البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
455

و لو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة و الأشعار الظريفة و الأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان و عجائب الكور و الأمصار بلاغا و مقنعا. فكيف و قد أفادك [109 أ] علم الماضين و أخبار الأولين. و ذلك علم المعنيين. و وقفك على الطريقين و أرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة و موعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين، و أبنية من قد سلف من الأولين.

و في هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر و فكرة لمن تفكر، و دليل على وحدانية اللّه تعالى، و مخبر عن آياته و قدرته. فصفّ ذهنك و فرّغ قلبك و أقبل عليه بسمعك و تفكّر فيه، و فيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب.

قال عبد الرحمن بن محمد بن نصر: سمعت أحمد بن الحسن يذكر عن علي بن عاصم عن أبيه قال: كان الخضر (عليه السلام) يأتي شابا زاهدا من بني إسرائيل فيحدثه كما يأتي الرجل أخاه و صديقه. و كان الشاب خيّرا فاضلا. فبلغ ذلك ملك بني إسرائيل، فأرسل إلى الشام فدعاه و قال: بلغني أن الخضر يأتيك فيحدثك كما يحدث الرجل أخاه. قال الفتى: نعم. قال: فإذا جاء فائتني به.

قال: كيف آتيك به أيها الملك؟ قال: و الله لتأتيني به أو لأقتلنّك. قال: أجهد. ثم انصرف الفتى.

فلما كان بعد أيام، أتاه الخضر (عليه السلام) فقال له: إن ملك بني إسرائيل قال لي كذا و كذا. قال الخضر: انطلق بنا إليه. فانطلقا حتى دخلا عليه. فوقف الخضر فقال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم. فأعظمه و بجله ثم قال له:

حدثني بأعجب ما رأيت في الدنيا. فقال: أعجب ما رأيت، أني مررت بمدينتك هذه، و هي مدينة لم أر على وجه الأرض مثلها حسنا و جمالا و كثرة أهل و أسواق و عمارة، فدنوت من بعض البوابين فقلت: متى بنيت هذه المدينة و من الذي بناها؟

فقال لي: ما يذكر أحد من الناس متى بنيت و لا من بناها. فتركته و مضيت.

و عبرت عنها خمسمائة عام. ثم اجتزت بها فإذا هي تلول و خرابات و لم أر أحدا أسأله عنها. فعلوت بعض تلك التلول، فإذا أنا براع يرعى غنما فنزلت إليه و سألته عن المدينة و متى خربت. فقال: ما نعلم أنه كانت هاهنا مدينة قط، و لا نعرف غير

456

هذه التلول و الخرابات، و لا يدرى أي شي‏ء أمرها. فتركته و مضيت. و عبرت خمسمائة عام، ثم مررت بها [109 ب‏] فإذا موضعها بحر و قد زالت تلك التلول و الخرابات فصارت كلها فيه. و إذا بجماعة يغوصون فيخرجون اللؤلؤ من قراره.

فدنوت من بعضهم و قلت: مذ كم صار هذا البحر هاهنا؟ فضحك ثم قال: سبحان اللّه. ما زال هذا البحر و هذا المكان منذ كانت الدنيا. فمضيت و غبت خمسمائة عام ثم اجتزت بالموضع فإذا ذاك البحر قد غاض ماؤه و في مكانه غيضه ملتفة بالقصب و البردي و بين ذلك القصب و البردي مناقع ماء فيها سمك كثير و صيادون يصيدون ذلك السمك في زواريق صغار. فقلت لبعضهم: أ كان هاهنا بحر؟ قال: لا. ما كان هاهنا إلّا هذه الآجام و هذه المياه لا غير ذلك. فانصرفت. و عبرت خمسمائة عام ثم اجتزت بالمكان فإذا رمال متصلة بينها حمى. و إذا [هي‏] أكثر بلاد اللّه ظباء. فالتمست أن أرى إنسانا، فلم أر إلّا رجلا يصيد تلك الظباء بحبالة له.

فدنوت منه و سألته عن تلك الآجام، فقال: و اللّه ما نعرف و لا آباؤنا و أجدادنا هذا البلد إلّا على ما تراه، و ما كانت فيه أجمة و لا شجر و مستنقع قط. فانصرفت متعجبا. و عبرت خمسمائة عام ثم اجتزت به فإذا هو جبل و عر و فيه كهوف يخرج منه الدخان. فلم أر أحدا أسأله عنها إلى أن رأيت رجلا متعسفا فقصدته و سألته عن تلك الرمال فقال: ما نعرف الموضع إلّا على ما ترى. فتركته و مضيت. و غبت خمسمائة عام ثم عدت فإذا مدينتك هذه في تلك المواضع. و إذا هي أحسن ما يراه الناس من قصورها و دورها و حدائقها و أسواقها. فدنوت من بعض البوابين و سألته عنها و مذ كم بنيت فقال: يا هذا! ما نعرف هذه المدينة إلّا كما تراها، و لا حدّثنا أحد من أولينا أنه يعرف ما فيها. فهذا أعجب شي‏ء رأيته فيما أطوفه من البلدان و أخترقه من المفاوز و القفار.

فوثب الملك عن سريره فسجد للخضر. فقال له: ارفع رأسك و اسجد للذي خلقني و خلقك. فقال: أريد أن أصحبك و أخلي ما أنا فيه من الملك. فقال: لا تقدر على ذلك. لأني اليوم هاهنا و غدا ببيت المقدس و بعد غد بمكة. و لكن إن أردت العبادة فاصحب هذا الفتى و كن معه.

457

قال: فترك [110 أ] الملك مملكته و خرج هو و الشاب يسيحان في الأرض.

و أنشد لبعضهم [في‏] الزمان:

و لربّ حصن قد تخرّم أهله‏* * * ريب الزمان فبابه مسدود

عدت المنون عليهم من فوقهم‏* * * و القوم فيه آمنون هجود

فتفرقت أجيادهم و جنودهم‏* * * عنهم فكلّهم هناك شديد

لم يدفعوا عنهم و إنّ سلاحهم‏* * * متيسّر بفنائهم موجود

من نسج داود النبيّ أعدّها* * * للحرب يوم أعدّها داود

لو أنهم سئلوا القتال لقاتلوا* * * و لنيل منهم فيهم المجهود

فابتزّهم ريب المنون نفوسهم‏* * * قسرا و إنّ حماتهم لشهود

حلّوا بطون الأرض بعد ظهورها* * * و مضى بهم سفر هناك بعيد

صارت نساؤهم حلائل غيرهم‏* * * خلفت عليهم سفلة و عبيد

فأسمع و أبصر أين عاد أصبحت‏* * * أخلت منازلها و أين ثمود

أين الذين بنوا فأصبح ما بنوا* * * فيه الأفرور أو شيد (1)

و قال خالد بن عمير بن الخباب السلمي: كنا مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة قسطنطينية فخرج إلينا في بعض الأيام رجل من الروم يدعو إلى المبارزة فخرجت إليه فلم أر فارسا كان مثله. تجاولنا عامة يومنا فلم يظفر واحد منّا بصاحبه. ثم تداعينا إلى المصارعة، فصارعت منه أشدّ الناس. فصرعني و جلس على صدري ليذبحني- و كان رسن دابته مشدودا في عاتقه- و انه ليعالجني للذبح إذ حاصت دابته حيصة جرّته عني و وقع من على صدري و بادرت إليه و جلست على صدره فنفست به عن القتل، و أخذته أسيرا و جئت به إلى مسلمة فساءله فلم يجبه بحرف و كان أجسم الرجال و أعظمهم. فأراد أن يبعث إلى هشام و هو يومئذ [110 ب‏] بحرّان. فقلت: دلّني الوفادة به. قال: إنك لأحق الناس بذلك. فبعث‏

____________

(1) عجز البيت مضطرب.

458

به معي، فأقبلت أكلمه و هو لا يكلمني حتى انتهينا إلى موضع من ديار مضر يعرف بالجريش و تل محرى فقال لي: ما يقال لهذا المكان؟ قلت: الجريش و تل محرى.

فقال:

ثوى بين الجريش و تل محرى‏* * * فوارس من نمارة غير ميل‏

فلا جزعون إن ضرّاء نابت‏* * * و لا فرحون بالخير القليل‏

فإذا هو أفصح الناس. ثم سكت فكلّمناه و هو لا يجيبنا. فلما صرنا إلى الرها قال: دعوني أصلي في بيعتها. قلنا دونك فصلي. فلما صرنا إلى حران قال:

أما إنها أول مدينة بنيت بعد بابل. ثم قال: دعوني أستحمّ في حمامها و أطلي.

فتركناه. فخرج إلينا كأنه برطيل فضة بياضا و عظما. فأدخلته إلى هشام و أخبرته جميع قصته. فقال له من أنت؟ قال: رجل من إياد ثم أحد بني حذافة. فقال له:

أراك غريبا، لك جمال و فصاحة فأسلم تحقن دمك. قال: إن لي ببلاد الروم أولادا. فقال: و نفك أولادك و نحسن عطاءك. قال: ما كنت لأرجع عن ديني.

فأقبل به و أدبر فأبي. فقال دونك فاضرب عنقه. فضربت عنقه‏

.

459

القول في همذان‏

قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت همذان بهمذان بن الفلوج بن سام بن نوح (عليه السلام). و همذان و إصبهان أخوان، بنى أحدهما إصبهان و الآخر همذان. فسميت كل مدينة منهما باسم بانيها. و سميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. و يقال إنها من بناء نوح (عليه السلام). و إنما هي نوح أوند. أي أنها من بناء نوح و هي أعتق مدينة بالجبل.

قال: و قرأ عليّ بعض النصارى كتابا بالسريانية فيه أخبار الملوك و البلدان، فترجمه لي و ذكر أن الذي بنى همذان ملك يقال له كرميس بن حليمون. و ذكر بعض الفرس أن اسم همذان مقلوب. إنما هو ناذمه و معناه المحبوبة.

و روي عن شعبة قال: الجبال عسكر و همذان معمعتها و هي أعذبها ماء و أطيبها هواء.

و قال ربيعة بن [111 أ] عثمان: كان فتح همذان في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. و كان الذي فتحها المغيرة بن شعبة في سنة أربع و عشرين من الهجرة.

و في خبر آخر قال: وجه المغيرة بن شعبة (1)- و هو عامل عمر بن الخطاب على الكوفة بعد عزل عمار بن ياسر عنها- جرير بن عبد اللّه البجلي إلى همذان في سنة ثلاث و عشرين، فقاتله أهلها و أصيبت عينه بسهم فذهبت. فقال احتسبها عند اللّه الذي زين بها وجهي و نوّر لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله.

____________

(1) من هنا إلى قوله (في آخر سنة ثلاث و عشرين) في فتوح البلدان 306.

460

و جرى أمر همذان على مثل صلح نهاوند و ذلك في آخر سنة ثلاث و عشرين.

و قال بعض علماء الفرس: كانت همذان أكبر مدينة بالجبل و كانت أربعة فراسخ في مثلها. و كان طولها من الجبل إلى قرية يقال لها زينوآباد. و كان صنف الفاخرانيين بها و صنف الصيارفة بسيجاباد (1).

و كان القصر الخراب الذي بسيجاباد تكون فيه الخزائن و الأموال. و كان صنف البزازين بقرية يقال لها بريشقان‏ (2). فيقال إن بخت نصر لما غلب على الأرض و أخرب بيت المقدس، بعث إليها قائدا يقال له صقلاب في خمسمائة ألف رجل. فأناخ عليها و أقام يحارب أهلها مدة و هو لا يقدر عليها. فلما أعيته الحيلة فيها و عزم على الانصراف استشار أصحابه. فقالوا له: الرأي أن تكتب إلى بخت نصر تعلمه أمرك و تستأذنه في الانصراف. فكتب إليه: أمّا بعد، فإني وردت على مدينة حصينة كثيرة الأهل منيعة واسعة الأنهار ملتفة الأشجار كثيرة المقاتلة. و قد رمت فتحها فلم أقدر عليها. و قد ضجر أصحابي المقام و ضاقت عليهم الميرة و العلوفة. فإن أذن لي الملك بالانصراف، انصرف.

فلما ورد الكتاب على بخت نصر كتب إليه: أما بعد، فقد فهمت كتابك و قد رأيت أن تصوّر لي المدينة بجبالها و عيونها و طرقها و قراها و منبع مياهها و تنفذ إليّ ذلك حتى يأتيك أمري.

ففعل صقلاب ما أمر به. و صور له المدينة و أنفذ الصورة إليه و هو ببابل.

فلما وقف عليها جمع الحكماء و قال: أجيلوا الرأي في هذه الصورة و انظروا من أين تفتح هذه المدينة. فأجمعوا على أن تسدّ عيونها [111 ب‏] حولا ثم يفتح السد و يرسل على المدينة فإنها تغرق. فكتب بخت نصر إلى صقلاب بذلك و أمره بما قاله الحكماء. ففعل ذلك. فلما كان عند الحول فتح الماء و أرسله على المدينة فهدم سورها و غرق أكثرها و دخلها صقلاب، فقتل المقاتلة و سبى الذرية و أقام بها

____________

(1) في ياقوت: سنجاباد، و فيه أيضا سبجاباد.

(2) في ياقوت: برشيقان 4: 981.

461

فوقع في أصحابه الطاعون فمات عامتهم حتى لم يبق منهم إلّا القليل. و دفنوا في أحواض من خزف فقبورهم معروفة إلى وقتنا هذا في المحال و السكك.

و لم تزل همذان خرابا حتى كانت حرب دارا بن دارا و الإسكندر. فإن دارا استشار أصحابه في أمره لمّا أظلّه الإسكندر، فأشاروا عليه بمحاربته بعد أن يحرز حرمه و أمواله و خزائنه بمكان منيع لا يوصل إليه و يتجرد هو للقتال. فقال: انظروا موضعا حريزا حصينا لذلك. فقالوا له: إن من وراء الماهين جبالا لا ترام، و هي شبيهة بالسد. و هناك رسم مدينة عتيقة قد خربت و باد و هلك أهلها و حولها جبال شامخة يقال لها همذان: فالرأي للملك أن يبعث إليها من يأمره ببنائها و إحكامها و أن يجعل في وسطها حصنا يكون للحرم و الخزائن و العيال و الأموال، و تبنى حول الحصن دور لعيال القواد و الخاصة و المرازبة. ثم يوكل بالمدينة اثنا عشر ألف رجل من خاصة الملك و ثقاته يحمونها و يقاتلون عنها متى رامها أحد. فأمر ببناء همذان و بنى في وسطها قصرا عظيما مشرفا له ثلاثة أوجه و سماه ساروق و جعل فيه ألف مخبأ لخزائنه و أمواله و أغلق عليه ثمانية أبواب حديد، كل باب في ارتفاع اثني عشر ذراعا. ثم أمر بأهله و ولده و خزائنه فحوّلوا إليها و أسكنوها. و جعل في وسط القصر قصرا آخر صيّر فيه خواص حرمه و أحرز أمواله في تلك المخابئ. و وكّل بالمدينة اثني عشر ألف رجل و جعلهم حرسا عليها.

و ذكر بعض مشايخ همذان أنها أعتق مدينة بالجبل و استدلوا على ذلك من بقية بناء قديم باق إلى اليوم. و هو طاق عظيم شاهق لا يدرى من بناه و للعامة فيه أخبار عامية يذكرون [112 أ] أنهم وجدوا في هذا الطاق حجرا مكتوب عليه: من إصطخر غدونا و في هذا الطاق قلنا و بالشام مبيتنا. و يزعمون أن بعض أصحاب سليمان بن داود كتبه. و ان سليمان بن داود (عليه السلام) اجتاز بهذا المكان فرأى غرابا ساقطا عليه- و يقال إن الغراب يعيش ألف سنة- فقال له سليمان: خبرني خبر هذا الطاق و من بناه. فقال: أنا هاهنا منذ ستمائة سنة، و أقام أبي قبلي هاهنا ألف سنة و جدّي قبل ذلك بألف سنة، و هو على حالته كذا وجدناه ما تغيّر منه‏

462

شي‏ء (1).

و أخبر بعض أصحاب الأخبار أنهم وجدوا في بعض المخابئ التي في القصر المعروف بساروق، رقعة فيها كتابة بالفارسية فترجمت فكانت: وظّف الملك على أهل مرو لبناء هذه المدينة من الطين كذا و كذا ألف وقر.

قال: و إذا تفقدت طين المدينة و نظرت إلى أبنيتها القديمة رأيت الطين مختلفا ما بين أبيض و أحمر و أسود و غير ذلك.

و زعموا أن الملوك كانت توظّف على رعاياها حمل الطين في وقت و الماء في وقت و الآجر و الحجارة في وقت إلى ما يبنونه من المدن ليعرفوا بذلك سمعهم و طاعتهم.

و عن بعض أهل همذان قال: قدمت على جعفر بن محمد الصادق رضي اللّه عنه فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من الجبل. قال: من أي مدينة؟ قلت: من مدينة همذان. قال: أتعرف جبلها الذي يقال له راوند؟ قلت: جعلني اللّه فداك إنما يقال له أروند. قال: نعم. أما إن فيه عين من عيون الجنة.

قال: فأهل البلد يرون أنها الحمّة التي على قلّة الجبل. و ذلك أنّ ماءها يخرج في وقت من أوقات السنة معلوم، و منبعه من شق في صخرة. و هو ماء عذب شديد البرد يشرب منه الواحد في اليوم و الليلة مائة رطل و أكثر و لا يرتوي لكثرة ما يشرب منه، بل ينفعه. فإذا تجاوزت أيامه المعدودة التي يخرج فيها، ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد يوما و لا ينقص يوما في خروجه و انقطاعه.

و قال محمد بن بشار يذكر أروند في شعر طويل [112 ب‏]:

و لقد أقول تيامني و تشاءمي‏* * * و تواصلي ديما على همذان‏

بلد نبات الزعفران ترابه‏* * * و شرابه عسل بماء قنان‏

سقيا لأوجه من سقيت لذكرهم‏* * * ماء الجوى بزجاجة الأحزان‏

____________

(1) الواقعة موجودة في المختصر بصورة مختصرة.

463

كاد الفؤاد يطير ممّا شفّه‏* * * شوقا بأجنحة من الخفقان‏

فكسا الربيع بلاد أهلك روضة* * * تفترّ عن نفل و عن حوذان‏

حتى تعانق من خزاماك الذرى‏* * * بالجلهتين شقائق النعمان‏

و إذا تبجّست الثلوج تبجّست‏* * * عن كوثر شبم و عن حيوان‏

متسلسلين على مذانب تلعة* * * تثغو الجداء بها مع الحملان‏

و قال أيضا

تزيّنت الدنيا و طابت جنانها* * * و ناح على أغصانها و رشانها

و أمرعت القيعان و اخضرّ نبتّها* * * و قام على الوزن السواء زمانها

و جاءت جنود من قرى الهند لم تكن‏* * * لتأتي إلّا حين يأتي أوانها (1)

مسوّرة دعج العيون كأنما* * * لغات بنات الهند يحكي لسانها

لعمرك ما في الأرض شي‏ء نلذّه‏* * * من العيش إلّا فوقه همذانها

إذا استقبل الصيف الربيع و أعشبت‏* * * شماريخ من أروند شمّ قنانها

و هاج عليهم بالعراق و أرضه‏* * * هواجر يشوي أهلها لهبانها

سقتك ذرى أروند من سيح ذائب‏* * * من الثلج أنهارا عذابا رعانها

ترى الماء مستنا على ظهر صخرة* * * ينابيع يزهي حسنها و استنانها

كأنّ بها شوبا من الجنّة التي‏* * * يفيض على سكّانها حيوانها

فيا ساقيي كأسي اصبحاني مدامة* * * على روضة يشفي المحبّ جنانها

مكللة بالنور تحكي مضاحكا* * * شقائقها في غاية الحسن بأنها

كأنّ عروس الحيّ بثّت خلالها* * * قلائد ياقوت زهاها اقترانها

تهاويل من حمر و صفر كأنّها* * * ثنايا العذارى ضاحكا أقحوانها

و قال أيضا [113 أ]:

____________

(1) هي الطيور المهاجرة.

464

سقيا لظلّك يا أروند من جبل‏* * * و إن رميناك بالهجران و الملل‏

هل يعلم الناس ما كلّفتني حججا* * * من حبّ مائك إذ يشفي من العلل‏

لا زلت تكسى على الأنوار أردية* * * من ناضر أنق أو ناعم خضل‏

حتى تزور العذارى كلّ شارقة* * * أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل‏

و أنت في حلل و الجوّ في حلل‏* * * و البيض في حلل و الروض في حلل‏

و قالوا: أطيب البلدان ما طاب هواؤه و عذب ماؤه و كثر كلأه. و الماء مزاج الروح و صفي النفس و قوام الأبدان الناطق و غير الناطق بمجانسته لها و معادلته إياها.

و من فضيلته أن كل شراب و إن رقّ و صفا و عذب و حلا فليس بعوض عنه و لا مغن عنه، بل يطيب بمزاجه و يعذب بمخالطته حتى يجري في العروق بلطافته، و ينساب في المفاصل برقّته. مع خاصيته في ريّ الظمأ و إطفائه ضرام نار الحشا. و لولاه ما عرف فضل البستان على الجنان، و لكان و غيره سيّان. و لقد جعلته العرب مثلا فقال القطامي:

فهنّ ينبذن من قول يصبن به‏* * * مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي‏

و قال آخر:

أمانيّ من سعدى عذاب كأنّما* * * سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

و ذكر أبو جعفر محبرة النديم‏ (1) أنه حمل للموفق عند خروجه إلى الجبل من ماء دجلة ألف خماسية (2). فلما وافى همذان، وصف له ماؤها فشرب منه و استطابه و ترك ماء دجلة، و جعله شرابه.

و طلب‏ (3) الشعبي على مائدة قتيبة بن مسلم- و قد قيل غيره- ماء، فلم يدر

____________

(1) محبرة النديم و اسمه محمد بن يحيى بن أبي عباد، و يكنى أبا جعفر، و اسم أبي عباد جابر بن يزيد بن الصباح العسكري من ندماء المعتضد العباسي ... (ابن النديم 66).

(2) في المختصر: خميسية.

(3) يبدأ من هنا نقل المؤلف بصورة مختصرة قليلا لمادة موجودة في حيوان الجاحظ 5: 137-

465

اللبن يريد أم العسل أم الماء. فقيل له: أي الأشربة تريد؟ فقال: أعزّها مفقودا و أهونها موجودا. فقال قتيبة: اسقوه ماء.

و كان أبو العتاهية عند بعض الملوك فشرب منهم رجل ماء و قال:

برد الماء و طابا

فقال أبو العتاهية:

حبّذا الماء شرابا

و قال اللّه عزّ و جلّ مفخما لأمر الماء أَنْهارٌ [113 ب‏] مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ‏. ألا ترى أنه لم يذكره بغير السلامة من التغيير، إذ كان [الماء] متى كان خالصا لم يحتج أن يشرب بشي‏ء. غريب في خلقته من الصفاء و العذوبة و البرد و الطيب و الحسن.

قال عدي بن زيد:

لو بغير الماء حلقي شرق‏* * * كنت كالغصّان بالماء اعتصاري‏

و في قول اللّه عزّ و جلّ‏ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏ قال: عن الماء البارد في الصيف و عن الحار في الشتاء.

و قالوا في النظر إلى الماء الدائم و الجاري ما قالوا.

و جاء في الأثر: من كان به مرض فليأخذ درهما حلالا و ليشتر عسلا ثم ليشربه بماء السماء، فإنه يبرأ بإذن اللّه.

و الريف هو الماء عند العرب.

و ما ظنك بشراب إذا ملح و خبث‏ (1) أثمر العنبر و ولد الدر، و إذا صفا و طاب أحيا الأنفس. و قال اللّه عزّ و جلّ‏ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها. لأن الزجاج أكثر ما يخرج به أن يقال كأنه الماء الجاري.

____________

148. و بيت القطامي المذكور آنفا هو أيضا من الحيوان. و ما بين عضادتين في هذه المادة هو تصويبات أو إضافات من كتاب الجاحظ و ضعناها في حالة الضرورة فقط.

(1) في الأصل: خشب.

466

و قال اللّه تعالى‏ وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.

و يقال إنه ليس شي‏ء إلّا و فيه ماء أو قد أصابه ماء أو قد خلق من ماء.

و النطفة تسمى ماء و الماء يسمى نطفة.

و قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. و قال ابن عباس: السماء موج.

و قال اللّه تعالى‏ وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ. وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقاً لِلْعِبادِ وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ‏.

و حين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال و الحسن و الصفاء و البياض قالوا:

ابنة ماء السماء. و قالوا: المنذر بن ماء السماء. و يقولون: لونه له طلاوة و ماء.

و فلان ليس في وجهه ماء. و ردني فلان و وجهي بمائه. قال الشاعر:

ماء الحياء يجول في وجناته‏

و وصف الراجز جملا كريما فقال:

أراك في ماء المهاري منقع

و قالت أم فروة في صفة الماء:

تحدّر من غرّ طوال الذوائب‏* * *و ما ماء مزن أيّ ماء تقوله‏

عليه رياح الصيف من كلّ جانب‏* * *بمنعرج أو بطن واد تحدّبت‏

[114 أ]

فما أن به عيب تراه لعائب‏* * *نفى نسم الريح القذى عن متونه‏

و الأبيضان: الماء و اللبن. و الأسودان التمر و الماء. و سواد العراق، ماؤه‏

____________

(1) في الحيوان بعده بيت رابع و بغيره لا يكمل المعنى.

بأطيب ممن يقصر الطرف دونه‏* * * تقى اللّه و استحياء بعض العواقب‏

467

الكثير. و الماء إذا كان له عمق اشتد سواده في العين. و قال العكلي في صفة ماء:

عاوده من ذكر سلمى عوّده‏* * * و الليل داج مطلخم اسوده‏

فبتّ ليلي ساهرا ما أرقده‏* * * مرتفعا أو قائما ما أقعده‏

حتى إذا الليل تولّى كبده‏* * * و انكبّ للغور انكبابا فرقده‏

و حثّه حاد كمشي يطرده‏* * * أغرّ أجلى مغرب مجرّده‏

أصبح بالقلب جوىّ ما يبرده‏* * * ماء غمام في الرصاف مقلده‏

زلّ به عن رأس نيق صدده‏* * * عن ظهر صفوان مزل مجسده‏

[حتى إذا السيل تناهى مدده‏* * * و شكّد الماء الذي يشكّده‏]

بين نعامى و دبور تلهده‏* * * كلّ نسيم من صبا تستورده‏

كأنّما يشهده أو يفقده‏* * * فهو شفاء الصاد مما يعمده‏

و قال جرير:

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة* * * تجد الحوائم لا يجدن مقيلا

بالعذب في وسط الفلاة مقيله‏* * * قصر الأباطح لا يزال ظليلا

قالوا: و في الماء، أن أطيب شراب عمل و ركّب مثل الجلاب و السكنجبين و البنفسج و غير ذلك مما يشرب من الانبجات و الأفشرجات‏ (1) فإن تمام لذته و غاية طعمه أن يجرع شاربه بعد شربه إياه جرعا من الماء يغسل بها فمه و يطيب بها نفسه. فهو في هذا الموضع كالخلّة و الحمض جميعا، و هو تسويغ الطعام في المري‏ء. و هو الموصل الغذاء في الأعضاء. فالماء يشرب صرفا و ممزوجا و الأشربة لا تشرب صرفا و لا ينتفع بها إلّا بممازجته. و هو بعد طهور الأبدان و غسول الأدران. و قالوا: هو كالماء الذي يطهر كل شي‏ء و لا ينجسه شي‏ء. و لذلك‏

قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): الماء لا ينجسه [114 ب‏] شي‏ء إلّا ما ظهر في طعمه‏

____________

(1) الانبجات: المربّيات التي تصنع بالعسل بحيث يمكن القول ان كلمة المربيات ترادف الانبجات (فرهنگ معين) و يبدو أن الأفشرجات من هذا الصنف أيضا.

468

و ريحه‏ (1).

و منه يكون الثلج و الثلج يجمع الحسن في العين و الكرم في البياض و الصفاء و حسن الوقع من النفس. و من فضل الجبل‏ (2) على العراق أنك لو قلت لمريض قد نقه من علته ببغداد في أيام حزيران و تموز و بناحية الكوفة و البصرة: ما تشتهي؟

لقال: أشتهي شربة ماء بارد أو قطعة ثلج أو جليد. و قد أقسموا بالماء. قال الشاعر:

غضبى فلا و اللّه يا أهلها* * * لا أشرب البارد أو ترضى‏

و سمى اللّه عزّ و جلّ أصل الماء غيثا بعد أن قال «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ».

و قال‏ وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً.

و من الماء زمزم و هو شفاء للأدواء. و منه ما يكون دواء من الأدواء الغليظة كالحمّات‏ (3).

و بهمذان حمّات كثيرة نافعة من الأدواء الغليظة مثل النقرس و الجرب و الرياح المستصعبة و غير ذلك فينفعها منفعة تامة. منها ماء حمّة أروند و لويذان و حمة سارقين‏ (4). و حمة دار نبهان و ماء آست و عبد اللّه آباد و ماء بذين و ماء سامين‏ (5) و غير ذلك.

و قالوا: أحسن الأشياء: صفو هواء و عذوبة ماء و خضرة كلاء.

و قالوا: أفضل المياه ماء السماء إذا أخذ في ثوب نظيف. ثم ما وقع على جبل فاجتمع على صخرة. ثم ماء الغدران العظام. ثم الماء المستنقع في الصحارى إذا لم يكن فيه عشب. ثم ماء القناة ثم ماء الحوض الكثير العمق. ثم ماء العيون‏

____________

(1) في الحيوان 5: 146 ورد: (

و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في بئر رومة: الماء لا ينجسه شي‏ء).

فقط.

(2) فضل الجبل غير موجودة في الحيوان و يبدو أنها من إضافات ابن الفقيه.

(3) إلى هنا يتوقف عن الاقتباس من الجاحظ.

(4) في المختصر: دارفين.

(5) في المختصر: سامير.

469

و ما ينحدر من الجبال و الماء الجاري النقي جيد من كل شي‏ء. و هو جيد للحمى و الزكي و جيد للمزاج و البلغم.

و قالوا: لولا أن ماء همذان متفرق و هي أنهار كثيرة، في أقطارها، لكان إذا اجتمع ماؤها مثل دجلة و الفرات.

و قال تيادوس‏ (1): الماء حياة كل شي‏ء و هلاك كل شي‏ء و غضارة كل شي‏ء و كاسف بال كل شي‏ء. فأما قوله حياة كل شي‏ء، فبه يحيا الإنسان الذي لم يخلق اللّه أشرف صنعة منه، و النبات و الشجر و كل مأكول من الثمر و غيره. و هو غضارة هذه الأشياء و نضرتها. و أما كسوف بال كل شي‏ء، فإذا أخذ منه الماء تغيرت نضرته و ذاك كسوف باله. و أما هلاك كل شي‏ء. فإن الغرق منه و كثرة شربه تورث الأدواء كما أن الاقتصاد فيه يذهب كل داء.

و ماء السماء إذا أخذ في شي‏ء انتقي و صفّي [115 أ] و شرب منه صاحب السل و اليرقان نفعهما. و إذا أخذ منه في جلم قبل أن يقع إلى الأرض و شربه من أراد الذكاء زاد في حفظه و ذكائه.

و إن أخذ ماء السماء و خلط مع العسل و المصطكى و شرب نفع من البهق.

و ماء البرد إذا أخذ و ألقي على قصب فارسي مخرق و استيك به نفع من الحفر و القلح و أذهب بذلك و صلّب الأسنان.

و ماء الثلج إذا أخذ مع عرق إنسان ثم سقي به من الكزاز سكن فيه. و إذا أخذ مع لبن الإبل و سقي من به خفقان الفؤاد سكّنه. و إن خلط به زبد البحر ثم طلي به على الجرب، ذهب به. و إن أخذ مع رماد الزيتون فطلي بهما البهق الأسود نفعه.

و إن أخذ ماء البئر أول ما ينبع ثم شربه من سقي السم، كان نافعا له، و إن أخذ أيضا ثم فتّ فيه خبز من حنطة حديثة و جعل فيه قند و أكله من به وجع الفؤاد نفعه. و أول ما يظهر من العين عند حفرها فهو نافع من الجنوب و الوسواس.

____________

(1) لعله ثيودورس. و هو من العلماء اليونانيين له مؤلفات في الجغرافيا و الهندسة (ابن النديم 328).

470

و إن ظهرت عين في سبخة فطرح فيها الاسفيل‏ (1) المشوي و أصل الكبد كان دواء للمجذومين. و العيون الكبريتية تنفع من الجرب.

و ماء البحر إذا أخذ مع السنبل المدقوق و () (2) و دلك به اللسان قطع البخر و طيّب رائحة الفم.

و أنشد لأبي صالح الحذّاء من شعر طويل كتب به إلى ابنه- و كان غائبا- يذكر له طيب هواء همذان و حسنها و نزهتها و عذوبة مائها و يشوّقه إليها:

فارحل إلينا رحلة تنجلي‏* * * منّا غيابات لمحزون‏

فقد هدت سورة أيّامنا* * * و انسلخت أيام تشرين‏

و جاءنا الشهر الذي صفّدت‏* * * فيه عفاريت الشياطين‏

و طاب للسارين وجه السرى‏* * * في طرق الريّ و قزوين‏

و الدهر في تقويم ساعاته‏* * * كدرهم أبيض موزون‏

هذا و بنت الكرم قد أكملت‏* * * عدّتها في القار و الطين‏

عذراء ياقوتتها أبرزت‏* * * تخطب من خدر الدهاقين‏

قوم تراهم فترى أنّهم‏* * * تجار عطر في الدكاكين‏

و الطير قد حنّت إلى عشّها* * * بكلّ ألوان التزايين‏

قد أقبلت واردة أرضنا* * * يقدمها سرب الشفانين‏

من بعد أن أفحمها عجمة* * * غنّت بلحن غير ملحون‏

[115 ب‏]

ترنّمت في الجوّ قمريّها* * * تترى بترجيع الرواشين‏

____________

(1) نرجّح أن الكلمة هي اسقيل و هو من النباتات الطبية و يقال له بصل العنصل و بصل الفار و ذرة الحبش و يقال له اصقيل و اسقال. انظر عن خواصه و منافعه (المعتمد 341) و (الأبنية عن حقائق الأدوية 38 و 52).

(2) كلمة غير مقروءة.

471

و الورق من ذكر فواخيتها* * * تسعدها خضر الوراشين‏

تبكي على فرقة ألّافها* * * شجوا بدمع غير مهتون‏

و قد بدا أروند يبدي لنا* * * من سفحه كلّ التحاسين‏

تزينت غرّة إقباله‏* * * بوشيه أحسن تزيين‏

و انحسرت منه رؤوس الربى‏* * * عن ناضر أخضر مشحون‏

و القبج من حافاته أوردت‏* * * فراخها خوف الشواهين‏

و للظبا سرب إذا أقبلت‏* * * من فجّه كالخرّد العين‏

و الشاء تثغوا بين حملانها* * * قد أمنت كيد السراحين‏

و الماء يجري من متون الصفا* * * على الخزامى و الرياحين‏

نسيمها عند هبوب الصبا* * * أطيب من نفحة نسرين‏

و اللّه يسقي الريّ غيثا به‏* * * من كان من سكّان رامين‏

إنّ لهم من فرط شكري بما* * * صانوك أجرا غير ممنون‏

أجر الألى صانوا إمام الهدى‏* * * أعني عليّا يوم صفين‏

فهاكها مكنونة صغتها* * * حليا لعرض لك مكنون‏

أبكار ألفاظ و ما بكر ما* * * يهدى من الألفاظ كالعون‏

تمّت ثمانين و تأريخها* * * في سنة الإحدى و تسعين‏

و قال آخر:

تذكّرت أروندا و طيب نسيمه‏* * * فقلت بقلب للفراق سليم‏

سقى اللّه أروندا و من في جواره‏* * * و من حلّه من ظاعن و مقيم‏

و أيّامنا إذ نحن في الدار جيرة* * * و إذ دهرنا بالوصل غير ذميم‏ (1)

و قال آخر:

____________

(1) في المختصر، عجز البيت هو: نطوف بربع للوصال قديم.

472

سقيا لأروند ما أهنى المصيف به‏* * * ظل ظليل و ماء ينقع الكبدا

و تربة كسحيق المسك نكهتها* * * و جيرة كبحور تقذف الزبدا

و قال آخر:

قالوا ترى النيل في مصر فتألفه‏* * * إذا ترامى على آذيّه الزبد

فقلت أحسن من نيل بمصركم‏* * * ماء العيون على الرضواض يطّرد

في جانبيه رياض الزهر زيّنها* * * نسيم نوّارها و الطائر الغرد

ترى الخزامى يناغي الأقحوان بها* * * عند الغدوّ كما ناغى أبا ولد

و أنشد لوهب الهمداني:

ألقى الربيع على أروندنا خلعا* * * خضرا و خلعته البيضاء قد خلعا

[116 أ]

كساه ثوبا من النوّار تنسجه‏* * * أيدي الربى روضها خفضا و مرتفعا (1)

ملاءة نسجتها ديمة فلها* * * بدائع جمة قد فاقت البدعا

لها رقائق حسن ليس يفهمها* * * ما ذا جواهرها إلّا الذي صنعا

صفر و خضر و حمر ليس يشبه ذا* * * هذا و لا ذاك هذا عند ما طلعا

للماء فيه خرير رجع نغمته‏* * * في الروض ترجيع نشوان إذا سجعا

ترى حدائقها كالبيض لامعة* * * بين الأقاحي فضاء في الرياض معا

إذا بكت مزنة من فوقها ضحكت‏* * * شقائق أخرجت من سمطها خلعا

طور منيف عليه شملة نسجت‏* * * خضراء فارتفعت فيه كما ارتفعا

إذا الشمال عليه جرّ أذيله‏* * * حسبته سوق عطر بينها وضعا

فانظر إلى بطن أروند البهيّ ترى‏* * * بابا إليه من الفردوس قد شرعا

____________

(1) عجز البيت في المختصر هو: حدائق نصّع من فاقع لمعا.

473

و اسمع إذا قرقرت قمرية طربا* * * و هاج ورشانه في سفحه و دعا

و الثاغيات بها تدعو هوالعها* * * فكلّ ثاغية قد أرقدت هلعا

من لم يكن في ذرى أروند معتكفا* * * فذاك عن صحبة اللذات قد خدعا

و يقال إن أكثر الجبال ماؤها من أسفلها إلّا أروند فإن ماءه في أعلاه و منابعه في ذروته.

و أنشد لبعضهم في أروند:

أودى الشتاء و هاج كلّ مغرّد* * * و بدت معالم للربيع الأغيد

عكفت على أروند كلّ سحابة* * * سوداء مظلمة كلون الإثمد

تبكي مدامعها و يضحك ثغرها* * * عن شرق كالكوكب المتوقّد

هملت بما حملت فألبست الربى‏* * * من نسجها حللا و إن لم تعقد

من كلّ أخضر كالحرير و فاقع‏* * * غضّ و أحمر ساطع و مورّد

شملت عصابة نوره هام الثرى‏* * * فتعمّمت منها هضاب الفدفد

صارت عيونا للزبى لما بكت‏* * * فيها السحاب بأعين لم تجمد

و كأنها قمر و قد طلعت لها* * * شمس الضحى من جوهر متبدّد

حسنت فحسّنت الثرى ببدائع‏* * * حسرت مساوي للشتاء الأنكد

شربت من الوسميّ أول صوبه‏* * * و من الزلال البارد المتطرّد

و كأنما لبس البقاع معصفرا* * * منها و وشّح صدره بمورّد

نفت الصّبا عنه القذى بنسيمها* * * فكأنه لمعان متن مهنّد

[116 ب‏] و كانوا يقولون: شتاء بغداد، و ربيع همذان و مصيف أصفهان و خريف الري‏ (1).

و قالت الحكماء: أحسن الأرض مخلوقة، الري و لها السن‏

____________

(1) في المختصر: خريف همدان و ربيع الري.

474

و السريان‏ (1). و أحسنها مصنوعة، نيسابور و لها حسن الآبار. و مرو و لها الذريق و الماجان، و دمشق و لها الغوطة و الواديان. و نصيبين و لها هرماس. و الصيمرة و لها ما يهوى الحصنان. و البصرة و لها النهران. و فارس و لها شعب بوّان. و شهر زور و لها المستشرف. و باقرحى و لها من هاهنا بستان و من هاهنا بستان. و المدائن و لها دجلة. و السوس و تستر و هما بين أربعة أنهار: دجيل و المسرقان و ماهينان و نرويان.

و بلخ و نهاوند و أصفهان.

و قال أبو الوفاء الهمذاني في إقبال همذان و متنزهاتها في شعر طويل:

ريّان من ماء الكروم كأنني‏* * * غصن أمالته الصبا فثأوّدا

أرمي بعينيّ الرياض و أجتني‏* * * من حليهن لآلئا و زبرجدا

ما بين أعلى معوجين و دونها* * * متصوّبا طورا و طورا مصعدا

و إذا علوت إلى بقاع سنينس‏* * * و أبحت عينيك المراد الأبعدا

عاينت أحسن منظر حلّ الندى‏* * * و شماله من نسجه أن ينفدا

زهراء قد زهت الرياض بنوره‏* * * لمّا غدا على‏ (2) الربى متسرّدا

حمراء ناصعة صفراء فاقعة* * * و مزعفرا في لونه و مورّدا

يفترّ مبتسما كأنّ وميضه‏* * * شرر أطارته الصبا فتوقّدا

و إذا الغزالة حلّ عقد خمارها* * * أهدت له منها ندى متجدّدا

نور تنير له الرياض و تغتدي‏* * * تبدو له أسرارهنّ إذا بدا

و ترى الجنان قد اكتسين نضارة* * * و جلين درّا في الغصون منضّدا

و قال أيضا [117 أ]:

يا للّيالي ترميني بأسهمها* * * و مالها ترة عندي و لا ثار

إذا اصطفيت خليلا أو أخا ثقة* * * لا تنثني منه أو تنأى به الدار

____________

(1) في المقدسي: سر و بهزان.

(2) الوزن مضطرب و يمكن أن يستقيم إذا وضعت (فوق) مكان (على).

475

يا أيها المغتدي نحو الجبال له‏* * * فيما هناك لبانات و أوطار

اقرء السلام على أروند من جبل‏* * * يهيجني نحوه شوق و تذكار

و اخصص أماكن فيه كنت أعهدها* * * فيهنّ مني علامات و آثار

و اربع بمرتبع كنّا نلوذ به‏* * * قد أينعت فيه باللّذات أشجار

بسفح مرجانة المحسود ساكنها* * * روض أريض و ماء ثمّ موّار

و شعب قرّود فيه كلّ مونقة* * * و فيه للّهو أشجار و أنهار

فسفح ترمن فالدكان مجتمع‏* * * فحيّه كلّما حلّته أمطار

مستشرف فيه للأبصار متّسع‏* * * يروقنا زهر فيه و أنوار

و فيه للقلب و الأسماع ما طلبا* * * من السرور إذا غرّدن أطيار

يجيب ألحانها منا إذا هزجت‏* * * و غرّدت طربا عود و مزمار

تلك البلاد التي تحيا النفوس بها* * * لا ما تلهّب في حافاته النار

أرض ينعّم أهليها إذا نعموا* * * بأن تكنّهم في الأرض آبار

مجاراة عبد القاهر و الحسين بن أبي سرح في مدح همذان و العراق و ذمّهما

و كان عبد القاهر بن حمزة الواسطي و الحسين بن أبي سرح كثيرا ما يلتقيان فيتجاريان الآداب و يتذاكران العلوم. و كان عبد القاهر لا يزال يذم الجبل و هواءه و أهله و شتاءه، لأنه رجل من أهل العراق. و كان ابن أبي سرح مخالفا له، كثير الذم للعراق و الطعن على أهله. فالتقيا يوما عند محمد بن إسحاق الفقيه‏ (1). و كان يوما شاتيا صادق البرد كثير الثلج. و كان البرد قد بلغ إلى عبد القاهر. فلما دخل و سلم قال: لعن اللّه الجبل و لعن ساكنيه و خصّ اللّه همذان من اللعن [117 ب‏] بأوفره و أكثره. فما أكدر هواءها و أشدّ بردها و أذاها و أكثر مؤونتها و أقل خيرها. قد

____________

(1) هو والد مؤلف الكتاب.

476

سلّط اللّه عليها الزمهرير الذي يعذب به أهل جهنم، مع ما يحتاج الإنسان منها إليه من الدثار و المؤن المجحفة.

فوجوهكم يا أهل همذان متشققة، و أنوفكم سائلة، و أطرافكم خضرة، و ثيابكم متّسخة و روائحكم قذرة، و لحاكم دخانية (1)، و سبلكم منقطعة، و الفقر عليكم ظاهر و المستور في بلدكم مهتوك. لأن شتاءكم يهدم الحيطان و يبرز الحصان و يفسد الطرق و يشعث الآطام. فطرقكم و حلة تتهافت فيها الدواب، و تقذر فيها الثياب و تتحطم الإبل و تنخسف فيها الآبار و تغيض المياه، و تكف السطوح و تهيج الرياح العواصف، و تكون فيها الزلازل و الخسوف و الرعود و البروق و الثلوج و الدمق. فتنقطع عند ذلك السبل و يكثر الموت و تضيق المعايش. فالناس في جبلكم هذا سائر أيام الشتاء يتوقعون العذاب و يخافون السخطة و العقاب، ثم يسمونه العدو المحاصر و الكلب الكلب. و لذلك كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى بعض عمّاله: إنه قد أظلكم الشتاء و هو العدو المحاصر، فاستعدوا له الفراء و استنعلوا الحذاء. و قد قال الشاعر:

إذا جاء الشتاء فأدفئوني‏* * * فإن الشيخ يهدمه الشتاء

فالشتاء يهدم الحيطان، فكيف الأبدان، لا سيما شتاؤكم الملعون؟

ثم فيكم أخلاق الفرس و جفاء العلوج و بخل أهل أصفهان و وقاحة أهل الري و فدامة أهل نهاوند و غلظ طبع أهل همذان. على أن بلدكم هذا أشدّ البلدان بردا و أكثرها ثلجا و أضيقها طرقا و أوعرها مسلكا و أفقرها أهلا.

و كان يقال: إن أبرد البلدان ثلاثة: برذعة و قاليقلا و خوارزم. و هذا قول من لم يدخل بلدكم و لم يشاهد شتاءكم. و قد حدثني أبو جعفر محمد بن إسحاق المكتّب قال: لما قدم عبد اللّه بن المبارك همذان، أوقدت بين يديه، فكان إذا سخن باطن كفّه أصاب ظاهرها البرد. و إذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد، فقال:

____________

(1) تأتي بعد هذا في آثار البلاد 484: و ألوانهم باذنجانية.

477

أقول لها و نحن على صلاء* * * أما للنار عندك حرّ نار

لئن خيّرت في البلدان يوما* * * فما همذان عندي بالخيار

ثم التفت إلى ابن أبي سرح و قال: يا أبا عبد اللّه! و هذا والدك يقول:

النار في همذان يبرد حرّها* * * و البرد في همذان داء مسقم‏

و الفقر يكتم في بلاد غيرها* * * و الفقر في همذان ما لا يكتم‏

قد قال كسرى حين أبصر تلّكم‏* * * همذان، فانصرفوا فتلك جهنّم‏

و الدليل على هذا أن الأكاسرة كانت لا تدخل همذان، لأن بناءهم متصل من المدائن إلى أزرميدخت من أسدآباد و لم يجوزوا عقبة أسدآباد.

و بلغنا أن كسرى أبرويز همّ بدخول همذان. فلما بلغ موضعا يقال له دوزخ دره و معناه بالعربية باب جهنم أو كهف جهنم، قال لبعض وزرائه: ما يسمى هذا المكان؟ فعرّفه. فقال: انصرفوا. لا حاجة لنا في دخول مدينة فيها ذكر جهنم.

و قال شاعركم و هو وهب بن شاذان الهمذاني:

أما آن من همذان الرحيل‏* * * من البلدة الحزنة الجامدة

فما في البلاد و لا أهلها* * * من الخير من خصلة واحدة

يشيب الشباب و لم يهرموا* * * بها من ضبابتها الراكدة

سألتهم أين أقصى الشتاء* * * و مستقبل السنة الواردة

فقالوا إلى الجمرة المنتهى‏* * * فقد سقطت جمرة جامدة

و قال أيضا:

يوم من الزمهرير مقرور* * * عليه جبّ الضباب مزرور

كأنما حشو جوّه إبر* * * و أرضه وجهها قوارير

و شمسه حرّة مخدّرة* * * تسلّبت حين حمّ مقدور

تخال بالوجه من ضبابتها* * * إذ أخذت جلدة زنابير

478

يرى البصير الحديد نظرائه‏* * * منها لأجفانه سمادير

و سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رجلا فقال: من أين أنت؟ فقال: من همذان. قال: أما إنها مدينة همّ و أذى، تجمد قلوب أهلها كما يجمد ماؤها. و قال شاعركم أيضا محمد بن بشار يذم بلدكم و يذكر شدة برده و غلظ طبع أهله و ما يحتاجون إليه من المؤن المجحفة الغليظة [118 أ]:

أتتك امارات الشتا و دلائله‏* * * و وافاك من برد الخريف أوائله‏

فأصبحت محزونا و دمعي كأنّه‏* * * جمان على الخدين ينثر هامله‏

أمامي صيف رعانيه‏ (1)* * * و تيه رحيب جوزه و مجاهله‏

إذا البرد ردّاه رداء كأنه‏* * * ملاء عليه قد تنوّق غاسله‏

و هبّت له ريح الصبا ثم أعقبت‏* * * جنوبا و هبّت بعد ذاك شمائله‏

وجدت فؤادي طائرا من حذاره‏* * * و قلبي كثيبا ما تكفّ بلابله‏

و قال آخر:

أتانا الزمان ببرد الشتاء* * * و سال به سيله مكفهرّا

و هبّت سيول شمال الرياح‏* * * فكزّ الفقير لها و اقشعرّا

يقرّب من رأسه منكبيه‏* * * و يغدو إلى ناره مشمئرّا

و أحجرت الكلب هوج الرياح‏* * * و صرّ بأذنيه للبرد صرّا

و فارقت الوحش أوطانها* * * إلى كلّ غور يقيهنّ‏ (2) شرّا

و كرّ الولاة على من يكون‏* * * فلم يجد المرء منهم مفرّا

و شحّ البخيل على ماله‏* * * و زوّى له حاجبيه و هرّا

و قيل لأعرابي دخل همذان ثم انصرف إلى البادية: كيف رأيت همذان؟

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) في الأصل: فلفهن.

479

فقال: أما نهارها فرقّاص و أما ليلهم فحمّال. يعني أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، و بالليل حمّالون لكثرة دثارهم.

و وقع أعرابي إلى همذان في الربيع فاستطاب الزمان و أنس بالأشجار و الأنهار. فلما جاء الشتاء، ورد عليه ما لم يعهده من البرد و الأذى فقال:

بهمذان شقيت أموري‏* * * عند انقضاء الصيف و الحرور

جاءت بشرّ شرّ من عقور* * * و رمت الآفاق بالهرير

و الثلج مقرون بزمهرير* * * لولا شعار العاقر النزور

أمّ الكبير و أبو الصغير* * * لم يدف إنسان من التخصير

و لقد سمعت شيخا من علمائكم و ذوي المعرفة منكم أنه يقول: يربح أهل همذان إذا كان يوم في الشتاء صافيا له شمس حارة، مائة ألف درهم، لأنهم لا يحتاجون فيه إلى الوقود. و قيمته في همذان و رساتيقها في كل يوم مائة ألف درهم.

و قيل لابنة الخسّ: أيما أشدّ الشتاء أم الصيف؟ فقالت: من يجعل الأذى كالزمانة.

و قيل لأعرابي: ما غاية البرد عندكم؟ فقال: إذا كانت السماء نقية و الأرض ندية و الريح شامية فلا تسأل عن أهل البريّة.

و قد جاء في الخبر أن همذان تخرب لقلة الحطب.

و دخل أعرابي همذان. فلما رأى هواءها و سمع كلام أهلها، ذكر بلاده و قال:

و كيف أجيب داعيكم و دوني‏* * * جبال الثلج مشرفة الرعان‏

بلاد شكلها من غير شكل‏* * * و ألسنها مخالفة لساني‏

و أسماء النساء بها زنان‏* * * و أقرب بالزنان من الزواني‏

و دخل بعض الأعراب الجبل في الشتاء فجعل أنفه‏

480

يرعم‏ (1). فرفع يده و وجأه فقال: لا و الذي جلّ و علا، ما رأيت عضوا أنتن منك.

إذا جمد كل شي‏ء فأنت تذوب، و إذا ذاب كل شي‏ء فأنت تجمد. أبيت إلّا خلافا.

و قال شاعركم و هو أحمد بن بشار (2).

لقد أتى همذان البرد فانطلق‏ (3)* * * و ارحل على شعب شمل غير متفق‏

بئس اعتياض الفتى أرض الجبال له‏* * * من العراق و باب الرزق لم يضق‏

أما الملوك فقد أودت سراتهم‏* * * و الغابرون بها في شيمة السوق‏

و لا مقام على عيش ترنّقه‏* * * أيدي الخطوب و شرّ العيش ذو الرنق‏

قد كنت أذكر شيئا من محاسنها* * * أيام لي فنن كاس من الورق‏

فاليوم لا بدّ من نعتي مساوئها* * * كما يغصّ بها الثاوي على شرق‏

لا خير فيها و لا في أن تقيم بها* * * و لا تقلبت بين التبر و الورق‏

أرض يعذب أهلوها ثمانية* * * من الشهور كما عذّبت بالرهق‏

تبلى حياتك ما تمنى بنافعة* * * إلّا كما انتفع المجروض بالرمق‏

فإن رضيت بثلث العمر فارض به‏* * * على شرائط من يقنع بها يبق‏

إذا زوى البقل هاجت في بلادهم‏* * * من جربيائهم نشّافة العرق‏

تبشّر الناس بالبلوى و تنذرهم‏* * * ما لا يداوى بلبس الدرع و الدرق‏

تلفّهم في عجاج لا تقوم لها* * * قوائم الفيل قبل المأقط الشبق‏

لا يملك المرء فيها كور عمّته‏* * * حتى تطيّرها من فرط مخترق‏

فإن تكلّم لاقته بمسكنة* * * مل‏ء الخياشيم و الأفواه و الحدق‏

فعندها ذهبت ألوانهم جزعا* * * و استقبلوا الجمع و استولوا على العلق‏

حتى تفاجئهم شهباء معضلة* * * تستوعب الناس في سربالها اليقق‏

____________

(1) يرعم: يسيل المخاط منه (اللسان).

(2) لدى ياقوت و آثار البلاد جاء مرة أحمد و أخرى محمد.

(3) في الأصل: لقد آن من همذان السير فانطلق. و ما ذكرناه هو من آثار البلاد ص 485 أوفق.

481

خطب بها غير هين من خطوبهم‏* * * كالخنق ما منه من ملجا لمختنق‏

أمّا الغني فمحصور يكابدها* * * طول الشتاء مع اليربوع في نفق‏

يقول أطبق و أسبل يا غلام‏* * * و أرخ الستر و اعجل بردّ الباب و اندفق‏

و أوقدوا بتنانير تذكّرهم‏* * * نار الجحيم بها من يصل يحترق‏

و المحلقون بها سبحان ربّهم‏* * * ما ذا يقاسون طول الليل من أرق‏

تنسدّ أبوابهم بالثلج فهو لهم‏* * * دون الرتاج رتاج غير منطبق‏

و الأرض تصبح و الدنيا لها طبق‏* * * تحار فيه عيون الناس في الطرق‏

حتى إذا استحكمت بردا غدا طبق‏* * * من الضباب فقد أوفى على طبق‏

ينهلّ منها عليهم دائبا ديما* * * بالزمهرير عذابا صبّ من أفق‏

صبغ الثياب إذا حلّ الشتاء بها* * * صبغ المآتم للحسّانة الفنق‏

و الذئب ليس إذا أمسى بمحتشم‏* * * من أن يخالط أهل الدار و النسق‏

فويل من كان في حيطانه قصر* * * و لم يخصّ رتاج الباب بالغلق‏

يدعو الثبور على صبيانه فرقا* * * بعد العشاء و يدعوه من الفرق‏

و صاحب النسك ما تهدا فرائصه‏* * * و المستغيث بشرب الخمر في غرق‏

أما الصلاة فودّعها سوى طلل‏* * * أقوى و أقفر من سلمى بذي العمق‏

تمسي و تصبح و الشيطان في قرن‏* * * مستمسكا من حبال الدين بالرمق‏

و الماء كالثلج و الأنهار جامدة* * * و الأرض أضراسها تلقاك بالدبق‏

حتى كأنّ قرون العفر ناتئة* * * تحت المواطئ و الأقدام في الطرق‏

و الناس بيض اللحى تهمي أنوفهم‏* * * فوق الشوارب كالمصدوم ذي البلق‏

تسعين يوما و عشرا أكلمت مائة* * * يدعون ليلة متّت ليلة السدق‏

كأنهم عسكر هاج الحريق بهم‏* * * فهم يموجون و الضوضاء في فرق‏

كأنهم حين أفضوا في ثيابهم‏* * * خلف الغرابيل أوهاها من الخرق‏

فما ترى بعدها يلقون من عذب‏* * * من الوحول التي طمّت على اللثق‏

482

و المشي شهرين بالميزان قد زهقت‏* * * نفوسهم فرقا من خشية الزلق‏

فكلّ غاد بها أو رائح عجل‏* * * يمشي على أهلها غضبان ذا حنق‏

قوم غذاؤهم الألبان مذ خلقوا* * * فما لهم غيرها من مطعم أرنق‏

لا يعبق الطيب في أصداغ نسوتهم‏* * * و لا جلودهم تبتّل من عرق‏

فهم غلاظ جفاة في طباعهم‏* * * إلّا تعلّة منسوب إلى الحمق‏

أفنيت عمري بها حولين من قدر* * * لم أقو منها على دفع و لم أطلق‏

فلما بلغ عبد القاهر هذا المكان، التفت إليه ابن أبي سرح فقال: لقد أكثرت في المقال و أسرفت في الذم و أطلت القلت و طوّلت الخطبة. و لولا ما أجزت إليه من سوء المقال و كثرة الهذيان لكنا عن مجاوبتك بمعزل و عن محاورتك في شغل.

فمهما كان فينا- يا أبا علي أكرمك اللّه- و في هوائنا و أرضنا و بلدنا و صقعنا.

فليس فينا جفاء النبط و عجر فيه أهل [119 أ] السواد، و أخلاق الخوز، و غدر أهل الكوفة، و دقة نظر أهل البصرة، و بخل أهل الأهواز، و سوء معاشرة أهل بغداد و شدة حيلهم، و جفاء أهل الجزيرة، و غباوة أهل الشام.

و أهل الجبل قد سلموا من شدة حرّ البصرة، و من كثرة ذباب بغداد، و من بقّ البطائح، و براغيث الكوفة، و تغير هواء مصر، و من جرارات الأهواز و سمائمها، و من عقارب نصيبين، و ثعابين مصر، و من أفاعي سجستان.

و هل الخصب و الخير و النعمة و الدعة و الأكل و الشرب إلّا في الشتاء الذي تغيب فيه الهوام و تنحجر الحشرات و يموت الذباب و يهلك البعوض و يبرد الماء و يصفو الجوّ و يطيب فيه العناق، و يظهر فيه الفرش و الكسوة و النعمة و الملوكية و السرو (1) و الخرمية.

و إذا ميزت الأقاليم صقعا صقعا و بلدا بلدا و كورة كورة و طسوجا طسوجا، علمت أنه لا يخلو بلد من البلدان و لا إقليم من الأقاليم في شرق الأرض و غربها

____________

(1) في المختصر: المروءة.

483

و برها و بحرها و سهلها و جبلها من حرّ و برد أربعة أشهر. و لذلك قال أبو دلف:

إني امرؤ كسروي الفعال‏* * * أصيف الجبال و أشتو العراقا

و ألبس للحرب أثوابها* * * و أعتنق الدار عين اعتناقا

فاختار بفضل رأيه و جودة تمييزه أن يصيف الجبال ليسلم من سمائم العراق و ذبابه و هوامّه و حشراته و سخونة مائه و هوائه. و اختار أن يشتو بالعراق ليسلم من زمهرير الجبال و كثرة أنديتها و وحولها و ثلوجها. و قد قال أيضا في غير هذا المعنى. بل في ضدّه لسبب دعاه إلى ذلك:

أ لم تر حين حال الزمان‏* * * أصيف العراق و أشتو الجبالا

سموم المصيف و برد الشتاء* * * حنانيك حالا أزالتك حالا

فصبرا على حدث النائبات‏* * * فإن الخطوب تذلّ الرجالا (1)

و السبب الذي لأجله قال هذه الأبيات أنه لمّا قال القافية التي كتبناها قبلها اتصلت بعبد اللّه بن طاهر- و كان سيى‏ء الرأي بأبي دلف- فقال:

أ لم تر أنا جلبنا العناق‏* * * إلى أرض بابل قبّا عتاقا

[119 ب‏]

فما زلن يعسفن بالدار عين‏* * * طورا حزونا و طورا رفاقا

إلى أن وردن بأدوائها* * * قلوب رجال أرادوا النفاقا

و أنت أبا دلف ناعم‏* * * تصيف الجبال و تشتو العراقا

فلما وقف أبو دلف على هذه الأبيات آلى على نفسه أن لا يصيف إلّا ببغداد و لا يشتو إلّا بالجبل.

فإذا صحّ لك ما قلنا و تبين ما حكينا، ثم ميّزت و تفكرت و نظرت و أنصفت.

علمت أن البرد أصلح من الحرّ. لأنك إذا أضفت البرد و هو الجبال إلى ما يقاسيه‏

____________

(1) في المختصر، العجز هو: تأبي الحوادث إلّا انتقالا.

484

أهل عمان و أهل البصرة و سيراف و بغداد من أذى السمائم من الهواء الكدر الغليظ و الماء السخن الزعاق و كثرة الذباب و الجعلان و الخنافس و الحيات و العقارب و الجرّارات و النمل و البعوض و البق و الجرجس و غير ذلك مما يطول ذكره، علمت أن العيش عيشنا و النعمة نعمتنا.

و ملوك الجبل لا يعدون العيش عيشا و النعمة نعمة إلّا في أيام الشتاء. لأنهم يفرشون من الفراش أسراه و يلبسون من الثياب أحسنها و أدفأها. و يلبسون الثعالب البيض و السود و الحمر و الفنك و السمور و القاقم و الحواصل و الوشق و الدلق و الفراء اليمانية. و يفرشون الخز الرقم و الأرمني المحفور و الميساني و القطوع و الديباج و المرعز و السوسنجرد.

و لهم المضارب و الأبنية و الستارات و السرادقات و القباب التركية و أثواب عدن و ثياب نيسابور و مرو و أصفهان، و النعمة عندنا في الشتاء أظهر و الخير أكثر.

و لولا الشتاء و ثلجه و برده و ريحه و مطره لما نبت لنا في الصيف زرع و لا ذرّ ضرع و لا أخضر شجر و لا اجتني ثمر. و لذلك قال الشاعر:

لولا الشتاء و لولا قبح منظره‏* * * لما بدا من ربيع منظر حسن‏

و في الشتاء يستلذ الملوك شرب المدام لطول الليل و قلة الهوام. و الشراب صديق النفس و حياة الأبدان و السبب إلى الزيادة في الأعمار و صحة الأجسام، و باعث الحرارة الغريزية و مرطّب الأعضاء اليابسة و طارد الهم و الفكر، و الزائد في ارتفاع الهمة. و له اتخذت القصور [120 أ] المشيدة و المجالس المنجدة و النمارق الممهدة، هذا في الشتاء.

فإذا جاء الربيع، فلنا الأفياء الحسنة و الرياض الخضرة و الجنان المتصلة و المياه المطّردة و الأرواح الطيبة و المواضع النزهة.

ثم لنا من الأنوار و الزهر في الرياض و الغدران ما لا يكون في بلادكم و لا يعرف عندكم. حتى لقد جهد ملوككم و كتّابكم و ذوو النعمة منكم أن يغرسوه في بساتينهم و جناتهم، فلم يستو ذاك لهم و لا أفلح عندهم. من ذلك: الزعفران‏

485

و الزردلال و الجاولال و الكيستج و السحالة و الكركيس و النستر و الندير و السوسن آزاد و غير ذلك من الأنوار الجبلية التي لا تكون إلّا في بلادنا.

و مما هو لنا دونكم و ينبت في بلادنا لا بلادكم، الريباس و هو من أنفع ما يؤكل. و يقال إنه يقوم مقام السكنجبين.

و لنا أنواع من الفواكه ليست لكم. و إذا حمل إليكم شي‏ء منها تفتخرون به و تتهادونه، منها: الكمثرى النهاوندي و الصيني و التفاح الشيري.

و لنا أيضا أشياء تتخذ من الألبان ليست لكم. بل هي مستطرف عندكم. منها اللور و شيران و أنواع الشوارير و الكشك المعمول باللبن.

و إذا دخل الكاتب أو العامل همذان ثم انصرف عنها إلى بلدة و سئل عما فيها قال: إذا كان خبزك من حنطة أزناو مع خبر المهروان و لحم الشراهين، فلا تسأل عن شي‏ء آخر.

و حسبك فضيلة بشي‏ء. ينادى على الخبز بالحرمين: مكة و المدينة. في أيام الموسم و الناس مجتمعون من كل فج عميق: المهرواني، المهرواني.

و لقد دخل بها المعتضد، فوصف له ما يتخذ بها من الألبان فأكل منه و استطابه. فلما انصرف إلى العراق، أمر أن يحمل إليه منه. فكان يوجه به مع الفرانقيين‏ (1) و أصحاب البرد.

و لما ميّز قباد إقليم بلده، وجد أنزه بقاعه ثلاثة عشر موضعا: المدائن و السوس و جنديسابور و تستر و سابور و إصبهان و الري و بلخ و سمرقند و باورد و ماسبندان و مهرجانقذق و تل ماشير و بطنا بنهاوند تسمى روذراور. و هي ثلاثة فراسخ فيها ثلاثة و تسعون قرية متصلة مع جنان ملتفة و أنهار مطّردة. نباتها الزعفران و أشجارها جميع الفواكه: العنب و الرمان و الجوز و اللوز و التفاح و الكمثرى و غير ذلك.

____________

(1) ما نسميهم اليوم بسعاة البريد.

486

و لقد قال بعض الدمشقيين ممن قد جال الآفاق و دار البلدان: دخلت غوطة دمشق و أبلّة البصرة و اسكندرية مصر و صنعاء اليمن. و رأيت خورنق الكوفة و البرية المسماة خد العذراء و حافتي دجلة و الفرات و بغداد و باب الطاق و باب [120 ب‏] الكرخ مع سائر الأسواق.

و شاهدت شبديز قرميسين و زرنروذ إصبهان و جنديسابور الأهواز.

و دخلت شابور فارس، و نظرت إلى شعب بوّان و ماجان مرو و سريان الري و مستشرف باكرخى. و شاهدت سمرقند و الصغد و بلخ. فما رأيت بلدا أطيب و لا أعذب ماء و لا أكثر خيرا من إقبال همذان. و ما ظنك ببلد حشيشه الريحان و الزعفران و شرابه العسل و السمنان و ثمره العنب و الرمان. قال الشاعر:

بلد نبات الزعفران ترابه‏* * * و شرابه عسل بماء قنان‏

قال: فلما بلغ ابن أبي سرح هذا المكان قال له صاحب المنزل: يا أبا عبد اللّه! و أفرطت و قلت في الجبل عاله و عليّه. و هذا وقت ضيق و قد حضرت الصلاة.

و الصواب قطع هذه المفاخرة و ترك هذه المناظرة.

فقال: قد قطعت ذلك، و إن عاد عدنا. ثم قام و هو يقول:

إن عادت العقرب عدنا لها* * * و كانت النعل لها حاضرة

و قال بعض الشعراء (1):

و بالقوس لمّا حلّت الشمس أظلمت‏* * * و أطبق أروند على همذان‏

و هبّت رياح الزمهرير فأحرقت‏* * * بها كلّ ذي جنس من الحيوان‏

فما أن ترى شيئا بها غير جامد* * * مع النفط و النفّاط و القطران‏

ترى الناس بين السوق و الدور جمّدا* * * عداهم من الترداد و الجولان‏

فطرقهم و الدور مطموسة بهم‏* * * يزيدهم طمسا و ليس بفان‏

____________

(1) انفرد المختصر بهذه القطعة.

487

ترى الطير في جوّ السماء معلّقا* * * من البرد ممنوعا من الطيران‏

و تجمد بين الحائطين كلابهم‏* * * و كانت تباري الخيل يوم رهان‏

و ليس يقي من بردها جلد ثعلب‏* * * بخوارزم مدبوغ بغير تواني‏

و لا جلد سمّور و لا الفنك الذي‏* * * يوقّى به المقرور حرّ عمان‏

و ليس يقيهم منه لفح جهنّم‏* * * و ما لهم بالزمهرير يدان‏

أما مهربا من ذا العذار فقد وهت‏* * * عظامي و لا تشعر به القدمان‏

إلى الكرج الحسناء دار أميرنا* * * فنوسعها حمدا بكلّ لسان‏

مباركة حفّت بخصب و نعمة* * * بماء عيون عذبة و جنان‏

فأهل التقى و البرّ و الفضل أهلها* * * و ليس لهم في المشرقين مدان‏

ذكر حب الأوطان‏

و لولا اختلاف شهوات الناس لما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها و من البلدان إلّا أغذاها و من الأمصار إلّا أوسطها.

و لو كانوا كذلك لتناحروا على البلدان الغذية و لتقاتلوا على الأمصار المتوسطة، و لما و سعتهم بلاد و لا تمّ بينهم صلح.

إلّا أن رضاهم بأوطانهم، و اغتباطهم بمساقط رؤوسهم مانع لهم. و القناعة ببلدانهم و إن كانت الطبيعة مجبولة عليه. و كيف لا يكونون كذلك و أنت لو حوّلت ساكني الآجام إلى الفيافي، و ساكني السهل إلى الجبال، و ساكني الجبال إلى السهل و البحار، و ساكني أهل العمد إلى المدر، لأذاب قلوبهم و أخنى عليهم فرط النزاع. بل لو نقلت أهل القفار إلى العمران و حوّلت من في جزائر البحار إلى المدن، لم تجدهم راضين بذلك و لا قانعين. بل كنت تجدهم يحنون إلى أوطانهم و يتذكرون بلدانهم.

و قد قيل في الأمثال: عمّر اللّه البلدان بحب الأوطان الرجال.

و قال عبد اللّه بن الزبير: ليس الناس بشي‏ء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.

488

و قال معاوية في قوم من أهل اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من الشام منزلا خصبا و فرض لهم في شرف العطاء: هؤلاء () (1) أوطانهم بقطيعة أنفسهم.

و قد قال اللّه تعالى «وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ‏». فقرن الضنّ منهم بالأوطان إلى الضن [120 ب‏] منهم بالأنفس.

و زوّجت أعرابية في الحضر و أسكنت قصرا. فحنّت إلى البدو و قالت:

للبس عباءة و تقرّ عيني‏* * * أحبّ إليّ من لبس الشفوف‏

و بيت تخفق الأرواح فيه‏* * * أحبّ إليّ من قصر منيف‏

و بكر تتبع الأضعان نضو* * * أحبّ إليّ من بغل رؤوف‏

و كلب ينيح الأضياف ليلا* * * أحبّ إليّ من ديك عيوف‏

و بناحية الجنوب جزيرة يقال لها تاران، ينزلها قوم يقال لهم بنو خدّان‏ (2)، معاشهم صيد السمك و ليس لهم ماء عذب و لا زرع و لا شجر. و بيوتهم من السفن المنكسرة و عظام السمك. يستطعمون الخبز و يستعذبون الماء ممن يجتاز بهم في الدهر الطويل. و ربما أقاموا السنين الكثيرة لا يمرّ بهم إنسان. فإذا قيل لهم: أي شي‏ء مقامكم في هذا البلد؟ قالوا: اليطن، اليطن، يريدون الوطن.

و كذلك قالوا: من لطف النفس أن تكون إلى مولدها مشتاقة و إلى مسقط رأسها تواقة.

و قال بعض الحكماء: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك. إذ كان غذاؤك منهما و غذاؤهما منه.

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) ياقوت: بنو جدّان.

489

و قالوا: أرض الرجل ظئره و داره مهده. و أحب البلدان بالتوق إليه بلد منحك حليبه رضاعة.

و قال آخر: إذا كان السبع يحنّ إلى أوطانه. فالإنسان أولى بالحنين إلى مكانه.

و قال بقراط: فطرة الإنسان معجونة بحب الوطن.

و كان أيضا يقول: يغذى كل عليل بأطعمة أرضه. فإن النفس تتطلع إلى غذائها.

و قال الشاعر:

تحنّ قلوصي من غداة إلى نجد* * * و لم ينسها أوطانها قدم العهد

و قد هجت نصبا من تذكّر ما مضى‏* * * و أغذيتني لو كان هذا الهوى يغذي‏

و ذكّرتني قوما أحنّ إليهم‏* * * و أشتاقهم في القرب منهم و في البعد

أولئك قوم لو لجأت إليهم‏* * * لكنت مكان السيف من وسط اليد

و دخل بعض الأعراب الحضر فاشتاق إلى البدو و قال:

لعمري لنور الأقحوان بحائل‏* * * و نور الخزامى في ألاء و عرفج [121 ب‏]

أحبّ إلينا يا حميد بن مالك‏* * * من الورد و الخيري و دهن البنفسج‏

و أكل يرابيع و ضبّ و أرنب‏* * * أحبّ إلينا من سماني و تدرج‏

و نص القلاص الصهب تدمى أنوفها* * * يجبن بنا ما بين قوّ فمنعج‏

أحبّ إلينا من سفين بدجلة* * * و درب متى ما يظلم الليل يرتج‏

و قدم خالد بن فريص الهجيمي الأهواز، فلما رأى حرّها و أذاها لحق إلى بلده و قال:

نظرت و قد حال القرى دون منظري‏* * * و قد عمّمت أجبالها بالعياطل‏

490

أ لمحة برق أم شبا النار شبّها* * * مقالون لم يستصحبوا بالقبائل‏

و ما نفحة من خالص المسك علّيت‏* * * بأطيب من أرواح تلك المنازل‏

إذا ما خزاماها جرى في فروعها* * * بمذعورة (؟) أو بلّة بالأصائل‏

و قال آخر:

خليليّ قوما و اشرفا القصر فانظرا* * * بأعيننا هل تؤنسان لنا نجدا؟

و إنّي لأخشى إن علوناه علوة* * * و نشرف بأن نزداد و يحكما وجدا

و قال آخر:

ألا أيها الركب المحثّون هل لكم‏* * * بأهل العقيق و المنازل من علم؟

فقالوا: نعم، تلك الطلول كعهدها* * * تلوح. و ما يغني سؤالك عن علم‏

فقلت: بلى، إن الفؤاد يهيجه‏* * * تذكّر أوطان الأحبّة و الحرم‏

و شكا قوم من أهل خضرة (1)- و هي على ثلاث مراحل من المدينة. و كان اسمها عقرة فسماها النبي خضرة- إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و باء أرضهم فقالوا: لو تركتموها. فقالوا: معاشنا و معاش آبائنا و وطننا. فسأل عمر رضي اللّه عنه الحارث بن كلدة. فقال الحارث: البلاد الوبيّة ذات الأدغال و البعوض عش الأوباء. و لكن ليخرج أهلها منها إلى ما يقاربهم من الأرض [122 أ] العذية إلى تربيع النجم و ليأكلوا البصل و الكراث و يباكروا السمن العربي فيشربوه و ليشمّوا الطيب و لا يمشون حفاة. و لا ينامون بالنهار. فإني أرجو أن يسلموا. قال: فأمرهم عمر بذلك و أنشد:

أقول و فوق البحر تحتي سفينة* * * تميل على الأعطاف كلّ مميل‏

ألا أيّها الركب الذين دليلهم‏* * * سهيل اليماني دون كلّ دليل‏

ألمّوا بأهل الأبرقين فسلّموا* * * و ذاك لأهل الأبرقين قليل‏

____________

(1) في ياقوت حضوة (انظر هذه المادة).

491

بأهلي أهل الأبرقين و جيرة* * * سأهجرهم لا عن قلى فأطيل‏

ألا هل إلى سرح ألفت ظلاله‏* * * و تكليم أهل الأبرقين سبيل؟

و قال الفضل بن إسحاق‏ (1): لقيت أعرابيا فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من بني أسد. قال: فمن أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: فأين مسكنك؟

قال: مساقط الحمى، حمى ضرية بأرض [لعمر اللّه‏] ما نريد بها بدلا، و لا عنها حولا. قد نفحتها العدوات و حفتها الفلوات. فلا يملولح ترابها و لا يمعر جنابها.

ليس لها أذى و لا قذى [و لا عك و لا موم‏] و لا حمّى. فنحن فيها بأرفه عيش و أوسعه. قلت: و ما طعامكم؟ قال: بخ بخ. عيشنا و اللّه عيش تعلل جاذبه (؟) و طعامنا أطيب طعام و أهنأه و امرأة: الفت و الهبيد و الفطس و الصلب و العنكف [و الظهر] و العلهز و الذآنين [و الطراثيث‏] و العراجين و الحسلة و الضباب. و ربما أكلنا القد و اشتوينا الجلد. فما نرى أن أحدا أخصب منا. فالحمد للّه على ما بسط من الرزق و رزق من حسن الدعة. أو ما سمعت بقول قائلنا و قد كان عالما بلذائذ العيش و طيبه:

إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة* * * و خمس تميرات صغار كوانز

فنحن ملوك الناس شرقا و مغربا* * * و نحن أسود الناس عند الهزاهز

و كم متمنّ عيشة لا ينالها* * * و لو ناله أضحى به جدّ فائز

[122 ب‏] الفث: نبات أسود. و العنكث: نبت. و الذآنين. و الحسل: ولد الضب.

و قال بعضهم: من امارات العاقل ألفه لإخوانه و حنينه إلى أوطانه.

____________

(1) في ياقوت (ضرية): (و حدث أبو الفتح بن جني في كتاب النوادر الممتعة: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن القاسم المالكي قراءة عليه قال: أنبأنا أبو بكر بن دريد، أنبأنا أبو عثمان المازني و أبو حاتم السجستاني قالا: حدثنا الأصمعي عن المفضل بن إسحاق أو قال بعض المشيخة، قال: لقيت أعرابيا ...).

492

و قال أعرابي و قد سئل عن بلده: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت رضيع غمامها و ربيب طعامها.

و قالوا: السرور لزوم الأوطان و تآلف الجيران و منادمة الإخوان.

و أنشدني صديق لي:

كفى حزنا أنّي ببغداد نازل‏* * * و قلبي بأكناف الحجاز رهين‏

إذا عنّ ركب للحجاز استفزّني‏* * * إلى من بأكناف الحجاز حنين‏

و تاللّه ما فارقتهم قاليا لهم‏* * * و لكنّ ما يقضى فسوف يكون‏

و قال آخر:

بأكناف الحجاز هوى دفين‏* * * يؤرّقني و قد هدت العيون‏

أحنّ إلى الحجاز و ساكنيه‏* * * حنين الإلف فارقه القرين‏

و أبكي حين يهدأ كلّ خلق‏* * * بكاء بين زفرته أنين‏

و ما جاران مؤتلفان إلّا* * * ستفرق بين جمعهما المنون‏

و أنشد لأبي هلال الأسدي:

أشاقتك الشمائل و الجنوب‏* * * و من علو الرياح لها هبوب‏

أتتك بنفحة من شيح نجد* * * تضوّع و العرار بها مشوب‏

و من بستان إبراهيم غنّت‏* * * حمائم تحتها فنن رطيب‏

فقلت لها وقيت سهام رام‏* * * و رقط الريش‏ (1) مطعمها القلوب‏

كما هيجت ذا طرب حزينا (2)* * * إلى أوطانه فبكى الغريب‏

و قالوا: إذا أردت أن تعلم وفاء الرجل و دوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه و تشوقه إلى إخوانه و بكائه على ما مضى من زمانه.

____________

(1) في الأصل و رقط الركن، و في ياقوت (النير).

(2) في ياقوت: طرب و وجد.

493

و قالوا: أكرم الخيل أجزعها من السوط، و أكيس الصبيان أشدّهم بغضا لكتّاب، و أكرم الصبايا أشدّها و لها إلى أولادها. و أكرم الإبل أشدها حنينا إلى [123 أ] أعطانها، و أكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها. و خير الناس أحب الناس للناس. و أفضل المماليك، الصغار لأنهم أسرع طاعة و أسرع قبولا.

و روي عن حليف بن جعفر الربعي‏ (1) قال: أردت الخروج إلى أخوالي بخراسان. فقلت: و اللّه لا خرجت حتى أجدّد لي على سيدي [عهدا] (2). فدخل.

فو الله ما كان بين دخوله و خروجه إلّا لمحة لامح، فدخلت و سلمت فردّ السلام و رحب. فبأبي هو و أمي. ما رأيت أحدا أنس إلى أوليائه و محبيه و شيعته منه.

فضاحكني سرورا منه بي. ثم قال: ما جاء بك يا حليف؟ قلت: بأبي أنت و أمي، إني أردت الخروج إلى خراسان لزيارة أخوالي. و إني جئت مستشيرا فأشر عليّ، و أوجز و أطل. فأنت أولى مني بنفسي، لعلي أتعظ بموعظتك و وصيتك، أن تداركني عند آناء الليل و النهار فتنجيني من الموبقات و تردّ عني المعضلات. فقال (عليه السلام): أما إنك لتجاوز النهر الأغر و البلدة الملعونة، شرارها شرار الخلق، و خيارها كالتمر المعلق فوق عراجين النخل أمّا الناظر لا يناله من بعد. هيهات لا يدركه إلّا بفراق التراقي.

فإذا جاوزتها فلا تأسفنّ عليها. هذه بغداد. يوشك أن يبعث اللّه فيها غلاما منا أهل البيت‏ (3) و لن يؤمن من أهلها إلّا القليل.

أما إنك ستجاوزها إلى بلد تقطع دونه آكاما و أودية حتى تبلغ مدينة يقال لها حلوان، شرارها كالذر و خيارها كالدر. يدفع اللّه من شرارها بخيارها.

أما إنك ستجاوز منها عقبة كؤودا تشرف على مدينة يقال لها همذان، شرارها شرار الخلق و خيارها كالشمس بين الغيم، إذا غابت لم يعرف مكانها و إذا

____________

(1) لم نعثر له على ترجمة فيما بين أيدينا من مصادر.

(2) زيادة يقتضيها السياق.

(3) في الأصل: أهل البلد.

494

طلعت اهتدي إليها لحسنها. أولياء اللّه في شواهق جبالها.

هل رأيت يا حليف طالب خير إلّا ناله؟ و هل رأيت مجانبا للشر إلّا أقصي عنه؟ كل حزب بما لديهم فرحون. كل نفس بما كسبت رهينة. أ لم تر يا حليف أعمى يمشي على ظهر طريق مستقيم؟ أ لم تر أعجم ينطق بالحق؟ قال حليف:

بلى. قال: تلك يكشفها النور. يهدي اللّه لنوره من يشاء [123 ب‏] و يضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتفكرون.

أما إنك ستجاوز منها جبالا و أودية حتى تشرف على مدينة يقال لها الري.

إذا ذكرت القرى فنسيها اللّه و لا ذكرها. فإن بها مصارع الأخيار. و اللّه لأهلها- إلّا بعضهم- أشدّ حنقا علينا من كفرة بني إسرائيل على موسى (عليه السلام). يقتل فيها رجالنا و يستحلّ بها شتمنا. أ فلهم فينا ثأر فيقيدونا بثأرهم؟ أم لهم قبلنا حق فيطالبونا بحقهم. منعوا حق اللّه من مال اللّه قسرا و منعونا خمس اللّه فلم ننازعهم.

أ فحكم الجاهلية يبغون؟ اللّه بيننا و بينهم عند إقامة الميزان الذي لا يبخس فيه حق المحقين عند جحود المبطلين. فو الله لا تزال تلك العصابة على هذا حتى يبعث اللّه عليهم نقما منا أهل البيت يقوم. لا خلاق لهم. تقتل فيها رجالهم و تفنى أموالهم و تسبى ذراريهم و يتواتر الشرّ عليهم. سمعت جدي صلى اللّه عليه بأثره عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: هيهات هيهات معاشر الأمّة! لتأمرنّ بالمعروف و تنهون عن المنكر أو ليسلطنّ اللّه عليكم شراركم. فعندها يدعو خياركم فلا يستجاب لهم.

[هاتوا برهانا] (1) و يحكم كبرهاننا. فإن لم تأتوا ببرهان فقولوا صدقت. فإن اللّه لا يستحيي من الحق. و إن اللّه عزّ و جلّ لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا يظلم ربك أحدا.

ويحك يا حليف فهذه الري فلا تسكنها، و دار البلاء فلا تلجها. و إذا قاربتها فحد عنها فإنها مصرع البلاء.

أما إنك ستجاوز منها أودية حتى تشرف على مدينة مدت إليها أعناقها

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

495

الشياطين من الجن و الإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. أولئك أهل نيسابور. أنساك اللّه و لا ذكّرك الاعتذار. و إن أعلام بيض‏ (1). سيميت بها قلوب الفجار كما يذوب الملح في الماء. فعند ذلك فليسكنها الأبرار من أوليائنا.

صحبك اللّه يا حليف حيثما توجهت.

و قال ابن عياش: كانت الفرس تقسّط على آذربيجان و طبرستان و دباوند و قرميسين و مهرجانقذق [124 أ] و قومس و حلوان و الري و همذان. و لم تكن إصبهان تدخل في هذا التقسيط ثلاثين ألف درهم.

و قبّل عبيد اللّه بن سليمان في سنة أربع و ثمانين [و مائتين من التنّائين‏] بمائة و سبعين ألف دينار بالكفاية على أن لا مؤونة على السلطان. و هي أربعة و عشرون رستاقا منها: همذان. فراوار. و قهبايه و أنارمرج و شنسار و شراة العليا و شراة الميانج و الاسفيدحان و قجر و أنانجر و أرغير و المفازة و الأجم و الأعلم و أزنارد و سمين روذ و سرد روذ، و مهروان و اسفنداباد و كوزر دره ساوة. و كان منها نسا و سلقانرود و خرقان. ثم نقلت إلى قزوين و هي سبعمائة و ستين قرية. و عملها من باب الكرج إلى سيسر طولا. و عرضها من عقبة أسدآباد إلى ساوة (2).

و حدّث زياد بن عبد الرحمن البلخي عن أشياخ من أهل سيسر، أنها سميت بهذا الاسم لأنها في انخفاض من الأرض بين رؤوس آكام ثلاثين. فقيل ثلاثون رأسا. و كانت سيسر تدعى صدخانية لكثرة عيونها و منابعها. و لم تزل و ما والاها مراعي لمواشي الأكراد و غيرهم حتى أنفذ المهدي إليها مولىّ له يعرف بسليمان بن قيراط- و أبوه صاحب الصحراء التي تسمى صحراء قيراط ببغداد- و معه شريك له اسمه سلام و يعرف بالطيفوري- و كان طيفور مولى المنصور فوهبه للمهدي- ثم إن الصعاليك و الدعّار انتشروا بالجبل و جعلوا هذه الناحية لهم ملجأ. فكانوا يقطعون و يأوون إليها، فلا يطلبون لأنها من حدّ همذان إلى الدينور و آذربيجان. فكتب‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) تقارن أسماء هذه القرى مع ما في معجم البلدان (همذان).

496

سليمان بن قيراط و شريكه إلى المهدي يعرفانه ما قد اجتمع في أيديهم من الأغنام و المواشي و الدواب التي في المروج و الحيطان. فوجّه إليهما جيشا و أمرهما ببناء حصن يأويان إليه مع الأغنام و المواشي و الدواب. فبنيا مدينة سيسر و حصّناها و أسكناها الناس. ثم ضمّ السلطان إليه رستاقا من الدينور يقال له ما ينمرج و رستاقا آخر يقال له الجوذمة من آذربيجان من كورة برزة [124 ب‏] و ولاها عاملا مفردا. فلم يزل على ذلك إلى أيام الرشيد. فإن الصعاليك كثروا بهذه الناحية و زاد أمرهم. و كان حصن سيسر قد تشعّث. فعرف الرشيد ذلك. فأمر ببناءها و تحصينها و رتّب فيها ألف رجل [من أصحاب خاقان الحارثي السغدي- و فيها اليوم قوم من أولادهم‏] (1). فلما كان في آخر أيام الرشيد تغلّب مرة بن أبي مرّة العجلي عليها، فحاول عثمان الأودي مغالبته فلم يقدر عليه [و على ما كان في يده من آذربيجان‏] (2). و لم يزل مرة بن أبي مرة يؤدي الخراج عن سيسر في أيام الأمين على مقاطعة معلومة إلى أن وقعت الفتنة فمنع ما قوطع عليه. فلما استقر الأمر للمأمون أخذت من مرة و أخرجت عن يده و جعلت في ضياع الخلافة.

و من العجائب التي بهمذان:

أسد من حجر على باب المدينة يقال إنه طلسم للبرد من عمل بليناس صاحب الطلسمات حين وجّهه قباد الأكبر لمّا أراد أن يطلسم آفات البلاد. و يقال إن الفارس كان يغرق بفرسه في الثلج بهمذان لكثرة ثلوجها و بردها. [فعمل بها الأسد و هي صورة أسد عظيم من حجارة بحذاء أروند جبلها المطلّ عليها] (3) قلّ ثلجها و صلح أمرها.

و عمل أيضا على يمين الأسد طلسما للحيات فقلّت. و آخر للعقارب فنقصت و آخر للغرق فأمنوه. و آخر للبراغيث فهي قليلة جدا بهمذان.

____________

(1) زيادة من المختصر.

(2) زيادة من المختصر.

(3) زيادة من المختصر

497

و لمّا عمل بليناس هذه الطلسمات بهمذان استهان به أهلها و لم يلتفتوا إليه فاتخذ على جبلهم الذي يقال له أروند طلسما مشرفا على المدينة للجفاء و الغلظ فهم أجفى الناس و أغلظهم طبعا. و عمل آخر للغدر، فهم أغدر الناس. و لذلك حوّلت الملوك الخزائن عنها خوفا من غدر أهلها.

و اتخذ طلسما آخر للحروب و العساكر لتكثر بها فليست تخلو من عسكر أو حرب.

قال: و أنشدني محمد بن أحمد المعروف بابن الحاجب لنفسه في الأسد الذي على باب همذان:

ألا أيها الليث الطويل مقامه‏* * * على نوب الأيام و الحدثان‏

أقمت فما تنوي البراح بحيلة* * * كأنّك بوّاب على همذان‏

أ طالب ذحل أنت من عند أهلها* * * أبن لي بحق واقع ببيان‏

أراك على الأيام تزداد جدّة* * * كأنّك منها آخذ بأمان‏

[125 أ]

أقبلك كان الدهر أم كنت قبله‏* * * فنعلم، أم ربيّتما بلبان؟

و هل أنتما ضدّان كل تفرّدت‏* * * به نسبة أم أنتما أخوان؟

بقيت فما تفنى و أفنيت عالما* * * سطا بهم موت بكلّ مكان‏

فلو كنت ذا نطق جلست محدّثا* * * فحدثتنا عن أهل كلّ زمان‏

و لو كنت ذا روح تطالب مأكلا* * * لأفنيت أكلا سائر الحيوان‏

أ جنّبت شرّ الموت أم أنت منظر* * * و إبليس حتى يبعث الثقلان؟

فلا هرما تخشى و لا الموت تتّقي‏* * * بمضرب سيف أو شباة سنان‏

و عما قليل سوف تلحق من مضى‏* * * و جسمك أبقى من حرا و أبان‏

498

و أنشدني أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن زنجويه يذكر فيها الأسد و كل صورة مشهورة في الأرض‏ (1):

أ أرقت للبرق اللّموع اللّائح‏* * * و حمائم فوق الغصون نوائح‏

أم شاقك الطّيف الملمّ ببينه‏* * * فظللت ترعى كلّ نجم لائح‏

أم قد ذهلت بليث غاب رائع‏* * * مذ كان عن همذان ليس بنازح‏

موف على صمّ الصّخور كأنّه‏* * * يبغي الوثوب على الغزال السانح‏

في الصّيف تحرقه السّموم و بعدها* * * برد الشتاء بزمهرير لافح‏

و إذا الرّياح عصفن من أروندنا* * * خلت الهرير بمثل ترس الرامح‏

و إذا الرّعود تتابعت بسحابة* * * لقي الزماهر بالمجنّ الكالح‏

و إذا الربيع تتابعت أنواؤه‏* * * و تنفّست أنواره بروائح‏

ألفيته متبسّما لنسيمها* * * و محيّيا أروند فعل مصافح‏

لو كان يفهم عنك خبّر بالذي‏* * * أفنى الدّهور و كلّ أمر فادح‏

و لقال إنّ المرء ينقذه التّقى‏* * * و نجاته قصد الطريق الواضح‏

تمضي الدّهور و ما يروم فريسة* * * فعل الطمرّ الكسرويّ القارح‏

شبديز إذ هو واقف في طاقه‏* * * يعلوه برويز بحسن واضح‏

ما إن تراه عليه في غلوائه‏* * * يوم الهياج و لا الطمرّ بسابح‏

برويز عن شبديز ليس ببارح‏* * * و الليث عن همذان ليس ببارح‏

و كذا بتدمر صورتان تعانقا* * * في الحسن أشبهتا ببنتي ضارح‏

لا يسأمان من القيام و طال ما* * * صبرا على صرف الزمان الكادح‏

و بأرض عاد فارس يسقيهم‏* * * بالعين عذبا كالفرات السائح‏

فإذا انقضى الشهر الحرام و طفّحت‏* * * تلك الحياض تجفّ عين الرامح‏

____________

(1) انفرد المختصر بذكر هذه القصيدة و شاعرها.

499

و بأرض وادي الرّمل بين مهامه‏* * * يلقاك قبل الحتف نصح الناصح‏

طرف هنالك باسط بيمينه‏* * * أن ليس بعدي مسلك للسائح‏

و بفارس سابور صوّر عبرة* * * فكأنّه يصغي لمدح المادح‏

خذها إليك و قل مقالة عادل‏* * * ليس الضّنين بعلمه كمسامح‏

قد كنت قلت قصيدة سوّغتها* * * من رابها بتجالد و تكافح‏

سينيّة فجعلتها حائيّة* * * فيها عجائب من صحيح فاتح‏

فإذا أبيت جعلتها ضاديّة* * * من جوهريّة ما تجنّ جوانحي‏] (1)

و قد كان المكتفي همّ بنقل الأسد من باب همذان إلى بغداد، و ذلك أنه نظر إليه فاستحسنه و كتب إلى عامل البلد [حمد بن محمد] يأمره بذلك. فأجمع وجوه أهل الناحية و قالوا: هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة و لا يجوز قلعه فيهلك البلد.

فكتب العامل بذلك إلى الوزير و قد كان كتب إليه أن قدّر النفقة عليه فإنّا نوجه لحمله الفيلة تحمله على عجل. فلما ورد كتابه على السلطان بانتقاض أهل البلد من ذاك و في الكتاب أيضا أنه لا يستوي حمله، للجبال و العقاب التي في الطريق لا سيما في الحدود. فأجابه أن أضرب عن حمله.

و العامة تزعم أن الأسد مما عملته الجن لسليمان بن داود (عليهما السلام).

و على جبل نهاوند طلسمان و هما صورة ثور و سمكة من ثلج لا يذوبان شتاء و لا صيفا و هما ظاهران مشهوران يراهما الناس. و يقال إنهما للماء حتى لا يقل بنهاوند ما في ذلك الجبل. فأما ذلك الجبل فينقسم نصفين: نصف يأخذ إلى نهاوند و نصف يأخذ في الغرب حتى يسقي رستاقا يعرف برستاق الأشتر.

و بنهاوند قصب تتخذ منه ذريرة و هي هذا الحنوط، فما دام بنهاوند و شي‏ء من رساتيقها فهو و الخشب بمنزلة واحدة لا رائحة له. فإذا حمل منها و جاوز العقبة [125 ب‏] التي يقال لها عقبة الركاب، فاحت رائحته و زالت الخشبية عنه.

____________

(1) من المختصر.

500

و قد ذكر مثل هذا عن التفاح الشامي و أنه يحمل من الشام و ليست له رائحة.

و لا يزال كذلك يتخذ في الفرات فإذا انحدر فاحت رائحته و ذكت. و هي شي‏ء صحيح لا يتمارى فيه اثنان من أمر الذريرة و أمر التفاح.

و بنهاوند موضع يقال له وازواز البلاغة [في رستاق الاسفيدهان‏] (1) فيه حجر فيه ثقب يكون فتحه أكثر من شبر يفور منه الماء في كل يوم مرة أو مرتين. فيخرج و له صوت عظيم و خرير هائل فيسقي أرضين كثيرة، ثم يتراجع حتى يدخل ذلك الثقب و ينقطع. و ذكر ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم بسبب الماء لا يخرج إلّا وقت الحاجة ثم يغور حين يستغنى عنه.

و يقال إن الأكّار يجي‏ء إليه وقت الحاجة و معه المرّ فيقف بإزاء الثقب ثم ينقره بالمرّ دفعة أو دفعتين فيفور الماء بدويّ شديد. فإذا سقى ما يريد و بلغ منه حاجته، تراجع إلى الثقب و غار فمه إلى وقت الحاجة إليه.

قال: و هذا مشهور بالناحية ينظر إليه كل من أحب ذلك و أراد.

و بنهاوند أيضا أعجوبة مشهورة. و هي صخرة عظيمة في جبلهم يقال لها كلان. فمن غاب له غائب أو أبق له آبق أو كان له عليل أو سرق منه شي‏ء جاء إلى الصخرة و نام عندها. فإنه يرى أيّ هذه الأمور أراد على الصورة التي هو عليها من الخير و غيره.

و يوجد على حافتي نهرها طين أسود للختم، و هو أجود ما يكون من الطين و أشده سوادا و تعلّكا. يزعم أهل الناحية أن السراطين تخرجه من جوف النهر و تلقيه على حافته و يقولون إنهم لو حفروا في قرار النهر و جوانبه مائة ذراع و أكثر ما وجدوا منه شيئا إلّا ما تخرجه السراطين.

و حدثني رجل من أهل الأدب قال: رأيت بنهاوند فتى من الكتّاب و هو شبيه بالساهي فقلت له: ما حالك؟ فقال:

____________

(1) من المختصر.

501

يا طول ليلي بنهاوند* * * مفكرا في البثّ و الوجد

فمرة آخذ في منية* * * لا تجلب الخير و لا تجدي‏

و مرة أشد و بصوت إذا* * * غنيّته صدّع لي كبدي‏

قد جال هذا الدهر في جولة* * * فصرت منها ببروجرد

[126 أ]

كأنني في خانها مصحف‏* * * مستوحش في كفّ مرتدّ

الحمد للّه على كلّ ما* * * قدّر من قبلي و من بعدي‏

و في رستاق من رساتيق نهاوند قرية يقال لها كنخواست على تلّ لها صورة فرش من الحشيش الأخضر يراه الناس في الشتاء و الصيف ناضر الخضرة لا يتغير يقال انها طلسم للكلأ فهي أكثر بلاد اللّه حشيشا.

و بهمذان صخرة عظيمة في موضع يقال له تبنان‏ (1) من دار نبهان. و هذه الصخرة في سفح جبل و قد نقر فيها طاقان مرتفعان يكونان على قامتين و بسطة من الأرض يقال [له‏] نبشت خزايان. قد نقر في كل واحد من هذين الطاقين مثل الألواح في كل واحد منها عشرون سطرا منقورة مكتوبة بكتابة تعرف بالكشتج.

فيقال إن الإسكندر اجتاز بهمذان و نظر إلى هذه الصخرة و حسنها و ارتفاعها و ملاستها في سفح هذا الجبل، فأمر بنقر الطاقين فيها و كتب ما هو مكتوب.

و قد ذكر جماعة من علماء الناحية أنهم لا يعلمون من عمل الطاقين و كتب الكتابة لأنها قديمة. و ان الإسكندر اجتاز بالموضع و نظر إلى الصخرة و ما عليها من الكتابة فاستحسن ذلك. و أمر بقراءة ما على اللوح فقرأت و كانت: الصدق ميزان اللّه الذي يدور عليه العدل. و الكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. و هما يتعالجان‏ (2) و يتعاقبان و يتعاوران في العباد و البلاد. فإذا رجح الصدق بالكذب رجح‏

____________

(1) المختصر: تبنابر.

(2) المختصر: يتعانقان.

502

العدل بالجور. و إذا حال الكذب بالصدق، مال الجور بالعدل. فأطبقت الأرض ذنوبا. فقولوا الصدق و لو بمقياس شعرة، فإنه نور من نور اللّه. و اجتنبوا الكذب و لو بمقياس شعرة فإنه عدة من عدد الشيطان. و اصدقوا من صدقكم يولد الصدق صدقا. و لا تكذبوا من كذبكم فيولد الكذب كذبا. فإن لهما من طبائعهما و جنسهما لقاحا و لهن حلبا. فحلب الصدق و لقاحه لمن تمسك به النجاة. و حلب الكذب و لقاحه لمن تمسك به الهلكة. و ثمرة ذاك داء. و ثمرة هذا دواء.

فكونوا أيها الحكماء صدّيقين تمتلئ أفواهكم نورا، و لا تكونوا كذابين فتغلب على ألسنتكم اللعنة. فإني افتتحت بالله كلاما كنت به صادقا فمشيت على الماء و افتتحت [126 ب‏] بالشيطان كلاما كنت به كاذبا فهويت في الظلمة.

فجعلت توبتي من تلك الكذبة عظتي في هذه الصخرة ليتعظ بي متعظ و يأخذ عن تجربتي آخذ. فخذوا هذه الحكمة الناطقة عن هذه الصخرة الصامتة.

[و وقفت أنا و عبد اللّه بن محمد بن زنجويه بن مهران و هو من بنك دهاقنة همذان و أصحاب ساروق و حصنها، فقرأت عليه خبر الإسكندر فأنشدني لنفسه:

قدك عن القهوة و الحور* * * لست مع الشّيب بمعذور

تقدمة الموت مشيب فهل‏* * * أنت عن اللّهو بمزجور

كم لك يا عاقل من عبرة* * * لو نفع الحذر لمحذور

كتابة في سفح أروندنا* * * في صخرة من عهد سابور

الصدق ميزان الجواد الذي‏* * * باليسر يأتي بعد معسور

و المين مكيال اللّعين الذي‏* * * أخرجنا من معدن الحور

يا أيّها الناطق صدقا لقد* * * ملي به فوك من النّور

و أيّها الشاهد زورا لقد* * * هويت في هوّة دردور

إنّي افتتحت القول بالله كي‏* * * أمشي على ساحل ممخور

فظلت فوق الماء و البحر لي‏* * * و الموج في طاعة مأمور

و قلت بالشيطان قولا به‏* * * ظللت في ظلمة ديجور

503

كفاك أنّي تائب واعظ* * * في الحجر الصلد عن الزّور

خذ هذه الحكمة عن صخرة* * * تبقى إلى النفخة في الصور] (1)

و قال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما و أعظم من أجسامهم أحلاما. و أشدّ قوة و أشد بقوتهم امتحانا. و أطول أعمارا و أطول بأعمارهم للأمور اختبارا.

فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما و عملا من صاحب الدين منا. و كان صاحب الدنيا كذلك. و وجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة و الأولى. فكتبوا به الكتب الباقية و كتبوا بها التجارب و الفطن و بلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم و كلمة من الصواب و هو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل و على باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك و كراهية أن يسقط ذلك الباب و تشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم.

فكتبوا الكتب الباقية من العلم و كان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. و كانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة و الأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر و تبعد من الرءوس فيجعلون منها الشي‏ء من الحكم و الباب من العلم كما كتبوا على قبة غمدان و على عمود مأرب و على ركن المشقّر و على سواري الاسكندرية و على إيوان الحضر و على الأبلق الفرد و على الهرمين و على باب الرها و على باب القيروان و على باب سمرقند و على صخرة همذان.

المملحة بفراهان:

قالوا: و من عجائب همذان الملاحة التي برستاق يقال لها فراهان. و هي بحيرة تكون أربعة فراسخ في مثلها. فإذا كانت أيام الخريف و استغنى أهل تلك‏

____________

(1) ما بين عضادتين من المختصر.

504

الرساتيق عن المياه للزراعة، صوّبت سائر المياه إلى هذه البحيرة، فلا تزال تصب إليها سائر الخريف و الشتاء، فإذا كان وقت الربيع و احتاج الناس إلى الماء، قطع عنها فصار [127 أ] ماؤها كلّه ملحا. فيأخذه الناس و يحمله الأكراد الجابارقة و غيرهم إلى البلدان فيباع.

و زعم ابن الكلبي أن بليناس طلسم هذه البحيرة أن يكون ملحا ما لم يحظر عليها و يمنع الناس. فمتى حظر عليها و منع الناس منها، نشفت الماء أولا و لم يكن فيها شي‏ء من الملح.

و في هذا الرستاق قرية يقال لها الفردجان و كان فيها بيت نار عتيق. و هي أحد النيران التي غلت فيها المجوس مثل آذرخره، و نار جم الشيذ و هي الأولى و نار ماجشنسف و هي نار كيخسرو. لأن المجوس غلت في هذه النيران غلوا لا تضبطه العقول فقالوا: كان مع زردشت ملك يشهد له عند كشتاسف أنه رسول ثم عاد نارا.

و أما نار جم الشيذ فهي نار آذرخره، كانت بخوارزم فنقلها أنوشروان إلى الكاريان [في ناحية فارس‏] (1). فلما ملكت العرب تخوفت المجوس أن تطفأ فصيروها جزأين: جزء بالكاريان و جزء حمل إلى فسا. لأنهم قالوا إن طفئت واحدة بقيت الأخرى.

و أما آذرجشنسف، نار كيخسرو. فإنها كانت ببرزة من آذربيجان، فنظر أنوشروان في ذلك و فكّر فنقلها إلى الشيز لأنها كانت عظيمة عندهم.

و في زمزمة المجوس‏ (2): إن نار آذر جشنسف يوكّل بها ملك بالبركة،

____________

(1) تكملة من تاريخ قم 88.

(2) في تاريخ قم 89 الذي نقل خبر هذه النيران عن ابن الفقيه: في كتاب المجوس. و في غرر الأمثال 88 أ (الزمزمة: ترنّم المجوسي عند الأكل و هو تلاوة كتاب زند و أستاذ على وجه لا يفهمه غيره).

قلت: الصواب: زند و أقستا.