البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
255

تقدم في النحو، إنّ لأصحابنا الفصاحة في العلم بالقرآن و الإعراب به و المعرفة بوجوه القراءات حتى أكثر القراء بقراءتهم يقرءون. و منا الفقهاء و العلماء و الأدباء و الفصحاء و النجباء و الشجعان و الفرسان المذكورون و الشعراء المعروفون.

قال علي بن هشام: فإن أبا عمرو بن العلاء من أنبل الناس و أفصحهم لسانا.

قال ابن يوسف: إن كان الناس يقولون: أبو عمرو الراوية كما يقولون حماد الرواية. فهو مثله إذ كان ديوان الشعر مجموعا في قلبه. و من مثل المفضل في رواية أشعار الشعراء و أشعار القبائل و أيام الجاهلية و أخبارهم؟ و منا خالد بن كلثوم‏ (1) كان إذا علم شيئا أدّاه كما سمعه. [لا كمن‏] (2) كان يروي الخبر لا أصل له و ربما زاد فيه و نقص منه.

قال عمرو بن الحارث [18 أ]: فإن لأهل البصرة أبا بكر الهذلي أعلى الناس بالجاهلية و الإسلام.

قال عمرو بن مسعدة: فأين هو من قبيصة بن ذؤيب الأسدي و عبد الملك المعيطي و عبد اللّه بن عياش الهمداني و الحجاج بن أرطاة النخعي. و هم كلموه عند السفاح، فما تأتى له الردّ عليهم.

و منا الثقة المؤتمن هشام بن محمد بن سائب الكلبي الذي ملأ الآفاق علما، و أبو مخنف لوط بن يحيى بن مخنف بن سليم الأزدي و الهيثم بن عدي.

قال الحجاج: أو ليس دغفل بن حنظلة الشيباني من أهل البصرة؟

قال ابن يوسف: فإن التجار العذري‏ (3) كوفئ بهلال بن الكيس الحميري و ابن لسان الحمّي التيمي و محمد بن السائب الكلبي و هشام بن محمد و المنتوف و الشرقي بن القطامي. و ما منهم أحد إلّا كما قال الأول:

____________

(1) الكوفي (ابن النديم 177 و 73).

(2) زيادة يقتضيها السياق.

(3) لدى ابن النديم 108 (النجاد بن أوس العدوي) أو (النجار بن أوس العدواني).

256

و ما كان بين الخافقين قبيلة* * * يقال اشتروهم، واحد فتبادله‏

قال الحجاج: فإن خطباء البصرة أخطب و أبلغ. منهم: عبد اللّه بن الأهتم و صفوان بن الأهتم و خالد بن صفوان و شبيب بن شبه.

قال عمرو: فأين هم من خطباء الكوفة مثل صعصعة بن صوحان و القعقاع بن عمرو الأسدي و مصقلة بن رقبة العبدي و محمد بن المفضل السكوني و ابنه خطباء الرشيد و خطبائك يا أمير المؤمنين.

قال علي بن هشام: فإن الشعراء بالبصرة أشعر و أكثر منهم: جرير و الفرزدق و ذو الرمة و يزيد بن الحكم و العجاج و رؤبة و أبو النجم. فهل لأهل الكوفة مثلهم؟

قال عمرو: أما جرير فإنه أعرابي صاحب عمود و بيت شعر كان يدخل البصرة كما يدخل الكوفة. و كان أكثر دهره باليمامة. و منا الشماخ بن مزرد و لبيد و العباس بن مرداس و الكميت بن زيد الأسدي و عمرو بن شاس و ضابئ البرجمي و الحطيئة و أبو محجن الثقفي و أبو شمال الأسدي و أبو زيد الطائي و النجاشي الحارثي و أعشى همدان و عمرو بن معدي كرب و عدي بن حاتم و عروة بن زيد الخيل و ابن [18 ب‏] مقبل و القطامي و كعب بن جعيل و الجحاف بن حكيم و غيرهم من الشعراء المجودين.

قال عمرو بن الحارث: فإن الأسخياء بالبصرة أكثر منهم بالكوفة. منهم:

عبد الرحمن بن أبي بكرة و طلحة الطلحات فهل سمعت بمثلها؟

قال ابن مسعدة: فينا عدي بن حاتم الجواد بن الجواد. و عبد الملك بن بشر بن مروان و محمد بن عمير بن عطارد.

قال عمرو بن الحارث: فإنه لم يل‏ (1) العراق أحد من أهل الكوفة، و قد وليه غير واحد من أهل البصرة منهم زياد و ابنه و يزيد بن المهلب.

قال ابن مسعدة: هذا الحسن بن سهل معنا في المجلس، و من قبله علي بن‏

____________

(1) في الأصل: لم يلي.

257

أبي سعيد كلاهما قد ولي العراق. و ثالثهما الفضل بن سهل ولي المشرق و المغرب و دعي له على أكثر منابر الأرض في ولاية واحدة. فهل لأهل البصرة مثله؟

قال الحجاج: فمن أهل البصرة كتّاب أمر العراق منهم صالح بن عبد الرحمن و هو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية و هو كاتب الحجاج بن يوسف. و منهم المغيرة بن أبي قرّة كاتب المهلب. و شيبة بن أيمن كاتب يوسف بن عمر. و قحذم مولى أبي بكر كاتب يوسف. و هارون بن ياسين كاتب خالد بن عبد اللّه القسري. و جبلة بن عبد الرحمن و القاسم بن سلم و عبد ربه بن أبي أيوب و ابن أبي عبيدة و عمير بن أبي معن و المغيرة بن عطية و أخوه سعيد بن عطية.

قال العباس: أما صالح بن عبد الرحمن فهو مولى امرأة من أهل الكوفة من بني تميم. و لكن منّا زياد بن عبد الرحمن كاتب الحجاج. و سعد كاتب خالد.

و عون كاتب خالد. و يونس بن مروة كاتب يوسف بن عمر. و عبد الجبار بن مغيث. و الهيثم بن مسلم كاتبا عيسى بن موسى. و حماد بن موسى كاتب محمد بن سليمان. و كتّاب الخلفاء منا، لم يكتب لهم قط أحد من أهل البصرة. منهم يحيى بن زياد بن عبد الرحمن استكتبه المنصور و ضمه إلى جعفر ابنه. و عمرو بن كليع و إبراهيم و محمد ابنا حبيش. هؤلاء كتّاب المنصور. و كتّاب المهدي [19 أ] علي بن يقطين و عمرو بن بزيع. و كتاب الرشيد: يحيى بن سليمان و منصور بن زياد و مجاشع بن مسعدة و يوسف بن القاسم. ثم هؤلاء كتاب أمير المؤمنين‏ (1):

الحسن بن سهل على الخراج، و عمرو بن مسعدة على الرسائل، و أحمد بن يوسف على الديوان بالجبل و خراسان، و محمد بن عمران على ديوان البريد بالآفاق.

و ثابت بن يحيى منّا و إن كان قد نشأ بالري.

قال علي بن هشام: إن أبا عبيدة زعم أن عليا (عليه السلام) قال على منبر الكوفة فقال: إنكم تزعمون أن دابة الأرض‏ (2) إن كنتم كاذبين فلا أماتكم اللّه‏

____________

(1) أمير المؤمنين، أي المأمون.

(2) يوجد نقص في العبارة.

258

حتى يخرج من أصلابكم نساء زواني.

قال ابن يوسف: كان علي (عليه السلام) اتقى اللّه و أرحم بعباده و أفقه في دينه من أن يقول هذا لقوم مسلمين. و أما الفجور فمعاذ اللّه أن يرمي به المسلمات.

و لكن قد علم اللّه أن النهاريات و الليليات لا يعرفن في شي‏ء من البلدان إلّا بالبصرة. و ليس بالبصرة شريف إلّا و قد بنى في داره دكانا تركب منه امرأته. و ما بالبصرة امرأة جليلة إلّا و لها حريف من المكاريين يخرجها إلى الأعياد و المواسم و قدوم الولاة. و كل حدث يكون.

و ما يحل للمسلمين أن يقدموا رجلا من أهل البصرة يصلي بهم حتى يحبس كما تحبس الإبل الجلالة سبعة أيام لأن غداءه السماء. فضحك المأمون.

فقال علي بن هشام: أنت بالفحش أحذق و به أرفق. و لكن بالبصرة أربعة بيوتات من بيوتات العرب ليس بالكوفة مثلها بيت: بيت بني الجارود، و ليس في عبد القيس بالكوفة مثلهم. و بيت بني المهلب و ليس في أزد الكوفة مثلهم. و بيت بني مسمع ليس في بكر الكوفة مثلهم.

قال عمرو بن مسعدة: أما بيت بني المهلب فإن النجاشي قال:

و كنت كذي رجلين: رجل صحيحة* * * و رجل بها ريب من الحدثان‏

فأمّا التي صحّت فأزد شنوءة* * * و أمّا التي شلّت فأزد عمان‏

[19 ب‏] و بالكوفة بيت بني مخنف بن سليم بن مزيقياء بن ماء السماء. ليس في أزد البصرة مثله. و لهم بعد ذلك من البيوتات الشريفة ما لا يحدّ و لا يوصف.

فمنهم بيت النعمان بن مقرن صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قال النبي (عليه السلام): آل مقرن من بيوتات الجنة.

و منهم حذيفة بن اليمان صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و منهم فرسان العرب الذين أدركوا الجاهلية و الإسلام: عمرو بن معدي: كرب و قيس بن مكشوح و عروة بن زيد الخيل و العباس بن مرداس و طليحة الأسدي و الأشتر بن الحارث النخعي و مصقلة بن هبيرة و إبراهيم بن الأشتر و أبو بردة بن أبي موسى.

259

فنحن فينا بيوتات العرب و أشراف الجاهلية و فرسان الإسلام. خير الأقاليم إقليمنا و خير الإقليم بلدنا و خير الأنهار نهرنا و خير الصحابة فقهاؤنا. و منهم أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه و ابن مسعود و عمار بن ياسر و حذيفة اليمان، و سلمان منا.

و مسجدنا المسجد الرابع في الفضل. مسجد كان من علي و سعد عامرا برهة، و من عمار و الرجال المهاجرين إلى اللّه من الأولين و الآن. و فيه يقول السيد بن محمد الحميري:

لعمرك ما من مسجد بعد مسجد* * * بمكة طهرا أو مصلى بيثرب‏

لشرق و لا غرب علمنا مكانه‏* * * من الأرض معمور و لا متجنّب‏

بأبين فضلا من مصلى مبارك‏* * * بكوفان رحب ذي أواسي و مخصب‏

مصلى به نوح تأثّل و ابتنى‏* * * به ذات حيزوم و صدر محتّب‏

و فار به التنّور ماء و عندها* * * له قيل قم يا نوح في الفلك و اركب‏

و باب أمير المؤمنين الذي به‏* * * ممرّ أمير المؤمنين المهذّب‏

[20 أ] و ليس فينا قدري و لا خارجي.

فقال المأمون للبصريين: قد نظرت في أمركم و سمعت قولكم و فهمت احتجاجكم، فما لمتكم في جدال و لا مدافعة. و لكني رأيت مثلكم في مفاخرة أهل.

الكوفة كقول القائل:

يا حار قد كنت في عزّ و مكرمة* * * لو أنّ مسعاه من جاريته أمم‏

ثم دعا المأمون صاحب يبت حكمته فقال: اجعل هذا الكتاب في خواص كتبنا. ثم قال علي بن صالح للقوم انهضوا. فنهضوا و انقضى المجلس و الحمد للّه رب العالمين‏

.

260

القول في واسط

و إنما ذكرنا واسط في هذا الموضع لأنها توسطت المصرين أعني البصرة و الكوفة و لذلك سميت واسط.

و قال يحيى بن مهدي بن كلال: بنى الحجاج بن يوسف [واسط] في سنتين و كان فراغه منها في سنة ست و ثمانين. و هي السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.

و يروى أن ابن عمر بن عبد العزيز قال: إن الحجاج إنما بنى واسط إضرارا بالمصرين يعني الكوفة و البصرة. و قد أردت أن أهدم مسجدها و أخربها و أردّ كل قوم إلى وطنهم. فقال له أبو منبه: يا أمير المؤمنين! إن جلّ قومها فيها ولدوا و بها نشأوا، لا يعرفون غيرها، و مسجد جماعة قد قرأ فيه القرآن. فسكت.

و ذكر بعض أهل الكوفة قال: سألت حازما أبا عبد اللّه الضبي أن يشهد على دار اشتريتها بواسط فقال: لا أشهد على شي‏ء بيع بواسط. قلت: و لم ذاك؟ قال:

لأن الحجاج غصب عليها.

و ذكرت واسط عند أبي سفيان الحميري و قيل ليس بها فاكهة. فقال: لأنها مشؤومة بناها رجل مشؤوم.

و قال أبو سفيان الحميري: ولي الحجاج العراق عشرين سنة، قدمها سنة خمس و سبعين و مات سنة خمس و تسعين في شهر رمضان ليلة سبع و عشرين.

و كانت ولايته في [20 ب‏] أيام عبد الملك أحد عشر سنة، و في أيام الوليد بن عبد الملك تسع سنين.

261

و كان قد ولي الحجاز ثلاث سنين و له ثلاثون سنة، ثم ولي العراق فمات و له ثلاث و خمسون سنة. و دفن بواسط على النيل. و هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عمرو بن مسعود بن عامر بن معتب. و افتتح السند و الهند بخراسان و سجستان، و ولي الحجاز مكة و المدينة، و حج بالناس في حصار ابن الزبير سنة اثنين و سبعين. و قتل ابن الزبير في جمادى الآخرة و هو أول من ابتنى مدينة ألا و هي واسط، و أول من اتخذ المحامل و ضرب الدراهم و كتب عليها قل هو اللّه أحد. و قال حميد الأرقط:

أخزى الإله عاجلا و آجلا* * * أوّل عبد عمل المحاملا

عبد ثقيف ذاك أوّلا فأوّلا

و هو أول من ضرب له الخيس، و أول من أطعم على ألف خوان على كل خوان عشرة رجال و جنب شوي و ثريدة و سمكة و برنية عسل و برنية لبن. و كان يقول لمن يحضر غداه و عشاه: رسولي إليكم الشمس، فإذا طلعت فاغدوا إلى غدائكم و إذا غربت فروحوا إلى عشائكم.

و أول من أجاز بألف ألف درهم للجحاف بن حكيم. و ولي العراق بعد بشر بن هارون. و قدم الكوفة و عليه قباء هروي أصفر متقلدا سيفه متنكبا قوسا معتما بعمامة خزّ حمراء لا ترى إلّا عيناه. و لم يسلّم عليه من أصحاب ابن الأشعث إلّا الشعبي و الغصبا بن يزيد (1).

و قال بعضهم: صليت خلف الحجاج بالكوفة يوم جمعة فعددت الناس خلفه فكانوا ستين نفسا.

قال: و قدم الحجاج العراق سنة خمس و سبعين و وليه عشرين سنة. و بنى واسط في سنتين و فرغ سنة ست و ثمانين و هي السنة التي مات [21 أ] فيها

____________

(1) كذا في الأصل. و يبدو أن الاسم هو (الغضبان بن القبعثرى الشيباني) و هو واحد ممن سجن بعد إخفاق ثورة ابن الأشعث ثلاث سنوات ثم أطلق سراحه (مروج 3: 147- 151).

262

عبد الملك. و لما فرغ كتب إلى عبد الملك: إني اتخذت مدينة في كرش الأرض بين الجبل و المصرين و سميتها واسط، فلذلك سمي أهل واسط الكرشين.

و قال الأصمعي: وجه الحجاج الأطباء ليرتادوا له موضعا. فذهبوا يطلبون ما بين عين التمر إلى البحر و جوار العراق. و رجعوا إليه و قالوا: ما أصبنا مكانا أوفق من موضعك هذا في خفوف الريح و أنف البرية.

و كان الحجاج قبل اتخاذه واسط أراد نزول الصين من كسكر و حفر بها نهر الصين و جمع له الفعلة ثم بدا له، فعمر واسط و نزلها و احتفر النيل و الزابي و سماه زابيا لأخذه من الزابي القديم. و أحيا ما على هذين النهرين من الأرضين، و أحدث المدينة التي تعرف بالنيل و مصّرها، و عمد إلى ضياع كان عبد اللّه بن دراج مولى معاوية بن أبي سفيان استخرجها لنفسه أيام ولايته على خراج الكوفة مع المغيرة بن شعبة من موات مرفوض من مغايض و آجام، فضرب عليها المسنيات ثم قلع قصبها و دخلها فحازه الحجاج لعبد الملك بن مروان.

و قال الوضاح بن عطاء: لقد رأيت المقصورة بواسط و إنه ليغشاها أربعون رجلا شريفا من آل أسلم بن زرعة الكلابي.

و حدث علي بن حرب الموصلي عن أبي البختري وهب بن عمرو بن كعب بن الحارث الحارثي قال سمعت خالي يحيى بن الموفق يحدث عن مسعدة بن صدقة العبدي قال حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن عن سماك بن حرب قال: استعملني الحجاج بن يوسف على ناحية بادوريا. فبينا أنا يوما على شاطئ دجلة و معي صاحب لي إذا أنا برجل على فرس من الجانب الآخر، فصاح باسمي و اسم أبي. فقلت: ما تشاء [21 ب‏]؟ فقال الويل لأهل مدينة تبنى هاهنا. ليقتلن فيها ظلما سبعون [ألفا] (1). كرر ذلك ثلاث مرات ثم أقحم فرسه في دجلة حتى غاب في الماء. فلم أره. فلما كان قابل ساقني القضاء إلى ذلك الموضع فإذا أنا برجل على فرس، فصاح كما صاح في المرة الأولى، و قال كما قال و زاد: سيقتل‏

____________

(1) تكملة من ياقوت (واسط).

263

فيما حولها ما يستقل الحصى لعددهم. ثم أقحم فرسه في الماء حتى غاب.

قال بعضهم: فكانوا يرون أنها واسط و ما قتل فيها الحجاج من الناس.

و يقال إنه أحصي في حظيرة الحجاج بن يوسف ثلاثة و ثلاثون ألف إنسان لم يحبسوا في دم و لا تبعة و لا دين. و أحصي من قتله صبرا فكانوا مائة و عشرين ألف إنسان.

و قال الحسن بن صالح بن حبي: أول مسجد بني بالسواد، مسجد المدائن بناه سعد و أصحابه، ثم وسع بعد و أحكم بناؤه. و جرى ذلك على يدي حذيفة بن اليمان بالمدائن. مات حذيفة سنة ست و ثلاثين. ثم بني مسجد الكوفة ثم مسجد الأنبار. و أحدث الحجاج مدينة واسط في سنة ثلاث و ثمانين أو سنة أربع، و بنى مسجدها و قصرها و القبة الخضراء. و كانت أرض قصب فسميت واسط القصب.

و لما فرغ من بنائها كتب إلى عبد الملك: اتخذت مدينة في كرش الأرض بين الجبل و المصرين و سميتها واسط. فلذلك سمي أهل واسط الكرشيين.

و نقل الحجاج إلى قصره و المسجد الجامع أبوابا من زندرود و الدوقرة و دير ماسرجيس و سرابيط. فضجّ أهل هذه المدن و قالوا قد غصبتنا على مدننا و أموالنا، فلم يلتفت إلى قولهم. و حفر خالد بن عبد اللّه القسري المبارك‏ (1).

قال و أنفق الحجاج على بناء قصره و المسجد الجامع و الخندقين و السور و القصر ثلاثة و أربعين ألف درهم. فقال له كاتبه صالح بن عبد الرحمن: هذه نفقة كثيرة و إن حسبها لك [22 أ] أمير المؤمنين وجد في نفسه. قال فما تصنع؟ قال الحروب لها أحمل. فاحتسب منها في الحروب بأربعة و ثلاثين ألف ألف درهم.

و احتسب في البناء تسعة ألف ألف درهم.

و لما فرغ الحجاج من حروبه استوطن الكوفة فأبغضه أهلها و أبغضهم، فقال لرجل من حرسه: امض فابتغ لي موضعا في كرش من الأرض أبني فيه مدينة، و ليكن ذلك على نهر جار. فأقبل يلتمس ذلك حتى صار إلى قرية فوق واسط بيسير

____________

(1) من (و نقل الحجاج) إلى هنا في البلاذري ص 289.

264

يقال لها واسط القصب فبات بها و استطاب ليلها و استعذب أنهارها و استمرأ طعامها و شرابها فقال: كم بين هذا الموضع و الكوفة؟ فقيل: أربعون فرسخا. فقال: كم منها إلى المدائن؟ قال: أربعون. قال: فكم إلى الأهواز؟ قال: أربعون. فقال:

هذا موضع متوسط. و كتب إلى الحجاج بالخبر و يمدح له الموضع. فكتب إليه:

اشتر لي فيه موضعا أبني به مدينة. و كان موضع واسط لرجل من الدهاقين يقال له داوردان. فساومه بالموضع فقال له الدهقان: ما يصلح للأمير؟ قال: و لم؟ قال أخبرك عنه بثلاث خصال، تخبره بها ثم الأمر إليه. قال: و ما هي؟ قال: بلاد سبخة و البناء لا يثبت فيها، و هي شديدة الحر و السموم، و إن الطائر ليطير في الجو فيسقط لشدة الحرّ ميتا، و هي بلاد أعمار أهلها قليلة. فكتب بذلك إلى الحجاج فكتب إليه: هذا رجل يكره مجاورتنا فأعلمه أنّا سنحفر بها الأنهار، و نكثر فيها من البناء و الغرس و الزرع حتى تغدوا و تطيب. و أما ما ذكر أنها سبخة و أن البناء لا يثبت فيها فسنحكمه ثم نرحل عنه فيصير لغيرنا. و أما قلّة أعمار أهلها فهذا شي‏ء إلى اللّه عزّ و جلّ لا إلينا. و أعلمه أنّا نحسن مجاورته و نقضي زمامه بإحساننا إليه.

قال: فابتاع الموضع من الدهقان و ابتدأ في البناء سنة ثلاث و ثمانين و استتمه في سنة ست و ثمانين و مات في سنة خمس و تسعين.

و لما فرغ منه و سكنه أعجب به إعجابا شديدا. فبينا هو ذات يوم في مجلسه [22 ب‏] إذ أتاه بعض خدمه فقال له: إن فلانة- جارية من جواريه، كان مائلا إليها- أصابها لمم‏ (1). فغمّه ذلك و وجه إلى الكوفة في إشخاص عبد اللّه بن هلال‏ (2) الذي كان يقال له صديق إبليس. فلما قدم عليه عرّفه الخبر فقال له أنا أحلّ [السحر] عنها. قال: افعل. فلما زال ما كان بها. قال له الحجاج: ويحك إني‏

____________

(1) لمم و لمة: مس من الجن (أساس).

(2) أشهر السحرة في الفولكلور العربي. كان معاصرا للحجاج الثقفي زعموا (أنه صديق إبليس و ختنه و أنهم كانوا لا يشكّون أن إبليس جدّه من قبل أمهاته) (الحيوان للجاحظ 1: 190 و مواضع أخرى منه) و ابن النديم 371.

265

أخاف أن يكون هذا القصر محتضرا (1). قال: أنا أصنع فيه شيئا فلا ترى فيه أمرا تكرهه. فلما كان بعد ثالثة، جاء عبد اللّه بن هلال يخطر بين الصفين و في يده قلّة مختومة. فقال: أيها الأمير تأمر بالقصر أن يمسح ثم تدفن هذه القلة في وسطه فلا ترى فيه شيئا فيما يكره. فقال له الحجاج: يا ابن هلال! و ما العلامة في هذه القلة؟

قال: أن يأمر الأمير برجل بعد آخر من أشدّ أصحابه حتى يأتي على عشرة منهم فيستقلّوا بها من الأرض‏ (2) فإنهم لا يقدرون على ذلك. فأمر الحجاج بذلك ففعل، فكان كما قال ابن هلال. و كان بين يدي الحجاج مخصرة خيزران فوضعها في عروة القلة ثم قال بسم اللّه الرحمن الرحيم. إن ربكم الذي خلق السماوات و الأرض. ثم شال القلة فارتفعت على المخصرة، فوضعها ثم فكر منكسا رأسه ساعة. ثم التفت إلى عبد اللّه بن هلال فقال: خذ قلتك و الحق بأهلك. قال: و لم؟

قال: إن هذا القصر سيخرب بعدي و ينزله قوم و يحتفر محتفر يوما فيجد هذه القلة فيقول: لعن اللّه الحجاج إنما كان بدء أمره السحر. قال: فأخذها و لحق بأهله.

قال: و كان ذرع القصر أربعمائة ذراع في مثلها. و ذرع المسجد الجامع مائتين في مائتين. وصف الرحبة التي تلي صف الحدادين ثلاثمائة في ثلاثمائة.

و ذرع الرحبة التي تلي الخرازين و الحوض ثلاثمائة في مائة ذراع. و الرحبة التي تلي المضمار مائتين في مائة. قال: و الأبواب كانت على مدينة قديمة أعجمية يقال لها الدوقرة. و قد قيل عليها و على غيرها فقلعت و حملت إلى واسط.

و قال محمد بن خالد: كان محمد بن [23 أ] القاسم الثقفي أيام كان يتقلّد الهند و السند قد أهدى إلى الحجاج فيلا فحمل من البطائح في سفينة، فلما صار إلى واسط أخرج في المشرعة التي تدعى مشرعة الفيل فسميت به إلى الساعة (3).

و لما استوطن الحجاج واسط نفى النبط عنها و قال: لا يساكنني أحد منهم فإنهم مفسدة. و كان في طباخيه رجل منهم و كان يطبخ لونا يعجب الحجاج. فلما

____________

(1) يحضره الجن و الشياطين (لسان العرب).

(2) أي يرفعونها عن الأرض.

(3) من قوله (و قال محمد بن خالد) إلى هنا في البلاذري 290.

266

أمر بإخراج النبط فقد ذلك اللون فسأل عنه فقيل إن طباخه نبطي. فلهى عنه مدة ثم قال: اشتروا لي غلاما و مروه أن يعلمه ذلك اللون. ففعلوا فلم يحكمه الغلام.

فقال: ادخلوا هذا النبطي نهارا و أخرجوه ليلا. قال: فكان يأتي في كل يوم بقدره و مغرفته فيطبخ ذلك اللون ثم ينصرف.

قال و كتب إلى الحكم بن ثوابة عامله على البصرة: أما بعد. فإذا نظرت في كتابي هذا فأجل من قبلك من الأنباط و ألحقهم بسوادهم فإنهم مفسدة الدين و الدنيا.

فكتب إليه الحكم: أما بعد. فقد أخليت من في عملي من الأنباط إلّا من قرأ منهم القرآن و فقه في الدين و علم الفرائض و السنن. فكتب إليه الحجاج: فهمت ما كتبت به فإذا نظرت في كتابي هذا فاجمع من قبلك من الأطباء فليفتشوا عروقك عرقا عرقا، فإن وجدوا فيك عرقا نبطيا قطعه. و السلام.

و يروى عن مكحول أنه قال: لما أخرب بخت نصر السواد كان أشدّها بكاء كسكر. فأوحى اللّه إليها أني محدث فيك مسجدا يصلّى فيه. قال مكحول: فكنا نرى أنه مسجد واسط.

و كان بعضهم يقول: كان الحجاج أحمق، بنى مدينة في بادية النبط و حماهم دخولها، فلما مات دخلوها من قرب.

و قال المري ذكر الحجاج عند عبد الوهاب الثقفي‏ (1) بسوء فغضب و قال:

إنما تذكرون المساوئ، أ و ما علمتم أنه أول من ضرب درهما عليه لا إله إلّا اللّه.

و أول من بنى مدينة في الإسلام، و أول من اتخذ [23 ب‏] المحامل. و ان امرأة من المسلمين سبيت بالهند فنادت يا حجاجاه! فلما اتصل به ذلك أقبل يقول: يا لبيك! و أنفق سبعة ألف ألف حتى افتتح الهند، و أخذ المرأة و أحسن إليها غاية الإحسان.

و اتخذ المناظر بينه و بين قزوين، فكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر- إن كان نهارا- و إن كان ليلا أشعلوا النيران فتجرد الخيل إليهم. فكانت المناظر

____________

(1) من محدّثي البصرة توفي عام 194 ه (العبر 1: 245).

267

متصلة بين قزوين و واسط. و كانت قزوين ثغراً في ذلك الوقت.

و أنشد لحميد الأرقط في واسط يهجوها (1).

الله أسقاك من الفرات‏* * * النيل ينقضّ من الصراة

و أحدث يعلو المسنّيات‏* * * نضرب غرسه بواسقات‏

سيق إلى المدينة مسفات‏* * * داينه الريف من الغداة

بعيدة الأهل من الآفات‏* * * طمت عليّ بقصص البغاة

يهدى إليها الرزق من شتات‏* * * من البحور و من الفلاة

و قال حمدان بن السخت الجرجاني: حضرت الحسين بن عمر الرستمي‏ (2) و كان من أكابر قواد المأمون و قد سئل الموبذ بخراسان و نحن في دار ذي الرياستين عن النوروز و المهرجان و كيف جعلا عيدا و كيف سميا، فقال الموبذ: نعم أنبيك عنهما. إن واسط كانت تجري على سننها في ناحية بطن جوخى، فانبثقت في أيام بهرام جور و زالت عن مجراها إلى المذار، و صارت تجري إلى جانب واسط منصبّة. فغرقت القرى و العمارات التي كانت موضع البطائح و كانت متصلة بالبادية- و لم تكن البصرة و لا ما حولها إلّا الأبلّة فإنها من بناء ذي القرنين، و كان موضع البصرة قرى عادية مخسوف بها لا ينزلها أحد و لا يجري بها نهر إلّا دجلة الأبلّة- فأصاب أهل القرى و المدن التي كانت في موضع البطائح- و هم بشر كثير- و باء فخرجوا هاربين على وجوههم و تبعهم أهاليهم بالأغذية و الصلاحات، فأصابوهم موتى، فرجعوا [24 أ] فلما كان في أول يوم من فروردين ماه من شهور الفرس أمطر اللّه عزّ و جلّ عليهم مطرا فأحياهم فرجعوا إلى أهاليهم. فقال ملك ذلك الزمان: هذا نوروز، و معناه يوم جديد. فسمي به. و قال الملك: هذا يوم مبارك فإن جاء اللّه فيه بمطر و إلّا فليصب بعضكم الماء على بعض و تتبركوا به. و صيروه عيدا، فبلغ المأمون هذا القول فقال إنه لموجود في كتاب اللّه عزّ و جلّ بقوله‏

____________

(1) أوردنا الأبيات كما هي و لم نهتد لتصحيح المصحف منها.

(2) انظر عن الرستمي: الطبري 8: 375، 392، 432، 433.

268

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ و قال ابن عباس في قول اللّه جلّ و عزّ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ ... قال: كانت قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها. فهلك من أقام في القرية و سلم الآخرون. فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين. فقال من بقي و لم يمت في القرية: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا. لو صنعنا كما صنعوا سلمنا، و لئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن. فوقع الطاعون بها قابل. فهربوا و هم بضعة و ثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان و هو وادي فيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي و آخر من معلاه أن موتوا، فماتوا، فأحياهم اللّه لحزقيل في ثيابهم التي ماتوا فيها. فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، حتى ماتوا بآجالهم التي كتبت لهم.

قال الهيثم بن عدي: سألت عبد اللّه بن هلال صديق إبليس عن اسم عامر واسط، فقال: زوبعة.

قلت: فما حدثك عن الحجاج؟

قال: لقد كان كافرا بالله و ما رأيته يصلي قط خاليا. و ما رأيت أحدا كان أجبن منه، لقد تراءيت له ذات يوم فبلغ من جنبه أنه عجن الطين بماء القرآن و طيّن به خضراء واسط (1).

قلت: فأخبرني عن خالد بن عبد اللّه القسري.

قال: أشجع الناس. و لقد كان به النقرس، فلو أن ذبابة سقطت [24 ب‏] على رجله لصاح منها. و كان له عمود حديد لا يفارقه، فتراءيت له يوما فلم يقدر على القيام و نظر إليّ و قال يا خبيث! لقد علمت أني لا أقدر على القيام. و لكن إن‏

____________

(1) اشتهر الحجاج بالجبن و كان يعيّر بذلك و أشهر المواقع التي فرّ فيها، هروبه أمام غزالة (امرأة شبيب الخارجي) (موسوعة الكنايات العامية البغدادية 2: 295). و عن حياته انظر التخليص المفيد الذي كتبه الشالجي في (موسوعة الكنايات) 2: 332- 343.

269

كنت رجلا فادن مني. ثم حذفني بالعمود حذفة لو أصابتني لأوهنتني. ثم ظهرت ليوسف بن عمر- و كان جبانا- فأدخل رأسه في لحافه و صاح بجارية له يقال لها طائفية: ويلك بادري إليّ، فما جاءته حتى بال في فراشه و لا أخرج رأسه حتى علم أنها عنده، و ظهرت لابن هبيرة فانتضى سيفه و بادر إليّ فاستترت منه، فقال: أما و اللّه لو تظهر لعلمت أنك لا تروع أحدا بعدي.

و قال بشار بن برد يهجو واسط:

على واسط من ربّها ألف لعنة* * * و تسعة آلاف على أهل واسط

أ يلتمس المعروف من أهل واسط* * * و واسط مأوى كلّ علج و ساقط

نبيط و أعلاج و خوز تجمّعوا* * * شرار عباد الله من كلّ غائط

و إنّي لأرجو أن أنال بشتمهم‏* * * من الله أجرا مثل أجر المرابط

ذكر النبط و ما جاء فيهم‏ (1)

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا تبغضوا قريشا، و لا تسبّوا العرب، و لا تذلوا الموالي، و لا تساكنوا الأنباط فإنهم آفة الدين و قتلة الأنبياء، إذا هم سكنوا الأمصار و شيدوا الدور و نطقوا بالعربية و تعلموا القرآن، استولوا على الناس بالمكر و الخديعة فعندها يبغون الإسلام غوائله.

و يروى أنه كان لأبي هريرة صديق يكرمه. فقال له ذات يوم: إني قد أحببتك و لست أدري من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل السواد. فقال له أبو هريرة: تنحّ عني!

فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: أهل السواد قتلة الأنبياء و آفة الدين،

____________

(1) يقول معجم الحضارات السامية عن النبط أو الأنباط أنهم (شعب عربي سكن الشمال الغربي من جزيرة العرب و كان على اتصال بعالم البحر المتوسط. عرفت الدولة النبطية ذروة حضارتها في المرحلة الهلّنسية و كانت أهم قواعدها سلع (البطراء) المنيعة، عاصمة الآدوميين القديمة، مما جعل النبطيين يحتكرون تجارة القوافل التي كانت تنقل المرّ و التوابل من الجزيرة العربية و الحمر من البحر الميت في إيله (ايلات الحالية) ص 837 ثم ذكر قائمة بملوكهم امتد حكمهم بين 169 ق. م. حتى 106 للميلاد.

270

و أعوان الظلمة في كل زمان، و أكلة الربا و أصحاب الأهواء.

و يروى‏ أن قوما [25 أ] أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا نسكن بأرض السواد فنصيب من مرافقها. فقال لهم علي رضي اللّه عنه: إنكم لتساكنون أهل الغفلة و الحسد و البغي و المكر و الخديعة، الذين سهمهم في الإسلام منقوص و حطهم في الآخرة قليل. سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: إذا تفقهت الأنباط في الدين، و نطقت بالعربية و تعلمت القرآن فالهرب الهرب منهم. فإنهم أكلة الربا و معدن الرشا و أهل غش و خديعة لا سهم لهم في الإسلام.

و يروى أن الشيطان عشق خنزيرة فوثب عليها فأحبلها فولدت ابنا فسمته مشنوء. فلما كثر نسله أتى سليمان فقال له أرنا أولادنا. فقال: أولادكم الأنباط الذين يستنبطون الأرض أصبر الناس على حرّ و برد.

و يروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا يدخل الجنة نبطي.

و روي عن عكرمة في قوله «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» قال: كانوا نبط.

و قال عون بن عبد اللّه: لو كان إبليس من الإنس لكان نبطيا لأنهم أبذخ قوم إذا أمروا، و أذل شي‏ء إذا قهروا. يغترفون الهوان و يكفّون الإحسان.

و يروى عن عمر أنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ثلاثة هم شرار الخلق، الشيطان الرجيم، و إمام يخشى غشمه و ظلمه، و النبطي إذا استعرب.

و كان يقال من أحب أن يكثر عياله و يقل خير بنيه فليتزوج نبطية.

و يروى عن أبي هريرة أنه قال: إن إبليس باض سبع بيضات. ثنتان وقعتا بأرض بابل و ثنتان وقعتا بميسان و ثنتان وقعتا ببلاد الخوز و واحدة وقعت بهمينيا.

ففي الثنتين اللتين وقعتا ببابل ذكر و أنثى. اسم الذكر شقتى و الأنثى بلعث.

و قال نصر بن محمد: اسم الذكر ميسان و اسم الأنثى دلغث. و هما اللتان‏

271

بلبلتا الألسن و دعتا إلى الشرك و عبادة [25 ب‏] الأوثان.

و الثنتان اللتان وقعتا بميسان فذكر و أنثى. اسم الذكر هيما و الأنثى همياء.

لهم أذناب منكرة و قلوب قاسية و أكباد غليظة لا يتفقهون. لئام وضعة عتاة فجرة، لا يرقّون للضعيف و لا يجلّون الكبير و لا يستحيون من القبيح.

و الثنتان اللتان وقعتا بالخوز فذكر و أنثى اسم الذكر أبو مرة و الأنثى شيلث.

نسلهما أشر النسل و أقبحه كلاما و أردأه أخلاقا. و يقال إنه بعث إليهم نبي فذبحوه و أكلوه.

و أما التي وقعت بهمينيا فذكر يقال له أحول. نكح جارية من الإنس فأولدها شيطانا مريدا.

و يروى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا تناكحوا الأنباط و لا تسترضعوا فيهم، فإنهم يورثون أولادكم اللؤم النبطي.

و قالوا في قول اللّه عزّ و جلّ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا» قال: هم النبط.

و قال مقاتل بن سليمان: الأنباط من ولد شناص بن إبليس و إن شناص نكح شاة لآدم (عليه السلام) يقال لها ورسة فولدت أبناء فسماه نباط.

و قال وهب بن منبه: حبس سليمان (عليه السلام) نبطيا من أهل دستميسان و قيّده. فجاء أهل السجن يشكونه. فدعا به و قال: ويلك! أما يشغلك بما أنت فيه من ضيق المجلس و ثقل الحديد حتى يشكوك الناس؟ فقال: لا أعود يا نبي اللّه.

فقال: زيدوه قيدا و ردوه. ففعلوا ذلك. فعاود أهل السجن يشكونه. فدعا به و قال له مثل قوله الأول. فقال: لا أعود. فقال: زيدوه قيدا آخر و ردوه. ففعلوا. فلم يقم إلّا يوما حتى عاد أهل السجن يشكونه. فأحضره و قال له مثل قوله الأول و زاده قيدا. فلم يكفه ذلك. و عادوا فشكوه. فلما شكوه الرابعة، نقله عنهم إلى سجن الجن، فجاء الجن يضجون منه و يشكونه. فدعا به و أمر بضربه فضرب و زاده قيدا

272

آخر. فشكوه ثلاثا في كل ذلك يزيدونه‏ (1) قيدا. فلما كان في الرابعة قال لهم: ما الذي يصنع بكم حتى ضججتم منه؟ فقالوا: يا نبي اللّه! أعظم ما نشكو منه السعاية و النميمة. قد تقاتلنا [26 أ] على يده.

فأخرجه عنهم و دعا بصخر المارد- و كان ينقل الصخر من فارس إلى الشام- فقال له: يا صخر! اكفني مؤونة هذا النبطي و ليكن معك في سلسلة. ففعل ذلك.

فبينا سليمان في بعض مواكبه و قد حملته الريح، إذ عارضه صخر في الهواء و النبطي معه في سلسلة، و صخر يستغيث إلى سليمان و يستوقفه. فأمر سليمان الريح فركدت و دعا به فسأله عن شأنه فقال: يا نبي اللّه! اعفني من هذا النبطي و اقرن معي مائة عفريت في موضعه. قال: و ما الذي يصنع بك؟ قال: يا نبي اللّه! يدعني حتى إذا حملت الصخرة على رأسي، استقدم في سلسلتي و لفّها على صدره ثم جذبني و طرح نفسه على وجهه، فأقع على وجهي و تقع الصخرة على عنقي و ظهري. فأقول له: ما شأنك؟ فيقول: أثرت- و يريد عثرت-. ثم أقوم فأجعلها على رأسي و أقول له: تأخر فكن من ورائي حتى لا تعثر، فيفعل. ثم يقبض على الطوق الذي في عنقه و يستعقد فيطرحني على ظهري و تقع الصخرة على جنبي.

فأقول: ويلك! ما ذا دهاك؟ فيقول: أنت شيطان من الشيوط و نهن لا نلهق بك.

يريد: أنت شيطان من الشيطان و نحن لا نلحق بك. فضحك سليمان ثم قال: قد جعلتك يا نبطي عريفا على الجن النقالة فخذهم بالجد و استعجلهم في الحمل.

فمضى لذلك.

فقال له الجن: إن بيننا و بينك رحما ماسة فانظر لنا في ولايتك، قال لهم:

و أي رحم بيننا و أنتم من الجن و أنا من الإنس؟ قالوا: إن هاهنا امتزاجا آخر لا تعرفه. قال: و ما هو؟ قالوا: إنه لما ملك سليمان أتته ملكة دستميسان فسألته أن يوجه معها شيطانين يبنيان لها قصرا من وقت طلوع الشمس إلى الظهر. ففعل ذلك و وجه معها شيطانين يقال لأحدهما أكي، فبنياه لها إلى قبل الظهر. فلما فرغا منه‏

____________

(1) في الأصل يزيدوه.

273

قالا لها: أشغلينا في عمل آخر إلى الليل، فإنا لا نجسر أن نرجع إلى سليمان.

قالت: ما لي [26 ب‏] عمل، قد فرغتما من عملي الذي أردت. قالا: فإنّا نهدم القصر و نتشاغل بذلك إلى آخر النهار فتحتاجين أن ترجعي إلى سليمان فتعيدي عليه المسألة. فلما رأت الجدّ منهما دفعت إلى أحدهما مسحا أسود و قالت:

اغسله حتى يبيضّ. و قالت للآخر: تعال حتى أشغلك في عمل آخر. و استلقت على قفاها و كشفت عن فرجها و قالت: رشّ على هذا الجرح ماء و روّحه حتى يلتحم. و كان الذي فعلت به هذا يسمى أكي. فلما روّحها ساعة و رآه لا يلتحم دعته نفسه إلى مواقعتها. ففعل و أحبلها فولدت الشيصبان و تالي و داقويه. و هم بنو عمك و قرائبك. فلينفعنا هذا عندك.

فقال النبطي: هذه لعمري رحم ماسة و في دون رعاية و حفاظ، و لن أدع القيام بشأنكم، فما الذي تشكون؟

قالوا: ما نحن فيه من التعب و نقل هذا الصخر من فارس إلى الشام.

قال: أو ليس إنما تنقلونه ذاهبين فتستريحون راجعين؟

قالوا: بلى.

قال: فهذا نصف الطريق. فتركهم و انطلق إلى سليمان فقال: يا نبي اللّه! أ تظن أنك قد شغلت هؤلاء الجن الذين ينقلون الصخر و كففتهم عن التولّع ببني آدم؟

قال: نعم.

قال: فاعلم أنهم يرجعون فرّغا يعبثون بالناس في طريقهم و يؤذونهم.

قال: فما ينبغي أن أصنع بهم؟

قال: تحملهم الصخر من فارس إلى الشام لبناء بيت المقدس، و يحملون من الشام إلى فارس المرمر فيبنى لك به ما تريد و تكفهم عن أذى الناس. ففعل بهم ذلك.

274

فقالوا للنبطي: ويحك! زدتنا تعبا على تعبنا. و قد رجونا أن تخفف عنا.

قال: أو ليس عملكم إنما هو بالنهار، و بالليل أنتم مستريحون؟

قالوا: بلى.

قال: فإنما تعملون نصف الدهر و نصفه تبطلون. ثم انطلق إلى سليمان فقال: يا نبي اللّه! اعلم أن هؤلاء الجن النقّالة يعملون نهارهم. فإذا كان الليل عرجوا إلى السماء و استرقوا السمع و أتوا [27 أ] الكهان فخبروهم بذلك و عبثوا بالناس و البهائم.

قال: فما الحل؟

قال: تبني حول مدينتك هذه أركانا معلقة على عددهم. فإذا فرغوا من عملهم نهارا أمرتهم فصعدوا ليلهم إلى هذه الأركان و تأمرهم بالتسبيح و التهليل إلى الصباح. فيكون لك ثواب ذلك. و من فقدت صوته منهم عذبته فإنك تعرف أصواتهم و لا يخفى عليك شي‏ء منها.

ففعل ذلك بهم فشكوا إلى إبليس ما قد حلّ بهم فقال: ليس وراء هذه الشدّة شي‏ء فتوقعوا الآن الفرج. فلم تمض إلّا أيام يسيرة حتى مات سليمان (عليه السلام).

و كان رجل من أهل السواد في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخلف.

بعض عمال عمر على السواد. فأتاه غلام من العرب و هو في قرية تدعى براثا من برّ رخسابور فسأله أن يحمله فأبى، و سأله القرى فالتوى. فلما أكثر عليه قال: يا غلام! أعطه دجاجة. فانصرف الغلام و هو يقول- و كان العامل يكنى أبا جبيرة:

أتيت أبا جبيرة في براثا* * * فقال الحق بأهلك يا غلام‏

و هاك دجاجة فتعشّ منها* * * و لا يكثر عليّ لك الكلام‏

فبلغ خبره عمر، فجعل على أهل السواد قرى الضيف و حمل المنقطع و إرشاد الضال.

و قال ابن عباس: النبطي و الأعرابي لا يقطعان أمرا دون نسائهما.

275

و قال المدائني: أمر بعض ملوك العجم رجلا من حاشيته فقال له: صد شرّ الطير و اشوه بشر الحطب و أطعمه شر الخلق. فصاد رخمة و شواها ببعرة و قدّمها إلى رجل خوزي. فقال له الخوزي: أخطأت. اذهب فصد بومة و اشوها بدفلى و أطعمها نبطيا ولد زنى. ففعل ذلك و عرفه الملك. فقال: لا يحتاج أن يكون ولد زنى. كفاه أن يكون نبطيا.

و عن سعيد بن المسيب قال: كتب سليمان بن داود (عليه السلام) كتبا إلى الناس و إلى [27 ب‏] النسناس و إلى أشباه الناس و إلى أولاد الشياطين. فأما الناس فأهل الصلاح و العلم. و أما النسناس فأهل الأسواق. و أما أشباه الناس فأهل الجهل. و أما أولاد الشياطين فالنبط.

و قال إسماعيل بن عبد اللّه: قال لي المنصور: صف لي الناس. قلت:

ليسأل أمير المؤمنين عما أحب. قال: ما تقول في أهل الحجاز؟ قلت: مبدأ الإسلام و بقية العرب. قال: فأهل العراق؟ قلت: قطر الإسلام و مقاتلة الدم. قال:

فأهل الشام؟ قلت: حصن الأمة و أسنة الأئمة. قال: فأهل خراسان؟ قلت: فرسان الهيجاء و أعنّة الرجاء. قال: الترك؟ قلت: إخوة السباع و أبناء المغازي. قال:

فالهند؟ قلت: حكماء استغنوا ببلادهم و اكتفوا بما يليهم. قال: فالروم؟ قلت:

أهل كتاب و تدين، نجاهم اللّه عن القرب و صيّرهم إلى البعد قال: فالأنباط؟ قلت:

شرار الخلق و عبيد من غلب.

و قال شيبة بن عثمان: ما أحد أنقر عن صغيرة و لا أركب لكبيرة من أهل العراق لقربهم من النبط.

و قال إسحاق بن طلحة بن أشعث: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقال أقرهم و لا تستقرأهم و علّمهم و لا تعلّم منهم، و حدثهم و لا تستمع حديثهم.

قلت: و لم ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنهم خالطوا الأنباط ففيهم غشهم و مكرهم و خديعتهم.

و لما غلب أردشير على ملك النبط رأى جمالهم و عقولهم. قال: ما أخوفني‏

276

أن حدث فيّ حدث أن يعود الملك إلى هؤلاء. ففرض لهم فرضا و بعث متهم بعوثا و أغزاهم خراسان. فأهل المرو من النبط، ففيهم شحّهم و غدرهم.

و قال الهيثم بن عدي: إنما سموا نبطا لأنهم استنبطوا المياه و حفروا الأنهار.

فمن ذلك: الصراة، و نهر سورا، و نهر أبّا.

و قد قيل إن الصراة حفرها أفريدون جشنش و نهر أبّا حفر أبّا بن المصمغان و نهر الملك حفر أقفور شاه بن بلاش، قتله أردشير بن [28 أ] بابكان. و نهر الملك حفره شابور.

و كانت سرة الدنيا في يد النبط، و ذلك أن الفرات و دجلة ينصبان جميعا من الشام فلم يكن أحد ينتفع بهما إلّا النبط. و كان حدّ ملكهم الأنبار إلى عانات إلى كسكر و ما والاها من كور دجلة. و ملك آل ساسان من المدائن إلى نهر بلخ إلى السند إلى الروم إلى حد البادية.

و قال عبد الملك بن الماجشون: قلت لخالي: أخبرني عن أهل العراق.

قال: أهل العراق على عقولهم جلدة رقيقة ما لم تزل عنها فلا بأس بعقولهم. فإذا زالت كشفتهم عن الترك أجمع.

و قال ابن عمر: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم بارك لنا في مكّتنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: يا رسول اللّه. و في (؟) (1) قال: هناك الزلازل و من هناك يطلع قرن الشيطان.

و لما ملكت النبط الأرض خرجوا إلى الصحراء و معهم العصيّ يلقونها إلى السماء و يقولون: قد غلبنا أهل الأرض فانزلوا يا أهل السماء حتى نقاتلكم. فبعث اللّه عليهم أهل ماه في أربعين ألفا فقتلوهم و ملكوا بلادهم مائة عام.

و قال ابن عياش: كان آخر ملوك النبط سنحاريب و كان ملكه ثلاثمائة سنة.

____________

(1) بياض في الأصل.

277

و كان بعده بخت نصر. و قال غيره: كان ملكهم ثلاثة آلاف سنة. و كان قبل إبراهيم (عليه السلام).

و إنما سموا النبط لأنهم أنبطوا الأرض أي احتفروا أنهارها الكبار.

و قال ابن الكلبي: لما هلكت عاد قيل ثمود أرم. ثم هلكت ثمود قيل لبقايا أرم: أرمان. فهم النبط الأرمانيون.

و قال بعضهم: لما سلب سليمان (عليه السلام) ملكه، و ثبت مردة الشياطين على نساء من الإنس فولدن منهم أولادا كثيرة. فلما ردّ اللّه عليه ملكه، شكا الناس ذلك النسل إلى سليمان. فأمر الشياطين فعملت له بساطا طويلا عريضا. ثم أمر بذلك النسل فحملوا على البساط ثم أمر العاصف من الريح فحملهم [28 ب‏] حتى ألقاهم بميسان.

و قال ابن عباس: لو كان الشيطان إنسيا لكان نبطيا

.

278

القول في مدينة السلام بغداد

قال بعض العلماء: بغداد تسمى بغداذ و بغدان‏ (1). قالوا و هي تسمى مدينة السلام أيضا. فأما الزوراء فهي مدينة المنصور خاصة. و سميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام.

و قال موسى بن عبد الحميد النسائي: كنت جالسا عند عبد العزيز بن أبي دؤاد فأتاه رجل فقال: من أين أنت؟ قال من بغداد. قال: لا تقل بغداذ. فإن بغ صنم وداد عطاء. و لكن قل مدينة السلام. فإن اللّه هو السلام و المدائن كلّها له.

و قالوا: سميت بغداد لأن كسرى أهدي له خصي من المشرق فأقطعه بغداد.

و كان لقوم ذلك الخصي صنم بالمشرق يقال له البغ. فقال الخصي: بغداد. يعني ذلك الصنم أعطاه ذلك الموضع.

و يقال إن بغداد كانت سوما يقصدها تجار الصين بتجاراتهم فيربحون الربح الواسع. و كان اسم ملك الصين بغ. فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا: بغ داد، أي ذلك الربح الذي ربحناه أعطاناه الملك.

و داد لقطة بالفارسية و هو الإعطاء.

و قال قوم: سميت مدينة السلام أرادوا أنها مدينة اللّه. لأن اللّه هو السلام المؤمن. و قد جرى لها هذا الاسم على ضرب الدنانير و الدراهم و ما تقع به الأشرية في الكتب و يتبايع به الناس و ما يقع فيها من غلّات الطساسيج من الحنطة و الشعير

____________

(1) ورد اسم بغداد في المخطوطة- و بالذات في هذا الفصل- بالذال (بغداذ) و تكرر ذلك كثيرا.

و قد آثرنا أن نكتب الاسم بالدال. انظر مقدمة الكتاب.

279

و ما يسمى به القفيز، فيقال قفيز مدينة السلام.

و اسمها الأول الزوراء، و الزوراء مدينة أبي جعفر. و الناس يسمونها بغداد، و الخلفاء يسمونها مدينة السلام. و مدينة بغداد بناها أبو جعفر المنصور سنة خمس و أربعين و مائة.

و قال عبيد اللّه بن إسحاق: بنى أبو جعفر بغداد سنة خمس و أربعين و مائة، و ارتفع بناؤها سنة تسع و أربعين.

و قال إبراهيم بن الجنيد: قطن أبو جعفر بغداد سنة تسع و أربعين و مائة.

و كان أسسها قبل [29 أ] ذلك بسنة أو ثنتين. و كانت‏ (1) قديمة فمصرها و أخذ في بناء المدينة، فلما بلغه خروج محمد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (عليهم السلام)، ترك البناء و عاد إلى الكوفة و حوّل بيوت الأموال و الخزائن إليها.

فلما انقضى أمر محمد و إبراهيم رجع فاستتم بناءها و بنى سورها القديم سنة سبع و أربعين و مائة. و توفي سنة ثمان و خمسين و مائة. و قبل ذلك بنى الرصافة في جانب الشرقي للمهدي. و كانت الرصافة تعرف بعسكر المهدي لأنه عسكر به حين شخص إلى الري. فلما قدم من الري نزل الرصافة، و ذلك في سنة إحدى و خمسين و مائة.

و قد كان المنصور أمر ببناء قصر للمهدي. و هو المعروف بقصر الوضاح في الشرقية. فبني و نسب إلى الوضاح- و الوضاح رجل من أهل الأنبار تولّى النفقة عليه فنسب إليه.

و بنى المنصور مسجدي مدينة السلام، و بنى القنطرة الجديدة على الصراة و ابتاع أرض مدينة السلام من أرباب القرى ببادرويا و قطربل و نهر بوق و نهر بين و أقطعها إلى أهل بيته و قواده و جنده و صحابته و كتّابه، و جعل مجمع الأسواق‏

____________

(1) من قوله (و كانت قديمة فمصرها) إلى قوله الآتي (فابتنوا الحوانيت و ألزمهم الغلة) تشبه مادته- و أحيانا ألفاظه- ما هو موجود في فتوح البلدان 293. و لا ذكر لإبراهيم بن الجنيد لدى البلاذري.

280

بالكرخ. و أمر التجار فابتنوا الحوانيت و ألزمهم الغلة.

و روي أن رجلا من أهل الحيرة جاء إلى المثنى بن حارثة الشيباني فقال: ألا أدلّك على قرية يأتيها تجار من مدائن كسرى و السواد و يجتمعون بها في كل سنة يوما و معهم من الأحوال مما لا يحد. و هذه أيام سوقهم. فإن أنت أغرت عليهم أصبت فيها مالا يكون غناء للمسلمين و تقوية على عدوهم.

قال: فأي شي‏ء يقال لهذه القرية؟

قال: بغداد.

قال: و كم بينها و بين المدائن؟

قال: بعض يوم.

قال: و كيف لي بها؟

قال: تأخذ طريق البرّ حتى تنتهي إلى الخنافس، فإن أهل الأنبار سيصيرون إليها و يخبرون عنك فيأمنون. ثم تعرج على أهل الأنبار و تأخذهم بالأولى و تسير ليلتك من الأنبار حتى تأتيهم صبحا فتغير عليهم و هم غارون.

فخرج من أليس إلى [29 ب‏] الخنافس ثم عرّج حتى رجع إلى الأنبار. فلما أحسّه صاحبها تحصّن و هو لا يدري من هو- و ذلك ليلا- فلما عرفه نزل إليه فأطمعه و خوّفه و استكتمه و قال: إني أريد أن أغير فابعث معي الأدلاء حتى أغير منها على المدائن. قال: أنا أجي‏ء معك. قال: لا، و لكن ابعث معي من هو أدل منك. فبعث معهم الأدلاء. حتى إذا كانوا بالمنصف قال لهم المثنى: كم بيننا و بين هذه القرية؟ قالوا: أربعة فراسخ. فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس؟ فانتدب له قوم. فقال: اذكوا حرسكم و نزل. فلما كان في آخر الليل أسرى إليهم و صبّحهم و هم في أسواقهم فوضع فيهم السيف، فقتل و أخذ ما شاء. ثم قال: يا أيها الناس! لا تأخذوا إلّا الذهب و الفضة و لا تأخذوا من المتاع إلّا ما يقدر الرجل أن يحمله على دابته. و هرب أهل السوق. و ملأ المسلمون أيديهم من الصفراء و البيضاء.

281

ثم سار حتى وافى الأنبار و ذلك في سنة ثلاث عشرة (1).

قال‏ (2): و خرج المنصور منحدرا إلى جرجرايا ليرتاد منزلا. ثم صار إلى بغداد و منها إلى الموصل. ثم عاد إلى موضع بغداد. فقال: هذا موضع معسكر جيد. هذه دجلة يأتينا كل ما في البحر منها، و تأتينا أيضا فيها الميرة من الجزيرة و أرمينية و ما والاها. و هذا الفرات يحمل فيه متاع الشام و الرقة و ذلك البلد. فنزل و ضرب عسكره على الصراة و اختطّ المدينة و وكّل بكل ربع قائدا.

و قال سليمان بن مجالد (3): أفسد أهل الكوفة جند المنصور فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا- و طريق الناس يومئذ على المدائن- فخرجنا على ساباط.

فتخلّف بعض أصحابنا لرمد أصابه. فأقام يعالج عينيه. فسأله الطبيب أين يريد أمير المؤمنين قال: يرتاد منزلا. قال: فأنّا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة بين الصراة و دجلة تدعى الوزراء. فإذا أسسها أتاه فتق من الحجاز فقطع بناءها و أقبل على إصلاح ذلك الفتق فإذا كاد أن يلتئم أتاه فتق آخر من البصرة هو أعظم عليه من الأول [30 أ] فلا يلبث الفتقان أن يلتئما. ثم يعود إلى بناءها فيتمه.

فيعمر عمرا طويلا و يبقى الملك في عقبه. قال: فأخبرت المنصور بذلك. فقال:

اللّه أكبر! و اللّه هو. لقد لقبت مقلاصا و أنا صبي لخبر كان لي ثم انقطع ذلك اللقب عني.

و قال ابن عياش‏ (4): لما أراد المنصور الانتقال من الهاشمية، بعث روادا يرتادون له موضعا يبني فيه مدينة، و يكون الموضع واسطا رافقا بالعامة و الجند.

فنعت له موضع قريب من بارمّا. و ذكر له عنه غذاء و طيب. فخرج إليه بنفسه حتى‏

____________

(1) إغارة المثنى هذه على بغداد نقلها الطبري (3: 473) عن سيف بن عمر التميمي.

(2) روى الطبري 7: 614 هذه الرواية بدون سند كما فعل ابن الفقيه.

(3) الرواية في الطبري 7: 615 و قد ولي سليمان هذا للمنصور و المهدي ولايات (ابن الفقيه 38 ب) و هو من القادة العسكريين (مروج 3: 297 و الطبري 8: 92).

(4) هو عبد اللّه بن عياش المنتوف الهمداني المرهبي الراوي. و الرواية من هنا إلى قوله (ابنوا على بركة اللّه) في الطبري 7: 615.

282

نظر إليه و بات فيه فرآه موضعا طيبا فقال لجماعة من خاصته منهم سليمان بن مجالد و أبو أيوب الخوزي و عبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: هو موضع طيب موافق صالح. قال: صدقتم هو كذلك. و لكنه لا يحتمل الجند و الناس. و إنما أريد موضعا ترتفق به الرعية و يوافقها و لا تغلو عليها فيه الأسعار و لا تشتد فيه المؤونة. فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه في البرّ و البحر، غلت الأسعار و قلّت المادة و اشتدت المؤونة و شق ذلك على الناس. و قد مررت في طريقي بموضع قد اجتمعت فيه هذه الخصال. فأنا راجع إليه و بائت فيه. فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي و للناس.

قال: فأتى موضع بغداد و عبر في موضع قصر السلام ثم صلّى العصر و ذلك في صيف و حر شديد، قال: و كان في ذلك المكان بيعة. فبات أطيب مبيت و أقام يومه. فلم ير إلّا خيرا فقال هذا موضع صالح للبناء. فإن المادة تأتيه من الفرات و دجلة و جماعة الأنهار، و لا يحمل الجند و الرعية إلّا مثله. فخطّ المدينة و قدّر البناء و وضع أول لبنة بيده و قال: بسم اللّه و الحمد للّه و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة اللّه.

و ذكر سليمان بن مجالد (1) أن المنصور لمّا قدم القائد الذي بعث به يرتاد منزلا- و كان من ثقاته- انصرف [30 ب‏] راجعا حتى نزل عند الدير الذي بحذاء القصر المعروف بالخالد. ثم دعا صاحب الدير و أمره بإحضار البطريق- و كان هناك بطريق مقيم و صاحب بغداد و صاحب المخرم و صاحب دير القس و صاحب العتيقة و هؤلاء تنّاء بالناحية لكل واحد منهم ضياع حول بغداد- فلما حضروا عنده سألهم عن مواضعهم و كيف هي في الحرّ و البرد و الأمطار. فكل واحد منهم قال قولا يقدر ما عنده. ثم إنه وجّه رجالا من ثقاته. فبات كل واحد منهم في قرية من القرى القريبة من بغداد، فلما عادوا إليه اتفق قولهم على طيب الموضع و صحة هوائه. فقال لصاحب بغداد و هو الدهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربعة

____________

(1) لدى الطبري 7: 616 الرواية عن بشر بن ميمون الشروي و سليمان بن مجالد

283

المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي و داره قائمة على بنائها- و كان عاقلا فهما- ما الرأي عندك فيما قد عملت عليه من البناء في أحد هذه المواضع؟

فقال: يا أمير المؤمنين! سألتني عن هذه الأمكنة و طيبها، و هي كلها طيبة و الاختيار إليك فيها.

فقال له المنصور: دع اختياري و أخبرني عما عندك في مكان منها.

فقال: الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد. فإنك بين أربعة طساسيج. منها طسوجان في الجانب الغربي، و طسوجان في الجانب الشرقي.

فاللذان في الغربي فهما قطربل و بادرويا. و أما اللذان في الشرقي فهما نهر بوق و كلواذى. فإن خرب منها طسوج أو تأخرت عمارته، كان الآخر عامرا. و أنت يا أمير المؤمنين على الصراة و دجلة. تجيئك الميرة من المغرب في الفرات و من الشام و مصر و سائر تلك البلدان. و تحمل إليك طرائف الهند و الصين و السند و البصرة و واسط في دجلة. و تجيئك ميرة أرمينية و آذربيجان و ما يتصل بها في تامرّا. و تجيئك الميرة من الروم و آمد و ميافارقين و أرزن و الثغور الخزرية و من الجزيرة و الموصل و بلد و نصيبين إلى مشارق الشام في دجلة، و أنت بين الأنهار لا يصل [31 أ] إليك عدوك إلّا على جسر أو قنطرة. فإذا قطعت الجسر و أخربت القنطرة لم يصل إليك. و أنت بين دجلة و الفرات لا يجيؤك أحد من المشرق و المغرب إلّا احتاج إلى العبور، و أنت متوسط للبصرة و الكوفة و واسط و السواد.

و أنت قريب من البرّ و البحر و الجبل.

فازداد المنصور رغبة في الموضع و أمر بالبناء فيه.

و قال له ذلك الدهقان: نعم يا أمير المؤمنين، و هاهنا شي‏ء آخر. قال: و ما هو؟ قال: إن المدن تحصن بالاسوار و الخنادق. و قد رزقك اللّه سوقا و خندقا لم يعمل مثلهما لسائر مدن الشرق و الغرب. قال: و ما هما؟ قال: دجلة و الصراة يكتنفان مدينتك من جانبيها. فقال: صدقت يا دهقان.

284

قال سليمان بن مجالد (1): و وجه المنصور في حشر الصنّاع و الفعلة من الشام و الموصل و الجبل و الكوفة و واسط و البصرة، فأحضروا. و أمر باختيار قوم من أهل الفضل و العدالة و الفقه و الأمانة و المعرفة بالهندسة. فجمعهم و تقدم إليهم أن يشرفوا على البناء و كان فيمن أحضر الحجاج بن أرطاة و أبا حنيفة. ثم أمر بخط المدينة و حضر الأساسات و ضرب اللبن و طبخ الآجر، فبدئ بذلك.

و كان أول ابتدائه في عملها سنة خمس و أربعين و مائة.

و كان المنصور (2) أراد أبا حنيفة أن يتولى له شيئا من أمرها فأبى. و أراده على القضاء فأبى أيضا. فحلف المنصور أن لا بدّ له من أن يتولاه فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل. فولّاه عدّ اللبن و أخذ الرجال بالعمل. و إنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه. فكان أبو حنيفة يتولى ذلك حتى فرغ من استتمام الحائط الذي يلي الخندق. و كان الفراغ منه سنة تسع و أربعين و مائة.

و كان أبو حنيفة أول من عدّ اللبن بالقصب.

قال: و أمر المنصور (3) بإحكام الأساس و أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا. و أن يكون أعلاه عشرين ذراعا و أن يجعل في البناء جرز القصب [31 ب‏] مكان الخشب. فلما بلغ السور مقدار قامة- و ذلك في سنة خمس و أربعين و مائة- اتصل به خروج محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن رضي اللّه عنهم. فقطع البناء حتى فرغ من أمره و أمر أخيه إبراهيم بن عبد اللّه.

و قال جابر بن داود: كانت بغداد قديمة، و كانت في أيدي قوم من الدهاقين بعضها منسوب إلى طسوج بادرويا من الجانب الغربي. و كان الجانب الشرقي بعضه إلى طسوج نهر بوق و بعضه إلى كلواذى و الفرق ما بين الطسوجين الموضع المعروف بالفارقين حتى مصّرها المنصور.

____________

(1) لدى الطبري 7: 618.

(2) الطبري 7: 619.

(3) الطبري 7: 619.

285

و قال علي بن يقطين: كنت في عسكر أبي جعفر حين صار إلى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينته. قال: فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة. فما زال على دابته ذاهبا و جائيا منفردا عن الناس يفكر. قال: و كان في الدير راهب عالم فقال لي: كم يذهب هذا الملك و يجي‏ء؟ قلت: يريد أن يبني مدينة. قال:

فما اسمه؟ قلت: عبد اللّه بن محمد. قال: أبو من؟ قلت: أبو جعفر. قال: يلقب بشي‏ء؟ قلت: المنصور. قال: ليس هو الذي يبنيها. قلت: و لم؟ قال: لأنّا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن، الذي يبني مدينة في هذا المكان يقال له مقلاص. قال: فركبت من وقتي حتى تقدمت منه فقال: ما وراءك؟ قلت: خبر ألقيه إليك و أريحك هذا العناء. قال: و ما هو؟ قلت: أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء الرهبان معهم علم، و قد أخبرني راهب هذا الدير بكيت و كيت. فلما ذكرت مقلاصا ضحك و استبشر و نزل عن دابته فسجد و أخذ سوطه فأقبل يذرع به. فقلت في نفسي لحقه اللجاج. ثم دعا المهندسين من وقته فأمرهم بخطّ الرماد. فقلت له: أظنك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب و تكذيبه. فقال: لا و اللّه و لكني كنت ملقبا بمقلاص، و ما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري. فاسمع حديثي بسبب [32 أ] هذا اللقب: كنا بناحية الشراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم.

فكنت و من كان في مقدار سنّي من عمومتي و اخوتي نتداعى و نتعاشر، فبلغت النوبة إليّ يوما من الأيام و ما أملك درهما واحدا فما سواه، فلم أزل أفكر و أعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لي فسرقته ثم وجهت به فبيع و اشتري بثمنه ما احتجت إليه و جئت إلى الداية فقلت لها: افعلي كذا و اصنعي كذا. قالت: و من أين لك ما أرى؟ قلت: اقترضت دراهم من بعض أهلي. ففعلت ما أمرتها به. فلما فرغنا من الأكل جلسنا للحديث، طلبت الغزل فلم تجده، فعلمت أني صاحبه.

و كان في تلك الناحية لصّ يقال له مقلاص شهر بالسرقة. فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها قد وقفت على ما عملت. فلما ألحت و أنا لا أخرج قالت: اخرج يا مقلاص! الناس يتحرزون من مقلاصهم و مقلاصي معي في البيت. فمزح معي اخوتي و عمومتي بهذا اللقب ساعة. ثم لم‏

286

أسمع به إلّا منك الساعة، و قلت إن الراهب قال لك ذلك. فعلمت أن أمر هذه المدينة سيتم عليّ لصحة ما وقفت عليه.

قال الشروي: أخبرني بعض المشايخ الموالي أن المنصور لما أراد بناء بغداد وسط المكان الذي قدر أن يجعله مدينة و أمر أن يوتد هنالك وتد و أخذ حبلا فمدّه على المقدار الذي أدار أن تكون استدارتها ثم أمر بطرح الرماد فطرح ثم نقص من مقداره أربعين ذراعا. ثم أراد خطا آخر و جعل من الخطين الخندق. و جعل فتحة أربعين ذراعا ثم عمل السور الذي خلف الفصيل و عرضه من أسفله ثمانية عشر ذراعا، و عرض أعلاه ثمانية أذرع. و جعل على ذراع منه مما يلي الخندق الشرافات فصار الباقي خمسة أذرع يمشي عليها الناس.

قال حماد التركي: بنى المنصور المدينة مدورة. لأن المدورة لها معان ليست للمربعة، و ذلك أن المربعة إذا كان [32 ب‏] الملك في وسطها كان بعضها أقرب إليه من بعض. و المدورة من حيث مسحت كان أمرها إلى وسطها مستويا لا يزيد بعضه على بعض. و بنى لها أربعة أبواب فكان إذا جاءها الجائي من المشرق، دخل من باب خراسان. و إذا جاءها من الحجاز، دخل من باب الكوفة، و إذا جاء من المغرب، دخل من باب الشام، و إذا جاء من فارس و الأهواز و البصرة و واسط و اليمامة و البحرين و عمان، دخل من باب البصرة.

و عمل لها سورين و فصيلين، بين كل باب فصيلان، و السور الداخل أطول من الخارج. و أمر أن لا يبني إنسان تحت السور شيئا من المنازل. و أمر أن يبنى في الفصيل الثاني مع السور المنازل، لأن ذلك أحصن للسور. ثم بنى قصره في وسطها، و بنى المسجد الجامع مع القصر و عمل الشوارع على ما أراد، و أقطعها القوّاد و أنزل فيها خاصته و أهل ثقته. و جعل الطول من باب خراسان إلى باب الكوفة ثمانمائة ذراع. و من باب الشام إلى باب البصرة ستمائة ذراع. و عدد الطاقات في السور الكبير ثلاثة و خمسون طاقا سوى الطاق المفتوح. هذا في كل صف. و الطاقات الصغار التي تلي الرحبة في كل صف ست طاقات سوى طاقي‏

287

البابين. و ساحة القصر أربعمائة ذراع في مثلها. و ساحة المسجد الجامع مائتا ذراع في مثلها.

و الذي خط المسجد الحجاج بن أرطاة و جعل حوالي القصر و المسجد رحابا على تربيع القصر و الجامع. و جعل الأبواب الداخلة مزواة ليست على سمت الأبواب الخارجة. فلذلك سميت الزوراء. و بين القصر و بين كل باب من الأبواب مساحة قائمة لا يزيد بعضها على بعض. و كذلك بينه و بين كل ناحية من السور و أساطين الخشب التي في المسجد الجامع كل أسطوانة قطعتين بعقبتين () (1) و الغرى و ضبات الحديد إلّا خمسة أو ستة عند الشنال‏ (2) الذي يلي المنارة ثمان في كل واحدة عدة قطع معقبة محكمة.

و قال بعض أهل بغداد (3): هدمنا قطعة من السور الذي يلي باب المحول فوجدنا لبنة عليها مكتوب بمغرة: وزنها مائة و سبعة عشر رطلا فوزنّاها فوجدنا ذلك كما كتب عليها.

و قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي‏ (4): لما أراد المنصور بناء مدينته شاور أصحابه في ذلك، و كان فيمن شاوره خالد بن برمك فأشار عليه ببنائها. فلما عمل منها صدرا صالحا احتاج إلى الآجر، فعزم على نقض إيوان كسرى الذي بالمدائن.

فاستشار في ذلك أيضا فأشار عليه جماعة خواصه أن يفعل. و كان فيهم خالد بن برمك فلم يقل شيئا فقال له: لم لا تكلم يا خالد و تشير بما عندك؟ قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين. قال: و لم؟ قال: لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به الناظر و الوافد و الملوك على عظم شأن أربابه و عن سلطانهم، و ان الإسلام قهرهم و أزالهم عنه. و أيضا فإن فيه مسجدا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، قال: هيهات يا خالد! أبيت إلّا التعصب لأصحابك و الميل إليهم. و أمر

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) لعلها: الشباك.

(3) الطبري 7: 652.

(4) الطبري 7: 650 (و ذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال ...)

288

بنقضه و نقض ما حوله من الأبنية. قال: فنقض شي‏ء من ذلك و حمل آجره إلى بغداد فوجدوا أن النفقة على هدمه و حمله و مؤونته أكثر مما ينفق على الآجر الجديد إذا عمل. فرفع ذلك إلى المنصور فأمر بتركه و أحضر خالدا فعرّفه الخبر و قال له ما عندك في هذا؟ فقال: قد كنت أشرت على أمير المؤمنين أن لا تعرض لشي‏ء من نقضه فلم يفعل، فأما الآن و قد ابتدأ بذلك فما أرى أن يكف عنه حتى يلحقه بقواعده لئلا يقال إنه عجز عن هدم ما بناه غيره. و الهدم أيسر من البناء.

فتبسم المنصور و أمر بترك ذلك.

قال: و أمر (1) المنصور أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب سوقا. فلم تزل على ذلك مدة حتى قدم عليه بطريق من الروم وافدا من عند الملك فأمر الربيع أن يطوف به المدينة حتى ينظر إليها و يتأملها و يرى سورها و أبوابها [33 ب‏] و ما حولها من العمارة و يصعد السور حتى يمشي عليه من أوله إلى آخره، و يريه قباب الأبواب و الطاقات و جميع ذلك. ففعل الربيع ما أمره به. فلما دخل إلى المنصور قال له: كيف رأيت مدينتي؟ قال: رأيت حسنا و مدينة حصينة إلّا أن أعداءك معك فيها. قال: و من هم؟ قال: السوقة، يوافي الجاسوس من بعض الأطراف فيدخل لعلة ما يشتري فيتجسس الأخبار و يعرف ما يريد و ينصرف من غير أن يعلم به. فسكت المنصور. فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوقة من المدينة و تقدم إلى إبراهيم بن الحبيش الكوفي و خراش بن المسيب اليمامي بذلك.

و أمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ و يجعلاها صفوفا، لكل سوق صف، و أن يدفعوها إلى الناس، فلما فرغا من ذلك، حوّل السوق من طاقات المدينة و وضع عليهم الغلة على قدر الذرع. فلما كثر الناس ضاقت عليه. فقالوا لإبراهيم بن حبيش و خراش: قد ضاقت علينا هذه الصفوف و نحن نتسع. و تبني لنا أسواقا من أموالنا و نؤدي عنها الأجرة. فأجيبوا إلى ذلك، فاتسعوا في البناء و الأسواق.

و قال الشروي: بل كان سبب إخراج الأسواق عنها أن المنصور حين استتم‏

____________

(1) لدى الطبري 7: 652- 653 و فيه جوّاس بن المسيب اليماني. بدلا من خراش.

289

البناء، دعا إليه رسل الملوك الذين كانوا على بابه فقال: كيف ترون مدينتي هذه؟

فقالوا: ما رأينا أحسن تقديرا و لا أحكم بناء و لا أحصن أسوارا منها. فقال: هل ترون فيها عيبا؟ فقال أحدهم: نعم. سوقها في جوفها و الجواسيس لا ينكر عليهم مخالطة السوقة و مبايعتهم. و قال آخر: و من عيوبها أيضا أنه ليس لها نهر يخترقها.

و قال آخر: و من ذلك أنه لا مقبرة لها و لا ميدان فيها.

فأمر المنصور فعمل لها دولاب أجري ماؤه إلى القصر، فكان يخترقها حتى يوافي القصر، و قال هذا يقوم مقام النهر. فلم يزل ساج ذلك النهر و الدولاب [34 أ] يصب فيه إلى أيام محمد بن عبد اللّه بن طاهر ثم قلع و عطّل.

قال: و أمر بإخراج السوق إلى ناحية الكرخ و باب الشعير و قطيعة الربيع و ما قرب من ذلك. و عمل ميدانا في الرحبة لقواده و خاصته. و عمل المقبرة المعروفة بمقبرة قريش، و ذلك في سنة تسع و خمسين و مائة. و في هذه السنة بنى قصره الذي يشرع إلى دجلة و سماه الخلد. و أمر بعقد الجسر عند باب الشعير، و جعل النفقة لذلك على يدي حميد بن القاسم الصيرفي‏ (1).

قال: و كان فراغ المنصور من بناء مدينة السلام و نزوله إياها و نقل الخزائن و الدواوين و بيوت الأموال إليها، سنة ست و أربعين و مائة. و كان استتمامه لبناء السور و الفراغ من الخندق و أحكام جميع أمر المدينة سنة تسع و أربعين و مائة. ثم شخص في هذه السنة إلى حديثة الموصل لأمر أراده ثم انصرف.

و قال الشروي: لما قدم المهدي من الري وفد إليه أهل الكوفة و أهل الشام و غيرهم من وجوه الناس فهنؤه بمقدمه و لقوا المنصور فهنؤه أيضا، فأمر المهدي لعامتهم بالجوائز و الخلع و الحملان.

و قد كان المنصور أمره أن يقيم في الجانب الشرقي من مدينة السلام و أمره ببناء الرصافة، و أن يعمل بها سورا و خندقا و بستانا. فابتدأ بعمل ذلك و جعل النهر مخترقا لها حتى يدخل المسجد الجامع. فكان الناس يشربون منه يوم الجمعة.

____________

(1) لدى الطبري 8: 52 إن ذلك تمّ عام 157 ه.

290

و قدّر شوارعها، فلم تكن في الإحكام و الاستواء مثل شوارع الجانب الغربي.

و قال يحيى بن الحسين: كان بناء المهدي كله بالرهوص إلّا ما كان يسكنه هو. و كذلك كان بناء موسى الهادي بعده. و كان استتمام بناء المهدي الرصافة و الجامع سنة تسع و خمسين و مائة.

و خرج المنصور بعد قدوم المهدي من الري بشهور إلى البردان ليعرض الجند و يسقط من لم يكن من أهل خراسان، فأحكم ما أراد من ذلك و عاد إلى بغداد [34 ب‏].

و قال عيسى بن المنصور (1): وجدت في بعض خزائن أبي مبلغ النفقة على مدينة السلام و المسجد الجامع و قصر الذهب و الأسواق و الفصلان و الخنادق و القباب و الأبواب، فكان جميع ذلك أربعة آلاف ألف و ثمانمائة و ثلاثة و ثمانون درهما، يكون من الفلوس مائة ألف و ثلاثة و عشرين ألف فليس. و ذلك أن الأستاذ من البنائين كان يعمل يومه بقيراط [إلى خمس حبّات‏] (2) و الروزجاري بحبتين إلى ثلاث حبّات.

و قال أبو سهل بن نوبخت عند جده نوبخت‏ (3) قال: أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع ففعلت، فإذا الطالع الشمس و هي في القوس. فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها و كثرة عمارتها و فقر الناس إلى ما فيها. ثم قلت:

و خلّة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين. قال: و ما هي؟ قلت: نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت فيها خليفة أبدا حتف أنفه. قال: فتبسّم ثم قال: الحمد للّه، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم. و لذلك يقول الشاعر:

أ عاينت في طول من الأرض و العرض‏* * * كبغداد من دار بها مسكن الخفض‏

____________

(1) الطبري 7: 655 و المبلغ هناك هو 4000838 درهما.

(2) تكلمة من معجم البلدان (بغداد).

(3) قال ابن العبري ص 216 (و كان نوبخت المنجّم الفارسي يصحب المنصور، و كان فاضلا حاذقا خبيرا باقتران الكواكب و حوادثها).

291

صفا العيش في بغداد و اخضرّ عوده‏* * * و عيش سواها غير صاف و لا غضّ‏

تطول بها الأعمار انّ غداءها* * * مري‏ء. و بعض الأرض أمرا من بعض‏

[قضى ربّها أن لا يموت خليفة* * * بها، إنه ما شاء في خلقه يقضي‏] (1)

تنام بها عين الغريب و لا ترى‏* * * غريبا بأرض الشام يطمع في الغمض‏

فإن جزيت بغداد منهم بقرضها* * * فما أسلفت إلّا الجميل من القرض‏

و إن رميت بالهجر منهم و بالقلى‏* * * فما أصبحت أهلا لهجر و لا بغض‏

و كان تحول المنصور من الهاشمية إلى بغداد و الابتداء ببنائها سنة خمس و أربعين و مائة. و ذلك في اليوم العاشر من مرداذماه سنة إحدى و ثلاثين و مائة ليزدجرد. و آخر يوم من تموز سنة ألف و ثلاثمائة و سبعين للإسكندر. و الشمس يومئذ في الأسد [35 أ] ثمان درجات و عشر دقائق و زحل في الحمل درجة و أربعين دقيقة. و المشتري في القوس ست درجات. و الزهرة في الجوزاء ثلاثين درجة. و عطارد في الجوزاء أربع و عشرين درجة. و الراس في الجدي خمسا و عشرين درجة.

قال: و وكل بالبناء قواده فقسمها بينهم أرباعا فدفع إلى الربيع الحاجب باب خراسان، و إلى أبي أيوب الخوزي وزيره باب الكوفة، و إلى عبد الملك بن حميد باب البصرة، و إلى ابن رغبان مولى محمد بن مسلمة الفهري باب الشام فبنوها.

قال: و على المدينة ثمانية [أبواب‏] (2)، خمسة منها كانت على مدينة في ظهر واسط يقال لها الزندروذ يقال إن الجن بنتها لسليمان بن داود (عليه السلام). و ان الأبواب من عمل الشياطين له أيضا. فنقلها المنصور من هذه المدينة إلى بغداد لمّا بناها و هي الأربعة الأبواب الداخلة من كل باب. و منها باب البصرة الخارج، و الباب الخارج من باب خراسان، حمل من الشام، يقال إنه من عمل الفراعنة،

____________

(1) في معجم البلدان (بغداد) إن الشاعر هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى. و جئنا بهذا البيت من ياقوت ليكمل به محلّ الشاهد (عدم موت خليفة فيها).

(2) زيادة يقتضيها السياق. و عن أبواب بغداد انظر الطبري 7: 651.

292

و هو أقصرها. و باب الكوفة الخارج باب قصر خالد بن عبد اللّه القسري حمل من الكوفة. و باب الشام الخارج عمل للمنصور ببغداد و هو أضعفها. و كانت الحربية أيام فتنة الحسن بن سهل قبل دخول المأمون إلى بغداد أحرقوه فسقط أحد المصراعين و انصدع فضبّ من جانبيه.

و قيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية و بغداد حاضرتها.

و حدث أحمد بن حميد بن جبلة (1) قال: حدثني أبي عن جدي جبلة، قال:

كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة. فلما أخذها المنصور عوضهم منها عوضا رضوا به. فأخذ جدي من ذلك حصته.

قال‏ (2): و كان شارع باب الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترابية.

قال: و قال حماد التركي‏ (3): كان حول مدينة أبي جعفر قبل بنائها قرى فكان إلى جانب باب الشام قرية يقال لها أخطانية على باب درب النورة إلى درب الأقفاص. و كان بعض نخلها في نفس شارع باب الشام. فلم يزل إلى أن قلع في أيام فتنة المخلوع [35 ب‏] و كانت هذه القرية التي يقال لها أخطانية لقوم من الدهاقين يقال لهم بنو فروة، و بنو قنورا، منهم مالك بن دينار و يعقوب بن سليمان.

و حدث‏ (4) أبو جعفر محمد بن موسى بن الفرات أن القرية التي في مربعة أبي العباس الطوسي، كانت قرية جده من قبل أمه و أنهم من دهاقين يقال لهم بنو زراري، و كانت القرية يقال لها الوردانية. و قرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي قرة يقال لها سرقانية (5) و لها نخل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي‏

____________

(1) الطبري 7: 619.

(2) لا يوجد هذا الكلام لدى الطبري.

(3) الطبري 7: 619 و فيه قرية الخطابية و ليس اخطانية.

(4) من هنا إلى قوله (الوردانية) لدى الطبري 7: 620.

(5) لدى الطبري 7: 620 شرفانية ... مما يلي قنطرة أبي الجون.

293

الجوز. و أبو الجوز هذا من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية و القنطرة منسوبة إليه.

و كانت‏ (1) قطيعة الربيع مزارع لناس من أهل قرية يقال لها ماوري من رستاق الفروستج من بادرويا و اسمها إلى اليوم معروف في الديوان.

و كان موضع بركة زلزل و ما والاها إلى ناحية مسجد الأنبار بين مزارع. و كان النهر الذي يسقي هذه المزارع في موضع باب طاق الحراني إلى باب الكرخ.

و ذكر بعض المشايخ قال: رأيت عند باب قطيعة الربيع قبل بنائها كرما و معصرة. و هو المكان الذي بني به خان الطيالسة و الحوانيت التي يباع فيها الكاغذ الخراساني.

و قال محمد بن موسى بن الفرات الكاتب‏ (2): سمعت جدي يقول: كنت في ديواني يوما، فدخل إليّ رجل من دهاقين بادوريا له قدر، فرأيته مخرّق الطيلسان.

فقلت من خرق طيلسانك؟ فقال: خرق و اللّه في زحمة الناس و تضاغطهم في موضع طالما طردت فيه الظباء و الأرانب. قلت: و أين هو؟ قال: الكرخ.

و ذكر رجل من ولد الربيع الحاجب عن أبيه أن المنصور أقطع الربيع القطيعة التي يسكنها التجار اليوم و قطيعة الحربي بين السورين في ظهر درب جميل. و أن التجار و غيرهم من مجاوريها اغتصبوا ولد الربيع عليها.

و سويقة غالب و قطيعة الربيع كانتا في القديم قرية تدعى ورثالا. و يقال إن قطيعة الربيع الخارجة إنما كانت إقطاعا من المهدي للربيع. و إنما أقطعه المنصور القطيعة [36 أ] الداخلة. و قيل إن الذي خارج القطيعة من أصحاب اللبود، و درب الطيالس إلى التوثة إلى درب الدمشقيين و ما وراء ذلك إلى حدود دجلة و العتيقة من ورثالا أيضا.

____________

(1) من هنا إلى (من بادرويا) لدى الطبري 7: 620 و فيه (قرية يقال لها بناوري من رستاق الفروسيج) و في ياقوت و تاريخ الخطيب 1: 88 (الفروسيج) أيضا.

(2) الطبري 7: 620.

294

و النهر المعروف بنهر القلّائين غربيه من ورثالا و شرقيه من نهر طابق. و نهر طابق إنما هو نهر بابك، منسوب إلى بابك بن بهرام من بابك، و هو قديم، و بابك هذا هو الذي اتخذ الصقر الذي عليه قصر عيسى بن علي و احتفر هذا النهر. و ما كان وراء هذا النهر فهو من رستاق الكرخ. و باب الكرخ منسوب إلى هذا الرستاق لأنه الطريق إليه. و نهر عيسى غريبه من الفروستج، و شرقيه من رستاق الكرخ و فيه دور المعبدين.

و قنطرة بني زريق و دار البطيخ و دار القطن و قطيعة النصارى إلى قنطرة الشوك من نهر طابق، و شرقيه و غربيه من قرية ماورى.

و مسجد الواسطيين مع الموضع المعروف بظله ميشويه.- و ميشويه رجل من الدهاقين نصراني- إلى أن يخرج إلى الخندق المعروف بخندق الصينيات من باب المحول إلى الياسرية.

و ما كان من غربي الشارع فهو من مزارع كانت منسوية إلى القرية المعروفة ببراثا.

و ما كان من شرقيها فمن رستاق الفروستج. و ما كان من درب الحجارة و قنطرة العباس شرقيا و غريبا فهو من نهر كرخايا من قرية براثا. و إنما سمي نهر كرخايا لأنه كان يسقي رستاق الفروستج و الكرخ. فلما أحدث عيسى بن علي الرحى المعروفة برحى أم جعفر، قطع نهر كرخايا و جعل سقي رستاق الكرخ من نهر رفيل.

و ما كان على الصراة من شرقيها فهو من بادرويا و ما كان من غربيها فهو من طسوج قطربل.

قال: و من حدّ قنطرة الجديدة و شارع طاق الحراني إلى شارع باب الكرخ، منسوب إلى القرية المعروفة للعامة مقبرة باب حرب، ثم مقابر المسيّب ثم مقابر باب التبن ثم مقابر الكناسة ثم المقابر التي تلى باب الكوفة [36 ب‏].

و أقطع المنصور قواده في أرباض المدينة شوارع تنسب إليهم. فأول ذلك‏

295

مما يلي السور من الجانب الغربي ربض حرب بن عبد الملك البلخي، و كان يتولى شرطة جعفر بن أبي جعفر، و جعفر إذ ذاك يتقلّد الموصل. و إليه تنسب الحربية.

و قتل في سنة سبع و أربعين و مائة. قتلته الترك.

و يتصل بربض حرب، ربض ينسب إلى المراوزة ثم ربض الترجمان بن صالح. ثم ربض ينسب إلى عتيك بن هلال الفارسي، و له في الدولة آثار و أخبار، و له في المدينة أيضا درب ينسب إليه.

ثم مربعة أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي. و كان من النقباء السبعين.

ثم يتصل بمربعة أبي العباس الشارع المتصل بباب الشام.

ثم مربعة شبيب بن وأج [المروروذي‏] (1). و عن يسارها اقطاع أبي العباس الطوسي و ربضه و غلاته و مستقر اقطاعه. و عن يمينها السوق النافذة إلى درب الرؤاسيين و الشارع النافذ إلى بستان القس. و هذا البستان قبل أن تبنى بغداد.

ثم المعطف إلى باب الكوفة. و عن يمين هذا المعطف باب الكوفة و السوق المنسوبة إلى عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد الإمام. و المقابر الشارعة بين الطريقين لأهل المدينة.

و هناك الربض المنسوب إلى زهير بن المسيب الضبي، و هو النافذ إلى طريق الأنبار.

و قال محمد بن عطاء الشاني: اقطاع زهير بن المسيب في شارع باب الكوفة ما بين حدّ دار الكندي إلى حدّ سويقة عبد الوهاب بن إبراهيم إلى داخل المقابر.

و اقطاع القحاطبة من شارع باب الكوفة إلى باب الشام.

و جهار سوق الهيثم منسوب إلى الهيثم بن معاوية، بعض قواد الخراسانية و ممن أقطعه المنصور في الشارع المعروف بدور الصحابة، أبو بكر الهذلي، و له درب هناك و مسجد منسوب إليه.

____________

(1) تكملة من تاريخ الخطيب 1: 84.

296

و قال أحمد بن الهيثم بن فراس: كانت دار البطيخ قبل أن ينقل إلى الكرخ في درب يعرف بدرب الأساكفة، و إلى جانبه درب يعرف بدرب الخير. فنقلت من هذا المكان إلى موضعها بالكرخ [37 أ] في أيام المهدي. و دخلت هذه الدروب فيما بعد في الدور التي ابتاعها أحمد بن محمد الطائي و جعلها دورا له و لحاشيته و اصطبلات.

و كانت القطائع التي من جانب الصراة مما يلي باب المحول، منها قطيعة لعقبة بن جعفر بن محمد بن الأشعث.

ثم سويقة أبي الورد و هو عمر بن المطرف الخراساني المروزي، و كان يلي المظالم للمهدي و ينظر في القصص التي تلقى في البيت الذي سماه بيت العدل في مسجد الرصافة.

و يتصل بسويقة أبي الورد مما يلي الدار المنسوبة إلى الجلودي، قطيعة إسحاق الأزرق الشروي مولى محمد بن علي. و هي عن يمين هذه القطيعة.

و عن يسار سويقة أبي الورد، البركة المنسوبة إلى زلزل الضارب. و كان من كرام الناس في أيام المهدي و الهادي و الرشيد. و كان في موضع البركة قرية يقال لها شال قنيا إلى قصر الوضاح. و كان زلزل غلاما لعيسى بن جعفر بن المنصور، فحفر هذه البركة و جعلها وقفا على المسلمين.

و قصر الوضاح بناه المنصور للمهدي قبل الرصافة. و المسجد الذي يعرف بالشرقية، و الشرقية أيضا قرية قديمة كانت تسمى بهذا الاسم و كذلك العتيقة و هي كسروية.

و الوضاح الذي ينسب إليه القصر المعروف بقصر الوضاح، رجل من أهل الأنبار تولى النفقة عليه فنسب إليه. و قد قيل إن الوضاح رجل من موالي المنصور.

قال: و المنصور الذي بنى القنطرة المعروفة بالجديدة على الصراة مما يلي دور الصحابة و باب الطاق الحراني. قال: و الحراني هو إبراهيم بن ذكوان بن الفضل الحراني مولى المنصور. قال: و كان لذكوان أخ يقال له الفضل أعتقه‏

297

مروان بن محمد، و أعتق ذكوان علي بن عبد اللّه.

قال: و كان باب الشعير في القديم مرفأ للسفن التي توافي من الموصل و البصرة. و كان موضع مسجد ابن رغبان مزبلة.

و ذكر بعض مشايخ الدهاقين قال: اجتاز بي رجل و أنا عند [37 ب‏] المزبلة التي صارت مسجد ابن رغبان، و ذلك قبل أن تبنى بغداد فوقف عليها و نظر إليها و قال: ليأتين على الناس زمان من طرح في هذا الموضع شيئا فأحسن أحواله أن يحمل إياه في ثوبه. فضحكت تعجبا من قوله. فما مضت الأيام حتى رأيت الأمر على ما قال.

قال: و كان موضع الخلد ديرا فيه راهب. و إنما اختار المنصور نزوله و بناء قصره فيه لقلة البق. و كان عذبا طيب الهواء.

و كان موضع الحبس و ما والاه إقطاعا (1) لعبد اللّه بن الخزاعي ثم صار بعد ذلك في أيام الرشيد لمحمد بن يحيى بن خالد. ثم صار جميع ذلك لأم جعفر في أيام الرشيد و أيام الأمين.

و المسجد الكبير قبالة الحبس مما يلي السجن الجديد، مسجد عبد اللّه بن مالك.

ثم ابتنت أم جعفر في أيام الأمين القصر المعروف بالفزار و هو القصر الذي أقطعه المتوكل لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر. فأقطعه محمد جماعة من أصحابه و في قطيعة أم جعفر الزبيدية المنسوبة إليها كان ينزلها مواليها و حاشيتها.

ثم يلي الحبس درب سليمان بن أبي جعفر و هو منسوب إليه و فيه كانت داره.

ثم أقطع المنصور قوما من أهل خراسان يعرفون بالبغيين، و هم ممن كان في الدولة. و أصلهم من قرية من قرى مروالرود تعرف ببغ، الموضع المعروف‏

____________

(1) في الأصل: اقطاع.

298

بالبغيين. و هذا الموضع أول الدرب المعروف بسوار مما يلي دجلة إلى آخر ربض البرجلانية.

ثم قطيعة زهير بن محمد و أصحابه إلى جانب القطيعة المعروفة بأبي النجم و هو أحد قواد المنصور، و أصله من خراسان، و كانت أم سلمة بنت أبي النجم هذا عند أبي مسلم صاحب الدولة.

و يتصل بهذه القطيعة الزهيرية مما يلي باب التبن، و هو ربض يعرف بأصحاب زهير بن محمد قائد من أهل أبيورد، و مع حدّ سور بغداد إلى باب قطربل و هو الباب المعروف بالباب الصغير. [38 أ] و زهير صاحب هذه القطيعة أزدي من عرب خراسان.

و يتصل بالزهيرية ربض أبي النجم. و وراء ذلك الخندق الذي عليه القنطرة النافذة إلى قطيعة أم جعفر. و يتصل بالقطيعة دار إسحاق بن إبراهيم، و كانت جزيرة فأقطعها المأمون إسحاق. فأولها يتصل بدار البطيخ و آخرها بمقابر باب التبن.

و يتصل بباب التبن ربض ينسب إلى أبي حنيفة أحد قواد المنصور. ثم تتصل به مربعة الفضل بن سليمان المعروف بالطوسي و هو من أهل أبيورد. و كان مخرجه في الدولة من طوس فعرف بالطوسي و كان على شرط المنصور.

ثم ربض عثمان بن سهيل و كان على حرس المنصور.

ثم تخرج من مربعة أبي العباس إلى مربعة الفرس و ربضهم. و هؤلاء قوم من الفرس أقطعهم المنصور هذه الناحية فنسبت إليهم.

و يتصل بربض الفرس، ربض الخوارزمية و هم من جند المنصور. و في شارعهم درب يعرف بدرب النجارية.

ثم ربض عمرو بن اسفندياذ.

ثم ربض رشيد. و رشيد مولى المنصور، و هو أبو داود بن رشيد المحدث مولى المنصور.

299

و يتلوه ربض يعرف بسعيد بن حميد و هو نافذ إلى [ان‏] يخرج إلى طاق مناس.

و يتلوه ربض سعيد بن المسيب المعروف بطاق أبي علي.

و في طرف ربض زهير قطائع تعرف بالموالي. و هم موالي أم جعفر.

و يتصل بها ربض سليمان بن مجالد مولى المنصور. و قد ولي للمنصور.

و المهدي ولايات.

و يتصل به ربض حمزة بن مالك بن هيثم الخزاعي.

ثم ربض زرّاد بن سنان و كان أحد قواد المنصور.

و سويقة الهيثم بن شعبة بن ظفير مولى المنصور.

و قال بعض العلماء بأمور بغداد: المنائر التي في شارع الأنبار بناها كلها طاهر بن الحسين. و ذلك أنه كان حصاره الأمين كلما بلغ إلى موضع من ذلك الشارع بني فيه مسجدا أو منارة.

ثم يليه ربض حميد بن قحطبة الطائي. و كان أحد النقباء.

ثم ربض نصر بن عبد اللّه و هو الشارع النافذ إلى دجيل [38 ب‏] من شارع باب الشام إلى درب السقائين.

و عن يمينه قطائع قوم يعرفون بالسرخسية. و في قطيعتهم طاقات الروندي‏ (1)، و هو أحد الشيعة من السرخسية و اسمه محمد بن الحسن. و كان صهرا لعلي بن عيسى بن ماهان على أخته.

و في الشارع المنسوب إلى أبي حنيفة، دار عمارة بن حمزة، و كان أحد البلغاء. و هو من ولد أبي لبابة مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و دار عمارة إقطاع من‏

____________

(1) ياقوت (طاقات الراوندي) و ليس الروندي و قال إنه أحد شيعة المنصور:

300

المنصور. و كانت من قبل أن تبنى بغداد بستانا لبعض [ال‏] ملوك. و يتصل بها ربض أبي حنيفة.

ثم ربض إبراهيم بن عثمان بن نهيك. و هو ما بين دار عمارة و مقابر قريش.

ثم طاقات العكي في الشارع النافذ إلى مربعة شبيب بن و أج في ربض يعرف بربض الحرس. و العكي اسمه مقاتل بن حكيم و أصله من الشام و مخرجه من خراسان من مرو. و هو من السبعين. و له قطيعة في المدينة بين باب البصرة و باب الكوفة و درب ينسب إليه إلى اليوم. و يقال إن أول طاقات بنيت في الربض ببغداد، طاقات العكي، ثم طاقات الغطريف. و هو الغطريف بن عطاء، و كان أخا الخيزران خال موسى الهادي و الرشيد. ثم طاقات أبي سويد، و اسمه الجارود مما يلي مقابر باب الشام و قطيعته و ربضه هناك.

و يتصل به ربض العلاء بن موسى الجوزجاني مما يلي الدرب المعروف بأبي حية و هو الشارع النافذ إلى درب السقائين.

ثم ربض أبي نعيم موسى صبيح من أهل مرو، من قواد المنصور. و فيه الموضع [الذي‏] يقال [له‏] شيرويه. و شيرويه مجوسي من دهاقين بغداد القدماء.

و ربض أبي عون في شارع دار الرقيق، و اسمه عبد الملك بن زيد، في الدرب النافذ إلى دار عبد اللّه بن طاهر. و كان أبو عون من موالي المنصور و كان يتولى له مصر ثم عزل عنها.

و قصر عبدويه مما يلي براثا، منسوب إلى عبدويه الأزدي. و هو من وجوه رجال الدولة. و إنما كان المهدي صيّر إليه النفقة على هذا القصر فنسب إليه.

و قصر هاني منسوب إلى [39 أ] هاني بن بشير، و كان يتولى للمهدي ديوان الخراج.

و الرهينية كانت قطائع لقوم أخذوا رهينة من بعض البلدان في أيام المنصور، فلم يزالوا بها إلى أيام الرشيد، ثم خرجوا مع طاهر بن الحسين إلى خراسان في أيام المأمون فلم يبق منهم أحد و خربت منازلهم إلى اليوم.

301

و الرهينية متصلة بربض نوح بن فرقد، أحد قواد المنصور. و هو في طرف بغداد مما يلي مسجد طاهر الذي بناه هناك إياك فتنة الأمين.

و صحراء قيراط منسوبة إلى قيراط مولى طاهر بن الحسين.- و كان عيسى و قيراط من أشراف الموالي- و له هناك مسجد يعرف به.

و دويرة مبارك مما يلي شارع باب الأنبار. و مبارك من موالي المنصور.

و هناك ربض يعرف بالخوارزمية.

و في طريق باب الأنبار، ربض سعيد بن حميد بن دعلج. و كان سعيد يتولى شرط المنصور سنة ست و خمسين و مائة. و تولى البصرة بعد ذلك.

و في طرف باب الأنبار، منارة الحكم. و هو الحكم بن ميمون مولى عامر بن دلجة أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة و عامر بن دلجة و يحيى أخوهما عرقبا جمل عائشة بالبصرة فهانت الحرب.

و العباسية منسوبة إلى عباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس. و كان بعض القواد يذكرها و يقول: عزمي أن استقطعها من أمير المؤمنين. ثم قدم العباس على المنصور فاستقطعها منه فأقطعه إياها و جعل مؤدى خراجها بمصر. فاتخذ بها العباس زنجا كانوا ينسبون إليه فيقال زنج العباس. و هو أول من زرع فيها الباقليّ.

و كان باقلّاؤها نهاية، فقال: الباقلي العباسي. و كانت تدعى جزيرة العباس لأنها بين الصراتين. و من أجل باقلائها و جودته صار الباقليّ الرطب في كل موضع يقال له العباسي.

و قال رجل من ولد عمارة بن حمزة: كانت دار عمارة و رحبته ضيقة فأراد أن يستقطع العباسية منه. فسبقه العباس بن محمد فاستقطعها فأقطعه إياها.

و يروى أيضا أن موسى [39 ب‏] بن كعب- و كان من أجل قواد المنصور- كان ضيق الدار و الرحبة. فزاره العباس بن محمد. فلما نظر إلى ضيق منزله قال:

ما لمنزلك في نهاية الضيق و الناس في سعة؟ قال: ندمت و قد أقطع أمير المؤمنين الناس منازلهم. و عزمي أن أستقطعه هذه الرحبة التي بين يدي المدينة- يعني‏

302

العباسية-. فسكت العباس و انصرف من عنده إلى المنصور و قال يا أمير المؤمنين! تقطعني هذه الرحبة التي بين يدي مدينتك. قال: قد فعلت. فانصرف و معه التوقيع بإقطاعها.

و صار موسى بعد خروجه إلى المنصور، فأعلمه ضيق منزله، و أنه لا قطيعة له و سأله أن يقطعه إياها. فقال له: هل شاورت فيها أحدا قبل أن تسألني؟ قال:

لا. إلّا أن العباس بن محمد كان عندي اتفاقا. فأعلمته أني أريد استقطاعها منك.

فتبسم المنصور و قال قد سبقك و استقطعني إياها فأجبته إلى ذلك فأمسك عنها موسى بن كعب و لم يذكرها.

و ذكر بعض المشيخة قال: رأيت السجلّ بإقطاع العباس و فيه: إنك سألت أمير المؤمنين إقطاعك الساحة التي كانت مضربا للبن مدينة السلام، فأقطعكما أمير المؤمنين على ما سألت و ضمنت.

و قصر عيسى منسوب إلى عيسى بن علي بن عبد اللّه و هو أول قصر بناه الهاشميون ببغداذ في أيام المنصور.

و روي أن المنصور زار عيسى بن علي و معه أربعة آلاف رجل من الجند فتغدى عنده و جميع خاصته، و دفع إلى كل رجل من الجند زنبيل فيه خبز و ربع جدي و دجاجة و بيض و لحم بارد و حلوى. فانصرفوا كلهم مسمطين ذلك. فلما أراد المنصور أن ينصرف قال لعيسى: يا أبا العباس لي حاجة. قال: ما هي يا أمير المؤمنين، فأمرك طاعة؟ قال: تهب لي هذا القصر. قال: ما بي ظنّ عنك به، و لكن أكره أن يقول الناس: إن أمير المؤمنين زار عمه فأخرجه من قصره و شرّده و شرّد عياله. و بعد، فإن فيه من حرم أمير المؤمنين و مواليه أربعة آلاف نفس. فإن لم يكن بدّ من أخذه فليأمر لي أمير المؤمنين بفضاء يسعني [40 أ] و يسعهم أضرب فيه مضارب و خيما أنقلهم إليها إلى أن أبني لهم ما يواريهم. فقال له المنصور:

عمّر اللّه بك منزلك يا عم، و بارك فيه. ثم نهض منصرفا.

303

و قنطرة بني زريق منسوبة إلى قوم من دهاقين بغداد كان يقال لهم بنو زريق لهم نسب معروف.

و قنطرة المعبدي منسوبة إلى عبد اللّه بن محمد المعبدي. و كان له هناك إقطاع. و هو الذي بنى هذه القنطرة على النهر مع رحى اتخذها هناك. و كانت في هذا الدكان فصارت بعد ذلك لمحمد بن عبد الملك الزيات و جعلها بستانا فانقبضت مع ما قبض من أملاكه. اشتراها قوم من الكرخيين و غيرهم.

قال: و النوبختية إقطاع من المنصور لنوبخت لما حكم بأن أمر محمد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن حسن (عليهم السلام)، لا يتمّ.

و هناك درب يعرف بدرب الناووس كان فيه ناووس قديم فنسب إليه.

و قال أبو زكريا: دخلت على أبي العباس الفضل بن الربيع يوما فوجدت يعقوب بن المهدي عن يمينه، و منصور بن المهدي عن يساره، و يعقوب بن أبي الربيع عن يمين يعقوب بن المهدي، و قاسم أخوه عن يسار منصور بن المهدي.

فسلمت و أومأ بيده إلى الانصراف. و كان من عادته إذا أراد أن يتغدى معه أحد من جلسائه أو أهل بيته، أمر غلاما له يكنى أبا حلبة بردّه إلى مجلس في داره حتى يحضر غداه و يدعوا به. قال: فخرجت فردني أبو حلبة فدخلت فإذا موسى بن عيسى. فقال لي: أما أنت فقد علمنا أنك رددت إلى الغداء، و لكن الشأن في غيرك. فقلت: أنت الذي لا يقدم عليك أحدا.

قال: و جلسنا حتى حضرا الغداء. فأحضرني و أحضر كتابه- و كانوا أربعة:

موسى بن عيسى بن أهرون. و عبد اللّه بن أبي نعيم الكلبي، و داود بن بسطام، و محمد بن المختار- فلما أكلنا جاءوا بأطباق الفاكهة فقدموا إلينا طبقا فيه رطب [40 ب‏]. فأخذ الفضل منه رطبة فناولها يعقوب بن المهدي و قال له: إن هذا من بستان أبي الذي و هبه له المنصور. فقال له يعقوب: رحم اللّه أباك، فإني ذكرته أمس و قد اجتزت على الصراة برحى البطريق. فإذا أحسن موضع، و إذا الدور من تحتها و السوق من فوقها و ماء غزير حادّ الجرية. فمن البطريق الذي نسبت هذه‏

304

الرحى إليه، أمن موالينا أم من أهل دولتنا أم من العرب؟

قال، فقال الفضل: أنا أحدثك حديثه. لمّا أفضت الخلافة إلى أبيك (رحمه اللّه)، قدم عليه بطريق أنفذه ملك الروم مهنئا له. فأوصلناه إليه و قربناه منه. فقال المهدي للربيع: قل له يتكلم. فقال الربيع لترجمانه ذلك. فقال هو بري‏ء من دينه و إلّا فهو حنيف مسلم إن كان قدم لدينار و لا درهم و لا لعرض من أعراض الدنيا.

و لا كان قدومه إلّا سوقا إلى وجه الخليفة. و ذلك أنّا نجد في كتبنا أن الثالث من أهل بيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يملأها عدلا كما ملئت جورا. فجئت اشتياقا إليه. فقال المهدي للربيع قل للترجمان يقول له: قد سرّني ما قلت و وقع مني حيث أحببت و لك الكرامة ما أقمت، و الحباء إذا شخصت، و بلادنا هذه بلاد ريف و طيب فأقم بها ما طابت لك. ثم بعد ذلك فالإذن إليك. و أمر الربيع بإنزاله و إكرامه. فأقام أشهرا ثم خرج يوما يتنزه ببراثا و ما يليها. فلما انصرف اجتاز على الصراة، فلما نظر إلى مكان الأرحاء، وقف ساعة يتأمله فقال له الموكلون: قد أبطأت، فإن كانت لك حاجة فأعلمنا إياها. فقال: شي‏ء فكرت فيه. و انصرف. فلما كان العشي راح إلى الربيع فقال له أقرضني خمسمائة ألف درهم. قال: و ما تصنع بها؟

قال: أبني بها لأمير المؤمنين مستغلا يؤدي في السنة خمسمائة ألف درهم. فقال له الربيع: و حق الماضي (صلوات اللّه عليه)، و حياة الباقي أطال اللّه [41 أ] بقاءه لو سألتني أن أهبها لغلامك ما خرجت إلّا معه. و لكن هذا الأمر لا بد من إعلام الخليفة إياه. قال: قد علمت أن ذاك كذلك. قال: و دخل الربيع إلى المهدي فأعلمه فقال ادفع إليه خمسمائة ألف و خمسمائة ألف، بل أدفع إليه جميع ما يريد بغير مؤامرة. قال: فدفع ذلك الربيع إليه. فبنى الأرحاء المعروفة بأرحاء البطريق.

فأمر المهدي أن تدفع عليها إليه. فكانت تحمل إليه إلى سنة ثلاث و ستين و مائة، فإنه مات. فأمر المهدي أن تضمّ إلى مستغلّه. قال: و كان اسم البطريق طافات بن الليث بن العيزار بن طريق بن قوق بن مورق. و مورق كان الملك في أيام معاوية.

و قال الخليل بن مالك: كان المنصور قد أمر بعد ثلاثة جسور: جسر يعبر الناس عليه، و جسر يرجعون فيه، و جسر في الوسط للنساء، و عقد بعد ذلك بباب‏