البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
205

المنهج، و استحوذ عليها الشيطان، و في كلّ قوم صالح و طالح فأما أهل البصرة فهم أكثر أموالا و أولادا، و أطوع للسلطان، و أعرف برسوم الإسلام.

قال ابن عيّاش: نحن أعلم بالفتوح منكم، نحن نفينا كسرى عن البلاد و أبرنا جنوده و أبحنا ملكه و فتحنا الأقاليم، و إنما البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد، ينتهي إليها الماء بعد تغييره و فساده، مضغوطة قبل ظهرها بأخشن أحجار الحجاز و أقلّها خيرا، مضغوطة من فوقها ببطيحتها، و إن كانوا يستعذبون ماءهم، و لولا ذلك ما انتفعوا بالعيش، و مضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها و نحن قلّلناهم على وجه المعزاء، و بعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم، و إنما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا، و محلّ الكوفة محلّ اللهوات و اللسان من الجسد، و موضعها على صدور الأرضين ينتهي إليها الماء ببرده و عذوبته، و يتفرق في بلادنا و يجوز بالعذبة الزكيّة الفرات و دجلة، و البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد.

قال أبو بكر: أنتم مع ما وصفت أكثر أنبياء و ما لنا إلّا نبي واحد و هو محمّد صلّى اللّه عليه و عامّة أنبيائكم الحاكة.

فضحك أبو العبّاس حتى كاد يسقط عن السرير ثم قال: للّه درّك يا أبا بكر.

فقال أبو بكر: و ما رأيت الأنبياء مصلوبين إلّا ببلاد الكوفة.

فقال ابن عيّاش: عيّرت أهل الكوفة بثلاثة مجانين من السفلة ادّعوا النبوّة بالجنون، فصلبهم اللّه بالكوفة، فمن يعيّر به أهل البصرة من المدّعين للعقول و الشرف و الروايات للحديث كثيرا، و كلّهم يزعم أنه يهدي نفسه و يضلّها، و المتنبّئ بالجنون أيسر خطبا من ادّعاء الصحيح هدى نفسه و ضلالها، فلقد ادّعوا الربوبيّة في قول بعضهم.

فقال أبو العبّاس: هذه بتلك أو أشدّ يا أبا بكر، فاعترض عليهم بعض العلويّة و هو الحسن بن زيد فقال: يا أبا بكر ما قاتلتم عليّا يوم الجمل؟ فقال:

بلى، قاتله شرذمة، و كفّ اللّه عزّ و جلّ أيدينا و سلاحنا عن قتله نظرا منه لنا، ثم‏

206

رجع إلى الكوفة فقتلوه و ولده و ولد ولده و بني عمّه. و أخرجوا الحسن بن عليّ بعد بيعتهم له حتى هرب منهم.

فقال ابن عيّاش: بل قصّر اللّه أيديكم بطول أيدي الكوفة و بنصرتهم عليكم، و كيف تعيّرنا بباطل رجل واحد منّا يبلغ بباطله ما عجز عنه عامّتكم، و لقد حدّثني أشياخ من النّخع أن أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان عليه ثلاثون ألفا مع طلحة و الزبير و عائشة، فلمّا التقوا لم يكن أهل البصرة إلّا كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.

فقال أبو بكر: و متى كان أهل البصرة ثلاثين ألفا يقاتلون أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد اعتزلهم الأحنف بن قيس في سعد و الرّباب، و قد دخلنا بعد ذلك الكوفة، فذبحنا بها ستّة آلاف رجل من أصحاب نبيّهم المختار، كما يذبح الحملان، سوى من هرب بعد أن جاء أسماء بن خارجة الفزاريّ و محمّد بن الأشعث الكنديّ و شبث بن ربعيّ التميميّ، و استعانوا بأهل البصرة و شكوا إليهم المختار و أصحابه، و ما قتل من رجالهم و استباح من حريمهم، فخرجنا مع مصعب بن الزّبير حتى قتلنا نبيّهم المختار، و من قدرنا عليه من أصحابه و أعتقناهم من الرقّ، فلنا الفضل على أهل الكوفة، و لنا المنّة عليهم و على أعقابهم لو كانوا يشكرون.

قال ابن عيّاش: أتاكم أهل الكوفة يوم الجمل مع عليّ فقتلوكم، فأرى أهل الكوفة غالبين و مغلوبين على الحقّ، و أرى أهل البصرة غالبين و مغلوبين على الباطل.

فقال أبو العبّاس: يا أبا بكر دونك فإني أرى ابن عيّاش مفوّها جدلا.

قال أبو بكر: ما لهم بنا طاقة.

قال ابن عيّاش: لسنا في حرب فيرى مغالبنا، و إنما نحن في كلام، فأحسن الكلام أوضحه حجّة.

207

فقال الحسن بن زيد: يا أبا بكر لا تغالب أهل الكوفة و لا تفاخرهم، فإنهم أكثر فقهاء و أشرافا منكم.

فقال أبو بكر: معاذ اللّه أنّى يكون هذا و ما كان فيهم شريف إلّا و فينا أشرف منه، و ما كان في تميم الكوفة مثل الأحنف في تميم البصرة، و لا في عبد القيس الكوفة مثل الحكم بن الجارود في عبد القيس البصرة، و لا كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة، و لا كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة.

قال ابن عيّاش: زدنا يا أبا بكر إن وجدت مزيدا، فعندنا أضعاف ما ذكرت و من أنت ذاكره إن شاء اللّه.

قال أبو بكر: كفى بهذا فخرا و عزّا و شرفا.

فقال ابن عيّاش: قطع بك يا أبا بكر، إنما أهل البصرة مثل نظام البعر المستوي واسطته درّة فهي فيهم مشهورة، و أهل الكوفة مثل نظيم الدرّ فواسطته منه لها أشباه كثيرة، ذكرت الأحنف في تميم البصرة و في تميم الكوفة محمّد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس رهن قوسه عن جميع العرب، و النعمان ابن مقرّن صاحب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، المقدّم على جميع جيوش المسلمين أيّام عمر بن الخطّاب، و حسّان بن المنذر بن ضرار من بيت ضبّة، و سيّدها عتّاب بن ورقاء جواد العرب، و شبث بن ربعيّ التميميّ قائد أهل البصرة و سائقهم مع مصعب بن الزبير، و عكرمة بن ربعيّ التميميّ الذي قيل فيه:

و عكرمة الفيّاض ربّ الفضائل‏

فهؤلاء سادة تميم الكوفة، و العجب لفخرك بمالك بن مسمع في بكر بن وائل على مصقلة بن هبيرة، و قد أقرّ بين يدي عليّ بن أبي طالب بشرفه و فضله، و منهم خالد بن معمّر و شقيق بن ثور السّدوسيّ و سويد بن منجوف و حريث بن جابر و الحصين بن المنذر و محدوج المخزوميّ و يزيد بن رويم الشيبانيّ و القعقاع بن شور الذهليّ، و أما فخرك بقتيبة بن مسلم فما أنت و ذاك، إنما هو

208

رجل من باهلة صنعه الحجّاج، و الشرف من قيس في عامر بن صعصعة في بني لبيد بن ربيعة الشاعر جاهليّا و إسلاميّا، و إنما فخرت بواحد من مائة، ألا أنّي أجمل لك: أميرنا عليّ بن أبي طالب و مؤذّننا عبد اللّه بن مسعود و قاضيا شريح، فهات في أهل البصرة واحدا من هؤلاء الثلاثة.

قال أبو بكر: أميرنا عبد اللّه بن عبّاس.

قال ابن عيّاش: نحن بطانة عبد اللّه و ظهارته و أنصاره و جنده عليكم، و نحن أحقّ به منكم.

فقال أبو بكر: فإن كان مؤذّنكم عبد اللّه بن مسعود فمنّا أنس بن مالك خادم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم).

فقال ابن عيّاش: و أين أنس من ابن مسعود فتقيسه به، و لقد نزل الكوفة سوى من سمّيت لك سبعون رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنقيم لك واحدا بأنس، ثم نفتخر عليك بتسعة و ستّين باقين.

فقال أبو بكر: فإن كان شريح قاضيكم ففينا الحسن البصريّ سيّد التابعين، و ابن سيرين في فضلهما و فقههما.

فقال ابن عيّاش: إن عددت هذين و باهيت بهما، عددنا لك أويسا القرنيّ الذي يشفع في مثل ربيعة و مضر، و ربيع بن خثيم، و الأسود بن يزيد و علقمة، و مسروقا، و هبيرة بن يريم، و أبا ميسرة، و سعيد بن جبير، و الحارث الأعور صاحب عليّ بن أبي طالب و راويته، و أين أنت عمّن لم تر عينك مثله في زمانه من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه، و لا أحفظ لما سمع، و لا أفقه في الدين، و لا أصدق في الحديث، و لا أعرف بمغازي النبيّ صلّى اللّه عليه و أيّام العرب و حدود الإسلام و الفرائض و الغريب و الشعر، و لا أوصف لكل أمر من عامر بن شراحيل الشّعبيّ؟

فقال كلّ من حضر: لقد كان كذلك، و بالكوفة بيوتات العرب الأربعة:

فحاجب بن زرارة بيت تميم، و آل زيد بيت قيس، و آل ذي الجدّين بيت ربيعة، و آل قيس ابن معدي‏كرب الزّبيديّ بيت اليمن. و بالكوفة فرسان العرب الأربعة في‏

209

الجاهليّة و الإسلام: عمرو بن معدي كرب، و العبّاس بن مرداس السّلميّ، و طليحة بن خويلد الأسديّ، و أبو محجن الثقفيّ، و أهل الكوفة جند سعد بن أبي وقّاص يوم القادسيّة، و أصحاب الجمل، و صفّين، و خانقين، و جلولاء، و نهاوند، و فرسانهم المعدودون في الإسلام: مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ، و سعد بن قيس الهمذانيّ، و عروة بن زيد الطائيّ صاحب وقعة الديلم، و عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث الكنديّ.

فقال أبو بكر: هذا الذي سلب الحسين بن عليّ قطيفة فسمّاه أهل الكوفة عبد الرحمن قطيفة، فقد كان ينبغي أن لا تذكره. فضحك أبو العبّاس من قول أبي بكر.

فقال ابن عيّاش: و الذي سار تحت لوائه أهل الكوفة و البصرة و جماعة أهل العراق و بالكوفة من أحياء العرب بأسرهم ما ليس بالبصرة منهم إلّا أهل بيت واحد و هم الذين يقول فيهم عليّ بن أبي طالب: لو كنت بوّابا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام‏ (1) فقال أبو بكر: فهل فيمن سمّيت أحد إلّا قاتل الحسين بن عليّ، و أهل بيته أو خذلهم أو سلبهم و أوطأ الخيل صدورهم؟

فقال ابن عيّاش: تركت الفخر و أقبلت على التعيير، أنتم قتلتم أباه عليّ بن أبي طالب، فأما أهل الكوفة فكان منهم مع الحسين يوم قتل أربعون رجلا، و إنما كان معه سبعون رجلا فماتوا كلّهم دونه و قتل كلّ واحد منهم عدوّة قبل أن يقتل.

فقال أبو بكر: إن أهل الكوفة قطعوا الرحم و وصلوا المثانة، كتبوا إلى الحسين بن عليّ إنّا معك مائة ألف و غرّوه حتى إذا جاء خرجوا إليه فقتلوه و أهل بيته صغيرهم و كبيرهم، ثم ذهبوا يطلبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا؟

فقال ابن عيّاش: و من أهل الكوفة أبو عبد اللّه الجدليّ‏ (2) الذي صار ناصرا

____________

(1) هي قبيلة همدان العربية اليمنية.

(2) الجدلي هذا هو عبدة بن عبد و الواقعة المذكورة في الطبري 6: 75- 76.

210

لبني هاشم حين حصرهم ابن الزبير، و كتب ابن الحنفيّة يستنصرهم فسار في عدّة ممّن كان مع ابن الزبير حتى صيّر اللّه بني هاشم حيث أحبّوا فهل كان فيهم بصريّ؟

فنهض أبو العبّاس و هو يقول: الكوفة بلاد الأدب و وجه العراق و مبزغ أهلّة و عليها الجحاش و هي غاية الطالب، و منزل خيار الصحابة و أهل الشرف، و أن أهل البصرة لأشبه الناس بهم ثم قام.

ما جاء في مسجد الكوفة

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد صلّى في هذا البيت يعني مسجد الكوفة تسعون نبيّا، و ألف وصيّ، و فيه فار التنّور، و خرجت منه السفينة، و فيه عصا موسى و خاتم سليمان بن داود، و البركة منه على اثني عشر ميلا، و هو أحد المساجد الأربعة التي تعظم، و لإن أصلّي فيه ركعتين أحبّ إليّ من أن أصلّي عشرا في غيره إلّا في المسجد الحرام و مسجد الرسول.

و قال ليث بن أبي سليم: بلغني أن المكتوبة في مسجد الكوفة تعدل حجّة، و التطوّع يعدل عمره.

و قال زادانفروخ مسجد الكوفة تسعة أجربة.

و يروى عن ابن عيينة قال: مرّ إبراهيم (عليه السلام) بالقادسيّة فرأى زهرتها فقال: قدّست و سمّيت القادسيّة.

و يقال إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن بالكوفة أربع بقاع قدس مقدّسة فيها أربعة (1) مساجد، قيل: سمّها يا أمير المؤمنين. قال: أحدها مسجد ظفر: و هو مسجد السّهلة، إن أطنابها من الأرض لعلى ياقوتة خضراء، ما بعث اللّه نبيّا إلّا صورة وجهه فيها. و الثاني مسجد جعفيّ: لا تذهب الأيّام و الليالي حتى تنبع منه عين. و الثالث مسجد غنيّ: لا تذهب الليالي و الأيّام حتى تنبع منه عين، و حوله جنينة. و الرابع مسجد الحمراء: و هو في موضع بستان، لا تذهب الليالي‏

____________

(1) في الأصل: أربع.

211

و الأيّام حتى تنبع منه عين، تنطف ماء حواليه و فيه قبر أخي يونس بن متّى.

و يقال: إن مسجد السهلة مناخ الخضر، و ما أتاه مغموم. إلّا فرّج اللّه عنه، قال: و نحن نسمّي مسجد السهلة مسجد القرى.

و بالكوفة الفرات و هو نهر من أنهار الجنّة، و في الخبر: الفرات و النيل مؤمنان، و دجلة و برهوت كافران.

و قال عبد الملك بن عمير: الفرات نهر من أنهار الجنّة، لولا ما يخالطه من الأذى، ما تداوي به مريض إلّا أبرأه اللّه، فإن عليه ملكا يذود عنه الأدواء.

و قال سماك بن حرب: أصبت ببصري فرأيت إبراهيم (عليه السلام) في منامي فقال: ائت الفرات فاستقبل بعينيك جرية الماء، ففعلت فردّ اللّه عليّ بصري.

و مخرج الفرات من قاليقلا، و يدور بتلك الجبال حتى يدخل أرض الروم، و يجي‏ء إلى كمخ و إلى ملطية، و يجي‏ء إلى جبلتا و عيونها حتى يبلغ سميساط، فيحمل من هناك السفن، ثم يصبّ إليه الأنهار الصغار: نهر سنجة و نهر كيسوم، و نهر ديصان و البليخ، ثم يجي‏ء إلى الرقّة، ثم يتفرّق فيصير أنهارا، فمن أنهاره:

نهر سورا و هو أكبرها، و نهر الملك، و نهر صرصر، و نهر عيسى و الصراتين، و نهر الخندق، و كوثى، و سوق أسد، و نهر الكوفة و الفرات العتيقة.

و قال المدائنيّ: اجتمع أهل العراق عند يزيد بن عمر بن هبيرة فقال ابن هبيرة: أيّ البلدين أطيب ثمرة الكوفة أم البصرة؟ فقال خالد بن صفوان: ثمرتنا أطيب أيّها الأمير منها كذا و منها كذا. فقال عبد الرحمن بن بشير العجليّ: لست أشكّ أيّها الأمير إلّا و أنكم قد اخترتم للخليفة ما تبعثون به إليه، فقال: أجل.

فقال: قد رضينا بأن تحكم لنا و علينا، فأيّ الرطب تحملون إليه؟ قال: المشان.

قال: فليس بالبصرة منه واحدة، فأيّ التمر تحملون إليه؟ قال: النرسيان. قال:

و هذا فليس بالبصرة منه واحدة. قال: و الهيرون و الأزاذ. قال: و هذا فليس بالبصرة منهما واحدة، ثم قال: فأيّ القسب تحملون إليه؟ قال: قسب العنبر. قال: و هذا

212

فليس بالبصرة منه واحدة. قال: أ فلست تعلم أنها أفضل من البصرة؟

ذكر الخورنق‏

قالوا: و من البناء المذكور الأبلق الفرد، و باليمن غمدان، و هو قصر من أعجب ما بنته الملوك، و قد ذكرنا خبره. و قصر نباج بناه الأخنس بن شهاب، و الهرمان‏ (1) بمصر و الإسكندرية و منارتها، و منف مدينة فرعون، و ملعب فامية بحمص، و تدمر بالشام، و إيوان أنوشروان و مأرب و شبديز و الخورنق بظهر الكوفة. و كان الذي بناه النعمان بن امرئ القيس، و هو ابن الشّقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فارس حليمة، ملك ثمانين سنة و بنى الخورنق في ستّين سنة، بناه له رجل روميّ. يقال له سنمّار، و كان يبني السنتين و الثلاثة ثم يغيب الخمس سنين، فيطلب فلا يوجد، ثم يأتي فيبني كذلك حتى أتت عليه ستّون سنة و فرغ من الخورنق، فصعده النعمان على دابّته فنظر إلى البحر تجاهه و البرّ خلفه، و رأى الحوت و الضبّ و الظبي و الطير و الظليم و النخل و الزرع فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قطّ، فقال له سنمّار: أما أني أعلم موضع آجرّة لو زالت زال هذا القصر كلّه. فقال له النعمان: أ يعرفها أحد غيرك؟ قال: لا. قال: لا جرم لأدعنّها لا يعرفها أحد، ثم أمر فقذف سنمّار من فوق القصر فتقطّع، فضربت العرب به المثل فتقول: جازاني جزاء سنمّار، فقال الشاعر:

جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه‏* * * جزاء سنمار و ما كان ذا ذنب‏

سوى رمّه البنيان ستّين حجّة* * * يعلّي عليه بالقراميد و السّكب‏

فلمّا رأى البنيان تمّ سحوقه‏* * * و آض كمثل الطّود ذي الباذخ الصّعب‏

و ظنّ سنمّار به كلّ خيرة* * * و فوز لديه بالمودّة و القرب‏

فقال: أقذفوا بالعلج من فوق رأسه‏* * * فهذا لعمر اللّه من أعجب الخطب‏ (2)

____________

(1) في الأصل: الهرمين.

(2) الأبيات عشرة في الطبري 2: 66- 67 مع اختلاف ببعض الألفاظ.

213

و كان النعمان غزا الشام مرارا و أكثر المصائب في أهلها و سباهم، و كان من أشدّ الملوك نكاية، فجلس ذات يوم في مجلسه من الخورنق فأشرف على النّجف و ما يليه من البساتين و النخل و الجنان و الأنهار ممّا يلي المغرب، و على الفرات ممّا يلي المشرق، و الخورنق قصر بحذاء الفرات، يدور عليه في عاقول كالخندق، فأعجبه ما رأى من الخضرة و النور و الأنهار و الزهر، فقال لوزيره: رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: و ما الذي يدوم؟ قال: ما عند اللّه في الآخرة. قال: فبم ينال؟ قال: بتركك الدنيا و تعبد اللّه، و تلتمس ما عنده، فترك ملكه من ليلته و لبس مسوحه و خرج هاربا لا يعلم به أحد، و أصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم ثلاثة، أيّام، فلمّا أبطأ الأذن سألوا عنه فلم يجدوه، ففي ذلك يقول عديّ بن زيد (1):

و تبيّن ربّ الخورنق إذ أش* * * رف يوما و للهدى تفكير

سرّه حاله و كثرة ما يم* * * لك و البحر معرضا و السّدير

فارعوى قلبه و قال و ما غب* * * طة حيّ إلى الممات يصير

ثم صاروا كأنّهم ورق ج* * * فّ فألوت به الصّبا و الدّبور

و سمّي السّدير لأن العرب نظرت إلى سواد النخل فسدرت أعينهم أي تحيّرت فقالوا: ما هذا إلّا سدير.

و قال الكلبيّ: أوّل من بنى الخورنق بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف، و ذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد، و كان بهرام أصابه جن في صغره، فسأل عن منزل مري‏ء صحيح من الأدواء فقالت الأطبّاء: لا يبرأ حتى تخرجه من أرضك إلى بلاد العرب، و يسقى أبوال الإبل و ألبانها، فوجّهه يزدجرد إلى النعمان و أمر ببناء الخورنق مسكنا له ليعالج فيه، فعولج فبرأ، فكان بهرام يكرم العرب و يركب الإبل و هو في الصّور التي تصوّرها العجم في أوانيها و بسطها و فرشها راكب بعيرا أبدا.

____________

(1) الواقعة و الأبيات في الطبري 2: 67- 68 مع اختلاف ببعض ألفاظ الأبيات.

214

و قال الهيثم بن عديّ: لم يقدم الكوفة أحد إلّا أحدث في هذا القصر شيئا، يعني الخورنق، فلمّا قدمه الضحّاك بن قيس بناه و عمره، فدخل عليه شريح القاضي فقال: أبا أميّة أ رأيت بناء قطّ أحسن منه؟ قال، نعم، قال: كذبت و أيّ بناء رأيته أحسن منه؟ قال: السماء. قال: و عن السماء سألتك أقسم لتسبّنّ أبا تراب‏ (1).

قال: لا أفعل. قال: و لم؟ قال: لأنّا نعظّم أحياء قريش، و لا نسبّ موتاها، قال:

جزاك اللّه خيرا.

و أنشد لعليّ بن محمّد العلويّ‏ (2):

كم وقفة لك بالخور* * * نق لا توازى بالمواقف‏

بين السّدير إلى الغدي* * * ر إلى ديارات الأساقف‏

فمدارج الرّهبان في‏* * * أطمار خائفة و خائف‏

دمن كأنّ رسومها* * * يكسين أعلام المطارف‏

و كأنّما غدرانها* * * منها عشور من مصاحف‏

و كأنّما أنوارها* * * تهتزّ بالرّيح العواصف‏

يلقى أواخرها أوا* * * ئلها بألوان الرفارف‏

بحريّة شتواتها* * * برّيّة منها المصايف‏

درّيّة الحصباء كا* * * فوريّة منها المشارف‏

قصّة الغريّين‏

و بها الغريّان بناهما المنذر بن امرئ القيس، و هو ابن ماء السماء، و كان سبب ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد خالد بن نضلة و عمرو بن مسعود و أنهما

____________

(1) أبو تراب هو الإمام علي بن أبي طالب. و عن الضحاك انظر الطبري 5: 135 و الغارات للثقفي 2: 421. أما شريح فقد كان قاضيا للإمام علي ثم أصبح قاضيا أيضا سنين طويلة في الحكومة الأموية.

(2) الكوفي الحماني (معجم البلدان 2: 493) مادة (الخورنق).

215

ثملا من النبيذ ليلة فرادّا الملك بعض الكلام فأمر فحفر لهما حفيرتان، بجانب البئر بظهر الكوفة فدفنا فيه حيّين و فيهما يقول الشاعر:

ألا بكّر الناعي بخيري بني أسد* * * بعمرو بن مسعود و بالسّيّد الصّمد

يعني خالد بن نضلة، و أمر ببناء طربالين عليهما و هما صومعتان، و جعل لهما في السنة يومين: يوم بؤس و يوم نعيم، فيذبح في يوم بؤسه كلّ من يلقاه، و يغرو بدمه الطربالين ما كان من شي‏ء آدميّ أو وحشيّ، و في يوم بؤسه قتل عبيد بن الأبرص الأسديّ الشاعر، و كان أوّل من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال له المنذر: هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد، فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أجلّ بلغ أناه، فقال له المنذر: أنشدني. فقال: حال الجريض دون القريض، و بلغ الحزام الطّبيين، فأرسلهما مثلا فقال المنذر: أسمعني. فقال:

عبيد المنايا على الحوايا، فأرسلها مثلا. فقال له بعض أصحاب الملك: أنشده هبلتك أمّك. فقال عبيد: و ما قول قائل مقتول، فأرسلها مثلا. فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت. قال: لا يرحل رحلك من ليس معك، فأرسلها مثلا، أي لا تدخل في أمرك من لا يهتمّ بك. قال المنذر: قد أمللتني فأرحني، قال عبيد:

من عزّ بزّ، فأرسلها مثلا ثم قتله. و كان سبب تركه لهذين اليومين رجل من طيّ‏ء يقال له حنظلة، همّ بقتله فتكفّل به شريك بن عمرو بن شراحيل أبو الحوفزان على أن يرجع إلى أهله و يصلح حالهم، ثم يعود إليه فانقضت السنة و لم يرجع حنظلة فهمّ الملك بشريك، فلمّا وضع السيف على عنق شريك فإذا بحنظلة قد أقبل متحنّطا متكفّنا، فلمّا رآه المنذر عجب من وفائهما فخلّى عنهما و أبطل السّنّة، و قال: لا أكون الأم الثلاثة.

و الغريّ في اللغة ما يبس عليه الدم من صنم و غيره. و لمّا دخل معن بن زائدة الكوفة رأى الغريين قد انهدما فأنشأ يقول:

لو كان شي‏ء مقيما لا يبيد على‏* * * طول الزمان لما باد الغريّان‏

قد فرّق الدهر و الأيّام بينهما* * * و كلّ إلف إلى بين و هجران‏

216

قالوا: و بالكوفة الحيرة البيضاء، و كانت الملوك تنزلها قبل أن بنيت الكوفة لطيب هوائها و فضلها على سائر المواضع، و إنما سمّيت الحيرة لأن تبّعا لمّا سار إلى موضع الحيرة. أخطأ الطريق و تحيّر هو و أصحابه فسمّيت الحيرة و أوّل من نزل من العرب الحيرة جذيمة الأبرش، و يقال: بل أوّل ملوكها مالك بن فهم بن غنم بن دوس من الأزد. و قال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: يوم و ليلة بالحيرة خير من دواء سنة، و كان ابن كناسة ينشد:

فإنّ بها لو تعلمين أصائلا* * * و ليلا رقيقا مثل حاشية البرد

قال: و كان أوّل من ملك منهم في زمن ملوك الطوائف مالك بن فهم، و كان منزله فيما يلي الأنبار، ثم مات فملك أخوه جذيمة الأبرش، و كان من أفضل ملوك العرب رأيا، و أبعدهم مغارا، و أشدّهم نكاية، و أظهرهم حزما، و صار الملك من بعده في ابن أخته عمرو بن عديّ، و هو أوّل من اتّخذ الحيرة منزلا من ملوك العراق، و هم ملوك آل نصر: إليه ينسبون ثم غلب على الأمر أردشير بن بابك في أهل فارس.

قالوا: و سوق يوسف بالحيرة نسب إلى يوسف بن عمرو بن محمّد بن الحكم بن عقيل الثقفيّ ابن عمّ الحجّاج بن يوسف و حمّام أعين نسب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقّاص.

و شهار سوج‏ (1) معناه شهار طاق بجلة بالكوفة نسب إلى قبيلة بجلة، و هم ولد مالك بن ثعلبة و بجلة أمّهم و غالبتهم على نسبهم، و نسبوا إليها و غلط الناس فقالوا بجيلة.

و جبّانة عرزم منسوبة إلى رجل كان يلبّن فيها، و لبنها رديّ فيه قصب و خرق، فربّما أصابها شظيّة من نار فاحترقت الحيطان.

____________

(1) قال ياقوت 3: 339 إنها محلة بالبصرة و أعطى نفس هذه الأوصاف. و قال إن معنى الكلمة و هي فارسية: أربع جهات.

217

و زرارة نسبت إلى زرارة بن يزيد بن عمرو بن عدس من بني البكّاء، و كانت منزله فأخذها معاوية بن أبي سفيان‏ (1). و دار حكيم بالكوفة في أصحاب الأنماط نسبت إلى حكيم بن سعد بن ثور البكّائيّ.

و قصر مقاتل نسب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة.

و السّوّاريّة بالكوفة نسبت إلى سوّار بن زيد العباديّ الشاعر.

و قرية أبي صلابة التي على الفرات نسبت إلى أبي صلابة بن مالك بن طارق العبديّ.

و أقساس مالك تنسب إلى مالك بن قيس.

و دير الأعور منسوب إلى رجل من إياد من بني أميّة بن حذاقة.

و دير قرّة ينسب إلى قرّة أحد بني أميّة بن حذاقة، و إليهم نسب دير السّوا و السّوا العدل.

و دير الجماجم دير لإياد، و كان بين حيّين منهم قتال، و هم: بنو بهراء بن الحاف بن قضاعة، و بين بني القين بن جسر بن شيع اللّه بن و برة، فقتل منهم خلق، فلمّا انقضت الوقعة دفنوا قتلاهم عند الدير، فكان بعد ذلك إذا حفروا فيه لبعض أمورهم و جدوا جماجم فيخرجونها فسمّي دير الجماجم.

و يقال أيضا: إن دير كعب لإياد أيضا.

و دير هند لأمّ عمرو بن هند.

و دار قمام نسب إلى قمام بنت الحارث بن هانئ الكنديّ و هو عند دار الأشعث بن قيس.

و بيعة عديّ نسبت إلى بني عديّ بن الدّميل من لخم.

____________

(1) زرارة: محلة بالكوفة انظر تفصيلات إضافية عنها في معجم البلدان 2: 921.

218

و كانت طيزناباذ تدعى ضيزناباذ منسوبة إلى ضيزن بن معاوية بن العبيد السّليحيّ.

و مسجد سماك بالكوفة منسوب إلى سماك بن مخزمة بن حمين الأسديّ.

و بها محلّة بني شيطان منسوبة إلى شيطان بن زهير من زيد مناة بن تميم.

و رحا عمارة نسبت إلى عمارة بن عقبة بن أبي معيط.

و جبّانة سالم نسبت إلى سالم بن عمّار من بكر بن هوازن.

و صحراء البردخت نسبت إلى البردخت الشاعر الضبّيّ.

و مسجد بني عنز ينسب إلى بني عنز بن وائل بن قاسط.

و مسجد بني جذيمة.

و قصر العدسيّين في طرف الحيرة لبني عمّار بن عبد المسيح نسبوا إلى جدّتهم عدسة بنت مالك بن عوف الكلبيّ.

و سكّة البريد اليوم بالكوفة كانت بيعة لأمّ خالد بن عبد اللّه القسريّ.

و نهر الجامع من حفر خالد و قصر خالد معروف هناك.

و سوق أسد منسوب إلى أخيه أسد بن عبد اللّه القسري.

و قنطرة الكوفة أحدثها عمر بن هبيرة و أصلحها خالد بن عبد اللّه القسريّ.

و قصر يزيد بن عمر بن هبيرة بالقرب من جسر سورا.

و المدينة الهاشميّة التي بناها أبو العبّاس بحيالها و كان نزلها، ثم اختار نزول الأنبار فبنى فيها مدينتها المعروفة به، فلمّا استخلف المنصور نزل المدينة الهاشميّة بالكوفة، و استتمّ بناءها و زاد فيها، ثم تحوّل منها إلى بغداذ فبنى مدينته و مصّر بغداذ، و سمّاها مدينة السلام.

و بنى المنصور بالكوفة الرّصافة، و أمر أبا الخصيب مرزوقا مولاه فبنى له القصر المعروف بأبي الخصيب على أساس قديم له، و يقال بل بناه لنفسه.

219

و أما الخورنق فقد أتمّ بناءه النعمان لبهرام جور.

و جبّانة ميمون نسبت إلى ميمون مولى محمّد بن عليّ بن عبد اللّه و هو أبو بشر بن ميمون صاحب الطاقات ببغداذ بالقرب من باب الشام.

و صحراء أمّ سلمة نسبت إلى أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد اللّه امرأة أبي العبّاس أمير المؤمنين.

ما جاء في ذمّ الكوفة

من ذلك غدرهم بأمير المؤمنين (عليه السلام) حتى قتل بينهم، و خذلانهم له حتى في تجهم‏ (1) غيره. و خذلانهم الحسين بن علي رضي اللّه عنهما بعد مكاتبتهم إياه، حتى قتل بين ظهرانيهم و هم ينظرون. بل هم كانوا أصحابه و قتلته. و قبل ذاك غدرهم بالحسن و مكاتبتهم معاوية و مصير أكثرهم إليه. و طعنهم الحسن و سلب متاعه. و قتل مسلم بن عقيل راسلا من إياه‏ (2). و غدرهم بزيد بن علي رضي اللّه عنهما، بعد مبايعتهم له. و كذلك فعلهم بيحيى بن عمر و غيره من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و قتلوا المختار بن عبيد و قد خرج طالبا بدماء أهل البيت.

و كثرة شكايتهم للعمال. شكوا سعد بن أبي وقاص فدعا عليهم أن لا يرضيهم اللّه بوال و لا يرضى وال عنهم. و شكوا عمار بن ياسر، و المغيرة بن شعبة و الوليد بن عقبة، و سعيد بن العاص.

و كان () (3) يقول: ما أبالي بعد السبعين لو دحيت صخرة قتلت بها عشرة من أهل الكوفة. و قال إذا كان رأس السنة فلو صعدت مسجد الكوفة و ألقيت بصخرة ما خشيت أن أقتل مؤمنا. و قال عمر () (4) استعملت عليهم‏

____________

(1) كذا.

(2) جملة تشبه أن تكون كذلك. و لعل الصواب: مرسلا.

(3) كلمة مطموسة.

(4) كلمة مطموسة.

220

الضعيف خوّفوه. و إن استعملت عليهم القوي () (1). و قال بعض أهل الكوفة للوليد بن عقبة بعد ما عزل عنهم: جزاك اللّه خيرا يا با وهب، فما رأينا بعدك خيرا منك. قال: و لكني بحمد اللّه لم أر بعدكم شرا منكم، و ان بغضكم لتلف و حبكم لكلف.

و قال النجاشي:

إذا سقى اللّه أرضا صوب غادية* * * فلا سقى اللّه أهل الكوفة المطرا

التاركين على طهر نساءهم‏* * * و النائكين بشطّي دجلة البقرا

و السارقين إذا ما جنّ ليلهم‏* * * و الدارسين إذا ما أصبحوا السورا

ألقى العداوة و البغضاء بينهم‏* * * حتّى يكونوا لمن عاداهم جزرا

[2 أ] و قال فيهم أيضا:

لعن اللّه و لا يغفر لهم‏* * * ساكني الكوفة من حيّ مضر

و اليمانيين لا يحفل بهم‏* * * فهم من شرّ من فوق الغبر

جلدوني ثم قالوا قدر* * * قدّر اللّه لهم سوء القدر

و كان قوم من أهل البصرة و الكوفة بخراسان في بعض المغازي. فعيّر البصريون الكوفيين بشرب السويق، و عيّر الكوفيون البصريين بشرب النبيذ. فقال الشاعر في ذلك:

إذا ذكر الفرات بكوا عليه‏* * * بعيد ما تمنّاهم سحيق‏

و قد علموا بأنّ الحرب ليست‏* * * لأصحاب التزايد و السويق‏

ضربناكم على الإسلام حتّى‏* * * أقمناكم على وضح الطريق‏

و أتت عيرهم أهل الشام بالسمن، فقال شاعرهم:

() (2) غير سبع‏* * * بقين من المحرّم أو ثمان‏

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) كلمة مطموسة.

221

و ادعى النبوة من أهل الكوفة جماعة منهم المختار بن عبيد. كتب إلى الأحنف بن قيس: بلغني أنكم تكذّبونني. و لئن كذبتموني فقد كذبت الأنبياء قبلي.

و لست خيرا من كثير منهم.

قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال: صدق، وحي الشيطان. قال اللّه تعالى‏ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً و يروى أن المختار قال لرجل دخل إليه: اجلس على وسادة كانت في مجلسه: أ تدري من قام عن هذه الوسادة آنفا؟ قال: لا، قال جبريل.

و كان منهم أبو منصور الخنّاق‏ (1)، و كان يتولّى سبعة أنبياء من بني قريش و سبعة من بني عجل.

و كان منهم المغيرة بن سعيد (2).

و سأله رجل عن أمير المؤمنين علي. فقال لا تحتمله. قال: بل أحتمله. قال فذكر آدم و من دونه من الأنبياء فلم يذكر أحدا منهم إلّا فضّل عليا رضي اللّه عنه حتى انتهى إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال فقلت كذبت.

قال قد أخبرتك أنك لا تحتمل.

و حج راشد الهجري و أتى المدينة و ذلك في ولاية زياد [2 ب‏] العراق، فقال للحسن رضي اللّه عنه: استأذن لي على أمير المؤمنين.

قال: أو ليس قد مات؟ قال: لا و اللّه ما مات، و إنه ليتنفس تنفس حيّ، و يعرق تحت الدثار الثقيل. فقال له الحسن: كذبت يا عدو اللّه.

و اتصل الخبر بزياد فقتله و صلبه على باب داره.

و كانت فيهم هند الأفاكة.

____________

(1) رأس الفرقة المنصورية و هي من فرق الشيعة الغالية.

انظر المقالات و الفرق 46- 48 و الحيوان للجاحظ 2: 268 و 6: 391 و كذلك 6: 389 (الخناقون)، و الملل و النحل 1: 158.

(2) رأس الفرقة المغيرية من الشيعة الغالية. انظر الملل و النحل 1: 157 و المقالات و الفرق 74 و الحيوان للجاحظ 6: 390 و مواضع أخرى من الكتاب. و رجال الكشي 223 و مواضع أخرى منه.

222

و قال أصغر بن حسان المازني- مازن مذحج- و قد قدم الكوفة يلتمس الإحسان من أهلها فلم يفعلوا به جميلا، و قالوا: أقم حتى يقفل الجيش من جرجان. فلم يقم و رحل عنهم و قال:

رحلت إلى قوم أؤمّل رفدهم‏* * * و ما سائل الكوفيّ إلّا مقاتله‏

لصوص إذا مارستهم في بيوتهم‏* * * منيت بخصم لا تزال تجادله‏

و قالوا تربّص أوبة الجيش إنّه‏* * * بجرجان لم نحبس عليك مجاهله‏

و إنّ عطاء دونه ما زعمتم‏* * * على سائل الأعراب قد راث جائله‏

فأدنيت حرجوجا كأنّ سنامها* * * من الأين (؟ ..........؟) (1)

و رحت كما راح النجاشيّ منهم‏* * * خفيفا من النقد الجياد رواحله‏

فويل أمّها من قرية غير أنّها* * * قليل بها معطي الجزيل و فاعله‏

و فيهم يقول شاعر من بني عمرو بن عامر:

يا أيها الراكب الغادي لطيّبة* * * يؤمّ بالقوم أهل البلدة الحرم‏

أبلغ قبائل عمرو إن لقيتهم‏* * * لو كنت من دارهم يوما على أمم‏

إنّا وجدنا فقرّوا في بلادكم‏* * * أهل الكتاب و أهل اللوم و العرم‏

أرض تغيّر أحساب الرجال بها* * * كما رسمت بياض الرّيط بالحمر (2)

و خرج جيش من أهل الكوفة إلى حبيش بن دلجة بالربذة فخافوا و رجعوا.

و خرج جيش من أهل البصرة فقتلوه فقال الشاعر في ذلك: [3 أ]

ألسنا بأصحاب ابن دلجة إذ عبا* * * هنالك خيلا كالسّراحين ضمّرا

تقاد بفرسان إذا حمس الوغى‏* * * أحلّوا الحرام و استباحوا المنكرا

فلاقتهم خيل لنا فارسيّة* * * أساورة تدعو يزيد المسوّرا

____________

(1) فراغ في الأصل.

(2) بيت من قصيدة أخرى على نفس الوزن و قافية مختلفة.

223

فلما التقوا ولّى المشامون هرّبا* * * عزيز (؟) و أخلوا عن حبيش مقطّرا

و يروى عن مجاهد أنه قال: لما أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الأرض أيام نوح فقال يا أرض ابلعي ماءك، كانت أرض الكوفة آخرها ابتلاعا و أشدها تقعسا. فمن هناك سائر الأرضين تكرب على حمارين و ثورين و أرض الكوفة على ستة.

و قال إبراهيم التيمي: لما أمرت الأرض أن تغيض الماء، أغاضت إلّا أرض الكوفة. فلعنت فسائر الأرض تكرب على ثورين و أرض الكوفة على أربعة.

و قالت أم العلاء الأوذية: مرّوا بزيد بن علي في سوق كندة على حمار قد خولف بوجهه. فقاموا إليه يبكون. فأقبل عليهم و قال: يا شرار خلق اللّه! أسلمتموني للقتل ثم جئتموني تبكون؟

و قال علي رضي اللّه عنه لأهل الكوفة: اللهمّ كما نصحتهم فغشّوني، و ائتمنتهم فخانوني، فسلّط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها، و يلبس فروتها، و يحكم فيهم بحكم الجاهلية.

و قال أبو عبد اللّه القشيري: قام أهل الكوفة إلى علي رضي اللّه عنه فقالوا:

العطاء يا أمير المؤمنين. فقال: ما لهم ميث اللّه قلوبهم كما يماث الملح في الماء.

أ تطلقوني ولادة من غير زوج؟ أما و اللّه لو تجتمعون على حقكم كما تجتمعون على باطلكم ما غلّ على أموالكم حلب شاة. اللهمّ إني قد كرهتهم و كرهوني. فأرحهم مني و أرحني منهم. قال: فأصيب في ذلك العام.

و قدم رجل من أهل المدينة يكنى أبا مريم الكوفة فلقيه علي رضي اللّه عنه.

فقال: يا أبا مريم ما أقدمك هذه البلاد؟ فقال: ما كانت لي حاجة، و لكن عهدي بك و أنت تقول: لو ولّيت هذا الأمر لفعلت و فعلت. قال: فأنا على العهد الذي عهدت. و لكني بليت بأخبث قوم في الأرض. ما دعوتهم قطّ إلى حق فأجابوني [3 ب‏] إليه. و لا يدعوني إلى أمر فأجيبهم إلّا اختلفوا (1).

____________

(1) في الغارات للثقفي 1: 68 مع اختلاف يسير في بعض ألفاظها.

224

و قال جرير بن سيير (1): قدمت الكوفة و قد انصرف علي بن الحسين من كربلاء، فرأيت نساء أهل الكوفة يلتدمن مهتكات الجيوب. فسمعت علي بن الحسين يقول بصوت صبي و قد نهكته العلة: ألا إنّ هؤلاء قتلونا.

و رأيت زينب بنت علي رضي اللّه عنها و قد أومأت إلى الناس أن انصتوا.

فارتدت الأنفاس و سكنت الأجراس، ثم قالت: الحمد للّه و الصلاة على نبيه. أما بعد يا أهل الكوفة. يا أهل الختل و الخذل. فلا رقأت العبرة و لا هدأت الرنّة. إنما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا. تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. ألا و هل فيكم إلّا الصلف و الصدف و الشنف. ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم ان سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون. أ تبكون؟ اي و اللّه. فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا. فلقد فزتم بعارها و شنارها و لن ترحضوها بغسل بعدها أبدا. و أنى ترحمون بعد قتل سليل خاتم الرسالة و سيد شبيبة أهل الجنة و ملاذ خيرتكم و مفزع نازلتكم.

ألا ساء ما تزرون. تعسا و نكسا. فلقد خاب السعي و تبت الأيدي و خسرت الصفقة و بؤتم بغضب من اللّه و ضربت عليكم الذلة و المسكنة. ويلكم أ تدرون أي كبد لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) فريتم؟ و أي دم سفكتم؟ و أي حرمة له أضعتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا.

تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الجبال و تخر الجبال هدّا. و لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض و السماء. فعجبتم أن قطرت السماء دما. فلعذاب الآخرة أخزى و لا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يخاف فوت الثار. كلّا. إن ربك لبالمرصاد.

قال: فرأيت الناس حيارى و لهى قد ردّوا أيديهم في أفواههم.

و دخل اليقظان بن ظهير على عائشة فقالت: ممن أنت؟ فقال: من أهل الكوفة. فقالت: وددت أن اللّه سلّط على أهل الكوفة عذابا مثل عذاب يوم الظلة.

و لما قتل مصعب بن الزبير، و كانت امرأته سكينة بنت الحسين. أرادت‏

____________

(1) خبر هذه الخطبة في مقتل الحسين للخوارزمي 2: 40 عن بشير بن حذيم الأسدي. و في فتوح ابن أعثم، المجلد الثالث 139 عن خزيمة الأسدي.

225

الرحيل إلى المدينة و كانت بالكوفة. فقالت لها أهل الكوفة: يا بنت رسول اللّه، أحسن اللّه صحابتك [4 أ] و فعل بك و فعل. فقالت: يا أهل الكوفة! لا أحسن اللّه صحابتكم. فلقد قتلتم جدي عليا و عمي الحسن و أبي الحسين و بعلي مصعبا.

فأيتمتموني صغيرة و آيمتموني كبيرة. فلا أحسن اللّه عليكم الخلافة و لا رفع عنكم السوء.

و قال عمر بن الخطاب: أعضل بيّ أهل الكوفة ما يرضون بأمير، و لا يرضاهم (أمير) و لا يصلحون لأمير و لا يصلح لهم.

و يروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، بلغه عن أهل الكوفة خصب و قيل له: ما تقول في الضب و النون يجتمعان في سفود؟ فقال إنكم لتنعتون أرضا برية بحرية. و أعجبه ذلك فقال: ما أراني إلّا سآتيهم فآمرهم بمعروف. فكتب إليه كعب: يا أمير المؤمنين لا تعجل فإنه بلغني أن بها الداء العضال و بها تسعة أعشار الشر. و بلغني أنه كان إذا كل شي‏ء يتكلم اجتمع ثمانية أشياء في واد: الإيمان و الحياء و الهجرة و الموت و الغناء و العيّ و الشقاء و الصحة. فقال بعضهم لبعض:

تعالوا نتفرق في الأرض. فقال الإيمان: أنا ألحق بأرض اليمن. فقال الحياء: أنا معك. قالت الهجرة: أنا ألحق بأرض الشام. قال الموت: و أنا معك. قال الغنى:

أنا ألحق بأرض العراق. قال التقى: أنا معك. قالت الصحة: ما تركتم لي شيئا من البلاد إلّا و قد أخذتموه، فأنا ألحق بالبرية. قال الشقاء: و أنا معك.

و قالوا: السدير ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب.

و عيون‏ (1) الطف منها مثل عين الصيد و القطقطانة و الرهيمة و عين جمل و ذواتها، و بها عيون كانت للموكّلين بالمسالح التي وراء خندق سابور الذي حفره بينه و بين العرب و غيرهم. و ذلك أن سابور أقطعهم أرضها فاعتملوها من غير أن يلزمهم خراجا. فلما كان يوم ذي قار و نصر اللّه العرب بنبيه (صلى اللّه عليه و سلم)، غلبت العرب على‏

____________

(1) من هنا إلى آخر الفصل هذا و هو المتعلق بالكوفة موجود بنصه في فتوح البلاذري ص 296- 297. و (عين الرحمة) الواردة هنا هي (عين الرحبة) لدى البلاذري. و (عيون تدعى الغرق) في البلاذري (تدعى العرق).

226

طائفة من تلك العيون و بقي بعضها في أيدي الأعاجم. ثم لمّا قدم المسلمون الحيرة و هربت الأعاجم بعد أن طمّت عامة ما كان في أيديها منها و بقي الذي في أيدي العرب. فأسلموا عليه، و صار ما عمروه من الأرض [4 ب‏] عشرا. و لما انقضى أمر القادسية و المدائن دفع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون إلى المسلمين و أقطعوه، فصارت عشرية أيضا.

و كان مجرى عيون الطف و أرضها مجرى أعراض المدينة و قرى نجد.

و كانت صدقتها على عمال المدينة. فلما ولي إسحاق بن إبراهيم بن مصعب السواد للمتوكل ضمها إلى ما في يده. فتولى عمالة عشرها و صيرها سوادية. فهي على ذلك إلى اليوم. و قد استخرجت فيها اليوم عيون إسلامية تجري ما عمرتها من الأرضين هذا المجرى.

و سألت بعد المشايخ عن عين جمل لم سميت بهذا الاسم؟ فذكر أن جملا مات عندها فنسبت العين إليه.

و ذكر بعض أهل واسط أن المستخرج لهذه العين يسمى جملا. قال:

و سميت عين الصيد لأن السمك كان كثيرا جدا فيها، فيصطاد فسميت بهذا الاسم.

و كانت عين الرحمة مما طمّتها و غوّرتها الأعاجم. فيقال إن رجلا من أهل كرمان اجتاز بها و هو يريد الحج. فنظر إليها- و كان بصيرا باستنباط المياه- فلما قضى حجه و رجع، أتى عيسى بن موسى فدلّه عليها و قال أنا أستنبطها لك. فكاتب السلطانيّ في أن يقطعه إياها و أرضها، ففعل. و استخرجها له الكرماني فاعتمل ما عليها من الأرض و غرس النخل الذي في طريق العذيب. و على فراسخ من هيت عيون تدعى الغرق تجري لهذا المجرى و أعشارها إلى صاحب هيت‏

.

227

القول في البصرة

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى‏ (1): سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة رخوة. و البصرة: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض. قال ذو الرمة:

[تداعين باسم الشيب في متثلّم‏] (2)* * * جوانبه من بصرة و سلام‏

و قالوا: سميت البصرة لأنه كان فيها حجارة سود بصرة. و قال محمد بن شرحبيل بن حسنة إنما سميت البصرة لأن فيها حجارة سوداء صلبة و هي البصرة.

قال خفاف بن ندبة:

إن تلك جلمود بصر لا أوبّسه‏* * * أوقد عليه فأحميه فينصدع‏

و قال الطرماح: [5 أ]

مؤلّفة تهوي جميعا كما هوى‏* * * من النيق فوق البصرة المتطحطح‏

و قال نافع بن كلدة: كان عمر بن الخطاب قد همّ أن يتخذ للمسلمين مصرا.

و كان المسلمون قد غزوا من قبل البحرين و توّج و نوبندجان و طاسان. فلما فتحوها كتبوا إليه: إنّا وجدنا بطاسان مكانا لا بأس به: فكتب إليهم: إن بيني و بينكم دجلة فلا حاجة لي في كل شي‏ء بيني و بينه دجلة أن تتخذوه مصرا. فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال: يا أمير المؤمنين. إني مررت بمكان دون دجلة فيه قصر و فيه ديادبة الأعاجم يقال له الخريبة و يسمى أيضا البصيرة. بينه و بين دجلة

____________

(1) لأبي عبيدة كتابان في البصرة (فهرست ابن النديم 59).

(2) زيادة من لسان العرب (بصر).

228

أربعة فراسخ له خليج يجري فيه الماء إلى أجمة قصب. فأعجب ذلك عمر فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث بن كلدة. و أبو بكرة و زياد. فلما خرجوا قالت لهم أختهم: احملوني معكم. فحملوها. قال: فلما بصر بنا الديادبة (1) خرجوا هرّابا و جئنا فنزلنا القصر. فقال عتبة: ارتادوا لنا شيئا نأكله.

قال: فدخلنا الأجمة فإذا زنبيلان في أحدهما تمر و في الآخر أرز بقشره. فجبذناهما حتى أدنيناهما من القصر و أخرجنا ما فيهما. فقال عتبة هذا سمّ أعدّه لكم العدو- يعني الأرز- فلا تقربنه. فأخرجنا التمر و جعلنا نأكل منه. فإنّا لكذلك إذا نحن بفرس قد قطع. قيادة فأتى ذلك الأرز يأكل منه. فلقد رأيتنا نسعى إليه بشفارنا نريد ذبحه قبل أن يموت. فقال صاحبه أمسكوا عنه. احرسه الليلة فإن أحسست بموته ذبحته. فلما أصبحنا إذا الفرس يروث لا بأس عليه. فقالت أختي: يا أخي. إني سمعت أبي يقول إن السمّ لا يضر إذا نضج. فأخذت من الأرز تطبخه و جعلت توقد تحته ثم نادت: ألا إنّه يتفصّى عن حبيبة حمراء. ثم قالت: قد جعلت تكون بيضاء. فما زالت تطبخه حتى أنماط قشره فألقيناه في الجفنة. فقال عتبة: اذكروا اسم اللّه عليه و كلوه. فأكلوا منه فإذا هو طيب. قال [5 ب‏]: فجعلنا بعد نميط عنه قشره و نطبخه. فلقد رأيتني بعد ذلك و ما أجد منه شيئا إلّا و أنا أعدّ لولدي منه.

ثم إنّا التأمنا فبلغنا ستمائة رجل و ست نسوة إحداهن أختي. فقلنا ألا نسير إلى الأبلة فإنها مدينة حصينة، فسرنا إليها و معنا العنز (2) و عليها الخرق و سيوفنا.

و جعلنا للنساء رايات على قصب و أمرناهنّ أن يثرن التراب وراءنا حين يرون أنّا قد دنونا من المدينة. فلما دنونا منها صففنا أصحابنا. قال: و فيها ديادبتهم و قد أعدوا السفن في دجلة. فخرجوا علينا في الحديد مسومين لا ترى منهم إلّا الحذق.

قال: فو اللّه، ما خرج آخرهم حتى [رجع‏] (3) بعضهم على بعض قتلا. و ما قتلوا هم‏

____________

(1) ديدبان: فارسية معناها الراصد أو المراقب الذي يوضع في المسالح لرصد ما يحدث و إخبار المركز العسكري بذلك. و قد جمعها المؤلف جمع تكسير.

(2) العنز: جمع عنزة و هي أطول من العصا و أقصر من الرمح و في رأسها زج (ياقوت: البصرة).

(3) زيادة من ياقوت.

229

أنفسهم كان أكثر. و نزلت الديادبة فعبروا إلى الجانب الآخر. و انتهى إلينا النساء.

و قد فتح اللّه علينا و دخلنا المدينة و حوينا متاعهم و أموالهم و سألناهم ما الذي هزمكم من غير قتال؟ فقالوا: عرّفتنا الديادبة أن كمينا لكم قد ظهر و علا رهجه- يريدون النساء في إثارتهن التراب- قال: فاستعمل عتبة بن غزوان زيادا على قسمة الغنائم و جمعها. و رزقه كل يوم درهما. و استجمع الناس و أقبلت أعاريب بني تميم و بكر بن وائل إلينا فصرنا ثلاثة آلاف في الديوان. فتزوجنا فكان أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبي بكرة.

ثم قدم عتبة بن غزوان على عمر فأعلمه بما فتح اللّه عليه. فأرسل مكانه المغيرة بن شعبة فسار بنا فافتتح الفرات و ميسان و دستميسان و أبرقيان. ثم وجّه مكانه أبا موسى الأشعري.

و في بعض الجند إن أول من اختط البصرة عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. و كانت تسمى يومئذ أرض الهند. فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص أن حطّ قيروانك بالكوفة و ابعث عتبة بن غزوان إلى أرض الهند، فإن له من الإسلام مكانا، و قد شهد بدرا- و البصرة يومئذ تسمى أرض الهند- فينزلها و يتخذها المسلمون قيروانا. و لا تجعل [6 أ] بيني و بينك بحرا. فدعا سعد بعتبة فأخبره بكتاب عمر فأجاب. و خرج من الكوفة في ثمانمائة رجل، فسار حتى نزل البصرة و ضرب قيروانه و ضرب المسلمون أخبيتهم. و كانت خيمة عتبة من أكسية.

ثم رماه عمر بالرجال. فلما كثروا بنى رهط منهم فيها سبع دساكر من لبن. منها في الخريبة اثنتان و في الأزد اثنتان‏ (1). و في الزابوقة واحدة. و في بني تميم اثنتان.

و كان ذلك في سنة سبع عشرة.

و قال أبو عبيدة في روايته: الذي بصّر البصرة لعمر بن الخطاب عتبة بن غزوان كتب إلى عمر: لا بد للمسلمين من منزل إذا شتوا، شتوا فيه. و إذا رجعوا

____________

(1) في الأصل (سبعة دساكر ... في الخريبة اثنان و في الأزد اثنان)

230

من غزوهم سكنوا فيه. فكتب إليه عمر: أن أوتد لهم منزلا قريبا من المراعي و الماء و اكتب إليّ بصفته. فكتب إلى عمر: إني قد وجدت أرضا كثيرة القضّة (1) في طرف البر إلى الريف و دونها مناقع فيها ماء و فيها قصباء. فلما قرأ عمر كتابه قال: هذه أرض بصرة قريبة من المشارب و المراعي و المحتطب. و كتب إليه أن أنزلها. فنزلها و بنى مسجدها من قصب و بنى دار إمارتها دون المسجد في الرحبة التي يقال لها رحبة بني هاشم و كانت تسمى الدهناء، و فيها السجن و الديوان و حمام الأمراء بعد ذلك لقربها من الماء. فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب ثم حزموه و وضعوه حتى يعودوا من الغزو. فإذا عادوا أعادوا بناءه. فلم يزل كذلك حتى استعمل عمر أبا موسى الأشعري و عزل المغيرة بن شعبة فبنى المسجد بلبن و كذلك دار الإمارة. فلم تزل على تلك الحال. فكان الإمام إذا أراد أن يصلي تخطّى الناس حتى ينتهي إلى القبلة. فلما استعمل معاوية زيادا على البصرة، قال زياد: لا ينبغي للأمير أن يتخطى رقاب الناس. و لكني أحول دار الإمارة إلى قبلة المسجد. فحوّل دار الإمارة من الدهناء و زاد في المسجد زيادة كثيرة و بنى دار الإمارة باللبن و بنى المسجد بالجص و الآجر و سقفه [6 ب‏] بالساج. فلما فرغ من بنائه جعل يطوف فيه و ينظر إليه و معه وجوه أهل البصرة. فقال: هل ترون خللا؟ قالوا: لا نعلم بناء أحكم منه. قال: بلى، هذه الأساطين التي على كل واحدة أربعة (2) عقود، لو كانت أغلظ من سائر الأساطين كان أحكم لها.

و قال أبو عبيدة عن يونس: و لم يؤت منهن قط صدع و لا ميل و لا عيب.

و قال حارثة بن بدر الغداني:

بنى زياد لذكر اللّه مصنعة* * * بالصخر و الجصّ لم يخلط من الطين‏

لو لا تعاور أيدي الرافعين له‏* * * إذا ظنّناه أعمال الشياطين‏

و جاء بسواريه من الأهواز. و كان ولي بناءه الحجاج بن عتيق الثقفي.

____________

(1) القضة: حصى صغار مكسرة (أساس).

(2) في الأصل: أربع.

231

فظهرت له أموال و حال لم تكن قبل. ففيه قيل: حبذا الإمارة و لو على الحجارة.

و الذي اختط أيام عتبة بن غزوان مسجد البصرة حجر بن الأوزع أمره عتبة بن غزوان بذلك. و كان المنبر في وسط المسجد فأول من حوّله إلى القبلة زياد. و كان في جانب المسجد الشمالي منزويا، و ذلك أنه كان دارا لنافع أخي زياد أبي أن يبيعها، فلم تزل على تلك الحال حتى ولى معاوية عبيد اللّه بن زياد البصرة. فقال عبيد اللّه لبعض وكلائه: إذا شخص عبد اللّه بن نافع إلى أقصى ضيعة له فأعلمني، فشخص إلى قصره الأبيض. فأعلمه ذلك. فبعث فهدم الدار و أخذ في بناء الحائط الذي يستوي به تربيع المسجد. و قدم عبد اللّه بن نافع فضجّ. فقال: إني أثمّن لك و أعطيك مكان كل ذراع خمسة أذرع وادع لك خوخة في حائطك إلى المسجد و أخرى في غرفتك. فرضي. فلم تزل الخوختان في حائطه حتى زاد المهدي فيه ما زاد. فدخلت الدار كلها في المسجد ثم دخلت دار الإمارة كلها في المسجد. أمر بذلك الرشيد.

و لما قدم الحجاج خبّر ان زيادا بنى دار الإمارة بالبصرة. فأراد أن يذهب ذكر زياد [7 أ] منها فقال: ابنيها بالآجرّ. فهدمها. فقيل له: إنما غرضك أن تذهب ذكر زياد فما حاجتك إلى أن تعظم النفقة و ليس يزول ذكر زياد عنها؟ فتركها مهدومة.

قال يونس‏ (1): فعامّة التي حولها إنما بنيت من طينها و جمع أبوابها. فلم تكن للأمراء دار ينزلونها حتى قام سليمان بن عبد الملك فاستعمل صالح بن عبد الرحمن على خراج العراقين. فقال له صالح: إنه ليس بالبصرة دار إمارة، و حدثه بحديث الحجاج. فقال له سليمان: أعدها. فأعادها بالآجر و الجص على أساسها الذي كان و رفع سمكها. فلما أعادوا أبوابها عليها قصرت. فلما مات سليمان و قام عمر بن عبد العزيز استعمل عدي بن أرطاة على البصرة، فبنى فوقها غرفا. فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه: هبلتك أمك يا ابن أم عدي! أ تعجز عنك مساكن وسعت زيادا و ابن زياد؟ فأمسك عدي عن بنائها.

____________

(1) هو يونس بن حبيب (ابن النديم 47).

232

فلما قدم سليمان بن علي البصرة عاملا للسفاح أنشأ فوق البناء الذي كان عدي أراد أن يجعله غرفا، بناه بطين. ثم إنه تحول إلى المربد.

فلما قدم الرشيد هدمها و أدخلها في قبلة المسجد. فليس اليوم للأمراء بالبصرة دار إمارة.

و قال الواقدي: أنشئت البصرة سنة سبع عشرة من التاريخ، قبل الكوفة بسنة و أشهر. و أول مولود ولد بالبصرة في الإسلام، عبد الرحمن بن أبي بكرة فنحر عليه أبوه جزورا، فكفت أهل البيت و ذلك لقلتهم يومئذ. و أبو بكرة أول من غرس النخل بالبصرة و قال هذه أرض نخل ثم غرس الناس من بعده.

و قال هشام بن الكلبي: أول دار بنيت بالبصرة دار نافع بن الحارث ثم دار معقل بن يسار المزني. و كان عثمان بن عفان أخذ دار عثمان بن العاص الثقفي بالمدينة و كتب أن يعطى أرضا بالبصرة. فأعطي أرضه المعروفة بشاطئ عثمان حيال الأبلة و كانت سجنة فاستخرجها و عمرها و إليه تنسب [7 ب‏].

[و أول حمام اتخذ بالبصرة حمام عبد اللّه بن عثمان بن أبي العاص و هو موضع بستان سفيان بن معاوية الذي بالخريبة. ثم الثاني، حمام فيل مولى زياد ثم الثالث حمام مسلم بن أبي بكرة، و حمام منجاب ينسب إلى منجاب بن راشد الضبي. و قال الشاعر:

يا ربّ قائلة يوما و قد لغبت‏* * * كيف الطريق إلى حمّام منجاب‏

و قصر أنس بالبصرة ينسب إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قدم الأحنف بن قيس على عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين إنّ مفاتيح الخير بيد اللّه و إن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية، بين المياه العذبة و الجنان الملتفّة، و إنّا نزلنا أرضا نشّاشة، لا يجفّ ثراها، و لا ينبت مرعاها، ناحيتها من قبل المشرق البحر الأجاج، و من قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع و لا ضرع، تأتينا منافعنا و ميرتنا في مثل مري‏ء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين، و تخرج المرأة كذلك فتربق ولدها كما يربق‏

233

العنز، تخاف بادرة العدوّ و أكل السبع، فإلّا ترفع خسيستنا و تجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا، فألحق عمر ذراريّ أهل البصرة في العطاء، و كتب لهم إلى أبي موسى يأمره أن يحفر لهم نهرا.

فحدث جماعة من أهل البصرة قالوا: كان لدجلة العوراء- و هي دجلة البصرة- خور، و الخور طريق للماء لم يحفره أحد يجري إليها فيه ماء الأمطار، و يتراجع ماؤها فيه عند المدّ، و ينضب في الجزر، و كان طوله قدر فرسخ، و نهر الإجّانة احتفره أبو موسى و قاده ثلاثة فراسخ حتى بلغ به البصرة، فكان طول نهر الأبلّة أربعة فراسخ، ثم إنه انطمّ منه ما بين البصرة و بثق الحيريّ، و ذلك على قدر فرسخ من البصرة، فلمّا شخص ابن عامر إلى خراسان استخرج زياد نهر أبي موسى، فرجع ابن عامر و غضب عليه و تباعد ما بينهما و قال: إنما أردت أن تذهب بذكر النهر دوني.

و كانت البصرة أيّام خالد بن عبد اللّه طولها فرسخان‏ (1) و عرضها فرسخان‏ (1).

و تذاكروا عند زياد البصرة و الكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن يدلّني عليها، و قال ابن سيرين: كان الرجل منّا يقول: غضب اللّه عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة و ولّاه الكوفة، و قال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا و عاجا و ديباجا و نهرا عجّاجا و خراجا، و أنشد لابن أبي عيينة في البصرة:

يا جنّة فاقت الجنان فما* * * يبلغها قيمة و لا ثمن‏

ألفتها فاتّخذتها وطنا* * * إنّ فؤادي لحسنها وطن‏

و قالوا: بالبصرة أربع بيوتات ليس بالكوفة مثلها: بيت بني المهلّب، و بيت بني مسلم بن عمرو الباهليّ من قيس، و بيت بني مسمع من بكر بن وائل، و بيت آل الجارود من عبد القيس، و دخل فتى من أهل المدينة البصرة فلمّا انصرف قالوا:

كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد اللّه للجائع و الغريب و المفلس، أما الجائع‏

____________

(1) في الأصل: طولها فرسخين و عرضها فرسخين.

234

فيأكل خبز الأرزّ و الصّحناء و لا ينفق في الشهر إلّا درهمين، و أما الغريب فيتزوّج بشقّ درهم، و أما المحتاج فلا عيلة عليه ما بقيت استه يخرأ و يبيع. و قالوا:

بالبصرة ستّة ليس بالكوفة مثلهم: الحسن البصريّ، و الأحنف، و طلحة بن عبد اللّه، و ابن سيرين، و مالك بن دينار، و الخليل بن أحمد.

و بنى زياد بالبصرة دار الرزق، و حفر نهر الأبلّة و نهر معقل، و بنى داره، و بنى البيضاء و الحمراء فلم يضافا إليه، و بنى سكّة فأسكنها أربعة آلاف من البخاريّة فقيل سكّة البخاريّة فأضيفت إليهم، و بنى سبعة مساجد فلم يضف إليه شي‏ء منها:

مسجد الأساورة، و مسجد بني عديّ، و مسجد بني مجاشع، و مسجد حدّان، و كلّ مسجد بالبصرة كانت رحبته مستديرة فإنه من بناء زياد، و كلّ الذي بنى فيها أو صنع فإنه نسب إلى غيره مثل: مسنّاة مصعب، و نهر عديّ و نهر بلبل، و باب الأصفهانيّ، و حفيرة مطيع، و قصر ابن عمّار، و حمّام سياه، و حمّام فيل، و حمّام منجاب، و قصر أوس، و باب عثمان، و مقبرة حصن، و مقبرة بني شيبان، و نهر مرّة، و نهر بشّار.

و بنى عبيد اللّه بن زياد داره بها و فيها باب إلى السكّة التي تنفذ إلى سكّة اصطفانوس، و باب آخر إلى السكّة التي تعرف بالبخاريّة، و بالبصرة دور كثيرة كانت لمواليهم فأضيفت إلى دينارزاذ و دينار بنده، و لهم دار عجلان و دار القطن و نهر والس و نهر شيطان.

و دخل بعض الدهاقين البصرة فرأى ما اجتمع فيها فقال: قاتلك اللّه فو اللّه ما صرت هكذا حتى أخربت بلادا و بلادا.

و قال ابن الأهتم البصريّ: يأتيها ما يأتيها عفوا صفوا، و لا يخرج منها إلّا سائق أو ناعق أو قائد. و قالوا: أبعد الناس نجعة في الكسب بصريّ و خوزيّ، و من دخل فرغانة القصوى و السوس الأقصى فلا بدّ من أن يرى بها بصريّ أو خوزيّ أو حيريّ.

و أهدي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) طبق من تمر، فجعل يأكل منه البرنيّ و القريثاء

235

ثم قال: اللهمّ إنك تعلم أني أحبّهما فأنبتهما في أحبّ البلاد إليك، و اجعل عندهما آية بيّنة،

قال الحسن: فو اللّه ما أعلمهما في بلد أكثر منهما بالبصرة، و قد جعل اللّه عزّ و جلّ عندها آية بيّنة المدّ و الجزر.

و قال عليّ بن محمّد المدائنيّ: وفد خالد بن صفوان على عبد الملك بن مروان فوافق عنده وفد جميع الأمصار، و قد اتّخذ مسلمة مصانع له، فسأل عبد الملك أن يأذن لهم بالخروج معه إلى تلك المصانع فأذن لهم، فلمّا نظروا إليها أقبل مسلمة على وفد أهل مكة فقال: يا أهل مكّة هل فيكم مثلها؟ قالوا: لا، إلّا أن فينا بيت اللّه المستقبل. ثم قال لوفد المدينة: هل فيكم مثل هذا؟ قالوا: لا، إلا أن فينا قبر نبيّ اللّه المرسل. ثم أقبل على وفد الكوفة فقال: هل فيكم مثلها؟

فقالوا: لا، إلّا أن فينا تلاوة القرآن العظيم. ثم أقبل على وفد البصرة فقال: هل فيكم مثل هذا؟ فتكلم خالد بن صفوان فقال: أصلح اللّه الأمير إن هؤلاء أقرّوا على بلادهم، و لو أن عندك من له خبرة ببلادهم لأجاب عنهم قال: أ فعندك في بلادك غير ما قالوا؟ قال: نعم، أصف لك بلادنا قال: هات. قال: يغدو قانصانا فيجي‏ء هذا بالشبّوط و الشيم، و يجي‏ء هذا بالطير و الظليم، و نحن أكثر الناس عاجا و ساجا و خزّا و ديباجا و برذونا هملاجا و خريدة مغناجا، بيوتنا الذهب، و نهرنا العجب، تمام هذا الخبر في باب افتخار الشاميّين على البصريّين، و فضل الحبلة على النخلة] (1).

و نحن قتلنا أحمرا في جموعه‏* * * و قد كان قتّال الكماة مظفّرا (2)

غداة علا الإسكاف بالسيف رأسه‏* * * فخرّ صريعا لليدين معفّرا

و كان ابن سيرين يقول: تكون فتنة أعفى الناس فيها أهل البصرة.

و قال رجل لعبد اللّه بن عمرو بن العاص: بلغني أنك تقول البصرة أسرع خرابا. قال: ليس كذاك قلت. إنما قلت هي أبطأ الأرض خرابا، لأنها أقومها

____________

(1) إلى هنا ينتهي المقطع الذي نقلناه عن المختصر و هو غير موجود في النسخة الأصل.

(2) حدث في المخطوط قطع، ثم بدأ مرة أخرى بهذين البيتين.

236

قبلة، و هي حيال البيت و المقام و الحجر و زمزم. فهي أبطأها خرابا.

و قال أبو بكر (رحمه اللّه): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ينزل ناس من أمتي غائطا من الأرض يقال له البصرة أو البصيرة، لها نهر يقال له دجلة يعقد عليه جسر و هو من أمصار المهاجرين، و يكثر أهله.

و قال كعب الأحبار: وجدت في كتب اللّه المنزلة إن بالبصرة كنز اللّه أربعون ألفا يردّون الناس إلى المهدي بعد انهزامهم عنه.

قال و حج ابن عمر و حج في ذلك العام ناس كثير من أهل الكوفة و اليمن، و لم يحج من أهل البصرة أحد. فقال ابن عمر: ما بال أهل البصرة؟ قالوا: أصابهم و باء. فقال: أهل البصرة خير من أهل الكوفة.

و قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما رأيت أهل بلد أبكر إلى ذكر اللّه من أهل البصرة.

و قال أبو ظبيان: سمعت ابن عمر، و أتاه رجل فقال: أخبرني عن البصرة فإنه بلغني أنها أول الأرض خرابا. فإن كان كذلك حوّلت أهلي منها. قال: فإنها أبطأ الأرض خرابا.

و مدح عمر بن درّاك أهل البصرة فقال: هم أعظم الناس أخطارا و أكرمهم جوارا و أبعدهم في الأرض آثارا. أهل البصرة أعظم إمرة، و أوسع هجرة، و أعطى للبررة. و هم أعظم أعلاما، و أوفى زماما و أكثر أعلاما، و أجود كفّا، و أحسن عطفا، و أيمن لواء، و أصدق حياء، و أكرم إخاء. صبر تحت الرايات، و أكرم عند البيات.

أهل البصرة أكثر عدة، و أجود عدة، و أكرم سجية، و أقسم بالسوية، و أحسن سياسة للرعية. و أقرب من ورع، و أحضر للجمع، و أقل عند الطمع. أهل البصرة أسمع و أطوع و أرضى و أمنع. و هم أطيب ثمارا، و أكثر أشجارا، و أكرم أنهارا.

و أجزل عطية، و أكرم بقية، و أشد عصبية، و أكثر غنما، و أحسن سلما، و أطيب طعما، و أصدق ثبات، و أكرم هبات، و أقضى للحاجات. و أحسن أخلاقا، و أشد

237

إشفاقا، و أملى رواقا. و أحلم في الغضب، و أصبر في الكرب، و أجمل في الطلب. أهل البصرة أصبر للبلية، و أحمل للرزية، و أكرم خبية. و هم أحمل للديات، و أسرع في الخيرات، و أطعم في الفلوات. و هم أكنز للذهب، و أركب للقتب، و أشهر في العرب. و هم أركب للبحور و أحسن في الأمور، و أصبر في الثغور.

ذم أهل البصرة:

قال كعب لأبي مسلم: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: من أيها؟

قال: من أهل البصرة. قال: إذا رأيت نخلها قد أطعم فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع ذاك؟ قال: فإذا رأيت آجامها قد اتخذت بساتين فاخرج منها. قال: فإن لم أستطع. قال: إذا تطاول أهلها في بناء المدر فاخرج. قال: فإن لم أستطع. قال:

فعليك بضواحيها و إياك و سباخها فإنه سيكون بسباخها خسف.

و قال قتادة: يخسف بالدار و تنجو الدار. و يخسف بالحي و ينجو الحي.

و روي عن أسود العدوي، قال: قال عمر بن الخطاب: أريد أن آتي البصرة فأقيم فيها شهرا. فقال له كعب: لا تأتها (1). فإن بها تسعة أعشار الشر و الداء العضال، و بها تكون الفتن، و فيها يخرج الدجال.

و عن أبي مجلز قال: ائتفكت البصرة مرتين و لتأتفكن الثالثة.

و قال أبو موسى: للبصرة أربعة أسماء، الخريبة و البصيرة و تدمر و المؤتفكة.

و كان كعب الأحبار يقول لتشبعن الضبع من النو (2) في مسجد البصرة و القرى حولها عامرة.

و قال أبو غيلان: البصرة يسلط عليهم القتل الأحمر، و الجوع الأغبر. و أما مصر فينضب [9 ب‏] نيلها.

____________

(1) في الأصل: لا تأتيها.

(2) كذا في الأصل.

238

و كان ابن عمر يقول: البصرة أسرع أرض اللّه خرابا، و أخبثه ترابا. قيل: فما بال الكوفة؟ قال: يأتي اللّه بأمره إذا شاء.

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول‏ لتغرقنّ البصرة أو لتحرقن إلّا بيت مالها و مسجدها.

و قال عبد اللّه الضبعي: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: ويحك يا بصرة لتغرقن أو لتحرقن حتى يرى بيت مالك و مسجدك كجؤجؤ سفينة (1).

و قال قتادة: لتحرقن البصرة و أهلها كثير. قيل له: و كيف ذلك؟ قال: يظهر منافقوها على مؤمنيها فيخرجون منها رجالا و ركبانا. و أنشد لمحمد بن حازم:

ترى البصري ليس به خفاء* * * لمنخره من النتن انتشار

ربا بين الحشوش و شبّ فيها* * * فمن ريح الحشوش به اصفرار

يعتّق سلحة كيما يغالي‏* * * به عند المبايعة التجار

و لما افتتح أمير المؤمنين (عليه السلام) البصرة ارتقى منبرها فحمد اللّه و أثنى عليه. ثم قال: يا أهل البصرة! يا بقايا ثمود و يا جند المرأة و يا أتباع البهيمة. رغا فاتّبعتم، و عقر فانهزمتم. دينكم نفاق، و أخلاقكم رقاق، و ماؤكم زعاق. يا أهل البصرة و البصيرة و السبخة و الخريبة! أرضكم أبعد الأرض من السماء، و أقربها من الماء، و أسرعها خرابا و غرقا (2).

و كان خالد بن ميمون يقول: البصرة أشد الأرض عذابا، و أسرعه خرابا و شره ترابا.

و سأل الحجاج بن يوسف، ابن القرية عن البصرة فقال: حرّها شديد، و خيرها بعيد. و ماؤها ملح، و حربها صلح. مأوى كل فاجر، و طريق كل عابر.

و كان الأوزاعي يقول: نظرت فيما اختلف فيه العلماء من أهل البلدان و فتنوا

____________

(1) نهج البلاغة 56.

(2) نهج البلاغة 55.

239

به، فرأيت أهل البصرة قد فتنوا بخصلتين: الخضخضة و القدر. و فتن أهل الكوفة بخصلتين: شرب المسكر و تأخير السحور. و فتن أهل الشام بخصلتين: طاعة [10 أ] الظلمة، و أخذ الجوائز، و فتن أهل مكة بخصلتين: تزويج المتعة و الدرهم بالدرهمين. و فتن أهل المدينة بخصلتين: حب السماع و إتيان النساء في الأدبار.

و قال ابن شبرمة لأهل البصرة: لنا أحلام ملوك المدائن، و سخاء أهل السواد، و ظرف أهل الحيرة. و لكم سفه السند و بخل الخوز و حمق أهل عمان.

و قال ابن شوذب: أول منبر يصعده الدجال منبر البصرة فيقول: أيها الناس من كان غنيا زدناه، و من كان فقيرا موّلناه.

و قال عبد اللّه بن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، و إذا كثرت السبائية (1) بالكوفة ائتفكت بأهلها.

و استشار رجل ابن مسعود في سكون البصرة فقال له: إن كنت لا بدّ فاعلا، فاسكن رابيتها و لا تسكن سبختها فإنه قد خسف بها مرة، و سيخسف بها أخرى.

و الخسف الذي كان بها، أنه كان بها خمسة حكّام أسماؤهم: جائر و جابر و خاطئ و مخطي و حمّال الخطايا. فخرج رجل معه امرأة له حامل على حمار له حتى أتاها، فلما دخلها منعه جائر و قال: لا تدخل حتى تؤدي درهمين. فأخذ منه درهمين. فتظلم و قال: أنا رجل فقير و قد أخذ مني درهمان‏ (2). فما أحد يعديني على من أخذهما مني؟ فقالوا: بلى، جابر. فأتاه فشكا إليه. فقال له هات أربعة دراهم. فأخذها منه مكرها. فأتى خاطئ يشكوهما إليه، فقال: هات ثمانية دراهم. فأخذها منه فأتى مخطئ فقال: هات ستة عشر درهما. فقال أنا إنسان مسكين لا شي‏ء لي. فضربه و ضرب امرأته حتى أسقطت، و قطع ذنب حماره. فأتى حمال الخطايا فشكا إليه ما حلّ به من إسقاط امرأته و قطع ذنب حماره. فقال‏

____________

(1) في الأصل: السبابية.

(2) في الأصل درهمين.

240

لأصحابه: انكحوا امرأته حتى تحبل، و اعملوا على حماره حتى ينبت ذنبه.

فخسف اللّه بها.

و يروى‏ أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما دخل البصرة صعد المنبر و خطب و قال في خطبته: يا أهل البصرة! إن اللّه لم يقسم خيرا [10 ب‏] لأحد من أهل الأرض إلّا و قد جعل فيكم أكثر منه. فعابدكم أعبد الناس، و قارئكم أقرأ الناس.

غير أن حكم اللّه فيكم و فيمن مضى قبلكم جائز بقوله عزّ من قائل‏ وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً و اللّه، ما ابتدأتكم بما ابتدأتكم به من المدح رغبة مني لما في أيديكم.

غير أني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: أما علمت أن جبريل (عليه السلام) حمل جميع الأرضين على منكبه الأيمن فأتاني بها. ألا و إني وجدت البصرة أبعد بلاد اللّه من السماء و أقربها من الماء و أخبثه ترابا و أسرعه خرابا، ليأتينّ عليها يوم لا يؤتى منها إلّا شرفات مسجدها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر، فقال المنذر بن الجارود: و لذاك يا أمير المؤمنين، و ممّ ذاك؟ قال: إذا رأيتم آكامها خدورا، و آجامها قصورا، فلا بصرة، ثم قال: كم بينكم و بين أرض يقال لها الأبلّة؟ قالوا:

أربعة فراسخ. فقال: صدقني و الذي عجّل روحه إلى الجنة و أكرمه بالنبوة فقال: يا علي أما علمت أن بين البصرة و بين أرض يقال لها الأبلة أربعة فراسخ، يكون في ذلك الموضع العشور، ينبغي أن يقتل فيه سبعون ألفا هم نظراء قتلى بدر، فقيل و من يقتلهم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخوان الجنّ، إخوان الجنّ، ثم قال: ويحك يا بصرة! ويحا لك من جيش لا غبار له. قيل: يا أمير المؤمنين ما الويح؟ قال:

الويح و الويل بابان، فالويح رحمة و الويل عذاب.

مجلس الكوفيين و البصريين عند المأمون‏ (1)

كان المأمون يوما جالسا و عنده نفر من خاصته و ذوي المنزلة عنده. فأفاض معهم في الحديث ثم قال: قد قرأت القرآن فحفظته و سمعت الحديث و علمت‏

____________

(1) عن مفاخرة البصرة و الكوفة و البصريين و الكوفيين انظر أيضا مروج الذهب 3: 330- 331.

241

الأدب و ناظرت المتكلمين، فلم يبق شي‏ء من العلم إلّا و قد كشفت ظاهره و فتشت باطنه [11 أ] إلّا ما يتنازع فيه أهل الكوفة و البصرة، من فخر بعضهم على بعض.

و قد أحببت أن تتكلموا في ذلك حتى أسمعه.

فقال هشام‏ (1): أيّد اللّه أمير المؤمنين. ما زلنا نسمع أن أهل البصرة أبعد في الأرض آثارا و أكثر فتوحا و أبلغ خطيبا و أكثر أدبا، و البصرة قبل الكوفة.

قال الحجاج بن خيثمة: أبقى اللّه أمير المؤمنين، و كيف يكون أهل الكوفة أشرف من أهل البصرة و عندنا من معايبهم و الطعن عليهم ما لو سمعه أمير المؤمنين لعجب منه و سيّما ما صنف فيهم شيخ لأهل البصرة يكنونه أبا عبيدة؟

فقال أحمد بن يوسف‏ (2): أيد اللّه أمير المؤمنين، أبو عبيدة و أهل البصرة كما قال الفرزدق:

جرير و قيس مثل كلب و ثلّة* * * يبيت حواليها يطوف و ينبح.

و أبو عبيدة يهودي من يهودهم كان قال لأبيه موزجير اليهودي ليس له قديم و لا حديث و لا أول و لا آخر. عاب أنسابهم و تناول أحسابهم و شتم الأمهات و الآباء و ذكر الأخوة و الأخوات، و عاش بينهم سبعين سنة يشتم أعراضهم و ينتهك أحسابهم.

فقال أحمد بن هشام: أنتم لا تعتدون على أهل البصرة أنهم عابوكم و لا شتموكم بأكثر من قول أبي عبيدة. فإن أردتم الانتقام فليكن ذلك فيه، لأن اللّه عزّ و جلّ يقول‏ وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ‏.

فقال المأمون: قد كنت أعلم أن عندكم اختلافا و افتخارا. و لم أكن أحسبه بلغ هذا، و الكلام كثير، و قد رأيت أن يدلي كل فريق بحجته و يكتبه كاتب حفيظ.

____________

(1) هو أحمد بن هشام أحد أفراد حاشية المأمون، و كان على شرطة طاهر بن الحسين. (الطبري 8: 391 و ابن الأثير 6: 242).

(2) أحمد بن يوسف: كاتب المأمون (ابن النديم 135 و اعلام الزركلي 1: 272).

242

فقال الخليل بن هشام‏ (1): اكتبوا ما شئتم و لا تنسوا خذلان علي و قتل الحسين (عليهما السلام).

فقال العباس: لقد أمسكنا عن مساوئكم و قلنا بأحسن ما حضرنا من أمركم، فأتيتم الآن تهيجونا على أنفسكم، كقول الأخطل: [11 ب‏]

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت‏* * * فدلّ عليها صوتها حيّة البحر

قال أحمد بن يوسف: يا أمير المؤمنين. هو أعلم بمآثر الكوفة و مفاخرهم مني. و أنا أعلم بمعايب أهل البصرة و الطعن عليهم منه. فقال: قل ما أحببت.

فقال أحمد: ما شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلّا بالله. إنّا وجدنا أهل البصرة فتقوا في الإسلام فتوقا و ابتدعوا من الضلالة بدعا، و بنوا من الباطل منارا. إثم ذلك في أعناقهم، و عارة باق في أعقابهم. و لو استقصينا القول في ذلك كان كثيرا. و لكنّا نذكر بعض ما لا يجوز تركه، و نترك ما يستغنى عن ذكره. فكان من ذلك: إنهم أول شهود ردت شهادتهم في الإسلام. و هم شبل بن معبد البجلي و نافع بن الحارث و أبو بكرة نفيع بن مسروح‏ (2) حين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فحدّهم عمر بن الخطاب. و منهم أول قسّامة شهدت على زور و باطل، و ذلك عند الجواب حين قالت عائشة رضي اللّه عنها- و قد سمعت نباح كلاب الحوأب: أي مكان هذا؟ فقيل لها الحوأب. فقالت: ردّوني،

فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: أي نسائي تنبحها كلاب الحوأب.

فجاء خمسون شيخا ممن تلقاها من البصريين فحلفوا لها ما هو الحوأب. و منهم أول ساع سعى و غماز غمز و هو أبو

____________

(1) شقيق أحمد بن هشام واحد رجالات دولة المأمون و قادة الجيش، ولي له قم و الجبل و أصفهان و آذربيجان، ثم غضب عليه المأمون و صادر أمواله و سلاحه و قتله بعد ذلك عام 217 ه بعد ما بلغه عن ظلمه و أخذه الأموال .... (ابن الأثير 6: 257، 399، 420، 421).

(2) في الأصل: و أبو بكرة و نفيع. و التصحيح من (عبد اللّه بن سبأ 1: 232) حيث فصّل هذه الواقعة تفصيلا.

243

المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعو الكلابي حين كتب إلى عمر شعرا، يسعى بعماله. يقول فيه:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة* * * فأنت أمين اللّه في الحال و الأمر

فأرسل إلى النعمان و ابن معقّل‏* * * و أرسل إلى حزّى و أرسل إلى نشر

فأرسل إليهم يصدقوك و يخبروا* * * أحاديث مال اللّه ذي العدّ و الدّثر

و قاسمهم نفسي فداؤك إنهم‏* * * سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر

[12 أ] فكانت هذه أول سعاية في الإسلام، و ذلك باق فيهم إلى اليوم.

و منهم أول عمال أقرّوا بالخيانة في الإسلام، لأن عمر قال لهم: إن شئتم فتشتكم و إن شئتم صالحتكم. فقالوا: تصالحنا. فقاسمهم أموالهم. منهم النعمان بن عدي بن نقلة قرشي عدويّ، و عبد اللّه بن معقل المزني و عبد اللّه بن جزي و السعد بن عمر و الأحنف بن قيس و بشر بن المحيص المزني و الحجاج بن عثمان الثقفي.

و منهم أول شهود ردّ شهادتهم حكم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم أخذوا على شهادتهم الجعالة و الرشى. و المنذر بن الزبير و أبو مريم السلولي و غيرهما شهدوا أن أبا سفيان أقرّ عندهم أنه فجر بأم زياد، و زعم أبو مريم أنه هو كان القوّاد الذي جاء بسمية إلى أبي سفيان. فردّ معاوية بشهادة هؤلاء حكم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) (الولد للفراش و للعاهر الحجر). فجعل الحجر للفراش و للعاهر الولد.

و هم أول من تابع إمام هدى ثم خالفوه و نكثوا بيعته و ذلك أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه.

و هم أول من جرى عليه حكم الحرب في الإسلام حين قتلهم اللّه بأيدينا يوم الجمل.

فقال أمير المؤمنين رضي اللّه عنه: لا تتبعوا مولّيا و لا تجيزوا على جريح‏ (1).

و أخذ ما في بيوت أموالهم فقسمه بيننا، فأصاب كل رجل منا خمسمائة

____________

(1) في (الجمل) للشيخ المفيد ص 216 لا تجهزوا على جريح.

244

درهم و في ذلك قال شاعرنا:

فإذا فاخرتمونا فاذكروا* * * ما فعلنا بكم يوم الجمل‏

ابعث الكوفيّ في الخيل و لا* * * تبعث البصريّ إلّا في الثقل‏

و منهم أول من أجار ثم غدر في الإسلام و هو المجاشعي الذي أجار الزبير بن العوام حين انصرف من وقعة الجمل ثم غدر به حتى قتل.

و منهم أول من ارتد عن الإسلام و هم بنو ناجية، تنصروا بعد الإسلام، فبعث إليهم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه [12 ب‏] معقل بن قيس الرياحي فقتل المقاتلة و سبى الذرية.

و منهم من عطّل حدود اللّه و هو عبد اللّه بن عامر بخراسان في خلافة عثمان بن عفان، فقيل له: عطلت الحدود. فقال: أنا أعطيهم مالي و هم يذموني، فكيف لو ضربت ظهورهم؟

و منهم أول من خرج على المسلمين و هم أصحاب عبد اللّه بن عامر بخراسان.

و منهم أول من ردّ

قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) (من انتفى من أبيه فعليه لعنة اللّه)

فكان ذلك زياد و هو منهم.

و هم أول من ردّ

قول النبي (صلى اللّه عليه و سلم) (لا حلف في الإسلام)

فتحالفت الأزد و بكر بن وائل. و كان الذي عقد الحلف مالك بن مسمع. فقال له الأحنف: يا مالك أحلف في الإسلام؟ فقال مالك: أ دعوة في الإسلام و قد قال اللّه ادعوهم لآبائهم؟- يريد أمر زياد.

و منهم أول من انهزم في الإسلام هزيمة محلية و هو سلمة بن زرعة، انهزم من مرداس الخارجي. فصاح به الصبيان في الطرقات: يا سلمة! قد جاء أبو بلال مرداس. فحرد من ذلك. و زاد عليه الأمر حتى أقام في منزله و لم يخرج حتى مات.

245

و منهم أول من عرف بالتطفيل و هو الجارود بن سبرة الهذلي. كان يجي‏ء إلى موائد الأمراء و الأشراف من غير أن يدعوه. و كذلك كان إمام مسجدهم سعيد بن أسعد الأنصاري إذا كانت وليمة سبق إليها.

و منهم أول من أعلن الفاحشة و أقرّ على نفسه بالأبنة و الفضيحة جحشويه‏ (1).

و هم المقدمون على الناس بالحمق، المعروفون بالنوك. منهم هبنقة القيسي و هو الذي يضرب به المثل حتى قيل (أحمق من هبنقة). و كتب عمر إلى عتبة بن غزوان: أما بعد، فاحذر أهل بلدك فإن أكثر أهله تميم و هم بخل. و بكر بن وائل و هم كذب. و إن في الأزد لموقا. فهذا قول عمر فيهم خاصة. و لو كان عرف ذلك في أهل الكوفة لكتب إلى سعد [13 أ] بن أبي وقاص.

و من حمقهم أن أبا خيرة القشيري كان مملقا فخدعه الفرزدق و أمره أن يبيع ابنته من المهلب على أنها وصيفة له: فهيّأها ثم ذهب بها إليه و عرضها عليه، فوقعت بقلبه و استام عليه بها مائة ألف فأخذها منه بما قال. فقال الفرزدق للمهلب: إن أبا خيرة إنما باعك ابنته. قال: كذبت. فأرسل إليه فسأله، فقال نعم، لم أطمع أن أزوّجك فبعتك بيعا حلالا. فوقف على جهله فقال: قد جعلت المائة ألف مهرها. فولدت له محمدا و أبا عيينة.

و من حمقهم ما ذكره الشرقي بن القطامي قال: كان رجل من أهل البصرة جالسا مع امرأته فدعا الحجام ليحجمه، فلما وضع المحاجم على عنقه شرطه و هو غافل، فضرط. فضحكت امرأته. فأخذ السيف و ضرب الحجام فقتله. فصاحت امرأته و اجتمع الناس فأخذ و أتي به عبيد اللّه بن زياد و هو على البصرة. فقال: لم قتلت هذا؟ قال: لأنه يشرط و لا يحذر.

و من حمقهم أن شيخين من الأزد تنازعا في شي‏ء، فقال أحدهما لصاحبه:

و اللّه لو كان غيرك. قال: فأنا غيري. قال: أنت غيرك. قال نعم. فرفع يده و لطم عينه.

____________

(1) انظر عنه الحيوان للجاحظ 4: 181، 6: 261.

246

و من حمقهم أن مصعب بن الزبير لما أراد المسير إلى المختار بعث إلى الأحنف بن قيس بمائة ألف درهم و قال سر معي. فأمر الأحنف بفسطاطه فضرب في العسكر. فبلغ ذلك زبرا جارية الأحنف و كانت صاحبة أمره فقالت: ما أرسل إليّ مصعب شيئا؟ قيل: لا. فجاءت حتى دخلت على الأحنف و بكت ثم قالت:

أبعد قتالك المشركين و مواقفك المحمودة في بلد العدو، تخرج إلى المسلمين و من يطلب بثأر أولاد النبي (عليهم السلام) تقاتلهم؟ قال: صدقت زبرا. قوّضوا (1) فسطاطي. ففعلوا. فبلغ ذلك مصعبا فقال: ما الذي دهاه؟ [13 ب‏] فخبروه بقصة زبرا. فبعث إليها ثلاثين ألف درهم. فجلست بين يدي الأحنف ثم قالت: أمر قد اجتمعت إليه العرب و الأشراف، و يوم من أيامهم المذكورة، له ما بعده، تغيب عنه فيخمل ذكرك و يدرس اسمك؟ قال: صدقت زبرا. أعيدوا فسطاطي، فأعيد.

و من حمق الأحنف أنه جرى بينه و بين الحتات كلام فقال له: إنك لضئيل، و إن أمّك لورهاء، و إن خالك للئيم. فقال له الأحنف: إنك لجلف جاف، و ما فيك من شي‏ء إلّا أنك ابن دارم. اسكت يا دبرة. فطرح الحتات ثيابه بين الناس و قال: هل ترون شيئا؟ فبلغ من حمق الأحنف أنه كذب كذبا كذب به قبل أن يبرح.

و من حمقه: أنّ الحسن بن علي رضي اللّه عنهما كتب إليه يستنصره فقال: قد بلونا حسنا و أبا حسن فلم نجد عندهما ابالة للملك و لا سببا للحرب و لا خيانة للمال الأمر هاهنا- و أشار بيده إلى الشام- فخذّل الناس عن الحسن رضي اللّه عنه.

ثم شخص مع من شخص أمثال الحسين رضي اللّه عنه فقامت ركابه فكان ذلك سبب تخلفه.

و من حمقه: انه حين نزل به الموت قيل له ما تشتهي؟ فلم يقل رحمة اللّه.

و قال: شربة من ماء الغرير. و هو ماء ردي‏ء لبني سعد. فترك ما ينفعه و تمنى ما لا يرجع إليه منه نفع في دنيا و لا آخرة.

____________

(1) قوّضوا: اجمعوا.

247

و سئل قتادة عن الأحنف فقال: كان ممن زفّ سجاح إلى مسيلمة الكذاب.

و من حمق أهل البصرة: ان الحبل لما اضطرب عند موت يزيد بن معاوية، قام عبيد اللّه بن زياد على منبر البصرة فقال: أيها الناس: إنه لا بدّ لكم من إمام يقاتل عدوكم و يجبي فيئكم و يقسم بينكم. فاختاروا رجلا يلي أمركم حتى يصطلح أهل الشام على رجل فتدخلوا في اختيارهم. فقام إليه الأحنف فقال: أنت فكن ذلك [14 أ] الرجل. ثم ضرب يده على يده فبايعه و تتابعوا كلهم على ذلك.

و من حمقهم: ان سفيان بن مسعود بن عمر الأزدي دخل على عبد الملك وافدا من عند الحجاج. فأراد أن يطريه و يعظّم شأنه فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، قد خرينا من خوف الحجاج.

و من حمقهم، ان الثافال البكراوي كان فاجرا خليعا فكان أن فسق برجل كرهنا أن نسميه. و لولا أن جحشويه كشف ذلك على نفسه ما ذكرناه. فخطب الثافال بنت المفعول به، و ظنّ أن تزويجها لا يحلّ له لفسقه بأبيها. فأتى الحسن البصري و هو جالس و الناس عنده فقال: يا أبا سعيد ما تقول في رجل نكح رجلا، أ يحلّ له أن يتزوج ابنته؟ فقال له الحسن: لعلك أردت أنه نكح أمّها؟ قال: لا. أنا أدرى ما سعيت فيه. فأعرض عنه الحسن.

و ليس في الأرض بصري يدخل الكتّاب إلّا و له كرسي يجلس عليه لئلا تأكل الأرض ثوبه.

و من بخلهم أن صاحب باقلي كان في بعض سككهم فأخرجوه و قالوا: تعلّم صبياننا الإسراف و يقتلهم الجوع لأنهم يشترون منك بخبزهم باقليّ.

و أخرجوا غريبا كان نازلا في بعض سككهم فقال لهم: أي شي‏ء أجرمت إليكم؟ قالوا: تأكل اللحم في كل يوم.

و لقي بعضهم صاحبا له: أعرني نعلك إلى الكلأ بتعليق يريد أنه يعلقها بيده و يمشي ليظن الناس أنها منقطعة الشراك.

و ليس في الأرض أهل بلد أطمع و لا أدق أخلاقا و أنظر في الخطر الخسيس‏

248

منهم. فإنهم أول من جعل حب الأرز في الموازين. و أربع حبات أرز، حبة شعير. و لا نعرف ذاك في شي‏ء من البلدان إلّا بلدهم.

و من فضل الكوفة على البصرة: ان ملوك العرب و العجم طافوا الآفاق و اختاروا البلاد فوقع اختيارهم على الكوفة و ما يقرب منها. من ذلك الأنبار نزلها دارا بن دارا و جذيمة الأبرش [14 ب‏]. و منها بابل نزلها بخت نصر و من كان قبله و بعده من الملوك. و منها مدائن كسرى نزلها أردشير بن بابك و من بعده من ملوك فارس إلى يزدجرد. و منها الخورنق نزله بهرام جور و النعمان بن الشقيقة و غيره من ملوك العرب. و منها الحيرة نزلها عمرو بن عدي و ولده بعده إلى عمرو و قابوس ابني المنذر، و النعمان بن المنذر، و إياس بن قبيصة الطائي حتى جاء اللّه بالإسلام.

و إنما كانت البصرة منازل ينزلها الجند مثل منجشان صاحب المنجشانية و من أشبهه من السفلة و الرعاع.

و هم الذين شخصوا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فقال الأحنف يا أمير المؤمنين. إن إخواننا من أهل مصر نزلوا منازل فرعون، و إن إخواننا من أهل الشام نزلوا في منازل ملوك الروم، و إن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا بين حيرة النعمان و مدائن كسرى في مثل حولاء الناقة أو حدقة البعير الغاسقة في جنان خصبة و أنهار عذبة تأتيهم ما يأتيهم من رزقهم غريضا غضا. و إنّا نزلنا في سبخة هشاشة نشاشة زعفة لا يجفّ ثراها و لا ينبت مرعاها عسفتها الفلاة من خلفها و خنقها البحر الأجاج من أمامها، يأتيها ما أتاها في مثل حلقوم النعامة. فلا يزيد من الفخر عليهم بطيب المنازل إلّا بما أقرّ به صاحبهم. و لم يزل أهل البصرة يشربون الماء المالح حتى و ليها عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، فحفر لهم نهرا من البطيحة فهم يسمونه نهر ابن عمر، و فيه يقول بشار في شعر طويل:

لا نشرب الماء إلّا قال قائلنا* * * نعم الأمير، فداه السمع و البصر

روى من العذب ها مات مصرّدة* * * قد كان أزرى بهنّ الملح و الكدر

249

و قال شاعرنا يصف الكوفة و طيب هوائها و أن الشام ارتفعت عنها و البصرة سفلت منها:

سفلت عن برد أرض‏* * * زادها البرد عذابا

و علت عن حر أرض‏* * * تلهب النار التهابا

مزجت حرا ببرد* * * فصفا العيش و طابا

و لم يزل عمال العراق ينزلون الكوفة يرونها [15 أ] عذب ماء و أصفى هواء و أطيب ترابا. و كل الأرض يجعلها اللّه للمسلمين طهورا. و مسجدا إلّا أرض البصرة فإنه ليس يستطيع أحد أن يتيمم و لا يصلي على أرضها لقذرها و فسادها و كثرة سمارها. و ما نزلها من أمراء العراق أحد إلّا الحجاج مديدة ثم تحول إلى واسط. و مسلمة بن عبد الملك أياما حين قتل يزيد بن الأسلت. فأما الكوفة فأكثر الولاة كانوا ينزلونها و يقيمون بها و لا يمضون إلى البصرة إلّا لحادثة تحدث، أو فتق يحذر. كان خالد بن عبد اللّه القسري يسميها الذفراء. و كذلك يوسف بن عمر.

و لما ولى يزيد بن عمر بن هبيرة العراق، لم يختر شيئا على الكوفة و بنى عند قنطرتا مدينة و سماها الهبيرة و هي المعروفة بقصر ابن هبيرة. و لم يزل مقيما بالكوفة حتى جاءت الدولة الهاشمية فتحول إلى واسط.

و من الكوفة ظهرت دولة بني العباس و فيها كان وزيرهم و بها عقد لهم الملك.

و الكوفة بمنزلة العين من الرأس، و البصرة بمنزلة الكراع من الأديم. ثم ترك المهدي الكوفة و بنى القصر الأبيض بالحيرة و هو الذي كان النعمان بن المنذر ينزله، و بنى بها قصر أبي الخصيب على طرف النجف و فيه يقول الشاعر:

يا دار غيّر رسمها* * * مرّ الشمال مع الجنوب‏

بين الخورنق و السدير* * * فبطن قصر أبي الخصيب‏

250

فالدير فالنجف الأشمّ‏* * * حيال أرباب الصليب‏

و لا يحتج علينا أهل البصرة أن أحدا من ولاة العراق نزلها إلّا زيادا و عبيد اللّه ابنه. فإنها كانت وطنهما و مشتاهما. و لم يكونا على نتنها و ملوحة مائها و شدة بخرها و كثرة بقّها و كدورة هوائها و فساد طينتها. يطيلان المقام بها. بل كان أكثر مقامهما بالكوفة. و بحسبك أن السمك في نهرها لا يصبر على ملوحة الماء حتى ينتقل. فإذا كان سمك البحر لا يصبر، فكيف ينبغي لذوي العقول أن يفخروا بها؟

[15 ب‏] و لو لم يكن من فضل بلدنا على بلدهم إلّا أنّا لا نحتاج إلى دباغ العفص و قشور الرمان في الصيف، لكان ذلك فضلا عظيما. و في الحديث (إن الفرات و دجلة من أنهار الجنة) و قد خصنا اللّه بعذوبتهما و بردهما. و حرم اللّه على أهل البصرة أن يذوقوا منهما قطرة حتى يختلط بهما البحر الأجاج. فهم كما قال اللّه عزّ و جلّ «وَ نادى‏ أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ‏».

و قدم أبو شدقم العنبري البصرة فملح عليه الماء و اشتد عليه الحرّ و آذاه تهاوش ريحها و كثرة بعوضها. ثم مطرت السماء فصارت ردغاء. فقال:

أشكو إلى اللّه ممسانا و مصبحنا* * * و بعد شقّتنا يا أمّ أيوب‏

و إنّ منزلنا أمسى بمعترك‏* * * يزيده طبعا وقع الأهاضيب‏

ما كنت أدري و قد عمّرت من زمن‏* * * ما قصر أوس و ما سحّ الميازيب‏

تهيجني نفحات من يمانية* * * من نحو نجد و تنعاب الغرابيب‏

كأنهنّ على الأجدال كلّ ضحى‏* * * مجالس من بني حام أو النوب‏

يا ليتنا قد حللنا واديا أنفا* * * أو حاجزا نصبا غضّ اليعاسيب‏

و حبذا شربة من شنّة خلق‏* * * من ماء صدّاء تسلي‏ (1) كلّ مكروب‏

و آذاه قذرها فقال أيضا:

____________

(1) في الأصل: تعلى.

251

إذا ما سقى اللّه البلاد فلا سقى‏* * * بلادا بها سيحان برقا و لا رعدا

بلاد تهبّ الريح فيها خبيثة* * * و تزداد نتنا حين تمطر أو تندى‏

خليلي أشرف فوق غرفة درهم‏* * * إلى قصر أوس فانظرن هل ترى قصرا؟

و قال أعرابي قدمها فنزل إلى جانب دار محمد بن سليمان:

هل اللّه من وادي البصيرة مخرجي‏* * * فأصبح لا تبدو لعيني قصورها

و أصبح قد جاوزت سيحان سالما* * * و أسلمني أسواقها و جسورها

[16 أ]

و مربدها المذري علينا ترابه‏* * * إذا شحجت أبغالها و حميرها

فنضحى بها غبر الرءوس كأنّنا* * * أناسيّ موتى نبش عنها قبورها

و قال أبو تغلب يذكر نتنها و قذرها:

يا ربّ لا تسق نازل البصرة* * * فهي على كلّ حالة قذره‏

تأتيك منها إذا نزلت بها* * * روائح من روائح العذرة

فقال علي بن هشام: يا أمير المؤمنين! إن أحمد بن يوسف عدد عيوب البصرة و مثالبهم و ترك ما على أهل الكوفة. فلئن كان الذي ذكر من أهل البصرة على ما ذكر فما يعرفه إلّا خواص من الناس ممن نظر في الأمور و بحث عن المستور. فأما عيوب الكوفة فأوضح من النهار و أبين من الشمس، تعرفها العاتق في خدرها و العجوز في مجراها و الصبيّ في كتّابه.

قال المأمون: و أيّ شي‏ء تعرف؟

قال: عليّ أول ذلك‏

قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه حين قال على المنبر: يا أيها الملأ المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم. ما عدت دعوة من دعاكم، و لا استراح من قاساكم. كلامكم يوهن الصمّ الصلاب، و فعلكم يطمع فيكم الخود الكعاب. إن قلت لكم انفروا في الشتاء قلتم أمهلنا يذهب عنا الصر

252

و القر. و إن قلت لكم انفروا في الصيف، قلتم أمهلنا تذهب عنا حمّارة القيظ و ينسلخ عنا الحرّ. أعاليل بأضاليل. أية دار بعد داركم تمنعون؟ أم عن أي إمام بعدي تقاتلون؟ في خطبة طويلة (1).

فقال أحمد بن يوسف: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما انتقضت عليه البلاد و خالفه أكثر (2)، اختارنا لنفسه و رضينا لنصره. فكنا إذا أحسّنا دعا لنا و أثنى علينا.

و إذا أسأنا عاتبنا و استبطأنا كما يعاتب الرجل ولده. و إنك لتعلم يا أمير المؤمنين إنه انحدر من المدينة يريد البصرة فنزل ذا قار ثم بعث إلينا فخرجنا لنصره على الصعب [16 ب‏] و الذلول. فنصرناه قبل أن نراه، و آزرناه بعد أن رآنا. فكان يقول (عليه السلام): أنتم الشعار و أنتم الدثار، و فيكم محياي و عندكم مماتي. و كان يقول: اختار اللّه لنبيه مكة، فاختار رسول اللّه (عليه السلام) لهجرته المدينة (3). و كان يقول على منبر البصرة: يا أهل البصرة! يا أهل الحيرة. يا أهل تدمر. يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاث مرات و على اللّه تمام الرابعة. يا جند المرأة، يا أنصار البهيمة. رغا فأجبتم و عقر فانهزمتم. أخلاقكم رقاق و عهدكم نفاق و ماؤكم زعاق. و قد لعنكم اللّه و رسوله. فالمقيم بذنب و الخارج عنها بنجاة (4).

قال علي بن هشام: فإن أهل الكوفة قتلوا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

قتله ابن ملجم و كان نازلًا في دار الأشعث و تزوج قطام التميمية.

فقال أحمد بن يوسف: احتججت على نفسك. إن كان من أهل الكوفة، فكيف ينزل دار الأشعث و يترك دار قومه؟ إنما هو رجل من مصر ممن كان مع محمد بن أبي بكر (رحمه اللّه). فلما قتله عمرو بن العاص و مضى جنده إلى علي رضي اللّه عنه كان ابن ملجم فيهم.

قال عمرو بن الحارث: فإن أهل الكوفة قد قتلوا الحسين (عليه السلام). و قد

____________

(1) الخطبة كاملة في: الغارات 2: 476، 483.

(2) سقط هنا شي‏ء من الكلام، لعله (الناس).

(3) في الأصل: مدينة.

(4) انظر: نهج البلاغة 55 و الجمل للمفيد 217 مع اختلافات يسيرة.

253

قتلوا زيد بن علي و يحيى بن زيد (عليهما السلام) و غروهما و خذلوهما.

قال العباسي: قد علم الناس أنه ليس في الأرض بلد أجمع أهله على حب بني هاشم إلّا الكوفة. و ما قتل أحد من بني هاشم في شرق و لا غرب إلّا و حوله قتلى من أهل الكوفة تختلط دماؤهم بدمه. فأما الحسين (عليه السلام) فإنه كتب إلى أشرافكم. فأما منذر بن الجارود فإنه أخذ الرسول و هو عبد اللّه بن يقطن‏ (1) الليثي فدفعه إلى ابن زياد فقتله، و ذلك أن أنبته بحربة كانت عند ابن زياد. و كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان. و ما أكرم اللّه رجلا أن يسفك دمه [17 أ] معه فيكون في ذلك شرف الدنيا و الآخرة. فهل سمع سامع بمثل أنصار الحسين و هم سبعون رجلا لقوا جبال الحديد حتى قتلوا حوله؟

قال الحجاج بن خيثمة: فإن اللّه قد أعطى أهل البصرة ما لم يعط أهل الكوفة. إن الماء يغدوا عليهم إذا غدوا إلى ضياعهم فيأخذونه إذا أرادوه. و إن استغنوا عنه حجبوه.

قال أحمد بن يوسف: ما رأيت ذلك عندهم. فلم ينقطع أعناقهم من العطش فلا يشربون حسوتين إلّا بالمنجنون‏ (2) و الإبل، فإن عطب بعير و انكسرت منجنونه أو أبطأ الموكل بذلك تعطلت السقايات. و إنما يقيم لهم الماء ساعة في أول النهار و ساعة في آخره. و ما أحد من أهل البصرة يشرب الماء العذب إلّا أن يتصدق به عليه. و متى كثر عليهم الماء خافوا الغرق و ضربوا الفساطيط على المكان الذي يخشونه. و إن قلّ عطشوا حتى يمزجوا الماء بالخل من ملوحته. و إن المريض منهم ليقال له ما تشتهي؟ فيقول: الماء العذب. و هم يسمون ماءنا الماء الحي.

و إذا قدم الغائب و كان طريقه على الماء العذب أخذ منه ليفرقه هدايا على أقاربه و أهله و إخوانه. و ماؤهم صبابة المياه و مفيض الأنهار.

و قال ابن عياش الهمداني لأبي بكر الهذلي يوم فاخره عند أبي العباس‏

____________

(1) المعروف أنه ابن بقطر- أخو الإمام الحسين من الرضاعة- (الطبري 5: 398، 469).

(2) المنجنون: الدولاب التي يسقى عليها (لسان العرب).

254

السفاح: إنما الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده و عذوبته. و البصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغييره و فساده.

و كان بالبصرة رجل من أهل الكوفة يقال له أبا المعذل بن غيلان ففاخرهم يوماً فقال: أ لستم تروون أن من بال في الماء القائم المبال أربعين صباحاً تغير عقله؟ قالوا: بلى. قال: فهو ذا أنتم يشرب أحدكم الماء القائم المبال فيه ثمانين سنة. فكيف تكون عقولكم مثل عقول أهل الكوفة؟ فما استطاعوا أن يجيبوه.

فقال عمرو بن الحارث‏ (1): فإن [17 ب‏] لأهل البصرة الرطب الذي ليس في الدنيا أكثر و لا ألذّ منه.

فقال ابن يوسف: أما الكثير ليس بزائده في الطيب. و لو كان الكثير أطيب لكان بعر الإبل أطيب من الجوز. و أما الطيب، فإن أهل العراق اجتمعوا ليلة في سمر عند يزيد بن عمر بن هبيرة فقالوا: أي البلدين أطيب تمرا الكوفة أم البصرة؟

فقال خالد بن صفوان: بل تمرنا أطيب و أعذب، و لنا على أهل البصرة فضل العنب الرازقي في طيبه السونابي‏ (2) في حلاوته و الخمري في رقته. فإذا فخر البصري بالعنب ذكر لهم عنبا يسمونه المتروري، و ما رأيت الحصى قطّ يباع حتى رأيت هذا العنب يباع.

قال علي بن هشام: فإن لأهل البصرة فيلسوفي الإسلام اللذين استخرجا النحو و العروض: أبو الأسود الدؤلي و الخليل بن أحمد.

فقال عمرو بن مسعدة (3): أما العروض فهو و إن كان علما فما يحتاج إليه كثير من الناس، و ليس من علم الأشراف. و أما النحو فإن أبا الأسود احتاج إليه لفساد السنة أهل البصرة. و لم يحتج أصحابنا لفصاحتهم. و لئن كان أبو الأسود

____________

(1) عمرو بن الحارث بن يعقوب المتوفى عام 148 ه (ابن الأثير 5: 589) فيكون هذا الكلام جزءا من المفاخرة التي وقعت عند أبي العباس السفاح.

(2) في الأصل: السوناني. و الصواب ما أثبتناه. و هو نسبة إلى سونايا من قرى بغداد.

(3) أحد وزراء المأمون مات عام 217 ه (مروج 3: 417) ترجمته في ابن خلكان 3: 475.