البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
155

القول في دمشق‏

قال الكلبيّ: دمشق بناها دمشق بن فالي بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. و قال الأصمعيّ: أخذت دمشق من دمشقوها أي أسرعوها. و قال كعب في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ التِّينِ‏ قال: الجبل الذي عليه دمشق‏ وَ الزَّيْتُونَ‏ قال:

الذي عليه بيت المقدس‏ وَ طُورِ سِينِينَ‏ حيث كلّم اللّه موسى (عليه السلام) وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ مكّة.

و قال كعب: مربض ثور في دمشق خير من دار عظيمة بحمص. قال في قوله عزّ و جلّ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ قال: دمشق. و قال كعب: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، و معقلهم من الدجّال نهر أبي فطرس، و من يأجوج و مأجوج الطور.

و قال هارون الرشيد للحسين بن عمّار: ولّيتك دمشق و هي جنّة تحيط بها غدر تتكفّأ أمواجها على رياض كالدراريّ، فما برح بك التعدّي لإرفاقهم أن جعلتها أجرد من الصخر، و أوحش من القفر. قال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفيق من جهته، و لكنّي رأيت أقواما ثقل الحقّ على أعناقهم فتفرّقوا في ميادين التعدّي و رأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، و أرادوا بذلك المشقّة على الولاة، و إن سخط أمير المؤمنين فقد أخذ بالحظّ الأوفر من مساءتي. فقال الرشيد: هذا أجزل كلام سمع من خائف.

و قال الأصمعيّ: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، و نهر بلخ، و نهر الأبلّة.

و حشوش الدنيا ثلاثة: الأبلّة، و سيراف، و عمان.

156

و قال: عروسا الدنيا: الرّيّ و دمشق.

و قال يحيى بن أكثم: ليس في الأرض بقعة أنزه من ثلاث بقاع: قهندز سمرقند، و غوطة دمشق، و نهر الأبلّة.

و قال المدائنيّ: دمشق مدينتها الغوطة، و كورها: إقليم سنير و كورة جبيل، و بيروت، و صيدا، و بثنيّة، و حوران، و جولان، و ظاهر البلقاء، و جبرين الغور، و كورة مآب، و كورة جبال، و كورة الشّراة، و بصرى، و عمّان، و الجابية، و القريتان، و الحولة، و البقاع، و السواحل منها ستّة: صيدا، و بيروت، و أطرابلس، و عرقة، و صور، منبرها إلى دمشق و خراجها إلى الأردنّ، و خراج دمشق أربع مائة ألف و نيّف، و دمشق هي أربعة أخماس صلح و خمس عنوة و هو خمس خالد بن الوليد، و فتحت سنة 14، في رجب للنصف منه في خلافة عمر بن الخطّاب. و قال البحتريّ في دمشق:

أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها* * * و قد وفى لك مطريها بما وعدا

إذا أردت ملأت العين من بلد* * * مستحسن و زمان يشبه البلدا

تمسي السّحاب على أجبالها فرقا* * * و يصبح النّور في صحرائها بددا

فلست تبصر إلّا واكفا خضلا* * * و يانعا خضرا أو طائرا غردا

كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته‏* * * أو الرّبيع دنا من بعد ما بعدا

و قال أبو تمّام:

لولا حدائقها و أنّي لا أرى‏* * * عرشا هناك ظننتها بلقيسا

و أرى الزّمان غدا عليك بوجهه‏* * * جذلان بسّاما و كان عبوسا

قد نوّرت تلك البطون و قدست‏* * * تلك الظهور بقربه تقديسا

و قالوا: عجائب الدنيا أربع‏ (1): قنطرة سنجة، و منارة الإسكندريّة، و كنيسة

____________

(1) في الأصل: أربعة.

157

الرّها، و مسجد دمشق. و لمدينة دمشق ستّة أبواب: باب الجابية، و باب الصغير، و باب كيسان، و باب الشرقيّ، و باب توما، و باب الفراديس، هذه التي كانت على عهد الروم و لمّا أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، و نعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم، فحذّروه ذلك و قالوا: إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلّا خنق، فقال الوليد: فأنا أوّل من يهدمها. فقام عليها و عليه قباء أصفر فهدمها بيده و هدم الناس معه، ثم زاد في المسجد. فلمّا هدمها كتب إليه ملك الروم أنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقّا ما عملت فقد أخطأ أبوك، و إن كان باطلا فقد خالفت أباك، فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس و كتب إلى العراق فقال الفرزدق: أجبه يا أمير المؤمنين بقول اللّه جلّ و عزّ: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ‏- الآية إلى قوله- حُكْماً وَ عِلْماً فكتب إليه الوليد بذلك فلم يجبه.

و الوليد (1) ممّن زاد في المساجد و بناها، فبنى المسجد الحرام، و مسجد المدينة، و مسجد قبا، و مسجد دمشق، و أوّل من حفر المياه في طريق مكّة إلى الشام، و أوّل من عمل البيمارستانات للمرضى، و كان في ذلك أنه خرج حاجّا فمرّ بمسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال: ما بال هذا البيت؟ فقيل: هذا بيت عليّ بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) أقرّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ردم سائر أبواب أصحابه فقال: إن رجلا نلعنه على منابرنا في كلّ جمعة ثم نقرّ بابه ظاعنا في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بين الأبواب، اهدم يا غلام. فقال روح بن زنباع الجذاميّ: لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام، ثم تخرج أمرك بتوسيع مساجد الأمصار مثل: مكّة، و المدينة، و بيت المقدس، و تبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت عليّ بن أبي طالب فيما يوسّع من مسجد المدينة. فقبل منه و قدم الشام و أخذ في بناء مسجد دمشق، و أنفق عليه خراج المملكة سبع سنين. ليكون ذكرا له، و فرغ من المسجد في ثماني سنين، فلمّا

____________

(1) هو الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان حكم من (86- 96 ه-).

158

حمل إليه حساب نفقات مسجد دمشق على ثمانية عشر بعيرا أمر بإحراقها.

قال في كتاب (المسالك و الممالك) (1): أنفق على مسجد دمشق خراج الدنيا ثلاث مرّات، و بلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع في مدّة أيّام العمل ستّة آلاف دينار، و هذا المسجد مقعد عشرين ألف رجل، و أن فيه ستّمائة سلسلة ذهب للقناديل.

قال زيد بن واقد: وكّلني الوليد على العمّال بمسجد دمشق فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذاك، فنزل في الليل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في مثلها، و إذا فيها صندوق، و فيه سفط مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكريّاء، فرأيناه فأمر به الوليد أن يجعل تحت عمود معيّن، فجعل تحت العمود المسقّط الرابع الشرقيّ و يعرف بعمود السكاسك، و قال أبو مهران رأس يحيى بن زكريّاء تحت عمود السكاسك، و قال زيد أيضا: رأيت رأس يحيى بن زكريّاء حين وضع تحت العمود و البشرة و الشعرة لم تتغيّر.

قالوا: فمن عجائب مسجد دمشق أن لو بقي الرجل فيها مائة سنة لكان يرى فيها في كلّ وقت أعجوبة لم يرها قبل.

و قال كعب: ليبنينّ في دمشق مسجد يبقي بعد خراب الأرض أربعين عاما و المئذنة التي بدمشق كانت ناطمرا للروم في كنيسة يحيى، فلمّا هدم الوليد الكنائس و أدخلها المسجد تركت على حالها، و هدم الوليد عشر كنائس و اتّخذها مسجدا، و لمّا ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: إني أرى في مسجد دمشق أموالا أنفقت في غير حقّها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، و رادّها إلى بيت المال، أنزع هذا الرخام و الفسيفساء و أطيّنه، و أنزع هذه السلاسل و أصيّر بدله حبالا، فاشتدّ ذلك على أهل دمشق فخرج أشرافها إليه و كان فيهم يزيد بن سمعان و خالد بن عبد اللّه القسريّ، فقال خالد لهم: دعوني و الكلام، قالوا: تكلّم، فلمّا

____________

(1) إن كان المقصود ب (و المسالك و الممالك) كتاب ابن خرداذبه فهذا النص غير موجود فيه. اللهم ألّا أن تكون هناك نسخة أوسع من هذا الكتاب نقل عنها ابن الفقيه.

159

دخلوا عليه قال له خالد: بلغنا أنك هممت بمسجدنا بكذا و كذا. قال: نعم. قال:

و اللّه ما ذلك لك. قال: فلمن ذلك لأمّك الكافرة؟ و كانت أمّه نصرانيّة. فقال: إن تك كافرة ولدت مؤمنا، فاستحيى عمرو قال: صدقت. و ورد على عمر رسل الروم فدخلوا مسجد دمشق لينظروا إليها فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد، فنكّس رئيس منهم رأسه و اصفرّ لونه فقالوا له في ذلك فقال: إنّا كنا معاشر أهل روميّة نتحدّث أن بقاء العرب قليل، فلمّا رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدّة سيبلغونها، فأخبر عمر بذلك فقال: أرى مسجدكم هذا غيظا على الكفّار، فترك ما همّ به من أمر المسجد.

و المسجد مبنيّ بالرخام و الفسيفساء، مسقّف بالساج، منقوش باللازورد و الذهب، و المحراب مرصّع بالجواهر المثمّنة، و الحجارة العجيبة.

و بنى معاوية الخضراء بدمشق في زمن عثمان بن عفّان، و أمر على الشام و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة، و استخلف و هو ابن ثمان و خمسين سنة، و توفي لثمان و سبعين سنة، و هو أوّل من اتّخذ المحاريب و المقاصير و الشّرط و الحرس و الخصيان و أصفى الأموال.

و قد أنكر قوم بناء الدور و الأبنية، و النفقة و التبذير عليها، و هذا طلحة بنى داره بالآجرّ و القصّة (1) و أبوابه ساج، و بنى عثمان بن عفّان بالحجارة المنقوشة المطابقة و خشب الصنوبر و الساج، و حمل له من البصرة في البحر و من عدن في البحر، و حمل له القصّة من بطن نخل، و بني الزبير أربعة أدور: دارا بمصر، و أخرى بالإسكندريّة، و أخرى بالكوفة، و أخرى بالبصرة، و أنفق زيد بن ثابت على داره ثلاثين ألف درهم.

و قال كعب الحبر: أربع مدائن من مدائن الجنّة: حمص، و دمشق، و بيت جبرين، و ضفار اليمن، و أجناد الشام أربعة: حمص، و دمشق، و فلسطين، و الأردنّ.

____________

(1) القص هو الجص (أساس البلاغة).

160

و لقي كعب رجلا فقال: من أين أقبل الرجل؟ قال: من الشام. قال: أ فمن أهله أنت؟ قال: نعم. قال: فلعلّك من الجند الذين ينظر اللّه إليهم كلّ يوم مرّتين.

قال: و أيّ جند هم؟ قال: جند فلسطين. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يلقون اللّه في الثياب الخضر. قال: و أيّ جند هم؟ قال: جند الأردنّ. قال: لا.

قال: فلعلّك من الجند الذين يستظلّون تحت العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه. قال:

و أيّ جندهم؟ قال: جند دمشق. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يبعث اللّه منهم سبعين ألف نبيّ. قال: و أيّ جند هم؟ قال: جند حمص. قال: لا. قال:

فمن أين أنت؟ قال: من قنّسرين. قال: ليست تلك من الشام، تلك قطعة من الجزيرة يفرّق بينهما الفرات.

و خراج حمص ثلاثمائة ألف و أربعون ألف دينار، و أقاليمها كثيرة منها: إقليما سلمية و تدمر.

قال: و لمّا هدم مروان بن محمّد حائط تدمر وصل إلى بيت مجصّص عليه قفل ففتحه فإذا امرأة مستلقية على قفاها، في بعض غدائرها صحيفة نحاس مكتوب عليه: بسمك اللّهم أنا تدمر بنت حسّان، أدخل اللّه الذلّ على من يدخل عليّ في بيتي. قال: فو اللّه ما ملك مروان بعدها إلّا أيّاما حتى أقبل عبد اللّه بن عليّ فقتل مروان بن محمّد، و فرّق خيله، و استباح عسكره، فقيل وافق دعاءها.

و يقال: إن مدينة تدمر بناها سليمان بن داود، و كانت عجيبة البناء، كثيرة الصور و التماثيل. و يقال: إنه بنى فيها دارا فيها مقاصير و أروقة و حجرات و إيوانات و غير ذلك، و أن سطح هذه الحجرات و المقاصير و غير ذلك حجر واحد بقطعة واحدة، و هو باق إلى يومنا هذا، و بها صورة جاريتين من حجارة من بقايا صور كانت بها، و قال: فيهما بعض الشعراء (1):

فتاتي أهل تدمر خبّراني‏* * * ألمّا تسأما طول المقام‏

قيامكما على غير الحشايا* * * على جبل أصمّ من الرّخام‏

____________

(1) هو أوس بن ثعلبة التيمي كما في معجم البلدان مادة (تدمر).

161

و إنّكما على مرّ اللّيالي‏* * * لأبقى من فروع ابني شمام‏

و أنشد أبو دلف فيهما لنفسه:

ما صورتان بتدمر قد راعتا* * * أهل الحجى و جماعة العشاق‏

غبرا على طول الزمان و مرّه‏* * * لم يسأما من ألفة و عناق‏

فليرمينّ الدّهر من نكباته‏* * * شخصيهما منه بسهم فراق‏

و ليبلينّهما الزمان بكرّه‏* * * و تعاقب الإظلام و الإشراق‏

كي يعلم العلماء ألّا دائما* * * غير الإله الواحد الخلّاق‏

و أنشد أبو الحسن العجليّ فيهما:

إنّ اللّتين صيغتا بتدمر* * * و كّلتا قلبي بوجد مضمر

صوّرتا في أحسن التصوّر* * * لم يرهبا كرّ صروف الأعصر

و تدمر صلحيّة صالح أهلها خالد بن الوليد.

و السواحل من حمص الستّة: كورة اللاذقيّة، و كورة جبلة، و كورة بلنياس، و كورة أنطرطوس، و كورة مرقيّة، و كاسرة، و السّقي، و حبنة، و الحولة، و عملوا، ورندك، و قبراثا. و إذا عبرت الفرات جئت إلى خشاف و ناعورة، ثم إلى حلب و قنّسرين و كورها، و خراج قنّسرين أربعة آلاف دينار.

و قال مشايخ أنطاكية: كانت ثغور المسلمين أيّام عمر و عثمان أنطاكية و الكور التي سمّاها الرشيد العواصم و هي: كورة قورس، و الجومة، و منبج، و أنطاكية و توزين، و بالس، و رصافة هشام، فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوهم الروم، و كانت فيما بين الإسكندريّة و طرسوس حصون و مسالح للروم.

و قالوا: حمص من بناء اليونانيّين، و زيتون فلسطين من غرسهم، و مدينة حمص افتتحها خالد بن الوليد صالحهم على مائة و سبعين ألف دينار، و كانت مدينة حمص مفروشة بالصخر، و هي اليوم كذلك.

و من عجائب حمص: صورة على باب المسجد الجامع بجنب البيعة على‏

162

حجر أبيض، أعلى الصورة. صورة إنسان، و أسفلها صورة عقرب، فإذا لدغ العقرب إنسانا فأخذ طينا، و وضعه على تلك الصورة، ثم أدافه بالماء و شربه سكن وجعه و برئ من ساعته، و يقال: إن تلك الصورة طلسم للعقرب خاصّة، و كان فتح حمص قبل دمشق في أوّل ليلة من رجب سنة أربع عشرة.

و بدمشق لبنان و هو الجبل الذي يكون عليه العبّاد و الأبدال، و عليه من كلّ الثمر و الفواكه، و فيه عيون كثيرة عذبة، و هو متّصل ببلاد الروم، و عند باب دمشق جيرون، و هي من بناء سليمان بن داود، و هي سقيفة مستطيلة على عمد، و حولها مدينة تطيف بجيرون، قال أبو عبيدة: الجيرون عمود عليه صومعة، و هو من البناء المذكور، و من البناء المذكور الأبلق الفرد و الورد أيضا، قصر بناه سليمان بن داود.

قالوا: و أول من ابتنى حصن المصّيصة في الإسلام عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد اللّه، ثم بنى عمر بن عبد العزيز بها مسجدا من ناحية كفربيّا، و اتّخذ فيها صهريجا و كان اسمه عليه مكتوبا، ثم إن المسجد خرب في خلافة المعتصم، و هو يدعى مسجد الحصن، و شحنوها بالرجال، و بنى المنصور فيها مسجدا جامعا في موضع هيكل كان بها، و جعله مثل مسجد عمر ثلاث مرّات، ثم زاد فيه المأمون أيّام ولاية عبد اللّه بن طاهر المغرب، و فرض فيها المنصور لألف رجل، و زاد فيها المهديّ ألفي رجل، و لم يعطهم شيئا لأنها قد كانت شحنت بالجند و المطّوعة.

و قال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية و المصّيصة مسبعة، يعرض للناس فيها الأسد، فلمّا كان أيّام الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجّه أربعة آلاف جاموس و جاموسة فنفع اللّه جلّ و عزّ بها.

قال الواقديّ: و لمّا غزا الحسن بن قحطبة الطائيّ بلاد الروم سنة 163 في أهل خراسان و الموصل و الشام و مطوّعة العراق و الحجاز خرج ممّا يلي طرسوس، فأخبر المهديّ ما في بنائها و تحصينها و شحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام و الكبت للعدوّ، و كان خرج في مرج طرسوس، فركب إلى مدينتها، و هي‏

163

يومئذ خراب، فنظر إليها و أطاف بها من جميع جهاتها، و حرز عدّة من يسكنها فوجدهم مائتي ألف، فلمّا كان سنة 171 بلغ الرشيد أن الروم قد ائتمروا بينهم للخروج إلى طرسوس لتحصينها و ترتيب المقاتلة بها. فأغزى الصائفة هرثمة بن أعين، و أمر بعمارة طرسوس و بنائها و تمصيرها، ففعل فأجرى أمرها على يدي فرج بن سليم الخادم، فبنى قصبتها و مسجدها، و مسح ما بين النهر إلى النهر، فبلغ ذلك أربعة آلاف خطّة، كلّ خطّة عشرون ذراعا في مثلها، و أقطع أهل طرسوس الخطط في شهر ربيع الآخر سنة 173، و لمّا كانت سنة 180 أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة و تحصينها (1)، و حوّل إليها خلقا من الخراسانيّة و أقطعهم المنازل، و في سنة 183 أمر ببناء الهارونيّة، فبنيت و شحنت بالمقاتلة، و نسبت إليه، و أمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء و تحصينها، و أمر المنصور صالح بن عليّ ببناء ملطية و كانت خرابا، و كان الحسن بن قحطبة أتمّها بأمر المنصور و أعان الفعلة بنفسه و ماله، و كان الحسن يقول: من سبق إلى شرفة فله كذا، فجدّ الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطية و مسجدها في ستّة أشهر، و هم يومئذ سبعون ألفا و بني بها للجند الذين أسكنوها، لكلّ عرّافة بيتان سفليّان و عليّتان، و العرّافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلا، و بنى لهم مسلحة على ثلاثين ميلا منها، و مسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، و أسكنها أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، و زاد كلّ واحد منهم عشرة دنانير، و أقطع الجند المزارع، و بنى حصن قلوذية، و أرض التيه بموضع يقال له حصن منصور أربعون فرسخا.

و قال الحجّاج بن يوسف لزادان‏فرّوخ: أخبرني عن العرب و الأمصار.

فقال: أصلح اللّه الأمير، أنا بالعجم أبصر مني بالعرب. قال: لتخبرني. قال: فسل عمّا بدا لك. قال: أخبرني عن أهل الكوفة. قال: نزلوا بحضرة أهل السواد فأخذوا من ضيافتهم و سماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.

فأخذوا من مكرهم و بخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان.

____________

(1) في معجم البلدان 3: 761 (قال ابن الفقيه: كان تجديد زربي و عمارتها على يد أبي سليمان التركي الخادم في حدود سنة 190 و كان قد ولي الثغور من قبل الرشيد).

164

فأخذوا من ضيافتهم و سماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.

فأخذوا من مكرهم و بخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان فأخذوا من حمقة عقولهم و طربهم، فغضب الحجّاج فقال له: أعزّك اللّه لست حجازيّا، إنما أنت رجل من أهل الشام. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: نزلوا بحضرة الروم فأخذوا من ترفّقهم و صناعتهم و شجاعتهم.

و يقال: ريف الدنيا من السمك ما بين ماهيرويان إلى عمان، و ريف الدنيا من التمر ما بين اليمن إلى البصرة و هجر، و ريف الدنيا من الزيتون فلسطين إلى قنّسرين.

و قال المدائنيّ: قدم وفد من العراق على معاوية بن أبي سفيان فيهم صعصعة بن صوحان العبديّ، فقال معاوية: مرحبا بكم و أهلا، قدمتم خير مقدم، و قدمتم على خير خليفة، و هو جنّة لكم، و قدمتم الأرض المقدّسة، و قدمتم أرض المحشر و المنشر، و قدمتم أرضا بها قبور الأنبياء. فقال صعصعة: أما قولك يا معاوية قدمتم خير مقدم فذاك من قدم على اللّه و اللّه عنه راض، و أما قولك قدمتم على خليفتكم و هو جنّة لكم فكيف بالجنّة إذا احترقت، و أما قولك قدمتم الأرض المقدّسة، فإن الأرض لا تقدّس أهلها لكن أهلها يقدّسونها، و أما قولك قدمتم أرض الحشر و المنشر فإن بعد الأرض لا ينفع كافرا و لا يضرّ مؤمنا، و أما قولك قدمتم أرض الأنبياء بها قبور الأنبياء فإن من مات بها من الفراعنة أكثر ممّن مات فيها من الأنبياء. فقال معاوية: اسكت لا أرض لك. قال: و لا لك يا معاوية، الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين. قال معاوية: يا صعصعة إني كنت لأبغض أن أراك خطيبا. قال: و أنا و اللّه يا معاوية أبغض أن أراك أميرا.

قالوا: و دومة الجندل شاميّة، و هي فصل ما بين العراق و الشام، و هي على سبع مراحل من دمشق.

قال: و لمّا فتح أنوشروان قنّسرين و منبج و حلب و أنطاكية و حمص و دمشق و إيلياء استحسن أنطاكية و بناءها، فلمّا انصرف إلى العراق بنى مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها و شوارعها و دورها و سمّاها زندخسره، و هي التي تسمّيها العرب‏

165

روميّة، و أمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية فلمّا دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئا، فانطلق كلّ رجل منهم إلى منزلة إلّا رجلا اسكافا، كان على بابه بأنطاكية شجرة فرصاد، فلم يرها على بابه بروميّة، فتحيّر ساعة، ثم اقتحم الدار فوجدها مثل داره، فلمّا رأى ملك الروم ما قد فتحه كسرى من مدائنه وادعه و وجّه كسرى رجلا من مرازبته إلى أرض الروم يقبض الأتاوة.

و قال عمرو بن بحر: ربّ بلد يستحيل فيه العطر، و تذهب رائحته كقصبة الأهواز (1).

و قد كان هارون الرشيد همّ بالمقام بأنطاكية و كره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم و صدقة: ليست من بلادك يا أمير المؤمنين، قال: و كيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر يتغيّر فيها حتى لا ينتفع منه بكبير شي‏ء، و السلاح يصدأ فيها و لو كان من قلعة الهند.

و قالوا: سيحان بأذنة، و جيحان بالمصّيصة، و البردان و يسمّى الغضبان بطرسوس، و جيحون نهر بلخ.

و قال ابن شوذب: تغور المياه قبل يوم القيامة إلّا بئر زمزم و نهر الأردنّ و هو الذي قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ.

و كور الأردنّ: طبريّة، و السامرة، و بيسان، و فحل، و كورة جرش، و عكّا، و كورة قدس، و كورة صور. و خراج الأردنّ ثلاثمائة ألف و خمسون ألف دينار، من الطبريّة إلى اللّجّون عشرون ميلا، ثم إلى القلنسوة عشرون ميلا، ثم إلى الرملة مدينة فلسطين أربعة و عشرون ميلا و هي على الجادّة فحاجّ الشام و الثغور ينزلونها (2).

و مدينة اللجّون: فيها صخرة عظيمة مدوّرة خارج المدينة، و على الصخرة قبّة زعموا أنها مسجد إبراهيم (عليه السلام) يخرج من تحت الصخرة ماء كثير،

____________

(1) كلام الجاحظ هذا في الحيوان 3: 143.

(2) من قوله (و كور الأردن) إلى هنا لدى ابن خرداذبه ص 78.

166

و ذكروا أن إبراهيم ضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها من الماء ما يتّسع فيه أهل المدينة و رساتيقهم إلى يومنا هذا.

قالوا: و لنا الزيت و الزيتون الذي ليس في شي‏ء من البلدان أكثر منه في بلادنا، و قال اللّه عزّ و جلّ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ و من أبنيتهم العجيبة لدّ، و حدّثني رجل قال: قلت لأهل لدّ هذا بنته الشياطين لسليمان، قال: أنتم إذا جلّ في صدوركم البنيان أضفتموه إلى الجنّ و الشياطين، هذا قبل مولد سليمان (عليه السلام) بدهور كثيرة.

و على سبعة أميال من منبج حمّة. عليها قبّة تسمّى المدير، و على شفير الحمّة صورة رجل من حجر أسود، تزعم النساء أن كلّ من لا تلد تحكّ فرجها بأنف الصورة فيولد لها، و فيها حمّام يقال له حمّام الصّوابي فيه صورة رجل حجر يخرج ماء الحمّام من إحليله.

قالوا: و من عجائبنا تفّاح لبنان، و فيه أعجوبة و ذلك أنه يحمل التفّاح من لبنان، و هو تفّاح جبل عذى لا طعم له و لا رائحة، فإذا توسّط نهر البليخ فاحت رائحته، و هذا شبيه بالذريرة التي بنهاوند، فإن بها قصبا يتّخذ منه الذريرة، فليست له رائحة بتّة حتى يجاز بها ثنيّة الرّكاب، و هي من نهاوند على فراسخ كثيرة، فإذا جازت الثنيّة فاحت رائحته و حمل منها إلى البلدان، و بشيراز شجرة تفّاح، التفّاحة منها نصفها حلو في غاية الحلاوة، و نصف حامض في غاية الحموضة، و ليس بفارس كلّها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.

قالوا: من عجائب الشام أربعة أشياء: بحيرة الطبريّة، و البحيرة المنتنة، و أحجار بعلبك، و منارة الإسكندريّة.

فأما أحجار بعلبكّ فإن فيها حجرا على خمسة عشر ذراعا أقلّ و أكثر ارتفاعه في السماء عشرة أذرع في عرض خمسة عشر ذراعا في طول خمسة و أربعين ذراعا هذا حجر واحد في حائط.

167

و أما منارة الإسكندريّة فإنه يصعد إليها رجل على برذون حتى يبلغ أعلاها، و هي مبنيّة على سرطان من زجاج.

و أما بحيرة الطبريّة فإنه يشرع إليها و ينتفع بها للغسالات، فإذا منع منها هذا أنتنت.

و البحيرة المنتنة لا يغرق فيها شي‏ء، و كلّ شي‏ء يقع فيها فإنما يطفو على رأس الماء.

و من عيوب الشام كثرة طواعينها، و الناس يقولون: حمّى خيبر و طواعين الشام و دماميل الجزيرة و جرب الزنج و طحال البحرين.

قالوا: و من أقام بالموصل حولا وجد في قوّته فضلا، و من أطال الصوم بالمصّيصة خيف عليه الجنون، و من قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزنج لم يزل حزينا ما أقام بها، فإن أكثر من شرب نبيذها و شرب ماء النارجيل صار كالمعتوه‏ (1).

و قال أبو هريرة: أنا لبراغيث الشام أخوف مني لغيرها.

و قالوا في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ قال: من فلسطين.

افتخار الشاميّين على البصريّين و فضل الحبلة على النّخلة

قال أبو عبّاد محمّد بن سلمة البصريّ المعروف بابن العلّاف القارئ: إني لفي يوم من أيّام المعتزّ بالله في ديوان الخراج بسرّمن‏رأى مع جماعة من قرّاء البصريّين نطالب بأرزاقنا، و فينا عليّ بن أبي ناشر، إذ طلع علينا فتية من كتّاب الأنبار، و معهم أبو حمران الشاعر، و نحن نصف البصرة و ما خصّت به من أرض الصدقة التي لا يسوغ للسلطان الأعظم تبديلها، و لا للعمّال تغييرها، و ما فيها من المدّ و الجزر و الخلجان و مقادير الساعات و منازل القمر، فقال أبو حمران: ما من بلد إلّا و قد أعطي نوعاً من الفضل يتفرّد به، و ضربا من المرافق معدولا عن غيره،

____________

(1) من قوله (قالوا: و من أقام ...) إلى هنا في حيوان الجاحظ 4: 135، 139.

168

يعجب به أهله، و يطمئنّون إليه في تقريظه، فقلت له مجيبا: لئن قلت ذلك فإنّا لا نعرف مصرا جاهليّا و لا إسلاميّا أفضل من البصرة، و لا أرضا يجري عليها الأتاوة أشرف من أرض الصّدقة، و لا شجرة هي أفضل من النخلة، و لا نعرف بلدا أقرب برّأ من بحر، و حضرا من بدو، و ريفا من فلاة، و ملّاحا من جمّال، و قانص وحش من صائد سمك، و نجدا من غور من البصرة، فهي واسطة الأرض، و غوصة البحر، و مغيض الأقطار، و قلب الدنيا، و لقد مثّلت الحكماء الأرض بصورة طائر، فجعلوا الجؤجؤ بما فيه من القلب البصرة، و الرأس الشام و الروم، و الجناحين المشرق و المغرب، و الذنب السودان، و هم أكثر عددا من البيضان، فكفى بهذا وحده فخرا، فقال أبو حمران:

كلّ فتاة بفتاها معجبه‏* * * و الخنفسى في عين أمّه لؤلؤه‏

و قالت الأعرابيّة و هي تزفّن ابنا لها و تقول:

يا قوم ما لي لا أحبّ حشوده‏* * * و كلّ خنزير يحبّ ولده‏

فأين أنت يا أخا البصرة عن خصب الشام و الجزيرة و عن فضل المسجد الأقصى و البلاد المقدّسة، و عن عذاة داري مصر و ربيعة، و عن رفيع قدر الكرمة و عن قول عمرو بن كلثوم:

و عند اللّه يأتيه دعاها* * * إلى أرض يعيش بها الفقير

لأرض الشام و هي حمّى و حبّ‏* * * و زيتون و ثمّ نشا العصير

و و اللّه للرقّة البيضاء وحدها أطيب من البصرة، و للرافقة أغذى من الأبلّة، و لحلب أخصب من الكوفة، و للخم و جذام و أفناء قبائل قضاعة أشرف من بكر و تميم و ضبّة، و للحبلة أفضل من النخلة، و للعنب أحلى من الرطبة، و للزبيبة أطيب من التمرة، و لقد خصّ اللّه بلاد الشام من بركة الزيتون، و العواصم و الجزيرة من لذّة التين و من أنواع الفواكه بما يتهالك في أصغره النخل، و يستبشع معه الرطب و التمر، قال: فقلت لأبي حمران: قد سمعنا نشيدك و وعينا افتخارك، و لا

169

أحسبك سمعت قول الخليل بن أحمد في وصف البصرة إذ يقول في قصر أنس بن مالك و نهر بن عمرو وادي العقيق:

يا وادي القصر نعم القصر و الوادي‏

و قول ابن أبي عيينة في ذلك‏ (2):

يا جنّة فاقت الجنان فما* * * تبلغها قيمة و لا ثمن‏

علقتها فاتّخذتها وطنا* * * إنّ فؤادي بذكرها وطن‏

زوّج حيتانها الضّباب بها* * * فانظر و فكّر يا صاح في سفن‏

و قوله أيضا في أرض البصرة:

يذكّرني الفردوس طورا فأرعوي‏* * * و طورا يواتيني إلى القصف و الفتك‏

لغرس كأبكار الجواري و تربة* * * كأنّ ثراها ماء ورد على مسك‏

و سرب من الغزلان يرتعن حوله‏* * * كما انسلّ منظوم من الدّرّ من سلك‏

و ورقاء تحكي الموصليّ إذا شدت‏* * * بتغريدها أحبب بها و بمن تحكي‏

فيا طيب ذاك القصر قصرا و نزهة* * * بأفيح رحب غير وعر و لا ضنك‏

و سأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان عن البصرة فقال: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين، يخرج قانصان فيجي‏ء هذا بالطير و الظليم، و هذا بالسمك و الشبّوط، و نحن أكثر الناس ساجا و عاجا و خزّا و ديباجا و برذونا هملاجا، و جارية مغناجا، بيوتنا الذهب، و نهرنا العجب، أوّله رطب و آخره عطب، فالنحل في‏

____________

(1) في حيوان الجاحظ 6: 99.

زر وادي القصر نعم القصر و الوادي‏* * * لا بد من زورة عن غير ميعاد

ترى به السفن كالظلمان واقفة* * * و الضب و النون و الملاح و الحادي‏

(2) هو محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة. (الأغاني 20: 75- 118) و تاريخ التراث العربي مج 2 ج 4 ص 202. و بقية هذا الشعر في حيوان الجاحظ 6: 99.

170

مكاربه كالزيتون عندكم في منابته، ثم هو في أكمامه كذاك في أغصانه، ثم هو في إبّانه كذاك في زمانه، هنّ الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، يخرجن أسفاطا عظاما و أوساطا نظاما، كأنّما ملئت رياطا، ثم تفترّ عن قضبان اللّجين منظومة باللؤلؤ الأخضر، ثم يصير ذهبا منظوما بالزبرجد الأخضر، ثم يصير عسلا معلّقا في الهواء، ليس في قربة و لا سقاء، بعيدا من التراب كالشهد المذاب، ثم يصير في أكيسة الرجال فيستعان به على العيال. و أما نهرنا العجب فإنه يقبل عند حاجتنا إليه و يدبر عند ريّنا منه، و له عباب لا يحجبه، و لا يغلق عنّا دونه حجاب.

فقال هشام: بلدكم أكرم بقاع الأرض يا أخا بني تميم، فلمّا رأى أبو حمران إطراب النشيد في مدح بلدي قطع عليّ كلامي، و عارضني دون مرادي فقال: و اللّه إنّ لنا معكم بنخل بيسان و نواحي الأردنّ لأعظم الشرك في النخل، فما نعبأ به، و لا نراه طائلا فنذكره، و ما نصنع بطلب الحجّة من بعد و نحن نجدها من قرب هذا الحسن بن هانئ صاحبكم الذي لا تنكرونه، و خرّيجكم الذي لا تدفعونه يقول في البصرة:

ألا كلّ بصريّ يرى أنّما العلى‏* * * مكمّمة سحق لهنّ جرين‏

فإن يغرسوا نخلا فإنّ غراسنا* * * ضراب و طعن في النّحور سخين‏

فإن أك بصريّا فإنّ مهاجري‏* * * دمشق و لكنّ الحديث شجون‏

لإزد عمان بالمهلّب ثروة* * * إذا افتخر الأقوام ثم تلين‏

و بكر ترى أنّ النّبوّة أنزلت‏* * * على مسمع في الرّحم و هو جنين‏

و لا لمت قيسا في قتيبة بعدها* * * و فخرا به إنّ الحديث فنون‏

و أنشد أبو حمران يصف نفسه لمّا اجتمعوا عليه في المناظرة و هو وحده:

حمول لما حمّلته غير ضيّق‏* * * ذراعا بما ضاق الكرام به مسكا

دعاني فأعطاني مودّة قلبه‏* * * مودّته المثلى و في ماله الشركا

171

ثم أشار إلى ابن أبي ناشر فقال:

جندلتان اصطكّتا اصطكاكا* * * إنّ الذّليل يكره العراكا

و قد يضرط العير و المكواة في النار، ثم قال أبو حمران: لنا الزيت و الزيتون، و لنا عروسا الدنيا غزّة و عسقلان، و مدينة دمشق و هي إرم ذات العماد، و لنا الأرض المقدّسة، و في بلادنا الجبل الذي كلّم اللّه عزّ و جلّ عليه موسى (عليه السلام)، و جبل لبنان من جبالنا، و بيت المقدس من بلادنا، و لنا المدن العجيبة و الكور الشريفة مثل: طرسوس و المصّيصة، و ملطية، و الرملة، و فلسطين، و أنطاكية، و حلب، و صور، و صيدا، و طبريّة، و الكرمة أفضل الأشجار و العنب سيّد الثمار، و هي ناعمة الورق، ناضرة الخضرة، غريبة تقطيع الورقة، بديعة الزوايا، مليحة الحروف، حسنة المقادير، كأنما قوّرت من سرقة حرير، و استخرجت من ثوب نسيج، كثيفة الظلّ خفيفة الفي‏ء، لدنة الأغصان، ليّنة الأفنان، خضرة الأطراف، كريمة الأخلاق، سلسلة القياد، رفيعة جوهر الأعواد، لذيذة الجنى، قريبة المجتنى، صغيرة العجمة، رقيقة الجلدة، عذبة المذاق، سهلة المزدرد، كثيرة الماء، فاضلة المخبر على المنظر، شريفة العنصر و الجوهر، و كلام كثير لم يستدرك، ثم لا يألف الغربان الناعقات الكرم كإلفها النخل، و لا يعشّش في جوانبها العصافير المؤذية بصيلانة أصواتها عند غناء النّغران و ورق العيدان كتعشيشها في الأدقال و أصول الكرانيف و الأكراب، و لا يتولّد منها من ضخام الدود و سمجة الحشرات و الهوامّ ما يتولّد من الليف، و لا يستكنّ في أثنائه من الذرّ و الفراش، و لا يتحصّن فيها من الحيّات و العقارب و عظام العناكب و ذوات السموم القاتلة ما يتحصّن في رؤوس النخل، فهذا على هذا و النخل تخلف و تحيل، و لم نر كرمه حالت و لا أخلفت، و اسم الكرم مشتقّ من الكرم و الكرامة و الإكرام و التكرّم، و قد قدّم اللّه جلّ و عزّ ذكره في كتابه على سائر الأشياء فقال جلّ و عزّ: وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ‏ فقدّم ذكر الكرم و جعل النخل نداء للزرع، و للّه أن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و قال جلّ و عزّ:

وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ‏

172

وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً فجعل الكرم أصلا للجنّتين و النخل من الزوائد، و قال:

وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ و قال: أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ فالجنّات حدائق الكرم و قال: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا فجعل النخل في ترتيب من الخلق و الكرم في مكانه من التقدّم و قال: وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ فهل يعرش من الشجر شي‏ء غير الكرم و الجنّة المؤنقة مقصور عليه، و المعروشة المرفوعة العيدان على الخشب و القصب و هي في الفراديس. واحدها فردوس، و الحصرم أرفع من البلح، و الوكاب أطيب من البسر، و العنب ألذّ من الرّطب، و العجد أقلّ غوائل من التمر، و الخمر أنفع من النبيذ، و خلّ الخمر أثقف و أحسن من خلّ الدقل، و الطلاء فوق الدّوشاب، و الحبلة سيّدة النخلة، لأن الحبلة خير و نفع كلّها، و النخلة شرّ و عرّ و كذلك قال بعض المحدثين:

النّخل عبد و هذا الكرم سيّده‏* * * و من يقايس بين التّمر و العنب‏

و ذكر أبو إسحاق أنه رأى بمدينة صنعاء عنبا يقال له المختّم، فوزن منه حبّة فوجدها أكثر من أربعة أساتير، و الأستار أربعة دراهم، و حمل بعض عمّال الرشيد باليمن إليه في بعض ما حجّ عنقودين في محملين على بعير، و قد يحمّل من جبال أرمينية و آذربيجان أخونة عظيمة جدّا يكون دور بعضها عشرين شبرا من خشب الكرمة. قالوا: و أطيب العنب الجرشيّ، و هو دقيق و له عناقيد تكون ذراعا، و منه عيون البقر و هو عنب أسود عظام الحبّ، و منه السّكّر عنب صادق الحلاوة، و منه أطراف العذارى عنب أسود كأنه بلّوط عنقوده نحو الذراع، و منه الضّروع عنب أبيض كبار الحبّ قليل الماء عظيم العناقيد، و منه الكلافيّ منسوب إلى كلاف بلد في شقّ اليمن، و منه الدّواليّ عنب أسود غير حالك، و هل نحن و إن أطنبنا في ذكر العنب، و أسهبنا في نعت منافعه و مناقبه فمعطوه ما له، أو بالغون به استحقاقه، و موفّوه ما هو له من الخصال المحمودة و الخلال المرضيّة، و من طيب الطعم و شدّة الحلاوة، و كثرة الماء، و عموم النفع و وفور الجسم، و صغر العجم، و كثرة

173

الأجناس و الضروب و الأنواع، و لو أن رجلا خرج من بيته مسافرا في عنفوان شبيبته، و حداثة سنّه، و استقرى البلدان صقعا فصقعا، يتتّبع الكروم مصرا فمصرا.

حتى يهرم، و صغيرا حتى يبدن لتعرّف أجناسه و إحاطة العلم بأنواعه، بل إقليما واحدا من الأقاليم، و ناحية من أقطار الأرض، لأعوزه و غلبه و عزّه و بهره، إذ كان كثرة فنونه و اختلاف أنواعه لا يدرك كالسرنابا (1)، و الخمريّ بطسّوج قطربّل، و الملاحيّ ببغداذ، و الصّقلبيّ و الأحمر بسرّمن‏رأى، و الزّراويّ بالكوفة، و الحلاوي و البيروزيّ و الجرشيّ بالبصرة و أنهارها، و السّمّاقيّ بالأهواز، و عيون البقر بالشام، و المورّقيّ بالبليخ و نهر سعيد، و المختّم بالريّ، و الفارسيّ و الزّرجون و الأسفيذمشك، و السياوشك و الناشقينيّ و البازجنك، و الخرجج بقزوين، و الوفرباي و الماني، و الماسبذيّ بناحية الجبل، و أهل الطبّ مجمعون على أن العنب أكثر غذاء، و أنقى كيموسا من جميع الفواكه و الثمار، و أن الإكثار منه غير ضارّ كضرر التين و الخوخ و سائر الفواكه الرطبة، و أنه حارّ رطب على طبع الحياة، قليل الفضول مولّد للدم الصحيح النقيّ، و أنه ملاوم بجميع الطبائع، نافع لجميع الأسنان في كلّ البلدان، و الأبيض أقلّ حرارة من الأسود، و لخمريّ قطربّل خاصّيّة في الرائحة عجيبة.

و قال الثقفيّ: أطيب الطعام عنب قطيف أصابه الخريف بوادي ثقيف. و قال خالد بن صفوان: من فاته الرازقيّ في إدباره فحقّ لأهله أن يبكوا عليه.

و قال الرسول (صلى اللّه عليه و سلم): كلوا الزبيب فإنه يأكل البلغم، و يطفئ المرّة و يذهب بالنصب، و يشدّ العصب، و يحسن الخلق.

و قالوا: أنفع الأشربة شراب الكرم فإنها أفضل الأشربة، كما أن ثمرتها رأس الثمار، و شجرتها رئيس الأشجار، و إنها دواء لا داء فيه، و خير لا شرّ معه، و أن من أصحّ الدلائل على ذلك و أوضح البرهانات له وصف ربّ العالمين لها باللّذّة،

____________

(1) الصواب: سونايا و هي قرية ببغداد بقيت في موضعها بعد إنشاء بغداد و صارت تعرف بالعتيقة و إليها ينسب العنب الأسود الذي يبكر على سائر العنب مجناه (ياقوت 3: 197، 613).

174

و إجماع محلّليها و محرّميها على تقديمها في الطيب، و تفرّدها بطيب النكهة، و صفاء اللون، و سلس المذاقة، و سهولة المجرى، و لذاذة الطعم، و حسن اللون، و ذكاء العرف، و حمرة البشرة، و صحّة الجوهر، و طول البقاء على الدهر، و توليد الفرح و السرور، و نفي الهمّ و الغمّ، و على أنها تغذو فلا تؤذي، و تنفع و لا تضرّ، و أنها أنفع المشروبات المفرّقة و المركّبة لجميع الأسنان في كلّ البلدان و في كلّ فصل و زمان، و أنها تشارك المسكرات في منافعها و تنافيها في رذائلها، و أن من أفعالها التي هي لها دون غيرها تنظيف الأبدان و رحض الأبدان، و توفير المخاخ و تنقية الأمشاج، و تصفية النطفة، و غسل المفاصل الربيسة من الأمشاج القذرة و الكيموسات المتّسخة، و أنها تفتح السّدد المنعقدة، و تذيب الفضول الزائدة، و تولد الدم الصحيح الذي هو الحياة، و تسخن الدم الغليظ الجامد الفاسد الذي منه بدو الأدواء الفاحشة، و تذكي النار الغريزيّة، و تقوي الحرارة الطبيعيّة، و تحسن اللون، و تدفئ الكلى، و تدرّ البول، و تغسل المثانة، و تقوي الكبد و المعدة، و تهضم الطعام، و تطرد الرياح، و ترقّق البلغم المالح و اللّزج، ثم الخمر مع ما قد وصف لها من الطيب و الحسن و صار في حيّزها من ذكاء المشمّ و صحّة الجوهر فوق كبار المعجونات في دفع المضارّ و أرفع الإيارجات في تحليل أوصاب الدماغ و الأعصاب، و ألطف من دهن الخروع في التمشّي في عمق المفاصل، و الوغول في العظام، تجانس بنفعها العقاقير المختارة، و تنوب عن السموم المحلّلة، و الضمادات المندّدة، و الأطلية المقوية، و تجري مع الأدوية النافعة حيث جرت، و لا بدّ للمعجونات الكبار منها إذا ركّبت، فهي أفضل ما غيّر به الماء بعد شرب الأدوية المسهلة، و عند العلاج في الحمية، و لا تذاب الصموغ المتجسّدة، و تماع ألبان النبات الداخلة في المعجونات الرفيعة، نحو الشّليثا و الترياق و التياذريطوس و الهبطارعان‏ (1) إلّا بها، و بما كان من نوعها من العقيد أو نبيذ الزبيب و خلّ‏

____________

(1) الاصطلاحات أعلاه هي: ايارجات: قال في برهان قاطع 1: 192 (ايارة على زنة شرارة:

مركب من مجموعة أودية مليّنة يركّب منها دواء مسهل. معربها: ايارجة.

أما الشليثا و الترياق و التياذريطوس. فقد ورد في كتاب هداية المتعلمين 256 علاج للسكتة

175

الخمر، فقالوا: آنس اللّه ببقائك الأيّام، و عمر بك الآداب، و أحيا بحياتك العلوم.

____________

البلغمية التي تنسد فيها التجاويف الدماغية بواسطة البلغم اللزج (ص 255) و هو (الشليثا و الترياق و المثروديطوس).

و لم نعثر على خبر للشليثا، أما الترياق فهو دواء نافع من لدغ الهوام و السموم و هو البادزهر:

ما يمنع ميكانيكيا امتصاص السم من المعدة و الأمعاء (المصطلحات العلمية و الفنية ص 90) قال في برهان قاطع 493 (يقال له بالعربي: حجر التيس).

مثروديطوس من المعاجين الطبية يستخدم لعلاج الصرع (تاريخ طب در إيران 504).

و لم نهتد لمعنى (الهبطارعان).

176

القول في الجزيرة

سئل الشعبيّ عن الجزيرة جزيرة العرب فقال: ما بين العذيب إلى حضرموت.

و قال الأصمعيّ: جزيرة العرب ما لم تظلّه فارس و الروم.

و قال الرياشيّ: جزيرة العرب ما بين نجران إلى العذيب.

و قال أبو عبيدة: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، و في العرض ما بين رمل يبرين إلى السّماوة.

و قالوا: الجزيرة ما بين دجلة و الفرات و الموصل من الجزيرة و كذلك الرّقّة و الرافقة.

و قال محمّد بن الحسن: بلاد العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، و لا يرضى منهم إلّا بالدخول في الإسلام أو السيف من العذيب إلى أبين عدن فذلك الجزيرة.

قال ابن الأعرابيّ: الجزيرة ما كان فوق بقّة، و إنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات و دجلة و قد تقطع في البرّ.

و إنما سمّيت الموصل موصلا لأنها وصلت بين الجزيرة و الشام، و الجزيرة من عمل سميساط إلى بلد و من الموصل إلى الأردنّ، و يقال سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الفرات و دجلة.

و مدينة الموصل بناها محمّد بن مروان، و راوند الموصل بناها راوند بن بيوراسف.

و ولّى عمر بن الخطّاب عتبة بن فرقد السّلميّ الموصل سنة عشرين، فقاتله‏

177

أهل الحصن فأخذ حصنها الشرقيّ عنوة، و عبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية و الأذن لمن أراد الجلاء في الجلاء، ثم فتح المرج و قراه و أرض بانهدرا و داسن و جميع معاقل الأكراد، و أوّل من اختطّ الموصل و أسكنها العرب، و مصّرها هرثمة بن عرفجة البارقيّ، و كان عمر عزل عتبة عن الموصل و ولّاها هرثمة، و كان بها الحصن و بيع النصارى و منازلهم و محلّة اليهود، فمصّرها هرثمة ثم بنى المسجد الجامع، ثم بنى بعدها الحديثة، و كانت قرية قديمة فيها بيعتان، فمصّرها، و أسكنها قوما من العرب فسمّيت الحديثة، لأنها بعد الموصل، و افتتح عتبة بن فرقد الطيرهان و تكريت، و آمن أهل حصن تكريت على أنفسهم و أموالهم، و سار في كورة باجرمق حتى صار إلى شهرزور (1).

و تكريت من كور الموصل، و بإزائها في البريّة مدينة الحضر على برّيّة سنجار، و بينها و بين دجلة خمسة عشر فرسخا، و بينها و بين الفرات خمسة عشر فرسخا، و هي مبنيّة بالحجارة البيض، بيوتها و سقفها و أبوابها، و هي على تلّ و لها ستّون برجا كبارا، و بين البرج و البرج تسعة أبراج صغار، على رأس كلّ برج قصر، و أسفله حمّام، و قد حمل عليها نهر الثّرثار، و يشقّ المدينة ثم يخرج، و على حافتي الثرثار القرى و الجنان، و الثرثار يخرج من سنجار و يصبّ في الفرات، و يحمل عليه السفن، و كان ملك الحضر السّاطرون ثم الضّيزن، و يقال: إنه كان على الحضر باب يغلقه رجل و لا يفتحه إلّا خلق كثير، و هو الذي قال فيه عديّ بن زيد:

و أخو الحضر إذ بناه و إذ* * * دجلة تجبى إليه و الخابور

و قال: الشرقيّ بن قطاميّ: لمّا افترقت قضاعة خرجت فرقة منهم إلى الجزيرة، و عليهم ملك يقال له الضيزن بن جبهلة، أحد الأحلاف، فنزلوا مدينة الحضر، و كان بناؤها، على طلسمين ألّا يهدمها إلّا حمامة ورقاء مطوّقة بحيض امرأة زرقاء، فأخرج ضيزن كلّ امرأة عارك‏ (2)، و غزا الضيزن في جميع قضاعة

____________

(1) من قوله (و ولى عمر بن الخطاب، عتبة بن فرقد ...) إلى هنا في فتوح البلدان للبلاذري ص 327- 328.

(2) العارك: الحائض.

178

فأصاب خلقا من أهل شهرزور فقتلهم، و أغار على السواد فأصاب، ماه أخت سابور ذي الأكتاف، فسمع سابور بذلك فخرج و أقام عليهم سنتين، لا يظفر منهم بشي‏ء حتى عركت النّضيرة بنت الضيزن، فأخرجت إلى الربض، فنظر إليها سابور فعشقها و عشقته فقالت له: ما لي عندك أن دللتك على ما تفتح به هذه المدينة قال لها: أجعلك فوق نسائي. قالت: فاعمد إلى حيض امرأة زرقاء فاكتب به في ورقة ثم اجعلها في عنق ورشان و سرّحه، فإذا وقع على القصر أرفضّ بأهله، ففعل فكان كما قالت، فقتل من قضاعة نحو مائتي ألف رجل، و أفنى قبائل كثيرة، و بادت إلى يومنا هذا، فقال الجديّ القضاعيّ:

أ لم يحزنك و الأنباء تنبي‏* * * بمقتل ضيزن و بني العبيد

ثم إنه خرج بابنة الضيزن حتى عرّس بعين التمر، فلم تنم تلك الليلة، قال لها: ما لك؟ قالت: لم أنم على فراش قطّ أخشن من فراشك هذه. قال: ويلك و هل نامت الملوك على فرش قطّ أوطأ من فرشي؟ قالت: نعم، و نظر فإذا في الفراش ورقة آس و كانت قد التزقت ببطنها، فقال: بما كان أبواك يغذوانك قالت:

بشهد الأبكار و لباب البرّ و صغار المعز فقال سابور: أنت لم تكافئي أبويك على حسن صنيعهما بك، و لم تفي لهما، فكيف تفين لي؟ فشدّت ذوائبها إلى ذنب فرسين جموحين ثم استحضرا فقطّعاها (1).

____________

(1) الحضر: مدينة عراقية على بعد 110 كم من الموصل و 3 كم من وادي الثرثار أطلق عليها الرومان اسم (هترا). و ما تزال جوانب من معابدها الكبيرة قائمة حتى يومنا هذا. و واقعة فتحها على يد الملك الفارسي سابور الأول بعد محاصرتها من 12 نيسان 240 حتى أول نيسان 241 م فاستسلمت المدينة بعد ذلك، مذكورة في التواريخ العربية و الفارسية مع ما فيها من الأساطير.

و كان السبب في هجوم سابور الأول عليها هو تحالفها مع الرومان عام 235 م. (معجم الحضارات السامية مادة: الحضر).

يعلق الأستاذ هنري عبودي (مادة: الضيزن) على اسم هذا الملك بقوله: (إن اسم الضيزن لم يرد في كتابات الحضر و ليس هنالك أي دليل على أنه شخصية تاريخية. و المعروف أن التنوخيين العرب أسسوا مدينة الحيرة، و قد أغار عليهم سابور فذهب أغلبهم إلى الحضر و كان‏

179

و من الموصل أيضا: الطيرهان، و السنّ، و الحديثة، و مرج جهينة، و نينوى و باجلى، و المرج، و بانهدار، و باعذرا، و حبتون، و بانقلى، و حزّة، و بانعاس، و المعله، ورامين، و الحناية، و باجرمى، و بابغيش، و الداسن، و كفر عزّى، و خراج الموصل أربعة آلاف ألف درهم‏ (1).

و بالموصل جبل يسمّى شعران، لكثرة أشجاره، و يقال للشجر الشعراء و يقال: بل هو جبل بباجرمى، و يسمّى جبل قنديل و بالفارسيّة تخت شيرويه، و هو من أعمر الجبال، و فيه كمثري و العنب و أنواع الطير و شجر عظام كبار يقطع فيحمل إلى العراق، و الثلج فيه قائم في الشتاء و الصيف، و إذا خرجت من دقوقا ظهر لك وجه منه يلي الزاب الصغير.

و قال الزّهريّ: لم يبق بالجزيرة موضع قدم إلّا فتح على عهد عمر بن الخطّاب (رضي اللّه عنه)، على يدي عياض بن غنم فتح حرّان، و الرّقّة، و قرقيسيا، و نصيبين، و سنجار، و آمد، و ميّافارقين، و كفرتوثا، و طور عبدين، و حصن ماردين، و دارا، و قردى، و بزبدى، و أرزن.

و الرّقّة: واسطة ديار مضر، و لم يكن للرّافقة أثر، و إنّما بناها المنصور سنة مائة و خمس و خمسين على بناء مدينته ببغداذ، و رتّب فيها جندا من أهل خراسان.

قال الكنانيّ في قول اللّه عزّ و جلّ‏ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى‏ رَبِّي‏ قال: إلى حرّان.

و في قوله‏ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى‏ رَبِّي‏ قال: إلى حرّان. قال كعب في قوله عزّ و جلّ:

وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ قال: حرّان. و قوله‏ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً قال: حرَّان، و

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «رفعت ليلة أسري بي فرأيت مدينة فأعجبتني فقلت: يا جبريل ما هذه المدينة؟ فقال: نصيبين. فقلت:

____________

على رأسهم الضيزن بن معاوية التنوخي. و قد يكون حارب إلى جانب ملك المدينة مما سبّب الالتباس الواقع. (معجم الحضارات 560).

(1) من قوله (و من الموصل أيضا ...) حتى هنا في ابن خرداذبه ص 94. مع اختلاف في كتابة بعض الأسماء أحيانا.

180

اللهمّ اعجل فتحها و اجعل فيها بركة للمسلمين».

و من مدنها: الرّها، و سميساط، و سروج، و رأس كيفا، و الأرض البيضاء، و تلّ موزن، و الرّوابي، و المازحين، و المديبر، و الرّصافة، و كفر حجر، و الجزيرة، و تقدير خراج ديار مضر ألف ألف و ستّمائة ألف درهم.

و من عمل الفرات قرقيسيا، و هي على الفرات، و على الرّحبة، و على الخابور، و هيت و عانات و الحديثة و الزاب. و من كور الخابور: الصّوّر، و الغدير، و ماكسين، و الشمسانيّة، و السّكير، و عرابان، و طابان، و تنينير العليا، و تنينير السفلى، و شاعا، و هذه المدن على الخابور.

فأما كور ديار ربيعة: فنصيبين، و أرزن، و آمد، و رأس العين، و ميّافارقين، قال الشاعر:

بآمد مرّة و برأس عين‏* * * و أحيانا بميّافارقينا

و من الموصل إلى بلد سبعة فراسخ، و من نصيبين إلى أرزن ذات اليمين سبعة و ثلاثون فرسخا، و من آمد إلى الرّقة أربعة و خمسون فرسخا، و خراج ديار ربيعة سبعة آلاف ألف و سبع مائة ألف درهم‏ (1).

و من عجائب الجزيرة كنيسة الرّها، و الروم تقول: ما من بناء بالحجارة أبهى من كنيسة الرها، و لا بناء بالخشب أبهى من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العنّاب، و لا بناء بالرخام أبهى من قسيان أنطاكية، و لا بناء بطاقات الحجارة أبهى من كنيسة حمص. و قالوا: إن حول مدينة الرها ثلاثمائة و ستّين ديرا، و كان بالرها صورة امرأة يقال لها هيلانة قاعدة على كرسيّ لم ير في جسمها و جمالها مثلها، فعشقها رجل فمرض من حبّها، فجاء أبوه فسكر رأسها، فلمّا نظر إليها الفتى تسلّى عنها.

____________

(1) من (فأما كور ديار ربيعة) ... إلى هنا في ابن خرداذبه ص 95.

181

قالوا: و من عجائبنا: الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلدة فيه صدع، فمن انتضى سيفه فأولجه فيه و قبض على قبيعته بجميع يديه اضطرب السيف في يديه، و أرعد القابض. و إن كان أشدّ الناس. و فيه أعجوبة أخرى: أنه متى يحكّ بذلك الجبل سكّين، أو حديد، أو سيف، حمل ذلك السيف و السكّين الحديد و جذب الإبر و المسالّ بأكثر من جذب المغناطيس. و أعجوبة أخرى: أن ذلك الحجر نفسه لا يجذب الحديد فإن حكّ عليه سكّين، أو سيف جذب الحديد. و فيه أعجوبة أخرى: و ذلك أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه.

و بالرقّة دهن الخطّارة، و فيه أعجوبة و ذلك أنه لا يتّخذ إلّا في حانوت بها معروف، فإن اتّخذ في غيره من الحوانيت فسد و خاصّيّته أنه نافع للرياح و النقرس.

قالوا: و مخرج الخابور من رأس العين، و يستمدّ من الهرماس، و يصبّ في الفرات، و مخرج الثرثار من الهرماس، و يمرّ بالحضر، و يصبّ في دجلة قالوا:

و لنا الأفراس الجزيريّة.

و سأل معاوية ابن الكوّاء (1). عن أهل الكوفة فقال: أبحث الناس عن صغيرة و أضيعهم لكبيرة، قال: فأخبرني عن أهل البصرة. قال: غنم وردن جميعا، و صدرن شتّى. قال: فأخبرني عن أهل الحجاز. قال: أسرع الناس إلى فتنة، و أضعفهم فيها، و أقلّهم غناء. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة أمة فيها من كلّ خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين المصرين، ثم سكت معاوية. فقال ابن الكوّاء: لتسألني أو لأخبرنّ أو ما عنه تحيد، قال:

أخبرني عن أهل الشام قال: أطوع الناس لمخلوق، و أعصاهم لخالق لا يدرون ما بعده.

____________

(1) هو عبد اللّه بن أوفى اليشكري ممن كان في جيش الإمام علي و خرج عليه بعد موقعة صفين (الطبري 5: 63، 65) و قصة وفوده على معاوية ذكرها الطبري (5: 212). إلّا أنه لم يذكر هذا الحديث.

182

و قال الهيثم بن عديّ: كانت دار إياد ظهر الكوفة و دير الأعور و دير قرّة و دير الأعور هو دير الجماجم.

و قال الأصمعيّ: كانت قريش تسأل في الجاهليّة عن خصب باعربايا و هي الموصل لقدرها عندهم، و لم ينلهم في خصبها شي‏ء قطّ، و عن ريف الجزيرة و ما يليها، لأنها تعدل في الخصب باعربايا، و في التمر البصرة و في السمك عمان.

و خراج كور الجزيرة و ديار ربيعة تسعة آلاف ألف و سبع مائة ألف و خمسة عشر ألفا و ثمان مائة درهم. أرزن: ألف ألف و ستّة و خمسون ألفا. آمد: ألف ألف و مائة و خمسون ألفا، ديار ربيعة: ميّار فارقين: ثمان مائة ألف و ستّة و خمسون ألفا. و كذلك سائر المدن مثل: ماردين، و دارا، و بلد، و سنجار، و قردى، و بزبدى، و طور عبدين، و رأس العين، و قد أجمل خراجها. ديار مضر: حرّان سبع مائة ألف و أربعون ألفا. الرّها: ألف ألف و ثلاثمائة ألف درهم. سميساط ألف ألف درهم. سروج: ستّمائة ألف درهم. قريات الفرات: ستّون ألف درهم. رأس كيفا: ثلاثمائة ألف و خمسون ألف درهم. أرض البيضاء: مائة ألف و خمسون ألف درهم. الرقّة: مائة ألف درهم و ستّون ألف درهم. الرافقة و الرّوابي: سبعة و خمسون ألف درهم. المازحين و المديبر: مائة ألف و خمسة و ثمانون ألف درهم‏

.

183

القول في الروم‏

و إنما ذكرنا الروم في هذا الموضع لأنها تحاذي الشام و الجزيرة.

قال يحيى بن خالد البرمكيّ: الملوك خمسة: ملك الأثاث، و ملك الدوابّ، و ملك المال، و ملك الفيلة، و ملك الإكسير. فأما ملك الأثاث فملك الصين، و ملك الدوابّ ملك الترك، و ملك المال ملك العرب، و ملك الفيلة ملك الهند، و ملك الإكسير فملك الروم. فأرض الروم غربيّة دبوريّة، و هي من أنطاكية إلى صقليّة، و من قسطنطنيّة إلى توليّة. و الغالب عليهم روميّ و صقلبيّ، و الأندلس صقالبة، و الروم كلّهم: نصارى ملكانيّة، و يقرءون الإنجيل بالجرمقانيّة، و هم أصحاب بقر و خيل و شاء، و يحكمون بحكم التوراة، و هم أهل صناعات و حكم و طبّ، و هم أحذق الأمّة بالتصاوير، يصوّر مصوّرهم الإنسان حتى لا يغادر منه شيئا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصيّره شابّا و إن شاء كهلا، و إن شاء شيخا، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلا ثم يجعله حلوا ثم لا يرضى حتى يصيّره ضاحكا و باكيا، ثم يفصل بين ضحك الشامت و ضحك الخجل، و بين المستغرق و المبتسم و المسرور و ضحك الهاذي، و يركّب صورة في صورة، و لمّا توادع قباذ و قيصر ملك الروم أهدى إليه قيصر هدايا كثيرة، فكان فيما أهدى إليه تمثال جارية من ذهب، كان إذا كان وقتا من الليل يسمع لها ترنّم لا يطنّ على أذن أحد إلّا أرقده، و فسطاط عظيم من كيمخار، و سفط جوهر.

و أوفد بعض الخلفاء عمارة بن حمزة (1)، إلى ملك الروم، و كتب يتوعّده‏

____________

(1) عمارة بن حمزة تنسب إليه دار عمارة بالجانب الغربي من بغداد و هو مولى المنصور (معجم‏

184

بالخيل و الرجال، قال عمارة، فانتهيت إلى مكان يحجب منه الرجل على مسافة بعيدة، فجلست حتى أتى الأذن، فسرت إلى مكان آخر فجلست حتى أتى الأذن ثلاث مرّات، ثم وصلت إلى داره فأدخلت دارا، و إذا على طريقي أسدان عن جنبي الطريق، و طريقي عليهما لا أجد من ذلك بدّا، فقلت: لا بدّ من الموت، فلن أموت عاجزا فحملت نفسي فلمّا صرت بينهما سكنا فجزت و دخلت دارا أخرى، و إذا سيفان يختلفان على طريقي، فحزرت أنه لو مرّ بينهما ذبابة لقطّعاها، فقلت:

الذي سلّمني من الأسدين يسلّمني من السيفين، فاستخرت اللّه و مضيت، فلمّا صرت بينهما سكنا، ثم دخلت دارا ثالثة و فيها الملك فلمّا صرت إلى بهوه، إذا هو في بهو فسيح أكاد أن لا أبصره لبعد مسافة البصر بيني و بينه، فمشيت حتى انتهيت إلى قدر ثلثة فغشيتني سحابة حمراء لم أبصر شيئا فجلست مكاني ساعة، ثم تجلّت عني فقمت فمشيت، فلمّا بلغت نحو الثلثين غشيتني سحابة خضراء فغشي بصري منها، فجلست حتى تجلّت، ثم قمت فمشيت فانتهيت إلى الملك فسلّمت عليه، و الترجمان بيني و بينه، فأدّيت الرسالة و أوصلت الكتاب، فأمرني بالجلوس و سألني عن الخليفة و عن أشياء من أمر الأقاليم، ثم أمر بمنزل و إقامة ما أحتاج إليه، و أمرني بالانصراف و البكور عليه، فكنت لأغبّه و آنس بي، فركبت معه يوما فانتهينا إلى حائط عليه باب و حفظه، فدخلنا فإذا أصول طرفاء فقال: أتعرف هذه الشجرة؟

فقلت: لا، و ظننت أن عنده فيها معنى، فقال: هذه شجرة ينفع دخانها من الخراج و تمرئ الطعام، فقلت في نفسي: لو يعلم أنها ببلادنا حطب الأراذل منا، ثم مضى إلى حائط آخر عليه باب و حفظه، فدخل و دخلنا معه فإذا مقدار قفيز من أرض فيه كبر، فقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، و ظننت به ظنّي الأوّل فقال: هذا نبت و هو جوارشن، و ينفع من أصابه الحرق‏ (1)، و يدخل في أدوية الجراحات.

فقلت في نفسي: لو يعلم هذا أن عندنا لا يكون إلّا في أخرب المواضع و المفاوز،

____________

البلدان 2: 522) توفي عام 160 ه.

(1) قرأها دي خويه (الخرق) و نرى أنها (الحرق) من الحريق. خاصة و ان فيه خاصية تجفيف القروح الرطبة إذا وضع عليها من خارج (المعتمد ص 408).

185

و أنه مباح لمن أراده، فلمّا آنست به قلت: أيها الملك أريد أن أسأل عن شي‏ء قال:

سل عما بدا لك. قلت: إني رأيت أسدين و سيفين و سحابتين كان من قصّتهما كيت و كيت، و لم أعرف السبب. قال: أما الأسدان و السيفان فإنهما حيلة تحتال لمن ورد علينا من رسل الملوك لنروّعهم بذلك، و إذا قرب الرجل منهم سكنت كما رأيت، و أما السحابتان فإني أعلمك خبرهما، ثم ضرب بيده إلى ثني فراشة فاستخرج قطعة ياقوت أحمر كالنعل، فإذا السحابة قد غشيتنا من ضوءها ثم ردّها و استخرج أختها من زمرّد أخضر فغشيتنا السحابة الخضراء، فلمّا أزف خروجي و أجاب عن الكتاب قال: امض بنا إلى قصري فخرجنا حتى انتهينا إلى قصر عليه حفظة فدخلنا فإذا بيوت مختومة، فأمر بباب منها ففتح، فإذا جرب بيض منضّدة حوالي البيت، ثم قال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فأمر ببرنيّة فملئت منها، ثم أمر بختمها، ثم استفتح بابا آخر كالأول في طوله، فإذا جرب حمر فقال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فملئت منه برنيّة ثم ختمها و انصرفنا إلى القصر، فدعا بكير و منفاخ و رطل نحاس و رطل رصاص، فأمر بأحدهما فأذيب، و أمر أن يلقى عليه من الدواء الأبيض ما يحمل ظفر الإبهام، ثم أفرغه فخرج فضّة بيضاء، ثم أذيب النحاس و ألقي عليه من الأحمر مثل ذلك فخرج ذهبا أحمر فقال: أعلم صاحبك أن هذا مالي، و أما الخيل و الرجال فإنك تعلم أنهم أكثر و أكبر، فقال عمارة: فحدّثت المنصور بهذا الحديث، فكان هذا الذي حداه على طلب الكيمياء. قال عمارة: و أعجب ما رأيت في مجلسه أنه كان إذا أراد أن يصرف الناس خرجت في ظهر كلّ رجل كفّ من الحائط فيدفعه فيعلم أنه قد أمر بالقيام.

و قال سيف بن عمر: كان ملك الروم الأوّل من آل بالع بن بعور، و بنى قرية دنحب، ثم ملك بعده يوبب بن زرح، ثم ملك بعده هوشم، و نزل التّيمن، ثم ملك بعده هدد بن بدد الذي قتل المدنيّين، ثم ملك سمل بن مسرق، ثم عدّة كثيرة.

و قال حذيفة: كان على الروم ملك يقال له مورق سيّ‏ء السيرة، فاجتمع إليه‏

186

من المؤمنين اثنان و سبعون رجلا على أن يأمروه بالمعروف و ينهوه عن المنكر فانتدب منهم رجلان لذلك فكلّماه فأمر بهما ليصلبا، فاجتمع السبعون فقال بعضهم لبعض: نقضتم العهد و أسلمتم إخوانكم للقتل، و أمركم الآن أشدّ من أمركم الأوّل، فائتمروا ليأخذوا السلاح و يفتكوا لمورق. حتى يقتلوه، فلمّا أبرز المورق بالرجلين شدّوا عليه فقتلوه، و نادوا: أيّها النّاس لا بأس فإنما غضبنا للّه، فاجتمع إليهم الناس و قالوا لهم: قد قلّدناكم أمورنا، فولّوا من أنفسكم من شئتم، فملّكوا عليه رجلا يقال له فوق، فهو الذي ضرب الدنانير الفوقيّة، ثم ملك فوق و كان سيّ‏ء السيرة، فأرادت الروم أن تخلعه، فعمد إلى خزائنهم و أموالهم فرمى بها في البحر، و شحن منها السفن، و أسرعها تحملها الريح حتى جاءت بها إلى الشام، و كان شهر براز غلاما لكسرى على الشام، فخرج إلى الساحل فرأى السفن، فأمر بها فأخذت و استخرج ما فيها من الأموال، فسمّى ذلك المال كنج باذاورد، فبطلت أموال الروم منذ حينئذ، فليس في الأرض روميّ له عطاء أكثر من خمسة دنانير و عشرة دنانير هذا للشريف منهم فهم إلى يومنا هذا على هذا.

و قال ابن دأب‏ (1) عن موسى بن عقبة قال: كان عبادة بن الصامت يحدّث أن بعض الخلفاء بعثه و هشام بن العاص و نعيم بن عبد اللّه إلى ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، قال: فخرجنا حتى جئنا جبلة ابن الأيهم الغسّانيّ و هو بالغوطة، فأدخلنا إليه فإذا هو على فرش مع السقف، فأجلسنا بعيدا فأرسل إلينا رسولا نكلّمه، فقلنا لا و اللّه لا كلّمناه برسول، فأدنينا منه فكلّمه هشام و دعاه إلى اللّه، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: ما هذه المسوح التي لبستها؟ قال: لبستها و عليّ نذر ألّا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: و اللّه لنخرجنّك من فرشك و من دار مملكتك و نملك الملك الأعظم إن شاء اللّه،

أخبرنا بذلك نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: إذا أنتم السّمراء. قلنا: و ما السمراء؟ قال: الذين يصومون النهار و يقومون الليل. قلنا:

فنحن و اللّه هم. قال: و كيف صومكم؟ فأخبرناه بذلك. قال: فرطن لأصحابه‏

____________

(1) هو عيسى بن يزيد بن دأب الكناني الليثي. قال ابن النديم ص 103 (و الأغلب على آل دأب الأخبار).

187

و قال: قوموا و علاه سواد

ثم بعث معنا رسولا إلى ملك الروم، فلمّا دنونا من مدينته قال الذين معنا: إن دوابّنا هذه لا تدخل مدينة الملك، و كنّا على رواحل فإن شئتم حملناكم على براذين و بغال، قلنا: لا و اللّه لا ندخل إلّا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فأرسل أن خلّوا عنهم، فدخلنا معتمّين علينا السيوف على الرواحل، و إذا غرفة مفتوحة ينظر منها إلينا، و أقبلنا حتى أنخنا تحت الغرفة، قلنا:

لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، قال: و اللّه يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى كأنها عذق سعفة ضربها الريح، و أرسل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فأرسل أن ادخلوا فدخلنا، فإذا عليه ثياب حمر، و إذا كلّ شي‏ء عنده أحمر، و البطارقة حوله فدنونا منه، فإذا هو يفصح العربيّة، فقال لنا و ضحك: ما منعكم أن تحيّوني بتحيّة نبيّكم؟ فإن ذلك أجمل بكم، قلنا: تحيّتنا لا تحلّ لك، و تحيّتك التي تحيّا بها لا تحلّ لنا. قال: و ما هي؟ قلنا السلام عليك. قال: فما تحيّون ملككم؟ قلنا: بهذا نحيّيه. قال: فكيف يردّ عليكم؟ قلنا: كما نقول له. قال: أ فما يرثكم؟ قلنا: لا إنما يرث منا الأقرب فالأقرب. قال: و كذلك ملككم؟ قلنا: نعم. قال: فما صومكم و صلاتكم؟ فوصفنا له. قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر، فاللّه يعلم أنه انتفض سقفه حتى ظنّ هو و أصحابه أن سيسقط عليهم، ثم قال: هذه الكلمة هي التي نفضت الغرفة؟ قلنا: نعم. قال: و كلّما قلتموها نفضت سقوفكم؟ قلنا: لا. قال: فإذا قلتموها في بلاد عدوّكم تفعل ذلك؟ قلنا: لا، قلنا: و ما رأيناها صنعت ذلك إلّا عندك. قال: ما أحسن الصدق، أما أني وددت أني خرجت إليكم من نصف ملكي، و أنكم كلّما قلتموها ينفض كلّ شي‏ء. قلنا:

و لم ذاك؟ قال: كان ذاك أيسر لشأنها و أجدر ألّا يكون نبوّة، و أن يكون من حيلة الناس. قال: فما كلمتكم التي تقولون لا إله إلّا اللّه ليس معه غيره. قلنا: نعم.

قال: و اللّه أكبر أكبر من كلّ شي‏ء؟ قلنا: نعم. ثم سألنا سؤالا شافيا و خرجنا من عنده، و قد أمر لنا بمنزل حسن، و نزل كثير فمكثنا ثلاثا، ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فإذا ليس عنده أحد فاستعادنا القول، فأعدنا عليه، و دعا بشي‏ء كهيئة الرّبعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا فأخرج منه خرقة سوداء

188

حريرا، فنشرها فإذا فيها صورة، و إذا رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، طويل العنق، فقال: أ تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم (عليه السلام)، ثم فتح بيتا آخر فأخرج منه خرقة سوداء فنشرها، فإذا صورة بيضاء فإذا رجل له شعر كشعر القبط، أحمر العينين، عظيم الهامة، قال: أ تدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح (عليه السلام)، ثم فتح بيتا آخر فاستخرج خرقة مثل الأوليين، فإذا صورة بيضاء شديدة البياض، و إذا رجل حسن العينين، طويل الخدّ، شارع الأنف، مختلط شيب الرأس أبيض اللحية، و اللّه لكأنه يتبسّم، قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا:

لا. قال: هذا إبراهيم (عليه السلام)، ثم أخرج خرقة سوداء مثلها، فنشرها فإذا صورة و إذا و اللّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا: نعم، و بكينا و قلنا: هذا نبيّنا محمّد (صلى اللّه عليه و سلم) فاللّه يعلم أنه قام قائما ثم جلس فقال: اللّه لهو هو، قلنا: و اللّه لهو هو، كأنّا ننظر إليه حيّا، فأمسك ساعة ينظر ثم قال: أما و اللّه إنه آخر البيوت و لكني عجلته لكم لأعلم ما عندكم، فأعاده و فتح بيتا آخر فأخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة صحماء أدماء رجل كثير الشعر جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلّص الشفة، و إلى جنبه صورة شبيه به غير أنه مدوّر الرأس عظيم الجبين في عينه قبل، فقال: هذا موسى و أخوه هارون، ثم فتح بابا آخر فاستخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء أشبه ما خلق اللّه بصورة امرأة عجيزة و ساقا، قال: هذا داود (عليه السلام)، ثم استخرج خرقة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص طويل الرجلين قصير الظهر و إذا هو راكب على فرس لكلّ شي‏ء منه جناح، قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان، و هذه الريح تحته، ثم أخرج لنا خرقة سوداء فيها صورة صفراء و إذا رجل شديد سواد الشعر سبطه كثيرة حسن الوجه و العينين مشتبه كلّ شي‏ء، قال: أ تعرفون هذا؟ قلنا: لا.

قال: هذا عيسى (عليه السلام)، قلنا: و من أين هذه الصور هكذا؟ فإنّا نعمل أن هذه الصور على ما صوّرت، لأن صورة نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم) مثله، قال: إن آدم (عليه السلام) سأل ربّه جلّ و عزّ أن يريه أنبياء بنيه، فأنزل عليه صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم في مغرب الشمس، فصوّرها دانيال على تلك الصور في‏

189

خرق حرير، فهي هذه بعينها، و و اللّه لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي و أكون عبدا لأشرككم ملكه، و لكن نفسي لا تطيب ثم أجازنا و أحسن جائزتنا و سرّحنا.

قال: و لمّا دخل أنوشروان أرض الروم و خرج منها فقد بها رجلا من متطبّبيه يسمّونه الزرسبيذ، فاشتدّ على أنوشروان ذلك، و غبر الرجل بأرض الروم سنين، حتى عرف كلامهم، و قرأ كتبهم، و عظم شأنه، فلمّا أحكم ما يريد انصرف إلى أنوشروان، فعظّم موقعه لما رجا أن يجده عنده ما يحبّ أن يعرف من حال الروم، فخلا به فسأله عن شدّة ما رأى من بأس القوم و نجدتهم، فقال الزرسبيذ: إنّا لم نزل نسمع من الملك أن النجدة قسم شريف، و قد يجمع قسمه أقساما لا تتمّ إلّا بها، و أنه لا يستحقّ أحد اسم البأس و الشدّة إلّا بما يشيّعه من الصبر الذي به يحتمل الإخطار بالنفس، و الأنفة التي بها يقدم على ما أقدم به، و حسن الذكر و البصيرة الذي هو ملاك ذلك كلّه، و رباطة الجأش التي بها يوطّن على ما ناله من إحراز المكرمة و حسن الثناء، و قلّ من رأيته فيهم ممن يستحقّ هذه الصفة، و ذلك لمخالفتهم دينهم الذي يدينون به.

قال: فكيف حظّهم من العلم؟ فوصفهم بقلّته و زعم أن مفتخرهم إنما يفتخر بكتب الفلاسفة في المنطق، و إنما هي غايتهم، قال: فأين مبلغهم من الطبّ؟ قال:

أما الطبّ فمعرفتهم بالطبائع، و الجواهر، و علاج الحرارة و البرودة، و فضول المرّة و البلغم، بالعقاقير المسمّاة لهم، لا يعرفون غير ذلك ممّا بسط لأهل الهند من علاج الأرواح، و الأدواء الغليظة، و الرقى، و الاستعانة ببعض الأرواح على بعض، قال: فالنجوم؟ قال: قلّ حظّهم منه جدّا، قال كسرى: فما بلغك فيما يدّعيه بعضهم من صنعة الذهب و الفضّة، و عن الأصباغ التي يصبغ بها الجوهر، فينقل إلى غير طبائعه، و ما حكي لنا عن طلسماتهم؟ قال: كان ذلك من أهمّ أمورهم عندي أن أظفر به، فلم أجد لشي‏ء من ذلك حقيقة، فأما الطلسمات فإنها أمور قديمة، كان على الأرض من قوى بشي‏ء لشي‏ء قد ألّف من الكلام و الرقى و العقد على تماثيل قد رأيتها بها، ممّا تقادم عمله في الأزمنة الماضية قبل مخرج عيسى‏

190

(عليه السلام)، فأما اليوم فقد ذهب من يدّعيها و بطل من يعملها.

و في الخبر (1): أن الروم لمّا أخربت بيت المقدس كتب اللّه عليهم السبي في كلّ يوم، فليس يمرّ يوم من أيّام الدهر إلّا و أمّة من الأمم المطيفة بالروم يسبون من الروم سبايا.

و بحر الروم من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، ثم يدور آخذا من ناحية الدبور، حتى يخرج خلف الباب و الأبواب من ناحية الخزر، حتى يبلغ قيروان إفريقية و أطرابلس إفريقية، حتى يبلغ الأندلس إلى السوس الأقصى إلى جزائر السعادة.

و أرض الروم غربيّة دبوريّة، و هي من أنطاكية إلى صقلّيّة، و من قسطنطينيّة إلى تولية، الغالب عليها روسيّ و صقلبيّ و أندلسيّ، و الصقالبة صنفان: سمر و أدم، و هو ممّا يلي البحر، و منهم بيض فيهم جمال، و هم في البرّ، و مدينة الملك، قسطنطينيّة، و أنطاكية على ساحل البحر، و فيها مجمع البطارقة، و من طرسوس إلى خليج قسطنطينيّة مائة ميل، فيه مسجد مسلمة بن عبد الملك حيث حصر قسطنطينيّة، و يمرّ خليج قسطنطينيّة حتى يصبّ إلى بحر الشام، و عرض الخليج بأبدس قدر غلوة، و إذا صار إلى بحر الشام فعرضه عند مصبّه أيضا قدر غلوة، و هناك صخرة عظيمة عليها برج فيه سلسلة تمنع سفن المسلمين من دخول الخليج و عمورية دون الخليج، و بينها و بين قسطنطينيّة ستّون ميلا، و ذكر أن بطارقة الروم الذين هم مع الملك اثنا عشر بطريقا بقسطنطينيّة، و أن خيلها أربعة آلاف، و رجّالتها أربعة آلاف.

و روي عن كعب قال: شمتت قسطنطينيّة بخراب بيت المقدس فتعزّزت و تجبّرت فدعيت المستكبرة، و قالت: إن كان عرش ربّي جلّ جلاله على الماء، فقد بنيت على الماء، فوعدها اللّه العذاب قبل يوم القيامة، فقال اللّه جلّ و عزّ لها:

و عزّتي و جلالي لأنزعنّ حليك و حريرك و خمرك و خميرك، و لأتركنّك لا يصيح فيك ديك، و لا أجعل لك عامرا إلّا الثعالب و بنات آوى، و لأنزلنّ عليك ثلاث‏

____________

(1) هذا الخبر لدى ابن خرداذبه ص 117.

191

نيران: نارا من زفت، و نارا من كبريت، و نارا من نفط، و لأتركنّك جلحاء قرعاء لا يحول بينك و بين السماء شي‏ء، و ليبلغنّ صوتك عنان السماء، فإنه طال ما أشرك بي فيك، و عبد فيك غيري، و ليفترعن فيك جواري ما كدن أن ترى الشمس من حسنهن، و لأسمعنّ خرير البحر صوتك، فلا يعجز من بلغ منكم ذلك أن يمشي إلى بيت بلاطة ملكهم، فإنكم ستجدون فيه كنز اثني عشر ملكا من ملوكهم، كلّهم يزيد فيه و لا ينقص منه، فتقسمون ذلك كيلا بالأترسة قطعا بالفؤوس فتحملون ما استطعتم من كنوزها فتقسمونه بالغدقدونيّة، فيأتيكم آت من قبل الشام أن الدجّال قد خرج، فترفضون ما في أيديكم، فإذا بلغتم الشام وجدتم الأمر باطلا، و إنما هي نفحة كذوب.

قال خالد بن معدان: ليس في الجنّة كلب إلّا كلب أصحاب الكهف، و حمار بلعم، و اسم كلب أصحاب الكهف دين، و قال غيره: بل اسمه حمران، و اسم الكهف جيرم، و أصحاب الرّقيم بقسطنطينيّة في جبل هناك في شعب و هم ثلاثة عشر رجلا.

و خراج الروم مساحة كلّ مائتي مدى ثلاثة دنانير في كلّ سنة، و يأخذ عشر الغلّات فيصير في الأهراء للجيوش، و يأخذ من اليهود و المجوس من كلّ رجل دينارا في السنة، و يؤخذ له في كلّ بيت يوقد فيه كلّ سنة درهم، و ديوانه مقسوم على مائة ألف و عشرين ألف رجل، على كلّ عشرة آلاف رجل بطريق، و أجلّ البطارقة خليفة الملك و وزيره، ثم اللّغثيط صاحب ديوان الخراج، ثم اللغثيط صاحب عرض الكتب، ثم الحاجب و صاحب ديوان البريد، ثم القاضي، ثم صاحب الحرس، ثم المرقّب‏ (1).

و الروم أصحاب بقر و خيل و شاء، و لهم البزيون العجيب، و الديباج الروميّ، و لهم من العطر الميعة و المصطكى و الجواري الروميّات، و الخدم و ينبت في قعر

____________

(1) المعلومات عن خراج الروم أعلاه موجودة لدى ابن خرداذبه ص 111. كما أن بعض المعلومات التي سبقت عن بلاد الروم موجودة لدى ابن خرداذبه.

192

بحرهم البسّذ، و بها القبّة التي من الرصاص و هي في بعض مفاوزها، و ذكر بعضهم أنه دخلها و عيان ما فيها، و وجد على لوح بها مكتوب عليه: يا ابن آدم خف الموت، و بادر الفوت، و استكثر من ادّخار صالح الأعمال، و اعلم أن ذكر الموت يهون على اللسان، و أن الموت على الفراش أشدّ من ألف ضربة بالسيف، يا ابن آدم داو الموت بالطاعة، و اعلم أن ملك الموت رؤوف بأهل الطاعة. يا ابن آدم إن كنت تحبّ نفسك فصنها عن المعاصي، و احملها على التعب الذي يعقبك الراحة، و أعدّ للسفر البعيد زادا، فإنّ من رحل بلا زاد عطب. يا ابن آدم ما أقسى قلبك تعمر دارا تخرب، و تخرب دارا تبقى، يا ابن آدم خذ لنفسك من نفسك، و اعرف المذاهب بالأسباب، فإن سبب العقل المداراة، و سبب المزيد الشكر، و سبب زوال النعمة البطر، و سبب المروّة الأنفة، و سبب الأدب المواظبة، و سبب البغضاء الحسد، و سبب المحبّة الهديّة، و سبب الأخوّة البشاشة، و سبب القطيعة المعاتبة، و سبب الفقر إسراف المال، و سبب العداوة المراء، و سبب المحبّة السخاء، و سبب قضاء الحوائج الرفق، و سبب المذلّة مسألة الناس، و سبب الحرمان الكسل، و سبب الريبة مصاحبة الريب، و سبب النبل العفاف، و سبب ثياب العقل المرأة الصالحة، و سبب الغناء قلّة الفساد، و سبب الغضب الصّلف، و الخير كلّه يجمعه العقل، و من لا عقل له و لا حياء فلا خير في صحبته قال: و إذا خوان موضوع هناك من ملح قدر ما يأكل عليه ألف رجل مكتوب عليه: يا ابن آدم قد أكل على هذا الخوان مائة ملك، كلّهم مصاب بعينه اليسرى، فكم كان الأصحّاء؟ يا ابن آدم قد قضم في هذه القبّة مائتا ألف ملك، و قد رام حمل هذا الخوان و اللوح ألف ملك فماتوا كلّهم.

قال: فدعاني قيصر فسألني عنه ففسّرته له فبكى ثم قال: للّه درّ العرب ما أعظم أحلامها، و أكرم فروعها، ثم وصلني و أحسن جائزتي، و وجّه معي من أخرجني من بلاده.

قال أبو المنذر: سمّيت الروم بني الأصفر لأنه لمّا مات ملكهم لم يبق منهم من يصلح للملك إلّا امرأة، فأجمعوا أن يملّكوا عليهم أوّل طالع من الفجّ فطلع‏

193

حبشيّ قد أبق من مولاه، فأخذوه فزوّجوه الملكة فولدت له ابنا فسمّي الأصفر لأنه من أسود و أبيض.

و من عجائب الروم: رومية الداخلة، فإنها عجيبة البناء، كثيرة الأهل، و بينها و بين قسطنطينيّة مسيرة سنة. و قال جبير بن مطعم: لولا صوت أهل رومية لسمع الناس وجبة الشمس من حيث تطلع و قال حسن بن عطيّة: يفتح على المسلمين مدينة خلف قسطنطينيّة يقال لها رومية فيها مائة ألف سوق، في كلّ سوق مائة ألف رجل و قال بعض العلماء: ينقّس برومية في كلّ يوم عشرون و مائة ألف ناقوس، لولا وجبة أهلها لسمع الناس تسبيح الملائكة و وقع غروب الشمس.

روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال: حلية بيت المقدس أهبطت من الجنة فأصابتها الروم فانطلقت بها إلى مدينة لهم يقال لها رومية. قال: و كان الراكب يسير بضوء ذلك الحلي مسيرة خمس ليال.

و قال رجل من آل أبي موسى: أخبرني رجل يهودي قال: دخلت رومية و ان سوق الطير فيها فرسخ.

و قال مجاهد: في بلد الروم مدينة يقال لها رومية فيها ستمائة ألف حمّام.

و قال الوليد بن مسلم الدمشقي: أخبرني رجل من التجار قال: ركبنا البحر و ألقتنا السفينة إلى ساحل رومية فأرسلنا إليهم: إنّا إياكم أردنا، فأرسلوا إلينا رسولا. فخرجنا معه نريدها. فعلونا جبلا في الطريق فإذا بشي‏ء أخضر كهيئة اللّج فكبّرنا فقال لنا الرسول: لم كبّرتم؟ قلنا: هذا البحر، و من سبيلنا أن نكبر إذا رأيناه. فضحك و قال: هذه سقوف رومية و هي كلها مرصصة.

قال: فلما انتهينا إلى المدينة إذا استدارتها أربعون ميلا في كل ميل منها باب مفتوح.

قال: فانتهينا إلى أول باب و إذا سوق البياطرة و ما أشبهه. ثم صعدنا درجا فإذا سوق الصيارفة و البزازين. ثم دخلنا المدينة فإذا في وسطها برج عظيم واسع في أحد جانبيه كنيسة قد استقبل بمحرابها المغرب و ببابها المشرق و في وسط البرج‏

194

بركة مبلطة بالنحاس يخرج منها ماء المدينة كله. و في وسطها عمود من حجارة عليه صورة رجل من حجارة. قال: فسألت بعض أهلها فقلت: ما هذا؟ فقال: إن الذي بني هذه المدينة قال لأهلها لا تخافوا على مدينتكم حتى يأتيكم قوم على هذه الصفة، فهم الذين يفتحونها.

و ذكر بعض الرهبان ممن دخلها و أقام بها أن طولها ثمانية و عشرون ميلا في ثلاثة و عشرين ميلا و لها ثلاثة أبواب من ذهب. فمن باب الذهب الذي في شرقيها إلى البابين الآخرين ثلاثة و عشرون ميلا، و لها ثلاثة جوانب في البحر، و الرابع في البر. و الباب الأول الشرقي و الآخر الغربي و الآخر اليمنى. و لها سبعة أبواب سوى هذه الثلاثة الأبواب من نحاس مذهب. و لها حائطان من حجارة رخام، و فضاء طوله مائتا ذراع بين الحائطين.

و عرض السور الخارج ثمانية عشر ذراعا و ارتفاعه اثنان و ستون ذراعا. و بين السورين نهر ماؤه عذب يدور في جميع المدينة و يدخل دورهم مطبّق برفوف النحاس، كل دفة منها ستة و أربعون ذراعا. و عدد الرفوف مائتان و أربعون ألف دفة. و هذا كله من نحاس.

و عمود النهر ثلاثة و تسعون ذراعا في عرض ثلاثة و أربعين ذراعا. فكلما همّ بهم عدو و أتاهم، رفعت تلك الرفوف فيصير بين السورين بحر لا يرام.

و فيما بين أبواب الذهب إلى باب الملك اثنا عشر ميلا و سوق ماد من شرقيها إلى غربيها بأساطين النحاس، مسقف بالنحاس و فوقه سوق آخر، و في الجميع التجار.

و بين يدي هذا السوق سوق آخر على أعمدة نحاس، كل عمود منها ثلاثون ذراعا. و بين هذه الأعمدة نقيرة من نحاس في طول السوق من أوله إلى آخره فيه لسان تجري من البحر، فتجي‏ء السفينة في هذا النقير و فيها الأمتعة حتى تجتاز في السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر تاجر فيبتاع منها ما يريد ثم ترجع إلى البحر.

195

و في داخل المدينة كنيسة مبنية على اسم مار فطرس و مار فولس الحواريين و هما مدفونان فيها. و طول هذه الكنيسة ألف ذراع في خمسمائة ذراع في سمك مائتي ذراع. و فيها ثلاث باسليقات بقناطر نحاس.

و فيها أيضا كنيسة بنيت باسم اصطفانوس رأس الشهداء طولها ستمائة ذراع في عرض ثلاثمائة ذراع في سمك مائة و خمسين ذراعا. و ثلاث باسليقات بقناطرها و أركانها. و سقوف هذه الكنيسة و حيطانها و أرضها و أبوابها و كواؤها كلها و جميع ما فيها حجر واحد.

و في المدينة كنائس منها أربع و عشرون كنيسة للخاصة و فيها كنائس لا تحصى للعامة.

و في المدينة عشرة آلاف دير للرجال و النساء و حول سورها ثلاثون ألف عمود للرهبان.

و فيها اثنا عشر ألف زقاق يجري في كل زقاق منها نهران، واحد للشرب و الآخر للحشوش.

و فيها اثنا عشر ألف سوق، في كل سوق قناة ماء عذب.

و أسواقها كلها مفروشة بالرخام الأبيض منصوبة على أعمدة النحاس مطبقة برفوف النحاس و فيها عشرون ألف سوق بعض هذه الأسواق صغار.

و فيها ستمائة ألف و ستون ألف حمّام.

و ليس يباع في هذه المدينة و لا يشترى من ست ساعات من يوم السبت حتى تغرب الشمس من يوم الأحد.

و فيها مجامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب و النجوم و غير ذلك، يقال إنها مائة و عشرون موضعا.

و فيها كنيسة الأمم إلى جانبها قصر الملك و تسمى هذه الكنيسة صهيون، بصهيون بيت المقدس، طولها فرسخ في فرسخ و في سمك مائتي ذراع و مساحة

196

هيكلها ستة أجربة، و المذبح الذي يقدس عليه القربان من زبرجد أخضر طوله عشرون ذراعا في عرض عشرة أذرع يحمله عشرون تمثالا من ذهب طول كل تمثال ثلاثة أذرع، أعينها يواقيت حمر، و إذا قرّب على هذا المذبح قربان في الأعياد لا يطفأ إلّا يصاب.

و في رومية من الثياب الفاخرة ما يليق به. و في الكنيسة ألف و مائتا أسطوانة من المرمر الملمع و مثلها من النحاس المذهب، طول كل أسطوانة خمسون ذراعا.

و في الهيكل ألف و أربعمائة و أربعون أسطوانة، كل أسطوانة ستون ذراعا لكل أسطوانة رجل معروف من الأساقفة. و في الكنيسة ألف و مائتا باب كبار من النحاس الأصفر المفرّغ و أربعون بابا كبارا من ذهب سوى أبواب الابنوس و العاج و غير ذلك. و فيها ألف باسليق طول كل باسليق أربعمائة و ثمانية و عشرون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، لكل باسليق أربعمائة و ثمانية و عشرون ذراعا، لكل باسليق أربعمائة و أربعون عمودا من رخام مختلف ألوانه طول كل واحد ستة و ثلاثون ذراعا.

و فيها أربعمائة قنطرة يحمل كل قنطرة عشرون عمودا من رخام.

و فيها مائة و ثلاثون ألف سلسلة ذهب معلق في السقف ببكر ذهب تعلق فيها القناديل سوى القناديل التي تسرج يوم الأحد. و هذه القناديل تسرج يوم أعيادهم و بعض مواسمهم. و فيها الأساقفة ستمائة و ثمانية عشر أسقفا. و من الكهنة و الشمامسة ممن يجري عليهم الرزق من الكنيسة دون غيرهم خمسون ألف، كلما مات واحد أقاموا مكانه آخر.

و في المدينة كنيسة الملك و فيها خزائنه التي فيها أواني الذهب و الفضة مما قد جعل للمذبح، و فيها عشرة آلاف جرة ذهب يقال لها الميزان، و عشرة آلاف خوان ذهب و عشرة آلاف كأس و عشرة آلاف مروحة ذهب. و من المنائر التي تدار حول المذبح سبعمائة منارة كلها ذهب، و فيها من الصلبان التي تخرج يوم الشعانين ثلاثون ألف صليب ذهب، و من صلبان الحديد و النحاس المنقوشة المموهة بالذهب ما لا يحصى، و من المقطوريات عشرون ألف مقطورية و فيها ألف مقطرة

197

من ذهب يمشون بها أمام القرابين. و من المصاحف الذهب و الفضة عشرة آلاف مصحف. و للبيعة و حدها سبعة آلاف حمّام سوى غير ذلك من المستغلات.

و مجلس الملك المعروف بالبلاط يكون مساحته مائة جريب و خمسين جريبا، و الإيوان الذي فيه مائة ذراع في خمسين ذراعا ملبّس كله ذهبا. و قد مثّل في هذه الكنيسة مثال كل نبي منذ آدم (عليه السلام) إلى عيسى ابن مريم (عليه السلام)، لا يشك الناظر إليهم أنهم أحياء. و فيها ثلاثة آلاف باب نحاس مموّه بالذهب، و حول مجلس الملك مائة عمود مموّهة. بالذهب على كل واحد منها صنم من نحاس مفرّغ، في يد كل صنم جرس مكتوب عليه ذكر أمّة من الأمم و جميعها طلسمات، فإذا همّ بغزوها ملك من الملوك تحرك ذلك الصنم و حرك الجرس الذي في يده فيعلمون أن ملك تلك الأمة يريدهم فيأخذون حذرهم.

و حول الكنيسة حائطان من حجارة طولهما فرسخ و ارتفاع كل واحد منهما مائة ذراع و عشرون ذراعا. لهما أربعة أبواب. و بين يدي الكنيسة صحن يكون خمسة أميال في مثلها في وسطه عمود من نحاس ارتفاعه خمسون ذراعا. و هذا كله قطعة واحدة مفرغة و فوقه تمثال طائر يقال له السوداني‏ (1)، من ذهب على صدره نقش طلسم و في منقاره مثال زيتونه و في كل عشرين واحدة من رجليه مثال ذلك. فإذا كان أوان الزيتون لم يبق طائر في الأرض إلّا و أتى و في منقاره زيتونه و في كل واحدة من رجليه زيتونة حتى يطرح ذلك على رأس الطلسم. فزيت أهل رومية و زيتونهم من ذلك. و هذا الطلسم عمله لهم بليناس صاحب الطلسمات.

و هذا الصحن عليه أمناء و حفظة من قبل الملك، و أبوابه مختومة، فإذا امتلأ و ذهب أصل الزيتون اجتمع الأمناء فعصروه فيعطى الملك و البطارقة و من يجري مجراهم قسطهم من الزيت و يجعل الباقي للقناديل التي للبيع. و هذه القصة- أعني قصة السوداني- مشهورة قلما رأيت كتابا تذكر فيه عجائب البلاد إلّا و قد ذكرت فيه.

و قد روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا شجرة

____________

(1) السودانية و السودانة: طائر من الطير الذي يأكل العنب و الجراد (لسان العرب، سود).

198

برومية من نحاس عليها صورة سودانية في منقارها زيتونة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت فوق الشجرة فيوافي كل طائر في الأرض من جنسها بثلاث زيتونات في منقاره و رجليه حتى يلقي ذلك على تلك الشجرة فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لقناديل بيعتهم و أكلهم لجميع الحول.

و في بعض كنائسهم نهر يدخل من خارج المدينة، في هذا النهر من الضفادع و السلاحف و السراطين أمر عظيم. فعلى الموضع الذي تدخل منه الكنيسة صورة صنم من حجارة و في يده حديدة معقفة كأنه يريد أن يتناول بها شيئا من الماء. فإذا انتهت إليه هذه الدواب المؤذية رجعت مصاعدة، و لم يدخل الكنيسة منها شي‏ء البتة

.

199

القول في العراق‏

قال أبو عبيدة: سمّي العراق عراقا لأنه سفل على نجد، و دنا من البحر، كعراق القربة و هو الخرز المثنيّ الذي في أسفلها و هو الذي يضعه السقّاء في صدره و قال الأصمعيّ: ما دون الرمل عراق و قال المدائنيّ: عمل العراق من هيت إلى الصين و السند و الهند، ثم كذلك الريّ و خراسان، و الديلم و جيلان و الجبال، و إصبهان سرّة العراق، و من ولي العراق فقد ولي البصرة و الكوفة و الأهواز و فارس و كرمان و الهند و السند و سجستان و طبرستان و جرجان. و العراق في الطول من عانة إلى البصرة، و البصرة تتاخم الأهواز، و الأهواز تتاخم فارس، و فارس تتاخم كرمان، و كرمان تتاخم كابل، و كابل تتاخم زرنج، و زرنج تتاخم الهند.

و قال بعض أهل النظر: أهل العراق هم أهل عقول صحيحة، و شهوات محمودة، و شمائل موزونة، و براعة في كلّ صناعة، مع اعتدال الأعضاء، و استواء الأخلاط، و سمرة الألوان، و هي أعدلها و أقصدها، و هم الذين أنضجتهم الأرحام، فلم تخرجهم بين أشقر و أصهب و أمهق و مغرب، و كالذي يعتري أرحام نساء الصقالبة و ما ضارعها و صاقبها، و هم الذين لم تتجاوز أرحام نسائهم في النضج إلى الإحراق، فيخرج الولد بين أسود و حالك و منتن الريح ذفر و مفلفل الشعر مختلف الأعضاء ناقص العقل فاسد الشهوة كالزنج و الحبشان و من أشبهها من السودان، فهم بين فطير لم يختمر و نضيج قد احترق.

و قالوا: مناكحة الغرائب أنجب، و مناكحة القرائب أضوى.

و قالوا: اغتبروا و لا تضووا. و قالوا: فارس أعقل و الروم أعلم و للروم صناعات.

200

القول في الكوفة

قال قطرب: سميت الكوفة من قولهم: تكوّف الرمل أي ركب بعضه بعضا.

و الكوفان: الاستدارة. و قال أبو حاتم السجستاني: الكوفة رملة مستديرة، يقال كأنهم في كوفان.

و قال المغيرة بن شعبة: أخبرنا الفرس الذين كانوا بالحيرة قالوا: رأينا قبل الإسلام في موضع الكوفة فيما بين الحيرة إلى النخيلة نارا تأجج. فإذا أتينا موضعها لم نر شيئا. فكتب في ذلك صاحب الحيرة إلى كسرى فكتب إليه أن أبعث إليّ من تربتها. قال: فأخذنا من حواليها و وسطها و بعثنا به إليه، فأراه علماءه و كهنته فقالوا: يبنى في هذا الموضع قرية يكون على يدي أهلها هلاك الفرس.

قال: فرأينا- و اللّه- الكوفة في ذلك الموضع.

قالوا: و أول من اختط مسجد الكوفة سعد بن أبي وقاص.

و قال غيره: اختط الكوفة السائب بن الأقرع و أبو الهيّاج الأسدي.

و كانت العرب تقول: أولع البرّ لسانه في الريف. فما كان يلي الفرات فهو الملطاط، و ما كان يلي الطين فهو الخيف.

و يروى عن أمير المؤمنين أنه قال: الكوفة كنز الإيمان و جمجمة الإسلام و سيف اللّه و رمحه، يضعه حيث يشاء. و الذي نفسي بيده لينصرن اللّه جلّ و عزّ بأهلها في شرق الأرض و غربها كما انتصر بالحجاز.

و كان (عليه السلام) يقول: حبذا الكوفة، أرض سهلة معروفة، تعرفها جمالنا المعلوفة.

201

و يقال: موضع الكوفة اليوم كانت سورستان.

و كان سلمان يقول: الكوفة أهل اللّه، و هي قبة الإسلام، يحنّ إليه كل مسلم.

و قال أمير المؤمنين: ليأتين على الكوفة زمان و ما من مؤمن و لا مؤمنة إلّا بها أو قلبه يحنّ إليها.

و قال ابن الكلبيّ: وفد الحجّاج على عبد الملك بن مروان و معه أشراف العراق، فلمّا دخلوا عليه تذاكروا أمر الكوفة و البصرة. فقال محمّد بن عمير العطارديّ: إن أرض الكوفة أرض سفلت عن الشام و عملها و وباءها، و ارتفعت عن البصرة و حرّها و عمقها، و جاورها الفرات فعذب ماؤها و طاب ثمرها، و هي مريئة مريعة.

فقال عبد اللّه بن الأهتم السّعديّ: نحن و اللّه يا أمير المؤمنين أوسع منهم تربة، و أكثر منهم دربة، و أعظم منهم بريّة، و أغذّ منهم في السريّة، و أكثر منهم قندا و نقدا، يأتينا ما يأتينا، عفوا صفوا، و لا يخرج من عندنا إلّا سائق أو قائد أو ناعق.

فقال الحجّاج: إن لي بالبلدين خبرا يا أمير المؤمنين.

قال: هات فأنت غير متّهم فيهم.

قال: أما البصرة فعجوز شمطاء بخراء ذفراء، أوتيت من كلّ حليّ و زينة، و أما الكوفة فكبر عاطل لا حليّ لها و لا زينة.

فقال عبد الملك: ما أراك إلّا و قد فضّلت الكوفة.

و كان عمر بن الخطّاب يكتب: إلى سيّد الأمصار و جمجمة العرب يعني الكوفة.

و كان عبد اللّه بن عمر يقول: يا أهل الكوفة أنتم أسعد الناس بالمهديّ.

و قال أمير المؤمنين للكوفة: ويحك يا كوفة و أختك البصرة كأني بكما تمدّان مدّ الأديم، و تعركان عرك العكاظيّ، إلّا أني أعلم فيما أعلمني اللّه عزّ و جلّ أنه ما

202

أراد بكما جبّار سوءا إلّا ابتلاه اللّه بشاغل.

و كان محمّد بن عمير بن عطارد

علمت معدّ و القبائل كلّها* * * أنّ الجواد محمد بن عطارد

(1) يقول: الكوفة سفلت عن الشام و وبائها، و ارتفعت عن البصرة و عمقها، فهي مريئة مريعة بريّة بحريّة، إذا أتتنا الشمال هبّت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، و إذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السواد، و ورده، و ياسمينه و خيريّه و أترجّه، ماؤنا عذب، و محتشّنا خصب.

و كتب إليهم عمر بن الخطّاب: أني اختبرتكم فأحببت النزول بين أظهركم، لما أعرف من حكم اللّه و لرسوله، و قد بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا، و عبد اللّه بن مسعود مؤذّنا و وزيرا، و هما من النجباء من أهل بدر، فخذوا عنهما و اقتدوا بهما، و قد آثرتكم بعبد اللّه بن مسعود على نفسي.

و كان زياد يقول: الكوفة جارية حسناء، تصنّع لزوجها فكلّما رآها يسرّ بها.

قالوا: و لنا فتوح و أيّام، فمن فتوحنا: الحيرة، و بانقيا، و الفلّوجتين، و نستر، و بغداد، و عين التّمر، و دومة، و الأنبار، و ما فتحوا مع خالد بن الوليد في مسيرهم إلى الشام: المصيّح، و حصيد، و بشر، و قراقر، و سوى، و أراك، و تدمر، ثم شاركوا أهل الشام في بصرى و دمشق، هذا كلّه في خلافة أبي بكر، ثم كان من آثارهم في خلافة عمر: يوم جسر أبي عبيد، و يوم مهران، و يوم القادسيّة، و يوم المدائن و جلولاء و حلوان، هذا كلّه قبل أن ينزلوا الكوفة، ثم نزلوها ففتحوا الموصل، و آذربيجان، و تستر، و ماسبدان، و رامهرمز، و جرجان، و الدّينور، و لهم مع أهل البصرة نهاوند، و لهم بعض الريّ، و بعض إصبهان، و لهم طميس و نامية من طبرستان، و نزل الكوفة من الخلفاء و الأئمّة عليّ و الحسن (عليه السلام)، و من الملوك و الخلفاء معاوية، و عبد الملك، و أبو العبّاس، و أبو جعفر المنصور،

____________

(1) سماه ابن الفقيه قبل قليل بالعطاردي، و هو محمد بن عمير بن عطارد، أبو عمير التميمي: كان سيد أهل الكوفة و أجود مضر و صاحب ربع تميم. كما كان أحد أمراء الإمام علي (ع) بصفين.

و قيل فيه:

علمت معدّ و القبائل كلّها* * * أنّ الجواد محمد بن عطارد

انظر: تاريخ الذهبي 6: 194 و الإصابة 3: 516. و فهرست تاريخ الطبري 10: 404.

203

و المهديّ، و هارون الرشيد، و كان بها عمّال العراق و الدعوة لهم في العطاء قبل أهل البصرة عدّة أهل الكوفة ثمانون ألفا، و مقاتلتهم أربعون ألفا، و كان زياد يقول: أهل الكوفة أكثر طعاما، و أهل البصرة أكثر دراهم.

و قال الأحنف بن قيس: نزل أهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان الملتفّة و المياه الغزيرة و الأنهار المطّردة، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تخضد و لم تفسد، و نزلنا أرضا هشّاشة في طرف فلاة، و طرف ملح أجاج في سبخة نشّاشة، لا يجفّ ثراها، و لا ينبت مرعاها، يأتينا ما يأتينا في مثل مري‏ء النّعامة.

قال: و لمّا ظهر أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل البصرة قال أعشى همدان:

اكسع البصريّ إن لاقيته‏* * * إنّما يكسع من قلّ و ذلّ‏

و اجعل الكوفيّ في الخيل و لا* * * تجعل البصريّ إلّا في النّفل‏

و إذا فاخرتمونا فاذكروا* * * ما فعلنا بكم يوم الجمل‏

بين شيخ خاضب عثنونه‏* * * و فتى أبيض وضّاح رفل‏

جاءنا يخطر في سابغة* * * فذبحناه ضحى ذبح الحمل‏

و عفونا فنسيتم عفونا* * * و كفرتم نعمة اللّه الأجلّ‏

و قال فطر بن خليفة: نازعني قتادة في الكوفة و البصرة فقلت: دخل الكوفة سبعون بدريّا، و دخل البصرة عتبة بن غزوان فسكت.

و قال أمير المؤمنين: قبّة الإسلام الكوفة، و الهجرة بالمدينة، و الأبدال بالشام، و النجباء بمصر و هم قليل.

و قالوا: من نزل الكوفة فلم يقرّ لهم بفضل ثلاث، فليست له بدار: بفضل ماء الفرات، و رطب المشان، و فضل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) و من نزل البصرة. فلم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار: بفضل عثمان، و فضل الحسن البصريّ و رطب الأزاذ.

204

قالوا: و من أسخياء الكوفة: هلال بن عتّاب، و أسماء بن خارجة، و عكرمة بن ربعيّ الفيّاض، و من فتيانها: خالد بن عتاب، و أبو سفيان بن عروة بن المغيرة بن شعبة، و عمرو بن محمّد بن حمزة.

و قال سعيد بن مسعود المازنيّ لسليمان بن عبد الملك: منّا أحلم الناس:

الأحنف، و أحملهم بحمالة: إياس بن قتادة، و أسخاهم: طلحة بن عبد اللّه بن خلف، و أشجعهم عبّاد بن حصين و الحريش‏ (1)، و أعبدهم: عامر بن عبد قيس.

فقال نظّار الكوفة: منّا أشجع الناس الأشتر (2)، و أسخاهم: خالد بن عتّاب، و أحملهم: عكرمة الفيّاض، و أعبدهم: عمرو بن عتبة بن فرقد.

و قالوا جميعا: إذا كان علم الرجل حجازيّا و طاعته شاميّا و سخاؤه كوفيّا فقد كمل.

افتخار الكوفيّين و البصريّين‏

قال: اجتمع عند أبي العبّاس أمير المؤمنين عدّة من بني عليّ، و عدّة من بني العبّاس، و فيهم بصريّون و كوفيّون منهم: أبو بكر الهذليّ و كان بصريّا، و ابن عيّاش و كان كوفيّا (3)، فقال أبو العبّاس: تناظروا حتى نعرف لمن الفضل منكم.

قال بعض بني عليّ: إن أهل البصرة قاتلوا عليّا يوم الجمل، و شقّوا عصا المسلمين.

قال أبو العبّاس: ما تقول يا أبا بكر؟

قال: معاذ اللّه أن يجهل أهل البصرة، إنما كانت شرذمة منها شذّت عن سبل‏

____________

(1) الحريش بن هلال أبو قدامة السعدي الشاعر.

(2) مالك بن الحارث الأشتر النخعي.

(3) أبو بكر الهذلي البصري الأخباري و اسمه سلمى. أحد الضعفاء توفي عام 168 ه (العبر 1:

194) و كان ينادم السفاح (مروج 3: 265).

أما ابن عياش فهو المعروف بالمنتوف من رجال البلاط العباسي (السفاح و المنصور). انظر عنه مروج الذهب 3: 287 توفي بعد عام 158 ه إذ انه حضر وفاة المنصور.