البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
105

باب في مدح الغربة و الاغتراب‏

قال اللّه عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ و قال: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ‏ و قال: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏ و قال: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ الآية،

قال: و روى الزبير بن العوّام قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «البلاد بلاد اللّه، و العباد عباد اللّه، فحيث ما أصبت خيرا فأقم، و اتّق اللّه»

و قال: «سافروا تغنموا»

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «موت الغريب شهادة».

قال أبو المليح: أتيت ميمون بن مهران و قلت له: إني أريد سفرا، فقال: اخرج لعلّك تصيب من آخرتك أفضل ما تؤمّل من دنياك، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس نارا لأهله فكلّمه اللّه عزّ و جلّ، و خرجت بلقيس تطلب ملكها فرزقها اللّه الإسلام.

و قال عمر (رضي اللّه عنه): لا تلثّوا بدار معجزة- أي لا تقيموا.

و قال سفيان الثّوريّ: لمّا خرج يوسف (عليه السلام) من الجبّ قال قائل منهم: استوصوا بالغريب خيرا، فقال يوسف: من كان اللّه معه فلا غربة عليه.

و عن شريح بن عبيد قال: ما مات غريب في أرض غربة غابت عنه بواكيه إلّا بكت السماء عليه و الأرض و أنشد:

إنّ الغريب إذا بكى في حندس‏* * * بكت النّجوم عليه كلّ أو ان‏

و قال معاوية للحارث بن الحباب: أيّ البلاد أحبّ إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي و عرض فيه جاهي ثم أنشأ يقول:

106

فلا كوفة أمّي و لا بصرة أبي‏* * * و لا أنا يثنيني عن الرّحلة الكسل‏

و قرئ على باب خان طرسوس:

ما من غريب و إن أبدى تجلّده‏* * * إلّا سيذكر عند الغربة الوطنا

و أسفل منه مكتوب:

أير الحمار و أير البغل في قرن‏* * * في است الغريب إذا ما حنّ للوطن‏

و قال بعضهم: غرس المشقّة مع دوام الغربة يحبّبان الدعة، و حسن التعب يصيّر إلى محلّ الراحة. و قال بعضهم: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تغنموا مالا كثيرا غنمتم عقلا كبيرا و أنشد:

لا يمنعنّك خفض العيش في دعة* * * حنين نفس إلى أهل و أوطان‏

تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها* * * أهلا بأهل و جيرانا بجيران‏

هذا كما قيل في الأثر: ليس بينك و بين البلدان عداوة، فخير البلاد ما احتملك. و قال بعض المحدثين:

و ما بلد الإنسان غير الموافق‏* * * و لا أهله الأذنون غير الأصادق‏

و قال آخر:

و إذا الديار تنكّرت عن حالها* * * فدع الديار و أسرع التحويلا

ليس المقام عليك فرضا لازما* * * في بلدة تدع العزيز ذليلا

و قال آخر:

إذا كنت في أرض تكرّهت أهلها* * * فدعها و فيها إن رجعت معاد

و قالوا: الراحة عقلة. و قال أحمد بن المعافى:

إنّ التّواني أنكح العجز بنته‏* * * و ساق إليها حين زوّجها مهرا

فراشا و طيّا ثمّ قال لها أتّكي‏* * * فقصرهما لا شكّ أن يلدا الفقرا

107

نعوذ بالله منه، و قال آخر:

أغرّك أن كانت لبطنك عكنة* * * و أنّك مكفيّ بمكّة طاعم‏

و قال الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها* * * و أقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي‏

و قالوا: قناعة الناس بالأوطان من النقص و الفشل و الطلب من علم التجارب و العقل.

و قال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أنّي مكفيّ أمر الدنيا، و أني أسمنت و ألبنت.

قالوا: و لم؟ قال: مخافة عادة العجز.

و قالوا: لا توحشك الغربة إذا آنست بالكفاية، و لا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.

و قالوا: الفقر أوحش من الغربة، و الغنى آنس من الوطن، و ترك الوطن أدنى إلى فرح الإقامة.

و قيل: الفقير في الأهل مصروم، و الغنيّ في الغربة موصول.

و قالوا: أوحش قومك. ما كان في إيحاشهم أنسك، و اهجر وطنك ما نبت عنه نفسك.

و قالوا: إذا عدمت أنكرك قريبك، و إن أثريت عرفك غريبك.

و قال قسّ بن ساعدة: أبلغ العظات النظر إلى محلّ الأموات، و أفضل الذكر ذكر اللّه، و خير الزاد التقوى، و أحسن الجواب الصمت، و أزين الأمور الاحتمال، و الحزم شدّة الحذار، و الكرم حسن الاصطبار، و في طول الاغتراب فوز الاكتساب.

و قال آخر: تألّفوا النعم بحسن مجاورتها، و التمسوا المزيد بحسن الشكر، و اغتربوا لتكسبوا، و لا تكونوا كالنساء اللاتي قد رضين بالكنّ و اقتصرن على‏

108

القعود، فإن الغربة تخرّج الغمر، و تشجّع الجبان، و تحرّك المضطجع، و تزيد في بصيرة الماهر.

و قال:

الفقر في أوطاننا غربة* * * و المال في الغربة أوطان‏

و قال آخر: لا يألّف الوطن إلّا ضيّق العطن.

و قال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد جمع فيه شمله إلّا لوصمة في عقله، و لا تنزع بامرء نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلّا لاستيلاء الموق عليه.

و قالوا: الحنين إلى الأوطان من أخلاق الصبيان و في طول الاغتراب فوز الاكتساب، و في فائدة صالح الإخوان مع النزوح عن الأوطان سلوّ عن مقارنة الجيران، و لولا اغتراب الناس عن محالّهم ضاقت بهم البلدان و سئم ألّافهم الإخوان، و من طالب أخاه بمحلّه قلّت هيبته و سئمه أهله و تمنّوا الراحة منه. قال:

و لولا اغتراب المغتربين ما عرف ما بين الأندلس إلى الصين، و لا ردم الإسكندر السدود، و دوّخ الأقاليم، و مدّن المدن، و بخع له ملوكها بالطاعة، و لا قتل دارا بن دارا، و لا أسر الأساورة، و لا جمعت الملوك بين الصفائح اليمانية، و القضب الهنديّة، و الرماح البلوصيّة، و الأسنّة الخزريّة، و الأعمدة الهرويّة، و الأجرزنة (1) الأسروشنيّة، و الخناجر الصّغديّة، و السروج الصينيّة، و الدروع السابريّة و الجواشن الفارسيّة، و القسيّ الشاشيّة، و الأوتار التركيّة، و السهام الناوكيّة، و الجعاب السجزيّة، و الدرق المغربيّة، و الأترسة التبّتيّة، و الجلود الزّنجيّة، و النمور البربريّة، و اللجم الخانبديّة و الركب المروزيّة، و الستور الصينيّة، و الخيل الخزريّة، و الكراسيّ القمّيّة، و الشهاريّ البخاريّة و البغال الأرمنيّة، و الحمير المريسيّة، و الكلاب السلوقيّة، و البزاة الروميّة، و الصوالجة النهاونديّة، و الثياب المنيّرة

____________

(1) لعلها (الاجرزة) قال ابن منظور: الجرز من السلاح و الجمع الجرزة و الجرز و الجرز: العمود من الحديد، معروف، عربي. و قال في برهان قاطع (كرز) عمود حديد، و تقال للهراوة المصنوعة من الخشب.

109

الرازيّة، و الأكسية القزوينيّة، و الثياب السعيديّة، و الحلل اليمانية، و الأردية المصريّة، و الملاحم الخراسانيّة، و الثياب الطاهريّة، و الحلل الأندلسيّة، و الدرّ العمانيّ، و الياقوت السّرنديبيّ، و الحرير الصينيّ، و الخزّ السوسيّ، و الديباج التّستريّ، و البزيون الروميّ، و الكتّان المصريّ، و الوشي الكوفيّ، و العتّابيّ الأصبهانيّ، و لا علم أن ببلاد المغرب و مصر عجائب لا تكون إلّا بها مثل منارة الإسكندريّة و عمود عين الشمس، و الهرمان و جسر أذنة، و قنطرة سنجة، و كنيسة الرّها، و سور أنطاكية، و الأبلق الفرد، و برهوت، و هاروت، و الفرس الذي في أقصى المغرب، و الأسد الذي بهمذان، و السمكة و الثور بنهاوند، و إيوان كسرى بالمدائن، و تخت شبديز في الطاق، و بناء قصر شيرين و الدكّان، و أساطين قصر اللصوص، و عجائب رومية، و التمساح بالنيل، و الرعّاد و السقنقور، و غير ذلك مما لا يحصى و لا يعدّ. و قالوا: أبعد الناس نجعة في الكسب بصريّ، و حميريّ، و من دخل فرغانة القصوى، و السوس الأقصى، فلا بدّ أن يرى فيها بصريّا، أو حميريّا على أن أهل إصبهان و الخوز معروفون بذلك، و يجد في كلّ بلد منهما صفّا قائما.

و ممّا قالوا في التقلّب في البلدان و التباعد في الأطراف قول أبي العتاهية في الرشيد:

و لولا أمير المؤمنين و عدله‏* * * إذا لبغى بعض البلاد على بعض‏

و سيّارة هادون في الأرض بالهدى‏* * * ليحكم بالإبرام للّه و النّقض‏

لئن كان ذو القرنين أدرك غاية* * * لحسبك من هارون ما سار في الأرض‏

و قال آخر في غزوة خراسان:

و ما كان ذو القرنين يبلغ سعيه‏* * * و لا غزو كسرى للهياطلة الجرد

و جوّاب آفاق و طلّاع أنجد* * * و طلّاب وتر لا ينام على حقد

و قال آخر في تقلّبه في البلاد:

خليفة الخضر من يربع على وطن‏* * * في بلدة فظهور العيس أوطاني‏

بالشّأم داري و بغداذ الهوى وطني‏* * * بالرّقمتين و بالفسطاط إخواني‏

110

و ما أظنّ النّوى ترضى بما صنعت‏* * * حتّى تسافر بي أقصى خراسان‏

و قال الطائيّ:

إن تراني ترى حساما صقيلا* * * مشرفيّا من السّيوف الحداد

ثاني اللّيل ثالث البيد و السّي* * * ر نديم النّجوم ترب السّهاد

كلّم الخضر لي يصيّرني بع* * * دك عينا على عيار البلاد

ليلة بالشام ثمّت بالأه* * * واز يوما و ليلة بالسّواد

وطني حيث حطّت العيس رحلي‏* * * و ذراعي الوساد و هو مهادي‏

و قال آخر في شبيه هذا المعنى:

قبّح اللّه آل برمك إنّي‏* * * صرت من أجلهم أخا أسفار

إن يك ذو القرنين قد مسح الأر* * * ض فإنّي موكّل بالعيار

و يقول الشاعر للمعتصم بالله:

تناولت أطراف البلاد بقدرة* * * كأنّك فيها تبتغي أثر الخضر

قال: و قد كانت للخلفاء فتوح و لكنّه لم يتّسق لأحد ما اتّسق للمأمون و عبد الملك بن مروان و المعتصم بالله، إلّا أن فتوح المأمون و عبد الملك كانت لمن قصد إلى ملكهما، فبلغا في ذلك ما لم يبلغه أحد في الإسلام من الملوك، و للمعتصم ستّ فتوح عظام جليلة، لم يحارب في واحدة منهن إلّا من قصد المسلمين دون ملكه خاصّة، فمن ذلك: مازيار ملك طبرستان عبد أن غلب و قتل و تمكّن من تلك القلاع و الجبال المنيعة و السبل الوعرة حتى ظفر به و قتله، و من ذلك: بابك كسر العساكر و قلّ الأجناد و قتل القوّاد و أخرب البلاد و ملأ القلوب هيبة و مخافة فأخذه أسيرا و قتله و صلبه إلى جنب مازيار، و من ذلك: فتح عمورية، و هزيمة الطاغية أمير ياطيس صاحب الضّواحي، فأسره و صلبه إلى جنب بابك و مازيار، و من ذلك: استباحته الزّطّ حتى اجتثّ أصلهم و أباد خضراءهم، بعد أن منعوا بغداذ الميرة، و قتلوا القوّاد، و غلبوا على البلاد، و بعد أن رامهم خليفة بعد

111

خليفة، و من ذلك: أمر جعفر الكرديّ و إخافته السبل فظفر به و قتله، و من ذلك:

ما كان منه في أمر الهند و شقّ الهند كلّه، حتى ظفر من عدد البروج و رؤساء الهند و إبطال المقاتلة و أخرب السواحل على يدي عمر بن الفضل الشيرازيّ.

ثم خليفتنا المعتضد بالله اتّسق له من الفتوح الجليلة العظيمة مثل ذلك فمن ذلك: أسره لهارون الخارجيّ الشاري بعد أن كان قد تغلّب على البلاد و منع الميرة من جميع الآفاق، و من ذلك: قصده لآل عبد العزيز بن أبي دلف بناحية الجبل، حتى اجتثّ أصلهم، و استباح حريمهم، ثم ما كان من شأن رافع بن هرثمة و خلعه الطاعة، فحمل رأسه إلى مدينة السلام، ثم أمر محمّد بن زيد العلويّ بطبرستان بعد أن تمكّن من القلاع و الحصون التي لا ترام، بعد أن كانت الخطبة قد انقطعت عنهم ثمان و ثلاثين سنة بمقامه و مقام الحسن بن زيد، و كان دخول الحسن بن زيد إليها في المحرّم سنة 250، و توفّي في ذي الحجّة سنة 270، و صار مكانه أخوة محمّد بن زيد، فقتل (رحمه اللّه) بجرجان يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة 287، و من ذلك: عمرو بن الليث الصفّار و قتله إيّاه، و من ذلك: فتح آمد و هي أحصن مدينة في بلاد العرب، و إيقاعه بابن الشيخ، و أخذه إيّاه أسيرا، ثم أمر و صيف الخادم و خروجه إليه بنفسه إلى تخوم أرض الروم حتى أوقع به و أخذه أسيرا، ثم قتله و صلبه‏ (1).

____________

(1) وقعت الأحداث أعلاه كما يلي:

الظفر بهارون الشاري كان عام 283 ه.

جي‏ء برأس رافع فنصب ببغداد عام 284 ه.

تمت السيطرة على طبرستان و خطب للمعتضد على منابرها في 287 ه.

ألقي القبض على ابن الشيخ في 287 ه.

هرب و صيف و إلقاء القبض عليه و قتله في 288 ه.

جي‏ء بعمرو بن الليث أسيرا إلى بغداد عام 288. و كان المعتضد و هو على فراش الموت يومئ بيديه إلى أحد خدمه بقتل عمرو إلّا أن ذلك الخادم لم يفعل، ثم مات المعتضد 289 ثم قتل عمرو في نفس العام عند أول دخول المكتفي إلى بغداد. انظر الطبري 10: 43- 88 عن الأحداث أعلاه. و كذلك ابن الأثير 7: 516.

112

و كان الحسن بن عليّ (رضي اللّه عنهما) يتمثّل:

من عاذ بالسّيف لاقى فرصة عجبا* * * موتا على عجل أو عاش منتصفا

لا تركبوا السّهل إنّ السّهل مفسدة* * * لن تدركوا المجد حتّى تركبوا عنفا

و قالوا: ليكن اليقين من أفضل سلاحك، و الرضا بالقضاء من أفضل أعوانك و الجدّ في طلب الخير من بالك، و أنشد:

فلا تحسبنّ الرّزق بابا سددته‏* * * عليّ و لا أنّي إليك فقير

ففي العيس منجاة و في الأرض مذهب‏* * * و في الناس أبدال سواك كثير

و كتب بعضهم إلى أهله من بلاده بعيدة:

كتابي إليكم من بلاد بعيدة* * * تجشّمتها كي لا يضرّ بي الفقر

و أنشد:

اصبر لها فالحرّ صبّار* * * أو اشكها إن مسّك العار

دائرة دارت على عاقل‏* * * لم يخشها و الدّهر دوّار

نبت بك الدار فسر آمنا* * * فللفتى حيث انتهى دار

و لبعضهم:

تبدّل بدار غير دارك موطنا* * * إذا صعبت فيها عليك المطالب‏

فما الكرج الدّنيا و لا النّاس قاسم‏* * * و في غيرها للطالبين مكاسب‏

و للطائيّ:

و طول مقام المرء في الحيّ مخلق‏* * * لديباجتيه فاغترب تتجدّد

أ لم تر أنّ الشّمس زيدت محبّة* * * إلى النّاس إذ ليست عليهم بسرمد

و قالوا: العسر في الغربة مع العزّ، خير من اليسر في الوطن مع الذلّ. و قيل لآخر: ما العيش؟ قال: دوران البلدان، و لقاء الإخوان، و مغازلة القيان، و مرافقة

113

الفتيان، و استماع النغمات من الزير و المثاني.

و قيل لآخر: ما السرور؟ قال: غيبة بعد غنى و أوبة تعقب منى. و قال آخر:

سرى طيفها نحو امرئ متطوّح‏* * * طليح سفار أسفع اللّون شاحب‏

تراه كنصل السّيف أصدأ صفحة* * * مقادمه و النّصل ماضي الضرائب‏

تغرّب يبغي اليسر ليس لنفسه‏* * * خصوصا و لكن لابن عم و صاحب‏

و ما عذر ذي العشرين و الخمس قاعدا* * * و لم يبل عذرا في طلاب الرغائب‏

و من لا يزل يخشى العواقب لا يزل‏* * * مهينا رهينا في حبال العواقب‏

و أشفق من اسم التنكّر مقترا* * * فلم ينجه إلّا نجاء الركائب‏

و لعبد اللّه بن طاهر:

وا سوءتى لامرئ شبيبته‏* * * في عنفوان و ماؤها خضل‏

و هو مقيم بدار مضيعة* * * طباعه في اصطناعه الفشل‏

راض بدون المعاش متّضع‏* * * على تراث الآباء متّكل‏

لا حفظ اللّه ذاك من رجل‏* * * و لا رعاه ما حنّت الإبل‏

كلّا و ربّي حتّى يكون فتى‏* * * قد نهكته الأسفار و الرّحل‏

تسمو به همّة منازعة* * * و طرفه بالسّهاد مكتحل‏

نال بلا منّة و لا ضرع‏* * * و لا بوجه تفوته الحيل‏

إلّا بعض أو مت بشفرته‏* * * كفّ تمطّى بها فتى بطل‏

حتّى متى يصحب الرّجال و لا* * * يصحب يوما لأمّه الهبل‏

و كان عمرو بن العاص يقول: عليكم بكلّ أمر مزلفة مهلكة، أي عليكم بجسام الأمور.

و لمّا نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته- يعني برأسه-.

114

و كان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقتنع، و من أراد الذكر فليجتهد، و من أراد أن يعتبر فليغترب. و قالوا: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا في الغاية القصوى من الدنيا و الطلب لها، أو في الغاية و النهاية من الترك لها.

و قال آخر: الدنيا مرعى فمن وجد الكلأ في موضع فليلزمه. و لأبي نواس:

أرى النّفس قد أضحت تتوق إلى مصر* * * و من دونها جوب الحزونة و الوعر

و و اللّه ما أدري أ للخفض و الغنى‏* * * أساق إليها أم أساق إلى قبري‏

سأرمي بنفسي عن قريب أمامها* * * و أترك قول العاذلين ذوي الزّجر

لأنّ الّذي قد قدّر اللّه كائن‏* * * ألا إنّما تجري الأمور على قدر

و قال آخر: السلامة إحدى العصمتين، و المرأة الصالحة إحدى الكاسبين، و اللبن إحدى اللحمين، و العادة إحدى الطبيعتين، و الدعاء للسائل إحدى الصدقتين، و خفّة الظهر أحد اليسارين، و الغربة إحدى اللذّتين.

و أنشدني صديق لابن عبدوس الكاتب:

زعم الّذين تشرّقوا و تغرّبوا* * * أنّ الغريب و إن أعزّ ذليل‏

فأجبتهم إنّ الغريب إذا أتّقى‏* * * حيث استقلّ به الركاب جليل‏

قالوا الغريب يهان قلت تجلّدا* * * إنّ الإله بنصره لكفيل‏

قالوا إذا مات الغريب ببلدة* * * أدلي و لم يسمع عليه عويل‏

قلت الغريب كفاه رحمة ربّه‏* * * و غنى البكاء عن الفقيد قليل‏

و له أيضا:

يقولون لي لا تغترب قلت إنّني‏* * * إذا ما اتّقيت اللّه غير غريب‏

إذا كنت ذا عسر و حال خسيسة* * * أمنت شماتات بها لقريب‏

و إن كنت ذا مال و حال جليلة* * * فأحذر أن لا يطلبون عيوبي‏ (1)

____________

(1) لعل الأصل هو: ان لا يطلبوا لعيوبي.

115

القول في مصر و النيل‏

قال الكلبيّ: سمّيت مصر بمصر بن أينم بن حام بن نوح، و افتتحها عمرو بن العاص، و روي في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ قال: مصر. قال ابن السّكّيت: سمّيت مصر لأنها الحدّ، و أهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى جميع الدار بمصورها أي بحدودها، قال عديّ بن زيد التميميّ:

و صيّر الشّمس مصرا لا خفاء به‏* * * بين النّهار و بين اللّيل قد فصلا

أي حدّا حاجزا. و قال عبد اللّه بن عمرو: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى مصر حين تحرث. و روي عن الضحّاك بن مزاحم عن ابن مسعود مرفوعا قال: ينادي يوم القيامة مناد من السماء يا أهل مصر فيقولون جميعا أوّلهم و آخرهم: لبّيك، فيقال: إن اللّه عزّ و جلّ يقول ألم أمنن عليكم بسكنى مصر، و أطعمتكم فيه الخمر (1) و الخمير و صيد طير السماء و حيتان البحر و الماء العذب؟

فيقولون: بلى ربّنا.

و أرض مصر محدودة أربعين ليلة في مثلها، و كانت منازل الفراعنة و كان اسمها باليونانيّة مقذونية، و طول مصر من الشجرتين اللتين بين رفح و العريش إلى أسوان، و عرضها من برقة إلى أيلة و هي مسيرة أربعين ليلة في أربعين ليلة، و من بغداذ إلى مصر خمس مائة و سبعون فرسخا، يكون ذلك أميالا ألف و سبع مائة و عشرة أميال‏ (2).

____________

(1) كذا في الأصل، و لعلها: الخبز.

(2) من (و أرض مصر محدودة ...) إلى (و عشرة أميال) في ابن خرداذبه ص 80، 83.

116

قال: و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: البركة عشر بركات، في مصر تسع بركات و في الأرضين بركة واحدة. و الشرّ عشرة أجزاء، بمصر جزء واحد، و في الأرض كلّها تسعة أجزاء و أما معنى قولهم: عمر مصّر الأمصار فإنه لم يحدث إلّا البصرة و الكوفة، و قد تفعل العرب هذا فتسمّي الاثنين باسم الجميع، و قال الحسن: مصّر عمر سبعة أمصار: المدينة، و البحرين، و البصرة، و الكوفة، و الجزيرة، و الشام، و مصر. و قال أبو الخطّاب: لم يذكر اللّه جلّ و عزّ شيئا من البلدان باسمه في القرآن ما ذكر مصر حين قال: وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ و قال عزّ و جلّ: اهْبِطُوا مِصْراً، وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً و كنّاها فقال عزّ و جلّ: وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ و سمّاها اللّه عزّ و جلّ الأرض فقال: وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها الآية و سمّى اللّه جلّ و عزّ ملكها العزيز فقال: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ و قال:

يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً و أخبرني شيخ من آل أبي طالب قال: رأيت بمنف من كور مصر دار فرعون، و درت في مجالسه، و مشارفه و غرفه و صفافه فإذا كلّه حجر واحد منقور، فإن كانوا لا حكوا بينه حتى صار في الملامسة لا يستبين فيه مجمع حجرين، و لا ملتقى صخرتين، فهذا عجب، و إن كان حجرا واحدا فنقرته الرجال بالمناقير حتى تخرّقت فيه تلك المخارق إن هذا لأعجب، و النيل قد سمّاه اللّه بحرا قال اللّه: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ‏ و اليمّ هاهنا النيل، و هي ذات عيون سفّاحة.

و من مفاخر أهل مصر مارية القبطيّة أمّ إبراهيم بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و تزوّج خمس عشرة امرأة، و توفيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عن تسع، و حرّم اللّه جلّ و عزّ مارية على الرجال بعد أن ولدت إبراهيم من بعد وفاة النبيّ (عليه السلام) كما حرّم سائر نسائه. من مفاخر مصر هاجر أمّ إسماعيل (صلى اللّه عليه و سلم) الصادق الوعد.

و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا استفتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإني لهم صهر».

و قالوا: لو عاش إبراهيم ما ملكت قبطيّة أبدا. قالوا: و أرض مصر محدودة في الكتاب. إنها مسيرة أربعين ليلة في مثلها، و أرض السودان مسيرة سبع سنين، فما فضل عنهم من مائها صار

117

إلى مصر، و أرض مصر جزء من ستّين جزءا من أرض السودان، و أرض السودان جزء من ستّين جزءا من الأرض.

و من مفاخر مصر و سكّانها من القبط مؤمن آل فرعون، و السحرة و أصحاب التوبة النصوح، و هاجر، و آسية، و أمّ إبراهيم، و في نسائهم ملح و هن يشبهن في الحظوة البربريّات، و القبط أحذق في الكمانكيّة (1) و اللعب من السند، و مع القبط خفّة عجيبة.

و بمصر جبل المقطّم، و يروى عن كعب أنه قال: جبل مصر مقدّس من القصير إلى اليحموم، و سأل كعب رجلا يريد مصر فقال: أهد لي تربة من سفح مقطّمها، فأتاه بجراب، فلمّا توفّي أمر به ففرش تحت جنبه في قبره. و قالوا: جبل الزمرّد من جبال البجة موصول بالمقطّم، و المقطّم جبل مصر. و قال ابن لهيعة:

سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطّم كلّه بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو إلى عمر فقال عمر: سله لم أعطانا بها و هي لا تستنبط، و لا تزرع فقال: إني أجد في الكتب أن فيه غرس الجنّة، فأعلم عمرو عمر ذلك فكتب إليه:

إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلّا للمؤمنين، فاقبر فيه من مات من المسلمين، و لا تبعه بشي‏ء، فكان أوّل من قبر فيه رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت.

و مدينة فسطاط: هي مدينة مصر سمّيت بذلك لأن عمرو بن العاص ضرب فسطاطه بذلك المكان بباب أليون، و سويقة وردان بمصر، و بمصر حائط العجوز على شاطئ النيل، بنته عجوز كانت في أوّل الدهر ذات مال، و كان لها ابن و كان واحدها فقتله السبع فقالت: لأمنعنّ السباع أن ترد النيل، فبنت ذلك الحائط حتى لا تصل السباع إلى النيل، و يقال: إن ذلك الحائط كان طلسما و كان فيه تماثيل، كلّ إقليم على هيئتهم و زيّهم، و الدوابّ و السلاح، و كلّ أمّة مصوّرة في طرقها التي تجي‏ء منها، فإذا أراد أهل إقليم غزو مصر و انتهوا إلى تلك الصور انصرفوا، و يقال: بني ذلك ليكون حاجزا بين أهل الصعيد و النوبة، لأنهم كانوا يغيرون على‏

____________

(1) لم نهتد إلى معناها.

118

أهل الصعيد و لا يستعرفون، فبني ذلك من أهل النوبة. و قيل أمر بعض الملوك أفلاطون فبني بناحية مصر ممّا يلي البرّ حائطا طوله ثلاثون فرسخا ما بين الفرما إلى أسوان حاجزا بينهم و بين الحبشة.

و بالفسطاط صورة امرأة من حجر عظيمة قاعدة، على رأسها إجّانة و على كلّ واحدة من ركبتيها درجة إلى غرفة، تسمّى أمّ يزيد الخولانيّة.

و قالوا: البطّ ترعى بمصر كما ترعى الغنم، و بها الثعابين و ليس هي في بلد غيرها، و إليها حوّل اللّه عصا موسى، قال اللّه عزّ و جلّ: فَأَلْقى‏ عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ‏ يعني أنه حوّلها ثعبانا. و من أعاجيب مصر النمس، و ليس ذلك لأحد غيرهم، و هي من عجائب الدنيا، و ذلك أنها دويبّة متحرّكة كأنها قديرة، فإذا رأت الثعبان دنت منه، فينطوي الثعبان عليها يريد أن يعضّها و يأكلها، فتزفر زفرة تقدّ الثعبان بقطعتين، و ربّما قطعته قطعا، و لولا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر، و هي هناك أنفع لأهلها من القنافذ لأهل سجستان، و سجستان بلد كثير الأفاعي و في شروطهم أن لا يقتل لهم قنفذ و لا يصاد. و بمصر أعجوبة أخرى و هي التمساح، لا يكون إلّا في النيل، و يكون في نهر السند مهران‏ (1)، فإذا عضّ أوغل أسنانه و اختلفت، فلم يدع ما أخذه حتى يقطع بأسنانه ما قبض من شي‏ء، و حنكه الأعلى يتحرّك و لا يتحرّك الأسفل، و ليس ذلك في غيره من الدوابّ، و لا يعمل الحديد في جلده، و ما بين رأسه و ذنبه عظم واحد، و ليس يلتوي و لا ينقبض لأنه ليس في ظهره خرز، و إذا انقلب لم يستطع أن يتحرّك، و إذا سفد الذكر الأنثى خرج من النيل فيلقيها على ظهرها ثم يأتيها مثل ما يفعل الرجل بالمرأة، فإذا فرغ أقلبها، و إن أقرّها على ظهرها صيدت، لأنها لا تقدر أن تنقلب، و ذنب التمساح حاد جدا، فربّما قتل من الضربة، و ربّما جرّ الثور إلى نفسه فيأكله، و له بيض مثل بيض الأوزّ، و يبيض ستّين بيضة، و له ستّون فإذا سفد ففي ستّين مرّة، فإذا خرج التمساح من بيضة خرج مثل الحرذون في خلقه و جسمه، فيعظم حتى يكون عشرة أذرع أو

____________

(1) في معجم البلدان 4: 766 (و يقال إنه أيضا بنهر السند إلّا أنه ليس في عظم المصري، فإذا عضّ ...).

119

أكثر، و هو يزيد كلّما عاش، و إن أخذ من جانب حنكه الأيمن، أوّل سنّ في الحنك و علّق على من به حمّى نافض تركته من ساعته، و ربّما دخل اللحم في خلال أسنانه فيفتح فاه، و له صديق من الطير يشبّه بالطيطوى، يجيئه حتى يسقط على شدقه فيخلّل بمنقاره ذلك اللحم، فيكون ذلك طعاما للطير، و ترفيها للتمساح لأنه ينقّى ما في أسنانه من اللحم و يحرسه هذا الطائر ما دام ينقّى أسنانه فإن رأى صيّادا أو إنسانا يريده. أو ابن عرس فإنه عدوّه أعلمه ذلك و ذلك إن ابن عرس يجي‏ء إلى التمساح و هو نائم و يحبّ النوم على شطّ النهر فيستحمّ في الماء و يتمرّغ في الطين ثم ينتفض حتى يقوم شعره في فم التمساح فيقتله قتلا عنيفا أو يأكل ما في جوفه فلذلك الطير يحرس التمساح و إذا رأى ابن عرس مقبلا أنبه التمساح و آذنه فيهرب التمساح إلى الماء و ليس هذا بأعجب من الخلد و هي دابّة عمياء فتخرج من جحرها فتفتح فاها فيتساقط الذبّان في فيها و أشداقها و لا تزال تضمّ فاها على الذبّان و تبلعه حتى تشبع ثم تدخل جحرها و ليس هذا بأعجب من طائرين يراهما الناس من أدنى حدود البحر من شقّ البصرة إلى غاية البحر من شق السند أحدهما كبير و الآخر صغير يقال لأحدهما جوانكرك و يسمّى الآخر جرشي فلا يزال الصغير يرنّق على رأس الكبير و يعبث به و يطوف حوله و يخرج من بين رجليه و يغمّه و يكربه حتى يتّقيه بذرقة فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك فلا يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه ردى به في بئر فإذا استوفى ذلك الذرق رجع شبعان ريّان بقوت يومه و مضى ذلك الكبير لطيّته و أمرهما مشهور ظاهر، و أعجوبة أخرى و هو إن الدّخس من دوابّ الماء مما يقايس السمك و ليس بسمك يعرض للغريق فيدنو منه حتى يضع الغريق يده على ظهره فيسبح و الغريق يذهب معه و يستعين بالاتّكاء عليه و التعلّق به حتى ينجّيه، و هو عند البحريّين مشهور، قالوا و من ادّهن بشحم حرذون ثم ألقى نفسه على التمساح في الماء صاده و الحرذون دويّبة تكون بمصر و زبله ينفع من وجع العين و يقاتل العقرب و إذا ظفر بالجدي أكل أذنه، و أهل مصر يعدّون كون التمساح في النيل من غرائب ما عندهم و هو كثير في خلجان سندان و الزنج و لكنهم لا يعرفون له هناك هذا الطائر الذي يخلّل أسنانه، و كون التمساح موصول في نيل‏

120

مصر بوادي مهران و هو وادي السند و من هناك أتاه. و بمصر من العجائب الفرس الذي يكون في النيل يأكل التماسيح و غيره من الدوابّ و يربّي هذا الفرس إذا كان فلوا في البيوت مع النساء و الصبيان و في سنّه شفاء من وجع المعدة. و النوبة و الحبشة تتعالج به لأنهم يأكلون الأطعمة الغليظة فيشرفون على الموت من وجع المعدة فيأخذون سنّ هذا و يتعالجون به فيبرؤون و أعفاجه تبرئ من الجنون الذي يأخذ في الأهلّة. و من عجائب النيل دابّة تسمّى ذا القرن تكون في النيل على أنفها مثل السيف الحادّ تقطع الصخرة إذا ضربتها و ربّما قتلت به الفيل.

و أهل مصر يعدّون النيل من أحد عجائبهم و ذلك أنه مخالف لجميع الأودية التي عليها ضبع العالم و كلّ سرب و مغيض فإنّما استقباله من ناحية الشمال و ليس النيل كذلك لأن مجراه من ناحية الجنوب و ليست التماسيح في شي‏ء من هذه الأودية المعروفة لا ترى بالفرات و لا دجلة و لا سيحان و لا جيحان و لا نهر بلخ، و لا فيها من الفساد و الدواب الخبيثة، و شرب أهل مصر في البواقيل‏ (1)،

و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «تغور المياه كلّها و ترجع إلى أماكنها، إلّا نهر الأردنّ و نيل مصر و الحجرات و عرفات و منا».

و قال ابن الكلبيّ: إذا طلع العيّوق غارت المياه كلّها و نقصت إلّا نيل مصر، و يمتدّ النيل لسبع من أيّار. و قال عبد اللّه بن عمرو: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر اللّه له كلّ نهر بين المشرق و المغرب، فإذا أراد اللّه أن يجريه أمر كلّ نهر أن يمدّه، فأمدّته الأنهار بمائها، فإذا فجّر اللّه به الأرض عيونا و انتهى من جريته إلى ما أراد اللّه، أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره، و في الخبر أربعة أنهار من الجنّة: النيل، و الفرات، و سيحان، و جيحان.

و قال بعضهم: النيل يخرج من خلف خطّ الاستواء من بحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل، و هو يطيف أرض الحبشة و يجي‏ء فيمرّ بين بحر القلزم- و هو بحر الفرما- و بين المفازة، فيجي‏ء فيصبّ بدمياط، و يخرج إلى البحر الروميّ المغربيّ، و دمياط على البحر الروميّ المغربيّ. و قال أبو الخطّاب: قال المشتري ابن الأسود: غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة، من السوس الأقصى، فرأيت النيل بينه و بين البحر الأجاج‏

____________

(1) جمع باقول، و هو الكوب (أساس البلاغة، بقل).

121

كثيب من رمل، يخرج النيل من تحته. و قال بعض الفلاسفة: أقول إنه قد يكون البحر في موضع من بعض المواضع ثم ينضب الماء عنه حتى يصير أرضا يابسة ثم يعود بحرا، و العلّة في ذلك أن قرار الأرض يشبه أجسام الحيوانات و النبات، و أن لها نهاية و غاية بمنزلة الشباب و الهرم ينقص و يزيد، فإذا قربته الشمس حينا طويلا حلّلته فارتفع و جفّ ذلك الموضع، فإذا بعدت الشمس هنة رطب ذلك الموضع و ندي و اجتمعت فيه المياه من الندى و الأمطار، ذكروا أن أرض مصر كانت بحرا، و كذلك جميع الأرض عليها فنضب ذلك الماء قليلا، فجفّت تلك المواضع في مدّة من الزمان، فظهر اليبس و غرس فيه الأشجار و زرع فيه الزرع.

و لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بوونه، فقالوا: أيّها الأمير لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها، قال: و ما ذاك؟ قالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضيناهما و جعلنا عليها من الحليّ و الحلل و الثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. قال عمرو:

إن هذا أمر لا يكون أبدا في الإسلام، و إن الإسلام يهدم ما قبله، فهمّوا بالجلاء فلمّا رأى ذلك عمرو كتب إلى عمرو بن الخطّاب، فكتب إليه أنك قد أصبت و أني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي هذا- يعني رقعة- فألقها في النيل، فلمّا قدم كتاب عمر على عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد اللّه عمر إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، و إن كان اللّه العزيز الغفّار الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، و قد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأنهم لا تقوم مصلحتهم إلّا بالنيل، فأصبحوا يوم الصليب و قد أجراه اللّه ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة، و قطع اللّه تلك السنّة عن أهل مصر، و قال ابن الكلبيّ: كتاب عمر إلى نيل هو الطلسم الأكبر.

و من عجائب مصر: حشيشة يقال لها الدقس، يتّخذ منها حبال للسفن، تسمّى تلك الحبال القرقس، يؤخذ من القرقس قطعة فيشعل بين أيديهم كالشمع، ثم يطفي فيمكث سائر الليل، فإذا احتاجوا إليه أخذوا طرفه فأداروه كالمخراق‏

122

فيشتعل. و من أعاجيب مصر: الشجرة التي تدعى باليونانيّة المومقس، يرى بالليل من بعيد كأنه حريق، فإذا دنا منه الإنسان لم يجد عنده شيئا بتّة. و من أعاجيب مصر: الرماد الذي يقال له رماد السنط، و هو خشب يوقد نهارهم كلّه، و لو جمع الإنسان ذلك الرماد لما ملأ راحته. و لهم حجارة الواحات، كلّ من تناول منها حجرا فحرّكه فكأنّما يحرّك مقلة نواتها في جوفها، و لهم القراطيس التي لا يشركهم فيها أحد، و لهم دابّة يقال لها الأسقنقور يهيج الجماع إذا أكل، و فيه أعجوبة أخرى و ذلك أن ثلاثة من الحيوان للذكر منها أيران: الأسقنقور و الورل و الضبّ.

و من مفاخرهم: شراب العسل و هو هناك يختار على الخمر البابليّ للذّته و طيبه و شدّة أخذه، و موضع الأعجوبة فيه أنه يتّخذ في زمان مدود النيل، و يعمل من ذلك الماء الخاثر الكدر، و لو عمل من الصافي لم يخرج على صفاء هذا و لا جودته، و لا تزيده تلك الكدورة إلّا صفاء و حسنا، و لهم البلسان، و دهن الفجل، و دهن الخردل، و لهم الخيش و الريش، و لهم أن كلّ واد في الأرض مخالف لواديهم، لأنه يستقبل الشمال و ماؤها يجري من الجنوب، و أعجوبة أخرى أنها لا تمطر مطرا، و أعجوبة أخرى أن اسمها مصر، و على اسمها سمّيت الأمصار مثل:

الكوفة و البصرة- و إنّما سمّيت البصرة فسطاطا على التشبيه بفسطاط مصر-.

و قال الكلبيّ: كان لفرعون ما بين مصر إلى مغرب الشمس و هي مملكة إفريقية و الأندلس، و إنّما هو مثل أرض واسط أربعون في مثلها و أعجوبة أخرى بمصر و هي الأترجّ، ربّما وضع الرجل الأترجّة بينه و بين صاحبه فلا يرى أحدهما الآخر لكبرها، و بمصر من الأعاجيب السمك الرّعاد، و من صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد و تنتفض ما دام في شبكته و شصّه، و ليس هذا بأعجب من الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلد فيه صدع فمن انتضى سيفه فأولجه فيه ثم قبض على قبيعته بجميع يديه، اضطرب السيف في يديه و ارتعد هو و لو كان أشدّ الناس، و فيه أعجوبة أخرى لأنه متى حكّ بهذا الجبل سيف أو سكين حمل ذلك السكّين الحديد، و جذب الأبر و المسالّ بأكثر من جذب المغناطيس، و أعجوبة أخرى أن ذلك الحجر بعينه لا يجذب الحديد، فإن حكّ عليه سكّين أو حدّ به جذب‏

123

الحديد، و فيه أعجوبة أخرى أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه، و لو سقي كما تسقى السكاكين، و المغناطيس نفسه إذا حكّ عليه الثوم لم يجذب الحديد، و ذلك شبيه بناب الأفعى، لأنهم إذا حشوا فيه حمّاض الأترجّ، ثم عضّ و انقلب لم يكن له سمّ قاتل.

و قد بارك رسول اللّه (عليه السلام) في بنها قرية مصر. و قال أهل مصر:

اتّخذ يوسف (عليه السلام) الفيّوم بالشرقي في جبل شرب أسفلها و أعلاها و وسطها بماء واحد لا تعدم الثمرة فيها رطبة شتاء و لا صيفا.

قالوا: و إذا جاوزت بلاد غانة إلى أرض مصر انتهيت إلى أمّة من السودان يقال لها كوكو، ثم إلى أمّة يقال لها مرندة، ثم إلى أمّة يقال لها مراوة، ثم إلى واحات مصر بملسانة.

صفة الهرمين‏

و بمصر، الهرمين‏ (1) الذي يرى أصحابه كأنهم دفنوا حديثا، إلّا أنهم في عمق من الأرض، و هي ثلاثة أهرام، كلّ هرم أربع مائة ذراع طول في أربع مائة ذراع عرض، في سمك أربع مائة ذراع في الهواء، مبنيّة بحجارة المرمر و الرخام، غلظ كلّ حجر و طوله و عرضه عشرة أذرع مهندز مهندم، لا يستبين هندامه إلّا الحادّ البصر، منقور في كلّ حجر بالكتاب المسند، يقرأه كلّ من يقرأ المسند، كلّ سحر و كلّ عجب من الطبّ و كلّ طلسم و كلّ خلقة طير. و حدّث بعض المشايخ بمصر أنه قرئ لبعض خلفاء بني العبّاس على الهرمين مكتوب أنّي بنيتهما فمن كان يدّعي قوّة في مله فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، فأرادوا هدمهما فإذا خراج الأرض لا يقوم به فتركوهما. و قال عبد اللّه بن طاهر: رأيت بمصر من عجائب الدنيا ثلاثة أشياء: النيل، و الهرمين، و ابن عفير. و كان ابن عفير هذا كثير العلم، و اسمه سعيد بن كثير بن عفير. قالوا: و وجد في أهرام مصر حيّة من ذهب في شدقها صفيحة فضّة مكتوب فيها:

____________

(1) الصواب: و بمصر، الهرمان.

124

إنّي و ربّ البدن و القلاص‏* * * عملتها من خالص الرّصاص‏

و قرئ عليه أيضا: أنّي نقبتها و كسوتها الأنطاع، ثم كسوتها الحبر اليمانية، ثم كسوتها الديباج، فمن ادّعى القوّة في ملكه فليكسها الحصر، فأراد المأمون أن يكسوها الحصر فكان‏ (1) يخرج فيها خراج مصر أجمع.

و بمصر الرمل المحبوس، و الطور الذي كلّم اللّه عزّ و جلّ موسى (عليه السلام) بها، و هو في صحراء التيه فيما بين القلزم و أيلة، و فيها الصّرح الذي لم ير قطّ شي‏ء مثله، و هم يقولون نحن أكثر الناس عبدا و شهدا و قتدا و نقدا، قالوا:

و الصوف و الكتّان لنا ليس لأحد من أهل البلدان مثلها، و قالوا: و لنا الحمير المريسيّة، و البغال المصريّة، و الخيل العتاق، و المطايا من الإبل، قالوا: و لنا الأودية و المراتع التي ليس لأحد مثلها، و ربّما خيف على الإبل الهلاك من السمن، لأنها إذا بلغت الغاية في السمن، فربّما انصدعت كراكرها عن شحمة كالسنام، حتى يخرّ البعير ميّتا، قالوا: و لنا الشمع و العسل و الريش و الخيش، و لنا ضروب الرقيق و الجواهر.

و بمصر، الإسكندريّة،

قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «خير مسالحكم الإسكندريّة»،

و هي من بناء الإسكندر و به سميت، و يروى في قول اللّه عزّ و جلّ: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ قال: هي الإسكندريّة، و قال الحسن البصريّ: لأن أبيت بالإسكندريّة ليلة على فراشي أحبّ إليّ من عبادة سبعين ليلة، كلّ ليلة منها ليلة القدر بمقدارها. و روى زهرة بن معبد القرشيّ قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: أين تسكن بمصر؟ قلت:

الفسطاط. قال: تسكن المدينة الخبيثة و تذر الطيّبة. قلت: أين؟ قال:

الإسكندريّة، فإنك تجمع دينا و دنيا و هي طيّبة الموطأ، و الذي نفسي بيده لوددت أن قبري فيها و لمّا همّ الإسكندر ببنائها دخل هيكلا لليونانيّين عظيما، فذبح فيه ذبائح كثيرة، و سأل أحبارها أن تبيّن له أمر المدينة هل يتمّ بناؤها، و كيف يكون؟

فرأى في المنام كأن جدار ذلك الهيكل يقول له: إنك تبني مدينة يذهب صوتها في‏

____________

(1) لعلها: فكادّ.

125

أقطار الأرض، و يسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، و يختلط الرياح الطيّبة بهوائها، و يثبت حكمة أهلها، و يصرف عنها سورة السموم و الحرّ، و يطوى عنها قسوة البرد و الزمهرير، و يظعن عنها الشرور حتى لا يصيبها خبل من الشيطان، و إن جلب إليها الملوك و الأمم بجنودهم و حاصروها لم يدخل عليها ضرر. فبناها و سمّاها الإسكندريّة، ثم رحل عنها فيقال: إنه مات ببابل و حمل إلى الإسكندريّة فدفن بها و يقال: إنها عملت في ثلاثمائة سنة، و خمّرت نورتها ثلاث سنين، و ضربت ثلاثمائة سنة. و لقد غبر أهلها سبعين سنة ما يمشون بالنهار فيها إلّا بخرق سود، فرق أن تذهب أبصارهم من بياض جدرها، و ما أسرج فيها أحد سراجا بليل من ضوئها، و منارة الإسكندريّة على سرطان من زجاج في البحر (1).

و الجوف بمصر و باليمامة و هما جوفان، مثل الطوخ بالعراق، و حلوان بمصر على فرسخ من الفسطاط، و به نخل كثير و الكريون على ثلاثة فراسخ منها.

فأما منارة الإسكندريّة فلها عمودان من نحاس على صورتين أحدهما من زجاج و الآخر من نحاس، أما النحاس فعلى صورة عقرب، و الزجاج على صورة سرطان، و المنظرة إلى جنبهما و يقال لها المنارة.

و عين الشّمس على ثلاثة فراسخ من الفسطاط و منف مساكن فرعون بينها و بين عين الشمس ثلاثة فراسخ.

و قد اختلفوا في الإسكندر فزعم بعضهم أنه ذو القرنين، و قال آخرون: ليس هو ذو القرنين ابن فيلفوس، و لكنه لكثرة جولانه في الأرض و طيّه الأقاليم شبّهه من لا علم له بذي القرنين، و بينه و بين ذي القرنين المعمّر صاحب سدّ يأجوج و مأجوج و باني مدينة مرو و منارة الإسكندريّة المركّزة على سرطان من زجاج، و باني مدينة البهت بالمغرب و تعرف بالبها، و هي مبنيّة من حجر يسمّى حجر البهت، من تطلّع فيها تاه و استغرب ضحكا حتى يتلف نفسه دهر طويل، و ذو القرنين المعمّر هو الذي وقف على صاحب الصور حين دخل الظلمات، و بلغ‏

____________

(1) سيتحدث المؤلف فيما بعد عن ثلاث عشرة مدينة باسم الاسكندرية.

126

مكانا لم ينفذ وراءه، فصوّر فرسا من نحاس عليه فارس من نحاس ممسك على عنان فرسه بيسرى يديه، و مادّ يده اليمنى مكتوب فيها بالحميريّة ليس ورائي مسلك، فهذا عمّر عمرا طويلا حتى عاش سبع مائة سنة، و أوتي من كلّ شي‏ء سببا، و رفع إلى السماء و كان يسمّى عيّاشا، و الروميّ عمّر عمرا قليلا و كانت سيرته أخبث سيرة.

و قال عطاء بن أبي خالد المخزوميّ: كانت الإسكندريّة بيضاء تضي‏ء بالليل و النهار، فكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج منهم واحد من بيته، و من خرج اختطف، و كان لهم راع يرعى الغنم على شاطئ البحر، و كان يخرج من البحر شي‏ء فيأخذ من غنمه فكّمن له الراعي في بعض المواضع حتى خرج، فإذا جارية فتشبّث بشعرها و مانعته فذهب بها إلى منزله، فآنست بهم فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس، فسألتهم عن ذلك فأخبروها أن من خرج في ذلك الوقت اختطف، فعملت لهم الطلسمات و كانت أوّل من وضع الطلسمات بمصر.

و يروى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: عجائب الدنيا أربع‏ (1).

مرآة معلّقة بمنارة الإسكندريّة، كان يجلس الجالس تحتها فيرى من بالقسطنطينيّة، و بينهما عرض البحر، و فرس نحاس: عليه راكب من نحاس بأرض الأندلس باسط يده رافعها، عليه مكتوب ليس خلفي مسلك، و لا يطأ تلك البلاد أحد إلّا ابتلعه النمل.

و منارة من نحاس بأرض عاد، عليها راكب من نحاس، فإذا كان الأشهر الحرم هطل منه الماء، فشربوا منه و سقوا و صبّوا في الحياض و الآبار، فإذا انقضت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء.

و شجرة من نحاس: عليها سودانيّة من نحاس بأرض روميّة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت السودانيّة التي من نحاس، فتجي‏ء كلّ سودانيّة من الطيارات بثلاث زيتونات زيتونة في منقارها و زيتونتان في رجليها حتى تلقيها على الشجرة فيعصر

____________

(1) في الأصل أربعة.

127

أهل روميّة ما يكفيهم لأدامهم و سرجهم إلى قابل.

و بعين شمس من أرض مصر بقايا أساطين كانت هناك، في رأس كلّ أسطوانة طوق من نحاس، يقطر من أحدهما ماء من تحت الطوق إلى نصف الأسطوانة لا يجاوزه و لا ينقطع قطره ليلا و لا نهارا، فموضعه من الأسطوانة أخضر، و لا يصل الماء إلى الأرض، و هو من بناء هوشنك. و بالإسكندريّة موضع فيها سوار و أساطين من حجارة من بقيّة بناء قديم، و فيها سارية تعرف بسارية سليمان (عليه السلام) فيها أعجوبة، و ذلك أن الرجل فيها يجي‏ء إليها و معه زجاج أو خزف أو غير ذلك فيلقيه على السارية و يقول: بحقّ سليمان بن داود إلّا انكسرت فيتفتّت الزجاج و الخزف و ليس هذا إلّا في هذه السارية، و إن لم يقل بحقّ سليمان لم ينكسر.

و بمصر منف مدينة فرعون، لها سبعون بابا، و حيطان المدينة من حديد و صفر، و فيها كانت الأنهار التي تجري من تحته و هي أربعة.

[انصنا: مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر. أهل هذه المدينة مسخوا حجرا فيها رجال و نساء مسخوا حجرا على أعمالهم فالرجل نائم مع زوجته، و القصّاب يقطّع لحمه، و المرأة تخمر عجينها، و الصبيّ في المهد، و الرغفان في التنور. كلها انقلبت حجرا صلدا] (1).

و من كور مصر: منف، و وسيم، و دلاص، و بوصير، و الفيّوم، و أهناس، و القيس، و طحا، و أسيوط، و أشمونين، قهفا، البهنسى، هو و قنى، قفط الأقصر، أسنى، أرمنت، سوان، الإسكندريّة، المليدس، الطور، مصيل، قرطسا، خربتا، اليدقون، صاوشباس، تيده، الأفراحون، لوبيا، الأوصية، منوف العليا، منوف السفلى، دمسيس، أتريب، عين شمس، فرخطشا، الجوف الشرقيّ، الجوف الغربيّ.

و بمصر نهر اللاهون، و يقال: إن يوسف (عليه السلام) احتفره و هو يأخذ من‏

____________

(1) عن آثار البلاد ص 149.

128

النيل، و آخر عمل مصر من حدّ النوبة أسوان، و دمقلة مدينة النوبة و بينهما مسيرة أربعين ليلة.

و من عيوب مصر أنها لا تمطر، و يكرهون المطر، و اللّه عزّ و جلّ يقول:

وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ‏ و من عيوبها الريح الجنوب التي يدعونها المريسيّة، و ذلك أنهم يسمّون أعلى الصعيد إلى بلد النوبة مريس، فإذا هبّت الريح المريسيّة ثلاثة عشر يوما تباعا اشترى أهل مصر الأكفان و الحنوط، و أيقنوا بالوباء القاتل و الفناء العاجل نسأل اللّه العافية. و من عيوبها اختلاف هوائها، لأنه في يوم واحد يختلف عليهم أهوية برد و حرّ، و إذا أجدبوا انقرضوا لأنه ليست لهم ميرة من وجه من الوجوه، و الناس من عندهم يمتارون فإذا انقطعت من عندهم فنوا نسأل اللّه العافية. و هم قتلوا عثمان بن عفّان و عليّ بن أبي طالب و عميرا المأمونيّ. و نساء أهل مصر و القبط ضدّ نساء خراسان، لأن نساء خراسان يلدن أذكارا، و نساء القبط لا يكاد يرى منهن إلّا مئناث، و تلد الاثنين و الثلاثة و الأربعة، و لا نعلم ناسا في الأرض أكثر ذكرانا من آل أبي طالب.

و تربة مدينة الرسول (عليه السلام) طيّبة و الغالية و الطيب بها يزداد على العبق و طول الأيّام طيبا، و الغالية الثمينة الخطيرة بالأهواز تنقلب في أيّام يسيرة، و حمّاها على الصغير منهم و الكبير لا تزايله حتى على المولود ساعة يولد

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن مصر ستفتح بعدي فانتجعوها و لا تتّخذوها دارا فإنه يساق إليها أعجل الناس أعمارا»

فحمّاها أخبث من حمّى الأهواز، و وباؤه أشدّ من ذلك.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «انتجعوا خيرها و اسكنوا غيرها، فإنها معدن السحر و الزنا و دار الفاسقين، و لا تغسلوا رؤوسكم بطينها الأسود، فإنه يميت القلب و يكثر الهمّ، و يذهب بالغيرة نعوذ بالله منه».

قال: و كشف عن حجر بمصر فإذا فيه كتابة:

ويلك يا مصر خرابك سيلك، ملوكك غرباء لا يسود منك فيك و لا منك في غيرك. و قال وهب المعافريّ: إذا رأيتم منبر الفسطاط قد حوّل عن مكانه فتحوّلوا منها. و قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: ليأتينّ على الناس زمان قتب على جمل دبر خير من دار بمصر، و قال يحيى بن محفوظ: خلق اللّه العقل و خلق معه المكر

129

و أسكنه العراق، و خلق المكر و خلق معه الجفاء فأسكنه الشام، و خلق الفقر و خلق معه القنوع و أسكنه الحجاز، و خلق الغناء و خلق معه الذلّ و أسكنه مصر، و قال كعب القرظيّ: خلق اللّه السرقة تسعة أجزاء سبعة منها في القبط.

و من عجائب مصر: الشبّ و هو حجر أسود مجدّر يطفو فوق الماء، و الأبنوس يرسب في الماء، فأيّ شي‏ء أعجب من خشب يرسب في الماء، و حجر يطفو على الماء؟ و ضروب من الخشب ترسب في الماء: الأبنوس، و الشيز، و العنّاب، و الآهندال، و حجر المغناطيس عجب و إن شأن الألماس لعجب، و من أعاجيب الحجارة الحصاة التي في صورة النواة، تسبح في الخلّ كأنها سمكة، و الخرزة التي تجعل في حقو المرأة لئلّا تحبل، و الحجر الذي يوضع على حرف التّنور فيساقط خبز التنّور كلّه، و يدّعون أن كعب الأرنب إذا شدّ بساق الملسوع لم يضرّه.

قال: و خراج مصر وحدها يضعف على جميع خراج الروم، و حمل منها موسى بن عيسى في دولة بني العبّاس ألفي ألف و مائة ألف و ثمانين ألف دينار.

و على أعلى مصر، النوبة و الحبشة و البجة. و كان عثمان صالح النوبة على أربع مائة رأس في السنة،

و في الخبر قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من لم يكن له أخ فليتّخذ أخا من النوبة.

و قال: خير سبيكم النوبة،

و للنوبة كفّ و وفاء و حسن عهد، و بها الأبنوس الأبيض يتّخذ منه الأسرّة، و بها الكركدن و هو مثل العجل، و في جبهته قرن يقاتل به، و آخر صغير أسفل منه بين عينيه، يقلع به الحشيش و يطعن الأسد بالذي في جبهته فيقتله، و له ظلف كظلف البقر، و يهرب منه الأسد و الفيل، و بالنوبة الزرّافة و ذكروا أنها بين النمر و الناقة، و أن النمر ينزو على الناقة فتلد الزرّافة، و لا تغتذي إلّا بما تستخرجه من البحر، فخلق الباري جلّ و عزّ لها عنقا طويلا لتبلغ الموضع الذي تستخرج منه الغذاء، و مثله في الحيوان فيما يشاكله و يقرب منه في النتاج، كما يلقح الفرس الحمار، و الذئب الضبع، و النمر اللبوة، فيخرج من بينهما الفهد، فالزرّافة لها جثّة جمل، و رأس إيّل، و أظلاف بقر، و ذنب طير، و ليديها ركبتان و ليس لرجليها ركبة، و جلدها منمّر، و هو منظر عجيب‏

130

و تسمّى بالفارسيّة أشتركا و بلنك أي إنها بين الجمل و الثور و النمر و الزرّافة في اللغة الجمع، و سمّيت هذه الدابّة لاجتماع هذه المشابة فيها، و ذكر بعض الحكماء أن الزرافة نتاجها من فحول شتّى و هذا باطل، لأن الفرس لا يلقح الجمل و لا الجمل يلقح البقرة و بالحبشة دابّة يقال لها الرعقى، تقبض على خرطوم الجمل فتصرعه و تشرب دمه و لا تأكل لحمه.

و النوبة يعقوبيّة، و للصقالبة صلبان- الحمد للّه على الإسلام- و كذلك أهل علوا و تكريت و القبط و الشام كلّها نصارى يعقوبيّ و ملكي، و نسطوريّ، و نيقلائيّ، و ركوسيّ، و مرقيونيّ، و صابئ، و منانيّ- الحمد للّه على الإسلام.

و النوبة أصحاب ختان لا تطأ في الحيض، و لا تغتسل من الجنابة، و هم نصارى يعقوبيّة، يهذون الإنجيل، و الروم ملكانيّة يقرءون الإنجيل بالجرمقانيّة، و أهل بجة عبّاد أوثان، يحكمون بحكم التورية و دمقلة مدينة النوبة و بها منزل الملك، و هي على ساحل البحر، و لها سبع حيطان و أسفلها بالحجارة، و طول بلادهم مع النيل ثمانون ليلة، و طول علوا إلى بلاد النوبة مع المغرب مسيرة ثلاثة أشهر، و من دمقلة إلى أسوان أوّل مصر مسيرة أربعين ليلة، و من أسوان إلى الفسطاط خمس عشرة ليلة و من أسوان إلى أدنى بلاد النوبة خمس ليال، و في الشرق من بلاد النوبة البجة ما بين النيل و بحر اليمن، و هو بحر القلزم بمصر، و بحر الجار بالمدينة، و بحر جدّة بمكّة، و بحر اليمن بالشحر، و عمان و فارس و الأبلّة و فيما بين أرض النوبة و البجة جبال منيعة، و هم أصحاب أوثان، و في بلادهم معدن الزبرجد يحفر التراب من معدنه، ثم يغسل فيوجد فيه قطع الزبرجد.

و البجة أصناف: فالنوبة و البجة تسمّي اللّه عزّ و جلّ بحير، و بالزنجيّة لمكلوجلو، و القبطيّة أبنوذه، و بالبربريّة مذيكش، و من خلف بلاد علوا أمّة من السودان تدعى تكنة، و هم عراة مثل الزنج و بلادهم تنبت الذهب، و في بلادهم يفترق النيل، و قد ذكرنا مخرجه، و قالوا: من وراء مخرج النيل الظلمة، و خلف الظلمة مياه تنبت الذهب في تكنة و غانة.

[بلاد التبر: هذه البلاد حرّها شديد جداً. أهلها بالنهار يكونون في السراديب‏

131

تحت الأرض، و الذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا. و أهلها يخرجون عند بزوغ الشمس و يقطفون الذهب. و طعامهم الذرة و اللوبيا، و لباسهم جلود الحيوانات و أكثر ملبوسهم جلد النمر، و النمر عندهم كثير] (1).

____________

(1) عن آثار البلاد ص 18. و لا ندري هل يتوقف القزويني في النقل عن ابن الفقيه إلى هذا الحد، أم أن الكلام الذي يلي هذا المنقول تابع لابن الفقيه أيضا؟ لا نملك دليلًا يقيناً في ذلك. و كان القزويني قد حدد موقع بلاد التبر بقوله (هي بلاد السودان في جنوب المغرب). و قد نقل ياقوت 1: 832 عن ابن الفقيه معلومة (بلاد التبر) هذه أيضا.

132

القول في المغرب‏

أسفل الأرض من الفسطاط إلى برقة ستّمائة و ستّون ميلا. و برقة مدينة حسناء في صحراء، و هي صلحيّة صالح عليها عمرو بن العاص و جبر أهلها على الجزية، و هي خصبة ممتّعة، و من برقة إلى القيروان مدينة إفريقية ستّمائة و ثمانية و ثلاثون ميلا، و سمّيت بأفريقش بن أبرهة الرائش، و هو الذي بناها، و إفريقية افتتحها عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهريّ (رحمه اللّه) وجّهه معاوية و هي الآن في يدي ابن الأغلب‏ (1)، و في يديه أيضا: قابس، و جلولاء، و سبيطلة مدينة جرجير الملك و كان روميا، و بينها و بين القيروان سبعون ميلا- و زرود، و قفصة، و قصطلية، و مدينة الزاب، و ودّان، و ضفرجيل، و زغوان، و تونس، و بينها و بين إفريقية مرحلتان على البغال، و اسم مدينة تونس قرطاجنّة، و هي على ساحل البحر، يحيط بسورها أحد و عشرون ألف ذراع، و من مدينة تونس إلى الأندلس ستّة فراسخ، و إلى قرطبة مدينة الأندلس مسيرة خمسة أيّام.

و في يدي الرّستميّ الإباضيّ، و هو أفلح بن عبد الوهّاب بن عبد الرحمن بن رستم من الفرس، يسلّم عليه بالخلافة بقيروة، و سلمة، و سلمية، و تاهرت، و ما والاها، و بين إفريقية و تاهرت مسيرة شهر على الإبل، و مدينة سبتة إلى جانب الخضراء.

و ملك سبتة اليان و في يدي ابن صفير البربريّ خلقاية إلى وادي الرمل و وادي الزيتون و قصر الأسود بن الهيثم إلى أطرابلس.

____________

(1) من هنا و ما بعده يوجد بعضه لدى ابن خرداذبه 87- 90.

133

و في يدي الخارجيّ الصّفريّ مدينة كبيرة تدعى درعة، فيها معدن الفضّة، و هي ممّا يلي الحبشة في ناحية الجنوب، و مدينة تدعى زيز.

و في يدي إبراهيم بن محمّد بن محمود البربريّ المعتزليّ مدينة تلي تاهرت تدعى أيزرج.

و في يدي ولد إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) مدينة تلمسين، و من تاهرت إليها مسيرة خمسة و عشرين يوما عمران كلّه، و طنجة، و فاس و بها منزله، و و ليلة، و مدركة، و متروكة، و مدينة زفور، و غزّة، و غميرة، و الحاجر و ماجراجرا، و فنكور، و الخضراء، و أوراس، و ما يتّصل ببلاد زاغي بن زاغي، و طنجة خلف تاهرت بأربع و عشرين ليلة، و خلف طنجة السّوس الأدنى، و خلف السوس الأدنى السوس الأقصى على بحر اليمن في شرقيّ النيل، و مدينة السوس الأقصى تدعى طرقلة، و مدينة الأندلس تدعى قرطبة، و بلاد أنبية من السوس الأقصى على مسيرة سبعين ليلة في براريّ و مفاوز، و أهلها و أهل لمطة أصحاب الدرق، ينقعونها في اللبن حولا مجرّدا، فينبو عنها السيف و إن قطع السيف منها شيئا نشب السيف في الدرقة، و لم يمكن أن ينزع من الدرقة، و الدرقة اللّمطيّة ليس عليها قياس.

و كان سبب خروج إدريس و وقوعه إلى هذه النواحي ما حكاه صالح بن عليّ‏ (1) قال: أخبرنا مشايخنا أن إدريس بن عبد اللّه بن حسن الطالبيّ أفلت من وقعة العبّاسيّين بالطالبيّين بفخّ مكّة، و ذلك في خلافة الهادي، فوقع بمصر و على بريدها يومئذ واضح مولى المنصور، و كان رافضيّا فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها و ليلة، فاستجاب له من بها و بأعراضها من الناس، فلمّا استخلف الرشيد أعلم بذلك فضرب عنق واضح و صلبه، و دسّ إلى إدريس الشمّاخ اليماني مولى المهديّ، و كتب له كتابا إلى‏

____________

(1) نرجح أنه صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور أحد أفراد الأسرة العباسية. و قد توفي عام 262 ه- (ابن الأثير 7: 305).

134

إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقية، فخرج حتى وصل إلى و ليلة، و ذكر أنه متطبّب و أنه من أوليائهم، فاطمأنّ إليه إدريس و أنس به، فشكا إليه إدريس علّة في أسنانه، فأعطاه سنونا مسموما ليلا، و أمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر، و هرب من الليل، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون فقتله و طلب الشمّاخ فلم يظفر به، و قدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، و لحقت الأخبار بعد مقدمه بموته فكتب بذلك إلى الرشيد فولّى الشمّاخ بريد مصر، ثم ملك من بعد إدريس ابنه، و إلى هذه الغاية هي ثابتة في ولده.

و في يدي محمّد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أميّة ما وراء بحر الأندلس، و في يديه قرطبة و بينها و بين الساحل مسيرة خمس ليال، و من ساحل قرطبة إلى أربونة آخر الأندلس ممّا يلي فرنجة ألف ميل، و طليطلة و بها كان ينزل الملك، و من طليطلة إلى قرطبة عشرون ليلة، و للأندلس أربعون مدينة، و يجاور الأندلس فرنجة و ما والاها من بلاد الشرك، و الأندلس مسيرة أكثر من شهر في شهر، و هي خصبة كثيرة الخير و الفواكه و ممّا يلي الشمال و الروم فرنجة، و الأندلس افتتحها طارق بن زياد و موسى بن نصير، فأصاب بها مائدة سليمان (عليه السلام) فيها جواهر لم ير خلق مثلها فقطع طارق قائمة من قوائم المائدة و صيّر مكانها أخرى لا تشبهها، فلمّا قدموا بها على الوليد بن عبد الملك و كان موسى وجّهها إليه فقال طارق: أنا أصبتها فكذّبه موسى فقال طارق للوليد: ادع بالمائدة فنظر إلى قائمته فإذا هي لا تشبه القوائم، فقال طارق: سله عنها، فسأله فقال: كذا أصبتها فأخرج طارق إليه القائمة فصدّقه الوليد و قوّمت المائدة مائتي ألف دينار.

و من العجائب بيتان وجدا بالأندلس عند فتحها في مدينة الملوك، في أحدهما عدد تيجان لملوكها، و في هذا البيت وجد مائدة سليمان بن داود (عليه السلام)، و على البيت الآخر أربعة و عشرون قفلا، كلّما ملك منهم ملك زاد عليه قفلا، و لا يدرون ما في البيت حتى ملك لدريق، و هو آخر ملوكهم فقال: لا بدّ أن أعرف ما في هذا البيت، و توهّم أن فيه مالا، فاجتمعت الأساقفة و الشمامسة

135

و أعظموا ذلك عليه فأبى فقالوا له: انظر ما يخطر ببالك من مال تراه فيه، فنحن ندفعه إليك و لا تفتحه، فعصاهم و فتح الباب فإذا في البيت تصاوير العرب على خيولهم بعمائمهم و نعالهم و قسيّهم و نبلهم، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها ذلك البيت، و كان ملك الأندلس حين فتحت يسمّى لوذريق من أهل إصبهان، و بأصبهان يسمّى أهل قرطبة الأسبان، و يسلّم على الأمويّ بها السلام عليك يا ابن الخلائف، و ذلك أنهم لا يرون اسم الخلافة إلّا لمن ملك الحرمين.

أعراض البربر: هوارة، و زنانة، و ضريسة، و مغيلة و ورفجومة، و أحياء كثيرة، فدوابّ هوارة غاية في الفراهة، و كانت دار البرابرة فلسطين و ملكهم جالوت، فلمّا قتله داود انتقلت البربر إلى المغرب، ثم انتشرت إلى السوس الأدنى خلف طنجة، و السوس الأقصى و هي من مدينة قمونية من موضع القيروان على ألفين و خمسين ميلا، و كرهت البربر نزول المدائن فنزلوا الجبال و الرمال و برجان و بلدان الصقالب. و الإبر، شمالي الأندلس.

و الذي يجي‏ء من هذه الناحية الخدم الصقالبة، و الغلمان الروميّة و الأفرنجيّة و الجواري الأندلسيّات، و جلود الخزّ و الوبر و السمّور، و من الطيب الميعة و المصطكي، و يقع من بحرهم البسّذ، و هو الذي تسمّيه العامّة المرجان‏ (1)، و لهم الخيل العراب، و الإبل العراب، و القسيّ العربيّة، و هم أهل غفلة و قلّة فطنة، و

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): نساء البربر خير من رجالهم بعث إليهم نبيّ فقتلوه، فتولّت النساء دفنه، و الحدّة عشرة أجزاء تسعة منها في البربر و جزء في الناس.

[و يروى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: ما تحت أديم السماء و لا على الأرض خلق شر من البربر، و لئن أتصدق بعلامة سوطي في سبيل اللّه أحب إليّ من أن أعتق رقبة بربري‏] (2).

____________

(1) من قوله (اعراض البربر: هوارة ...) أعلاه، إلى هنا (المرجان) موجود في ابن خرداذبه 90- 92 إلّا أنه مختصر هنا.

(2) عن معجم البلدان 1: 543 (بربر).

136

قالوا: و بلاد طنجة مدينتها و ليلة، و الغالب عليها المعتزلة، و عميدهم اليوم إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد، و هو صاحب إدريس بن إدريس، و إدريس موافق له، و أمّ إدريس بربريّة مولّدة، و بربر أخواله، و اسم أمّ إدريس كنز، و هي التي كانت تتولّى طعامه و طبيخه خوفا من السمّ. و من و ليلة إلى طنجة إلى ناحيتي مدينة السوس الأدنى مسيرة عشرين ليلة، و ليس في بلادهم نخل، و لا كرم، و لا زيتون. و لهم القمح، و الشعير، و الأغنام، و الرماك، و البقر، و العسل، و ليس لهم قطن و لا كتّان، لباسهم الصوف، و زرعهم على ماء السماء، و من آخر مدينة السوس إلى آخر طرقلة مدينة السوس الأقصى شهران، و ليس وراء طرقلة أنس.

و من عجائبهم وادي الرمل و مدينة البهت، و هي في بعض مفاوزها، قال:

و لمّا فرغ الإسكندر من فتح مصر أخذ متيامنا نحو المغرب حتى انتهى إلى أمّة من بني إسرائيل قوم موسى بمدينة لهم و كانوا عبّادا أتقياء، فلمّا انتهى إلى تخوم أرضهم بلغهم وروده عليهم فاجتمع عظماؤهم و أحبارهم و كتبوا إليه: بسم اللّه ذي الطول و المنّ، من البرجمانيّين الفقيرين إلى اللّه و ذوي التواضع للّه إلى الإسكندر المغترّ بالدنيا، أما بعد فقد بلغنا مسيرك إلينا، فإن كنت محاربا كما حاربت غيرنا لتأخذ من دنيانا، فارجع فما لك عندنا طائلة، و لا لك في قتالنا نفع، لأنّا أناس مساكين، ليست لنا أموال، و لا للملوك في أرضنا أرب، و إن كنت إنما تقصد نحونا لتطلب العلم فارغب إلى اللّه أن يفقّهك و يهديك، مع علمنا أنك لا تحبّ ذلك، لأن انهماكك في طلب الدنيا بلا فكرة في زوالها و انقطاعها عنك، يدلّ أنك غير راغب فيها، فأما نحن فقد خلّينا الدنيا و رفضناها، و رغبنا في الآخرة و تشوّقناها، فانصرف أيّها العبد عنّا، و لا تؤذينا و تخرّب بلادنا، و لا أرب لك فينا.

فلمّا أتاه الكتاب عزم على إتيانهم في مائة فارس من علماء أصحابه و زهّادهم، و قد كان بينه و بينهم بحر رمل يجري كما يجري الماء، و يسكن كلّ يوم سبت فلا يتحرّك إلى الليل، و مدينتهم تسمّى مقيارات، و حولها تسع قريات، و هم متفرّقون فيها، و أسماؤها: عطروت، و ربعون، و يمحون، و قنوا، و حسنون، و بعلى، و سبام، و بنوا، و بنعون، و دورهم مستوية، و ليس فيهم رجل أغنى من‏

137

الآخر، و قبورهم على أبواب دورهم، فأقام الإسكندر على حافّة ذلك البحر حتى إذا كان يوم السبت سكن ذلك الرمل، فسلكه و سار يومه كلّه إلى اصفرار الشمس، حتى جاز النهر في أصحابه، فاستقبلوه و سلّموا عليه، فلمّا دنا منهم نزل فاجتمع إليه من أفاضلهم و علمائهم زهاء مائة رجل، فدعوا له بالصلاح فرحّب بهم الإسكندر، و دخل معهم المدينة. فجلس على الأرض، و جلس أولئك الأحبار حوله، ثم قال: ما بال قبوركم على أبواب منازلكم؟ قالوا: ليكون ذكر الموت نصب أعيننا. قال: فهل فيكم مسكين؟ قالوا: ما فينا أحد أغنى من الآخر. قال:

فمن شرّ عباد اللّه؟ قالوا: من أصلح دنياه و أخرب آخرته. قال: فمن أقسى الناس قلبا؟ قالوا: من أغفل أمر الموت و نسي الحساب و العقاب. قال: فالبرّ أقدم أم البحر؟ قالوا: لا بل البرّ لأن البحر إنما يحول إلى البرّ. قال: فالليل أقدم أم النهار؟ قالوا: بل الليل أقدم لأن الخلق إنما خلقوا في الظلمة في بطون الأمّهات، ثم خرجوا بعد ذلك إلى النور. قال الإسكندر: طوبى لكم، لقد رزقتم زهادة و علما. قالوا: بل طوبى لمن وقاه اللّه فتنة الدنيا، و أخرجه منها سالما. قال: فإني أحبّ أن تعظوني. قالوا: و ما يغني و عظنا إيّاك مع انهماكك على الدنيا و حرصك عليها بلا فكرة منك في زوالها. قال: فسلوني حوائجكم. قالوا: نسألك الخلد.

قال: هل يقدر على ذلك أحد إلّا اللّه؟ قالوا: فإن كنت موقنا بالموت فما تصنع بقتل أهل الأرض؟ قال: نعم إني موقن بذلك غير أني لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا، ثم قال: يا معشر البرجمانيّين إن اللّه قد خصّكم بالعلم، و حلّاكم بالزهادة، و زيّنكم بالحكمة، و صرف قلوبكم عن الشهوات، فسلوني حكمكم من زهرة الدنيا. قالوا: لا حاجة لنا في شي‏ء من ذلك. قال: فأحبّ أن تقبلوا مني شيئا فإن معي يواقيت و جواهر حسانا. قالوا: أحضره لننظر إليه، فأمر بإخراج أسفاط فيها جواهر مثمّنة، ففتحت فلمّا نظروا إليها قالوا له: أيّها الملك و يعجبك مثل هذا؟

قال: ليس شي‏ء من عرض الدنيا أحبّ إلينا منه. قالوا: فانطلق بنا حتى نريك ما هو أحسن منه و أكثر، و ليس عليك فيها مؤونة، فانطلقوا إلى نهر عظيم فيه صنوف الجواهر و اليواقيت، و فيه من الجواهر ما لم ير مثله، فقالوا: هذا أكثر أو ما معك؟

138

قال: بل هذا. فقالوا: بالذي نزع عن قلوبنا الشهوات، و وفّقنا لطاعته، و قوّانا على العبادة، ما تزيّنت امرأة منّا قطّ بشي‏ء من هذا، و لا انتفعنا به بفصّ خاتم. فأقام عندهم إلى السبت الآخر حتى سكن البحر فجازه حتى أتى معسكره فيقال: إنهم القوم الذين ذكرهم اللّه جلّ و عزّ في كتابه فقال و قوله الحقّ: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏ قال: فلمّا ملك ناشر ينعم تجهّز و سار في جمع لا يحصى عددهم نحو المغرب، حتى إذا بلغ وادي الرمل أراد أن يجوزه فلم يجد مجازا، فأقام إلى يوم السبت، فلمّا سكن الرمل يوم السبت أرسل نفرا من أصحابه و أمرهم أن يقطعوه، ثم يقيموا من ذلك الجانب إلى السبت الآخر، ثم ينصرفوا إليه بخبر ما رأوه، فساروا يرمهم ذلك حتى هجم عليهم الليل قبل أن يقطعوه، فجرى ذلك الرمل فغرقوا فيه، فلمّا رأى ذلك و لم يرجع إليه من أصحابه أحد، أمر بصنم فنصب على حافّة الوادي، و كتب على جبهته: ليس ورائي لامرئ مذهب فلا يتكلّفنّ أحد المضيّ إلى الجانب الآخر، ثم انصرف إلى مملكته.

و من طرقلة إلى مدينة غانة مسيرة ثلاثة أشهر مفاوز و قفار، و بلاد غانة ينبت فيها الذهب نباتا في الرمل، كما ينبت الجزر و يقطف عند بزوغ الشمس، و طعامهم الذرة و اللوبياء، و يسمّون الذرة الدخن، و لباسهم جلود النمور و هي هناك كثيرة.

و معدن الفضّة و الذهب بموضع يقال له تدمير، بينه و بين قرطبة عشرة أيّام، و معدن الفضّة في أعلى مدينة يقال لها جيّان، و بها معدن الزيبق في موضع يقال له فحص البلّوط، و من معدن الزيبق إلى قرطبة خمسة أيّام، و أهلها بربر و هم في سلطان الأمويّ.

و يتاخم الشرك أمّة يقال لها علجشكش و هي قريبة من البحر.

و بقرطبة دار الضرب في موضع يقال له باب العطّارين، و ليس في دراهمهم مقطّعة، و لهم فلوس يتعاملون بها ستّين فلسا بدرهم، و دراهم تسمّى طبليّا.

و للأمويّ جند و ديوان يعطيهم أرزاقهم من العرب و الموالي و غيرهم. قرطبة طيّبة الهواء لا يحتاجون في الصيف إلى خبش، و بها عيون و آبار، و عندهم ثلج يقع على جبل يقال له شلير، بينه و بين قرطبة أربعة أيّام، و بقرطبة آبار طيّبة عذبة باردة،

139

يشربون في الصيف من تلك الآبار لشدّة بردها.

و يروى عن عامر الشّعبيّ قال: إن اللّه جلّ و عزّ خلق خلقا خلف الأندلس ليس بينهم و بين الأندلس إلّا كما بيننا و بين الأندلس، لا يرون أن اللّه عصاه أحد، لا يحرثون، و لا يزرعون، و لا يحصدون، على أبوابهم شجر ينبت لهم ما يأكلون منه، و للشجرة أوراق عراض، يوصلون بعضها إلى بعض فيلبسونها، و في أرضهم الدرّ و الياقوت، و في جبالهم الذهب و الفضّة، فأتاهم ذو القرنين فخرجوا إليه فقالوا له: ما جاء بك، تريد أن تملكنا، فو اللّه ما ملكنا أحد قطّ، و إن كنت تريد المال فخذ. فقال: و اللّه ما واحدة من هاتين أريد، و لكن سألت ربّي أن يسيّرني فيما بين مطلع الشمس إلى مغربها، فهذا حيث جئتكم من المطلع قالوا: هذا المغرب عندك.

و بالأندلس نخل قليل، و بها زيتون كثير، و زيت و قطن و كتّان.

حديث البهت: فمن عجائب الأندلس، البهت، و هي المدينة التي في بعض مفاوزها، و لمّا بلغ عبد الملك بن مروان خبر هذه المدينة و أن فيها كنوزا، كتب إلى موسى بن نصير- و كان عامله على المغرب- يأمره بالمسير إليها، و دفع الكتاب إلى طالب بن مدرك، فسار حتى انتهى إلى مدينة القيروان، و موسى مقيم بها، فأوصل كتاب عبد الملك إليه فلمّا قرأه تجهّز و سار في ألف فارس من أبطال قومه و أشرافهم، و حمل معه من الزاد لأربعة أشهر، و من الماء لنفسه و أصحابه ما يكفيهم، و أخرج رجالا أدلّاء بذلك الطريق، فسار ثلاثة و أربعين يوما حتى انتهى إليها، فأقام ثلاثا حتى علم كنه علمه، ثم ارتحل إلى البحيرة، و كانت على ميلين من المدينة، و تفهّم أمرها ثم انصرف إلى القيروان، و كتب إلى عبد الملك بن مروان مع طالب بن مدرك، بسم الله الرحمن الرحيم: أصلح اللّه أمير المؤمنين صلاحا يبلغ به شرف الدنيا و الآخرة، أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهّزت لأربعة أشهر، و سرت في مفازة الأندلس في ألف رجل من أصحابي، حتى أوغلت في طرق قد انطمست و مناهل قد اندرست و عفت فيها الآثار، و انقطعت عنها الأخبار، أحاول بلوغ مدينة لم ير الراءون مثلها و لم يسمع السامعون بمثلها، فسرنا ثلاثة

140

و أربعين يوما فلاح لنا بريق شرف تلك المدينة من مسيرة خمسة أيّام، فهالنا منظرها و امتلأت قلوبنا منها رعبا من عظمها و بعد إقطارها، فلمّا قربنا منها إذا أمرها عجيب هائل، و منظرها مخيف موجل كأنّ المخلوقين لم يصنعوها، فنزلنا عند ركنها الشرقيّ فصلّينا عشاء الآخرة، ثم بتنا بأرعب ليلة بات بها أحد من المسلمين، فلمّا أصبحنا كبّرنا استئناسا بالصبح و سرورا به، ثم أرسلت رجلا من أصحابي في مائة فارس، و أمرته أن يدور مع سور المدينة ليعرف لنا موضع بابها، فغاب عنّا يومين، ثم أتانا صبيحة يوم الثالث فأخبر أنها مدينة لا باب لها، و لا مسلك إليها، فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها و جعلت بعضها إلى بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه في الهواء فأمرت فاتّخذ سلاليم كثيرة، و وصلت بعضها إلى بعض بالجبال و نضبتها على الحائط، و ناديت في المعسكر من يتعرّف لي خبر هذه المدينة، و يصعد هذه السلاليم فله عشرة آلاف درهم، فانتدب رجل من أصحابي فتسنّم السلّم و هو يتعوّذ و يقرأ، فلمّا صار في أعلاها و أشرف على المدينة قهقه ضاحكا، ثم هبط إليها فناديناه: أخبرنا بما رأيت فيها، فلم يجبنا، فجعلنا أيضا لمن يصعد إليها و يأتينا بخبرها و خبر الرجل ألف دينار، فانتدب رجل من حمير و أخذ الدنانير و جعلها في رحله، ثم صعد فلمّا استوى على السور قهقه ضاحكا، ثم نزل إليها فناديناه:

أخبرنا بما وراءك و ما الذي ترى فلم يجبنا أحد، حتى صعد ثلاثة رجال كلّهم يقهقه ضاحكا و يتطيّر، فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود و أشفقوا على أنفسهم، فلمّا يئست من أولئك الرجال و من معرفة المدينة، رحلت نحو البحيرة، فسرت مع سور المدينة فانتهينا إلى مكان من السور فيه كتابة بالعربية (1)، فوقفت حتى أمرت باستنساخه و هي:

ليعلم المرء ذو العزّ المنيع و من‏* * * يرجو الخلود و لا حيّ بمخلود

لو أنّ خلقا ينال الخلد في مهل‏* * * لنال ذاك سليمان بن داود

____________

(1) معجم البلدان (بالحميرية) و قد أكملنا بعض الفجوات في خبر هذه المدينة اعتمادا عليه إذ ان ياقوت الحموي كان يعتمد على النسخة الكاملة من كتاب ابن الفقيه. انظر 4: 455- 457.

141

سالت له العين عين القطر فائضة* * * فيها عطاء جليل غير مصرود

و قال للجنّ ابنوا منه لي أثرا* * * يبقى إلى الحشر لا يبلى و لا يؤدي‏

فصيّروه صفاحا ثمّ ميل به‏* * * إلى السماء بأحكام و تجويد

و أفرغوا القطر فوق السور منحدرا* * * فصار صلبا شديدا مثل صيخود

و ردّ فيها كنوز الأرض قاطبة* * * و سوف يظهر يوما غير محدود

لم تبق من بعدها في الملك شارفة* * * حتّى يضمّن رمسا بطن أخدود

و صار في قعر بطن الأرض مضطجعا* * * مضمّنا بطوابيق الجلاميد

هذا لتعلم أنّ الملك منقطع‏* * * إلا من اللّه ذي التّقوى و ذي الجود

ثم سرت حتى وافيت البحيرة عند مغيب الشمس فإذا هي مقدار ميل في ميل، و هي كثيرة الأمواج، فنظرنا فإذا رجل قائم فناديناه من أنت؟ قال: أنا رجل من الجنّ، و كان سليمان بن داود حبس والدي فوق الماء في‏ (1) هذه البحيرة، فأتيته لأنظر ما حاله، قلنا: فما لك قائما فوق الماء؟ قال: سمعت صوتا فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كل عام مرة فهذا أوان مجيئه. فيصلّي على شاطئ هذه البحيرة أيّاما و يهلّل اللّه و يمجده، قلنا: فمن تظنّه؟ قال: أظنّه الخضر، ثم غاب عنا، فبتنا تلك الليلة على شاطئ البحيرة، و قد كنت أخرجت معي عدّة من الغوّاصين، فغاصوا في البحيرة فأخرجوا منها حبّا من صفر مطبّقا رأسه بصفر، مسمورا بمسامير من صفر، فأمرت بقلع الصفر فخرج منه رجل من صفر على فرس من صفر بيده مطرد من صفر، فطار في الهواء و هو يقول: يا نبيّ اللّه لا أعود، ثم غاصوا ثانية و ثالثة فأخرجوا عدّة من أولئك، ثم ضجّ أصحابي و خافوا أن ينقطع بهم الزاد، فأمرت بالرحيل و انصرفت بالطريق الذي سلكته، و أقبلت حتى نزلت القيروان، و كتابي منها و الحمد للّه الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره و سلّم له جنده و السلام. فلمّا قرأ عبد الملك بن مروان كتاب موسى بن نصير و كان عنده الزّهريّ قال: ما تظنّ بأولئك الذين صعدوا فوق السور كيف استطيروا؟ قال: أظنّهم خبلوا

____________

(1) لدى ياقوت (ولدي).

142

فاستطيروا لأن بتلك المدينة جفّا قد و كلوا بها. قال: فمن أولئك الذين خرجوا من الحباب ثم يطيرون؟ قال: أولئك مردة الجنّ الذين حبسهم سليمان بن داود (عليه السلام) في البحار.

[بيرة: جزيرة فيها اثنتا عشرة مدينة و ملكها مسلم يقال له في هذا الوقت سودان بن يوسف، و هي في أيدي المسلمين منذ دهر، و أهلها يغزون الروم و الروم يغزونهم، و منها يتوجه إلى القيروان‏] (1).

____________

(1) عن ياقوت: 1: 787.

143

القول في الشام‏

قال: سمّيت الشام شاما لأنها شأمة للكعبة، و قالوا: سمّيت لشامات بها حمر و سود، و قال ابن الأعرابيّ: إذا جزت جبلي طيّ‏ء- يقال لأحدهما سلمى و للآخر أجأ- فقد أشأمت حتى تجوز غزّة و دمشق و فلسطين و الأردنّ و قنسرين من عمل العراق. و قالوا: الشام من الكوفة إلى الرملة، و من بالس إلى أيلة. و قال عبد اللّه بن عمرو: قسم الخير عشرة أجزاء فجعل منها تسعة أعشار في الشام، و جزء في سائر الأرضين. و قال وهب الذماريّ: إن اللّه جلّ و عزّ أوحى إلى الشام أني باركتك و قدّستك، و جعلت فيك مقامي، و إليك محشر خلقي، فاتّسعي لهم كما يتّسع الرّحم، إن وضع فيه اثنان وسعهما، و إن وضع ثلاثة وسعهم، و عيني عليك من أوّل السنين إلى آخر الدهر، من عدم فيك المال لم يعدم فيك الخبز و الزيت.

و روى جبير بن نفير الحضرميّ قال: شكت الشام إلى ربّها فقالت: يا ربّ فضّلت الأرضين عليّ بالجبال و الأنهار و تركتني كظهر الحمار، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليها أن المسكين يشبع فيك، و عيني عليك و يدي إليك، و في خبر آخر قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الشام صفوة اللّه من بلاده، و إليه يجتبي صفوته من عباده، يا أهل اليمن عليكم بالشام فإن صفوة اللّه من الأرض الشام.

و قال الحجّاج لابن القرّيّة: أخبرني عن مكران. قال: ماؤها و شل، و تمرها دقل، و سهلها جبل، و لصّها بطل، إن كثر بها الجيش جاعوا، و إن قلّوا ضاعوا.

قال: فأخبرني عن خراسان. قال: ماؤها جامد، و عدوّها جاهد، و بأسهم شديد، و شرّهم عنيد. قال: فأخبرني عن اليمن. قال: أرض العرب و أهل بيوتات‏

144

و حسب. قال: فأخبرني عن عمان. قال: حرّها شديد، و صيدها عتيد، و أهلها بهائم، ليس بها رائم. قال: فأخبرني عن البحرين. قال: كناسة بين مصرين كثيرة جبالها، جهلة رجالها. قال: فأخبرني عن مكّة. قال: رجالهم علماء، و فيهم جفاء، و نساؤها كساة عراة. قال: فأخبرني عن المدينة. قال: رسخ العلم فيها ثمّ علا و انتشر منها في الآفاق. قال: فأخبرني عن اليمامة. قال: أهل جفاء و جلد و ثروة و عدد و صبر و نكر. قال: فأخبرني عن البصرة. قال: حرّها شديد، و ماؤها مالح، و حربها صالح، مأوى كلّ تاجر و طريق كل عابر. قال: فأخبرني عن واسط. قال: جنّة بين حماة و كنّة تحسدانها، و دجلة و الزاب يتباريان عليها. قال:

فأخبرني عن الكوفة قال: سفلت عن برد الشام و ارتفعت عن حرّ اليمن، فطاب ليلها و كثر خيرها. قال: فأخبرني عن الشام. قال: عروس في نسوة جلوس كلّهن يزفنها و يرفدنها.

و قال عديّ بن كعب في قوله: وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ قال: الشام.

145

القول في بيت المقدس‏

قال في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ‏ قال: بيت المقدس. و قال مقاتل بن سليمان في قول اللّه تعالى‏ وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ قال: هي بيت المقدس. و قوله:

وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ قال: إلى بيت المقدس. و قوله: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏ قال: بيت المقدس. و شدّد اللّه عزّ و جلّ ملك داود بها، و سخّر اللّه له الجبال و الطير يسبّحن ببيت المقدس، و وهب اللّه عزّ و جلّ له سليمان بها، و غفر لسليمان ذنبه، و فهّمه الحكمة في بيت المقدس، و كانت أنبياء بني إسرائيل تقرّب بها، و اصطفى اللّه عزّ و جلّ مريم بها على نساء العالمين، و آتى اللّه عزّ و جلّ يحيى الحكمة بها، و سرّة الأرض بيت المقدس. و في الخبر: من صلّى في بيت المقدس فكأنّما صلّى في السماء، و تزفّ الكعبة بجميع حجّاجها يوم القيامة إلى بيت المقدس، و يقول لها: مرحبا بالزائر و المزور، و تزفّ مساجد اللّه عزّ و جلّ كلّها إلى البيت المقدس، و أوّل ما انحسر عنه الطوفان صخرة بيت المقدس، و ينفخ في الصور يوم القيامة بها، و يحشر اللّه عزّ و جلّ الخلائق إليها، و تزفّ الجنّة عند بيت المقدس، و باب السماء مفتوح على بيت المقدس، و يغفر اللّه عزّ و جلّ لمن أتى إلى بيت المقدس، و يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.

قال اللّه عزّ و جلّ لموسى: انطلق إلى بيت المقدس فإنّ بها نوري، و ناري. و تكفّل اللّه عزّ و جلّ لمن أتاها أن لا يفوته الرزق.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لنا: ستهاجرون هجرة إلى مهاجر إبراهيم- يعني بيت المقدس- فمن صلّى في بيت المقدس ركعتين خرج من ذنوبه مثل يوم ولدته أمّه، و كان له بكلّ شعرة في جسده مائة نور عند اللّه عزّ و جلّ، و حشره اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة مع الأنبياء. و قال لسليمان بن‏

146

داود حين فرغ من بنائها. سلني أعطك قال: يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي. قال اللّه عزّ و جلّ: لك ذلك. قال: يا ربّ و أسألك من جاء إلى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. قال جلّ و عزّ: و لك ذلك. قال:

و أسألك من جاءه فقيرا أن تغنيه، أو سقيما أن تشفيه. قال: ذلك لك. قال:

و أسألك أن تكون عينك عليها إلى يوم القيامة. قال: و لك ذلك.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تشدّ الرحال إلى أفضل من ثلاثة مساجد مسجد الحرام و مسجدي و مسجد بيت المقدس، و صلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة في سواه، و من صبر على لأوائها و شدّتها جاءه اللّه برزقه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن يساره و من فوقه و من تحته فأكل رغدا ثم دخل الجنّة، و هي أوّل أرض بارك اللّه جلّ و عزّ فيها، و بشّر اللّه عزّ و جلّ إبراهيم و سارة بإسحاق بها، و بشّر اللّه جلّ و عزّ زكريّاء بيحيى بها، و تسوّر الملائكة المحراب على داود بها، و يمنع الدجّال عدوّ اللّه أن يدخلها، و يهلك يأجوج و مأجوج حول بيت المقدس، و أوصى آدم أن يدفن بها، إسحاق و يعقوب، و حمل يعقوب من أرض مصر إليها، و دفنت مريم بها، و بها موضع الصراط و وادي جهنّم و السّكينة، و إليها المحشر و المنشر، و تاب اللّه جلّ و عزّ على داود بها، و صدّق إبراهيم الرؤيا بها، و كلّم عيسى الناس في المهد بها، و تقاد الجنّة و النار إليها يوم القيامة.

و قال كعب: من زار بيت المقدس دخل الجنّة و زاره جميع الأنبياء و غبطوه و من صام يوما ببيت المقدس كان له براءة من النار، و ما من ماء عذب إلّا يخرج من تحت الصخرة التي بيت المقدس. و قال ابن عبّاس في قوله‏ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً قال: أربعة أنهار: سيحان و جيحان و الفرات و النيل الذي بمصر، فأما سيحان فدجلة، و أما جيحان فنهر بلخ، و أما الفرات فبالكوفة قال.

و قال كعب: كان لسليمان بن داود النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سبع مائة سرّيّة و ثلاث مائة محصنة (1)، و أن اللّه عزّ و جلّ أوحى إليه أن يبني بيت المقدس فكان يعمله بالجنّ‏

____________

(1) في العهد القديم (الملوك الأول 11: 3) (و كان له سبعمائة زوجة و ثلاثمائة سرّية).

147

و الأنس، فكان طعامهم الذي يطعمهم كلّ يوم من اللحم ستّين ألف شاة و عشرين ألف عجل و عشرين ألف فدّان، و الذي يصلح لذلك من الحنطة.

و قال كعب: هبط آدم بالهند فخرّ ساجدا، فوقعت جبهته على صخرة بيت المقدس.

و قال كعب: لا تسمّوها إيلياء و لكنها بيت المقدس، إنما إيلياء امرأة بنت بيت المقدس.

و قال كعب: من أتى بيت المقدس يسأل اللّه عزّ و جلّ فيها حاجة لا يسأله غيرها إلّا أعطاه اللّه إيّاها

و قالت ميمونة مولاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)‏ قلت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أفتنا عن بيت المقدس. قال: نعم المصلّى، هو أرض المحشر و أرض المنشر ايتوه فصلّوا فيه، فإنّ الصلاة فيه كألف صلاة. قلت: بأبي و أمي أنت من لم يطق أن يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه. فإنه من أهدى إليه كان كمن صلّى فيه.

و قال كعب: دخلت امرأة الجنّة في مغزل شعر أهدته إلى بيت المقدس.

و عن ابن عبّاس قال: بيت المقدس بنته الأنبياء و عمرته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلّا و قد صلّى فيه نبيّ و قام عليه ملك.

و قال فضيل بن عياض: لمّا صرفت القبلة نحو الكعبة قالت صخرة بيت المقدس: إلهي لم أزل قبلة لعبادك حتى بعثت خير خلقك فصرفت قبلتهم عني، فقال: أبشري فإني واضع عليك عرشي، و حاشر إليك خلقي، و قاض عليك أمري و ناشر منك خلقي.

و قال وهب: أهل بيت المقدس جيران اللّه عزّ و جلّ، و حقّ على اللّه ألا يعذّب جيرانه.

و قال كعب: من زار بيت المقدس شوقا إليها دخل الجنّة، و من صلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، و أعطي قلبا شاكرا و لسانا ذاكرا، و من تصدّق فيها بدرهم كان فداءه من النار، و من صام فيها يوما واحدا كتبت له براءة من النار.

148

و قال كعب: قرأت في التورية أن اللّه جلّ و عزّ يقول للصخرة: أنت عرشي الأدنى، منك ارتفعت إلى السماء، و من تحتك بسطت الأرض، و من أحبّك أحبّني و من أبغضك أبغضني و من مات فيك فكأنّما مات في السماء. أنا جاعل لمن يسكنك أن لا يفوته الخبز و الزيت أيّام حياته و كلّ ماء عذب من تحتك يخرج، لا تذهب الأيّام حتى يزفّ إليك البيت الحرام. و كلّ بيت يذكر فيه اسمي، يحفّون بك كما يحفّ الركب بالعروس.

و قال بعضهم: ردّ اللّه جلّ و عزّ على سليمان ملكه بعسقلان، فمشى إلى بيت المقدس على قدميه تواضعا للّه و شكرا، و يقول اللّه عزّ و جلّ لبيت المقدس: أنت نصب عيني لا أنساك، أنت مني بمنزلة الولد من والديه، فيك جنّتي و ناري، و إليك محشري، و فيك موضع ميزاني.

و قال يحيى بن كثير: لا تقوم الساعة حتى يضرب على بيت المقدس سبع حيطان: حائط من ذهب، و حائط من فضّة، و حائط من لؤلؤ، و حائط من ياقوت، و حائط من زبرجد، و حائط من نور.

و بيت المقدس افتتحه عمر بن الخطّاب (رضي اللّه عنه).

و عن وهب بن منبّه قال: أمر إسحاق ابنه يعقوب ألّا ينكح امرأة من الكنعانيّين، و أن ينكح من بنات خاله لابان، و كان مسكنه الفدان‏ (1)، فتوجّه إليه يعقوب فأدركه في بعض الطريق تعب، فبات متوسّدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم كأنّ سلّما منصوبا إلى باب السماء عند رأسه، و الملائكة تنزل منه و تعرج فيه، و أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق، و قد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة و ذرّيّتك من بعدك، و باركت فيك و فيهم، و جعلت فيكم الكتاب و الحكم و النبوّة، ثم أنا معك حتى أردّك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه و ذرّيّتك، فيقال: إن ذلك بيت المقدس، و مات عنه داود (عليه السلام) فلم يتمّ بناءه، و أتمّه سليمان، فأخرجه‏

____________

(1) في التكوين 28: 2 فدان آرام و تقع فيما بين النهرين.

149

بخت نصّر، فمرّ عليه شعيا فرآه خرابا فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ‏ و ابتناه ملك من ملوك فارس يقال له كوشك.

و قال وهب بن منبّه: لمّا أراد اللّه جلّ و عزّ أن يبني بيت المقدس ألقى على لسان داود فقال: يا ربّ ما هذا البيت؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا داود هذا محلّة رسلي. و أهل مناجاتي، و أقرب الأرض إلى فصل القضاء يوم القيامة، ضمنت ألّا يأتيه عبد كثرت ذنوبه و خطاياه إلّا غفرت له، و لا يستغفرني إلا غفرت له و تبت عليه، قال: يا ربّ و ارزقني أن آتية. فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا داود لا يخالط من التبست كفّاه بالدنيا. قال: يا ربّ أما قبلت توبتي و أعطيتني رضائي، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: أن البيت طاهر طهّرته من الذنوب، و غسلته من الخطايا، فلذلك منعتك بناءه حتى يجرى بناؤه على يدي نبيّ من أنبيائي تقي الكفّين، و قد كان داود أسّس أساس المسجد حتى ارتفعت الجدر، فأوحى اللّه جلّ و عزّ إليه يأمره أن يمسك عن البناء، و يعلمه أن الذي يتولّى بناءه من بعده ابنه سليمان و أنه قد جعل له اسم ذلك البناء و بشّره بما يعطي سليمان بعده من عظيم الملك، فلمّا أوحى اللّه جلّ و عزّ إلى داود بذلك أمسك عن البناء، فلمّا توفّي داود و ملك سليمان أمر ببناء البيت، و أمر أن يجري في كل سنة من البر عشرون ألف كرّ، و من الزيت عشرون ألف كرّ زيتون، و كان له سبعون ألف رجل أصحاب مساح و مرور، و ثمانون ألف رجل ممن ينحت الحجارة، فبناه بالحجارة، و بطّنه بألواح من خشب مزخرف، و بطّن البيت الذي كان يقرّب فيه بصفائح من ذهب، و وضع في البيت الذي كان يقرّب فيه مثال ملكين من خشب منقوشين، و ألبسهما صفائح الذهب، و جعلها عن يمين المذبح و عن يساره في الحائط، و اتّخذ له أبوابا منقوشة بالذهب، و استتمّ عمله في ثلاث عشرة سنة، ثم وجّه إلى الصين فأتي برجل يعمل الشبه و النحاس، فاتّخذ أمتعة للبيت لا تحصى عددا، و اتّخذ عمودين من نحاس، طول كلّ واحد ثمانية عشر ذراعا في غلظ اثني عشر ذراعا، و اتخذ على رأسهما إجّانتين كل واحدة في طول خمسة أذرع، و اتّخذ لهما أغطية و سلاسل، و علّق فيهما أربع مائة رمّانة شبه صفّين، يقابل بعضها بعضا، و اتّخذ حوضا من نحاس، يحمله اثنا عشر ثورا

150

مستديرا مع تماثيل و عجائب، و فصّص سقوفه و حيطانه بألوان الياقوت و سائر الجواهر، فلمّا فرغ من بنائه اتّخذ سليمان ذلك اليوم عيدا في كلّ سنة، و جمع عظماء بني إسرائيل و أحبارهم فأعلمهم أنه بناه للّه جلّ و عزّ، و أن كلّ شي‏ء فيه خالص للّه، ثم قام على الصخرة رافعا يديه إلى اللّه جلّ و عزّ و حمده و مجّده و قال:

اللهمّ أنت قوّيتني على بناء هذا المسجد، و أعنتني عليه، و سخّرت لي الجنّ و الشياطين و الريح و الطير، اللهمّ أوزعني شكر نعمتك عليّ و عبادتك و أعنّي، و توفّني على ملّتك، و لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، و هب لي ذلك، اللهمّ إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال فاستجبها لي يا إله العالمين، لا يطلبه مذنب بطلب التوبة إلّا غفرت له ذنبه و تبت عليه، و لا يدخله خائف إلّا أمّنت روعته و خوفه و وقّيته شرّ ما يخاف و يحذر، و لا يدخله سقيم إلّا وهبت له الشفاء و العافية، و لا يدخله فقير يطلب من فضلك إلّا أغنيته و رزقته من حيث لا يحتسب من حلال رزقك، و الخامسة يا ربّ لا تصرف بصرك عمن يدخله حتى يخرج منه إلّا من أراد إلحادا و ظلما يا ربّ العالمين.

و يقال: إن طول مسجد بيت المقدس ألف ذراع و عرضه سبع مائة ذراع، و فيه أربعة آلاف خشبة، و سبع مائة عمود، و خمس مائة سلسلة نحاس، و يسرج فيه كلّ ليلة ألف و ستّمائة قنديل، و فيه من الخدم مائة و أربعون خادما، و في كل شهر له مائة قسط زيت، و له من الحصر في كلّ سنة ثمان مائة ألف ذراع، و فيه خمسة و عشرون ألف حبّ للماء، و فيه ستّة عشر تابوتاً للمصاحف المسبّلة، و فيها مصاحف لا يستقلّها الرجل، و فيه أربعة (1) منابر للمطوّعة و واحد للمرتزقة، و له أربع‏ (2) مياضئ، و على سطوح المسجد مكان الطين خمس‏ (3) و أربعون ألف صحيفة رصاص، و على يمين المحراب بلاطة سوداء مكتوب فيها خلقة محمّد (صلى اللّه عليه و سلم)، و في ظهر القبلة في حجر أبيض كتابة بسم الله الرحمن الرحيم محمّد رسول‏

____________

(1) في الأصل: أربع.

(2) في الأصل أربعة.

(3) في الأصل: خمسة.

151

اللّه نصره حمزة و داخل المسجد ثلاث مقاصير للنساء طول كل مقصورة سبعون ذراعا، و فيه خمسون بابا داخلا و خارجا، و وسط المسجد دكّان طوله ثلاثمائة ذراع في خمسين و مائة ذراع و ارتفاعه تسعة أذرع، و له ستّ درجات إلى الصخرة، و الصخرة وسط هذا الدكّان و هي مائة ذراع في مائة ذراع ارتفاعها سبعون ذراعا و دورها ثلاثمائة و ستّون ذراعا، يسرج فيها كلّ ليلة ثلاثمائة قنديل، و بها أربعة أبواب مطبّقة، على كل باب أربعة أبواب، و على كل باب دكّانة مرخّمة، و حجر الصخرة ثلاثة و ثلاثون ذراعا في سبعة و عشرين ذراعا، تحتها مغارة يصلّي فيها الناس يسعها تسعة و ستّون نفسا، و فرش القبّة رخام أبيض، و سقوفها بالذهب الأحمر، في دور حيطانها و في أعلاها ستّة و خمسون بابا مزجّجة بأنواع الزجاج، و الباب ستّة أذرع في ستّة أشبار، و القبّة بناها عبد الملك بن مروان على اثني عشر ركنا و ثلاثين عمودا، و هي قبّة على قبّة، عليها صفائح الرصاص و صفائح النحاس مذهّبة، جدرها من داخل و خارج ملبّس بالرخام الأبيض و من شرقيّ قبّة الصخرة قبّة السلسلة على عشرين عمودا رخاما، ملبّسة بصفائح الرصاص، و أمامها مصلّى الخضر (عليه السلام) و هو وسط المسجد، و في الشامي قبّة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و مقام جبريل (عليه السلام)، و عند الصخرة قبّة المعراج، و فيه من الأبواب: باب داود، و باب حطّة، و باب النبيّ، و باب التوبة- و فيه محراب مريم- و باب الوادي، و باب الرحمة، و محراب زكريّاء، و أبواب الأسباط، و مغارة إبراهيم، و محراب يعقوب، و باب دار أمّ خالد، و من خارج المسجد على باب المدينة في الغرب محراب داود، و مربط البراق في ركن منارة القبلة، و عين سلوان في قبلة المسجد، و طور زيتا (1) مشرف على المسجد، و فيما بينهما وادي جهنّم، و منه رفع عيسى (عليه‏

____________

(1) طور زيتا: نرجح انه جبل الزيتون الواقع إلى الجنوب الشرقي من أورشليم و يلتقي بوادي جهنم (وادي ابن هنّوم) جنوب أورشليم. و عليه فإن القادم من الشرق سيشرف على المسجد الأقصى إذا جاءه من جهة جبل الزيتون (يبلغ ارتفاعه 2682 قدما فوق سطح البحر). عن هذه المواقع انظر: مفصل العرب و اليهود ص 724 و هامش كتب التاريخ من العهد القديم (ط دار المشرق) ص 814 تعليقا على ما ورد في سفر الأخبار الثاني 28: 3.

152

السلام)، و عليه ينصب الصراط، و فيه مصلّى عمر بن الخطّاب، و فيه قبور الأنبياء، و بيت لحم على فرسخ من المدينة، و هو موضع ولد فيه عيسى، و مسجد إبراهيم على خمسة عشر ميلا، و فيه قبر إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و سارة و نعل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) عند الإمام.

و كانت سلسلة قضاء الخصوم من اتّخاذ سليمان، و كان ممّا اتّخذ أيضا ببيت المقدس من الأعاجيب أن نصب في زاوية من زوايا المسجد عصا ابنوس، فكان من مسّها من أولاد الأنبياء لم يضرّه مسّها و من مسّها من غيرهم احترقت يده، فلم يزل كذلك على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصّر، فخرّب بيت المقدس، و نقض المسجد، و أخذ ما كان في سقوفه من الذهب و الفضّة و الجواهر، فحمله معه إلى دار مملكته بالعراق، و بقي بيت المقدس خرابا حتى مرّ به شعيا النبيّ و رآه خرابا، و هو الذي قال اللّه عزّ و جلّ‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها و ابتناه بعد ذلك ملك من ملوك فارس يقال له كوشك‏ (1).

و بين بيت المقدس و الرّملة ثمانية عشر ميلا، و هي من كورة فلسطين، و كانت دار ملك داود و سليمان و رحبعم بن سليمان و ولد سليمان، و لمّا ملك الوليد بن عبد الملك ولّى سليمان بن عبد الملك جند فلسطين، فنزل لدّا ثم أحدث مدينة الرملة و مصرها، و كان أوّل ما بنى فيها قصره، و الدار التي تعرف بدار الصبّاغين، و جعل في الدار صهريجا متوسّطا لها، ثم اختطّ المسجد و بناه، و أذن للناس في البناء فبنوا، و احتفر لأهل الرملة قناتهم التي تدعى برده، و احتفر أيضا آبارا عذبة، و ولّى النفقة على بنائه بالرملة و مسجد الجامع كاتبا له نصرانيّا من أهل لدّ يقال له البطريق بن بكا، و لم تكن مدينة الرملة قبل سليمان، و كان موضعها رملة و صارت دار الصبّاغين لورثه صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، لأنها قبضت عن بني أميّة، و كانت بنو أميّة تنفق على آبار الرملة و قناتها بعد سليمان بن‏

____________

(1) هو الملك الفارسي كورش الذي استولى على بابل عام 539 ق. م. ثم سمح عام 538 ق. م.

لليهود الذين سباهم نبوخذ نصر إلى بابل بالعودة إلى أورشليم و إعادة بناء الهيكل الذي هدمه نبوخذ نصر.

153

عبد الملك، فلمّا استخلف أبو العبّاس أنفق عليها، ثم كان ينفق خليفة بعد خليفة، فلمّا استخلف المعتصم بالله سجلّ بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستئمار و صارت جارية يحتسب بها العمّال فتحسب لهم.

و من كور فلسطين أيضا عمواس، و كورة لدّ، و كورة يبنا، و كورة يافا، و كورة قيساريّة، و كورة نابلس، و كورة سبسطية، و كورة بيت جبرين، و كورة غزّة، و عسقلان، و سمّيت فلسطين بفيلسين بن كسلوخيم بن صدقيا ابن كنعان بن حام بن نوح النبي (عليه السلام) و قال ابن الكلبيّ في قول اللّه عزّ و جلّ‏ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ قال: هي فلسطين و في قوله‏ الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ قال: فلسطين.

و فلسطين بلاد واسعة كثيرة الخير، و يقال: إنها من بناء اليونانيّين، و الزيتون التي بها من غرسهم.

و قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «أبشركم بالعروسين غزّة و عسقلان».

و قال عمر بن الخطاب: لولا أن تعطّل الثغور و تضيق عسقلان بأهلها لأخبرتكم بما فيها من الفضل.

و قال عبد اللّه بن سلام: لكلّ شي‏ء سراة و سراة الشام عسقلان.

و افتتحها معاوية في خلافة عمر بن الخطّاب.

و عن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إني أريد العراق، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): عليك بالشام، فإن اللّه جلّ و عزّ قد تكفّل لي بالشام و أهله، ثم الزم من الشام عسقلان، فإنه إذا دارت الرحا في أمّتي كان أهل عسقلان في راحة و عافية.

و قال أبو أمامة الباهليّ: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من رابط بعسقلان يوما و ليلة ثم مات بعد ذلك بستّين سنة مات شهيدا، و لو مات في أرض الشرك.

و خراج فلسطين خمس مائة ألف دينار.

154

[و كان منزل نوح (عليه السلام) في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر، و يقال إن بها فار التنور. و جبل الجليل بالقرب من دمشق أيضا. يقال إن عيسى (عليه السلام) دعا لهذا الجبل أن لا يعدو سبعه و لا يجرب زرعه، و هو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل و ما كان بالأردن فهو جبل الجليل، و هو بدمشق لبنان و بحمص سنير، و قال أبو قيس بن الأسلت:

فلو لا ربنا كنّا يهودا* * * و ما دين اليهود بذي شكول‏

و لولا ربنا كنا نصارى‏* * * مع الرهبان في جبل الجليل‏

و لكنا خلقنا إذ خلقنا* * * حنيف ديننا عن كل جيل‏] (1)

____________

(1) عن معجم البلدان 2: 110.