موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج6

- عباس العزاوي المزيد...
432 /
205

أحاطت بالكتخدا الجيوش من كل صوب. فألقي القبض عليه و على من معه فأسر و أرسل إلى الشاه في طهران.

وصل خبر هذه الواقعة إلى الوزير و هو في شروانة، و في عين الوقت جاء خبرها إلى محمد علي ميرزا و كانت مهمته أن يحافظ على الحدود و لكن الميرزا مشى من زهاو بلا سبب و جاءت طلائعه إلى قزلرباط و أغارت على بعض الرعايا فانتهبها و اتخذ ذلك فرصة، و حينئذ تحول الوزير من شروانة إلى كفرى و عاد الإيرانيون إلى مواطنهم الأولى و أن الوزير لمجرد تطمين السكان و إزالة الخوف عن الرعايا بقي أياما.

و في هذه الأثناء أظهر عبد الرحمن باشا الطاعة و طلب أن يجاب ملتمسه فجاء رسول منه بذلك. و حينئذ وجه الوزير إليه البيورلدي و الخلعة فجاء إلى بغداد في سلخ رجب. و مدة هذا السفر ثلاثة أشهر و ثلاثة و عشرون يوما (1).

و أما صاحب المطالع فإنه قال:

«و لما وصل خبر أسره الوزير خاله، ساءه ما دهمه و غير حاله، فرجع القهقرى إلى أن نزل بعسكره في مأمن، و في ذلك المأمن نزل عليه حمود بن ثامر و صار نزوله على الوزير نعمة اقتضت من الوزير إكرامه و تعظيمه، كيف و قد ورد عليه إبان هزيمته و لين شكيمته، و بسالة فرسانه كالعدم، و رجالته تقول أفلح من انهزم.

و لما سكن بورود حمود اضطرابه ... أقام في ذلك المكان ... إلى أن صلح بسعي السفراء بين الفرقتين و التئام شمل ذات البين فدخل بغداد ...

فأفاض على حمود كل نعمة ... فرجع شاكرا أنعامه ...» اه (2).

____________

(1) دوحة الوزراء ص 237.

(2) مطالع السعود ص 178 و 301. بتلخيص.

206

نعمان باشا الجليلي:

و في 16 جمادى الأولى توفي الوزير محمد باشا الجليلي والي الموصل و دفن في جامع الشيخ محمد الزيواني فتسلم البلد ولده محمود بك، و في غرة شوال ثارت فرقة من الينگچرية ... ثم صالحوهم فسكنت الفتنة و في 26 منه اعتزل الأمير أسعد بك ابن الوزير الحاج حسين باشا الجليلي و عزم على محاربة أقاربه ... و من ثم انسحب محمود بك فتسلم الموصل نعمان بك ابن الوزير سليمان باشا الجليلي في 7 ذي القعدة ثم ظهر في 22 منه فساد من أتباع أسعد بك فطلبه نعمان بك فهرب ...

و بتوسط من الجليليين خرج أسعد بك إلى إربل ... و في المحرم سنة 1222 ه ورد الفرمان بولاية نعمان باشا فسكنت الموصل‏ (1).

الوهابية- سفرة إلى الحلة:

إن الوزير حينما عاد من سفر (پاي طاق) حدثت وقعة سليمان الكهية فشغلت فكره. و في هذه الأثناء شاعت قضية الوهابية ... فأقام ببغداد نحو الشهرين و هو في حيرة و في 5 شوال تحرك من بغداد بما لديه من جيش إلى الحلة و بث العيون في كل صوب حذرا من المفاجأة.

و بوجوده لم يستطع الوهابية أن يتقدموا فلم تظهر لهم حادثة و أما التدابير المتخذة لخلاص سليمان الكهية فقد كانت نتائجها حسنة. بقي في طهران نحو ستة أشهر ثم رخص الشاه بانصرافه فورد بغداد فاستراح بضعة أيام ثم ذهب إلى الحلة لملاقاة الوزير. و لما لم يبق حذر من الوهابية، عاد الوزير إلى بغداد فدخلها في 22 المحرم سنة 1222 ه و مدة سفره هذه بلغت ثلاثة أشهر و 28 يوما (2).

____________

(1) غرائب الأثر ص 70.

(2) دوحة الوزراء ص 337.

207

و بهذا وجه الأستاذ سليمان فائق اللوم على الوزير من جراء خرقه في سياسته بهجومه على إيران و معاملته عبد الرحمن باشا (1).

حوادث سنة 1222 ه- 1807 م‏

رتبة ميرميران للكهية:

إن سليمان الكهية كانت أعماله مرضية للوزير فالتمس من دولته أن تنعم عليه برتبة ميرميران فورد الفرمان و نال لقب (باشا) (2).

جمل الليل في بغداد:

ورد البصرة فبغداد العالم أبو عبد الرحمن زين العابدين المشهور بجمل الليل، و في البصرة أخذ عنه عثمان بن سند المؤرخ المشهور.

و في بغداد روى عنه الأكابر و الأصاغر طلبا لعلو الإسناد، أما الوزير فزاد في إكرامه و لكنه فاجأه الأجل فحال دون الوفاء بما وعد من عزمه على شراء أملاك يقفها في مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم). و أمره الوزير سليمان باشا بعد ما توفي خاله أن يقرأ البخاري ... ثم رجع من بغداد على طريق البصرة في سنته هذه و لم ينل مطلوبا. و توفي في حدود سنة 1235 ه (3).

قتلة علي باشا:

جاء قبل ثلاث سنوات مدد بك من أعيان باطوم إلى الوزير فأكرم مثواه، إلا أنه كفر النعمة، فاتفق في الخفاء مع مصطفى الأبازة و أمثاله و هم ثمانية أو تسعة تحالفوا على اغتيال الوزير و صاروا ينتهزون الفرصة.

و في 24 جمادى الثانية ليلة الثلاثاء كان الوزير حسب المعتاد

____________

(1) مرآة الزوراء.

(2) دوحة الوزراء 237.

(3) مطالع السعود ص 178 و 301.

208

يؤدي صلاة الصبح عند طلوع الفجر مع الجماعة، و بينا هو في السجدة الثانية من الركعة الأولى إذ فاجأه مدد بك بضربة خنجر و آخر ضرب عباس آغا المهردار في بشتاو (بشتاوه) فأرداه. و في الحال كسر (السراج) و أطفى‏ء الشمع فخرجوا و ذهبوا إلى دار نصيف آغا كتخدا البوابين. أما المهردار فإنه توفي في آنه و لكن الوزير بقي ساعة فمات.

أما سليمان باشا الكهية فإنه حينما سمع بالخبر وافى إليه في حالة النزع. فعهد لبعض الأغوات بالقيام بما يلزم لتكفينه و دفنه و عاد هو إلى مكانه لضبط الإدارة و رعاية منصب الحكومة ثم دفن الوزير في مدرسته قرب السراي بإجلال و عظمة. و الملحوظ أنه لم تعرف له اليوم مدرسة باسمه.

ترجمة الوزير:

قال صاحب الدوحة: «إن هذا الوزير عمر نحو 45 سنة. و أيام حكومته مع مدة القائممقامية خمس سنوات و ثلاثة أشهر و 19 يوما. و هو من مماليك سلفه سليمان باشا، رباه، فحفظ القرآن الكريم، و هو ذو دين و ورع، يحب الصلحاء، و العلماء ... و كان خفيف الروح، أديبا، سخي الطبع، شجاعا، صعب المراس، ذا هيبة و وقار و صاحب غضب وحدة و مناقبه كثيرة ...» اه (1).

و قال صاحب مرآة الزوراء:

«تولى علي باشا بعد وفاة سليمان باشا فوجد كل شي‏ء في مصلحته. و هو جري‏ء جسور، لذا أخاف الناس إلا أنه سريع الغضب و لم يكن له من الدراية ما يكفي مما دعا إلى حروب و مخاصمات كان في غنى عنها، منها ما كان قبل أوانه، و منها ما لم يحسن عمله. فلم‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 239.

209

تتقدم الإدارة في أيامه بل انحطت و أدت إلى ضعف إلا أن ذلك كان زمن شباب (المماليك) فلم يشعر بالضعف في حينه ...» اه (1).

و يعرف ب (أبي غدارة). لأنه كان يحمل الغدارة و هي نوع سيف له حدان، و ليس فيه انحناء، و إلى وقت قريب تستعمل الغدارة (2).

و أوضح صاحب مرآة الزوراء أنه بعد وفاة سليمان باشا خلفه كتخداه علي باشا. و هذا كأنه حصل على الثروة بطريق الإرث فصار يهب إنعامات كبيرة لأدنى أمر فيمنح الألف ليرة و ما يزيد فاشتهر بين العوام، فأسرف حتى في الإكراميات و أمثالها. فكان إذا توفي أحد من العلماء، أو من رجال الحكومة يمنح أسرته ما يحتاجون من أطعمة، و ما يكفيهم من حبوب و دراهم و يخصص لهم مخصصات. و هذا و إن كان من الأمور المستحسنة إلا أنه لم يوزن بمقياس صحيح. و كذا راعى أقوال بعض المغرضين فسفك الدماء أيام وزارته فأفرط» اه (3).

و هذه الوقائع لا ننسى منها قتل آل الشاوي و غيرهم. أراد أن يمشي مشية سليمان باشا في قهره و سطوته فخاب فالخرق في أعماله ظاهر، و أراد أن يتحكم في إمارة بابان ففشل و قتل خالدا الكهية دون تحقيق بل لمجرد الواهمة، و جهز جيشا على الوهابية فخذل. و هذه الوقائع فضحت أمره، والدين براء منه، لسوء أعماله و قسوته.

و كان المماليك عصبة لم يؤثر فيهم خرق أمير أو وزير و إلا فإن أعماله هذه كافية لهدم صرحهم. و إن صاحب الدوحة أثنى عليه إلا أنه‏

____________

(1) مرآة الزوراء.

(2) تقرير درويش باشا النسخة التركية ص 37 الهامش. و هذا التقرير نقل إلى اللغة العربية و طبع في مطبعة الحكومة ببغداد سنة 1953 م ص 19 النسخة العربية.

و وصفت النسخة التركية في كتاب عشائر العراق ج 2 ص 8.

(3) مرآة الزوراء. و مثله في تاريخ الكولات ص 12.

210

لم يستطع أن يستر خطله. و قال: التف حوله بعض من لا خلاق له فسفك الدماء ... (1).

سليمان باشا الكهية:

إن الذين غدروا بالوزير غيلة ذهبوا إلى دار نصيف آغا، و رأى في نفسه الكفاءة فجمع له جموعا و صار يدعو لنفسه، فمضى إلى دار الحكومة، و لكن عامة الأهلين حينما سمعوا بالأمر قالوا لا نريد غير سليمان، أذعنوا له بالطاعة من تلقاء أنفسهم، فاختاروه (قائممقاما) قبل أن يتحرك نصيف آغا بحركة، و لما جاء نصيف آغا بجمعه إلى قرب السراي و اطلع على ما وقع تفرق شمله و ذهب إلى جانب الكرخ فاختفى.

أما مدد بك و مصطفى آغا الإبازة و أعوانهما فقد ألقي القبض عليهم الواحد بعد الآخر فنالوا عقوبتهم و كذا من شايعهم و أجريت التحريات الشديدة على نصيف آغا فألقي القبض عليه في الكرادة. و قبل أن يصل إلى (القائممقام) صادفه أغوات الداخل في جانب الكرخ فقطعوه إربا إربا (2) ...

وقائع:

1- إن متصرف بابان عبد الرحمن باشا وصل إليه خبر هذه الوقعة فنهض في الأثر و توجه إلى كوى و حرير للاستيلاء عليهما، و لكن متصرفهما سليمان باشا ثبت للمقاومة فلم ينل منه غرضا وعاد.

2- إن خالد باشا متصرف بابان سابقا كان مهجورا في كركوك.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 238 و مرآة الزوراء ص 14.

(2) دوحة الوزراء ص 239. و في غرائب الأثر ص 72 مثله تقريبا.

211

و حينئذ جاء إلى بغداد و نزل الميدان لمناصرة سليمان باشا و أجرى مراسم الخدمة و الإخلاص له.

3- نهض عبد الرحمن باشا من جهة لواء كوى فأراد أن يولد اضطرابا في أنحاء بغداد فمر بكفرى حتى وصل إلى قريب من الخالص.

و كان رئيس الكتيبة في شهربان مع بيارق الخيالة و اللوندات فسير إليه عبد العزيز بك أخا خالد باشا و بعض العشائر و العقيليين و ثلاثمائة من خيالة (بابان) ليكونوا قوة له فلم يجسر عبد الرحمن باشا أن يوقع أي ضرر و إنما بقي بضعة أيام ثم رجع.

4- في هذه الأثناء ظهر من كاتب الديوان (محمد أفندي بن لطف اللّه أفندي) (1) بعض الأوضاع منها أنه نفّر متسلم البصرة سليم آغا كما أنه حث عبد الرحمن باشا على المجي‏ء. فلما تبينت منه هذه الأوضاع ألقي عليه القبض و نال جزاءه داخل القلعة و نصب مكانه (ولي أفندي) (2) فصار (رئيس الديوان) و هو كاتب بليغ و منشى‏ء قدير، أعجوبة في البلاغة و الفصاحة، قلمه سيال، و كتابته رائقة جميلة.

____________

(1) تذكرة الشعراء ص 27 و أبوه لطف اللّه أفندي ص 49 منها و هذا هو ابن ولي أفندي كاتب الديوان أيام أحمد باشا و لمحمد أفندي من الأولاد عبد الحميد و عبد اللّه و عبد الرحمن و أسماء. فعبد الرحمن أعقب هيبت زيور. و هذا تزوج بهيبت خاتون و توفي عن ابن اسمه أمين و هذا له ابن هو الأستاذ عبد الرحمن زيور المحامي. رأيت عنده وثائق تؤكد القربى.

(2) تذكرة الشعراء ص 34 و توفي سنة 1241 ه. و له ابن اسمه نائل عمر و توفي بالطاعون سنة 1246 ه و أعقب من الأولاد حاجي سعيد، و ولي و عبد القادر و أسماء.

212

حوادث سنة 1223 ه- 1808 م‏

وزارة سليمان باشا:

لم يرق المحضر للدولة للخيانة التي أدمجها كاتب الديوان السابق محمد أفندي و لذا وجهت الإيالة إلى يوسف باشا و بقيت في عهدته ثلاثة أشهر أو أربعة. و من ثم شنعت الدولة على سليمان باشا لمحاولتها القضاء على المماليك.

ثم إنه بعد أن عين ولي أفندي لرئاسة الديوان دبج عرضا و محضرا آخر و أرسل مجددا إلى الدولة يلتمس فيه التوجيه و بوصوله ورد الفرمان بإجابة ما طلب فرفعت الوزارة من يوسف باشا و وجهت إلى سليمان باشا الكهية في المحرم بواسطة معتمد كتخدا الباب محمد أفندي‏ (1). و السبب في هذا لم يكن كاتب الديوان و إنما هو السياسة و فيها توجيه للمعذرة و انتحال تدبير.

و جاء في تاريخ الكولات:

«لما علم الباب العالي بوفاة الوزير علي باشا وجهت إيالة بغداد إلى يوسف ضيا باشا الصدر السابق و كان واليا على أرضروم (أرزن الروم) مع القيادة العامة في الجبهة الشرقية. و هذا بعث فيض اللّه أفندي متسلما من قبله، و كان سير إلى بغداد، أما سليمان باشا فإنه حينما سمع بذلك جهز جيشا بقيادة أحمد بك أخيه من الرضاعة و زوده بتعليمات خاصة و بعثه إلى ماردين التي لا تزال تحت سيطرة ولاة بغداد و في هذا الحين و بينا كان فيض اللّه أفندي متوجها إلى جهة بغداد إذ علم أن الجيش المذكور ورد ماردين فلم يتمكن من الذهاب إليها. و لذا عدل إلى كركوك فوصل إليها، و حينئذ ألقي القبض عليه متسلم كركوك و تحرى عما

____________

(1) دوحة الوزراء ص 240 و غرائب الأثر.

213

لديه فوجد عنده أمرا من يوسف ضيا باشا يتضمن متسلميته و على هذا وقفه و منع أن يتصل بأحد.

و من ثم قام سليمان باشا بأعمال عدائية، و تأهب للعصيان فيما إذا أصرت الدولة. هذا من جهة، و من جهة أخرى بذل لها الأموال، و أبدى الإخلاص، و تعهد في المحضر الأخير أنه يؤدي مخلفات سليمان باشا و استعمل اللهجة اللائقة في محضره، و طلب أن توجه إليه إيالة بغداد و سائر ما يلحق بها من البصرة و شهرزور» اه (1).

و في غرائب الأثر أبدى أعماله العدائية للدولة و بذلك كله انجلى ما أبداه صاحب الدوحة من تعمية عن حقيقة الواقعة مما مر به سريعا و بإيجاز.

لم تر الدولة بدّا من قبول ما عرض، رأت الجيوش في إيالة ماردين، و أن المتسلم قبض عليه، و الأموال بذلت، و مع هذا أبدى الوزير الخضوع و أظهر الطاعة، فلم تر الدولة مبررا يدعو لرفض الملتمس فقبلت ذلك خصوصا بعد ورود المحضر و العرض الأخيرين لما في لهجتهما ما يستدعي القبول بخلاف الأولين فقد كانا شديدي اللهجة و مما لا يرضى التفوه بهما.

لذلك كله وجهت الإيالات و قبلت المعذرة حسب التعهدات المارة و جاء المنشور فأجريت المراسيم المعتادة ... وصلت صورة المنشور في منتصف شوال سنة 1222 ه و في ذي الحجة قدم إلى بغداد سلاحشور السلطان و معه أصل المنشور و الخلعة فتلقاهما بفرح و زال عن بغداد الهمّ و ضربت طبول البشائر (2).

____________

(1) تاريخ الكولات ص 13.

(2) دوحة الوزراء ص 340 و فيها أن التوجيه جرى في 4 المحرم.

214

عبد الرحمن باشا متصرف بابان:

أذعن للوزير بالطاعة جميع الأنحاء و العشائر إلا متصرف بابان.

و ظهرت منه بعض الأوضاع التي لم يصبر الوزير على تحملها. فجمع ما لديه من جيوش و جماعات فسار عليه في 3 ربيع الآخر. و حط رحاله في محل يبعد نصف ساعة عن مضيق بازيان.

أما عبد الرحمن باشا فقد استعد للقراع و سدّ المضيق ببناء محكم جدا و أعد نحو أربعة أو خمسة آلاف من الجند المشاة و الفرسان و بدأ الخصام، فصار الوزير يلتمس طريقا آخر أو ممرا من يمين المضيق أو يساره. و ذلك لمدة يوم أو يومين، فعثر على ممر في يمين المضيق صالح لمرور المشاة. و في ليلته جهز (أو جقلية) كركوك و بندقيين من إربل و بعض الكرد من المشاة جعلهم مع محمد بك آل خالد باشا و بقيادة محمد بك الآخر كهية الوزير. و أمرهم أن يجتازوا من الممر المذكور و يحتلوه.

و أن سليمان باشا متصرف كوى ورد إلى مضيق خطيبان فأمر بالذهاب إلى الجهة اليسرى من مضيق بازيان.

صعد هؤلاء الجبال ليلا فصاروا في أعلاها فعرف ذلك عند الصباح، و أن الوزير هاجم أيضا من جهة نفس المضيق فكان عبد الرحمن باشا قد حوصر من فوق و من أسفل، فلم يستقر له قرار و تزلزلت منه الأقدام و اضطرب جمعه فولى الأدبار. و أن خالد باشا و سليمان باشا تعقبوه و ساروا في أثره إلى قزلجة المحادة لإيران و أن أكثر أتباعه مالوا إلى جهة خالد باشا.

و بعد بضعة أيام عاد الموما إليهما إلى فيلق الوزير رابحين المعركة. و من ثم وجه الوزير لواء بابان إلى سليمان باشا و عهد بلواء كوى إلى محمد بك آل خالد باشا و كان وعده الوزير بمتصرفيته، و كساهما الخلع و سيرهما إلى مواطن حكمهم.

215

أما الوزير فإنه عاد إلى بغداد منتصرا فدخلها في 28 جمادى الأولى‏ (1).

الوهابية- و الوزير:

في هذه الأيام جاءت الأخبار أن عبد اللّه بن سعود جمع جموعا كثيرة، و غزا العراق، فتأهب الوزير و توجه نحو الحلة فتحقق أن الوهابيين لم يأتوا فعاد إلى بغداد. و كان سفره من بغداد في 11 جمادى الأولى و رجوعه إليها في 22 منه.

متصرفية بابان:

استند عبد الرحمن باشا إلى شاه إيران فعده ركنا ركينا له. و لذا عزم الوزير أن يسير عليه، و جرى ما جرى.

و من ثم مال أتباعه إلى خالد باشا فكانت المصلحة تقضي أن يعطى لواء بابان إلى خالد باشا فلم يعطه بل لم يوجه إليه حتى منصب لواء كوى فيطيب خاطره به و لم يكتف الوزير بكل هذا و إنما نسب المغلوبية الأولى إلى تقصير منه و لم يعين له راتبا، ليقتات به و أقعده في كركوك. و كذا سكن عبد الرحمن باشا في أراضي (سنة) فقدم عرائض إلى الشاه يطلب فيها قبول دخالته و أن يساعده.

و في هذه المرة أرسل رسولا و معه كتاب يلتمس فيه من الوزير العفو عنه و يرجو أن يعينه. و بعد التوقف لبضعة أيام أرسل الوزير رئيس كتيبة الخيال (باش آغا) و معه البيارق إلى ديار الكرد ليكونوا قوة لسليمان باشا، و من جهة أخرى أن خالد باشا نظرا لما ناله من اليأس لم يبق له أمل في البقاء. فراسل عبد الرحمن باشا و لكنه أبدى أنه يريد السفر إلى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 242.

216

بغداد و جمع له نحو خمسمائة أو ستمائة خيال و تحرك من كركوك. و لما وصل إلى ما بين كفرى و قره تپه أمال عنان خيله إلى ناحية زهاو (زهاب) فالتحق بعبد الرحمن باشا في محل يقال له مريوان (مهربان) فورد خبر ذلك إلى الوزير و حينئذ لم ير بدّا من توجيه لواء بابان إلى عبد الرحمن باشا و أرسل إليه خلعة و عزل سليمان باشا و جلبه إلى بغداد فخصص له و لإدارته مندلي و خانقين و علي آباد (علياوة) المقاطعات المعروفة (1).

إيالة الموصل:

إن أحمد بن بكر الموصلي كان آباؤه و أجداده لدى ولاة الموصل بأنواع الوظائف و منهم رؤساء الديوان و الكهيات، و يتولون المناصب حسب مقدرة كل منهم و يعيشون برفاه و سعة عيش، و لهم المكانة المعتبرة (2).

و في غرائب الأثر:

«في 20 المحرم- سنة 1224 ه- ولي مدينة الموصل أحمد باشا ... سعى له بالحكم والي بغداد لبغضه لآل عبد الجليل ... كان جدّ أحمد باشا يونس فقير الحال و له أدب و حسن خط فاستخدمه بعض أتباع الوزير الحاج حسين باشا الجليلي، ثم تقدم و خدم ولده أمين باشا، و نال لديه مكانة لحسن سيرته و فرط أدبه حتى جعله كاتب ديوان الإنشاء و سافر معه إلى الجهاد، و لما خرج أمين باشا من الأسر جعله كتخداه فكان محمود السيرة إلى أن توفي أمين باشا و كان ولده الوزير سليمان باشا قد جعل كاتب ديوان إنشائه بكر بن يونس و حظي عنده و كثرت دولتهم و نمت نعمتهم و عزت كلمتهم. و لم يزل بكر متصلا بخدمة مواليه‏

____________

(1) دوحة الوزراء 243.

(2) دوحة الوزراء ص 244 و تذكرة الشعراء و فيها ترجمة أحمد باشا ص 22.

217

صادقا في خدمتهم و صار له أولاد فاستخدمهم سليمان باشا و قربهم إلى أن استعفى من الحكم و ولي مكانه أخاه الوزير محمد باشا فجعل بكر أفندي كتخداه و ولده المترجم أحمد باشا كاتب ديوان إنشائه و باقي إخوته من أجل أتباع الوزير محمد باشا. و لما مضت برهة من الزمان توفي بكر فأقام أولاده في عز و كرامة. فلما ولي الموصل نعمان باشا ابن سليمان باشا بعد وفاة محمد باشا قرب إليه أحمد و جعله كتخداه فازداد عزا و نمت دولتهم و اشتهر ذكرهم إلى أن عرض لنعمان باشا مرض الفالج فحدثت أحمد نفسه بالحكم فأرسل إلى والي بغداد و تعهد له بذهاب دولة آل عبد الجليل ... لعلمه أن والي بغداد يعاديهم طمعا في ملك الموصل لنفسه ... فجعل أحمد يتراسل خفية مع والي بغداد ... ثم خاف من مواليه أن يطلعوا على أفعاله ... فعزم على المسير إلى بغداد ... فنصب أشراك الحيلة لتكون لإخراجه من الموصل وسيلة حتى يجتمع بوالي بغداد و يحرضه على الفساد فجعل يطوف على مواليه و يجتمع بواحد واحد و يحرضهم على طلب الحكم ... فباحوا له بأسرارهم ... فسار إلى بغداد و اجتمع بواليها ... و جعل يقدح بمواليه حتى رفضهم والي بغداد ... ثم إن والي بغداد عرض على الدولة يطلب حكم الموصل لأحمد فأجيب إلى ما طلب ...» اه (1).

و لنعد إلى الدوحة قال:

و في هذه الأيام أيضا كان كاتب الديوان لدى نعمان باشا الجليلي متصرف الموصل إلا أن ميله كان في إدارة الحكومة و رغبته مصروفة إليها بكلية زائدة، و أنه عهد إليه لمرة أو مرتين قيادة عساكر الموصل، و أن الموما إليه كان مع سليمان باشا في سفر دربند فهو بمعية سليمان باشا و أظهر له من الإخلاص و التفادي ما لا يوصف، و الحق أنه ذو لياقة

____________

(1) غرائب الأثر ص 82.

218

و كفاءة و أبدى في كل أحواله سواء في الحل و الترحال و الإدارة من المهارة ما استوجب الثناء العاطر و رضا الوزير التام بما أبداه من المقدرة و التعقل. فالوزير راض من كل عمل من أعماله.

و أن نعمان باشا كان مبتلى بعلة الفالج و ليس له من المقدرة ما يمكنه من القيام بأعباء الحكومة و أن الموما إليه كان قدم رقيما (قائمة) من نعمان باشا حين وروده إلى سفر دربند يوصي به الوزير أن يعينه بناء على سؤاله، و أبدى للوزير ما في ضميره و أفشى له سره و عرضه عليه.

لذا التزم جانبه و التمس من الدولة أن تمنحه الموصل برتبة مير ميران (باشا)، فكانت الدولة تروّج مطالب ولاة بغداد في عزل والي الموصل و نصب غيره. و بهذه الصورة قبل رجاء الوزير و وجهت إيالة الموصل إليه برتبة مير ميران.

و من ثم نال أقصى ما تمنى و حصل على رتبة (باشا) و بعد بضعة أيام أذن له الوزير بالذهاب إلى وظيفته، و على الأثر رشحه إلى السفر إلى جهات ماردين لتأديب بعض العشائر، و كذا عين بمعيته أمير كوى محمد بك مع بندقيي لوائه. فورد الموصل في 20 المحرم سنة 1224 ه و من ثم تأهب لإعداد جيشه و تدارك اللوازم المقتضية له ثم سارع للجهة التي أمر بالذهاب إليها (1).

قبيلة العبيد:

صالح الوزير قبيلة العبيد و استخدمها كما أنه قرب قاسم (جاسم) بك الشاوي منه و نفر من آل الجرباء لما رآه منهم في وقائع الموصل‏ (2).

و تم ذلك في سنة 1224 ه.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 244.

(2) غرائب الأثر ص 79.

219

حوادث سنة 1224 ه- 1809 م‏

اليزيدية- الظفير:

إن عشائر الظفير كانوا في تلك الأيام يقطنون أراضي الرها (أورفة) و يسكنون الخيام و لم يحصل تجاوز منهم على أحد و كذا قبيلة الدريعي من عنزة. و كان بين فارس الجرباء و بينهم عداء قديم فأبدى للوزير أن لديهم غنائم كثيرة و من السهل الحصول عليها فسول له أن يسير عليهم، و كان الأولى به أن لا يلتفت إلى تنفيذ مآرب الآخرين تشفية لغليلهم ممن لهم العداء معهم و لكنه لم يدرك هذه الأمور و لم يراع المصالح الحقيقة (1).

و أن السبب الذي بينه صاحب الدوحة لم يذكره صاحب المطالع و إنما قال لتأديب هؤلاء و الظاهر أنه بسبب توجهه إلى ماردين و تلك الأنحاء سخطت عليه الدولة، و هو يعد نفسه صاحب الحق في التسلط عليها إذ إنها بيد ولاة بغداد إلى ذلك الحين فجعل صاحب الدوحة ذلك سببا في المضي في حين أن السبب الحقيقي المحافظة على أملاك الحكومة و ساحة حكمها (2) ...

لذا تحرك برغبة الشيخ فارس الجرباء لتأديب عشيرة الظفير و قوم الدريعي من جهة و التنكيل بأشقياء سنجار من جهة أخرى، فخرج من بغداد في 25 من المحرم متوجها إلى تلك الأنحاء.

قال صاحب غرائب الأثر:

«عزم والي بغداد على السفر إلى جهة ماردين و أمر العساكر بالمسير أمامه لتعديل نظام تلك الجهات فقدم والي كوى محمد بك‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 246.

(2) مطالع السعود ص 189.

220

بالعساكر إلى الموصل و سار إلى ماردين، ثم قدم عسكر كركوك و زعماؤها، ثم عسكر إربل، ثم عسكر مندلي، ثم عسكر زهاو، ثم عسكر تكريت، ثم عرب البو حمدان، و البو سلمان ثم عرب طيى‏ء الذين في شمامك، ثم عرب العبيد (البو حمد). و لم يزالوا يتواردون أفواجا و يتوجهون إلى جهة ماردين.

خرج الوزير سليمان باشا من بغداد بعساكر تسدّ الفضاء ... و سار إلى مدينة تكريت فجاء الخبر أن عرب الظفير و الدريعي كثر بغيهم فسار من تكريت إلى جهة (الحضر) و هي خرائب ثم توجه إلى جهة جبل سنجار و نهب مدينة بلد من أعمال سنجار ثم نهب قرى المهركان و قطع أشجارهم و خرب ديارهم، و أعمى آثارهم، ثم نزل على جهة الشمال من سنجار و حاصرها أياما، ثم رحل و توجه إلى جهة الخابور فبلغ عرب الظفير و الدريعي خبر قدوم العساكر فهربوا و عبروا نهر بليخ، و نهر الفرات. و كان عرب الجرباء و الملية على شاطى‏ء الفرات محاصرين لهم. و أرسل والي بغداد لهم إمدادا اثني عشر ألفا من العساكر، و نزل سليمان باشا بمن معه عند رأس الخابور محاصرا الظفير.

و إن والي الموصل أحمد باشا أمر الزعماء بالسفر، و كذا وجوه أهل الموصل من الينگچرية و خرج من الموصل في أواخر صفر و أخذ معه جماعة من بني عبد الجليل ممن كان زعيما و توجه إلى جهة ماردين و اجتمع بوالي كوى محمد بك فنزلوا على قرى ماردين و نهبوها ثم نزلوا على قرية ديرك و هي على جبل و أهلها شرفاء و حاصروهم و التحم بينهم القتال عند رأس الشعب فأظهر أهل الديرك أنهم انكسروا فتبعهم عسكر الموصل و عسكر محمد بك فرجعوا عليهم و قتلوا من عسكر الموصل سبعة عشر رجلا واحد منهم من زعماء الموصل و سلبوا منهم أربعين رجلا و قتل من عسكر العراق ستون و سلب منهم خمسون و رجع العسكران بالخيبة إلى خيامهم.

221

ثم ورد الخبر إلى والي بغداد و هو برأس عين الخابور أن العرب المجمعة من عسكره و هم الجرباء و العبيد و الملية و البو حمدان، و البو سلمان أغار بعضهم على بعض من شدة الجوع و نهب القوى الضعيف و صار الكل أيدي سبا و هربوا إلى أماكنهم و لم يظهر لهم نبأ و نهبوا أموال مقدمتهم من عسكر بغداد أحد أمراء سليمان باشا و من سلم من أتباعه قدم إلى عسكر سليمان باشا ...» اه (1)

و هذه الحروب لم تسفر عن نتيجة مشرفة، أصابت الجيش أخطار و مهالك من كل صوب رأوا إهانة و خذلانا، و أورثوا في الجيش نقصا و سببوا معائب في الرأي العام ...

و بهذه الحالة عاد الوزير إلى الموصل و نزل (باب الطوب)، فبقي يومين، و في اليوم الثالث سار عنها.

اضطراب في الموصل:

أما آل عبد الجليل فإنهم كانوا قد اغبروا من نصب أحمد باشا متصرفا على الموصل و لكنهم تحملوه كرها و لم يبدوا معارضة سوى أنهم كانوا يترقبون الفرص للوقيعة به ... و في هذه المرة رأوا أن الفرصة سانحة، خصوصا أنه ظهر منه الخرق و عدم القابلية رأي العين، و أن الوزير أيضا لم تبق له مهابة في قلوبهم فلما جاؤوا إلى الموصل اتفقوا عليهم في الخفاء فاختاروا من بينهم أسعد بك للمخاصمة و انحاز لجهتهم أكثر الأهلين فعاضدوهم.

فالوزير لم يعلم عن ذلك شيئا فلما أمر بالرحيل سمع في هذه الأثناء صوت البنادق قد ثارت و بوشر بالحرب ... و عند ذلك حاصر أسعد بك في داره و أعلن الخصام فعاد الوزير و أمر بنصب الخيام و طلب‏

____________

(1) غرائب الأثر ص 86 و في الدوحة تفصيل.

222

من الأمراء الالتحاق بالجيش فجاؤوا ما عدا أسعد بك الجليلي. و في خلال ذلك اشتد الخصام و النضال.

و لما كان جانب الجيش متصلا بالخندق قرب السور فالبنادق تأتي طلقاتها إلى الجيش و تصيب بعض أفراده خطأ أو عمدا حين القتال بين أحمد باشا من جهة و أسعد بك من أخرى فأحدث هذا تشوشا و اضطرابا فاضطر الفيلق أن يرحل من مكانه لما أحس به من خطر و نزل في محل يبعد نحو ساعة من أسفل المدينة و صار ينتظر ما ستؤول إليه حال أحمد باشا ...

إن الأمراء الجليليين الذين أحضروا إلى الجيش أخبروا أن أسعد بك نجح على خصمه أحمد باشا و أن الأهلين ساعدوه و طردوا أحمد باشا استفادة من رحلة الجيش عنهم فاضطر الوالي إلى الهزيمة مع بعض أعوانه اثنين أو ثلاثة و جاؤوا إلى الفيلق ...

وصلت الحالة إلى هذا الحد و لم يتيسر اتخاذ إجراءات سريعة و عاجلة حتى أنه ليس من المصلحة بقاء الجيش في هذا المحل. و لذا أمر الوزير أن يقوم الجيش و يذهب إلى (كشاف) (1)، و آخر أبقي مع أحمد باشا و كذا جعل معه سليمان بك آل الفخري و هو من ندماء الوزير و نهض من المحل المذكور و توجه نحو بغداد فدخلها في 4 جمادى الثانية.

و مدة هذا السفر خمسة أشهر و يومان. أما الأمراء الجليليون فإنهم عادوا إلى الموصل أثر قيام الوزير و عودته إلى بغداد (2) ...

____________

(1) كشاف قرية على الزاب الأعلى. غرائب الأثر ص 86.

(2) دوحة الوزراء ص 246.

223

وقائع أخرى:

1- نفي عبد اللّه آغا الخازن السابق، و طاهر آغا الچوقدار الداخلي السابق بناء على وشاية وردت إلى الوزير بأنهما فاها بما يخالف واجبات وظائفهما، و أبعدا إلى البصرة. أرسلهما مقيدين و حبسا فيها.

2- إن أحمد باشا تأخر في كشاف إلى أن تتخذ التدابير لإدارة شؤونه، و معه سليمان الفخري و عشائر شمامك، و ظاهر الحسن المنفصل من مشيخة طيى‏ء مع مقدار من بندقيي إربل، و شيخ الغرير محمود الخليفة مع عشيرته.

3- بعد عودة سليمان باشا إلى بغداد عين معه عساكر العمادية.

و لكنه حينما أراد المضي إلى الموصل نبه أن ينهب القرى و ينكل بها ...

4- لما علم ذلك آل الجليلي أمراء الموصل اتخذوا جيشا و مشوا على أحمد باشا. و أن متصرف العمادية زبير باشا حسب الأمر نظم نحو ثلاثة آلاف من الخيالة و المشاة و أرسلهم لمعاونة أحمد باشا تحت قيادة أخيه موسى بك و لم يمض نصف ساعة حتى التقى الجيشان فدارت الدائرة على الموصليين فكسروا و ألقي القبض على عثمان بك من (الجليليين) و بعد انتهاء الوقعة أصابت أحمد باشا رمية رصاصة فأردته قتيلا فتوفي ...

و لما وصل خبر ذلك إلى الوزير تيقن أن عمل هؤلاء مرذول لدى الدولة و أن ذلك مما دعاه أن يضيق على الثوار داخل الموصل و يتسلط على القرى فعين أخاه من الرضاعة أحمد بك للقيام بذلك و كان ولاه حكومة البصرة و جهز معه العساكر ليحاصر الموصل فوصل إليها و أقام في إربل و بواسطة العشائر التي حاربت الموصل بأمر من الوزير قبيلة الزگاريط (الزقاريط) و كانت في ماردين و قبيلة زوبع و كانت أيضا في أنحاء ماردين و كذا أرسل الوزير إلى شمر الجرباء لينهبوا قرى الموصل‏

224

و إلى أهل قرية شيخان يحثهم على نهب أموال الرعايا و تخريب القرى فلم يمتثل أمير الشيخان حسن بك ما أمر به و امتثل الأمر أخوه عبدي بك فأضروا كثيرا ... و هاجم أحمد بك بالزگاريط الموصل مرتين لينتقم من الثوار و انتهب قراها.

و في هذه الحروب أسر الحاج عثمان بك الجليلي و جي‏ء به إلى بغداد فوبخه الوزير ... و أن قبيلة الزگاريط أسرت عثمان العمري و لم تفكه إلا بفكاك دراهم مقبوضة (1) ... فسمعت الدولة بقتل أحمد باشا من قبل أسعد بك. لذا وجهت إيالة الموصل في غرة شوال إلى محمود بك آل محمد باشا الجليلي برتبة مير ميران و أمرت بترك التضييق عن الموصل فدعي أحمد بك إلى بغداد ... وصل المنشور إلى محمود بك في ذي القعدة و عزم أسعد بك على معارضة محمود باشا فلم يطعه أحد و توفي في 9 ذي الحجة (2).

5- و كان أحمد باشا بعد قتلته دفن قرب نهر الخازر. هذا و التحامل على أحمد باشا مبالغ فيه. و أحواله الماضية تؤيد أنه لم يصح ما توجه عليه من الذم. و هو صاحب المدرسة المعروفة في الموصل باسمه.

و كانت مدة إقامة أحمد باشا بالموصل لما ولي الحكم أربعين يوما من وقت قدومه ثم سافر و لما عاد أقام ستة أيام فكان ما كان ...

قاضي بغداد:

كان قاضي بغداد فخري أفندي عرف بسوء الأحوال مما لا يليق بالقضاء. و لذا كف الوالي سليمان باشا يده، و أناب الكاتب الأول‏

____________

(1) غرائب الأثر ص 104.

(2) دوحة الوزراء ص 246.

225

فأقامه مقامه في الأمر، و نقله إلى محل آخر حذر الفتنة. فعاد إلى استنبول و نفي إلى جزيرة لمنى‏ (1). و هو المعروف ب (مفتي زاده محمد فخر الدين). و عندي حجج شرعية في مجموعة خطية صدرت في أيامه منها بتاريخ ربيع الأول سنة 1222 ه و منها وقفية جامع الصاغة في 21 شهر رمضان سنة 1223 ه.

حوادث نجد و الجزيرة:

في أواخر شعبان وردت إلى استنبول قائمة من وزير بغداد تنبى‏ء بظهور مرض الطاعون في الجزيرة العربية، ففتك فيها، و أدى إلى أضرار كبيرة في النفوس، فخلت غالب البيوت من الناس، مما أدى إلى خلل كبير فيها. و بين أن هذه الحالة دعت إلى ضعفهم و قلتهم و أدت إلى نكبتهم‏ (2).

شمر الجرباء و الوزير:

قبض الوزير على أحد أمراء الجرباء في بلدة عانة و صلبه فغضب عمه فارس أمير الجرباء فرحل عن بغداد و نزل قريبا من جبل سنجار فأرسل إليه الوالي يترضاه و يأمره بمعاداة أهل الموصل فأبى. و اتفق مع أمير طيى‏ء فارس بن محمد لحقده عليهم‏ (3).

____________

(1) تاريخ شاني زاده ج 1 ص 267.

(2) تاريخ شاني زاده ج 1 ص 267.

(3) غرائب الأثر ص 99 و المعروف أن رئيس طيى‏ء فارس الحمد و لعل اسم أبيه محمد.

226

حوادث سنة 1225 ه- 1810 م‏

حالت محمد سعيد:

إن الدولة العثمانية سيرت حالت محمد سعيد المعروف بالرئيس‏ (1) إلى بغداد لبعض المطالب الظاهرية. و الأسباب الخفية أظهرتها الوقائع.

قال الأستاذ سليمان فائق:

«إن حركة الوزير بفيلقه و تجاوزه حدود إيالته إلى إيالة أخرى مما أغضب عليه رجال الدولة لا سيما أنه أبدى إمهالا بل أهمالا في تأدية بدل مخلفات سليمان باشا و علي باشا فلم يؤد شيئا من ذلك ...

فاختير لهذه المهمة (رئيس الديوان الهمايوني) حالت ...» اه (2).

وصل إلى بغداد في 25 جمادى الأولى. فواجه الوزير و أعطاه الأوامر و بلغه بما أرسل إليه. و حينئذ خصص له محلا للضيافة و الإقامة فيه. و كان الرئيس يترقب ظهور نتيجة من مهمته فمضت أيام و ليال و لم تظهر لها آثار، و ذكره بها فكان يعتذر و يدافع، و نصحه ببعض النصائح الخيرية فلم ير لها فائدة، و كان يلمح فيرى منه تجاهلا، و يصرح فيجد عدم مبالاة. و ألح في الطلب فلم يسمع له قول‏ (3) ...

تحدث الناس آنئذ بأنه جاء بعزل الوزير ... فلما استراب منه أمر بعض من يثق به أن يكون له كالأنيس ليطلع على ما في ضميره من الخبايا و يكشف عما أخفاه.

و بينا الناس في حيرة من أمره، و في دهشة من توقع مكره يتيهون في موامي الاستطلاع و يستنشقون أرج الأخبار و هو لا ينطق ببنت شفة

____________

(1) مطالع السعود ص 191. و تاريخ شاني زاده ج 1 ص 406.

(2) تاريخ الكولات ص 15.

(3) دوحة الوزراء ص 247.

227

و لا يبدي ما عنده من نكرة و معرفة ... أشفق من فوات مرامه و انحلال مغار ابرامه فبادر و خرج من بغداد ... و لم يقم بأمر ما فيها و لا تمكن أحد أن يعرف نواياه حتى الوزير فصرف ذلك إلى المطالبة بما جاء من أجله ظاهرا (1) ...

سوى أنه صرح بأن الوزير إذا لم يجر أمر السلطان فسوف يندم، و لذا بين الوزير أنه تكلف آلافا من الخدمات المطلوبة و تعهد بمقادير جزئية و اعتذر لحكومته بأعذار باردة و كتب لها بذلك و أعاد الرئيس بإكرام قليل و أرجعه إلى حكومته‏ (2) ... إذ لم ير سامعا لأقواله و لم يجد لها تأثيرا فقفل راجعا خصوصا أنه لم يجد مجالا لبث فكرة و قد التف حوله رجال الوزير فلم يأمن من أحد ...

أراد حالت التدخل في أمور المال فلم يتيسر له لقوة الوزير و لعدم تمكينه كما أنه لم يبح لأحد بالسلطة المخولة له إذا لم يجد التربة صالحة (3) ...

عصيان سليم آغا متسلم البصرة:

ظهر للوزير أن سليم آغا راسل الدولة طالبا منها أن توجه إيالة بغداد و شهرزور و البصرة إليه، فكتب إلى حمود بن ثامر شيخ المنتفق أن يخرج سليما من البصرة فتكاسل حمود و أبدى تهاونا ليتبين له الحال لأن سليم آغا أفهمه أن الرئيس حالت أقبل من الدولة بعزل سليمان باشا و توجيه الإيالة إليه‏ (4).

____________

(1) مطالع السعود ص 191.

(2) دوحة الوزراء ص 247.

(3) نتائج الوقوعات ج 4 ص 80.

(4) دوحة الوزراء ص 248.

228

قال صاحب المطالع: و قد كان فيما بلغني له يد معه في ذلك ...

فلما استبطأ حمود قدوم الرئيس إذ لم يأته خبر عنه مع ترادف رسل الوزير عليه قرب من البصرة و كان سليم آغا أعد المراكب و له عسكر في سور البصرة و أبوابه فاستنهض حمود سكان قصبة الزبير من النجديين فنهضوا و حاصروا البصرة مع برغش بن حمود فخاف بعض العسكر و فتحوا أبواب السور فندم سليم و بقي في المراكب أياما ثم سلمها و سافر بمركب إلى أبي شهر (1) ...

عزله الوزير و نصب أحمد بك أخاه من الرضاعة متسلما مكانه و جهزه الوزير بجيش فوصل إلى كوت العمارة فتأهب سليم آغا لمقاومته.

و لما كان في هذا المنزل جاءه خبر سقوط البصرة على يد شيوخ المنتفق و أن المتسلم فر في زورق إلى جهة بندر أبي شهر. و حينئذ رخص أحمد بك العساكر التي معه و ذهب هو بنفسه شطا إلى البصرة فانحدر إلى هناك. فدخلها (2).

ورود علي بن محمد السويدي:

و في هذه السنة ورد البصرة الشيخ علي السويدي أرسله الوزير سليمان باشا إلى حمود قبل أن تفتح البصرة، و كان من خواصه الناصحين له. فكف اللّه به عن أهل البصرة ما عسى أن يتوقعوا من حاكمها أحمد بك لكونه غاية في سوء التدبير (3).

عود حالت محمد سعيد:

عاد حالت أفندي من بغداد خائبا فلم يحصل على مطالب الدولة،

____________

(1) مطالع السعود ص 191.

(2) دوحة الوزراء ص 248.

(3) مطالع السعود ص 191.

229

و لم يتمكن من التشويش على الوزير لأنه اتخذ له كل حيطة. و لما رأى ذلك تكتم بمطلوبه الحقيقي و وقف عند الأمر الذي جاء لأجله. و لكنه سير الإدارة من طرف خفي ... و لما جاء الموصل عرض القضية على دولته و مكث يستطلع الجواب. و الإدارة في بغداد معروفة، و يد المماليك الحديدية مسيطرة فلا تحتاج إلى بصيرة، و نفوذ نظر زائد.

حصلت تذمرات من هذا الوزير حين سفره إلى محاربة الظفير.

فتطاول الجيش على قرى كثيرة من ديار بكر، و أضروا بأهليها ذهابا، و على قرى الموصل و أهليها إيابا فاستغاث الجميع منه، و ضيق على الموصليين أثناء قتلة أحمد باشا متصرف الموصل. فقدم العلماء و الأعيان في ديار بكر و الموصل، و الأمراء شكاوى تظلموا فيها من أوضاعه. عرضوها على الدولة و كذا وردت تقارير حالت أفندي ...!!

ذلك ما دعا أن يصدر الفرمان بعزله، و أنه إذا بدا منه ما لا يليق فيجب قتله، و أن يعهد حالت أفندي بالقائممقامية لمن يختاره و يراه أهلا، و أن يقوم بسائر ما يقتضي فزود بسلطة واسعة النطاق تفوق ما تقدمها.

و على هذا خابر عبد الرحمن باشا متصرف بابان. و بينه و بين الوزير مشادة. و مثلها مع متصرف الموصل وجد موافقة من هؤلاء.

و سار مع محمود باشا متصرف الموصل و استصحبا معهما شيخ طيى‏ء فارس الحمد، و أمير شمامك و رجالهما و فرسانهما فتوجها نحو بغداد.

و كذا تلاحقت معهما جيوش عبد الرحمن باشا فأنضموا إلى حالت أفندي فصار الكل تحت إمرته و تجمعوا في كركوك. و التحقت بهم عشائر العبيد و الغرير و قسم من البيات فتابعوهم و اتفقوا معهم ...

فلما علم سليمان باشا بذلك صار يفكر في أمر الدفاع و المقاومة فعين كتخداه فيض اللّه الكهية لمقاتلتهم فنزل (خرنابات) من جهة

230

الخالص و استراح فاتخذ فيها متاريس و أحكم أمرها ... و كذا الجيش وافى لملاقاتهم فضربوا الخيام تجاههم فحصلت بضع مبارزات بين الفريقين و مجاولات فردية تطارد فيها بعض الفرسان ثم تأهب الفريقان للقتال و لازم كل مكانه فلم يحصل تقدم من أحد.

أما حالت أفندي فإنه أخبر خفية الأهلين ببغداد أن الفرمان صدر بعزل الوزير فأثر ذلك ببعض الناس. و كان في مقدمة هؤلاء عبد الرحمن الموصلي. قام بالأمر و تابعه جماعة من الموصليين و بعض البغداديين فاتفقوا بغتة و مشوا على الآغوات و قتلوا آغا الينگچرية السيد إسماعيل آغا و قطعوا رأسه، و على الفور مشوا إلى القلعة الداخلية و ضبطوها و تابعهم الأهلون و مشوا نحو الميدان و بذلك استولوا على القلعة و لواحقها و اتخذوا المتاريس و شرعوا بحرب أعوان الوزير سليمان باشا.

و حينئذ انفصل من الوزير جميع أتباعه و عساكره ما عدا نحو المائتين من آغوات الداخل و من يتصل بهم. فقاوم هؤلاء و اتخذوا المتاريس و تحاربوا من الضحى إلى العصر. و على هذا تغلب أتباع الوزير و فر عبد الرحمن باشا و أعوانه إلى الجيش العثماني و معهم آغا الينگچرية فقدموه إلى عبد الرحمن باشا آل بابان و محمود باشا الجليلي.

و لما شاهد الجيش العثماني ذلك انبعث فيهم الأمل. و لذا لم يبالوا بخصومهم و ذهبوا إلى الجديدة.

و ذهب فيض اللّه الكهية بعسكره إلى بغداد و تبعهم على الأثر جيش حالت فنزلوا بمحل يبعد ساعة عن الأعظمية، و كذا الوزير لم يبق له اعتماد على أحد فعزم على الحرب فخرج بما لديه من قوة في 10 شهر رمضان. و صادفه أعداؤه فتلاقى الجمعان فدامت الحرب و اكتسبت شدة، فلا تسمع إلا إطلاق المدافع و صوت البنادق و القتل و الضرب ...

و في هذه المعركة قتل عبد العزيز بك بن أحمد باشا ابن عم عبد

231

الرحمن باشا، و قتل معه نحو الثمانين من أعوانه أثناء المعمعة. أما الجرحى فكانوا يبلغون نحو المائة و خمسين فانكسر عبد الرحمن باشا كسرة فاحشة جدا و لكن قرب الغروب و تلاحق الظلام حالا دون تعقيبهم و اللحاق بهم. لذا ترك القتال إلى الصباح على أن يستأنف لإتمامه و ذهب جيش الوزير للاستراحة.

أما عبد الرحمن باشا فإنه لما وافاه الليل سكن جأشه و ذهب روعه فثبت مكانه و تراجع جيشه رغم انكساره.

و أدى فيلق الوزير صلاة المغرب إلا أنه اختل نظامه حينما سمع بالفرمان فانحل نصف جيشه بين المغرب و العشاء، و في الليل عاد إلى بغداد، و لم يبال بانحلال جيشه بهذه الصورة و حاول أن يدخل الحرب مع عبد الرحمن باشا فتفرق عنه باقي عسكره و رجع إلى بغداد فاحتار في أمره و أسف لما ناله و لم يبق معه من اتباعه إلا نحو خمسة عشر رجلا (1) ...!!

قتلة سليمان باشا الصغير:

و حينئذ خرج خائفا و ضرب في البادية هائما بيأس و حرمان و مضى لجهة ديالى و غرضه الذهاب إلى شيخ المنتفق حمود فعبر إلى الجانب الشرقي و وصل إلى (عشيرة الدفافعة). فرأت الفرصة سانحة للحصول على السمعة فقتلوا الوزير و قطعوا رأسه فجاؤوا به إلى عبد الرحمن باشا. و لم يفعل من العرب فعلة هذه العشيرة. و من ثم لصق بها العار و أن القاتل علي الشعيب من فخذ البو نجاد (2). و هو جد علي بن شخناب بن إبراهيم بن حمد بن علي الشعيب.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 248.

(2) دوحة الوزراء ص 249 و مجموعة السيد محمود حموشي و مطالع السعود ص 192.

232

و في تاريخ زاده أن أطوار هذا الوالي كانت لا تليق بمهمة الوزارة و أن معاملاته قد خرجت عن حدود الطاعة فعهد بالأمر إلى (حالت محمد سعيد) فقام بالمهمة لإعادة النظام إلى بغداد و بسهولة ثم قتله و ورد رأسه المقطوع إلى استنبول في يوم الخميس 10 شوال 1225 ه فدفعت بقتله غائلة جسيمة (1).

ثم بين أن حالت عمل بعد ذلك لإعادة النظام، و أن عبد اللّه باشا نصب قائممقاما. و لما خول بأن بوجه الولاية إلى من يشاء بفرمان مفتوح و له أن يحشي اسم من أراد، عهد بولاية بغداد إلى عبد اللّه باشا، و أرشده إلى ما يجب عمله لإعادة النظام و عاد (2).

حياة الوزير سليمان باشا القتيل:

إن الوزراء الأخيار قليلون و أقل منهم من راعوا حقوق الأفراد، و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر، و أصلحوا حالة المجتمع ... و هذا أحدهم إلا أن سلطة الحكومة لم تناصره بل لا تريد أن تساعده في مشروع يفسد عليها ادارتها و يكون قدوة مثلى و نتيجة صالحة و إنما بذلت الجهود للقضاء عليه و إحباط مساعيه لا سيما بعد أن عرفت أنه حاول إصلاح القضاء، و السلوك الديني المرضي أتباعا للسلف الصالح، و الطريقة المثلى.

كانت مدة وزارته بانضمام أيام القائممقامية ثلاث سنوات و شهرين و خمسة و عشرين يوما. و عمره نحو خمس و عشرين سنة جاء في الدوحة:

«هو في حد ذاته صاحب مروءة، و ليس له ميل إلى الظلم‏

____________

(1) تاريخ شاني زاده ج 1 ص 406.

(2) تاريخ شاني زاده ج 2 ص 26.

233

و التعدي، و هو بشوش متواضع، رقيق القلب، رؤوف و حليم. و كان وقاد الذهن ذكيا، شجيعا و جلدا، و مقبولا من الكل» اه (1) ...

قال عثمان بن سند:

«و لما تولى الوزارة ... سار سيرة حسناء، في أهل بغداد و الرعناء، و جرى على منهاج السلف في الاعتقاد، و انحرف عن الجور و حاد، و رغب في الفنون الحديثة، و نكب عن الأبحاث الفلسفية، و منع قضاة أعماله عن أخذ العشور و رتب لهم معلوما من بيت المال بانقضاء الشهور و له أشياء حسنة، فطابقت عليها الألسنة، و حظي عنده شيخنا علي بن محمد السويدي العالي الإسناد ... قال: بعد أن أثنى عليه:

و سمعته يقول إنه عباسي النسب فهو على ما قال من أشرف العرب» اه (2) ....

و قال بعد قتله:

«فمذ قتله ذلك الدفاعي، و أخبر بموته الناعي، كثر عليه الأسف، و ذرف عليه كل طرف و وكف، و ندبه الفضل و العدل، و أشمت كل مبغض كل:

بكى الفضل و الانصاف و العلم و التقى‏* * * عليه و زالت كل شمس عن السمت‏

و أصبحت الآفاق تندب مفردا* * * أحض على تقوى و أبقى على سمت‏

فأغصان الفضل بموته ذوابل، و أجفان الفضل عليه هواطل،

____________

(1) دوحة الوزراء ص 248.

(2) مطالع السعود ص 188 و ترجمة الشيخ علي السويدي في غرائب الاغتراب. كان أحد شيوخ أبي الثناء الآلوسي و ذكر اتصاله بالوزير و أنه لا يصدر عن رأيه و هو يسعى في نصحه غاية سعيه. و امتحن بعد قتله بسبب ذلك.

234

و أقمار العدل إذ أفل أوافل. أدرك شمس أبهته الميل بعد الاعتدال، و انحطت بعد غاية الارتفاع إلى الزوال، فبكى عليه أهل بغداد و البصرة، و تزفروا لمصابه زفرة بعد زفرة، لكونه في مكان من الإنصاف، و على سمت لا يوصم بالانحراف، و من مراعاة الأفاضل و الجريان، على منهاج الأماثل، في مكان. لا يطاوله فيه مطاول، أبطل كثيرا من عوائد ذميمة، و أعمل فكره فيما يوجب الفضل تقديمه. فقد منع القضاة مما يوبقهم في النار، و فطمهم عن ارتكاب ما فيه شنار.

و قد ذكر لي محمد أمين مفتي الحلة، من فضله الذي لا يكون إلا في أشراف الجلة، أنه سريع الفهم للأبحاث العلمية، خصوصا في العلوم الحديثة، مع أنه ما قرأ إلا القليل، فرحمه اللّه و أسبغ ظله الظليل» اه (1).

و قال في تاريخ الكولات:

«إن الوزير في حد ذاته ذو أخلاق حسنة، و عدل، و هو صاحب إنصاف و مروءة، متشرع و ذو دين، حليم كريم، و ممن شعارهم العاطفة ... ألغى رسوم التحصيلية، و خدمة المباشرية، و المصادرات، و ضبط المخلفات و أمثال ذلك من الرسوم القديمة و الحادثة، و منع من كافة العقوبات ما عدا الإعدام، و في كل أحواله و أعماله مراع أحكام الشرع الشريف، حتى أنه عين لقضاة بغداد و للنواب و القضاة الآخرين رواتب من الخزانة بدل حاصلاتهم و معيناتهم. و من العجائب أن تلغى هذه الرسوم و تبطل واردات أساسية، و ترفع الغرامات و العقوبات المغايرة للشريعة المطهرة و التعذيب، و السخر و الأذيات ... و مع هذا تتزايد الأموال الأميرية فتبلغ الواردات أضعاف ما تقدمها. و كذا أزال من البين‏

____________

(1) مطالع السعود ص 193.

235

السرقة، و قطع الطرق و ما شاكل من الحالات الفجيعة. و بذلك زال العناء عن الأهلين ... إلا أنه نظرا لحداثة سنه لم ينظر بعيدا في بعض الأمور يضاف إلى ذلك إلقاءات بعض قرنائه فسقط في حب دعوى التفرد فتوالت المصائب المتنوعة عليه من كل صوب لحد أن حالت أفندي المشهور الذي هو من دهاة عصره و من يعد في مقدمتهم اتخذ معه تدابير حكيمة فأخرج بغداد من قبضته و قضى عليه و لم يبلغ حدود الثلاثين من عمره ... ثم ذكر وقعة اليزيدية و الظفير و أنه رجع مخذولا في حربهما ...

ثم قال: إن حركته هذه بفيلق عظيم، و تجاوزه حدود إيالته إلى ايالات أخرى مما أغضب عليه وكلاء الدولة لا سيما أنه لم يقم بما تعهد به من بدل مخلفات سليمان باشا و علي باشا فأهمل الأداء فأرسلت الدولة حالت أفندي الرئيس السابق للمطالبة فوصل إلى بغداد فلم تؤثر في الوزير أقواله فعاد إلى الموصل فمكث فيها ثم كتب إلى عبد الرحمن باشا. و هذا جاءه بجيش يتجاوز العشرة آلاف بين خيالة و مشاة و جلب معه عبد اللّه آغا الخازن و كان في السليمانية. و هذا من عتقاء سليمان باشا الكبير، و له حق السبق بالنظر لأقرانه. فنصبه حالت أفندي (قائممقاما) و توجه إلى بغداد فصار الجيش في أطرافها و حواليها، فحدثت معركة بين جيش الوزير و جيش حالت فكانت وبيلة جدا و لم يدخر أحد منهما وسعا. و أن عبد الرحمن باشا انسحب إلى جانب و ظهرت بوادر النجاح لسليمان باشا و لكن جيشه تفرق عنه بلا سبب ليلا مما ولد حيرة و على هذا سار و معه نحو 15 من آغوات الداخل فعبر نهر ديالى فغدرت به عشيرة الدفافعة. و لذا استولى أسف على الكل حينما علموا بقتله و نالهم حزن عظيم» اه (1) ...

____________

(1) تاريخ الكولات ص 16.

236

و مما يؤثر عنه أنه لم يكتف بإلغاء عشور المحاكم بل أبطل رسم القسام، و الساليانة (الصليان). و محا كثيرا من البدع السيئة و المظالم القبيحة ... و عوض عنها بتخصيصات من الأموال الأميرية.

كان مشفقا على الرعية، رؤوفا بالأهلين إلا أنه كان يتراخى في خدمات الدولة و يتساهل في شأنها أو يتناساها (1) ...

و كل أولئك المؤرخين يعتذرون له بحداثة السن و قلة الممارسة، و أنه لا يزال غير مطلع على الرسوم و القواعد كما هي فأدى ذلك إلى ما أدى. و الحال أن الوزراء السابقين أهلكوا البلاد و العباد لتأمين سطوتهم من جهة، و لإرضاء الدولة من أخرى. و هذا الوزير أراد أن يرفع هذه المظالم و يقوم بإصلاح مهم. فلم يرض دولته و هي لا تريد إلا تمشية أمورها و لا يهمها الأهلون كما أن أرباب الوظائف اعتادوا النهب و السلب باسم (الجباية)، فعادوه و حرم أعوانه الفائدة. فقضى في سبيل العراق و إرادة الخير له ما قضى. فهو من أكبر رجال الإصلاح. و أثره لا ينسى في تاريخ الضرائب و تاريخ القضاء.

ثم إنه قرب علماء بغداد و صالح آل الشاوي و لم يتصلب كأسلافه في البغض للعرب و الكره للأكراد. و هكذا أبعد آل الجرباء لما تبين له من أوضاعهم آنئذ (2).

و من هذا كله يعرف أن من لازمه أو رماه بحداثة السن كان يماشي في ارضاء الدولة و المماليك معا و لكن أعماله تشهد بصفوته. و كل ما يقال فيه قليل. و معاصروه لم ينكروا أعماله الجليلة. و إنما نسبوا له الخرق بلا وجه حق.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 250.

(2) دوحة الوزراء ص 250.

237

وزارة عبد اللّه باشا

إن عبد اللّه آغا حينما عاد سليمان باشا من سفر الظفير أسند إليه بعض الأمور فنفي هو و طاهر آغا إلى البصرة. و بعد بضعة أشهر عفا عنه و أذن له بالمجي‏ء إلى بغداد إلا أنه لم يأمن. فلما وصل إلى قرب القرنة من الجانب الشرقي ذهب مع طاهر آغا إلى (بلاد اللر) من طريق الحويزة ثم وردا إلى السليمانية فأقاما عند عبد الرحمن باشا. و كانت بينهما و بين عبد الرحمن باشا معرفة سابقة. لذا بالغ في إكرام عبد اللّه و التزم جانبه.

و لما جاء حالت لقضاء مهمته أخذه معه إلى بغداد و نصبه (قائممقاما) و أمر بمتابعته، و عند انتهاء أمر سليمان باشا جاء كتخداه فيض اللّه الكهية، و ندماؤه، و آغواته و خازنه إسماعيل آغا و آغوات الداخل فناصروه إلا أن فيض اللّه حينما كان في البلدة رأى أن الأهلين اختاروا سعيد بك بن سليمان باشا لمنصب القائممقامية لمدة يوم أو يومين، و أن الخازن إسماعيل آغا حينما كان الجيش في خرنابات كاتب حالت أفندي و عبد الرحمن باشا خفية و أبدى رغبته في الوزارة. و حينئذ طالبهما القائممقام بخزانة سليمان باشا و بهذه الوسيلة ألقى القبض عليهما و قتلهما.

ثم جعل كتخداه الحاج عبد اللّه بك (أخا أحمد الكهية)، و عزل الحاج محمد سعيد من الدفترية و عين بدله داود الدفتري السابق و هو صهر الوزير سليمان باشا الكبير و كان عزل منها ثم عين طاهر آغا خازنا و كان بمنصب (چوخه دار)، و نصب للينگچرية عبد الرحمن آغا الموصلي (الأورفه لي) (1) الذي جاء برأس السيد إسماعيل آغا (رئيس الينگچرية

____________

(1) و أسرة الأورفه لي في بغداد معروفة منها معالي الأستاذ جميل، و الأساتذة مكي و نوري و سامي.

238

السابق). و بعد أن مكث عبد اللّه باشا في الخارج نحو ستة أيام أو سبعة دخل بغداد فاستقر في القائممقامية.

مضت مدة شهر واحد على هذه الحالة (1).

مشاغبات جديدة:

لم يكن هم حالت الرئيس عزل وزير من المماليك لينصب آخر منهم مكانه بل كان يود القضاء عليهم و تحويل السلطة للعثمانيين و لكنه لم يستطع أن يقوم بالأمر أو أن يصارح عبد الرحمن باشا إذ رآه بعيدا عن ذلك فأراد أن يطحن بعضهم ببعض. و في مدة بقائه في بغداد عرف كبار رجالهم و اتصل بهم دون رقيب فتمكن من بث فكره على لسان غيره في أن (عبد اللّه آغا) إنما جرت رئاسته و نال منصبه بواسطة عبد الرحمن باشا أمير بابان. و هذا تابع إيران فلم يرض به الأهلون، و لا العثمانيون.!

لذا أوعز حالت إلى عبد الرحمن الموصلي آغا الينگچرية أن يحرك الأهلين في دفع عبد الرحمن باشا و عسكره، و عزل عبد اللّه آغا من القائممقامية، و نصب سعيد بك مكانه. اتفقت كلمتهم على ذلك و توجهت رغبتهم.

و ليلا أعدوا أسباب النزاع و اتخذوا المتاريس و قاموا صباحا بالشغب و ثاروا إلا أن العثمانيين و الطوائف الأخرى لم ترغب في متابعة الأهلين. فأكدوا رابطة اتفاقهم مع عبد الرحمن باشا و أظهروا تأييد القائممقام. فدام القتال بين الفريقين من الضحى إلى المغرب و استمر الفريقان في تصلبهم و لكن الأهلين انكسر جمعهم و تفرقوا، و عاد عبد الرحمن الموصلي بالخيبة و اختفى. و نصب للينگچرية قاسم و هو آغا

____________

(1) دوحة الوزراء ص 150.

239

كركوك السابق، و أن القائممقام أصدر أمرا بالعفو عن الجميع.

لم يتزلزل القائممقام من مخالفة الأهلين و أن العثمانيين و سائر العسكر ناصروه و دافعوا عنه أشد الدفاع. فلما رأى ذلك حالت حذر أن يشيع عنه أنه السبب في توليد الشغب. و لما كان أودع إليه الأمر من دولته اختار (عبد اللّه آغا) للوزارة و كانت لديه فرامين لم يحش الاسم بها و أدرج اسمه بها بتوجيه الإيالة برتبة وزارة و قدمه إليه على أن يقرأ في الغد في الديوان المرتب للاحتفال، و حينئذ أعلن ذلك للجميع. بتاريخ 21 ربيع الآخر سنة 1226 ه (1).

قال صاحب المطالع:

«و لما تولى عبد اللّه باشا أعطى عبد الرحمن باشا الكردي من رأيه رسنه، فوقعت بينه و بين الرئيس فتنة قتل فيها من أهل البلد من سل صارمه فيها و سنه، و نجا من وجد للهرب سبيلا، و أما الرئيس فقد كاد يكون قتيلا، فرجع إلى ما رامه عبد الرحمن الكردي و وزيره إذ ضاق خناقه و ذل نصيره فاستقرت الأمور لعبد اللّه باشا» اه (2).

و بعد ثلاثة أيام أو أربعة من نصبه وزيرا هيأ الوزير لحالت أفندي أسباب السفر و سيره إلى استنبول مكرما معززا. خاف أن يحدث غائلة أخرى.

متصرف الموصل:

و بعد دخول العسكر بغداد ببضعة أيام انحرف مزاج محمود باشا متصرف الموصل فتوفي في 18 شوال و دفن في تربة بجوار قبر الوزير

____________

(1) دوحة الوزراء ص 251.

(2) مطالع السعود ص 194.

240

علي باشا كان أعدها سليمان باشا له.

كانت مدة حكمه في الموصل سنة و بضعة أيام، و عمره 33 سنة.

فوجهت إيالة الموصل إلى سعد اللّه بك ابن الوزير الحاج حسين باشا الجليلي برتبة وزارة. و صار متسلم الموصل. حكم في منتصف ذي الحجة و جاءه البشير بذلك في 13 المحرم سنة 1226 ه (1).

غرائب الأثر:

في هذا التاريخ انتهت وقائع غرائب الأثر لمؤلفه ياسين بن خير اللّه الخطيب العمري و النسخة التي بخطه موجودة في خزانة البلدية في الاسكندرية و مخطوطتي منقولة منها. و غالب حوادثه مما يتعلق بالموصل خاصة فهو مهم. فطبعه الأستاذ الدكتور السيد محمد صديق الجليلي في الموصل سنة 1359 ه- 1940 م.

حوادث سنة 1226 ه- 1811 م‏

قتلة سليم آغا و البصرة:

إن الوزير سليمان باشا أبعد كلّا من عبد اللّه آغا و طاهر آغا إلى البصرة فسعى سليم آغا متسلم البصرة آنئذ في انقاذ حياتهما. و حينما ورد الأمر بقتلهما شفع لهما فعفا الوزير.

قتل ظاهر الكهية

في سنة 1226 ه قتل ظاهر الكهية و سليمان آغا كتخدا البوابين‏ (2).

ثم أضمر سليم أن يقوم على الوزير فأعطاهما مالا جمّا و سيرهما

____________

(1) غرائب الأثر ص 123 من المطبوعة.

(2) مجموعة عمر رمضان.

241

إلى ربوع الكرد فلما ملكا قياد الأمر، و توليا زمام بغداد سافر من الدورق و فر إلى أبي شهر ليتقاضى منهما ما أسدى إليهما من جميل فلما وصل إلى بغداد و علما منه المطالبة بالوزارة من حالت أفندي حذرا منه و لم يذكرا الجميل فأمر الوزير بقتله فقتل‏ (1).

وقائع أخرى:

جاء عبد الرحمن باشا بترغيب من حالت إلى جهة بغداد بالوجه المبسوط، و استصحب معه عبد الفتاح باشا متصرف درنة و باجلان إلا أن هذا أبدى إهمالا و ظهرت منه خيانة على ما أشيع فبعد دخول عبد اللّه باشا و استقلاله بالحكم عزل عبد الفتاح باشا و وجه الولاية إلى خالد باشا الباباني تنفيذا لرغبة عبد الرحمن باشا ابن عمه كما أن عبد الرحمن باشا ساعد الوزير و مكنه من الحكم و عزم أن لا يترك جانبه ما لم يأت منشور التوجيه إليه.

و كان لسليمان باشا نوع انتماء ضمني إلى شاه ايران. لذا لم يوافق الشاه أن يقوم بسفر عليه. و بسبب وقعته المعلومة تكدر مما جرى. و على هذا زال المانع بوفاته و من ثم و لما كانت سردشت المعروفة ب (كلاس) من مضافات (صاوق بولاق) و صارت في تصرف العراق منذ ثمانين أو تسعين عاما. و دخلت في حوزة حكام بابان فقد عزم أمير صاوق بولاق و هو بوداق خان على ضبطها و سير له الشاه جيشا فاضطر عبد الرحمن باشا إلى الاستئذان من عبد اللّه باشا للذهاب فأذن له و في 11 صفر عاد إلى دياره.

و في 21 ربيع الآخر ورد منشور الوزارة المتضمن التوجيه بواسطة

____________

(1) مطالع السعود ص 193.

242

علي بك الخاصكي فأجريت المراسيم و الاحتفال المعتاد.

ثم إن عبد الفتاح باشا عزله عبد الرحمن باشا فالتجأ هو و ابنه عبد العزيز بك و توابعهما إلى إيران مضوا إلى كرمانشاه إلى محمد علي ميرزا. و هذا كتب إلى عبد اللّه باشا يرجو منه أن يعيد عبد الفتاح إلى محله. و كان عبد الرحمن باشا آنئذ في بغداد فاعتذر الوزير فلم يشأ أن يخالف عبد الرحمن باشا ...

و بعد ذهاب عبد الرحمن أعاد الميرزا الرجاء و ألح في الطلب و حينئذ كتب الوزير إلى عبد الرحمن باشا فلم يصغ و كتب الميرزا مرة أخرى فأبدى عبد الرحمن باشا اصرارا.

و كذا أمره الوزير بمطالب أخرى فلم يصغ. لهذا كله انقلب الحب بينهما إلى بغض إذ تحقق الوزير أنه مبتن على أطماع، و لم تمض مدة حتى تولدت البرودة و انقلبت إلى كدورة فصار كل ما يأمر به الوزير لا يصغي إليه، و كل ما أراد تمشيته عرقله بخلاف مطالب عبد الرحمن باشا فإنها كانت تروج.

هذا ما دعا أن يتغير عليه عبد اللّه باشا تغيرا تاما. و لذا عزل آغا الينگچرية قاسم آغا و نصب السيد علي آغا قبطان شط العرب سابقا آغا بغداد (1).

و بعد أيام عزل الكتخدا الحاج عبد اللّه بك و نصب وكيلا مكانه الحاج محمد سعيد الدفتري السابق. و بعد شهر نصب طاهر آغا الخازن كتخدا مستقلا.

فكانت هذه التبدلات في الإدارة تشعر بما يضمر لعبد الرحمن باشا.

____________

(1) آغا بغداد، أو الآغا، هو آغا الينگچرية، أو رئيس الينگچرية.

243

عزل عبد الرحمن باشا:

أصر محمد علي ميرزا أن يمكّن عبد الفتاح باشا في زهاو و لذا أصر عبد الرحمن باشا على أن لا يلتفت إلى أوامر الوزير و لا إلى محمد علي ميرزا ... حتى أنه لم يكتف بذلك بل تسلط على بعض الأماكن من سنة مما يجاور شهرزور.

و حينئذ عزم الطرفان على تأديب عبد الرحمن باشا. فوافق الوزير أن يكون بدله خالد باشا الموجود في زهاو. و ساق عليه محمد علي ميرزا نحو ستين ألف مقاتل و على هذا تأهب عبد الرحمن من السليمانية لمقابلته بعد أن جعل ابنه سليمان بك إلى جهة الوزير. و ظن أن قوته مع قوة خالد باشا كافية لصد الإيرانيين. ثم تبين لعبد الرحمن باشا و لم يدر بالاتفاق عليه و أن تكون ديار الكرد لخالد باشا و لما وصل الميرزا إلى محل قريب من زهاو سارع خالد باشا لاستقباله بناء على ايعاز من الوزير و تابعه بعسكره فحينما سمع عبد الرحمن باشا بذلك خاب أمله و لم تبق له قدرة فعاد من المحل الذي هو فيه بأتباعه و أسرته إلى لواء كوى و هناك أعد للحصار عدته و أحكم المواطن و تأهب للنضال.

و لما جاء خبر ذلك إلى بغداد و جهت إيالة بابان و كوى و حرير إلى خالد باشا و أرسلت إليه الخلعة مع الأمر (البيورادي) بصحبة أحد الآغوات أحمد جلبي، و أن محمد علي ميرزا ذهب إلى كوى لمحاصرة عبد الرحمن باشا. ففهم الوزير أن الميرزا سوف يؤثر على الأهلين تأثيرا سيئا فيما إذا استولى على عبد الرحمن باشا كما أنه خاف منه على ديار الكرد لا سيما كركوك و الأماكن الأخرى. لذا ندم على ما فعل فأوعز إلى العشائر هناك لمناصرة عبد الرحمن باشا بحيث لا يدع مجالا لإيران في التوغل ...! و من ثم اطلع الميرزا على نوايا الوزير و خشي أن يقع ما لا يحمد ...

244

و على هذا طلب المصالحة مع عبد الرحمن باشا على أن تكون له كوى و حرير، و أن يكون لواء بابان لخالد باشا، و أن يكتفي منه ببعض الهدايا و في خلال الخمسة عشر يوما التي حاصر بها عبد الرحمن باشا لم يؤثر ذلك التأثير الملحوظ فقفل راجعا إلى كرمانشاه و لم يتمكن من قهر عبد الرحمن باشا. لأن رجال عبد الرحمن باشا يقدرون بسبعين أو ثمانين من البابانيين فأبدوا من البسالة و الشجاعة ما لا يوصف‏ (1).

حوادث سنة 1227 ه- 1812 م‏

عبد الرحمن باشا:

وجهت إلى عبد الرحمن باشا ألوية كوى و حرير، و إلى خالد باشا لواء بابان ثم عاد الميرزا فأقام خالد باشا في السليمانية و قنع عبد الرحمن بما في يديه إلا أنه بعد ثلاثة أشهر تحرك بتسويل من بعض مقربي الميرزا فقام من لواء كوى إلى ما بين السليمانية و كوى باسم أنه يتصيد و مضى إلى أنحاء السليمانية بغتة فسمع خالد فتوهم أن ذلك كان بإذن من الميرزا كما أنه لقلة جموعه لم تكن له قدرة على الحرب. فترك السليمانية و توجه نحو زهاو و منها ذهب إلى مندلي و أخبر بغداد بما وقع.

و من ثم عزم الوزير في الحال على السفر و جهز جيوشه. أما عبد الرحمن باشا فإنه دخل (سرچنار) فمكث فيها و عرض القضية على الوزير فرأى الوزير أن السفر مخاطرة و فيه مجازفة و يخشى العاقبة فتحاشى لا سيما الموسم موسم الشتاء و البرد القارص و أن من المصلحة العدول عن الحرب و مساعدة معروضاته و السكوت عن أعماله فأبدى الرضا و القبول منه و أضاف إليه السليمانية ضميمة إلى لواء كوى و جلب خالد باشا إلى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 253.

245

بغداد و خصص له مندلي لإدارته‏ (1).

سفر الوزير على عبد الرحمن باشا:

أخذ عبد الرحمن يتمادى في أعماله و يتجاوز على بعض القرى و على الرعايا حتى أنه حاول الاستيلاء على إربل و قراها و تطاول على قرى كركوك، لذا عزله الوزير و وجه لواء بابان إلى خالد باشا و جعل ألوية كوى و حرير إلى سليمان باشا و تأهب للسفر عليه فنهض من بغداد في 21 جمادى الأولى و سار نحو لواء السليمانية. أما عبد الرحمن باشا فإنه أبدى تجلدا فتلاقى الفريقان في محل قريب من (كفري). رتبا صفوفهما و استعرت الحرب و ضاق الأمر.

و في ساحة القراع بدا الانكسار في العشائر و بعض العثمانيين و لم يبق سوى جيش الوزير و أعوانه، و المدفعية و البندقيين من عقيل و بعض البابانيين الموجودين. و في هذه المعركة أبدى داود الدفتري من البسالة ما يفوق الوصف، و قام يحرض القوم و يحضهم على المصابرة. و لم تمض مدة حتى ظهرت علائم الفوز في جيش الوزير فتغلب على عبد الرحمن باشا.

و قتل في هذه الحرب خالد بك من إخوة عبد الرحمن باشا و كثيرون و تفرقت سائر الجيوش و استولت الحكومة على الخيام و سائر الأموال و المعدات.

إن الوزير بقي هناك مدة ثلاثة أيام ثم توجه نحو كركوك. فاتهم بالخيانة كلّا من متسلم كركوك خليل آغا آل صاري مصطفى آغا، و قاضيها عبد الفتاح، و محمود بك الزعيم (ميرالاي)، و قاسم آغا و كان آغا بغداد و ثلاثة من أعيان شمر و شيخهم (شاطي) و كان مد يده على‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 254.

246

مؤونة الفيلق يوم المعركة. و علم أنهم اتفقوا في الخفاء مع عبد الرحمن باشا فألقي القبض عليهم و نالوا ما يستحقون من عقوبة.

ثم سار الجيش من كركوك إلى جهة إربل، و إن والي الموصل سعد اللّه باشا كان قد أمر بفرمان أن يتابع الوزير و أن يكون بصحبته فتخلف و تحقق أنه كاتب عبد الرحمن باشا في السر. لذا عزم الوزير أن يذهب إلى الموصل من أجل ذلك فجاءه بهدايا و طلب العفو منه واجهه في (نهر الضرب) (1) و قدم معاذيره فعفا عنه ثم أعاده إلى الموصل.

و رجع هو إلى بغداد.

و لما وصل الوزير منزل كفري جاءه خالد باشا متصرف بابان بهدايا فأذن له بالعودة. أما عبد الرحمن باشا فقد فر إلى كرمانشاه.

و في هذه المرة التزم محمد علي الميرزا جانبه فوصل كتابه فلم يصغ إليه الوزير و أجابه بجواب موافق للحالة. و لما وصل الجديدة ورد خبر فرار سعيد بك بن سليمان باشا الكبير. خاف من الوزير على نفسه و أشاع أنه ذهب لاستقباله. و بهذه الوسيلة مال إلى المنتفق.

و على كل دخل الوزير بغداد في 29 (2) رجب. و مدة هذه السفرة شهران و عشرة أيام‏ (3).

حركة محمد علي ميرزا:

إن الميرزا رعى جانب عبد الرحمن باشا. و رجا مرات من عبد اللّه باشا أن يعاد فلم يصغ فنهض من كرمانشاه و توجه نحو قزلرباط فانتهب بعض الأماكن و شتت الأهلين من ديارهم.

____________

(1) كذا في الدوحة و هو (نهر الزاب) فجاء غلط ناسخ ص 255.

(2) في مطالع السعود دخل بغداد في 19 رجب.

(3) دوحة الوزراء ص 256.

247

أما الوزير فقد عزم على مقارعته إلا أن سعيد بك بن سليمان باشا الكبير قد ذهب إلى المنتفق فخشي أن يكون للدولة يد في خروجه. و لذا عدل عن عزمه و اضطر إلى قبول تكاليف الشهزاده و صالحه فعزل خالد باشا و سليمان باشا و وجه ألوية بابان و كوى و حرير إلى عبد الرحمن و تعهد بمقدار من المبالغ للشهزاده حتى يعود و أدى منها النصف و أعطى سندا بالباقي.

و جاء في تاريخ ذلك كما نطق بها الشيخ علي الموسوي:

(كل من تلقاه يشكو دهره)

فكان سنة 1227 ه.

و على هذا عاد الشهزاده. و من ثم دعا خالد باشا و سليمان باشا إلى بغداد و أعطى لخالد باشا مقاطعات مندلي و خانقين و علي آباد و لسليمان باشا مقاطعات شهربان و بلدروز (1).

المنتفق- سعيد بك:

أوضح أن سعيد (2) بك بن سليمان باشا استولى عليه الرعب من الوزير و خشي أن يصيبه منه ضرر ففر إلى المنتفق. و ذلك حينما بلغ الوزير الجديدة فأقام لدى شيخ المنتفق، و لم يكن له مطامع و إنما أراد أن يتخلص من الغائلة التي توهمها.

أما الوزير فإنه حمل ذلك على محمل آخر فكان ذلك داعية التساهل مع ايران ... فقرر لزوم القبض عليه فنهض من بغداد بجيش‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 256.

(2) سعيد بك جاء عنه أنه أسعد و لعل أصل اسمه أسعد ثم اشتهر ب (سعيد). و على هذا صاحب الدوحة و المطالع و على الأول صاحب غرائب الأثر و تاريخ شاني زاده ج 2 ص 188 و 306.

248

عظيم في 27 شوال. و في مطالع السعود أنه سار في أول ذي القعدة (1).

قال في الدوحة: و لما كانت في ذمة عشائر الدليم مبالغ وافرة من الميري ذهب لاستحصالها فبقي في الفلوجة بضعة أيام و استوفي منهم ما تمكن ثم توجه نحو الحلة، و منها إلى الحسكة و أن قلة الزاد و الأرزاق مما أدى إلى اضطراب الجيش فمكث بضعة أيام ليتدارك الأمر فظهرت المخاطر من جهات عديدة فحاول رجال الوزير و المقربون إليه عذله عن سفره فلم يفلحوا. و إنما نهض نحو المنتفق‏ (2).

حوادث سنة 1228 ه- 1813 م‏

تمام الوقعة:

و من ثم اجتازت الجيوش البراري و القفار و قطعت الأنهار و اقتحمت المخاطر حتى وصل الوزير إلى قريب من المنتفق فسمع أن حمود الثامر أيضا توجه لمقارعته، فجمع نحوا من عشرين ألفا بين فرسان و مشاة فنهض من محله و نزل بعيدا عن سوق الشيوخ بنحو ساعتين منتظرا وصول الوزير.

اتخذ طريق العذل و الاستعفاء عن التقصير بإرسال السفراء و تلطف في رسائله فلم يلتفت الوزير. و في غرة صفر تقدم على شيخ المنتفق وصف صفوفه فاضطر الشيخ على الدفاع ... فتقاربوا إلى محل يقال له (غليوين). و حينئذ ترامى الفريقان من الضحى إلى وقت الظهر بالمدافع و البنادق و سائر الأسلحة النارية و كل فريق تأهب للهجوم على الآخر.

و نظرا لما أثاره الوزير من النيران الحامية تفرق شمل المنتفق، و انتثر عقدهم، و انهزمت جموعهم الواحد بعد الآخر ... و لم يبق إلا

____________

(1) مطالع السعود ص 195.

(2) دوحة الوزراء ص 257.

249

القليل و معهم سعيد بك تجاه الوزير. و كانت طائفة من العثمانيين في خدمة والده سابقا فأرادت أن تقوم بمساعدته تجاه انعامات والده لها.

فراسلته لتكون معه فمالت إليه و لحقت به. و كذا العشائر ممن كانوا مع الوزير. اغتنموا بها الفرصة فانتهبوا أثقال الجيش. و ذهبوا و لم يبق مع الوزير إلا نحو مائتين من اتباعه و معه كتخداه طاهر الكهية، فبقي محتارا في أمره و ندم على ما فعل.

لذا عزم الوزير على العودة و لكن المنتفق انتشروا فأحاطوا به فلم يجد له مخرجا. و حينئذ ظهر أخو حمود و هو محمد السعدون مع نحو مائة فارس فصاحوا بالوزير:

لك الرأي، لك الرأي ...!

أخذ الوزير مع كتخداه إلى خيامهم الحربية و بعد ليلة أتوا بهما إلى سوق الشيوخ. و بعد يوم أو يومين مات برغش بن حمود الثامر و كانت اصابته جراح في المعركة فادعوا أن سليمان‏ (1) آغا كهية البوابين جرحه فأخذوه من سعيد بك و أرسلوه إلى سوق الشيوخ و قتلوا الثلاثة هناك.

فجاؤوا برؤوسهم إلى سعيد بك‏ (2).

و في مطالع السعود: كان مع الوزير في هذه الحرب الشيخ مشكور شيخ ربيعة. و هذا التقى مع صالح بن ثامر من المنتفق فقتل في المعركة.

و كان قبل هذا عزل حمودا من إمارة المنتفق و نصب مكانه نجم ابن عبد اللّه بن محمد بن مانع أخا ثويني.

و لما قتل الشيخ مشكور زحف الوزير بعسكره و كان قادة الجيش قد وجهوا همهم نحو سعيد بك ثم حمل كل منهما على الآخر و انهزم كثير

____________

(1) هو جد سالم بن محمد آغا.

(2) دوحة الوزراء ص 257 و مطالع السعود ص 197 و فيه تفصيل.

250

من أتباع حمود و صدق الحملة برغش بن حمود بن ثامر فطعنه بعض الفرسان من عسكر الوزير و حمل على ابن ثامر و يقال إنه هو الذي قتل نجم بن عبد اللّه المنصوب من جانب الوزير شيخا على المنتفق.

و لما كادت عشيرة حمود تولي الأدبار أدبر آل قشعم من جماعة الوزير فسقط في يد الوزير و طاهر كهية و من معهما فطلبوا الأمان من حمود فأعطاهم و لم يف لهم بالأمان فإن عشيرته نهبت العسكر و لم تبق لواحد منهم ما يستر عورته و أسر الوزير و طاهر كهية و معهما ثالث (سليمان آغا) و ذهبوا بهم إلى سوق الشيوخ. فلما مات برغش من تلك الطعنة خنقهم راشد بن ثامر و بعد ما قبروا أخرجوا فقطعت رؤوسهم‏ (1).

ترجمة عبد اللّه باشا:

كان من مماليك سليمان باشا الكبير اشتراه أثناء متسلميته البصرة، و كان أميا، بسيطا إلا أنه جواد كريم و شجاع. كان بذل جهده لإرضاء الدولة و مراعاة مصالحها (2) ...

لامه المؤرخون على ارتباكه من فرار سعيد بك فلم يهدأ له قرار و حاذر أن يقوم عليه في حين أن حالت أفندي بذر هذه البذرة للتفرقة.

و كان ذلك لغرض سياسي أهم من الوزارة فأراد أن يتناحر المماليك ليتيسر للدولة القضاء على حكومتهم بسهولة.

قال في الدوحة:

«إنه من مماليك سليمان باشا الكبير. و عاش بنعمته، و أن عمره نحو الخمسين عاما و مدة وزارته مع أيام قائممقاميته سنتان و خمسة أشهر و ثمانية عشر يوما.

____________

(1) مطالع السعود ص 153.

(2) تاريخ الكولات ص 17.

251

و هو عارف كامل و عالم فاضل و له وقار و هيبة، كان جسورا، لا يلحقه أحد في الجود و الكرم» اه (1).

وزارة سعيد باشا

أيامه إلى حين وزارته:

هو ابن سليمان باشا الكبير. ولد سنة 1205 ه و عمره حين وفاة والده (12 عاما). و لم يكلفه بعمل ما نظرا لصغر سنه. و من وفاة والده إلى أيام عبد اللّه باشا اختار الراحة في داره، و إن الوزراء بناء على أنه ابن الوزير لم يقربوه لمناصب الحكومة، و لم يطمح هو إليها.

و بعد وفاة سليمان باشا القتيل تولى القائممقامية بترغيب من فيض اللّه الكهية لمدة يوم أو يومين ثم نفض يده منها و قعد في بيته كالأول.

و لم يخطر بباله تعهد رئاسة، أو رغبة في الحكومة. و لكن بعد ميل الأهلين و اختيارهم له مع فيض اللّه توجهت الأنظار إليه فصار محل التهمة و مظنة الرغبة في الرئاسة. لذا شاهد من عبد اللّه باشا سوء قصد نحوه. و لمجرد انقاذ حياته و خلاصه من هذه الورطة خرج من بغداد و فر إلى المنتفق ...

لذا قام عبد اللّه باشا و جهز جيشا على المنتفق فوقع ما وقع.

فالتحقت الجيوش بسعيد بك و مالت نحوه فتابعه الكل فقبل الرئاسة ضرورة نزولا عند رغبة هؤلاء و صار يناضل جهده فبقي هناك إلى نهاية صفر ثم تحرك في أوائل ربيع الأول سنة 1228 ه و توجه نحو بغداد بصحبة حمود الثامر. و كان في بغداد آغا الينگچرية السيد عليوي و هو معروف بالتحريكات لا يهدأ له أمر و لكن القائممقام درويش محمد آغا كان صاحب تدبير، لذا دبره مدة و طمأنه.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 258 و مطالع السعود ص 152.

252

قائممقاميته:

و عند وصول سعيد بك إلى الدورة فرح الأهلون به فاستقبله العلماء و الأعيان فدخل بغداد في 15 من شهر ربيع الأول بأبهة عظيمة و جلس في منصب القائممقامية.

و حينئذ كتبت عريضة و دون محضر في ترشيحه للوزارة. و لما وصل المحضر و العرض وجهت الدولة إليه وزارة بغداد و البصرة و شهرزور رعاية للحقوق القديمة فوردت إليه البشرى مع الحاج حسين آغا التوتونچي باشي لكتخدا الباب في غرة جمادى الثانية، و في 15 شوال و وردت الفرامين و التشريفات مع محمد آغا معتمد حالت محمد سعيد فسر بذلك و أجرى الاحتفال المعتاد (1).

تبديل بعض المناصب:

إن الوزير حينما انحاز إليه الجيش في وقعة (غليوين) و تابعه أبقى كلّا من أرباب المناصب في محله و قرر أن يكون داود الدفتري وكيلا عن الكتخدا، و عمر آغا الملي الباش آغا السابق كهية البوابين، و عزل رستم آغا متسلم البصرة و نصب السيد سليمان الفخري مكانه.

قال في الدوحة: إن داود حين ورد بغداد قدم استقالته لما تفرس في الوزير أنه سوف لا يتمكن من تدبير الحالة، و لا يتصرف تصرفا قويما كما استدل من بعض القرائن فعين وكيلا بدله بعد أن دخل بغداد درويش محمد آغا آل الحاج سليمان آغا و باشر في وظيفته‏ (2).

و جاء في تاريخ الكولات أنه من حين تولى الإدارة عهد بالكتخدائية لزوج أخته داود و هذا قبض عليها بكليته فلما وصل إلى‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 259 و تاريخ شاني زاده ج 2 ص 188 و 306.

(2) دوحة الوزراء ص 259.

253

بغداد عزله بلا سبب ظاهري و أبعده عن الإدارة و الصواب أن والدة الوزير ألحت عليه بلزوم عزله و أصرت فاضطر أن يعزله. و قالت: هؤلاء اعدائي من أيام والدك‏ (1).

و ذكر أنه أبقى أهل المناصب كلّا من منصبه ممن كان زمن عبد اللّه باشا و لكنه عزل خليل آغا الخازن و عين لطف اللّه آغا مكانه نظرا لحقوقه القديمة حينما كان في المنتفق كما أنه عين خليل آغا متسلما لكركوك.

و كان أيضا وعد السيد خضر آغا الموصلي الذي هو آغا القرنة فجعله (آغا بغداد) نظرا لإخلاصه له و لما رآه منه في وقعة (غليوين). و رأى من المصلحة عزل السيد عليوي و لكنه لم ير من المناسب عزله حين دخوله بغداد فأرجأ أمر ذلك إلى وقت آخر. أما السيد عليوي فإنه فضلا عن أعماله السابقة صار يتفوه ببعض الأقوال و يندد بالوزير و أعماله. تحقق ذلك منه فعزله حالا و أجلاه إلى البصرة و عين مكانه السيد خضر آغا الموصلي‏ (2).

و عندي رسالة فيها قصائد مرتبة على حروف الهجاء في مدح الوزير. جاء في مقدمتها كلام على انتصاره على أعدائه ... و سماه محمد سعيد باشا بن سليمان باشا و أن هذه الرسالة للسيد (سعدي) جد (آل السعدي) المعروفين في بغداد كما أن للأستاذ علي علاء الدين الموصلي قصيدة مدحه بها.

وفاة عبد الرحمن باشا بابان:

تواترت الأخبار بوفاة عبد الرحمن باشا فكان المأمول أن يعين مكانه أحد الباشوات الموجودين في بغداد من البابانيين و عقب هذه‏

____________

(1) تاريخ الكولات ص 18 و فيه تفصيل.

(2) دوحة الوزراء ص 259.

254

الإشاعة جاء رسول خاص يخبر بوفاته و أنه في ساعة وفاته أجمع عموم البيگات و الآغوات و جمهور المشايخ و السادات و العلماء و العشائر و سائر الرؤساء و مختاري القرى على اختيار ابنه محمود بك و قلدوه الرئاسة.

و أنهم يلتمسون توجيه إيالة ديار الكرد إليه و على هذا وجهت ألوية بابان و كوى و حرير إليه برتبة (باشا) و أرسلت إليه الخلعة و الأمر (البيورلدي) (1).

الخزاعل:

كان شيخ الخزاعل من مدة مصرا على العصيان و أن جوره بلغ حده. و لذا عزم الوزير على التنكيل به فجهز عليه الجيوش. و في 11 ذي الحجة سار فوصل إلى الحلة و لكن المعدات لم تكن متناسبة مع حالة الخزاعل و لا قام بكل ما يجب إعداده فنصب خيامه في الحلة.

حوادث سنة 1229 ه- 1814 م‏

الخزاعل أيضا:

تبين للوزير نقص المعدات فتوقف في الحلة و لكن النقص لم يكن مقصورا على عدد الجيش، أو نقص في المتاع و إنما هو نقص في حسن الإدارة. و لذا عزم على العودة و غرضه التوقف إلى أن يظهر ما يدعو فيتخذ وسيلة فأقام في الحلة.

أما الكتخدا و سائر (أهل الحل و العقد) فقد أرادوا أن يستروا عيوب الوزارة فاتخذوا الروية و راسلوا شيخ الخزاعل. ساقوه إلى أن يتعهد بالميري و أبدوا للوزير السطوة فأظهر الطاعة و تعهد بأداء الميري،

____________

(1) دوحة الوزراء ص 260.