البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
405

إلى القبط و البرابر. و جزء منها أرض كور السواد، ما بين البرابر إلى الهند. و الجزء الرابع هذه الأرض التي تنسب إلى فارس ما بين نهر بلخ إلى منقطع آذربيجان و أرمينية الفارسية إلى الفرات. ثم برية العرب إلى عمان و مكران و إلى كابل و طخارستان. فكان هذا الجزء صفوة الأرض. و هو من الأرضين بمنزلة الرأس و السرة و السنام و البطن. أما الرأس، فإن ملوك أقطار الأرض مذ كان ايرج بن أفريدون، كانت دائنة لملوكنا يسمونهم أملاك الأرض و يهدون لهم صفايا ما في أرضهم.

و أما السرة، فإن أرضنا وضعت من الأرضين موضع السرة من الجسد في البسطة و الكرم و فيما جمع لنا مما نرئسهم به. فأعطينا فروسية الترك و فطنة الهند و صناعة الروم، و أعطينا في كل شي‏ء من ذلك الزيادة على ما أعطوا، و أصفينا ما حرموا بأدب الدين في أدب الملك. و أعفينا إلى مسام سيماء مشترعة في صورنا و ألواننا و شعورنا كما شوهت سائر الأمم بصنوف الشهرة من لون السواد و شدة الجعودة و السبوطة و صغر العيون و قلّة اللحى. فأعطينا الأوساط من المحاسن و الشعور و الألوان و الصور و الأجسام.

و أمّا السنام، فإن أرضنا على صغرها عند بقية الأرضين هي أكثر منافع والين عيشا من جميع ما سواها.

و أمّا البطن، فإن الأرضين كلها تجلب إليها منافعها من علمها و رفقها و أطعمتها و أدويتها و أمتعتها و عطرها كما تجبى الأطعمة و الأشربة إلى البطن.

و قال الواقدي: شاور عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الهرمزان في فارس و إصبهان و آذربيجان. فقال الهرمزان: إن إصبهان و آذربيجان الجناحان. فإن قطعت الجناحين، بقي الرأس. و إن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس.

و كان أول من جمع فارس و ملكها، أردشير بن بابك بن ساسان، و هو أحد ملوك الطوائف و كان على إصطخر، و هو من أولاد [90 أ] الملوك المتقدمين قبل ملوك الطوائف. فرأى أنه وارث ملكهم فكتب إلى من بقربه من ملوك فارس و من‏

406

نأى عنه من ملوك الطوائف يخبرهم بالذي أجمع عليه من الطلب بالملك لما فيه من صلاح أمور الرعية و إقامة الدين و السنّة. فمنهم من أقرّ له بالطاعة، و منهم من لم يقرّ له حتى قدم عليه، و منهم من عصاه فصار عاقبة أمره إلى القتل و الهلاك. حتى استوسق له ملكه. و هو الذي افتتح الحضر. و كان ملك السواد متحصنا فيه و كانت العرب تسميه الساطرون. و فيه يقول أبو داود:

و أرى الموت قد تدلّى من الحضر على رب أهله الساطرون و قد أتينا بخبره فيما تقدم.

و هو أول من وضع السكك و حذف أذناب دواب البرد و بنى مدينة جور بفارس و كان موضعها صحراء. فمرّ بها أردشير فأمر ببنائها و سماها أردشير خرّة.

و سمتها العرب جور. و هي مبنية على صورة دارابجرد. و نصب فيها بيت نار.

و بنى مدينة رام أردشير و بهمن أردشير خرّة و هي فرات البصرة. و استاراباذ و هي كرخ ميسان و هي من كور دجلة. و مدينة سوق الأهواز. و كانت مدة ملكه أربع عشرة سنة و ستة أشهر.

و قالوا: سمعوا فارس بفارس بن طهومرث و هو الذي تنسب الفرس إليه، لأنهم من ولده. و كان ملكا عادلا متحننا محتاطا على أهل عصره. و كان له عشرة بنين منهم: جمّ و شيراز و إصطخر و فسا و جنّابا و كسكر و كلواذى و قرقيسيا و عقرقوف [و دارابجرد]. فأقطع كل واحد منهم البلد الذي سمي به و نسب إليه.

و إنما كانوا قبل ذلك يسكنون الخيام. و يقال إن ملكه كان ثلاثمائة سنة.

و من مدينة سوق الأهواز إلى مدينة أرّجان أول عمل فارس من هذا الوجه واحد و ثلاثون فرسخا. و أرجان بناها قباذ بن فيروز لأنه لمّا استرجع الملك من أخيه جاماسف غزا الروم فافتتح مدينتين من مدن الجزيرة مما كانت في أيدي الروم تدعى واحدة آمد و الأخرى ميافارقين. و أمر فبنيت فيما بين حدّ فارس و الأهواز مدينة و سماها ابرقباد، و هي التي تسمى أرجان. و أسكن فيها سبي [90 ب‏] همدان‏

407

و كوّرها كورة و ضم إليها رساتيقها من كور رام هرمز و كورة سابور و كورة أردشير خرة و كورة إصبهان.

و بنى أيضا مدينة حلوان مما يلي الماهات. و بنى مدينة يقال لها قباد خرّة.

و كوّر أيضا كورة أخرى بأرض ميسان و سماها شاد قباذ، و هي التي تسمى أستان العالي. و وضع لها أربعة طساسيج: طسوج فيروز شابور و هي الأنبار و كان منها هيت و عانات فأفردها يزيد بن معاوية (1) في أيامه إلى الجزيرة. و طسوج بادوريا و طسوج قطربل و طسوج مسكن.

و كوّر أيضا كورة بهقباذ الأعلى و وضع لها ستة طساسيج: طسوجي النهرين و طسوج عين التمر و الفلوجتين العليا و السفلى و طسوجي بابل و خطرنية.

و كور أيضا بهقباد الأوسط و وضع لها أربعة طساسيج: طسوج سورا.

و طسوج باروسما و الجبه و البداة. و طسوج نهر الملك.

و كور أيضا بهقباد الأسفل و وضع لها خمسة طساسيج: فرات بادقلى و السيلحين. و طسوج الحيرة و طسوج تستر و طسوج هرمزجرد.

و فرّق كورة إصبهان على شقين: شق جي و شق التيمرة.

و أمر فبنيت مدينة شهرزور و هي بأرض به. و فيما بين جرجان و إيران شهر مدينة أسماها شهر قباد.

و بأرجان قنطرة كسروية طويلة أكثر من ثلاثمائة ذراع مبنية بالحجارة على وادي أرجان.

قال: و أخبرني محمد بن أحمد الأصبهاني قال: بأرجان كهف في جبل ينبع منه ماء يشبه بالعرق من حجارته فيكون منه هذا المومياي الأبيض الجيد. و على هذا الكهف باب حديد و حفظة و يغلق و يختم بخاتم السلطان و قاضي البلد إلى يوم من السنة يفتح فيه. و يجتمع القاضي و شيوخ البلد حتى يفتح بحضرتهم و يدخل إليه‏

____________

(1) لدى ياقوت (فيروز سابور): معاوية بن أبي سفيان.

408

رجل عريان ثقة. فيجمع ما قد اجتمع من المومياي و يجعله في قارورة، و يكون مقدار ذلك مائة مثقال أو دونها. ثم يخرج و يختم الباب بعد قفله إلى السنة الأخرى. و يوجه بما يجتمع منه إلى السلطان. و خاصيّته لكل كسر أو صدع في العظم. يسقى الإنسان الذي انكسر شي‏ء من عظامه مثل العدسة فينحطّ أول ما يشربه [91 أ] إلى موضع الكسر فيجبره و يصلحه لوقته.

و من أرّجان إلى النوبندجان ستة (1) فرسخا. و فيها شعب بوان الموصوف بالحسن و النزاهة و كثرة الشجر و تدفق المياه و هو موضع من أحسن ما يعرف. فيه شجر الجوز و الزيتون و جميع الفواكه النابتة في الصخر. و روى عن المبرد أنه قال:

قرأت على شجرة في شعب بوان هذه الأبيات:

إذا أشرف المكروب من رأس تلعة* * * على شعب بوّان أفاق من الكرب‏

و ألهاه بطن كالحريرة مسّه‏* * * و مطّرد يجري من البارد العذب‏

و طيب ثمار في رياض أريضة* * * على قرب أغصان جناها على قرب‏

فباللّه يا ريح الجنوب تحمّلي‏* * * إلى أرض بغداد سلام فتى صبّ‏

و إذا أسفل منه مكتوب:

ليت شعري عن الذين تركنا* * * خلفنا بالعراق هل يذكرونا

أم لعلّ المدى تطاول حتّى‏* * * قدم العهد بعدنا فنسونا

و ذكر بعض أهل الأدب أنه قرأ على شجرة دلب تظلّ عينا حسنة بشعب بوّان هذه الأبيات:

متى تبغني في شعب بوّان تلقني‏* * * لدى العين مشدود الركاب إلى الدلب‏

و أعطي و إخواني الفتوّة حقّها* * * بما شئت من جد و ما شئت من لعب‏

يدير علينا الكاس من لو رأيته‏* * * بعينيك ما لمت المحب على الحب‏

____________

(1) في الأصل: و عشرين.

409

و كتب أحمد بن الضحاك الفلكي‏ (1) إلى صديق يصف شعب بوان: كتبت إليك من شعب بوّان و له عندي يد بيضاء مذكورة، و منة غراء مشهورة بما أولانيه من منظر أعدى على الأحزان، و أقال من صروف الزمان. و سرّح طرفي في جداول تطّرد بماء معين منسكب، أرق من دموع العشاق، حررتها لوعة الفراق. و أبرد من ثغور الأحباب، عند الالتثام. كأنها حين [91 ب‏] جرى آذيها يترقرق، و تدافع تيارها يتدفق. و ارتجّ حبابها يتكسر في خلال زهر و رياض ترنو بحدق تولّد قصب لجين في صفائح عقيان، و سموط درّ بين زبرجد و مرجان. أثر على حكمة صانعه شهيد، و علم على لطف خالقه دليل. إلى ظلّ سجسج أحوى، و خضل ألمى. قد غنت عليه أغصان فينانة و قضب غيدانة. تشورت لها القدود المهفهفة خجلا، و تقيلتها الخصور المرهفة تشبها. يستقيدها النسيم فتنقاد، و يعدل بها فتنعدل. فمن متورد يروق منظره، و مرتجّ يتهدل مثمره. مشتركة فيه حمرة نضج الثمار، بنفحة نسيم النوار. و قد أقمت به يوما لخيالك منادما و لشوقك مسامرا. و شربت لك تذكارا. و إذا تفضل اللّه بإتمام السلامة إلى أن أوافي شيراز، كتبت إليك من خبري بما تقف عليه إن شاء اللّه.

و من النوبندجان إلى شيراز نيف و عشرون فرسخا.

و هي‏ (2) من كورة أردشير خرّة و رساتيقها: جور و الخبر و الصيحكان و البرجان و الكهرجان و الخواروستان و كير و سينيز و سيراف و الرويحان و كان فيروز و كازرون و كران و ابزر و توّج.

و من سوق الأهواز إلى الدورق في الماء ثمانية عشر فرسخا، و على الظهر أربعة و عشرون فرسخا.

____________

(1) طبقا للسمعاني في الأنساب 4: 399 فإن الجد الأكبر لعائلة الفلكي من همذان و اسمه أبو بكر أحمد بن الحسن بن القاسم الحاسب الفلكي الهمذاني و كان جامعا لسائر العلوم و خاصة علم الحساب.

(2) و هي: مدينة شيراز. و النص من هنا موجود لدى ابن خرداذبه من ص 44 حتى 47 و هو هنا ينتهي عند (زم الحسن بن صالح يسمى السوران من شيراز على سبعة فراسخ).

410

كورة سابور و مدينتها النوبندجان و رساتيقها: الخشن و الكيمارج و كازرون و خرّه و بندر همان و دشت بارين و الهنديجان و الدرخوند و تنبوك و الجواندان و الميدان و المذار و ماهان و الجنيد و الرامجان و الشاهجان و مور و دادين و خمايجان السفلى و خمايجان العليا و تيرمردان و جنحان و السياه مص و انبوران.

كورة إصطخر و المدينة و رساتيقها: مدينة البيضاء و بهران و أسار و إيرج و مائين و خبر إصطخر و نيرز و أبرقويه و البرانجان و الميان روذان و الكاسكان و الهزار.

و من شيراز إلى مدينة فسا ثلاثون فرسخا. و من مدينة فسا إلى مدينة دار بجرد ثمانية عشر فرسخا و رساتيقها: كرم و جهرم و نيريز و الفستجان و الابجرد و الانديان و جويم و فرج و يارم و طسان.

كورة أرجان و رساتيقها: قاش و ريشهر و السلجان و البحار و فرزن‏ (1).

و من شيراز إلى مدينة [92 أ] جور عشرون فرسخا و بين شيراز و سابور عشرون فرسخا. و بين شيراز و إصطخر اثنا عشر فرسخا.

زموم‏ (2) الأكراد بفارس و تفسير الزموم محال الأكراد. قال صاحب كتاب المسالك و الممالك و هو عبد اللّه بن محمد بن خرداذبه: هي أربعة زموم: زم الحسين بن جيلويه و يسمى البازنجان، و هو من شيراز على أربعة عشر فرسخا. و زم ازدم بن جوانانه من شيراز على ستة و عشرين فرسخا. و زم القاسم بن شهريار و يسمى الكوريان، من شيراز على خمسين فرسخا. و زم الحسين بن صالح يسمى السوران من شيراز على سبعة فراسخ.

و قال المدائني: كانت إصطخر تجبى ستة عشر ألف ألف درهم. و سابور

____________

(1) كذا في الأصل ولدي ابن خرداذبه 47: و الملجان و فرزك.

(2) في الأصل: رم و رموم. و في المختصر زم و زموم و هو الصواب و في ياقوت بالراء أيضا و كذلك في فارس نامه (168، 137). و في مفاتيح العلوم 123 (زموم الأكراد: محالّهم، واحدها زم).

411

أربعة عشر ألف ألف درهم. و أردشير خرة ثمانية عشر ألف ألف درهم. و دار ابجرد ثمانية عشر ألف ألف درهم.

و كانت أرّجان بعضها إلى إصبهان و بعضها إلى إصطخر و بعضها إلى رام هرمز. فصيرت في الإسلام كورة واحدة.

فصارت فارس خمس كور و هي إصطخر و شابور و أردشير خره و دارابجرد و فسا و أرجان. و فارس مائة و خمسون في فرسخا في مثلها.

و افتتحت عنوة على يدي أبي موسى الأشعري و عثمان بن أبي العاص رضي اللّه عنهما.

و يقال إن نمرود إبراهيم (عليه السلام) من إصطخر. و يقال بل كان من قرية يقال لها أبرقوية.

و خراج فارس ثلاثة و ثلاثون ألف ألف درهم بالكفاية. و ذكر الفضل بن مروان‏ (1) أنه قبلها بخمسة و ثلاثين ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. و جباها الحجاج بن يوسف و الأهواز ثمانية عشر ألف ألف درهم. و كان عمرو بن الليث يجبي من خراجها إحدى و ثلاثين ألف ألف درهم، و من ضياعها تسعة عشر ألف ألف درهم، فجميعه خمسون ألف ألف درهم. و يحمل إلى السلطان في كل سنة خمسة عشر ألف ألف درهم. و جباها الناصر في سنة ثمان و سبعين و مائتين ستين ألف ألف درهم. و كانت الفرس قسطت على كور فارس أربعين ألف ألف مثاقيل.

____________

(1) قال ابن خرداذبه 48 (و خبرني الفضل بن مروان أنه قبّلها ...) و الفضل هو وزير المعتصم، و قد بلغ حدّا في وزارته (ان صار صاحب الخلافة و صارت الدواوين كلها تحت يديه، و كنز الأموال) ثم إن المعتصم غضب عليه و حبسه و صادره (الطبري 9: 18- 21). ثم ولي ديوان الخراج على عهد المتوكل و عزل عنه عام 233 ه (الطبري 9: 162) و يبدو أنه أعيد إلى هذا المنصب في عهد المستعين، إذ انه عزل عنه عام 249 (الطبري 9: 264). توفي عام 250 ه (ابن الأثير 7: 135).

412

و من العجائب بفارس شجرة تفاح بشيراز، نصف التفاحة حلو في نهاية الحلاوة و نصفها حامض في غاية الحموضة. و ليس بفارس كلها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.

و لهم سابور و فيها الأدهان الكثيرة و من [92 ب‏] دخلها لم يزل يشم ريحا طيبة حتى يخرج منها، و ذلك لكثرة رياحينها و أنوارها و بساتينها.

و لهم جور و بها يعمل الماورد الجوري و هو النهاية من الماورد.

و لهم الثياب السينيزية (1) و الجنابية و النوزية و السابورية. و هم أحذق الناس باتخاذ المرايا و المجامع و غير ذلك من الآلات الحديد.

و قال الأصمعي: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان و الأبلة و سيراف.

____________

(1) في الأصل: السينزية. و الصواب ما أثبتناه. و سينيز من كور بلاد فارس (أحسن التقاسيم 326 ط بيروت) قال ابن البلخي 149 إنها مدينة على ساحل البحر فيها قلعة، تقع بين مهروبان و جنابا. تنسج فيها الثياب الكتان يقال للرقيق منها السينيزي.

413

القول في كرمان‏

قال ابن الكلبي: سميت كرمان بكرمان بن فلوج من بني ليطي بن يافث بن نوح (عليه السلام). و يقال إن بعض ملوك الفرس أخذ قوما فلاسفة (1) فحبسهم و قال:

لا يدخل إليكم إلّا الخبز وحده و خيّروهم في إدام واحد. فاختاروا الأترجّ فقيل لهم: كيف اخترتم الأترج دون غيره؟ قالوا: لأن قشره الظاهر طيب فنشمه. و أمّا داخله ففاكهة. و أمّا حمّاضة فأدم، و أما حبّة فدهن. فأمر بهم فاسكنوا كرمان.

و كان ماؤها لا يخرج إلّا على خمسين ذراعا. فهندسوه حتى أظهروه على وجه الأرض. ثم غرسوا بها الأشجار فالتفّت كرمان كلها بالشجر. فعرف الملك ذلك فقال: اسكنوهم الجبال فاسكنوها، فعملوا الفوّارات و أظهروا الماء على رؤوس الجبال فقال الملك: اسجنوهم. فعملوا في السجن الكيمياء. و قالوا: هذا علم لا نخرجه إلى أحد. و عملوا منه ما علموا أنه يكفيهم مدة أعمارهم ثم أحرقوا كتبهم و انقطع علم الكيمياء.

و قال بعض علماء الفرس: كانت الأكاسرة تجبي السواد مائة ألف ألف و عشرين ألف ألف درهم سوى ثلاثين ألف ألف من الوضائع لموائد الملوك.

و كانوا يجبون فارس أربعين ألف ألف. و كانوا يجبون كرمان ستين ألف ألف لسعتها. و هي ثمانون و مائة فرسخ في مثلها. و كانت كلها عامرة. و بلغ من عمارتها أن القناة تجري من مسيرة خمس ليال. و كانت كرمان ذات أشجار و عيون و أنهار.

و من شيراز إلى مدينة السيرجان، مدينة كرمان، أربعة و ستون فرسخا.

____________

(1) في الأصل: فلافسة!

414

و كرمان خمسة و أربعون منبرا صغارا و كبارا. و من مدنها: القفص و البارز و المراح‏ (1) و البلوص [93 أ] و جيرفت- و هي من أعظم مدنها- و السيرجان و بها تنزل الولاة، و هزوركند و لافث و هي الرباط و قلعة بني عبد اللّه. إلّا أن قصبتي البلد جيرفت و السيرجان.

قال: و بكرمان مدينة يقال لها دمندان، و هي مدينة كبيرة واسعة و بها أكثر معادن كرمان، بها معادن الحديد و النحاس و الذهب و الفضة و النوشادر و الصفر و معدنه بجبل يقال له دنباوند، مرتفع شاهق، ارتفاعه ثلاثة فراسخ. و هذا الجبل بالقرب من مدينة يقال لها خواش. على سبعة فراسخ من المدينة. و في هذا الجبل كهف عظيم يسمع من داخله دويّ و خرير مثل خرير الماء، و يرتفع منه بخار مثل الدخان، فليتصق حواليه. فإذا كثف و كثر، خرج إليه أهل تلك الناحية، فيقلع في كل شهر أو شهرين. و قد وكل السلطان به قوما، حتى إذا اجتمع سائره أخذ السلطان منه الخمس و أخذ أهل البلد باقيه فاقتسموه بينهم على سهام قد تراضوا [بها] فهو النوشادر الذي يحمل إلى سائر الآفاق.

و بها مدينة يقال لها خبيص، لم تمطر داخلها قط و تمطر خارجها. فربما أخرج الإنسان يده من السور فيصيبها المطر و لا تقطر داخلها قطرة.

و بها خشب لا تحرقه الناس، يلقى فيها و يترك الوقت الطويل ثم يخرج منها و هو صحيح ما احترق. و النصارى يموّهون الخشب و يزعمون أنه من الخشب الذي صلب عليه- بقولهم- المسيح (عليه السلام). و كان مع بعض الرهبان صليب من هذا الخشب، فافتتن به خلقا من الناس، و ذلك أنه كان يلقيه في النار ساعات من النهار ثم يخرجه عنها و لم تعمل فيه شيئا. فلم يزل على ذلك حتى فطن له رجل من أهل هذه المدينة. فأتى بقطعة خشبة كانت معه ففعل بها كفعل الراهب فبطل ما كان يمخرق.

و قال المأمون: لو أخذ الطحلب فجفف في الظل و طرح في النار لم يحترق.

____________

(1) ابن خرداذبه 49: المراج.

415

و طائر يعرف بالسمندل‏ (1) يدخل النار فيتمرغ فيها ثم يخرج منها كما دخل لم تحترق من ريشه و لا واحدة. و ذكر طمياث الحكيم في كتاب الحيوان: إن بالمشرق طائرا يقال له بنجس في مدينة يقال لها مدينة الشمس و ليس له أنثى و لا شكل يشبهه. و أهل تلك المدينة يعبدون الشمس و يسجدون [93 ب‏] لها عند طلوعها.

و تسمى المدينة اغفطوس. و هذا الطائر يكون بها و يعرف في غيرها. فإذا أراد اللّه بإذنه فيجمع بمنقاره شيئا كثيرا من عيدان الدار صيني. ثم لا يزال يضرب تلك العيدان بجناحيه مكبّا على ذلك لا يفتر، حتى تشتعل نارا. فإذا علا لهبها قذف نفسه فيها حتى يحترق و تأكله النار فيصير رمادا. فإذا كان بعد أيام يعرفون عددها، تصوّر من ذلك الرماد دودة كبيرة فلا تزال تكبر حتى تصير مثل الفرخ ثم ينبت اللّه له جناحين‏ (2) و ريشا و تعود صورة ذلك الطائر لا يغادر منه شيئا. و أهل هذه المدينة يذكرون أن ذلك يكون في كل خمسمائة سنة.

و في بعض مدن خراسان هوة عظيمة في جبل فيها نار تتقد و لا تطفأ شتاء و لا صيفا. و في هذه الهوة جرذان كبار بيض تخترق النار في دخولها و خروجها، فإذا كانت خارجة من الهوة و نظرت إلى إنسان بادرت فخاضت النار مخترقة للهوة إلى مواضعها لا تؤذيها النار و لا تحرقها.

و من كرمان إلى سجستان مائة و ثمانون فرسخا. و لها من المدن‏ (3): زالق‏

____________

(1) حيوان من الضفدعيات المذنّبة زعم القدماء أنه يدخل النار و لا يحترق. و يرى الأب الكرملي أن العرب كانوا يطلقون لفظة السمندل و أخواتها على هذا الحيوان المسمى‏Salamandre و على الطائر المعروف بالفنقس‏Phoenix لأنه كان يدخل النار حسب زعمهم و لا يحترق. و على الحجر المعروف بحجر الفتيل‏Asbestos ، لأنه لا يحترق. انظر معجم الحيوان 213- 214.

و في طبائع الحيوان (الورقة 131 أ). (السمندل و يقال له سالامندرا: هو حيوان يتولد في معدن النوشادر، شبيه بالفأر الكبير. و خاصّيته أنه يدخل في النار العظيمة و يلعب و يبقى فيها إلى أن يحمّر مثل الجمرة ثم يخرج إلى أن يعود إليه لونه).

(2) في الأصل جناحان.

(3) مدن سجستان لدى ابن خرداذبه 50 و فيه: روشت بدلا من بست، و باسورد بدلا من ناشروذ.

416

و كركويه و هيسوم و زرنج و بست و ناشروذ و القرنين و بها أثر مربط فرس رستم المعروف بالشديد و نهرها المعروف بالهندمند. يقول أهل سجستان أنه ينصب إليه مياه ألف نهر فلا تظهر فيه زيادة. و ينشق منه ألف نهر و لا يرى فيه نقصان.

و في شرط أهل سجستان على المسلمين أن لا يقتل من بلدهم قنفذ و لا يصاد. و ذلك أن كل بيت ليس فيه قنفذ هو كثير الأفاعي. و القنافذ تأكل الأفاعي.

و لولا ذلك لأتت عليهم. و القنافذ بسجستان مثل النمس بمصر. فلولاها لأتت الثعابين على أهل مصر.

و من مدنها الرخج و بلاد الداور، و هي مملكة رستم الشديد ملكه إياها كيكاوس.

و بين مدينة سجستان إلى مدينة هراة ثمانون فرسخا.

و من شيراز إلى نيسابور مائة و عشرون فرسخا.

و من شيراز إلى داربجرد سبعة و أربعون فرسخا.

و من إصطخر إلى السيرجان، مدينة كرمان تسعة و خمسون فرسخا.

و من كرمان إلى حدّ عمل فارس ستة عشر فرسخا [94 أ].

و من جيرفت إلى بم عشرون فرسخا.

و من جيرفت إلى أول عمل مكران واحد و أربعون فرسخا.

و من أول عمل مكران إلى المنصورة و مولتان السند ثلاثمائة و ثمانية و خمسون فرسخا.

و من زرنج مدينة سجستان إلى المولتان مسيرة شهرين‏

.

417

القول في الجبل‏

و يسمى هذا الصقع بلاد البهلويين و هي همذان و ماسبندان و مهر جانقذق- و هي الصيمرة- و قم و ماه البصرة و ماه الكوفة و قرميسين و ما ينسب إلى الجبل.

و ليس منه: الري و إصبهان و قومس و طبرستان و جرجان و سجستان و كرمان و مكران و قزوين و الديلم و الطيلسان و الببر.

القول في قرميسين:

قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: لمّا ظفر قتيبة بن مسلم بفيروز بن كسرى يزدجرد حيث افتتح خراسان أخذ ابنته شاه آفريد (1) و معها سفط مختوم فوجّه بها إلى الحجاج. فحملها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك. فولدت له يزيد الناقص. و فضّ الحجاج السفط فإذا فيه كتاب بالفارسية. فدعا زادانفروخ بن بيري الكسكري فقرأه، فإذا فيه: بسم اللّه المصوّر، ميّز قباذ بن فيروز إقليمه و وزن المياه و الترب ليبني لنفسه مدينة ينزلها فوجد أنزه بقاع إقليمه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرة الأقاليم ثلاثة عشر موضعا: المدائن و السوس و جنديسابور و تستر و سابور و إصبهان و الري و بلخ و سمرقند و باورد و بطن بنهاوند- يعني روذراور- و ماسبندان و مهر جانقذق و تل ما سير.

و وجد أبرد بقاع إقليمه سبعة مواضع: قاليقلا و أردبيل و همذان و قزوين و جوالق و خوارزم و مرو.

____________

(1) في مختصر البلدان شاهفرند و كذلك في تاريخ قم 91 الذي نقل هذه الواقعة عن ابن الفقيه.

إلّا ان أصل مخطوط البلدان نصّ على ما هو أعلاه.

418

و وجد أوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين و بطن ماستون- و هو شابور خواست- و جرجان و الخوار و برذعة و زنجان.

و وجد أقحط بقاع إقليمه ثمانية مواضع: ميسان و بادرايا و دستميسان و الكلتانية و باكسايا و ما سبندان و الري و إصبهان.

و وجد أبخل أهل إقليمه تسعة مواضع: خراسان و إصبهان و أردبيل و ماسبندان و بادرايا و باكسايا و إصطخر و شيراز و فسا.

و أخصب بقاع إقليمه عشرة مواضع أرمينية و آذربيجان و جور و مكران و كرمان و دستبى [94 ب‏] و ماه الكوفة و ماه البصرة و أرجان و دورق.

و وجد أجمل بقاع إقليمه عشرة مواضع: الحيرة و المدائن و كلواذى و سابور و إصطخر و جنابا و الري و إصبهان و قم و النشوى.

و وجد أعقل سبعة مواضع: عكبرا و قطربل و عقرقوف و الري و إصبهان و ماسبندان و مهرجانقذق.

و أفطن أهل إقليمه ستة مواضع: إسكاف العليا و إسكاف السفلى و نفّر و سمّر و كسكر و عبدسي.

و وجد أحسد أهل إقليمه خمسة مواضع: جرجرايا و حلوان و سحاران‏ (1) و همذان و ما سبندان.

و وجد أعلم أهل إقليمه بالسلاح أربعة مواضع: همذان و حلوان و إصبهان و شهرزور.

و وجد أخف مياه إقليمه عشرة مواضع: دجلة و الفرات و جنديسابور و ماسبندان و بلخ و سمرقند و قزوين و ماسورا و هي عين بقرميسين و ماء ذات المطامير و ماء ملّجان قرية الثلج بماسبندان.

____________

(1) كذا في الأصل. و في مختصر البلدان: سحاران. و لعلها سيسجان و هي من كور أرمينية الأولى (ابن خرداذبه 122).

419

و وجد أمكر أهل إقليمه أحد عشر موضعا: خراسان و إصبهان و الري و همذان و أرمينية و آذربيجان و ماسبندان و مهرجانقذق و تستر و المذار و أرتوى.

و وجود أسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع: المدائن و سابور و أرجان و الري و نهاوند و ماسبندان و حلوان الجبل.

و وجد أقل أهل إقليمه نظرا في العواقب أهل ثمانية مواضع: البندنيجين و ما سبندان و مهر جانقذق و أردشير خرّه و رامهرمز و أرمينية و آذربيجان و طخرود (1)، قرية من قرى قم خرج منهم في وقت موافاة العرب أربعة ألف رجل مع كل رجل خادم و سائس و خباز و طباخ إلى نهاوند ليقاتلوا العرب و يمنعوهم من المقام. فقتلوا كلهم بالاسفيذهان فلم يفلت منهم إلّا رجل واحد.

و وجد أسفل أهل إقليمه أهل ستة مواضع: البندنيجين و بادرايا و باكسايا و بهندف و قهقور- بطن بماسبندان- و جرود- بطن بنهاوند-.

و لم يجد ما بين المدائن إلى نهر بلخ بقعة على الجادة أنزه و لا أعذب ماء و لا نسيما من قرميسين إلى عقبة همذان. فأنشأ قرميسين [95 أ] و بنى لنفسه بناء معمدا على ألف كرم. فقرميسين كلمة فارسية معناها كرمانشاهان.

و بنى الأكاسرة من المدائن إلى عقبة همذان و قصر شيرين مقبرة آل ساسان و بعقرقوف مقبرة الكيانيين.

ثم نقل قباذ الأشراف من فارس و خراسان و كذلك أهل الجمال و الأدب و الفروسية فأسكنهم حافتي دجلة و أنزل أصحاب الصناعات بطن جوخى و أنزل من كان من وجوه الناس الذين هم دون الأشراف، النهروانات.

____________

(1) في تاريخ قم 83 ورد ذكر واقعة الأربعة آلاف هؤلاء من غير إشارة إلى المصدر الذي استقى المؤلف منه.

420

و أنزل الحاكة و الحجامين بادرايا و باكسايا، و أنزل التجار الأهواز، و أنزل الأطباء سيرى‏ (1) قرية بماسبندان.

فلما ميز قباذ إقليمه و عرف أهل بقاعه مسح البلاد و وقف على الحدود و عدد الفراسخ، اختار النزول بالمدائن ليقرب من الروم. و أخذ في بنائها. و ابتدأ بعمل قصر ليسكنه. فكان كلما رفع من حائطه شيئا هبّت ريح عظيم فتقلعه. فلما رأى ذلك وجّه إلى بليناس المطلسم فأحضره من بلده و أمره أن يطلسم مواضع آفات إقليمه. و قال له: ابدأ بالمدائن. و جعل له على كل طلسم يعمله أربعة ألف درهم.

فاتخذ له في موضع الإيوان مكان وسط القصر طلسما كبيرا و جعل حوله أحد عشر طلسما. فأمّا الكبير فللريح التي كانت تقتلع الحائط فسكنت و تمّ البناء. و طلسم للعقارب فقلّت بها. و آخر للحمى، و آخر للجرارات و آخر للسباع و آخر للبراغيث و آخر لاجتماع كلمة أهلها، و آخر ليطيع أهلها ملوكهم ما بقوا، و آخر لملوك الأقاليم أن يهابوا ملك العراق و لا يخالفوه و آخر لتعفّ نساؤهم عن الفجور و آخر لتزكو غلاتهم و ثمارهم. و جعل على يمين كل طلسم منها و شماله و قدامه و ورائه كنزا بينه و بينه أربعون ذراعا. ثم طلسمها و كنوزها أن تخفى عن الناس فخفيت.

و يقال إنه ما بني بالآجر و الجص بنية أبهى و لا أجل و لا أحكم و لا أعلى سقفا و لا أكثر ذرعا من إيوان كسرى بالمدائن. و فيه يقول البحتري من شعر طويل:

و كأن الإيوان من عجب الصنعة* * * جرب في جنب أرعن جلس‏

[95 ب‏]

مشمخر تعلو له شرفات‏* * * رفعت في رؤوس رضوى و قدس‏

ليس يدرى أصنع إنس لجنّ‏* * * سكنوه أم صنع جنّ لإنس‏

قال: و أنشدني ابن الحاجب لنفسه يصف الإيوان:

إن خانني زمن فمن هذا الذي‏* * * لم تستبحه خيانة الأزمان‏

____________

(1) في مختصر البلدان: السيروان.

421

أخنى على عاد و أهلك تبّعا* * * وسطا بقدرته على النعمان‏

و أزال ملك الفرس بعد ثبوته‏* * * و هوى بكسراها أنوشروان‏

آثارهم تنبيك عن أخبارهم‏* * * نطقا و ليس مغيّبا كعيان‏

هل أسمعت أذناك مثل حديثهم‏* * * أو عاينت عيناك كالإيوان؟

قصر يكاد يردّ حسن بنائه‏* * * عند التأمل أعين العميان‏

تعلو له شرف كأن شخوصها* * * بيض الحمائم في ذى الأغصان‏

حفّت به كحفوف و قد أحدقوا* * * بحريم بيت اللّه ذي الأركان‏

و كأنها في وسط كل دجنّة* * * نار تشب لعابد الرهبان‏

أو فتية شربوا فأثر فيهم‏* * * فعل الشراب مخيلة النشوان‏

و ضعوا الأكفّ على الحضور و رفّعوا* * * فوق الرءوس أكلّة المرجان‏

مصطفة كبنات نعش في ذرى‏* * * عالي السموك موثّق البنيان‏

الفت مجاورة السموك سموكه‏* * * و ترفعت عن يذبل و أبان‏

فكأنما بين السماك و بينه‏* * * شر فما ينيان ينتحيان‏

صور من الآساد في جنباته‏* * * ما ان لها اجم سوى الجدران‏

أسد على فرس الرجال قديمة* * * لو انها كانت من الحيوان‏

و معسكران لكل حزب منهما* * * رجل أمام مواقف الفرسان‏

جيشان لو وقع التناجز منهما* * * لم يبق من جمعيهما رجلان‏

لولا وقوع اليأس من حركاتهم‏* * * لظننت أنهما سيقتتلان‏

لبسوا من الألوان أصفر فاقعا* * * فأتاه ناصعه بأحمرقان‏

و مورّد في خضرة فكأنه‏* * * زهر تكنف حافتي بستان‏

[96 أ] ثم رجع بنا القول في قرميسين و ذكر عجائبها.

قال أبو المنذر: طلسمات إيران شهر غير ظاهرة، و عند كل طلسم منها علامة إما صخرة و إمّا تمثال. و جميع ذلك من كل طلسم على أربعين ذراعا.

422

قال: و لما انتهى بليناس إلى طرازستان و عمل بإزاء القنطرة طلسما للغرق فسلم أهلها منه. و آخر خلف القنطرة فاستتمّ بناؤها. و آخر عن يمينها، فجرى الماء الذي عندها. و آخر عن يسارها فسلمت من السحر. و عمل بالبندنيجين طلسما للغرق فأمنوا. و آخر للقيّارة- عين القير- حتى نضبت. لولا ذلك ما أمكن أحد أن يشرب من الماء الذي هناك. و كذلك عمل آخر للنفاطة حتى انصرف شعب النفط إلى جهة أخرى عن الماء.

و عمل عن يسار البندنيجين طلسما للزنابير و آخر للذبة فقلّت و كانت أكثر الأرض ذبة (1) و زنابير.

و عمل بقرية من قرى ماسبندان تسمى تومان، طلسما لأجمة كانت هناك لا يسلكها أحد في الشتاء إلّا غرق في طينها.

و عمل في هذه القرية أيضا طلسما لحمّة كانت هناك ماؤها شديد الحرّ، كانت تظهر في الشتاء و ينقطع ماؤها في الصيف. فلما طلسمها جرى ماؤها شتاء و صيفا و لم ينقطع في وقت من أوقات السنة.

و من عجائب قرميسين أن الهواء لم يكن يهب فيها في الصيف ليلا و لا نهارا.

فشكا قباذ إلى بليناس ذلك، فعمل لها طلسما حتى هب الهواء بها على ما يهب في غيرها.

و طلسم أيضا قرية بالقرب منها يقال لها كركان. و كانت تقوم بها سوق في كل عام فيتلف فيها خلق كثير بالعقارب. فقلّت العقارب فيها و خف عن أهلها ما كانوا يلقون منها. و يقال إنه لا يوجد منها عقرب. و إن وجد لم يضرّ. و من أخذ من ترابها و طيّن بها حيطان داره في أي بلد كان، لم ير في داره عقربا. و من أخذ منه عند لسعة العقرب إياه و شربه، عوفي لوقته. و من أخذ منه شيئا و أخذ العقارب بيده لم يخشها.

____________

(1) في المنجد (الذّباب: جمعه أذبّة و ذبّان و ذبّ. و يطلق الذباب عند العرب على الزنابير و النحل و البعوض).

423

و من عجائبها و هو أحد عجائب الدنيا، صورة شبديز (1). و هو في قرية يقال لها جانان و مصوّره فنطوس بن سنمار. و سنمار هو الذي [96 ب‏] بنى الخورنق بالكوفة. و كان سبب صورته في هذه القرية أنه كان أزكى الدواب و أعظمها خلقا و أظهرها خلقا و أصبرها على طول الركض. و كان ملك الهند أهداه إلى برويز الملك. فكان لا يبول و لا يروث ما دام عليه سرجه و لجامه و لا ينخر و لا يزبد.

و كانت استدارة حافره ستة أشباره.

[فاتفق أن شبديز اشتكى و زادت شكواه، و عرف أبرويز ذلك و قال: لئن أخبرني أحد بموته لأقتلنه. فلمّا مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدا من أخباره بموته فيقتله. فجاء إلى البهلبند مغنيه- و لم يكن فيما تقدم من الأزمان و لا ما تأخر أحذق منه بالضرب بالعود و الغناء-، قالوا: كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله: فرسه شبديز و سريته شيرين و مغنيه بهلبند.

و قال: اعلم أن شبديز قد نفق و مات. و قد عرفت ما أوعد به الملك من أخبره بموته، فاحتل لي حيلة و لك كذا و كذا. فوعده الحيلة.

فلما حضر بين يدي الملك غنّاه غناء ورّى فيه عن القصة إلى أن فطن الملك و قال له: ويحك! مات شبديز؟ فقال: الملك يقوله. فقال له: زه. ما أحسن ما تخلصت و خلصت غيرك. و جزع عليه جزعا عظيما] (2). فأمر قنطوس بن سنمار بتصويره. فلما فرغ منه أعلم برويز بذلك. فجاء حتى وقف عليه و نظر إليه و استعبر باكيا عند تأمله إياه و قال: لشدّ ما نعى هذا التمثال إلينا أنفسنا و ذكّرنا ما نصير إليه من فساد حالنا. و لئن كان في الظاهر أمر من أمور الدنيا يخلو من أمور الآخرة، إن فيه لدليلا على الإقرار بموت جسدنا و انهدام بدننا و طموس صورتنا و درس أثرنا

____________

(1) شبديز هو فرس الملك الفارسي كسرى أبرويز. و هو منحوت في جبل قرب الطريق الواصل بين سنندج و كرمانشاه بإيران. و فيه نحت كسرى أبرويز و هو يمتطي جواده المسمى شبديز.

إضافة إلى منحوتات أخرى تشكل أهمية كبيرة في معرفة تاريخ الساسانيين.

(2) ما بين العضادتين نقلناه عن ياقوت (شبداز) الذي قال إنه نقل هذه المادة عن ابن الفقيه. و هو غير موجود لا في مختصر البلدان و لا في النسخة الأصل، و أوردناه لأن المعنى لا يتمّ إلّا به.

424

للبلى الذي لا بد منه. مع الإقرار باليأس من البقاء الذي لا سبيل إليه أن يبقى من جمال صورتنا و مثال بدننا إلّا رسما يتجدد به من أمرنا من الباقين بعدنا مع ما يدرس من آثارنا و ذكرنا.

فمن خطر بباله هذا فلينظر إلى ما أمرنا به من هذا التمثال. و ليستيقن بدروس رسمه و ذهاب بهجته و إلّا فالهلاك غالب على أمره. و قد أحدث لنا وقوفنا على هذا التمثال ذكرا لما يصير إليه حالنا. و توهّمنا وقوف الواقفين عليه بعدنا حتى كأننا بعضهم و مشاهدون لهم أو من حضر ذلك منهم من ذكر الحالتين اللتين اختلفتا بصاحبه من الحياة و صحة البدن و نفاذ الأمر و ما حار إلى ذلك محارّه.

و من عجائب هذا التمثال أنه لم ير مثل صورته صورة و لم يقف عليه أحد منذ صوّر، من أهل الفكر اللطيف و النظر الدقيق إلّا استراب بصورته و عجب منها و أطال الفكر فيها. حتى لقد سمعت كثيرا من هذا الصنف يحلفون أو يقاربون اليمين انها ليست من صنعة العباد و لا تصوير المخلوقين.

و سمعت رجلا من كبار المعتزلة و مناظريهم‏ (1) يحلف بالأيمان المغلظة أنه ليس من صنعة العباد، و ان للّه عزّ و جلّ فيه خبيئة سوف يظهرها يوما ما.

و سمعت بعض الفقهاء العلماء يقول [97 أ]: لو أن رجلا خرج من فرغانة القصوى و آخر من السوس الأبعد، قاصدين إلى شبديز حتى ينظرا إليه ما عنفا على ذلك.

و أنت إذا فكرت في أمر صورة شبديز هذه وجدتها كما ذكر هذا المعتزلي.

فإنه إن كان من صنعة الآدميين، فقد أعطي ما لم يعط أحد من العالمين. فأي شي‏ء أعجب و أظرف أو أشد امتناعا من أنه سخرت له الحجارة كما يريد، ففي الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أسود، أسود. و في الموضع الذي يحتاج إليه أن يكون أحمر، أحمر. و كذلك البياض و سائر الألوان. فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

و قال لي أبو علي محمد بن هارون بن زياد- و كان حكيما فيلسوفا- و قد

____________

(1) في الأصل: و نظاربهم.

425

تجارينا ذكر شبديز فوصلنا إلى هذا الفصل: ما يكون أن تكون حجرة واحدة احتفر فيها هذه الألوان في المواضع التي احتيج إليها. و لكنه لمّا فرغ من الصورة صبغها بما احتاج إليه من الأصباغ. ثم دهنها بعد ذلك بدهن كان يقف عليه. يوهم أن ذلك الألوان خلقة في الحجر غير معالجة بشي‏ء من الأشياء.

قال: و أنشدني أبو محمد العبدي الهمذاني لنفسه‏

من ناظر معتبر أبصرت‏* * * مقلته صورة شبديز

تأمّل الدنيا و آثارها* * * في ملك الدنيا أبرويز

يوقن أنّ الدهر لا يأتلي‏* * * يلحق موجودا بمهزوز

أبعد كسرى اعتاض عن ملكه‏* * * بخطّ رسم ثمّ مرموز

يغبط ذو ملك على عيشة* * * رنق يعانيها بتوفيز

خلّ عن الدنيا فلا طائل‏* * * فيها لذي لب و تمييز

نعمى و بؤسى أعقبت هذه‏* * * تيك، فذو العزّ كمغروز

و أنشدني الحسين بن أبي سرح لأبي عمران الكسروي:

و هم نقروا شبديز في الصخر عبرة* * * و راكبه برويز كالبدر طالع‏

عليه بهاء الملك و الوفد عكّف‏* * * يخال به فجر من الأفق ساطع‏

تلاحظه شيرين و اللحظ فاتن‏* * * و تعطو بكفّ حسّنتها الأشاجع‏

يدوم على كرّ الجديدين شخصه‏* * * و يلفى قويم الجسم و اللون ناصع‏

و قال آخر:

شبديز منحوت صخر بعد بهجته‏* * * للناظرين فلا جري و لا خبب‏

[97 ب‏]

عليه برويز مثل البدر منتصبا* * * للناظرين فلا يجدي و لا يهب‏

و ربما فاض للعافين من يده‏* * * سحائب و دقها المرجان و الذهب‏

426

فلا تزال مدى الأيام صورته‏* * * تحنّ شوقا إليها العجم و العرب‏

و قال أبو الحسن العجلي في صورة شبديز:

أباح للطرف السهاد و السهر* * * و وكّل الجفن بماء منهمر

طيف سرى و هنا لريّا فظهر* * * يا حبّذا الطارق في وجه السحر

في الليل يبدو و النهار يستتر* * * تلك التي تزري بشمس و قمر

و غرة زاهرة تغشي القمر* * * حال بهاها الجمال فقطر

شبّهتها حين تبدّت في حفر* * * شيرين في حسن اعتدال و قدر

كأنّما تنفث سحرا مستمر* * * تكاد تسبي ناظراها من نظر

بطرّة مشرقة من الطرر* * * و حاجب خطّ بمسك فشطر

و شاهد عقرب في الخدّ النضر* * * ما أن به من ندب و لا أثر

لولا الذي من أنف شيرين كسر* * * شلت يدا آمره و المؤتمر

لقد أتى بفعله إحدى الكبر* * * ما كان أقوى قلبه حين جسر

ويل أمّه لقد تعاطى فعقر* * * فجاءه أمر الأمير فحبر

و عمّر البهو و قد كان دثر* * * و هي كهاتيك و لكن من حجر

كسرى و شيرين و شيخ ذو كبر* * * عليهم التيجان من فوق الوفر

تسقيهم شيرين راحا بقدر* * * في البهو و البهو عليه محتجر

يحثّهم مدجّج على ظهر* * * منصلت حربته ذات شرر

كأنّما يطرد مهدوب الوبر* * * أو الشبيهات يعيران البقر

لا الزام إنسيا و لا الطرف أغر* * * عادته صيد الظباء و العفر

و الترس في يمناه لما يستتر* * * شاكي السلاح كالكميّ المنكدر

كأنما الدرع عليه قد سمر* * * و عن يمين البهو نهر قد زخر

فيه صنوف الصيد من بحر و بر* * * و الفلك و النون فيه منشمر

و فارس عن الشمال مستدر* * * تكاد أن تنبض يمناه الوفر

427

[98 أ]

و منهم فوق الحصان قد سكر* * * تكفّه شمسته من حرّ و قر (!)

و فوق عقد البهو عند المختبر* * * خلقان مكتوبان في خلق البشر

و الشرفات فوق هامات الحزر* * * و الملكان صعدا كما أمر

في الطاق بأن بالحديد و الدسر* * * و في التماثيل على الماء بقر

ثلاثة من عاقر و معتقر* * * يحثّهم منازع فيه طمر

و عقد طيقان و نهر محتفر* * * و صاحب النهر على الماء خطر

يدفعه من نهر إلى نهر* * * فانظر فهذا و صف ما منه ظهر

فيه لمن عمّر و عظّ و عبر* * * يا أيّها السيد ذو الوجه الأغرّ

شرفت كسرت و أنكرت ما ذكر (؟)* * * من شرف الملك القديم و الخطر

قال: و أنشدني أبو نصر، رجل من أهل قصر اللصوص يذكر شبديز و البناء الذي بقصر اللصوص:

يا طالبي غرر الأماكن‏* * * حيّوا الديار ببرز ماهن‏

و سلوا السحاب تجودها* * * و تسحّ في تلك الأماكن‏

و تزور شبديز الملوك‏* * * و تنثني نحو المساكن‏

واها لشيرين التي‏* * * قرعت فؤادك بالمحاسن‏

فمضى على غلوائه‏* * * لا يستكين و لا يداهن‏

واها لمعصمها المليح‏* * * و للسوالف و المغابن‏

في كفّها الورق الممسّك‏* * * و المطيّب و المداهن‏

و زجاجة تدع الحكيم إذا* * * انتشى في زيّ ماجن‏

انعظت حين رأيتها* * * و اهتاج منّي كلّ ساكن‏

فسقى رباع الكسروية* * * بالجبال و بالمدائن‏

428

دان يسفّ ربابه‏* * * و تناله أيدي الحواضن‏

و قال بعض الشعراء في شبديز و قد اجتاز بموضعه رجل من الملوك فاستحسن المكان و شرب هناك ثم أمر أن يخلق وجه شبديز و شيرين بالزعفران ففعل ذلك:

كاد شبديز أن يحمحم لمّا* * * خلق الوجه منه بالزّعفران‏

[98 ب‏]

و كأنّ الهمام كسرى و شيرين‏* * * مع الشيخ موبذ الموبذان‏

من خلوق قد ضمخوه جميعا* * * أصبحوا في مطارق الأرجوان‏

و أنشد لأحمد بن محمد (1):

بوستان طاق ليس في الأرض مثله‏* * * و فيه تصاوير من الصخر محكم‏

و برويز فيه و المرازب حوله‏* * * و شيرين تسقيهم و شيخ مزمزم‏

و بهرام جور و المقاول مثّل‏* * * و شروين فيهم قاعد متعمّم‏

و خرّين قد أجرى و أومى بسرعة* * * إلى طفلة حسّانة لا تكلّم‏

و موبذهم في الطاق صوّر عبرة* * * و هربذهم بالجهل و الجور يحكم‏

و كث يحوز الماء في النهر واقف‏* * * ليقسم فيما بينهم ليس يظلم‏

و أسراب عين و الكلاب تحوشها* * * و طرف عليه المرزبان المكرّم‏

و صوّر فيه كلّ وحش و طائر* * * من الطير و العنقاء ما الله أعلم‏

و أسد و صيران و شاة و أعنز* * * و حيتان بحر في السفين تعوّم‏

و ما دبّ من ذرّ و نمل و عقرب‏* * * و فيل و فيّال عليه يدمدم‏

و قبج و دراج و ظبي و أرنب‏* * * و باز و صقر قد يصيد و قشعم‏

و مكتب صبيان و تأديب غلمة* * * و شيخ عديم قيل هذا معلّم‏

____________

(1) انفرد المختصر بذكر هذه القطعة.

429

و صوّر فطّوس على الطاق نفسه‏* * * عليه جناحا طائر لا يحوّم‏

فسبحان ربّ سخّر الصخر عنوة* * * فصوّر فيه كلّ شي‏ء مقوّم‏

لقد أبدع الرومي في الطاق بدعة* * * أقرّ له بالحذق عرب و أعجم‏

و بقرميسين الدكان الذي اجتمع عليه جماعة من ملوك الأرض منهم فغفور ملك الصين و خاقان ملك الترك و داهر ملك الهند و قيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز. و هو دكان من حجارة مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمّرة بمسامير الحديد، و لا يتبين فيه ما بين الحجرين فلا يشك من رآه أنه قطعة واحدة.

و أنشد لأحمد بن محمد فيه:

بين القناطر و الدكّان أبنية* * * فاقت على كلّ آثار و بنيان‏

دكّان صخر على تلّ بنوه فما* * * ندري لجنّ بنوه أم لإنسان‏

لأنها صخرة ملسا ململمة* * * عجيبة الشأن فيها كلّ ألوان‏

قد هندسوه فأوفوه على عمد* * * و هندموه فما يخفى على جان‏

قالوا بأنّ ملوك الأرض اجتمعوا* * * عليه عند أبرويز بن ساسان‏

و بقصر اللصوص بناء عجيب و أساطين محكمة.

و قال أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق‏ (1): رأيت الحسين بن أبي سرح في المنام بعد موته و كأني أسأله أن يملي عليّ خبر شبديز و من صوّره و كيف صوّر فقال:

اكتب، استأنسوا بملامس الصخور، و لم يستوقفوا عن صغائر الأمور. و صوروا الجواري الأبكار، في الصخور الكبار، كأن لم يسمعوا بجنة و لا نار

____________

(1) هو والد مؤلف هذا الكتاب.

430

في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها

قال بطليموس: إن اختلاف الأمم في ألوانهم و أخلاقهم و أجسامهم و طبائعهم و جميع حالاتهم من ثلاثة وجوه:

واحدها: من بعد الأرض من خط الاستواء. و هو مثل البلاد و انحرافها عن الخط يمنة أو يسرة.

الثاني: من قبل طبائع البروج المحاذية لسمت تلك البلاد و الغالبة على طبائعها.

و الثالث: بعد البلاد من مدار الشمس و قربها منه.

فأمّا الأرض العامرة في ربع الأرض الشمالي، فما كان منها متيامنا و هو ما بين تغير الربيع إلى تغير الصيف، و هو الذي محاذيها من البروج ما بين الحمل إلى السرطان. فإذا توسطت الشمس وسط السماء كانت على سمت رؤوسهم فأحرقتهم. فلذلك صارت أجسادهم سودا و شعورهم قططا و جثتهم ذابلة، و طبائعهم حارة و عامة أشكالهم متوحشة لشدة حرّ أرضهم. و هم الحبشة و الزنج و النوبة و أنواع السودان. و ليس يكون ذلك فيهم وحدهم، و لكنه يكون في الهواء المحيط بهم. و كذلك يبس دواب أرضهم و شجرهم في جميع ذلك تحرقه أرضهم.

و أما ما كان متيامنا (1) [99 أ] من الأرض فلتباعد سمت رؤوسهم عن مدار الشمس و حرارتها و مدار البروج، كان مكانهم باردا تنالهم كثرة الرطوبة. و تكون‏

____________

(1) يبدو أنها (متياسرا).

431

ألوانهم بيضا و شعورهم سبطة و أجسادهم عظاما و طبائعهم إلى البرد و شكلهم متوحش لشدة برد أرضهم. و شتاؤهم شديد مفرط البرد، و شجرهم عظام و دوابهم على مثل هواء أرضهم. و هم الترك.

و أما ما كان من الذين سمت رؤوسهم تحت السرطان و من سمت رؤوسهم تحت الدينة (1) فلأن الشمس لا تستوي على رؤوسهم، و لأنهم لم يميلوا إليها جدا، فلذلك هواؤهم حسن التمزيج و موضعهم معتدل، ليس فيه برد شديد و لا حرّ شديد. و ألوانهم و أجسامهم وسط، و طبائعهم ممتزجة و مراتبهم في جميع حالاتهم متقاربة.

و من كان من هؤلاء متيامنا فعامتهم أهل ذكاء و فطنة و دقة نظر و علم بالنجوم و غير ذلك من العلوم، لقرب سمت رؤوسهم من مدار الكواكب الجارية و البروج.

فمن أجل ذلك تنازعهم نفوسهم إلى طلب علم النجوم و الآداب. و من كان مشرقا فهم مذكوّون و أنفسهم شديدة و هم أهل تنافس في الشرف و الزيادة. لأن المشرق فيه طبيعة الشمس.

و من يعزف منهم مغربا، فإنهم مؤنثون و أجسامهم لينة و عامة أعمالهم خفية.

لأن المغرب للقمر أو لدونيّة من مهلك من المغرب. فلذلك جعل المغرب مؤنثا ليّنا.

و الشمال خلاف المشرق.

و في هذه الأقسام قسم مختلفة في الشبه و الطبائع و الأدب على نحو ما يحيط به من الهواء الحار و البارد و الممتزج و ذلك ينقص و يزيد في كل كوكب و مكان على نحو ارتفاع الأرض و انخفاضها. و الدليل على ذلك، أن بعض الناس صاروا نواتية و هم أصحاب السفن البحرية لقرب أرضهم من البحر. و صار آخرون أهل دعة و ذلك لخصب بلادهم و كثرة خيرهم. و كذلك موافقة الأقاليم للبروج التي عليها في الطبائع. فإن طبائع كل إقليم على مثل طبائع البروج التي تتولاه.

____________

(1) كذا في الأصل.

432

و قسمت [99 ب‏] الأرض العامرة على أربعة أجزاء:

فأول الأجزاء: أورس، و هي بين الشمال و الدبور و يوافقها من مثلثات البروج التي لها ما بين الشمال و الدبور و هي مثلثة: الحمل و الأسد و القوس و يدبّرها المشتري و المريخ. و جميع ما في هذا الربع من الأمم: بريطانية و عليا و جرمانية و انوليه و صقلية و طونيا. و هم أعزاء غير خاضعين، يحسنون أخذ السلاح و العمل به، و هم أصحاب زي و لباس، يحبون مجامعة الذكران و يغارون عليهم و لا يرون ذلك شينا و لا مأثما. و أنفسهم مذكّرة و ليست لهم غيره على النساء، و يهون عليهم الجماع.

و الربع الثاني هو الذي من الجنوب و الصبا. و لهم المثلثات: الثور و العذراء و الجدي. و والي تدبيرهم: الزهرة و زحل مشرقين. و طبائع هذه الكواكب على نحو طبائع الذي يدبرهم. فإنهم يسجدون لها و يسمعون الزهرة أنيس، و الزحل يبسون، و فيه كهنة يخبرون عن الأشياء قبل أن تحدث. و يعظمون أمهاتهم و أخواتهم و جميع الإناث لتدبير الزهرة و زحل إياهم. و فيهم الورع، لأن الزهرة طبيعتها الورع. و بلادهم حارة و يحبون المجامعة و الرقى و الرقص و اللهو و المجون من أجل الزهرة أيضا. و لا يجامعون الذكران، و ينكحون أمهاتهم و يولدونهم و يرون أن ذلك تعظيم لهنّ. و أنفسهم عظيمة. و هم أشدّاء مقاتلون لتشريق زحل. و نصيب هذا الربع من وسط الأرض: أروميا و قيلسوسينا و توريا و حلبايا. و هذه البلدان من الشمال و الدبور. و هو الحمل و الأسد و القوس. و والي تدبيرهم المشتري و المريخ و الشمس و عطارد. و لذلك صاروا أهل تدبير و صناعة و تجارة و عقل و سخاء.

و كتابة. و فيهم غش و خبث.

و أما الربع الثالث:

فمنها: أرمينية الأولى و الثانية و الثالثة و الرابعة. و البلدان التي بين الشمال و الصبا. و هو أحد () (1) التي يقال لها الجامع. و واليها من المثلثات التي بين‏

____________

(1) كلمة مطموسة.

433

الشمال و الصبا و هي الجوزاء و الميزان و الدلو [100 أ] و أصحاب تدبيرها زحل و المشتري مشرقين، فلذلك صار الذين في هذه الكور يسجدون للشمس و المشتري و هم يشبهون المجوس و عباداتهم و آدابهم حسنة. و لهم ملاحة و قبول. ماضين للحق، مقتصدين في مجامعة النساء. و يحبون البرّ و الصلة. و عامة ذلك من تشريق زحل و المشتري.

فأما الربع الرابع الذي بين الحوت و الميزان و اليه من المثلثات: السرطان و العقرب و الحوت. و مدبّرهم من الكواكب: المريخ و الزهرة مغربين. فأسماء الأمم التي في هذا الربع: قونيه و ميدنية و إفريقية و مور طلينا و طنجه و مراميه.

فلذلك أهل هذه البلاد يملّكون رجلا و امرأة. فأما الرجل فيملك الرجال، و المرأة تملك النساء. و يحبون مجامعة الإناث و عامة نكاحهم زنى. و يحبون الزينة و المال، و يتزينون بزي النساء من أجل الزهرة. و هم أهل غش و سحر و جرأة [في إلقاء] أنفسهم في المهلكة من أجل المريخ و ولايته إياهم.

و نصيب هذا الربع من وسط الأرض و سقى و تمريقى و البرط السفلى و اطرز المغرب و مارثها و الحبشة و الاسطون و هم ما بين الشمال و الصبا.

و لهم من المثلثات: التومين و الميزان و الدلو. و مدبّرهم من الكواكب: زحل و المشتري و عطارد. و هذه الكور قريبة من مدار الكواكب الخمسة الجارية إذا كانت مغربة. و لذلك هم أهل تدين و تعظيم الآلهة. يعرفون حقّها و يحبون النياحة. و لهم آداب كبيرة مختلفة و أديان متفرقة. و إذا ملكوا كانوا أذلّاء جبناء صابرين. و إذا ملكوا كانوا أهل طيب أنفس و عطية كثيرة. و خلقهم على نحو طبيعة أرضهم.

و عامة ذكرانهم ضعفاء مؤنثون يتركون الجماع من حيث ينبغي و يأتون النساء من حيث لا ينبغي لتقريب الزهرة.

و ذكروا أن الأرض و الماء و سائر الطبائع كرية. و ان استدارة الأرض كلها و جبالها و بحارها أربعة و عشرون ألف ميل. و ان قطرها و عمقها و عرضها سبعة آلاف و ستة و ثلاثين. و انهم استدركوا ذلك بأنهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين هما على خط الاستواء مثل مدينة تدمر [100 ب‏] و الرقة، فوجدوا ارتفاع‏

434

القطب في مدينة الرقة خمسة و ثلاثين جزءا و ثلثا. و ارتفاع القطب في مدينة التدمر، أربعة و ثلاثين، بينهما زيادة جزء و ثلث. ثم مسحوا ما بين الرقة و تدمر فوجدوه سبعة و عشرين ميلا. فعلموا أن لكل جزء و ثلث، جزء من أجزاء الفلك الأعظم. فالظاهر من الفلك سبعة و ستون‏ (1) ميلا من الأرض، و الفلك ثلاثمائة و ستون جزءا على ما اتفق عليه علماء الروم و الهند و بابل. و إنما قسموه هكذا، لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، و وجدوا الشمس تقطع كل برج منها في شهر و تقطع البروج في ثلاثمائة و ستين يوما. فبهذه القسمة و المقاييس استدركوا علم الساعات و الكسوفين. و بها استخرجوا الآلات و الاصطرلابات و عليها وضعوا كتبهم.

و قالوا أيضا: الفلك مستدير. و استدلوا بذلك لأنه يدور على محورين و قطبين، اللذين هما القطب الشمالي. و الجنوبي فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية الشمال، فإنهم يرون القطب الشمالي و بنات نعش و لا يرون القطب الجنوبي و لا الكواكب القريبة منه. و لذلك صار سهيل‏ (2) لا يرى بناحية خراسان و يرى في العراق أياما في السنة. فأما في البلدان الجنوبية فإنه يرى فيها السنة كلها. فمتى مال إلى الناحية الجنوب، غاب عنه القطب الشمالي و الكواكب التي تقاربه. و هذه الكواكب التي هي قريبة من القطب تدور حوله دورانا مستديرا مستويا يرى بالعيان مثل الشمس فإنها بالصيف تطلع من وسط المشرق ثم تصعد في الفلك صعودا مستويا، ثم تهبط على مثال ذلك الدور، ثم تغيب تحت الأرض. فتدور هناك مثلما تدور هاهنا حتى تطلع.

و زعموا أن البحر أيضا كريّ مدور. و برهان ذلك أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض و الجبال شيئا بعد شي‏ء حتى خفي ذلك كله، و لا ترى شيئا من شوامخ الجبال. فإذا أقبلت نحو الساحل، ظهرت [101 أ] لك قلل الجبال و أجسامها شيئا

____________

(1) في الأصل: و ستين.

(2) في الأصل: سهيلا.

435

بعد شي‏ء. فإذا قربت من الساحل، ظهرت الأرض و الأشجار. و الأرض قسمان:

أحدهما مسكون و الآخر غير مسكون. و المسكون منه قسمان: أحدهما مفرط الحر و هو جهة اليمين لأن الشمس تقرب منه فيلتهب هواؤه. و الآخر جهة الشمال و هو مفرط البرد لبعد الشمس منه.

فكل مدينة موضوعة في جهة المشرق فهي أشد اعتدالا و أقل اسقاما. لأن الشمس تصفي تلك المياه التي تجري فيها.

و المدن الموضوعة بإزاء المغرب، تكثر أمراض أهلها لأن مياههم كدرة متغيرة، و هواؤهم غليظ، لأنه يبقي تلك الرطوبات فيه فتغلظ مياههم.

و المدن الموضوعة على جهة الجنوب تكون مياهها حارة كدرة متغيرة مالحة لينة تسخن في الصيف و تبرد في الشتاء. و أبدان أهلها رطبة لينة لما يتحلب إليها عن الرطوبات من أرضهم. و تكثر نساؤهم الإسقاط بسبب الرطوبات و لا يقدرون أن يكثروا من الطعام و الشراب لضعف رؤوسهم. لأن كثرة ذلك تغمّ أدمغتهم و تغيرها.

و قلما تعرض لهم الحميات الحارة.

و المدن الموضوعة في جهة الشمال على إزائه فإن مياهها فاسدة رطبة ثقيلة النضج. و أهلها أقوياء أشدّاء عراض الصدور دقاق السوق رؤوسهم صحيحة يابسة و أعمارهم طويلة لصحة أبدانهم و كثرة فضول الرءوس. و تكون أخلاقهم و حشية.

و يقل حمل نسائهم، لكنهن لا يسقطن لبرد الماء و يبسه و يلدن بشدة و صعوبة و تتسع لذلك صدورهن. و إنما رقّت سوقهن لارتفاع الحرارة عنها. و يكثرون الأكل و لا يكثرون الشراب.

قال: و سكان ناحية الجنوب سود جعاد دقاق الكعوب كحل العيون سود الشعور خفاف اللحوم. فيهم الحفظ و الذكاء و البرّ و الطرب و الحرص و السرقة.

و سكان ناحية الصبا أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب و هم دونهم فيما و صفت. و سكان ناحية الدبور أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب و هم دونهم.

و أهل المغرب مختلفون في هيئاتهم، فأما سكان سواحل البحر منهم فقريب‏

436

شبههم من سكان ناحية الجنوب. و سكان ناحية الصبا قريب شبههم بناحية الشمال.

و أهل [101 ب‏] الهند ممتزجون لأن بلادهم من بلاد الشمال و الجنوب.

و لذلك حسنت أخلاقهم و أجسامهم و وجوههم و اعتدلت. و كذلك من كانت محلته بين الشمال و الجنوب و هم أعدل مزاجا و أحسن عقولا.

و أهل مصر أهل غفلة و قلة فطنة.

و البربر الفطنة فيهم فاشية، و ليس فيهم كبر و لا لهم مكر.

و الروم أهل صلف و تكلف.

و أهل الشام أهل غفلة و سلامة.

و أهل الحجاز أهل معازف و لهو و مداعبة و تأنيث.

و أهل العراق أهل فطنة و غدر.

و أهل الهند أهل غفلة و شجاعة و لين.

و أهل الصين أهل طلب و خفة و جبن و حذق بالصناعات.

و أهل اليمن أهل غفلة و خفة و لين.

و أهل خراسان أهل غفلة و بخل و حرص و شجاعة.

و قال بقراط في كتاب الأهوية و الأبدان: إنّ ما كان من الأمصار مقابل شرق الشمس. فرياحه سليمة و ماؤه عذب و أهله قلّما يضرهم تغير الهواء. و كان يقول:

المياه التي تنبع من مواضع مشرقة و من تلاع و روابي، أفضل المياه و أصحها، و هي عذبة. و بلدها أصح البلاد، لا يحتاج إلى كثرة مزج الشراب، و لا سيما الشرقي الصيفي. لأنها تكون براقة طيبة الريح اضطرارا.

و قال فسطوس في كتاب الفلاحة: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس‏ (1) وثيق ليكون مطلا. و أحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل و أفنيتها و كواها،

____________

(1) الكبس: الغار في أصل الجبل (المنجد).

437

المشرق و استقباله الصبا. فإن في ذلك صلاح الأبدان لسرعة طلوع الشمس و مرّها عليهم. و أن توسع البيوت و يرفع سمكها و تكون أبوابها إلى المشرق. لأن ريح الجنوب أشدّ حرا و أثقل و أسقم.

و أصح البلدان ما كانت على رؤوس الجبال و الأماكن التي تواجه مهبّ الصبا. و ما كان في قعور و أغوار و مواجهة لريح الجنوب أو الدبور، فهي مواضع رديئة مولدة للأمراض.

و الصواب أن تتخذ الدور بين الماء و المشرق و أن تكون شرقية، و البساتين غربية. و من قرب منزله من النهر كان أقل انية ممن [102 أ] بعد عنه. و قالوا:

لتكن دوركم شرقية و ضياعكم غربية. و قال ابن كلدة: جميع خصال الدار، أن تكون على طريق نافذ و ماؤها يخرج، و ليس عليها متشرّف، و حدودها لها، و تكون بين الماء و السوق. و تصلح أفنيتها لحط الرجال و بلّ الطين و موقف الدواب. و إن كان لها بابان فذلك أمثل.

و كان إياس بن معاوية يقول: شرقي كل بلد خير و أفضل من غربيه.

و كان يقال: الجار ثم الدار، كما الرفيق قبل الطريق.

و قال يحيى بن خالد: دار الرجل دنياه. فينبغي أن يتنوّق في دهليزه فإنه وجه داره و منزل ضيفه و مجلس صديقه إلى أن يؤذن له. و مستراح خدمه و موضع مؤدب ولده و منتهى حدّ المستأذن.

و لما قدم موسى بن جعفر على المهدي، كلّمه في ردّ فدك. فقال له: أنا ناظر في ذلك، و لكن أين حدودها؟ قال: أما الأول فعريش مصر. و الثاني: دومة الجندل. و الثالث: أحد، و الرابع: سيف البحر. فقال المهدي: هذه الدنيا كلها.

فقال موسى بن جعفر: هذا كان في أيدي اليهود، فأفاءه اللّه على رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) (1).

____________

(1) توجد رواية أخرى لهذا الخبر في بحار الأنوار 48: 144 و فيه ان هذه المسألة جرت بين هارون الرشيد و موسى بن جعفر- الإمام السابع للشيعة الاثني عشرية- و أما الحدود

438

و كان على رجل من ثقيف دين فطولب به. فقال له الحسن البصري: بع أرضك و اقض دينك و أربح نفسك. فقال: يا أبا سعيد! إنا أهل بيت لا نبيع التراب حتى نصل إلى التراب.

و قال عيسى بن بشر الكوفي: أردت شراء دار فسألت جعفر بن محمد رضي اللّه عنه‏ (1) عن ذلك، فقال: اشترها.

فإن الدار مكرمة.

و في بعض الخبر قال: من قدم بلدا فأخذ من ترابه و جعله في مائه و شربه، عوفي من وبائه.

و قال قتيبة بن مسلم للحصين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء و دار قوراء و فرس مرتبط بالفناء.

و قيل لرجل بنى دارا و أعظم النفقة عليها: ما أشدّ ما مرّ عليك في بناء هذه الدار؟ قال: أشد ذلك جمعا قائما، الفعلة. و أسهل الأمور النفقة.

و قال بعضهم: سعة الدار تزيد في عقل الرجل، كما أن ضيقها ينقص من عقله. و ذلك أن الرجل إذا كان ضيق المسكن فدخل إليه داخل قصف عقله عند حرمه مخافة أن تبدو منهن عورة أو يظهر منهن ما لا يحب ظهوره. فإذا كان واسع المسكن [102 ب‏] فجميع عقله معه.

و ذكر بهبود بن القردمان أنه لما فرغ من بناء الدار التي بنيت لأنوشروان بالمدينة العتيقة أعلم بذلك فأمر المنجمين باختيار يوم لينتقل إليها فيه. ففعلوا ذلك. فلما دخلها و قد نصب سريره و سدلت ستوره و هيئ له تاجه. فلما استوى‏

____________

فهي: الأول: عدن. و الثاني: سمرقند. و الثالث: إفريقية. و الرابع سيف البحر مما يلي الجزر (لعلها الخزر) و أرمينية.

ثم ذكر بعد ذلك الرواية التي ذكرها ابن الفقيه.

(1) هو الإمام جعفر الصادق (ع). أما عيسى بن بشير فقد روى عنه علي بن حسان الواسطي القصير المعروف بالمنمس الذي روى عن الإمام الصادق أيضا. انظر: جامع الرواة 1: 566 و 649.

439

على السرير و رأى بهاءها و حسنها و جلالة فرشها و آلتها، استعبر عند ذلك باكيا لخطرة خطرت بباله من ذكر الموت و قال: إذا كان سرور الدنيا الذي يمنعه فناؤه و كثرة ما ينوبه من العاهات، فكيف بسرور الآخرة مع بقائه و خلوصه من كل مكروه؟ و إن في هذا لعبرة ينبغي أن لا تسقط على ذي حجى فيرفض الكثير الفاني القليل الباقي‏ (1). و ما أحسبنا إلّا و نجد أشرفنا من الدنيا فيما رفضنا من مخفوض مخايلها و أشخصنا الأبصار إلى ما تطأطأ من أعلام غرورها. و نحن أحرياء أن نوجه ذلك جهته، فيكون غفرانا لما بلغته الدنيا فينا من نهمتها.

ثم قال: أيها الناس! إن الذي بلغنا منه بأقصى قدرتنا لا يمتنع من الخراب و البلى بتوزيعنا إياه و فقده إيانا، و ان مداه قليل الغناء عند طول الأجل منا.

ثم نادى مناديه ان الملك يعزم على كل من حضر إلّا قام فأخبر بعيب ان عرفه في بناء الملك فأحجم الناس جميعا عن ذلك. فقام رجل ذميم المنظر رث الهيئة فقال: إن الملك قد عزم علينا بما عزم علينا. فلو لا التأثم من عزمه لكان موضوعا عاما ما أمر به. فلذلك نستجيز أن نقول ما وافقنا و خالفه. و من عيوب بنائه، أنه بني في غيطة من الأرض لا تقع عليه العيون حتى تقرب منه. و أولى المواضع ببناء المدن و الدور، المشرف من الأرض لتعلو على ما حولها، و تنظر [ها] الوفود من بعد. و منها: ان منزل نسائه أعلى منازله. و ذلك دليل في الطيرة على أن أمر النساء سيعلو على أمور الرجال. و منها: ان حق صحن الدار أن يعمر بالخدم و الحاشية و كثرة من يدخل و يخرج. و هذا الصحن يفضل عن حاشية الملك و خواصه و يتسع عنهم. و أخرى لم أشأ ذكرها. فإن يكن الملك قد عرفها [103 أ] و إلّا فليعفني من ذكرها. فقال له أنوشروان: كأنك تقول إني لم أنفق فيما عملت من هذا درهما من بيوت أموالنا، و إنما عملت ذلك مما أفاءت علينا أطراف الأسنّة و نحور الخيل من أموال أهل حربنا و أعداء أهل ملتنا المكتنفين لحوزتنا. قال: لئن قال الملك ذلك فما أفاد رسما إلّا بإتلاف رأس من رؤوس أساورته و لا عوض‏

____________

(1) الصواب فيما يبدو هو: فيرفض الكثير الباقي للقليل الفاني.

440

منهم بما خطر بهم فيه و عرضهم له. فهذا الذي عندي من عيوب هذا البناء.

فقام رجل آخر فقال: قد سمعت مقالة هذا في عيب ما عاب في بناء الملك.

و أنا أقول مثل قوله عن فضل طاعته منه، و رضا منه عنه. فقد بلغ غاية الاسخاط للذي رضاه خلاف رضاها. و إن كان الملك أباه بجهاله بما فيه، فليس بأصغر الخطأين و لا أقلهما فيما ألزمه من وزره. بل لو كان ذلك على معرفة فيما لا يشك فيه من التقصير عن شكره لكان الملك هو الجاني على نفسه. و أشد من هذا و أفحش، ان الملك عسى أن يقول: إني إنما أردت بما شيدت من هذا البناء إعزاز الدين و تفخيم أمره. فلينظر، فإن كان شي‏ء من أمر الدنيا موافقا لأمر الدين، فقد صدق في ظنه. و كذلك العائب له. و إلّا فالعيب في ذلك لازم له دون غيره.

و قام آخر فقال: قد سمعت أيها الملك ما قالا و سبقاني به. و أشد منه و أعيب أن كان خاصّة الملك و أحباؤه لم يجهلوا هذا و أغضوا عليه فلم يؤدّ أحد منهم إليه شيئا من حقه في تبيينه له أو جهلوه و لم يعرفوه. فكل أحد أغنى له و أفصح منهم له و أحق بالموضع الذي وضعهم به. ثم أطرق الناس. فقال الملك خافضا صوته: قد علمنا أن أم الفواحش لم تكن تسوغنا ما هجينا به من مجلسنا هذا حتى يكدّره علينا من طمع في ذلك من وانها (1) فقد لزمته الخبرة و الخطأ. ثم سأل عن النفر المتكلمين فإذا هم قوم متظلمون: اثنان من أهل تستر و الآخر من أهل أردشير خرة. فأمر بإنصافهم.

و أنشد أبي لمحمد بن القاسم بن يحيى المرتجى في بناء دار [103 ب‏]

أتمّها الله من دار و أكملها* * * و بالأمان من الآفات ظلّلها

للّه ما هي أبهاها و أنبلها* * * للّه ما هي أحلاها و أشكلها

هذا تلؤلؤها قبل التمام فلو* * * تمّت حمت كلّ ذي طرف تأمّلها

اللّه جلّلها نورا و جمّلها* * * و بالحسين فتى الإفضال فضّلها

سبحان خالقه سبحان خالقها* * * سبحان من منه بالتشريف سربلها

____________

(1) كذا في الأصل.

441

لم يبق في الدور بل في الأرض من حسن‏* * * إلّا و أصبح مجموعا بها و لها

فالحسن خارجها و الحسن داخلها* * * و الحسن يضحك أعلاها و أسفلها

لو كمّلت صورة من حسنها بشرا* * * لكمّلت و هي تمثال ممثلها

كأنها غادة أهدت لمالكها* * * عشقا فوشّحها حليا و كلّلها

حبا أعاليها من عسجد بدعا* * * صيغت و بالدرّ و المرجان فصّلها

ما يبصر المرء فيها بدعة بعدت‏* * * إلّا رأى حسرة أن لا يقتّلها

كأنّها درة بيضاء أبرزها* * * لا تعرف العين أخراها و أوّلها

كأنّها روضة زهراء ناضرة* * * جاد الحيا زهرها ليلا فأخضلها

كأنّها جنة الفردوس أنزلها* * * إليه ذو العرش إكراما لينزلها

لم يقض في مصر أن تبدو محاسنها* * * إلّا ليؤمنها من أن يزلزلها

في بقعة حرة كالمسك تربتها* * * فلم يكن لسوى حرّ ليجعلها

لقد حبا داره منه و خوّلها* * * فتى يرى الأرض نزرا أن يخوّلها

لم يبنها و يوسّع باب مدخلها* * * إلّا يقصدها الراجي و يدخلها

فلن يساويه حر بعد يعدله‏* * * حتى تساويها دار فتعدلها (1)

[104 أ] و قد () (2) قوم البناء و ذموه و رووا في ذلك أخبارا كثيرة أنا ذاكر بعضها إن شاء اللّه:

رووا أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: ما أنفق الرجل من نفقة، إلّا كان خلفها على اللّه عزّ و جلّ ضامنا لذلك، إلّا ما كان في بنيان أو معصية.

و قال (عليه السلام): إذا أراد اللّه بعبد هونا، أنفق ماله في البنيان.

____________

(1) في المخطوطة: فلن تساويه حتى تعدله. و في المختصر: فلن يساويه حر ليعدله. و كلاهما مضطرب. فاقترحنا كتابته على الشكل أعلاه.

(2) كلمة مطموسة.

442

و قال عبد اللّه بن زحر: من كسب مالا حراما، بعث اللّه عليه منتصرات من الأرض.

و قال مروان لأبي هريرة: اكتب لنا شيئا نذكرك به. فقال: تبنون ما لا تسكنون، و تأملون ما لا تدركون، و تجمعون ما لا تأكلون. قال: اكتب لنا غير هذا. قال: ما عندي غيره.

و قال اللّه عزّ و جلّ في ذم البناء «أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ‏».

و دخل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المسجد فإذا هو بعبد اللّه بن رواحة و أبي الدرداء بمساحته. فقال: ما هذا؟ قال: أردنا أن نمسحه ثم نسأل في الأنصار فنبنيه مثل المسجد الذي بالشام. فقال (عليه السلام): خشيبات و ثمام و ظلّة كظلة موسى، و الأمر أعجل من ذلك.

و قال إسحاق بن سويد: كانت المساجد بالقصب مدة، ثم صارت بالرهص حينا، ثم صارت باللبن زمنا، ثم صارت بالآجر. فكان أصحاب القصب خير من أصحاب الرهص‏ (1)، و أصحاب الرهص خير أصحاب اللبن، و أصحاب اللبن خير من أصحاب الآجر.

و قيل للمسيح: لو اتخذت بيتا جديدا. قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا.

و قال حذيفة لسلمان: ألا تبني لك بيتا؟ فكأنه كره ذلك. فقال حذيفة:

رويدا حتى أخبرك أنني أبني لك بيتا إذا اضطجعت فكان رأسك من هذا الجانب و رجلك من الجانب الآخر، و إذا قمت أصاب رأسك سقفه. قال: كأنك كنت في نفسي.

و لما بنى معاوية الخضراء قال لأبي‏ (2) ذر: كيف ترى هذا البناء؟ قال: إن‏

____________

(1) الرهص: الطين الذي يجعل بعضه على بعض فيبنى به (المعجم الوسيط).

(2) في المخطوطة: لأبي هريرة. و في المختصر: لأبي ذر. و الأمر مناسب لأبي ذر لما عرف عنه‏

443

كنت بنيته من مال اللّه، فإنك من الخائنين. و إن كنت بنيته من مالك فإنك من المسرفين.

و كان الثوري يقول: ما أنفقت درهما قط في بناء.

و بلغ عمر أن رجلا من عمّاله يقال [104 ب‏] له هارون جصّص بيته. فكتب إليه: إلى هارون بن أم هارون و بيته المجصّص.

و بنى ابن مسعود [بيتا]، فقال له عمّار: بنيت شديدا و تأمل بعيدا و تموت قريبا.

و بنى رجل بناء عاليا فقال له بعض الزهاد: نزلت حيث رحل الناس و أنشد:

أبعد عاد ترجّون الخلود و هل‏* * * يبقى على الدهر بيت اسّه المدر

إلى الفراق و إن طالت سلامتهم‏* * * يصير كل بني ام و إن كثروا

و بنى رجل دارا فقال للحسن البصري: كيف ترى هذا البناء؟ قال: أما أهل الأرض فغرّوك، و أما أهل السماء فمقتوك.

و قال الحسن لرجل بنى بنيانا عاليا: عمدت إلى رزق اللّه فجعلته في رأس قصر جبار.

و قال المدائني: لما بنى عبيد اللّه بن زياد البيضاء بالبصرة أمر وكلاءه أن لا يمنعوا أحدا دخولها و أن يحفظوا كلاما إن تكلم به إنسان. فدخلها أعرابي- و كان فيها تصاوير- فتأمّلها ثم قال: لا ينتفع بها صاحبها، و لا يلبث فيها إلّا قليلا. فأتي به ابن زياد و أخبر بمقالته. فقال له: لم قلت هذا؟ قال: لأني رأيت أسدا كالحا و كلبا نابحا و كبشا ناطحا. فكان الأمر على ما قال. لم يسكنها إلّا يسيرا حتى أخرجه أهل البصرة إلى الشام و لم يعد إليها.

و في خبر آخر: أنه لما بنى البيضاء أمر أصحابه أن يسمعوا ما يقول الناس.

فجاؤوه برجل فقيل له: إنه قرأ- و هو ينظر إليها-: «أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ‏

____________

من شدة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (انظر مثلا ابن الأثير 3: 113- 115).

444

وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ‏». فقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: آية من كتاب عرضت لي. فقال: و اللّه لأعملنّ بك بالآية الثالثة: «وَ إِذا بَطَشْتُمْ، بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ‏».

ثم أمر فبني عليه ركن من أركان القصر.

و أنشد لبعضهم.

يا أيّها الباني بناء يفنى‏* * * هل أنت محتال فباني حصنا؟

من حدّث الدهر يكن محبّا* * * أم للخراب يا ضعيف يبنى؟

إن كنت لا تبقى فلم تعنّى‏* * * يكفيك بيت أن يكون كنّا

[105 أ]

أما ترى الدهر الذي قد أخنى‏* * * على بني آدم كيف أفنى؟

السلف الماضين قرنا قرنا* * * فلم يذر منهم أبا و لا ابنا

و قال بعض الشعراء و قد نظر إلى قصور آل طاهر بالشاذياخ و قد خربت‏ (1):

و كان الشاذياخ قصور ملك‏* * * فزال الملك عن ذاك المناخ‏

و كانت دورهم للهو وقفا* * * فصارت للنوائح و الصراخ‏

فعين الشرق باكية عليكم‏* * * و عين الغرب تسعد بانتضاخ‏

كذاك يكون من صحب التراخي‏* * * فذاك الدهر يعقبه التراخي‏

و قال () (2) في ذلك:

فإن يمس وحشا بابه فلربما* * * تزاحم أفواجا لديه الركائب‏

يحيّون بسّاما كأنّ جبينه‏* * * هلال بدا و أنجاب عنه السحائب‏

و ما غائب من غاب يرجى إيابه‏* * * و لكنّ من قد ضمّه القبر غائب‏

____________

(1) في المختصر (قال محمد بن حبيب الضبي في دور آل طاهر).

(2) كلمة مطموسة.

445

و قال آخر في ذلك‏ (1):

فتلك قصور الشاذياخ بلاقع‏* * * خراب يباب و الميان مزارع‏

و أضحت خلاء شادمهر و أصبحت‏* * * معطلة في الأرض تلك المصانع‏

و غنّى مغنّي الدهر في آل طاهر* * * بما هو رأي العين في الناس رائع‏

عفا الملك من أولاد طاهر مثلما* * * عفا جشم من أهله فمتالع‏

و أيامهم كانت لديهم و ودائعا* * * فأرهقهم دهر فردّ الودائع‏

و قال آخر في البرامكة:

أوحش النوبهار من بعد جعفر* * * و لقد كان بالبرامك يعمر

قل ليحيى أين الكهانة و السحر* * * و أين النجوم عن قتل جعفر

أنسيت المقدار أم زاغت الش* * * مس عن الوقت حين قمت تقدّر

كيف لم تسحر السيوف فلا* * * تعمل في جعفر كما كنت تسحر؟

إنّ يحيى بن خالد و بنيه‏* * * أصبحوا فكرة لمن يتفكّر

و قال آخر منهم:

مررت على ربع ليحيى بن خالد* * * و باطنه يشكو الخراب و ظاهره‏

فكادت مغانيه تقول من البلى‏* * * لسائلها عن أهلها مات عامرة

و قال آخر

مررت على دار لظمياء باللوى‏* * * و دار لليلى إنّهنّ قفار

فقلت لها يا دار غيّرك البلى‏* * * و عصران ليل مرة و نهار

فقالت نعم أفنى القرون التي مضت‏* * * و أنت ستفنى و الشباب معار

لئن طلن أيام بحزوى لقد أتت‏* * * عليّ ليال بالعقيق قصار

____________

(1) في المختصر، جاءت هذه القصيدة بعد الخائية التي قال إنها لمحمد بن حبيب الضبي، ثم قال عن هذه أنها له أيضا.

446

[105 ب‏] و مر بعض الكتاب بالدسكرة فرأى ما فيها من البنيان و المصانع و القصور و خان الآجر و حبس كسرى و المدينة فقال‏ (1):

يا من يأمّ إلى بغداد مجتهدا* * * أرح مطيّك بين الحبس و الحان‏

بين القناطر و الدساكر و القرى‏* * * فمحلّ كسراها أنوشروان‏

تنبيك آثار الملوك بأنّهم‏* * * كانوا ذوي بأس ذوي سلطان‏

و لقد عجبت و في الزمان عجائب‏* * * ما عاينت عيناي في الإيوان‏

إيوان كسرى شاهق شرفاته‏* * * عالي الذرى مستوثق الحيطان‏

ما أن به إلّا الصدى و حمائم‏* * * مخضرة تدعو على الأغصان‏

بعد النواعم و الأوانس بدّلت‏* * * هاما و عقبانا مع الغربان‏

و تبدّلت بعد الأنيس فما ترى‏* * * إلّا العزيف بها من الجنّان‏

و قال يحيى بن معاذ: اصرف طرفك في القصور المشيدة و الحصون الممردة الأركان، الشاهقة الجدران، و انظر إلى الأبواب المترفة العجيبة البنيان. كيف قد نظمت بكيد المحتالين و إنفاق المشرقين و مهارة الشابزين‏ (2). عريضة القواعد، محكمة الوسائد، منيفة الذرى، صعبة المرتقى. للطير في جوانبها و كور، و للقطر في معالمها ندوب. قد أنافت على الأبنية () (3) و تطاولت على الهضاب بارتفاعها. و أحكمها عاملوها و جردوا فكرهم فيها و بذنوا ذخائرهم فيها و أزاحوا علل مشيديها، و بلغوا أقصى الأمل منها. و جعلوها عدة للدهر و حصنا للزمن. فلا ينالهم فيها عناء. و لا ظفر محاول. فيها العيون الجارية و القباب العالية و الحجر السامية. و الخرد النواعم و الأبكار الفواتن يجررن في عرصاتها الذيول، يسطع منهن ذكي المسك و يعبق العنبر. ترى باطن حيطانها كالو (4) ذابلة تبرق بماء

____________

(1) انفرد المختصر بذكره هذه القصيدة.

(2) كذا في الأصل.

(3) كلمة مطموسة.

(4) كذا في الأصل.

447

الطراة. قد مثل فيها التصاوير من الطير و السباع و البهائم و البسنا (1) المرسلات الشعور الفاتنات الثغور. إذا تأملها الناظر توهمها تنطق بألسنة الابتهاج. فكانت لهم مساكن مدة من الدهر، يكلفون بعمارتها، و يفنون في فنون نعمتها، و يرتعون في صحون عرصتها. حتى إذا قصدتهم العزم بانتزاع‏ (2) ما في أيديهم من عوارف النعم، و صبحتهم المثل بخواطف التكبر. فأسلمتهم إلى مدة الفناء و نزعتهم من البقاء. فعادت القصور خلاء لا أنيس فيها و لا ديّار بها. قد أخذ الخراب في أطرافها. و استحالت إلى تحير القصد محارتها. و تنكرت له الأيام مترجمة عما تؤول إليه عواقب أمرها. فللرياح فيها هتيف، و للجن بها عزيف. تصفقها هوج الأعاصير، و تنبت في أغراضها أسهم الدمار. يوقد رمتها عين البلى. و تناولتها يد الفناء. يحار الطرف في حجراتها، و تعجب الأفكار من عرضاتها. لا أنيس فيها و لا أحد يخبر عنها، و لا عالم ينبيك عن أهلها، و لا يحدثك عن سكانها. يرتاع قلبك إذا دخلتها، و تخفق جوانحك متى تأملتها و يسترهن اعتبارك [106 أ] نقوش طيقانها و أصباغ حيطانها بعد ما كانت قرة عين الناظرين، عادت عبرة للمتأملين.

و كذلك فعل اللّه عزّ و جلّ بالعباد و آثاره في البلاد.

قال: و كان السبب في بناء قصر شيرين- و هو أحد عجائب الدنيا- أن أبرويز أمر أن يبنى له باغ‏ (3) فرسخين في فرسخين. و أن يحصل فيه من كل صيد حتى يتناسل جميعه. و وكل بذلك ألف رجل، و أجرى على كل رجل من كل يوم خمسة أرغفة [من الخبز] (4) و رطلين لحما و دورق خمر. فأقاموا في عمله و ما أمر أن يجعل فيه من الصيد سبع سنين حتى فرغوا من جميع ذلك. فلما تمّ و استحكم صاروا إلى الفلهبد المغني و سألوه أن يخبر الملك بفراغهم مما أمرهم به. فقال:

افعل. ثم عمل صوتا و غناه به بين يدي الملك، و سماه باغ نخجيران أي باغ‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) في الأصل: انتزاع.

(3) باغ: هو البستان في الفارسية.

(4) تكملة من ياقوت (قصر شيرين).

448

الصيد. فطرب الملك عليه و أمر للصناع بمال فجعلوه للفهلبد. فلما سكر أبرويز قال لشيرين: سليني حاجة. قالت: حاجتي أن تصيّر في هذا الباغ نهرين من حجارة تجري فيهما الخمر (1)، و تبني لي بينهما قصرا لم يبن في مملكتك مثله. فأجابها إلى ذلك. و كان السكر قد عمل فيه، فأنسى ما سألته و لم تجسر على أن تذكّره.

فقالت للفهلبد: ذكره حاجتي و إليك عليّ أن أهب لك ضيعتي بأصبهان. فأجابها إلى ذلك و عمل صوتا أذكره فيه ما وعد شيرين و غناه إياه. فقال: أذكرتني ما كنت قد أنسيته. و أمر ببناء النهرين و القصر. فبني ذلك. و وفت شيرين للفهلبد بضمانها.

فنقل عياله إلى هناك. فلذلك صار من ينتمي إليه بأصبهان.

قال بعض أهل الأدب: قرأت على قصر خراب في المفاوز هذه الأبيات‏

يا باني القصر كم أنفقت من مال‏* * * على بنائك و البنا بالي (؟)

أطمعت نفسك في سكناه مجتهدا* * * فصار منك و ممن يقتني خالي‏

و عاد بعدك قصرا لا أنيس به‏* * * لم يبق منه سوى رسم و أطلال‏

هذا دليل على توحيد خالقنا* * * أرضا (؟) (2) و ينقل من حال إلى حال‏

[106 ب‏] قال: و قرئ على حائط شيرين‏ (3).

يا ذا الذي غرّه الدنيا و بهجتها* * * و حسن زهرة أنوار البساتين‏

و الدور تخربها طورا و تعمرها* * * باللبن و الجصّ و الآجرّ و الطين‏

و المال تكنزه حرصا و تمنعه‏* * * عن الحقوق التي فيها لمسكين‏

أما رأيت صروف الدهر ما صنعت‏* * * بالقصر قصر أبرويز و شيرين‏

أما نظرت إلى إحكام صنعته‏* * * كأنه قطعة من طور سينين‏

قد صار قفرا خلاء ما به أحد* * * إلّا النعام مع الوحشية العين‏

____________

(1) في المختصر: الخمر و اللبن.

(2) كذا في الأصل.

(3) انفرد المختصر بهذه القصيدة.

449

من بعد ما كان أبرويز أشحنها* * * بالدارعين و كتّاب الدواوين‏

و كلّ ليث شجاع باسل بطل‏* * * كمثل خرّيتها أو مثل شروين‏

و كلّ رعبوبة بيضاء بهكنة* * * تحكي بنغمتها صوت الوراشين‏

و بالعجائب من ألوان زهرتها* * * من بين ورد و خيريّ و نسرين‏

لم يبق من رسمها إلّا تلؤلؤها* * * أو ربع دار عفت من طور عبدين‏

سبحان من خلق الدنيا و دبّرها* * * و أنشأ الخلق من ماء و من طين‏

و مرّ معاوية بوادي القرى فتلا هذه الآية أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ‏ ثم قال: نزلت هذه الآية في أهل هذه البلدة و هي بلاد عاد، فأين العيون؟

فجاءنا رجل و قال: صدق اللّه في قوله. أ تحب أن أستخرج العيون؟ قال نعم.

فاستخرج ثمانين عينا. و عرف معاوية ذلك فقال: اللّه أصدق من معاوية.

و قال محمد بن عيينة المهلبي: البئر التي بالماوية هي بئر عاد، لا يقل ماؤها و لو وردها سائر أهل الأرض. و إياها عني أبو النجم العجلي بقوله:

من نحت عاد في الزمان الأوليّ‏

و ذكر الكلبي قال: بينا قوم من كلب يعرفون ببني عمد اللّه بن كنانه على ما لهم و قد نحروا جزورا و معهم زهير بن جناب الكلبي، إذ أقبل رجل من بقايا عاد يقال له عبيد بن مسهر و كان أعظم الناس جسما حتى وقف عليهم فهالهم لمّا نظروا إليه. فقالوا: دونك الركاء فشرب جميعه. ثم وقع نائما. فأقام في نومه سبعة أيام، و هرب القوم فزعا و قد ثبت زهير، فلما استيقظ قال: أين قومك؟ قلت: هربوا من رهبتك. فقال: أما لينفعنك ذلك. قم اركب معي. فركب معه فدلّه على مياه كانت لعاد مندفنة، و لم يكن أحد يعرفها غيره. منها الدمقانة (1) و أثرى و نكب و رج و الحالة و غير ذلك. ثم قال عبيد لزهير: أخبرني عن ريحكم. قال: زفزف تسقط

____________

(1) في ياقوت الدمعانة.

450

الورق. قال فأخبرني عن مطركم. قال: يزيل العود و يقلب الحجر. قال: بحسب ريحكم يكون مطركم.

قال: و العرب تزعم أن بني زهير بن جناب أقوم العرب مياها. و هي التي أوقف إياهم عليها عبيد بن مسهر العادي.

و لبني غاضرة مياه تعرف بلينة يقال إنها ثلاثمائة عين. و يزعم أهل السير أن سليمان بن داود (عليهما السلام)، خرج من بيت المقدس يريد الشام فلما صار إلى هذا الموضع الذي يقال له لينة- و هي أرض خشنة- عطش الناس، و لحق أهل العسكر أمر عظيم من ذلك. و وجه سليمان [107 أ] (عليه السلام) جماعة يطلبون الماء، و نزل في ذلك الموضع لعطش الناس. قال: فبينا هو كذلك إذ نظر إلى شيطان يضحك و يستغرب في الضحك، فغاط سليمان و أمر بقتله. فقال: لم تقتلني يا نبي اللّه؟ قال: لضحكك و الناس مشرفون على الموت. فقال: إنما أضحك لعطشهم و هم على لجة بحر. قال سليمان: و كيف ذلك؟ قال: مرهم أن يحفروا.

فإن الماء على ذراع. فأمرهم بذلك، فحفروا و أنبطوا الماء. و كان رجل قد حفر حفيرة لنفسه. فلما طال على ذلك الدهر، يدفن عامتها و بقي نميرها ما ذكرنا.

و فيها يقول مضرس الأسدي.

لمن الديار غشيتها بالإثمد* * * فصفاء لينة كالحمام اللّبّد

و يقال: إنه لم يمت قوم عطشا إلّا على ماء.

و مات قوم من العطش الشجى في أيام الحجاج- و الشجيّ منزل من منازل طريق مكة من ناحية البصرة- فاتصل خبرهم بالحجاج فقال: إني أظنهم دعوا اللّه حين بلغ بهم الجهد، فاحفروا في مكانهم الذي كانوا فيه، فلعل اللّه أن يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: قد قال الشاعر:

تراءت له بين اللوى و عنيزة* * * و بين الشجى مما أحال على الوادي‏

ما تراءت له إلّا على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا. فحفر فأنبط ماء لا ينزح.

451

و كانت الفلاسفة تقول: أفضل مستنبط المياه ما كان محاطا بشعاب الأودية.

و أمثل منازل السفر ما اتخذ على مجامع الطرق. و أمثل الغيث ما أمرع.

و قال بعض العرب: إن اللّه عزّ و جلّ أخفى ماء بإرم و البديعة و نعمان و عنلان لعباده المؤمنين. و هذه المياه كلها.

و قال المنصور يوما لجلسائه- و قد تذاكروا البرّ و البحر-: عدوّا أربعة عشر مرحلة من أي موضع شئتم، فإنكم لا تبلغون آخر العدد حتى تصلوا إلى البحر، إن شئتم شرقا و إن شئتم غربا.

و قال السدي: الجبل الذي تطلع الشمس من ورائه، ارتفاعه في السماء ثمانون‏ (1) فرسخا.

و قال [107 ب‏] المروزي‏ (2): قرأت على المأمون جواب أرسطاطاليس أستاذ الإسكندر إلى الإسكندر فيما أعلمه من فتحه البلدان و جمعه الأموال التي يتعذر عليه حملها، و عجبه من بيت ذهب ظهر له بالهند. فأجابه: إني رأيتك تعجب من عمل عملته أيدي الآدميين، و تترك التعجب من هذا السقف الرفيع الذي هو فوقك و تزيين من زيّنه بالكواكب و نصبه على الحكمة البالغة. فأما البلدان التي افتتحتها، فليكن ملكك إياها بالتودد إلى أهلها. و لا تملكها عليهم بالقهر و البغضاء. فإن طاعة المودة أحمد بدءا و عاقبة من طاعة القهر و الاستكراه. و أما الأموال، فليكن حملك إياها في جلد ثور. ففهم عنه الإسكندر ما رمز به إليه في هذه اللقطة و دفن في كل بلد شيئا من الأموال، و أثبت مواضع الكنوز في جلد ثور مدبوغ و حمله إلى الروم.

فهو إلى اليوم باق في خزانة الملك. فربما أمر بإخراجه و انتساخ مواضع منه، و أنفذ قوما من أصحابه و كتبها لهم فاستخرجوها. و أكثر ذلك في الجبال و المواضع التي يخفى أمرها.

____________

(1) في الأصل: ثمانين.

(2) يوجد اثنان باسم (أبي يحيى المروزي) أحدهما طبيب مشهور بمدينة السلام و الآخر طبيب و عالم بالهندسة (ابن النديم 322).

452

و اجتاز رجل من بني تميم برجل منهم و هو يغرس فسيلا. و كان الغارس شيخا. فقال له: كم أتى عليك من السنين أيها الشيخ؟ قال: قد جاوزت السبعين‏ (1). قال: فمثلك يعمل ما أرى؟ فأنشأ الشيخ يقول‏

اغرس فسيلا و نم عنه فسوف ترى‏* * * يوما فسيلك إن عمّرت عيدانا

فالعرق يسري إذا ما نام صاحبه‏* * * و ليس يسري إذا ما كان يقظانا

نغرس يا أخا تميم ما ترى. فإن عشنا أكلنا من تمره. و إن متنا خلفناه الأولاد. قال: إنك لبعيد الأمل. قال: اي و اللّه. إني لبعيد الأمل، خائف لقرب الأجل. و لست ممن يفرط في عمران دار لا يدري لعله سيطول مقامه فيها. و منها يتزود إلى الدار التي لا يدري متى يصير إليها. و لو أنّ من كان قبلنا أخذوا بمثل رأيك ما خلف الوالد لولده شيئا و لا ورث ميتا حيّ.

قال التميمي: فانصرفت عنه و غبرت برهة من الدهر ثم مررت بذلك المكان.

فرأيت نخلا عاليا مثمرا و آخر دونه. و إذا فتيان و أحداث، فقعدت إليهم و قلت [108 أ]: من غرس هذا النخل؟ قالوا: ذلك الشيخ. فأتيته فسلمت عليه ثم قلت:

أ تعرفني؟ فتأملني ثم قال: أحسبك صاحبنا المعنّف لنا على غرس ما ترى. قلت:

أنا و اللّه هو و أنشدته بيته. فعانقني و أقبل يحدثني و قال: إن اللّه فاعل ما يشاء. فلا يكونن خوفك ماحقا لرجائك و لا بأسك غالبا لطمعك. و إذا الفتيان بنوه و بنو بنيه.

فأقمت في ضيافته أياما و انصرفت.

و قال بعضهم: قرأت على باب قصر خراب‏ (2):

كم قد توارث هذا القصر من ملك‏* * * فمات و الوارث الباقي على أثر

قال: و قرأت على باب مدينة خراب:

كم من مدائن بالآفاق خالية* * * أمست خرابا و ذاق الموت بانيها

____________

(1) في المختصر: الستين.

(2) المختصر: على قصر بالعقيق.

453

و قال بعضهم: مررت في ربض أبي يزيد الشروي و قد خرب. و إذا على باب‏ (1) قصره مكتوب:

أفنى جميعهم و خرّب دورهم‏* * * ملك تفرّد بالبقاء عزيز

و قرئ على باب قصر:

نزل الموت منزلا سلب القوم و ارتحل‏* * *

و قال صالح المري: دخلت قصرا بالبصرة و قد باد أهله فرأيت في بعض مجالسه مكتوبا فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا. و إذا في الجانب الآخر وَ لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. و في الجانب الآخر وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا و في الرابع‏ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.

و قرئ على حائط بيعة بالحيرة: بنيت هذه البيعة و الملك عمرو بن المنذر بن الشقيقة، على يدي عمرو بن حيان. فالإله يغفر له خطيئته و يقبل نقلته إلى دار الحق. و أسفل من ذلك مكتوب:

رأينا () (2) بالإنسان جمّا* * * و لا تنجي من الدهر الحدود

و لا تنجي من الآجال أرض‏* * * تحلّ بها و لا قصر مشيد

و حدثنا بعض إخواننا أنه قرأ على باب قصر أشناس بسرمرّى:

هذي منازل أقوام عهدتهم‏* * * في ظلّ عيش خصيب ماله خطر

دارت عليهم صروف الدهر فانتقلوا* * * إلى القبور فلا عين و لا أثر

و قرئ على حائط قصر عاديّ: [108 ب‏]

يموت الذي يبني و يبقى بناؤه‏* * * أ لست ترى بالله في ذاك عبرة

____________

(1) المختصر: على باب مسجد.

(2) كلمة مطموسة.

454

فيا غافلا عن حينه أين من بنى‏* * * مدائن أضحت بعده اليوم مقفرة

رمت بهم الأيام في عرصة البلى‏* * * كأن لم يكونوا زينة الأرض مرة

و ما زال هذا الموت يغشى ديارهم‏* * * يكرّ عليهم كرّة بعد كرّة

فأجلاهم عنها سريعا فأصبحت‏* * * مساكنهم في الأرض لحدا و حفرة

و قرئ على باب قصر:

ما حال من قد عمل القصورا* * * و بات فيها آمنا مسرورا

ثم غدا في رمسه مقبورا* * * يقيم فيه أبدا مأسورا

حتى يرى من قبره محشورا* * * إمّا قرير العين أو مثبورا

و على آخر:

يا من يشيّد للخراب بناءه‏* * * شيّد بناءك في الثرى و تحصّن‏

و ذكر رجل من الصوفية أنه قرأ على باب قصر في بعض السواحل مكتوبا:

كم كان يعمر هذا القصر من ملك‏* * * سهل المحيّا كريم الخيم و النسب‏

دارت عليه المنايا في تقلّبها* * * فصار مأواه بعد العزّ في الترب‏

قال: و دخلت قصرا فرأيت قصرا حسنا كثير المجالس. فبينا أنا أدوره إذ دخلت مجلسا ما رأيت أحسن منه و فيه قبر عليه مكتوب:

و لمّا بنيت القصر أمّلت نفعه‏* * * و إنّي فيه باقيا آخر الدهر

فلما استوى و التام بوّأت كارها* * * من القصر في بيت هناك و في قبر

كذلك كان الدهر يفعل قبلنا* * * و لكن تجاهلنا و حدنا عن الأمر

قال: و رأيت في مجلس آخر مكتوبا:

جار الزمان علينا بعد غبطتنا* * * فلم يغادر لنا في القصر إنسانا

و صار مأوىّ لوحش الأرض تسكنه‏* * * أفناه ريب زمان ثم أفنانا