موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج6

- عباس العزاوي المزيد...
432 /
305

الكرد. وصل إلى بعقوبة في 28 آذار، فذهب إلى قصر شيرين و عاد في 8 نيسان ثم إنه في نهاية نيسان سنة 1820 م- 1235 ه اصطحب زوجته ماري و سكرتيره (بليّنو) و هو ألماني من أصل ايطالي، و أحد الأطباء و السيد محمد المنشي البغدادي و سماه السكرتير الفارسي مع حاشية كبيرة من الخدم و الحرس. و كان معه (ميناس) الأرمني. و هو جد ميناس الأرمني المتوفى سنة 1948 م و كان الترجمان الأول للمقيمية. فأصدر الوالي أمره بلزوم العناية بهم إلا أنه ندم على ما فعل، فأوجس خيفة من هذه الرحلة و أن يجوسوا خلال الديار و فسرها بأنه يريد اثارة الفتن و القلاقل و في 12 آذار سنة 1821 ه- 1236 م عاد إلى بغداد. فاشتد الخلاف بين الوزير و بينه إذ منع التجار من إصدار الأموال و جلبها أو أنه أمر السفن أن لا تذهب إلى الهند و لا تأتي منها فاتخذ الوالي التضييق عليه حتى أحرجه على الخروج من بغداد. و لم يأذن له بهذا الخروج حتى تعهد بأنه ذهب باختياره و من تلقاء نفسه. و كانت جنود الوزير محيطة بالمقيمية معلنا أنه يقصد سلامة المقيم حذر أن يناله من التجار الهائجين ضرر.

دونت رحلة المقيم البريطاني في مجلدين و فيها تفصيل أحوال الكرد و ما مر به من مواطن‏ (1). كما أن السكرتير الفارسي السيد محمد ابن السيد أحمد الحسيني كتب رحلة بذلك أيضا و كانت مختصرة و فيها ما يزيد من بعض الوجوه على رحلة المقيم البريطاني‏ (2).

____________

(1) نقلها معالي الأستاذ بهاء الدين نوري إلى العربية و طبع المجلد الأول منها سنة 1951 م في مطبعة السكك الحديدية ببغداد.

(2) هذه رحلة المنشي البغدادي كتبها بالفارسية و نقلتها إلى العربية. طبعت بتعليقات سنة 1367 ه- 1948 م في مطبعة شركة التجارة و الطباعة ببغداد.

306

حوادث سنة 1236 ه- 1820 م‏

ورود مدافع و مهمات حربية:

وردت بغداد مدافع و معدات حربية من استنبول مع أفراد مدفعيين و عرباتيين نظرا لما رأته من الضرورة لحراسة العراق سواء في حدوده و ثغوره، أو غيرهما. و ذلك أن الدولة أرسلت خمسة عشر مدفعا سريعا مع مدفعيين و عرباتي واحد و أفراد آخرين يصلحون للعمل و معدات كثيرة و أدوات وافرة و لوازم وافية ... جاءت بصحبة مصلح الدين أحد رجال السلطان محمود فوصلت في غرة صفر فأجري لها الاحتفال و أذيع أمرها (1).

قصر الوزير:

أمر الوزير باتخاذ حديقة في الفريجات من ناحية الأعظمية غرس فيها من الأشجار المتنوعة و اتخذ فيها قصرا فخما جامعا للطافة و الزينة على أبدع أسلوب معماري. و كتب صاحب الدوحة قصيدة في تاريخ بنائه باللغة التركية (2).

تعمير باب السراي:

أمر الوزير بتعمير باب السراي لأنه عاد لا يليق و جعله واسعا، و جعل عن يساره برجا فمدح صاحب الدوحة الوزير بقصيدة تركية (3).

عمل مضخة:

ورد امرؤ من إيران يدعى ميرزا عبد المطلب فأبدى أنه عمل‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 320 و مطالع السعود ص 242.

(2) دوحة الوزراء ص 321.

(3) دوحة الوزراء ص 323.

307

طلومية (مضخة) ترفع المياه و تغني عن الكرود و البكرات المعتادة فعرض القضية محمد المصرف على الوزير فأمر أن يقوم بأعمالها. و لما تم العمل أخبر الوزير فشاهدها الكل فعجبوا من هذا الصنع. و على هذا نال خلعة و أنعم عليه بإكرام جزيل و أن يقيم في بغداد ليتعلم سائر الناس منه و أجرى له راتبا.

سميت هذه الطلمبة إضافة لنجل الوزير طورسون يوسف فسموها (چرخ يوسف) أي دولابه و نظم صاحب الدوحة قصيدة تبين تاريخ عملها (1).

تعمير السراي:

أمر الوزير بتعمير السراي مراعيا فيه النقوش و التزيينات و الإتقان المعماري. فدامت التعميرات نحو ثلاثة أشهر فتم بالوجه المرغوب فيه فأجريت مراسيم الافتتاح و فرش بأنواع الفرش و جلس فيه الوزير و تقدم الشعراء في وصفه و أرخوا بناءه. و صاحب الدوحة ممن أرخه. و من ثم صار (ناظم التواريخ) ...

وقائع أخرى:

1- إن محمد باشا ابن خالد باشا بعد العفو عنه داخلته الوساوس فجمع أعوانه و فر إلى إيران إلى الشهزاده. و لما علم الوزير أن ذلك كان بإغراء من والده خالد باشا و أنه ينوي اللحاق به ألقى القبض عليه و حبسه.

2- سبق أن يحيى آغا الخازن خذل في حرب الصقور و لوحظ أن ذلك لم يكن نتيجة إهمال و غفلة و إنما أشيعت عنه اشاعات غير مقبولة

____________

(1) دوحة الوزراء ص 325.

308

فعزل و وجهت إليه مقاطعة (تازة خورماتي) في أنحاء كركوك و أماكن متعددة في أطراف بغداد، و نال انعامات وفيرة. و بالرغم من ذلك ارسل الشهزاده إليه من يغريه و يحضه فنزل من الطاق باسم الصيد فجاء إلى أطراف زهاو (زهاب) و باديتها و تجول فيها تنفيذا لنواياه. و كان يترقب الخازن الفرص و باح بسره لبعض محبيه فأخبر الوزير خفية فأمر بإحضاره و إلقاء القبض عليه و كان من المحتمل أن يكتفي بحبسه و لكنه حينما أخذ للحبس و كان في ساري الكتخدا سل خنجره و جرح بعض الموكلين بالمحافظة عليه فلم يجد طريقا للخلاص فزج في السجن هو و من ساعده اثناء الحادثة فقتل. و من أراد الوزير الوقيعة به اختلق له الأسباب.

3- أظهر الوزير الذهاب إلى قصره في الفريجات و من هناك أبدى أنه عازم على الصيد و نصب خيامه بعد منزل واحد فأرسل أحمد بك مع ألفي جندي إلى إربل لنشر آثار سطوته هناك.

سمع الشهزاده بالخبر و في الحال ابدل طوره و أراد أن يخفي حاله فأبدى خلاف ما عرف عنه و أظهر أنه مخلص للوزير و أرسل بعض التحف إليه توددا و صداقة. ثم لوى عنان عزمه و عاد لمقره. و حينئذ قضى الوزير بضعة أيام في الصيد و أخفى هو أيضا نواياه ثم رجع‏ (1) ...

4- إن سليمان باشا بن إبراهيم باشا متصرف بابان سابقا كان يرعاه الوزير و الظاهر أنه كان بينه و بين يحيى آغا موافقة في الخفاء لذا حذر أن ينكشف أمره فانهزم إلى الشهزاده. أما خالد باشا فقد دققت أحواله فظهر أن لا دخل له في القضية فعفا عنه الوزير و أكرمه و أطلقه من السجن.

و في سنة 1234 ه مرّ أن عبد اللّه باشا متصرف بابان سابقا كان‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 326.

309

اتفق مع محمود باشا و أرسل إليه على أن يوليه كوى و حرير و لكن لم يوافق مصلحته أن يجعله بعيدا عنه. لذا لم يعطه اللواء المذكور و خصص له عائدات توازي هذا اللواء و امتزج معه لبضعة أشهر إلا أن عبد اللّه باشا ظهرت منه علائم الخيانة و تبين منه ميل إلى الفرار لجهة الشهزاده فاضطر محمود باشا إلى إلقاء القبض عليه و سجنه.

و بعد أن بقي شهرين أو ثلاثة في السجن رق عليه أخوه فأطلق سراحه بعد أن أخذ منه العهود و الأيمان المغلظة و خصص له بعض المحال الكافية لإدارته. و لكن لم تؤثر فيه الأيمان و لا راعى المواثيق.

فحينما خرج من السجن كاتب الشهزاده فاختلس فرصة و فر بنحو مائة أو مائتين من أتباعه لجهة ايران‏ (1).

تجاوز إيران حدود العراق:

مال قسم من امراء ديار الكرد إلى إيران و هم محمد باشا بن خالد باشا و سليمان باشا بن إبراهيم باشا، و عبد اللّه باشا أخو عبد الرحمن باشا فاجتمع هؤلاء في كرمانشاه لدى الشهزاده فتولد فيه أمل التسلط على أنحاء مهمة من العراق. لذا سير هؤلاء ما عدا سليمان باشا إلى ناحية زهاو و تجاوزوا الحدود فأشعلوا نيران الفتنة، و أن الشهزاده توجه نحو أبيه إلى طهران ليخفي هذا العمل فيما إذا عاتبه الوزير.

و إن محمد باشا بعد أن وصل إلى زهاو أغار على جهة قولاي و خانقين و علي آباد فدمر الأهلين هناك و انتهب أموالهم و مواشيهم و أضر بهم أضرارا كبيرة ثم عاد إلى جهة زهاو.

فلما سمع الوزير بالخبر سير مقدارا من الجيش فحاول اللحاق به و لكن المسافة كانت بعيدة جدا فلم يتمكن من الوصول إليه و عاد.

____________

(1) دوحة الوزراء ص 327.

310

و على هذا عرض الوزير الأمر على الدولة و أطلعها على ما وقع و طلب الترخيص فيما إذا تجاوزت إيران الحدود و اعتدت على العراق و طلب قوة تساعده و أنه في الحال الحاضر مثابر على محافظة الثغور ...

و من جهة أخرى أمر (بلوك باشي بيارق الخيالة) عبد الفتاح آغا أن يرجع من بني لام حالا و يسير إلى جهة زنگباد مع البيارق التي معه ...

و كان الوزير في تبصر من جهة العراق و إيران، و يتوقع ما سيحدث، و أنه في انتظار أمر الدولة.

و لما وصلت عريضته إلى استنبول اهتمت الدولة للأمر إذ إنه مما لا يجوز التساهل أو التهاون فيه. و لذا صدر الفرمان بلزوم محافظة الثغور و التأهب للطوارى‏ء، و أن تجهز الجيوش و تعد القوى ...

و أول ما قام به الوزير أن سير (البلوك باشي) إلى أنحاء زنگباد و معه نحو 1500 من الخيالة و مكث في هذا المحل ...

و علم أن الشهزاده عاد من طهران إلى جهة كرمانشاه و حينئذ وجه إيالة ديار الكرد إلى عبد اللّه باشا و أنه شرع في إخراج محمود باشا من السليمانية باتخاذ ما يجب من الأعمال.

وردت رسائل من محمود باشا و من غيره من الأنحاء الأخرى تنبئ بذلك مما بلغ حد التواتر ... أما الوزير فقد رشح محمد الكهية لتجهيز الجيوش و جعله قائد الحملة على ايران. و حينئذ تعين أن يقيم في زنگباد و يتخابر مع محمود باشا و أن يعاضد الواحد الآخر، و يأتي بسرعة لإمداده.

و على هذا نهض الكتخدا من بغداد بمهمات كثيرة و جيش جرار في 13 رمضان فالتقى (بباش آغا) في مقاطعة (كوكس) من زنگباد. ثم تلاحقت العساكر و نصب خيامه في (شيروانه) (1) أربعين يوما.

____________

(1) قلعة واقعة على ديالى معروفة بهذا الاسم و الآن ناحية من نواحي كفرى.

311

و في هذه المدة اتخذ الشهزاده جميع المكائد لعزل محمود باشا و نصب عبد اللّه باشا و سيره إلى السليمانية و جهز معه أربعة آلاف جندي أو خمسة آلاف أما محمود باشا فإنه استمد بالكتخدا و طلب أن يوافيه.

و لذا تحرك من (شيروانة) و توجه إلى ديار الكرد فوصل إلى (بازيان) إلا أن عبد اللّه باشا منعه أن يعبر ديالى و يوافي (خواجايي) من أعمال گلعبر (حلبجة) الواقعة في منتهى حدود شهرزور. فتمكن من تشتيت شمل القرى كما أنه استطاع أن يجذب (أمير الجاف) كيخسرو بك إليه في حين أنه كان بمثابة قوة الظهر لمحمود باشا، و كذا تمزق باقي أتباعه فانحل نظام جماعته.

أما الجيش فقد بقي بعيدا عن السليمانية بمسافة ثلاث ساعات من جانبها الآخر في محل يقال له (تپه رش) (1) قرب بازيان. و بهؤلاء قوي الأمل و ثبتوا. و تقدم الجيش إلى جهة السليمانية ببعد ساعة و نصف قريبا من قرية (باريكة) (2) في الجانب الآخر من وادي (تاجرود) (3). و أن محمود باشا وعد أنه يأتي بسبعة آلاف جندي أو ثمانية آلاف إلا أنه لم يحضر إلا مقدار خمسمائة من الخيالة و مائتين من المشاة. جاء بهم بعد أسبوع و نصب خيامه في الجانب الآخر من النهر تجاه الجيش.

ثم إن عبد اللّه باشا لم يقف عند حده و إنما توجه نحو السليمانية إلا أنه حينما وصل إلى (خواجائي) لم يجسر أن يتقدم إلى الأمام و مكث في محل منيع هناك و أبدى عجزا. و عندئذ استغاث بالشهزاده ليمده فجهز نحو خمسة عشر ألف خيال و خمسة آلاف راجل و على حين غرة انحدر

____________

(1) للشيخ محمود الزعيم الكردي المعروف.

(2) قريتان بهذا الاسم إحداهما تابعة حلبجة و الأخرى تابعة سرجنار. و أصلها سرجنار الغربي و الشرقي. و يقال للأولى سرجنار و للأخرى تانجرو. و هما من ملحقات السليمانية.

(3) و يلفظ تانجرو. نهر يبعد ساعة عن السليمانية.

312

من پاي طاق و مضى إلى زهاو و منها عبر إلى ديالى و انتهب (قرا الوس) (1) من زنگباد و بقي هناك بضعة أيام يتجاوز على القرى و الأطراف و تفرق الأهلون. و منهم من سار إلى جهة كركوك.

وصل الخبر إلى بغداد. و يأمل تثبيت الأهلين في مواطنهم نهض أحمد بك أخو الوزير على وجه العجلة بمقدار من الجيش، و على أثره عزم الوزير أن ينهض بنفسه ليقف الشهزاده عند حده، و كتب إلى الكتخدا و أكد إليه أن يلتحق به في طريقه ...

خبر موحش:

و في هذه الأثناء ورد أن الجيش نزل في (باريكة). و هذا حرارته شديدة في النهار و برودته زائدة ليلا و فيه وخامة. و بعد بضعة أيام من جراء هذا التأثير و سوء الأكل و الشرب استولى على الجيش مرض كأنه الوباء إذ سرى على الجميع لدرجة أن الألف لم يبق منه إلا الخمس و هؤلاء لا يستطيعون القيام و النهوض و لازموا مضاربهم و لم يقدروا على الخروج من مخيماتهم فحدثت فيهم وفيات بين خمسة عشر أو عشرين يوميا.

و إن الاصحاء استولت عليهم الواهمة و نالتهم الحيرة و الاندهاش فعادوا لا يبدون حراكا و لا يدرون ماذا يعملون ...

و كان عبد اللّه باشا مع الجيوش الإيرانية في (خواجايي) و تحصن فيه و هو بعيد عن الجيش بنحو اثنتي عشرة ساعة في حدود ايران، و أن العساكر العراقية لم تطق الصبر على هذه الحالة و لم يقر لها قرار فعزمت على الفرار فانعكس الأمر إلى عبد اللّه باشا فنشط و سار نحو جيش الكتخدا فوصل إلى (قره طاغ) (2) ببعد تسع ساعات و ورد إلى الطريق‏

____________

(1) عشائر العراق ج 2 ص 181 و تلفظ قرا ألوس. و الآن في مندلي.

(2) الآن ناحية و تبعد عن السليمانية سبع ساعات تقريبا و يقال لها (قره داغ).

313

المسمى (كوره قلعة) (1) فورد ثغر الطريق و تمكن فيه.

فالجيش بحالته هذه لم يستطع الحرب و المقاتلة و لم تبق فيه قدرة بسبب الأمراض الفتاكة فكان الرأي أن يميلوا إلى جانب و يتحصنوا في مكان منيع. وعدا هذا إن الشهزاده في نية التقدم إلى جهتهم كما يستفاد من الكتاب المرسل إلى الكتخدا، فكتب الوزير إليه أن يأتيه بالعسكر سريعا.

كتب الكتخدا جوابا للوزير يتضمن بعض المعاذير و التهاون عن المجي‏ء و رمى بالجيش فجعلهم طعمة باردة للعدو و خاطر بهم مخاطرة عظيمة فعذله الأمراء و رؤساء الجيش فلم يتعذل و قال إني أريد أن أقهر جيش عبد اللّه باشا ...

نسب صاحب الدوحة ذلك إلى خيانة منه و أنه اتخذ أمراض الجيش وسيلة لإظهار نواياه بخدمة إيران و لم ينظر إلى أن الوزير كان يرعاه خمس سنوات تقريبا ... فلم يؤثر فيه ذلك كله ...!!

و الحال أن صاحب مرآة الزوراء يطعن في الدوحة و ينسب المغلوبية إلى الأمراض من جهة و إلى الموقع الحربي و أنه غير مساعد من جهة أخرى و أن الكتخدا كان متصلبا في رأيه غير مدرب للحرب الدولية و رأى من العار عليه أن يرجع دون أن يشفي غليله من عدوه فأصابه ما أصابه.

و في 14 ذي الحجة يوم الثلاثاء تحرك من منزل (باريكه) و تقدم بالعسكر بالرغم من أمراضهم و هم في حالة لا يرجى منها فائدة و أقام بين المنزلتين بعد أن قطع سبع ساعات و تقدم إلى مقربة من العدو. وصل إلى قرية (بيستان سوار) (2). جاءها يوم الخميس فنزل (قره گول) (3) و يبعد

____________

(1) تلفظ كورة قلا بتفخيم اللام قرية من (بازيان) و كذا (زرده لي كاوه).

(2) قرية تابعة حلبجة.

(3) قره كول قرية تابعة تانجرو (سرجنار الشرقي).

314

عن المضيق (الدربند) الذي نزله عبد اللّه باشا نحو ساعتين و أمر الجيش بعمل المتاريس و عزم أن يهاجم عبد اللّه باشا.

و في يوم الجمعة تقابل الجيشان و غرضه أن يقضي على جيش عبد اللّه باشا حتى إذا رجع لا يعيث هؤلاء بالأنحاء. و لكن يوم السبت و الأحد أرسلت الرسل و الرسائل من الجانبين في التدخل بمفاوضات صلح كاذبة و أشغل العسكر بها و غرض عبد اللّه باشا أن يوافي الشهزاده بجيوشه الجرارة ... و هذه المفاوضات كانت بتدبير من عبد اللّه باشا لا خيانة من الكتخدا و هو حريص على نجاحه ...

و في يوم الاثنين رتبوا الصفوف و تأهبوا للقتال ... فوافى جيش الشهزاده و يبلغ نحو خمسة و عشرين ألفا في حين أن جيش الكتخدا لا يبلغ أكثر من ثلاثة آلاف من الخيالة و المشاة ... و بهذه القوة الضعيفة وقفت صفوفهم تجاه الأعداء و اشتبك القتال و دام إلى الضحوة الكبرى فلم يقصر الجيش في النضال و الصبر على الحرب و دافع بقدر ما أوتيه من قوة فكان جيش إيران مشرفا على الهزيمة و لكن الكتخدا منع جيشه من التقدم على العدو و ردعهم من الهجوم عليه فأدى ذلك إلى كسر الجيوش‏ (1) ...

قال صاحب الدوحة: و هذه خيانة. و الحال أن الجيش الذي قوته و عدده ما ذكر لا يستطيع أن يهاجم خمسة أضعافه فالمحافظة على القوة و مداراتها تدبير ضروري ... فسلمت المهمات و المدافع و الخيام و كافة معدات الجيش إلى الأعداء فاستولوا عليها و رجع جيش الكتخدا إلى كركوك مكسورا ليلة الأربعاء.

أقام ستة أيام. و في اليوم السابع ليلة الاثنين ذهب الكتخدا و أخوه‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 328.

315

علي آغا و اثنان من اتباعه خفية إلى الشهزاده، فالتجأوا إليه. خافوا من العقوبة ففروا. و لم تقع خيانة (1).

و جاء في ناسخ التواريخ قسم القاجارية: إن الدولة العثمانية أرسلت ألفي جندي إلى الوزير و معهم عشرة مدافع و جلبوا محمود باشا لجهتهم فأرسل الوزير عشرة آلاف جندي بإمارة محمد الكهية فالتحق به محمود باشا قرب ماء شيروان.

و إن محمد علي ميرزا حاكم كرمانشاه كان معه خمسة عشر ألفا من الجند المشاة و الفرسان، فتأهب في العشرة الأولى من ذي الحجة و معه عشرة مدافع و التحق به حسن خان والي الفيلية بثلاثة آلاف جندي.

و في هذه الأثناء أرسل كل من حسين خان من أهالي خمسه، و محمد باقر خان المافي من طريق سنندج بأمر من الشهزاده‏ (2).

و في 18 ذي الحجة وصلوا قرب شهرزور.

أما محمد كهية و محمود باشا فقد نظما متاريس في (ياسين تپه).

و هذا محل يتصل من ثلاث جوانبه بالمياه و من جهته الأخرى بالبر و رتبوا خمسة عشر مدفعا أمام متاريسهم. و في هذا الأوان أرسل محمود باشا رسلا إلى الشهزاده فحواها أنه إن أمنه و عفا عنه فإنه غدا عند المعركة يلتحق به متظاهرا بالفرار و في الحال يحارب محمدا الكهية متفقا مع الشهزاده جنبا لجنب. أما الشهزاده فإنه لم يثق من كلامه و لم يحمله على الإخلاص فأبدى موافقته و أجاب جوابا ملائما. و قضى الشهزاده ليلته. و في اليوم التالي تأهب للقتال و أمر (مسيو دوده) المعلم الانجليزي (كذا. و هو فرنسي) مع جماعة من العسكر و هم بين مشاة و فرسان‏

____________

(1) دوحة الوزراء ص 328- 333 و مرآة الزوراء.

(2) ما في عشيرة كردية. (رحلة المنشى‏ء البغدادي ص 46 و 47).

316

بالتأهب و زودهم بالمدافع و بآلات نارية أخرى من زنبرك و غيره فساروا في طريقهم بين التلول و صاروا كمينا. قصدوا مفاجأة العثمانيين من خلفهم، و الشهزاده رتب الميمنة و الميسرة و بعد ذلك صعد إلى تل عال و تضرع إلى اللّه طالبا أن يؤيده بالنصر و بكى بكاء تضرع. فظهر في وسط العسكر و ابتدأ الحرب و ثارت المدافع و البنادق و من ثم اشتبك القتال بين الطرفين بحرارة فأسفرت النتيجة أن العثمانيين لم يروا مجالا للدوام على الحرب فولوا الأدبار. أما محمود باشا فأنه باتفاق مع الكهية توجها إلى أطراف كركوك بأنفسهما فتيسر للشهزاده أن يستولي على جميع معداتهم من الخيام و المدافع. ثم نزل السليمانية. فلما رأى الكهية هذه الحالة و كان يخجل أن يرجع إلى بغداد بهذه المغلوبية التجأ إلى الشهزاده حرصا على حياته.

و في هذه الأثناء ولى الشهزاده عبد اللّه باشا عم علي باشا والي ديار الكرد حكومة شهرزور. و أن الشهزاده بقي أيام المحرم في السليمانية و عرض هذه القضية إلى مسامع الشاه.

و في أول صفر خيم خارج السليمانية و كان يقصد زيارة العسكريين فتوجه إلى بغداد» اه (1).

و في هذا ما يؤيد براءة محمد الكهية من الخيانة و يوضح الوقعة أكثر ببيان قوة إيران آنئذ ... و مطامعها في العراق و لكن أمل الفتح و الاستيلاء قد انقضى بوفاة نادر شاه. و في هذه الأيام تجددت فكرة الاستيلاء على العراق و على أنحاء أرضروم من عباس ميرزا فكانوا على اتفاق و لم تكن غائلة محصورة في أمور بابان. و بوفاة هذا الميرزا انقطع الأمل فلجأوا إلى طريق السياسة (2).

____________

(1) ناسخ التواريخ- قسم القجارية. و هو خال من أرقام صفحات.

(2) رحلة المنشي البغدادي ص 9.

317

الهواء الأصفر: (الهيضة):

في أوائل هذه السنة سنة 1236 ه- 1820 م ظهر مرض لم يسمع باسمه (قوليرا) أو الهواء الأصفر أو الهيضة يفتك في النفوس فتكا ذريعا. سماه ابن سند بالوباء و قال هو طاعون ظهر في ديار الهند و أصاب الكثير من أهل بومبي. و منها سار إلى بلاد الهند الأخرى.

و ازداد شره و مشى كالسيل الطامي حتى وصل إلى البصرة، و استمر فيها من آخر شوال إلى آخر ذي القعدة و أن شدته في أول ذي القعدة سنة 1235 ه- 1819 م إلى الثاني عشر منه. يشتد تارة و يخف أخرى إلى 22 منه ثم خف إلى أن زال و قد مات من أهل البصرة خمسة عشر ألفا و أكثر فاضطرب منه الأهلون و ابتهروا من فعله و صاروا يفرون إلى القرى و الضياع في الأطراف ... و أول ما وقع في البصرة هبت الشمال العظيمة نهارا و ليلا (1) ...

ثم إنه ذهب بؤسه فصار يتعاود الأهلون و يرجعون إلى مواطنهم و لكنه توجه بعد البصرة إلى جهة سوق الشيوخ، و العرجة، و السماوة حتى استولى على أكثر أهل الجزيرة و بعض عشائر الشامية ثم جاء إلى الحلة و كربلاء و مكث في هذه الأماكن مددا تتراوح بين عشرة أيام و عشرين يوما.

ثم إنه سرى إلى بغداد و لكنه كلما تصاعد و طالت مدته قل ضرره و خفت وطأته ... فبقي مدة خمسة عشر يوما و في بعضها أصاب الواحد و الاثنين ... ثم زال.

و منها سار حتى وصل كركوك و دام هناك نحو 20 يوما. فتوفي نحو ألف نفس و لكنه لم يتماد في سيره فاندفع بسرعة و سار إلى ديار

____________

(1) دوحة الوزراء ص 333 و مطالع السعود ص 203.

318

الكرد فانتقل إلى السليمانية و من حين وصل إلى البصرة و ورد خبره إلى بغداد أوقع رعبا في النفوس.

و في هذا المرض استشير أطباء الانجليز فكتبوا على أدوية تجلب من ديارهم فجاءت إلى الوزير و وصلت إلى وكيل متسلم البصرة. قالوا:

و إن أطباء الانجليز وجدوا دواء لهذا المرض و كتبوا رسالة بلغتهم في المعالجة و التداوي. و في هذه الرسالة أن هذا المرض ثلاثة أنواع أو أربعة، و أنه سرى إلى البصرة في سنة 1236 ه. و ذكر صاحب الدوحة ترجمة الرسالة من العربية. فلم نر اليوم حاجة لسردها بالنظر إلى معلومية هذا المرض و تجدد الفن و تبدل الأدوية و التدقيقات ...

و ذكر ابن سند من علامات هذا الداء القي‏ء و الإسهال المفرط و لكن صاحبه لا يبول فمن بال سلم و قد لا يسلم.

حوادث سنة 1237 ه- 1821 م‏

مجي‏ء الشهزاده إلى ناحية دلي عباس:

إن الجيش رجع مغلوبا إلى كركوك. فأقام فيها بضعة أيام ثم التجأ الكتخدا إلى الشهزاده. و لكن الأهلين استمروا على المقاومة. أما الشهزاده فقرب منهم بمسافة ثلاث ساعات و أقام حواليهم بضعة أيام يرغبهم من جهة و يرهبهم من أخرى فحاول بكل وجه اقناعهم و دعوتهم إليه للتسليم فأبوا و اتفق الكل على الدفاع ... و لذا رحل عن كركوك و وصل (داقوق) (1). بقي أكثر من عشرة أيام، و منها توجه نحو (طوز خورماتي) فنزلها و بقي فيها بضعة أيام جال في خلال جيشه في الأنحاء و عاث و نهب.

____________

(1) و يقال لها طاووق و الصواب (دقوقا).

319

و منها ذهب إلى (كفرى) ثم توجه إلى قره تپه (قره دپه) و منها وصل إلى ناحية (دلي عباس).

عرض الوزير القضية بحالها على دولته و طلب الإمداد منها إلا أنها لم يكن لها أمل في الحرب و لا كان لديها من المعدات ما يكفي و الأمل مصروف إلى أن الشهزاده سوف يرجع من كركوك إلى بلاده و لكنه جاء إلى كفرى فلم يرجع حتى وافى (دلي عباس). و حينئذ أشعل نيران الفتنة في الأطراف و ألقى التشويش فنزل بين خان چبق و بين قرية هبهب و عين عساكر على العشائر القاطنة هناك فانتهب منهم نحو عشرة آلاف‏ (1) رأس من الغنم و المواشي و أوقعوا أضرارا كبيرة بالأثمار فمدوا أيديهم و خربوا الكثير من القرى.

أما الحكومة فإنها خشيت من الذين يميلون إلى إيران فاتخذت التدابير بسد الأبواب الثلاثة و أبقت لها حرسا من الآغوات المعتبرين توقعا لما يخشى منه و وضعت المدافع، لحراسة العاصمة و التأهب لما يخشى وقوعه و أقيم الحرس من الينگچرية و صنوف الجيش الأخرى ...

و في هذه الوقائع و ذيوعها لم يبد الأهلون ما يخل بالأمن، و لا ما يخالف الوضع. صبروا و انقادوا لولاة الأمر فكانوا على وفاق، و كذا الشأن في الصنوف العسكرية و أكابر موظفيها فإنهم أدوا ما عليهم من الخدمة و بذلوا ما استطاعوا من راحة ...

و جاءت العشائر زمرا و وافقت على ترتيبات الحكومة و سلطتهم على السرايا و الهجومات المختلفة و صاروا يهاجمونهم و يصولون عليهم من كل ناحية و وقفوا لهم بالمرصاد، و إنهم حينما رأوا محمدا الكهية و أعوانه في الجهة التي بين خان چبق و بين قرية هبهب صاروا يشنون‏

____________

(1) في مطالع السعود ألف رأس من الغنم.

320

الغارة عليه و على أعوانه و معهم العثمانيون فأوقعوا بهم خسائر كبيرة فاضطر إلى العودة إلى فيلق الشهزاده و لم يتمكن من البقاء هناك ...

وقعة صفوق:

ثم إنه سار الكتخدا إلى دلتاوه (الخالص) مرة لتحصيل ميرة منها فلاقاه جمع كبير يتجاوز الألف مع شيخ شمر الجرباء صفوق الفارس و عشرة من بلوگباشية اللاوند قرب القرية فانتهزوا الفرصة و صالوا عليهم بهجوم عظيم و قتلوا أكثرهم و أسروا قسما و تفرق الآخرون و فروا ...

و بعد بضعة أيام لم ير فائدة من البقاء فاضطر أن يترك هذه السفرة و كتب خفية إلى المجتهد المقلد عندهم الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر (كاشف الغطاء) ليتدخل في أمر الصلح بين الفريقين و أرسل إليه رسولا فأبدى ميله إلى الصلح من تلقاء نفسه و رغب فيه ... و في تواريخ إيران أن الوزير هو الذي أرسل الشيخ موسى للمفاوضة ... و الصواب أن المرض الشديد دعا إلى هذا الصلح، فأراد أن لا يرجع بلا سبب.

و حينئذ أرسل إليهم الوزير محمد آغا ابن أبي دبس من ندمائه و محمد أسعد ابن النائب الكركوكي من المدرسين و بعد وصولهم إلى معسكره أخبروا الوزير أن الشهزاده راغب في الصلح إلا أنه علق أمر الصلح على أن يوجه لواء بابان إلى عبد اللّه باشا، و ألوية كوى و حرير إلى محمد باشا بن خالد باشا، و أن ترسل إليهم البيورلديات و الخلع و أن يعفى عمن التجأ إلى إيران من الأشخاص و أن لا يسألوا ...

و لما شاور الوزير العلماء و الأعيان رجحوا جانب الموافقة على أن لا يبقى الشهزاده في محله و أن يرجع حالا إلى بلاده و لم تقبل جهة العفو عمن التجأ إلى إيران و اشترط أن تعاد العشرة آلاف رأس من الغنم التي نهبت من أنحاء الخالص.

321

ثم إن الشهزاده قبل أن يتحرك من دلى عباس اشتد مرضه و لذا أبدى تساهلا في الصلح بغتة و بين رغبته فيه. فتحرك حالا و رجع مسارعا في الانصراف فعبر جيشه من ديالى إلى الجانب الآخر و فارقه أكثر عسكره. و إن خان گلهر حينما رجع كان معه نحو خمسمائة من أتباعه فصادفه بعض العشائر قرب قزانية فانتهزوا الفرصة فقتلوا منهم نحو مائتين و سلبوا الباقين و اغتنموا خيولهم و أسلحتهم ...

أما الشهزاده فإنه تزايد عليه المرض و اشتد كثيرا فتوفي في المحل المسمى (مرجانية) قرب قزلرباط و حينئذ ذهبوا بجنازته إلى كرمانشاه و جاء في ناسخ التواريخ أنه توفي قرب (طاق گران) (1) ليلة السبت 26 صفر سنة 1237 ه- 1821 م وقت الفجر و وصل خبر وفاته إلى والده الشاه في 6 ربيع الأول، فنصب ابنه محمد حسين ميرزا مكانه.

ثم إن الحكومة بعد ذهاب الشهزاده مكنت الأهلين من الزراعة و راعت أحوال المنكوبين و أعفتهم من الرسوم الأميرية كما أنه انتهب بعض العشائر أموالا من جهة الدجيل و ما والاها فأرسل الوزير عليهم السرايا لمرة أو لمرتين فاستعاد المنهوبات إلى أصحابها ...

و في هذه الأثناء ورد الفرمان إجابة لمعروضات الوزير بخصوص هجوم إيران على العراق كما إن حاكم تبريز الشهزاده عباس ميرزا هاجم البلاد العثمانية من ناحية الاناضول فتقدم نحو أرضروم بغتة فوصل خبر ذلك إلى استنبول أيضا. و حينئذ فوضت الدولة الصدر الأسبق محمد أمين رؤوف باشا أمين المعدن الهمايوني آنئذ و أضيفت إليه ولاية ديار بكر فجعل قائد جيش الجبهة الشرقية كما أنها جعلت الوزير داود باشا

____________

(1) في ناسخ التواريخ طاق كرا و مثله في سياحتنامه حدود و في تقرير درويش باشا و الصواب (طاق كران) كما جاء في رحلة المنشي البغدادي ص 46 و 47 و هناك الكورانيون فسمي باسمهم. و هو الإيوان المعروف.

322

قائد العسكر في جبهته و جهزت الجيوش معه و عين والي الموصل بمعيته و أرسلت الخلعة و صدر الفرمان بلزوم معاقبة الكتخدا و اهتمت بأمر الحرب مع إيران و سيرت العساكر لمحاربتهم من كل صوب و كان صدور الفرمان إليه بتاريخ 2 ربيع الآخر يوم الخميس.

قرى‏ء الفرمان على ملأ من الناس و أعلن أمره و أطلقت المدافع و احتفل احتفالا كبيرا و أرسلت صور منه إلى الأنحاء ...

و من ذلك الحين استقر الأمن و سكنت الخطة العراقية و استراح الأهلون ...

وصف دوحة الوزراء:

إلى هنا انتهى ما جاء في دوحة الوزراء و هي من تأليف رسول حاوي. قال في خاتمة كتابه هذا: «أنه منعته الاسفار و الغارات المتوالية من البحث الكافي ... ثم انتسب إلى صنعة الكتابة في ديوان الوزير فلم ير راحة أو أوقات فراغ فاستوعبت أوقاته و استنفدت قواه عدا أن أربعين، أو خمسين سنة من الحوادث بقيت في الخفاء و لذا اقتحم المصاعب في التقاطها فكان يختلس الفرص للعثور عليها فلم يترك طريقا للوصول إلا ولجه. فذكر وقائع 99 عاما مع بيان تراجم نحو عشرين وزيرا. و أضاف تاريخ وقائع ست سنوات من أيام الوزير فكان تاريخه يبتدى‏ء من 1132 ه و يستمر إلى وقائع سنة 1237 ه. كتبه بأمر من الوزير ليكون ذيلا لگلشن خلفا.

أكمله غير موسع و لا قصد أن يكون لائقا بالملوك بل بالنظر لقدرته. و أن وقائع الوزير دونت مجملة و إلا فأيامه تحتاج إلى مجلدات عديدة.

قدمه إلى الوزير، و سيلحقه بالمجلد الثاني الخاص به و هو جديد

323

يدعو للذة. أوضح في المجلد الأول أوصاف الوزراء الاسلاف و رجا أن يكون مقبولا لدى الوزير ملحوظا بعنايته ...

و تم في أواخر ربيع الثاني «سنة 1237» اه. و لم يظهر المجلد الثاني. و لا أشار أحد إلى مسوداته أو تتمة وقائعه.

قال لي الأستاذ هجري دده: أن رسول حاوي من عصبته و لم يستطع أن يبين وجه القربى. و جاء ذكره و ذكر أخيه في كتاب شعراء بغداد و أدبائها أيام داود باشا.

طبع الكتاب في طباعة دار السلام في أوائل جمادى الأولى سنة 1246 من الهجرة على يد محمد باقر التفليسي. و إن نسختي الخطية منقولة من النسخة المطبوعة و الملحوظ أنه ظهر نقص في أرقام الدوحة المطبوعة بسبب استلال بعض أوراقها. و مراجعة السنين سهلة. و هي الأصل في المراجعة.

تتمة واقعة صفوق:

«إن صفوق بن فارس الجرباء غزا ابن الشاه. عبر ديالى بفوارس من عشيرته إلى أن كان من عسكره بمرأى فركب فرسان العسكر لما رأوه وكروا عليه فاستطردهم حتى عبروا ديالى و بعدوا فعطف عليهم هو و من معه من عشيرته و من الروم فأدبرت فرسان العجم و قفاهم فوارس شمر و قتلوا منهم من أدركوا و أتوا بخيلهم و سلبهم ... هذه غير الأولى التي ذكرها المؤرخ التركي (صاحب الدوحة). و صفوق هذا عديم النظير في كرمه ... و لما نصر صفوق أقطعه الوزير عانة و ما يتبعها من القرى ...

فعادى أعداءه و والى أولياءه‏ (1).

____________

(1) مطالع السعود ص 215.

324

حوادث سنة 1238 ه- 1822 م‏

وقعة الزبير:

كانت الزبير آمنة مطمئنة و كان أهلوها يدا واحدة فحافظوا على كيانهم حتى حصل بينهم الخلاف و سببه أن محمد بن ثاقب كان يحسد ابن زهير على ماله، و استعباده الناس بسماحته و نواله، فانقاد له أهل البلد لما طوقهم به من رفد ...

فادعى ابن ثاقب أن ابن زهير أمر بسمّ راشد بن ثامر و صدقه في دعواه بعض المغرضين الأوباش فسعى ابن ثاقب إلى حاكم البصرة فوافقه على ما طلب. فلما شاع أمر السم ركب ابن زهير متن الحذر و تترس بماله و تحيز لمن يغضب لغضبه و يعيش بسببه و بنشبه ...

و حينئذ و لما لم ينجح تدبيره أمر زمرته أن تخرج بأسلحتها إلى تلك البلدة ليكونوا على ابن زهير عدة و عونا. فلما دخلوها مدوا يد بغيهم و ائتمروا بأمر من أوقعهم في غيهم. و عند الظلام تقلدوا سيوفهم و نظموا صفوفهم قاصدين دار ابن زهير غير ملتفتين إلى الغير. فعلم بهم قبل أن يصلوا الباب فقابلهم خدام ابن زهير فضاربوهم فجرح من جرح و انهزم من انهزم. فتزايد الشر و حاصروا الهاجمين إلى أن ساعد جماعة ابن زهير في الإفراج عنهم فرجعوا إلى البصرة و دخلوها بأمر من له الأمر حذرا من تفاقم الفتنة، فنزل ابن ثاقب و أتباعه قريبا من نهر معقل و أمير البصرة محمد كاظم يأمره أن يستقر في ذلك المنزل.

و ما زال ابن ثاقب في منزله حتى نزل عليه من عاداه فتقاتل الفريقان فلم يلبث إلا قليلا حتى ترك المقاتلة و كان قد قتل جماعة من الطرفين. ثم لما انهزم ابن ثاقب عبر الفرات و لم يقف عند هذا الحد بل كاتب من يساعده من الأصحاب.

و أكبر من ساعده محمد كاظم أمير البصرة فإنه بذل في سبيل تأييده‏

325

ما استطاعه من قدرة و حسن عند الوزير أمره ...

و لما ورد حمود بن ثامر من البادية خدع ابن زهير في مودته. و عند ما ورد إليه و صار في قبضته منعه من الانصراف و ركب معه متن الاعتساف و بقي عنده مدة حتى مرض من شدة القهر. فلما اشتد به المرض أذن له بالانصراف فدخل البصرة و مات. و كان (رحمه اللّه) ذا صدقات وافرة و أعمال بر نافعة و عفة عن الحرمات و سيرة حسنة منذ شبّ إلى أن مات‏ (1).

يوم بصالة:

في هذه السنة حدث يوم بصالة. و هو لشمر على آل هذال و كبيرهم عبد اللّه بن هذال و كبير شمر صفوق. و كانت الغلبة لشمر و استولى الشمريون على هودج بنت ابن هذال. و نهبوا أموالهم.

و لما عبر ابن هذال الفرات ندب قبائل عنزة لأخذ الثار و غسل العار فاجتمع العنزيون و عبروا الفرات على الجزيرة ثم ساروا قاصدين شمر و ذلك في سنة 1239 ه، و بقوا في مطاردة و مطاعنة، ثم في آخر الأيام التي التقوا فيها أدبرت شمر و صارت النصرة لعنزة عليهم. و غنم العنزيون من شمر أموالا كثيرة و قتلوا منهم فرسانا عديدين.

و لما انكسرت شمر شد الوزير عضد كبيرهم صفوق و أفاض عليه من كرمه ما تضيق عنه ساحة عطاء الملوك و من كرمه أنه أعطاه ثلاثين ألفا دفعة واحدة ... و لكنه أعطاها للشيخ خالد النقشبندي لقضاء ديونه.

منصب كتخدا:

اختير الحاج طالب كهية لمنصب كتخدا. و هذا هو والد الأستاذ

____________

(1) المطالع ص 217.

326

سليمان فائق بك و جدّ فخامة الأستاذ حكمت سليمان.

حوادث سنة 1239 ه- 1823 م‏

لم يحدث من الوقائع ما يستحق الذكر سوى وقعة عنزة و شمر و هي وقعة بصالة فانتهت في هذه السنة.

و في هذه السنة:

1- صار أوزون موسى آغا وكيل كتخدا و بقي في الوكالة بضعة أشهر.

2- عهد إلى أحمد باشا أخي الوزير بمنصب كتخدا أصالة فتوفي بعد بضعة أشهر. ورد بغداد بعد أن بلغ الثلاثين من عمره. و دخل في الدين الإسلامي. و عين لتربيته لالاوات و معلمين. ثم نال إمارة إربل فحصل على رتبة ميرميران و بعدها حصل على متسلمية البصرة ...

و بعد عزل الحاج طالب الكهية صار كتخدا و بعد بضعة أشهر وافاه الأجل. و لم تكن له مقدرة على ادارة الأمور، فكان عبد الغني آغا من المماليك بمقام (لالا) (1) لتدريبه فجعل في معيته. و يصدق عليهما المثل (أعمى يقود عميانا). و مع هذا لا مثيل له في السخاء، بشوش و أخلاقه جيدة إلا أنه في حسن إسلامه نظر و تنقل له غباوات عديدة (2).

نصب كتخدا البوابين- كربلاء:

في أوائل هذه السنة نصب سليمان آغا كتخدا البوابين. و بعد خمسة أشهر أنفذ نقيب كربلاء هدية إليه و هنأه بمنصبه فكتب إليه جوابا في 10 شوال يخبره بوصول الهدية و شكره عليها إلا أنه ذكره بأن الوزير

____________

(1) لالا و يقال (لاله) أي مربّ.

(2) مرآة الزوراء ص 12.

327

قد عفا عما سلف على أن ينهج خير المناهج، و أن يترك ما يؤدي إلى المهالك و أن تصفو البقعة المباركة من الكدورات إلا أنه خاب المأمول بما وقع، فحذره ممن ارتكبوا الرذائل، و أوصى أن يخرجوهم من بينهم و إلا فالعاقبة و خيمة. و المأمول ان يراعى رضا الوزير، و أن يمتثل أمره ...

و في سنة 1241، حدثت وقعة مع الوزير.

و في هذا ما يوضح أوضاع كربلاء في تلك الأيام و إن كان مجملا، نظرا لقلة المصادر عن ادارة الألوية في الخارج. و هذا ما قاله مؤرخ‏ (1) عراقي عن أيام داود باشا و من تلاه:

«إن كربلاء كانت عاصية على وزراء بغداد فسير العساكر إليها- نجيب باشا- و كان بها السيد إبراهيم الزعفراني رجل أصله عجمي و ترأس على أوباشها و سفهائها و أطاعه أراذل البلد المفسدون و هم يتولون الحرب و عامتهم من أيام داود باشا كانوا عاصين إلا أنهم يؤدون شيئا قليلا عوض خراجها (نحو خمسة و ثلاثين ألف قران)، و كل من يعمل مفسدة في العراق، أو يأكل أموال الناس يذهب إلى كربلاء و يستجير بهؤلاء الأراذل حتى اجتمع عندهم مقدار عشرة آلاف مقاتل من أجلاف الناس و عصت أيام داود باشا و علي باشا. هم عصاة، بغاة، يؤذون السكان الذين في كربلاء حتى أنهم مرة أمسكوا على أحد مجتهديهم السيد إبراهيم القزويني ليلا و لم يطلقوه حتى أدى لهم أربعة آلاف قران من سكة محمد شاه فأطلقوه فهم مفسدون ذوو جرأة على أعراض الناس. و أهل البلد يؤوونهم و يخافون على أنفسهم. لأنهم متى أرادوا هجموا على بيت أحدهم و نهبوه و الحاكم الذي هو من أهل البلد

____________

(1) هذا المؤرخ لم يعرف اسمه و إنما عثرت على بعض أوراق من تاريخه تعين الأوضاع في أيام داود باشا و من يليه من الوزراء.

328

طوع أيديهم و لا يعارض بما يفعل هؤلاء الباغون الفجرة ...» اه.

و هذا المؤرخ تحامل على الولاة كثيرا و لا يخلو قوله هذا من مبالغة ... و إن كان يتفق كلامه و ما لخص من كتاب الكتخدا. و هنا نشير إلى أن محرر هذا الكتاب السيد عبد الفتاح الأدهمي (الواعظ) و نقل من مجموعته. كتبه للكتخدا. و للتفصيل محل آخر.

و هذه الوقعة لم نجد لها ذكرا إلا في كتاب (نزهة الإخوان)، و فيه جرت مع الوزير داود باشا، فقد ضيق على البلد و حاصره سنة 1241 ه، فتوسط السادة بأداء المعين الذي أشار إليه صاحب التاريخ المجهول فكان لما كتبه كتخدا البوابين أثره.

الخازن:

هو عناية اللّه و كان في هذه السنة خازنا كما فهم من وقفية كتاب تفسير الجلالين و هو من آل الروزنامه جى و من أحفاده عبد اللّه أفندي ابن عارف أفندي ابن عناية اللّه المذكور. و بيتهم قديم معروف‏ (1).

حوادث سنة 1240 ه- 1824 م‏

الحلة- محمد الكهية:

في أواخر هذه السنة مضى محمد الكهية و عاضده أناس من أعداء الوزير إلى الحلة فدخلها بمن ناوأه و نازعه الرئاسة فشوشوا الحالة و أطاعهم بعض العشائر فادعى الوزارة لنفسه دخلها باستدعاء من أهليها ...

قال لطفي في تاريخه: إنها كانت بإيعاز من دولة إيران و ذكرها في‏

____________

(1) عنوان المجد للحيدري و الوقفية المذكورة رأيتها لدى الصديق الفاضل إسماعيل الجوربه‏جي.

329

حوادث سنة 1241 ه. و ابن سند عين أنها حدثت في أواخر هذه السنة ...

فلما بلغ الوزير ذلك جهز جنوده و حشد عساكره بعد أن تفاقم الخطب و منت الكهية نفسه دخول بغداد اليوم أو غدا و حينئذ جند الوزير جيشا تحت قيادة أحمد باشا الكتخدا فوصل قريبا من الحلة فقامت الحرب بين الطرفين و كرت الخيل و تساقطت الأعناق.

و ممن أبلى في هذه المعركة قبيلة عقيل و كانت في جهة الوزير.

و ما زالوا في كر و فر حتى أدبرت الفئة الأخرى فعبر المنهزمون الجسر ثم قطعوه ليمنعوا اللحاق بهم فعبر العقيليون النهر و عقبوهم فدخلوا الحلة و سقوا محاربيهم صاب الحتوف و انهزم منهم من انهزم.

و فر الكتخدا إلى حمود بن ثامر فاعتذر منه. قال ابن سند: و اللّه المطلع على الضمائر، يشير إلى أنه كان ذلك بتدبير منه فذهب إلى الحويزة و بقي فيها فانتابته صروف الدهر. و كانت هزيمته في أوائل سنة 1241 ه.

و يقال إن الذي أرسل وراء محمد الكتخدا حمود بن ثامر فقدم العراق لإثارة الفساد و أمر حمود خفية آل قشعم و آل حميد و آل رفيع ليساعدوه فأعانوه على دخول الحلة. فلما انهزم انهزموا ...

حوادث سنة 1241 ه- 1825 م‏

المنتفق:

1- ورد إلى الوزير من رجال المنتفق محمد بن عبد العزيز بن مغامس فأكرمه بوافر الإنعام و هذا من أجواد العرب و شجعانهم و من المثابرين على الدين. كان عند ثويني بن عبد اللّه بن محمد بن مانع له أبهة و صدارة، و كذلك عند حمود بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع‏

330

أولا ثم تغير خاطره على حمود فقصد الوزير و رشح نفسه لرئاسة المنتفق فما وافقه الوزير على ما أراده لأنه كان وعدها ابن ثويني لأن أباه كان شيخا على المنتفق و كذلك جده عبد اللّه وجد أبيه محمد وجد جده مانع لا سيما و ابن ثويني متصل بالوزير في حله و مرتحله و معتصم به.

2- قدم حنيان بن مهنا بن فضل بن صقر أحد أكابر آل شبيب فأكرمه الوزير و أجزل عطاءه ...

و لما اجتمع هو و محمد بن عبد العزيز عزم الوزير على عزل حمود و نصب براك بن ثويني على بني المنتفق ثم عرضت أحوال أخرت ذلك.

3- قدم جماعة من آل صالح و هم شبيبيون لمناصرة براك بن ثويني.

4- قدم محمد بن مناع الأجودي العقيلي أحد مشايخ بني المنتفق و فرسانهم ...

و قوي براك بن ثويني بهم و توجهت إليه أنظار الوزير و كاد يوليه رئاسة المنتفق إلا أنه أخر أمره لمصلحة.

حمود بن ثامر- و محمد الكتخدا:

لم يقف حمود تجاه هذه الحوادث مكتوف اليدين و إنما شاع على الألسنة أن حمودا أرسل إلى محمد الكتخدا و هو في الحويزة أن يوافيه فقدم إلى العراق لإثارة الفتنة و أمر حمود خفية آل قشعم و آل حميد و آل رفيع أن يساعدوه فدخل الحلة فلما انهزم انهزموا!

و على كل إن الفتنة اشتعلت في الخفاء و لكل حزب مناصر و إن الوزير في كل هذه الأحوال لم يقدم على حرب ثويني و لكنه حاول تكثير حزبه ...

331

براك- عفك و الشاوي:

إن الوزير أراد أن يجرب مقدرة براك فجعله يغزو بمن معه من آل شبيب عفكا و قاسم بن شاوي و من معه فتحصنوا بالأهوار فخاضها المنتفقيون و قتل من أكابرهم و فرسانهم دويحس بن مغامس بن عبد اللّه بن محمد بن مانع الشبيب. و قتل أيضا ابن لثامر بن مهنا بن فضل بن صقر و هو شبيبي أيضا.

و كان مع براك بن ثويني شيخ زبيد فلم تكن منه مساعدة و لم يخلص في الخدمة فخذلوا و قل أمل الوزير في السيطرة على الوضع ...

القضاء على الينگچرية:

أمر السلطان بالقضاء على الينگچرية و قتل منهم ألوفا و نسخهم من ديوان الجند و كتب إلى الارجاء أن يعزلوهم و أن يمحوا هذا الاسم ...

و في وادي العوسج بقرب صقال طوتان إلى جهة خانقين لا تزال قبورهم باقية. و هي مواطن قتلهم و للترك مؤلفات خاصة في تحبيذ إلغائهم و القضاء عليهم مثل كتاب (أس ظفر) ... و كانوا واسطة تقدم الترك و نجاحهم في بادى‏ء أمرهم، و يعد تجديدا في (أمر الجندية) .. فطرأ على هذا النظام ما طرأ فقدوا الطاعة و التنظيم، و أمنوا السلطة فتحكموا بل جرّوا الويل على هذه الدولة. و (ينگچري) مخفف من (ينگى چرى) أي العسكر الجديد.

و ما أفسد الأمم أو قضى عليها إلا فساد الجندية و أنظمتها، و عدم القدرة على الاصلاح .. و كان الغرب و الشرق يخشون سطوة هذا الجيش إلا أنه بعد أن فقد مزاياه طمع فيه كل طامع و نالوا منه ما نالوا فتوالت هزائمه و كثرت مصائبه و كاد يقضي على الدولة لو لا أن تداركها السلطان بنظامه الجديد، ملت الأمة تحكم هذه الفئة، فلم يهدأ لها أمر حتى‏

332

قضت عليها، و جرت ما جرت عليه تجارب الأمم، فعادت إلى نشاطها، و استعادت حياتها ..

أسست الدولة العساكر المنصورة المحمدية فثار الينگچرية فنكلوا بهم و تم تأليفهم و أصدر قانون بشأنهم و جرى العمل به فكان طبعه في آخر ذي القعدة سنة 1244 ه. و عندي نسخة مطبوعة منه في هذا التاريخ.

و كانت محاولة السلطان سليم الثالث في الإصلاح جلبت عليه الهلاك فنجح السلطان محمود و ظهرت فوائد النظام الجديد و تطور حتى اكتسب شكلا مرغوبا فيه.

تكية البكتاشية:

غضب السلطان على البكتاشية في العاصمة و في سائر الأرجاء و أمر أن يطردوا من تكياتهم. و يسمون (الددوات). فلما ورد الأمر السلطاني على الوزير أخلى التكيات منهم و ولى عليها خليل أفندي و هذا عين إمامه السيد طه الحديثي للقيام بإدارة التكية الكائنة في بغداد (في محلة الجعيفر) فأقام فيها يومين أو ثلاثة ثم عزله‏ (1).

الداسنية اليزيدية:

و بعد ثمانية أشهر من وقعة الكتخدا في الحلة عاثت عشيرة الداسنية من عشائر ماردين التابعة إلى بغداد فأرسلت إليها قوة عسكرية فشتت شمل فسادها، و لم يبق أحد من رؤسائها و مزق جمعهم‏ (2).

فتح جادة الجسر:

شكا العلماء و الأعيان إلى قاضي بغداد محمد راشد بن فخر الدين‏

____________

(1) مطالع السعود ص 226 و فيه تفصيل.

(2) تاريخ لطفي ج 1 ص 116 و 117 و تاريخ اليزيدية.

333

بأن طريق الجسر ضيق بالمارة و ألحوا عليه في فتح طريق آخر متصل بالجسر من الجهة الغربية. أما الطريق القديم فهو المار من مسناة الجسر إلى قهوة زنبور (قهوة المميز) فأصدر القاضي حكمه بضرورة فتحه‏ (1) و هو شارع المأمون.

حوادث سنة 1242 ه- 1826 م‏

المنتفق:

قدم بغداد الشيخ عقيل (عجيل) بن محمد بن ثامر في 12 صفر فألبسه الوزير خلعة رئاسة المنتفق في 14 منه و أعطاه الاسلحة الكافية و كتب إلى متسلم البصرة أن يعلن ذلك في أرجائه و أن يحافظ على البصرة، فأظهر المتسلم للعشائر عزل حمود و نصب عقيل.

فلما تبين حمود عزله أمر ابنيه (ماجدا و فيصلا) أن يقصدا البصرة فزحفا بالعشائر. فأما ماجد فنزل قريبا من نهر معقل، و أما فيصل فنزل أبا سلال و معه الاباضية أتباع امام مسقط و عشائر كعب ...

فلما اشتد الأمر و كاد ينكسر المتسلم برز النجادة للمعاونة فكسروا و دخلوا البصرة ... بعد خوضهم حومات المهالك. و بعد هذه الوقعة اشتدت أعضادهم و قوي اعتمادهم ... و إن إمام مسقط ملأ بالسفن الشط ... و ساعد ماجدا و فيصلا و حمل بأجناده كما حملا و مع ذلك لم يلن النجديون فبقوا في مجالدة شهرين.

هذا و لما رأى متسلم البصرة كثرة الأعداء و ضيق الحال ... صالح إمام مسقط بمقتضى رأيه فانتظم الصلح فسافر و بقي فيصل و ماجد و لم يبق من قرى البصرة إلا من كان لهما مساعد. و في أول ربيع الأول خرج عقيل من بغداد.

____________

(1) ج 2 من هذا الكتاب و كتاب المعاهد الخيرية.

334

و في أثناء ارتحاله ورد سليمان المناخور فوجده محاصرا للأقرع فحشدوا عليه و معهم ابن قشعم و محمد الكهية و رستم و غيرهم. و الذين كانوا مع سليمان زبيد القبيلة المعروفة و من عقيل شيخهم جعفر، و من رجال الوزير محمد المصرف.

و لما ظهر الأقرع بمن معهم و عاين الروم الكماة جمعهم زحفوا عليهم ... مع أنهم من الأعداء بمنزلة واحد من مائة ... فما كان إلا ريثما التقوا رد الروم على الاعقاب فندبهم سليمان فكروا ثانيا كرة أسد الغاب. فمذ ثارت أطواب العسكر كر مع الدخان من الروم كل غضنفر فأدبروا إدبار الرئال و تركوا البنادق و النصال ... و قتلوهم قتلا ذريعا ...

فأخبرني من أثق بخبره أن قتلاهم يزيدون على ألف في نظره و منهم من قال يزيدون على ألفين و لم يحضر الحرب الشيخ عقيل و لا صفوق و لكن حضرها شخير ...

ثم إن الشيخ عقيلا أقام في أرض عفك زمانا آملا أن يأتيه أناس من أكابر قبيلته و فرسان عمارته و الوزير ينهاه عن العجلة و يأمره بالأناة و التؤدة فلم يسمع نصحه ...

و في هذه الأثناء نصب الوزير سليمان الميراخور (المناخور) أميرا فبقي الشيخ عقيل في تلك الناحية و معه من شيوخ أهل البادية صفوق بن فارس الشمري و معه من بني عمه جماعة قال ابن سند: و قد ذكر لي الثقات عنه أنه صنع من الضيافات و نحر من الكوم السمان ما لا يحصره لسان.

أحوال البصرة:

أما البصرة فإنها في تلك الأيام قد بذل متسلمها جهده لمحافظتها و حراستها و ساعده النجادة من أهل الزبير فاعتز بهم. أما فيصل فإنه نزل أبا سلال و أكثر على البصرة بالغارات في البكور و الآصال. فلما سافرت‏

335

سفن (إمام مسقط) و طال عليه المقام رحل من ذلك المنزل و نزل على أخيه في نهر معقل و أشار عليه أن يذهبا إلى والدهما و يستشيراه في مقاصدهما فلم يقبل و قال: لا أرحل حتى أملك البصرة و أجعل عاليها سافلها ...

و عند قدوم فيصل إلى والده ورد محمد الكهية.

ثم إن ماجدا منته نفسه ... أن يملك البصرة و تأهب للأمر فخرج عليه سكان الزبير فلما رآهم ماجد و جنده تلقاهم بخيله و رجله و ترك خيامه في منزله فما كان إلا اليسير حتى ولى الدبر فخرج عسكر المتسلم على خيامه فغنموها عند ما لاحت أمارات انهزامه و أقبل النجديون إلى البصرة و أكرمهم المتسلم على هذه النصرة.

عود إلى وقائع المنتفق:

جاء ماجد فوجد والده قد فارق عزه و ذلك أن عقيلا لما نزل البغيلة (1) ورد عليه أعمامه فبسط لهم موائد الإكرام. و أما حمود عمه فإنه لما ارتحل عنه إخوانه علم أن لا مقام له و ركب خيله و فر إلى البادية.

فورد عقيل إلى وطنه بعسكر الوزير فولي الرئاسة مكرما لبني عمه و عمومته خصوصا أنه أشجعهم و أرفعهم.

و لما استقر عقيل رجع المناخور بالعسكر و انتظمت له الأمور و صار عونا للوزير في الخطوب ...

و في هذه المرة أيضا أحبط مسعى محمد الكهية ...

شيخ زبيد:

و في 13 صفر ورد شفلح شيخ زبيد إلى بغداد طالبا من الوزير أن يعفو عنه.

____________

(1) الآن تسمى النعمانية.

336

قال ابن سند: إن زبيدا قبيلة معروفة في العراق و شفلح هذا من أدهى أهل البادية. و كان شيوخ هذه القبيلة من أهل السنة. و أما الآن فالظاهر أنهم روافض‏ (1) ...

مطالع السعود:

إلى هنا وقف كتاب مطالع السعود لعثمان بن سند و تاريخه مسلسل الحوادث السياسية. يأخذ الكثير من الدوحة إلا أنه لا يخلو من الالتفات إلى القطر و علاقته الأدبية و العلمية و المحادثات و المجالسات ممزوجة بمشاهداته و مروياته. و يتوسع في حوادث البصرة و أحوالها مما لا يكاد يوجد في غيره و لا يخلو من ملحوظة أدبية أو نادرة تاريخية ... عولنا عليه في السنين التالية للدوحة و في الغالب لا نراعي سجعه، و لا نلتفت إلى أبياته و مدحياته مما لا علاقة له بالموضوع التاريخي ...

وقف تاريخه عند حوادث سنة 1242 ه و يناقش صاحب الدوحة أحيانا بقوله: قال المؤرخ التركي ... و في تاريخه نوادر لم توجد في الدوحة إذ لا تحلل الشخصيات العربية و لا تتوسع في وقائعها.

و المهم فيه ذكر مشاهير العلماء المعاصرين لداود باشا أو قبله أو من لهم علاقة بنفس المؤلف أو بالبصرة أو من اشتهر في بغداد ...

فكتابه نافع للتاريخ العلمي و الأدبي و يعد خير وثيقة. و يتعرض لوقائع آل سعود أيضا إلا أنه يتحامل و يماشي الحكومة في رغبتها و لم يكتم ما يعلمه بل أعطى كلّا حقه.

و يعاب:

1- من جهة أنه رسمي. يمدح الوزير و يطري كل عمل من أعماله.

____________

(1) مطالع السعود ص 232.

337

2- من جهة السجع:

3- لم يذكر لغيره من أقوال أو أشعار إلا قليلا جدا. لم يدرك نفعها من الناحية الأدبية، و لا يعول على النصوص التاريخية و إيرادها ...

لا يزال مخطوطا و نسخته التي بخطه في خزانة السيد نعمان خير الدين الآلوسي. و منها انتشرت نسخها و عندي مخطوطة منها. و توفي ابن سند في بغداد. و الظاهر أنه توفي في سنة تاريخ كتابه أو بعدها بقليل. و منهم من ذكر أنه توفي في الطاعون سنة 1246 ه في بغداد.

و مختصر مطالع السعود لأمين بن حسن الحلواني المدرس بالروضة النبوية في المدينة و فيه من الحوادث ما يصل به إلى سنة 1250 ه. طبع في بمبي سنة 1304 ه على الحجر. و طبع في مصر في المطبعة السلفية بتحقيق صديقنا الأستاذ محب الدين الخطيب سنة 1371 ه و قدم له مقدمة مهمة و توفي الحلواني على ما جاء في معجم المطبوعات سنة 1898 م.

قال الأستاذ المرحوم السيد نعمان خير الدين الآلوسي: و فيه لين. قال ذلك في آخر المختصر و بين أنه في سنة 1315 ه حصل له التاريخ الأصلي. فعلمنا تاريخ اقتنائه. و المختصر موجود في خزانة كتبه بخطه.

تعليم المدفعية في بغداد:

أرسلت الدولة أستاذا و خمس مدفعيين لتعليم عساكر بغداد المدفعية بناء على طلب الوزير. و خصص للأستاذ ألفا قرش و لكل واحد من الأفراد خمسمائة قرش لمصارف الطريق‏ (1) ...

عشائر العراق في سورية:

في هذه السنة قلت الأمطار فبدت علائم الغلاء فظعن العربان إلى أنحاء الشام فأزعجوا الأهلين هناك، و أن الميرة لم تعد تكفي الأهلين‏

____________

(1) تاريخ لطفي ج 1 ص 204.

338

فحصلت الضرورة ففسر ذلك بعجز الوالي فعزل والي الشام ولي الدين باشا لعجزه عن القيام بأعباء الولاية. و وجهت إدارة الشام إلى متصرف قيصري الصدر الأسبق مير الحاج صالح باشا (1).

غوائل الموصل:

نال الجوع من الأهلين مناله فظهر الاضطراب و اختلت الإدارة.

فلم يتخذ تدبير.

و العداوة كانت كامنة بين (الجليليين) و الأعيان الآخرين. فسرت إلى بيت الوزير يحيى باشا آل نعمان باشا والي الموصل فاضطر إلى الفرار إلى بغداد فعلمت الدولة بذلك. فكتبت إلى داود باشا و يحيى باشا بما يقتضي لإجراء التدابير اللازمة فعاد الوالي إلى الموصل و سكن الاختلال.

و لما حدث الاضطراب انتهب من سراي يحيى باشا و متعلقاته ما يزيد على ستة أحمال من القروش. و على هذا طالب يحيى باشا باستردادها و أرسل محضرا إلى استنبول مبينا فيه خدمات هذه الأسرة و رضا الأهلين عنها.

و يقال إن المروّج لهذه الفتنة وزير بغداد فعلمت الدولة بذلك و لكن أغمضت العين مراعاة للمصلحة (2) ...

وفيات‏

1- في 13 ذي القعدة سنة 1242 ه- 1827 م توفي الشيخ خالد صاحب الطريقة النقشبندية المشهورة ...

و كانت طريقته أحدثت أثرا

____________

(1) تاريخ لطفي ج 1 ص 209.

(2) تاريخ لطفي ج 1 ص 234.

339

مهما و معارضة شديدة و خافتها الدولة و نكلت بأتباعه. و سألت الوزير عن وضعها فأخبرها بأن هذا الشيخ ليس من أهل الدنيا و هو رجل صالح لا خوف منه.

توفي بدمشق‏ (1).

2- الشيخ أحمد الأحسائي.

توفي سنة 1242 ه و منهم من قال سنة 1241 ه أو سنة 1243 ه. و كان يعد من علماء الشيعة الأصولية إلا أنه ظهر من دعوته أنه من الغلاة و انتشرت مؤلفاته في الخفاء بين أتباعه، فعثر عليها و من ثم ثار عليه علماء الشيعة. و فرقة الشيخية تنسب إليه.

و إن نحلته شاعت على يد أكبر الآخذين عنه و هو السيد محمد كاظم الرشتي. و في أيامه عرفوا بالكشفية.

و من مشتقات الشيخية:

1- الركنية.

2- الكشفية.

3- البابية. و من هذه تفرعت (البهائية)، و (أتباع صبح أزل).

و لا يزال بعض الشيخية متمسكا بآراء الأحسائي دون غيره و الركنية نالت مكانة و لا يزال بعض رجالها في البصرة و ايران و غالب كتبهم مطبوعة، و أما البابية فقد غطت البهائية عليها و هي تطور في البابية.

و انتشار الشيخية في العراق بين الشيعة كان بهمة زعيمها السيد محمد كاظم الرشتي، و توفي سنة 1259 ه و لا يزال عقبه في كربلاء، و كتبت في هذه النحلة (كتاب تاريخ الشيخية).

____________

(1) كتاب عشائر العراق الكردية ج 2 ص 203. و فصلت أحواله و طريقته في كتاب (التكايا و الطرق).

340

حوادث سنة 1243 ه- 1827 م‏

إمارة أسعد باشا:

وجهت رتبة باشا إلى أسعد على أن يبقى كما كان كتخدا الموصل و هو أخو والي الموصل يحيى باشا ثم وجهت إيالة الموصل إلى عبد الرحمن باشا آل محمود باشا من وجوه الموصل و هو المعروف ب (رئيس الحجاب).

و في هذه الأثناء ورد كتاب من الوزير ينبى‏ء أن الشهزاده في نيته التسلط على أنحاء بغداد فنبه بلزوم اتخاذ التدابير و التحكيمات، و أن لا تؤمل المساعدة مع وجود الغوائل الحاضرة المحيقة بالدولة ...

و ذكر أن عشائر الشامية عصوا فقام بمحاربتهم و أرسل 28 رأسا مقطوعا ممن قتل منهم.

واقعة شمر:

جرت واقعة مع شمر في نهر عيسى ذكرها الشيخ صالح التميمي في قصيدة شطرها السيد عمر رمضان و فيها انتصار باهر للوزير.

أوقاف الوزير:

1- وقف موقوفات كثيرة على جامع الآصفية المعروف سابقا بالمولاخانة فجعل فيه مدرسين اثنين ... و حدد رواتبهم و سجلها في غرة رجب سنة 1243 ه.

2- جامع الداودية: هو جامع الحيدر خانة عمره سنة 1234 ه و جعل فيه مدرسة و خزانة كتب و جعل لنفسه حق التغيير في الشروط و في هذه المرة وقفه بشروط جديدة و التفصيل عن هذين الجامعين في كتاب المعاهد الخيرية.

341

3- وقفيات أخرى. جعلها لنفسه ثم لمن بعده و بالنتيجة ترجع غلتها بعد الانقراض إلى جامع الحيدر خانة.

و في هذه الوقفيات ما يعين ممتلكاته مما وقفه ... و منها يعرف غناه و ما استولى عليه ...

حوادث سنة 1244 ه- 1828 م‏

النقود في بغداد:

كان قديما يجري الضرب في البلدان النائية مثل مصر و العراق و تونس تسهيلا للمعاملات. و كان يسمح لها بضرب النقود الصغيرة.

و بغداد سوغ لها أن تضرب و منعت أن تنتشر في الخارج. و من هذا القبيل ما حدث سنة 1235 ه فقد أذن لها أن تضرب بموجب فرمان كل سنة على أن لا يتجاوز مبلغ خمسين ألف قرش و منع الضرب بعد هذه السنة منعا باتا في حين أننا رأينا ما ضرب إلى سنة 1255 ه.

حوادث سنة 1245 ه- 1829 م‏

في الموصل:

في 9 شوال سنة 1244 ه- 1829 م قتل والي الموصل عبد الرحمن باشا الجليلي من جراء أنه تجاوز في ظلمه الحد. دبر قتله قاسم (باشا) العمري و خالد آغا ابن صالح آغا الشويخ من أغوات الينگچرية و محمد سعيد بك (باشا) ابن إبراهيم بك آل ياسين المفتي و كان مدير تشريفات. و في هذه الوقعة قتل محمد بك أخو الوالي.

و عند ما عرض الأمر على داود باشا رشح محمد أمين باشا ابن الحاج عثمان بك الجليلي فوجهت الدولة ولاية الموصل إليه و أرسل للتحقيق عمن اجترأ على قتل الوالي عبد الرحمن باشا، و أرسل شاكر

342

بك من الخلفاء للقيام بضبط مخلفاته. و كانت ولاية محمد امين باشا في المحرم سنة 1245 ه، فوقعت له فتنة مع الذين قتلوا عبد الرحمن باشا فأخرجهم من الموصل، فتوجهوا إلى تلعفر فعادوا بعد شهر بقوة (1400) من السكبان من أهل تلعفر بينهم نحو 400 من عربان البو حمد فدخلوا الموصل و اشتد القتال نحو 21 يوما فكسر الباشا فتوجه بنفر قليل إلى بغداد. و في هذه الفتنة قتل الأستاذ صالح السعدي كاتب الديوان.

و تسلم البلد قاسم باشا العمري‏ (1) ...

حوادث سنة 1246 ه- 1830 م‏

واقعة صادق الدفتري:

غطت هذه الحادثة على غيرها، فأعادت للأذهان قضية حالت أفندي. و ذلك أن الدولة طلبت من بغداد مبالغ للضرورة التي أصابتها إلا أن الوزير اعتذر على خلاف المأمول فحمل اعتذاره على التعند، فأرسل إليه صادق الدفتري فعذله و بين له أن تصلبه سوف يجر إلى نتائج وخيمة.

و الصحيح أنه جاء بعزله إلا أنه لم يستعمل الحكمة و لم يراع التؤدة و لا بالى بالمكاشفات و عواقبها. لذا صارح رجال الحكومة بما جاء من أجله، فاطلع الوزير على جلية الأمر و بأمر منه قتله (محمد المصرف) (2).

و هذا ما دعا إلى غضب الدولة عليه و أدى إلى وقوع (حادثة بغداد). فاضطربت الآراء في تفسيرها و الكل يستطلع طلعها لما أحدثت‏

____________

(1) تاريخ لطفي ج 1 ص 147 و تذكرة الشعراء أيام داود باشا و معلومات عن الأستاذ صديق الجليلي. و ترجمة صالح السعدي في مجلة سومر ج 1 مجد 5 ص 85 مقال لي.

(2) مجموعة الأستاذ السيد نعمان الآلوسي برقم قديم 2591 من خزانة الأوقاف العامة.

343

من غائلة و التواريخ بين التفصيل و الاجمال و تضارب في النصوص.

و نحن نذكر ما تيسر دون إخلال.

و كان الأستاذ محمد أمين الكهية مفتي بغداد الأسبق أبدى بيانات دونها لطفي في تاريخه و زاد عليها مصادر رسمية و بيانات أخرى و أن الأستاذ سليمان فائق تصدى للموضوع و هو بمثابة رد عليه بالنظر لما علم عن المماليك و عن الوزير. استنطق بعض رجال الدولة و رجال المماليك فكتب تاريخ الكولات و مرآة الزوراء، فأوضح ما عنده. و من ثم رجعنا إلى هذه و غيرها. و لخصنا ما جرى.

إن الدولة أرادت أن تطبق ما جرى على يد حالت أفندي فقامت بأمر خطير و ذلك أن داود باشا داخل ذهنه الاستقلال فاستخدم الشعراء لمدحه و إطرائه، و قام بتعمير المدارس و الجوامع و كلها مقدمات نوايا يحسب لها حسابها. و ما طلب الإعانة منه إلا وسيلة للوقيعة به. و كان هذا الوزير أعرف بالأوضاع السياسية و الحربية. زاد نفوذه في بغداد.

فقضى على المتنفذين من الأهلين و العشائر و رجال المماليك فصفا له الجو بحيث لم يبق له مزاحم. و تدخل في شؤون الموصل فعرفت الدولة آماله. و كانت تظن أن يكون عونا لها في الملمات فيقوم بخدمات جلى فتهاون بل صار يطلب الاستقلال فعزمت على القضاء عليه.

استغل الحوادث السياسية و الحربية فكان من الصعب جدا أن تكاشفه الدولة بعزل. و إنما أعملت الفكرة، فاتخذت الكتمان و المذاكرات الخفية لا سيما أنها كانت في غوائل حاقت بها و لكنها عدت حادث الوزير أكبر.

أرادت أن تطرح إعانة على بغداد و قررت إرسال صادق الدفتري لهذه المهمة و لحل بعض القضايا المعلقة بين الدولة و ايران، حاولت الحصول على دراهم من بغداد تعادل ما يؤخذ من إيالة مصر، و أن‏

344

يتفاوض مع إيران بخصوص محمود باشا متصرف بابان الهارب إليها في تلك الأثناء. هذا ما أظهرته الدولة.

و لا ننس أن الوزير حاول إلحاق الموصل ببغداد، لتأمين آماله.

فشكا من واليها يحيى باشا و طلب عزله و لكن حاذرت الدولة أن تودع الولاية إلى أحد الوطنيين مع علمها بأن إرسال صادق لا يقترن بنتيجة صالحة بل ارسلته لهذه الغاية و إن كانت أظهرت غير ذلك.

قبل أن يذهب صادق الدفتري إلى بغداد أراد أن يحصل على تعليمات تخص مهمته فلم يظفر ببغية سوى أنه أوعز إليه أنه إذا وصل المحل تحرك حسب المصلحة.!

فلما تحقق أن لا مجال لمعرفة الوضع جاء إلى (المابين الهمايوني) مع مصطفى (باشا) (كاتب السر) فأمر بالمواجهة فتلقى التعاليم الشفهية من السلطان و التنبيهات المقتضية. و هذا أغلب ما يرد إلى الخاطر ...!

قال المؤرخ لطفي: و للتحقق عن أصل القضية ذهبت بنفسي إلى مصطفى باشا كاتب السر من قدماء وكلاء السلطنة و كان مقيما في وانى كوى (من قرى استنبول) و لما سألت منه أفادني أنه لم يواجه صادق أفندي إلا أن الصراف جاءه يوما إلى (المابين الهمايوني) و حضر عنده فأبدى أنه يطلب إعفاء صادق من هذه المهمة و التمس أن يتوسط بذلك و أتى بليرات كثيرة، فأجابه أن الدولة عينته و أنه لا يتدخل و طرد الصراف. هذا ما بقي بخاطره.

و استمر لطفي في الرجوع إلى أصل بحثه و قال:

و على هذا سار صادق إلى بغداد في ربيع الأول و صحبه معه جناب أفندي من مقدمي قلم الديوان و أخذ مصاريف سفرية خمسين ألف قرش، و أجور المنزل ثلاثين ألف قرش فقصد بغداد ...

345

و يقال إن من جملة التعليمات التي تلقاها أن يحصل على المعلومات من يحيى باشا الموصلي و كان آنئذ والي ديار بكر فإذا التقى به استفاد منه خبرة ... و لكن الدولة إثر إرساله كانت تخشى أن يفتضح أمره فتحبط مساعيها فتعد قضيته شبيهة بقضية حالت.

نقل لطفي في تاريخه المسموعات عن هذه القضية و هي لا تختلف كثيرا عما في تاريخ الكولات و لا عما ورد في تقويم وقائع ... و لا يهمنا أن تكرر الأقوال. و إنما نذكر الصفوة.

ورد صادق بغداد. و الدولة في ريب من أمره.

و كان الوزير على علم بالخبر قبل أن يتحرك صادق فلما جاء إلى بغداد قابله (محمد المصرف) و أظهر له الوزير معاملات جافة لحد أنه لم يأمر له بالجلوس بحضرته و إنما أبقاه واقفا و حقره بأمثال هذه ... مع أن المعتاد أن من يأتي من جانب السلطنة صغيرا أو كبيرا يستريح في قصبة الأعظمية و يبيت فيها ليلته و في اليوم التالي يدخل بغداد باحتفال مهيب فيلاقي الوالي و ينزل ضيفا عنده. جرى ذلك المعتاد من زمن حسن باشا فاتح همذان.

أما الموما إليه فقد وصل إلى الأعظمية يوم الجمعة و أمر أن يدخل بغداد في حينه فاحتفل بدخوله و توجه إلى السراي و أحضر للسلام مقدار من مشاة العساكر النظامية. و من هناك ذهب إلى داره.

و في اليوم التالي جاء لملاقاة الوزير فأحضر لاستقباله فوج من العسكر و لم يقصر في الاحتفال به رسميا إلا أن الوزير تثاقل في القيام له ... و لكنه رأى مقابلة بمثلها تقريبا. و لم يفاتحه بما يتعلق بمهمته حتى أنه لم يسأله عن حاله و إنما أنهى المجلس ببعض الكلمات الرسمية و العادية ... و لما خرج لم ينهض له إلا بتثاقل. و هذا صعب على مثل صادق و لم يعد إليه الزيارة مع أنه انتظره في اليوم التالي. و في يوم الاثنين ذهب إلى الوزير و حينئذ و عند المواجهة اخبره بعزله فقال له إني‏

346

قدمت معروضات إلى الدولة و أنا منتظر جوابها فينبغي أن تكتم ذلك.

فأبدى أنه لا يغتر بمواعيد أمثال هذه و أصر عليه بلزوم تسليم المملكة إليه. و جرت معارضات بينهما فانفعل الواحد من الآخر ... ثم عاد صادق إلى محله.

و إثر عودته دعا سليمان آغا الميراخور (المناخور) من عتقاء الوزير ففاتحه صادق في القضية و قال له إذا قتلت الوزير وجهت إليك وزارة بغداد فلم يقبل و ذهب توا إلى الوزير فأخبره بما جرى.

و في الأثناء دخل محمد آغا كتخدا البوابين و قال للوزير إن قائممقام النقيب السيد عبد الرزاق جاء لأمر مهم يطلب المواجهة فأذن له. و حينئذ قدم إليه تذكرة مرسلة إليه من صادق الدفتري يبين له فيها عزل الوزير و صدور الفرمان بقتله و أنه يطلب معاونته ... و لما قدمها إليه كانت يده ترتجف و آثار الرعب بادية عليه. قرأها و قال: أنا سوف أتصالح مع دولتي فلا تطلع أحدا.

مذكرات:

بعد الملاقاة الثانية للوزير و انفعال الواحد من الآخر عاد صادق إلى داره متألما و على هذا وعد سليمان الميراخور بالوزارة و أخبر قائممقام النقيب ...

و على هذا غرق الوزير في بحر من الأفكار. و حينئذ استوحش الوزير من سليمان آغا، فدعاه و دعا محمدا المصرف و إسحاق الصراف و تذاكر معهم في دفع هذه الغائلة. فاتفقوا على لزوم قتل صادق إلا أن الوزير أبدى أن عاقبة ذلك وخيمة فقال الجميع: إن حياتنا مهددة ببقائه، و إن الخطر محيق بنا ما دام هذا حيا، و تعهد الميراخور بقتله و عند هذا أنهى الوزير القول. و هذا غفلة منه‏ (1).

____________

(1) تاريخ الكولات ص 27 و فيه تفصيل.

347

ثم أرسل الوزير بعض رجاله فقتلوه و في اليوم التالي أعلن للناس أنه أضر بالأهلين بحركات غير لائقة فحبس و أخبرت الدولة بذلك. و بعد بضعة أيام ورد التاتار بإعدام صادق فأعدم.

قص خبر هذه الواقعة الأستاذ محمد أمين الزندي البغدادي أحد أعضاء شورى الدولة باستنبول و كان عالما معروفا. صار مفتيا ببغداد بعد أبي الثناء السيد محمود شهاب الدين الآلوسي ثم صار كهية و بعدها صار في مجلس الشورى.

قال الأستاذ الزندي:

«إن مسموعاتي عن قتل صادق هي أنه دبر نزاع بين الضباط لقتله فلم ينجح.

و لما رأوا فشل التدبير أحاطت ثلة من العسكر النظامي بدار صادق و كان سليمان آغا الميراخور و محمد المصرف في غرفة منها و أدخل كل من رمضان آغا الجوخه دار مع خالد من قواسي سليمان آغا و معهم أتباع الوزير فهاجموا فجأة غرفة صادق فأعلموه بما جاؤوا لأجله فتكلم معهم كثيرا و طلب الأمان منهم و أن لا يقتلوه و أنه يعمل ما يريدون و طلب مواجهة الوزير مرة واحدة فلم يفد معهم حتى أنه رضي أن يعرض له الأمر فإذا أصر فليفعلوا ما شاؤوا ... فلم يجد ذلك كله نفعا و قالوا له كان الواجب أن تطلب ذلك قبل الآن. و حينئذ سل خالد القواس سيفه فقتله في الحال ...

و ذهبوا توّا لتبشير الوزير بما فعلوا و كان جالسا مع عدة أشخاص ينتظر ما يأتي من الاخبار. و حينئذ ذهب إلى دار المقتول فتبين له مماته فأظهر التأسف، و أمر أن تدفن جنازته في محل تحت رابية الصابونية (الصابونجية) تجاه الدار التي قتل فيها.

ثم أعلن أن صادق أفندي مريض خشية شيوع الخبر و لكن حقيقة

348

الحال عرفت في تلك الليلة. و في الصباح علمها الكل و مع هذا أخبر أنه مريض، و أن الوزير في كل يوم يبعث بطبيب لمداواته ... و كذا يرسل بعض الأشخاص للسؤال عن خاطره ...

و على كل أحدثت هذه الوقعة اضطرابا في النفوس و قلقا، أما الوزير فقد كتب إلى الباب العالي فلم يأخذ عن درجة أثرها. لذا قام بأمر المدافعة و اهتم بلوازم التأهب للطوارى‏ء.

استدعى الوزير إليه عجيل السعدون شيخ المنتفق و كان من أعوانه.

جاءه بعشائره و عشائر أخرى غيرها و جعل قسما كبيرا من هذه بقيادة الميراخور و أن يكون في جهة ماردين و جعل العشائر الأخرى بقيادة عجيل السعدون ليسوقهم إلى أنحاء أورفه من جهة الدير.

قرر ذلك و اختط هذه الخطة.

و في الأثناء و توسلا ببعض الوسائط ورد تحرير من كتخدا البوابين إلى نجيب بك‏ (1) أنه عفي عنه و عما قريب يأتيه خبر ابقائه في منصبه من استنبول و أنه ينبغي أن يقدم لركاب السلطان عدة رؤوس من الخيل العربية و أن يحترس من القيام بأي حركة عسكرية من شأنها أن تكدر عليه أمره. جاء خبر ذلك بواسطة بعض الأشخاص بتأكيد. و على هذا أخر الأمر و صار ينتظر النتيجة.

ثم علم الوزير أن علي رضا باشا نصب واليا على بغداد. و على هذا اتخذ التدابير اللازمة لإعداد القوة إلا أنه في هذا الحين استولى الوباء على بغداد جاءها من ايران. و في أمد قصير انتشر فحطم من الأهلين 95 من 100 من نفوسها و فتك فتكا ذريعا و أفنى العساكر الموجودة» اه ....

____________

(1) أخو حسني بك. صار ناظر الحربية (علي نجيب باشا). (تاريخ الكولات ص 47).

349

صدى قتلة صادق:

و بينما الدولة تترقب وصول خبر من صادق عما قام به إذ انبأها والي حلب علي رضا باشا أنه قتله الوزير و جاء كتاب من داود باشا يفيد أنه توفي بقضاء اللّه تعالى.

وصلت هذه الكتب متعاقبة إلى الباب العالي و حينما علم الوزير أن القضية عكس صداها إلى الباب العالي و وقف على التدابير السريعة التي اتخذتها الدولة كتب إلى السلطان و وكلائه و رجال البلاط كتبا فحواها أن القضية وقعت حسب المقدر، و نظرا لخدماته السابقة في العراق، و صدقه و إخلاصه و ديانته ... يستعفى عن جرمه و قصوره ... فأرسل هذه الكتب بواسطة المقيم البريطاني في بغداد إلى سفارة استنبول. قدمها الترجمان (شابر) مع أقوال السفير في حق الوزير تتضمن حسن حاله ...

قال لطفي: طالعت كل هذه الوثائق ...!

اهتمام الدولة بلزوم تأديب الوزير:

ثم إن الصراف لداود باشا في استنبول ورد إليه كتاب من ابنه في بغداد يصدق ما جاء من نبأ علي رضا باشا و العزم مصروف إلى لزوم التنكيل بداود. فقدمت الدولة مهمتها على غيرها و جعلتها أم المسائل و قامت بتدابير عاجلة.

و على هذا بينت الدولة الحالة سرا إلى علي رضا باشا والي حلب و هو من أقوى الوزراء في جوار بغداد و أقدرهم ... فأجاب أن تأديبه أمر سهل إلا أنه إذا لم يكن للدولة معلومات عما أعلمه عنه فلا تتخذ أي تدبير علني و لا تشرع بشي‏ء من ذلك فطلبت منه المعلومات و أرسلت إليه ترجمة كتاب الصراف فورد الجواب منه ينطق بأن أكثر رؤساء العشائر في البصرة و بغداد و تجار البصرة كل هؤلاء ساخطون و أكثرهم ذو

350

علاقة به. و من المتوقع أن تلتحق به رؤساء القبائل و عساكر عظيمة من أنحاء البصرة إلى بغداد، فيرى أن توجه إليه بغداد إلحاقا بحلب و يعلن ذلك، و أن تودع الموصل إلى قاسم العمري برتبة باشا و أن تدفع إليه ستة آلاف كيس على أن تسترد بعد ذلك، و أن تصل إليه المهمات و أن يلتحق المتميزون من الأهلين في الأطراف بمعيته ...

أنهى ذلك كله فوافقت على طريقة حله ...

و من جهة أخرى أشعر رسميا إلى دولة إيران عما وقع من داود و أنه اقتضى تأديبه، و الشروع بما يجب عمله فإذا حاول أن يفر إلى جهتها فترجو أن لا تؤويه. و جعل بصحبة علي رضا باشا كل من يحيى باشا والي ديار بكر، و علي شفيق باشا والي أرضروم (أرزن الروم) سابقا و موظفين كثيرين و متسلمين و أكابر رجال الكرد و الأنحاء المجاورة.

و الملحوظ أن والي الموصل عبد الرحمن باشا توفي في هذه الأثناء، و أن قاسم أفندي التزم مخلفات أخت المتوفى و أخيه و أمه بألف و خمسمائة كيس بسعر الموصل، و بهذا نال إيالة الموصل.

كما أن علي شفيق باشا من أهل بلد علي رضا باشا فصوب استخدامه معه.

حركة علي رضا باشا إلى بغداد:

إن علي رضا باشا هيأ لوازم السفر و استعد. و في 8 شوال سنة 1246 ه توجه من حلب إلى بغداد. و في حركته هذه بعث أوامر (بيورلديات) تتضمن الرأي و الأمان لمماليك بغداد و العثمانيين (الجيش الوطني) و لصنوف (الينگچرية) و سائر الأهلين. و بذلك أراد جلبهم إلى جهته.

351

وصوله إلى الموصل:

و في ذي القعدة وصل إلى الموصل و أبقت الدولة وزارة حلب بعهدته و وجهت رئاسة البوابين إلى متسلم حلب إبراهيم آغا و وردت الوزارة إلى محمد باشا. فصار قائممقاما في حلب. و هذا هو (البيرقدار) و وجهت رتبة مكة إلى قاضي حلب وحيد أفندي العرياني و وجه قضاء بغداد إلى قائممقام النقيب (تقي الدين القدسي) و كان أخذه معه. ثم ألحقت ديار بكر بعلي رضا باشا فخولت إدارتها إلى شفيق باشا و رفع يحيى باشا إلى رتبة الوزارة و أقيم في أماسيه ...

ثم إن علي رضا باشا نال كل التفات و وجه إليه عنوان سر عسكر (قائد الجيش) تقوية لنفوذه. فأصدر الخط الهمايوني و جاء في فقرة منه: «تذاكر المجلس بخصوص إعطاء عنوان سر عسكر إلى الوالي تقوية لنفوذه و إعظاما للمسألة، و بيانا لمكانته و أهمية القضية التي يعالجها» اه ...

ثم صدرت الإرادة إلى الصدر السابق سليم محمد باشا أن يذهب إلى فيلق حلب ليكون قوة ظهر فصار قائدا للفيلق الثاني و سار بسرعة إلى أنحاء حلب.

داود باشا- اجراءات الدولة:

وقف الوزير على الأعمال المتخذة و النوايا المزمع عملها فبدرت له فكرة نقل أمواله و نفائسه و نقوده الموجودة إلى الهند بمعرفة قنصل انكلترا فإذا تضايق فحينئذ يذهب هو أيضا إلى الهند. فلما علم الباب العالي دعا ترجمان الانجليز (شابر) و بسطت له الحالة و بين له أن كل مساعدة له تنافي الصفاء و الولاء بين الدولتين و أن يبين ذلك للسفير رسميا. و لما كان يعتقد بعدم التصحب أبدى أنه ينبغي محافظة حدود البصرة قبل كل شي‏ء و ختم الترجمان كلامه بذلك و ذهب.

352

و من ثم كتب إلى علي رضا باشا بلزوم محافظة أنحاء البصرة، و أن يسرع فأجرى الإيجاب.

و بعد هذا قدم سفير الانجليز إلى الباب العالي مذكرة حاول بها أن يعفى عن داود باشا. و لكن الجواب المرسل من مقام الرئاسة كان يضمن أنه لزم القصاص الشرعي في حقه و لا يمكن العدول عنه فأجاب الترجمان أرى الأولى من صرف مبالغ طائلة أن تؤخذ منه المقادير التي سيؤديها ... ألم يكن ذلك خيرا؟

فقال له: إن الرجل خائن، و لا قيمة للمبالغ التي يؤديها و إن الخزائن الموجودة معدة لتصرف في مثل هذه السبيل. فلا يستثقل من مصاريف باهظة مثل هذه ...!

فأعيد الترجمان.

حوادث سنة 1247 ه- 1831 م‏

حادث بغداد:

يعين هذا الحادث وضعه التاريخي و ما كان من مراجعات رسمية، و ما قصه أكابر رجالنا في بغداد. و خير من عولوا على بياناته الأستاذ محمد أمين الكهية مفتي بغداد الأسبق قال ما ملخصه: إن الدولة اختارت- بعد أن سمعت بحادث صادق- علي رضا باشا للمهمة فسار من حلب بقوة عسكرية كافية، و كان معه من المبعدين و الفارين من المماليك جماعة منهم رستم آغا، و أخو شوكت صالح آغا و صالح چلبي الزهير، و صفوق الفارس شيخ شمر، و سليمان الغنام من رؤساء عقيل ...

و إن هؤلاء كاتبوا الأطراف وسعوا لجلب الأعيان و سائر من يؤمل منهم خدمة و صاروا يهتمون بمن يوافيهم فينال كل اعزاز و تكريم ...

353

و بذلت الأموال الطائلة في هذه السبيل ... و كلما جاؤوا إلى موطن أعزوا أهله، و بشوا في وجوههم و قضوا مطالبهم حتى جاؤوا إلى الموصل.

و في الأثناء فتك الطاعون فاستفاد القوم من هذه الغائلة. و مع هذا لم يضيعوا الحزم فبقي علي رضا باشا في الموصل مدة و نصب قاسم باشا متصرف الموصل (قائممقاما) لبغداد و عين بمعيته خليل بك الكتخدا السابق، و الحاج أبو بكر، و شيخ شمر الجرباء صفوق، و سليمان الغنام و أتباعهم و لواحقهم ... فأرسلهم إلى بغداد من طريق الصحراء من الجانب الغربي.

و لما وصلوا إلى ما يبعد نحو خمس ساعات أو ست ساعات عن بغداد أرسل قاسم باشا البيورلدي إلى قاضي بغداد طاهر السيروزي خفية، فأظهره لبعض معتبري الأهلين و أخذ منهم عهدا أن لا يخونوا دولتهم و أن يخلصوا لها.

و لما كان الوزير في دار الحكومة صار طاهر أفندي يحث الأهلين و يدعوهم أن لا يركنوا إليه. و أن يبادروا لاستقبال القائممقام و إلا نظر إليهم نظر عصاة. فلما سمعوا منه ذلك وافقوه، و أذعنوا بالطاعة.

أما الوزير فقد قتل الوباء أكثر عساكره و رجال دائرته و حواشيه و سائر أعوانه و مماليكه ما عدا الأربعين أو الخمسين نفرا منهم كانوا في الخارج و الداخل حتى إن سليمان آغا الميراخور توفي في خانقين مطعونا مما أدى إلى تفرق أتباعه. و في تلك الأثناء مرض الوزير بالطاعون و تعطل عن إدارة الأمور.

و لما زال الوباء عاد من فر و ممن رجع محمد المصرف. و هذا كان منتظرا مجي‏ء محمد باشا آل خالد باشا و معه نحو أربعمائة فارس أو خمسمائة من الأكراد فتوقف خارج المدينة معتمدا عليه. و من ثم عين‏

354

الباشا محمدا المصرف مكان سليمان آغا الميراخور.

ذهبا إلى أنحاء مندلي و خانقين من طريق بهرز ليتداركا قوة إلا أن رئيس شمر طوقة الشيخ محمد البردي كانت بينه و بين الشيخ صفوق مخابرة فأوصاه صفوق أن لا يفلت منهما أحدا إلى خارج بغداد.

و على هذا أراد محمد البردي أن يبدي خدمة، و أن يستولي على الغنائم. و بهذا الأمل خرج عليهما بقبيلته و سائر من معه من عشائر أما محمد باشا فإنه أبدى بسالة و شجاعة و لكن معداته الحربية نفدت و سقط بعيدا عن الماء و بهذا خارت قواه فانسحب بعد ذلك و لم يسلّم. و أن محمد المصرف عري و صار يقوم و يقعد حتى تمكن من الذهاب إلى ناحيته. و حينئذ استولى محمد البردي و من معه على خزانة الوزير و ما جمعه محمد المصرف. فصارت لمحمد البردي و من معه من العربان ...

و إن الوزير لم تكن له قدرة القيام و القعود. و مع هذا كان في كل يومين أو ثلاثة يأتي إلى دائرة العرض محتضنا بالأيدي فيجلس في محله ثم يرفع الستار فيدخل عليه البعض. نجا من مخالب الطاعون و صار يخرج متطلعا على العثمانيين المجتمعين و يجلس كجلسة خطيب ثم ينفض الحضار من حوله فيعاد إلى دائرة الحرم.

و إن قاسم باشا جاء بفيلقه إلى محل قريب من الكاظمية فصارت تسمع أصوات المدافع من هناك. و في بعض الأيام وافت الساعة الحادية عشرة فجاء نحو المائتين من الأهلين المسلحين من محلة الشيخ فهاجموا دار الحكومة. و أشعلوا النيران في باب السراي الداخلي ثم انسحبوا.

و كان ذلك لإفهام الوزير أنهم من أعوان الدولة، و إعلام قاسم باشا أنهم منقادون مخلصون لها.