البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
305

البستان جسرين: جسرا له و لولده، و جسرا لخدمه و حشمه.

و عقد الرشيد بعد ذلك عند باب الشماسية جسرين. و كان لأم جعفر جسر عند مشرعة فرج الرخجي بالقرب من سويقة قطوطا. فلم تزل هذه الجسور قائمة إلى أن قتل محمد بن زبيدة، ثم عطلت إلّا الثلاثة المنصورية القديمة التي عند مجلس الشرطة فإنها باقية إلى وقتنا هذا.

قال: و طاق أسماء بالجانب الشرقي منسوب إلى أسماء بنت المنصور. و هذا الطاق كان طاقا عظيما، و كان في دارها التي صارت لعلي بن الجهشيار بمشرعة الصخر أقطعه إياها الموفق ثم أقطعها أزكوتكين بن أساتكين. و عند طاق أسماء كان مجلس الشعراء. و هناك كانوا يجتمعون في أيام الرشيد.

و الموضع المعروف بين القصرين هو قصر أسماء بنت المنصور.

و قصر عبيد اللّه بن المهدي و الخضرية مما يلي باب الطاق منسوبة إلى خضر مولى صالح صاحب المصلى، و فيها تباع الجرار و تعمل المزملات.

و سوق يحيى منسوبة [41 ب‏] إلى يحيى بن خالد البرمكي. و كانت إقطاعا له من الرشيد، ثم صارت بعد البرامكة لأم جعفر ثم أقطعها المأمون طاهر بن الحسين بعد الفتنة. فهي في أيدي ورثته إلّا ما بيع منها.

و سويقة أبي عبيد اللّه منسوبة إلى عبيد اللّه وزير المهدي و اسمه معاوية بن عمرو.

و شارع الميدان خارج الرصافة و هو شارع مارّ من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء. و فيه قصر أم حبيب بنت الرشيد. و كان هذا القصر و دوره إقطاعا من المهدي لعباد بن أبي الخصيب ثم صار جميع ذلك للفضل بن الربيع، ثم صار لأم حبيب بنت الرشيد في أيام المأمون، ثم صار بعد ذلك لبنات الخلفاء إلى أن صرن يجعلن في قصر المهدي بالرصافة.

و سوق العطش بناها شعبة الجرمي للمهدي و حوّل إليها التجار ليخرّب الكرخ. و قال المهدي عند تمام بنائها: سمّها سوق الريّ. فغلب عليها سوق‏

306

العطش. و أولها يتصل بسويقة الحرسي‏ (1) و داره و الإقطاعات التي أقطعه إياها المهدي هناك.

و سويقة العباسة منسوبة إلى العباسة بنت الرشيد. و يقال إن الرشيد فيها أعرس بزبيدة ابنة جعفر سنة خمس و ستين و مائة. قبل أن تنتقل العباسة إليها ثم دخلت بعد ذلك في أبنية بناها المعتصم.

و دار فرج فوق سوق يحيى. و كان فرج مملوكا لحمدونة بنت عضيض أم ولد الرشيد، ثم صار ولاؤه للرشيد. و داره إقطاع من الرشيد. و لم يكن على شاطئ دجلة بناء أحكم من بنائها. ثم هدمت فيما هدم من منازل عمر بن فرج لما قبضت.

و كانت دار أحمد بن أبي خالد الأحول لأبي عبيد اللّه معاوية بن عمرو.

و هناك السويقة المنسوبة إليه. و كان أبو خالد الأحول أحد كتاب أبي عبيد اللّه فاشتراها أحمد بن أبي خالد من ورثة أبي عبيد اللّه.

و درب المفضل هو المفضل بن زمام من موالي المهدي.

و سويقة نصر منسوبة إلى نصر بن مالك الخزاعي، إقطاع من المهدي.

و دار الربيع مما يلي المخرم، كانت لمكين الخادم فاشتراها الربيع منه.

و اتصل خبرها بالمنصور فقال للربيع: أنت تريد تعملها بستانا و تذهب مني بخراجه. فقال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين. و لكن كلما ولد لي ابن فتحت له فيها بابا. و هي شارعة في شارع الميدان في أيدي ورثة الربيع إلى اليوم.

و سويقة خالد بباب الشماسية منسوبة إلى خالد بن برمك إقطاع من المهدي ثم بنى فيها الفضل قصره المعروف بقصر الطين. و بنى أيضا فيها جعفر بن يحيى قصرا آخر.

____________

(1) الصحيح: سعيد الحرشي أحد قادة المهدي العسكريين (ابن الأثير 6: 51- 52) و في تاريخ الخطيب 1: 93 الخرسي.

307

و رحبة يعقوب منسوبة إلى يعقوب بن داود مولى بني سليم، أقطعه إياها المهدي حين استوزره. و ذكر بعض المشايخ أنه رأى فيها أزاجا عتيقا تشبه الساباط كانت قبل بناء بغداد لقوم من دهاقينها.

و المخرم منسوب إلى مخرم بن يزيد بن مخرم بن شريح بن مخرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة. كان ينزله أيام نزول العرب السواد في الإسلام فنسب إليه. و قال أبو المنذر: سمعت قوما من بني الحارث بن كعب يقولون: المخرم إقطاع من عمر بن الخطاب في الإسلام للمخرم بن شريح.

و خان بني زياد منسوب إلى رجل من سواد الكوفة من النبط كان يكنى أبا زياد عمر عمرا طويلا، لأنه كان ممن و سمه الحجاج. و ذلك أن الحجاج و سم النبط على أيديهم ليعرفوا من سائر الناس. و كان أبو زياد من سواد الكوفة و عاش إلى أيام المنصور. و قال رجل من طي‏ء أنا رأيته بالكوفة في بني عكل في حانوت له يربط البقل‏ (1)، عليه إزار ورد و الوشم على ذراعه. قال: و كان انتقاله من الكوفة مع المنصور لما انتقل إلى بغداد. فنزل في المخرم في شارع النفاطين. فقام الخان و ترك بيع البقل و كان تكنى قبل مصيره إلى بغداد أبا زينب ثم تكنى بأبي زياد. و نشأ له ابن فتأدب و فصح فصار إلى همذان فأصاب مالا و تزوج هناك امرأة من العرب، و ذلك أنه ادعى أنه عربي. ثم طعن في نسبه عند الرجل الذي [42 ب‏] تزوج إليه.

فقدم الرجل بغداد فسأل عنه فأخبر بقصته و دل على أبيه فصار إليه و وقف عليه.

فقال: ما ربيع منك؟ قال بنتي. فشهر عليه السيف و حال الناس بينه و بينه و قيل له:

لم نفسك لأنك زوّجت من لا تعرف.

و كانت الثلاثاء (2) قبل بناء بغداد تقوم في يوم معروف من الشهر و هو يوم الثلاثاء. و كان أكثر من يحضرها أهل كلواذى و أهل بغداد فنسبت إلى اليوم الذي كانت تقوم فيه.

____________

(1) نرجح انها البغل.

(2) يعني سوق الثلاثاء.

308

و سويقة حجاج منسوبة إلى الحجاج الوصيف مولى المهدي.

و دار عمارة في طرف شارع المخرم منسوبة إلى عمارة بن أبي الخصيب مولى روح بن حاتم، و قيل إنه كان مولى للمنصور. و كان أبو الخصيب أحد من تولى حجبة المنصور.

و قنطرة على نهر المهدي منسوبة إلى بعض بنات المهدي.

و خان وردان‏ (1). ذكر أحمد بن إسحاق برصوما قال: حدثني علي بن الحكم العقيلي قال: كان ابن سنان من قواد المنصور و كان عظيم اللحية جدا. قال فكتب عبد اللّه بن عياش المنتوف إلى المنصور يسأله حوائج و كان أحد ما طلب من الحاجات أن يهب له لحية وردان ليتدفأ بها في الشتاء. فوقّع له بقضاء جميع ما سأل، و وقع تحت سؤاله لحية وردان: لا، و لا كرامة. لا أهب لك لحية رجل من قوادي وجلة أصحابي.

و الصالحية إقطاع من المنصور لابنه صالح المعروف بالمسكين.

و قباب الحسين التي خارج بغداد على طريق خراسان منسوبة إلى الحسين بن قرة الفزاري. و كان قرة ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج.

عيسى‏آباذ، منسوبة إلى عيسى بن المهدي. و كان عيسى في حجر مبارك التركي، و كانت أمه الخيزران. و هو أخو الهادي و الرشيد لأبيهما و أمهما، و كانت إقطاعا له.

حوض هيلانة. زعم قوم أن هيلانة قيّمة كانت للمنصور حفرت هذا الحوض و جعلته للسبيل فنسب إليها.

و باب المحول في الجانب الغربي إقطاع لهيلانة أقطعها إياه المنصور. و قد قيل إن [43 أ] هيلانة كانت جارية للرشيد و إليها ينسب هذا الحوض. و فيها يقول الرشيد:

____________

(1) وردان بن سنان.

309

أفّ للدنيا و للزينة فيها و الأثاث‏* * * إذ حثا الترب على هيلانة في الحفر حاث‏

و حوض داود منسوب إلى داود مولى للمهدي و له إقطاع مما يلي سوق العطش. و قد قيل إن داود مولى نصير، و نصير مولى للمهدي. و ذكر بعض المشايخ أنه يذكر ما بين سوق يحيى عن يمنة السوق إلى باب الشماسية منابت طرفاء قبل أن يقطع الناس فيها. و أول من أقطع فيها علي بن المهدي و هو ابن رائطة بنت أبي العباس السفاح. ثم أقطع بعده المنصور بن المهدي.

و ذكر أحمد بن الحارث الخراز أن بغداد صورت لملك الروم بأرباضها و أسواقها و شوارعها و بساتينها و أنهارها من جميع جانبيها الشرقي و الغربي. قال:

فكان كثيرا مما يحضر الصورة و يتأملها و يستحسن شارع باب الميدان و يتعجب من حسنه و حسن القصور التي فيه، و يزداد استحسانه لشارع الزرادين و سويقة نصر بن مالك إلى الثلاثة الأبواب و القصور التي في هذا الشارع. و كذلك أيضا كان يستحسن الأسواق من الخضرية إلى قنطرة بردان. و كان يقول: قد كان يجب على ملك العرب أن يجعل داره في هذا الشارع- و يجعل إصبعه على شارع الزاردين.

و كان إذا شرب دعا بالصورة فيشرب على هذه الشوارع التي ذكرناها لحسن أبنيتها و قصورها.

و فصيل أبي العلاء، منسوب إلى سليم أبي العلاء مولى المهدي.

و قال يحيى بن دارية السوّاق: كان ببغداد في شارع الثلاثة الأبواب ثلاثمائة ملقى للسويق. و كان في قنطرة بردان و قنطرة ميمونة و رحى عبد الملك و سوق يحيى و المخرم و في أطراف بغداد سوى الكرخ أكثر من ثلاثمائة مقلى آخر. و كان سبب كثرة السويق ببغداد أن بغداذ كانت في أيام الرشيد و ما قبله إلى أيام المأمون [43 ب‏] عسكرا لكثرة الناس بها و مصيرهم إليها من كل بلد، و كانت الأرباض محشوة بالناس. و كان اللحم يعزّ، لأن الأغنام كانت تدخل في أيام الربيع يجلبها الأعراب من هذا الوقت من البرية. و يجلبها التجار في زمان الخريف من ناحية

310

الجبل. و يتعذر دخولها في الشتاء إلّا الشي‏ء اليسير، يجلب من ناحية الكوفة.

فكان ربما بيع اللحم ببغداذ على ستة أواق. فكثر استعمال الناس للسويق لهذه الحال لأنهم كانوا يأكلونه مع التمر و مع السكر و مع الدبس و غير ذلك. فلذا صار كثيرا.

و قال أحمد بن أبي طاهر (1): أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد للناصر لدين اللّه عند دخوله مدينة السلام، فوجد مائتا حبل و خمسون حبلا.

و عرضه مائة حبل و خمسة أحبل. يكون ستة و عشرين ألف جريب و مائتين و خمسين جريبا. و وجد طول الجانب الغربي مائتين و خمسين‏ (2) حبلا. و عرضه سبعين حبلا. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب و خمسمائة جريب. فجميع ذلك ثلاثة و أربعون ألف جريب و سبعمائة و خمسون.

و قيل لرجل: كيف وجدت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية و بغداد حاضرتها. و أنشد بعضهم في بغداد.

بغداد يا دار الملوك و مجتنى‏* * * صنوف المنى يا مستقر المنابر

و يا جنّة الدنيا و يا مطلب الغنى‏* * * و منبسط الآمال عند المتاجر

و وصف بعض الأدباء بغداد فقال: هي سهلية جبلية برية بحرية، صيدها غزير و خيرها كثير، طيب هواؤها، يسر فناؤها، دائم رخاؤها. فضلها على سائر البلدان كفضل ماء الأنهار على ماء البحار. فهي كما قال عمارة:

ما ذا ببغداد من خير أفانين‏* * * و من منازل للدنيا و للدّين‏

تمسي الرياح بها حسرى إذا درجت‏* * * و حرّشت بين أغصان الرياحين‏

و هي محل الخلفاء و مسكن الوزراء و مأوى بني هاشم و الأبناء و مقرهم و مفزعهم في الشدائد [44 أ] و الرخاء، الواسعة الدور، الكثيرة القصور، الغزيرة

____________

(1) نقل الخطيب (1: 117) هذا النص عن كتاب ابن أبي طاهر المسمى (بغداد).

(2) في الأصل: مائتان و خمسون حبلا و عرضه سبعون.

311

الأنهار، المريئة العيون، صحيحة البناء، رحبة الفناء، نزهة الهواء، رفيقة بالغرباء، مؤاتية لكل من أتاها، مغيثة لمن استغاث بها، قديمة الصحبة، طيبة التربة، مسكن من تفتّى و معقل من تنسّك. بناها المنصور و سكنها المهدي و الهادي و الأمين و المأمون. جنة من جنان الدنيا. دجلة في وسطها، و الصراة عن يمينها و نهر الملك أمامها و نهر عيسى مخترق لها و نهر كرخايا يتخلل طرقاتها و نهر الخندق دائر بها. لها الرومية و كلواذى و القفص و عميّ و قطربل و المزرفة و بزوغى و الأجمة و الغرك و الشماسية.

إذا غضب على جبار عات حمل إليها. و إذا رضي عنه شهر بها. مواكبها قائمة و منائرها عالية. و نغم مغنياتها ناعمة. الظرف فيها يقتبس و الشكل منها يستوصف. مكان الرئاسة و مقبس السياسة. فهي جنة مونقة و حديقة مشرقة.

و عروس في مجاسدها و كللها و حجابها. شهية المنظر جميلة المخبر. صبيحة مليحة ظاهرة الوسامة، دمثة التراب، مريعة الجناب، غدقة المشارع، و طيّة المضاجع. تروق عيون الناظرين، و تسرّ قلوب المتأملين. و يعيش في أفنيتها الفقراء و المساكين. مطابقها وثيقة، و سجونها حريزة. مع كثرة أسواقها و اتساع أرباضها، و فساحة رحابها و امتداد طرقها و سككها.

معشوقة محببة إلى الخلفاء و ولاة العهود و الوزراء. دار ملكهم و معدن صيدهم، و منتهى غاية لذاتهم، موفّرة لغلّاتهم مباركة عليهم. شامخة البناء، عريضة الفناء، فياحة السطوح، نزهة البساتين، كثيرة الأشجار و الرياحين. مفزع كل ملهوف، و معدن كل تاجر معروف. و حسبك ببلدة قد جمع اللّه فيها ما فرّقه في غيرها من البلدان من أنواع التجارات و أصناف الصناعات. فهي سلة الدنيا و خزانة الأرض، معدن العلم و ينبوع الحكمة. ليس لها مشتاة كمشتاة الجبال، و لا مصيف كمصيف عمان، و لا صواعق كصواعق [44 ب‏] تهامة. و لا دماميل كدماميل الجزيرة. و لا جرب كجرب الزنج، و لا طواعين كطواعين الشام. و لا يلحق أهلها ما يلحق أهل البحرين من وجع الطحال. و لا فيها حمّى كحمى خيبر. و لا

312

رداع‏ (1) الجحفة. و ليس بها ثعابين كثعابين مصر. و لا أفاعي سجستان. و لا عقارب نصيبين. و لا جرّارات الأهواز، و لا قتّالات شهرزور.

و أهلها ظرفاء فضلاء فيهم الجمال و لباسهم الكمال، فهم كما قال الشاعر:

ما مثل بغداد في الدنيا و لا الدين‏* * * على تقلّبها في كلّ ما حين‏

ما بين قطربل فالكرخ نرجسة* * * تندى و منبت خيريّ و نسرين‏

تحيا النفوس بريّاها إذا نفحت‏* * * و حرّشت بين أوراق الرياحين‏

سقيا لتلك القصور الشاهقات و ما* * * تخفي من البقر الإنسية العين‏

تستنّ دجلة فيما بينها فترى‏* * * دهم السفين تغالى كالبراذين‏

مناظر ذات أبواب مفتّحة* * * أنيقة بزخاريف و تزيين‏

فيها القصور التي تهوي بأجنحة* * * بالزائرين إلى القوم المزورين‏

من كلّ حرّاقة يعلو فقارتها* * * قصر من الساج عال ذي أساطين.

و قدم عبد اللّه بن صالح بن علي بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم‏ (2).

و قال المنصور لبعضهم: أخبرني عن بغداد. قال: جنة بين حماة و كنّة تحسدانها، و دجلة و الزاب يتباريان عليها.

و كتب الحسن بن أبي الرعد إلى أبي عبد اللّه بن الحسن بن أبي الشوارب و هو مقيم بضياعه في سنجار، يشوقه إلى بغداد:

يا من أقام على قرى سنجار* * * و اختارها دارا بأكرم دار

خلّفت بغداد التي لنسيمها* * * أرج من النوّار و الأشجار

هي جنّة الدنيا فكيف تركتها* * * و قررت أرضا غير ذات قرار

____________

(1) ردع فلان فهو مردوع: إذا وجع جسده كله، و به رداع (أساس).

(2) أي نودي فيهم ليوم القيامة.

313

أو ليس فيها ألف ألف خريدة* * * في وجهها متنزّه الأبصار

و انظر لقلبك لا بعينك هل ترى‏* * * كرجالها في سائر الأمصار

[45 أ]

من ذا تصادفه هناك و عنده‏* * * طرف من الأشعار و الأخبار

معقودة بخلائق أدبية* * * في رقة الماء الزلال الجاري‏

و حدثني بعض الأدباء قال: حججت فرأيت على بعض الأميال [بطريق مكة] (1) مكتوبا:

أيا بغداد يا أسفى عليك‏* * * متى يقضى الرجوع لنا إليك‏

قنعنا سالمين بكلّ خير* * * و ينعم عيشنا في جانبيك‏

و قال: و رأيت في غرفة بقرميسين هذين البيتين و قد كتبا في الحائط:

ليت شعري عن الذين تركنا* * * خلفنا في العراق هل يذكرونا

أم لعلّ المدى تطاول حتى‏* * * قدم العهد دوننا فنسونا

و لما حج الرشيد و بلغ زرود التفت ناحية العراق و قال:

أقول و قد جزنا زرود عشية* * * و كادت مطايانا تجوز بنا نجدا

على أهل بغداد السلام فإنني‏* * * أزيد بسيري عن ديارهم بعدا

و قال بعضهم: لو أن الدنيا خربت و فرق أهل [بغداد] (2) فيها لعمروها.

و لما قلّد عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر بلد اليمن و عمل على الخروج قال:

أير حل آلف و يظلّ إلف‏* * * و تحيا لوعة و يموت قصف‏

على بغداد دار اللهو منّي‏* * * سلام ما سجا للعين طرف‏

و ما فارقتها لقلى و لكن‏* * * تناولني من الحدثان صرف‏

____________

(1) تكملة من ياقوت (بغداد).

(2) زيادة يقتضيها السياق.

314

ألا روح ألا فرج قريب‏* * * ألا جار من الحدثان كهف‏

لعلّ زماننا سيعود يوما* * * فيرجع آلف و يسرّ إلف‏

فبلغ هذا الشعر الوزير فأعفاه من التقليد.

و قال بعض الأدباء:

ببغداد يصفو العيش للمتعبّد* * * و للقارف اللاهي و للمتورّد

و هي أبيات ما فيها طائل.

و قال الجاحظ: قد رأيت المدن [العظام‏] (1) المذكورة بالإتقان و الإحكام، ببلاد الروم و الشامات و غيرها [45 ب‏]. فلم أر مدينة قط أرفع سمكا، و لا أجود استدارة، و لا أحكم سورا و فصيلا من مدينة المنصور. كأنما صبت صبا في قالب، و أفرغت إفراغا في دريزك‏ (2) و أنشد.

يا حبّذا بغداد من بلد* * * يا ليتني أوطنت بغدادا

لم تر عيني مثلها بلدة* * * طيبة صدرا و إيرادا

إن ردّني اللّه إلى أهلها* * * لم أتزوّد للنوى زادا

و قال الكلبي: سمي المخرم مخرما، لأن مخرم بن حزن الحارثي نزله.

و كانت قنطرة البردان لرجل يقال له السري بن الحطم صاحب الحطمية التي بقرب بغداد.

و الحربية منسوبة إلى حرب بن عبد اللّه البلخي و كان على شرطة جعفر بن المنصور و هو يتقلد الموصل.

و الزهيرية بقرب باب التبن، نسبت إلى زهير بن محمد بن أهل أبيورد.

____________

(1) تكملة من الخطيب 1: 77.

(2) لم نهتد لمعناها.

315

و عيسى‏آباد نسبت إلى عيسى بن المهدي و هو ابن الخيزران و كان في حجر مبارك التركي.

و قصر عبدويه منسوب إلى رجل من الأزد يقال له عبدويه، و كان من وجوه رجال الدولة.

و أقطع المنصور عمارة بن حمزة الناحية المعروفة.

و أقطع ميمون أبا بشر بن ميمون قطيعة عند بستان القس. و طاقات بشر نسبت إلى بشر بن ميمون و هو مولى لعبد اللّه بن علي.

و أقطع أم عبيدة حاضنة المهدي، و هي مولاة لمحمد بن علي قطيعة منسوبة إليها. و إليها تنسب الطاقات المعروفة بطاقات أم عبيدة بقرب الجسر.

و أقطع منيرة و هي مولاة لمحمد بن علي الموضع المنسوب إليها من الجانب الشرقي.

و أقطع ريسانة قطيعة تقرب من مسجد ابن رغبان بالقرب من باب الشعير.

و درب مهرويه في الجانب الشرقي، نسب إلى مهرويه الرازي الذي كان مملوكا فأعتقه المهدي.

و نزل المنصور مدينة السلام منذ يوم بناها إلى آخر خلافته ثم حج منها و توفي بمكة.

و نزلها بعده [46 أ] المهدي، ثم شخص منها إلى ماسبندان فتوفي هناك.

و كان أكثر نزوله إذا كان بمدينة السلام، عيسى‏آباد حتى بنى فيها أبنية كثيرة. و بها توفي الهادي.

نزلها الرشيد و كان قليل المقام بها، و شخص عنها إلى الرقة فأقام بها مدة ثم سار إلى خراسان فتوفي بطوس.

و نزلها محمد الأمين فقتل بها.

316

ثم قدمها المأمون من خراسان و أقام بها ثم شخص عنها غازيا فمات بالبدندون و دفن بطرسوس.

ثم نزلها المعتصم مدة من خلافته، ثم شخص عنها إلى القاطول فنزل قصرا كان الرشيد بناه. و حفر بها قاطوله الذي سماه أبا الجند لكثرة ما كان يسقي من الأرضين. و كان قد جعله لأرزاق جنده. ثم بنى بالقاطول بناء و دفع ذلك إلى أشناس التركي مولاه. ثم انتقل إلى سرمرى و نقل إليها الناس و بنى مسجدا جامعا في طرف الأسواق و سماها سرمرى. و أنزل أشناس فيمن ضم إليه من الأتراك و القواد كرخ سرمرى و هو كرخ نيروز. و نزل بعضهم بالدور المعروفة بدور العرباني. و توفي بسرمرى في سنة سبع و عشرين و مائتين.

و أقام الواثق بسرمرى و بها توفي.

و استخلف المتوكل فأقام بالهاروني و بنى به أبنية كثيرة و أقطع الناس في ظهر سرمرى في الحير الذي كان المعتصم احتجزه فاتسع الناس بذلك. و بنى مسجدا جامعا فأعظم النفقة عليه و أمر برفع منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها. و حتى ينظر إليها من فراسخ. فجمع الناس فيه و تركوا المسجد الأول. و أمر بحمل المحدثين من النواحي فحملوا و حدثوا الناس، فحسنت له بذلك الأحدوثة. ثم بنى مدينة سماها المتوكلية و عمرها و أقطع الناس بها قطائع و سماها الجعفري في أول سنة ست و أربعين و مائتين. فانتقل إليها الناس عنها إلى سرمرى.

و قال بعض الظرفاء: مجالسة التّمارين تورث المخاتلة. و مجالسة البزازين [46 ب‏] تورث البخل. و مجالسة العطارين تورث التجميش. و مجالسة الحناطين تورث النفاق. و مجالسة أصحاب السقط تورث الورع. و مجالسة النخاسين تورث الإفلاس. و مجالسة أهل فارس تورث الزندقة. و مجالسة أهل الأهواز تورث الغدر. و مجالسة أهل البصرة تورث صغر الهمة. و مجالسة أهل واسط تورث البذالة. و مجالسة أهل الكوفة تورث المروءة و التجمل. و مجالسة أهل بغداد تورث الفتك و الظرف و اللباقة و النظافة.

317

و قال عثمان بن أبي شيبة: سمعت أبا الحر السكوني يقول: سمعت ابن عياش يقول و قد ذكرت عنده بغداد فقال: هي دنيا و آخرة.

و قال يزدجرد بن مهبنداد الكسروي: قد تكلم الناس في بلاد همذان و إصبهان و الري و سائر الكور الشريفة من بلاد الجبل و خراسان و فخموا شأن مصر خاصة و قالوا بها مقدمين لها على بغداد العراق و سائر الآفاق في كثير من الأقاويل.

و نحن مبطلون ذلك على معتقدي مصر خاصة، و متوصلون إلى التفرقة بين بلدين لا يقومان في عيار، و لا يتوافيان على مقدار. فإذا فعلنا ذلك كان حكم ما لم نذكره من سائر البلدان كالري و إصبهان و سائر كور أرمينية و آذربيجان، حكم مصر المشهورة بخواصها المذكورة بأنواعها، و يستبدل الاختصار بالتطويل، و أمهات الكلام دون القال و القيل، و نعلم أن اللّه خلق خلقا مقسوما ما بين قنوات مختلفات حارات و باردات، رطبات و يابسات. ثم جعل تعديل الحياة هو أن لا تشاح على الصيف دون الشتاء، و على برد الماء دون لطف الهواء. فلو كان الزمان بردا جميعا أو حرا أبدا أو خريفا دائما أو ربيعا سرمدا، لملت الطبيعة زمانها، و ثقل عليها منه فنسمها (؟) و مكانها. و لولا شدة الجوع و كرب العطش لزالت لذة الماء و التلذذ بالغذاء. و كذلك القول في الرقاد و السهر، و الحركة و السكون، و الحمّام و الجماع، و الحر و البرد، و الرطوبة و اليبس، و لو كلف أحدنا أكل الخبيص دائما و اللبن دائما و العسل دائما، لكلفنا [47 أ] أمرا مربوطا بمكروه الطبيعة، مقرونا بأنكره و أرداه و أضناه. و لو كان الغذاء واحدا و الزمان واحدا و الدواء واحدا، لكان الغذاء هو الدواء و الربيع هو الشتاء. فقد دللنا بذلك على أن أشرف البلدان مكانا، و أفضل البقاع زمانا، ما كان منتقلا بين أقسام الحر و البرد و الرطوبة و اليبس. و لا خير في زمان يكون ليلا سرمدا، و نهارا أبدا.

و سندل على أن المتطاولين بالحد الواجب المتناسب من الزمان بمصر، هم الملتجئون من منائر أرضهم هذه إلى السماء. و المحوجون إلى النوم تحت السقف الواحد أبدا. و الماء و الهواء هما مع ذلك ركنا حياتنا و خلة لتمام خلقنا. فأيما بقعة الباث فيها الاعتدال، و الاعتدال هو الانتقال، و الانتقال هو الزوال من حال إلى‏

318

حال، حتى تكون دهرا قطرا، و ليلها و نهارها واحدا بدائم. نجد مع ذلك الذي ينبغي منه دوام بقائه و اتصاله و صفائه، هو ماء نيلهم الأعظم و عزهم الأكبر. فهو الذي لا دوام لمائه و لا اتصال لطيبه و صفائه. فإن مثل الناس بين الهواء بمصر و بين أزمان بغداد المعدلات، و بين نيلها و ما فيه من الحوادث الهائلات و العجائب الطارقات، و كثيرا مما لا يطيب استماعه- فضلا عن مشاهدته- و لو لا ما قد جرت لأهله العادات، و بين ماء دجلتنا و الفرات و غياث السحائب الربيعيات، و أيام الشتاء المدجنات، و ما في السماء من البركات، ميّلوا باطلا و أضاعوا محصولا.

و قد زعم كثير من أهل النظر أنه لولا طلسم بمصر لأغرقها النيل و البحر.

و أن بلدا لا تقوم أركانه، و ثبات أهله و جيرانه إلّا بحيلة من المربوبين، لا يؤمن فسادها، و بعاصمة من المخلوقين تشوبها الظنون، و تزول بدونها عقد اليقين، لعلى خطر عظيم و غرر جليل.

هذا و ليس بين أن ترى ساكنيه عطشى يتشطحون و بين أن يكونوا في السفائن [47 ب‏] و الزواريق يتزاورون، و في مراكب الطوفان يذهبون و يجيئون فرقا في مواقيت معلومة من الزمان و أحوال معتادة من الأيام.

و مما يزيد بعده بمقادير عقول المصريين، و يجوز لك الدليل على موازين المعدلين بين مصر و مدينة السلام، أن يعلم أن قوما قد زعموا أن الأحكام لم تكن لتملّك على قوم ملكا، و ذلك الملك أنقصهم عقلا و لا أوضعهم رأيا و لا أسيرهم نهما و لا أصغرهم علما، مع تقدم الشهادات لعقول الملوك خاصة. و بالخواص التي تكون مقرونة بهم و منسوبة إلى قرائحهم، عدل الملك في زمانه أو جاره.

و إذا كان هذا هكذا، ثم وجدنا فرعون قد ملك مصر دون غيرها و غلب عليها دونما سواها (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏)، فما ظنك بعقول قوم هذا عقل من ملّكوه عليهم.

و مغرس هذه آثار ثماره، و نتائج أشجاره. و نحن قد فوضنا مصر إلى خمارويه و زدناه من الأقطار إلى حدود الأنبار.

و إذا ذهبنا نقابل المصرين بما ببغداد من الفضائل: وزيرا بوزير و أميرا بأمير

319

و حكيما بحكيم و خطيبا بخطيب و بليغا ببليغ و أديبا بأديب و طبيبا بطبيب و حاسبا بحاسب و كاتبا بكاتب و محاربا بمحارب و مضاربا بمضارب و مقاتلا بمقاتل و مفاضلا بمفاضل و قاضيا بقاض و فقيها بفقيه حتى يؤول الأمر بنا إلى ذكر أرباب الصناعات الشريفة و المهن اللطيفة، كنا قد تعرضنا إلى ما لا سبيل إلى استيفائه و لا دليل على إحصائه. و إلّا فمن أين للمصريين كذي الرأي و الغنى و البأس و البلاء و الحكم و الدعاء و الحيلة و الدهاء و الجود و السخاء و العهد و الوفاء و الشدة و الرخاء، عدو عدائه، و أين إليها ليل من آبائه، عبيد اللّه بن عبد اللّه بن الطاهر، و كابن الطيب الحكمي و ثابت بن قرة الحراني و العباسي المنطقي و المنيقط الناشي و الأقليدس الذكي [48 أ] و البرذعي العدلي و أبي صالح السني، إلّا أن يظنوا أن لهم أيضا كالمبرّد المشهور أو ثعلب المذكور. و من لم يزل و لا يزال بها من الفاضلين على الدهور و على السنين و الشهور.

و ليس لهم أن يفاخرونا بهرمس في زمانه أو بمثله في زماننا. و لا بأغاتيمون في أواننا هذا، و هم يعلمون أو لا يعلمون أن بابل العراق كانت مركز العلم و العلماء و مكان الحكمة و الحكماء. و لكن الملك المظفر لما غلب على ملوك العمران، نقل الحكمة و الحكماء إلى بلاد المينا أو نحوها مما قد سلف.

فأما مفاخرة القوم بالديار و المقاصير و سائر الأغذية و التدابير، أو مما ببغداد من سائر الفواكه و الثمار و غرائب النخل و الأشجار، فظنّ ما شئت أن تعدّه تجده موجودا غير مفقود و قريبا غير بعيد. زعم لي مهرويه باغبان‏ (1) السلطان أنه يعرف بمدينة السلام نيفا و سبعين نوعا من التفاح، ثم عدّها، فتبسم أخوه شهريار ثم قال: كذا و كذا زيادة على ما قال أخوه بنحو أربعمائة نوع و تسعة أنواع.

و ما ظنك ببلد مع جميع ما فيه من غرائب الأشجار و أجناس النخيل و البقول و المزارع و الثمار ينبت الأترج و النارنج كما ينبت الزعفران و الأقحوان، كما ينبت الفستق و اللوز و الزعرور و الموز و الشاهبلوط و الجوز و الغبيراء و الجلّوز و السدر

____________

(1) الباغبان: البستاني في اللغة الفارسية.

320

و الحبة الخضراء و اللفاح و البندق و البلوط و المقل و السبستان و الهليون و الريباس و الفوّة و المحروث و الاشترغاز و الراس و الانجذان و العنصل و الاشقيل و الداذي و البلمخية (؟) و الزوبن (؟) و ما لا يحصى و لا يلحق من جميع الأشياء.

و لقد حدثني يونس الصيدلاني قال: ما أحصي ما يحمل من العقاقير النابتة على سواقي الأنهار ببادرويا كالشبرم و السورنجان و البنج و الخربق و التربذ و المازريون و الثيل و الإذخر [48 ب‏] و الأفسنتين و الجعدة و الفنجمشك و الغافت و المرقد و الحنظل، و أضعاف ما ذكرت من العقاقير التي تدخل في الأدوية.

فإن شئت أن نذاكره بالسكر و الجيسوان و الازاد و الخركان و العروسي و الحمران و الهيثا و الهليان و البردي و المشان و الطبرزد و الباذنجان و القرثيا و المادبان و القرشي و البدالي و المعقلي و الصيحاني و البهشكر، وصلنا من ذلك إلى خير كثير و أمر مشهور.

فأما أنواع الاخبزة و الاخبصة و أصناف الأشربة و الانبذة و سائر الانبجات و الافشرجات و أنواع الأرباب و المربيات فغير معلوم لأهل المغرب و لا معدوم في أفنية بابل و ما عملت.

و لا أعلم في الماضين من ملوك الزمان جميعا ملوكا دانوا بالضن بأزمانهم و انتحلوا القرى إلى اللّه بالاغراق في التماس اللذات الزمنيات في مطاعمهم و مشاربهم و ملابسهم و مناكحهم من أولاد فارس و ملوك الأكاسرة، فإنهم كانوا دون ملوك الروم و الهند و سائر الأطراف، و أعلم بموافق الريف و أحذق بتدبير العيش اللطيف، و هم كانوا الأئمة في غرائب الغاذيات و العلماء بأصناف التدابير و الملذذات، و كانت الأفاضل من ملوك بني ساسان خاصة تفاخر غيرها من الملوك باستيطان مدائن العراق، و بتطاول تلطف الهواء بها و صحة الماء فيها. هذا من حكم الخمرة البالية التي كانت تفاخر بها في أعيادها و تعازّ بخواصها في أيامها، و تزعم أنه لو لا اعتدال الأرض و الماء و اتزان مناسبة الماء و الهواء، ما وصلوا من طعوم شرابهم هذا، و أنواع ألوانه و نسيمه و روائحه إلى غايات لا سبيل إلى مثلها إلّا نظير لها في شكلها. و إذا كان ذلك لهم في الشراب أن يكون ذلك هو حق‏

321

الحكم لها في سائر المنابت و الأشجار، و أنواع الأغذية و الثمار. و لئن صح ذلك بذلك [49 أ] و هو كذلك، فسيصح أن الغاذيات التي جرت باعتدالها طبائعها، و اتصلت لإمداد خلقتنا و غرائزنا خليقة ان تفرد بالخاصيات المعدلات و الخصائص المكملات، فليس إسراف الهواء في اللطافة و دوامه إلّا كإسرافه في الكثافة و اتصالها فيه. و الاعتدال إذا هو الكمال الفاضل و الزمان العادل.

و قد ذكرت الجماعة المميزة من المادرائيين انهم كانوا لا يشمون بنواحي الري و إصبهان و قزوين و زنجان إلى سائر أمهات الجبال من بلاد همذان شيئا من روائح الصنيع المشوي و القديد، سواء كان ذلك من الثور أو البعير أو الفروج أو العصفور، إلّا اختلاسا و نزهما (؟) و ذلك هو إمّا لكثافة الهواء في نفسه أو لغلظ الغذاء في جنسه.

و إنك و الحق لتشهد أن تنسّمك عندنا روائح خبز المخابز البعيدة فضلا [عن‏] الجديدة. فما ظنك بالحيوان المشوي في التنور و الصنيع المدبر بالقدور؟

و بمثل ذلك حدثني الفطن الذكي و اللبيب الحسبي، إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الهواء بمصر، الذي يمحق رائحة المسك الأذفر و الكافور و العنبر كما قال غيره.

و قد علمنا أن لأهل قم الشراب الميري، و لأهل إصبهان الشاهجاني، و لأهل الري السدني، و لأهل همذان المرجاني، و لأهل قزوين الدستباني، و لأهل مصر الرساطون العسلي، و لأهل الشام الحلفي. و لكن أين فضائل هذه الأنواع جميعا لو جمعت في نوع منها من الشراب السوري و العصير البابلي و الطبيخ القطربلي و المعتق الصريفيني؟

ثم رجع الكلام إلى نوعه في مصر و المصريين فنقول: فأين طرقات مصر من طرقات بغداد؟ و ديارها من ديارها و رحابها من رحابها و دروبها من دروبها. و هي محال الأقذار و مزابل الطفار؟

و حدث إبراهيم بن ياسين و كان مصريا يجهّز المسك إلى مصر، إنه لا يكاد

322

يشم في محال مصر شيئا من المسك الأذفر و لا الكافور و العنبر.

و حدثني في أثر ذلك صديقي السرخسي فقال: إن طبّاخا [49 ب‏] لنا أتى بقمامة فرماها إزاء باب دار منزلنا ببغداد فجلست لتأديبه قبالتها و دعوت بالمقارع، إذ أقبل رجل يسعى لشأن كأنما لم يخلق لغيره، فبحث القمامة بيده و أثار منها صوفا و زجاجا مكسّرا فالتقفه و مضى مبادرا. ثم أتى آخر في أثره ينحو نحوه فبحث باقيها و أثار منها قشور جوز و قشور (1) فأخذ منها و ولى منطلقا. ثم تلاهما ثالث يقفو أثرهما فأثار القمامة و أخرج ما كان فيها من النوى فأخذها و مضى. ثم أقبل قمّام الحمّام فغربلها و تزود ما فيها ثم مضى. ثم أقبل آخر معه فنخل التراب فاستخرج منه شيئا فأخذه و مضى. ثم جاء أجير الحراث فكسح باقيها و كان ترابا و رمادا فأخذه و مضى. قال: فأمسكت عن ضرب الغلام و قلت: ذلك تقدير العزيز العليم.

و ما حاجتنا و ما حاجتك إلى الانتصار بغير العيان و التظاهر على خصمائنا بغير ما هو لنا (2) في الزمان؟ هؤلاء المادرائيون أهلنا و أصحابنا و إخوتنا و أترابنا رؤساء مصر و سوّاسها و كتاب أعمالها و أربابها ذوو القدرة التامة و الأمر النافذ و السلطان الظاهر و العز المتظاهر، يتطلّع أعظمهم قدرا و أكبرهم أمرا و أعزهم شأنا و أوسعهم سلطانا إلى قوافل الحاج و وفود المجهّزين من بغداد، حتى يستصحب لهم الخفاف الطائفية و النعال السندية و المقاريض الهيثمية و الأمشاط الطاهرية و السكاكين الكتابية و كثيرا مما يصنع من الأبنوس و العاج و العام الموجود من العطر و الزجاج. فما ظنك بما لا يتهيّأ حمله و لا يسهل تجهيزه و نقله؟

و لست تجد كبيرا من كبراء الأطراف و لا عظيما من عظماء ملوك النواحي كملك الديلم و الطيلسان و ملك السوس و من وراء آذربيجان و سائر المتغلبين من أولياء الدولة في مشارق الأرض و مغاربها إلّا متبجحين بمن يصير إليهم و يلقاهم‏

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) في الأصل: ما هو لانا.

323

من مدينة السلام. كائنا من كان أو يحمل إلى مواطنهم [50 أ] و يغشاهم و ينافسون على اصطناعه و يشاحّون على ادخاره و يغارون على اقتنائه كما يستقصون على فقدانه و يتحاسدون على وجدانه. و أحسبهم يعنون بعد المجاهدة في ذلك و المبالغة في اطلاب ذلك إلى غير المنفيين من الطباخين و المستجهلين من المتطببين و المستبردين من المغنين و المسترقين من الحناطين. فقد قنع الرئيس الأعظم و الملك الأكبر من الجماعة أن يقال هذه مغنية بغدادية و عاملة عراقية و زامرة زريابية و طبّالة عتقية و عوّادة بناتية أو خريجة (1) شارية، و زنبق و رحيب و منعم و عرفان و زاعم و بدعة، و كفاهم من ذلك أن تقول الجارية رأيت بدعة و كلّمت تحفة و سمعت جدوة، و شاهدت طيابا و أعرف زريابا. كما كفاهم أن يقولوا: ماشطة طاهرية و خازنة حريمية، و كانت ستّي فلانة الفلانية. فتلك عندهم من النعم المعدودات و الذخائر المقتصدات.

ثم رجع الكلام إلى ذكر شبيه ما كنا فيه من ذكر المصريين، فلعل القوم أن يفاخرونا بالمعادن و يعازّونا بالزبرجد و الدبيقي، فإن فعلوا، فأخلق بنا أن نقول إن ذلك شي‏ء إن استجاز القوم المعازّة به في المعادن و في الزبرجد و الدبيقي، فكانوا قد دلّوا من أنفسهم على ضعف كبير و عجز مشهور. و إلّا فإن كان المعدن هو العلة لشرفهم فليس بمأمون زوال الشرف بزوال المعدن. و إن كان شرف المعدن إنما هو شرف لنفسه، كانت كل ذات معدنية ذات شرف بنفسها. و إن كان شرف الذهب شرفا لنفسه، فلا يكون الرصاص و حجر النار شريفا لنفسه. و إن كان شرف القوم إنما هو شي‏ء هو لعلّتهم و علّة المعدن معا، و قد وجدنا نصيب أبعدنا من المعدن كنصيب أقربنا منه و أوفر، و لست مع ذلك تجد الحدّ في ثمن المثقال من الذهب بمصر إلّا كالحدّ في قيمته بأقصى حجر بالتبر و الطيلسان.

فأما معازتهم بالقصب و الدبيقي [50 ب‏] و الملحم و الخليجي، فقد قلنا و نقول: إن ذلك هو شي‏ء لنا دونهم. فإنه لو وجب التطاول بذلك علينا لاستجاز

____________

(1) اي انها تخرجت في العزف و الغناء على شارية أو زنبق ...

324

الحرّاثون مفاخرة أرباب الضياع، و نساجو الديباج التطاول على لابسيه. و لكان مركّب التاج بالدر و الياقوت يشارك الملك الأعظم في عزه و سلطانه و في أقصى من مكانته من شانه. حتى كون صائغ الإكليل أحق به ممن أمره و نهاه و استأجره و أعطاه. و الدليل على صدقنا، أن أهل مصر لو كانوا إنما يتخذون الدبيقي و يتكلفون صنعة الملحم و التنيسي لهم و لمن هو منهم و إليهم، لهلك النسّاجون و لمات البزازون و سائر من بها من أرباب القراطيس و صناع الشمع و الخيش و الكرابيس.

ذلك هو القول في المجهزات جميعا من خراسان و سائر بلاد اللّه في جميع العمران.

ثم لا نجد بغداد عند ذلك إلّا كالجوهر القائم بنفسه، و البلدان دونها كالأعراض التي لا قوام لها إلّا بما هو أثبت بها و أغنى عنها. فالدنيا العراق و الناس أهلها. و الطاعنون على بغداد هم الطاعنون على اختيار الخلفاء. و الطاعنون على الخلفاء، الطاعنون على الأنبياء، و الطاعنون على الأنبياء هم الطاعنون على رب الأنبياء.

و حدثني القاضي إسماعيل بن إسحاق، و كفى به محدثا. و محمد بن يزيد و كفى به مخبرا، قال: لقد كنا نلتمس بالبصرة من جيد التمور و أنواع الأرطاب فنجد ببغداد ما لم ير مثله بأنهار البصرة جميعا.

و حدثني من لا ارتياب للعقلاء في عقله و لا اشتباه عند الحكماء في فضله بعلومه و آدابه و أنسابه و إحسانه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر متمثلا في أثر كلام مرّ في غرائب بغداد فقال: تزعم العامة أن رجلا من مجهّزي القطن كان بالشام ثم وقع إلى كورة مرو من بلاد خراسان و هو لا يظن أن القطن يكون بغير الشام فاحتمل من كثرته بمرو بما فاض عن عقله و اتهم معه فهمه. ثم سأل عن البلدان التي يحتمل تجهيز ذلك إليها فقيل له بغداد. فقال: و كم في الأرض من [51 أ] بغداد. فصدق عن القصة فقال: أظن أن أهل بغداد يأكلون القطن أو تبنى لهم به المساكن و الجدران. فأقبل يريد العراق لذلك.

325

[و] أشرف من بلاد الري و نواحيها على ما لم تر عينه مثله من الأقطان أيضا و تجهيزها، فسأل فكانت القصة سواء. ثم أقبل إلى ملتقى القوافل بقرميسين فأقبلت عليه الأرض بيضاء بالأقطان فازداد حرصا على مشاهدة بلد يأكل أهله القطن و يشربونه و يبنون به دورهم.

فلما بلغ بغداد، لم يرها بنيت بالقطن و لا مصنوعة منه فقال له: ها أنت ببغداد. قال: فإذا كانت هذه بغدادكم، فأين الدنيا و الآخرة؟

و قال المعروف بابن يزيد الرقي و محمد بن نصر الدلّالان:- و هما شيخان مستوران قد أسنّا- إنّا لنركض على حميرنا في حواشي بغداد و أوساطها منذ سبعين سنة لدلالة ما يباع من المنازل و العقارات و سائر العقد و المستغلات في الليل و النهار و الغدو و الآصال. و إنّا لنمرّ في أيامنا بل في الزمان جميعا ببقاع و لا عهد لنا بها و دور لا معرفة لنا بشي‏ء منها و مسالك لا تحيط بها أوهامنا و لا سلكناها قط. و كثير من الناس يقولون إن جانبي بغداد كالفرسخين، و قد غلطوا في ذلك غلطا بيّنا.

و أنشد لكاتب من أهل البندينجيين يذكر فضل بغداد و يذم مصر:

هل غاية من بعد مصر أجيئها* * * للرزق من قذف المحلّ سحيق‏

لم يأل كم حطّت بمصر ركابه‏* * * للرزق من ركن لديه وثيق‏

نادته من أقصى البلاد بذكرها* * * و تعنّفته بعد بالتعويق‏

كم قد جشمت على المكاره دونها* * * مِن كلّ مشتبه الفجاج عميق‏

و قطعت من عافي الصّوى متخوّفا* * * ما بين هيت إلى محارم فيق‏

فعريش مصر هناك فالفرما إلى‏* * * تنّيسها فدبيرة فدبيق‏

بحرا و برّا قد سلكتهما إلى‏* * * فسطاطها و محلّ كلّ فريق‏

و رأيت أدنى خيرها من راغب‏* * * أنأى لطالبه من العيّوق‏

قلّت منافعها فضجّ ولاتها* * * و شكا التجار بها كساد السوق‏

326

ما إن يرى فيها العريق إذا رأى‏* * * شيئا سوى الخيلاء و التبريق‏

قد فضّلوا جهلا مقطّمهم على‏* * * بيت بمكة للإله عتيق‏

بمصارع لم يبق في أحداثها* * * منهم صدى برّ و لا صدّيق‏

إن قال فاعلهم فغير موفّق‏* * * أو قال قائلهم فغير صدوق‏

شيع الضلال و حزب كلّ منافق‏* * * و مصارع للغي و التنفيق‏

أخلاق فرعون اللعينة فيهم‏* * * و القول بالتشبيه و المخلوق‏

لولا اعتزال فيهم و ترفّض‏* * * من عصبة لدعوت بالتغريق‏

يا طول شوقي و اتّصال صبابتي‏* * * و دوام لوعة زفرتي و شهيقي‏

ذكر العراق فلم تزل أجفانه‏* * * تهمي عليه بمائها المدفوق‏

و نعيم دهر أغفلت أيامنا* * * بالكرخ في قصف و في تفسيق‏

و ينهر عيسى أو بشاطئ دجلة* * * أو بالصراة إلى رحى بطريق‏

سقيا لتلك مغانيا و معارفا* * * عمرت بغير البخل و التضييق‏

ما كان أهنأه و أبعد داره‏* * * عن أرض مصر و نيلها الممحوق‏

لا يبعدنّ صريم عزمك بالمنى‏* * * ما أنت بالتنفيد بالمحقوق‏

فربا الرجوع إلى العراق و حلّها* * * بمصر فريق بعد جمع فريق‏ (1)

و قال أحمد بن الطيب‏ (2) تلميذ الكندي: مدينة السلام شريفة المكان، كثيرة الأهل، واسعة [52 أ] الشكل، بعيدة القطر، جليلة الولاية نبيهة السلطان، ينبوع الآداب و منبت الحكم. يأتيها برد الآفاق و خطباء البلاد. ما فعل فيها من خير فمشهور و ما علن فيها من شر فمستور. منها الفقهاء و القضاة و الأمراء و الولاة.

عتاد الخلافة و دار أهل الدعوة. و إن لها لجنسا من السعادة و لأهلها نوعا من الرئاسة، و ذلك أنه قلّما اجتمع اثنان متشاكلان و كان أحدهما بغداديا، إلّا كان‏

____________

(1) ورد البيت مضطربا.

(2) هو السرخسي و من مؤلفاته كتاب فضائل بغداد و أخبارها (ابن النديم 321).

327

المتقدم في لطيف الفطنة و حسن الحيلة، ليّن المعاملة جميل المعاشرة حلو اللفظ مليح الحركات ظريف الشمائل.

فأما ما ينبغي أن تفهمه من عيبها و تقف عليه من مذموم أمرها فهو أن بعض ما عددت محاسنها يعود فيصير عيبا لها و قبيحا من أمرها. و ذلك أن سعتها أفرطت حتى صارت مساحتها أربعة فراسخ. و الذي هذه مساحته إذا كان قريبا معتدلا يحيط به حائط طوله ثمانية فراسخ. يكون ذلك أربعة و عشرين ميلا. و إذا كان هذا هكذا و احتيج إلى حراسة هذه المدينة و احتاج سلطانها التحصن فيها، فأقل ما يحتاج إليه من الحفظة و أصحاب المجانيق و العرادات في كل ميل ألف رجل يكون جملتهم على حسب ذلك أربعة و عشرين ألف رجل. فإذا لم يحفظ هذه المدينة أهلها متبرعين ذلك أو مضطرين، فأقل ما تحتاج إليه لأرزاق و حفظتها على اختلاف أحوالهم و قائد و عريف و تابع و ما يحتاج إليه لمؤن المدادين في المجانيق و العرادات و مؤن الموكلين بهم و القوام و مرمّة أسلحتهم و ما يتصل بذلك من أثمان الآلات و مرمتها ما يكون لو ضرب بعضه في بعض على أحسن التقديرات عشرة دراهم كل يوم. و لكل رجل زهاء مائتي ألف درهم و أربعين ألف درهم في كل يوم. فإذا أقاموا على ذلك شهرا، احتاج هؤلاء الحفظة دون المقاتلة إلى سبعة ألف ألف درهم و مائتي ألف درهم. فإن كان المتحصّن [52 ب‏] مختلا فقد أتي من مأمنه و دخل عليه في حصنه. و لذلك ما أنفق محمد بن عبد اللّه بن طاهر في سنة المستعين و الفتنة، زهاء مائة ألف ألف درهم على حفظ السور و المقاتلة. و لقد دخله خلل و هجم على المدينة من ناحية بغوبربا حتى ناحية السور و نقص من الإحاطة شي‏ء له قدر. فهذا أحد العيوب أيضا. فإن الخليفة الذي رسم هذه المدينة التي يحامى عليها من الأطراف الشاسعة و الثغور النائية. و إن القطب الذي عليه المدار و القبة التي ينفذ منها التدبير لمتوسطها بين أقصى المشرق و أبعد نهاية المغرب. و كذلك هي في توسط ما بين الشمال و الجنوب. و ذلك أن كثرة أهلها تدعو إلى شدة الحاجة، و إلى كثرة الميرة لها. و لذلك ما يحتاج أهلها إلى ميرة من أقصى ديار مصر. و بينها و بين ذلك مائة و عشرون فرسخا. و يحتاجون من البعد

328

موضع في ديار ربيعة و أشسع مكان من أعلى الموصل. و بينهم و بين أدنى تلك المواضع نحو المائة فرسخ. فلو اعترض معترض فقطع ميرة ديار ربيعة و الموصل عنهم ثم كان المتحصن أفضل الأئمة عدلا فضلا عن أمير أو رئيس لاضطروا إلى إخراجه و نفيه عن جوارهم و لا سيما و هم لا يخافون لكثرة عددهم و جليل قدرهم و كثرة السلاح فيهم، و هم مستلئمون فيها. [و لهذا] السبب أيضا لا يمكن أن يتحصن بها ملك. ألا ترى إلى الملوك الذين دوّخوا البلاد و ملكوا العباد، و بنوا المدن و حفروا الأنهار و عمروا الأرض و ساسوا الملك و قارعوا الملوك، لما اتخذ مدينة جعل السور يحيط بالساكنين و بموضع مزدرعهم كما هو موجود بأرض بابل و بناحية سمرقند و بخارا.

و أنت [53 أ] إذا ما سألت عن مدن الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب، وجدت الأمر على ما وصفت لك، إلّا المدن المحدثة التي بنتها العرب في الإسلام و هي الكوفة و البصرة و بغداد. و لم تؤت الملوك القدماء من قلة معرفة و لا من جهل بصواب التدبير و السياسة.

فأما واسط و سرمرى فعسكران، و ذلك أن واسط بناها الحجاج منزلا لنفسه و معسكرا لجند أهل الشام، ربأ بهم من مجاورة أهل العراق و معاملتهم. و أهل العراق حينئذ أهل الكوفة و البصرة. و لقد أحسن في اختيار الموضع لأنه جبلي سهلي بري بحري عذب الماء طيب الهواء، يوجد فيه الثلج و الرطب، و القبج و السمك. و إنما كانت واسط مدينة كسكر و جؤجؤ تحضنه المياه. و واسط على حال أجمل من سرمرى و ذلك أن ابن هبيرة تحصن بحصن واسط و قد انتشرت المسودة فيما بين أقصى خراسان إلى مصر، و المنصور مقيم عليه في سادات أهل خراسان و ذوي البأس و النجدة من أهلها، فما وصل إليه إلّا بعد إعطائه إياه الأمان و بذل جميع ما اشترط لنفسه.

فأما سرمرى فإن المعتصم تنحى إليها عن مدينة السلام لسببين أحدهما تبعيدا لمواليه الأتراك عن أمناء الدعوة من أهل مدينة السلام. و الثاني أن ما دون عكبرا

329

و آخر ديار ربيعة إنما هو منازل الشراة. فأراد أن ينزل في وسط ديارهم فيشدّ بهم و يدفع عاديتهم.

و سر مرى ضاحية لا سور يحصنها و لا خندق يمنعها و لا ميرة تقرب منها.

و إنما يشرب جماعة من فيها من النهر الأعظم. و ربما رأيتها إذا اشتد الحر و التهب الهجير و اجتذم القيظ و الراوية في بعض المواضع في بعض الأوقات بدرهمين و أكثر. هذا في السلم و الأمن. فمن حق ما كان مثل هذه من المدن و الكور أن يكون سكانها شجعانا انجادا أبطالا يحمون أنفسهم و يدفعون عن [53 ب‏] حوزتهم معاقلهم السيوف و تجارتهم الحروب. و إلّا فإن أناخ عليها منيخ و اعتمد على من فيها بكلكله ما كان إلّا بمنزلة من يحرض بريبة و ينازع بخروج نفسه، و ليس هكذا أهل بغداد. لأن لهم آبارا يستعذبون ماءها و يستغنون عن نهرهم الأعظم بها.

و لكن من جميل أمر بغداد أن السلطان آمن من أن يغلب عليها رئيس لبعض الآراء، كغلبة الطالبين كثيرا بالشيعة على أهل الكوفة، و ذلك أن ببغداد من مخالفي الشيعة من يقرن بالشيعة، و بها من مخالفي المعتزلة من يقرن بالمعتزلة. و بها من مخالفي الخوارج من يقرن بالخوارج. فكل فريق يقاوم ضده و يدفعه عن أن يرئسه.

فقد تركوا الرئاسة للسلطان و ربحوا تسليط الفناء و التفاني بالحرب. و لكنه ربما عرضت الآفات و هجمتهم، و ذلك أنه إذا اتصلت المكاره عليهم و دام فيهم جور الولاة و عوملوا من التعنت و طلب الرشى ما لا يحتمله إلّا الذليل و ذو العدة القليل تهايجوا و فزعوا إلى التطوع فحدث منهم مثل الذي حدث عند خروجهم مع سهل بن سلامة (1) في أرباض الحربية. فإنه اجتمع لما تطوّع و دعا إلى إنكار المنكر، زهاء خمسمائة ألف إنسان، و كما هاجوا عند تأذيهم بمحمد بن أوس و صعاليكه القادمين مع سليمان بن عبد اللّه‏ (2). فإن الصعاليك لما أسرفوا في الفسق‏

____________

(1) في تاريخ الطبري 8: 551 حوادث 201 ه- (و في هذه السنة تجردت المطّوّعة للنكير على الفساق ببغداد، و رئيسهم خالد الدريوش و سهل بن سلامة الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان .....) راجع بقية الخبر هناك و في المنتظم 10: 92- 93.

(2) هما محمد بن أوس البلخي و سليمان بن عبد اللّه بن طاهر. انظر أخبارهما لدى الطبري‏

330

و الفجور، تهايجوا من جانبي مدينة السلام قاصدين منزل محمد بن أوس. فلقد كنت منصرفا في ذلك الوقت من جانب الغربي أريد الجانب الشرقي فوقفت موقفا أتبين فيه من يعدو من الجانب الغربي يريد منزل ابن أوس، و احترست من الإسراف، و ظننت أن من عبر إلى أن انصرف بالغنيمة و النهب أكثر من مائتي ألف إنسان. فهذا مما ينبغي أن تعتقده في هذه المدينة.

فأما القطع [54 أ] الذي مدينة السلام منه، فأفضل مواضع الأرض جميعا في الطيب و الغذاء. و ذلك أن أطيب حيّز الدنيا بعد الأمن و العافية و العز و السلامة و الرئاسة و الشرف، صلاح الماء و الهواء. فأفضل أنهار هذا العالم و أعذبه ماء و أصحه هواء و أكثره خيرا، دجلة و الفرات. و ذلك أن الفرات يسيل إلى بغداد بجميع الشام و سواحل بحر الروم و مصر و ما وراء مصر إلى المغرب، و ما بين المغرب و نهاية العمران في الشمال و ما يأتي به أيضا من قطع بحر الشام عرضا، حتى قرب من جزيرة نيطس و قسطنطينية. لأن الروم و الأندلس و الخزر و الصقالبة و البربر على هذا البحر فهو يقطع عرضا فيحمل الخزر من شماله إلى جنوبه، و يحمل الأندلس من جنوبه إلى شماله. و لذلك نعجب أن يؤتي بسبي الأندلس في دجلة، و الخزر في الفرات.

و هذا البحر من أنطاكية إلى جزائر السعادة و منه خليج يخرج مما يلي الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، و يصير من ناحية أنطاكية إلى ناحية قسطنطينية ثم يدور حتى الخزر. و على ساحل هذا البحر طرسوس و المصيصة و أطرابلس و صيدا و يافا و عسقلان و الإسكندرية. و عليه من ناحية قصر دمياط و الفرما. و فيه قبرس و صقلية. فكلما على هذا البحر أو وصل إليه أو قرب منه فصار في جنوبه، و أريد به العراق مما يلي ديار مضر، فطريقه في الفرات، و كلما كان في شماله و عدل به إلى ناحية ديار ربيعة و بلاد الموصل و أريد به العراق فطريقه في دجلة، و لدجلة أنهار تأتي فكلما قصد به بلاد الموصل من أرمينية و آذربيجان.

____________

حوادث 250 ه- و ما بعدها (9: 271 و ما يليها).

331

و الفرات و دجلة جميعا يتصلان ببحر الحبشة الذي له ذنب مما يلي العراق من ناحية الأبلة. و الأبلة أشد مواضع البحر دخولا في الشمال، و الأبلة كأنها راوية لهذا الذنب و يمرّ الماء على شكل مثلث يتسع كلما بعد من الزاوية التي تلي الأبلّة حتى يهجم على معظم البحر. و لهذا الذنب ساحلان و هما الضفتان يخرجان من الزاوية [54 ب‏] و يتسع بعدهما كلما طال امتدادهما، فأحد هذين الساحلين يقال له الأهوازي الفارسي، و هو الذي عليه دورق و ماهرويان و جناباد و سينيز و سيراف و تيز و مكران و الديبل، و الساحل الآخر يعرف بالعربي و هو الذي عليه اليمامة و عمان و مهرة و الشحر. و هذا البحر متصل بالصين.

فدجلة و الفرات يتصلان بالبطائح و يتصلان منهما بالأبلة و من الأبلة يركب العراقيون في هذا البحر، فمن هذين النهرين خيرات أكثر الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب.

و قال ابن عباس: أوحى اللّه إلى دانيال الأكبر أن افجر لعبادي نهرين و اجعل مغيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. فأخذ خشبة و جعل يجرها في الأرض و الماء يتبعه، فكلما مرّ بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ كبير ناشدوه اللّه فيحيد عنهم، فعواقيل دجلة و الفرات من ذلك.

و مبتدأ دجلة من أرمينية الرابعة ثم تمر إلى جانب قردى و هي قرية الثمانين التي بناها نوح (عليه السلام)، ثم تمر بين [باسورين‏] (1) ثم تأخذ على بلد و الموصل و الحديثة و السن و تكريت و سرمرى، تصب في البطيحة حيث يغيض الفرات فيجتمعان و يمران بالبصرة ثم الأبلة ثم يصيران إلى البحر.

و مخرج دجلة من جبال آمد، و مخرج الفرات من بلد الروم، حتى يصب في دجلة. و بين بغداد و واسط يتشعب شعبا كثيرة إلّا أن عموده يمضي حتى يغيب بالكوفة و يصب مما يلي جنبلاء في البطيحة. و ليس عمود الذي يصب بالبطيحة يأتي بخير من بحر الحبشة الذي مرقاه الأبلة، و لكن بسعته التي تتعرج من عموده () (2) و يأخذ في‏

____________

(1) زيادة من ياقوت (دجلة).

(2) كلمة مطموسة.

332

نهر الرفيل، و يأتي إلى المحول و نهر عيسى و يصب في دجلة بكرخ بغداد، فما ركب هذين البحرين أو جاورهما فهم أهل الماء العذب و الهواء العدي.

و أخبرني بشي‏ء عجيب تذكره العلماء على وجه الدهر، و ذلك أنهم يقولون إن أقام الغريب ببلد الموصل تبين في [55 أ] بدنه فضل قوة، و إذا أقام الغريب بالأهواز سنة تبين في بدنه و عقله نقصا. و إن الغريب إذا أقام بالتبت سنة دام سروره و اتصل فرحه. و ما نعرف لجميع ما قلنا سببا إلّا لصحة هواء الموصل و عذوبة مائها، و لرداءة نسيم الأهواز و تكدر جوّه. فأمّا علة التبت فغير معلومة.

و قال لي علي بن الجهم إنه قد سافر أسفارا أبعد فيها، مشرقية و مغربية، و انه ألزم نفسه العناية يتعرف طيب الهواء و عذوبة الماء. فلم ير موضعا أجمع للتمام في ذلك من أرباض مدينة السلام في الجانب الغربي.

و قد ظننت أن علي بن الجهم أفرط في هذا القول بالعصبية لحب الأوطان.

إذ كانت هذه الناحية منزله. و لقد كنت أفكر كثيرا في نزول الملوك المدائن من أرض الفرات و دجلة، فوقفت على أنهم توسطوا مصب الفرات و دجلة.

هذا على أن الإسكندر لما سار في الأرض و دانت له الأمم و بنى المدن العظام في المشرق و المغرب، رجع إلى المدائن و بنى فيها مدينة و سوّرها، و هي إلى هذا الوقت موجودة الأثر، و أقام بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا و عن بلاده وطنا حتى مات.

و قد كان [بنى‏] بخراسان العليا سمرقند و مدينة الصغد و بخراسان السفلى مرو و هراة. ثم بالمغرب الإسكندرية، و بنى بالهند سرنديب. و بناحية إصبهان جيّ، و بنى مدنا أخر كثيرة حول الأرض فلم يختر منزلا إلّا المدائن، و إنما سميت المدائن المدينة العتيقة لأن زاب الملك الذي بعد موسى (عليه السلام) أنشأها بعد ثلاثين سنة من ملكه. و حفر الزوابي و كورها و جعل المدينة العظمى المدينة العتيقة.

يقول العجم: إن الضحاك الملك الذي كان له بزعمهم ثلاثة أفواه و ست‏

333

أعين بنى مدينة بابل العظيمة. و كان ملكه ألف سنة إلّا يوما واحدا و نصفا، و هو الذي أسره أفريدون الملك فصيّره في جبل دنباوند. و الموسم الذي أسر فيه تعتده [55 ب‏] المجوس عيدا و هو المهرجان.

و قد بنى بهمن بن إسفنديار همينيا، و بنى شابور بن هرمزد ذو الأكتاف فيروز شابور و هي الأنبار. فأمّا لم سميت هذه الناحية من البلاد إيرانشهر و معناه بالعربية بلاد إيران، فهو أن أفريدون قاتل بيوراسف قسم الأقاليم السبعة بين ثلاثة أولاد كانوا له. فدفع إلى إيران هذا القطع فعرف به. و لجلالة قدره و بلده حسده أخواه فقتلاه.

فأما أنو شروان بن قباد- و كان من أجلّ ملوك فارس حزما و رأيا و عقلا- فإنه بنى المدائن و أقام بها هو و من كان بعده من ملوك ساسان إلى خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

فأما الملوك الأول، أعني ملوك النبط و فرعون إبراهيم، فإنهم كانوا نزولا ببابل. و كذلك بخت نصر الذي تزعم السير أنه أحد من ملك الأرض جميعا.

انصرف بعد ما أحدث، يعني إسرائيل ما أحدث إلى بابل.

و كفاك أن الإقليم الرابع أجمع يعرف بإقليم بابل، و حدود هذا الإقليم على ما رواه بعض القدماء- لا على ما ذكره المنجمون- و أصحاب الاثر و النظر في أمور الأقاليم بعروض البلدان و مقادير ساعاتها و ارتفاع أنصاف النهار في كل بلد. فإن هؤلاء إذا حصلوا أمر بغداد قالوا: عرض وسط الإقليم الثالث، أي [انّ‏] (1) بعده من خط الاستواء ثلاثون درجة و اثنان و ثلاثون دقيقة. و عرض وسط الإقليم الرابع ست و ثلاثون درجة و تسع دقائق‏ (2).

فبغداد إذا عندهم كأنها بين وسطي الإقليمين إلّا بقدر بالاثنين و الثلاثين الدقيقة التي يزيدها وسط الإقليم الثالث على الثلاثين الدرجة. و كذاك يقولون إن‏

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2) في الأصل: ستة و ثلاثون ... و تسعة دقائق.

334

ساعات وسط الإقليم الثالث أربع‏ (1) عشرة ساعة. و ساعات الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة و خمس ساعة. فساعات بغداد عندهم كأنها وسط بين ساعات إلّا بقدر ما بين النصف الذي مع ساعات الإقليم الرابع و بين الخمس الساعة الذي مع [56 أ] ساعات بغداد على ما يقوله المنجمون المحصلون. فأمّا ما يقوله أولئك الرهط فإنهم يقولون: إن بغداد من الإقليم الرابع و يقولون إن حدود هذا الإقليم مما يلي أرض الهند، الديبل، و مما يلي أرض الحجاز، الثعلبية، و مما يلي الشام، نصيبين، و مما يلي خراسان، نهر بلخ، فقد دخل فيه ما دون النهر من خراسان و الجبال كلها، و العراق و دجلة كلها، لم يعرف إلّا ببابل. و أنت تعلم أن الناس إنما ينسبون الشي‏ء إلى الأفضل المشهور. فلو أن بابل [لم تكن‏] كذلك ما نسبوا الإقليم إليها.

و ذكر أصحاب السير أن بابل إنما سميت بابل لأن الألسن اختلفت بها و تبلبلت فيها. و أن الملوك و الناس اجتمعوا فيها ثم تفرقوا منها.

فأما ذورثيوس‏ (2) الحكيم فإنه في صدر كتبه الخمسة التي في المواليد و ابتداء الأعمال هذا القول: إني قد وطئت بلادا كثيرة حتى أتيت إلى البلاد العامرة ذات الأرباب الكثيرة و مصب الفرات و هي أرض بابل ذات الأبنية المنيفة و القصور المشيدة.

و مع هذا فإن هذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة و المعتدلة. و ذلك الموضع الذي ينقسم الزمان أربعة أقسام فلا يخرج فيه من شتاء إلى صيف حتى يمر بنا فصل الربيع، و لا يخرج من صيف إلى شتاء حتى يمر بنا فصل الخريف. و كفى بهذا الإقليم فضيلة أن أكثر أموال المملكة تجبى منه لفضل عمارته و خيره من غير أن يحتاج له من النفقة إلّا إلى الجزء اليسير من ارتفاعه. و غيره من الأقاليم ربما احتاج إلى أن ينوبه غيره و يقوم به سواه فيكون عالا مع كزازة أهله و تباعده من الاعتدال‏

____________

(1) في الأصل: أربعة عشر.

(2) عن ذورثيوس انظر فهرست ابن النديم 328.

335

و لا سيما السادس و السابع و الأول و الثاني. فأما الثالث و الخامس فلأنهما يقيدان الرابع المتوسط و يكتنفانه و هما يشبهانه في كثرة الخير و قلة المؤونة و حسن الاعتدال. و يقال إن الملك الأعظم و المدبر الأكبر ينبغي أن يكون منزله هذا الموضع أعني الإقليم الرابع.

و من الإقليم الرابع اشتراك دجلة و الفرات. فإن بغداد إنما بعدت عن حقيقة قبة [56 ب‏] الأرض و وسط ما بين المشرق و المغرب و عشرين جزءا فقط. و هي بالحقيقة وسط ما بين خط الاستواء و نهاية العمارة في الشمال. و ذلك أن المنجمين يقدرون نهاية العمارة في الشمال ستة و ستين جزءا عن خط الاستواء. و بعد بغداد عن خط الاستواء، النصف، و هو ثلاثة و ثلاثون جزءا. فالمدبر إذا توسط في هذا الموضع كان بعده من إفريقية و برقة و صنعاء اليمن و الشاش و فرغانة و باب الأبواب التي عملها أنوشروان حاجزا بين أرض الفرس و الخزر في البحر الخراسان شبيها بالمتقارب‏ (1). و لو ذهب مدبر برقة و إفريقية و مخاليف اليمن و من هو مقيم وراء النهر من خراسان لما انتظم التدبير. و كذلك لو دبرت ممالك بعد خراسان و ثغر أرمينية من الإسكندرية و الفرما لما صحّ و لا انتظم.

و لقد كان أحد أسباب انتقاض أمر بني أمية نزولهم الشام. و ذلك أنهم اضطروا إلى أن يكاتب عمال خراسان صاحب العراق لقرب المسافة في اتصال الأخبار و إمضاء التدبير. فلما ولّوا نصر بن سيار الليثي خراسان أمر أن يكاتب يزيد بن عمر بن هبيرة. فخاف نصر على مكانه. فكان نصر إذا كتب من خراسان في أمر المسودة لم ينه يزيد خبره إلى مروان، لأنه كان يحب أن يقتل نصر. و نسي يزيد أن غلبة أبي مسلم على خراسان سبب الغلبة على الجبال، و أن ذلك إذا استحكم لم تكن له همة إلّا نزول العراق فلما انطوى عن مروان بيزيد بن عمر، اجتاز نصر بن سيار أفسد وجه التدبير. و لو كان مروان بالعراق مقيما لم يحتج أن يكون يزيد بينه و بين خراسان متوسطا.

____________

(1) العبارة غامضة.

336

و مروان بن محمد كان شيخ [بني‏] مروان و عضلتهم و شيخهم و ذا التجربة منهم. و كان ذاهنا فطنا و كان لذلك ينسب إلى الزندقة. و إنما سمي مروان الجعدي بالجعد بن درهم، رجل كان يرمى بالزندقة. و كان مؤدب مروان فيقولون إنه هو فتح له بابها و حمله عليها. و لم يزل مروان عاملا لخلفاء أهله من بني أمية على ثغر أرمينية دهرا طويلا يفتح الفتوح و يقارع [57 أ] الأعداء.

و يروى أن المهدي سأل المنصور فقال: كيف كان يا أمير المؤمنين أمر مروان؟ فقال المنصور: للّه درّ مروان. ما كان أسوسه و أعفه و أشجعه. و لكن خانه أمناؤه و طووا الأخبار عنه. و لقد كان نصر بن سيار في ذلك الوقت فارس خراسان، فلم يزل ينصح و يكاتب ابن هبيرة و مروان لا يعلم بما هو فيه. فلما طال ذلك عليه قال شعرا فيه:

أرى تحت الرماد و ميض نار* * * و أوشك أن يكون لها ضرام‏

فقلت من التعجب ليت شعري‏* * * أ أيقاظ بني أميّة أم نيام‏

فلم ينفعه ذلك شيئا. فماطل ابن هبيرة نصر بن سيار حتى ذهب الفرع و الأصل. و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.

و من الأسباب المؤكدة لصلاح موضع بغداد أن المنصور كان أحزم ملك و خليفة ولي منذ عهد معاوية إلى هذا الوقت. و قد جال الأرض فبلغ طنجة و أقام بالبصرة و دخلها غير مرة. و كان نزوله فيها على رجل يقال له أزهر السمان. و قد كان أيضا ولي كورة من كور الأهواز أيام بني أمية. و كان في أصحاب عبد اللّه بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب لمّا خرج على بني مروان، و بلغ معه إلى إصبهان.

فكان يحج و يجاور بمكة و يدخل الكوفة فيقيم بها أيضا. و جول بلدان الجزيرة و ديار بني ربيعة و مضر و كان مع أبيه و عمومته بالشراة و كان مع هذا طلّابة للأدب و العلوم محبا للسياسة بعيد الهمة. و كان جيد الرأي و التدبير. و تمثّل لما قتل أبا مسلم- و أراد بهذا البيت أنه لم يشاور أحدا-:

طوى كشحه عن أهل كلّ مشورة* * * و بات يناجي نفسه ثمّ صمّما

337

و هو الذي يقول فيه ابن هرمة و ذكر أنه لا يشاور أحدا فيما يهمّ به:

إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره‏* * * فناجى ضميرا غير مختلف العقل‏

و لم يشرك الأدنين في جلّ أمره‏* * * إذا انتقضت بالأضعفين قوى الجبل‏

[57 ب‏] و هو الذي قال لعيسى بن موسى لمّا استرجع حين رأى أبا مسلم على طرف البساط قتيلا: يا عيسى! لا تسترجع و احمد ربك. فإنك هجمت على نعمة و لم تهجم على مصيبة و تمثّل:

و ما العجز إلّا أن تشاور عاجزا* * * و ما الحزم إلّا أن تهمّ و تفعلا

فبهذا الحزم و هذه التجربة و بعد هذه الهمة و الأسفار الكثيرة و مشاهدة البلدان البعيدة، رأى أن يختار هذا الموضع مدينة و منزلا مستقرا. هذا و خراسان تنهض و في أكناف الشام جماعة من بني أمية يحاولون طلب الملك. و بالحرمين طالبيون يرون أنهم أحق الناس بالملك. ثم لمّا عزم على بنائها و رآها أهلا، و كل بها جلة قواده و رؤسائه. فقسمها أرباعا و دفع كل ربع إلى قائد و وكله ببنائه.

و لقد أمكن المنصور الإشراف على خراسان عند خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن إياه، حتى أخذه أسيرا. كما أمكنه الإشراف على مكة و البصرة عند خلع بني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (عليهم السلام). حتى بلغ من ذلك مراده لتوسط الموضع. و لتوسطه أيضا أمكنه أن يوجه المهدي إلى الري و طبرستان و جرجان و أن يوجه المهدي بالهادي إلى جرجان. و أن يوجه المهدي بالرشيد إلى صائقة الروم.

و أن يمضي الرشيد بنفسه يريد سمرقند. و أن يوجه المأمون لعبد اللّه بن طاهر إلى مصر، و يشرف على بابك بالجبال. و أن يفتح المعتصم طبرستان و عمورية و يأخذ بابك من البر. و لولا توسط بغداد لكان الأمر أعسر و المطلب أبعد و الأخبار أبطأ.

و اللّه يفعل ما يشاء.

و من غريب سعادة بغداد، أنه لم يمت فيها خليفة قط حتف أنفه. و ذلك أن المنصور بناها و توفي ببئر ميمون و دفن بمكة. و توفي المهدي بالروذراور من عمل الجبل. و توفي الهادي بعيسى‏آباد. و توفي الرشيد بطوس من أرض خراسان. و قتل‏

338

الأمين و حمل رأسه إلى خراسان، فهو في قهندز [58 أ] سمرقند. و توفي المأمون بالبدندون و دفن بطرسوس. و توفي المعتصم بسرمرى. و قتل المتوكل بسرمرى.

و قد أقام بمدينة السلام ثلاثة من الخلفاء عمر كل واحد منهم نيفا و عشرين سنة، و هم المنصور و الرشيد و المأمون. و لم يمت بها منهم أحد.

و قد قيل إن نوبخت اختار لبنائها وقتا طالعه القوس و صاحبه المشتري.

و ذكر بطليموس في برج المدينة إليه طالع الوقت، أول البرج الذي فيه القمر في الوقت. قال: و إن جهل ذلك من أمر المدينة، فمعرفة ذلك من طالع الملك الذي ابتناها. و الحق أن يكون طالع مدينة السلام و طالع منشئها واحد، و ذلك لسعادتهما و اتفاق جميل الوصف لهما و فيهما.

و أنشد لدعبل يمدح بغداد و يذم سرمرى:

بغداد دار الملوك كانت‏* * * حتى دهاها الذي دهاها

ما غاب عنها سرور ملك‏* * * أعاره بلدة سواها

ما سرّ مرّى بسرّ مرّى‏* * * بل هي بؤس لمن رآها

عجّل ربّي لها خرابا* * * برغم أنف الذي بناها

شعر:

يا دار أقوت و خفّ عامرها* * * أيّام تصطادنا جآذرها

أيام نحن بجيرة خلط* * * ينام قبل العشاء سامرها

إذ هي مثل العروس باطنها* * * دلّ يصيد الهوى و ظاهرها

جنة دنيا و دار مغبطة* * * قلّ من النائبات واترها

كدرّة البحر ضمّها صدف‏* * * غالى بأغلى البلاد تاجرها

درّت خلوف ألبانها لساكنها* * * و قلّ معسرها و عاسرها

و افترشت بالنعيم و انتفجت‏* * * لهم بلذاتها خواصرها

فالقوم في روضة أنف‏* * * أشرف غبّ القطار زاهرها

339

من غرّه العيش في بلهنية* * * لو أنّ دنيا يدوم غابرها

[58 ب‏]

دار الملوك قرّت أسرّتها* * * فيها و قرّت بهم منابرها

أهل القرى و الندى و أندية* * * المجد إذا عدّدت مفاخرها

أبناء دنيا في عزّ مملكة* * * عزاها لهم أكابرها (!؟)

و قال يزدجرد بن مهبنداد الكسروي: قد أكثر الناس في مدينة السلام إكثارا لم يحصلوا منه دليلا، و لا أفادونا به محصولا، و لم يزيدوا على أن يقولوا بلد و لا تشبه البلدان، و ما أعجب الأمر فيه، و أبعد الشأو في تحديد من به من ساكنيه.

و أعظم شأنه في الشئون، و أعسر كون مثله على الدهور و السنين. كما لا يزيدون‏ (1) على أن يقولوا: فيه مائتا ألف حمام بل الضعف أو كالضعف من ذلك.

و من المساجد كذا و من الطرز كذا. فإذا أخذوا أو أكثرهم بتحصيل العلم في بدائع البلد و غرائب أنواعه حصلوا على خير قليل و حكم معلول.

و نستفتح القول باتباع أعدل الكلام و أبين الأعلام. و لا نقول كالذي قالوه في عدة الحمامات و اعتقدوه في كثرة الدور و المساجد و الطرازات، إشفاقا من الإسراف على السامعين. فإنّا إذا وجدنا كثيرا من الخاصة و العامة مذعنين بعدة الحمامات و إنها مائتا ألف حمام دون ما هو فوقها من الزيادات. ثم قال آخرون بل هي مائة ألف و ثلاثون ألف حمام. و اقتصر المقلل على مائة ألف و عشرين ألفا.

و هذا قول الشاه بن ميكال و طاهر بن محمد بن عبد اللّه. و كانا قد وقفا على ذلك من جهات و قتلاه علما من أمور صححت لهما ذلك حتى علماه و وقفا عليه و أتقناه.

و قد قال قوم بالزيادة على هذا و قال غيرهم بالنقص فرجعنا عند اختلافهم إلى حدّ رجونا أن يكون عدلا مفروضا و حكما مقبولا. و اقتصرنا من عدد

____________

(1) في الأصل: كما لا يزيدوا.

340

الحمامات على ستين ألف حمام استظهارا. و جعلنا العلة في ذلك أن نأخذ بأوسط ما ذكروه من إعدادها. و ما وجدنا الخاصة أو أكثرهم يدعيه في اعتقاده، و هو مائة و عشرون ألف [59 أ] حمام. و به قال الشاه و طاهر فاقتصرنا على النصف من المائة و العشرين ألفا لئلا يقبح في التقدير و تجفو عنه الأسماع.

ثم نظرنا بقدر ما تحتاج إليه كل حمام من القوام الذين لا قوام لكمال الحمام بما هو دونهم. فوجدنا كل حمام يحتاج إلى أربعة نفر لا بدّ لها منهم: صاحب الصندوق و القيم و الوقّاد و كناس الوقود. و ربما أطاف بالحمام الواحد الضعف على هذه العدة. و لكنا ركبنا سنن الاستظهار في هذا المعنى و في جميع ما تضمنا قصر القول به ليكون معينا على انتحاله، و أمانا من إبطاله.

فإذا وجدنا عدة الحمامات على ما رتبنا ببغداد و هو ستون ألف حمام، فقد حصل عدد من ذكرناه من القوّام و غيرهم ممن لا بد للحمام منهم، مائتا ألف و أربعون ألف قيم و غيره.

ثم وجدنا العيان وجدنا حكما ثانيا و هو أن نجعل على التقريب استظهارا لكل حمّام حجامين، فيحصل لنا أيضا من عدة الحجامين مائة ألف و عشرون ألف حجّام. فيكون عدة الحجامين و أصحاب الحمامات ثلاثمائة ألف و ستين ألف حمامي و حجام.

ثم فرضنا أيضا بهذا التقريب و الممكن المقرون به لكل حمام مائتي منزل قياسا على ترتيب المنازل و الحمامات المعدودة بمدينة المنصور. فإنا وجدناه بحق كل حمام بها من المنازل نيفا على أربعمائة منزل. فاستظهرنا بإسقاط ما هو أكثر من النصف و فرضنا لكل حمام مائتي منزل فاجتمع من ذلك اثنا عشر ألف ألف منزل.

ثم وجدنا المنازل قد يجتمع في الواحد منها عشرون إنسانا و أكثر، و في غيره إنسانان أو ثلاثة و ما هو أقل من ذلك و أكثر. فاحتجنا إلى قسمة عدد يعتدل به العدد. فأسقطنا من العشرين نصفها و زدنا على الثلاثة ضعفها، ثم أمددنا

341

الاستظهار للحاشيتين معا. فنقصنا من العشرة سدسها و زدنا على الستة سدسها و جبرنا الحاشيتين ليحصل لنا أشرف نسب الأعداد و ما يليق شكله بالحيوان و قسمة العمران و هو الثمانية [59 ب‏] من الأعداد فإنه نصف قطر المتقبلين بأمر الفروض.

فاجتمع لنا في كل منزل ثمانية نفر رجالا و نساء صغارا و كبارا. فاجتمع لنا من عدد الجماعة ستة و تسعون ألف ألف إنسان.

و قد قال الناس في أحوال البصرة و تفخيم شأنها أقاويل مختلفة يشبه بعضها بعضا. ففريق زعم أنها أعظم في مقدارها و أوضع في أقدارها من مدينة السلام.

و قال آخرون: بل هي في قدرها سواء. و قالوا: بل هي دونها و أصغر حدّا من حدها. و لم نرد في اقتصاص أقاويلهم هذه في البصرة تمثيلا أو تجميلا بين بغداد و بلد في العالم جميعا من البلدان سواها، و لا شيئا بذلك أكثر من تفخيم أمر البصرة و انها من الأمهات العظام و من المدائن الجليلة من بلدان الإسلام.

ثم وجدنا حالا من الزمان قد ألجأ أهل البصرة جميعا كما ألجأ أهل الأبلة و سائر كور الأهواز و جميع العمران من كور دجلة و دستميسان و كسكر و آجام البريد و ما بين هذه المدائن العظام و بين واسط العراق من الأنهار المشحونة بالحيوان الناطق برّا و بحرا. ثم كان بواسط من أهلها و سوادها و كور الصلح و كور المبارك و مأهولها. و في حيّزها من القرى و البقاع المشحونة بالناس إلى مدائن النهروانات الثلاث، و ما هو لكور النهروانات و بإزائها من الضياع و سقي جوخا، إلى حدود بادريا و باكسايا و حدود البندنيجين و سوادات طريق خراسان إلى بطن المدائن. ثم من كان في الجانب الغربي كمدائن الزوابي و سقي نيل الفرات و فم النيل إلى سوادات الكوفة و باروسما و نهر الملك، و ما لابس الصراة إلى حدود جنبلاء إلى كثير مما لم نذكره و نحصيه، و لا نعلمه فنستوفيه. فيما بين كل بلد و قراه، و كل قرية و نظائرها ممن لا يحصي عددهم و لا يعلم كنه مددهم إلّا خالقهم، مستجيرين بمدينة السلام. فلم يلبثوا فيها و لا أغلوا منها سعرا. فإذا وجدنا هذا الحيوان الناطق [60 أ] الذين هم الناس، قد شغلوا من مساكنهم و أوطانهم مكانا من الأرض عريضا، و ملأوا منها فناء فسيحا، قد ورد بهم المقدار و ساقتهم الأقدار

342

مستجيرين محلا لا تضيق بهم دياره، و لا تمتلئ منهم أقطاره، و لا تغلوا بكثرتهم أسعاره، و لا يتحاكم في أقواتهم تجاره، و لا يعجز عن ميرتهم ممتاره. و لا يحس أهله بالواردين منهم إذا أتوا، و لا الصادرين إذا مضوا.

أ فتحسب أيها الإنسان أن بلدا واحدا لا تخيل علينا أقطاره، و لا يذهب عنا مقداره، و لا تشتبه علينا طرقه، و لا فضل في مسالكه، يسع أجراما فتحركه، و أجساما فتصرفه. لا مقدار لعددها و لا سبيل إلى إحصائها، ثم لا يكون كثرة الناس فيه، و تحركهم في حواشيه إلّا قريبا مما كانوا و شبيها بما عرفوا. إن هذا لشأن عجيب و أمر ظريف.

و سنأخذ العيار من أخصر وجوه الكلام، ثم نجعل ذلك بين حالين لا يخرجان عن تحصيل الخاصة، كما لا يذهبان عن عقول العامة، يشتمل عليهما البرهان الموصول بحجة العيان.

و نصير إلى ذكر المسجد الجامع في الجانب الغربي بمدينة المنصور فنحصله ذرعا مكسرا ثم نقسم ذلك على المصلين فيه في آخر جمعة يجمع الناس من الشهر الشريف، أو أولها، بعد أن نعلم أن كل مصل سيشغل مركزا للصلاة لركوعه و سجوده و قيامه و قعوده و يكون خمسة أشبار في شبر لا تصح الصلاة بما هو دون ذلك من المراكز. ثم نضيف إلى أرباب الصلاة ببغداد الذي سلف منا ذكرهم من أهل البصرة و الأبلة و سائر الكور التي عددناها، و المدائن التي ذكرناها و ما هو بين ذلك و عن يمينه و شماله و من خلفه و قدامه. فنجعلهم ضعفا لمن ضمّت بغداد من أهلها الراتبين فيها. و إن كان بالواجب في كثير من الأقاويل أن يكونوا أضعافا مضاعفة على ما ضمته من أهلها و مساكنها. و قد قلنا إن عدد من ببغداد من الناس رجالا و نساء، صغارا و كبارا ستة و تسعون ألف ألف إنسان. [60 ب‏] إذا أضعفوا بمن أضيف إليهم مائة و اثنان و تسعون ألف ألف إنسان ثم سقط من هذه العدة بحق النساء و الصبيان و المريض و أهل الذمة. و قد ذكرنا قدر مركز المصلي و أعلمنا أنه خمسة أشبار يضبط بها ركوعه و سجوده و قيامه و قعوده في شبرين لا تطيب الصلاة في دونها. و قد حصل من ذرع المسجد الجامع الغربي دون رحابه و ما زيد فيه مائتا

343

ذراع في مائتي ذراع، يكون مكسرا أربعين ألف ذراع، و جبرنا رحابه و هي دونه في الذرع فجعلناها في القسمة مثلها فكانت مائتي ذراع في مثلها. فصار جميع ذرع المسجد الغربي في رحابه و بنائه و أركانه و أساطينه. فأسقطنا حصتها من الذرع استظهارا ثمانين ألف ذراع مكسرة معها من أهل الصلاة بها على ما فرضنا من مركز الصلاة الواجبة من عدد الناس، اثنان و ثلاثون ألف إنسان. و هذا حكم القول في المسجد الشرقي منها و نحوه. فيكون إذا جمعنا ما يسع الجانبان و رحابهما من المصلين على ما ذكرنا أربعة و ستين ألف إنسان. و هو جزء واحد من ألف جزء ممن قدرنا أنه يحضر، و هو الثلث من جميع أهل مدينة السلام و من ذكرنا.

و هذا- يرحمك اللّه- عدة يستغرقها دون عدة الحجامين و قوّام الحمّام بمدينة السلام كما قد سلف من القول بكثير جدا. فإن الذي قرب البعيد و بسط القريب و جعل الصغير كبيرا و الكبير صغيرا هو الذي استودع عقولنا الإقرار بقدرته على توسعة ما لا سبيل إلى اتساعه إلّا به، و لا حيلة في حطّه و ارتفاعه إلّا عنه. و اللّه يريكم آياته فأي آيات اللّه تنكرون؟ أ فليس الواجب علينا الإقرار إذا بما لا يدفع الإقرار به من قدرة اللّه إلّا عنادا و اعتداء؟

و إذا اتسع القول بأن اللّه عزّ و جلّ يلطف لخلقه لطفا يبسط به البعيد و يطوي به القريب، أمكن من ذلك أن اللّه يبسط لأقرب خلقه إليه و أعز بقاعه عنده أو على ما شاء كما شاء. [61 أ].

و لا أرى الواقفين باتساع قدرة اللّه يجهلون برأي العين قدر مساحة المسجد الحرام بمكة أو يحتجون عن إدراك من نفذ إليه من مشارق الأرض و مغاربها. فإنه يذكر كثير ممن لا يتهم في تمييزه و ذكره، كما ليس بظنين في دينه و ستره المجتمع، من عدد الحاج في المسجد الحرام ألف ألف و خمسمائة إنسان. و ذلك هو الحدّ في الغاية التي لا مزيد عندهم فيها. و ان الجد في الغاية لا انتقاض معها هو أن يكونوا ستمائة ألف إنسان. و قد وجدنا مساحة المسجد الحرام مع البيت طولا و عرضا ثلاثمائة ذراع في مائتي ذراع يكون ذرعا مكسرا بستين ألف ذراع. و جعلنا المصلي فيه أن يأخذ من مساحة المسجد استطارا و تقليلا ذراعا في ذراعين يكون‏

344

لركوعه و سجوده و قيامه و قعوده. فيكون قدر ما يحتاج إليه الغاية القصوى الذين قلنا انهم ألف ألف و خمسمائة ألف إنسان من الذرع لما فرضنا ثلاثة آلاف إنسان.

و ذلك خمس العدد الذي يذكرون.

و هكذا لو عملنا حساب ستمائة ألف إنسان ما كان أيضا إلّا خارجا عن صورة القياس جميعا. أ فحسبت أيها الواثق بما غاب عنه من حكمة اللّه و المقرّ بالخفيّ عليه من قدرة اللّه، ان القياس أن يسع المسجد الحرام من هم أوسع من أضعافه أضعافا مضاعفة و هو برأي العين ما وسعوه قط. قد اطردت الآن وجوه الكلام بأن اللّه عزّ و جلّ بلطف لخلقه من لا يحتسبون و يصنع لهم من حيث لا يشعرون. و وصلنا من القول إن اللّه بقدرته يبسط للناس المسجد الجامع بمدينة السلام ليسع من لا يسعهم في رأي العين أضعافه ذرعا و مساحة.

و إذا أمكن أن يقول إن اللّه عزّ و جلّ يبسط بالزيادة على قدر المساحة ذراعا واحدا، جاز أن يقول باعا. و إذا جاز أن يقول باعا واحدا جاز أن يقول [61 ب‏] فرسخا واحدا. و إذا جاز ذلك القول بفراسخ كثيرة. إلّا أن اللّه عزّ و جلّ لم يعطنا القدرة على علم ذلك و معاينة مثله.

و إذا تتابعت الآيات و تناسبت العلامات و تمكنت الدلالات، رجونا بها زوال الشبهات و استقبال الحقائق الممكنات.

و نقول إنه بالواجب، متى استجاز أرباب المدائن المشهورة التي ذكرناها، و البقاع العظام التي أشرنا إليها، و أحصيناها بمدينة السلام حتى يحلّوا بها و يستوطنوا فيها، أن يضعف عدد المساكن بها و تتضاعف المنازل في حواشيها و أوساطها للعالم الوارد و الداهم الوافد. و قد قلنا إن من الممكن القريب أن يكونوا في عددهم ضعفا لمن ببغداد من أهلها قياسا صحيحا و حكما لازما، كما قد قلنا بما رتبناه و نزلنا القول فيه و قرأناه، أن عدد المنازل ببغداد اثنا عشر ألف ألف منزل، وجدنا العيان قد أوجدنا أن منزلا منها لا يكاد يخلو من مصباح ينير فيه ليلا يتقد بدهن البزر. ثم لا يعسر علينا أن نقول: إن في هذه المنازل ما يوقد فيه أمنان عراقية و أرطال من دهن البزر إلى ما هو دون ذلك القدر من الدهن. فإذا ضربنا

345

قدر ما يحتاج إليه فيه كل منزل في كل ليلة من دهن البزر قليله بكثيره و كبيره بصغيره، فرضنا لكل منزل في كل ليلة من دهن البزر أوقيتين بأواق العراق. و قد حصل من عدد المنازل كما قدمنا اثنا عشر ألف ألف منزل سوى ما استظهرنا بإسقاطه من المستجيرين ببغداد عند خراب البصرة و سائر البقاع و المدائن العظام سنين متوالية و أعواما متتابعة. فحصل المصابيح القناديل حساب لكل منزل في كل ليلة أوقيتين من دهن البزر ألفا ألف رطل. ثم وجدنا عدد الحمامات- كما قدمنا- ستين ألف حمام، و حصة الحمام الواحد في كل ليلة من دهن البزر، ربع الرطل العراقي. فيكون بحق الحمامات أيضا في كل ليلة خمسة عشر ألف رطل أيضا [62 أ] و يكون جميع ذلك ألف ألف رطل و خمسة عشر ألف رطل. ثم أمددنا الاستظهار بمثله من الاستظهار فأسقطنا ما تحتاج إليه الحمامات، عملا على أن في المنازل ما لا مصباح فيه، و ما لا يكون مصابيحه بدهن البزر، و هي خمسة عشر ألف رطل بزر. كما استظهرنا بإسقاط ما كان يحتاج إليه أرباب الكور المضافة إلى بغداد عند خراب البصرة. و اقتصرنا على ما وجدناه قونا مبلغا و هو ألف ألف رطل من الزيت في الليلة الواحدة. يكون ثمنها على سعر زماننا هذا و هو أعدل الأسعار ألف ألف درهم. و في الشهر الواحد ثلاثين ألف ألف درهم و في السنة الواحدة ثلاثمائة ألف ألف و ستين درهما. قيمتها عينا بسعر زماننا اثنان و عشرون ألف ألف و خمسمائة ألف دينار.

ثم نظرنا في باب الزيت و في قدر ما تحتاج إليه مساكن الخليفة للمصابيح و المطابخ و خبز الرقاق و سائر أنواع الخبز، و من هو دون الخليفة و خاصته و بطانته و ولده و سائر حشمه. ثم ما يحتاج إليه من ذلك أيضا ولاة العهود و من أطاف بهم من خواصهم، ثم الوزراء و سائر الأمراء، ثم القواد و وجوه أرباب السيف، ثم الكتاب و عمالهم، ثم التنّاء (1) و أرباب النعم و سائر الوجوه. ثم وجوه التجار و أرباب الصناعات الكثيرة، ثم من هو أدنى من هذه الطبقات و أنقص من هذه الدرجات صغارا و كبارا، خواصا و عواما. و في الواحد من الجماعات ممن ذكرنا

____________

(1) التنّاء: كبار الشخصيات و ذوو النفوذ و الثروة.

346

منازلهم و اقتصصنا مراتبهم ممن يحصل في مستقره بمدينة السلام في كل يوم و ليلة من الزيت ما لا يحصى جرارا و لا يعدّ رقاقا. و قد جعلنا تقدير ما يحصيه من الزيت ليوم واحد من شهر رمضان، فضربنا قدر ما يحتاج من الزيت لمطابخ أمير المؤمنين و سائر ما يستعمل فيه الزيت لمثله و من دونه من الطبقات الفاضلة إلى أن وصلنا إلى من هو في [62 ب‏] أصغر الطبقات و أيسر الدرجات من الناس ببغداد. فجعلنا لكل منزل منها في كل ليلة من ليالي شهر رمضان أوقيتين من الزيت ليصلح القسمة و يأتلف الكلام. فجعل من ذلك في الليلة الواحدة ألف ألف رطل من الزيت. ثم قسمنا بحق كل حمام عشرة مساجد، ثم زدنا الاستظهار استظهارا. فأسقطنا النصف من عدد المساجد فحصل لنا لكل حمّام خمسة مساجد. فاجتمع لنا من عدد المساجد ثلاثمائة ألف مسجد. و فرضنا لكل مسجد في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من دهن الزيت لمصابيحه- إذا ضربنا كثير ذلك في قليله و صغيره في كبيره استظهارا- رطلا واحدا. أو في المساجد ما يستغرق أرطالا كثيرة فاجتمع من ذلك في الليلة الواحدة ثلاثمائة ألف رطل زيت.

ثم نظرنا في الإنفاق الممكن. فإنه ليس يعسر أن ينفق الناس في الأعياد العظام و الأيام السعيدة بمثل ما رتبنا عليه طبقات الناس في الحاجة إلى الزيت، أن تكون الحاجة إلى ذلك كالحاجة إلى استعمال الصابون. و أن نجعل لكل منزل واحد- و عدد المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل- في كل يوم من أيام شهر رمضان من الصابون رطلا. فإن أوحشك القول بذلك فأسقط من عدد الديار ما ترى به زوال الشبهة و امتناع الريبة و هو النصف من عدده ليتمكن لك التظاهر بالعيان و يزيد لك ذلك في قوة البرهان. فإن جمحت بك الظنون و حيل بينك و بين مناسبة اليقين، فلك بحق الترخيم من المنازل، الثلثان ليكون الحاصل لحصتك في اليوم الواحد من ذلك الشهر، أربعة ألف ألف رطل صابون. فيكون حقها من الزيت استظهارا، ألف ألف رطل. يكون جميع ما ذكرناه في اليوم الواحد و الليلة الواحدة من أيام شهر رمضان [63 أ] لمنازل الملوك و الأدنى فالأدنى من الطبقات.

و لمصابيح المساجد ثلاثة ألف ألف رطل و ثلاثمائة ألف رطل زيت. و يكون ثمنها

347

بسعر زماننا هذا ورقا، ثلاثمائة ألف ألف و ثلاثين ألف ألف درهم. تكون عينا ثلاثة ألف ألف و تسعمائة ألف و ستين ألف دينار. و في السنة الواحدة عينا سبعة و أربعين ألف ألف و خمسمائة ألف و عشرين ألف دينار.

و من العام المشترك و ما لا اشتباه في حاجة العامة و الخاصة إليه البقول المستعملة في كل يوم في كل منزل. فإنها و إن كانت ذوات ألوان عامة و أنواع خاصة. و كان منّا من يبتاع منها بالدنانير و الكثير من الدراهم، و منا من لا يصل إلى المبايعة منها بمثل ذلك. و منها من يغبّ الخاص منها خاصة. و منا من لا سبيل له إلى أعم العام منها. فإذا خصصنا من أيام السنة لاستعمال العام من البقول يوما واحدا و جعلناه أول يوم من شهر رمضان أو أول يوم من شوال. ثم جعلنا الناس بين حاشيتين هما الغايتان كالخليفة ارتفاعا، أو حارس الدرب اتّضاعا، لم نخل منزلا واحدا من الحاجة إلى بقل بحبتين من الفضة في هذا اليوم الذي خصصناه دون سائر الأيام، إنزال الإقرار لأيام السنة جميعا بذلك- و عدد المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل- فيكون قدر ما يرتفع من أخسّ أثمان البقول في يوم واحد دونما هذا دونه منها. فإنا أسقطناه لخصومه كاللفت و القنبيط و السلق و السرمج‏ (1).

و الاسفاناخ و البصل و أشباه ذلك، أربعة و عشرون ألف ألف حبة، و مبلغ الحبّات خمسمائة ألف درهم. و في الشهر الواحد خمسة عشر ألف ألف درهم.

و إنّا لمستدركون شبيها بذلك في باب الأعناب في أوانها و الأرطاب في أزمانها. و بقول إذا حصل لنا على الترتيب المتظاهر و التمثيل المتناسب تقريبا، و استظهارا من عدد الناس بمدينة السلام ستة و تسعون ألف ألف إنسان. ثم أضفنا إليهم مثلهم في وقت من الزمان من [63 ب‏] المستجيرين بهم من أهل البصرة و الأبلة و كور دجلة و سوار الأهواز و النهروانات و الزوابي و سقي جوخا و كثير من أودية الفرات، اجتمع من ذلك قريبا مائة و اثنان و تسعون ألف ألف إنسان. ثم وصل بنا إلى ابان الأعناب في أوسط أوقاتها و أعدل أسعارها. و أقوات الناس من‏

____________

(1) في المعتمد 224: السرمق و يقال له سرمج و هو القطف. و في لسان العرب: القطف: نبات رخص عريض الورق يطبخ، يقال له بالفارسية سرنك.

348

الأعناب بمقادير مختلفة جدا، تنقص و تزيد. إلّا أنني أرى أن الكبير و الصغير و الغني و الفقير متكافئون في أكل الأعناب حتى لا يتعذر على أحد أن يروح في أوان كثرتها و اعتدال أسعارها دون أكله رطلا من العنب العام. ثم ضربنا بعضا ببعض و جعلنا قدر ما يأكله كل إنسان منهم من العنب رطلا واحدا في يوم واحد، رجالا و نساء، صغارا و كبارا، فقراء و أغنياء. فكان مبلغ ذلك من أرطال العنب في يوم واحد مائة و اثنين‏ (1) و تسعين ألف ألف رطل. فكان مبلغ ما اجتمع من هذه الأرطال على أقرب الأسعار المعتدلة في الأعناب العامة حساب اثني عشر رطلا بدرهم، ستة عشر ألف ألف درهم. و في الشهر الواحد أربعمائة و ثمانين ألف ألف درهم. ثم استظهرنا بإسقاط الأطفال و الأمراض و من لا يأكل العنب بتة، فسقط لهم من عدد الأرطال ستة ألف ألف رطل. فحصل من بعد ذلك عدد الأرطال تسعون ألف ألف رطل عنب.

أ فحسبت أيها المعتصم بالعدل و المتفرد بصحة العقل، ان في البعض من ساعات اليوم الواحد و الليلة الواحدة ما يتسع لمن ترى من قاطفي الأعناب و معبئيها و وزّانيها و هم الذين تراهم و ترى أن يضعوا من ذلك ما لا بقي به إلّا من هو في حكم القياس أضعافهم عددا. و لكن للّه نعم ينعم بها، و رحمة يلطف مقدارها عن مقادير عقول المربوبين و تدبير المدبرين، هو الإقرار له بطوله فيها و قدر على ما بسط علينا منها.

و ستعترضك الشكوك فتستريب باليقين الباهر و البرهان المتظاهر. حتى إذا شئت أن لا تنظر بإحدى عينيك [64 أ] و تسمع بالواحدة من أذنيك. علمت أنك إذا رأيت خليفة اللّه أمير المؤمنين و إمام المسلمين، قد حلّ بمحل من الأرض كحلوله بمدينة السلام. و من أطاف بأمير المؤمنين من ولاة العهود و الأمراء و سائر الولد و الوزراء و المتلاحقين بهذه المراتب من الوجوه و الرؤساء و أرباب السيوف و وجوه الكتاب و كتابهم و خواص من حولهم و بهم من أرباب النعم و النماء و أرباب الضياع‏

____________

(1) في الأصل مائة و اثنان.

349

الموسرين منهم دون المقترين من أفنائهم. ثم وجوه التجار و ملوك الصيارف و البزازين و العطارين و أرباب الجواهر النفيسة و أهل الصناعات الشريفة و الأغنياء جميعا من الجماعة دون الفقراء. و الموسرين دون المقترين و غير المتجملين المستورين، و من لا يشبع يده بغير الميسور من الأمر و القصد من الشأن.

و قد قلنا إن ما ببغداد من المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل. فاجعل الآن حاجزا بين منازل الملوك و الأغنياء و سائر الوجوه و الكبراء من المتسعين بالنعم المعتصمين بالسعة و من هو دونهم من الضعفاء و المتجملين أهل القناعة و المستورين لتحسن به ظنوننا و يتمكن عياره في أوهامنا و عقولنا. و هو أن نفرض لكل عشرة منازل من الطبقات الصغيرات منزلا واحدا من الطبقات العاليات.

فيكون عدد منازل الملوك و الرؤساء و الوزراء و سائر المتقدمين من الأغنياء العشرين جماعة منازل الناس.

فإن أتيت دون الذي جرت عادتك في الأمر و أقمت عليه من حطيطة الأضعاف و انتحلت الاستظهار ملة و دينا و مكّنت لنفسك بالظاهر يقينا، مددنا بذلك إليك يدا طالما ناولتك البعيد و سهلت لديك الصغير. و جعلنا عدة منازل الضعفاء و الخاملين و أهل التجمل و المقتصد أضعاف أضعاف منازل الملوك و الأشراف، فيكون إذ ذاك عدد منازل المتقدمين من عدة منازل المتأخرين كنسبة شي‏ء إلى مثله عشرين مرة فيحصل لنا عدد هو نصف العشر من الجميع [64 ب‏]. و قد قلنا إن عدد المنازل ببغداد اثنا عشر ألف ألف منزل. يكون نصف عشرها ستمائة ألف منزل.

و قد يجوز أن يتفق في الأعياد العظام و الأفضل من الأيام في بلاد الإسلام يوم النحر أو يوم الفطر في أوان من الزمان لا تتوالد فيه الأغنام بالعراق بحيث يلابس مدينة السلام إلّا غريبا خاصا و عشيرا شاذا كشهر خرداد ماه و شهر مرداد ماه‏ (1). و قد امتنع علينا أن نقول إن مائدة واحدة من المقسومين على أرفع‏

____________

(1) شهران من أشهر السنة الفارسية. (و ماه) تعني (الشهر) في الفارسية.

350

الدرجات و أعظم الطبقات من الملوك و الرؤساء و سائر الوجوه و الأغنياء خلو من جدي واحد في ذلك اليوم الواحد الذي قلنا إنه الأعياد الشريفة و الأيام السعيدة، ظنا قريبا و حكما مصيبا. فيكون إذا قدر ما يباع في أسواق بغداد من الجداء في الفطر و في النحر ستمائة ألف جدي.

أ فظننت أيها البحّاث المتذكر و النظّار المتفكر، أن اللّه لا يلطف لإيجاد ما شاء من خلقه على أجنحة الملائكة المقربين و على رؤوس الجن و الشياطين. بل لا نظن أن وكيلا من وكلاء الوظائف و أمينا من أمناء المطابخ رجع منصرفا من أخسّ الأسواق و ما لا يناسب منها باب الكرخ و باب الطاق في وقت واحد من الزمان و ساعة، واحدة من النهار، فاستحلّ أن يقول لعدم الجداء بالربيع ببغداد، و اننى طلبت جديا رضيعا فتعذر عليّ، و التمست مخاليف الدرّاج في غير أوانها و صغار الفراريج في دون أبانها و القبج و الشفانين و الصلاصل و الوراشين و السمان و الكراكي و الطيهوج و القماري و العصافير و الدباسي و الغربان و العقبان أو الثعالب و الذئاب و الضباب و الدباب أو الفيل و السمور و الأرنب و الخنزير، و ما لا يحصى عدده و لا يحصل مدده من أنواع ما في البر و الخراب و ما في البحر من السلاحف و السرطانات و السقنقور و السور ما هي و الصير و المارماهي و الجري و الزامور و كلب الماء و الجرجور.

و قد تعرضنا من ذلك لما لا سبيل إلى إحصائه و لا حيلة لنا في [65 أ] عدّة و استيفائه.

و متى تظن أو ظننت أن عليلا مات أو يموت بمدينة السلام بفقدان دواء معروف، أو بحسرة غذاء لطيف و كثيف، فقد ظننت محالا و أدرت في خلدك باطلا.

و كذلك أيضا لا يستطيع أحد أن يقول إن عليلا أو صحيحا تاق إلى الأرطاب في الثاني من الكوانين أو إلى الكمأة في الأول من التشارين، و إلى الخلال في أيلول، و إلى البسر في القرّ و الطلع في الحر، و إلى النرجس في حزيران و القثاء و الخيار في آذار، فتعذر وجود ذلك عليه.

351

أو عساك ظننت أن وجود هذا هو شي‏ء للخاص دون العام و الغني دون الفقير و الكبير دون الصغير، و ان بلدا لا يمتنع فيه وجود غذاء في كل زمان و كل دواء في كل أبان، مجمّع لك الأنواع مع تفرّق الزمان، حتى يناسب بين المتضادات في أزمانها. و يؤلّف بين المتنافيات في أبانها لبلد عزيز الشأن عند اللّه، عظيم النصيب من لطف اللّه.

زعم لنا جامع بن وهب و هو أحد وجوه المجهزين من الصيادلة ان قدر ما كان فقد بمدينة السلام من أنواع الصيدلة مما كان يأتي من نواحي البحر خاصة عند خراب البصرة و انقطاع سبلها ألف نوع و أربعمائة نوع و ثلاثة و سبعين نوعا معدودة محصلة مبينة مفصّلة. قال: فقلنا ذلك مع أنواع العطر؟ فقال نعم مع بعض العطر.

فلما رأى تعجبنا من ذلك و استفظاعنا له التفت إلينا فقال: من يذكر منكم أنه ابتاع آسا رطبا في مدة حياته؟ فقلنا جميعا بلسان واحد: ما نذكر ذلك. فقال:

فاعلموا أنه يباع في دار البطيخ في كل يوم من أيام الشتاء و الصيف من الآس الرطب بخمسة و عشرين ألف درهم. يكون قدر ذلك في الشهر الواحد ورقا سبعمائة ألف و خمسين ألف درهم. و في العام الواحد تسعة ألف ألف. فإذا كانت هذه الآية في الآس بها وحده، فما ظنّك بغيره من سائر الأجناس؟

ثم [65 ب‏] رجع بنا النظر بعد ذكر الدواء و الغذاء إلى شبيه بما كنا فيه من ذكر الجداء و قلنا: إنّا إذا كنّا قد فرضنا لكل مائدة جديا، فوصلنا من عدد الجداء إلى ما ذكرنا و هو ستمائة ألف ألف جدي في يوم واحد. فلنفرض الآن استظهارا لكل ذي مائدة جديا و أربع دجاجات و أربعة فراخ، فيكون عدد الدجاج و الفراخ المستعملة في اليوم الواحد من أيام الأعياد العظام أربعة ألف ألف و ثمانمائة فرخ و دجاجة. يكون ثمن كل دجاجة استظهارا درهما واحدا و ثمن الفرخين درهما واحدا. فيكون ثمن الجميع من الدجاج و الفراخ في اليوم الواحد أيضا، ثلاثمائة ألف ألف و ستمائة ألف درهم.

و قد وجدتني على كل حال حليف الاستظهار فيما ادعيت و مسامحا لك في‏

352

اعتبار ما نحوت. فظنّ ان شئت مكذّبا للعيان و طاعنا على فصول البرهان. إن الأمر الذي ذكرناه، و قمنا بحقه و فصّلناه. هو بخلاف ما أصّلناه. فاعقد الآن من جمل ذلك على أنصافها و أثلاثها و أرباعها و أسداسها. أ فحسبت أنك اعتقدت من ستين ألف حمّام على عشرة ألف حمام ليعقد من ستمائة ألف جدي على مائة ألف جدي. و من كذا على كذا ان الباقي بعد ذلك لا تراه عجبا عجيبا و شأنا غريبا.

فكيف و الأمر في الأصول كما نقول بكل برهان و بكل دليل.

و سنذهب في نوع آخر من الكلام، فإنك و الحق لتشهدان. و إنك لترى في ظاهر العيان، و على حكم الأيام و الزمان. إن وكيلا من وكلاء الوظائف لو اعترض جميع ما في باب الطاق و سوق باب الكرخ و سائر الأسواق في غذائه من الغدوات معترضا بعشرين ألف درهم لابتياع جميع ما فيها، لما ترك بها مذبوحا بريّا و لا حيوانا بحريا، كما لا يدع فيها تفاحا و لا ريحانا و لا أترجا و لا رمانا. و إذا شئت مع ذلك من القول أن تعلم الحق عليك و تتناول الصدق إليك فألطف الاشراف [66 أ] على المطابخ للملك الأعظم و على ما استودعت من ذلك مجالسه و مواضع مواقده، فإنك تعاينها مشحونة بما لا تصل إلى معاينة مثله إلّا في الأسواق، و لا كصغير ما هنالك بباب الكرخ و الطاق. فإن أنت أمددت الحق حقا و أضفت إلى الصدق صدقا و جمعت بين ما تراه في المساكن الملك الأعظم ببغداد و بين ما في منازل البطانة و سائر الأهل و الولد و الحشم و ولاة العهود الوزراء و كبار الأمراء و سائر الوجوه و الرؤساء و كبار التجار و الأغنياء دون المقتصدين و الفقراء، وصلت من معاينة ما ترى ان مادبة (؟) إنما هي من باب الكرخ و الطاق و سائر الشوارع و الأسواق في اليوم الواحد ما لا سبيل إلى معاينة مثله في باب الطاق و لا في شارع و زقاق. و أرى أن الظلم جميعا مجموع في ذلك، يدفعك من ذلك ما لا يندفع و في منعك منه ما لا تمتنع.

و سأريك بعين عقلك مثالا عجيبا. أنت تعبد اللّه بتكذيبه لولا امتحانه و أسرع مما هو أعجب مما تعجبت منه و ستدين اللّه بالجحود به لولا برهانه و بيانه. فإنّا متى دعوناك إلى الإقرار بجملة تتباعد عن الإدراك و العقول و تنسب في الظاهر إلى‏

353

التمويه و الأباطيل فيما استبشعته ثم استيقنته، هو الحكم فيما استبعدته.

و الدليل على ذلك، إذا وجدت بيوت الشطرنج أربعة و ستين بيتا ثم جعلت في أول بيت منها حبة من الحنطة و في الثاني حبتين و أضعفت ذلك على نظام التضاعيف حتى تأتي على آخرها بيتا، كنت مستدركا ظنا و ترجيحا و حذرا و توهما في ظاهر الحس و باطن النفس أن المجتمع لك من تضاعيف الحبة الواحدة من الحنطة في أبيات الشطرنج [لا] يكون إلّا قفيزا أو بعض القفيز الواحد. فإن ظننت الآن أن المجتمع لك من عدد الحب في ظاهر الحس ظنا و ترجيحا هو قفيز أو عشرة أقفزة فأظننه أكثر. و إن ظننته كرّا أو كرّين أو عشرة أكرار أو عشرين [66 ب‏] كرا فأظننه أكثر. و إن ظننته مائة كرّ أو خمسمائة كر فأظننه أكثر. و إن ظننته ألف كرّ فهو أكثر. و إن توهمته عشرة ألف كرّ فهو أكثر. و إن قلت إنه مائة ألف و مائتي ألف كر، فهو أكثر. و إن قلت إنه مائتا ألف ألف ألف كرّ كان أكثر. و إن قلت إنه ثلاثمائة ألف ألف ألف كر كان أكثر و أكثر حتى تصل من أعداد الحنطة إلى عدد هو في ظاهر الحكم أن صاحب هذا العلم لو عدم البرهان عليه لاستحق من كثير من الناس الرجم. أ فليس إذا دللنا على صحة ذلك و فصلناه و أشرنا إلى استدراك حقيقته و حصلناه، كان الحكم فيما دعونا إلى تصديقه و أشرنا إلى تحقيقه في أمر بغداد، فاستصعب عليك عياره بأكثر مما ذكرنا كان حقا؟

و الدليل على ذلك أن حبة من حنطة إذا جعلت في بيت من بيوت الشطرنج ثم أضعفت ذلك إلى آخرها بيتا. ان المجتمع من ذلك الحب الحنطة شي‏ء يفي بقوت ستين ألف ألف إنسان لخمسين ألف سنة، إذا كان المبتاع منه في كل يوم دائما بخمسمائة ألف دينار بأعدل الأسعار و أقربها من الرخص. و هو حساب الكرّ بثلاثين دينارا. و يكون تقدير ما يقرن في كل يوم من الحنطة من جملة ما يجتمع من الحب فوجدنا مبلغه ثماني عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف و أربعمائة و ست و أربعين ألف ألف ألف ألف ألف و سبعمائة و أربع و أربعين ألف ألف ألف ألف و ثلاثا و سبعين ألف ألف ألف و سبعمائة ألف ألف و تسع ألف ألف و خمسمائة و واحدة و خمسين ألفا و ستمائة و خمس عشرة حبة.

354

ثم أردنا أن نعلم كيل هذا العدد من حب الحنطة بالكر المعدل، كيل مدينة السلام. فقلنا [67 أ] إن تقدير وزن القفيز الواحد من الحنطة و هو مائة و عشرون رطلا. و وزن الرطل مائة و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم و هو تسعون مثقالا. فعلمنا على أن وزن الدرهم الواحد من الحب الفحل الممتلئ ثلاث و ستون حبة استظهارا. و وزن المثقال درهم و ثلاثة أسباع درهم. فيكون وزنه من الحب تسعين حبة. و الرطل تسعون مثقالا. فضربنا تسعين في تسعين فكان مبلغه ثماني ألف و مائة حبة. و هو وزن الرطل الواحد. ثم ضربنا ذلك في عدد الأرطال التي هي وزن القفيز و هو مائة و عشرون رطلا. فكان مبلغ ذلك تسعمائة ألف و اثنين و سبعين ألفا و هو عدد مبلغ ما يكون في القفيز الواحد من الحنطة. فجبرنا ذلك و جعلناه ألف ألف حبة استظهارا و تقريبا. ثم ضربنا ذلك في عدد قفيزات الكرّ و هو ستون قفيزا. فكان مبلغ ذلك ستين ألف ألف حبة. و هو مبلغ كيل الكر الواحد. ثم ضربنا ذلك في ألف. فكان مبلغه ستين ألف ألف ألف. و مبلغ كيله ألف كر. ثم ضربنا ذلك أيضا في ألف فكان مبلغه ستين‏ (1) ألف ألف ألف ألف ألف. و مبلغ كيله ألف ألف ألف كر. ثم ضربنا ذلك في ثلاثمائة. فكان مبلغ ما قدّمنا ذكره.

و هو مبلغ ما ارتفع به العدد من جملة حساب تضاعيف الشطرنج بالأمر المشهور عند أرباب الحساب. فبلغ ذلك بالكر المعدل ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ، دون الذي هو سبعة ألف ألف ألف كرّ و ما زاد. ثم قيمنا الكر بأعدل بأعدل القيم ثلاثين دينارا. فكان مبلغ ذلك تسعة ألف ألف ألف ألف دينار (2). فمن هاهنا قلنا إن اللّه عزّ و جلّ لو خلق هذا المقدار من الحنطة دفعة، و جعل الدنيا باقية بأهلها خمسين ألف سنة، ثم بيعت [67 ب‏] الحنطة بسعر الزمان الذي فرضناه في كل يوم بخمسمائة دينار بيعا دائما متتابعا على اتصال الأيام، و الشهور و السنين. إن ذلك لم يكن يستغرق بيع جميع ما اجتمع من تضاعيف حبات الحنطة إلّا في خمسين ألف سنة.

____________

(1) كلمة ستين في الأصل (ستون)، و كذا الكلمات (ستين) أعلاه حيث جعلت مرفوعة.

(2) في الأصل: دينارا.