

(102). ثم أرسل إلى الأوس و الخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم، و أنه يخشى متى علموا بذلك أن يتحصّنوا في آطامهم‏ (103) و أمرهم بكتمان ما أسرّه إليهم.

ثم أرسل إلى وجوه اليهود أن يحضروا طعامه ليحسن إليهم و يصلهم، فأتاه وجوههم و أشرافهم و مع كل واحد منهم خاصته و حشمه. فلما تكاملوا أدخلهم في خيامه ثم قتلهم عن آخرهم، فصارت الأوس و الخزرج من يومئذ أعزّ أهل المدينة، و قمعوا اليهود، و سار ذكرهم، و صار لهم الأموال و الآطام،

____________

(102) ذو حرض: واد بالمدينة عند أحد. قال حكيم بن عكرمة يتشوق المدينة

إلى أحد فذي حرض فمبنى‏* * * قباب الحيّ من كنفي صرار

و قال زهير بن أبي سلمى:

أمن آل سلمى عرفت الطلولا* * * بذي حرض مائلات مثولا

(103) الأطام: القلاع و الحصون.

103

2- ..........

فقال الرمق بن زيد بن غنم بن سالم بن مالك بن سالم بن عوف بن الخزرج يمدح أبا جبيلة:

لم يقض دينك مل حسا* * * ن و قد غنيت و قد غنينا

الراشقات المرشقا* * * ت الجازيات بما جزينا

أشباه غزلان الصّرا* * * ئم يأتزرن و يرتدينا

الرّيط و الديباج و ال* * * حلي المضاعف و البرينا (104)

و أبو جبيلة خير من‏* * * يمشي و أوفاهم يمينا

و أبرّهم برّا و أع* * * لمهم بفضل الصالحينا

أبقت لنا الأيّام و ال* * * حرب المهمّة يعترينا

كبشا له زرّ يف* * * ل متونها الذّكر السّنينا

و معاقلا شمّا و أس* * * يافا يقمن و ينحنينا

و محلّة زوراء تج* * * حف بالرجال الظالمينا

و لعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم و بيوت عبادتهم، فبلغه ذلك فقال:

تحايا اليهود بتلعانها* * * تحايا الحمير بأبوالها

و ماذا عليّ بأن يغضبوا* * * و تأتي المنايا بأذلالها!

و قالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها:

بأهلي رمّة لم تغن شيئا* * * بذي حرض تعفّيها الرياح‏

____________

(104) الريط: كل ثوب ليّن رقيق.

104

2- ..........

كهول من بني قريظة أتلفتهم‏* * * سيوف الخزرجية و الرماح‏

و لو أذنوا بأمرهم لحالت‏* * * هنالك دونهم حرب رداح‏

ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام و قد ذلّل الحجاز و المدينة للأوس و الخزرج، فعندها تفرّقوا في عالية المدينة و سافلتها، فكان منهم من جاء إلى القرى العامرة، فأقام مع أهلها قاهرا لهم، و منهم من جاء إلى عفا من الأرض لا ساكن فيه فبنى فيه و نزل، ثم اتخذوا بعد ذلك القصور و الأموال و الآطام، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة مهاجرا، أقطع الناس الدور و الرباع، فخطّ لبني زهرة في ناحية من مؤخر المسجد فكان لعبد الرّحمن بن عوف‏ (105) الحصن المعروف به، و جعل لعبد اللّه‏ (106) و عتبة ابني‏

____________

(105) عبد الرحمن بن عوف: بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد الزهري القرشي، صحابي و من أكابرهم، و هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الخلافة فيهم، و أحد السابقين إلى الإسلام، قيل: هو الثامن. ولد سنة 44 ق. ه الموافق 580 م، و كان من الأجواد الشجعان العقلاء، اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، أو عبد عمرو و سماه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد الرحمن، ولد بعد الفيل بعشر سنين، و أسلم و شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها، و جرح يوم أحد 21 جراحة، و أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، و كان يحترف التجارة و البيع و الشراء، فاجتمعت له ثروة كبيرة، و تصدق يوما بقافلة، فيها سبع مئة راحلة، تحمل الحنطة و الدقيق و الطعام، و لما حضرته الوفاة أوصى بألف فرس و بخمسين ألف دينار في سبيل اللّه، و له 65 حديثا، توفي في المدينة سنة 32 ه الموافق 652 م، (انظر: صفة الصفوة: 1/ 135، و حلية الأولياء: 1/ 98، و تاريخ الخميس: 2/ 257، و البدء و التاريخ: 5/ 86، و الرياض النضرة: 2/ 281- 291، و الجمع بين رجال الصحيحين:

281، و الإصابة الترجمة رقم: 5171، و الأعلام: 3/ 321).

(106) عبد اللّه بن مسعود: بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أكابرهم فضلا و عقلا و قربا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو من أهل مكة، و من السابقين إلى الإسلام، و أول من جهرا-

105

2- ..........

مسعود (107) الهذليّين الخطة المشهورة بهم عند المسجد، و أقطع الزبير العوام‏ (108) بقيعا واسعا، و جعل لطلحة بن عبيد اللّه‏ (109) موضع دوره، و لأبي‏

____________

- بقراءة القرآن بمكة، و كان خادم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، الأمين، و صاحب سره، و رفيقه في حله و ترحاله و غزواته، يدخل عليه كل وقت، و يمشي معه، نظر إليه عمر يوما و قال: وعاء ملى‏ء علما، و ولي بعد وفاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بيت مال المسلمين في الكوفة، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي فيها عن نحو ستين عاما سنة 32 ه الموافق 653 م، كان قصيرا جدا، يكاد الجلوس يوارونه، و كان يحب الإكثار من التطيب، فإذا خرج من بيته عرف جيرانه أنه مرّ من طيب رائحته، له 848 حديثا. (انظر: الإصابة الترجمة رقم 4955، و غاية النهاية: 1/ 458، و البدء و التاريخ:

5/ 97، و صفة الصفوة: 1/ 154، و حلية الأولياء: 1/ 124، و تاريخ الخميس: 2/ 257، و البيان و التبين تحقيق هارون: 2/ 56، و المحبر: 161، و الأعلام: 4/ 137.

(107) عتبة بن مسعود: شقيق عبد اللّه. أقطعه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أرضا و دارا مع من أقطعهم من الصحابة رضي اللّه عنهم.

(108) الزبير بن العوام: بن خويلد الأسدي القرشي، أبو عبد اللّه، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، و أول من سل سيفه في الإسلام، و هو ابن عمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أسلم و له 12 سنة، و شهد بدرا و أحدا و غيرهما، و كان على بعض الكراديس في اليرموك، ولد سنة 28 ق. ه الموافق 594 م. شهد الجابية مع عمر بن الخطاب. قالوا: كان في صدر ابن الزبير أمثال العيون من الطعن و الرمي، و جعله عمر في من يصلح للخلافة بعده، و كان موسرا، كثير المتاجر، خلّف أملاكا بيعت بنحو أربعين مليون درهم. كان (رحمه اللّه) طويلا جدا إذا ركب تخط رجلاه

الأرض.

قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل بوادي السباع سنة 36 ه الموافق 656 م، و كان خفيف اللحية أسمر اللون، كثير الشعر، له 38 حديثا (انظر: تهذيب ابن عساكر: 5/ 355، و صفة الصفة:

1/ 132، و حلية الأولياء: 1/ 89، و ذيل المذيل: 11، و تاريخ الخميس: 1/ 172، و البدء و التاريخ: 5/ 83، و الرياض النضرة: 262- 280، و خزانة البغدادي: 2/ 468 و 250، و الأعلام: 3/ 43).

(109) طلحة بن عبيد اللّه: بن عثمان التيمي القرشي المدني، أبو محمد، صحابي شجاع من الأجواد، و هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى، و أحد الثمانية-

106

2- ..........

بكر رضي اللّه عنه موضع داره عند المسجد، و أقطع كل واحد من عثمان بن عفان و خالد بن الوليد (110)،

____________

- السابقين إلى الإسلام، قال ابن عساكر: كان من دهاة قريش و من علمائهم، و كان يقال له ولأبي بكر (القرينان)، و ذلك لأن نوفل بن حارث و كان من أشد قريش، رأى طلحة و قد أسلم خارجا مع أبي بكر الصديق من عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأمسكهما و شدهما في حبل، يقال له: طلحة الجود، و طلحة الخير، و طلحة الفياض، و كل ذلك لقّبه به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في مناسبات مختلفة، و دعاه مرّة «الصبيح المليح الفصيح» شهد أحدا و ثبت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بايعه على الموت، فأصيب بأربعة و عشرين جرحا، و سلم، و شهد الخندق و سائر المشاهد، و كانت له تجارة وافرة مع العراق، و لم يكن يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤونته و مؤونة عياله. و وفى دينه، قتل يوم الجمل و هو بجانب عائشة و دفن بالبصرة سنة 36 ه الموافق 656، له 38 حديثا. (انظر:

طبقات ابن سعد: 3/ 152، و تهذيب التهذيب: 5/ 20، و البدء و التاريخ: 5/ 82، و الجمع بين رجال الصحيحين: 230، و غاية النهاية: 1/ 342، و الرياض النضرة: 2/ 249- 262، و صفة الصفوة: 1/ 130، و حلية الأولياء: 1/ 87، و ذيل المذيل: 11، و تهذيب ابن عساكر: 7/ 71، و المحبر: 355، و رغبة الآمل: 3/ 16 و 89، و اللباب: 2/ 88، و الأعلام:

3/ 229).

(110) خالد بن الوليد: بن المغيره المخزومي القرشي، سيف اللّه الفاتح الكبير، الصحابي الجليل، كان من أشراف قريش في الجاهلية، يلي أعنة الخيل، و شهد مع المشركين حروب الإسلام إلى عمرة الحديبية، و أسلم قبل فتح مكة هو و عمر بن العاص سنة 7 ه، فسرّ به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ولاه الخيل، و لما ولي أبو بكر وجّهه لقتال مسيلمة الكذاب و من ارتد من أعراب نجد، ثم سيره إلى العراق سنة 12 ه، ففتح الحيرة و جانبا عظيما منه، و حوّله إلى الشام و جعله أمير من فيها من الأمراء، و لما ولي عمر عزله عن قيادة الجيوش بالشام، و ولى أبا عبيدة بن الجراح، فلم يثن ذلك من عزمه، و استمر يقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تم لهما الفتح سنة 14 ه، فرحل إلى المدينة، فدعاه عمر ليوليه فأبى و مات بحمص سنة 21 ه الموافق 642 م، كان مظفرا خطيبا فصيحا، يشبه عمر بن الخطاب في خلقه و صفته، قال أبو بكر: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد، روى له المحدثون 18 حديثا (انظر: الإصابة: 1/ 413، و تهذيب ابن عساكر: 5/ 92* * *