موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج6

- عباس العزاوي المزيد...
432 /
105

حوادث سنة 1196 ه- 1782 م‏

بابان:

ساعد محمود باشا الوزير حينما ورد بغداد فأرسل ابنه عثمان باشا و أظهر له الطاعة، و قام ببعض الخدمات الأخرى.

و هذه لم ترق للوزير بل اعتبرها أمورا ظاهرية. و حاول أن يتغاضى عما يتطلبه الولاة قبله عند ما يشعرون بقوة. و جل أمله أن يغزوه سنة 1195 ه و لكن رجح وقعة الخزاعل على قضية بابان.

و بعد أن أتم أمر الخزاعل توجه نحو بابان، و كان قبل هذا أخرج الوزير حسن باشا من بغداد فوجهت الدولة إليه إيالة ديار بكر. و بعد أيام مرض و توفي. أما كتخداه عثمان الكهية فإنه نصب قائممقاما برضى البغداديين. و أن الوزير سليمان باشا في تلك الأثناء وجهت إليه بغداد و لذا لم يرغب أن يكون عثمان الكهية بعيدا عنه فشوقه أن يجي‏ء إليه فلما جاء وجه إليه مقاطعة مندلي فبقي فيها مدة. و لكن إيرادها لم يكف لمصروفه فعرض الأمر على الوزير. و لذا فوض إليه متسلمية كركوك.

فذهب إلى منصبه الجديد إلا أنه رغب في وظيفته الأولى كهية بغداد.

و لما لم ينلها صار ينتظر الفرصة لايقاع الفتنة. و أن محمود باشا كان كارها للوزير و خائفا منه فاستولت عليه الواهمة فاغتنم المتسلم عثمان الكهية الفرصة للمفاوضة مع محمود باشا فصادف أن خابره عثمان باشا خفية في الأمر ففرح. و حينئذ حصل اتفاق و عهد بينهما.

لذا ذهب إلى عثمان باشا في لواء كوى. و كذا قام محمود باشا من (قلعة چولان) و مضى إليهما فاجتمع الثلاثة في لواء كوى فتأهبوا في تجهيز العساكر. فتحقق للوزير أنهم يضمرون آمالا و يدبرون أمرا فرأى وجوب سفره إلى محمود باشا. و لعلهم ارتابوا منه و علموا مقاصده فأبدى أنهم خرجوا عن الطاعة. فعزم الوزير على القتال و توجه إلى بابان فوصل كركوك و اتخذ ضواحي المدينة مضربا لخيامه.

106

أما محمود باشا و عثمان الكهية و عثمان باشا فإنهم جمعوا نحو خمسة آلاف أو ستة آلاف من المشاة و الخيالة و تحركوا من موطنهم، و نصبوا خيامهم في (مضيق بازيان) فحفروا المتاريس في جوانبه. و في هذه الأثناء كان يتحرى الوزير عمن يليق أن تعهد إليه إمارة بابان و شرع في ذلك. و لذا قام من كركوك و وجه جيوشه نحو الدربند و لما وصل إلى منزل (خان كيشه) فارق حسن بك جماعته منتهزا الفرصة و التحق بجيش الوزير بمن معه من جيوش و اتباع. و هذا ابن خالد باشا المقتول آل سليمان باشا أكبر إخوة محمود باشا. و في الحال عزل الوالي محمود باشا و وجه لواء بابان إلى حسن بك برتبة باشا، و ألوية كوى و حرير إلى محمود باشا ابن تمر باشا. و لتفريق سربهم وجه جيوشه نحوهم، فتمكن من افساد ما بينهم.

سمع محمود باشا خبر عزله فاضطرب و أصابه قلق عظيم. و لذا توسل بالصلح و تهالك في أمره و وسط العلماء و المشايخ و بين لهم أنه يقبل بكل شرط ما عدا العزل. و لذا قبل الوزير معاذيره و نزل عند رغبة المصلحين على أن يبعد عنه عثمان الكهية و يكف يده عن كوى و حرير و يتنازل عنهما و يقدم ثلاثمائة كيس من النقود، و أن يسلك طريق الطاعة، فيقدم أحد أولاده رهنا مع عياله. فأرسل إليه الحاج سليمان بك الشاوي نائبا عنه لتقرير أمر هذا الصلح.

فتفاوض معه فقبل بكل الشروط و أن يترك كوى و حرير و يطرد عثمان الكهية، و يقدم ابنه سليم بك مع أهله ليكونوا رهنا عنده، و يتعهد بإرسال المبلغ دون تأخير.

فلما رأى الوزير أن جميع مطاليبه نفذت قبل التعهد و أبقى لواء بابان في عهدته و أرسل إليه الخلعة و رخص محمود باشا ابن تمر باشا أن يذهب إلى أنحاء كوى ليحكمها. و عاد إلى بغداد.

107

نقض العهد:

إن الوزير حينما رجع من (خان كيشة) ذهب الروع عن أتباع محمود باشا وسولوا له أن يمتنع عن القيام يتعهداته كما أنه جهز جيشا على محمود باشا ابن تمر باشا بقصد الاستيلاء على لواء كوى قسرا و حاصروه وسط القلعة و ضيقوا عليه. فلما سمع الوزير أرسل خازنه مصطفى آغا، و كتخدا البوابين خالد آغا مع مقدار من العسكر لإمداد متصرف لواء كوى بوجه السرعة، فوردوا كركوك و عند ذلك سمع محمود باشا فندم على ما فعل. و لذا رفع عسكره عن المحاصرة و عرض الأمر على الوالي فأرسل معتمده و تشبث ببعض الوسائل و استشفع بذوات من أهل المكانة ملتمسا أن تعطى له ألوية كوى و حرير بأنواع التعهدات.

و للمصالحة وجهت إليه مرة أخرى على أن لا تعطى لابنه عثمان باشا و أن يعهد بها إلى إبراهيم بك ابن أحمد باشا و هو ابن أخيه.

و جلب محمود باشا ابن تمر باشا إلى بغداد. وافق محمود باشا أن يعهد بإيالة كوى و حرير إلى إبراهيم بك دون ابنه عثمان باشا.

حوادث سنة 1197 ه- 1783 م‏

محمود باشا في المرة الأخرى:

كانت أعيدت إلى محمود باشا ألوية كوى و حرير على أن يثابر على الطاعة و لكنه اختبرت أحواله في خلال السنتين أو الثلاث فتبين أنه لم يقف عند عهد و لم يستقر على قول فعزم الوزير على تبديله لكنه لم يجد في أمراء الأكراد من هو مستجمع الأوصاف فصبر مدة للاستطلاع و التلوم.

و في الأثناء رأى إبراهيم بك ابن أحمد باشا فاشترط الوزير أن توجه إليه ألوية كوى و حرير فوافق محمود باشا و في الخفاء أرسل إليه الوزير فاستماله فوجده راغبا في مفارقة محمود باشا و أيضا أن محمود باشا لم يقم بما تعهد به و لم تبد منه استقامة بل ظهر منه بعض ما لا يرضيه.

108

و هذا ما دعا أن يجهز الوزير جيشا جرارا و نهض من بغداد مع أن هذه الأسباب لا تبرر الحرب. و حينئذ وصل إلى كركوك. و كان في أمل محمود باشا و ابنه عثمان باشا أن يتأهبا للقراع فجمعا و وصلا إلى (مضيق بازيان) فاتخذا متاريس فيه و سدّا المضيق. و على هذا راسل الوزير إبراهيم بك رأسا و طلب منه أن يحضر ليقوم بمهمته. كما أن الوزير ذهب بنفسه إلى جهة المضيق. و أن إبراهيم بك وصل إليه بجميع إخوته، و حسن خان، و حسن بك آل شير بك و أمراء آخرين ممن لهم مكانة. جاؤوا جميعا بمن معهم فعزل محمود باشا و وجه ألوية بابان، و كوى، و حرير إلى إبراهيم بك برتبة (باشا) و في الحال توجه نحو المضيق.

أما محمود باشا فقد تفرق عنه من كان معه من جيوش و أمراء و التحقوا بإبراهيم باشا، و لذا قوض خيامه و ذهب بمن بقي معه إلى إيران. و بذلك قوي أمر إبراهيم باشا و ذهب بأبهة إلى محل منصبه. و من ثم رجع الوزير بعساكره إلى بغداد ظافرا منصورا (1).

حوادث سنة 1198 ه- 1783 م‏

قتلة محمود باشا:

وصل محمود باشا إلى (باين چوب) من مضافات سنة (سنندج) فأرسل ابنه عثمان باشا بهدايا إلى شاه إيران (علي مراد خان) بأصفهان.

ثم ذهب إلى قصبة (باغچة) القريبة من سنة لبث فيها مدة و صار يترقب أخبار ولده. و بوصوله إلى أصفهان التجأ إلى الحكام و شوقهم على افتتاح (بلاد بابان) و التسلط عليها.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 191.

109

أما الشاه فقد رحب به كثيرا و نال حظوة عنده. و وجه بلدة (صاوق بولاق) (1) إلى والده محمود باشا و أرسل إليه (رقيما) (2) فأخذه محمود باشا و قدمه إلى الحاكم هناك و هو بداق خان إلا أن الشاه لم يكن مسلطا على جميع أنحاء إيران سيما أنه لم يستول على آذربيجان. و لذا اضطر أن يسلم إلى حاكمها مقاليد الحكم. و هذا اتفق مع أمراء مراغة و سلماس و خوى فشدوا أزره و أمدوه بنحو عشرة آلاف محارب و عاونوه فعلا ليخالف هذا الأمر.

و في هذه الحالة لم يكن مع محمود باشا سوى خمسمائة فارس، فلم يرغب في الحرب إلا أن ابنه عبد الرحمن بك ألحّ عليه. و لذا فرق جيشه إلى قسمين تعهد هو قسما فكان قائده، و القسم الآخر جعله تحت قيادة ولده عبد الرحمن بك، و حملوا على الإيرانيين حملة صادقة و لم يبالوا بكثرتهم و أوقعوا فيهم قتلا. فكسر عبد الرحمن بك (بداق خان) و مضى في تعقيبه، و كذا محمود باشا أراد القضاء عليهم فمضى بنحو عشرين خيالا فهاجم الطرف الآخر و حاول تمزيق شملهم أيضا. فجاءته طلقة أردته قتيلا و فر من كانوا معه و أن الإيرانيين في هذه الحالة ألقوا القبض عليه و ذبحوه. و حينئذ حلوا مكانه.

أما عبد الرحمن بك فإنه عاد من تعقب أثر عدوه و حين رجوعه شاهد الإيرانيين ضربوا خيامهم مكانه فخرق جانبا من جوانب العدو و ذهب إلى سقز (ساقز) فاستراح بها و كتب إلى عثمان باشا بما وقع.

و هذا عرض القضية على الشاه.

و على هذا جهز الشاه جيشا لأخذ الثأر و جعل عثمان باشا قائدا له و رخصه أن يحارب (بداق خان) فجاء عثمان باشا بعسكر إيران إلى سقز

____________

(1) و بعضهم يلفظها صادق بولاق و هي من مملكة اردلان.

(2) هو الفرمان أو الأمر السلطاني.

110

فخرج حاكمها عباس قولي خان لاستقبالهم. و كان فكره مصروفا إلى أن يدعوه إليه لكنه أخبر أن تجاوز بداق خان كان بتسويل منه. و لذا ألقى القبض عليه و قتله و أغار على سقز فانتهبها. و لما اعترض عليه الجيش و أمراء إيران قال لهم: إن عمله كان بأمر من الشاه. و علموا أنه القائد من جانبه فسكتوا و لم يخالفوه و أخبروا الشاه بذلك سرّا.

ثم إن الباشا ذهب بالعسكر على (صاوق بولاق) و حاصر بداق خان في القلعة و شرع في التضييق عليه. و في هذه الأثناء وصل الخبر إلى الشاه فندم على ما فعل و كتب رقيما إلى أمرائه أن ينتهزوا الفرصة فيلقوا القبض عليه و يأتوا به أو يقتلوه. و كان أمره هذا خفية مع رسوله أحد الأمراء المعتبرين. و حينئذ لقيه عبد الرحمن و ألقى القبض عليه و أخذ الكتاب منه ففضه و اطلع على مضمونه. و لذا أخبر توّا و بلا امهال عثمان باشا بالخبر.

و لما وقف على جلية الأمر اتخذ من لطائف الحيل ما سهل له الخروج من هذا المأزق الحرج و فارق إيران. و ذلك أن عشائر بلباس جاؤوا لإمداد بداق خان فوصلوا إليه فأخبرهم بحقيقة الأمر. و حينئذ أبدى له البلباس من الحمية ما لا يوصف. رأى الإيرانيون أنهم لا يستطيعون المقاومة. و لذا عادوا. ثم إن عثمان باشا أنقذ أمتعته و أهله من سقز و معه عسكر البلباس فتوجه نحو رواندز فأسكن أهله و حاشيته فيها و ذهب إلى بلباس فأقام هناك. و منها ذهب إلى العمادية، فأقام فيها في (ناوكر). و حينئذ عرض على الوزير ما جرى عليه و على والده مفصلا و طلب أن يعفو عما بدر منه، فعفا الوزير و أعطاه الرأي و الأمان بواسطة مصطفى آغا السلحدار.

و بوروده إلى العراق حصل للوزير أمان من الغوائل. و توجه عثمان باشا إلى بغداد و نال لطفا و إكراما. طيب الوزير خاطره. و بعد أن بقي بضعة أيام وجه إليه مقاطعات قزلرباط و خانقين و علي آباد.

111

الخزاعل و محسن شيخ الشامية:

إن الشيخ محسن شيخ الشامية عصى بلا موجب و نهب فلما تحقق منه ذلك سار إليه الوزير بنفسه لقمع غائلته. أما الشيخ فقد تحصن في قلعته (السيباية) و اعتمد على رصانتها و على أتباعه للنضال. بقي الوزير بضعة أيام يحاول نصحه فلم ينتصح، فاضطر للهجوم عليه من كل صوب فاشتد عليه الأمر. و لما لم يجد في نفسه قدرة على المقاومة فر بمن معه و تركوا أموالهم و أمتعتهم غنائم و نجوا بأرواحهم فضبطت ديارهم.

هذا، و كل ما يبغيه الوزير أن يحصل على الغنائم فاتخذ التهاون منه في أداء الرسوم عصيانا. و من ثم أبدى أن حمد الحمود كان موافقا له و أهلا للقيام بالمشيخة فأضاف إليه مشيخة الشامية ضميمة على مشيخة الجزيرة و نظم تلك النواحي ثم عاد إلى بغداد.

حوادث سنة 1199 ه- 1784 م‏

الخزاعل و حمد الحمود:

منح حمد الحمود مشيخة الشامية و الجزيرة معا فكان ينتظر منه الوزير أن يقوم بخدمات جلى فلم يفعل فأظهر الوزير أنه عصى و سلك طريق البغي. و لذا جهز جيشا لجبا و ذهب بنفسه للوقيعة به و سلك طريق الشامية، فوصل تجاه الديوانية و نصب جسرا على شط الفرات و عبر إلى جانب الجزيرة فوصل إلى محل يقال له (لملوم) و كانت الخزاعل محتشدة قريبا منه. فأحاطت بهم الخيول من كل جانب إلا أن الانهار منعت من الزحف عليهم. و لذا حط الجيش رحاله في الجانب الآخر من الگرمات (القرمات و هي الأنهر الفرعية) و لا تزال معروفة بهذا الاسم. فحاول الجيش العبور إليهم فلم يتيسر له نظرا لعمق المياه. فبقوا بضعة أيام لدرس الوضع و ليتمكنوا من مراعاة الوسائل الناجعة.

112

و في هذه الأثناء رأى العشائر أنهم سوف ينالهم ضنك و أدركوا وخامة العواقب. فكسروا الكرمات التي يعلمون أنها مضرة بالجيش فأحدثوا عليه سيلا عظيما و شوشوا الاوضاع فاضطر أن يرفع خيامه لكنهم كانوا يعيثون في جوانب الجيش فيدافع و يصدّ الهجمات فذهب الجيش و توقف في الحسكة.

و لما لم يتمكن الجيش منهم لأن العشائر كانت أدرى بشعابها اتخذ معهم طريقة سد الفرات من المحل الأول، فأجهد الوزير العمال. و لم تمض مدة حتى أحكموه أكثر من الأول. و حينئذ عزم على حربهم و تأهب للوقيعة مع العلم أنها غير مثمرة فشاع أن عجم محمد الكهية دخل العراق و جاء إلى الخزاعل بعد أن تجول في بلاد الكرد و إيران فحذر منه و فكر أن الدوام على هذه الحرب لا يأتي بفائدة بل ربما ولدت نتائج مزعجة، و حينئذ جاءت دخالة من الشيخ حمد الحمود و طلب العفو فوافق الوزير مراعاة للمصلحة فأبقى المشيخة في عهدته و ألبسه خلعة الإمارة و عاد (1).

حوادث سنة 1200 ه- 1785 م‏

سليمان بك الشاوي:

علم الوزير بخدماته فلم يقصر في أمر تكريمه تجاه مساعيه المبرورة و أعماله المرغوب فيها فراعى جانبه أكثر من جميع الوزراء و كان مظهر الاحترام و الرعاية.

و ذلك ما دعا أن يتجاوز حدود الخدمة، و لم يبال بالرسوم المرعية

____________

(1) دوحة الوزراء ص 194. و مطالع السعود ص 57.

113

و إنما كان خشنا فظ الطباع، تتغلب عليه حدة و غضب مما توصل به حساده لإبعاده فبلغوا ما أرادوا (1).

وزادوا أنه ناله غرور و ظن أنه في استغناء فلم يعرف قدره. و في خلال وزارة الوزير كان يدخل عليه و يتكلم بما يخدش خاطره و كان في وسعه أن يتخذ وسائل تأديبية قاسية فاكتفى بأن صرح له تارة، و لمح أخرى أن يكف فلم ينتبه. حتى أنه و بخه فلم يبال. و من ثم نفر منه و مع هذا لم يبدر منه ما يخالف و إنما استعمل الحلم و الرفق معه.

و من جانب آخر أن الشاوي خاصم أحمد آغا المهردار و ناصبه العداء مع علمه بخدمته للوزير و أنه ربي في أحضانه فكان يحتقره في أكثر الأحيان فيتحمل منه. فاشتدت المناوشات بينهما و توترت العلاقات العدائية (2). قال صاحب المطالع: إن الشاوي لم يعده في عير و لا نفير.

و يلاحظ أن الوزير جعل كل أموره في يد مهر داره و اتخذه معينا له و كاتم أسراره. و في هذه المرة أراد أن يعينه كتخدا له ففاتح الشاوي بذلك و لما كان أحمد آغا ابن خربنده (مكاري الجيش) و نظرا لحسن صوته و صورته استخدمه الوزير. و لذا قبح الشاوي أن يكون كتخداه.

ذلك ما مكن الخصومة بينهما حتى انقلبت إلى عداء. و لما كان الاثنان ممن يودهم الوزير اجتهد أن يؤلف بينهما و سعى لإزالة ما بينهما فكان تماديه على هذه الحالة مما كرّه الوزير عليه.

هذا هو السبب الظاهري الذي أريد إشاعته مع العلم أن الأمر بيّت ليلا فاتخذ المخالفة بين أحمد آغا و الشاوي وسيلة للتنكيل بسليمان و أن يكون بعيدا عن بغداد. أراد الوزير أن تكون الإدارة خالصة للمماليك‏

____________

(1) مطالع السعود ص 58.

(2) مرآة الزوراء.

114

و وطد الوضع بالقضاء على نفوذ الينگچرية و العشائر العربية و الإمارات الكردية ربى مماليك آخرين فتمكنوا من الإدارة و التسلط على الوضع‏ (1).

و من هذه التدابير إقصاء الشاوي. أراد أن يقضي على كل عنصر فعال من العناصر الأهلية و هذه كانت سياسته في الخفاء فالوقائع و ما قام به من الأعمال أظهرت مكنون سره فلم يطلع على فكرته سوى مهر داره‏ (2).

ذهب سليمان الشاوي بأتباعه و خرج من بغداد نحو هور عقرقوف فاستقر هناك قليلا و التفت حوله عشائر العبيد و العشائر الأخرى و صار يشاع أنه يحشد الجموع لايقاع الاضطراب و أنه سلك طريق البغي فصارت هذه العصبة أم البلاد. و ابن البلاد يعدّ عاصيا و حينئذ عزم الوزير على دفع غائلته فجلب إبراهيم باشا متصرف ألوية بابان و كوى و حرير بجيوشه و جهز جيوشا عديدة من بغداد و جعل أحمد آغا قائدا لمحاربته، فلما سمع بذلك رحل إلى (وشيل) في شمال تكريت.

نهض الجيش من بغداد بسرعة ليلتحق به إلا أنه انتبه لذلك قبل أن يصلوا إليه فعلم أن لا طاقة له بهم فترك أثقاله و سارع إلى أنحاء الخابور و هذا هو المطلوب فصارت أمواله غنائم و رجعوا إلى بغداد (3).

إخوة سليمان الشاوي:

لما خرج سليمان من بغداد لم يتابعه إخوته حبيب بك و محمد بك، و عبد العزيز بك. فالكل اختاروا البقاء و أن يكونوا في خدمة الوزير.

و الظاهر أنهم لم يدركوا الغرض و حينئذ خوفهم بعض المغرضين‏

____________

(1) مرآة الزوراء و دوحة الوزراء ص 196.

(2) مرآة الزوراء.

(3) دوحة الوزراء ص 196.

115

جامع الآصفية- متحف الآثار ببغداد

و حينما (1). سمعوا أن سليمان بك ذهب إلى جهة الخابور التحقوا به و اتفقوا معه‏

نصب أحمد آغا كتخدا:

كان أحمد آغا متحليا بحلية العلم. و له دراية كافية فهو فطن.

جمع السداد و الاستعداد مما دعا الوزير أن يرغب فيه منذ الصغر لما ظهر من آثار مواهبه. يضاف إليها حسن القوام و الهندام‏ (2). أذعن له الكل. لذا رغب الوزير في تقريبه قبل أن يكون متسلم البصرة فرباه عنده، و كل ما عهد إليه قام به أحسن قيام فتوضحت له أحواله و تبين إخلاصه فأبرز من المقدرة ما لا يدع قولا لقائل. فتمكن من إبداء أكبر المواهب في الخطوب الجسام و ملك الحظ الأوفى لا سيما القدرة التي أبداها في حرب سليمان الشاوي و الانتصار عليه إذ عدها أم المسائل‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 196.

(2) مرآة الزوراء.

116

و أكبر الأعمال فتزايدت الرغبة فيه لذلك كله أنعم عليه بمنصب كتخدا و ألبسه الخلعة (1).

القحط في بغداد:

و في ربيع الثاني من سنة 1200 ه لم يقع مطر و لا حصل نبت فتولد القحط فبلغت قيمة وزنة الحنطة سبعة قروش أو ثمانية. و وزنة الشعير خمسة أو ستة. لكن الضعفاء لم يتيسر لهم الشراء فنالهم عناء كبير و مات أكثرهم جوعا. و دام سنتين و نصف السنة. و في آخرها صار الطاعون و في هذه الحادثة وزع الوزير على الأهلين مخازن الأطعمة بأقل من السعر المقرر و لم يبق إلا ما يكفي للحاجة. و مع هذا هاجت الناس و ماجت في كل أنحاء بغداد في الحلة و الحسكة و الأطراف الأخرى فحصل ضيق وزاد الخطر. فلا يمضي يوم إلا و الغلاء في ازدياد فصار الناس يأكلون الكلأ و يمتصون الدماء و يتناولون ما هو منهي عنه لما نالهم من السغب و أصابهم من الضعف.

شغب من سغب:

و في هذه المرة هاج لفيف من الناس لما نالهم من سغب فحمل ذلك على البغي و العدوان، و عدوا هؤلاء القائمين بقية من أولئك المناوئين أيام عبد اللّه باشا و حسن باشا. و الحال أنهم قاموا من جراء الجوع الذي أصابهم و ما نالهم من ضجر، فحملوا علم الشيخ عبد القادر الكيلاني و أشعلوا الفتنة و هجموا بغتة على دار الحكومة و قالوا:

إن عباد اللّه ماتوا جوعا، انقذونا بتدبير ناجع عاجل!!

و لما وصلت مقدمة هذا الجمع إلى قرب سراي الكهية خرجت‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 197.

117

عليهم ثلة من الخيالة في الحال و بناء على أمر الوزير صدهم آغا المطرجية فقابلوا الأهلين و حملوا عليهم. و لم تمض طرفة عين إلا و كسروهم و شتتوا شملهم و قتلوا بعضهم و ألقي القبض على البعض الآخر و اختفى الباقون و من قبض عليهم صلبوا في الحال ليكونوا عبرة. و كذا قبض على باقي من كانوا فجلد بعضهم بالعصي ثم أبعدوا إلى جهة البصرة (1).

وفيات:

1- توفي أمير الحلة عبد الكريم بك يوم الاثنين 18 جمادى الأولى.

و هو من أسرة عبد الجليل بك أمير الحلة.

حوادث سنة 1201 ه- 1786 م‏

عودة الحاج سليمان الشاوي:

مضى الحاج سليمان بك إلى جهة الخابور في العام الماضي فأمضى أوقاته بضعة أشهر فجمع شمله و التفت حوله العبيد و جاء إلى (سحول) التابع إلى (عانة) فأقام فيه. و على هذا أصدر الوزير أمره و أرسل قوة بقيادة كتخدا البوابين خالد آغا فوصل إلى الفلوجة و مكث بضعة أيام لترتيب الجسور و العبور إلى صوب الشامية.

أما الشاوي فقد سبر قوته فتحقق أن لا قدرة لها. لذا أرسل ابنه أحمد بك إلى الفلوجة، فالتقى الجمعان فانتصر جيش أحمد بك على جيش خالد آغا و قتل في هذه المعركة بكر باشا من أهل كوى و كثيرون و ألقي القبض على أسرى لا يحصون و بين هؤلاء قائد السرية خالد آغا، و معه محمود باشا ابن تمر باشا متصرف كوى سابقا فجاؤوا بهم إلى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 198.

118

الحاج سليمان الشاوي في (أبي قير) و (الاخيضر) من أنحاء كبيسة.

و حينئذ أمر بأن يعاد إلى محمود باشا فرسه و مسلوباته و أرجعه مكرما.

و أما خالد آغا فقد أخره عنده ..

هجوم الشاوي على بغداد:

بعد المعركة في الفلوجة بنحو شهر ورد الحاج سليمان بغتة وقت الظهر إلى شريعة الإمام موسى الكاظم و دخل جانب الكرخ بعد الغروب إثر قتال عنيف فنزل مقام الحلاج. فلما سمع الوزير بادر الدفاع و لكنه أحس بالخطر حتى ضاق خناقه و وهت منه قوى التدبير فعين مشاة لدفع الموما إليه و تبعيده فمشوا عليه من كل صوب فحاصروه و ضيقوا عليه.

و الصحيح أن هؤلاء كانوا من عقيل حفظوا الجانب الغربي و أنقذوا الوزير من خطر هذا الحادث. و رفعوا الحصار عن بغداد فانكسر ابن الشاوي و فارقته جماعته. أما إخوانه فقد نفروا منه و لهم رغبة في الاستئمان من الوزير فوجدوا مجالا فاضطروا للانفصال فحصلوا ما أرادوا و زيادة أما سليمان بك فقد رأى انفصال إخوته عنه فلم يبق له أمل في البقاء. اشتغل جيشه بالنهب و السلب فناله من عقيل ما ناله و حينئذ تفرقت حاشيته فرجع بمن معه إلى جهة الدجيل فعبروا إلى الشامية و ذهبوا إلى أبي قير، و أبيرة من أراضي شفاثا فنزلوا فيها.

أراد الوزير القضاء على غائلتهم تماما فأرسل أحمد الكهية للهجوم فعبر من المسيب و توجه نحو أبيرة و هناك وقعت مقاتلة خفيفة و قبل أن يعلم الغالب من المغلوب انفصل الواحد عن الآخر و رجع أحمد الكهية بعسكره إلى بغداد و ذهب الحاج سليمان إلى المنتفق‏ (1).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 199 و مطالع السعود ص 108.

119

الحاج سليمان و المنتفق و الخزاعل:

ثم إن الحاج سليمان الشاوي ذهب إلى ثويني شيخ المنتفق فناصره و كتب إلى حمد الحمود شيخ الخزاعل أن يتفق معهما فوافق. و لذا أمر ثويني أن تتجمع العشائر و تتأهب للحرب فأعدوا للأمر عدته. فتقدموا نحو البصرة و تسلطوا على مقاطعاتها و أرسل ثويني أخاه للاستيلاء عليها فضبطها و ألقى القبض على متسلمها إبراهيم أفندي و أخذوا كافة أمواله و وضعوه في سفينة و ساقوه إلى جهة مسقط فأقعد ثويني أخاه في البصرة فتمكن في الحكم.

قال صاحب المطالع في متسلم البصرة إنه «كان قبل استيلاء ثويني عليه، و احتوائه على ما في يديه، أقام للفسوق، نافق السوق، و تنافس في أيامه بترقيص الأولاد، و القينات في كل محفل و ناد، فما ترك بابا من الفسوق إلا فتحه، و لا زندا إلا أوراه و قدحه، فعاقبه اللّه على فعله، فأبعده عن مقره و أهله ...» اه.

أما الوزير فإنه أراد القضاء على آمال هؤلاء فاهتم للأمر و صار يجهز الجيوش و كتب إلى إبراهيم باشا متصرف بابان و كوى و حرير و إلى عبد الفتاح باشا متصرف درنة و باجلان أن يوافوه بجيوشهم و أن يحضروا بأنفسهم للحرب‏ (1).

عزل و نصب:

إن الموما إليهما امتثلا الأمر إلا أنهما لم يتخذا الأهبة الكاملة من ذخائر و مهمات و لم يفكرا في بعد الشقة. فاتخذ الوزير ذلك سببا فحين ورودهما عزلهما و وجه متصرفية كوى و حرير إلى عثمان باشا ابن محمود باشا، و متصرفية درنة و باجلان إلى عبد القادر باشا عم عبد الفتاح باشا

____________

(1) دوحة الوزراء ص 199 و مطالع السعود ص 108.

120

و كساهما الخلع. أما عثمان باشا فقد انتظر في بغداد و أذن لأخيه عبد الرحمن بك أن يأتي بالجيوش المطلوبة من ديار الكرد فيكمل جيشه و أكد له في الاستعجال و المجي‏ء بسرعة (1).

السفر على الخزاعل و المنتفق:

إن عبد الرحمن بك حينما وصل إلى ديار الكرد قام بالمهمة. فجاء بالجيش على أتم عدة و انتظام و وصل إلى بغداد فأضاف جيشه إلى الموجود من عساكر عثمان باشا، و أكثر هم مدرعون و بأيديهم الأتراس و كانوا نحو الألفين من النخبة أما الطوائف الأخرى فقد تأهبت أيضا.

و في هذه الأثناء ورد إلى الوزير حمود بن ثامر السعدون و معه نحو مائة من قومه، لذا ذهب الوزير بنفسه و معه قوة كافية العدة و العدد و توجه نحو الخزاعل و المنتفق، و حينما وصلوا حسكة وجدوا الخزاعل متأهبين للنضال و في مقدمتهم رئيسهم حمد الحمود بعشائره، فتقدم الوزير عليهم، فساق الكتائب و ضيق عليهم الحصار في قلاعهم (سيبايه) و أحاط بهم من جميع جوانبهم فلم يطيقوا صبرا و قتل أكثرهم و تشتت شملهم و أن رئيسهم لم ينج إلا بشق الأنفس‏ (2).

حوادث سنة 1202 ه- 1787 م‏

حرب المنتفق:

ثم إن الوزير سار في طريقه على المنتفق حتى وصل إلى (أم العباس) و هناك ضرب خيامه، و أن شيخ المنتفق و الحاج سليمان بك و حمد الحمود شيخ الخزاعل كل هؤلاء حشدوا جيوشا وافرة، فكان‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 199.

(2) دوحة الوزراء ص 200.

121

جمعهم يبلغ من الخيالة و المشاة نحو العشرين ألفا. و استعدوا في (نهر عمر) فمكثوا ثلاثة أيام عبأوا الجيوش تعبئة حربية كاملة. و في اليوم الرابع من مقام الوزير في أم العباس أي في غرة المحرم ضحى يوم الأحد ظهر جمعهم في البر كما أنهم سيروا قسما نهرا في شبارتين فأطلقوا المدافع على الجيش و شرع الوزير في القتال. فكان عثمان باشا على الميمنة، و إبراهيم باشا على الميسرة، و كذا نظمت المقدمة و الساقة بالوجه المطلوب، فكان الوزير في القلب بدائرته و خاصته.

و حينئذ التقى الجمعان في (أم الحنطة). و في هذه الحرب سلّ الوزير سيفه و أبدى من الأقدام و الشجاعة ما لا يوصف كما أنه حضّ الجيش على الثبات و الصبر. و في هذه الأثناء هاجمتهم العشائر بعشرة آلاف من المشاة و مثلها من الخيالة.

أما جيش الوزير فقد صدّ هجماتهم و أبدى دفاعا خارقا إذ لو خذل في هذه الحرب فلم يبق وزير و لا حكومة مماليك فكانت هذه الواقعة خطرا كبيرا عليه، فكان الهول فيها عظيما حتى تبين أن جيش الوزير هو الغالب و قتل من خيالة العرب نحو ثلاثة آلاف أو أكثر و من المشاة ما لا يحصى و استولت الجيوش على الغنائم و فر العرب، و حينئذ فرح الوزير و ناله ما لا مزيد عليه من السرور.

انعزل قبل مدة عن ثويني بن عبد اللّه (الشيخ حمود بن ثامر السعدون) و التجأ إلى الوزير فكان العامل المهم في ربح الحرب فمنحه عند ما انتصر مشيخة المنتفق كما أنه وجه مشيخة الخزاعل إلى محسن الحمد و كذا وجه متسلمية البصرة إلى مصطفى آغا الكردي (خازنه) و نظم الأمور. و أبقى الباش آغا إسماعيل آغا التكه لي رأس اللاوند مع جملة بيارق خيالة في البصرة.

و كان سفره من بغداد في 12 جمادى الأولى سنة 1201 ه و رجوعه في 8 ربيع الأول سنة 1202 ه.

122

و يلاحظ أن الوحدة انفصمت عراها بانعزال حمود الثامر، و محسن الحمد فلم تكن الواقعة مما يترتب عليها أمر الحياة و الممات كما و صفها المؤرخون. و إنما سلط الوزير الكرد على العرب كما أنه استخدم كثيرا من العرب مما ثبّت هذه الحكومة. و كان بين حياتها و موتها نفس واحد (1).

حدث غلاء في سنة 1202 و يقال له «خسباك» أو قحط خسباك‏ (2).

حوادث سنة 1203 ه- 1788 م‏

العفو عن سليمان الشاوي:

إن حادثة المنتفق فرقت شمل المتحاربين و بقي سليمان بك ضاربا في البوادي و القفار، فلم ير بدّا من طلب العفو، راعى الوزير خدماته القديمة و إخلاصه فعفا عنه و سمح له بالدخول في بغداد. و الصحيح أنه حذر أن يحدث أمرا أكبر من الأول أو مثله في خطره و كانت ضبطت أملاكه، فأعيدت إليه و أن يسكن في غابة (تل أسود) (3) فأقام هناك‏ (4).

مصطفى الكردي:

وجهت إيالة البصرة إلى مصطفى الكردي إلا أنه كان مغبرا من الوزير فأضمر له في الخفاء الانتقام. فلما وجهت إليه البصرة كاشف عثمان باشا آل بابان بسره و كانت بينهما مودة قديمة. قال له: إذا ربحت الإيالة أساهمك فيها و أخذ عهدا منه. و لما نال منصب البصرة رآها

____________

(1) دوحة الوزراء ص 202.

(2) (عن مجموعة عمر رمضان).

(3) هذا التل لا يزال موجودا و يبعد عن جسر الخر نحو ربع ساعة في السيارة و كانت بقربه غابة عرفت بهذا الاسم. و الآن لا وجود لها.

(4) دوحة الوزراء ص 202.

123

محققة لنواياه فاغتنم الفرصة كما أنه أطمع رئيس الكتيبة (باش آغا) و الرؤساء الآخرين ممن معه و وعدهم بوعود خلابة و كتب إلى ثويني شيخ المنتفق أن يكون معه و قربه إلى ديار المنتفق و كان حمود الثامر رئيسا جديدا لم يحصل على رضا العشائر. لذا مال القوم إلى رئيسهم القديم فمنحه المشيخة و عرض على الوزير أن حمودا لم يقدر أن يقوم بالمشيخة ففوض الرئاسة إلى ثويني.

جاء حمود إلى بغداد. و كانت أعمال هذا المتسلم على خلاف رغبة الوزير فاضطر أن يغمض العين عنه لذا أبدى الوزير موافقته على نصب ثويني شيخا و أرسل له الخلعة. و جلب رئيس الكتيبة و بيارق الخيالة إلى بغداد. لعلمه باتفاق المتسلم مع رئيس الكتيبة. و في هذه تغافل عنه و لم يقم بأي عمل تشم منه رائحة الارتياب، فعينه إلى زنگباد مع رعيل الخيالة و لكن مصطفى آغا لا يزال باقيا على نواياه، و لذا أرسل إلى عثمان باشا بالخبر و بين له أنه لا يزال باقيا على عهده. فجددوا العهد بينهما و وثقوه بالأيمان المغلظة و باشر مصطفى آغا في مهمته و صار لا يلتفت إلى أمر، أو نهي و كذا قوّى الأواصر القديمة بينه و بين رئيس الكتيبة إسماعيل التكه لي‏ (1) و راسله مجددا فظهرت النوايا. فعزم الوزير على تأديبه و القضاء عليه. و رأى أن غائلته لا تقل عن غائلة الشاوي.

و لذا خابر سرّا رئيس قبطانية شط العرب مصطفى آغا آل حجازي أن يغتاله من جهة، و من أخرى أرسل محمد بك لاستمالته و نصحه ليوهم أنه مرسل للنصيحة إلا أن محمد بك إثر وروده إلى البصرة أطلعه الآغا على الأمر المتضمن اغتياله و لذا ركب في الحال و ذهب إلى المناوي و قتل رئيس القبطانية و أبدى العصيان و اتخذ الوسائل لتنفيذ مطلوبه.

____________

(1) في الدوحة ورد (تكيه لي). و صواب تلفظها (تكه لي) و في مجموعة خطية ورد (تكلي). و الشائع على الألسنة (تكرلي). و آل التكرلي معروفون في بغداد.

124

فلما علم الوزير أن قد هتك الستر أصدر أمره بالسفر عليه بنفسه و جاهره بالعداء. فأمر عثمان باشا أن يجمع الجيوش و يأتيه بها، و إلى هذا الحين لم يطلع الوزير على المخابرة الدائرة بين عثمان باشا و مصطفى آغا و أنهما بيتا الأمر ليلا دون علم من الوزير إلا أن الحاج سليمان حينما سمع بعزم الوزير على حرب مصطفى آغا أعلمه بأن هناك خفايا يأمل أن يعفو عنه و الظاهر أنه أراد الانتقام منهم، فأرسل إليه الكهية معتمده سليمان آغا ليستطلع القضية فأخبره بأن بين مصطفى آغا و بين عثمان باشا مراسلة و اتفاقا، فسلم كتابا ورد إليه من عثمان باشا، يتضمن دعوته لما عزم عليه فأرسله مع سلمان آغا ليقف على الحالة ...

قدمه إليه تأييدا لقوله‏ (1).

و حينئذ علم الوزير بدخائل الأمور و حاول أن يتوسل بأسباب جلب عثمان باشا. و لذا أرسل إليه عبد اللّه بك أخا أحمد الكهية فحلف له الأيمان و وثقه بالمواعيد فاستصحبه و جاء به إلى بغداد و كان الموسم شتاء فأكرمه الوزير كثيرا و أظهر له اللطف و الإنعام على أن يأتي بجيشه في الربيع. و على هذا تأخر بضعة أيام ثم رخصه و لزيادة اطمئنانه أوجد بينه و بين أحمد الكهية صهرية بأن زوج أخته من عبد اللّه بك.

و على هذا، استصحب جيشه في الربيع و جاء إلى بغداد فولد يأسا في مصطفى آغا و من له ارتباط حينما رأوا مجيئه. و من جملة هؤلاء رئيس الكتيبة استولى عليه الارتياب، و كذا أصاب أمراء السرية رعب ففر بهم و عدتهم نحو 25 أو 30 ذهبوا إلى البصرة. و أما العساكر الباقية فقد كانت على استعداد، فتحرك الوزير من بغداد في 11 جمادى الأولى و معه جحافل جرارة. أما الشيخ ثويني فإنه هيأ وسائل الدفاع و أعد العدة.

____________

(1) مطالع السعود ص 112 و دوحة الوزراء ص 203.

125

و لما وصل الوزير بجيشه إلى العرجاء اضطرب ثويني منه و مال إلى الصحارى و القفار كما أن مصطفى آغا تزلزل وضعه و تفرق جمعه فلم يستطع البقاء في البصرة و انهزم إلى الكويت‏ (1). و على هذا نظم الوزير تلك الأنحاء و أزال عنها الاضطراب و رتبها و توجه إلى البصرة فدخلها بأبهة و جعل حمود الثامر شيخا على المنتفق و نصب الأمير عيسى بك المارديني متسلما و استراح بضعة أيام ثم رجع إلى بغداد (2).

عزل عثمان باشا:

و لما وصل الوزير إلى المسعودي أمر أن يحدر له الجسر ليعبر جيشه فنصب و مر منه الجيش بأبهة عظيمة فبات تلك الليلة بالباب الشرقي. و في اليوم التالي سلخ رمضان دخلت الجيوش بغداد. و حينئذ استصحب الوزير عثمان باشا. ركب زورقا و عبر و لما كان متألما كثيرا من خيانته عزله في الحال و أمر بحبسه و وجه متصرفية بابان إلى إبراهيم باشا المتصرف السابق لوثوقه منه. و كذا وجه ألوية كوى و حرير إلى محمود باشا ابن تمر باشا.

و لما رأى جيش عثمان باشا ذلك بأعينهم أصابهم اندهاش فانفصل بعضهم من الجيش و البعض الآخر فرح بتعيين إبراهيم باشا و في الحال توجه الفريق الساخط إلى ديار الكرد. و دام هذا السفر من 11 جمادى الأولى إلى سلخ شهر رمضان. فطال أربعة أشهر و عشرين يوما (3).

وفاة عثمان باشا:

أجريت التحقيقات عليه بعد حبسه و عزله فوصلت بعض الكتب‏

____________

(1) مطالع السعود ص 113.

(2) دوحة الوزراء ص 204.

(3) دوحة الوزراء ص 205.

126

الدالة على خيانته مما تيسر للوزير الحصول عليها. و هذا ما جعله في ارتباك عظيم فمرض بضعة أيام و نقل إلى دار الحاج محمد سعيد المصرف بجانب سراي الكهية. فعين الوزير طبيبا لمعالجته، و لكن حالته ساءت و تدهورت صحته و لم يبق أمل من حياته على ما قاله طبيبه فتحول إلى دار والدة الحاج محمد سعيد فبقي فيها يوما أو يومين و توفي، فشيع جثمانه باحتفال. قال صاحب المطالع (و اللّه أعلم بالسرائر). و في هذه الأثناء توفي محمود باشا ابن تمر باشا. أخبر بذلك إبراهيم باشا متصرف بابان فوجهت ألوية كوى و حرير إلى إبراهيم باشا ضميمة إلى لواء بابان.

بناء سور النجف:

في هذه السنة كان بناء سور النجف بأمر الوزير سليمان باشا كما في المجموعة المخطوطة الموجودة عندي. و لا أدري كيف أغفل أمره صاحب الدوحة و سائر مؤرخي المماليك.

حوادث سنة 1204 ه- 1789 م‏

حوادث بابان:

كان عثمان باشا حينما ذهب مع الوزير جعل أخاه عبد الرحمن بك نائبا عنه. فلما سمع بما جرى استصحب أعوانه مع سائر حاشيته و عياله و ذهب من طريق سنة إلى كرمانشاه و أقام في سقز (ساقز) فلما رأى الوزير أن قد خلا الجو له ذهب إلى مندلي للصيد فقضى بضعة أيام.

و في هذه الأثناء وردت معروضات من عبد الرحمن بك يرجو فيها العفو عنه. و من أمد بعيد كانت تتولد المشادة بين إيران و بغداد من جراء أمثال هذا الالتجاء. لذا أصدر الوزير عفوا عنه. فأرسل بعض الوجهاء للذهاب إليه و دعوته. ثم رجع الوزير إلى بغداد. و بعد ذلك جاء عبد الرحمن بك إلى بغداد بأتباعه و أهله فرحب به الوزير كثيرا و بالغ في إكرامه.

127

متصرفية بابان:

و بعد مدة قليلة ساعد الوزير في توجيه متصرفية بابان و لصهريته لأخي أحمد الكهية ساعد في توجيه متصرفية بابان إليه و كذا كوى و حرير برتبة باشا إلى عبد الرحمن بك.

و لما ورد خبر العزل إلى إبراهيم باشا لم يبد مخالفة و باشر في الذهاب إلى جهة أخرى ثم إن عبد الرحمن باشا وصل إلى محل قريب منه و أرسل أخاه سليم بك أمامه. فلما سمع به عيّن قوة مع أخيه عبد العزيز بك لمجرد المحافظة، و إيصال عائلته إلى مأمنها فاتخذ طريق ذهابه قره طاغ فتلاقى مع سليم بك في (گله زرده) (1) فتقاتلا فجرح عبد العزيز بك بعض الجروح و تغلب عليه سليم بك فألقي القبض عليه و انهزم باقي عسكره.

فلما وصل الأمر إلى هذه الدرجة لم يبق طريق لمرور أهله و أثقاله فاضطر للذهاب إلى إيران من طريق (سنة) فوصل إلى (برنة) من أعمال كرمانشاه و توقف هناك و أرسل عبد الرحمن باشا عبد العزيز بك مجروحا إلى بغداد فكان ذهاب إبراهيم باشا إلى إيران لضرورة اقتضت لكنها على خلاف رغبة الوزير. و لذا حينما وصل عبد العزيز بك غضب الوزير عليه و سجنه‏ (2).

تجديد صندوق الإمام علي:

في شوال جرى تجديد شباك ضريح الإمام علي فعمل من الفضة أرسله محمد خان ابن حسن خان القجاري و يسمى أقا محمد خان مؤسس دولة القجارية.

____________

(1) كله زرده تعني التراب الأصفر. و هي قرية على قمة الجبل المعروف بهذا الاسم الكائن بين السليمانية و قره طاغ.

(2) دوحة الوزراء ص 207.

128

حوادث سنة 1205 ه- 1790 م‏

رجوع إبراهيم باشا:

كان اغتاظ الوزير على إبراهيم باشا من جراء ذهابه إلى إيران.

و حينما جاء إليه أخوه مقبوضا عليه من عبد الرحمن باشا غضب عليه و سجنه لكنه علم أن ذلك كان لضرورة فأطلق سراحه.

فلما سمع إبراهيم باشا انبعث فيه الأمل فطلب العفو و حينئذ صدر الأمر بالرأي و الأمان و سير إليه الكتاب مع محمد بك الشاوي فالوزير لا يريد إثارة عداء مع إيران و لذا وافق بعد أن انهكت الفتن قواه و كادت تقضي على وزارته. و على هذا جاء إبراهيم باشا إلى بغداد فأكرمه الوزير و بقي معززا ينتظر فيه الفرصة. و ليس في أمله أن يدع بابان خالصة لواحد، و أن تتوحد إدارتها بيد أمير من أمرائها. لأنه يرى ذلك مما يهدد السلام و يورث فتنة.

و أقام أتباعه قسما في كركوك، و قسما آخر في قزلرباط (1) و قولاي و خانقين و علي آباد (علياوه) و قرى بشير و تازه خرماتي. و فوض إليه خاص كركوك‏ (2).

الشيخ ثويني:

في هذه الأيام شاع أن الوزير اتخذ العفو وسيلة للتقريب و الظاهر أنه أوعز إلى الشيخ ثويني بذلك. أراد أن لا يستقل بإدارة المنتفق أمير فكان يخشى كل قوة و إن كانت منقادة فطلب ثويني العفو فوافق الوزير و بعث إليه بكتاب الأمان فجاء إلى بغداد و نال إكراما و احتراما (3).

____________

(1) تعرف قديما بجلولاء كذا في وقفية مرجان و تسمى الأراضي المتصلة ببهرز جلولاء و لعلها تنتهي ب (قزلرباط) المعروفة اليوم بالسعدية.

(2) دوحة الوزراء ص 207.

(3) دوحة الوزراء ص 207.

129

سليمان الشاوي و محمد الكهية:

كان الحاج سليمان الشاوي طلب العفو من الوزير فعفا عنه و أعيدت إليه أملاكه. و بقي مدة ساكنا في (تل أسود). و في هذه الأيام و على حين غرة ورد إليه محمد الكهية (عجم محمد) ملتجئا إليه بعد أن كان في إيران ينتقل من محل إلى آخر، لا يستقر به موطن.

سمع الوزير بذلك فتولدت الشائعات فصارت الحكومة تخشى من وقوع فتنة. و لذا كتب الوزير إلى الشاوي أن يرسله محفوظا إلى جانبه.

فأبدى المعاذير بالنظر إلى أنه دخل بيته فهو في حراسته حسب التقاليد العربية و بين أنه يطلق سراحه و يسيره إلى جهات أخرى ليبلغ مأمنه فلم يقبل. و لذا أصدر أمره إلى الكهية أن يسير إليه، و أنه إذا قاومه فليأخذه و لينكل به، أو يطرده من تلك الأنحاء. فخرج الكهية من بغداد فوافق الحاج سليمان أن يذهب إلى جهة أخرى مع دخيله (عجم محمد) لعلمهما أن لا طاقة لهما بالمقاومة. فوصل الخبر إلى أحمد الكهية فاقتفى أثرهما و رغم شدة الحر قطع مسافة طويلة فوصل إلى (الرحبة) فتمكن من الوصول إلى أثقالهما في (عين القير) فعلم الشاوي مع محمد كهية فنجوا بأنفسهما بصعوبة و هربا في البيد فاغتنم الكهية جميع أموالهم و عيالهم و خيامهم و ما يملكون إلا أنه بالتماس من محمد الشاوي لم يتعرض بالأهل و العيال لكنهم استولوا على ما يتجاوز الأربعين ألفا من الغنم و الأموال الأخرى و رجع الكتخدا إلى بغداد.

سليمان باشا و الملية:

إن العشائر الملية (1) من أهل (اسكان) التابعة للرقة و كان رئيسها تيمور باشا (تمر باشا) الملي. و هذا عصى على الدولة سنين. و انتصر

____________

(1) الملية موضحة في عشائر الشام ج 2 ص 322 و آل الملي معروفون ببغداد.

130

بضع مرات. فتجمعت إليه العشائر الضعيفة و اعتزت به. و بذلك تمكن من جمع أموال كثيرة و حطام زائد فناله غرور كبير. فاستولى على كثير من الألوية و القرى و الضياع المجاورة.

لم يتمكن ولاة ديار بكر و الرقة من القضاء على غائلته. و لا زال عصيانه يزداد. فعهد بفرمان إلى الوزير للقيام بأمر تأديبه و لم يسبق للدولة أن استخدمت جيش العراق لتسكين الاضطرابات خارجه في غالب أحيانها. فنهض من بغداد و ورد نصيبين و اتخذ (قوچ حصار) مضرب خيامه.

أما تيمور فقد جمع نحو خمسة عشر ألفا و تأهب للقتال. و لما قرع سمعه صيت الوزير و سطوته تزلزلت منه الأقدام. فترك دياره و التجأ إلى الجبال و تشتت جموعه. و لكن الوزير أراد أن يقطع دابر فساده فتوجه نحو الرها فوصل إلى (دبة حمدون) و تبعد عنها نحو 12 ساعة فأراد أن يقضي على أتباعه أو من كانت له علاقة به فانتشرت الجيوش و نكلت بهم تنكيلا مرا فعادت بغنائم وافرة.

بقي الوزير نحو أربعين يوما أظهر فيها السطوة. فكان الماء قليلا و الهواء رديئا فأحس بحدوث بعض الأمراض في الجيش فسمع باحتشاد بعضهم في أطراف (نظر بيجاق) فنهض في 24 ذي الحجة و توجه نحو أولئك المحتشدين فوصلوا إلى أنحاء (سويركة) و بعد نصف ساعة أرسل لطف اللّه (رئيس الديوان) (1)، فجعل مقدارا من الجيش تحت قيادته‏ (2).

____________

(1) يسمى ديوان أفنديسي.

(2) دوحة الوزراء ص 209.

131

حوادث سنة 1206 ه- 1791 م‏

تتمة الوقعة السالفة:

و لما سمع المتمردون في أطراف بوجاق (نظر بيجاق) من أعوان تيمور بمجي‏ء العساكر و تعقيبهم لهم التجأوا إلى الجبل إلا أن لطف اللّه لم يقصر في اقتفائهم فأحاط بأطرافهم. و في نتيجة الحرب استولى على حصونهم و قتّل فيهم كثيرا و عاد بغنائم وافرة.

و على كلّ قضى الوزير على هذه الغائلة و نظم الأمور و نصب إبراهيم المحمود أخا تيمور باشا رئيسا على (اسكان) و ألبسه الخلعة و عفا عن العشائر و أدخلها في طاعته. و حينئذ عاد متوجها نحو ماردين فنصب خيامه في (حضرم) و بقي بضعة أيام للاستراحة و في هذه الأثناء ألقي القبض على (ملكي حسين آغا) و (غورس ملكي حسن آغا) و كانا من أعوان تيمور و المتفقين معه. أزعجوا الناس بعصيانهم، فأرسلوا إلى ماردين فصلبوا فيها (1).

اليزيدية:

و من ذيول هذه الوقعة أن الوزير غزا اليزيدية و سماهم (عبدة الشيطان). رأى عصيان فرقة موسّان منهم فنزل عليها، و طلب رجالها فلما جاؤوا إليه أمر بقتلهم و أرسلت رؤوسهم المقطوعة إلى استنبول، و تخلص الناس من شرورهم فعد ذلك من مقتضيات المصلحة (2).

مدرسة السليمانية:

عمّر الوزير هذه المدرسة فكانت كأنها نشوة الظفر و الانتصارات‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 210.

(2) دوحة الوزراء ص 210 و تاريخ اليزيدية.

132

الباهرة. وقفها في 2 شوال سنة 1206 ه. ذكرتها في كتاب المعاهد الخيرية.

حوادث سنة 1207 ه- 1792 م‏

سليمان بك الشاوي:

في خلال سنة 1205 ه فر عجم محمد الكهية إلى مصر فمات فيها. أما الحاج سليمان الشاوي فإنه أقام في أنحاء الخابور. فتمكن من جمع حاشية له فأشاع عنه الوزير أنه سلك طريق البغي ليبرر محاربته فلم يهدأ له قرار فأمر أحمد الكهية أن يذهب إليه بعسكر وافر فعلم بالأمر و حينئذ رحل من مكانه، و عقب الكهية أثره حتى وصل إلى كبيسة و لما لم يتيسر الظفر به عاد. فاستغرقت سفرته من 8 صفر إلى 26 منه‏ (1).

صيد و زيارة:

أراد الوزير أن يبدي سطوته في أنحاء الفلوجة و يرهب عدوه فذهب للصيد هناك. تحرك من بغداد في 2 جمادى الثانية فقضى فيها بضعة أيام للنزهة.

ثم مال عنها إلى كربلاء فزار مرقد الإمام الحسين و عاد إلى بغداد (2).

حوادث سنة 1208 ه- 1793 م‏

وقائع الخزاعل:

لم يؤد محسن المحمد شيخ الخزاعل الميري و لا المعينات التي‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 211.

(2) دوحة الوزراء ص 211.

133

جامع الحيدرخانة (الداودية) متحف الآثار ببغداد

134

عليه. ماطل و اعتذر، فأرسل الوزير عليه أحمد الكهية بقوة كافية فتحرك من بغداد في 11 ربيع الأول و توجه نحو حسكة. فأقام قريبا منها و اتخذ التدابير اللازمة للحصار.

رأى شيخ الخزاعل أن لا طريق للنجاة سوى التسليم فركن للطاعة فأرسل جماعة و طلب العفو و تعهد بما هو مطلوب من الميري. فسامحهم الكتخدا و قبل دخالتهم و استوفى الرسوم عن سنة و أخذ من رئيسهم الرهائن و أبقاه في مشيخته، و عاد في 20 جمادى الثانية.

و كان الإذعان من شيخ الخزاعل مما سهل أن ينفر منه قسما كبيرا من أتباعه و لا سبب لذلك سوى التضييق في تنفيذ مطالب الحكومة بدرجة قاسية. فمال القوم إلى أكبر معارض له الشيخ حمد الحمود فوردت منه معروضات خلاصتها أن أكثر الشيوخ و الأعيان فارقوا الشيخ محسن المحمد و مالوا إليه و أنه متعهد بكافة ما يجب من خدمة و هناك الشاوي لم تتم قضيته فكانت خير مسهل أن يأخذه لجانبه. لذا عزل محسن المحمد و وجه المشيخة إلى حمد الحمود و أرسلت إليه الخلعة مع كتاب المشيخة (1).

حوادث سنة 1209 ه- 1794 م‏

سليمان الشاوي و قتله:

ذهب سليمان الشاوي إلى أنحاء الخابور بعد واقعة أحمد الكهية و هناك اغتاله أحد أقاربه محمد بن يوسف الحربي و أولاده. و هؤلاء من البو شاهر من فخذ (الحربي). و رئيس البو شاهر آنئذ علي الحمد. و الآن لم يبق من الحربي إلا القليل فكانت وفاته سبب ذل هذا الفخذ (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 211.

(2) دوحة الوزراء ص 212.

135

و سليمان الشاوي أديب، عالم، فاضل، شاعر. ذو دين و مهذب من كل وجه قال فيه صاحب المطالع: كان مسعر الحرب و هامر الكف.

إلا أن السياسة رمته ظلما و جورا بالعصيان و قطع الطرق و ما شاكل.

و أساسا أن القلم بأيديهم. و لكن وقائعه تؤذن بأنه لا يريد البادية، و لا يرغب فيها. مال إلى السلم مرارا و لكن الحكومة لم تشأ أن يكون معها متنفذ لم يطأطى‏ء رأسه لظلم. و لم يشأ أن يسلم (دخيله).

و في مطالع السعود و ديوان الأزري و إرشاد المناوي، إلى فضائل آل الشاوي و كتب أخرى كثيرة ما يبصر بوضعه.

و الحكومة متغلبة. تنزع إلى قهر كل قوة وطنية بالقضاء على نفوذ رجالها. قتلت قبل هذه أباه ثم ثنت به و هكذا لم تترك قائما يقوم من إخوته و سائر أفراد أسرته‏ (1).

تيمور باشا الملي:

مضى الكلام عليه. و في هذه المرة راسل حاكم ماردين (و يودة) صاري محمد آغا و بواسطته تشبث لدى الوزير في عرض الطاعة و الاستيمان.

قبل الوزير التجاءه و لزيادة الاطمئان جلبه إلى بغداد و أبدى له من الرعاية و اللطف ما يليق به و تشفع له من السلطان فنال العفو.

صيد و زيارة:

و في هذه المرة ذهب الوزير للصيد إلى أنحاء الفلوجة في 22 جمادى الأولى فمكث فيها بضعة أيام ثم ذهب إلى كربلاء للزيارة. و منها

____________

(1) مطالع السعود ص 134 و دوحة الوزراء ص 212. و مجلة (لغة العرب) و التاريخ الأدبي.

136

قفل راجعا إلى بغداد في 21 جمادى الثانية.

حوادث سنة 1210 ه- 1795 م‏

الخزاعل:

كان شيخ الخزاعل حمد الحمود أذعن بالطاعة إلا أنه اقتضى أن يرسل الوزير بالجيوش متوالية إلى تلك الأنحاء للارهاب و تأمين الطاعة فسار أحمد الكهية عليهم بعد أن استعد استعدادا كاملا. فورد حسكة في 10 ربيع الثاني. و أقام فيها ما يزيد على الشهرين و مد سطوته إلى ما جاور تلك الأنحاء و نظم الأحوال كما تقتضيه المصلحة. و استوفي الميري السنوي من الخزاعل، و بذلك قوّى نفوذ الحكومة.

ثم عاد في 15 رجب‏ (1).

صيد و زيارة- عشيرة بني عز:

عند حلول موسم الربيع لم تكن للوزير مشغلة، فاكتفى بالكهية.

ليروح نفسه بالصيد و النزهة على المناظر الربيعية. و في 1 شوال‏ (2) خرج من بغداد متوجها نحو سامراء للزيارة و منها مضى إلى عشيرة بني عز.

قضى بضعة أيام في الصيد حتى وصل إلى ناحية افتخار من أعمال كركوك ثم عاد إلى بغداد فدخلها في 22 منه. و هذه العشيرة من عبادة.

و التفصيل عنها في كتاب عشائر العراق.

قتلة الكهية:

كان منح الوزير منصب كهية بغداد إلى أحمد آغا، و مضت وقائعه‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 361.

(2) ورد في دوحة الوزراء في 21 شوال، و ليس بصواب.

137

و أعماله. فالوزير وجد فيه كفاءة لتمكين سيطرة المماليك إلا أنهم كانوا يرون له معايب تعد سبب قتله. منها أنه لم ينشأ في نعيم و إنما كان من طبقة الدون و أنه كان يستخف بأصحاب المكانة و إذا رأى مواهب من أحد عاداه و لذا صار يقدم الجهال ليبقى محافظا على مكانته، و لو شاهد أن الوزير لحظ أحدا أو جلب رضاه صار عدوه الأكبر و خصمه الألد و سعى أن يوقع به أما بنسبة خيانة إليه أو اتهام بقضية قاصمة الظهر أو داعية للنفرة منه فيكون سبب إبعاده أو القضاء عليه ... و بعض أعماله تدل على حسن التدبير و الاقتصاد في النفقات. فتسامح الوزير في أمره و أغمض عينيه.

و بين صاحب الدوحة أنه حينما أراد الوزير تزويج بنته من علي آغا خازنه لم يتمكن من عذله فأضمر له العداء، فقام بترتيب اغتيال الوزير مع أنه أكبر منعم عليه فكان ذلك سبب قتله من خازنه علي آغا في 2 صفر بأمر الوزير و في عنوان المجد أن ذلك كان في شهر رمضان فحاز الوزير جميع خزائنه و أمواله مما لا يحصيه العد (1).

و في مرآة الزوراء قص حادث سليمان بك الشاوي و أنه لم يرض أن يكون تحت إمرة المهر دار أحمد آغا نظرا لخساسة نسبه و أصله.

و من الأولى أن لا يقدم أمثاله على أهل الكمال و المعرفة من عريقي النجار ...

و كان أحمد آغا منح منصب كتخدا ثم جعل ميرميران فأحرز رتبة (باشا) لا سيما بعد وفاة سليمان الشاوي. إلا أن القدر كان يضمر له الوقيعة. و ذلك أنه بعد أن تعين كتخدا اشتغل في إدارة الأمور و استولى عليها جميعها فترك نومه و راحته و أبدى لوزيره التفادي، و اختار العناء

____________

(1) دوحة الوزراء ص 362. و في مجموعة خطية أنه قتل في غرة صفر.

138

العظيم. و هذه كانت السبب الوحيد في موفقيته، و كان الوزير راضيا عن أعماله في كل الأحوال، و نال مكانة في قلبه. أما المماليك ممن تقدم في الخدمة فإن الكتخدا لم يقصر في تنكيل من يرى منه خروجا عن طريقه. فكان يظن أن الجو صفا له و لم يبق من مزاحم. و في هذا الآوان استشار الوزير كتخداه في تزويج ابنته الأولى خديجة خانم إلى أحد عتقائه خازنه علي آغا فأبدى له من المحاذير السياسية ما يمنع أن يتزوج بها فنالت تلقيناته تصديقا و تسليما.

علم بذلك الخازن و أحس بنوايا الكتخدا نحوه فعرّف رفقاءه بالأمر. و حينئذ و للعصبية اتفقوا على قتل الكتخدا. و لما كان يخشى سوء نية الوزير اتفقوا أن يرفعوه من هذا المنصب فتعاهدوا على ذلك.

و بعد هذا الاتفاق خرج الكتخدا في بعض الأيام من عند الوزير وحده حسب المعتاد و عند وصوله إلى رأس السلم قاصدا دائرته فاجأه رئيس البندقيين (تفكجي باشي) و هو عبد اللّه آغا و الخازن علي آغا. سلا سيوفهما عليه. فلم يبد الكتخدا أي ارتباك. و يحكى أنه أظهر لهما اللائمة، و بعضهما ينقل أنه رفع صوته و دعا الوزير لما ارتكباه و لكنه عاجلته المنية. و لما علم الوزير بما جرى حاول أن يسرع إلى محل الوقعة إلا أن بعض المخلصين له بيّن له بأن قضي الأمر و ليس من المصلحة بقاؤك في المقام فأخذه من إبطه إلى الدائرة الداخلية.

فالوزير حينما تحقق أن كتخداه قتل غيلة ثارت حميته فدعا الينگچرية و صنوف العساكر و الضباط و العلماء و وجوه المملكة، و أراد أن ينتقم من الخازن و متفقيه و لكن المماليك اتفقوا على المعصية و ركبوا الشر. و أن تفريق جموعهم يستدعي وقوع محذورين أحدهما أن الأمن و الراحة تأسسا بهمة هؤلاء. و محوهم يستلزم زوال الأمن، و ثانيهما أن وكلاء الدولة إذا سمعوا بالواقعة حملوها على تشوش الإدارة و انتهزوا

139

الفرصة فلا يترددون من توجيه الوزارة إلى من لم يكن من المماليك.

و من جهة أخرى أنه لو تعرض الوزير لهذا الأمر عادت الاضطرابات في العشائر العربية و الكردية فالمصلحة تقتضي أن يعلن بأنه وقع هذا الأمر بتدبير منه، و أن ينصب الخازن كتخدا إزالة لخوفه و أن يرشح لخطبة ابنته خديجة خانم. و بذلك تحصل له الطمأنينة.

أبدى ذلك محمد بك الشاوي فاستحسنه الحضار. و في الحال نفذ الوزير هذه التدابير، فأخمدت نيران الفتنة. و ما جاء في الدوحة من أن إعدام الكتخدا كان بأمر من الوزير إنما كتبه كما وقع و أن الأستاذ سليمان فائق نقل ذلك عن والده و عمن يثق بهم‏ (1).

و من مجرى الحوادث و من تصريحات الأستاذ سليمان فائق بك أن الوزير أراد أن يجعل الإدارة خالصة (للمماليك) فتمكن لولا أن الخازن أحبط أعماله.

قال صاحب مرآة الزوراء: إن الخازن لم يجسر أن يصل إلى الوزير بعد فعلته ما لم يرسل إليه مصحفا شريفا مختوما يختمه مع أمر بمنصب كتخدا للدلالة على العفو عنه.

و لما لقيه أول مرة عاتبه قائلا:

إني وضعت في بغداد منهاجا قويما فلم تدع بنائي على حاله بل سعيت لامحائه و ستنال بنفسك مكافأة عملك. قال ذلك بتأسف و تألم.

و دفن الكتخدا في مقبرة الشيخ شهاب الدين السهروردي و كلما جاء الوزير إلى زيارة الإمام تقدم لزيارة الكتخدا و قال:

اللهمّ عاقب ببلائك من غدر بأحمد.!!

و كانت تغرورق عيناه بالدموع.

____________

(1) مرآة الزوراء.

140

و الحاصل أن علي آغا نصب كتخدا و تزوج بخديجة خانم و نال رتبة (باشا) و لكن لم يكن له من المقدرة ما يؤهله للقيام بأعباء هذا الأمر. فكان السبب في أن يقوم بها الوزير بنفسه أيام شيخوخته. فأتعب الوزير كما أنه فتح طريقا سيئة للمماليك فصاروا إلى حين انقراضهم لا يأمن الواحد منهم جانب الآخر (1).

و لما كان الكتخدا المقتول حرص على إدارة الأمور و اختص بفائدتها، و جماعته يشاهدون. فإنه ذلك كان من أكبر أسباب نكبته و تلخص في كثرة أطماعه. و بعد قتلته ظهرت أمواله بالوجه الذي شاع عنه فاستغل الخطة التي اختطها الوزير (2).

حوادث سنة 1211 ه- 1796 م‏

مشيخة ثويني على المنتفق:

كان الشيخ ثويني في بغداد منزويا و كان لطف الوزير يشمله و لكنه لحقته حسرة على وطنه. فظهر انعام الوزير عليه. و لذا عزل الشيخ حمودا و وجه مشيخة المنتفق إليه و كساه الخلعة و عين بصحبته رئيس آغوات اللاوند و جملة بيارق من الخيالة و أذن له بالذهاب إلى محله.

و في مدة إقامته في بغداد يأمل أن يوليه الوزير مشيخة المنتفق للزحف على نجد ... فحصل على مطلوبه و جهز بجيش جرار فاستقر في المنتفق و ذهب توا إلى البصرة (3).

____________

(1) مرآة الزوراء.

(2) دوحة الوزراء ص 364.

(3) دوحة الوزراء ص 364.

141

رتبة ميرميران لعلي الكهية:

نال الكهية منصب كتخدا و صاهر الوزير كما سبق. ثم التمس أن توجه إليه رتبة ميرميران فعرض الأمر على الدولة فأجابت ملتمسه فوجهت إليه الرتبة و وصل الفرمان في 11 جمادى الثانية. و من ثم صار يلقب ب (باشا) (1).

عشيرة البرشاوية:

إن البرشاوية من عفك‏ (2) وردوا إلى أطراف شط الكار في (أبو حمّار) و صاروا يغيرون على الأطراف و يعيثون في الأمن. فأرسل الوزير كتخداه للوقيعة بهم فأغار عليهم و لم يبال بالسموم و الحر فاغتنم منهم نحو اثني عشر ألف رأس من الغنم و ألفي رأس من البقر و أدبهم.

و كانت هذه أول غارة له ثم عاد. و في هذه الغارة قتل عبد الفتاح آغا من آل النقشلي الكركوكي‏ (3).

جامع الأحمدية: (جامع الميدان)

هذا الجامع ينسب إلى أحمد باشا الكتخدا السابق. عمره فلم يتمه. و أن أخاه عبد اللّه بك أتمه و وقف له وقوفا كثيرة من تركته‏ (4).

حوادث 1212 ه- 1797 م‏

الخزاعل و حمد الحمود:

إن حمد الحمود شيخ الخزاعل ما زال ينتهز الفرص لمناوأة الحكومة. فجهز الوزير عليه كتخداه بعساكر عظيمة. و في 26 ربيع الأول‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 364.

(2) عشائر عفك ذكرتهم في عشائر العراق.

(3) دوحة الوزراء ص 365 و آل النقشلي أسرة معروفة ببغداد.

(4) التفصيل في كتاب المعاهد الخيرية من تآليفنا الخطية.

142

خرج من بغداد، فورد الديوانية فرآه متحصنا بالأهوار في (عادلات) محاصرا في سيباية بجموعه و لم يبال الكتخدا و عبر إليه و ضيق عليه من جوانبه و لكنه راعى الحيلة للنجاة فأرسل النساء و الشيوخ للدخالة و طلب العفو و لكن الكتخدا لم يلتفت و أمر بمهاجمتهم من جميع الأطراف فاضطربوا و تفرق شمل جموعهم، فانهزم الشيخ حمد الحمود مجروحا و لم ينج إلا بشق الأنفس فضبطت ديارهم و عاد منصورا.

و حينئذ دعا الكتخدا شيخ الشامية محسن الغانم و شيخ الجزيرة سبتي المحسن فاحضرهما إليه و طلب من كل منهما أن يؤدي من الشلب ألف تغار عدا النقود المطلوبة فتعهد بذلك. و جعل (سبتي المحسن) شيخا على الخزاعل في الجزيرة، و نصب محسن الغانم شيخا على خزاعل الشامية و اكساهما الخلع و استوفي منهما الغلال و النقود و الميري ثم قفل راجعا إلى بغداد في 26 جمادى الثانية.

هذا و إن صاحب الدوحة كان مع الكتخدا فنظم قصيدة تركية مدح بها الوزير فنالت الجائزة. و الملحوظ أن محسن المحمد شيخ الخزاعل توفي في هذه السنة (1).

البابان- عزل و نصب:

إن إبراهيم باشا امتدت عزلته. فأراد الوزير أن ينعم عليه فأمر بنصبه متصرفا على بابان فطلب عبد الرحمن باشا أولا لبغداد. و كان منحرف المزاج جي‏ء به في تخته روان. و بعد أن وصل و استراح شفي من مرضه فعزله من لواء بابان إلا أنه أبقى في عهدته كوى و حرير.

و وجه لواء بابان وحده إلى إبراهيم باشا فذهب إلى السليمانية (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 363 و مجموعة عمر رمضان ص 173.

(2) دوحة الوزراء ص 366.

143

الجوازر- السعيد و ربيعة:

إن عشيرة السعيد (من زبيد) كانت مقيمة في أنحاء (صلنية). و هناك عاثت بالأمن و كذا شيوخ ربيعة وجب عزلهم و تبديلهم بغيرهم فانتدب الوزير كتخداه علي باشا ليقوم بهذه المهمة. فنهض من بغداد في 8 ذي الحجة فأدب العصاة من السعيد و أبعدهم و انتهب منهم مواشي عظيمة.

ثم توجه نحو الجوازر ديار ربيعة فنظم أمورها و أنهى الغوائل و حصل منهم على ستين ألف رأس من الغنم و على مقدار كبير من الجاموس. و بهذا أكمل مهمته من النهب و السلب و عاد إلى بغداد فدخلها في 13 صفر سنة 1213 ه (1).

حوادث سنة 1213 ه- 1798 م‏

الأحساء- الوهابيون:

كانت الأحساء في تصرف أمراء بني خالد إلا أن الأمير عبد العزيز ابن محمد السعود حاربها مرارا. فكانت تذعن مرة و تنتفض أخرى.

و كان آخر أمرائها من بني خالد و هو براك بن عبد المحسن يقوم بإدارتها نيابة عن الأمير عبد العزيز.

وردت الأخبار إلى بغداد بأن الأمير عبد العزيز أرسل ابنه سعودا سنة 1211 ه على الأحساء فاستولى عليها عنوة و ضبط جميع مضافاتها إلى ساحل البحر حتى وصل إلى القطيف و العقير (العجير) و اكتسح كافة القرى و النواحي هناك. و قتل في الأحساء نحو مائتين من علمائها، أذيع ذلك للتشنيع عليه‏ (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 367.

(2) تاريخ جودت ج 6 ص 120 و دوحة الوزراء ص 367.

144

أثر هذه الوقعة:

و في هذا التاريخ وصل الخبر إلى ثويني و هو في البصرة فأراد أن يذهب إلى محله إلا أنه أوعز إليه بالذهاب لاستخلاص الإحساء و كانت الدولة حرضت الوزير مرارا فلم تدخر وسعا في التدابير. و مما بعث الأمل ركون قبيلة بني خالد إلى العراق و رئيسها براك بن عبد المحسن الذي انتزعت منه الأحساء و معه محمد بن عريعر. و لم يتخلف من هذه القبيلة سوى فرع (المهاشير) (1).

اتخذ الوزير الوسائل لتقويته و أمر أن يلتحق به البندقيون من موظفي البصرة و هم (البلوج) و خمس قطع من المدافع و أحمد آغا الحجازي من آغوات الخارج ... و جمع هو عشائر المنتفق و الزبير و البصرة و نواحيها و عشائر الظفير و بني خالد. فأخذ العدد و توجه نحو الأحساء. قال في المطالع و كان ذلك عام 1211 ه و نزل (الجهرا) الماء المعروف قرب الكويت. فأقام نحو ثلاثة أشهر و هو يجمع العشائر و العساكر و المدافع و جميع آلات الحرب من البارود و الرصاص و الطعام مما يفوق الحصر. و أركب قسما من عساكره في السفن من البصرة و معهم الميرة تباريه في البحر، و قصدوا القطيف. و كانت له قوة هائلة.

فلما بلغ ذلك الأمير عبد العزيز أمر الأنحاء التي يحكم عليها من أهل الخرج و الفرع و وادي الدواسر و الافلاج و الوشم و سدير و القصيم و جبل شمر فاجتمعوا و استعمل عليهم محمد بن معيقل أميرا فساروا و نزلوا (قرية الطف) الماء المعروف من ديار بني خالد، و أمر عبد العزيز بما لديه من العشائر من مطير و سبيع و العجمان و السهول و غيرهم أن يقصدوا ديار بني خالد و يتفرقوا في أموالهم و ينزلوا و يثبتوا في وجوه هؤلاء الجنود. فحشدوا و اجتمعوا فيها.

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 109 و فيه تفصيل.

145

ثم حشد سعود بأهل العارض و استلحق غزوا من البلدان و نزل (التنهات) الروضة المعروفة عند الدهناء. أقام فيها ثم رحل و نزل (الحفر) الماء المعروف بحفر العتك فأقام أكثر من شهرين.

و أما ثويني فاجتمع عليه جنوده و بواديه كلها (بالجهرا). ثم رحل منها و قصد ناحية الأحساء فلما علمت عشائر ابن سعود برحيله ظعنوا عن قرية ثم ظعنوا عن الطف و انحاز إلى أم ربيعة لوجود المياه المعروفة في تلك الناحية و اشتد عليهم الأمر و ساءت الظنون و نزل ثويني بالطف.

و كان سعود أرسل جيشا من الحصر مع حسن بن مشاري بن سعود و استعمله على من كان مع ابن معيقل و صاروا ردءا للعشائر تثبيتا لها.

ثم إن ثويني رحل من الطف و نزل على الشباك الماء المعروف في ديرة بني خالد فلما قصد ثويني ذلك الماء كثر الخلل في عشائر الأمير ابن سعود.

و في هذه الأثناء حدث الرعب في قوم ابن سعود و حصل اليأس إلا أنه وقع ما لم يكن في الحسبان فإن عبدا اسمه (طعيس) من عبيد (جبور بني خالد) قتل الشيخ ثوينيا ضربه بحربة كان فيها حتفه و قتل العبد من ساعته و حمل ثويني إلى الخيمة.

و كان بين براك و بين حسن بن مشاري مراسلة لأنه ندم على السير مع ثويني لأنه رأى وجهه و إقباله لأولاد عريعر. فعرف أنه إن استولى على الأحساء لم يؤثر عليهم أحدا. فلما قتل ثويني انهزم براك إلى حسن ابن مشاري و كذا من معه من عسكر ابن سعود فوقع التخاذل و الفشل في جنود ثويني و ألقى الرعب في قلوبهم فارتحلوا منهزمين فتبعهم قوم ابن سعود و عشائره و قتلوا منهم كثيرا و غنموا غنائم عظيمة و استمروا في سوقهم إلى قرب الكويت يقتلون و يغنمون و حازوا منهم أموالا عظيمة من‏

146

الإبل و الغنم و الزاد و المتاع و غير ذلك. و أخذوا جميع المدافع و القنابر و وضعت في الدرعية و تفرقت تلك الجموع البرية و البحرية. كان قتل ثويني في 4 المحرم سنة 1212 ه و سميت هذه الوقعة سحبة (1).

و دفن ثويني في جزيرة العمائر (2).

و في الدوحة أن الضارب حينما ضرب نادى (اللّه أكبر!). ضرب ثوينيا بصدره حتى خرج السنان من ظهره ... و قال: اضطربت الآراء في القاتل فلم يقطع بعضهم في أنه عربي و آخرون أبدوا أن براكا و محمدا العريعر طمعا في الانفراد بالأحساء و لما شاهد براك أن ثوينيا تقرب منها و أحس أن النية مصروفة إلى أن الأحساء سوف تعطى إلى محمد العريعر يئس من نيل مرغوبه فكان القاتل من عربه و أن الغدر كان بترتيب منه.

إن حدوث هذه الوقعة أدى إلى رجعة الجيوش و العدول عن السفر إلى الأحساء فصارت سبب الخذلان. و لما عادوا نحو مرحلتين شاهدوا براكا يقود عساكر عظيمة من جيوش الوهابية ...

و لذا ترك إخوة ثويني و أعيان المنتفق المدافع و عسكر البلوج و اكتفوا بحماية أهليهم و عيالهم و رجعوا، و أن عساكر الوهابية قتلوا عسكر البلوج و غنموا المدافع و أخذوها إلى الدرعية.

و ثويني هذا هو ابن عبد اللّه بن محمد بن مانع القرشي الهاشمي، العلوي، الشيبي. تولى مشيخة المنتفق كما تولاها أبوه وجده و كان أحد أجواد العرب و من وقائعه المشهورة (يوم دبّي) مع قبيلة كعب و كانوا غزوا أخاه صقرا فأبلى في هذه الوقعة البلاء الحسن و انتصر عليهم. و من أيامه اليوم المسمى (بضجعة) المعروفة بلفظ (جضعة) و هذه مع بني خالد

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 109 و فيه تفصيل.

(2) مطالع السعود ص 139.

147

حينما استنصره عبد المحسن بن سرداح على شيخ بني خالد سعدون بن عريعر و من وقائعه (يوم التنومة) (1) بنجد حاصرها. و كان قاصدا حرب ابن سعود و لكنه بدا له أن يرجع فعاد. و حاصر البصرة فكان ما كان.

فورد خبر هذه الوقعة في سنة 1213 ه.

مشيخة المنتفق:

و حينئذ وجهت مشيخة المنتفق إلى حمود بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع الشبيبي ابن أخي ثويني لأمه و ابن عم له. و هو مشهور بالأناة لحدّ أنه بلغ به درجة الوسواس. و صاحب المطالع يذم كاتبه.

و من وقائعه المشهورة (يوم الرضيمة) و هو يوم لسعدون بن عريعر على ثامر (2).

و منها (يوم أبي حلانة) على محمد علي خان الزندي. و منها يوم سفوان علي ثويني و مصطفى آغا الكردي متسلم البصرة، و منها (يوم علوي) ماء قريب من البصرة القديمة. و له ذكاء و بصيرة. و عمي في أواخر أيامه. استمرت إمارته الأخيرة هذه من سنة 1212 ه إلى سنة 1242 ه.

و أطنب صاحب المطالع في الثناء عليه ... و بين أنه في مدة إمارته هذه أطاعه البادي و الحاضر ...

مهاجمة سعود ابن الأمير عبد العزيز:

في شهر رمضان سنة (1212 ه) سار سعود بن عبد العزيز بن‏

____________

(1) قرية مسماة باسم الشجرة التي تنبت في تلك الأرض و بها الآن عين ماء تسمى (عين ابن فهيد) لأنه السبب في اظهارها. مطالع السعود ص 144.

(2) مطالع السعود ص 147. و دوحة الوزراء.

148

محمد بن سعود بجميع نواحي نجد و عشائرها و قصد الشمال و أغار على أنحاء المنتفق (سوق الشيوخ) فصبح القرية المعروفة (بأم العباس) و قتل منهم كثيرا و منهم من فر و منهم من غرق. و كان حمود في البادية فلما بلغه الخبر جد في السير ليدركه فلم يظفر به.

ثم سار سعود بعد أن رجع و وصل إلى أطراف نجد عطف و أغار في سنته على تلك البادية و قصد جهة السماوة و أتاه عيونه و أخبروه بعربان كثيرة مجتمعين في الأبيّض الماء المعروف قرب السماوة فوجه الجيوش و أغار عليهم. و كانت تلك العشائر كثيرة منهم شمر و رئيسهم مطلق بن محمد الجرباء الفارس و معه عدد من قبائل الظفير و آل بعيج و الزقاريط و غيرهم. فحصل بينهم قتال شديد و طراد خيل. ثم حمل عليهم قوم ابن سعود فدهموهم في منازلهم و بيوتهم فقتل عدة رجال من فرسان شمر و الظفير و غيرهم ...

و قتل ذلك اليوم مطلق بن محمد الجرباء. و كان على جواد سابق و هو يقلبها يمنة عدوه و يسرته فعثرت به فرسه في نعجة و أدركه خزيم بن لحيان رئيس السهول فقتله و غنم قوم ابن سعود أكثر محلتهم و إبلهم و متاعهم.

و قتل من قوم ابن سعود نحو خمسة عشر رجلا من بني خالد منهم براك بن عبد المحسن رئيس بني خالد و محمد العلي رئيس المهاشير (1).

هذا و إن صاحب المطالع عد الوقائع المذكورة في سنة 1212 ه على أنها مما وقع عام 1213 ه و في هذا وافق صاحب عنوان المجد في تاريخ نجد و خالف صاحب الدوحة.

____________

(1) عنوان المجد في تاريخ نجد ج 1 ص 112 و مطالع السعود ص 148.

149

حرب الوهابية و التأهب لها من جديد:

كان لوقعة ثويني شيخ المنتفق تأثيرها في الحكومة لا سيما و قد تلتها وقعة سوق الشيوخ و وقعة الأبيض و قتلة مطلق الجرباء ... و لذا اهتموا للأمر و عهدوا إلى الكتخدا علي باشا بالقيادة. و كان سمع الخبر في الجوازر فتألم للمصاب و رغب في الحرب. فلما رأى من الوزير عين الرغبة هيأ ما يلزم من وسائل السفر. و حينئذ فتح الوزير خزائنه و بذل ما في وسعه من الاهتمام.

و لم تمض بضعة أشهر حتى تمكن من إعداد العدد لسفر عظيم.

و على هذا و في 22 من شهر ربيع الآخر سنة 1213 ه تحرك الكتخدا من بغداد و توجه نحو الوهابية. و انتظر في الدورة تسعة أيام لتتلاحق بقايا الجيوش و في اليوم العاشر تحرك منها، فكان يتوقف في بعض المنازل خمسة أيام أو أكثر إلى العشرة و في بعضها يمكث يومين أو ثلاثة ثم يتحرك حتى واصل سيره و وافى البصرة، و نزل في باب الرباط.

و أعدت له الأرزاق في البصرة عدا ما أحضره معه من بغداد و أحضرت السفن كواسطة بحرية لنقل المؤونة كما أنه هيئت الإبل للنقل برّا. فاستكمل مقتضيات السفر و بعد أن أقام فيها نحو عشرة أيام تحرك منها متوجها نحو الزبير فنزل بالقرب منها في محل يقال له دريهمية و تقع في شرقي الزبير. و جهز من النجادة نحو خمسة آلاف بندقي استؤجروا لهذا الغرض‏ (1) ... و سارت معه عشائر المنتفق مع رئيسهم حمود الثامر و آل بعيج و الزقاريط و آل قشعم و جميع عشائر العراق، و كذا عشائر شمر و الظفير. و سار معه أهل الزبير و من يليهم فاجتمعت جموع كثيرة حتى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 436 مخطوطتي.

150

قيل إن الخيل التي يعلق لها ثمانية عشر ألفا. فسار علي باشا الكتخدا بتلك الجموع و قصد الأحساء (1).

نهض الجيش من هناك. و كان يجب أن يتوجه إلى الدرعية من طريق الأحساء لأنها أقرب و فيها عبد العزيز و ابنه سعود إلا أن الكتخدا عول على هذه الطريق إلى جهة الآبار مورد الفيلق لا سيما أن الآبار في طريق الأحساء يبعد الواحد منها عن الآخر نحو عشرين ساعة و بينهما منزلتان و هذه لا يتيسر للجيش قطعها حتى يحصل على الماء. و أيضا أن طريق الدرعية غير صالح لأن مسافة الماء فيه ما بين المنزلتين تبعد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها. فالجيش أثقاله كثيرة و مدافعه ضخمة و معه ألوف مؤلفة من الجنود و العشائر و الأهلين و العيال و الإبل و الحيوانات الأخرى فلا يستطيع الصبر و الاستغناء عن الماء.

و أيضا لو اتخذ طريق الدرعية و سلك الجيش منه لما تمكن من نقل أرزاقه و أمتعته و سائر لوازمه، و لحرم من الاستفادة من طريق البحر.

و لكان اكتفى ببعض العشائر و الخيالة و مقدار قليل من الإبل في حين أن عدة الإبل و وسائل النقل كبيرة جدا و أن الإبل وحدها تبلغ نحو ثلاثين ألفا. و هذا من الصعوبة بمكان.

فهذه القوة لا يمكن إدارتها بلا وسائط النقل المذكورة. و كذا لا يتيسر النقل من البحر إلى الدرعية فلا يطيق الجيش قطعها إلا أن يكون وحده أو العشائر بأنفسهم ...

لذلك كله رجح قائد الجيش الرأي القائل بلزوم نقل الذخائر و الأمتعة من البحر إلى الأحساء و منها إلى الدرعية فعدل عن الذهاب إلى الدرعية رأسا فمضوا في طريق الأحساء حتى وصلوا (سفوان) و منه و في‏

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 118.

151

اليوم التالي نهض الجيش فوصل (الروضتين). و ذمها صاحب الدوحة و قال إن اسمها على خلاف مسماها. و منها توجه إلى (الجهرة) فنزلها و كانت مياه آبارها ملحا أجاجا.

و حينئذ وصلت السفن التي سيرت من البصرة حاملة المؤونة إلى أن جاءت إلى مكان تجاه (الجهرة) من البحر. و لكن الغربان (نوع سفن) لم تستطع الوقوف هناك و لا التقرب إلى الساحل. فاستشكل الأمر و صعب إلا أنه بواسطة شيخ الكويت استكريت بعض السفن الصغيرة.

و (البتيلات) فسهل ايصالها إلى مكان قريب من الأحساء يقال له العقير (العجير) فنقلت المؤن و المهمات بواسطتها و جي‏ء بها إلى العجير و أعطيت الأجرة إلى شيخ الكويت.

و مضى الجيش نحو عشرة أيام حتى وصل إلى (بلبول) الواقع في ساحل البحر و مشت السفن إليه و استصحب الجيش أرزاقه ليصل إلى (بلبول) حملوها على ظهور خمسة آلاف بعير استكروها من العشائر التي معهم. فاضطروا للتوقف في الجهرة و منها ذهبوا إلى (بلبول).

و لما وصلوا إليها انتهت الأرزاق المصحوبة معهم. و وصلت السفن حين قربوا من بلبول. و فيه أقاموا عشرة أيام و أخذوا من السفن أرزاق شهر. حملوها على ظهور الإبل و نهضوا من هذا المنزل ساروا عشرة أيام إلى أن وصلوا إلى قرية (نطاع) من قرى الأحساء. و هناك أقاموا نحو عشرة أيام استراحوا خلالها.

ثم قطعوا الفيافي و القفار حتى قربوا من الأحساء، و حينئذ دعوا أهليها إلى الانقياد و الطاعة إلا أن في الإحساء قلعتين إحداهما يقال لها (المبرز) و الأخرى تدعى (الهفوف). و في هاتين القلعتين حاصر قوم من الوهابية بأمر من عبد العزيز و فيهما كل من سليمان الماجد و الحاج إبراهيم بن عفيصان أما سليمان بن محمد بن ماجد فهو من أهل بلد

152

ثادق. و كان في قلعة المبرز. حاصر حصار الأبطال. و يسمى القصر المحصور (صاهود) و أما إبراهيم بن سليمان بن عفيصان فقد حاصر في (قصر الهفوف) و حاولوا الهجوم عليهم مرارا عديدة فلم يحصلوا على المراد.

فهؤلاء تحصنوا و أبوا أن يسلموا ... حتى رفع الحصار عنهم.

فاتخذ الجيش كل الوسائل، فلم يفلح في اكتساح القلاع‏ (1).

اتخذ الجيش الوسائل العديدة للاستيلاء على القلعتين و استعمل المدافع ... فلم يتيسر له الأمر، و قوي أمل المحصورين و غابت آمال الجيش، و قلت المؤن، و ماتت الإبل و لم يبق منها إلا القليل. و لذا ألح الجيش في العودة. و إن الإبل لم تستطع أن تجر الأثقال و المدافع، فاضطروا على الرجوع بلا زاد، فانصرفوا من محلهم في 7 ذي القعدة و تركوا الأحساء و أبقوا أمتعتهم و أموالهم في محالها (2).

و في اليوم الرابع عشر من رحيلهم وصلوا إلى المحل الذي قتل فيه ثويني و هو المسمى (بالشباك) و لذا حاروا في أمرهم من فقد الزاد و الطعام و قلته من جهتهم و من جهة دوابهم و مواشيهم و نالهم اضطراب شديد و يئسوا من الرجوع إلى مأمنهم و لكنهم على كل حال مضوا في سبيلهم ...

و في هذه الأثناء ساقهم اللّه إلى مراع خصبة اهتدوا إليها. فما بقي لديهم من الدواب رعت بضعة أيام و رتعت في هذه المواطن فلم يحتاجوا خلالها إلى (العليق) أو العلف ليطعموا دوابهم فاضطروا إلى النزول و لكنهم أضاعوا الخيام فتحروا عنها.

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 118 و فيه تفصيل.

(2) عنوان المجد ج 1 ص 118 و فيه تفصيل. و دوحة الوزراء ص 443 مخطوطتي.

153

و في الحين هبت رياح موحشة و صواعق مدهشة فأمطرت السماء بوابلها ... و كل واحد من العسكر ماسك بعنان فرسه صابر على هذا البلاء و لا يدري ما سيصيبه في ليلته. و قضوها و لم يغمض لهم جفن في حالة لا توصف فلم يبق لواحد منهم أمل في الحياة ...

و عند الصباح حينما طلعت الشمس جاء البشير فأخبر بوجود الخيام فاستعاد الجيش حياة جديدة و انتعش بالعثور على خيامه ... و لكن الطعام نفد و لم يبق زاد يعيشون به فارتبكوا من هذه الجهة و حاذروا من الهلاك ...!

و في اليوم التالي من استراحتهم اخبروا أن بضعة قطع من السفن (الغربان) وصلت إلى جزيرة العماير في ساحل البحر فعينت بعض الخيالة مع مقدار من الإبل لجلبها و إيصالها إليهم. و لما وصلت ظهر أنها قسط يوم واحد فقسمت على العسكر. فمن أصابه رطل شعير فكأنما ربح كل الغنى ...

بينا كانوا في هذه الحالة إذ داهمهم العدو تحت قيادة سعود بن عبد العزيز و معه أهل اليمن و العارض و جبل شمر فاغتنم الفرصة من حالة الجيش و جاءهم على حين غرة. علم أن الجيش عاد عن الإحساء و أنه تفرق لقلة الأرزاق و تشتت شمله و أنه لم يبق سوى علي باشا و شرذمة قليلة معه فرجع فارا. و لذا انتهز الفرصة بناء على أخبار ابن عفيصان كتب إلى الأمير عبد العزيز و هذا أرسل ابنه سعودا.

و لما سمع علي باشا سر كثيرا و عزم على محاربتهم. فأعد الجيش و مشى على سعود المذكور، و هذا أيضا بناء على إغراء ابن عفيصان عجل بالموافاة و أن لا تضيع هذه الفرصة من أيديهم. و عند وصوله للمحل و مقاربته منهم رأى الجيش متأهبا للكفاح، و لذا نزل في محل يقال له (محنات) و اتخذ المتاريس فيه، و تحصن.

154

و عند ما شاهد ذلك علي باشا نزل في محل يقال له (ثاج) (1) و هو ماء في ديرة بني خالد و نصب خيامه هناك و طول نهار ذلك اليوم تطارد خيالة الطرفين في ميدان الحرب حتى المغرب فقتل بعض أشخاص معروفين من الوهابيين و من جيش الحكومة قتل أخو حمود و هو خالد الثامر.

و حينئذ رأى قوم ابن سعود الرعب و الهلع و قلت همتهم. و لذا رغبوا (2) في الصلح فأرسلوا رقعة يسترحمون فيها رغبتهم في الصلح.

و هذه صورة كتابهم:

«من سعود العبد العزيز إلى علي،

أما بعد ما عرفنا سبب مجيئكم إلى الإحساء و على أي منوال جئتم. أما أهل الإحساء فهم أرفاض ملاعين و نحن جعلناهم مسلمين بالسيف. و هي قرية الآن ليس داخلة في حكم الروم بعيدة منكم و لا يحصل منها شي‏ء بسوى تعبكم. و لو أن جميع الإحساء و ما يليها تؤدي لكم دراهمها ما تعادل مصارفكم التي عملتموها في هذه السفرة و لا كان بيننا و بينكم من المضاغنة قبل ذلك إلا ثويني فهو كان معتدي و لقي جزاءه. فالآن مؤمولنا المصالحة فهي خير لنا و لكم و الصلح سيد الأحكام.» اه.

و من هذا استدل صاحب الدوحة بضعف مقاومة سعود، و أن الجيش كان راغبا في المقاومة إلا أن العليق (العلف) قد قلّ، و المياه‏

____________

(1) في عنوان المجد أن جيش سعود نزل الثاج. و أن علي باشا نزل الشباك الماء المعروف قرب الثاج ثم إن علي باشا لما سمع بمجي‏ء سعود زحفت جيوشه من الشباك و نزلت ثاج ... (ص 119).

(2) و في عنوان المجد أن الباشا هو الذي طلب الصلح و المكافة من الطرفين (ص 119).