دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
53

1- حرمة المخالفة القطعية.

2- حرمة المخالفة الاحتمالية أو وجوب الموافقة القطعية.

المرحلة الأولى: حرمة المخالفة القطعية:

و المخالفة القطعية تتحقق بترك كلا الطرفين، و في المثال بترك كلتا الصلاتين، و يقع الكلام في أمرين:

أ- أصل منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية بأن يمنع المولى عن ترك التكليفين معاً، و بعبارة أخرى: حجية العلم الإجمالي بمقدار المنع عن المخالفة القطعية.

ب- استحالة سلب منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، و بعبارة أخرى: إمكان ردع الشارع عن حرمة المخالفة القطعية و عدم إمكان ذلك، أي إمكان الترخيص في المخالفة القطعية.

الأمر الأول: منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية:

لا شك أن العلم الإجمالي حجة في حرمة المخالفة القطعية لأنه مشتمل على علم تفصيلي بالجامع بين التكليفين و هو وجوب صلاة ما، فيكون الجامع بين الأطراف منجَّزا، فلا يجوز ترك كلا الطرفين بل الإتيان بواحدة على الأقل لأن الكلي الطبيعي ينتفي بانتفاء جميع أفراده و يوجد بوجود أحد أفراده، و يكون العلم الإجمالي مُدْخِلا للجامع في دائرة حق الطاعة على المسلكين:

على مسلك الشهيد: إن كل احتمال منجِّز للتكليف، و يوجد هنا احتمال وجوب الظهر و احتمال وجوب الجمعة، فيتنجز وجوب امتثال الطرفين فضلا عن أحدهما لأن كلا منهما محتمل.

على مسلك المشهور: إن القطع فقط منجِّز للتكليف، و العلم الإجمالي يستبطن انكشافا تفصيليا تاما للجامع بين التكليفين و هو وجوب‏

54

صلاة ما لأنه بيان فلا يقبح العقاب عليه، فيتنجز الجامع بسبب القطع التفصيلي به، و لا يمكن مخالفته بترك كلا الطرفين، بل يأتي بواحدة من الصلاتين على الأقل.

الأمر الثاني: استحالة سلب منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية:

سؤال: هل يمكن سلب المنجزية عن العلم الإجمالي بأن يرخص المولى في المخالفة القطعية فيجوز ترك كلتا الصلاتين؟

رأي المشهور: الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي مستحيل لأنها معصية قبيحة بحكم العقل، فيكون ترخيصا في القبيح، و هو محال في حق الله تعالى، و هذا نفس دليلهم على استحالة سلب المنجزية عن العلم التفصيلي.

رأي الشهيد: رأي المشهور غير تام لأن حكم العقل بقبح المعصية و وجوب الامتثال معلَّق على عدم ورود الترخيص الجاد من المولى في المخالفة، فإذا جاء الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي، فلا تكون المخالفة القطعية قبيحة عقلا لتنازل المولى عن حقه.

الترخيص في عالم الثبوت:

يقول‏ الشهيد: و هنا ينبغي أن ينصب البحث على‏ السؤال التالي‏:

إن ورود الترخيص الجاد من المولى في مخالفة العلم التفصيلي مستحيل ثبوتا في عالم الثبوت أي عالم الإمكان العقلي و بقطع النظر عن الأدلة و إثباتا أي في عالم الإثبات و الوقوع و بالنظر إلى الأدلة، فهل يُعْقَل في عالم الثبوت ورود الترخيص الجاد من المولى في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي على نحو يتلاءم مع ثبوت الأحكام الواقعية و لا يحصل اجتماع لحكمين متنافيين لأنه لو كان الواجب الواقعي هو صلاة الظهر مثلا و جاء الترخيص بترك كلتا الصلاتين فهذا يعني إباحة ترك الواجب الواقعي فيلزم منه اجتماع الوجوب و الإباحة و هما حكمان متنافيان؟

55

الجواب: نعم إنه معقول في حالة ما إذا افترضنا أن الملاكات الاقتضائية للإباحة الواقعية لأحد الطرفين كانت أهم بحيث تستدعي لضمان الحفاظ عليها الترخيصَ حتى في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، و هو ترخيص ظاهري بروحه و جوهره، لذلك لا يحصل تنافٍ بين الترخيص و بين التكليف المعلوم بالإجمال إذ ليس له مبادئ خاصة به في مقابل مبادئ الأحكام الواقعية، ففي العلم الإجمالي بوجوب صلاة ما يوجد طرفان أحدهما واجب واقعا و الآخر مباح واقعا، فإذا كان ملاك المباح الواقعي أهم من ملاك الواجب الواقعي فإن المولى سيرخّص في ترك كلا التكليفين للحفاظ على ملاك المباح الواقعي، و هو ترخيص ظاهري بروحه لأنه شُرِّع من أجل الحفاظ على الملاك الواقعي الأهم.

إشكال: تقدم أن الترخيص الطريقي الذي يحمل روح الأحكام الظاهرية في مخالفة التكليف المعلوم تفصيلا مستحيل، و العلم الإجمالي علم تفصيلي بالجامع، فلما ذا يوجد فرق بين العلم الإجمالي و العلم التفصيلي حتى يمكن الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي دون العلم التفصيلي مع أن الجامع بين التكليفين معلوم بالعلم التفصيلي؟

الجواب: يوجد هذا الفرق بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي لأن العالم بالتكليف بالعلم التفصيلي لا يرى التزامه بعلمه مفوّتا للملاكات الاقتضائية للإباحة لأنه قاطع بعدمها في مورد علمه حيث يوجد طرف واحد في العلم التفصيلي و هو الواجب الواقعي و لا يوجد طرف آخر مباح، فإذا ورد ترخيص ظاهري فهو يرى بأنه غير متوجّه إليه بشكل جدّي لعدم احتمال المكلف وجود المباح الواقعي أصلا، فيكون سالبا بانتفاء الموضوع.

و هذا خلافا للقاطع بالعلم الإجمالي فإنه يرى أن إلزامه بترك المخالفة القطعية أي الإتيان بأحد الطرفين قد يعني إلزامه بفعل المباح لأن‏

56

المباح أحد طرفي العلم الإجمالي لكي لا تتحقق المخالفة القطعية، لذلك يتقبّل توجّه ترخيص جاد من المولى إليه في المخالفة القطعية بأن يترك كلا الطرفين لضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية الواقعية للإباحة، ففي العلم الإجمالي هنا يوجد طرفان أحدهما واجب واقعا و الآخر مباح واقعا، فيمكن صدور ترخيص من الشارع للحفاظ على ملاك المباح الواقعي لأنه أهم من ملاك الواجب الواقعي.

الترخيص في عالم الإثبات:

سؤال: بعد أن ثبت أنه في عالم الثبوت يمكن عقلا ورود الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي كترك كلتا الصلاتين فهل ورد الترخيص إثباتا و وقوعا بالنظر إلى الأدلة لأن إمكان الشي‏ء عقلا لا يلازم وقوعه خارجا؟ فهل يمكن استفادة ذلك من إطلاق أدلة الأصول العملية كأدلة البراءة مثل رواية" رفع عن أمتي ما لا يعلمون"؟

الجواب: لا، لم يرد ترخيص في عالم الإثبات لأن ذلك يعني افتراض أن غرض الإباحة أهم من غرض الإلزام، و هذا الافتراض و إن كان معقولا ثبوتا إلا أنه غير معقول إثباتا لأنه مخالف للارتكاز العقلائي الذي لا يقبل كون الأغراض الترخيصية أهم من الأغراض الإلزامية، و في المثال إحدى الصلاتين واجبة قطعا و غرضها إلزامي، و الصلاة الأخرى غير واجبة و غرضها غير إلزامي، و هذا الارتكاز قرينة لُبِّيَّة متّصلة يقيَّد بها إطلاق أدلة الأصول العملية المرخِّصة، و لا يمكن التمسك بالرواية لإثبات الترخيص في ترك كلتا الصلاتين، لذلك فإن الأصول العملية المرخّصة تشمل موارد الشك البدوي فقط و لا تشمل من الأساس موارد العلم الإجمالي بالإلزام لأنه حين وجود القرينة اللبية المتصلة لا يوجد أصلا ظهور إطلاقي للأصول العملية، فالظهور الإطلاقي يوجد في حالة القرينة المنفصلة حيث يتعارض الظهور الإطلاقي مع القرينة المنفصلة، و تقدّم القرينة المنفصلة

57

فتقيّد الإطلاق حسب قواعد الجمع العرفي في باب التعارض، فبقرينة الارتكاز العقلائي يكون المقصود من الرواية حالات الشك البدوي فقط دون موارد العلم الإجمالي.

و بذلك تثبت حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي عقلا حيث لا يوجد دليل على الترخيص و ترك الطرفين في العلم الإجمالي، و لما ثبت أن الترخيص في المخالفة القطعية غير ممكن عقلائيا فالعلم الإجمالي يكون منجِّزا لحرمة المخالفة القطعية عقلا لأنه تقدم في الأمر الأول أن العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية لو لم يثبت الترخيص فيها من الشارع، و هنا لم يثبت الترخيص عقلائيا.

النتيجة النهائية:

إن عدم إمكان صدور ترخيص من المولى في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي مستحيل عقلا في عالم الثبوت عند المشهور لأنه ترخيص في المعصية القبيحة، أما عند الشهيد فإن الترخيص ممكن عقلا في عالم الثبوت، و لكنه غير ممكن في عالم الإثبات و الدلالة لكونه على خلاف الارتكاز العقلائي بعدم قبول كون الأغراض الترخيصية أهم من الأغراض الإلزامية.

ملاحظات:

1- علية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية: عُبِّر عن الاعتقاد بمنجزية العلم الإجمالي على نحو لا يمكن الترخيص فيها و الردع عنها لا عقلا على رأي‏ المشهور و لا عقلائيا على رأي‏ الشهيد بأن العلم الإجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و لا مانع يقف أمامه.

2- اقتضاء العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية: عُبِّر عن الاعتقاد بمنجزية العلم الإجمالي مع افتراض إمكان الترخيص فيها و الردع عنها عقلا على رأي‏ المشهور و عقلائيا على رأي‏ الشهيد بأن‏

58

العلم الإجمالي يقتضي حرمة المخالفة القطعية، و الترخيص هو المانع لهذا المقتضي، و على هذا القول يمكن ورود الترخيص، و لكنه خلاف المشهور.

المرحلة الثانية: حرمة المخالفة الاحتمالية أو وجوب الموافقة القطعية:

و المخالفة الاحتمالية تتحقق بترك أحد الطرفين، و في المثال بترك إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة، أما الموافقة القطعية فتتحقق بالجمع بين التكليفين و امتثالهما معاً، و في المثال بالجمع بين الصلاتين، و يقع الكلام عن وجوب الموافقة القطعية في مبحث الاشتغال من مباحث الأصول العملية إن شاء الله تعالى، و يأتي السؤال التالي: هل يمكن إجراء أصالة البراءة في أحد الطرفين أم يجب الاحتياط فيهما؟.

حجية القطع غير المصيب: قطع القطّاع و التَّجَرِّي‏

معاني الإصابة:

المعنى الأول: إصابة القطع للواقع بمعنى كون المقطوع به ثابتا في الواقع، و يكون القطع مطابقا للواقع.

المعنى الثاني: إصابة القاطع في قطعه بمعنى كون القطع ناشئا من مبررات موضوعية و مناشئ عقلائية لا تأثرا بأسباب ذاتية غير عقلائية كالحالة النفسية، و لا يكون القطع مطابقا للواقع.

أمثلة:

مثال 1: لو أن مكلفا قطع بوفاة زيد لإخبار مخبر بوفاته و كان ميتا حقّا في الواقع غير أن المخبر كانت نسبة الصدق في مجموع إخباراته 70%، فقطع المكلف مصيب بالمعنى الأول لأنه مطابق للواقع حيث إن زيدا ميت فعلا، و غير مصيب بالمعنى الثاني لأن درجة التصديق بوفاة زيد

59

يجب أن تتناسب مع نسبة الصدق في مجموع إخباراته، فتبلغ درجة التصديق بموت زيد درجة الظن دون القطع.

مثال 2: من ظن بوفاة زيد لإخبار مخبر و كان ذلك الإنسان حيّا، فهو مصيب في ظنه بالمعنى الثاني إذا كانت نسبة الصدق في إخبارات المخبر أكثر من 50%، و غير مصيب في ظنه بالمعنى الأول لأنه ليس مطابقا للواقع.

تعريف القطع الموضوعي:

القطع و التصديق و اليقين الموضوعي هو التصديق المصيب بالمعنى الثاني، و هو الحاصل من مبررات موضوعية و مناشئ عقلائية، و المعنى هنا متواطئ لأنه لا توجد درجات و مراتب للإصابة.

تعريف القطع الذاتي:

القطع و التصديق و اليقين الذاتي هو التصديق غير المصيب بالمعنى الثاني، و هو الحاصل من أسباب ذاتية غير عقلائية كالمؤثرات النفسية و العاطفية، و انحراف التصديق الذاتي عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية له مراتب لأن المعنى هنا مشكِّك، و بعض مراتب الانحراف الجزئية مما ينغمس فيه كثير من الناس، و بعض مراتبه يعتبر شذوذا، و من مراتب الشذوذ قطع القطّاع.

تعريف القطّاع:

هو من يحصل له القطع الذاتي كثيرا، و ينحرف غالبا في قطعه انحرافا كبيرا عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية.

سؤال: هل حجية القطع مشروطة بالمعنى الأول من الإصابة الذي لازمه عدم استحقاق المتجري للعقاب؟ بعبارة أخرى: هل المتجري يستحق العقاب أم لا؟

60

و هل حجية القطع مشروطة بالمعنى الثاني من الإصابة الذي لازمه عدم استحقاق القطّاع للعقاب؟ بعبارة أخرى: هل قطع القطّاع حجة أم لا؟

الجواب:

المعنى الأول للإصابة: حجية القطع غير مشروطة بإصابة القطع للواقع لأن ذات القطع بالتكليف يعتبر تمام الموضوع لحق الطاعة سواء كان مطابقا للواقع أم لا، فيكون التكليف منجَّزا على المكلف، كما أن ذات القطع بعدم التكليف يعتبر تمام الموضوع لخروج المورد عن حق الطاعة، فيكون المكلف معذورا، فيكون قطع المتجري حجة، لذلك فإن المتجري يكون مستحقا للعقاب كالعاصي لأن انتهاكهما لحرمة المولى و حق طاعته يكون على نحو واحد، و يستحيل سلب الحجية عن القطع غير المصيب للواقع بالترخيص في مخالفته و الردع عنه لأن الترخيص يستحيل تأثيره في نفس القاطع لأنه يرى نفسه مصيبا و أنه ليس مقصودا بالترخيص بشكل جدّي، فلو قطع بخمرية السائل الموجود أمامه و في الواقع هو ماء و حكم المولى بجواز شربه لزم من ذلك في نظر القاطع اجتماع الحكمين المتنافيين الحرمة و الجواز.

و كذلك يستحق المنقاد الثواب كالممتثل لأن قيامهما بحق طاعة المولى يكون على نحو واحد.

تعريف المتجري:

هو من يقطع بكون الشي‏ء حراما فيفعله، أو واجبا فلا يفعله، و لكنه ليس بحرام و لا واجب في الواقع.

مثال: من يقطع بخمرية سائل فيشربه ثم يتبيّن أنه ماء.

تعريف المنقاد:

هو من يقطع بكون الشي‏ء مطلوبا للمولى فيأتي به فعلا في الوجوب أو تركا في الحرمة رعاية لطلب المولى، و لكنه ليس مطلوبا في الواقع.

61

المعنى الثاني للإصابة: حجية القطع غير مشروطة بكون القطع ناشئا من مبررات موضوعية و أسباب عقلائية لأن عدم التحرك عن القطع الذاتي بالتكليف يساوي عدم التحرك عن اليقين الموضوعي في تعبيره عن الاستهانة بالمولى و هدر كرامته، فيكون للمولى حق الطاعة في القطع الموضوعي و القطع الذاتي على السواء، و التحركُ عن كل منهما وفاءٌ بحق المولى و تعظيمٌ له، فيكون قطع القطّاع حجة.

رأي في عدم تعذير القطع الذاتي:

قد يقال بالتفصيل في القطع الذاتي بين المنجزية و المعذرية، فإن القطع الذاتي و إن كان منجزا عند القطع بالتكليف لأن القاطع بالتكليف إذا لم يعمل بقطعه فإن ذلك يؤدي إلى انتهاك حرمة المولى و حق طاعته، و لكنه ليس بمعذر عند القطع بعدم التكليف و كان التكليف ثابتا في الواقع، فالقطّاع إذا قطع بعدم التكليف و عمل بقطعه و كان التكليف ثابتا في الواقع فلا يكون معذورا، فقطع القطّاع له المنجزية دون المعذرية، و ذلك لأحد وجهين:

الوجه الأول: المنجِّز هنا شرعي و به ترتفع معذرية القطع، فالشارع ردع عن العمل بالقطع الذاتي أو عن بعض مراتبه المتطرفة على الأقل كقطع القطّاع، و هذا الردع ليس سلبا لمعذرية ذات القطع لأنه يؤدي إلى اجتماع الحكمين المتنافيين في نظر القاطع، و إنما يعاقب لذات التكليف الذي خالفه لأن التكليف ثابت في الواقع، فالردع ليس بالنهي عن العمل بالقطع بعد حصوله، بل لأحد السببين التاليين:

أ- للنهي عن المقدمات غير العقلائية التي يسلكها القطّاع و التي تؤدي إلى نشوء القطع الذاتي عنده، فكأن الشارع يقول له: إذا حصل لك القطع بإباحة سائل معيّن بسبب من الأسباب غير العقلائية و شربته و كان خمرا في الواقع فأنت لست معذورا.

62

ب- للأمر بترويض الذهن على الاتزان في تحصيل القطع، و قد أُمِرَ القطاع بترويض الذهن حتى لا تضيع الملاكات التي سيخسرها بهذه القطوع.

و هذا الردع حكم طريقي يحمل روح الحكم الظاهري يراد به تنجيزُ التكاليف الواقعية التي يخطئها قطع القطّاع و تصحيحُ العقاب على مخالفتها.

رأي الشهيد:

هذا الوجه معقول ثبوتا من حيث الإمكان العقلي إلا أنه لا دليل عليه إثباتا في عالم الوقوع و الدلالة، فلم يرد دليل من الشارع عليه.

سؤال: لما ذا أمر المولى بعدم سلوك المقدمات غير العقلائية و ترويض الذهن في حالة القطع بعدم التكليف و لم يأمر به في حالة القطع بالتكليف؟ بعبارة أخرى: لما ذا خُصِّصَ هذا الوجه بالمعذرية دون المنجزية؟

الجواب: لأن المكلف بسوء اختياره ورَّط نفسه في هذه القطوع، و سوء الاختيار يصعِّب الأمر على الإنسان، لذلك تُسلب منه المعذرية و يعاقب، و في المنجزية بسوء اختياره ينجّز عليه التكليف حتى يصعب عليه الأمر لا أن يُسَهَّل عليه بإزالة المنجزية.

الوجه الثاني: المنجِّز هنا عقلي و به ترتفع معذرية القطع، فالقطّاع قبل حصول القطوع له بالإباحة إذا كان ملتفتا إلى كونه إنسانا غير متعارف في قطعه فإنه كثيرا ما يحصل له العلم الإجمالي بأن بعض قطوعه المستقبلية النافية للتكليف غير مطابقة للواقع، ففي هذه الموارد التي تمثِّل هذا البعض تثبت الحرمة لأن الخطأ في القطع بالإباحة في مورد معناه ثبوت الحرمة فيه، و هذا العلم الإجمالي منجِّز كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءات في الشبهة المحصورة حيث يجب الاجتناب عنها جميعا، فالقطّاع يعلم بأن جملة من القطوع بعدم التكليف التي سيقطع بها مستقبلا مخالفة للواقع و أن الحكم الواقعي فيها هو الإلزام، و العلم الإجمالي منجِّز فيجب الاحتياط

63

في جميع الأطراف أي تجب الموافقة القطعية، و بذلك يكون قطع القطّاع غير معذِّر.

إشكال على الوجه الثاني: قد يقال إن القطّاع حينما تتكون لديه قطوع نافية للتكليف يزول من نفسه العلم الإجمالي و ينحل إلى علم تفصيلي بالترخيص في كل مورد مورد لأنه لا يمكنه أن يشك في قطعه و هو قاطع بالفعل، ففي المورد الأول يقطع بعدم ثبوت الحرمة، و بذلك يزول احتمال كون هذا المورد من الموارد التي علم إجمالا بثبوت الحرمة فيها لأن احتمال ثبوت الحرمة لا يجتمع مع القطع بالإباحة، فيخرج هذا المورد من كونه طرفا من أطراف العلم الإجمالي، و هكذا في المورد الثاني و الثالث و الرابع... إلى آخر الموارد، و بذلك تزول منجزية العلم الإجمالي.

جواب الإشكال: الوجه الثاني مبني على كون وصول التكليف إلى المكلف كالقدرة، فكما أنه يكفي في دخول التكليف في دائرة حق الطاعة أي تنجيزه كونه مقدورا حدوثا و إن زالت القدرة بعد ذلك بسوء اختيار المكلف، كذلك يكفي كونه واصلا بالعلم الإجمالي حدوثا و إن زال الوصول بعد ذلك بسوء اختياره، فالمكلف نفسه هو سبب زوال العلم الإجمالي لأنه يقطع بلا مبررات موضوعية و مناشئ عقلائية، لذلك فإن العلم الإجمالي تبقى منجزيته، فيجب عليه عدم الاعتناء بقطوعه بالترخيص و أن يحتاط في أطراف العلم الإجمالي.

ملاحظة:

إن العلم الإجمالي بالتكليف يكون منجِّزا، و لكن العلم الإجمالي بعدم التكليف لا يكون معذِّرا، و هذا مثل العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين فإنه يكون منجّزا فيجب اجتنابهما، أما العلم الإجمالي بطهارة أحد الإناءين فإنه لا يكون معذِّرا فلا يجوز الشرب منهما.

رأي الشهيد: إن الشهيد لا يعلِّق على الوجه الثاني.

64

الأدلة المحرزة

مبادئ عامة

انتهى‏ الشهيد (قدس سره) من البحث عن القطع، و يبدأ الآن بالبحث في الأمارات و حجيتها.

تأسيس الأصل عند الشك في الحجية

أنواع الأدلة:

1- الدليل القطعي:

هو حجة على أساس حجية القطع، و حجية القطع ذاتية، كالخبر المتواتر.

2- الدليل الظني:

أ- إذا قام دليل شرعي قطعي على حجيته أُخذ به، و تكون حجيته تعبدية، كخبر الثقة.

ب- إذا لم يقم دليل قطعي على حجيته و شك في جعل الحجية له شرعا، فالقاعدة هي: الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية.

و يأتي هنا سؤالان:

65

السؤال الأول: ما هو المقصود من أن الأصل هو عدم حجية ما يشك في حجيته؟

الجواب: هذا الأصل يعني أن احتمال الحجية ليس له أثر عملي و أن كل ما كان مرجعا لتحديد الموقف بقطع النظر عن احتمال الحجية يظل هو المرجع معه أيضا، فاحتمال الحجية يساوي في مقام العمل القطع بعدم الحجية.

مثال: إذا جاءنا خبر محتمل الحجية يدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فالموقف الذي يُتَّخَذ عند فرض عدم وجود هذا الخبر يكون على أساس ما يلي:

أ- البراءة العقلية:

على مسلك قبح العقاب بلا بيان: القاعدة الأولية هي البراءة العقلية، و البراءة العقلية هي المرجع مع احتمال حجية الخبر أيضا لأن احتمال الحجية لا يكمل البيان و العلم، فيقبح العقاب عند عدم العلم بالوجوب الواقعي، و لو تم البيان و العلم بسبب احتمال حجية الخبر على التكليف لتم البيان و العلم باحتمال نفس التكليف الواقعي أي احتمال وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

على مسلك حق الطاعة: القاعدة الأولية هي الاحتياط العقلي و ليست البراءة العقلية، فالواقع منجّز باحتماله من دون أثر لاحتمال حجية الخبر لأن كل حكم يتنجّز بالاحتمال ما لم يقطع بالترخيص الظاهري في مخالفته، فيكون الدعاء منجّزا بمجرد الاحتمال دون تأثير الخبر المحتمل الحجية.

ب- البراءة الشرعية:

على كلا المسلكين يكون إطلاق دليل البراءة الشرعية و هو حديث‏" رُفِعَ عن أمّتي ما لا يعلمون" شامل لموارد احتمال الحجية أيضا

66

لأن موضوعها هو" ما لا يعلمون" أي عدم العلم بالتكليف الواقعي، و عدم العلم بالتكليف الواقعي ثابت مع احتمال حجية الخبر الدال على التكليف أيضا، بل أكثر من ذلك فهو ثابت حتى مع قيام الدليل على الحجية لأن وجود خبر مقطوع الحجية لا يجعلنا عالمين بالحكم الواقعي، فالخبر لا يعطي إلا ظنا، فيكون عندنا عدم العلم بالتكليف الواقعي، و هو موضوع البراءة الشرعية.

سؤال: و لكن لما ذا يُقَدَّم الخبر المقطوع الحجية و لا نأخذ بالبراءة الشرعية مع أن موضوعها ثابت و هو" عدم العلم بالتكليف الواقعي"؟

الجواب: يُقَدَّم دليل حجية الخبر على دليل البراءة الشرعية لأنه أقوى منه و حاكم عليه بمعنى أنه رافع لموضوعها و هو عدم العلم تعبدا لا حقيقة، فإن الخبر منزَّل منزلة العلم تعبدا، و أما مع عدم ثبوت الدليل الأقوى فيؤخذ بدليل البراءة الشرعية.

ج- الاستصحاب:

يتمسك بالاستصحاب لإثبات البراءة الشرعية، فهذا الحكم لم يكن ثابتا في بداية التشريع حيث شرعت الأحكام تدريجيا، و نشك في أن هذا الحكم شرّع أو لا، فنستصحب عدم التشريع أي عدم الجعل، أو نستصحب عدم تكليفه في فترة ما قبل البلوغ أي نستصحب عدم المجعول، و هنا نتمسك بالاستصحاب لأن موضوعه هو الشك في بقاء الحالة السابقة، و وجود الخبر المحتمل الحجية لا يؤدي إلى العلم بارتفاع الحالة السابقة.

د- الدليل الاجتهادي:

و تفترض دلالته بالإطلاق على عدم وجوب الدعاء، فهو حجة أيضا مع احتمال حجية الخبر المقيِّد لأن مجرد احتمال التقييد لا يكفي لرفع اليد عن الإطلاق، فالإطلاق حجة إلا مع قيام حجة أخرى على التقييد، و يوجد شك في حجية الخبر فلا يكون صالحا للتقييد.

67

النتيجة النهائية:

إن الموقف العملي لا يتغير عند احتمال حجية الخبر، و هذا يعني أن احتمال الحجية يساوي عمليا القطع بعدم الحجية، فلا يوجد مقتضٍ لتغير الموقف العملي.

السؤال الثاني: ما هو الدليل على أن الأصل هو عدم حجية ما يشك في حجيته؟

الجواب:

الدليل الأول: يوجد لدينا في المثال حكمان ظاهريان هما: البراءة من وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و حجية الخبر الدال على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و على رأي‏ الشهيد (قدس سره) يوجد تنافٍ بين الأحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية أي في عالم الثبوت و الصدور و الملاكات، فلا يمكن صدور حكمين ظاهريين من الله تعالى و إن كان أحدهما واصلا و معلوما و الآخر غير واصل و غير معلوم بل حتى لو كان كلاهما غير واصل خلافا لرأي‏ السيد الخوئي‏ (قدس سره) الذي يقول بأن ملاك الحكم الظاهري يكون في نفس جعله، لذلك لا يوجد تنافٍ بين الحكمين الظاهريين من حيث الصدور، و لكن يقع التضاد بينهما في عالم الامتثال إذا وصل كلاهما و علم بهما، و ما دامت الحجية غير معلومة فلا يثبت التنافي بينها و بين البراءة ليتمسك بدليل البراءة لنفيها، فعلى رأي‏ الشهيد (قدس سره) تدل البراءة على أهمية الملاك في نفي الوجوب، و تدل حجية الخبر على أهمية الملاك في الوجوب، و هذا يعني أن البراءة عن التكليف المشكوك و حجية الخبر الدال على ثبوت و وجوب التكليف حكمان ظاهريان متنافيان لأن مصلحة كل منهما تنافي مصلحة الآخر، فالدليل الدال على كل منهما دال بالدلالة الالتزامية على نفي الآخر، و هنا يؤخذ بالبراءة لدلالة

68

الدليل عليها جزما كحديث الرفع إلا إذا قام دليل أقوى على حجية الخبر، و نحن افترضنا عدم قيام دليل على حجية هذا الخبر، فيكون دليل البراءة الدال على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال دال بالالتزام على نفي حجية الخبر الدال على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

الدليل الثاني: الآيات القرآنية الناهية عن العمل بالظن و غير العلم مثل‏" إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا" ( (10) 1)، و" وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" ( (11) 2)، فإنها بإطلاقها شاملة لكل ظن يشك في حجيته، فكل ما يشك في حجيته ليس بحجة، و خبر الثقة يشك في حجيته فلا يكون حجة.

اعتراض المحقق النائيني‏ (قدس سره): بنى المحقق على مسلك جعل الطريقية، فقال بأنه لا بد أن نثبت أولا أن الخبر ظن حتى يمكن لنا التمسك بإطلاق الآيات الناهية عن الأخذ بالظن، فإن ثبوت الحكم فرع ثبوت موضوعه، و على مسلكه فإن معنى" الأمارة حجة" أن الشارع جعلها و اعتبرها علما و طريقا، فيكون دليل حجية الأمارة حاكما على دليل النهي عن العمل بالظن، فتكون الأمارة خارجة عن مصاديق موضوع هذه الآيات مثل دليل" لا ربا بين الوالد و ولده" الذي يكون حاكما على دليل الربا لأنه يخرج عنه بالاعتبار لا حقيقة، و مع الشك في الحجية يشك في كون الأمارة علما لأننا لا ندري أن الأمارة ظن فتكون داخلة في موضوع الآيات أو ليست ظنا فتكون خارجة عن موضوع الآيات، لذلك فإن الأمارة تخرج عن مصاديق موضوع هذه الآيات لأننا نشك أنها من مصاديقه أو لا، فلا يمكن التمسك بإطلاق الآيات الدالة على النهي عن العمل بغير العلم لأن موضوعه و هو عدم العلم غير محرز مع وجود احتمال جعل العلمية للمشكوك،

____________

(10) (1) يونس: 36

(11) (2) الإسراء: 36.

69

فيكون التمسك بالآيات الناهية تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، و الآيات الناهية لا تثبت موضوعها لأنها لا تقول أن الأمارة ظن أم لا، نعم لو كان الشك شكا في التقييد لتمسكنا بالإطلاق.

رد الشهيد على الاعتراض: لو كان النهي عن العمل بالظن في الآيات نهيا مولويا تحريميا لصح اعتراض المحقق النائيني، فإذا كان نهيا مولويا تحريميا لكان معنى الآيات: كل ظن يحرم العمل به، فإذا احتملنا أن الخبر حجة فلازمه عدم الجزم بكونه ظنا، و لكن النهي عن العمل بالظن نهي إرشادي أي إرشاد إلى أن الظن ليس حجة لأن العمل بالظن ليس من المحرمات النفسية كشرب الخمر، فمن يشرب الخمر فإنه يعاقب في الآخرة، و لكن من يعمل بظنه لا يعاقب في الآخرة على العمل بالظن، و إنما محذور العمل بالظن هو احتمال التورّط في مخالفة الواقع، و مخالفة الواقع هي المحرّمة لا نفس العمل بالظن، فيكون مفاد النهي هو: أن كل ظن ليس حجة أي ليس علما، فإذا كانت الحجية بمعنى اعتبار الأمارة علما على مسلك جعل الطريقية فهذا يعني أن إطلاق الآيات الناهية يدل على عدم اعتبارها علما، فيكون مفاد الآيات في رتبة مفاد حجية الأمارة و في عَرْضٍ واحد لأن كليهما ينظر إلى موضوع واحد هو الظن الخبري و أحدهما يقول الظن الخبري علم و الآخر يقول الظن الخبري ليس علما، فاحتمال حجية الخبر لا يرفع موضوع الآيات، فيكون من باب الإطلاق و التقييد لا من باب الحكومة لأنه لم يرفع موضوعه، و بهذا تصلح الآيات لنفي الحجية المشكوكة لأن الآيات الناهية تقول:" كل ظن ليس بحجة"، و نحن نشك أن الظن الناشئ من الخبر علم أم لا، فالآيات الناهية تشمل الظن الخبري فتقول:" الظن الخبري ليس حجة"، و الشك في حجية الخبر يقول:" يحتمل أن الظن الخبري علم"، و عموم العام حجة في الفرد عند الشك في خروجه منه، و لا يوجد دليل على أن الظن الخبري حجة، و لو كان يوجد دليل يدل على ذلك‏

70

لكان هذا الدليل مقيِّدا لإطلاق الآيات الناهية عن العمل بالظن، لذلك لا يمكن رفع اليد عن الإطلاق إلا بحجة مقيِّدة و لا رفع اليد عن العموم إلا بحجة مخصِّصة، و الخبر المشكوك الحجية لم تثبت حجيته فلا يصلح للتقييد و التخصيص.

و إذا قيل بأن التمسك بعموم الآيات الناهية تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية لأنه يحتمل أن الظن الخبري حجة أي يحتمل أنه علم، كان الرد بأنه لا يوجد شك في أن الخبر ظن، و لكن الشك في أن الشارع اعتبره علما أم لا، و مع وجود الشك في هذا الاعتبار لا يمكن التنازل عن العموم و الإطلاق.

مقدار ما يثبت بدليل الحجية

يتعرّض الشهيد هنا للأصل المُثْبِت الذي قال المشهور بعدم حجيته، و للأمارة المُثْبِتَة التي قالوا بحجيتها، و المُثْبَتَات هي اللوازم العقلية غير الشرعية.

إن الطريق كلما كان حجة ثبت به مدلوله المطابقي، و أما المدلول الالتزامي فيثبت في حالتين باتفاق الأصوليين هما:

1- إذا كان الدليل قطعيا من حيث الصدور و الظهور كالخبر المتواتر، هنا تكون اللوازم الشرعية و غير الشرعية حجة لأن القطع بشي‏ء يستلزم القطع بجميع لوازمها، و القطع حجة.

2- إذا كان الدليل غير القطعي حجة بأن قام عليه دليل قطعي، و كان هذا الدليل القطعي يرتب الحجية على عنوان ينطبق على الدلالتين المطابقية و الالتزامية على السواء كعنوان خبر الثقة، فإن من أخبر بشي‏ء أخبر بلوازمه، فهنا تكون اللوازم الشرعية و غير الشرعية حجة.

71

و أما في غير هاتين الحالتين فيكون الأمر كما يلي مع التطبيق على مثال الظهور العرفي:

أ- إذا قام الدليل على حجية الظهور العرفي كما إذا أخبرنا ثقة بخبر له ظهور في معنى معيّن، فإن الظهور العرفي ليس دليلا قطعيا ليثبت به مداليله الالتزامية، فيكون خارجا عن الحالة الأولى.

ب- الدلالة الالتزامية للظهور العرفي ليست ظهورا عرفيا لتكون مشمولة لدليل حجية الظهور، فتكون خارجة عن الحالة الثانية.

النتيجة:

إن أمثال دليل حجية الظهور لا تقتضي بنفسها إلا إثبات المدلول المطابقي ما لم تقم قرينة خاصة على إسراء الحجية إلى الدلالات الالتزامية أيضا.

رأي المشهور: التفصيل بين الأمارات و الأصول العملية:

أ- إذا قام دليل على حجية الأمارة ثبت به مدلولاته الالتزامية العقلية أيضا، و يقال إن القاعدة هي: مُثْبتَات الأمارة حجة.

ب- إذا قام دليل على حجية الأصل العملي فلا تثبت به مدلولاته الالتزامية العقلية، و يقال إن القاعدة هي: مُثْبتَات الأصل العملي ليست حجة إلا بقرينة في دليل الحجية.

مثال: إذا كان لشخص ولد مفقود و شك في موته و نذر بأنه إذا نبتت لحية الولد فإنه سيتصدق، و نبات اللحية مدلول التزامي تكويني عقلي غير شرعي لحياة الولد، فإذا قام دليل على بقاء الولد حيّا، فإذا كان الدليل أمارة كخبر الثقة فإن المدلول الالتزامي حجة لأن الإخبار بشي‏ء إخبار بلوازمه، فيجب عليه الوفاء بالنذر، و إذا كان الدليل أصلا عمليا كالاستصحاب فإن المدلول الالتزامي ليس حجة لأن دليل الاستصحاب ينهى عن نقض اليقين بالشك في مقام العمل، و هو كان مُتَيَقِّنا

72

من حياة ولده و يشك الآن فيستصحب حياة الولد، و أما نبات لحيته فلم يكن عنده يقين سابق به فلا يستطيع استصحاب نبات اللحية لأنه ليس مشمولا لدليل الاستصحاب، و بذلك لا يتحقّق موضوع النذر، فلا يجب عليه الوفاء بالنذر.

رأي المحقق النائيني على مسلك جعل الطريقية:

إن اللوازم العقلية ثابتة للأمارات دون الأصول العملية، و الدليل على ذلك أن دليل الحجية يجعل الأمارة علما تعبدا، فيترتب على ذلك كل آثار العلم، و من آثاره أن العلم بشي‏ء يستلزم العلم بكل لوازمه و منها اللوازم العقلية، فإذا أخبر ثقة بحياة الولد صار الشخص كأنه عالم بحياة الولد، و العلم بحياة الولد يستلزم العلم بنبات لحيته.

و أما أدلة حجية الأصول العملية فمفادها التعبد بالوظيفة العملية و الجري العملي على وفق الأصل، و يتحدد التعبّد بمقدار مؤدى الأصل و لا يتعدى إلى الزائد على المؤدى، فلا يشمل الجري العملي على طبق اللوازم العقلية إلا مع قيام القرينة على ذلك، فإذا ثبتت حياة الولد بالاستصحاب فلا يمكن تطبيق قاعدة" أن العلم بشي‏ء يستلزم العلم بلوازمه" لأن المجعول فيه ليس هو العلمية، بل المجعول هو التعبّد بالوظيفة العملية أي أنه في مقام العمل يتعامل مع الولد معاملة الحي فقط لترتيب الآثار و اللوازم الشرعية كاستحقاقه الإرث، و لا يتعدّى في مقام العمل إلى أكثر من ذلك بأن يتعدّى إلى اللوازم العقلية كنبات لحيته.

اعتراض السيد الخوئي على المحقق النائيني‏ (قدس سرهما):

إن دليل حجية الأمارات يجعل الأمارة علما، و لكنه علم تعبدي جعلي اعتباري، و العلم الجعلي يتقدّر بمقدار الجعل، و دعوى أن العلم بشي‏ء يستدعي العلم بلوازمه إنما تصدق على العلم الوجداني الحقيقي لا العلم التعبدي الجعلي الاعتباري، فإن الثقة إذا أخبر بحياة الولد فإنه لا

73

يحصل لنا علما حقيقيا بحياته، بل نتعامل معه كأنه حي أي نعتبره حيا، و اعتباره حيا لا يجعله حيا حقيقة، فاعتبار الشي‏ء في حالة معيّنة لا يجعله في هذه الحالة حقيقة، لذلك ذهب‏ السيد الخوئي‏ إلى عدم حجية مُثْبتَات الأمارات كما في مثبتات الأصول العملية لأن دليل حجية الأمارات لا يقتضي حجية لوازمها العقلية غير الشرعية كما في الأصول العملية.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو رأي المشهور في التفصيل بين الأمارات و الأصول العملية، و لكن‏ الشهيد يختلف معهم في تفسير هذا التفصيل، فليس على أساس ما ذكره‏ المحقق النائيني‏ في التمييز بينهما على أساس نوع المجعول و المُنْشَأ في ألفاظ أدلة حجيتها، فضابط الأمارة عند المحقق‏ كون مفاد ألفاظ دليل حجية الأمارات جعل الطريقية و العلمية، و ضابط الأصل كون دليله خاليا من هذا المفاد، و لكن هذا فرق في الصياغة و الإنشاء لا في عالم الملاكات و المبادئ، و هو ليس الفرق الجوهري بين الأمارات و الأصول العملية، بل الفرق الجوهري أعمق من الألفاظ، و الفرق الجوهري هو أن جعل الحكم الظاهري على طبق الأمارة يكون بملاك الأهمية الناشئة من قوة الاحتمال و الكشف، و جعل الحكم الظاهري على طبق الأصل العملي يكون بملاك الأهمية الناشئة من قوة المحتمَل سواء كان جعله بلسان أنه علم أم بلسان الأمر بالجري العملي على وفقه.

نتيجة رأي الشهيد: المدلولات الالتزامية للأمارة حجة على القاعدة و لا تحتاج إلى قرينة خاصة لأن ملاك الحجية في الأمارات هي‏ حيثية الكشف التكويني‏، و نسبة هذه الحيثية إلى المدلول المطابقي و المداليل الالتزامية نسبة واحدة، فلا يمكن التفكيك بين المداليل في الحجية، بل هي ثابتة لهما معاً بنفس الدرجة لأن الحيثية المذكورة القائمة على أساس قوة الاحتمال هي تمام الملاك في جعل حجية الأمارات، و قوة الاحتمال قابلة

74

للإدراك من قِبَل المكلّف، فإذا كانت قوة الاحتمال الكاشفة عن الواقع عندنا بنسبة 90% فإنها بنفس النسبة تكشف عن المداليل الالتزامية.

أما في الأصل العملي فإن قوة المحتمَل و أهمية أحد الملاكين على الآخر غير معروفة عندنا لأن الله تعالى هو وحده العالم بأهمية أحد الملاكين على الآخر، فتكون الحجية في باب الأصول العملية مختصّة بالدلالة المطابقية، و لا ندري أن الحجية تكون في الدلالات الالتزامية أيضا أم لا، و الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية.

تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة

قد يتوهّم من العنوان أن التبعيّة تكون في الحجيّة، و لكن الصحيح هو التبعيّة في سقوط الحجية، و الأفضل تغيير العنوان إلى" الارتباط بين الدلالة الالتزامية و الدلالة المطابقية".

و هذا البحث لا يجري في اللازم المساوي مثل وجود النهار لازم مساوٍ لطلوع الشمس لأنه حتما يسقط إذا سقط المدلول المطابقي، فإذا أخبر ثقة بطلوع الشمس ثم تبيّن خطؤه و أن الشمس غير طالعة فحتما يسقط المدلول الالتزامي أي أن النهار غير موجود، و لكنه يجري في اللازم الأعم مثل الموت لازم أعم لدخول النار و غيره لأن الموت يتحقّق بدخول النار و بغيره، فإذا كان للأمارة لازم أعم فهو محتمل الثبوت حتى مع عدم ثبوت المدلول المطابقي لأن صدق المدلول المطابقي يستلزم صدق المدلول الالتزامي، و لكن كذب المدلول المطابقي لا يستلزم كذب المدلول الالتزامي لأن اللازم الأعم قد يصدق حتى مع كذب الملزوم، فإذا سقطت الأمارة عن الحجية و هنا لا يقصد من السقوط السقوط في الوجود و أن نفس الدلالة سقطت، و إنما حجيتها سقطت في المدلول المطابقي لوجود معارض للمدلول المطابقي أو للعلم بالخطإ فيه، فيأتي هذا السؤال:

75

في حالة سقوط حجية المدلول المطابقي للأمارة هل يستلزم ذلك سقوط حجية الأمارة في المدلول الالتزامي أيضا أم لا؟

الجواب الأول: حجية الدلالة الالتزامية تابعة لحجية الدلالة المطابقية لأن وجود الدلالة الالتزامية متفرّع على وجود الدلالة المطابقية، و هذا يجعلها تتفرّع عليها في الحجية، فإذا سقطت حجية المدلول المطابقي سقطت حجية المدلول الالتزامي.

رد الجواب الأول: التفرّع في الوجود لا يستلزم التفرّع في الحجية لأن الحجتين قد تكونان مستقلتين عن بعضهما البعض، فهنا الدلالة المطابقية موجودة و لكنها ليست حجة، و إذا لم تكن حجة فهذا لا يعني أن الدلالة الالتزامية ليست حجة أيضا، بل قد تكون حجة و إن لم تكن الدلالة المطابقية حجة، و كلامنا في مقام الحجية لا في مقام الوجود، صحيح أن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الوجود، و لكن هذا ليس معناه أنها تابعة لها في الحجية أيضا لأن الكلام واقع في مقامين من حيثيّتين مختلفتين، فالتبعية في الوجود لا تستلزم التبعية في الحجية، فمن الممكن أن تكون كلتا الدلالتين ثابتتين موجودتين، و لكن حجية الدلالة المطابقية ساقطة، و حجية الدلالة الالتزامية غير ساقطة.

الجواب الثاني: تفرّع الدلالة الالتزامية عن الدلالة المطابقية في الحجية و تبعيّتها لها فيها و سقوطها عن الحجية إذا سقطت حجيّتها يكون على أحد الوجهين التاليين:

الوجه الأول للسيد الخوئي‏ (قدس سره): المدلول الالتزامي مساوٍ دائما للمدلول المطابقي و لا يكون أعم منه، فاللازم الأعم يرجع إلى اللازم المساوي دائما، فهنا كل ما يوجب سقوط المدلول المطابقي عن الحجية يوجب سقوط المدلول الالتزامي عنها أيضا لأنه لازم مساوٍ.

سؤال: ما هو الدليل على أن المدلول الالتزامي مساوٍ و ليس أعم؟

76

الجواب: إن ذات اللازم قد يكون أعم من ملزومه مثل الموت أعم من كونه بالاحتراق و بغيره، و لكن اللازم الأعم له حصتان:

أ- حصة مقارنة للملزوم الأخص: أي الموت بالاحتراق.

ب- حصة غير مقارنة للملزوم الأخص: أي مطلق الموت.

و الأمارة الدالة على الملزوم بالمطابقة تدل بالالتزام على الحصة الأولى من اللازم أي الحصة المقارنة و هي مساوية دائما للمدلول المطابقي، فالخبر الدال بالمطابقة على وقوع زيد في النار يدل بالالتزام على حصة خاصة من موته و هي الموت المقيَّد بالاحتراق لا مطلق الموت الأعم من الاحتراق و غيره.

رد الشهيد للوجه الأول: اللازم لا يكون مساويا دائما، بل قد يكون أعم، كما يأتي في الشرح التالي: إن طرف الملازمة أي ما طرأت عليه الملازمة هو المدلول الالتزامي، و يوجد قسمان لطرف الملازمة:

القسم الأول: إن كان طرف الملازمة هو الحصة المقارنة للملزوم فتكون هذه الحصة هي المدلول الالتزامي.

مثال: اللازم الأعم المعلول بالنسبة إلى إحدى علله، كالموت بالاحتراق بالنسبة إلى الوقوع في النار، فإذا أخبر مخبر بوقوع زيد في النار فالمدلول الالتزامي لوقوعه في النار هو حصة خاصة من الموت، و هي الموت بالاحتراق لأن هذا هو طرف الملازمة للوقوع في النار، فالملازمة طرأت على الحصة الخاصة، و اللازم هو المعلول و هو الموت بالاحتراق، و الملزوم هو العلة و هو الوقوع في النار، و قد عبّر الشهيد هنا باللازم و الملزوم لوجود العلية و المعلولية بينهما.

القسم الثاني: إن كان طرف الملازمة هو الطبيعي و كانت مقارنتُه للملزوم المحصِّصةُ لهذا الطبيعي من شئون الملازمة و تفرّعاتها فيكون المدلول الالتزامي هو ذات الطبيعي.

77

مثال: الملازم الأعم بالنسبة إلى ملازمه، كعدم شي‏ء بالنسبة إلى وجود ضد هذا الشي‏ء، مثل الصفرة ضد للسواد، فإذا أخبر مخبر بصفرة الورقة، فإن المدلول الالتزامي لصفرة الورقة هو عدم السواد الكلي لا حصة خاصة من عدم السواد و هي العدم المقيَّد بالصفرة لأن الأمر العدمي و هو لا شي‏ء لا يُحَصَّص حيث لا يوجد تمايز بين الأعدام، و إنما الأشياء الموجودة قابلة للتّحصيص، فالملازمة هنا منصبّة على طرفين: الصفرة و عدم السواد الكلي، أما التقييد فيأتي في مرتبة متأخّرة بعد انصباب الملازمة على الأطراف حيث إنه من تبعات الملازمة لا أنه مأخوذ في طرف الملازمة و تطرأ الملازمة عليه، و الملازمة طرأت على ذات الطبيعي لأن عدم السواد مدلول التزامي أيضا للحمرة و الزرقة، و قد عبّر الشهيد هنا بالملازم لأنه لا توجد علية و معلولية بين الصفرة و عدم السواد، فوجود الصفرة غير متوقّفة على عدم السواد، و إنما هما معلولان لعلة ثالثة، و يوجد بينهما تلازم فقط دون العلية و المعلولية.

النتيجة: الوجه الأول غير تام لأن اللازم الأعم لا يرجع دائما إلى اللازم المساوي كما هو موضّح في مثال القسم الثاني.

الوجه الثاني للشهيد (قدس سره): صحيح أن اللازم أعم و لا يرجع دائما إلى المساوي، و لكن الكاشفية أي قوة الاحتمال في الدلالتين المطابقية و الالتزامية قائمان دائما على أساس نكتة واحدة و إن كان اللازم أعم، مثل نكتة استبعاد خطأ الثقة في إدراكه الحسي للواقعة، و نفس هذا الاستبعاد يأتي في الدلالة الالتزامية، فإذا سقطت الحجية في الدلالة المطابقية سقطت الحجية في الدلالة الالتزامية بنفس نكتة سقوط الدلالة المطابقية لا بنكتة أخرى.

مثال الكاشفية الواحدة: إذا أخبر الثقة عن وقوع زيد في النار ثبت المدلول المطابقي و هو وقوعه في النار و احتراقه و ثبت المدلول‏

78

الالتزامي و هو موته بالاحتراق، و يثبت المدلولان بنكتة واحدة هي استبعاد اشتباهه في رؤية وقوع زيد في النار، و إذا عُلِم بعدم وقوعه فيها و أن المخبر اشتبه في ذلك فلا يكون افتراض أن زيدا لم يمت أصلا متضمّنا لاشتباه أزيد من الاشتباه الذي ثبت، بل يعتمد على نفس الاشتباه الذي وقع في المدلول المطابقي.

مثال الكاشفية المتعددة: لو ورد خبران في عَرْضٍ واحد عن الحريق من شخصين فإذا عُلِم باشتباه أحدهما في خبره فإن ذلك لا يبرر سقوط الخبر الآخر عن الحجية لأن افتراض عدم صحة الخبر الثاني يتضمّن اشتباها غير الاشتباه الذي عُلِم في الخبر الأول.

النتيجة النهائية:

الصحيح هو أن الدلالة الالتزامية مرتبطة بالدلالة المطابقية في الحجية و تابعة لها، فإذا سقطت حجية الدلالة المطابقية سقطت حجية الدلالة الالتزامية لتبعيتها لها في الحجية.

تبعيّة الدلالة التضمّنية للدّلالة المطابقيّة

سؤال: هل حجية الدلالة التضمنية تابعة لحجية الدلالة المطابقية أم لا؟

الجواب: المعروف بين العلماء أن الدلالة التضمنية غير تابعة للدلالة المطابقية في الحجية، و يقصد بالدلالة التضمنية دلالة العام على كل فرد فرد من أفراده.

مثال: إذا قال المولى:" أكرم العلماء"، و كان عددهم مائة فإن المدلول المطابقي هو وجوب إكرام المائة، و الوجوب التضمّني هو وجوب إكرام العالم الأول و وجوب إكرام العالم الثاني... إلى تمام المائة، ثم إذا ورد مخصِّص مثل:" لا تكرم العلماء الفساق"، فهنا يسقط المدلول المطابقي عن الحجية، و لكن لا يسقط المدلول التضمّني بالنسبة إلى العلماء العدول.

79

و هذا البحث الأصولي يأتي تحت عنوان:" هل العام بعد التخصيص حجة في الباقي أم لا؟"، و المشهور حجيته في الباقي، و يأتي البحث في الحلقة الثالثة في" حجية الظهور" تحت عنوان" الظهور التضمني".

وفاء الدليل المُحْرِز بدور القطع الطريقي و الموضوعي‏

المبحث في الحلقة الثانية:

راجع الحلقة الثانية لمعرفة تعريف القطع الطريقي و القطع الموضوعي و دورهما، و ما ورد هناك هو:

تعريف القطع الطريقي: هو القطع الذي يكون طريقا و كاشفا عن الحكم، و ليس له دخل و تأثير في وجود الحكم واقعا، فالقطع بالنسبة إلى مقطوعه طريق إليه، و دور القطع الطريقي هو التنجيز و التعذير لأنه كاشف.

مثال: إذا حكم الشارع و قال بأن" الخمر حرام" فإن الحرمة ثابتة لذات الخمر الواقعي، فإذا كان السائل خمرا واقعا فهو حرام و إن لم يقطع المكلف بكونه خمرا، و إذا قطع بأن هذا السائل خمر يصبح التكليف منجَّزا عليه، و هذا القطع طريق إلى الحرمة و ليس له دخل في وجود الحرمة للخمر واقعا لأن الحرمة ثابتة للخمر سواء قطع المكلف بأن هذا خمر أم لا.

تعريف القطع الموضوعي: هو القطع الذي يكون دخيلا في وجود الحكم حيث يكون بمثابة الموضوع للحكم، و القطع الموضوعي لا ينجّز التكليف لأنه لا يكشف عنه بل يُوَلِّدُه، و دور القطع الموضوعي هو توليد فعلية الحكم أي إيصاله إلى الفعلية، بعبارة أخرى توليد المجعول لا الجعل.

مثال: إذا حكم الشارع و قال بأن" ما تقطع بأنه خمر حرام" فلا يحرم السائل إلا إذا قطع المكلف بأنه خمر، فالقطع هنا موضوعي لأنه جزء من الموضوع.

80

المبحث في الحلقة الثالثة:

1- إذا كان الدليل المحرز قطعيا كالخبر المتواتر فلا شك في وفائه بدور القطع الطريقي و الموضوعي معاً لأنه يحقق القطع حقيقة.

2- إذا لم يكن الدليل المحرز قطعيا و كان حجة تعبدا بحكم الشارع كخبر الثقة، فهنا بحثان:

أ- بحث نظري: في تصوير قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذرية مع اتفاق الفقهاء و التزامهم عمليا و فتوائيا على قيامها مقامه فيهما.

ب- بحث واقعي: في أنه هل يستفاد من دليل حجية الأمارة كمفهوم آية النبأ قيامها مقام القطع الموضوعي أم لا؟

البحث الأول النظري: قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذرية:

يوجد هنا إشكالان:

الإشكال الأول: في إمكان قيام غير القطع مقام القطع في المنجزية و المعذرية بدعوى أنه على خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالأمارة لا تورث القطع و إن جعلها الشارع حجة تعبدا، و معنى القاعدة أنه يقبح من المولى العقاب على تكليف لا يقطع به المكلف، فإذا قطع بالتكليف و لم يعمل به فلا يقبح العقاب، و إذا ظن بالتكليف و لم يعمل به فيقبح العقاب من المولى، فلا يصح العقاب في حالة الظن، و الأمارة تورث الظن، فكيف يمكن التوفيق بين القاعدة و التزام القائلين بالقاعدة بعدم قبح العقاب في حالة الأمارة مع أن استحقاق العقاب من خصائص القطع فقط؟

و قد يقال بأن دليل حجية الأمارة مخصِّص لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فيردّ عليه بأن الأحكام العقلية و منها القاعدة لا تقبل التخصيص.

81

الإشكال الثاني: في كيفية الصياغة التشريعية التي تحقق ذلك بعد الإجابة عن الإشكال الأول و التسليم بأن الأمارة تقوم مقام القطع في المنجزية و المعذرية.

جواب الإشكال الأول:

1- الشهيد (قدس سره) ينكر" قاعدة قبح العقاب بلا بيان" من أصلها، فالأمارة تقوم مقام القطع الطريقي بلا إشكال لأن الظن و الاحتمال على مسلك حق الطاعة حجة ما لم يرخّص الشارع في مخالفته، فالإشكال يرد على القائلين بالقاعدة.

2- لو سلمنا ب" قاعدة قبح العقاب بلا بيان" فإن العقل يحكم بأن القاعدة مختصّة بالأحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهميتها عند المولى على تقدير ثبوتها و وجودها واقعا، و أما الأحكام المشكوكة التي يعلم بأهميتها عند المولى و عدم رضاه عن تضييعها على تقدير ثبوتها فإن العقل يحكم بأنها ليست مشمولة للقاعدة من أول الأمر أي خارجة عن القاعدة تخصّصا لا تخصيصا، فلا يحكم العقل بقبح العقاب عليها و إن كانت مشكوكة، و الخطاب الظاهري سواء في الأمارات أم في الأصول العملية يبرز اهتمام المولى على نحو قوة الاحتمال أو قوة المحتمَل أو القوتين معا بالتكاليف الواقعية في مورده على تقدير ثبوتها، و بذلك يخرجها عن دائرة قبح العقاب بلا بيان.

مثال: لو شك المكلف في امرأة أنها أخته فقد يقال بأنه يمكنه التزوج بها تطبيقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان و بلا علم، و هنا لا يوجد علم و يقين بكونها أخته، فيمكن له التزوّج بها على أساس القاعدة، و لكن يقال لو أنها كانت أختا له في الواقع فالشارع يحرّم العقد عليها، و الحرمة المذكورة على تقدير ثبوتها واقعا مما يهتم المولى بها اهتماما كبيرا.

82

جواب الإشكال الثاني: إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذرية تحصل بعملية تنزيل مثل تنزيل الطواف منزلة الصلاة كما في" الطواف بالبيت صلاة".

اعتراض على الجواب: إن التنزيل من الشارع إنما يصح فيما إذا كان للمنزَّل عليه كالصلاة أثر شرعي كاشتراط الطهارة بيد المولى توسعته و جعل هذا الأثر على المنزَّل كالطواف بالبيت، و في المقام عند ما يقول الشارع:" الأمارة منزَّلة منزلة القطع" فإن أثر القطع الطريقي ليس أثرا شرعيا بل هو أثر عقلي و هو المنجزية و المعذرية لأن العقل يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة القطع، فلا يمكن التنزيل بسبب الأثر العقلي، و المولى يمكنه تسرية أحكامه الشرعية إلى المنزَّل دون الأحكام العقلية.

جواب الاعتراض:

1- على مسلك جعل الحكم المماثل: استبدلت فكرة التنزيل بفكرة جعل الحكم التكليفي على طبق مؤدى الأمارة، فيجعل الشارع حكما ظاهريا مماثلا لمؤدى الأمارة، فإذا دل خبر الثقة على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهرا، و بذلك يتنجّز الوجوب، و على هذا المسلك لا نحتاج إلى وجود أثر شرعي لأن الأثر الشرعي مختصّ بباب التنزيل.

2- على مسلك جعل الطريقية للمحقق النائيني: استبدلت فكرة التنزيل بفكرة اعتبار الظن علما، فإن معنى جعل خبر الثقة حجة هو اعتباره فردا من أفراد العلم، كما يُعْتَبَر الرجلُ الشجاعُ فردا من أفراد الأسد ادعاءً على طريقة المجاز العقلي عند السكّاكي، و مع هذا الاعتبار يصير الخبر منجِّزا كالعلم، فتصير المنجزية و المعذرية ثابتتين عقلا للقطع الأعم الجامع بين الحقيقي و الاعتباري، و لا حاجة لوجود أثر شرعي لأنه مختص بباب التنزيل.

83

3- على رأي الشهيد: الصحيح أن قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في التنجيز و إخراج مؤدّاها عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان على القول بها إنما يكون أي قيام الأمارة مقام القطع الطريقي بإبراز اهتمام المولى بالتكليف المشكوك على نحو لا يرضى بتفويته على تقدير ثبوته كما تقدم في‏ الجواب" 2" على الإشكال الأول‏، وعليه فالمهم في جعل الخطاب الظاهري أن يكون مبرزا لهذا الاهتمام من المولى، و هذا هو جوهر المسألة، و أما لسان و ألفاظ هذا الإبراز و صياغته اللفظية بصيغة تنزيل الظن منزلة العلم أو جعل الحكم المماثل للمؤدَّى أو جعل الطريقية فلا دخل لذلك في الملاك الحقيقي، و كل التعبيرات صحيحة ما دامت وافية بإبراز اهتمام المولى لأن هذا الإبراز هو المنجّز في الحقيقة.

النتيجة: تقوم الأمارة مقام القطع الطريقي في التنجيز و التعذير.

البحث الثاني الواقعي: قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي:

إن القطع المأخوذ في موضوع الحكم له حيثيّتان:

1- القطع من حيث المنجّزية و المعذّرية: إذا كان القطع مأخوذا موضوعا لحكم شرعي بوصفه منجّزا و معذّرا و طريقا إلى الواقع فلا شك في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي لأنها منجّز و معذّر و طريق إلى إحراز الواقع، فيكون دليل حجية الأمارة واردًا على دليل الحكم الشرعي المترتب على القطع لأنه يحقّق مصداقا حقيقيا لا اعتباريا لموضوعه عن طريق توسعة دليل الحجية لموضوع دليل الحكم توسعة حقيقية بإيجاد مصداق حقيقي للموضوع، و يكون القطع هنا كمثال فقط، فيشمل من هذه الحيثية الظن المعتبَر، و قد عُبِّر بالقطع لأن القطع هو المصداق البارز للمنجزية و المعذرية، و يعبَّر عن هذه الحالة بالقطع الموضوعي على نحو الطريقية.

84

2- القطع من حيث الكاشفية التامة: إذا كان القطع مأخوذا موضوعا للحكم الشرعي بما هو أي القطع كاشف تام، فلا تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي لأن الأمارة كاشف ناقص، فلا بد من عناية إضافية في دليل حجية الأمارة، و يعبَّر عن هذه الحالة بالقطع الموضوعي على نحو الصّفتيّة.

سؤال: ما هي هذه العناية الإضافية في دليل حجية الأمارة؟

الجواب:

على مسلك جعل الطريقية: هذه العناية هي أن الأمارة في دليل الحجية جعلها الشارع علما و قطعا اعتبارا و ادعاء، و بذلك يكون دليل حجية الأمارة حاكما على دليل الحكم الشرعي المترتب على القطع لأنه يوجد فردا جعليا تعبديا اعتباريا ادعائيا لموضوعه، فيسري حكمه إليه و تترتّب عليه جميع آثار القطع الموضوعي الصفتي.

رد الشهيد: لا توجد حكومة هنا لأنه كما ورد في بحث التعارض من الحلقة الثانية أن الدليل الحاكم يكون حاكما إذا كان ناظرا إلى الدليل المحكوم فيوسِّع أو يضيِّق موضوعه، و دليل الحجية لم يثبت كونه ناظرا إلى أحكام القطع الموضوعي الصفتي، و إنما نظره إلى خصوص أثر القطع الطريقي أي تنجيز الأحكام الواقعية المشكوكة في مورد الأمارة و لا سيما إذا كان دليل حجية الأمارة هو السيرة العقلائية إذ لا وجود للقطع الموضوعي الصفتي في حياة العقلاء إلا نادرا، فلا أحد يقول مثلا:" إذا قطعت بيبس الأشجار فاسقها"، و إنما يقول:" إذا يبست الأشجار فاسقها"، فسيرتهم ناظرة إلى القطع الطريقي دون الموضوعي، و إذا كان دليل الحجية هو الآيات و الروايات فكلام‏ المحقّق النائيني‏ (قدس سره) قد لا يكون تاما أيضا لأن الأدلة اللفظية في مورد الأمارة العقلائية تكون إرشادا إلى إمضائها.

85

النتيجة: عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي حيث لا يوجد دليل على قيامها مقامه إثباتا.

إثبات الأمارة لجواز الإسناد

سؤال: إذا دل خبر ثقة على حكم فهل يجوز إسناد هذا الحكم إلى الشارع مع أن الخبر يفيد الظن بمؤدّاه و مضمونه؟ و هل يجوز إسناد حجية الخبر و هو الحكم الظاهري إلى الشارع أم لا؟

الجواب:

يوجد لدينا نوعان من الحرمة:

الحرمة الأولى: كل حكم لم يصدر من الشارع واقعا يحرم إسناده إليه لأنه كذب و الكذب محرّم، و موضوع هذه الحرمة واقع الكذب و لم يؤخذ فيه العلم و عدم العلم، و الكذب هو الإخبار بما لا يطابق الواقع، و لازم هذه الحرمة أن كل حكم صدر من الشارع يجوز إسناده إليه، فكأن الشارع يقول: الحكم الصادر مني واقعا يجوز إسناده إلي، و الحكم غير الصادر مني واقعا يحرم إسناده إلي.

مثال:" الخمر حرام" يجوز إسناده إلى الشارع، و" الخمر حلال" يحرم إسناده إلى الشارع.

الحرمة الثانية: كل حكم لم يُقْطَعْ بصدوره من الشارع يحرم إسناده إليه و إن كان صادرا في الواقع لأنه تشريع، و التشريع بغير علم محرم، و موضوع هذه الحرمة عدم العلم، و عدم العلم يشمل الاحتمال و الشك و الظن، و لازم هذه الحرمة أن كل حكم عُلِمَ بصدوره من الشارع يجوز إسناده إليه، فكأن الشارع يقول: الحكم الذي تقطع بأنه صادر مني يجوز إسناده إلي، و الحكم الذي لا تقطع بأنه صادر مني يحرم إسناده إلي‏

86

مثال:" التّتن الذي قطعت بحرمته" يجوز إسناده إلى الشارع، و" التتن الذي لم تقطع بحرمته" يحرم إسناده إلى الشارع، و الثاني يشمل" التتن الذي احتملت حرمته" و" التتن الذي شككت بحرمته" و" التتن الذي ظننت بحرمته" يحرم إسناده إلى الشارع.

سؤال: هل القطع بصدور الحكم قطع طريقي أو موضوعي في هاتين الحرمتين؟

الجواب: القطع بصدور الحكم من الشارع قطع طريقي لنفي موضوع الحرمة الأولى حيث كشف القطع لنا انتفاء الموضوع لأنه لم يؤخذ في موضوعها العلم أو عدم العلم، و القطع هنا يكون معذِّرا، و هو قطع موضوعي لنفي الحرمة الثانية لأن موضوعها عدم العلم، و العلم نفي لموضوع الحكم، و بالتالي نفي للحكم.

النتيجة:

1- إذا كان الدليل قطعيا كالخبر المتواتر انتفت كلتا الحرمتين لأن القطع طريق إلى نفي الحرمة الأولى و موضوع لنفي الحرمة الثانية، فلا يلزم محذور حرمة الكذب و لا حرمة التشريع، فيجوز نسبة الحكم إلى الشارع لأنه حصل قطع بالحكم.

2- إذا لم يكن الدليل قطعيا بل أمارة معتبرة شرعا كخبر الثقة فلا شك في جواز إسناد نفس الحكم الظاهري و هو حجية خبر الثقة إلى الشارع لأنه مقطوع به إذ يوجد لدينا دليل قطعي على أن الله سبحانه تعبَّدنا بالحكم الظاهري أي جعل الحجية لخبر الثقة، فالشارع قال: أحكم بحجية خبر الثقة.

سؤال: هل يجوز إسناد مؤدى الأمارة أي الحكم الذي دلت عليه الأمارة دلالة ظنية إلى الشارع؟

87

الجواب:

أ- بالنسبة للحرمة الأولى: و هي حرمة الكذب فإنها منتفية بدليل حجية الأمارة لأن القطع فيها طريقي، و لا شك في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي لأنها تنجِّز و تعذِّر.

إشكال: إن الحرمة الأولى ثابتة لعنوان الكذب، فلا بد من إحراز انتفاء الكذب حتى تنتفي الحرمة، و مجرّد كون الأمارة منجِّزة و معذِّرة لا يكفي لنفي عنوان الكذب.

جواب الإشكال: إن انتفاء الحرمة الأولى بدليل حجية الأمارة مرتبط بحجية مثبتات الأمارة أي المدلولات الالتزامية للأمارة لأن موضوع الحرمة عنوان الكذب، و الكذب هو مخالفة الخبر للواقع، و انتفاء هذه المخالفة مدلول التزامي للأمارة الدالة على ثبوت الحكم لأن كل ما يدل على شي‏ء و هنا الحكم مطابقة يدل التزاما على أن الإخبار عن هذا الشي‏ء ليس كذبا، و دليل حجية الأمارة يدل على حجيتها في المدلول المطابقي و في المدلول الالتزامي لأن مثبتات الأمارة أي المداليل الالتزامية للأمارة حجة، و بذلك يحرز انتفاء عنوان الكذب، فتنتفي الحرمة الأولى.

مثال: أمارة دلت بالمطابقة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنها تدل بالدلالة الالتزامية على أن الإخبار عن" وجوب الدعاء عند الرؤية" ليس كذبا.

ب- بالنسبة للحرمة الثانية: و هي حرمة التشريع، موضوعها عدم العلم، و عدم العلم ثابت وجدانا حتى مع وجود الأمارة المعتبرة، فانتفاء الحرمة الثانية يتوقف على أحد أمرين:

- 1- استفادة قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي من دليل حجيتها كما يقول المحقق النائيني (قدس سره) بناء على مسلك جعل العلمية حيث جعل الشارع الأمارة علما.

88

- 2- إثبات مخصِّص لما دلّ على عدم جواز الإسناد بلا علم من إجماع الفقهاء أو سيرة المتشرعة بسبب عدم وجود دليل لفظي على إسناد مضمون الخبر إلى الشارع بدون توقّف من ناحية حرمة التشريع بحيث يُخْرِج هذا المخصِّصُ مواردَ قيام الحجة الشرعية عن الحرمة، أي أنه يحرم الإخبار بغير علم إلا في موارد قيام الحجة الشرعية.

إبطال طريقيّة الدّليل‏

إن القطع حجة أي منجِّز و معذِّر، و يستحيل سلب المنجِّزية عن القطع من أي طريق حصل لأنه يلزم منه اجتماع المتناقضين في نظر القاطع كما تقدَّم سابقا، و لكن يوجد طريق آخر لا يكون فيه سلب للمنجزية عن القطع، و إنما يمكن فيه إبطال حجية الدليل و إن كان قطعيا.

سؤال: و لكن ما هو هذا الطريق الآخر؟ و هل يمكن للشارع إبطال حجية الدليل و إن كان قطعيا؟

الجواب: نعم يمكن للشارع ذلك عن طريق تحويل الدليل من الطريقية إلى الموضوعية بأن يُؤْخَذ عدم قيام الدليل الخاص كالدليل العقلي على الجعل الشرعي قيدا في موضوع المجعول و الحكم الفعلي، و ذلك بأن يقول الشارع:" إذا قطعت بحكم عن غير طريق هذا الدليل الخاص صار الحكم فعليا في حقك"، و لازمه أنه إذا قطعت بحكم عن طريق هذا الدليل الخاص لم يَصِرِ الحكم فعليا في حقك، فإذا قام الدليل الخاص على الجعل انتفى المجعول بانتفاء قيده، و إذا انتفى المجعول انتفت المنجّزية و المعذّرية.

مثال: إذا تم تقييد الحكم بعدم الدليل العقلي مثلا، و نريد أن يكون الدليل على الحكم شرعيا فقط، ففي مثل" حرمة الكذب" الدليل العقلي يقول:" الكذب قبيح عقلا، و كل ما قبّحه العقل قبّحه الشرع"، و الدليل الشرعي يقول:" الكذب حرام"، فيمكن أن يقيِّد الشارع فعلية الحكم بأن‏

89

يكون الدليل شرعيا لا عقليا، فإذا لم يكن لدينا دليل شرعي و كان يوجد دليل عقلي على حرمة الكذب فإن حرمته لا تكون فعلية لأن قيدها مفقود، فالشارع يجعل عدم الدليل العقلي قيدا في فعلية حرمة الكذب.

إشكال: إن سلب المنجزية عن الدليل القطعي بتحويله من الطريقية إلى الموضوعية بأخذ عدم قيامه على الجعل قيدا في المجعول هو سلب للمنجزية عن القطع بعد حصوله، و سلب المنجّزية عن القطع مستحيل.

الجواب: إن ذلك ليس من سلب المنجزية عن القطع بالحكم الشرعي بعد حصوله، بل من الحيلولة دون وجود هذا القطع لأن القطع المنجِّز هو القطع بفعلية المجعول و الحكم الفعلي لا القطع بمجرَّد الجعل، كمن يقطع بجعل حكم وجوب الحج و لكنه غير مستطيع، فلا يكون الحج فعليا في حقه، و في المقام لا يوجد قطع في المجعول و إن كان القطع بالجعل ثابتا، فالقطع الخاص بالجعل بنفسه يكون نافيا لفعلية المجعول لتقيّد المجعول بعدم هذا القطع الخاص بالجعل، فهنا لا يتدخّل الشارع لسلب المنجزية عن القطع، و إنما القطع موجود و لكن الشارع يتدخّل بجعل مانع أمام فعلية الحكم.

إشكال: قد يقال إنه يلزم من ذلك الدور.

الجواب: يلزم الدور لو أخذ عدم القطع العقلي بالحكم الفعلي في موضوع نفس الحكم الفعلي، لذلك هنا لا يلزم الدور لأنه لا مانع من أخذ علم مخصوص بالجعل كالعلم بالجعل من طريق الشرع شرطا في المجعول، أو أخذ عدم علم مخصوص كعدم العلم بالجعل من طريق العقل قيدا في المجعول، و كما مر في الحلقة الثانية يمكن أخذ العلم بالجعل أي الحكم قيدا في المجعول أي فعلية الحكم، فثبوت الحكم الفعلي يتوقف على القطع بالجعل من الشرع، و لكن القطع بالجعل من الشرع لا يتوقف على ثبوت الحكم الفعلي.

90

رأي منسوب للأخباريين:

إن القطع المستند إلى الدليل العقلي ليس بحجة، كالملازمة العقلية بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، و إنما الحجة هو القطع الحاصل من الشرع من الكتاب و السنة، و دليلهم على ذلك هو روايات كثيرة تنهى عن الأخذ بالعقل منها:

عن‏ علي بن الحسين السجّاد (عليهما السلام) قال: إن دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يُصاب إلا بالتسليم، فمن سَلَّم لنا سَلِمَ، و من اهتدى بنا هُدِيَ، و من دان بالقياس و الرأي هلك، و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لا يعلم‏ ( (12).

و عن‏ الإمام جعفر الصادق‏ (عليه السلام) قال: ... فإن أبي حدّثني عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه الله تبارك و تعالى مع إبليس في النار فإنه أول من قاس حيث قال:" قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" ( (13) 2)، فدعوا الرأي و القياس فإن دين الله لم يوضع على القياس‏ ( (14) 3).

و عن‏ الإمام موسى الكاظم‏ (عليه السلام) أنه قال: ... إن أحكام الله تعالى لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل سواء السبيل‏ ( (15)).

و عن‏ الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين‏ (عليهم السلام) قال: قال‏ رسول الله‏ (صلى الله عليه و آله): قال‏ الله‏ جل جلاله: ما آمن بي من‏

____________

(12) (1) البحار ج 2 ص 303 ح 41

(13) (2) الأعراف: 12

(14) (3) البحار ج 2 ص 286 ح 3

(15) (4) البحار ج 2 ص 289 ح 6.

91

فَسَّرَ برأيه كلامي، و ما عرفني من شَبَّهَنِي بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني‏ ( (16) 1).

يقول العلامة المجلسي (قدس سره): يحتمل أن يكون المراد بالقياس هنا أعم من القياس الفقهي من الاستحسانات العقلية و الآراء الواهية التي لم تؤخذ من الكتاب و السنة، و يكون المراد أن طريق العقل مما يقع فيه الخطأ كثيرا، فلا يجوز الاتكال عليه في أمور الدين، بل يجب الرجوع في جميع ذلك إلى أوصياء سيد المرسلين (صلوات الله عليهم أجمعين)، و هذا هو الظاهر في أكثر أخبار هذا الباب، فالمراد بالقياس هنا القياس اللغوي ( (17) 2).

توجيه لهذا الرأي:

قد يراد تحويل هذا العلم من طريقي إلى موضوعي بأخذ عدم العلم العقلي بالجعل قيدا في المجعول.

رد الشهيد:

هذا ممكن ثبوتا واقعا في عالم الإمكان العقلي، و لكن لا دليل على هذا التقييد إثباتا في عالم الوقوع حيث لا دليل عليه من الكتاب و لا من السنة، و مجرّد إمكان الشي‏ء عقلا لا يعني وقوعه خارجا فعلا، و لكن الشهيد سيذكر في حجية الدليل العقلي أن هذا غير ممكن ثبوتا أيضا.

توجيه آخر:

قد يراد سلب الحجية عن القطع العقلي بدون التحويل المذكور.

رد الشهيد:

هذا مستحيل لأن القطع الطريقي لا يمكن تجريده عن المنجزية و المعذرية.

ملاحظة: سيأتي الكلام عن ذلك في مباحث الدليل العقلي إن شاء الله تعالى.

____________

(16) (1) البحار ج 2 ص 297 ح 17

(17) (2) البحار ج 2 ص 288.

92

تقسيم البحث في الأدلة المحرزة

تقدّم أن الأبحاث الأصولية تقسَّم إلى أربعة أقسام هي: القطع، و الأمارات، و الأصول العملية، و التعارض.

و إلى هنا كان البحث يدور حول القطع، و الآن سيتم البحث عن الأدلة المحرزة أو الأدلة الاجتهادية التي تتمثَّل بالأمارات حيث يقسّم البحث فيها إلى قسمين:

1- الدليل الشرعي:

أ- الدليل الشرعي اللفظي: كالآيات و الروايات.

ب- الدليل الشرعي غير اللفظي: كسيرة المتشرعة و فعل المعصوم و تقريره.

2- الدليل العقلي.

مباحث الدليل الشرعي بكلا قسميه:

أ- تحديد ضوابط عامة لدلالات و ظهور الدليل الشرعي: مثل هل الأمر ظاهر في الوجوب؟ هل الجملة الشرطية ظاهرة في المفهوم؟ هل فعل المعصوم يدل على الوجوب؟

و أما الضوابط الخاصة مثل ظهور كلمة" الصعيد" في مطلق وجه الأرض فإن البحث عنها ليس بحثا أصوليا.

ب- إثبات صدور صغرى الدليل الشرعي و مصداقه: كقول المعصوم (عليه السلام) و فعله و تقريره.

ج- حجية الظهور: فإذا ثبت مثلا ظهور الأمر في الوجوب فيبحث هنا عن حجية هذا الظهور.

و على هذا المنوال تجري البحوث في الحلقة الثالثة.

93

1- الدليل الشرعي‏

البحث الأول تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

1- الدليل الشرعي اللفظي‏

الدلالات الخاصة و المشتركة

1- الدلالات الخاصة: توجد ألفاظ لها ظهور خاص و دلالات خاصة، و هذه الدلالات الخاصة لا تشكِّل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط و تتولاها علوم اللغة و لا تدخل في علم الأصول، و قد تدخل في علم الفقه.

مثال: ظهور كلمة" الصعيد" في مطلق وجه الأرض.

2- الدلالات العامة: توجد ألفاظ لها ظهور عام و دلالات عامة، و هذه الدلالات العامة تصلح للدخول في استنباط مسائل مختلفة، فيُبحث عنها في علم الأصول لأنها تشكِّل عناصر مشتركة.

مثال: دلالة صيغة" افْعَلْ" على الوجوب، و دلالة اسم الجنس الخالي من التقييد على إرادة المطلق كلفظ عالم.

94

إشكال: إن غرض الأصولي هو تعيين ما يدل عليه اللفظ من معنى إذا كان للفظ معنى واحد، أو تعيين المعنى الظاهر عند تعدد معانيه و كونه مشتركا لفظيا، و إثبات هذا الغرض لا يحتاج إلى التفكير و البحث، بل يكون بنقل أهل اللغة أو بالتبادر الذي هو عملية عفوية يمارسها كل إنسان بلا حاجة إلى إعمال الدقة و التفكير و مزيد العناية، فلا يبقى مجال للبحث العلمي و لإعمال الصناعة و التدقيق في هذه المسائل لكي يتولى الأصولي البحث في ذلك.

مثال: إذا تبادر الوجوب من صيغة الأمر أو نصّ علماء اللغة على وضعها له ثبت بذلك دلالتها عليه بلا حاجة إلى البحث الأصولي.

الجواب: إن بعض مباحث الألفاظ تحتاج إلى تدقيق و تفكير، فالبحوث اللفظية في الدلالات و التي يتناولها علم الأصول على قسمين:

1- البحوث اللغوية التفسيرية.

2- البحوث التحليلية.

1- البحوث اللغوية:

هي بحوث يراد بها تحديد المعاني اللغوية للألفاظ و اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معيَّن، و هذه الأبحاث تحتاج إلى دقة في بعض الحالات.

مثال: البحث عن دلالة صيغة الأمر على الوجوب، و دلالة الجملة الشرطية على المفهوم.

2- البحوث التحليلية:

ما يكون فيه معنى الكلام معلوما و دلالة الكلام على المعنى واضحة، و لكن هذا المعنى يستفاد من مجموع أجزاء الكلام على طريقة تعدّد الدّال و المدلول، فكل جزء من المعنى يقابله جزء في الكلام، و قد يكون ما يقابل بعض أجزاء الكلام من أجزاء المعنى واضحا، و لكن ما يقابل بعضها الآخر من المعاني غير واضح، فيبحث بحثا تحليليا عن تعيين المعاني المقابلة.

95

مثال: البحث عن مدلول الحرف و المعاني الحرفية، كالبحث عن المعنى المقابل لكلمة" في" من جملة" زيد في الدار" فإنه غامض رغم وضوح معنى الجملة، فإن ما يقابل كلمة" زيد" واضح و هو ذات زيد، و ما يقابل كلمة" الدار" واضح، و لكن المقابل لكلمة" في" غير واضح، فيقع البحث في معنى الحرف، و هو ليس بحثا لغويا لأن من يفهم اللغة العربية يتصوّر معنى" في" ضمن تصوره لمدلول الجملة، و إنما هو بحث تحليلي لا يرجع إلى التبادر أو نص علماء اللغة، بل هو بحث علمي يتولاه علم الأصول في الحدود التي يترتب عليها أثر في عملية الاستنباط.

بعض البحوث اللغوية عند الأصوليين:

توجد بعض الحالات من البحوث اللغوية التي تقع موضعا للبحث عند الأصوليين لأنها تتطلب نظرا و تدقيقا علميا، منها:

الحالة الأولى: أن تكون هناك دلالة كلية عرفية مقبولة عند الجميع مثل" قرينة الحكمة" و يراد تطبيقها لإثبات ظهور الكلام في معنى معيَّن، فهذا التطبيق يحتاج إلى الدقة الأصولية.

مثال: ظاهر الأمر هو الطلب النّفسي التّعييني العيني تمسكا بالإطلاق عن طريق إثبات أن الطلب الغيري مقيَّد بما إذا كان وجوب ذي المقدمة ثابتا، و أن الطلب التخييري مقيَّد بما إذا لم يؤتَ بالعِدْل، و أن الطلب الكفائي مقيَّد بما إذا لم يأتِ الآخرون بالفعل، فتُنفى القيود بقرينة الحكمة كما تقدَّم في الحلقة الثانية، و بذلك يثبت أن ظاهر الأمر هو الطلب النفسي التعييني العيني، إن التعرّف على حقيقة الوجوب الغيري و التخييري و الكفائي يحتاج إلى تدقيق من قبل الأصولي.

الحالة الثانية: أن يكون المعنى متبادرا من اللفظ و ظاهرا في معنى معيَّن، و لا يشك في ظهوره فيه، فأصل التبادر يكون واضحا، و لكن يقع البحث‏

96

العلمي في تفسير منشأ هذا التبادر و الظهور و الدلالة، هل منشأ التبادر هو الوضع أو قرينة الحكمة أو أمر ثالث؟، فيحتاج الأصولي إلى البحث عن ذلك و إعمال فكره و دقته العلمية.

مثال: لا شك في تبادر المطلق من اسم الجنس مثل" رقبة" مع عدم ذكر القيد، و لكن هل الإطلاق ينشأ من وضع اللفظ للمطلق أو للمقيَّد أو للمُهْمَل أي لا المطلق و لا المقيَّد و إنما الجامع و هو طبيعة و ذات الشي‏ء أو من قرينة الحكمة؟، و هذا بحث لا يكفي فيه مجرد الإحساس بالتبادر الساذج، بل لا بد من جمع ظواهر لغوية عديدة ليستكشف من خلال هذه الظواهر ملاك الدلالة، كظاهرة عدم الشعور بالمجازية عند الاستعمال في المقيَّد كاستعمال الرقبة في الرقبة المؤمنة، و ظاهرة عدم انعقاد الإطلاق في موارد عدم كون المتكلم في مقام بيان مراده بكلامه، و ظاهرة تقدّم العام على المطلق، و غير ذلك مما يكشف بمجموعه عن كون الدلالة في موارد الإطلاق بقرينة الحكمة.

الحالة الثالثة: أن يكون المعنى متبادرا و ظاهرا عرفا، و لكن يواجه ذلك إشكالا يمنع الأصولي من الأخذ بهذا التبادر ما لم يجد حلا فنيا لهذا الإشكال، و إيجاد الحل الفني يحتاج إلى الدقة الأصولية.

مثال: الجملة الشرطية مثل" إن جاءك زيد فأكرمه" تدل بالوضع و التبادر العرفي على المفهوم أي" إن لم يجئك زيد فلا تكرمه"، فإن ثبوت المفهوم يتوقّف على كون الشرط علة منحصرة للجزاء، و لكننا ندرك بالوجدان أن الشرط لو لم يكن علة منحصرة للجزاء و وجدت علة أخرى كالمرض لا يكون استعمال أداة الشرط مجازا، فيقع التنافي بين الوجدان القاضي بظهور الشرط في المفهوم، و بين الوجدان القاضي بعدم المجازية في موارد عدم الانحصار، فيحصل الشك في دلالة الشرط على المفهوم ما لم يتوصّل إلى تفسير يوفّق بين هذين الوجدانين‏

97

العرفيّين، و بسبب عدم القدرة على التوفيق بين الوجدانين أنكر الآخوند الخراساني‏ (قدس سره) دلالة الجملة الشرطية على المفهوم.

ملاحظة: و على هذا الأساس من المنهجة و الأسلوب يبحث في علم الأصول عن الدلالات المشتركة الآتية بحثا لغويا أو تحليليا.

98

أبحاث من التقريرات‏

سنتناول بعض الأبحاث من تقريرات‏ السيد الشهيد (قدس سره)، و لم يتعرّض لها في الحلقة الثالثة، و من الجدير للطالب أن يدرسها هنا و هي: 1- الحقيقة الشرعية.

2- الصحيح و الأعم.

3- المشتق.

- الحقيقة الشرعية

معنى الحقيقة الشرعية:

صيرورة بعض الأسماء كالصلاة و الصيام حقيقة في المعاني الخاصة المخترَعة من قِبَل الشارع بحيث يفهم منها ذلك، و تُحمل الألفاظ عليها في استعمالات الشارع لا على معانيها اللغوية الأوّليّة.

توضيح ذلك: إذا كان وضع هذه الألفاظ للمعاني الشرعية قد تمّ في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) فمعنى ذلك ثبوت الحقيقة الشرعية، و تكون هذه المعاني الجديدة مخترَعة من قبل الشارع، و إذا كان الوضع لها قد تمّ بعد وفاته (صلى الله عليه و آله) فمعنى ذلك عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و إنما تثبت الحقيقة المتشرعية.

99

و تأتي الثمرة فيما إذا وردت كلمة من الكلمات مثل الصلاة أو الصيام أو الحج أو الزكاة في آية كريمة أو رواية شريفة، فإذا قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية فإن هذه الألفاظ تُحمل على المعاني الشرعية الجديدة، و إذا قلنا بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فإنها تحمل على المعاني اللغوية.

أمثلة: بعض الألفاظ لها في اللغة معان معيّنة، و بعد مجي‏ء الإسلام صار لهذه الألفاظ معان شرعية جديدة بحيث يفهم عند استعمالها هذه المعاني الجديدة، فالصلاة لغة معناها الدعاء، و الصيام معناه الإمساك، و الحج معناه القصد، و الزكاة معناها النمو، و الآن عند إطلاقها تأتي إلى أذهاننا المعاني الشرعية الجديدة، و هي العبادات المخصوصة.

سؤال: كيف يمكن إثبات وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها الشرعية في عهد النبي (صلى الله عليه و آله)؟

الجواب: يمكن إثبات ذلك بأحد الطرق الثلاثة التالية:

1- بالوضع التعييني المباشر: و ذلك بأن يقول النبي (صلى الله عليه و آله) لأصحابه:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى الشرعي الجديد".

2- بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال: و ذلك بأن يحصل الوضع بسبب كثرة استعمال اللفظ في المعنى الشرعي الجديد.

3- بالوضع التعييني الناشئ من الاستعمال: و ذلك بأن يستعمل النبي (صلى الله عليه و آله) اللفظ في المعنى الشرعي الجديد، بأن يقول مثلا:" يجب الصيام في شهر رمضان"، و هو يقصد بهذا الاستعمال الوضع للعبادة الخاصة.

أبحاث الحقيقة الشرعية:

1- ثبوت الحقيقة الشرعية.

2- ثمرة ثبوت الحقيقة الشرعية.

100

البحث الأول: ثبوت الحقيقة الشرعية:

إذا استطعنا أن نُثْبِت الحقيقة الشرعية بأحد الطرق الثلاثة السابقة فإنها سوف تَثْبُت و تترتب عليها ثمرة القول بها، و سنتناول هذه الطرق الثلاثة:

1- ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التَّعْيينِي المباشِر من الشارع:

أ- لا إشكال في استبعاد ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني المباشر من الشارع بأن يقوم بنفسه بعملية الوضع و تخصيص اللفظ للمعنى الشرعي حتى لو اعتبرنا عملية الوضع أمرا جعليا إنشائيا لا قرنا تكوينيا بين اللفظ و المعنى، فالشهيد كما مر في الحلقة الأولى و الثانية مبناه أن الوضع عبارة عن الاقتران الأكيد بين اللفظ و المعنى لا أنه عملية إنشائية يقوم بها الواضع بأن يخصص اللفظ للمعنى، لذلك فإنه لا يسلّم بالوضع التعييني المباشر من الشارع.

ب- لو سلَّمنا بأن الوضع أمر جعلي إنشائي يقوم به الواضع لنقل التاريخ عن الشارع أنه خصّص هذه الألفاظ للمعاني المخصوصة لأن المقصود حصول الوضع عند الناس و المتشرعة، فكان ينبغي صدوره أمام مرأى و مسمع منهم، و لتداولت الألسن نقله و سجّله الرواة و المحدّثون، و لا يوجد شي‏ء من ذلك مأثور في كتب الحديث أو التاريخ أو السيرة مع أن هذه الكتب تنقل إلينا بعض الأمور الجزئية البسيطة، فكان من الأَوْلَى نقل هذا الأمر المهم.

النتيجة: عدم ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني المباشر من الشارع.

2- ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التَّعَيُّنِي النّاشِئ من كثرة الاستعمال:

إن هذا الثبوت يتوقف على أمرين:

101

الأمر الأول: أن لا تكون الألفاظ موضوعة بإزاء نفس المعاني الشرعية لغة أو عرفا قبل الإسلام أي قبل استعمال النبي (صلى الله عليه و آله) لهذه الألفاظ في هذه المعاني، و مع وضع الألفاظ بإزاء هذه المعاني لغة أو عرفا قبل الإسلام تكون حقائق لغوية لا شرعية.

الأمر الثاني: كثرة استعمال النبي (صلى الله عليه و آله) للأسماء المذكورة في المعاني الشرعية الجديدة بحيث يبلغ درجة التعيّن و انسباق تلك المعاني منها إلى الذهن بلا قرينة.

نقاش الأمرين:

نقاش الأمر الأول:

إن المعاني الشرعية كانت ثابتة أيضا في الشرائع السابقة كاليهودية و النصرانية و إن لم تكن بالتفاصيل الموجودة في ديننا، و كان أصحابها متواجدين في مكة و المدينة قبل الإسلام، و كانت الصلاة و الصيام و الحج بمعانيها الشرعية ثابتة عندهم، و مما يدل على ذلك:

أ- معهوديتها في الجزيرة العربية قبل الإسلام.

ب- ورود بعض الآيات الكريمة و الروايات الشريفة التي تحكي ثبوت مثل الصلاة و الصيام و الحج و الزكاة قبل الإسلام كقوله تعالى:" وَ أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً" ( (18) 1)، و" وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ" ( (19) 2)، و" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ( (20) 3)، فإن الآيات الكريمة تدل على أن المعاني الشرعية كانت ثابتة قبل الإسلام.

____________

(18) (1) مريم: 31

(19) (2) الحج: 27

(20) (3) البقرة: 183.

102

نقاش الأمر الثاني:

أ- التشكيك في وقوع استعمالات كثيرة من النبي (صلى الله عليه و آله) خاصة، نعم مجموع استعمالاته (صلى الله عليه و آله) و أصحابه المتشرعة قد تكون كثيرة إلا أن ذلك لا يفيد في إثبات الحقيقة في لسان الشارع.

ب- لو سلَّمنا بكثرة الاستعمالات المذكورة من قبل النبي (صلى الله عليه و آله) خاصة فيوجد هنا احتمالان:

إما أن تكون الاستعمالات من باب المجاز و مع القرينة، و الوضع التعيّني يحصل من كثرة الاستعمال إذا كان استعمال اللفظ في المعنى من دون قرينة، و أما مع القرينة فالقرن يحصل بين اللفظ مع القرينة و بين المعنى الشرعي، و المطلوب في الوضع التعيّني حصول القرن بين اللفظ المجرّد عن القرينة و بين المعنى الشرعي.

و إما أن تكون الاستعمالات من باب تعدّد الدّال و المدلول باستعمال الأسماء في معانيها اللغوية و نستفيد الشروط و الخصوصيات من دوال أخرى، و هذا لا يجدي في إيجاد الوضع و الحقيقة لأن المطلوب في الوضع التعيّني حصول القرن بين اللفظ و المعنى الشرعي لا بين اللفظ و المعنى اللغوي.

الرد على النقاشين:

رد نقاش الأمر الأول: يكفي في ثبوت الوضع التعيّني كثرة استعمال اللفظ في المعنى الشرعي الجديد في عرف عصر التشريع سواء كانت الكثرة في استعمالات النبي (صلى الله عليه و آله) خاصة أم في مجموع المحاورات الدائرة في ذلك العصر بين النبي و أصحابه المتشرعة، و ثبوت الوضع المذكور محرز بحسب الفرض، فلا وجه للنقاش الأول.

رد نقاش الأمر الثاني: يحصل الوضع التعيّني بكثرة استعمال اللفظ في المعنى حتى مع وجود القرينة أو الدوال الأخرى لأن ملاك حصول‏