موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج6

- عباس العزاوي المزيد...
432 /
155

الموجودة لا تكفي لسد الحاجة. و من جهة أخرى أن الأعداء كانوا يعرفون أنواع المياه. و لذا انحازوا إلى المياه العذبة و تركوا الجيش في المياه المالحة و القليلة الموارد. و أيضا قد حفر الجيش نحو خمسمائة بئر و كلها ماؤها أجاج فلا يسيغ المرء بلعه إلا بمشقة.

و أن أخذ الماء منهم يحتاج إلى مقاتلتهم و إزاحتهم عن مواقعهم، و أن تستعمل المدافع ضدهم، و لكن المدافع كانت عاطلة. لأنها دفنت لوازمها في جهة الإحساء لعدم القدرة على حملها.

يضاف إلى ذلك أن الدوام على مقاومة هؤلاء و الوقيعة بهم أو منازلتهم يؤدي إلى نفاد الذخائر و الأطعمة. فالجيش ليس لديه إلا قوت يومه و يخشى أن يهلك و يضمحل بنفاد زاده ...

و على كل حال فاختيار أحد الشقين و هو الاستمرار على المنازلة يؤدي إلى نتائج و خيمة و ليس من المصلحة ارتكاب هذا الخطر. لذا تذاكر علي باشا مع أعيان الجيش فكتب الباشا كتابا هذا نصه:

«من علي باشا إلى سعود العبد العزيز:

أما بعد فقد أتانا كتابك و كلما ذكرت من أمر المصالحة صار معلومنا.

لكن على شروط نذكرها لك فإن أنت قبلتها و عملت بها فحسن و إلا فإننا ما عاجزون عنك و لا من طوائفك بعون اللّه و قوته. و عندك الخبر الصحيح إذا اشتدت الهيجا، و انشقت العصا فحسبك الضحاك و السيف المهند حيث لنا مقدار أربعة أشهر في بلادك نجوب الفلا و نستأسر أهل القرى ما قدرت تظهر من مكانك غير هذه الدفعة. و بهذه الدفعة أيضا اغتررت بقول ابن عفيصان. فأما الشرط الأول هو أن الإحساء لا تقربها بعد ذلك. و الثاني الأطواب التي أخذت من ثويني أنك ترجعها، و الشرط الثالث تعطينا جميع ما صرفناه على هذا السفر، و الرابع أن لا تتعرض للحجاج التي تجي‏ء إليك من العراق و لا تتعرض‏

156

لأبناء السبيل و تكف عن غزوك العراق و تكون معنا كالأول فهذه الشروط التي أخبرناك بها و السلام على من اتبع الهدى.» انتهى.

أما سعود فإنه قبل بالشروط التي تمكن على إنقاذها و كتب كتابا آخر هذه صورته:

«جاءنا كتابكم و فهمنا معناه. أما عن حال شروط المذكورة فأولا الأحساء هي قرية بعيدة إلى دياركم و خارجة عن حكم الروم و ما تجازي التعب و لا فيها شي‏ء يوجب الشقاق بيننا فهذا حالها. و أما الأطواب فهي عند والدي بالدرعية إذا صدرت إليه أعرض الحال بين يديه.

و الوزير سليمان باشا أيضا يكتب له فإن صحت المصالحة و ارتفع الشقاق من الطرفين فهي لكم و أنا كفيل بها إلى أن أجيبها إلى البصرة. و أما مصارفكم فإني لم أملك من هذا الأمر شيئا و الشور في يد والدي.

و الذي عندنا فهو يصلكم. و أما ما ذكرتم عن الطريق و عدم التعرض للحجاج المترددين ما لهم عندنا غير الكرامة و التسيار. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.» اه.

كان اعتذار الموما إليه عن قبول بعض الشروط ظاهرا له مبرر.

و لذا أمضيت المصالحة طبق الشروط الأخرى و قبل بها الطرفان‏ (1). ثم إن سعود ابن الأمير عبد العزيز رجع قاصدا الإحساء فنزل عليه و رتب حصونه و ثغوره و أقام فيه قرب شهرين و استعمل عليه أميرا سليمان بن محمد بن ماجد. ثم رحل إلى وطنه قافلا راجعا (2).

و على هذا نهض الجيش أيضا من محله و بألف صعوبة و أنواع المضايقات من جهة الأرزاق و سائر الاحتياجات جاب الصحارى و القفار

____________

(1) دوحة الوزراء ص 447 و نصوص هذه الكتب في مطالع السعود أيضا ص 153 مخطوطتي.

(2) عنوان المجد ج 1 ص 119.

157

و قطع المهامة و الفيافي حتى وصل إلى البصرة بنفسه الأخير. و حينئذ نزلوا في (باب الرباط) فأخذوا الذخائر و ما يحتاجون إليه و بقوا مدة خمسة عشر يوما للاستراحة ثم نهضوا منها و توجهوا نحو بغداد.

فدخلوها في 4 صفر سنة 1214 ه.

و دامت السفرة تسعة أشهر و خمسة و عشرين يوما.

و يلاحظ هنا أن الجيش أصابته مخاطر جليلة في ذهابه و إيابه و ضاقت عليه الأرض بما رحبت و نالته أنواع الشدائد، فالطريق مجهولة، و الوسائط غير كافية، و التأهبات زائدة ... و كان يتوقع اضمحلاله و هلاكه. فإن كل مشكلة أصابته كانت كافية لإفناء الجيش بتمامه ...

و مع هذا نجا في آخر نفس و كاد يفارق الحياة. فالسفر من بغداد إلى الأحساء، أو إلى الدرعية صعب المنال و لا يتيسر لكل أحد بسهولة و هذه الوقعة تبين نبذة منه و تعرف بالحالة ...

و لذا قيل إن مثل هذه الحرب لا يستطيع وزير أن ينهض بها و يقوم بمهماتها لأنها ليس مما يدخل تحت طاقته و استطاعته. أما سليمان باشا فإنه كان قد اكتسب في خلال تسع سنوات من سنة 1194 ه إلى سنة 1213 ه مبالغ و فيرة. و هذه كلها صرفت على هذا السفر و لم تكمل مؤنته و لا سدت احتياجاته ...

و ليس لدينا قيود ثابتة و لا وثائق صحيحة تبين مصروفات هذه السفرة بصورة كاملة إلا أنه عرفت بعض الأقلام عن المصروفات و ذلك أن النجادة مثلا كانوا من زوائد الصنوف العسكرية استكريت إبلهم فبلغت شهريتها مائة ألف غرش كما أن قيمة عليق الفرس للجيوش بلغت من حين مجيئه من إربل إلى أن وصل إلى بغداد فالبصرة ليرة عثمانية ذهبا ما أمكن تحقيقه. و ليقس على ذلك سائر اللوازم و المصروفات الأخرى مما

158

لم يذكر و هو أكثر بكثير ما سبق بيانه‏ (1) ....

و في مطالع السعود معارضة للدوحة و نقل منها:

«و ما ذكره المؤرخ التركي- صاحب الدوحة- من أن العسكر أصابه ضرر من قلة العلف و الزاد فلا أصل له بل الذي اشرف على الهلاك عسكر سعود من قلّة الزاد و ما معه. و لقد و اللّه خدع الكتخدا في تلك المصالحة ... و أن حمود بن ثامر أبى المصالحة إلا أن يعطيه الكتخدا كتابا في أن المصالحة عن اختياره. و قد رمى في ذلك محمد بن عبد اللّه بن شاوي. و هو بري‏ء. لكنه اعتمد على من سبق ذكره. و لو سأل غيره و تروى لكان قتال العدو هو الأولى لكونه على غاية من الوهن ...» اه ص 155.

و صاحب المطالع متحامل على آل سعود فلا يؤمل أن يكون محايدا.

الأحساء إلى هذا التاريخ:

مر في المجلد الخامس أن آل حميد من بني خالد استولوا على الأحساء في سنة 1080 ه و أولهم براك بن غرير و معه محمد بن حسين ابن عثمان و مهنا الجبري، و قتلوا عسكر الباشا الذي في الكوت‏ (2) و ذلك بعد أن قتلوا راشد بن مغامس رئيس آل شبيب و نهبوا عشائره و طردوهم عن ولاية الأحساء.

و جاء تاريخ ذلك (طغى الماء) قال أحد أدباء أهل القطيف:

____________

(1) دوحة الوزراء ص 448 مخطوطتي. و في تاريخ نجد و علاقته بالعراق تفصيل.

و مطالع السعود ص 151 مخطوطتي.

(2) الكوت محلة في الأحساء.

159

رأيت البدو آل حميد لما* * * تولّوا أحدثوا في الخط ظلما

أتى تاريخهم لما تولوا* * * كفانا اللّه شرهم (طغى الما)

و دامت ولايتهم إلى سنة 1208 ه و كان آخرهم زيد بن عريعر ثم استولى عليها براك بن عبد المحسن في تلك السنة نائبا عن الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود فزالت ولاية آل حميد.

و جاء تاريخ زوالهم (و غار). و ذيّل بعض الأدباء على البيتين المذكورين بقوله:

و تاريخ الزوال أتى طباقا* * * (و غار) إذ انتهى الأجل المسمى‏

و لهؤلاء وقائع مهمة و لكن حصل انشقاق فيما بينهم أدى إلى أن يميل براك إلى آل سعود و يستولي على الأحساء بالنيابة عن الأمير ابن سعود ثم ثار الأهلون عليه فاكتسح سعود ابن الأمير عبد العزيز المدينة فصارت خالصة لآل سعود سنة 1212 ه (1) و أن وقائع ثويني، و علي باشا الكتخدا و ما يليها، كانت من جراء براك المذكور و انفصاله مؤخرا عن ابن سعود، و كانت تأمل الدولة الاستيلاء عليها بقوة سليمان باشا الوزير. فخذل.

حوادث سنة 1214 ه- 1799 م‏

قبائل عنزة:

كانت مواطن عنزة سورية، و هي من عشائرها، و من أمد يأتون للاكتيال، و لما انحدروا هذه المرة نزلوا مقاطعة الطهماسية التابعة للحلة

____________

(1) كانت الوقعة في ذي القعدة سنة 1211 ه و دامت إلى سنة 1212 ه.

160

و تطاولوا على عشائر العراق، كما أنهم أغاروا على عشائر الدليم فانتهبوا منهم أموالا كثيرة و أضروا بهم. و كان أمل الحكومة أن توجه إليهم جيشا تؤدبهم به و لكن صادف أن جاء شيخهم (فاضل) إلى بغداد فأكرمه الوزير و أظهر له اللطف و الاحترام و ألبسه الخلعة. ثم نبهه أن يعيد خلال عشرة أيام المنهوبات من الدليم، و أن يكفوا عن الأعمال المضرة بالأمن، المشوشة للراحة فتعهد الرئيس بذلك و عاد لمحله.

انقضت مدة المهل و لم تظهر نتيجة. لم يطعه قومه في أداء المنهوبات كما أن قبائله استمرت في إضرارها بالقبائل و بقيت عابثة بالأمن لذا سير الوزير الكتخدا علي باشا للتنكيل بها و القضاء على غوائلها فذهب بجيش جرار و أغار على مواطنها. و في منتصف الليل وصل جسر الهندية فاستخبرت عنزة. و لما لم يكن لها طريق للفرار سوى المرور من ذلك الجسر التجأت إلى قبائل قشعم، و الأسلم و الرفيع فأخفوهم بينهم بمقتضى الشيمة العربية. و عند طلوع الفجر استقبل شيوخهم و رؤساؤهم العسكر و أسرعوا لملاقاته فتضرعوا في العفو و قدموا أن أموالنا أموالهم و أعراضنا أعراضهم و نحن رعاياكم، فشفعوا فيهم و قالوا ثلاثة آلاف بعير و خمسين حصانا و التمسوا قبول العفو و على هذا راعى الكتخدا جانب المذكورين فقبل ملتمسهم و أقام هناك نحو عشرة أيام فاستوفى تعهداتهم في خلالها و أرسلها إلى الوزير ثم أعطاهم مجالا للعبور فعبروا (1).

التوجه إلى الحلة:

ثم إن الكتخدا توجه إلى الحلة فشكا الأهلون من ضابطها (علي چلبي) فعرض الكتخدا الحالة على الوزير فصدر الأمر بعزله و أقام مكانه‏

____________

(1) مطالع السعود ص 156 و دوحة الوزراء ص 212 المطبوعة.

161

مراد چلبي و دققت حسابات علي چلبي فاستوفيت البقايا المترتبة بذمته.

و علي چلبي من أمراء الحلة أسرة عبد الجليل بك‏ (1).

قشعم:

ثم إن الكتخدا لم يكتف بما أخذه و ما انتهبه بل أعاد الكرة على قشعم و أبدى أن شيخها (ناصر الحبيب) تراخى في الخدمة أثناء سفره إلى الاحساء فطلب منهم خمسمائة بعير و ألفي شاة فلم يستطيعوا و التمسوا العفو فعفا عن النصف و أخذ النصف الباقي و توجه إلى بغداد.

فكانت مدة سفره شهرا واحدا و سبعة أيام، و أن هذه العشيرة بعد أن عزل شيخها عبد العزيز مال فريق منها إلى عبد العزيز و آخر بقي مع أخيه شبيب الحبيب أقامت العشيرة في المحل المسمى (صخيري) و شرعت بأعمال غير لائقة، و لذا أمر الوزير كتخداه علي باشا بالذهاب إليها و عبر جسر المسيب فعلموا بذلك فتفرقوا و تشتت شملهم و اقتفى الباشا أثرهم إلى أن وصل إلى قرب شفاثا (2).

الدليم:

تمرد هؤلاء عن أداء الميري فاقتضى تأديبهم، فحول وجهته نحوهم. و قبل أن يصل إليهم الباشا علموا بالأمر و فروا فذهب معقبا طريق هزيمتهم إلى أن وصل إلى جبة، و هناك عثر على أغنامهم و مواشيهم و تبلغ نحو عشرين ألفا فانتهبها و عاد بغنيمة باردة إلى الفلوجة.

و حينئذ أعطاهم الرأي و الأمان و عاد إلى بغداد (3).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 212.

(2) دوحة الوزراء ص 213 و مطالع السعود ص 156.

(3) مطالع السعود ص 156 و دوحة الوزراء ص 213.

162

الوهابية:

و في هذه الأثناء وردت (حدرة) من الوهابية (سايلة)، فصادفها الخزاعل فقتلوا منها نحو ثلاثمائة رجل. جاء الخزاعل إلى النجف للزيارة فحدثت هذه الوقعة على خلاف الشروط المعطاة إلى سعود ابن الأمير عبد العزيز السعود، و لذا لم ترق هذه الحادثة للوزير و تأسف كثيرا لوقوعها، و كانت السبب في الوقائع الأخيرة (1).

حوادث سنة 1215 ه- 1800 م‏

قبيلة الخزاعل:

كان آل السلمان من الخزاعل ارتكبوا تلك الوقعة و أعمال نهب أخرى فاقتضى تأديبهم إذ لم يفد معهم اغماض العين. و على هذا أمر الوزير كتخداه أن يغزوهم فتحرك من بغداد في 21 جمادى الثانية. و لما وصل إلى گرمة (قرمة) ليوه اجتمع الخزاعل في قلعة السلمان معتمدين على رصانتها و تحصنوا بها.

أما القرمة المزبورة فلم يتيسر عبورها إلا بواسطة جسر و كذا صادف الجيش قرمات أخرى فاجتازوها و لم يبالوا بالمصاعب و أعملوا السدود فاتخذوا كل الوسائل اللازمة للوصول فتقرب الجيش نحو القلعة و كانوا مستعدين للمقاومة إلا أنهم حينما رأوا الجيش استولى عليهم الخوف فلم يأمنوا البقاء في القلعة فتركوها و ألقوا بأنفسهم إلى قرمة (الفريات) الواقعة بين ثلاثة شطوط بالقرب من محل يقال له (لملوم).

اتخذوا هناك متاريس انضووا إليها لمناعتها.

أما الباشا فإنه اجتاز قرمات و مجاري مياه عديدة باتخاذ السدود

____________

(1) دوحة الوزراء ص 213.

163

و الجسور لقطعها و عبورها حتى وصل إلى المحل الذي وصلوا إليه فأحاط به، و استخدم المشاة كما أنه أنزل الخيالة من ظهور خيولهم و جعلهم مشاة أيضا و استخدمهم لعين الغرض، فهاجموهم من جميع جهاتهم و اقتحموا كل الموانع، و حينما تقارب الجمعان اشتد القتال و دام إلى المغرب ثم إلى نصف الليل بلا فاصلة و لا استراحة و ضيق الجيش عليهم تضييقا مرا، فلم يبق لهم صبر، و حينئذ حرقوا بيوتهم بأيديهم، و في ليلتهم اتخذوا ظلام الليل ستارا لهم و هربوا متفرقين شذر مذر، فالتجأوا إلى الهور الذي لا يدرك غوره و لا يمكن الوصول إلى ساحله.

و في اليوم التالي ضبط الكتخدا ديارهم المسماة (لملوم) فاغتنم الجيش و من معه من العشائر نحو عشرة آلاف تغار من الشلب و أموالا أخرى لا تكاد تحصى، و الشلب الذي أرسل إلى الوزير بلغ ألفين و خمسمائة تغار شحن في سفن و أرسل إلى بغداد. و لم يكتف الباشا بذلك و إنما اتخذ قطع المياه عن الهور الذي التجأوا إليه فباشر في قطع القرمة الكبيرة المسماة (قرمة عباة). و هناك أقام مدة شهر للاستراحة و بذل المجهود في أمر السدّ و اهتم به كثيرا فكان سدها خارج الطاقة و مع هذا زاول الأمر و اشتغل به.

و في هذه الأثناء حذروا من قطعها فركنوا إلى الكتخدا و طلبوا العفو منه و تعهدوا بأداء الرسوم حسب المطلوب في كل سنة. و بعد استيفاء الميري تركهم في ديارهم و توجه من ذلك المكان. و قام ببعض الأعمال الأخرى فأظهر سطوته. عاد إلى بغداد فدخلها في 17 شوال.

و دامت سفرته ثلاثة أشهر و 27 يوما.

توجيه إيالة الرها إلى تيمور الملي:

ثار تيمور باشا الملي على الحكومة ثم ذهب الوزير إليه و نكل بأتباعه، ثم التجأ إليه فاستحصل له العفو من السلطان كما تقدم ذلك‏

164

كله، أما الوزير فإنه راقب أحواله طول إقامته في بغداد فرضي عنه، و كان يميل إلى أن يكون واليا على الرقة، لذا كان يصرح بذلك تارة و يلمح أخرى و يلتمس. و أن الدولة من القديم لم ترد ملتمسا لوزراء بغداد، فالوزير طلب أن تسمح لتيمور باشا بإيالة الرقة برتبة وزارة فوافقت على ذلك.

و حينئذ احتفل الوزير له بأبهة في باب الإمام الأعظم. و لما أن حصل على الوزارة بالغ في احترامه وزاره في محله مرتين توقيرا له فأرسله إلى منصبه مكرما مبجلا (1).

حوادث سنة 1216 ه- 1801 م‏

العلاقة بالوهابية (2):

مر في حوادث سنة 1214 ه واقعة الخزاعل فلما سمع الأمير عبد العزيز السعود بما جرى طلب من الحكومة العراقية دية المقتولين و إلا نقض عهده أما الوزير فأراد أن يجدد الصلح بينه و بين الأمير سعود فأرسل عبد العزيز بك الشاوي بمناسبة الذهاب إلى الحج ليصل إليه و يفاوضه في ديات من قتلهم الخزاعل و سكان النجف. فورد و تفاوض معه و ألح عليه كثيرا فلم يفد معه القول. و إنما أراد أن يكون له غربي الفرات من عانة إلى البصرة و إلا نقض العهد. و تبين ذلك من كتابه الوارد إلى بغداد بواسطة الساعي.

قال صاحب مطالع السعود: «فانقلب ابن شاوي بغير ما أمله، و لأجله الوزير أرسله إلا أنه لما شرب من مائهم و جلس بين دعاتهم‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 215.

(2) الوهابية نبز و عقيدتهم عقيدة السلف لا يختلفون عن المحدثين. أوضحت ذلك في كتاب تاريخ العقيدة الإسلامية في العراق.

165

و علمائهم مازجه من بدعتهم شبهة و نزعة جذب إليها شبهة من علماء و عوام، و هلك بها خاص و عام، و خاض في بحرها من لا يؤبه له و عام» اه (1) .. و في عبارته هذه تحامل.

و كذا علمت الحكومة أن الأمير سعودا توجه إلى أنحاء العراق بقصد غزوها، فاتخذ الوزير الحيطة و أرسل كتخداه علي باشا بعسكر عظيم لجهة الهندية في 3 صفر فأقام هناك مدة ثم ذهب إلى نهر الشاه فأخبر أن ركبا عظيما جاء إلى جهة شفاثا. فسارع الباشا للأمر و أرسل محمد بك الشاوي و فارس الجرباء و العبيد و البيات و الأربليين فبلغوا نحو ألفي محارب فذهبوا إلى ذلك المحل. و لما وصلوا قرب شفاثا علموا أن الركب يبعد عنهم نحو أربع ساعات فأغاروا عليه من مكانهم بسرعة.

و عند ما وصلوهم وجدوهم نحو ألف بندقي و رأوهم اتخذوا إبلهم متاريس لهم و تناوخوا مع الجيش إلى وقت الظهر فلم يبدأوا بحرب و لكن الجيش العراقي أثر فيه العطش كثيرا فلم يجد فائدة من هذه (المناوخة) و رجعوا إلى شفاثا و رجع أولئك أيضا إلى مواطنهم. و لم يتعرض الواحد للآخر.

ثم إنه بعد عودة العسكر إلى جانب الكتخدا وجدوا عبد العزيز بك عاد من الحج و بين أن الأمير عبد العزيز لم تكن له رغبة في الصلح بل له نوايا سيئة. أفاد ذلك مفصلا ثم جاء إلى الباشا و بقي عنده بضعة أيام.

أما الباشا فقد جعل رئيس الكتيبة على جميع الخيالة و على مقدار من الموصليين و خيالة عقيل لمحافظة الديار و ترصد الأخبار و عينه في الهندية ثم عاد بباقي الجيش و دخل بغداد في 5 جمادى الأولى. و كانت هذه السفرة ثلاثة أشهر و يومين‏ (2).

____________

(1) مطالع السعود ص 161.

(2) دوحة الوزراء ص 216 و مطالع السعود ص 162.

166

جليحة و عفك:

إن عشائر جليحة و عفك تمردت و لم تعط الرسوم الأميرية فأراد الوزير تأديبها فسير كتخداه بقوة كافية. خرج من بغداد في 25 جمادى الثانية و ذهب من طريق الجزيرة. و لما وصل نهر اليوسفية جاءه شيوخهم و متميزوهم فألبسهم الخلع و قطع الميري على الطائفتين بمبلغ مائة و خمسين ألف قرش و أمر الرؤساء باستحصال المبالغ. و على هذا أذن لهم الكتخدا بالعودة و لكنه بقي في أطراف اليوسفية مدة فلم يرد إليه خبر و لا ظهرت علائم عن مجيئهم فعزم أن يهاجم عفكا و صار يضيق عليهم من أجل الميري فتيقن أن الحصول عليه غير ممكن، و أن أراضيهم من كثرة المياه و الأطيان و القرمات صعبة المرور. لذا ترك هؤلاء و توجه نحو جليحة.

و هذه واقعة في جانب آخر من القرمات و الأنهار و فيها من الموانع ما يصعب الوصول إليه و أنهم معتزون في أكبر الأهوار و أعمقها.

تحصنوا بأماكن خاصة و اتخذوا لهم (سيبايات) منيعة تمكنوا فيها، فلم يلتفت الكتخدا لكل هذه المصاعب فسد بعض الأنهار و اتخذ جسورا على القسم الآخر فاجتاز كل هذه الموانع و عبرها.

و لما قرب من مكانهم صال عليهم بمن معه من كل صوب و ضيق عليهم، أما هم فتأهبوا للقتال و اشتعلت نيران الحرب و طال أمدها، و العساكر لم تبق لهم تحملا للتنقل من مكان إلى آخر و لا وجدوا صبرا على المطاردات المتوالية و الهجومات العديدة. و لذا أرسلوا ساداتهم للدخالة و طلبوا الأمان و تعهدوا بأداء الميري و عرضوا الطاعة.

و في خلال بضعة أيام تمكنوا من جمع نصف الميري المطلوب منهم، و أعطوا رهائن عن القسم الآخر فعفا عنهم الكتخدا و عاد الجيش. و لما وصل إلى منزل (حورية) أرسل رهائن جليحة إلى بغداد.

167

و من هناك توجه الكتخدا إلى جهة (شط الحي) فأغار على السعيد من قبائل زبيد فانتهبها. ثم قفل راجعا من طريق العمارة و الكوت إلى بغداد فدخلها في 10 شهر رمضان. و مدة سفره شهران و ستة عشر يوما (1).

بابان:

كان عبد الرحمن باشا مشمولا بألطاف الوزير و لكنه انحرف فظهرت منه بعض الأطوار التي لم ترق كما تبين من حاله و قاله و من القرائن.

و أيضا تحرك أخوه سليم بك بما يخالف الاستقامة المطلوبة فاغتاظ الوزير عليهما لذلك ألقى الوزير القبض على الباشا الموما إليه و حبسه و عزل أخاه من لواء كوى و حرير و وجهت إيالة بابان إلى محمد بك ابن محمود باشا آل تيمور برتبة (باشا) و خلع عليه و سير لمحل وظيفته.

و كذا جلب سليم بك و عهد بإيالته إلى إبراهيم باشا و نفي سليم بك مع عبد الرحمن باشا إلى الحلة و حبسا فيها (2).

الطاعون في بغداد:

في ذي القعدة ظهرت آثار الطاعون في بغداد، فعزم الوزير أن يقضي الربيع في أنحاء الخالص فذهب بأهله و أتباعه و حشمه فنصب خيامه في ميدان السلق. و كان من أمد بعيد معتلا (بوجع المفاصل).

و في هذه الأيام اشتد مرضه أكثر و اختلت راحته لكنه مع كل هذا ذهب إلى جهة الخالص فكان مشغولا بنفسه.

____________

(1) مطالع السعود ص 162 و دوحة الوزراء ص 216.

(2) دوحة الوزراء ص 217 و مطالع السعود ص 163.

168

غارة الوهابية على كربلاء:

و في هذه الأثناء ورد الخبر من شيخ المنتفق حمود الثامر أن سعود ابن الأمير عبد العزيز توجه إلى هذه الأنحاء بجموع كثيرة العدد و العديد. و لذا وجه الوزير كتخداه علي باشا إلى جهة الهندية و نزل في منزل الدورة مع جمع قليل. و كان في انتظار بعض القبائل لتوافيه. و بينما هم في هذه الحالة إذ فاجأ سعود كربلاء و تمكن من الدخول في المدينة فاغتنم الفرصة دون حيطة من أهل البلدة. فغنم منها أموالا كثيرة و انتهب أمتعة لا تحصى‏ (1).

و في عنوان المجد لابن بشر الحنبلي:

«إن سعودا سار- في سنة 1216 ه- بالجيوش ... من حاضر نجد و باديها و الجنوب و الحجاز و تهامة و غير ذلك و قصد أرض كربلاء و نازل أهل بلد الحسين في ذي القعدة فحشد عليها قومه، تسوروا جدرانها و دخلوها عنوة و قتلوا غالب أهلها في الأسواق و البيوت و هدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين. و أخذوا ما في القبة و ما حولها و أخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر و كانت مرصوفة بالزمرد و الياقوت و أخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال و السلاح و اللباس و الفرش و الذهب و الفضة و المصاحف الثمينة و غير ذلك مما يعجز عنه الحصر، و لم يلبثوا فيها إلا ضحوة و خرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال و قتل من أهلها نحو ألفي رجل.

ثم إن سعودا ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض فجمع الغنائم و عزل أخماسها و قسم باقيها بين جيشه غنيمة للراجل سهم و للفارس سهمان. ثم ارتحل قافلا إلى وطنه» اه (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 217.

(2) عنوان المجد ج 1 ص 122.

169

و في مطالع السعود: «صبّح أرض كربلاء تسوّر سور البلدة التي فيها مدفن الحسين (رض) ... فقتل عددا جمّا، و جمع من المال جمعا لمّا، و أجرى دم القتلى في الزقاق ... ثم ثنى عنان العود إلى نجد» اه ....

و لما وصل خبر ذلك إلى علي باشا توجه نحوهم بقصد الانتقام و لكنهم بعد أن حصلوا على الغنائم تركوا البلد و ذهبوا إلى الأخيضر.

و أن الباشا لبعض المقصد توقف في الحلة بضعة أيام. و عندئذ وصل سليم بك (صهر الوزير) متسلم البصرة المعزول بصحبة (عثمان طوبال أسير) فورد المنزل المذكور و تحرك من هناك فنزل الهندية و صار يراقب جميع الأنحاء.

و لما عرض محمد بك هذا الخبر على الوزير تأثر، و أن الطاعون تحقق أثره و صار يتوفى كل يوم من 60 إلى 70 من المصابين و عرض القضية على الدولة كما وقعت و أخبر الشاه بما جرى. أما هو فبعد أن رتب الأمور ذهب إلى الخالص و نصب خيامه في أطراف الجديدة (ينگيچة). و أمر إبراهيم باشا متصرف بابان أن يذهب إلى علي باشا ليكون بصحبته. و مكث مدة في الخالص للاستراحة و كان الوزير يخشى من الوهابيين أن ينصرفوا إلى النجف فيقعوا فيه ما أوقعوا في كربلاء.

و لذا راعى الحيطة في نقل الخزانة التي في النجف إلى الإمام موسى الكاظم (رض) و عهد بأمر ذلك إلى الحاج محمد سعيد بك الدفتري.

فقام بما يجب و عاد إلى بغداد.

و لبث علي باشا في الهندية شهرين و نصف شهر. و بناء على أمر الوزير أبقى بيارق الخيالة في ذي الكفل (ع) و العقيليين في كربلاء و أبقى في النجف عسكر الموصل مع مقدار من العقيليين و بنى لكربلاء سورا منيعا و اتخذ للحلة خندقا صعب الاجتياز. أمر بحفره و لزوم إنجازه و قفل‏

170

راجعا بمن بقي معه من الجيش إلى بغداد (1).

حوادث سنة 1217 ه- 1802 م‏

وفاة الوزير سليمان باشا:

كان الوزير مصابا بوجع المفاصل فلازمه نحو خمسين يوما فاشتد و انحطت قوته. و لما قارب درجة الاحتضار دعا إليه صهره الأكبر علي باشا الكتخدا و خازنه (داود آغا) و أصهاره الآخرين سليم آغا و كتخدا البوابين نصيف آغا فجعل علي باشا خلفا له و نصحه ببعض النصائح و نبه الباقين بلزوم الانقياد له، و أن يعاضد الواحد الآخر.

و في 8 ربيع الآخر توفي و كان بقربه داود آغا، و سليم بك، و نصيف آغا. أما علي باشا فإنه خشي من تشوش الحالة فاتخذ ما يجب من الحيطة و توقع الطوارى‏ء فلم ير من المناسب أن يترك منصب الحكومة.

أما هؤلاء الثلاثة فإنهم حدث بينهم اختلاف في دفنه فمنهم من رأى أن يدفن في مدرسته، و منهم من أبدى لزوم دفنه في جوار الإمام الأعظم و أخيرا دعوا علي باشا فقر الرأي أن يدفن في مقبرة الإمام الأعظم. فدفن فيها.

مناقبه:

أطرى صاحب الدوحة أخلاقه و مزاياه و شاد بفضله إلى أن قال:

«عامر الديار و الأقطار، و قامع الأشرار و الفجار، و ماحي الظلم و الفساد، و حامي البلاد و العباد، منبع الخير و الحسنات، و معدن البر

____________

(1) دوحة الوزراء ص 218 و مطالع السعود ص 163.

171

و الصدقات، العدل البر بالرعايا و الرؤوف بهم، الشجيع المهيب، ذو الهمة و الرأي السديد، الحكم الخبير، خلاصة كرائم الأخلاق و السجايا، جامع محاسن الأوصاف و المزايا ... (إلى أن قال):

إن حادثة وفاته ولدت ضجة أسى و حزن في كافة أنحاء العراق فكانت الفاجعة العظمى، و المصاب الجلل ... فبكاه الكل و أسفوا لفقده ...» اه (1).

و هو من عتقاء محمد بك الدفتري الربيعي‏ (2). و أولاده الذكور:

سعيد بك و صالح بك و صادق بك. و بناته إحداهن زوجة علي باشا الكتخدا و الأخرى زوجة سليم بك تزوجت في حياة الوزير و الاثنتان الباقيتان عقد عليهما في حياته إحداهما على داود آغا الخازن و الأخرى على نصيف آغا كتخدا البوابين. و بعد وفاته تزوجا بهما.

و هذا الوزير من حين ولي بغداد مكن السلطة و حصرها بالمماليك و أزال التغلب. و لم يدع مجالا لتحكم إيران في العراق. و كان لأدنى سبب أو لمجرد تمكين السلطة للمماليك يسفك الدماء (3).

كان يؤدي للدولة ألف كيس‏ (4) من النقود سنويا عدا الهدايا. و مع هذا كانت خزانة العراق مترعة من الذهب و الفضة و أنواع الأمتعة و التحف و النوادر. و في هذا العهد استولى على الدولة الضعف و الفتور في أعمالها، و صار التغلب بالغا حده. سيطر الينگچرية على المملكة

____________

(1) دوحة الوزراء ص 219 و مثله في مطالع السعود 166.

(2) مرآة الزوراء. و رأيت إعلاما لدى المرحوم مدحت الربيعي من شهوده الأستاذ أبو الثناء الآلوسي أثبت فيه آل الربيعي أن سليمان باشا من معتقيهم، و أن داود باشا من معتقي سليمان باشا فأثبتوا أنهم موالي عتاقته.

(3) تاريخ الكولات ص 21.

(4) قال الأستاذ سليمان فائق. إن الكيس المذكور يساوي عشرة أكياس بالنظر لأيامه.

172

و تحكموا. و لم يكن يؤمل أن تنال بغداد راحة مع بعدها عن العاصمة.

و عاد هذا الوزير مجددا للحكومة في العراق.

و زاد صاحب المرآة أن الوزير في السنين الست الأخيرة من أيامه أخلد للراحة و ركن إلى العمارة و سلك طريق الاعتدال. و جمع خزائن عظيمة، و حصلت الطمأنينة الكاملة في جميع الجهات و عاش الأهلون برفاه و رغد عيش فبلغت الدرجة المطلوبة (1).

و مما قام به:

1- عمّر سور بغداد الذي تضعضع بمرور الأيام و تهدم أكثره فرمم البعض و عمّر الباقي فأكمله جميعه.

2- اتخذ لجانب الكرخ سورا و خندقا.

3- بنى دار الحكومة (السراي) من جديد.

4- بنى المدرسة (السليمانية) و اتخذ لها خزانة كتب.

5- عمّر جامع القبلانية. و جامع محمد الفضل و اتخذ في كل منهما مدرسة.

6- عمّر جامع الخلفاء.

7- طلى رأس منارة الإمام الأعظم بالذهب.

8- اتخذ قصرا فخما باتصال بستان إيواز (العيوازية). و تسمى العيواضية أيضا.

9- بنى قناطر (دلي عباس) و (چمن) و (نارين) في سنة 1212 ه و 1214 ه (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 218- 220 و مرآة الزوراء و تاريخ الكولات ص 219- 21.

(2) مجموعة السيد علي البندنيجي.

173

10- بنى قلعة في كوت العمارة و مخازن للغلال في أنحاء بدرة و جسّان.

11- بنى سورا لمندلي.

12- عمّر سور البصرة.

13- عمّر سور الحلّة.

14- أحدث سورا لماردين و بنى فيها أبنية عامرة محكمة.

15- بنى قلعة قرب الموصل العتيقة (أسكى موصل) لتكون ملجأ للمارين و العابرين.

16- عمّر في الصحراء من جهة ماردين في دمير قپو في المحل المسمى (چلاغة) عمارات مهمة و نافعة (1).

إن المؤرخين قصوا ذلك إلا أن المهم معرفة الخطة التي سلكها لإدارة هذا القطر و هذه كانت قاهرة قاسية، فقضى على العناصر المناوئة له من المتغلبة، و محا السلطة العشائرية العربية و الكردية، و قوّى سلطة المماليك، و جعل الإدارة خالصة لهم. و كان من أهم ما ركن إليه نهب العشائر و الإمارات و سلبها ... و أعماله الخيرية كانت من أموال السلب لإرضاء الأهلين. و العراق لم ير سلطة قاهرة مثل هذه.

____________

(1) الدوحة ص 220.

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

علي باشا الكتخدا

قائممقاميته:

لما توفي سليمان باشا أجمعت الآراء على اختيار الكتخدا علي باشا (قائممقاما). اختاره أمراء الجيش و الأعيان و آغا الينگچرية أحمد آغا و سائر متميزي الصنوف العسكرية. و كتبوا محضرا بذلك أرسلوه إلى استنبول ترشيحا له و طلبوا أن يعهد إليه بالوزارة ... و قام هو أيضا بشؤون المملكة داخلا و خارجا، و صار يرقب الأمور و يراعي الحالة.

و بذل كل ما استطاع.

شغب و تنافس:

و بينما هو يتوقع ورود الفرمان بوزارته صباح مساء إذ سولت لآغا الينگچرية أحمد آغا (1) نفسه أن يشوش الحالة توصلا لما كان يضمره، و علم أيضا من بعض القرائن أن سليم بك تتوق نفسه أن يكون صاحب الأمر. فاستطلع رأيه سرّا فوجد منه موافقة.

و لا يخلو الأمر من ركون آخرين إليهما. فالينگچرية توسلوا بفنون الحيل لإعداد ما يجب لإشعال نار الفتنة.

____________

(1) هو جد بكر أفندي الكاتب و الخطاط المعروف.

176

و أول ما قاموا به أن حذر أحمد آغا القائممقام من النتائج الوخيمة فيما لو أهمل التدبير. فأذن له أن يتولى ذلك و كان أمينا منه، بل رأى ذلك حسن تدبير منه. و لذا جمّع هذا جمعا كبيرا من أعوانه و رجاله من الصنوف العسكرية الذين اعتمد عليهم و شحن بهم القلعة و أحكم ضبطها و غلق أبواب السور و قطع الجسر و شاغب بجماعته في الميدان فأفشى مكنون سره و أوعز إلى جماعة أن يقوموا بما يلزم لتوليد الاضطراب فقاموا و ضجوا في البلد.

و تحقيقا لإيقاد نار الفتنة ضرب السراي بالقنابل فكان دويّ المدافع أحدث ولولة في الناس أكثر فاحتشدت الجموع في الطرق و الأزقة و الشوارع و صارت الحالة منذرة بالخطر، فلا تسمع سوى نداء الناس (النفير! النفير!، و البدار! البدار).

و لما اطلّع الباشا على حقيقة الوقعة و أن القائم بها أحمد آغا أرسل إليه من هو بمثابة وكيل الكتخدا أعني خالد آغا فتكلم معه و سأله عن سبب قيامه بعد العهد فحاول إرجاعه عن رأيه فكان ذلك عبثا.

و حينئذ اتخذ الباشا المتاريس للمقاومة و الدفاع إذ لم ير أملا في المفاوضة و انقطع حبل رجائه. و في كل هذا لم تظهر نوايا سليم بك.

و لهذا اتخذ متاريس قرب مرقد (گنج عثمان) و قرب جامع الوزير و قرب مرقد الشيخ أبي النجيب السهروردي بواسطة أخيه أحمد آغا. و كلها حول دار الحكومة و بقرب منها، و زاولوا مقتضيات الحصار و حصلت المناوشات من الجانبين، فلا تسمع غير أصوات الطلقات و دويّ المدافع. دام القتال بشدة و هول من الصبح إلى وقت العصر، فاضطرب الأهلون كثيرا و جرى سلب و نهب و كسر دكاكين و غارة على بيوت.

كثر القتل و سفك الدماء و زاد البغي، و حينئذ رأى الباشا أنه المقصود بالذات، و أن الخطر سيتفاقم على الأهلين أكثر و أن الفتنة

177

سوف لا ينقضي أمدها بدوام الحالة و أن كانت الهجومات المتوالية على المتاريس تصد ببسالة و شجاعة. و الصحيح أنه شعر بالضعف فلم يشأ أن يستمر فكف يده و تنحى عن الأمر و قال: إذا كنت أنا المقصود فإني انفض يدي و لا لزوم للنضال، و أرسل خبرا بذلك إلى آغا الينگچرية ليأمن على حياته. و على هذا بعث الآغا من جانبه حسين آغا الكوسة و من على شاكلته من الثوار فأقسموا له و أمنوه فاعتمد على ذلك و أقام في منزله منسحبا عن الإدارة.

ثم إن الثوار اختاروا سليم بك صهر الوزير السابق بدلا من سعيد بك ابن سليمان باشا و قرّ الرأي على هذا فأجلس على منصة الإدارة بصفة (قائممقام). و حينئذ أمر هذا بإطلاق سراح عبد الرحمن باشا متصرف بابان السابق و أخيه سليم بك من الحلة و جلبهما إلى بغداد و أشركهما في أموره فصارا عونا له.

أما الآغا المرقوم فقد كانت له آمال خفية و لم يكن رأيه في حقيقة الأمر مصروفا إلى سليم بك الصهر و أن ينال المنصب فحسب و إنما كان عمله هذا تأمينا لغرض آخر يدور في ذهنه، و ذلك أنه حين ورود عبد الرحمن باشا مع أخيه سليم بك إلى بغداد لم يكتف أن يقيم علي باشا في داره بل تسهيلا لنواياه بيّن أن علي باشا ما دام في داره لا يستريح الخلق و لا ينالون أمنا، و أبدى أن الأولى أن يخرج و يسكن في دار عبد اللّه باشا و أرسل إليه نصيف آغا و ألح في الطلب. و نادى المنادون أيضا أن لا يبقى عثمانيون في دار الحكومة و من خالف فسوف يعرض نفسه للخطر و العقوبة الصارمة.

أما علي باشا فإنه بقي في داره إلى ما بعد المغرب ثم خرج و عبر في زورق إلى جانب الكرخ و حينئذ علم الناس طوية الآغا و ما يكتمه في مكنون سره فحصل هيجان و ثار الناس مع سائر الصنوف العسكرية إلى‏

178

جانب الرصافة إلا أن الجسر قطع و مع هذا عبروا بالسفن و القفف ليلا و هاجموا الميدان.

أما أعوان علي باشا من العثمانيين فإنهم اختفوا في منازلهم فلما رأوا الحالة أبدوا ميولهم نحو علي باشا و رجعوا إليه. و في تلك الليلة بادروا إلى الميدان فضبطوا السراي و الميدان. و حينئذ تشتت المجتمعون في القلعة حتى أنه لم يبق فيها سوى عبد الرحمن باشا و أخيه سليم بك مع بعض أعوانهم فحاصروا فيها و ثبتوا إلى الصباح. و في الفجر رموا بأنفسهم من باب الحديد إلى الخارج و ذهب عبد الرحمن باشا و أخوه سليم إلى الأعظمية و اختفيا و أما سليم الصهر فإنه توجه إلى الموصل و آغا الينگچرية فرّ إلى محل مجهول.

و بهذه الصورة استولى أتباع علي باشا على القلعة الداخلية.

و عندئذ أحضر علي باشا راكبا زورقا و جاء ضحى إلى منصبه، و عين آغا للينگچرية سعد آغا الذي هو رئيس عسس و أحيل إليه أمر إلقاء القبض على من ركن إلى الآغا الفار، و أن يتحرى عنه، و أمر بعض رجاله أن يلقي القبض على عبد الرحمن باشا و أخيه فجي‏ء بهما من الأعظمية.

و كان علي باشا أمر بقتل عبد الرحمن باشا و إبقاء سليم بك و لكن أبدى كل من خالد بك وكيل الكتخدا و محمد بك الشاوي المحاذير من قتله، و أن بقاءه نافع أكثر. و لذا عفا عنه و أعطي لسليم بك مقاطعة تكريت و أرسل إليها. و على الأثر أعيد و نفي إلى البصرة و عقب ذلك أوعز أن يقتل فقتل.

و قبض على أحمد آغا رئيس الينگچرية سابقا و على كل من حسين آغا الكوسة و باش أسكي إبراهيم و صالح آغا ابن القيومچي و چاوش أوسطة و أعوان القصبه جي و غيرهم. فأحضروا بذل و هوان و نالوا جزاء

179

أعمالهم أي قتلوا (1). و بعد ذلك نادى المنادون بالعفو عن عامة الأهلين إزالة لآثار النفرة و الوحشة و أن تسكن الحالة و تهدأ.

وزارة علي باشا

توجيه إيالة بغداد و البصرة و شهرزور:

إن الدولة لم تشأ أن توجه هذا المنصب إلى أحد المماليك إلا قسرا و نظرا لظروف خاصة، و لكنها في كل أحوالها لم تجد مجالا للتسلط على الإدارة رأسا، و أن أحوال علي باشا لم ترض لا سيما و قد ألحق ماردين بالعراق مع أنها داخلة في ديار بكر، و تمكن أن يجعل ولاة الموصل تابعين له، و أكسب ولاة بغداد شكلا ثابتا، فكانت متذمرة من سيرته مذ كان كتخدا بغداد.

و في عزمها أن تحول إدارة العراق إلى الشكل المرغوب فيه و لكن الحوادث لم تمهلها، و أن روسية كانت عازمة على الاستيلاء على ممالكها فكانت تظهر تعندا بين آونة و أخرى لقهرها و لا تزال إلى أيام قائممقامية علي باشا تظهر الخصام و تفتح أبواب الجدال استفادة من سنوح الفرصة كما إن حكومة النمسة لم تخل في وقت من اكتساح قسم من الممالك العثمانية بالاتفاق مع روسية. و مما زاد الطين بلة ظهور نابليون بونابارت و قيامه بما قام به بحيث بدل خارطة أوروبا و حول في النظامات الملكية و العسكرية في الدولة.

هذه الأحوال دعت إلى أن يطرأ في الدولة خلل فصرفت نواياها عن تطبيق فكرتها في العراق. و على هذا و لما توفي سليمان باشا قدم الأهلون المحضر للدولة في طلب التوجيه إلى الكتخدا السابق علي باشا

____________

(1) مطالع السعود ص 167. و دوحة الوزراء ص 223.

180

فعزم. رجال الدولة أن يوجهوا الإيالة إلى علي باشا حذرا من وقوع ما لا تحمد عقباه، إذ إن العراق مجاور للحدود الإيرانية، و أنه موطن العشائر، ففي حدوث تبدل كهذا يتخذ أرباب الشغب الوسيلة. و إثر ذلك ورد خبر الاضطراب في بغداد بالوجه المبسوط فاضطرت الدولة إلى تأخير إصدار المنشور حتى تتوضح النتائج بأن تعلم ما يصل إليه النزاع و حاذرت من التسرع فاكتفت بتوجيه (القائممقامية) إلى علي باشا فحسب.

و لما ورد الأمر كانت تحسنت الأوضاع و عاد النظام و قويت يد علي باشا و بعد ذلك ورد أمر بالتحري عن مخلفات سليمان باشا. و بهذه الوسيلة تراخت الدولة في قضية التوجيه مدة ثلاثة أشهر أو أربعة بصورة لا تحس.

و في هذه الحالة تابع علي باشا أوامر الدولة و أرضى أمناءها في تنفيذ أوامر السلطان و أتباع المرسوم، و من ثم أسند إليه منصب الوزارة و جاءه المنشور فحصل على مرامه في 17 شهر رمضان هذه السنة و قرى‏ء الفرمان باحتفال، و حينئذ تمكن على سرير الوزارة و شرع في إدارة شؤونها.

سفر الوزير إلى بلباس:

إن عشائر بلباس من الأكراد المقيمين في شنو و لاهجان زادت شرورها و تمادى عتوها خصوصا أن قسما منها سلب راحة تلك الجهات من حدود إيران في أطراف صاوق بولاق و مراغة و أورمية، فقطعوا السبل و أوقعوا خسارات و أضرارا كبيرة.

و لذا كان الشاه يكاتب الحكومة متواليا يتضجر من سوء عملها.

و لو بقيت هذه الحالة لأدت إلى انهدام صرح الصداقة بين إيران و العراق، كما أن العشائر المذكورة في موسم الربيع تنزل ناحية كوى‏

181

حوالي إربل فيصيب السكان و أبناء السبيل منها أضرار جمة فاقتضى تأديبهم من جانب الوزير بل استئصال غائلتهم فجهز عليهم جيشا عظيما و نهض من بغداد في 8 شوال و توجه إليهم. و في اليوم السادس من حركته وصل إلى قنطرة الذهب كما أنه أوعز إلى إبراهيم باشا أن ينكل بمن في جهته منهم. و لما سمعوا بالخبر بادروا إلى إنقاذ أنفسهم من الهلاك ففروا بأهليهم و لجأوا إلى الجبال فاستولت الحكومة على أموالهم و مواشيهم و لا يكاد يحصيها عد. و أوقع إبراهيم باشا بمن في ناحيته و علم الوزير أنه مضى إليهم من ناحية السليمانية فاستأصلهم نهبا و قتلا و غنم منهم غنائم كثيرة جدا فساق أغنامهم و مواشيهم و جاء بجيوشه إلى الفيلق. فحصل على إكرام الوزير له.

و في هذه المرة غنم منهم أكثر من ستين ألف شاة و ما يتجاوز ألفي رأس من البقر و الفا من البغال فبيعت إلى الأهلين في كركوك و إربل و قنطرة الذهب. و بقي الجيش مدة شهر، ثم عزم على الذهاب إلى بغداد، و هذا ديدن الوزراء حينما يتولون الإيالة بالهجوم على بعض العشائر فأحيا تلك البدعة (1).

حرب اليزيدية:

كان العزم مصروفا إلى العودة إلى بغداد و لكن الوزير علم أن اليزيدية في جبل سنجار طغوا و تزايد ضررهم، فرأى أن يزحف عليهم فتحرك من إربل إلى سنجار، و نكل بهم‏ (2).

____________

(1) مر في المجلد الخامس مثل هذه الوقعة.

(2) تاريخ اليزيدية ص 137 و دوحة الوزراء ص 225.

182

حوادث سنة 1218 ه- 1803 م‏

العمادية و الجيش:

إن حاكم العمادية مراد خان طلب الوزير منه أن يأتي بنفسه أو يرسل جيشا كبيرا فاعتذر عن الحضور و أرسل نحو ثلاثمائة بندقي لا غير و تهاون في إرسال قوة كبيرة. لذا عزله الوزير و نصب (قباد باشا). بعد أن أتم حرب اليزيدية. ثم إن الوزير حطّ ركابه قرب تلعفر.

قتلة محمد بك الشاوي و أخيه:

في أوائل المحرم بعد أن رحل الوزير من سنجار غضب على محمد بك و عبد العزيز بك آل الشاوي فأمر بخنقهما فخنقا (1). قالوا: إن آغا بغداد (أحمد آغا المقتول) كان قد ارتكب مفاسد كثيرة، و ظهر للوزير أن آل الشاوي سعوا له في الخفاء و اشتركوا معه، و أنهم من أول الأمر كانوا يحركون أهل الفساد على القيام و الشقاق، فانهمكوا في الأمر. كل هذا تبين له عيانا.

و كذا في هذه السفرة من حين حركتهم إلى اليوم قد قصروا في واجبات الخدمة و مراسيمها و ارتكبوا أحوالا رديئة لا تحصى فألقى القبض عليهما في المنزل المذكور و أمر بقتلهما لساعتهما. و كان معهما ابنهم الصغير و الحاج أحمد بك ابن الحاج سليمان بك الشاوي فإنهما حبسا و استصحبا مقيدين، و عاد الوزير إلى بغداد في 22 صفر. و كانت مدة سفره أربعة أشهر و اثني عشر يوما» اه (2).

هذا ما أبدوه في تبرير فعلة الوزير.

____________

(1) مطالع السعود ص 132.

(2) دوحة الوزراء ص 226.

183

ترجمة الأخوين:

قال عثمان بن سند: «كانا كندماني جذيمة فتفرقا، و أصبح كل منهما وحيدا في لحده مع أن كلّا منهما نسيج وحده، و لكن الحمام مورود، و الأجل محتوم معدود، و البقاء في الدنيا مستحيل، و العبد فيها على جناح رحيل ...

أما محمد بك فكان في أيامه من ملوك العرب، و أهل النجابة و البراعة منهم و الأدب، و من الدهاء و إصابة الرأي في المكان الذي لا يجهل، و من الحلم و الرزانة بحيث لا يسأل، و من لين الجانب للأصحاب و الأجانب بحيث لا يوجد له مناظر، و من الغوص على النوادر بحيث ضرب المثل السائر، و من ايراد النكت و اللطائف بحيث لا يدع مقالا لقائل، و وصفا لواصف ...

قرأ على علماء أجلاء. خدم ملوكا و وزراء و عاشر أمثالا و كبراء، و اعتمدوا عليه في الأمور الصعاب، و شاوروه فأشار و كشف عن وجه الرأي النقاب. و أن حسن باشا اعتمد عليه في أشياء مهمة، و أرسله إلى العجم فجلا تلك الإشكالات المدلهمة. و أما سليمان باشا فصدره صدارة ما عليها مزيد بحيث شاوره في أمر الحاضر و البادي و استرشد به في الخفي و البادي ...

ورث الرئاسة عن أبيه وجده، و من أجلّ ما فيه أن جلساءه العلماء، و ندماءه الأكابر و العظماء، و أنه كثير الصدقات الخفية خصوصا لمن تعلق بالأسباب العلمية.

و أما أخوه عبد العزيز بك: «فمنطيق ألمعي، غاية في التمييز، قرأ على علماء قطره، و استضاء من شموس عصره، و تشبث بأسباب الديانة، و أعرض عن كل ما يشين، و لازم الجماعات في المساجد، و نادم كل ناسك، و صار لا يباشر من الأسباب الدنيوية، إلا ما كان من الأمور الضرورية.

184

و قد شاهدته في الليالي المظلمة، يمشي إلى المساجد، يتصدق في ممشاه، إليها على بعض من ماشاه، إلا أنه لما أرسله إلى الوهابية سليمان باشا الوزير عنّ له من اعتقادهم ما عنّ، و ظن أنه الحق و لبئس ما ظن، مع أنه (رحمه اللّه) ما اعتقد منه إلا ما كان حسن الظاهر، و لو اطلع على باطنه لكان له أعظم نافر، و الذي تحققت منه أنه لا يعتقد معتقد أولئك الأقوام، و لكنه يستحسن أشياء منهم تقبلها في الظاهر الأفهام، مع أنهم توصلوا بها إلى أمور مستقبحة عند الخاص و العام، و لكن لما عرف ميله إلى هذا المذهب ناس، أظهروه في المحافل و احتجوا لصحته بالكتاب و السنة و الإجماع و القياس، و صاروا في ذلك أشد من أهل العارض ...».

و ابن سند كان له عداء مع الوهابية، و ماشى الدولة في إظهار النفرة، و أن عبد العزيز بك كان أول من بشر بمذهب السلف في العراق لما رآه من حسن عقيدتهم، و تابعه في بغداد خلق كثير. و شاهدهم صاحب المطالع عيانا و رأى من صحة العقيدة منهم ما لم يره في سائر البلاد الإسلامية ... و الآلوسيون تلقوها عن هؤلاء و قوّوها بكتب ابن تيميّة و أنصاره. و لنعد إلى تتمة ترجمة هذين الأخوين. قال ابن سند:

«و لما أمر الوزير علي باشا بقتل الأخوين لأمر كل منهما برى‏ء منه دفنا في موضع قريب من الموصل رحمهما اللّه و إيانا. و قد رثيتهما بمقطوعة مرتجلة قضاء لحق الصحبة ... قضيا نحبهما في أول المحرم من سنة 1218 ه» (1).

و بقي الأثر السيّى‏ء لهذه الوقعة في نفوس الأهلين و في نفوس آل الشاوي و ظهر في شعر عبد الحميد بك الشاوي.

____________

(1) مطالع السعود ص 172.

185

الطاعون في بغداد:

و لما أوقع الوزير بذينك السريين بقي أياما في البرية بسبب الطاعون و كان بدت آثاره في بغداد في شوال سنة 1217 ه و دام إلى أوائل سنة 1218 ه و بعد زواله عاد الوزير إلى بغداد في 22 صفر سنة 1218 ه (1).

الوزير في بغداد:

«و بعد ما دخلها الوزير اشتد غضبه على أناس من الأجناد، فصيرهم شذر مذر، فتك بقسم و نفى آخرين، و هرب قسم و منهم من اختفى و نجا من العطب» اه (2).

و في هذا ما يشير إلى السخط منه.

قبيلة العبيد و الملية:

كانت بين والي الرقة تمر باشا الملي و بين العبيد عداوة سابقة.

فلما حدثت وقعة سنجار و قتل محمد بك الشاوي و عبد العزيز بك لم يتيسر الحصول على جاسم بك أكبر أولاد محمد بك و إنما مال إلى عشيرته.

فاتخذ تيمور باشا ذلك وسيلة للانتقام من العبيد من أجل عدائه القديم (لا شك أن ذلك بإيعاز من علي باشا) فانتهز الفرصة و هاجم عشيرة العبيد، و في نتيجة المعركة كسر جيش تمر باشا شر كسرة و انهزم و تغلب جاسم بك و العبيد عليهم و غنموا ما لديه من نقود مخفية و أموال بارزة مما لا يحصى و عادوا إلى الخابور فأقاموا فيه. فكان لغلبة العبيد شأن يذكر.

____________

(1) مطالع السعود ص 174.

(2) مطالع السعود ص 175.

186

سمع الوزير بذلك فعزم على تأديب هذه العشيرة فتوجه إليها بنفسه و معه قوة عظيمة. و في 6 رجب نهض من بغداد و وصل إلى ناحية دجيل. و حينئذ علمت بوصوله فقامت من مواطنها و عبرت إلى الشامية.

و حينئذ حول عزمه إلى جهة الفلوجة.

و في مجموعة مخطوطة عندي جاء أن (العبيد) كانت تقطن قصبة البصيرة و لها مخابرات مع الوهابية، فعاثت بالأمن. و أن والي الموصل محمد باشا أراد التنكيل بها و بمن معها من عشائر الجبور و العقيدات و البقارة إلا أن هذه العشائر مالت إلى الدخالة، و استولى على العبيد الرعب فتركوا أغنامهم و إبلهم و مضوا إلى الجنب الآخر من الفرات، و أن القصبة المذكورة أذعن علماؤها و كبارها بالطاعة، فاقتضى نصب شيخ على هؤلاء و هو شيخ الخرنينة (علي الفضلي) فنصب و كانت الدير و عانة بيد الأغيار فلم يستطع أن يصل إليها أحد. فاستولى والي الموصل عليها.

و في هذه الأثناء جاء (عبد اللّه العظم) إلى الوزير فاستشفع به لدى السلطان و كان غضب عليه، و لذا راعى الوزير جانبه و أبدى له الاحترام اللائق و تعهد أن يستشفع له. و حينئذ عبر جسر الفلوجة و ضرب خيامه في الجانب الآخر و مكث بضعة أيام، ثم حدثت في بغداد بعض الغوائل و ولد بعض المتنفذين مثل ملا خليل و أعوانه الشغب فأحدثوا اضطرابا فلما اطلع القائممقام درويش آغا اهتم للأمر و لم يمكّن أحدا من ايقاع أي خلل و ألقى القبض على قسم منهم و عرض الأمر على الوزير فكتب إليه أن اقتل من يستحق و بعّد الآخرين عن ديارهم. و حينئذ قتل الملا خليل و أعوانه مثل موسى البيرقدار، و الحاج خليل البيرقدار، و الحاج حسين هبّة، و خلف البقال، و جواد بن حمزة و نفى آخرين.

مكث الوزير بضعة أيام في أنحاء الفلوجة ثم عاد إلى بغداد و رحل‏

187

إلى جهة الشامية و منها نزل قرب المشهد (النجف). و هناك رتب جموعا من عثمانيين و كرد و عرب و جعلهم تحت قيادة فارس الجرباء و أمرهم بالذهاب إلى جبل شمر. و في هذه الأثناء أعلم فارس الجرباء بأن جمع الوهابيين وافى إلى هذه الجهات فأغار فارس بجموعه نحوهم بقصد الظفر بهم فلم يروا أثرا لهم و قضوا ليلتهم قرب قصر الأخيضر فوق شفاثا. و بينما هم في استطلاع الأخبار إذ جاءت الأنباء بأنهم وصلوا إلى غربي المشهد إلى القطقطانة (طقطقانة) فقاموا من ساعتهم فأغاروا عليهم و لم يصلوها إلا وقت المغرب فوجدوا أثرا و لكنهم لم يعثروا عليهم و عادوا بيأس لأنهم علموا مؤخرا أن الوهابيين رجعوا إلى ديارهم. ثم عادوا إلى الجيش و وصلوا إلى الحلة و أقيم عبد اللّه باشا العظم في دار خاصة تليق بمكانه و أعد له ما يقتضي لإيفاء واجب الضيافة. و عاد الوزير إلى بغداد في 4 شهر رمضان من هذه السنة (1).

غزو الأمير سعود البصرة:

كان في بغداد رجل أفغاني الأصل يدعى ملا عثمان عزم على قتل عبد العزيز السعود فتوجه إلى الدرعية. وصل إليها بصفة درويش و أظهر التنسك و الزهد، فأكرمه عبد العزيز السعود، و كان يضمر اغتياله، فوثب عليه و طعنه فقضى عليه، و جرح عبد اللّه أخاه فبايع القوم لسعود بن عبد العزيز. و قيل إن القاتل من أهل كربلاء، و استبعد صاحب عنوان المجد أن يكون من أهل العمادية كما نقل، و كان القتل في العشر الأواخر من رجب سنة 1218 ه (2).

و بعد أن تمت للأمير سعود الإمارة سار في نفس السنة إلى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 227.

(2) عنوان المجد: ابن بشر الحنبلي ص 130.

188

العراق، فكانت غزوة البصرة. هدم قصر الدريهمية مشرب أهل الزبير و قتل من كان فيه. و ذلك أن سعودا أمير نجد سار من الدرعية و قصد ناحية الشمال حتى نزل التنومة عند القصيم فعيّد فيها عيد النحر. ثم رخص عربان الشمال من الظفير و ذكر لهم أنه يريد الرجوع و كان حذرا أن يخبروا أهل البصرة و الزبير و من في جهتهم إذا رجعوا إليهم. قفل حتى يبغتهم من حيث لا يعلمون و كانت عادته إذا كان يريد جهة ورّى بغيرها.

فلما رحل عنه عشائر الشمال من التنومة قصد الدرعية فسار نحو يوم أو يومين فوصلت العشائر و أخبرت من في ناحيتها بقفوله.

ثم إن سعودا رجع عائدا إلى البصرة. فلما أتى قربها وافق كتيبة من خيل المنتفق رئيسهم منصور بن ثامر السعدون فأغار عليها و قتل منهم قتلى و أخذ منصورا أسيرا. أراد الأمير سعود أن يضرب عنقه ثم عفا عنه فأقام عنده في الدرعية نحو أربع سنين ثم أذن له بالرجوع إلى أهله.

نزل الأمير سعود على الجامع المعروف قرب الزبير فنهض جيشه إلى البصرة فدهموا جنوبها و نهبوها و قتلوا من أهلها كثيرين و حصروا أهلها، ثم رجعت تلك الجموع و حاصرت أهل الزبير و هدمت جميع القباب و المشاهد خارج سور البلد، و لم يبقوا لها أثرا. ثم أعيدت قبة طلحة و الحسن (البصري رضي اللّه عنهما) بعد هدم الدرعية.

ثم إن سعودا أمر جموعه أن يحشدوا على قصر الدريهمية فهدموه و قتلوا أهله. فلما كان وقت غروب الشمس أمر سعود مناديه أن يثور كل رجل بندقيته فثوروها دفعة واحدة. قال لي رجل من أهل الزبير: لما ثارت البنادق في الأرض و الجو و أظلمت السماء و رجفت الأرض بأهلها، و انزعج أهل الزبير انزعاجا عظيما و صعد النساء في رؤوس السطوح و وقع فيهم الضجيج و أسقطت بعض الحوامل. فأقام محاصرهم‏

189

نحو اثني عشر يوما. حصد جميع زروعهم، و رجع قافلا» (1).

و ذكر هذه الواقعة عثمان بن سند في حوادث سنة 1219 ه قال ما ملخصه:

«حاصر سعود بن عبد العزيز البصرة و قتل و نهب و حرق و زأر و أرعد و أبرق. و متسلم البصرة إذ ذاك إبراهيم آغا فصبر و صابر، و رجع حمود إليها بعد ما سافر عنها و شد للمتسلم عضده.

و كان ابتداء غزوه في آخر السنة التي قبلها و هي التي قتل فيها أبوه» اه (2) ....

ساد الاعتقاد في نجد أن القتل جرى بإيعاز من حكومة العراق فأراد أن يشفي غليله بالانتقام لوالده.

حوادث سنة 1219 ه- 1804 م‏

غارة الوهابية:

علم الوزير أن الوهابيين توجهوا نحو العراق فقام من بغداد في 19 المحرم حتى وصل إلى أبي عوسجة فتبين أن الركب مضى إلى البصرة فلم ينل مرغوبه، و كان حاصر قرية الزبير تسعة أيام و عاد جيشهم فلم يظفر ببغية، مضوا من جهة جنوبي البصرة إلى ديارهم. و رجع الوزير في 21 صفر.

تجهيزات على الدرعية:

إن الحكومة العراقية لم تنل مرغوبها من سفرها السابق تحت قيادة

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 130.

(2) مطالع السعود ص 136.

190

علي باشا و عادت بالخيبة و الدمار. و لكن الدولة ألحت في لزوم القضاء على غائلة الوهابية و عهدت بذلك إلى الوزير علي باشا في حين أن الواقعة السابقة لا زال يرن صداها في الآذان. و أن الحكومة العراقية عالمة يقينا بأنها لا تستطيع القيام بسفر مثل هذا.

قرر الوزير السفر لمجرد طاعة الأمر السلطاني و تأهب لإعداد ما يجب القيام به. و في 9 شعبان خرج من بغداد. و توجه نحو الحلة و عبر جانب الشامية فوصل الجيش إلى حوالي النبي أيوب (ع). و هناك مكث نحو أربعة أشهر و نصف في خلالها نشر سطوته في تلك الأنحاء، و أعد جمعا قويا من العساكر و أكمل معداتهم و عين عليهم ابن أخته أمير لواء إربل سليمان بك قائدا و سيره إلى جبل شمر.

سفر الجيش:

إن هذا القائد تجول في جبال نجد و وهادها و اجتاز مصاعبها، و نكل بكل من صادفه من جموع الوهابيين فنال غنائم وافرة من نعم و شاء و عاد. و الأصح أصابه ما أصاب علي باشا قبله من العناء و العطش و أن الحرارة أثرت على الكثيرين فكف بصرهم، و نالهم الصمم و بعضهم اعترتهم خفة العقل. و لم يصلوا إلى مواطنهم إلا بعد مدة (1).

الخزاعل:

في هذه الأيام انحرف شيخ الشامية عن الطاعة، فجرد الوزير عليهم خيلا و أغار عليهم إلى هور شلال، فسمع الشيخ بالخبر قبل الوصول إليه ففر إلا أنه خربت دياره، و أتلفت زروعه. و حينئذ عاد الوزير و أخر خالدا الكهية، و رئيس الكتيبة (باش آغا)، و عبد الرحمن‏

____________

(1) مطالع السعود ص 174.

191

باشا، و محمد باشا متصرف كوى في الحلة للمحافظة و عاد هو إلى بغداد في 22 ذي الحجة. و طالت هذه السفرة أربعة أشهر و أحد عشر يوما.

قبيلة الظفير:

أغار الأمير سعود على الظفير، و لم يبق لهم من شاة و لا بعير.

و رؤساؤهم (آل سويط) و هذه الواقعة دعت الظفير أن يميلوا إلى العراق و يتوطنوا فيه. و كان رأى آل سعود منهم مخالفات آووا أعداءهم و أن أناسا منهم غزوا مع أولئك الأعداء، فخالفوا السمع و الطاعة (1).

حوادث سنة 1220 ه- 1805 م‏

جاسم بك الشاوي و العبيد- آل بابان:

إن علي باشا عاد إلى بغداد و تأخر خالد الكهية، و باش آغا، و عبد الرحمن باشا، و محمد باشا في الحلة. و بعد مرور شهر و نصف طلب خالد الرجوع إلى بغداد، و بقي رفاقه و بعد سبعة أيام أو ثمانية أمروا بالعودة فعادوا و استراحوا ثلاثة أيام أو أربعة. و في هذه الأثناء علم الوزير أن جاسم بك الشاوي عبر بعشيرة العبيد من الشامية إلى الجزيرة و تمكّن في جهة الخابور، فعاثوا هناك. لذا عين الوزير عبد الرحمن باشا و محمد باشا لتبديد شملهم و أمر أن يتوقف عبد الرحمن باشا حوالي كركوك لإعداد ما يلزم من معدات و أن يذهب محمد باشا إلى لواء كوى كذلك، ثم يتلاحق الاثنان و يذهبا إلى أنحاء الخابور لإنهاء المهمة فأطاعا الأمر و ذهبا و لكن العداء القديم كان مستحكما بين الاثنين فيتربص الواحد الفرصة للوقيعة بالآخر.

____________

(1) مطالع السعود ص 136. و التفصيل في عنوان المجد في تاريخ نجد ج 1 ص 131 و الظفير في عشائر العراق ج 1 ص 295.

192

و كان عبد الرحمن باشا أثناء سفر الوزير تظهر منه بعض المعاملات خلاف ما كان عليه أسلافه من حسن الطاعة كما أنه رأى من محمد باشا أوضاعا زائدة في مراعاة جانب الوزير. و من جراء ذلك صار عبد الرحمن باشا يترقب الفرص للوقيعة بمحمد باشا و يلتمس الوسائل للعصيان.

و في سفرتهما هذه وصلا إلى منزل (البط) (1) فانتهز عبد الرحمن باشا الفرصة و قتل محمد باشا و ألقي القبض على جميع أتباعه و نهب معسكره و جيشه و كتب بذلك عرضا إلى الوزير أخبره به عما جرى و ذهب توا إلى كركوك.

و هذا ما لا يصح السكوت عليه إلا أنه تعهد أن يقوم بالخدمة، و يراعي الإخلاص و الصداقة. و كانت المصلحة تدعو إلى مراعاة جانبه و السكوت عنه لأجل، لذا كتب إليه يعزره و ينصحه و بالنتيجة يعفو عنه، و لزيادة تطمينه أرسل إليه خلعة و أمرا و وجهت إليه ألوية كوى و حرير.

و لما ورد موظف من قبله أرجع إلا أنه حينما وصل إلى داقوق عاث عسكره بالزروع و القرى و نهب و سلب. فأخبر متسلم كركوك الوزير بكل ذلك و جاءت الأخبار من أماكن أخرى تنذر بخطره فتظاهرت خيانته فلم يطق الوزير التغافل عنه.

و كان الوزير يحسب أن خالدا الكهية متفق معه في الخفاء هو و بعض ندمائه. لذا ألقى القبض عليه و على الحاج عبد اللّه آغا متسلم البصرة سابقا و أعوانهما و سجنهما في القلعة الداخلية و في هذه أتهم محمد الفيضي بن لطف اللّه كاتب الديوان و كان خطاطا معروفا (2).

____________

(1) رحلة المنشى‏ء البغدادي هامش ص 63 و فيه تفصيل. و البط هو (البت) و يراد به هنا نهر

العظيم.

(2) شعراء بغداد و كتابها ص 27 و 45.

193

و عين مكانه ابن أخته سليمان بك وكيل الكهية و عزل الكهية، و وجه إيالة بابان إلى خالد بك ابن أحمد باشا و كان أرسل قبل شهر مأمورا إلى جهة العمادية لمعاونة قباد باشا و أن يكون قوة ظهره. و منحه الوزير رتبة باشا و وجه ألوية كوى و حرير إلى سليمان بك ابن إبراهيم باشا برتبة باشا و ألبس الخلعة من بغداد و أرسلت إلى خالد باشا خلعة ليلبسها في المحل الذي هو فيه و صدر أمر العزل بحق عبد الرحمن باشا و أعطي إلى رسوله. و أمر الوزير بما يلزم للسفر و أن يقضي على هذه الغوائل.

رأى الوزير أنه لا يأتلف بقاء خالد الكهية و الحاج عبد اللّه آغا محبوسين حذر أن يتولد ما لا تحمد عقباه، و لذا قتل خالدا الكهية (1) في الحال و أمر بنفي الحاج عبد اللّه آغا. و حينئذ نهض في 5 شهر ربيع الأول للانتقام من عبد الرحمن باشا و ساق الكتائب متوجها إلى ديار الكرد.

و في هذا الحين قدم عبد الرحمن باشا عرضا يلتمس فيه العفو و الرأفة به و توالت العرائض منه و لكنه لم يعدل عن غيه، و أنه لا يزال جادا في عمله. جلب لجهته ضامن المحمد شيخ العبيد، و حمد الحسين شيخ الغرير و بقوا في كركوك بضعة أيام لا سيما أنه نصب خيامه في (قره حسن)، و أرسل أخاه سليمان بك بنحو خمسمائة فارس فدمروا (زهاو) مقر متصرفية درنة و باجلان فهرب منها حاكمها عبد الفتاح باشا. ثم إن خالد باشا عبر إلى الجانب الآخر من الزاب فوصلت إليه الخلعة مع الأمر المتضمن التوجيه و من ثم عاد إلى إربل، و صار يترقب ورود الوزير فجمع جموعا من الإربليين و الموصليين فأغتر بهم و جاء إلى قنطرة الذهب.

____________

(1) شعراء بغداد و كتابها ص 27 و فيه تفصيل. و في ص 45 الكلام على عبد اللّه آغا.

194

و على هذا جهز عبد الرحمن باشا أكثر من ثلاثة آلاف فأغار على خالد باشا بوجه السرعة قبل أن تصله القوة، و لما قرب من القنطرة صادف خالد باشا و معه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة من خيالته فخرجوا عليهم من القنطرة و تأهبوا لمكافحتهم فنصب خيامه خارج القنطرة و اتخذ المتاريس فلم يمهلهم عبد الرحمن باشا و إنما هاجمهم بكافة جموعه فقابله خالد باشا مدة قليلة فرأى أنه لا يستطيع الدوام على محاربته نظرا لقلة عسكره و ضعفهم فانكسر جيشه و رموا بأنفسهم في الماء، فلم يجدوا نجاة بل غرق أكثرهم، و انتهبوا ما لديهم من أموال و غنائم. و أن خالد باشا نجا بنفسه مع بعض أعوانه بشق الأنفس فانهزم إلى إربل موليا الأدبار، و أما أخوه عبد العزيز بك فإنه خرق جيش عبد الرحمن باشا بنحو مائة فارس و ذهب توا إلى علي باشا و أخبره بما وقع.

هذا و أن عبد الرحمن باشا هاجمت جيوشه بلدة آلتون كوپري و انتهب أهليها ثم عاد رأسا إلى (قره حسن) و أقام فيها. و أن عبد العزيز بك ذهب بتلك الحالة من طوز خورماتي إلى ناحية البيات فوصل إلى علي باشا، و لذا سارع الوزير لملاقاة عبد الرحمن باشا و مقارعته فتوجه إلى جهة كركوك و لكن عبد الرحمن باشا لم يعتقد أن الوزير سيتوجه إليه و لم يعلم بمجيئه نحوه.

و بينما هو في حالة الدفاع إذ فاجأه الوزير بغتة فلم يقدر على البقاء فعاد إلى الوراء و حاصر في مضيق (بازيان). و أن شيوخ العبيد و شيوخ الغرير كانوا معه ففروا منه و التمسوا النجاة، مالوا إلى أنحاء سنجار و منها إلى الخابور ثم عبروا إلى الشامية.

و لما أن علم الوزير بذلك وجه شمر و رئيسها فارس الجرباء لاقتفاء أثرهم و كذا قبيلة عقيل ليقطعوا مرورهم و يمنعوهم من العبور إلى جهة

195

الشامية. و أخذ الوزير معه أمراء الكروية (1) و عساكر إربل لاستئصال المذكورين و القضاء عليهم، و من الغريب أنهم حينما حاولوا العبور باغتتهم القبائل و أحاطت بهم من كل صوب فقتلوا كثيرا بينهم ضامن المحمد شيخ العبيد و غنموا منهم غنائم كثيرة فجاءت البشرى إلى الوزير و هو آنئذ في كركوك.

و أن خالد باشا جمع له جموعا أخرى قدر المستطاع و وصل إلى كركوك فتحركوا جميعا منها و ضربوا خيامهم في الجانب الآخر من وادي (قزل دره) و يبعد نحو نصف ساعة عن المضيق، أما عبد الرحمن باشا فإنه أحكم سد المضيق.

و صار يفكر الوزير في طريق يسهل الذهاب إليه فبقي نحو أربعة أيام، و في هذه الأثناء كتب عبد الرحمن باشا إلى الشاه يستمده و يطلب منه إنقاذه، و لذا التمس شاه إيران من الوزير أن يشفعه فيه في العفو عنه فجاء سفيره بكتاب منه.

أما الوزير فألزمه الحجة بوجه معقول. و في ضحى اليوم الخامس صف الجنود و نظم الكتائب و شرع بالحرب فهاجم المضيق و كان محكما. اتخذ فيه عبد الرحمن باشا سناكر (2) متعددة و وضع في كل واحد منها مقدار ألف بندقي من خيار جنوده، و إخوته سليم بك و سليمان بك و خالد بك و سائر مشاهير رجاله جعلهم خارج المضيق و بقي هو مددا لهم وقت الضرورة، و حينئذ صالت جيوش الوزير فنال جيش عبد الرحمن باشا اضطراب فانكسر البندقيون و الخيالة. فروا إلى داخل المضيق فقتل منهم الكثير، و ألقي القبض على آخرين منهم. و انتهب‏

____________

(1) الكروية من قبائل قيس.

(2) يلفظ صنكر و جمعه صناكر و هو محل يتخذ للحصار و معروف في العامية. و يقال له مفتول أيضا.

196

الجيش جماعته و غنم أموالهم. و كانت الخسائر في النفوس فادحة و الغنائم وافرة.

و على هذا كسا الوزير كلّا من خالد باشا و سليمان باشا خلعة مجددا و رخصهما في الذهاب إلى مقر حكومتهما.

ثم إن الوزير أراد أن يقضي على البقية الباقية من قبيلة العبيد فتحرك نحو الخابور و ساق عليهم كتائبه. و لما وصل إلى قرية (أزناور) في سفح جبل (اشتبه) نكل بخلف آغا و أولاده الذين كانوا ألفوا نهب القوافل و قطع الطرق فأخذ منهم مؤونة عظيمة و مبالغ وافرة من النقود فأذعنوا له بالطاعة ثم توجه نحو الخابور فسمع العبيد بذلك فعبروا نهر الفرات بأنواع الكلفة و العناء و تركوا زروعهم فحل الجيش محلهم و رتعت خيوله فيها إلى أن أتلفها، مكث بضعة أيام ثم عاد إلى بغداد فدخلها في 4 رجب. و دامت هذه السفرة أربعة أشهر و عشرين يوما.

سليمان بك يوجه إليه منصب كهية:

و لما دخل بغداد أنعم على سليمان بك بمنصب كهية اصالة و ألبسه الخلعة لما رأى فيه من المقدرة و الكفاءة (1).

الوهابيون- غارتهم:

إن الوهابيين صاروا يشنون الغارات على أنحاء العراق، و شاع في هذه الأيام إرسالهم السرايا على العراق، و لا تزال ركبانهم تترى، فتأهب الوزير فخرج بنفسه من بغداد في غرة شهر رمضان و جاء إلى الحلة فنزل الوردية، و بث العيون لاستطلاع الأخبار (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 228.

(2) دوحة الوزراء ص 232.

197

و قال صاحب عنوان المجد:

«و فيها- سنة 1220 ه- بعث سعود سرية جيش أميره منصور بن ثامر و غصاب العتيبي يترصدون ركبان العراق لئلا يغيروا على طوارف (قوم ابن سعود) و عشائرهم. فسار الجيش المذكور و صادف غزوا لأهل الجزيرة رئيسهم روخي بن خلاف السعدي الظفيري و راشد بن فهد بن عبد اللّه السليمان بن سويط و مناع الضويحي رؤساء الظفير. و أكثر هذا الغزو منهم و من رؤسائهم. و هم في فليج في الباطن قرب الحفر فاستأصلوا جميع الغزو قتلا و لم يسلم منهم إلا الشريد قدر عشرة رجال و القتلى يزيدون على المائة.

و رجع منصور و من معه غانمين سالمين.

و منصور هذا هو الذي أخذته خيل سعود أسيرا في غزوة الدريهمية كما تقدم» اه (1).

غزوة النجف:

في هذه السنة سار سعود بجيوشه، و نازل المشهد، و فرق جيشه عليه من كل جهة و أمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله، فلما قربوا منه فإذا دونه خندق عريض عميق فلم يقدروا على الوصول إليه و جرى بينه و بينهم مناوشة و قتال ورمى من السور و البروج فقتل من جيش سعود عدة قتلى فرجعوا عنه.

ثم رحل سعود فانحاز على الزملات من غزية فأخذ مواشيهم، ثم ورد الهندية المعروفة ثم اجتاز بحلل الخزاعل و جرى بينه و بينهم مناوشة قتال و طراد خيل، ثم سار و قصد السماوة و حاصر أهلها و نهب نواحيها و دمر أشجارها، و وقع بينهم رمي و قتال ثم رحل منها و قصد جهة البصرة

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 134.

198

و نازل أهل الزبير و وقع بينه و بين أهله مناوشة قتال و رمي، و رحل منه إلى وطنه‏ (1).

بنو لام- ربيعة:

إن شيخ بني لام عرار العبد العال تمنع عن أداء الميري، و لا تزال بقايا أميرية لدى ربيعة لم تؤد بعد فاقتضى استيفاؤها كما أن محلا يقال له (وادي) كان مقر أهل العيث و قطاع الطريق يرتكبون فيه أنواع الأضرار و السرقات فأخبر الوزير عن هؤلاء أيضا.

لذا أمر أن يؤدب هؤلاء، و أن تحصل الأموال الأميرية فسير كتخداه سليمان بك إلى بني لام من بغداد ليلا و استصحب عليق خيوله معه لمدة يومين و أغار بسرعة حتى وافى ال (وادي). فلم يجد أحدا إذ أنهم علموا بالأمر ففروا قبل الهجوم عليهم. و حينئذ سلبوا نحو سبعمائة رأس من الجاموس و نزلوا من ال (شبّاب) (2) للاستراحة و هو قريب من شط دجلة إلى أن تأتي أثقالهم. و لما كان الوقت أيام الشتاء، و الهواء باردا لم يصل الثقل بسرعة و نال الجيش من جراء ذلك عناء شديد و كان في هذا المنزل فرقة من بني لام يقال لها (الرحمة) و شيخها (حاشي)، عزل و عين مكانه (مهنّا الجساس). و من هذه الغارة فرّ عرار شيخ بني لام فنصب مكانه عباس الفارس و كتب له أمر بالحضور فتوقف الجيش منتظرا ورود الجواب فتبين أن عباس الفارس متفق مع عرار. و لما لم تكن لأحد رغبة في المشيخة و لم يجرأ على المواجهة فالموظف المرسل لجلبه وصل إلى منزل يقال له (طيب) (3)، بقي فيه بضعة أيام أخروه‏

____________

(1) عنوان المجد ج 1 ص 136.

(2) يعرف اليوم بالجباب و هو مجرى ماء قوي تأتي مياهه من جبال إيران و يصب في دجلة و عليه الآن قنطرة.

(3) نهر يتكون من مياه إيران و يمضي حتى يصل إلى قرب العمارة و يصب في دجلة.

199

عندهم ليذهبوا إلى مسافة ثلاث مراحل أبعد كما تبين من كلام الرسول حين عودته.

و حينئذ أخبر الجيش بأن هناك بعض العربان يبعدون بضع ساعات فأغار عليهم صباحا فأحاط بهم فاغتنم منهم نحو اثني عشر ألفا من الغنم و رجع إلى مخيمه الأصلي. ثم استطلعوا أخبارا عن بني لام فتبين أنهم عبروا نهر (دويريج) (1) فكانت المسافة بعيدة، لذا ترك الجيش أثقاله في محلها و هاجم بما لديه خفافا فأصبحوا منزل (طيب) و عبروا إلى الجانب الآخر فنزلوا ببعد ساعتين عنه، فمضوا إليهم فصبحوا نهر (دويريج). و حينما عبروا هذا النهر لم يجدوا أثرا للعربان و لكنهم عثروا بالقرب منهم على عرب المقاصيص‏ (2) و كانوا أيضا من نوع من سبق فأخبر الجيش بذلك فذهب نحوهم فدمرهم و غنم منهم نحو اثني عشر ألف شاة فأرسلت إلى بغداد من طريق جسّان.

في هذه الأثناء أرسل الكتخدا إلى عرار أمرا بتأمينه مع بعض الموظفين فلم يجسر أن يأتي للمواجهة و لكن بعد بضعة أيام طلب عباس الفارس الدخالة فقبلت منه و من ثم وجهت إليه مشيخة بني لام و ألبس الخلعة ثم أغار على بعض المعدان و اغتنم مقدارا من الأغنام و المواشي و أخذت الرهائن من شيخ ربيعة. و عاد الكتخدا إلى بغداد (3). و هكذا كانت الغاية النهب و السلب فتحققت.

شيخ زبيد:

أقام الوزير مدة في الحلة خلالها رأى من الشيخ حطاب الشلال‏

____________

(1) و هذا أيضا نهر يتكون من مياه قرب إيران و يصب في دجلة من لواء العمارة.

(2) من ربيعة.

(3) دوحة الوزراء ص 232.

200

شيخ زبيد ما يغاير المطلوب فعزله و نصب مكانه ابن عمه حسين البندر شيخا، و أغار الوزير على حطاب فلم يظفر به. ثم عاد إلى بغداد فدخلها في 24 من المحرم. و كانت مدة سفره أربعة أشهر و أربعة و عشرين يوما.

حوادث سنة 1221 ه- 1806 م‏

إيران و بابان:

كان عبد الرحمن باشا انهزم بأتباعه إلى إيران فوصل إلى (سنة)، و بواسطة أميرها (أمان اللّه خان) عرضت قضيته على الشاه.

و لما كان رجال إيران يرغبون في تنفيذ آمال أمثاله تعهدوا أن يؤازروه و خصصوا له محلا في سقز و مع هذا أرسل أمان اللّه خان كتابا إلى الوزير يلتمس فيه العفو عنه، و أن يعاد إلى بلاده.

أما الوزير فلم يرق له هذا الملتمس لوجوه عديدة اقتصر منها على بيان مساوى‏ء عبد الرحمن باشا و كتب جوابا أرسله مع الرسول، و عقب ذلك أرسل السيد سليمان بك الفخري، فرجع بعد بضعة أشهر حاملا الجواب و أوصاه بوصايا شفهية مآلها أنه قبل اعتذاراته و أنه راغب في الصداقة و المصافاة، ثم إن سليمان بك حينما كان في طهران أحضر الشاه له عبد الرحمن باشا و بيّن له أن الوالي مشغول في حروب الوهابية، و أن كل تكليف يقع من جانب الشاه يضطر إلى قبوله فيما إذا حصل من حضرة الشاه إصرار ما.

و أرسل الشاه سفيرا آخر يؤكد فيه لزوم توجيه إيالة الكرد إلى عبد الرحمن باشا بعد عودة سليمان الفخري بنحو شهرين.

و في الأثناء كان أحد التجار الإيرانيين متوطنا قصبة الكاظمية فطلب مرة مواجهة الوزير و أخبره أن شاه إيران يزيد على توجيه إيالة الكرد إلى عبد الرحمن باشا طلب مبلغ مائتين و خمسين ألف تومان‏

201

يريدها من بغداد مع هدايا كثيرة، و أن هذا السفير إن أعيد خاليا فسوف تضبط ديار الكرد قسرا بواسطة أمير سنة و عبد الرحمن باشا، و لم يكتف حينئذ بهذا بل سوف يهدد بغداد فتكون عرضة للأخطار، و قال أخبره بذلك أحد أقاربه.

إن الاعتقاد بصحة أمثال هذه الأقوال ليس بصواب و لكن تحقيقه ضروري، و عندئذ يتوسل بالوسائل اللازمة لدرء الأخطار. و هذا مما يحتاج إلى استطلاع رأي الدولة و لكن الوزير غضب لمعاملة إيران هذه.

لذا أصدر أمره حالا بالتأهب للحرب دون أن ينظر في العواقب، و ما ينجم من أخطار، فلم يستأذن من دولته، و هذا منتهى الطيش».

توتر العلاقات بين العراق و إيران:

و في الحال كان رئيس الكتيبة محمد أمين آغا حاضرا فأرسله مع رعيلات الخيالة لإمداد خالد باشا متصرف بابان، و بعد أيام أكمل أسباب السفر و جمع قوته و نهض من بغداد في 7 ربيع الآخر و معه اثنا عشر ألفا من الجنود العراقية الخالصة بين خيالة و مشاة (1).

قال صاحب غرائب الأثر:

«خرج من بغداد الوزير علي باشا بالعساكر و سبب خروجه أن الشاه أرسل إليه يطلب حكم السليمانية إلى عبد الرحمن باشا فامتنع و أصر على القتال فخرج من بغداد في أوائل جمادى الأولى و جمع معه العشائر و طلب من الموصل عسكرا فأرسل إليه محمد باشا الجليلي خمسمائة مقاتل و عليهم كاتب ديوانه أحمد بن بكر الموصلي و لما اجتمعت العساكر سار ...» اه (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 233.

(2) غرائب الأثر ص 68.

202

و حينئذ عبر ديالى و ساق الكتائب نحو شهربان فوافاه خالد باشا متصرف بابان و عبد الفتاح باشا متصرف درنة و باجلان و حسن خان الفيلي فعقد معهم مجلس شورى، و هؤلاء تحادثوا في الأمر، و كانوا يعلمون الخطر و يتوقعون نتائجه. و لكنهم رأوا أن الوزير مصر و أن رغبته فيه قوية، و لم يجسر أحد على معارضته فاقترحوا لزوم أخبار الدولة بما وقع فوافق و رافقوه إلى قزلرباط، فاستراحوا بضعة أيام، و تواصلت في هذا الحين بعض العشائر و البقايا العسكرية فتلاحق الكل فنهض الوزير و اتخذ زهاو (زهاب) مضرب خيامه.

و هناك انتظر بضعة أيام للاستراحة و لكنه في الحقيقة يترقب جواب دولته، و كان يعتقد أنها سوف تأذن له، و لذا تحرك من المنزل المذكور و على هذا و لما كان الطريق و عرا أمر بتعديله و تنظيمه، و أرسل إلى رئيس الكتيبة أن يلتحق به مع بيارق الخيالة فوصلوا إليه و تمت تسوية الطريق و تقدمت عقيل و بأثرها المدفعية فمضت من طريق (پاي طاق) و كان الوزير متأهبا للمضي في عقبهم و جاءه الجواب من الدولة عما عرضه عليها مع التاتار (البريد السريع) و خلاصته أن السلطان لا يرضى أن تنقض المعاهدات المعقودة مع إيران، للآن لم يشرع بالحركة فعليه أن يعدل عنها و إلا فمن المحل الذي تصل فيه هذه الأوامر، و الدولة آنئذ ليس لها من القدرة ما تحارب الثورات الناشبة عليها فضلا عن الدول المجاورة.

و لذا أمر الوزير أن تعود العساكر و المدفعية في الحال امتثالا للأمر السلطاني‏ (1).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 235.

203

إمداد خاند باشا لسليمان الكهية:

رجع الوزير عن القتال و لكن في خلال إقامتهم في (پاي طاق) تقدمت بعض العشائر و اجتازت الطاق فتخطت الحدود و أغارت على ناحية (مايدشت) و انتهبت بعض رعايا الإيرانيين و استولى الرعب على الأهلين في كرمانشاه خوفا من سطوة الوزير و تسلطه و فر بعضهم إلى همذان، و أن الأهلين تأهبوا للحيطة و اتخذوا التدابير اللازمة.

و هذه الأخبار توالت على الشاه، و لذا أمر أن تحافظ الحدود و إذا كانوا اجتازوها أن يدافع عن المواطن المتباقية فأرسل ابنه محمد علي ميرزا مع مقدار وافر من الجيش لجهة كرمانشاه و بعث بفرج اللّه خان ليكون قائدا على أنحاء سنة و حاكمها (أمان اللّه خان) و يخمن الجيش بخمسة آلاف أو ستة. أما عبد الرحمن باشا فإنه خرج من سقز و تمكن في محل قريب من السليمانية و كان ينتظر أن تظهر نتيجة.

و لما تبينت وظيفة فرج اللّه خان و أمان اللّه خان بهذه الصورة أراد عبد الرحمن باشا جذبهم إليه و تعهد لهم بأطماع وفيرة و جلبهم إلى محل قريب منه. و حينئذ علم خالد باشا بالخبر و لكنه لم يستطع أن يعمل عملا دون استشارة الوزير فعرض الأمر عليه و طلب منه أن يرسل إليه قائدا قديرا ليشاوره في الأمر و يتخذ الحيطة، و أن يزود بقوة من الجند.

و لا يزال الوزير في (پاي طاق). ورد إليه الخبر من الباشا فأرسل إليه سليمان باشا متصرف كوى و حرير و بعض العشائر الموجودة و صنوف كركوك العسكرية و السباهية و بعض الأفراد من أهل القرى فتجمع نحو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف نفر و جعل هؤلاء تحت قيادة سليمان الكهية و سيره لجانب خالد باشا و عاد هو بباقي الجيوش و جاء إلى (شروانة) التابعة لقضاء كفرى فأقام فيها، و كان يترقب الأخبار عن الجيش الذي أرسله.

204

أما الكتخدا فإنه مقدام و همام، ذو شجاعة و لكنه لم يكن ممن زاول جسام الأمور ليقوم بعمل مثل هذا. و على كلّ إن الكتخدا حسب أن عبد الرحمن باشا و جيوش إيران كعشائر العرب التي حينما تسمع بجيش الحكومة تفر من وجهه فاعتقد أنها سوف تنهزم بهذه الصورة.

و لذا تقدم بجيشه و مضى من پاي طاق فقطع الجبال الصعبة و الطرق الوعرة فطوى مقدار خمسة منازل أو ستة في يومين و ورد شهرزور و تحرك مع جيش خالد باشا و هذا أراد إقناعه في البقاء للاستراحة بضعة أيام لينظر نوايا إيران و يتحقق أوضاعهم، فلم يلتفت، و لم يتدرع بالحزم الذي هو شرط الشجاعة و لا راعى الاحتياط، أغار على ايران، و لم يستقر في موطن للاستراحة حتى بلغ الحدود بل تخطاها و اجتاز (زير باري) في مريوان من أعمال سنة، فصادف جيش إيران.

و كان جيش الكتخدا رأى عناء شديدا في اجتياز هذه الجبال و الوهاد و لم ير راحة أو استراحة فقطعها في ثلاثة أيام أو أربعة فلم يستطع الباقون اللحاق به و لم يجد مجالا ليرتب الجيش و يراعي تعبيته بالوجه المطلوب. و حينئذ قابل العدو فوقع القتال بين الفريقين فلم يقصر في الشجاعة و الحرب و لكن رغم الجلادة التي أبداها كسر (1).

قال في غرائب الأثر: «كان فيه هوج و حمق ... فسار إلى أن وصل معسكر عبد الرحمن باشا و من حمقه باشر القتال و الخيل و الفرسان في تعب من بعد الطريق و قاتل سليمان بك بنفسه فأسر و تفرقت عساكره و قتل منهم أكثر من ألف، و من سلم سلبت ثيابهم و سلاحهم و ملكت خيامهم و أثقالهم ...» اه (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 235.

(2) غرائب الأثر ص 68.