البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
355

و الدليل على بيان ذلك أن السنة ثلاثمائة و ستون يوما. فإذا ضربناها في خمسين ألف سنة، كان مبلغها ثمانية عشر ألف ألف يوم و هو مبلغ أيام خمسين ألف سنة. ثم أردنا أن نضرب عدد هذه الأيام التي هي ثمانية عشر ألف ألف يوم في الخمسمائة دينار التي ذكرنا البيع بها في كل يوم. فبسطنا غزبها (1) ليكون أظهر عند السامعين. فضربناها في خمسة أصلا، فكان مبلغه تسعين‏ (2) ألف ألف. ثم ضربنا ذلك في مائة. فكان مبلغه تسعة ألف ألف ألف. ثم ضربنا ذلك في ألف فكان مبلغه تسعة ألف ألف ألف ألف. فهو مبلغ ما ذكرنا من جملة ثمن ما اجتمع لنا من تضاعيف حبات الحنطة بالسعر المفروض و هو ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ، غير ما استبطنّا من الزيادة و هو سبعة ألف ألف ألف كرّ و ما زاد.

فإن الذي بلغك الإقرار بأن الحبة الواحدة من الحنطة تبلغ بتضاعيفها في أعداد بيوت الشطرنج حتى يكون مبلغها ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ و سبعة ألف ألف ألف و ما زاد، و إنها قوت لستين ألف ألف إنسان خمسين ألف سنة بعد الإنكار هو الذي يبلغك الإقرار بغرائب بغداد و بدائع مدينة السلام. و إنما تجشمنا ذكر ذلك لتعلموا أن كثيرا من الأمور تستبعد في الظنون و تستنكر في الأوهام و العقول لو لا الاعتداد بأصولها و الاتكال على تفصيلها.

و قال أبو بكر بن عياش و ذكر بغداد: هي اليوم مصر العرب.

و كان بعضهم يقول: بغداد دار دنيا و آخرة.

و تقدير الجوالي ببغداد مائة ألف و ثلاثون ألف. و تقدير الادخار. [68 أ] و دور الضرب في كل سنة من الورق ألف ألف و خمسمائة ألف درهم.

قال: و من عجائب بغداد الدارش و اللكا (3). فالدارش يتخذ من جانب‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) في الأصل: تسعون.

(3) في لسان العرب (الدارش: جلد أسود) و في مادة (لكك) (اللّكّاء: الجلود المصبوغة بالّك، و هو صبغ أحمر. قال الراعي النميري يصف رقم هوادج الأعراب:

بأحمر من لكّ العراق و أصفرا)

356

و اللكا من جانب. فمتى عدل بأحدهما عن جانبه الذي يعمل فيه، لم يكن فيه شي‏ء. و قد امتحن هذا غير مرة فما استوى إلّا في الموضع الذي رسم فيه. و ان في هذا لعبرة و أعجوبة. فتبارك اللّه رب العالمين.

ما ذكر في ذم بغداد و كراهة نزولها (1)

و قد كره قوم من العلماء السكنى ببغداد و المقام بها و عابوها و ذكروا أنها دار فتنة لكثرة ما فيها من الفساد و من أنواع الفجور و شرب الخمور و الزنى و كثرة الربى.

و روى أبو عثمان النهدي قال: كنت مع جرير بن عبد اللّه على قنطرة قطربل فقال: ما يدعى هذا النهر؟ قلت: دجلة. قال: هذا؟ قلت: دجيل. قال: فهذا؟

قلت: الصراة. قال فهذا النخل؟ قلت: قطربل. فركب فرسه ثم أسرع حتى خرج عن القنطرة ثم‏

قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: تبنى مدينة بين دجلة و الدجيل و قطربل و الصراة تجبى إليها خزائن الأرض. ينزلها الجبار، يخسف بها، فهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.

و قال أبو العالية: يكون خليفة يملك عشرين سنة إلّا شهرا ثم لا تسل عن هلكه العرب. تبنى مدينة بين قرية الخر و دجلة و لها أربعة أبواب مشيدة، و شرقي و غربي و عراقي و شامي. يظهر فيها الفسق يخسف بها. و لبني حام عليكم نزوة و يحاربونكم حرب الاستئصال. و لبني قنطورا نزوة مثل ذلك. ثم لا تسأل عن هلكه العرب.

و كان بشر بن الحارث يقول: ما ابتنيت بغداد إلّا على البلاء. مرة حرق.

و مرة غرق. و مرة فتن.

____________

(1) عقد الخطيب البغدادي في تاريخه (1: 27- 23) فصلا بعنوان:

(ذكر أحاديث رويت في الثلب لبغداد و الطعن على أهليها و بيان فسادها ...) و منها ما هو موجود لدى ابن الفقيه.

357

و قال الهذيل بن بلال عن عطاء.

قال‏ خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه [68 ب‏] متوجها إلى الشام فنزل بقرية يقال لها قطربل ذات نخل و بساتين، فسأل رجلا من أهلها، فقال: ما اسم هذه القرية؟ قال: قطربل. فقال علي (عليه السلام) لأصحابه: أرحلوا. و سار عنها فزعا حتى نزل السيلحين و قال لأصحابه: ضعوا أسلحتكم و أمتعتكم فقد نجوتم من البلاد إن شاء اللّه. ثم أنشأ يحدثنا عنها فقال: يا لها قرية ما يجمع اللّه فيها و على ما يقترفون. ثم حانت منه نظرة إلى قرية فيها تلّ عظيم فقال: و الذي نفسي في يده لتكونن تحت هذا التل وقعة صلحية يتحدث عنها كل ناج من القتل. آية ذلك إذا شققت فيها الأنهار و بنيت القصور و سندت الدور و كثر الفجور، و لم يتناه أهلها عن منكر. فهنالك تحل بهم البلية لما ارتكبوا من الخطيّة.

و قال أبو صالح الباهلي: قال لي شيخ من أهل الكتاب في أيام مروان بن محمد: هذا أوان ذهاب ملك بني أمية. قلت: و ما آية ذلك؟ قال: تظهر رايات السود من خراسان فتطوي ملك بني أمية طيا. فلم نلبث إلّا قليلا حتى ظهر أبو مسلم و كان من أمر واحده الدولة ما كان. ثم لقيت ذلك الرجل في وسط أيام أبي مسلم. فقلت: قد صح ما قلت، فأين تكون دار المملكة؟ قال: أرض يقال لها بغداد. تجسّر بها الجسور و يكثر أهلها و تجتمع إليها الأموال.

و خطب أمير المؤمنين رضي اللّه عنه بالكوفة فقال في خطبة: يا أهل الكوفة! أنتم اليوم بخير. فكيف بكم إذا حشرتم ذات نخل و كرم يجتمع إليها كل برّ و فاجر يقال [لها] بغداد، باغية طاغية. يلي بناءها رجل من ولد بني العباس رخص الشعر يقال له عبد اللّه تكون خلافته زمانا (1). ثم ذكر فيها شيئا، قال: و يخرج رجل لو شئت لأنبأتكم باسمه و اسم أبيه. فإذا خرج ذلك الرجل فقل لبني العباس فليلحقوا بوادي القرى كما كانوا قديما.

و قال إسماعيل بن إبراهيم عن إبراهيم بن بشير قال: انصرفنا بعض الصوائف‏

____________

(1) في الأصل: يقال له عبد اللّه يكون خلافته رخص الشعر زمانا.

358

نريد البصرة. فلما صرنا [69 أ] إلى موضع بغداد،- و ليس هناك إلّا نخل و قرى و دير في موضع العتيقة، و آخر يقابله من موضع الدعالجة و الباقي صحراء- و هناك راهب في صومعة. فدنوت منه و حادثته ساعة ثم قلت له: يا راهب! ما أرى لك هاهنا زرعا و لا ضرعا. فضحك ثم قال: أخبرني أبي عن جدي- و كان عالما بالكتب القديمة- ان ملك بني أمية زائل عنهم برجل يخرج من خراسان مجهول النسب، معه خلق قد سوّدوا ثيابهم. فإذا أزالوا سلطان بني أمية دفعوا الملك إلى رجل من بني العباس فيملكه عدة سنين ثم يهلك، و يقوم آخر مكانه فيبني هاهنا مدينة لا يكون على الأرض مثلها في كثرة الأموال و الناس و الأسواق. فضحكت تعجبا منه. فقال: لا تضحك، فإن عمرت رأيت. فما متّ حتى رأيت ما قاله لي.

و قال العتبي‏ (1): حدثني رجل من أهل البصرة قال: اجتزت في بعض شوارع بغداد يوما في السحر و قد اشتبكت أصوات المؤذنين فأعجبني ذلك و حمدت اللّه عليه. فإذا هاتف يهتف بي و يقول: ما الذي يعجبك من مدينة فجر الليلة فيها سبعون ألفا، و افتض من ذلك عشرة آلاف فرج حرام.

و قال إبراهيم بن عيينة: كنت مع قيس بن الربيع ببغداد، فلما انتهينا إلى باب البصرة و جزنا القنطرة قال: هذا المكان الذي يخسف به و هو ناحية دور الصحابة و ما والى ذلك.

و كان الفضيل بن عياض إذا ذكرت عنده بغداد، قال: أما أسواقها فكافرة و أما أسواقها فلاعنة.

و قال بشر بن الحارث: جاء أبو جعفر إلى هذه البلدة فخطر عليها. و جاء بآبائنا فأسكنهم فيها. و كانوا لا يعلمون. ثم نشأ الأبناء فسألوا و فتشوا و دققوا النظر ثم أقاموا فيها مثلهم كمثل الذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة. و إن أراد ربك أن‏

____________

(1) أبو عبد الرحمن محمد بن عبد اللّه بن عمرو ... توفي عام 228 ه- (انظر ترجمته في فهرست ابن النديم 135).

359

يغرقهم فما يضيع. أما سمعت بقوله: فلما أسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين.

و قال بشر [69 ب‏]: و اللّه للخروج منها على جهد أحب إليّ من المقام فيها على حسن حال.

و قال الفضيل بن عياض: لا تكونن ببغداد مؤذنا.

و قال بشر: و دعت عيسى بن يونس فقال لي: يا بشر! إلى أين تنتقل، إلى تلك القرية السوء؟

و قال بعضهم المتعبد ببغداد كالمتعبد في الحشر.

و أقام ابن المبارك ببغداد أياما يسيرة، فكان يتصدق كل يوم بدينار.

و كتب بعضهم إلى العتّابي يستوطنه بغداد فكتب إليه: أمّا بعد. فإنك في بلاد وجدهم بالدنيا وجد من لا يرجو معادا. قد نصبت لهم الجبابرة علم التكاثر فحلبهم الفتن و احكام معان‏ (1) القرآن فارتم تلك النحلة بالهجران و البس منها جنّة الحذر. فإن في جوارهم مشتبه لنار الحرص و غضيض الشهوات. معاينتهم ذم القناعة. بصغير النعم قد أمّ عنهم الأمل، مكر اللّه و هل يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون؟

و قال أبو صالح شعيب بن حرب: قلت لسفيان الثوري: لي والدة ببغداد أ آتها؟ قال: لا. قلت: فإن أتيتها فحضرت الصلاة أصلي فيها؟ قال: لا، إلّا الجمعة و لا يطاع فيها فإنها دار فتنة.

و قال رجل لسفيان: لي قرابة ببغداد و لا بأس به. قال: يقول لرجل يسكن بغداد لا بأس به.

قال أبو الأحوص: سألت سفيان عن الجلب إلى بغداد. فقال: اجلب إليها كل شي‏ء ما خلا الكراع و السلاح.

____________

(1) كذا في الأصل.

360

و قال بعضهم: إني لأمشي في بغداد، فكأنما أمشي في النار.

و كان ابن إدريس يقول: اخرج عليّ من ذكر حديثي ببغداد.

و قال ابن الربيع: قلت لإبراهيم بن صالح أيام صحبة ابن حنبل: ادع الله له.

قال: لا أفعل. قلت: لم؟ قال: هو يسكن بغداد.

و جاء الوليد البغدادي القاص إلى الفضيل بن عياض و وضع يده في يده و أقبل يسأله و الفضل قد أعجب به إلى أن قال له: أين المسكن؟ قال: بغداد.

فانتزع يده من يده ثم قال: يجي‏ء أحدكم يسأل عن () (1) [70 أ] كأنه من عمال اللّه أو من الدعاة إليه. فإذا قيل له أين المسكن قال: في عش‏ (2) الظلمة.

قال: و كان بعض الصالحين، إذا ذكرت عنده بغداد تمثّل:

قل لمن أظهر التصوّف في الناس‏* * * و أمسى يعدّ في الزّهّاد

الزم الثغر و التواضع فيه‏* * * ليس بغداد منزل العبّاد

إنّ بغداد للملوك محلّ‏* * * و مناخ للقارئ الصيّاد

و سأل المعتصم أبا العيناء عن بغداد و كان سيّ‏ء الرأي فيها فقال: هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل:

ما أنت يا بغداد إلّا سلح‏* * * إذا اعتراك مطر أو نفح‏

و إن جففت فتراب برح‏

[و كما قال آخر]:

هل الله من بغداد يا صاح مخرجي‏* * * فأصبح لا تبدو لعيني قصورها

و ميدانها المذري علينا ترابه‏* * * إذا شحجت أبغاله و حميرها

فهي أم الوحول، و مطرح البقول. عذرتها في طرقها، و قذرها في وسطها

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) في الأصل: في عشر.

361

يموت أهلها في الصيف حرقا، و في الشتاء غرقا. الميت فيها مطروح لا يجد من يحمله، و المسكين بها ما يصيب أحدا يصدّق عليه. و الغريب فيها مسلور و الغرب بها أهل‏ (1) شيوخها (2) يتصافعون و شبابها يتناهدون. و صبيانها يؤاجرون. و نساؤها يزنون و يساحقون. البغاء منهم غير منكر، و القرون من رجالهم لا تستر. و هم مع هذا يتامى أمير المؤمنين. و قد قال فيهم الشاعر:

أذمّ بغداد و المقام بها* * * من بعد خبرة و تجريب‏

ما عند أملاكها لمختبط* * * خير و لا فرجة لمكروب‏

يحتاج باغي النوال عندهم‏* * * إلى ثلاث من بعد تثريب‏

كنوز قارون أن تكون له‏* * * و عمر نوح و صبر أيوب‏

[70 ب‏]

قوم مواعيدهم مزخرفة* * * بزخرف القول و الأكاذيب‏

خلّوا سبيل العلى لغيرهم‏* * * و نافسوا في الفسوق و الحوب‏

و قال آخر:

أقمت ببغداد مذ أشهر* * * و كنت ببغداد ذا غيرة

فما إن قطعت بها شعرة* * * و ما ان فتتّ بها بعرة (؟)

و ما ان ترفّق لي حاجة* * * كأني وطيت على نشرة

و عاندني الخير مذ جئتها* * * معاندة الضرّة للضرّة

و إني بها عاشق درهما* * * و من لي يا صاح بالزهرة

فعجبي بسيري إلى بلدتي‏* * * كعجب الطفيلي بالسفرة

و لو كنت ممّن يجيد الغناء* * * لأحرزت مذ جئتها بدرة (؟)

____________

(1) الجملة غامضة.

(2) في الأصل: شيوخنا.

362

فإن ردّني اللّه من صيفها* * * سليما إلى () (1) البصرة

و عدت إليها فعرسي طلاق‏* * * ثلاثا و جاريتي حرّة (؟)

و قال آخر:

لقد طال في بغداد ليلي و من يبت‏* * * ببغداد يصبح ليله غير راقد

بلاد إذا ولّى النهار تقافزت‏* * * براغيثها من بين مثنى و واحد

ديازجة شهب البطون كأنّها* * * بغال بريد أرسلت في مذاود

و قال آخر:

زعم الناس أن ليلك يا بغداد* * * ليل يطيب فيه النسيم‏

و لعمري ما ذاك إلّا لما* * * خالفهم بالنهار منه السموم‏

و قليل الرخاء يتّبع الشدة* * * عند العباد أمر عظيم‏

و قال آخر:

ترحّل فما بغداد دار إقامة* * * و لا عند من يرجى ببغداد طائل‏

محلّ أناس سمتهم في أديمهم‏* * * و كلّهم من حلية المجد عاطل‏

و قال بعض الصالحين: ما أحب أن أسكن أحد المصرين على أن أتصدق كل يوم على مائتي مسكين. فقيل له أي مصرين هما؟ قال: مصر و بغداد.

و قال يعقوب بن إسحاق‏ (2): سمعت أبي يقول: سمعت يزيد بن هارون‏ (3)- و سأله رجل أيام الفتنة، فقال: إن أبويّ يكرهان أن أخرج عن بغداد. فقال يزيد:

إن أحب أبواك أن يقيما بأرض الشرك أ تقيم معهما؟ قال: ثم رأيته [71 أ] بعد هذا القول مقيما ببغداد.

____________

(1) كلمة مطموسة.

(2) هو ابن السكيت المقتول عام 244 ه.

(3) يزيد بن هارون ابن خالد الواسطي المتوفى عام 206 ه- انظر ترجمته في العبر 1: 275.

363

و قال ابن الكلبي: سميت البردان التي فوق بغداد بأربعة فراسخ بردانا لأن ملوك الفرس كانوا إذا أتوا بالسبي فنقّوا شيئا منه قالوا: برده. أي ذهبوا به إلى القرية البردان فسميت بذلك. قال: و كانت بردان الكوفة لوبرة بن رومانس أخي النعمان بن المنذر لأمّه فمات و دفن فيها. و لذلك قال مكحول بن حارية يرثيه:

فما الدنيا بباقية لحيّ‏* * * و ما حيّ على الدنيا بباق‏

لقد تركوا على البردان قبرا* * * و همّوا للتفرّق بانطلاق‏

قال: و أنشدني الهيثم بن عيسى الكاتب لبعضهم:

كفى حزنا و الحمد لله أنني‏* * * ببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي‏

أصاحب من لا أستلذّ صحابه‏* * * و آلف قوما لست فيهم براغب‏

و لم أثو في بغداد حبا لأهلها* * * و لا أنّ فيها مستفادا لطالب‏

سأرحل عنها قاليا لسراتها* * * و أتركهم ترك الملول المجانب‏

فإن ألجأتني النائبات إليهم‏* * * فأير حمار في حر أمّ النوائب‏

و قال آخر:

اركب ببغداد و جوّل بها* * * و اقصد لمن شئت من الناس‏

تجده من كان إذا جئته‏* * * مستترا عنك بإفلاس‏

يبدي لك الفقر و يطوي الغنى‏* * * منك و يدنيك من الياس‏

يخضع في المنطق من بخله‏* * * و قلبه كالحجر القاسي‏

و أنشد لمطيع بن إياس:

حبّذا عيشنا الذي زال عنا* * * حين نلنا المنى و لا حبّذا ذا

أين هذا من ذاك سقيا لها* * * ذاك، و لسنا نقول سقيا لهذا

زاد هذا الزمان شرا و عرّا* * * عندنا إذ أحلّنا بغداذا

بلدة تمطر التراب على النا* * * س كما تمطر السماء الرذاذا

364

[71 ب‏] فإذا ما أعاذ ربي بلادا* * * من عذاب كبعض ما قد أعاذا

خربت عاجلا كما خرّب اللّه‏* * * بأعمال أهلها كلواذى‏

و قال محبوب بن أبي العشنّط النهشلي:

لروضة من رياض أو طرف‏* * * من القرنة جرد غير محروث‏

يفوح منه إذا مجّ الندى أرج‏* * * يشفي الصداع و يشفي. كلّ ممغوث‏

أملا و أحلى لعيني إن مررت به‏* * * من كرخ بغداد ذي الرمّان و التوث‏

الليل نصفان: نصف للهموم فما* * * أقضي الرقاد. و نصف للبراغيث‏

أبيت حين تساميني أوائلها* * * أنزو و أخلط تسبيحا بتغويث‏

سود مداليج في الظلماء مؤذية* * * و ليس ملتمس منها بمشبوث‏

و قال بعض الكلابيين- و كان ببغداد فآذته البراغيث-:

أصبحت سالمت البراغيث بعد ما* * * مضت ليلة مني و قلّ رقودها

فيما ليت شعري هل ازورنّ بلدة* * * قليل بها أوباشها و عبيدها

و هل اسمعنّ الدهر أصوات ضمّر* * * تطالع بالركبان صعرا خدودها

تراطن حولي كلّما ذرّ شارق‏* * * ببغداد أنباط القرى و عبيدها

و هل أرينّ الدهر نارا بأرضها* * * بنفسي و أهلي أرضها و وقودها

قال عياش بن باغان الرقي: مبتدأ دجلة من تحت حصن في جبل بآمد و عرضها عند منبعها أقل من عشرة أذرع، ثم تمر بجبال السلسلة. و في جبال السلسلة عيون كثيرة يصب في دجلة ثم تخالطها أنهار عظيمة منها الخابور و الزرم و غيرهما من الأنهار. ثم تصب إلى جزيرة ابن عمر التغلبي. و تخالطها أيضا أنهار كبار من نواحي [72 أ] أرمينية ثم تصير إلى بلد ثم إلى الموصل. فإذا أجازت الموصل بسبعة فراسخ، صب إليها الزاب الكبير. و من تل فافان تحمل فيها السفن‏

365

و الأطواف. فإذا بلغت السنّ، صب إليها الزاب الصغير. ثم تخالطها ببغداد أنهار من الفرات منها الصراة و نهر عيسى و غيرهما حتى تصير إلى البطائح.

و روي عن كعب أنه قال: النيل نهر العسل في الجنة، و دجلة نهر اللبن و الفرات نهر الخمر، و سيحان نهر الماء و هي التي ذكرها اللّه في القرآن.

و قال أحمد بن محمد الحاسب‏ (1): أمر المتوكل بتسهيل أبواب دجلة من الموصل إلى بغداد و قلع الحجارة التي في الطريق لها الأبواب. فقيل له: يا أمير المؤمنين! إن عمك المأمون قد كان أمر بمثل ما أمرت فقيل له ان اللّه جلّ و عز إنما جعل هذه الصخور و في هذه المواضع. و ان كان فيها بعض الضرر على المجتازين لما في ذلك من الصلاح لعباده و عمارة بلاده من جهة معايشهم. و ذلك انها ترد حمية الماء عن حافتي دجلة. و مقامها مقام الشكور. و يحتاج إليها أيضا لينضمّ الماء و لا يتفرق فيحمل على الأنهار. و لولا هذه الحجارة لفقر الماء دجلة حتى تخطّ و أضر ذلك بالناس و بطلت العمارة. فأمسك عما كان همّ به.

قال: و بأسفل واسط تسكن جرية دجلة و تخف. و هناك تأخذ منها أنهار كسكر و نواحيها. فأما ما يأخذ منها و يسقي الجانب الشرقي، فالقناتان الشتوية و الصيفية و هما اللتان عملهما المتوكل لسرمرى كانتا تدخلان المسجد الجامع و تتخللان شوارع سامرا. ثم النهر الذي قدّره أيضا و عمل على أن يدخل الخير فلم يتم. و قد كان أنفق عليه سبعمائة ألف دينار. و كان السبب في أنه لم يتم، ان المتوكل قتل قبل الفراغ منه. و قد حاول المنتصر أن يتمه، فلقصر أيامه لم يستو ذلك.

ثم القاطول الكسروي يسقي [72 ب‏] النهروان و عليه شاذروان فوقه يسقي رستاق بين النهرين من طسوج بزرجسابور. ثم القاطول المعروف بأبي الجند، يأخذ من دجلة و يصب أسفل الشاذروان الذي أحدثه الرشيد عند عمله ذلك‏

____________

(1) أحمد بن محمد الحاسب القرصاني (انظر عنه ابن خلكان 3: 112، 114) حيث ذكر أن عمله هذا قد تمّ عام 247 ه.

366

الشاذروان عوضا لأهل النهروان بسبب ما سدّ عنهم الشاذروان.

ثم نهر السلام يأخذ من دجلة و يسقي كلواذى و نهر بين بزرج سابور و نهر بوق.

و في الجانب الغربي، النهر المعروف بالإسحاقي في مبتدأه من تكريت و هو يسقي العمارات. و القناة القديمة يسقي أيضا العمارات. و دجيل يسقي قطربل و مسكن.

[بنى الأكاسرة بين المدائن التي على عقبة همذان و قصر شيرين مقبرة آل ساسان. و عقرقوف كانت مقبرة الكيانيين و هم أمة من النبط كانوا ملوكا بالعراق قبل الفرس‏] (1).

____________

(1) معجم البلدان 1: 868 (تل عقرقوف).

367

القول في سرمرى‏

قال الشعبي: كان سام بن نوح له جمال و رواء و عقل و منظر، و كان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح عند خروجه من السفينة ببازبدى و سماها ثمانين، و يشتو بأرض جوخا. و كان ممره من أرض جوخا إلى بازبدى على شاطئ دجلة من الجانب الشرقي. فيسمى ذلك المكان إلى الآن سام [راه، يعني طريق سام‏].

و قال إبراهيم بن الجنيد (1): سمعتهم يذكرون أن سامرا بناها سام بن نوح و دعا أن لا يصيب أهلها سوء. فأراد السفاح أن يبنيها فبنى مدينته بالأنبار بحذائها.

و أراد المنصور بعد ما أسس بغداد و سمع في الرواية ببركة هذه المدينة أن يبنيها.

فابتدأ بالبناء في البردان ثم بدا له و بنى بغداد. و أراد الرشيد أيضا بناءها، فبنى بحذائها قصرا و سماه المبارك و هو بحذاء أثر بناء قديم كان للأكاسرة. ثم بناها المعتصم و نزلها سنة إحدى و عشرين و مائتين.

و روى ليث عن مجاهد قال: حيثما اجتمع المسلمون فهو مصر.

و لم يبن أحد من الخلفاء من الأبنية الجليلة ما بناه المتوكل. فمن ذلك القصر المعروف بالعروس، أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم. و المختار، خمسة ألف ألف درهم. و الوحيد، ألفي ألف درهم. و المسناة [73 أ] عشرين ألف ألف درهم. و البرج ثلاثين ألف ألف درهم. و الجوسق الإبراهيمي، ألفي ألف درهم.

و الجعفري المحدث عشرة ألف ألف درهم. و الغريب عشرة ألف ألف درهم.

و الشيدار عشرة ألف ألف درهم. و البرج عشرة ألف ألف درهم. و الصبح خمسة

____________

(1) من أفراد بلاط المتوكل. انظر تاريخ الطبري 8: 162.

368

ألف ألف درهم. و المليح خمسة ألف ألف. و القصر في بستان الإيتاخية عشرة ألف ألف. و التل علوه و سفله خمسة ألف ألف. و الجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف. و المسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف درهم. و بركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم. و القلائد خمسين ألف دينار، و جعل فيها أبنية بمائة ألف دينار. و الفرد في دجلة ألف ألف درهم. و القصر بالمتوكلية و هو الذي يقال له الماحوزة خمسين ألف ألف درهم. و البهو خمسة و عشرين ألف ألف. و اللؤلؤ خمسة ألف ألف درهم. فذلك الجميع مائتا ألف ألف و أربعة و تسعون ألف ألف درهم.

و كان المعتصم و الواثق و المتوكل إذا بنى أحدهم بناء من قصر أو غيره، أمر الشعراء أن يعملوا فيه [شعرا] (1). فمن ذلك قول علي بن الجهم في الجعفري الذي بناه المتوكل‏

و ما زلت أسمع أنّ الملوك‏* * * تبني على قدر أقدارها

و أعلم أنّ عقول الرجال‏* * * يقضى عليها بآثارها

فلما رأينا الإمام‏* * * رأينا الخلافة في دارها

بدائع لم ترها فارس‏* * * و لا الروم في طول أعمارها

و للروم ما شيّد الأولون‏* * * و للفرس آثار أحرارها

و كنا نحسّ لها نخوة* * * فطامنت نخوة جبّارها

و أنشأت تحتج للمسلمين‏* * * على ملحديها و كفّارها

صحون تسافر فيها العيون‏* * * إذا ما تجلّت لأبصارها

و قبة ملك كأنّ النجوم‏* * * تفضي إليها بأسرارها

تخرّ الوفود لها سجّدا* * * سجود النصارى لكبّارها

لها شرفات كأنّ الربيع‏* * * كساها الرياض بأنوارها

____________

(1) تكملة من ياقوت.

369

نظمن النسانس نظم الحليّ‏* * * أمون النساء و أبكارها

فهنّ كمصطحبات برزن‏* * * لفصح النصارى و أقطارها

فمن بين عاقصة شعرها* * * و مرسلة عقد زنّارها

و أروقة شطرها للرخام‏* * * و للتبر أكرم أشطارها

إذا رمقت تستبين العيو* * * منها منابت أشفارها

[73 ب‏]

و سطح على شاهق مشرف‏* * * عليه النخيل بأثمارها

إذا الريح هبّت لها أسم* * * عتك عزيف القيان بأوتارها

أطاعتك دجلة فاستنجدت‏* * * عليك بأغزر أنهارها

و فوارة ثأرها في السماء* * * فليس تقصّر عن ثارها

تردّ على المزن ما أنزلت‏* * * إلى الأرض من صوب مدارها

لو أنّ سليمان أدّت له‏* * * شياطينه بعض أخبارها

لأيقنّ أنّ بني هاشم‏* * * يقدّمها فضل أخطارها

فلا زالت الأرض معمورة* * * بعمرك تأخير أعمارها

قال: و حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البيهقي‏ (1)، قال: أنشدني حماد بن إسحاق الموصلي‏ (2) لأبيه في الواثق و يصف سرمرى و صيده بها و يذكر النجف و يزعم أنه كتبها عنه كل ذي نعمة و أدب ببغداد. أوّلهم ابن أبي داود. و فيها عدة ألحان صاغها المغنّون:

يا راكب العيس لا تعجل بنا و قف‏* * * نحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف‏

و ابك المعاهد من سعدى و جارتها* * * ففي البكاء شفاء الهائم الكلف‏

____________

(1) له ترجمة في تاريخ بيهق 151- 154

(2) ترجم له ابن النديم 159.

370

لا تمنع العين من دمع تجود به‏* * * في دار سعدى و لكن خلّها تكف‏

أشكوا إلى الله يا سعدى جوى كبد* * * حرّى عليك متى ما تذكري تجف‏

أهيم وجدا بسعدى و هي تصرمني‏* * * هذا لعمرك شكل غير مؤتلف‏

أما أنالك أن تنهاك تجربة* * * عنها و ما كان من وعد و من خلف‏

دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحة* * * و اكفف هواك و عدّ القول في لطف‏

ما ان أرى الناس في سهل و لا جبل‏* * * أصفى هواء و لا أغدى من النجف‏

كأنّ تربته مسك يفوح به‏* * * أو عنبر دافه العطار في الصدف‏

حفّت ببرّ و بحر من جوانبها* * * فالبرّ في طرف و البحر في طرف‏

و بين ذاك بساتين يسيح بها* * * نهر يجيش بجاري سيله القصف‏

و ما يزال نسيم من أيامنه‏* * * يأتيك منه بريّا روضة أنف‏

تلقاك منه قبيل الصبح رائحة* * * تشفي السقيم إذا أشفى على التلف‏

لو حلّه مدنف يرجو الشفاء به‏* * * إذا شفاه من الأسقام و الدنف‏

[74 أ]

يؤتى الخليفة منه كلّما طلعت‏* * * شمس النهار بأنواع من التحف‏

الصيد منه قريب إن هممت به‏* * * يأتيك مؤتلفا في زيّ مختلف‏

من كلّ أقرن ممشوق قوائمه‏* * * و كلّ مخرجه (؟) مشقوقة الظلف‏

و طير ماء و درّاج يساوره‏* * * بأن يغلّقه في جوّ مختطف (؟)

فيا له منزلا طابت مساكنه‏* * * بخير من حاز بيت العز و الشرف‏

خليفة واثق بالله همّته‏* * * تقوى الإله بحقّ اللّه معترف‏

ساس البرية فانقادت لطاعته‏* * * طوعا بلا خرق منه و لا عنف‏

أقام فيهم قناة العدل فانتصبت‏* * * و سار فيهم بلا ميل و لا جنف‏

و قال الحسين بن الضحاك في سرمرى من شعر طويل:

371

رحلنا غرابيب زيّافة* * * بدجلة في موجها الملتطم‏

سوانح أيقنّ أن لا قرار* * * دون مباركة المعتصم‏

فلمّا دفعن لقاطولها* * * و دهم قراقيرها تصطدم‏

سكنّ إلى خير مسكونة* * * تقسمها راغب من أمم‏

مباركة شاد بنيانها* * * بخير المواطن خير الأمم‏

كأنّ بها نشر كافوره‏* * * لبرد ثراها و طيب النسم‏

كظهر الأديم إذا ما السحاب‏* * * صاب متنها و انسجم‏

مبرأة من و حول الشتاء* * * إذا بجره و انتظم (؟)

فما ان يزلّ بها راجل‏* * * بغيث سماء و لا يرتطم‏

يمرّ على رسله آمنا* * * نقيّ الشراك نقيّ القدم‏

بجرعاء لا صيفها ساطع‏* * * بنقع و لا آخذ بالكظم‏

تخرّق في برّها بحرها* * * فأجدف جوادنها بالسلم‏

فللضبّ و النون في بطنها* * * جوار و مرتبع للنعم‏

إذا ما الربيع بأنوائه‏* * * كساها زخارف ممّا نجم‏

و عمّم أعلامها زهره‏* * * و جلّل قيعانها و الأكم‏

غدوت على الوحش منظومة* * * رواتع في نورها المنتظم‏

و رحت عليها و أسرابها* * * شوارع في غدرها تزدحم‏

كأنّ شوادن غزلانها* * * نجوم بأكنافها تبتسم‏

فلا أين عن وطن خصّه‏* * * عقيد السماح و أسّ الكرم‏

و قال فيها أيضا [74 ب‏]:

كلّ البلاد لسرّمرّى شاهد* * * أنّ المصيف بها كفصل سواها

فيحاء طاب مقيلها و مبيتها* * * و غدوّها و رواحها و ضحاها

372

و إذا الرياح تنفست برباعها* * * و جرت بطيب نسيمها و نشاها

فكأنما سبقت إليك بنفحة* * * من جنّة حصباؤها و ثراها

و قال أيضا:

على سرّمرى و المصيف تحية* * * مجللة من مغرم بهواهما

ألا هل لمشتاق ببغداد رجعة* * * تقرّب من ظلّيهما و ذراهما

محلّان لقّى اللّه خير عباده‏* * * عزيمة رشد فيهما فاصطفاهما

و قولا لبغداد إذا ما تسنّمت‏* * * على أهل بغداد جعلت فداهما

أفي بعض يوم شفّ عينيّ بالقذى‏* * * حرورك حتى رابني ناظراهما

و قال أيضا:

أحد بما تسمعه يا حادي‏* * * و قل بترتيلك في الإنشاد

جادك يا بغداد من بلاد* * * إلى تمارى من قرى السواد

فقبة السيب فبطن الوادي‏* * * فالعرصة الطيبة المراد

حبيب كل رائح و غاد* * * يا ليت شعري و الحنين زادي‏

هل لي إلى ظلّك من معاد* * * للّه ما هجت على البعاد

لقلب حرّان إليك صاد* * * بدّل من ريفك بالبوادي‏

بقفرة موحشة الأطواد* * * مجهولة مجدبة حماد

بعيدة الورد من الورّاد

و قال فيها أيضا [75 أ]:

سرّمرّى أسرّ من بغداد* * * فاله عن ذكر ذكرها المعتاد

حبذا مسرح لها ليس يخلو* * * أبدا من طريدة و طراد

و رياض كأنما نشر الزهر* * * عليها محبّر الأبراد

و اذكر المشرف المطلّ‏* * * من التلّ على الصادرين و الورّاد

373

و إذا روّح الرعاء فلا* * * تنس دواعي فواقد الأولاد (1)

و قال فيها أيضا:

سقى الله ما والى المصيف و ما انطوى‏* * * على سرّمرّى مستهلّا مبكرا

فلم أر أيّاما تسرّ قصارها* * * أسرّ من الأيام فيها و أقصرا

بلاد خلت من كل ريب فلا ترى‏* * * بلادا توازيها غذاء و منظرا

أصبّ بمشتاها و لين مصيفها* * * و رقّة فصليها إذا الأفق أسفرا

كأنّ حصاها بثّ في عرصاتها* * * فرائد مرجان و درّا مسطّرا

تريك إذا الوسمي جاد متونها* * * و عاد عليهنّ الوليّ فأمطرا

رياضا تحار العين في جنباتها* * * إذا صفّر الأرض الربيع و حمّرا

كأنّ بها في كلّ فجّ سلكته‏* * * نمارق زرياب و وشيا محبّرا

تراعى بها عفر الظباء سواكنا* * * أوامن في أكنافها أن تنفّرا

سكن إلى جار حماهنّ رأفة* * * فمدّ حمى من دونهنّ و حيّرا

كفاهنّ روعات الطراد ذمامه‏* * * فما تعرف الطرّاد إلّا تذكرا

يهادين بالحيرين من كل مذهب‏* * * حدائق جنّات و ماء مفجّرا

كأنّ مرابيع السجال خلالها* * * نجوم تهادى منجدات و عوّرا

تراهنّ من فرط المراح شوامخا* * * من العجب ما يمشين إلّا تبخترا

فلا برحت دار الإمام بغبطة* * * و لا زال شانيها بأصلد أوعرا

تخيّرها دون البقاع موفّق‏* * * أصاب طريق الرشد فيما تخيّرا

[75 ب‏] و كان المتوكل قد انتقل من سرمرى إلى الجعفري و انتقل معه عامة أهل سرمرّى حتى كادت أن تخلو. فقال في ذلك أبو علي البصير:

إنّ الحقيقة غير ما تتوهّم‏* * * فاختر لنفسك أيّ أمر تعزم‏

____________

(1) في ياقوت (رواعي فراقد) و لا معنى لها.

374

أ تكون في القوم الذين تأخروا* * * عن حظّهم أم في الذين تقدّموا

لا تقعدنّ تلوم نفسك حين لا* * * يجدي عليك تأسف و تندّم‏

أضحت قفارا سرّمرّى ما بها* * * إلّا لمنقطع به متلوّم‏

تبكي بظاهر وحشة و كأنها* * * إن لم تكن تبكي بعين تسجم‏

كانت تظلّم كلّ أرض مرة* * * عنها، فصارت بعد و هي تظلّم‏

رحل الإمام فأصبحت و كأنها* * * عرصات مكة حين يمضي الموسم‏

و كأنما تلك الشوارع بعض ما* * * أخلت إياد من البلاد و جرهم‏

كانت مرادا للعيون فأصبحت‏* * * عظة و معتبرا لمن يتوسّم‏

و كأنّ مسجدها المشيد بناؤه‏* * * ربع أحال و منزل متوهّم‏

و إذا مررت بسوقها لم تن‏ء عن‏* * * سنن الطريق و لم تجد من يزحم‏

و ترى الذراري و النساء كأنّهم‏* * * خلف أقام و غاب عنه القيّم‏

فارحل إلى الأرض التي يحتلّها* * * خير البرية انّ ذلك أحزم‏

و انزل مجاورة بأكرم منزل‏* * * و تيمّم الجهة التي يتيمّم‏

أرض تسالم صيفها و شتاؤها* * * فالجسم بينهما يصحّ و يسلم‏

و صفت مشاربها ورق أوارها* * * و التذّ برد نسيمها المتنسّم‏

سهلية جبلية لا تجتوي‏* * * حرا و لا قرا و لا تستوخم‏

[76 أ] و يقال إن المعتصم ملك ثماني سنين و ثمانية أشهر و ثمانية أيام.

و كان ملكه في سنة ثمان عشرة و مائتين. و كان له من الفتوح ثمانية. و بنى ثمانية قصور. و ولد له ثمانية ذكور و ثماني إناث و خلف في بيت المال ثمانمائة ألف دينار و ثمانية ألف ألف درهم.

فمن القصور، الجوسق و القيد المللي و قصر الجص و قصر القصور و عمورية و قصر المطامير و القصر السماني و القصر الخاقاني.

375

و الفتوح: الزط و المحمرة و بابك و عمورية و المازيار و جعفر الكردي و الحسن بن خيلويه و الحوف بمصر.

و كتب عبد اللّه بن المعتز إلى بعض إخوانه يذكر سرمرى بعد خرابها و يذم بغداد و أهلها: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكّانها، و أقعد جدرانها.

فشاهد اليأس فيها ينطق، و حبل الرجاء فيها يقصر. فكأن عمرانها يطوى، و كأن خرابها ينشر. قد وكلت إلى الهجر نواحيها و حث باقيها إلى فانيها. و تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حق جوار. فالظاعن عنها ممحوّ الأثر، و المقيم بها على طرف سفر. نهاره إرجاف، و سروره أحلام. ليس له زاد فيرحل، و لا مرعى فيربع.

فحالها تصف للعيون الشكوى، و تسير إلى ذم الدنيا. بعد ما كانت بالمرأى جنة الأرض و قرار الملك، تفيض بالجنود أقطارها، عليهم أردية السيوف و غلائل الحديد. كأن رماحهم قرون الوعول، و دروعهم زبد السيول. على خيل تأكل الأرض بحوافرها، و تمدّ بالنقع ستائرها. قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف البرق، و أمسكها تحجيل كأسورة اللجين. و قرّطت عذرا كالشنوف. في جيش تتلقف الأعداء أوائله و لم تنهض أواخره. قد صب عليه ذمار الصبر، و هبت له ريح النصر. يصرّفه ملك يملأ العين جمالا و القلوب جلالا. لا تختلف مخيلته و لا تنقض [76 ب‏] مريرته. و لا يخطئ بسهم الرأي غرض الصواب، و لا يقطع بمطايا اللهو سفر الشباب. قابضا بيد السياسة على أقطار ملك لا ينتشر حبله، و لا تتشظى عصاه، و لا تطفى جمرته في سن شباب لم يجن مأثما، و شيب لم يراهق هرما. قد فرش مهاد عدله، و خفض جناح رحمته. راجما بالعواقب [الظنون‏] (1).

لا يطيش عن قلب فاضل الحزم بعد العزم. ساعيا على الحق يعمل به. عارفا بالله يقصد إليه. مقرّا للحلم و يبذله. قادرا على العقاب و يعدل فيه. إذ الناس في دهر غافل قد اطمأنت بهم سيرة لينة الحواشي خشنة المرام، تطير بها أجنحة السرور، و يهب فيها نسيم الحبور، فالأطراق على مسرّة و النظر إلى مبرّة. قبل أن تخبّ مطايا

____________

(1) تكملة من ياقوت (سامراء).

376

الغير، و تسفر وجوه الحذر. و ما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه و يغدر غده.

على أنها و إن جفيت، معشوقة السكنى، رحيبة المثوى. كوكبها يقظان، وجوها عريان. و حصاها جوهر و نسيمها معطّر. [و ترابها مسك أذفر، و يومها غداة و ليلها سحر] (1) و طعامها هني‏ء، و شرابها مري‏ء، و تاجرها مالك، و فقيرها فاتك، لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة الهواء. جوّها نار، و أرضها خبار. و ماؤها حميم و ترابها سرجين. و حيطانها نزوز، و تشرينها تموز. فكم في شمسها من محترق، و في ظلها من عرق. ضيقة الديار، قاسية الجوار. ساطعة الدخان، قليلة الضيفان. أهلها ذئاب، و كلامهم سباب. و سائلهم محروم، و مالهم مكتوم. لا يجوز إنفاقه، و لا يحلّ خناقه. و حشوشهم مسائل، و طرقهم مزابل. و حيطانهم اخصاص، و بيوتهم أقفاص. و لكل مكروه أجل، و للبقاع دول. و الدهر يسير بالمقيم، و يخرج البؤس بالنعيم. و بعد اللجاجة انتهاء و الهمّ إلى فرجة. و لكل سائلة قرار. و بالله أستعين و هو محمود على كل حال.

و في خراب سرمرى يقول ابن المعتز:

غدت سرّمرى في العفاء كأنها* * * قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل‏

و أصبح أهلوها شبيها بحالها* * * لما نسجتهم من جنوب و شمال‏

إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حاله‏* * * يقولون لا تهلك أسى و تجمّل‏

[77 أ].

____________

(1) تكملة من ياقوت (سامراء).

377

القول في السواد و صفته و أعلام حدوده و كوره و طساسيجه و سبب مساحة الأرض و تقدير خراجه و طوله و عرضه‏

قال المدائني: السواد عشر كور، و هو من لدن القادسية إلى أول حدّ الجبل دون حلوان.

و السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادّا مع الماء إلى ساحل البحر إلى بلاد عبادان من شرقي دجلة. هذا طوله.

فأما عرضه: فحد منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بأرض العذيب. فهذه حدود السواد و عليها وضع الخراج.

و قال الأصمعي: السواد سوادان. فسواد البصرة، الأهواز و دستميسان و فارس. و سواد الكوفة، كسكر إلى الزاب و حلوان إلى القادسية.

و قال أبو معشر: إن الكلدانيين هم الذين كانوا ينزلون بابل في الزمان الأول.

و يقال: إن أول من سكنها و عمرها، نوح (عليه السلام). و ذلك أنه نزلها بعقب الطوفان. فصار هو و من خرج معه من السفينة إليها لطلب الرفاء. فأقاموا بها و تناسلوا فيها و كثروا من بعد نوح و ملكوا عليهم ملوكا و ابتنوا بها المدائن و اتصلت مساكنهم بدجلة و الفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، و من الفرات إلى ما وراء الكوفة. و موضعهم هو الذي يقال له السواد. و كانت ملوكهم تنزل بابل.

378

و كان الكلدانيون جنودهم. فلم تزل مملكتهم قائمة إلى أن قتل دار آخر ملوكهم.

ثم قتل منهم خلقا فذلّوا و انقطع ملكهم.

و ذكر ابن الكلبي: ان مدينة بابل كانت اثني عشر فرسخا في مثل ذلك. و كان بابها مما يلي الكوفة. و كان الفرات يجري ببابل حتى صرفه بخت نصر إلى موضعه الآن مخافة أن يهدم عليه سور المدينة لأنه كان يجري معه.

قال: و مدينة بابل بناها بيوراسب و اشتق اسمها من اسم المشتري. لأن بابل باللسان البابلي الأول اسم للمشتري. و لما بناها جمع فيها كل من قدر عليه من العلماء و بنى لهم اثني عشر قصرا على عدد [77 ب‏] البروج و سماها بأسمائهم.

فلم تزل عامرة حتى خرج الإسكندر فأخربها.

و قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ‏. فروي عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بشي‏ء من الأعاجيب إلّا مضى حتى ينظر إليه. و انه صار إلى حضرموت حتى نظر إلى بئر برهوت، و أتى بابل فلقيه رجل من رؤساء أهلها كان عارفا به. فلما لقيه أكبره و قال له: أبا الحجاج ما تصنع هاهنا؟

قال حاجة لي إلى رأس الجالوت، أحب أن تدخلني إليه و تعرّفه من أنا. فأدخله إليه و عرّفه محلّه و موضعه و قال: له حاجة إليك. قال و ما حاجتك؟ قال: تأمر بعض اليهود أن يريني هاروت و ماروت. فامتنع عليه طويلا ثم قال له: أخشى أن لا تتماسك. قال: أرجو أن لا يكون إلّا ما تحب. فأرسل إلى رجل من اليهود فقال: اذهب بهذا فأدخله إلى هاروت و ماروت. فقال له اليهودي: كيف تجد قلبك؟ قال: ما شئت. فانطلق به إلى مكان غامض في الصحراء، و إذا صخرة عظيمة. فتكلم عليها كلاما ذكر أنه من التوراة، فأقبلت تهتز. ثم رفعها و أزالها عن مكانها. و كانت لا يقلّها مائة رجل. و إذا تحتها شبيه بالسرب. فقال له اليهودي:

تعلق بي و انظر أن لا تذكر اللّه. فنزل معه مجاهد، فلم يزل يهوي به حتى صارا إلى فضاء عظيم. و إذا هما مثل الجبلين العظيمين، منكوسان على رؤوسهما و عليهما الحديد من أعناقهما إلى أقدامهما مصفدين. فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر اللّه عزّ و جلّ. فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا أن يقطعا ما عليهما من‏

379

الحديد، و خر اليهودي و مجاهد على وجوههما وقتا طويلا ثم أفاقا. فقال اليهودي لمجاهد: أ لم أتقدم إليك أن لا تذكر اللّه؟ كدنا و الله أن نهلك و لا نقدر على الخروج. فتعلق به مجاهد، فلم يزل يصعد به حتى خرجا إلى الأرض.

و يقال إن عمر بن الخطاب سأل دهقان الفلوجة عن عجائب بلادهم فقال:

كان بها [عجائب‏] (1) بجميع مدنها في كل مدينة أعجوبة ليست في [78 أ] الأخرى. فكان في المدينة التي ينزلها الملك بيت فيه صورة الأرض كلها برساتيقها و قراها و أنهارها. فمتى التوى بحمل الخراج أو غيره أهل بلد من جميع البلدان، خرق أنهارهم فغرقتهم و أتلفت زروعهم و جميع ما في بلدهم حتى يرجعوا عمّا همّوا به. ثم يسدّ بإصبعه تلك الأنهار فتنسد في بلدهم.

و في المدينة الثانية حوض عظيم. فإذا جمعهم الملك لحضور مائدته، حمل كل رجل ممن يحضر من منزله شرابا يختاره ثم صبه في ذلك الحوض. فإذا جلسوا على الشرب شرب كل واحد شرابه الذي حمله من منزله.

و في المدينة الثالثة طبل معلق على بابها فإذا غاب من أهلها إنسان و خفي أمره على أهله، و أحبوا أن يعلموا أ حيّ أم ميت، ضربوا ذلك الطبل. فإن سمعوا له صوتا، فإن الرجل حي. و إن لم يسمعوا صوتا فإن الرجل قد مات.

و في المدينة الرابعة مرآة من حديد، فإذا غاب الرجل عن أهله فأحبوا أن يعرفوا خبره على صحته، أتوا تلك المرآة فنظروا فيها فيرونه على الحال التي هو فيها.

و في المدينة الخامسة اوزّة من نحاس على عمود من نحاس منصوب على باب المدينة فإذا دخلها جاسوس صوتت الأوزة بصوت يسمعه سائر أهل المدينة فيعلمون أن قد دخلها جاسوس.

و في المدينة السادسة قاضيان جالسان على الماء. فإذا تقدم إليهما الخصمان و جلسا بين أيديهما غاص المبطل منهما في الماء و ثبت المحق.

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

380

و في المدينة السابعة شجرة من نحاس ضخمة كثيرة الغصون لا تظل ساقها.

فإذا جلس تحتها واحد أظلّته إلى ألف نفس، فإنها تظلهم كلهم. فإذا زادوا على ألف صاروا كلهم في الشمس.

و قال يزيد بن عمر الفارسي: كانت ملوك الفرس تعد السواد اثني عشر استانا و تحسبه ستين طسوجا و تفسير الاستان إجارة و ترجمة الطسوج: ناحية. و كان الملك من ملوكهم إذا عني بحيّز من الأرض عبره و سماه باسمه.

و كانوا ينزلون [78 ب‏] السواد لما جمع اللّه في أرضه من مرافق الخيرات و ما يوجد فيها من غضارة العيش و خصب المحل و طيب المستقر، و لما ينصب إليها من مواد الأطراف و منافعها و سعة ميرها من أطعمتها و أدواتها و أمتعتها و عطرها و لطيف صناعاتها. و كانوا يشبّهون السواد بالقلب و سائر الدنيا بالبدن، و لذلك سموه: دل إيرانشهر، أي قلب إيرانشهر. و إيرانشهر: الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. و إنما سموه بذلك لأن الآراء تتشعب عن أهله بصحة الفكر و الروية كما تتشعب من القلب بدقائق العلوم و لطائف الآداب و الأحكام الكتابية.

فأمّا ما حولها من البلاد فأهلها يستعملون أطرافهم بالمباشرة و العلاج. و خصب بلاد إيرانشهر بسهولة. لا عوائق فيها و لا شواهق تشينها و لا مفاوز موحشة و لا براري منقطعة عن تواصل العمارة و الأنهار المطردة في رساتيقها و بين قراها. مع قلة جبالها و آكامها و تكاثف عمارتها و كثرة أصناف غلاتها و ثمارها. و التفاف أشجارها و عذوبة مائها و صفو هوائها و طيب تربتها مع اعتدال طينتها و توسط مزاجها و كثرة أجناس الصيد في ظلال شجرها و بين عشبها، و خلال زهرتها. من طائر [بجناح‏] و ماش على ظلف و سابح في البحر. امنه مما ينال البلدان من غارات الأعداء و بوائق المخالفين. مع ما خصت به من الرافدين دجلة و الفرات. إذ هما مادان لا ينقطعان شتاء و لا صيفا على بعد منابعهما و نزوح مبتدأهما. [فإنه‏] (1) لا ينتفع منهما بكثير عمارة حتى يدخلاها فيسيح ماؤهما في جنباتها و ينبطح بين‏

____________

(1) تكملة من ياقوت (السواد).

381

رساتيقها، فتأخذ صفوه و عذوبته و ترسل كدره و أجنه [إلى البحر] (1). هذا قليل من كثير وصفها و يسير من نعت جليلها.

قالوا: و أول طول السواد على ما حدّته ملوك فارس من قرية تعرف بالعلث على حدّ طسوج بزرجسابور من شرقي دجلة. و قرية في غربي دجلة مقابلتها تجري على حد طسوج مسكن. بينهما عرض دجلة إلى آخر الكورة المعروفة [79 أ] ببهمن أردشير. و هي فرات البصرة إلى جزيرة منها متصلة بالبحر تعرف بميان روذان. و هو مائة فرسخ و خمسة و عشرون فرسخا، و عرضه من عقبه حلوان إلى أن ينتهي إلى العذيب. و ذلك ثمانون فرسخا يكون جملة ذلك مكسرا عشرة ألف فرسخ. و الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة. يكون بالذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع و هو مائة و خمسون أشلا. يكون ذلك في مثله اثنين و عشرين ألفا و خمسمائة جريب. هذا لكل فرسخ. فإذا ضربت في عشرة آلاف، بلغت مائتي ألف ألف و عشرين ألف جريب. يسقط منها بالتخمين، آكامها و آجامها و سباخها و مجاري أنهارها و مواضع مدنها و قراها و مدى ما بين طرقها الثلاث. فيبقى مائة ألف ألف و خمسون ألف ألف جريب. يراح منها النصف و يعمر النصف على ما فيها من الكرم و النخل و الشجر و العمارة الدائمة المتصلة، فيقع التخمين بالتقريب على كل جريب، قيمة ما يلزمه للخراج درهمان و ذلك أقل من العشر على أن يضرب بعض ما يوجد فيها من أصناف الغلات ببعض سوى خراج أهل الذمة و سوى الصدقة. فإن ذلك لا يدخل في الخراج. فيبلغ ذلك مائة ألف ألف و خمسين ألف ألف درهم مثاقيل.

و كانت غلات السواد تجري على المقاسمة في أيام ملوك فارس إلى أن ملك قباد بن فيروز فإنه مسحه و جعل على أهله الخراج. و كان السبب في ذلك أنه خرج ذات يوم متصيدا فانفرد من أصحابه في اتباع صيد طرده حتى و غل في شجر ملتف و غاب الصيد الذي تبعه عن بصره. فقصد إلى رابية يتشرّف عليها، فإذا تحت الرابية قرية كبيرة. و نظر إلى بستان قريب منه فيه نخل و رمان و غير ذلك من أصناف‏

____________

(1) تكملة من ياقوت (السواد).

382

الشجر، و إذا امرأة واقفة على تنور تخبز و معها صبي لها كلما غفلت عنه مضى إلى شجرة رمان مثمر ليتناول من رمانها و هي تمنعه من [79 ب‏] ذلك و لا تتركه يأخذ شيئا منه. فلم تزل كذلك حتى فرغت من خبزها و جميع ما هي و الصبي فيه بمشهد من الملك. فلما لحقه أصحابه و وزراؤه قصّ‏ (1) عليهم ما رأى من المرأة و الصبي و وجّه إليها من سألها عن السبب الذي لأجله منعت ولدها أن يتناول شيئا من الرمان. فقالت: إن للملك فيه حصة و لم يأتنا المستأدون‏ (2) بعد لقبضها و هي أمانة في أعناقنا لا يجوز أن نخونها و لا نتناول من جميع ما تحت أيدينا شيئا حتى يأخذ الملك حقه. فلما سمع قباد قولها أدركته الرقة عليها و على الرعية و قال لوزرائه:

إن الرعية في شدة شديدة و سوء حال بما في أيديهم من غلاتهم لأنهم ممنوعون من الانتفاع بشي‏ء من ذلك حتى يرد عليهم من يأخذ حقنا منهم. فهل عندكم حيلة نفرّج بها عنهم ما هم فيه؟ فقال بعض وزرائه: نعم. يأمر الملك بالمساحة عليهم و يلزم كل جريب من كل صنف بقدر ما يخص الملك من الغلة ليؤدوا ذلك إليه، و يطلق أيديهم في غلاتهم. و يكون ذلك على قرب مخارج المير و بعدها من الممتارين. فأمر قباد بمساحة السواد و الزم الرعية الخراج بعد حطيطة النفقة و المؤونة على العمارة و النفقة على كري الأنهار و سقاية الماء و إصلاح البريدات و ان جميع ذلك على بيت المال. فبلغ خراج السواد في تلك السنة مائة ألف ألف و خمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس و دعوا للملك بطول البقاء لما نالهم من العدل و الرفاهية.

و كان‏ (3) أول ما يعدّ من السواد، كورة استان خسروشاد فيروز، و هي كورة حلوان، خمسة طساسيج، طسوج فيروز قباذ. طسوج الجبل. طسوج تامرا.

طسوج أربل. طسوج خانقين الشرقي.

سقي دجلة و تامرا:

____________

(1) في الأصل: قبض.

(2) في ياقوت (السواد) المأذون.

(3) يبدأ من هنا التطابق مع ما لدى ابن خرداذبه ص 6.

383

كورة استان شادهرمز، سبعة طساسيج: طسوج بزرجسابور. طسوج نهر بوق. طسوج [80 أ] كلواذى و نهر بين. طسوج جازر. طسوج المدينة العتيقة.

طسوج راذان الأعلى و الأسفل.

كورة استان قباذ: ثمانية طساسيج: طسوج روستقباد. طسوج مهروذ.

طسوج سلسل. طسوج جلولاء و جللتا (1). طسوج الذنبين. طسوج البندنيجين.

طسوج براز الروز. طسوج الدسكرة و الرساتيق‏ (2).

كورة استان بازيجان‏ (3): خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى. طسوج النهروان الأوسط. طسوج بادريا. طسوج باكسايا (4).

سقي دجلة و الفرات:

كورة استان شاذ شابور- و هي كسكر- أربعة طساسيج: طسوج الزندرود.

طسوج البربون‏ (5). طسوج الاستان. طسوج الجواذر.

كورة استان شاذ بهمن- و هي كورة دجلة- أربعة طساسيج: طسوج بهمن أردشير. طسوج ميسان. طسوج دستميسان و هو الأبلّة. قال غيلان بن سلمة الثقفي:

ظلّت تحيد من الدجاج و صوته‏* * * و صريف باب بالأبلّة مغلق‏

و طسوج ابرقباذ.

و خراج كور دجلة ثمانية ألف ألف درهم و خمسمائة ألف درهم.

سقي الفرات و دجيل:

كورة استان الكاليا، أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور و هو الأنبار.

و طسوج مسكن. قال ابن قيس الرقيات:

____________

(1) في الأصل: جلولاء و جلولاء.

(2) ابن خرداذبه 6: الرستاقين.

(3) ابن خرداذبه 6: بازيجان خسرو.

(4) هنا أربعة طساسيج بينما هي لدى ابن خرداذبه إضافة إلى ما ذكر أعلاه: طسوج النهروان الأسفل. طسوج إسكاف بني جنيد و نحوها. طسوج بادرايا. طسوج باكسايا.

(5) كذا في الأصل و هي لدى ابن خرداذبه: الثرثور.

384

إن الرزية يوم مسكن و المصيبة و الفجيعة.

و طسوج قطربل. و طسوج بادوريا.

كورة استان أردشير بابكان، خمسة طساسيج: طسوج بهرسير. طسوج الرومقان. طسوج كوثر (1). طسوج نهر درقيط. طسوج نهر جوبر.

كور استان رونق ماسيان‏ (2)- و هي الزوابي- ثلاثة طساسيج: طسوج الزاب الأعلى. طسوج الزاب الأوسط. طسوج الزاب الأسفل‏ (3).

كورة بهقباذ الأوسط، أربعة طساسيج: طسوج الحبة [80 ب‏] و البداة.

طسوج سوراء و برسيما. طسوج باروسيما. طسوج الملك.

كورة استان بهقباد الأسفل، خمسة طساسيج: طسوج تستر. طسوج فرات بادقلى. طسوج السيلحين. طسوج روذستان. طسوج هرمز جرد (4).

____________

(1) ابن خرداذبه 8: كوثى.

(2) ابن خرداذبه 8: كورة استان به‏ذيوماسفان.

(3) يوجد لدى ابن خرداذبه هنا: كورة استان بهقباذ الأعلى و هي ستة طساسيج: طسوج بابل، طسوج خطرنية، طسوج الفلوجة العليا، طسوج الفلوجة السفلى، طسوج النهرين، طسوج عين التمر.

(4) توجد بعض الاختلافات مع ما هو موجود لدى ابن خرداذبه.

385

تقدير السواد (1)

الجانب الغربي، سقي دجلة و الفرات:

اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق الأنبار/ 5/ 250/ 2300 كرّ/ 1400 كرّ/ 350000 قطربل/ 10/ 220/ 2000 كرّ/ 1000 كر/ 300000 درهم مسكن/ 6/ 150/ 3000 كرّ/ 1000 كر/ 150000 درهم بادوريا/ 10/ 420/ 3500 كرّ/ 2000 كرّ/ 100000 درهم بهرسير 10/ 140/ 1700 كر/ 1700 كر/ 150000 درهم الرومقان/ 10/ 240/ 1300 كر/ 3050 كر/ 500040 درهم كوثى/ 9/ 210/ 3000 كر/ 2000 كر/ 150000 درهم نهر درقيط/ 8/ 125/ 2000 كر/ 1000 كر/ 200000 درهم نهر جوبر/ 10/ 226/ 2700 كر/ 10000 كر/ 150000 درهم كورة الزوابي 3 طساسيج/ 12/ 244/ 1400 كر/ 7200 كر/ 1000000 درهم بابل و خطرنية/ 12 3700/ 3000 كر/ 5000 كر/ 350000 درهم الفلوجة العليا 15/ 240/ 500 كر/ 500 كر/ 70000 درهم الفلوجة السفلى/ 6/ 92/ 2000 كر/ 3000 كر/ 180000 درهم طسوج النهرين 3/ 181/ 300 كر/ 400 كر/ 45000 درهم عين التمر/ 3/ 14/ 300 كر/ 400 كر/ 45000 درهم الجبة و البداه 8/ 71/ 1200 كر/ 1600 كر/ 150000 درهم سوراء و برسيما 10/ 250/ 700 كر/ 1400 كر/ 100000 درهم‏

____________

(1) توجد قائمة تقدير السواد هذه بكاملها لدى ابن خرداذبه 8- 14 و قد رسمناها بهيئة جداول تسهيلا للمطالعة و هي في الأصل ليست كذلك.

نشير إلى وجود بعض الاختلافات في أرقام كميات المحاصل بين ابن الفقيه و ابن خرداذبه لعل سببها سهو النسّاخ. إضافة إلى اختلافات في طساسيج الجانب الشرقي.

386

اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق باروسما و نهر الملك/ 10/ 664/ 1500 كر/ 4500 كر/ 250000 درهم السيبان و الموقوف:

ضياع جمعت من عدة طساسيج و صيرت ضيعة واحدة.

فهي أعظم قدرا من طسوجين و تقديرا لعشرة منها./ 500 كر 5500 كر/ 150000 درهم [81 ب‏] فرات بادقلى 10/ 271/ 2000 كر/ 1500 كر/ 900000 درهم السيلحين و فيه الخورنق و طيزناباذ/ 34/ 1000 كر 1500 كر/ 140000 درهم روزمستان و هرمزجرد/ 500 كر/ 10000 درهم تستر 7/ 163/ 1250 كر/ الشعير و الأرز 1000 كر/ 3000000 درهم ايغار يقطين من عدة طساسيج/ 204840 درهم سقي دجلة و الفرات:

كور كسكر و منها:

نهر الصلة و برقة و الريّان و كان يرتفع من خراجها و سائر أبواب مالها سبعون ألف درهم/ 3000 كر/ الشعير و الأرز 20000 كر/ 200000 درهم‏

387

الجانب الشرقي:

اسم الطسوج/ عدد الرساتيق/ عدد البيادر/ كمية الحنطة/ كمية الشعير/ الورق بزرجسابور/ 9/ 260/ 2500 كر/ 2000 كر/ 300000 درهم الراذانين 16/ 362/ 4800 كر/ 1000 كر/ 100000 درهم طسوجا كلواذى و نهربين 3/ 34 1600 كر/ 1500 كر/ 1030 درهم [82 أ] طسوجا جازر و المدينة العتيقة 7/ 118/ 1000 كر/ 1500 كر/ 170000 درهم طسوجا مهرود و سلسل/ 2000 كر/ 2500 كر/ 250000 درهم جلولاء و جلولاء/ 5/ 66/ 1000 كر/ 1000 كر/ 100000 درهم الذنبين 4/ 230/ 700 كر/ 1300 كر/ 40000 درهم الدسكرة و الرساتيق 7/ 44 2000 كر/ 2000 كر/ 70000 درهم براز الروز/ 7/ 86/ 3000 كر/ 5000 كر/ 120000 درهم البندنيجين 5/ 54/ 600 كر/ 500 كر/ 100000 درهم النهروانات 21/ 380 أ- النهروان الأعلى/ 2700 كر/ 1800 كر/ 350000 درهم ب- النهروان الأوسط/ 1000 كر/ 500 كر/ 100000 درهم ج- النهروان الأسفل 1000 كر/ 1100 كر/ 150000 درهم بادرايا و باكسايا/ 4700 كر/ 5000 كر/ 330000 درهم‏

[82 ب‏] كور استان شاد فيروز. و هي حلوان و وظيفتها مع الجابارقة و غيرهم من الأكراد [من الورق‏] ألف ألف و ثمانمائة ألف‏

388

درهم‏ (1).

و كانت هيت و عانات مضافة إلى طسوج الأنبار. فلما ملك أنوشروان بلغه أن طوائف من الأعراب يعبرون على ما قرب من السواد إلى البادية. فأمر بتجديد سور مدينة تعرف بالليس‏ (2) كان شابور ذو الأكتاف بناها و جعلها مسلحة لحفظ ما قرب من البادية. و أمر بحفر خندق من هيت يشق طفّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة و ينفذ إلى البحر. و بنى عليه المناظر و الجواسق و نظّمه بالمسالح ليكون ذلك مانعا لأهل البادية عن السواد. فخرجت هيت و عانات بسبب ذلك السور عن طسوج شادفيروزان، لأن عانات كانت قرى مضمومة إلى هيت.

و وجد في بعض كتب الفرس أن ملوك الأرض قسموا الأرض أربعة أجزاء فجزء منها مغارب الهند و أرض الترك إلى مشارق الروم. و جزء منها الروم و مغاربها و أرض القبط و البربر. و جزء منها أرض السودان و هو بين أرض البربر إلى الهند. و جزء منها من نهر بلخ إلى آذربيجان و ارمينية القادسية و إلى الفرات ثم برية العرب إلى عمان و إلى كرمان و أرض طبرستان و إلى كابل و طخارستان، و هي الأرض التي سمتها الفرس بلاد الخاضعين. و هذا الجزء هو صفوة الأرض و وسطها لا يلحقه عيب و لا يناله تقصير. و لذلك اعتدلت ألوان أهله و اقتدرت أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم و الصقالبة، و سواد الحبشة و الزنج، و غلظ الترك، و دمامة الصين. و اجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، و كل‏ (3) ما اعتدلوا في الحلية كذلك لطفوا في الفطنة و التمسك بمحاسن الأمور و شريف الأخلاق.

و لم تزل طساسيج [83 أ] السواد على العدة التي ذكرنا حتى قدم الحجاج بن يوسف واليا على العراق، و كان كاتبه القادم معه و المتولي لأمره، صالح بن عبد الرحمن. فقال له الحجاج: التمس كاتبا ناصحا من الفرس عالما بكتابتهم يعمل الحساب. فوجد رجلا يقال له زاذانفروخ بن بيري فقلّده أمر الديوان. فلم يكن‏

____________

(1) إلى هنا ينتهي التطابق بين ابن الفقيه و ابن خرداذبه و ما بين عضادتين هو من ابن خرداذبه.

(2) ياقوت 1: 595 (مادة عانة): ألوس.

(3) يبدو أن صوابها: و كما.

389

صالح و أصحابه يهتدون إلى العمل. و كان زاذانفروخ و كتّابه يعملون الحساب بالفارسية، فشكا صالح ذلك إلى الحجاج و عرّفه أنه في غير شي‏ء مع زاذانفروخ.

فأمر الحجاج زاذانفروخ أن يتجشم له نقل الدواوين من اللسان الفارسي إلى اللسان العربي، ففعل ذلك و ميّز النواحي و كوّر الكور. فرسم طساسيج السواد. فكان ما رسم من ذلك أن جعل السواد عشر كور. كل كورة استان و طساسيجه ستون طسوجا. و قد ذكرنا ذلك في موضعه. فلما فعل هذا و نقله إلى العربية، تصرف صالح و أصحابه فيه و وقفوا عليه.

و كان بناحية كسكر مدينة عظيمة كثيرة الأهل، فخرج أهلها في الزمن الأول حذرا من الطاعون إلى بعض المواضع، فهلكوا كلهم و خربت و بقي فيها بيت أصنامهم، فبنته النصارى عمرا و سمته بنينس. و رسوم هذه المدينة و آثار سورها ثابت إلى اليوم و لم يدرس.

و من ذلك خسرو شابور و ساباط بناهما شابور.

و من ذلك شهراباد و هي مدينة إبراهيم الخليل (عليه السلام). و كانت مدينة عظيمة جليلة القدر راكبة البحر. فنضب البحر عنها و انحبس ماؤه، فبطلت.

و موضع مجراه و سمته معروف إلى اليوم.

قال: و كانت بالقرب منها أيضا مدينة كبيرة جليلة تسمى شالها. فخربتها إياد لأنها كانت تغير عليها. و يقال إن إيادا و غيرهم من العرب غلبوا عليها و ملكوها في أيام سابور و خلعوا [83 ب‏] طاعته و نابذوه الحرب، و انتصروا بملك الروم و أطمعوه في مملكة فارس فأمدّهم بمراكب في البحر فيها مقاتلة، و اتصل الخبر بسابور فرحل إليها و أقام عليها حتى فتحها فقتل فيها مائتي ألف رجل و أخربها و جمع النساء و الذراري و المشايخ فأسكنهم مدينة بناها يقال لها الهفّة و نهى الرعية عن مخالطتهم و مناكحتهم. و تقدم أن لا تدخل العرب من البدو إلى الحضر فمن دخل بغير جواز قتل.

قال: و كل من سخط عليه ملوك فارس نفته إلى هذه المدينة و وسمتها بالنفي‏

390

و اللعن. و سمتها النبط هفاطرناي. و آثار سورها بينة لم تدرس. و كان بقربها أيضا عدة مدن منها دورى الزندورد. و فيها الليس و منها دار سابور و الهكة و الهعة التي بناها سابور و جعلها لمن ينفى.

و يقال: إن حدّ كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقي النهروان إلى أن يصب في البحر. و ان المبارك و عبدسي و المذار. و تعيا و ميسان و دستميسان و آجام البريد من كسكر. و ان العرب فرقتها حيث مصرّت البصرة و كذلك إسكاف العليا و السفلى و نفر و سمر و بهندف و قرقوب. كل هذا منها.

و قال المدائني: أول من مسح الأرض و وضع الدواوين و حدّ حدود الخراج و الوظائف، قباذ. فصيّر ديوان الخراج بحلوان و سماه ديوان العدل. فكان كل شي‏ء يجبى في مملكة الفرس من السواد مائة ألف ألف درهم مثاقيل. و ذلك أن الملك كان يأخذ نصف الخراج و يترك النصف للناس فتصلح أحوالهم. إلى أن كانت أيام قباذ فإنه جبى السواد مائة ألف ألف و خمسين ألف ألف مثاقيل.

و أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن يمسح السواد و طوله من العلث في الجانب الشرقي و من حربى في الجانب الغربي مادا إلى عبادان‏ (1). و هو مائة و عشرون فرسخا، و عرضه [84 أ] من عقبة حلوان إلى العذيب، و هو ثمانون فرسخا. فكان ذلك بعد أن أخرج عنه الجبال و الأودية و الأنهار و مواضع المدن و القرى، ستة و ثلاثين ألف ألف جريب. فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، و على جريب الشعير درهمين، و على جريب النخل ثمانية دراهم. و على جريب الكرم و الرطاب ستة دراهم. و ختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، و جعلها طبقات: الطبقة العالية، ثمانية و أربعون درهما. و الوسطى أربعة عشرون درهما.

و السفلى اثنا عشر درهما. فجبى السواد مائة ألف ألف و ثمانية و عشرين ألف درهم.

____________

(1) في الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص 204 (أوله في شرقي دجلة: العلث- و عن غربيها حربى- ثم يمتد إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان).

391

و جباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف و أربعة و عشرين ألف ألف درهم.

و جباه الحجاج بن يوسف على غشمه و ظلمه و عسفه و خرقه ثمانية عشر ألف ألف.

فقط: و أسلف الفلاحين للعمارة ألفي ألف. فحصل له ستة عشر ألف ألف. و منع أهل السواد لما شكوا إليه خراب بلدهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال الشاعر:

شكونا إليه خراب السواد* * * فحرّم جهلا لحوم البقر

و كان خراج العراق أيام زياد مائة ألف ألف و خمسة و عشرين ألف ألف درهم. و أيام عبيد اللّه بن زياد أكثر منه أيام زياد بعشرين ألف ألف. و كان في أيام ابن هبيرة مائة ألف ألف سوى طعام الجند و أرزاق الفعلة الذين يكونون في العسكر.

و أحصى كسرى أبرويز خراج مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه، أربعمائة ألف ألف و عشرون ألف ألف درهم. ثم زاد خراجه بعد ذلك.

و ذكر بعض كتاب الفرس: إن العراق كان يجبى في أيام أنوشروان‏ (1) ستمائة ألف ألف مثقال. و زعم أنه جبي في آخر أيام أبرويز تسعمائة ألف ألف مثقال و ترك في أيدي الناس [84 ب‏] كلهم من جميع غلّاتهم مائة ألف ألف. فهلك الناس حتى ان الجارية النفيسة كانت تباع بدرهم.

و جبى بعض أمراء خراسان خراسان ثمانية و عشرين ألف ألف مثقال.

و جبى الجنيد بن عبد الرحمن أرض الهند خمسة و عشرين ألف ألف مثقال.

و كانت جباية البصرة خمسة و سبعين ألف ألف درهم.

و أرض الكوفة خمسة و عشرين ألف ألف درهم.

و كان يوسف بن عمر الثقفي يحمل من خراج العراق ما بين ستين ألف ألف و سبعين ألف ألف. و يحتسب بعطاء من قبله من جند الشام بستة عشر ألف ألف‏

____________

(1) المعلومات المتعلقة بجباية السواد أعلاه موجودة لدى ابن خرداذبه 14- 15 باستثناء المعلومات المتعلقة بجبايته على عهد زياد و ابن عبيد اللّه و ابن هبيرة.

392

و في نفقة البريد أربعة ألف ألف و في الطراز ألفي ألف. و في الطراز ألفي ألف.

و يبقى في بيت المال للأحداث و البوائق عشرة ألف ألف درهم.

و قال المدائني: كانت ميسان و دستميسان في ديوان حلوان من تعديل قباد تؤدي أربعة ألف ألف. و ابر قباد تسعة ألف ألف. و كان يؤخذ من البر و الشعير و الأرز الخمس و لا يؤخذ من سائر الحبوب شي‏ء. و كان يؤخذ من كل أربع و عشرين نخلة درهم. و من كل سبعة عشر فارسي درهم.

و قال بعض الجلساء سمعت المعتز يقول لأحمد بن إسرائيل: يا أحمد! كم خراج الروم؟ فقال: يا أمير المؤمنين! خرجنا مع جدك المعتصم في غزاته. فلما توسطنا بلد الروم، صار إلينا بسيل الخرشني و كان على خراج الروم. فسأله محمد بن عبد الملك عن مبلغ خراج بلدهم، فقال: خمسمائة قنطار و كذا و كذا قنطار. قال: فحسبنا ذلك، فإذا هو أقل من ثلاثة ألف ألف دينار. فقال المعتصم:

اكتب إلى ملك الروم اني سألت صاحبك عن خراج أرضك فذكر أنه كذا و كذا، و أخس ناحية في مملكتي خراجها أكثر من خراج أرضك، فكيف تنابذني و هذا ارتفاع بلدك؟ فضحك المعتز و قال: من يلومني على حب أحمد بن إسرائيل، ما سألته قط عن شي‏ء إلّا جاءني بقصة.

و قال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: قال السواد ألف ألف ألف درهم [85 أ] ما نقص مما في يد السلطان منه، فهو في يد الرعية. و ما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان.

و قال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس كورة أهلها أقوى من أهل كورتين:

كورة سهلية و كورة جبلية. أما السهلية فكسكر و أما الجبلية فأصبهان. و كان خراج كل واحدة منهما اثني عشر ألف ألف مثقال.

و لم يكن بالعراق كورة مثل جوخى. كان خراجها ثمانين ألف ألف درهم حتى صرفت دجلة عن جوخى فخربت و أصابهم بعد ذلك طاعون شيرويه فأتى‏

393

عليهم. و لم يزل السواد في ادبار منذ كان طاعون شيرويه. و لم تزل فارس في ادبار منذ كان ذلك الطاعون.

و كان المعروف بأبي الوزير الكاتب عمل تقديرا للدنيا و عرضه على يحيى بن خالد البرمكي في خلافة الهادي سنة سبعين و مائة. قال: أثمان الغلّات بالسواد ستة و ثمانين ألف ألف و سبعمائة ألف و ثمانين ألف درهم.

و من أبواب المال به أيضا أربعة ألف ألف و ثمانمائة ألف درهم و من الحلل البحرانية مائتا حلة. و من الطين الأسود الأنباري ما يفرق في الدواوين مائتان و أربعون حملا.

كسكر، من الورق أحد عشر ألف ألف و ستمائة ألف درهم.

كور دجلة: من الورق عشرون ألف ألف و ثمانمائة ألف درهم.

حلوان أربعة ألف ألف و ثمانمائة درهم.

الأهواز خمسة و عشرون ألف ألف درهم. و من صنوف السكّر ثلاثمائة ألف رطل.

فارس: سبعة و عشرون ألف ألف درهم. و من ماء الورد ثلاثمائة ألف قارورة. و من ماء الزبيب و الميبة و غير ذلك من الأشربة عشرون و مائة ألف رطل.

و من السفرجل مائة ألف سفرجلة. و من الرمان مثل ذلك. و من الزبيب الفارسي بالكر الهاشمي سبعة أكرار. و من السكنجبين، خمسة ألف رطل. و من الطين السيرافي خمسة ألف رطل.

كرمان: من الورق، أربعة ألف ألف و مائتا ألف درهم. و من الثياب البمية و الخبيصية [85 ب‏] و تسعون ألف دينار (1).

فلسطين: ثلاثمائة ألف و ستون ألف دينار.

و من جميع أجناد الشام: من الزيت خمسمائة ألف رطل. و من التفاح، مائتا

____________

(1) إما أن يكون هنا قطع في الحديث أو أن الواو زائدة.

394

ألف تفاحة. و من التين، عشرة ألف منّا. و من الخروب، ثلاثون ألف رطل.

مصر سوى تنيس و دمياط و الأشمونين فإن مال هذه الكورة مصروف إلى شري الخيل و النفقة على الطرز ثلاثة ألف ألف و تسعمائة ألف و أربعون ألف دينار.

و من أنواع الثياب الدبيقي و القصب و غير ذلك عشرون ألف ثوب.

الإسكندرية: ألف ألف و ثمانمائة ألف درهم.

برقة: ألف ألف درهم.

إفريقية: ثلاثة عشر ألف ألف درهم. و من البسط الكبار خمسمائة بساط و من الزيت مائة ألف مائة ألف رطل.

مكة و المدينة: ثلاثمائة ألف دينار و سبعون ألف دينار. و من التمر الصيحاني، ألف رطل. و من الصاح‏ (1) خمسين رطلا. السمن و العين ثمانمائة و سبعون ألف دينار. و من العنبر ثمانون رطلا. و من أصناف الحلل و غيرها من الثياب أربعة ألف ثوب. و من الورس خمسة ألف رطل. و من الزبيب خمسمائة قفيز.

اليمامة و البحرين و عمان و سيراف: من الورق ثلاثة ألف ألف درهم. و من الثياب الصحارية، خمسمائة ثوب و من التمر اليماني‏ (2) مائتا ألف رطل.

حوالي الكوفة و البصرة و مدينة السلام و ما بين الماصرين‏ (3): من الورق، ألف ألف و ثلاثمائة ألف و سبعون ألف درهم.

و لم يثبت في هذا التقدير قزوين لأنها تفرقت في الكور.

____________

(1) كذا في الأصل بدون تنقيط. أما الصيحاني فهو ضرب من تمر المدينة أسود صلب الممضغة (لسان العرب، صيح).

(2) لعلها: اليمامي.

(3) لعلها: ما بين المصرين.

395

القول في الأهواز

قال المغيرة بن سليمان: أرض الأهواز نحاس تنبت الذهب، و أرض البصرة تنبت النحاس.

قال ابن المقفع: أول سور وضع في الأرض بعد الطوفان سور السوس و تستر. و لا يدرى من بنى سور السوس و تستر و الأبلّة.

و قال ابن المنذر: السوس من بناء سام بن نوح. فأما تستر فبعض الناس [86 أ] يجعلها من الأهواز، و منهم من يجعلها من أرض البصرة.

و قال ابن عون مولى المسور: حضرت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قد اختصم إليه أهل الكوفة و أهل البصرة في تستر [و كانوا] حضروا فتحها. فقال أهل الكوفة: من أرضنا. و قال أهل البصرة: بل من أرضنا. فجعلها عمر من أرض البصرة.

و الأهواز هي سوق الأهواز و رامهرمز و ايذج و عسكر مكرم و تستر و جنديسابور و السوس و سرّق و نهر تيرى و مناذر (1).

و خراج الأهواز ثلاثون ألف ألف درهم. و كانت الفرس تقسط على خوزستان- و هي الأهواز- خمسين ألف ألف درهم مثاقيل.

و بنى سابور بالأهواز مدينتين، سمى أحدهما باسم اللّه تعالى، و الأخرى باسم نفسه و جمعهما باسم واحد و هي هرمزدارشير. و سمتها العرب سوق الأهواز.

____________

(1) ابن خرداذبه 42 (و سرق- و هي دورق- و نهر تيرى و مناذر الكبرى و مناذر الصغرى).

396

و بنى جنديسابور و كانت غيضة. فمرّ بها و اكار الحرث [يحرث‏] أرضا بالقرب منها. فقال له سابور: إني أريد أن أبني في هذا الموضع مدينة. فقال الأكار و كان شيخا كبيرا و كان اسمه بيل يعجب من قول: إن جاء مني كاتبا جاء في هذا الموضع مدينة (1). فقال شابور: و الله ما يتولى بناءها و النفقة عليها غيرك. ثم أمر بحمل الشيخ، فحمل و أمر بحلق رأسه و لحيته كي لا يشتغل عن التعليم، و ضمّ إليه معلما و أخذه بتعليمه. و أمر بقطع الخشب من الغيضة، فقطع.

و مهر الشيخ في الكتابة و حذقها و عرف جميع أمورها في سنة. فلما بلغ من ذلك غاية ما يحتاج إليه أدخله المعلم إلى سابور و عرّفه أمره و أنه قد بلغ النهاية في الكتابة. فضحك شابور و قال له: يا بيل! تعلمت الكتابة؟ قال: نعم. قال: اذهب.

فقد قلدتك نفقات المدينة. و أمره أن يقوم على الفعلة. فبنى جنديسابور.

فلما فرغ منها، نظر إلى بعض جوانبها يكره عليه من السيل. فنقضه و بناه بالآجر و الكلس و بنى باقيها باللبن. فأهل الأهواز يسمون جنديسابور بيلاباد. باسم الشيخ الذي تولى بناءها و النفقة عليها.

و في ملك سابور بن أردشير ظهر ماني [86 ب‏] صاحب الزنادقة. فدعا شابور إلى مذهبه فما زال يسوّفه و يماطله حتى استخرج ما عنده فوجده داعية للشيطان. فأمر به فسلخ جلده وحشي تبنا و علق على باب مدينة جنديسابور.

فالباب إلى الساعة يسمى باب الماني. و الزنادقة تحج إليه و تعظم ذلك الموضع.

و يقال إن معنى نيسابور و سابور خواست و جنديسابور، إن أصحاب نيسابور لما فقدوه لقول المنجمين له أنك تشقى سبع سنين، خرج هاربا يسيح في الأرض.

و خرج أصحابه يطلبونه فبلغوا نيسابور فطلبوه هناك فلم يجدوه فقالوا: نيست سابور أي ليس سابور. ثم وقع إلى سابور خواست فقالوا: سابور خواست. أي طلب سابور هناك. ثم وقعوا عليه بجنديسابور فقالوا: و ندذ سابور أي وجد الملك. و بنى أردشير مدينة سوق الأهواز

____________

(1) كذا وردت العبارة في الأصل.

397

قال الهيثم بن عدي: أردشير خوره حفر المسرقان و دجيل و أنهار خوزستان السبع و هي سرّق و رامهرمز من سوق الأهواز و الشوش و جنديسابور و مناذر و نهر تيرى.

و يقال: لا بناء بالحجارة و لا أبهى من شاذروان تستر، لأنه بالصخر و أعمدة الحديد و ملاط الرصاص.

و مخرج دجيل الأهواز من أرض إصبهان و يصب في بحر الشرقي.

و قالوا: من أقام بالأهواز حولا ثم تفقد عقله وجد النقصان فيه بيّنا. فأما قصبة الأهواز فنقلت كل من نزلها من بني هاشم و أشراف الناس إلى طبيعتها. و لا بدّ للهاشمي قبيح الوجه كان أم حسنا من أن يكون لوجهه و شمائله طبع به من جميع قريش و جميع العرب. فلقد كادت الأهواز أن تنقل ذلك و تبدله و لقد تحيّفته‏ (1). و أدخلت الضيم عليه و بينت أثرها عليه. فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس؟

و لفساد عقولهم و لؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة و الضياع النفيسة يحبون من البنين و البنات ما يحبه أوساط أهل الأمصار في الثروة و اليسار، و إن طال ذلك و المال منبهة كما يعلم الناس.

و قد يكتسب الرجل: من غيرهم [87 أ] المويل اليسير فلا يرضى لولده [حتى يفرض‏] له المؤدبين و الحرص له على الأدب بالخطر النفيس فيما يقدر عليه.

و الخوزي بخلاف ذلك كله. فإنه إذا ترعرع ولده و كبر و عقل شغّله بالغربة و أبلاه بالأسفار و الكسب. فهو من بلد إلى بلد و من مدينة إلى أخرى. و ليست في الأرض صناعة مذكورة و لا أدب شريف و لا مذهب محمود لهم في شي‏ء منه نصيب و ان خسؤ و قلّ و دقّ و جل. و لم ير فيها و جنة حمراء لصبي و لا صبية و لا دما ظاهرا و لا قريبا [من ذلك‏] و هي قتالة للغرباء و على ان حمّاها خاصة ليست إلى الغريب بأسرع‏

____________

(1) في الأصل: لحقيقة و لا معنى لها. و في الحيوان تخيفته (بالخاء) و الصواب ما أثبتناه. و في أساس البلاغة (تحيفت الشي‏ء: أخذت من حافاته و تنقّصته. و تحيّفتهم السنة).

398

منها إلى القريب. و وباؤها و حمّاها في وقت انكشاف الوباء و نزوع الحمى من جميع [البلدان‏]. و كل محموم في الأرض فإن حمّاها لا تنزع عنه و لا تفارقه و في بدنه منها بقية. فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة إلى أن تعود بما يجتمع في بدنه من الأخلاط الرديئة. و ليست كذلك الأهواز، لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث لأنهم ليس يؤتون من قبل التخم و للإكثار من الأكل و إنما يؤتون من عين البلدة. و كذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطاعن‏ (1) في منازلها المطل عليها و الجرارات في بيوتها و مقابرها. و لو كان في العالم شي‏ء هو شر من الأفاعي و الجرارات لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده و تلقيحه. و من بلّيتها ان من ورائها سباخا و مناقع مياه غليظة و فيها أنهار تشقها مسائل كنفهم و مياه أمطارهم و متوضآتهم. فإذا طلعت الشمس فطال مقامها و طالت مقابلتها لذلك الجبل قبل بالصخرية التي فيه تلك الجرارات. فإذا امتلأت يبسا و حرّا و عادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم و قد بخرت تلك السباخ و الأنهار. فإذا التقى عليهم ما انجرّ من تلك السباخ و ما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء، ففسد بفساده كل شي‏ء يشتمل عليه ذلك الهواء.

و خبر إبراهيم بن العباس بن محمد (2) عن مشيخة من أهل الأهواز عن القوابل انهنّ ربما قبلن الطفل المولود فيجدنه في تلك الساعة محموما [87 ب‏] يعرفون ذلك و يتحدثون به‏ (3).

و لقد أخبرني به زيد بن محمد و كان صدوقا و كان أقام بالأهواز حولا و حري‏

____________

(1) في الأصل: الطاغي و لا معنى له. و الطاعن أي الداخل (لسان العرب) إذ أراد القول إن منازل الأهواز داخلة في جبلها. و من الممكن أن تكون الظاعن و هو نفس المعنى. و قد مرّ بنا آنفا ان بيت الإمام علي كان ظاعنا في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

(2) هو الصولي (ابن النديم 136 و ابن خلكان 1: 44) و قد نقل معلومة الحمى التي في الأطفال، ابن قتيبة في عيون الأخبار 1: 220.

(3) إلى هنا يتوقف ابن الفقيه عن النقل من حيوان الجاحظ 4: 140- 143 الذي بدأ من قوله (فأما قصبة الأهواز فنقلت ...).

399

شدة حرّها و كثرة هوامها و حيّاتها و جراراتها بأمر فضيع‏ (1). ثم قال: و كيف لا يكون كذلك و طعام أهلها الأرزّ و هم يخبزون في كل يوم. فيقدّر أنه يسجر بها في كل يوم خمسون ألف تنور. فما ظنك ببلد إذا اجتمع فيه حرّ الهواء و بخار هذه النيران؟ و حلف بالله عزّ و جلّ أنه عزم مرارا أن يغرق نفسه في المسرقان لما كان يلقى من الكرب و شدة الحرّ و السموم.

و يقول أهل الأهواز إن جبلهم إنما هو من غثاء الطوفان تحجّر. و هو حجر ينبت و يزيد في كل وقت.

قالوا: و لنا السكّر و أنواع التمر. و هم أحذق الأمة في إيجاد أنواع السكر.

و لهم الخزّ السوسي و الديباج التستري. و كل طيب يحمل إلى الأهواز فإنه يستحيل و تذهب رائحته و يبطل حتى لا ينتفع منه بكثير شي‏ء.

و الأهواز افتتحها أبو موسى الأشعري في ولاية عمر بن الخطاب رضي [اللّه‏] عنهما. و آخر مدينة افتتحت من الأهواز السوس. فلما افتتحها و أخذ المدينة و سبى الذرية و ظفر بالخزائن. فبينا هو يحصي ما فيها كان في قلعتها نحو من ثلاثمائة خزانة. فرأى خزانة منها و عليها ستر عليه الدهن. فأمر خزّان القلعة أن يفتحوه.

فجعلوا يبكون و يحلفون أنه ليس فيه شي‏ء من الذهب و الفضة. فجعل أبو موسى لا يزيده ذلك إلّا حرصا على فتحه، حتى همّ بكسر الباب. فلما رأى الخزّان ذلك قالوا له نحن نصدقك عما فيه. قال: قولوا. قالوا: فيه جسد دانيال. قال: و كيف علمتم ذلك؟ قالوا: أصابنا القحط سبع سنين متوالية حتى أشرفنا على الهلاك.

و كان هذا الجسد عندنا و قوم من النصارى يستسقون به إذا أجدبوا. فيسقون و يخصبون. فأتيناهم و طلبنا إليهم أن يعيروناه فأبوا علينا فرهناهم خمسين أهل بيت منا على أن نستسقي به في عامنا ذلك و نرده. فدفعوه إلينا. فلما استسقينا به سقينا و أخصبنا فتعلقنا به و حبسناه عن أصحابه و رغبنا فيه فهو عندنا نستسقي به في الجدب. فأمر أبو موسى بفتح الباب. فإذا في البيت سرير عليه رجل ميت واضع‏

____________

(1) في الأصل: قطيع.

400

[88 أ] مرفقه على ركبته اليمنى، فكتب إلى عمر يعلمه فتح المدينة و يقصّ عليه خبر دانيال (عليه السلام)، فسأل عمر رضي اللّه عنه من بحضرته من المسلمين فأخبروه أنه نبيّ و أن بخت نصر لما غزا بيت المقدس و سبى أهله، كان دانيال ممن سبى، و نقل إلى أرض بابل فلم يزل بها حتى مات. فكتب عمر إلى أبي موسى يخبره بالذي انتهى إليه من أمره و أمره بأن يحنطه و يكفنه و يدفنه من غير أن يغسله.

و يكون دفنه إياه في جوف الليل حتى يكون اللّه تعالى هو الذي يبعثه كما يبعث خلقه. فلما انتهى إليه كتاب عمر إلى أبي موسى، عمد إلى نهر من أنهار السوس فأمر بسكره فسكر، ثم حفر لدانيال في جوف النهر ثم عمد إليه فحنطه و كفنه و حمله و أربعة من المسلمين في جوف الليل فقبره في ذلك النهر ثمّ أجرى عليه الماء فلم يعلم أحد موضع قبره إلى يومنا هذا.

و يقال إنه أخذ خاتما كان في إصبعه و كذلك يقال أيضا إنه وجد معه كتب فيها أخبار الملاحم و ما يكون من الفتن و انها صارت إلى كعب الأحبار.

و عسكر مكرم: نسبت إلى مكرم بن [معزاء الحارث‏] (1) أحد بني جعونة بن الحارث بن نمير. و كان الحجاج بن يوسف وجهه لمحاربة خوزاد بن بارس حين عصى و لحق بالإيذج و تحصّن في قلعة تعرف به. فلما طال عليه الحصار نزل مستخفيا ليلحق بعبد الملك بن مروان. فظفر به مكرم و معه درّتان في قلنسوته.

فأخذه و بعث به إلى الحجاج. و كانت هناك قرية قديمة فبناها مكرم. و لم يزل يبني و يزيد حتى جعلها مدينة و سماها عسكر مكرم.

و قال الثوري: الأهواز تسمى بالفارسية هوز مسير. و إنما كان اسمها الأخواز فغيرها الناس فقالوا الأهواز. و أنشد لأعرابي:

لا ترجعنّي إلى الأخواز ثانية* * * و قعقعان الذي في جانب السوق‏

و نهر بطّ الذي أمسى يؤرّقني‏* * * فيه البعوض بلسب غير تشفيق‏

____________

(1) بياض في الأصل و أكملناه من ياقوت (عسكر مكرم) و قصة حصار خوزاد هذا موجودة في فتوح البلدان 376 و فيه (مكرم بن الفزر).

401

و نهر بط كان عنده مراح للبط فقالت العامة نهر بط، كما قالوا دار بطيخ.

و قالوا: بل كان يسمى نهر نبط. و ذلك انه كان لامرأة نبطية فخفف و قيل نهر بط (1).

و أهل الأهواز الأم الناس و أبخلهم. و هم أصبر خلق على الغربة و التنقل في البلدان. و حسبك أنك لا تدخل بلدا من سائر البلدان و لا إقليما من جميع الأقاليم إلّا وجدت في تلك المدينة صنفا من الخوز لشحهم و حرصهم على جمع المال.

و ذكر الأصمعي قال: الخوز هم الفعلة و هم الذين بنوا الصرح و اسمهم مشتق من الخنزير. ذهب إلى أن اسمه بالفارسية خو، فجعلته العرب خوز و إلى هذا ذهبوا.

و قال آخرون: معنى قولهم خوزي أي زيّهم زي الخنزير.

و روى أبو خبرة عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: ليس في ولد آدم شر من الخوز و لم يكن منهم نبي قط و لا نجيب.

و قال عبد اللّه بن سلام: خلق اللّه البخل عشرة أجزاء، تسعة في الخوز و جزء في سائر الخلق.

و قال علي رضي اللّه عنه فيما روي عنه: على مقدمة الدجّال رجل خوزي يقال له مهران.

و قال عمر رضي اللّه عنه: إن عشت إلى قابل لأبيعنّ الخوز و لأجعلن أثمانهم في بيت المال.

و في خبر آخر: من كان جاره خوزيا و احتاج إلى ثمنه، فليبعه.

و كتب كسرى إلى بعض عماله: ان ابعث إليّ بشر طعام مع شر الناس على‏

____________

(1) هذا المقطع في فتوح البلدان 376 و فيه أن النهر لامرأة تسمى البطئة فنسب إليها.

أما الشعر الذي أورده قبل هذا المقطع فهو في البلاذري أيضا مع بيت ثالث 376. و ما سيأتي من قول الأصمعي في الخوز فهو في الحيوان 4: 68.

402

شر الدواب. فبعث إليه برأس سمكة مالحة مع خوزي على حمار.

و قال أبو وائل: خرجنا مع ابن مسعود إلى قرية بالقادسية فجاءه رجل من الأنباط في حاجة. فالتفت عبد اللّه إلى أصحابه‏

فقال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: تاركوا الترك ما تركوكم و لا تجاوروا الأنباط في بلادهم، و إذا رأيتموهم قد أظهروا إسلامهم و قرأوا القرآن و تمكنوا في المرباع و احتبوا في المجالس و راجعوا الرجال في كلامهم، فالهرب الهرب. و لا تناكحوا الخوز فإن لهم أعراقا تدعوا إلى غير الوفاء

.

403

القول في فارس‏

حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا بشر بن محمد بن أبان عن داود بن المخير عن الصلت [89 أ] بن دينار عن عبد اللّه بن أبي مليكة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أهل فارس عصبتنا.

و يروى عن أنس بن مالك قال: إن اللّه خيّر بين خلقه، فخيرته من العرب قريش و خيرته من العجم فارس.

و يروى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: أسعد الناس بالإسلام أهل فارس. و أشقى العرب به بهراء و تغلب.

و قال ابن لهيعة: فارس و الروم قريش العجم.

و قال في قوله عز و جل‏ وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ‏ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ‏. قال: الناس إذ ذاك فارس و الروم. و في قوله‏ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ‏ قال: فارس.

و لما هدم ابن الزبير البيت، قال اطلبوا من العرب من يبنيه. فلم يجدوا.

فقال استعينوا بأهل فارس فإنهم ولد إبراهيم. و لن يرفع البيت إلّا ولد إبراهيم.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أبعد الناس من الإسلام الروم، و لو كان معلقا بالثريا لتناولته فارس. يعني الإسلام.

[قال‏ و ذكر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كسرى أنوشروان فقال: ويل أمّه، ما أعمق سلمه لو كان أسلم.

404

و روي عن ابن عباس في قول اللّه عزّ و جلّ «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» قال: أهل فارس.

و قال (عليه السلام): لا تسبوا فارس فإنهم عصبتنا.

و قال (عليه السلام): إن للّه جندا في أهل فارس إذا غضب على قوم انتقم بهم‏] (1).

و قال الشعبي: أول من استنبط الأنهار العظام أنوشروان و مادة الملك و استصلح الرعية بعده مثله.

و كان أنوشروان إذا أفرض، يقدم الفارسي على رجلين من الديلم و على خمسة من الترك و على عشرة من الروم و على خمسة عشر من العرب و على الثلاثين من الهند. لأنهم كانوا أشجع ممن ذكرنا قلوبا و أعزهم نفرا و أعظمهم ملكا و أكثرهم عددا و أوسعهم بلدا و أخصبهم جنابا و أشدهم قلوبا و أرجحهم عقولا و أحسنهم تدبيرا و أصحهم جوابا و أطلقهم ألسنا.

و قال أبو البختريّ: بلغنا أن إسحاق بن إبراهيم ولد ابنا يقال له نفيس: فولد لنفيس، العيص، قبائل من فارس منهم أهل إصطخر و شابور و أردشير. و الدليل على ذلك قول جرير:

منابر ملك كلّها مضرية* * * يصلي علينا من أعرناه منبرا

و أبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا* * * [حمائل موت لابسين السنوّرا] (2)

إذا انتسبوا عدّوا الصبهبذ منهم‏* * * و كسرى، و عدّوا الهرمزان و قيصرا

و كان إدريس بن عمران يقول: أهل إصطخر أكرم الناس أحسابا، ملوك أبناء الأنبياء.

و قال أردشير [89 ب‏]: الأرض أربعة أجزاء. فجزء منها أرض الترك ما بين مغارب الهند إلى مشارق الروم. و جزء منها أرض المغرب، ما بين مغارب الروم‏

____________

(1) ما بين العضادتين موجود في مختصر البلدان فقط.

(2) بياض في الأصل أكملناه من ابن الأثير 1: 164.