البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
55

[مقدمة الكتاب‏]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على محمد و آله أجمعين الطاهرين.

هذا بقية القول في العراق و البصرة و أخبار دار فتحها و الوقت الذي بنيت فيه، و ما فيها من العجائب، و القول في الأبلة. و القول في البطائح. و القول في واسط. و القول في النبط و الخوز. و القول في بغداد و أخبار كور دجلة. و القول في سرّ من رأى. القول في خراج الدنيا و ما كان يحمل إلى بيت السلطان من بلد إلى بلد. القول في الأهواز و فارس و مدنها. القول في قرميسين و أخبار شبريز. القول في همذان و عجائبها. القول في نهاوند و إصبهان و قم و عجائبها. القول في الري و دنباوند و أخبار بيوراسف. القول في قزوين و أبهر و زنجان و طبرستان. القول في خراسان و مدنها و أخبارها. القول في الترك و أخبارهم و قبائلهم و شرائعهم. ذكرنا أضيف (؟) إلى ما صنّفه أحمد بن محمد الهمذاني في آخر كتابه رسالتين كتبهما إلينا أبو دلف مسعود (كذا) بن المهلهل. () في إحداهما أخبار الترك و الصين بمشاهدته ذلك. و الأخرى أشياء رآها و شاهدها () و أضفنا إليه كتابا جمعه أحمد بن فضلان بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان الهاشمي في أخبار الترك و الخزر و الروس و الصقالبة و الباشغرد مما وقف عليه و نظر إليه. لأن المقتدر بالله أنفذه إلى بلد الصقالبة في سنة تسع و ثلاثمائة باستدعاء ملكهم ذلك () و الإسلام. فحدّث بجميع ما شاهده في هذه البلدان (). [1 ب‏].

نص ما هو مكتوب على الصفحة التي تلي صفحة العنوان. و الفراغات إما كلمات مطموسة أو غير مقروءة.

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال، قال الفضل بن يحيى: الناس أربع طبقات: ملوك قدّمهم الاستحقاق، و وزراء فضّلهم الفطنة و الرأي، و عليه أنهضهم اليسار، و أوساط ألحقهم بهم التأدّب، و الناس بعدهم زبد جفاء و سيل غثاء لكع و لكاع و ربيطة اتّضاع، همّ أحدهم طعمه و نومه. و قال معاوية للأحنف: صف لي الناس. فقال: رؤوس رفعهم الحظّ، و أكتاف عظّمهم التدبير، و أعجاز شهرهم المال، و أدباء ألحقهم بهم التأدّب، ثم الناس بعدهم أشباه البهائم، إن جاعوا ساموا، و إن شبعوا ناموا. و قال بزرجمهر لرجل: إن أردت أن تبلغ أحظى درجة الآداب و أهلها، فاصحب ملكا أو وزيرا، فإنهما برغبتهما في معرفة أيّام الملوك و أخبارهم، و الآداب و أهلها، و قسمة الفلك و نجومه، يبعثانك على طلب ذلك. قال: فما وسيلتي إليهما؟ قال: انتحال ذلك رسم الإدراك، و الطلب مادّة الوجود و الآداب عند الهمّة. و قال أسامة بن معقل: كان السّفّاح راغبا في الخطب و الرسائل، يصطنع أهلها و يثيبهم عليها، فحفظت ألف رسالة و ألف خطبة طلبا للحظوة عنده فنلتها، و كان المنصور بعده معنيّا بالأسمار و الأخبار و أيّام العرب، يدني أهلها و يجيزهم عليها. فلم يبق شي‏ء من الأسمار و الأخبار إلّا حفظته طلبا للقربة منه، فظفرت بها. و كان موسى مغرما بالشعر يستخلص أهله فما تركت بيتا نادرا، و لا شعرا فاخرا، و لا نسيبا سائرا إلّا حفظته، و أعانني على ذلك طلب الهمّة في علوّ الحال. و لم أر شيئا أدعى إلى تعلّم الآداب من رغبة الملوك في أهلها و صلاتهم عليها. ثم زهد هارون الرشيد في هذه الأربعة و أنسيتها حتى كأنّي لم أحفظ منها شيئا. دخل الشّعبيّ على الحجّاج فقال:

58

يا شعبيّ أدب وافر و عقل نافر. قال: صدقت أيّها الأمير. العقل سجيّة و الأدب تكلّف. و لو لا أنتم- معاشر الملوك- ما تأدّبنا، قال: فالمنّة في ذلك لنا دونكم.

قال: صدقت، قال الشاعر، في عبيد اللّه بن زياد:

علّمني جودك ما لم أكن‏* * * أحسنه من جيّد الشعر

فصرت في الناس أخا ثروة* * * و صرت ذا جاه و ذا قدر

و أنشد لغيره:

و كنت مفحّما دهرا طويلا،* * * فصيّرني عطاؤك ذا بيان‏

فما شكري لخلق مثل شكري‏* * * لمن كفّاه أطلقتا لساني‏

قال: فكتابي هذا، يشتمل على ضروب من أخبار البلدان، و عجائب الكور و البنيان، فمن نظر فيه من أهل الأدب و المعرفة، فليتأمّله بعين الإنصاف، و ليعرنا فيه حسن محضره و جميل رأيه، فإن الأجدى في المذهب شاؤك، و قرابة دانية، و رحم ماسّة، و وصلة واشجة. و يهب زللي لاعترافي، و إغفالي لإقراري. فإنّي إنما ألحقت في هذا الكتاب ما أدركه حفظي، و حضره سماعي من الأخبار و الأشعار و الشواهد و الأمثال.

59

القول في خلق الأرض‏

قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏

قال: و سئل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عن الأرض: سبع هي؟ قال: نعم، و السماوات سبع. و قرأ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ، وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏.

فقال رجل: فنحن على وجه الأرض الأولى؟ قال: نعم، و في الثانية خلق يطيعون و لا يعصون، و في الثالثة خلق، و في الرابعة صخرة ملساء، و الخامسة ضحضاح من الماء، و السادسة سجّيل و عليها عرش إبليس، و السابعة ثور.

و الأرضون على قرن الثور، و الثور على سمكة، و السمكة على الماء، و الماء على الهواء، و الهواء على الثرى، و الثرى منقطع فيه علم العلماء.

و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص بن وائل السهميّ: صورة الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير و الجناحين و الصدر و الذنب. فرأس الدنيا الصين، و خلف الصين أمّة يقال لها واق واق، و وراء واق واق من الأمم ما لا يحصي إلا اللّه. و الجناح الأيمن الهند، و خلف الهند البحر، و ليس خلفه خلق. و الجناح الأيسر الخزر، و خلف الخزر أمّتان، يقال لإحداهما منشك و ماشك، و خلف ماشك و منشك يأجوج و مأجوج من الأمم ما لا يعلمها إلّا اللّه. و صدر الدنيا مكّة و الحجاز و الشام و العراق و مصر. و الذنب من ذات الحمام إلى المغرب، و شرّ ما في الطير الذنب. و قال ابن عبّاس: الأرض كلّها أربعة آلاف فرسخ في مثل ذلك، تكون ستّة عشر ألف ألف فرسخ. و قال أمير المؤمنين (رضي اللّه عنه): الأرض طولها مسيرة خمس مائة سنة: أربع مائة خراب، و مائة عمران. قال: و في يد

60

المسلمين سنة. و قال أبو خلف‏ (1): الأرض أربعة و عشرون ألف فرسخ، فللسودان اثنا عشر ألف فرسخ، و للروم ثمانية آلاف فرسخ، و للعرب ألف فرسخ، و لفارس ثلاثة آلاف فرسخ. و ذكر محمّد بن موسى الخوارزميّ‏ (2): أن دور الأرض على الفضاء تسعة آلاف فرسخ. العمران من ذلك نصف سدسها، و الباقي ليس فيه حيوان و لا نبات، و البحار هي محسوبة من العمران، و المفاوز التي بين العمران من العمران. و ذكر بعض الفلاسفة، أن الأرض مدوّرة كتدوير الكرة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة. و النسيم حول الأرض، و هو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك. و بنية الخلق على الأرض، إن النسيم جاذب لما في أيديهم من الخفّة، و الأرض جاذبة لما في أيديهم من الثقل، لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد، و الأرض مقسومة نصفين بينهما خطّ الاستواء، و هو من المشرق إلى المغرب. و هذا طول الأرض، و هو أكبر خطّ في كرة الأرض. كما أن منطقة البروج أكبر خطّ في الفلك، و عرض الأرض من القطب الجنوبيّ الذي يدور حوله سهيل، إلى القطب، الشماليّ الذي يدور حوله بنات نعش. و استدارة الأرض في موضع خطّ الاستواء ثلاثمائة و ستّون درجة، و الدرجة خمسة و عشرون فرسخا، و الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا، و الأصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة بطن بعضها إلى بعض. فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.

و زعم دورتيوس‏ (3): أن الأقاليم السبعة على بروج السماء كبار عظام مدينتان في إقليم زحل، و مدينتان في إقليم المشتري، و مدينتان في إقليم المرّيخ، و مدينة في إقليم الشمس، و مدينتان في إقليم الزّهرة، و مدينتان في إقليم عطارد، و مدينة في إقليم القمر. و قالوا أيضا: إن الأقاليم سبعة، إقليم في أيدي العرب، و إقليم في أيدي الروم، و إقليم في أيدي الحبشة، و إقليم في أيدي الهند، و إقليم في أيدي‏

____________

(1) عزا ياقوت 1: 16 هذا القول عن مساحة الأرض إلى عمر بن جيلان.

(2) الخوارزمي (بعد 232 ه-) انظر عنه فهرست ابن النديم 333 و الأعلام: 7: 116.

(3) في تاريخ مختصر الدول 140: رياضي له اليد الطولى في علم الفلك و الأحكام النجومية و تصانيفه مشهورة عند أهل هذا العلم في المواليد و الأدوار. و انظر: التنبيه و الاشراف 39.

61

الترك، و إقليم في أيدي الصين، و إقليم في أيدي يأجوج و مأجوج، لا يدخل هؤلاء أرض هؤلاء، و لا هؤلاء إلى هؤلاء.

فالإقليم الأول: مبتدأه من أرض المحرقة التي تدعى باليونانيّة ريامياروس، و منتهاه أرض سرنديب، و سكّانه سود، قباح الوجوه عراة كالسباع، و أعمارهم طويلة، و دوابّهم و طيورهم أعظم من عامّة البهائم و الطير، و هناك رقى و عقاقير و أحجار فيها شفاء و منافع طبيعيّة، و فيها تنانين و هو امّ ذات سموم، و طوله خمسة آلاف و خمس مائة فرسخ، و عرضه مائتان و خمسة و ثمانون فرسخا.

و الإقليم الثاني: مبتدأه من العرض أرض سرنديب، و منتهاه أرض الحبشة، و هناك معدن الزبرجد و الببغاء، و منتهاه من قبل شرقيّة أرض السند قريب من كابل و زابلستان. و هناك سباع ضارية، و حشرات و طير ممتنعة، و أهلها في القبح دون الإقليم الأوّل. و فيها أيضا رقى و عقاقير، و أهلها أقصر أعمارا من الأوّل، و طوله طول الأوّل.

و الإقليم الثالث: مبتدأه عرض أرض الصّغد و جرجان، حتى ينتهي إلى أرض الترك و حدّ الصين إلى أقصى المشرق، و من غربيّة نحو مصر، و من شرقيّة السند و عدن، و منتهى عرضه أرض الشام و فارس و إصبهان. و هناك ناس حكماء.

و عرضه و طوله مثل الأوّل.

و الإقليم الرابع: بابل، متوسّط الأقاليم، و هو أفضلها مزاجا. و مبتدأه من إفريقية إلى بلخ إلى مشرق الأرض، و عرضه و طوله كالأوّل.

و الإقليم الخامس: قسطنطينيّة و الروم و الخزر، و عرضه و طوله كالأوّل.

و الإقليم السادس: فرنجة و أمم أخرى، و فيه نساء من عادتهن قطع ثديهنّ و كيّه في صغرهنّ لئلا يعظم. و عرضه و طوله كالأوّل.

و الإقليم السابع: الترك، و رجالهم و نساؤهم مترّكو الوجوه لغلبة البرد عليهم، و سباعهم صغيرة الأجساد، و لا يوجد هناك حشرات و لا هوامّ. و يسكنون الظلال يتّخذونها من الألواح، ينقلونها على عجل، تجرّها الثيران، و أنعامهم في‏

62

الفيافي و في أولادهم قلّة. فمبلغ الأقاليم السبعة على مساحة الإقليم الأوّل ثمانية و ثلاثون ألف فرسخ و خمس مائة فرسخ، و عرضها ألف و تسع مائة و خمسة و تسعون فرسخا.

و قسمت الأرض المعمورة أربعة أقسام:

أروفى‏ (1)، و فيه: الأندلس و الصّقالبة و الروم و فرنجة.

و طنجة إلى حدّ مصر و لوبية و فيها: مصر و قلزم و الحبشة و بربر و ما والاها.

و البحر الجنوبيّ، و ليس في هذه البلاد خنزير برّيّ و لا أيّل و لا عير و لا تيس، و فيها تهامة و اليمن و السند و الهند.

و أسقوتيا و فيها: أرمينية و خراسان و الترك و الخزر. و زعم هرمس أن طول كلّ إقليم سبع مائة فرسخ في مثله.

____________

(1) ما نسميه اليوم: أوربا.

63

القول في البحار و إحاطتها بالأرض‏

قال: البحار أربعة:

البحر الكبير، الذي ليس في العالم بحر أكبر منه. و هو أخذ من المغرب إلى القلزم حتى يبلغ واق واق الصين، و واق واق الصين هو بخلاف واق واق اليمن، لأن واق واق اليمن يخرج منه ذهب سوء. و هذا البحر يمدّ من القلزم على وادي القرى حتى يبلغ بربر و عمان، و يمرّ إلى الدّيبل و المولتان حتى يبلغ جبل الصّنف إلى الصين‏ (1).

ثم البحر المغربي الدبوريّ الروميّ، و هو من أنطاكية إلى جزائر السعادة، و خليج منه آخذ من الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، و على ساحل هذا البحر طرسوس و المصّيصة و الإسكندريّة و أطرابلس. و طول هذا البحر ألفان و خمس مائة فرسخ، من أنطاكية إلى جزائر السعادة. و عرضه خمس مائة فرسخ.

و البحر الثالث الخراسانيّ الخزريّ، لقرب الخزر منه، إلى موقان إلى طبرستان و خوارزم و باب الأبواب، و من بحر جرجان إلى خليج الخزر عشرة أيّام،

____________

(1) يبدو أن سبط ابن الجوزي قد نقل ما يتعلق بهذا البحر عن النسخة الكاملة من الكتاب فقال في مرآة الزمان، السفر الأول 98 تحت عنوان (البحر الشرقي).

(ذكر أحمد بن محمد بن إسحاق في كتاب البلدان و قال: ليس في العالم أكبر من هذا البحر- يعني غير البحر المحيط- قال: فإنه يأخذ من المغرب و ينتهي إلى الصين، فيمر على النوبة و الحبشة ثم على القلزم ثم إلى وادي القرى وجدة و زبيد و عدن و الشحر و حضر موت و عمان و الديبل و فارس إلى المشرق و جميع بلاد السند و الهند عليه. صيفهم شتاؤنا و شتاؤنا صيفهم، فكانوا و كان شباط عندهم مثل حزيران و تموز و آب عندنا. و عللوا ذلك بقرب الشمس من الأقاليم و بعدها. و قال: و ذكر من لا خبرة له به أن عمق الماء فيه في مواضع باع أو أكثر).

64

فإذا طابت. لهم الريح فثمانية أيّام في البحر، و يومان في البرّ، و يسمّى هذا البحر الدّوّارة الخراسانيّة، و قطرها مائة فرسخ، و الذي يطيف بها ألف و خمس مائة فرسخ.

و الرابع، ما بين رومية و خوارزم جزيرة تسمّى تولية، و لم يوضع عليها سفينة قطّ. و ملك العرب في يديه ألف مدينة في زماننا هذا، و في يدي ملك النوبة ألف مدينة، و في يدي ملك الصين أربع مائة مدينة، و ستّمائة مدينة من الصين في أيدي ملوك صغار.

قال: و أعلم أن بحر فارس و الهند هما بحر واحد لاتّصال أحدهما بالآخر، إلّا أنهما متضادّان. قال: فأوّل ما تبتدئ صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة و قربها من الاستواء الخريفيّ، فلا يزال يكثر أمواجه و يتقاذف مياهه و يصعب ظهره، إلى أن تصير الشمس إلى الحوت. و أشدّ ما تكون صعوبته في آخر زمان الخريف، عند كون الشمس في القوس. و إذا كانت قرب الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في قلّة الأمواج و لين الظهر، إلى أن تعود الشمس في السنبلة، و ألين ما يكون في آخر زمان الربيع، و هو عند كون الشمس في الجوزاء. فأما بحر الهند فإنه خلافه، لأنه عند كون الشمس في الحوت و قربها من الاستواء الربيعيّ، يبتدئ في الظلمة و الغلظ، و تكثر أمواجه، حتى لا يركبه أحد لظلمته و صعوبته عند كون الشمس في الجوزاء. فإذا صارت في السنبلة أضاء ظلمته، و يسهل مركبه، إلى أن تصير الشمس في الحوت، إلّا أن بحر فارس، قد يركب في كلّ أوقات السنة. فأما بحر الهند، فلا يركبه الناس عند هيجانه لظلمته و صعوبته. قال: فمن أراد الصين، أو عدن، أو شلاهط، أخذ من ناحية المغرب على اليمامة و عمان. و من أراد السند أخذ من ناحية فارس على سيراف‏

.

65

القول في البحار و عجائب ما فيها

قال اللّه عزّ و جلّ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ يروى عن الحسن قال: بحر فارس و الروم. و قال سليمان بن أبي كريمة (1): إذا طلعت الثّريّا ارتجّ البحر و اختلفت الرياح، و سلّط اللّه الجنّ على المياه، و تبرّأ اللّه ممن يركب البحر أربعين يوما.

و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «من ركب البحر بعد طلوع الثريّا، فقد برئت منه الذمّة».

و سئل ابن عبّاس عن المدّ و الجزر فقال: إن ملكا موكّل بقاموس البحر (2)، إذا وضع رجله فيها فاضت، و إذا رفعها غاضت. قال كعب: و لقي الخضر ملكا من الملائكة فسأله عن المدّ و الجزر فقال الملك: إن الحوت يتنفّس فيشرب الماء و يرفعه إلى منخريه فذلك الجزر، ثم يتنفّس فيخرجه من منخريه فذلك المدّ. قال:

و في البحر سمكة يقال لها الخراطيم مثل الحيّة لها منقار كمنقار الكركيّ، و في منقارها من الشقّين كالمنشار. و فيه سمكة يقال لها الأطمر لها فرج كفرج المرأة، و وجهها كوجه الخنزير، و هو طبق من شحم و طبق من لحم. و في البحر سمك على خلقة القرود من جلوده تكون الدرق التي تنبو عنها السيوف، و يقال إنها تحيض و ترضع و كذلك السلاحف. و فيه سمك يسمّى الدّخس ينجي الغريق. و فيه سمك إذا هاج البحر خرج من قعر البحر، فيعلم البحريّون أن البحر قد هاج، يسمّى البرستوج، و هو الذي يكون بالبصرة.

و يلي هذا البحر بحر يسمّى هركند، يقال إنه قاموس البحار كلّها، و في هذا البحر جزيرة سرنديب، و في هذه الجزيرة الجبل الذي أهبط عليه آدم، و عليه أثر

____________

(1) قال ياقوت في معجم البلدان انه من دمياط و لقبه بالبيروتي (1: 606).

(2) في أساس البلاغة قاموس البحر: قعره الأقصى.

66

قدم آدم، و هو عظيم طويل، و عليه أنواع الأفاوية و الطيب و فأر المسك، و في بحره مغاص اللؤلؤ. و في هذه الجزيرة ثلاثة ملوك، فالملك الأكبر منهم إذا مات قطع بأربع قطع و أحرق بالنار، و رجاله يتهافتون خلفه في النار حتى يحرقوا أنفسهم.

و بعدها جزيرة الرامني و هي ثمان مائة فرسخ، و فيها عجائب كثيرة، و هي تشرع إلى بحر شلاهط و الهركند، و فيها ملوك كثيرة، و بها الكركدن و الكافور، و فيها معادن الذهب، و طعامهم النارجيل، و رجالهم أقوياء يصيدون الفيلة، و فيها بقمّ كثير يغرس غرسا، و حمله شبه الخرنوب، و طعمه مثل العلقم لا يؤكل. و يقال. إن عروقه شفاء من سمّ ساعة، و فيها الخيزران الكثير و جواميس عظيمة، و ملوك لهم الأفاوية الطيّبة كالصّندلين و البسباسة، و ليس هذا لأحد غيرهم. و بالزابج ببغات بيض و حمر و صفر، تتكلّم على ما لقّنت بكلام فصيح، عربيّة و فارسيّة و روميّة و هنديّة. و من الطواويس خضر و رقط و بزاة بيض لها قنازع حمر، و إن بها قردة بيضا عظاما كأمثال الجواميس، و بها خلق على صورة الإنسان يتكلّم بكلام لا يفهم يأكل و يشرب. و بها من السنانير ألوان و لها أجنحة كأجنحة الخفّاش من أصل الأذن إلى الذنب. و أن فأر المسك تحمل أحياء من السند إلى الزابج، و أن الزباد أطيب رائحة من المسك، و الأنثى تجلب مسكا، و إذا مشى في بيت نفحت منه رائحة المسك، و إذا لمسته بيدك عبق بيدك‏ (1). و ذكر سليمان التاجر: أن أكثر السفن الصينيّة تحمل من البصرة و عمان، و تعبأ بسيراف، و ذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر و قلّة الماء في مواضع منه، فإذا عبّى المتاع استعذبوا الماء إلى موضع منها

____________

(1) نقل القزويني نصا شبيها بهذا في آثار البلاد ص 30 نورده بنصه:

«بهذه الجزيرة- الزابج- قوم على صورة البشر، إلّا أن أخلاقهم بالسباع أشبه، يتكلم بكلام لا يفهم، و يطفر من شجرة إلى شجرة، و بها صنف من السنانير لها أجنحة كأجنحة الخفافيش من الأذن إلى الذنب. و بها و عول كالبقر الجبلية، ألوانها حمر منقطة ببياض، و أذنابها كأذناب الظباء و لحومها حامضة. و بها دابة الزباد و هي شبيهة بالهر يجلب منها الزباد، و بها فارة المسك. و بها جبل النصبان، و هو جبل فيه حيّات عظام تبلع البقر و الجاموس و منها ما يبلغ الفيل. و بها قردة بيض كأمثال الجواميس و الكباش، و بها صنف آخر بيض الصدر سود الظهر».

67

يقال له مسقط، و هو آخر عمان، و بين سيراف و هذا الموضع نحو مائتي فرسخ.

و في شرقيّ هذا البحر فيما بين سيراف و مسقط من البلاد سيف بني الصفّاق و جزيرة ابن كاوان. و في غربيّ هذا البحر جبال عمان، و فيها الموضع الذي يسمّى دردور و هو مضيق بين جبلين، تسلكه السفن الصغار و لا تسلك فيه الصينيّة، و فيه جبلا كسير و عوير، فإذا جاوزت الجبال صرت إلى موضع يقال له صحار عمان، فيستعذب الماء من مسقط من بئر بها و هناك جبل فيه رعاء غنم من بلاد عمان فتختطف‏ (1) السفينة منها إلى بلاد الهند، و تقصد إلى كولو ملي، و فيها مسلحة لبلاد الهند و بها ماء عذب، فإذا استعذبوا من هناك الماء أخذوا من المركب الصينيّ ألف درهم و من غيرها عشرة دنانير إلى العشرين الدينار، و ملي من بلاد الهند.

و بين مسقط و بين كولو ملي مسيرة شهر، و بين كولو ملي و بين الهركند نحو من شهر. ثم يختطف من كولو ملي إلى بحر الهركند، فإذا جاوزوه، صاروا إلى موضع يقال له كله بار بينه و بين هركند جزائر قوم يقال لهم لنج‏ (2)، لا يعرفون لغة، و لا يلبسون الثياب كواسج، لم ير منهم امرأة، يبيعون العنبر بقطع الحديد، و يخرجون إلى التجّار من الجزيرة في زواريق و معهم النارجيل، و شراب النارجيل يكون أبيض، فإذا شرب منه فهو حلو كالعسل، فإذا ترك يوما صار مسكرا، فإن بقي أيّاما حمض فيبيعونه بالحديد، و يتبايعون بالإشارة يدا بيد، و هم حذّاق بالسباحة، فربّما استلبوا الحديد من التجّار و لا يعطونهم شيئا، ثم تخطف السفينة إلى موضع يقال له كله بار، و هي من مملكة الزابج متيامنة عن بلاد الهند، يجمعهم ملك و لباسهم الفوط، ثم يتخطف إلى موضع يقال له تيومة، بها ماء عذب و المسافة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له كدرنج‏ (3) مسيرة عشرة أيّام بها ماء عذب، و كذلك في سائر جزائر الهند إن احتفر فيها الآبار وجد فيها الماء

____________

(1) أخبار الصين و الهند لسليمان التاجر 22 (خطفوا- و هذه لفظة يستعملها أهل البحر، يعني يقلعون).

(2) لدى سليمان 23 (لنجبالوس).

(3) سليمان 24 (كندرنج).

68

العذب، و بها جبل مشرف. ثم يخطف إلى موضع يقال له الصّنف، ثم إلى موضع يقال له صندرفولات‏ (1)، و هي جزيرة في البحر، و المسيرة إليها عشرة أيّام، ثم إلى موضع يقال له صنج إلى أبواب الصين، و هي جبال في البحر، بين كلّ جبلين فرجة تمرّ فيها السفن، ثم إلى الصين. و من صندرفولات إلى الصين مسافة شهر، إلّا أن الجبال التي تمرّ بها السفن مسيرة سبعة أيّام، فإذا جاوزت الأبواب صرت إلى ماء عذب يقال له خانفو، يكون فيه مدّ و جزر في اليوم و الليلة مرّتين‏ (2).

و بقرب الصين في موضع يقال له صنجي و هو أخبث البحار. [كثير الموج و الخب و فيه جبال كثيرة لا بدّ للمراكب من النفوذ بينها. و ذلك أن البحر إذا عظم خبه و كثر موجه ظهر أشخاص‏] (3) شبيهون بصبيان الزنج طول أحدهم أربعة أشبار، يخرجون بالليل من الماء فيبيتون في السفينة و يدورون فيها، و لا يؤذون أحدا، ثم يعودون إلى البحر، فإذا رأوا ذلك كان علامة الريح التي تسمّى الخبّ، و هي أخبث الرياح، فيستعدّون لتلك الريح و يخفّفون المتاع. و قالوا: إذا رأوا أعلى دقل السفينة بهذا الموضع طائرا كأنه شعلة نار، فذلك عندهم من دلالة التخلّص، و إن في البحر طيرا يقال له جرشي، يكون قريبا من الساحل أعظم من الحمام، يتبعه طير يقال له جوانكرك، يشبه الحمام. فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك بمنقاره فابتلعه. و أن بقرب الزابج جبلا يسمّى جبل النار لا يقدر على الدنوّ منه، يظهر بالنهار منه دخان، و بالليل لهب النار، يخرج من أسفله عين باردة عذبة و عين حارّة عذبة.

____________

(1) سليمان 24 (صنف فولاو).

(2) إلى هنا يتوقف عن النقل من سليمان التاجر ثم يبدأ في نقل المقطع المتعلق ب (صنجي) من مصدر نقل عنه المسعودي في المروج 1: 175.

(3) ما بين العضادتين نقلناه عن المسعودي ليكمل معنى النص كما عدّلنا كلمة (شبيها) الموجودة في الأصل لتصبح (شبيهين) و تتسق مع المعنى العام. علما بأن بقية الكلام موجود في المسعودي لغاية: تلقاه الجوانكرك بمنقاره فابتلعه. و ما جاء بعدها و هو ما يتعلق بالجبل القريب من زابج فهو منقول عن سليمان التاجر 25.

69

جزيرة برطاييل: جزيرة قريبة من جزائر الزابج، سكانها قوم وجوههم كالمجان المطرقة و شعورهم كأذناب البراذين و بها الكركدن، و بها جبال يسمع فيها بالليل صوت الطبل و الدف و الصياح المزعجة، و البحريون يقولون إن الدجال فيها و منها يخرج.

و بها القرنفل و منها يجلب، و ذلك أن التجار ينزلون عليها و يضعون بضائعهم و أمتعتهم على الساحل و يعودون إلى مراكبهم و يلبثون فيها. فإذا أصبحوا ذهبوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل شي‏ء من البضاعة شيئاً من القرنفل فإن رضيه أخذه و ترك البضاعة. و إن أخذوا البضاعة و القرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يردّوا أحدهما إلى مكانه. و إن طلب أحدهم الزيادة فترك البضاعة و القرنفل فيزاد له فيه.

و حكى بعض التجار أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا وجوههم كوجوه الأتراك و آذانهم مخرمة و لهم شعور، هم على زي النساء، فغابوا عن بصره. ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا يترددون إليها و يتركون البضائع على الساحل فلم يخرج إليهم شي‏ء من القرنفل، فعلموا أن ذلك بسبب نظرهم إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه.

و لباس هؤلاء القوم ورق شجر يقال له اللوف يأكلون ثمرتها و يلبسون ورقها. و يأكلون حيوانا يشبه السرطان، و هذا الحيوان إذا خرج إلى البر صار حجرا صلدا. و هو مشهور يدخل في الأكحال، و يأكلون السمك و الموز و النارجيل و القرنفل، و هذا القرنفل من أكله رطبا لا يهرم و لا يشيب شعره‏] (1).

الصين‏

[أهل الصين يقولون بالتناسخ و يعملون بالنجوم و لهم كتب يشتغلون بها، و الزنا عندهم مباح و لهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على‏

____________

(1) نقل هذا النص القزويني عن ابن الفقيه، في آثار البلاد ص 81.

70

البد (1) للزنا و ذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.

و الملك و كلّ بالصناع ليرفع إلى الملك جميع المعمول، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته و إلّا يباع في السوق، و ما فيه عيب يمزّقه.

و حكي أنه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلهم إلّا واحدا، فسئل عن عيبه فقال: إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس و قد حمل قنو موز، و الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون: أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.

و بالصين دابة المسك، و هي دابة تخرج من الماء في كل سنة في وقت معلوم فيصطاد منها شي‏ء كثير و هي شديدة الشبه بالظباء، فتذبح و يؤخذ الدم من سرّتها و هو المسك و لا رائحة له هناك حتى يحمل إلى غيرها من الأماكن.

و بها الغضائر الصيني التي لها خواص و هي بيضاء اللون شفافة لا يصل إلى بلادنا منها شي‏ء، و الذي يباع في بلادنا على أنه صيني معمول بلاد الهند بمدينة يقال لها كولم. و الصيني أصلب منه و أصبر على النار.

و خزف الصين أبيض، قالوا: يترشح السم منه و خزف كولم أدكن.

و طرائف الصين كثيرة: الفرند الفائق و الحديد المصنوع الذي يقال له طاليقون يشترى بأضعافه فضة، و مناديل الغمر من جلد السمندل، و الطواويس العجيبة، و البراذين الفرّة التي لا نظير لها في البلاد] (2).

الفرق ما بين بلاد الصين و بلاد الهند

قالوا: ليس بالصين متاع أسرى و لا أحسن ممّا يحمله التجّار إلى العراق، فأما ما يبقى هناك فرديّ لا حسن له. و لباس أهل الصين كلّهم الحرير في الشتاء،

____________

(1) البد، هو الصنم. و هو بالفارسية: بت.

(2) عن القزويني ص 46، 55.

71

و الصيف. يلبس الرجل منهم خمس سراويلات حرير لندوة أسفلهم. فأما هواؤهم، فحارّ، و لا يعرفون العمائم، و طعامهم الأرزّ، و ملوكهم يأكلون خبز الحنطة و اللحم، و ليس فيهم كثير نخل، و يعمل نبيذهم، من الأرزّ، و لا يستنجون بالماء، و يأكلون الميتة، و نساؤهم يكشفن رؤوسهن، و يجعلن فيها الأمشاط.

فربّما كان في رأس واحدة منهن عشرون مشطا من عاج، و الرجال يغطّون رؤوسهم بشبه القلانس، و أهل الصين يلوطون بغلمان قد أقيموا لذلك بمنزلة الزواني للهند.

و حيطان أهل الصين الخشب، و أكثرهم لا لحى لهم، حتى كأنهم لم تخلق لهم لحى. و أهل الصين يعبدون الأوثان، و لهم كتب لأديانهم.

و الهند لا يأكلون الحنطة، إنما يأكلون الأرزّ فقط، و تطول لحاهم حتى ربّما رأيت لأحدهم لحية ثلاثة أذرع، و إذا مات أحدهم حلق رأسه و لحيته، و هم يتلازمون بالحقوق، و يمنعون في الملازمة الطعام و الشراب سبعة أيّام، و أهل الهند يقتلون ما أرادوا أكله و لا يذبحونه، يضربون هامته حتى يموت، ثم يأكلونه، و لا يغتسلون من جنابة، و لا يأتون النساء في محيض، و أهل الصين يأتون لأن آئينهم آئين المجوس. و أهل الهند لا يأكلون حتى يستاكوا و يغتسلوا، و لا يفعل ذلك أهل الصين، و بلاد الهند أوسع من بلاد الصين أضعافا، و بلاد الصين أعمر و ليس لهم عنب، و ليس بالبلدين جميعا نخل، و للهند السحر و هم جميعا يقولون بالتناسخ، و يختلفون في فروع دينهم، و أهل الهند أطبّاء حكماء منجّمون، و لهم خيل قليلة، و ملوكهم لا يرزقون جندهم، إنما يدعوهم الملوك إلى الجهاد فيخرجون بنفقات أنفسهم. و الهند لا مدائن لهم، و يلبسون القرطين و يتحلّون بأسورة الذهب الرجال و النساء، و الهند تبيح الزنا ما خلا ملك قمار، فإنه يحرّم الزنا و الشراب [و ملكها يعاقبهم على شرب الخمر، فيحمي الحديدة بالنار و توضع على بدن الشارب و لا تترك إلى أن تبرد. فربما يفضي إلى التلف. و ينسب إليها العود القماري‏] (1). و بلاد الصين أنزه و أحسن، و مدنهم عظيمة مشرفة محصنة مسوّرة، و بلادهم أصحّ و أقلّ أمراضا، و أطيب، لا تكاد ترى بها أعور و لا أعمى و لا ذا عاهة، و لهم عطاء

____________

(1) عن القزويني ص 105.

72

كديوان العرب‏ (1). و يقال إن بين الهند و الصين ثلاثين ملكا، أصغر ملك بها يملك ما يملكه ملك العرب، و ملوك الهند كلّهم يلبسون الحلي. و في بلاد الهند مملكة يقال لها رهمى على ساحل البحر، و ملكتهم امرأة و بلادها وبيّة، و من دخل إليها من سائر الهند مات، فالتجّار يدخلونها لكثرة أرباحها، ثم تصير إلى بلاد الزابج، فلملك الكبير يقال له المهراج، تفسيره ملك الملوك، و ليس بعده أحد، لأنه في آخر الجزائر، و هو ملك كثير الخير، و فيها غيضة فيها ورد، إذا أخرج من الغيضة احترق.

و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: فيما بين السند و الهند أرض يقال لها كنام فيها بطّة من نحاس على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء نشرت البطّة جناحها، و مدّت منقارها، فيفيض من الماء ما يكفي زروعهم و مواشيهم و ضياعهم إلى العام المقبل. و قمار من بلاد الهند، و أهل الهند تزعم أن أصل كتب الهند من قمار، و ملكه مسيرة أربعة أشهر، و عبادتهم الأصنام كلّهم. و ملك قمار يفترش أربعة آلاف جارية و العنبر يؤتى به من جزيرة شلاهط، و الفلفل من ملي و سندان، و البقّم من ناحية الجنوب من شلاهط، و القرنفل و الصندل و الكافور و جوزبوا من الزابج، و هو من ناحية القبلة بقرب الصين من بلد يقال له فنصور، و ماء الكافور و النيل من ناحية السند، و الخيزران من بلد يقال له لنكبالوس و كله من ناحية خراسان، و القنى من عمان، و الياقوت و الألماس من سرنديب، و كذلك الكركدن و الطاوس و الببغاء و الدجاج السنديّ و جميع أنواع العطر و الصّيدلة.

قالوا: و مبدأ بحر الصين من جبل قاف إلى أن يجي‏ء إلى عبّادان و البصرة، و أول البحار التي تسلك إلى بلاد الصين بحر صنجى، و أوّل جبل فيه يدعى صندرفولات، و فيه حيّات ربّما ابتلعت البقر و الرجل، فهو أشدّ البحار كلّها، و هو قليل المسافة، و على الجبل من الصيّادين خلق لهم شباك يكون في قعر البحر، فأهل المركب إذا رأوا بلاد الصين سألوا الصيّادين عن الريح فيخبرونهم بهيجان‏

____________

(1) كل ما مرّ أعلاه نقله ابن الفقيه عن سليمان التاجر.

73

البحر و سكونه، لأنه بحر إذا هاج فيه الريح فقليل من يسلم، و إنما يقطع في عشر أو ثمان إلى بلاد الصين إلى الأبواب، خاصّة أبواب الصين، و ذلك البحر بحر كبير و فيه ملك يدعى المهراج، عظيم الملك في جزائره عجائب، و أنواع العطر، و ينبت في بلاده الذهب نباتا، و يقال غلّته في كل يوم مائتا منا ذهب.

[أتى رجل من الهند هذا الصنم و قد اتخذ لرأسه تاجا من القطن ملطخا بالقطران و لأصابعه كذلك و أشعل النار فيها، و وقف بين يدي الصنم حتى احترق‏] (1).

____________

(1) عن القزويني في آثار البلاد ص 122 و كان يتحدث عن صنم عظيم بالهند فنقل هذا النص عن ابن الفقيه.

74

القول في مكة

قال، عبد اللّه بن عمرو بن العاص: سمّيت بكّة لأنها كانت تبكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم- أي تدقّ- و قال إبراهيم بن أبي المهاجر: بكّة موضع البيت، و مكّة موضع القرية. و سمّيت بذلك لاجتذابها الناس من الآفاق.

و قالوا: سمّيت بكّة لأن الأقدام تبكّ بعضها بعضها- أي تزدحم- و سمّي البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة. و هي أمّ القرى، و أمّ الرّحم، لأن الرّحمة تنزل بها.

و من أسمائها: صلاح، و ناسّة لقلّة الماء بها، و بنيّة الأمين.

قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «ما من نبيّ هرب من قومه إلّا هرب إلى الكعبة يعبد اللّه فيها حتى يموت»

و قال (عليه السلام): «إن قبر هود و شعيب و صالح فيما بين زمزم و المقام، و إن في الكعبة قبر ثلاثمائة نبيّ، و ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود قبر سبعين نبيّاً»

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من مات في حجّ أو. عمرة لم يعرض و لم يحاسب، و قيل له: أدخل الجنّة بغير حساب».

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلّى في الحرم صلاة واحدة كتب اللّه له ألف صلاة و خمس مائة صلاة».

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «المقام بمكّة سعادة و الخروج منها شقاوة».

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «الحاجّ و العمّار و فد اللّه إن سألوا أعطوا، و إن دعوا أجيبوا، و إن أنفقوا أخلف عليهم لكلّ درهم ألف درهم».

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من صبر على حرّ مكّة تباعد منه جهنّم مسيرة مائة عام و تقرّبت منه الجنّة مسيرة مائتي عام».

و قال الكلبيّ: لمّا قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ... وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ‏ الآية استجاب اللّه له فأمن فيه الخائف و رزق أهله من الثمرات، يجلب إليهم من الآفاق، و قيل قرية من قرى الشام، فيقال إنها الطائف و قال مقاتل: من نزل بمكّة و المدينة من غير أهلهما محتسبا حتى يموت دخل في‏

75

شفاعة محمّد (صلى اللّه عليه و سلم) قال اللّه جلّ ذكره: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً و لم يقل مثابة للعرب دون العجم، إذ كان اسم الناس شاملًا للفريقين، فقد جعله اللّه مثابة للجميع، و الدليل على ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ‏ الآية فمن شرف مكّة أمنه، و مقام إبراهيم فيه، و حجّ الأنبياء إليه، و أن أهلها في الجاهليّة كانت لقاحا لم يؤدّوا أتاوة قطّ، و لا ملكهم ملك، و كانوا يتزوّجون في أيّ القبائل شاءوا، و لا يشترط عليهم في ذلك و لا يزوّجون أحدا إلا بعد أن يشترطوا عليهم أن يكونوا حمسا على دينهم و يدان لهم و ينتقل إليهم، فحمّسوا خزاعة و دانت لهم، و حمّسوا عامر بن صعصعة و دانت لهم، و حمّسوا ثقيفا و دانت لهم، سوى من حمّسوا من عدد الرجال، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحلّ إذا دخلوا الحرم، و أن يخلعوا ثياب الحلّ، و يستبدلوا ثياب الحرم إمّا شرى أو عاريّة أو هبة، فإن أتى بذلك و إلا طاف بالبيت عريانا، و فرضوا على نساء العرب مثل ذلك، و كلّفوا العرب أن تفيض من المزدلفة، و هم بعد أعزّ العرب يتأمّرون على العرب قاطبة، و هم أصحاب الهريس و الحرير و الثريد و الضيافة و الأندية و الفالوذج، و أول من ثرد الثريد منهم عمرو و هو هاشم بن عبد مناف و فيه يقول الشاعر (1):

عمرو العلى هشم الثريد لقومه‏* * * و رجال مكّة مسنتون عجاف‏

و لهذا سمّي هاشما.

ذكر البيت الحرام و ما جاء فيه‏

قال اللّه تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏، عن وهب بن منبّه أنه قال: إن اللّه جلّ و عزّ لمّا أهبط آدم (عليه السلام) من الجنّة إلى الأرض حزن و اشتدّ بكاؤه على الجنّة، فحباه اللّه بخيمة من خيام الجنّة، فوضعها له بمكّة في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة و كانت من ياقوتة حمراء، فيها قناديل من ذهب، و أنزل معها الركن، و هو يومئذ ياقوتة بيضاء، و كان كرسياً لآدم (عليه‏

____________

(1) هو ابن الزبعرى السهمي (أخبار مكة 1: 111).

76

السلام) و طول الحديث، قال: فمن فضائل البيت الحرام أنه لم يره أحد ممّن لم يكن رآه إلّا ضحك أو بكى، و من فضائله أنه لا يسقط على ظهر الكعبة من الحمام إلا العليل منها، فإذا وقع عليه بري‏ء، و تقبل الفرقة من الطير و الحمام و غير ذلك حتى إذا تحاذت الكعبة افترقت فرقتين، و مالت عن ظهرها، و لم يطر على ظهرها طير قطّ و من عجائب البيت و المسجد: كثرة الحمام بها، و لم يروا على طول الدهر ذرقة حمام و لا طير في المسجد و لا الكعبة و من عجائبه: أمن الطير و الوحوش و السباع بها، و دفع اللّه عنها شرّ الحبشة و الفيلة، و حجّه النعمان بن المنذر و زاره و هو ملك نصرانيّ، فجلس في سفح أجياد فبال عليه خالد بن ثوّالة الكنانيّ فما كان عنده نكير لأهل مكّة. و ماء زمزم دواء لكلّ مبتلى.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «التضلّع من ماء زمزم براءة من النفاق».

[و كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعا] (1) و قال مجاهد في قول اللّه عزّ و جلّ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ قال: لو قال: و اجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لازدحمت عليه فارس و الروم. قال قتادة: بنيت الكعبة من خمسة أجبل: طور سينا و طور زيتا، و أحد، و لبنان، و حراء، و ثبير. و قال مجاهد: أسّس إبراهيم زوايا البيت بأربعة أحجار: حجر من حراء، و حجر من ثبير، و حجر من الطور، و حجر من الجوديّ. قال قتادة: فبنى إبراهيم البيت و جعل طوله في السماء سبعة أذرع، و عرضه اثنين و ثلاثين ذراعا بين الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من وجهه، و جعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين و عشرين ذراعا، و جعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد و ثلاثين ذراعا، و جعل عرض شقّها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، و جعل بابها في الأرض مبوّب حتى كان زمن تبّع الحميري، فهو الذي بوّبها و كساها الوصائل ثياب حبرة و نحر عندها، ثم كساها النبيّ (عليه السلام) الثياب اليمانية، ثم كساها عثمان‏

____________

(1) ما بين عضادتين زيادة من ياقوت (زمزم) و لا ندري هل يقف في نقله عن ابن الفقيه عند هذا الحدّ أم أن ما بعده لابن الفقيه أيضا. فهو لم يذكر أين انتهى نقله. و في آثار البلاد ص 120 نقل عن ابن الفقيه ان ذرع زمزم أربعون ذراعا.

77

القباطيّ، ثم كساها الحجّاج الديباج. قال: و معاوية أول من طيّب الكعبة بالخلوق و المجمر، و أجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت مال المسلمين، و بناه ابن الزّبير بعد ما بويع له بالخلافة، فلمّا قتل نقض الحجّاج بناءه و بناه على الأساس الأوّل، ثم وسّع المنصور مسجد الكعبة سنة ولي الخلافة، ثم زاد فيه المهديّ.

قال: فطول البيت اليوم سبعة و عشرون ذراعاً، و عرضه في الحجر أحد و عشرون ذراعا، و ذرع جوفها ما بين الركن الأسود إلى الركن اليماني بطن الكعبة خمسة عشر ذراعا و شبر، و ما بين ركني الحجر ثمانية عشر ذراعا، و ما بين الباب إلى الشاذروان خمسة أذرع، و عرض بابها أربعة أذرع و فيها ثلاث سوار اثنان منها صنوبر و الوسطى ساج. و بعث عمر بن الخطّاب إلى البيت بهلالين كبيرين فعلّقا في الكعبة، و بعث عبد الملك بن مروان بالشّمستين، و بعث الوليد ابنه بقدحين، و بعث أبو العبّاس بالصّفحة الخضراء، و بعث أبو جعفر بالقارورة الفرعونيّة، و بعث المأمون بالصنم الذي وجّهه إليه ملك التّبّت و كان أسلم و له خبر طويل‏ (1). و ذرع المقام ذراع و هو مربّع سعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في مثله، و من أسفله مثل ذلك، و في طرفيه طوق من ذهب. و ما بين الطرفين من الحجر من المقام بارز لا ذهب عليه، و طوله من نواحيه كلّها تسع أصابع، و عرضه عشر أصابع، و عرض الحجر حجر المقام من نواحيه إحدى و عشرون إصبعا، وسطه مربّع القادمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، دخولهما منحرف و وسطه قد استدقّ من التمسّح به. و المقام في حوض مربّع حوله رصاص، و على الحوض صفائح من رصاص مكسّر، و على المقام صندوق ساج في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق، و عليهما قفلان. قال: و ذرع المسجد اليوم مائة ألف ذراع و عشرون ألف ذراع مكسّر، و عرضه من باب النّدوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصّفا ثلاثمائة ذراع و أربعة أذرع، و عرض المسجد من المنارة التي عند المسعى إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير مائتا ذراع و ثمانية و سبعون ذراعا، و فيه من الأساطين أربع مائة و خمس و ستّون أسطوانة، طول كلّ أسطوانة عشرة أذرع،

____________

(1) عن هذا الصنم انظر: أخبار مكة 1: 225.

78

و تدويرها ثلاثة أذرع. و عدد أبواب المسجد في الشقّ الشرقيّ خمسة أبواب، و في الغربيّ ستّة أبواب، و في اليماني سبعة أبواب، و في الشقّ الشاميّ ستّة أبواب، و ذرع الطواف مائة ذراع و خمسة أذرع.

و حدود الحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، و من طريق جدّة على عشرة أميال، و من طريق اليمن على سبعة أميال، و من طريق الطائف على أحد عشر ميلا، و من طريق العراق على تسعة أميال، و من بغداد إلى مكّة مائتان و خمسة و سبعون فرسخا و ثلثا فرسخ‏ (1) تكون ثمانية و خمسين بريدا. و من البريد إلى البريد عشرون ميلا، و بين كلّ بريدين مشرف و كلّ ثلاثة أميال فرسخ، و من مكة إلى عرفات اثنا عشر ميلا.

____________

(1) حدود الحرم و المسافة بين بغداد و الحرم لدى ابن خرداذبه 132.

79

مدينة الطائف‏

اسمها وجّ، و سمّيت الطائف بذلك الطوف الذي أحاطه عليها قسيّ و هو ثقيف و كانت الطائف مهربا و ملجأ لكلّ هارب، و بالطائف وهط عمرو بن العاص، و هو كرم كان يعرش على ألف ألف خشبة، شرى كلّ خشبة ألف درهم، و الوهط عند العرب دقّ التراب، يقال تراب موهط أي مدقوق. و حجّ سليمان بن عبد الملك فمرّ بالوهط و قال: أحبّ أن أنظر إليه، فلمّا رآه قال: هذا أكرم مال و أحسنه، و ما رأيت لأحد مثله، لولا هذه الحرّة في وسطه. فقيل له: ما هذه بحرّة و لكنها زبيبه، و قد كان جمع في وسط الضيعة، فلمّا رآها من بعيد ظنّ أنها حرّة سوداء فقال: للّه درّ قسيّ بأيّ عشّ وضع أفرخه‏ (1).

____________

(1) روى ياقوت (الطائف) هذا الخبر عن المدائني.

80

القول في المدينة

يروى عن النبيّ (عليه السلام) أنه قال: للمدينة عشرة أسماء هي: طيبة، و الباقية، و الموفّية، و المسكينة، و المباركة، و المحفوفة، و المحرّمة، و العذراء، و المسلمة، و المقدّسة، و الشافية، و المرزوقة.

فمن فضلها على غيرها أن وهب بن منبه قال: إني لأجد في بعض الكتب أن مهاجر النبي الأميّ العربيّ إلى بلد يقال لها طيابا، و تفسير ذلك أنها طويت بالبركة، و قدّس هواءها، و طيّب ترابها، فيها مهاجره، و موضع قبره، و من مشى بالمدينة شمّ بها عرفا طيّبا.

و قال أبو البختري: هي أرفع الأرض كلّها، و لا يدخلها طاعون و لا دجّال، و بظاهر بيدائها يخسف بالدجّال، و بها نزل القرآن و فرضت الفرائض و سنت السنن، و بها أصول الدين و السنن و الأحكام و الفرائض و الحلال و الحرام، و بها روضة من رياض الجنّة، و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يبارك لهم في صاعهم و مدّهم و سوقهم و قليلهم و كثيرهم، و بها آثار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مساجده و قبره و قبور أصحابه و أعمامه و أزواجه، و كلّ بلد في دار الإسلام فإنما فتح بالسيف إلّا المدينة فإنها افتتحت بالإيمان.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «غبار المدينة دواء من الجذام»

و قال: «حبّ أهل المدينة محنة فإن منافقا لا يحبّهم و مؤمنا لا يبغضهم»

و قال (عليه السلام): «أهل المدينة الشعار و الناس الدثار»

و قال: «المدينة معلّقة بالجنّة».

قال: و لمّا حجّ معاوية حرّك المنبر يريد أن يخرج به إلى الشام فانكسفت الشمس، فقال جابر بن عبد اللّه: بئس ما صنع معاوية ببلد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مهاجره الذي اختاره اللّه له، و اللّه ليصيبنّ معاوية شي‏ء في وجهه، فأصابته اللّقوة نسأل اللّه العافية.

81

فلمّا قدم النبيّ المدينة أقطع الناس الدور فخطّ لبني زهرة في ناحية مؤخّر المسجد، و جعل للزّبير بن العوّام بقيعا واسعا، و جعل لطلحة موضع داره، و لآل أبي بكر موضع داره عند المسجد الذي صار لآل معمر، و لخالد و عمّار موضع داريهما، و خطّ لعثمان موضع داره اليوم، و يقال إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم تجاه باب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كان يخرج منها إذا دخل بيت عثمان بن عفّان.

ذكر مسجد المدينة

قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من جاء إلى مسجدي لا يريد إلّا الصلاة في مسجدي و التسليم عليّ شهدت و شفعت له، و من سلّم عليّ ميّتا فكأنما سلّم عليّ حيّا»

و كان بناء المسجد على عهد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) باللبن و سقفه جريد، و عمده خشب النخل، فزاد فيه عمر، ثم غيّره عثمان و بناه بالحجارة المنقوشة و القصّة، و جعل عمده من حجارة منقوشة و سقفه ساجا. و بناه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و له بابان شارعان: باب عائشة و الذي يقال له باب عاتكة، و باب في مؤخّر المسجد إلى دار مليكة: و أول من حصّب المسجد عمر قال: و الأساس اليوم معمول بالحجارة، و الجدران بالحجارة المطابقة، و عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد و الرصاص، و كان طوله مائتي ذراع و عرضه مائتي ذراع، و هو معنّق و معنّق سقف دون سقف، و المحراب و المقصورة من ساج.

و تراب المدينة و هواؤها أطيب ريحا من رائحة الأفاويه بسائر البلدان، و يكتفي بالمدينة الرجل الأكول بقرصتين، و لا يكتفي في غيرها بخمسة أرغفة، و ليس ذلك لغلظ فيه أو فساد في حبّه و طحنه، و لو كان كذلك لظهر في التخم، و لهم الفقه و الصحبة، و لهم حبّ البان. و منها يحمل إلى جميع البلدان- و هي حشيشة تنبت في باديتها- و جبلها أحد،

قال رسول اللّه: رضوى رضي اللّه عنه، و قدس قدّسه اللّه، و أحد جبل يحبّنا و نحبّه، جاءنا سائرا إلينا متعبّدا، له تسبيح يزفّ زفّا

و من عجائبها جبل العرج الذي بين المدينة و مكّة، يمضي إلى الشام حتى يتّصل بلبنان من حمص، و يمرّ حتى يتّصل بجبال أنطاكية و المصّيصة، و يسمّى هناك‏

82

اللّكام، ثم يتّصل بجبال ملطية و شمشاط و قاليقلا إلى بحر الخزر، و فيه باب الأبواب يسمّى هناك القبق و عليه سبعون لسانا لا تعرف اللغة اللغة و اللسان اللسان إلّا بترجمان.

و العقيق خارج المدينة و لمّا رآها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لو علمنا بهذه أوّلا لكانت المنزل»

و قصر عروة بن الزبير بالعقيق، و سئل بعضهم لمّ سمّي العقيق عقيقا؟ قال: لأن سيله عقّ في الحرّة، و بها الجمّاوات الثلاث:

[فمنها جمّاء تضارع التي تسيل إلى قصر أم عاصم و بئر عروة و ما والى ذلك و فيه يقول أحيحة بن الجلاح:

إني و المشعر الحرام و ما* * * حجت قريش له و ما نحروا

لا آخذ الخطّة الدنية ما* * * دام يرى من تضارع حجر

و منه مكيمن الجماء و فيه يقول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

عفا مكمن الجماء من أم عامر* * * فسلع عفا منها فحرّة و أقم‏

ثم الجماء الثانية: جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري و ما والاه. و في أصلها بيوت الأشعث من أهل المدينة، و قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي- و فيفاء الخبار من جماء أم خالد.

و الجماء الثالثة: جماء العاقر و بها بئر رومة- و يقال أرومة- و بئر أريس و بئر بضاعة. و بينها- جماء العاقر- و بين جماء أم خالد فسحة، و هي تسيل على قصور جعفر بن سليمان و ما والاها. و إحدى هذه الجماوات أراد أبو قطيفة بقوله:

القصر فالنخل فالجماء بينهما* * * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون‏

إلى البلاد فما حازت قرائنه‏* * * دور نزحن عن الفحشاء و الهون‏

قد يكتم الناس أسرارا و أعلمها* * * و ليس يدرون طول الدهر مكنوني‏] (1)

____________

(1) عن معجم البلدان 2: 111- 112 (الجمّاء). و قد صرّح بنقلها عن ابن الفقيه.

83

و يقال: إن ماء بئر رومة أعذب ماء بالعقيق. و في العقيق و قصوره و أوديته و حراره أخبار كثيرة. و للزبير بن بكار فيه كتاب مفرد (1).

[خاخ: في حدود العقيق، و هو بين الشوطي و الناصفة.

قال الأحوص بن محمد:

طربت و كيف تطرب أم تصابى‏* * * و رأسك قد توشّح بالقتير

لغانية تحلّ هضاب خاخ‏* * * فأسقف فالدوافع من حضير

خفيّة: في أرض العيق بالمدينة قال الشاعر:

و ننزل من خفيّة كل واد* * * إذا ضاقت بمنزله النعيم‏

العشيرة: من أودية العقيق. قال عروة بن أذينة:

يا ذا العشيرة قد هجت الغداة لنا* * * شوقا و ذكّرتنا أيامك الأولا

ما كان أحسن فيك العيش مؤتنقا* * * غضا و أطيب في آصالك الأصلا

ذو الضروبة ثم ذو الغرّاء: من عقيق المدينة قال أبو و جزة:

كأنهم يوم ذي الغراء حين غدت‏* * * نكبا جمالهم و للبين فاندفعوا

لم يصبح القوم جيرانا فكل نوى‏* * * بالناس لا صدع فيها سوف ينصدع‏

الجنينة: موضع بالعقيق‏] (2).

و في عالية المدينة: قبا. و مما يلي الشام: خيبر، و وادي القرى، و تيماء، و دومة الجندل، و فدك،- و هو أقربها إلى المدينة-.

____________

(1) ذكر ابن النديم 123 ان للزبير بن بكار كتابا باسم (كتاب العقيق و أخباره).

(2) ما بين العضادتين مواد نص ياقوت على أن ابن الفقيه قد ذكرها في كتابه- و ياقوت ينقل عن أصل كتاب البلدان- فآثرنا وضعها في موضعها و هي في معجم البلدان حسب تسلسل ورودها هنا (2: 385 و 457، 3: 682 و 779. و في المشترك وضعا و المفترق صقعا (109 و 158) حيث ذكر مادتي (باب الجنينة) و (خفية).

84

و من عمل المدينة: مرّان، و قبا، و الدثينة- و يقال الدفينة- و فلجة، و ضريّة، و طخفة، و إمرة، و أضاح، و معدن الحسن، و بئر غرس بقبا، و بئر بضاعة بالمدينة، و كانوا يستشفون بمائها.

[عبلاء البياض: موضعان من أعمال المدينة و عبلاء الهرد. و الهرد نبت به يصبغ أصفر.

غمرة: من أعمال المدينة على طريق نجد أغزاها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عكّاشة بن محصن.

فأما أعراض المدينة فأضخمها الفرع و به منزل الوالي و به مسجد صلى به النبي (صلى اللّه عليه و سلم)] (1).

الفرق بين تهامة و الحجاز

قال الأصمعيّ: إذا خلفت عجلزا مصعدا فقد أنجدت، فلا تزال منجدا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد اتهمت، و إنما سمّي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين تهامة و نجد. و قال ابن الأعرابي، الجزيرة ما كان فوق بقّة، و إنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات و دجلة، و بعد تقطع البرّ، و إنما سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة و الشام. و قال ابن الكلبيّ: الحجاز ما يحجز بين تهامة و العروض، و ما بين اليمن و نجد. و قال جعفر: أودية نجد تسيل مشرّقة و أودية تهامة تسيل مغرّبة و قد قيل: فرق ما بين الحجاز و نجد أنه ليس بالحجاز غضا فما أنبت الغضا فهو نجد و ما أنبت الطّلح و السّمر و الأسل- و واحده أسلة- فهو حجاز و قال الأصمعيّ: طرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، و أوّل تهامة من قبل نجد ذات عرق. و قالوا: طول تهامة ما بين جبل السّراة إلى شطّ البحر، و طول الحجاز من حدّ العرج إلى السّراة فطائف. و المدينة من نجد و أرض اليمامة و البحرين إلى عمان من العروض و تهامة تساير البحر.

____________

(1) ما بين العضادتين من معجم البلدان 3: 608، 814، 878.

85

[زينة: واد طوله عشرون يوما في نجد و أعلاه في السراة و يسمى عقيق تمرة.

السقيا: من أسافل أودية تهامة.

شعر: جبل بالحمى، و يوم شعر بين بني عامر و غطفان عطش يومئذ غلام شاب يقال له الحكم بن الطفيل فخشي أن يؤخذ فخنق نفسه فسمي يوم التخانق.

قال البريق الهذلي:

سقى الرحمن حزم ينابعات‏* * * من الجوزاء أنواء غزارا

بمرتجز كأن على ذراه‏* * * ركاب الشام يحملن البهارا

يحط العصم من أكناف شعر* * * و لم يترك بذي سلع خمارا] (1)

____________

(1) ما بين العضادتين من معجم البلدان 2: 968 و 3: 104.

86

القول في اليمامة

سمّيت اليمامة بامرأة من طسم بنت مرّة، و كانت منازل طسم و جديس اليمامة و ما حولها إلى البحرين، و منازل عاد الأولى الأحقاف و هو الرمل ما بين عمان إلى عدن، و كانت مساكن غسّان بيثرب، و مساكن أميم بالرمل، و مساكن جرهم بتهائم اليمن، ثم لحقوا بمكّة فنزلوا على إسماعيل، و كانت منازل العماليق موضع صنعاء اليوم ثم خرجوا فنزلوا مكّة، و لحقت طائفة منهم بالشام و مصر، و تفرّقت طائفة منهم في جزيرة العرب إلى العراق، و يقال: إن فراعنة مصر كانوا من العماليق منهم فرعون إبراهيم (عليه السلام) و اسمه سنان بن علوان، و فرعون يوسف اسمه الرّيّان بن الوليد و فرعون موسى اسمه الوليد بن مصعب، و ملك الحجاز رجل من العماليق يقال له الأرقم، و كان الضحّاك من العماليق غلب على ملك العجم بالعراق و هو فيما بين موسى و داود.

صفة اليمامة و أوديتها

اليمامة واديان يصبّان من مهبّ الشمال، و يفرغان في مهبّ الجنوب، و عيون اليمامة كثيرة فيها عين يقال لها الخضراء، و عين يقال لها الهيت، و عين بجوّ تجري من جبل يقال له الرّام، و هو جبل معترض مطلع اليمامة يحول بينها و بين يبرين و البحرين و الدّوّ و الدّهناء، و بجوّ عين يقال لها الهجرة و لا يشرب ماؤها لخبثه، و بالمجازة نهران و بأسفلها نهر يقال له سيح الغمر، و بأعلاها قرية يقال لها نعام، بها نهر يقال له سيح نعام، و أوّل ديار ربيعة باليمامة مبدأها من أعلاها أوّلها دار هزّان قال: و اليمامة لبني حنيفة، و البحرين لعبد القيس، و الجزيرة لبني تغلب، و ذات النّسوع قصر باليمامة، و المشقّر فيما بين نجران و البحرين، و بتيل حجر عليه‏

87

قصر مشيّد عجيب من بناء طسم، و معنق قصر عبيد بن ثعلبة و هو أشهر قصور اليمامة من بناء طسم على أكمة مرتفعة، و الثّرمليّة حصن من حصون طسم، و يقول أهل اليمامة: غلبنا أهل الأرض شرقها و غربها بخمس خصال: ليس في الدنيا أحسن ألوانا من نسائنا، و لا أطيب طعاما من حنطتنا، و لا أشدّ حلاوة من تمرنا، و لا أطيب مضغة من لحمنا، و لا أعذب من مائنا، فأما قولهم في نسائهم فإنهنّ درّيّات الألوان كما قال ذو الرّمّة:

كأنّها فضّة قد مسّها ذهب‏

و كقول امرئ القيس:

كبكر المقاناة البياض بصفرة

و ذلك أحسن الألوان، و يقال لا تبلغ مولّدة مائة ألف درهم إلّا يماميّة، و أمّا حنطتهم فتسمّى بيضاء اليمامة و هي عذي لا سقي، يحمل منه إلى الخلفاء، و أمّا تمره فلو لم يعرف فضله إلا أن التمر ينادى عليه بين المسجدين: يماميّ اليمامة، يماميّ اليمامة، فيباع كلّ تمر ليس من جنسه بسعر اليماميّ، و بها أصناف التمور، و بها نخلة تسمّى العمرة، و يقال إنها نخلة مريم، و جمعها العمر، و الجداميّة تمر ينفع من البواسير و الصفرقان- تمرة سوداء طيّبة- و الحضريّ، و الهجنة، و البرديّ، و الصفراء، و القعقاعيّ، و اللّصف، و الصفر، و الصفايا، و التّعضوض، و العمانيّ، و الجعاب، و المرّيّ، و خرائف بني مسعود، و الصّرفان، و الزّغريّ، و الصّنغانة، و زبّ رباح: يقال في المثل: الذّ من زبد بزب، و صرفان، جلاجل، و الخيل، هذه كلّها تمور اليمامة ألوان ملوّنة. قالوا: أجود تمر عمان: الفرض، و البلعق، و الخبوت، و أجود تمر اليمامة: البرديّ، و الزّرقاء، و الجداميّة. و أجود تمر البحرين: التعضوض. و المكرى، و الآزاذ. و أجود تمر الكوفة: النرسيان، و السابريّ. و أجود تمر البصرة: الآزاذ، و القريثاء. و أمّا لحم اليمامة فإنه يطيب لطيب مراعيهم و ماؤهم نمير يجلو البلغم و ينقّي الصدر، و فيها قالت الشعراء: أرقّ من ماء اليمامة و اليمامة صرّة نجد و مدينة نجد حجر.

88

[إصاد: من أودية العلاة من أرض اليمامة] (1).

[الخضارم: حجر، مصر اليمامة ثم جوّ و هي الخضرمة و هي من حجر على يوم و ليلة و بها بنو سحيم و بنو ثمامة من حنيفة] (2).

[العرائس: من جبال الحمى.

عنيزة: من أودية اليمامة قرب سواج.

عيهم: جبل بنجد على طريق اليمامة إلى مكة، قال جابر بن حنيّ التغلبي:

ألا يا لقومي للحديد المصرّم‏* * * و للحلم بعد الزلة المتوهّم‏

و للمرء يعتاد الصبابة بعد ما* * * أتى دونها ما فرط حول مجرّم‏

فيا دار سلمى بالصريمة فاللوى‏* * * إلى مدفع القيقاء فالمتثلم‏

أقامت بها بالصيف ثم تذكرت‏* * * منازلها بين الجواء فعيهم‏] (3)

____________

(1) عن معجم البلدان 1: 29.

(2) عن معجم البلدان 2: 450 و لا نعلم إن كانت بقية الكلام المذكور في المعجم بعد هذا تابع لكلام ابن الفقيه، أم منقول عن أحد كتب الأصمعي بصورة مباشرة.

(3) عن معجم البلدان 3: 632، 738، 766.

89

القول في البحرين‏

قال أبو عبيدة: بين البحرين و اليمامة مسيرة عشرة أيّام، و بين هجر مدينة البحرين و بين البصرة مسيرة خمسة عشر يوما على الإبل، و هي الخطّ، و القطيف، و الآرة، و هجر. و البينونة، و الزارة، و جواثا، و السابور، و دارين، و الغابة، و قصبة هجر الصّفا، و المشقّر، و الشّبعان، و المسجد الجامع في المشقّر، و بين الصفا و المشقّر نهر يجري يقال له العين، و من قرى البحرين: الحوس، و الكثيب الأكبر، و الكثيب الأصغر، و أرض نوح، و ذو النار، و المالحة، و الذّرائب، و البديّ، و الخرصان، و السّهلة، و الحوجر، و الوجير، و الطّربال، و المنسلخ، و المرزي، و المطلع، و الشّطّ، و القرحاء، و الرّميلة، و البحرة، و الرّجراجة، و العرجة، فهذه قرى بني محارب بن عمرو بن وديعة، و قرى بني عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة أضعاف هذه. و بين مكّة و اليمن عشرون يوما.

[سفار: بلد بالبحرين‏] (1).

الحزون‏

قال أبو عبيدة: الحزن ما بين زبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلاد نجد، و قال أبو سعيد الضّرير: الحزون ثلاثة: حزن بني جعدة و هم من ربيعة، ثم حزن يربوع، ثم حزن بني غاضرة. و أما واقصة فهي واقصة الحزون و هي دون زبالة، و إنما سمّيت واقصة الحزون لأن الحزون أطافت بها من كلّ ناحية.

____________

(1) عن معجم البلدان 3: 96.

90

و الحرّات‏

في بلاد العرب ثمانية: حرّة بني سليم و هي سوداء، و حرّة لفلف. و حرّة بني هلال، و حرّة النار، و حرّة ليلى، و حرّة راجل، و حرّة و أقم، و حرّة ضرغد.

و السّروات‏

ثلاث: سراة بين تهامة و نجد أدناها بالطائف و أقصاها قرب صنعاء، و السروات أرض عالية و جبال مشرفة على البحر من المغرب، و على نجد من المشرق، و الطائف من سراة بني ثقيف و هو أدنى السروات إلى مكّة، و معدن البرم هي السراة الثانية بلاد عدوان في بريّة العرب و بها معدن البلّور، و هو أجود ما يكون في صفاء الماورد توجد القطعة فيها منا و أكثر، و قال الكنديّ: رأيت قطعة فيها مائة منا.

و البراق‏

برقة منشد ما بين بني تميم و بين بني أسد، و برقة ثهمد لبني دارم، و برقة ضاحك لبني دارم، و أبرق العزّاف لبني أسد، و أبرق الحنّان لبني فزارة، و إنما سمّي أبرق العزّاف لعزف الجنّ بها و الحنّان لأنه يسمع الحنين بها، و أبرق النّعّار لطيّ‏ء و غسّان، و أبرق الرّوحان.

و الدارات‏

في بلاد العرب سبع عشرة دارة، قال ابن حبيب، الدّور جمع دارة و كلّ أرض اتّسعت فأحاطت بها الجبال في غلظ أو سهولة فهي دارة فمن ذلك: دارة و شجى، و دارة جلجل، و دارة رفرف، و دارة مكمن، و دارة الجمد، و دارة الدّور، و دارة الكور، و دارة قطقط، و دارة صلصل، و دارة الجأب، و دارة العليق، و دارة مأسل، و دارة الخرج، و دارة رهبى، و دارة حيقور، و البهرة مثل الدارة لأن البهرة تكون في سهولة و غلظ جميعا

.

91

القول في اليمن‏

قال الكلبيّ: سمّيت اليمن لأن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح أقبل بعد خروج ثلاثة عشر ذكرا من ولد أبيه، فنزل موضع اليمن فقالت العرب: تيمّن بنو يقطن فسمّيت اليمن و يقال بل سمّيت اليمن لأنها عن يمين الكعبة و لمّا جاء أهل اليمن‏

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): قد جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا منكم و هم أوّل من جاءنا بالمصافحة.

و قال: «الإيمان يمان و الحكمة يمانية و الإسلام يمان»

و قال: «أهل اليمن زين الحاجّ».

و قال مجاهد في قول اللّه عزّ و جلّ‏ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‏ قال: سبي اليمن قال: و قدم رجل على النعمان بن المنذر فقال: أخبرني عن أهل اليمن. فقال: أكثر الناس سيّدا و أكثرهم جمعا. قال: فأخبرني عن بني عامر! قال: أعجاز النساء و أعناق الظباء.

قال: فتميم! قال: حجر إن وقعت عليه آذاك، و إن وقع عليك أذي.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا تعذّر على أحدكم الملتمس فعليه بهذا الوجه» و أشار إلى اليمن.

و في قوله عزّ و جلّ‏ وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ‏ الآية قال: هم أهل اليمن، و فضائل كثيرة.

قال: فاليمن ثلاثة و ثلاثون منبرا قديمة، و أربعون محدثة، و سمّيت صنعاء بصنعاء بن أزال بن يقطن، و هو الذي بناها. و في قوله عزّ و جلّ: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ قال: صنعاء. و قوله عزّ و جلّ‏ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ قال: كان سليمان بن داود (عليه السلام) يغدو من إصطخر و يروح بصنعاء و يستعرض الشياطين بالرّيّ. قال: و صنعاء أطيب البلدان، و هي طيّبة الهواء كثيرة الماء، يشتون مرّتين، و يصيفون، مرّتين، [و كذلك أهل فران و مارب و عدن و الشحر. و إذا

92

صارت الشمس إلى أول الحمل، صار الحر عندهم مفرطا. فإذا صارت إلى أول السرطان و زالت عن سمت رؤوسهم أربعة و عشرين، شتوا. ثم تعود الشمس إليهم إذا صارت إلى أول الميزان فيصيفون ثانية و يشتد الحرّ عليهم. فإذا زالت إلى الجنوب و صارت إلى الجدي شتوا ثانية، غير أن شتاءهم قريب من صيفهم. و كان في ظفار و هي صنعاء كذا.

و ظفار مشهورة على ساحل البحر و لعل هذه كانت تسمى بذلك قريب من القصور: قصر زيدان و هو قصر المملكة، و قصر شوحطان، و قصر كوكبان و هو جبل قريب منها و قد ذكر في موضعه.

و كان لمدينة صنعاء تسعة أبواب و كان لا يدخلها غريب إلّا بإذن. كانوا يجدون في كتوبهم أنها تخرب من رجل يدخل من باب لها يسمى باب حقل.

و كانت مرتبة صاحب الملك على ميل من بابها و كان من دونه إلى الباب حاجبان بين كل واحد إلى صاحبه رمية سهم. و كانت له سلسلة من ذهب من عند الحاجب إلى باب المدينة ممدودة و فيها أجراس، متى قدم على الملك شريف أو رسول أو بريد من بعض العمال حركت السلسلة فيعلم الملك بذلك فيرى رأيه‏] (1).

و أهل الحجاز و اليمن يمطرون الصيف كلّه، و يخصبون في الشتاء فيمطر صنعاء و ما والاها في حزيران و تموز و آب و بعض أيلول من الزوال إلى المغرب، يلقى الرجل الآخر منهم فيكلّمه فيقول: عجّل قبل الغيث لأنه لا بدّ من المطر في هذه الأيّام. و كان ابن عبّاس يقول: مجاهد عالم أهل الحجاز، و سعيد بن جبير عالم أهل العراق، و طاؤوس عالم أهل اليمن، و وهب عالم الناس.

و باليمن من أنواع الخصب و غرائب الثمر و طرائف الشجر ما يستصغر ما ينبت في بلاد الأكاسرة و القياصرة، و قد تفاخرت الروم و فارس بالبنيان و تنافست‏

____________

(1) عن معجم البلدان 3: 422 و القزويني ص 50. و لا نعلم إن كان الكلام الذي يليه في المعجم تابع لكلام ابن الفقيه أم لا و يبدأ بقوله: و قال أبو محمد اليزيدي (و هو يحيى بن المبارك المتوفى عام 180 ه-).

93

فيه، فعجزوا عن مثل غمدان، و مأرب، و حضرموت، و قصر مسعود، و سدّ لقمان، و سلحين، و صرواح، و مرواح، و بينون، و هندة، و هنيدة، و فلثوم، بريدة قال:

أبعد بينون لا عين و لا أثر* * * و بعد سلحين يبني النّاس بنيانا

و بصنعاء غمدان قصر عجيب قد بني على أربعة أوجه: وجه بالجروب الأبيض، و وجه بالجروب الأصفر، و وجه بالجروب الأحمر، و وجه بالجروب الأخضر،- و الجروب الحجارة- و ابتني في داخله على ما أتقن من أساسه قصرا على سبعة سقوف، بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، و سقفه من رخامة واحدة، و جعل على كلّ ركن تمثال أسد من شبه كأعظم ما يكون من الأسد، فكانت الريح إذا هبّت من ناحية تمثال من تلك التماثيل دخلت جوفه من دبره، ثم خرجت من فيه، فيسمع له زئير كزئير الأسد. و كان يأمر بالمصابيح فتسرج في بيوت الرخام إلى الصبح، فكان القصر يلمع من ظاهره كلمع البرق، فإذا أشرف الإنسان ليلا قال: أرى بصنعاء برقا شديدا و مطرا كثيرا، و لا يعلم أن ذلك من ضوء السّرج، فكان كذلك حتى أحرق، و على ركن من أركانه مكتوب: اسلم غمدان هادمك مقتول، فهدمه عثمان بن عفّان فقتل. و قالوا: إن الذي بناه سليمان بن داود و ذلك أنه أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس ثلاثة قصور بصنعاء أحدها غمدان و سلحين و بينون و فيها يقول الشاعر:

هل بعد غمدان أو سلحين من أثر* * * و بعد بينون يبني النّاس بنيانا

و قال أبو عبيدة: لأهل اليمن أربعة أشياء ليست لغيرهم: الركن اليماني في القبلة، و سهيل اليماني في السماء، و البحر اليماني في الجور، و اليمن في البلدان، و لهم الخطّ المسند، و عقد الجمّل، و الحساب، و الخطّ الحميريّ، و قال الكلبيّ، علوج مصر القبط، و علوج الشام جراجمة، و علوج الجزيرة جرامقة، و علوج السواد نبط، و علوج السند سبابجة، و علوج عمان المزون، و علوج اليمن سامران، و يحمل العقيق من مخاليف صنعاء و أجوده ما أتي به من معدن يسمّى مقرى، و قرية

94

أخرى تسمّى الهام، و جبل يقال له قساس، فيعمل بعضه باليمن، و يحمل بعضه إلى البصرة،

و حدث يزيد بن هارون‏ (1) عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): قال لي جبرئيل: يا محمّد تختّم بالعقيق، فقلت: و ما العقيق؟

قال: جبل باليمن يشهد للّه بالتوحيد، ولي بالرسالة، و لك بالنبوّة، و لعليّ بالوصيّة، و لذريّته بالإمامة، و لشيعتهم بالجنّة،

و بها معدن الجزع و هو أنواع، و جميع هذه الأنواع يؤتى بها من معدن العقيق، و أجود هذه الأنواع البقرانيّ و أثمنها، و منه: العروانيّ، و الفارسيّ و الحبشيّ و المعسّل، و المعرق، و قال الأصمعيّ: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلّا باليمن: الورس، و الكندر، و الخطر، و العصب، فأما المعرق من الجزع فإنه يتّخذ منه الأواني لكبره و عظمه، و لهم الحلل اليمانية و الثياب السّعديّة و العدنيّة و الشبّ اليماني و هو ماء ينبع من قلّة جبل فيسيل على جانبه قبل أن يصل إلى الأرض فيجمد، فيصير هذا الشبّ اليماني الأبيض، و لهم الورس و هو شي‏ء يسقط على الشجر كالترنجبين، و لهم البنك و يقال إنه من خشب أم غيلان، و من أبنيتها القشيب الذي يقال له:

أقفر من أهله القشيب و عن مكحول قال: أربعة مدن من مدن الجنّة: مكّة، و المدينة، و إيلياء، و دمشق، و أربعة من مدن النار: أنطاكية، و الطّوانة، و قسطنطينيّة، و صنعاء. و بها سدّ أسعد الملك و هو سدّ بين جبلين، بحجارة مربّعة منقّشة بين الحجرين عمود من حديد من الأسفل إلى الأعلى، و قد رصّص ما بين الجبلين مقدار ميلين، و سمكه ثلاثمائة ذراع، تنصبّ إليه أودية و أنهار فيرتفع الماء حتى يسقوا مزارعهم و حدائقهم، و هو أعجب سدّ في الأرض، مكتوب عليه بالمسند أشياء كثيرة. و من عجائب اليمن القردة و هي بها كثيرة جدّا، و فيهم قرد عظيم، في عنقه لوح يقال إنه عهد من سليمان بن داود صلّى اللّه عليه و على سيدنا محمد، و يقال: إن هذه القردة

____________

(1) حافظ معروف من حفاظ الحديث توفي عام 206 ه. انظر ترجمته في العبر 1: 274 و جامع الرواة للأردبيلي 2: 354. و تذكرة الحفاظ 1: 317.

95

وكّلهم سليمان بحفظ شياطين محبّسين في هذه الناحية من الجنّ و من عجائبهم العدار و هو شيطان يتعرّض للنساء و الرجال منهم، و له أير كالقرن صلابة فيجامعه في دبره فيموت من ساعته، و في المثل: ألوط من عدار و باليمن قرية و بار و هي مسكن الجنّ، و هي أخصب بلاد اللّه و أنزهها، لا يقدر أحد على الدنو منها من الأنس، و قال أبو المنذر: و بار ما بين نجران و حضرموت، و زعمت العرب أن اللّه حين أهلك عادا و ثمودا أن الجنّ سكنت في منازل و بار و حمتها من كلّ من أرادها، و أنها أخصب بلاد اللّه، و أكثرها شجرا، و أطيبها تمرا و نخلا و عنبا و موزا، فإن دنا اليوم من تلك البلاد إنسان متعمّدا أو غالطا حثوا في وجهه التراب، فإن أبي إلّا الدخول خبّلوه، و ربّما قتلوه، و زعموا أن الغالب على تلك البلاد الجنّ و الإبل الحوشيّة- و الحوش من الإبل عندهم التي قد ضرب فيها فحول إبل الجنّ و هي من نسل إبل الجنّ- و الهنديّة، و المهريّة، و العسجديّة، و العمانيّة، هذه كلّها قد ضرب فيها الحوش قال ذو الرّمّة:

جرت رذايا من بلاد الحوش‏

قال بعضهم: قدمنا البحرين فلحقنا أعرابيّ على ناقة له صغيرة قد أكل الجرب جنبها و معنا إبل لم ير الناس مثلها فقلنا: يا أعرابيّ أ تبيع ناقتك ببعض هذه الإبل؟ قال: و اللّه لو أعطيتموني بها جميع إبلكم كلّها ما بعتكم. قلنا: فلك مائة دينار، فأبى، فقلنا: ألف دينار، فأبى، و نحن في كلّ ذلك نهزأ به فقال: لو ملأتم جلدها ذهبا ما بعتكم. قلنا: فأرنا من سيرها شيئا. قال: نعم، فسرنا فإذا نحن بحمير و حش قد عنّت فقال: أي الحمير تريدون أعرضه لكم؟ فقلنا: نريد عير كذا؟ فغمزها ثم زجرها فمرّت ما يرى منها شي‏ء حتى لحقت الحمير ثم تناول قوسه فرمى فلم يخط الحمار، فلم يزل يرشقه حتى صرعه و لحقناه و قد ذبحه، فلمّا رأينا ذلك ساومناه بجدّ فقال: ليس عندي من نسلها إلّا ابن لها و ابنة و لا و اللّه لا أبيعها أبدا بشي‏ء.

و بأرض و بار النّسناس‏ (1) و يقال: إن لهم نصف رأس و عين واحدة و يصادون‏

____________

(1) في أخبار الزمان 38 (النسناس و هو كمثل نصف الإنسان بيد واحدة و رجل واحدة و يثب‏

96

فيؤكلون. قال: و هو شي‏ء له وجه كوجه الإنسان و إنما له يد و رجل في صدره، و يتكلّمون و هم في غياض هناك و باليمن جبل فيه شقّ يقال له شمخ، يدخل منها الرجل الضخم حتى ينفذ إلى الجانب الآخر ما خلا ولد الزنا فإنه يضيق عليه حتى لا يقدر أن ينفذ منه.

قال المدائنيّ: كان أبو العبّاس السفّاح أبو الخلفاء يعجبه منازعة الناس، فحضر ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكنديّ و ناس من بلحارث ابن كعب و كانوا أخواله، و خالد بن صفوان فخاضوا في الحديث و تذاكروا مضر و اليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن اليمن الذين هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، لم يزالوا ملوكا و أربابا و وزراء الملك منهم: النّعمانات و المنذرات و القابوسات، و منهم غاصب البحر، و حميّ الدّبر و غسيل الملائكة، و منهم من اهتز لموته العرش، و مكلّم الذئب‏ (1)، و منهم البذّاخ و الفتّاح و الرمّاح، و من له مدينة الشعر و بابها، و من له أقفال الوفاء و مفاتحها، و منهم الخال الكريم صاحب البؤس و النعيم، و ليس من شي‏ء له خطر إلا إليهم ينسب، من فرس رائع، أو سيف قاطع، أو درع حصينة، أو حلّة مصونة، أو درّة مكنونة، و هم العرب العاربة و غيرهم متعرّبة. قال أبو العبّاس: ما أظنّ التميميّ يرضى بقولك، ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذنت لي في الكلام تكلّمت، قال: تكلّم و لا تهب أحدا. قال:

أخطأ المتقحّم بغير علم، و نطق بغير صواب، و كيف يكون ذلك لقوم ليست لهم ألسن فصيحة، و لا لغة صحيحة، و لا حجّة نزل بها كتاب، و لا جاءت بها سنّة،

____________

وثبا و يعدو عدوا شديدا و كان ببلاد اليمن و ربما كان ببلاد العجم و العرب تصيده و تأكله).

انظر عنه معجم الحيوان للمعلوف ص 16 عن الأساطير المتعلقة بحيوانات شبيهة به.

(1) غاصب البحر إشارة إلى الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا- كما في سورة الكهف الآية 78.

و قال دي خويه في هامش تحقيقه لمختصر البلدان ان حمي الدبر هو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. و معروف أن غسيل الملائكة هو حنظلة بن أبي عامر. و من اهتز العرش لموته هو سعيد بن معاذ و في خبر انه خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين). و مكلم الذئب هو أهبان بن عياذ.

97

و إنهم منّا لعلى منزلتين، إن جازوا حكمنا قتلوا، و إن جاروا عن قصدنا أكلوا، يفخرون علينا بالنعمانات و المنذرات و القابوسات و غير ذلك ممّا سيأتي، و نفخر عليهم بخير الأنام و أكرم الكرام محمّد (عليه السلام)، فلله به المنّة علينا و عليهم، لقد كانوا أتباعه به عرفوا، و له أكرموا، فمنّا النبيّ المصطفى و الخليفة المرتضى، و لنا البيت المعمور و المشعر الحرام و زمزم و المقام و البطحاء مع ما لا يحصى من المآثر، فليس يعدل بنا عادل، و لا يبلغنا قول قائل، و منّا الصدّيق و الفاروق و ذو النورين و الوليّ و السبطان و أسد اللّه و ذو الجناحين و سيف اللّه، و بنا عرفوا الدين، و أتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه، و من عادانا اصطلمناه.

ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: أ عالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم. قال:

فما اسم العين؟ قال: الجحمة. قال: فما اسم السنّ؟ قال: الميذر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنّارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الزبّ. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكتع. قال: أ فعالم أنت بكتاب اللّه؟ قال: نعم. قال: فإن اللّه عزّ و جلّ يقول‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا و قال:

بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏ و قال: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ فنحن العرب و القرآن علينا أنزل بلساننا، أ لم تر أن اللّه عزّ و جلّ يقول‏ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِ‏ و لم يقل الجحمة بالجحمة، و الصنّارة بالصنّارة، و المَيْذَر بالمَيْذَر، و قال: جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏ و لم يقل شناترهم في صنّاراتهم، و قال‏ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي‏ و لم يقل بزُبّي، و قال: أَكَلَهُ الذِّئْبُ* و لم يقل أكله الكتع.

ثم قال خالد: إنّي أسألك عن أربع خصال لا يجعل اللّه لك منها مخرجا، إن أقررت بهن قهرت، و إن جحدت بهن كفرت، قال: و ما هي؟ قال: الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) منّا أو منكم؟ قال: بل منكم. قال: القرآن علينا أنزل أو عليكم؟ قال: بل عليكم.

قال: فالبيت لنا أم لكم؟ قال: بل لكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال بل فيكم.

قال: فاذهب فما كان بعد هذا فهو لكم. قال: فغلب خالد إبراهيم فأكرم أبو العبّاس خالدا و حباهما جميعا، فقام خالد و هو يقول ما أنتم إلّا سائس قرد، أو

98

دابغ جلد، أو ناسج برد، ملكتكم امرأة و غرّقتكم فأرة و دلّ عليكم الهدهد.

[شبام: جبل عظيم بقرب صنعاء بينها و بينه يوم واحد، و هو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد. و ذروته واسعة فيها ضياع كثيرة و مزارع و كروم و نخيل و الطريق إليها في دار الملك. و للجبل باب واحد مفتاحه عند الملك، فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له. و حول تلك الضياع و الكروم جبال شاهقة لا تسلك و لا يعلم أحد ما وراءها إلّا اللّه. و مياه هذا الجبل تنسكب إلى سدّ هناك، فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء و مخالفيها.

و بها جبل كوكبان، إنه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر يلمعان بالليل كالكوكبين و لا طريق إليهما، قيل إنهما من بناء الجن.

و بار: كانت أكثر الأرضين خيرا و أخصبها ضياعا و أكثرها شجرا و مياها و ثمرا، فكثرت بها القبائل و عظمت أموالهم. و كانوا ذوي أجسام، فأشروا و بطروا لم يعرفوا حق نعم اللّه تعالى عليهم، فبدّل اللّه تعالى خلقهم و صيّرهم نسناسا لأحدهم نصف رأس و نصف وجه و عين واحدة و يد واحدة و رجل واحدة. فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطئ البحر كما ترعى البهائم، و هم فيما بين و بار و أرض الشحر و أطراف اليمن يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب، ينفرونهم عن زروعهم و حدائقهم‏] (1)

____________

(1) ما بين عضادتين نقلناه عن آثار البلاد الذي نص على أنه قد نقله عن ابن الفقيه. انظر ص 63 و 68.

99

باب في تصريف الجدّ إلى الهزل و الهزل إلى الجدّ

قال منصور بن عمّار (1): خرجت في ليلة قد قيّدت العيون ظلامها، و أخذ بالأنفاس حندسها، فما يسمع إلّا غطيط. و لا يحسّ إلّا نباح، فوجدت في بعض أبواب أهل الدنيا الذين قد سخّرهم زخرفها، و راقهم زبرجها، و شغف قلوبهم بهجتها، رجلا واقفا و هو يقول بصوت لم يسمع أحسن منه و لا أشجى لقلب و لا أقرح لكبد و لا أبكى لعين:

أنا المسي‏ء المذنب الخاطي‏* * * المفرط البيّن إفراطي‏

فإن تعاقب كنت أهلا له‏* * * و أنت أهل العفو عن خاطي‏

فلا و اللّه أن ملكت نفسي، و تذكّرت ما سلف من ذنوبي، و وقفت كالواله المرعوب الحائر قد امتلأت من اللّه خوفا، و عملت على أنّي قد أحرزت وعظا فقلت: أيّها القائل ما أسمع و الباكي على ما سلف زدنا من هذا، فإنّ دواءك قد وافق داء قديما فعسى أن يشفيه، فزاد في صوته بترجيع قوله الذي قرح، قلبي و ذكّرني ذنبي، ثم قال:

يا ساحرا أورطني حبّه‏* * * و عشقه في شرّ إيراط

قلت: قبحك اللّه واعظا و ترّحك، و آجرني على وقفتي عليك و طلبي منك، و أنت تطيع الشيطان و تعصى الرحمن، ثم قلت: اللهمّ اغفر لي و تب عليه.

و قال عوف بن مسكين: سمع الربيع بن خثيم في جوف الليل رجلا يقول:

____________

(1) عن منصور بن عمار انظر فهرست ابن النديم ص 236.

100

بعفوك يستكين و يستجير* * * عظيم الذّنب مسكين فقير

رجاك لعفو ما كسبت يداه‏* * * و أنت على الّذي يرجو قدير

فقال الربيع: أسألك بحقّ من ترجوه لما تريد إلّا رددت ما تقول، فجعل يردّده، فقال الربيع: زدني يرحمك اللّه فقال:

فقد علم الإله بما ألاقي‏* * * من الحبّ الّذي ستر الضمير

فقال الربيع: وا سوأتاه من استماعي دعاء لغير اللّه جلّ و عزّ.

و مر سفيان الثّوريّ برجل يبكي و يقول:

أتوب إلى الّذي أمسى و أضحى‏* * * و قلبي يتّقيه و يرتجيه‏

تشاغل كلّ مخلوق بشي‏ء* * * و شغلي في محبّته و فيه‏

قال له سفيان: يا هذا لا تقنط كلّ هذا القنوط، و لا تيأس من اللّه فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده، و ذنبك بين المقصّر و الغالي، فإن كنت قد أسلفت ذنوبا فإنك من الإسلام لعلى خير كثير، استغفر اللّه و تب إليه، و أقلل من هذا البكاء، عصمنا اللّه و إيّاك، فنعم ما شغلت به نفسك، فقال الرجل:

عسى قلب الممكّن من فؤادي‏* * * يرقّ لترك طاعة عاذليه‏

فقال سفيان: اللهمّ أعذنا من الحور بعد الكور: و لا تضلّنا بعد إذ هديتنا، أعزب عزب اللّه بك.

و قال إبراهيم بن الفرج: مرّ خليل الناسك بغرفة مخلّد الموصليّ الشاعر و هو لا يعرفه فسمعه يقول:

أسأت و لم أحسن و جئتك هاربا* * * و أنّى لعبد غير مولاه مهرب‏

فوقف الخليل و مخلّد يردّد البيت و يبكي، و الخليل يبكي معه، ثم ناداه: يا قائل الخير عد، يا سائل الفضل زد، فقال مخلّد: نعم و كرامة يا أبا محمّد:

غزال إذا قبّلته و لثمته‏* * * رشفت له ريقا من الشّهد أطيب‏

101

فقال الخليل: سقاك اللّه حميما و غساقا. ثم قال: اللهمّ لا تؤاخذني بهذا الموقف و مضى.

و خرج عمر بن الخطّاب يوما فإذا جوار يضربن بالدفّ و يغنّين و يقلن:

تغنّين تغنّين‏* * * فللّهو خلقتنّ‏

فجعل يضرب رؤوسهن بالدّرة و يقول: كذبتنّ كذبتنّ:

فأخزى اللّه شيطانا* * * رمى هذا إليكنّ‏

و قال بعض المتعبّدين: كنت أماشي بعض الصوفيّة بين بساتين. البصرة فسمعنا ضارب طنبور يقول:

يا صباح الوجوه ما تنصفونا* * * أنتم زدتم القلوب فتونا

كان في واجب الحقوق عليكم‏* * * إذ بلينا بكم بأن ترحمونا

قال فشهق شهقة ثم أفاق و قال: يا مغرور قل:

يا صباح الوجوه سوف تموتو* * * ن و تبلى خدودكم و العيونا

و تصيرون بعد ذاك رميما* * * فاعلموا ذاك إنّ ذاك يقينا

و مر بعض الشعراء بنسوة فأعجبه شأنهن فأنشأ يقول:

إنّ النّساء شياطين خلقن لنا* * * أعوذ بالله من شرّ الشياطين‏

فأجابته واحدة:

إنّ النّساء رياحين خلقن لكم‏* * * و كلّكم يشتهي شمّ الرياحين‏

و مر حسين بن عليّ (رضي اللّه عنه) بنسوة فقال لهن: لولا أنتنّ لكنّا مؤمنين،

فأجابته واحدة منهن و قالت: لولا أنتم لكنّا آمنين.

و كان عمرو الجهنيّ ناسكا فدخل المسجد الجامع بالبصرة فوقف على حلقة النّهديّين و القرشيّين و أنشأ يقول:

102

ما جرت خطرة على القلب منّي‏* * * منك إلّا استترت من أصحابي‏

بدموع تجري و إن كنت وحدي‏* * * خاليا أتبع الدّموع انتحابي‏

أنت همّي و منيتي و هواي‏* * * و رجائي و غايتي و ارتقابي‏

قال: فتصوّب الحلق يستمنعون إليه فأقبل عليهم و قال: هذا يقوله مخلوق لمخلوق و تدعون الخيرات الحسان المقصورات في الخيام.

و قال بشر بن أبي قبيصة: قلنا لأبي همّام- و قد كان غلب على عقله- تأمر في ميراثك عن أبيك؟ فأقبل علينا مغضبا و قال: يا بشر! أو يتوارث أهل ملّتين؟

قلت: و نحن أهل ملّتين؟ قال: نعم، أنتم تزعمون أن اللّه قضى الخير و لم يقض الشرّ، و أنا أزعم أن اللّه قضى الخير و الشرّ، و أن من عذّبه اللّه عذّبه غير ظالم له، و من رحمه فرحمته وسعت كلّ شي‏ء.

و قال عبد اللّه بن إدريس: مررت بابن أبي مالك و كان معتوها ذاهب العقل لا يتكلّم حتى يكلّم، فإذا كلّم أجاب جوابا معجبا، فقلت: يا ابن أبي مالك ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال. قلت: أ تشربه؟ قال: إن شربته فقد شربه وكيع و هو قدوة.

قلت: تقتدي بوكيع في تحليله و لا تقتدي بي في تحريمه و أنا أسنّ منه؟ قال: قول وكيع مع اتّفاق أهل البلد معه أحبّ إليّ من مقالتك مع خلاف أهل البلد عليك.

و قال عبد اللّه بن إدريس: مررت بابن أبي مالك فناديته فقال: ما تشاء؟ قلت: متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول بأعلم من السائل، غير أن من مات فقد قامت قيامته، و الموت أوّل عدل الآخرة. قلت: فالمصلوب يعذّب؟ قال: إن كان مستحقّا فإن روحه يعذّب و ما أدري لعلّ هذا البدن في عذاب من عذاب اللّه لا تدركه عقولنا و أبصارنا، فإن للّه لطفا لا يدرك.

و كان جالسا في موضع قد كان فيه رماد و معه قطعة جصّ فكان يخطّ به فيستبين بياض الجصّ في سواد الرماد، فتبسّم فقلت له: أيّ شي‏ء تصنع؟ قال: ما كان يصنع صاحبنا مجنون بني عامر. قلت: و ما كان يصنع؟ قال: أو ما سمعته يقول:

103

عشيّة ما لي حيلة غير أنّني‏* * * بلقط الحصى و الخطّ في الدار مولع‏

أخطّ و أمحو الخطّ ثم أعيده‏* * * بكفّي و الغزلان حولي ترتع‏

قلت: ما سمعته، فتضاحك ثم قال: أما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ‏ أسمعته أم رأيته؟ يا ابن إدريس هذا كلام العرب.

و قال خلف بن تميم: عدنا مريضا فقال رجل ممن كان في البيت:

ناد ربّ الدار ذا المال الّذي‏* * * جمع المال بحرص ما فعل‏

فأجابه من ناحية البيت:

كان في دار سواها داره‏* * * علّلته بالمنى ثمّ ارتحل‏

إنّما الدنيا كظل زائل‏* * * طلعت شمس عليه فاضمحل‏

و قال بعضهم: أحببت جارية من العرب ذات جمال و أدب، فما زلت أحتال في أمرها حتى التقينا في ليلة ظلماء شديدة السواد فقلت لها: طال شوقي إليك، قالت: و أنا كذلك، و إنّما تجري الأمور بالمقادير. فتحدّثنا ثم قلت: قد ذهب الليل و قرب الصبح، قالت: و هكذا تنفد اللذّات و تنقطع الشهوات، قلت: لو أدنيتني منك. قالت: هيهات إني أخاف اللّه من العقوبات، قلت: فما دعاك إلى الحضور في هذا الموضع الخالي؟ قالت: شقوتي و بلائي. قلت: فما أراك تذكريني بعد هذا، قالت: ما أراني أنساك و أمّا الاجتماع فما أراني أراك ثم ولّت عني و قالت:

أخاف اللّه ربّي من عذاب‏* * * شديد لا أطيق له اصطبارا

قال: فاستحييت و اللّه ممّا سمعت منها و انصرفت و قد ذهب عني بعض ما كنت أجد بها.

قال: و كان سليمان بن عبد الملك شابّا وضيئا و كان يعجبه اللباس و الخمرة، فلبس ذات يوم و تهيّأ ثم قال لجارية له حجازيّة: كيف ترين الهيئة؟ قالت: أنت أجمل الناس. قال: أنشديني على ذلك، فقالت:

104

أنت خير المتاع لو كنت تبقى‏* * * غير أن لا بقاء للإنسان‏

أنت خلو من العيوب و ممّا* * * يكره الناس غير أنّك فان‏

قال عبد الملك بن مروان يوما لجارية له: ألقيت على جلسائي صدر بيت فأعياهم إجازته. قالت: و ما هو؟ قال:

نروح إذا راحوا و نغدوا إذا غدوا* * * فقالت: و عمّا قليل لا نروح و لا نغدو