دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
103

الوضع المذكور هو ما يتحقّق من الاقتران الأكيد من خلال مجموع الاستعمالات بين اللفظ و المعنى الشرعي، و هو حاصل لكون المعنى الشرعي هو العنصر الثابت و غير المتغير في كل تلك الاستعمالات بخلاف القرائن المجازية أو الدوال الأخرى فإنها متغيرة من مورد إلى آخر و ليست من سنخ واحد، فلا يشترط في الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال أن تكون الاستعمالات بلا قرينة أو بلا دال آخر على الخصوصية، فلا وجه للنقاش الثاني.

النتيجة:

و برد النقاشين تثبت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال.

3- ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بالاستعمال:

و يوجد هنا تقريبان:

التقريب الأول: إن سيرة العقلاء على أنهم إذا اخترعوا شيئا وضعوا له اسما خاصا بأحد طريقين:

أ- بالتعيين الصريح: و ذلك بأن يقول:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى"، و بهذا الطريق لم تثبت الحقيقة الشرعية لعدم وجود النقل التاريخي الدال على ذلك كما ورد سابقا.

ب- من خلال الاستعمال بقصد أن يتعيّن فيه: و هذا الطريق هو المتعيّن هنا، و به تثبت الحقيقة الشرعية.

و الشارع بوصفه من العقلاء لا يحيد عن طريقتهم.

رد التقريب الأول: أقصى ما يلزم من التقريب الأول الظن باتباع النبي (صلى الله عليه و آله) لنفس الطريقة العقلائية، و من المحتمل أنه لا يتّبع ذلك، و لا يوجد دليل شرعي على حجية هذا الظن.

104

التقريب الثاني: إن عقلائية هذه الطريقة تخلع على استعمال الشارع للفظ في المعنى المخترع من قبله ظهورا عرفيا في أنه يقصد تعيين الاسم و وضعه بإزاء ذلك المعنى الشرعي أيضا، فيكون مشمولا لدليل حجية الظهور حيث إن ظاهر كل عاقل أنه إذا اخترع معنى جديدا فإنه يضع له لفظا و لا يتركه بلا وضع، فإذا اخترع الشارع معنى الصلاة فإنه يضع له لفظ الصلاة.

رد التقريب الثاني: هذا التقريب يتوقف على أن المعاني الشرعية مخترعة من قبل الشارع و من مختصاته بحيث لم يكن لها أثر في الشرائع السابقة و لم تكن معهودة في الجزيرة العربية، و لكن الآيات النازلة في صدر الإسلام تدل على ثبوتها في الشرائع السابقة.

النتيجة: و برد التقريبين لا يمكن إثبات الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بالاستعمال.

إشكال:

لو فرض أن المعاني المذكورة كانت ثابتة قبل الإسلام و لم يكن الشارع مخترعا لها كان لازم ذلك أن تكون هذه الأسماء حقائق لغوية إذا كانت ثابتة قبل الإسلام في لغة العرب، أو عرفية إذا كانت ثابتة بين الناس و لو من غير العرب فيها، و هو من حيث النتيجة التي يريدها الأصولي كنتيجة ثبوت الحقيقة الشرعية، و النتيجة هي حمل اللفظ بلا قرينة على المعاني الشرعية، فنصل إلى نفس النتيجة سواء قلنا بأن الألفاظ مخترعة من قبل الشارع أم أنها كانت ثابتة قبل الإسلام، و المطلوب هو حمل هذه الألفاظ على المعاني الشرعية إذا استعملت بلا قرينة، و لا ينظر إلى الطريق الذي حصل منه هذا الحمل، و قد حصل المطلوب، و به تثبت الحقيقة اللغوية أو العرفية و نستغني عن الحقيقة الشرعية، و لكننا نصل إلى نفس النتيجة.

105

رد الإشكال:

أ- بناء على سبق تلك المعاني الشرعية و وجودها قبل الإسلام لا يحرز إلا أصل وجودها سابقا لا كون الأسماء حقيقة في المعاني الشرعية، و لا نلتزم بوضع الألفاظ الخاصة لها.

ب- لو سلَّمنا بكون الأسماء حقيقة في المعاني الشرعية و أنها موضوعة لها قبل الإسلام لا يحرز النقل من معانيها اللغوية الأولية، فالصلاة يظل لها معنى الدعاء و لم يُهجر هذا المعنى، و قد تكون مشتركة بينهما لفظا، فتكون كلمة" الصلاة" مشتركا لفظيا بين معنيين: الدعاء و الصلاة المخصوصة، و كونها مشتركا لفظيا لا ينفعنا في المقام لأن المطلوب هو حمل اللفظ على المعنى الشرعي عند عدم القرينة، و في المشترك اللفظي نحتاج إلى القرينة المعيِّنة التي تعيِّن المعنى الحقيقي من بين المعاني الحقيقية، و هذا بخلاف ما إذا كانت المعاني مخترَعة من قبل النبي (صلى الله عليه و آله) و غير موجودة سابقا حيث تكون الطريقة العقلائية مقتضية للنقل عن المعنى اللغوي و لو في عرف المخترِع و هو النبي (صلى الله عليه و آله) إلى المخترَع، فيُهجر المعنى القديم و يوضع اللفظ للمعنى الجديد المخترع، فيهجر معنى الدعاء و تصير كلمة" الصلاة" موضوعة للصلاة المخصوصة.

رأي الشهيد:

الصحيح ثبوت الحقيقة الشرعية، و ذلك بأن يقال إن هناك إحدى فرضيات ثلاث لا يخلو الحال من إحداها و لا يمكن إنكارها جميعا، و هي:

1- أن لا تكون هذه المعاني الشرعية ثابتة قبل الإسلام، و إنما اخترعها النبي (صلى الله عليه و آله) و وضع الأسماء لها لأن ظاهر كل عاقل‏

106

أنه إذا اخترع معنى جديدا فإنه يضع له لفظا، و بذلك تثبت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بالاستعمال.

2- أن تكون المعاني الشرعية بأسمائها ثابتة في مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام بحيث لم يصدر من قبل الشارع، و لكن الشارع غيَّر بعض التفاصيل و الشروط غير المقوِّمة لحقيقة ذلك المعنى الجامع، فالصلاة موضوعة للصلاة المخصوصة، و لكن اختلفت تفاصيل هذه الصلاة المخصوصة و شرائطها في الديانات المختلفة، و يشهد على ذلك:

أ- تاريخ مجتمع الجزيرة و ما كان فيه من أصحاب الديانات السماوية السابقة و آثارها و بقاياها فيما بين الناس و ما خلَّفه كل ذلك من طقوس و عبادات كانوا قد اعتادوا عليها و إن اختلفت من حيث التفاصيل عن العبادات الإسلامية.

ب- الاستعمالات القرآنية الأولى لنفس الأسماء في معانيها الشرعية، فالقرآن يشهد بوجود المعاني الشرعية قبل الإسلام بالألفاظ المتداولة اليوم، و بذلك تثبت الحقيقة اللغوية للفظ في المعنى الشرعي، و لكن هذا المقدار يكفي في المقام لأن المطلوب حمل الألفاظ على المعاني الشرعية عند الاستعمال بلا قرينة.

3- أن يُدَّعَى أن المعاني الشرعية ثابتة قبل الإسلام و إن اختلفت تفاصيلها عما هو موجود في ديننا الإسلامي إلا أنه لا يعلم كون الأسماء حقيقة فيها، و لكن بعد مجي‏ء الإسلام كانت هناك حاجة استعمالية لهذه الأسماء في تلك المعاني الشرعية، و قد بلغت المعاني الشرعية مرتبة من الكثرة و الشيوع بحيث أصبحت تنسبق من الألفاظ إلى الذهن بلا حاجة إلى قرينة، و بذلك تثبت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال في عصر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).

107

البحث الثاني: ثمرة ثبوت الحقيقة الشرعية:

إن ثمرة القول بالحقيقة الشرعية هي حمل تلك الأسماء في لسان الروايات و الأدلة على المعاني الشرعية، هذا إذا ثبتت الحقيقة الشرعية بنحو النقل و هجر المعنى اللغوي الأول، و إذا لم يُهجر المعنى اللغوي الأول كان من استعمال اللفظ المشترك المردّد بين المعنيين الحقيقيين، فيكون مجملا لو لم توجد قرينة و لو عامة معيِّنة لإرادة المعنى الشرعي لا اللغوي.

مثال: إذا وردت رواية فيها كلمة" الصلاة" فبناء على ثبوت الحقيقة الشرعية تحمل الكلمة على المعنى الشرعي و هو الصلاة المخصوصة، و بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية تحمل على المعنى اللغوي و هو الدعاء.

رأي مدرسة المحقّق النائيني‏ (قدس سره):

هذه الثمرة غير واقعية لأن ظهور النصوص الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) في إرادة المعاني الشرعية دون اللغوية لا شك فيه بسبب وضع هذه الألفاظ للمعاني الشرعية في عهدهم، و إنما الشك قد يفرض فيما صدر عن النبي (صلى الله عليه و آله)، و لم تثبت من طرقنا إلا ما رواه الأئمة (عليهم السلام) عنه (صلى الله عليه و آله)، و المعروف ظهوره في المعنى الشرعي و لا يوجد احتمال إرادة المعنى اللغوي، لذلك لا حاجة للبحث في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدم ثبوته.

رد الشهيد على مدرسة المحقّق النائيني‏ (قدس سرهما):

1- إن هناك بعض الأحاديث النبوية نقلت عن الأئمة (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) بألفاظها حرفيا بدون أي تصرّف تحفّظا على كلامه الشريف و تيمّنا به، فلو ثبتت الحقيقة الشرعية حملت على المعنى الشرعي، و لو لم تثبت حملت على المعنى اللغوي.

108

2- و كذلك تظهر ثمرة الحقيقة الشرعية في الأسماء الواردة في القرآن الكريم، فلو قيل بثبوت الحقيقة الشرعية لحمل اللفظ على المعنى الشرعي، و لو قيل بعدم ثبوتها لحمل على المعنى اللغوي.

النتيجة: إنكار أصل الثمرة من ثبوت الحقيقة الشرعية في غير محله.

109

2

- الصحيح و الأعم‏

مقدمة

يبحث في هذا البحث عن ألفاظ العبادات و المعاملات من حيث اختصاصها بالفرد الصحيح أو إطلاقها على الأعم من الصحيح و الفاسد، و تترتب ثمرة على القول بأحدهما كما في المثال التالي:

لو نذر شخص أن يتصدق على من يصلي، فإذا تصدق على من يصلي صلاة فاسدة فبناء على القول بوضع كلمة" الصلاة" للأعم من الصلاة الصحيحة و الفاسدة يحصل الوفاء بالنذر، و بناء على القول بالوضع لخصوص الصحيحة لا يحصل الوفاء بالنذر.

مباحث الصحيح و الأعم‏

و هنا يوجد بحثان: بحث في أسماء العبادات، و بحث آخر في أسماء المعاملات.

أولا: أسماء العبادات:

و البحث عنها يقع ضمن عدة جهات:

الجهة الأولى: تصوير البحث بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية:

من المعقول البحث عن وضع أسماء العبادات للصحيح أو الأعم بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، فحينما وضع النبي (صلى الله عليه و آله) كلمة" الصلاة" للعبادة المخصوصة فيمكن أن نسأل: هل وضعها

110

لخصوص الصلاة الصحيحة أو للأعم من الصلاة الصحيحة و الفاسدة؟، و نفس السؤال يأتي في بقية العبادات.

و أما بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فقد يقال إنه لا يعقل البحث عن وضع هذه الأسماء للصحيح أو للأعم لأنه لا يوجد وضع فيها لهذه المعاني الشرعية و إنما هي باقية على معناها اللغوي و الاستعمال في المعاني الشرعية استعمال مجازي.

محاولات تصوير البحث بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية:

و قد تصدّى المحقّقون لتصوير البحث بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و المهم منها تصويران:

التصوير الأول لصاحب الكفاية (قدس سره): بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية يكون استعمال هذه الأسماء في المعاني الشرعية استعمالا مجازيا، و يرجع البحث حينئذ إلى تحديد المجاز الأقرب الذي لا بد أن يحمل عليه اللفظ عند وجود القرينة على عدم إرادة المعنى اللغوي فهل المجاز الأقرب هو الصحيح أو الأعم؟

بعبارة أخرى: أي المعنيين قد اعتبرت العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي: الصحيح من أفراد المعنى الشرعي أو الأعم لكي يحمل عليه اللفظ عند وجود قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي؟

إن القائل بالصحيح يقول إن المعنى الشرعي الصحيح هو المجاز الأقرب لوجود علاقة بين المعنى الحقيقي و هو المعنى اللغوي و المعنى الشرعي الصحيح، ثم ننتقل من المجاز الأقرب إلى المجاز الأبعد و هو الأعم لوجود علاقة بين المعنى الشرعي الصحيح و المعنى الشرعي الأعم.

و القائل بالأعم يقول بالعكس فالمعنى الشرعي الأعم هو المجاز الأقرب لوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي و هو المعنى اللغوي‏

111

و المعنى الشرعي الأعم، ثم ننتقل من المجاز الأقرب إلى المجاز الأبعد و هو الصحيح لوجود علاقة بين المعنى الشرعي الأعم و المعنى الشرعي الصحيح.

فهنا يكون المعنى المجازي الثاني ملحوظا في طول المعنى المجازي الأول، فننتقل من المجاز الأول لوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي الأول إلى المجاز الثاني لوجود العلاقة بين المعنى المجازي الأول و المعنى المجازي الثاني، فيكون هناك انتقال من المعنى الحقيقي إلى المجاز الأول، و من المجاز الأول إلى المجاز الثاني بسبب وجود هذه العلاقات بين معانيها، و الخلاف بين القائل بالصحيح و القائل بالأعم هو في تحديد مصداق المجاز الأقرب.

الرد على التصوير الأول: إن الطولية بين المعاني المجازية معقول و واقع لغة و عرفا، و لكن لا يمكن أن يدعى طولية المعنى الصحيح أو المعنى الأعم لأن العلاقة المصححة بين الحقيقة و المجاز محفوظة في المعنيين بدرجة واحدة عرفا، و ارتباط المجازين بالمعنى الحقيقي بنفس الدرجة، فلا يمكن تقديم أحد المجازين على الآخر ثم الانتقال من المجاز الأول إلى المجاز الثاني لأنه لا يوجد مجاز أول و مجاز ثان، و إنما المجازان لهما نفس الدرجة من العلاقة و الارتباط بالمعنى الحقيقي، فالانتقال يكون من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي الصحيح مباشرة و دون المرور بالمعنى المجازي الأعم، و كذلك الانتقال منه إلى المعنى المجازي الأعم يكون مباشرة بدون المرور بالمعنى المجازي الصحيح.

التصوير الثاني: أن يكون البحث في القرينة العامة التي اعتمدها النبي (صلى الله عليه و آله) في استعمالاته المجازية من أجل تحديد مفاد هذه القرينة حيث اعتمدها (صلى الله عليه و آله) لتفهيم المعنى الشرعي الذي هو معنى‏

112

مجازي بناء على عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فالصحيحي يدّعي أن مفادها الصحيح و إذا أراد النبي (صلى الله عليه و آله) الأعم فإنه يقوم بنصب قرينة أخرى للدلالة على الأعم، و الأعمّي يدّعي أنه الأعم و إذا أراد النبي (صلى الله عليه و آله) الصحيح فإنه يقوم بنصب قرينة أخرى تدل على أنه يريد الصحيح.

الجهة الثانية: المقصود من الصحة و الفساد:

إن الصحة و الفساد لغة لا تشمل المركّبات فقط، بل تتّصف بها البسائط أيضا كالفكرة، فيقال فكرة صحيحة أو فكرة فاسدة؛ لأن الصحة تعني تحقيق الشي‏ء للحيثية المرغوب فيها و حصول الأثر المطلوب منه، و الفساد يعني عدم تحقيق الشي‏ء لها و عدم حصوله منه.

إن الحيثية المرغوب فيها من وراء المركّبات من العبادات أو المعاملات هي إجزاؤها و تمامية شرائطها و أجزائها، لذلك فإن الصحة و الفساد تكون مقاسة إلى هذه الحيثيات، فإذا كان العمل مجزيا و تاما كان صحيحا، و إذا لم يكن كذلك كان فاسدا، فالصحة تعني كون العمل مجزيا و حصول تمام الأجزاء لأن الأثر المطلوب في العبادات هو الإجزاء و التمامية.

إن الأصحاب حينما فسّروا الصحة بموافقة العمل للأمر الشرعي، أو بكون العمل مسقطا للأداء و القضاء، أو بكون العمل محصِّلا للغرض المطلوب منه، أو بتمامية الأجزاء و الشروط لم يكونوا بصدد تحديد معنى الصحة و الفساد لغة لأن لازم كلامهم اختصاص الصحة و الفساد بالشي‏ء المركب دون الشي‏ء البسيط، بل لا بد أن يحمل تفسيرهم على المنظور السابق لأن الصحة و الفساد لغة لا تعم المركبات فقط، بل تشمل البسائط أيضا مع أن البسيط لا يحتوي على أجزاء حتى نقول بتمامية الأجزاء أو عدم تماميتها فيه، و بالتالي لا نقول إن البسيط إذا تمت‏

113

أجزاؤه فهو صحيح و إذا لم تتم فهو فاسد، لذلك لا بد من أخذ كلامهم على المنظور السابق و هو أن الصحة تعني تحقيق الشي‏ء للحيثية المرغوب فيها و حصول الأثر المطلوب منه، و الفساد يعني عدم تحقيق الشي‏ء لها و عدم حصوله منه؛ سواء كان ذلك الشي‏ء مركبا أم بسيطا، و لقد فسَّروا الصحة بمختلف التفاسير لأنهم كانوا ينظرون إلى الأثر المطلوب، فإن كان الأثر المطلوب هو موافقة العمل للأمر الشرعي فإنهم فسَّروا الصحة بنفس موافقة الأمر، و كذلك بالنسبة لبقية التفاسير.

سؤال: لو قلنا بوضع لفظ" الصلاة" للصحيح فهل المقصود وضعها لمفهوم" الصحيح" و مفهوم" التام" و مفهوم" الموافق للأمر" أو أن المقصود وضعها لواقع الصحيح و مصداقه؟

الجواب: إن المراد بالبحث عن وضع الأسماء للعبادات الصحيحة وضعها بإزاء واقع الصحيح من أفرادها و بإزاء منشأ انتزاع الصحة لا مفهوم" الصحة" أو" التمامية" أو" موافقة الأمر"، و ذلك لوجهين:

أ- لعدم تبادر شي‏ء من هذه المفاهيم من أسماء العبادات، فعند ما نسمع كلمة" الصلاة" لا يتبادر إلى الذهن مفهوم" الصحيح" أو مفهوم" التام" أو مفهوم" الموافق للأمر" لعدم وجود الترادف بين مفهوم كلمة" الصلاة" و بين هذه المفاهيم.

ب- إن بعض هذه المفاهيم كمفهوم موافقة الأمر يكون منتزعا في طول تعلّق الأمر بالعبادة، فإن موافقة الأمر يأتي في مرتبة متأخرة عن مرتبة الأمر بالعبادة، فلا يعقل أخذها في اسم تلك العبادة في الرتبة السابقة، فإذا قلنا أمر الشارع بالعبادة كالأمر بالصلاة و كان معنى الصلاة موافقة الأمر صار المعني" أمر الشارع بموافقة الأمر"، فإن هذا يلزم منه الدور لتوقف الشي‏ء على نفسه حيث يتوقف الأمر بالصلاة على الأمر بالصلاة،

114

و الدور مستحيل عقلا، و يلزم من هذا خلف غرض القائل بالوضع للصحيح لأنه يريد تصوير معنى الصلاة بشكل يقبل تعلّق الأمر به.

تفصيل الشيخ الأنصاري بين الأجزاء و الشرائط:

مقدمة: يحتاج التفصيل إلى مقدمة هي: إن العلة التامة تتكون من أجزاء ثلاثة هي: المقتضي و الشرط و عدم المانع، و تتوضّح الأجزاء الثلاثة من خلال المثال التالي: لو كان عندنا نار و نريد أن نحرق ورقة، فلا بد أن نقرِّب النار إلى الورقة، و أن لا تكون في الورقة رطوبة، فالمقتضي هو ما يحصل منه الأثر كالنار المحرِقة، و الشرط هو العامل المساعد على التأثير كتقريب النار من الورقة، و عدم المانع هو العامل المساعد على التأثّر كعدم وجود الرطوبة في الورقة، و عدم المانع يعتبر شرطا أيضا، و الشرط هو ما يساعد الفاعل و هو النار في تأثيره، أو ما يساعد القابل و هو الورقة في تأثّره، و هذا معنى العبارة القائلة: إن دور الشرط هو تصحيح فاعلية الفاعل أو قابلية القابل.

عودة إلى التفصيل: بناء على وضع لفظ" الصلاة" للصلاة الصحيحة نسب إلى‏ الشيخ الأنصاري‏ (قدس سره) إمكان أخذ الصحة من حيث الأجزاء في المسمى و عدم إمكان أخذها فيه من حيث الشرائط.

بعبارة أخرى: ليس المقصود بالوضع للعبادة التامة الوضع لها من حيث الأجزاء و الشرائط بل من حيث الأجزاء فقط لأن الشرط يكون في طول المشروط و هو المقتضي و يأتي في رتبة متأخرة عن المشروط، فلا بد من وجود المشروط أَوَّلًا حتى نقول بعد ذلك بوجود الشرط، و لا يمكن وجود الشرط بدون وجود المشروط إذ لأي شي‏ء يكون الشرط؟!، فوجود الشرط يأتي بعد وجود المشروط، و لا معنى للقول بوجود الشرط قبل وجود المشروط، و بالتالي يكون الشرط في طول أجزاء المشروط لأن المركب عين أجزائه، لذلك يستحيل أخذ الشرط مع أجزاء المشروط في رتبة واحدة لأن‏

115

وجود الشرط يأتي بعد وجود المشروط و وجود أجزاء المشروط، فلو وضع لفظ" الصلاة" لمجموع الأجزاء و الشرائط فلازمه وحدة رتبة الشرائط و الأجزاء، فاللازم باطل، فيكون الملزوم باطلا أيضا، لذلك فإن لفظ" الصلاة" بناء على وضعه للصحيح موضوع للصحيح من حيث الأجزاء فقط دون الشرائط.

الرد على تفصيل الشيخ الأنصاري‏ (قدس سره):

الرد الأول: لو سلَّمنا بالترتب و الطولية بين الشرط و الجزء فإن الترتب يكون بلحاظ عالم الوجود الخارجي لا بلحاظ عالم المفهوم و المسمى، فلا مانع من ملاحظتهما و تصورهما معا في مقام التسمية و المفهوم و الألفاظ، فيمكن تصورهما معا و وضع لفظ واحد لهما في نفس الوقت.

الرد الثاني: لا نسلِّم بوجود الترتب و الطولية بين ذات الشرط و ذات الجزء حتى في عالم الوجود الخارجي، و إنما الترتب و الطولية بين الشرط و المقتضي المشروط بالشرط يكون في مقام التأثير أي أن تأثير الشرط متأخّر عن تأثير المقتضي لأن الشرط عامل مساعد و مصحّح لفاعلية الفاعل أو قابلية القابل بعد الفراغ عن تمامية المقتضي في نفسه، فالنار بما هي مؤثرة في الإحراق متقدمة على الشرط و هو قرب الورقة، و أما إذا نظرنا إلى ذات النار بقطع النظر عن تأثيرها فلا تقدم لها على ذات تقريب الورقة، فالمأخوذ في المسمى على القول بالوضع للصحيح ذات الجزء و ذات الشرط لا من حيثية تأثيرهما في الغرض، فكلمة" الصلاة" موضوعة لذات المقتضي و ذات الشرط، و لا يوجد ترتب و طولية بين الذاتين.

نعم لو فرض أن حيثية التأثير ملحوظة في مقام الوضع بأن تكون كلمة" الصلاة" موضوعة للصحيح بمعنى المؤثّر في حصول الغرض فلا يمكن وضع كلمة" الصلاة" لمجموع الأجزاء و الشرائط لوجود الترتب‏

116

و الطولية بين الشرط و الجزء، و لكن تبيّن فيما سبق أن كلمة" الصلاة" ليست موضوعة لمفهوم" المحصِّل للغرض" لعدم وجود الترادف بينهما.

النتيجة: يمكن وضع لفظ" الصلاة" للصحيح من حيث الأجزاء و الشرائط معا. ذ

رأي الشهيد

الصحيح عدم المحذور من أخذ الصحة من ناحية الشرائط كالصحة من ناحية الأجزاء في المسمى، و يأتي هنا السؤال التالي‏ و هو:

بناء على إمكان وضع لفظ" الصلاة" لتمام الأجزاء و الشرائط فهل المراد من الشرائط جميع الشرائط بما في ذلك شرط قصد الامتثال، أو المراد ما عداه من الشرائط؟

الجواب: في مثل قصد القربة أي قصد الامتثال، و قصد الوجه أي قصد الوجوب أو الاستحباب اللذين هما من القيود الثانوية المعتبرة في الصحة لا يمكن للقائل بالوضع للصحيح أخذه في المسمى بناء على رأي‏ صاحب الكفاية (قدس سره) باستحالة أخذه في متعلّق الأمر فلا يمكن للشارع أن يقول" آمركم بالصلاة بشرط قصد امتثال الأمر" للزوم الدور حيث يتوقف الأمر على الأمر و يلزم منه كون الأمر متقدما و متأخرا في وقت واحد و لو كانت معتبرة في الصحة شرعا أو عقلا لأنه خلف غرض الصحيحي من تصوير معنى للصحيح يعقل أن يكون متعلّقا للأمر و الخطاب، نعم لا تصح الصلاة بدون قصد الامتثال، و لكن لا يمكن أخذ قصد الامتثال جزء في المسمى، و الصحيحي يريد أن يصوِّر مسمى الصلاة بشكل يمكن تعلّق الأمر به، و قصد الامتثال لو كان مأخوذا في المسمى فلا يمكن تعلّق الأمر به.

ملاحظة: قصد الامتثال يسمى قيدا ثانويا لأنه يأتي في رتبة متأخرة عن الأمر، فالأمر لا بد أن يكون موجودا أوَّلًا حتى نقول بعد ذلك بقصد امتثال‏

117

الأمر، فقصد امتثال الأمر يأتي بعد الأمر، و لكن مثل الركوع و السجود و القيام فإنها قيود أولية لأنه يمكن الإتيان بها قبل الأمر.

النتيجة: لا يمكن وضع لفظ" الصلاة" لتمام الأجزاء و الشرائط بما فيها قصد الامتثال بناء على استحالة أخذه في متعلَّق الأمر.

الجهة الثالثة: تصوير الجامع بين الأفراد:

قبل الدخول في تصوير الجامع بين الأفراد لا بد من طرح‏ السؤال التالي‏: لأي شي‏ء وضعت كلمة" الصلاة"؟

الجواب: توجد هنا حالتان:

الحالة الأولى: وضع لفظ" الصلاة" لكل فرد فرد من أفراد الصلاة:

في هذه الحالة يتصور الواضع مفهوم الصلاة الكلي و يضع اللفظ لمصاديقه و هي الصلاة الأولى و الصلاة الثانية و الصلاة...، و يقال هنا إن الوضع عام و الموضوع له خاص، و الوضع عام لأن المعنى المتصور عام و هو المفهوم الكلي للصلاة، و الموضوع له خاص لأن اللفظ لم يوضع لنفس المعنى المتصور بل وضع لأفراده، و لازم الوضع هنا كثرة معاني الصلاة لأن أفراد الصلاة في الخارج غير متناهية.

الحالة الثانية: وضع لفظ" الصلاة" لمفهوم الصلاة الكلي:

في هذه الحالة يتصور الواضع المعنى الكلي للصلاة و يضع اللفظ لهذا المعنى الكلي لا لأفراده، و يقال هنا إن الوضع عام و الموضوع له عام، و الوضع عام لأن المعنى المتصور عام، و الموضوع له عام لأن اللفظ وضع لنفس المعنى الكلي المتصور.

سؤال: أي الحالتين هي الحالة المطلوبة هنا؟

الجواب: من الواضح عدم وضع الأسماء بإزاء كل فرد فرد أو كل نوع نوع من أفراد الصحيح المتفاوتة بنحو الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

118

لأن هذا يجعل هذه الأسماء من المشترك اللفظي و ذات معان متعددة غير متناهية و هو واضح البطلان، بل هي كسائر أسماء الأجناس كالإنسان و الأسد التي لها معنى واحد، و يكون انطباق هذا المعنى الواحد على الأفراد من باب الاشتراك المعنوي فيما بينها، و هذا المعنى الواحد هو الجامع بين الأفراد، لذلك يلزم تصوير جامع بين الأفراد الصحيحة بناء على الوضع للصحيح، أو الأفراد الأعم من الصحيحة و الفاسدة بناء على الوضع للأعم.

تصوير الجامع بين الأفراد:

و من هنا لا بد من البحث عن كيفية تصوير هذا الجامع على كل من القولين: فتارة يتم تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة، و تارة أخرى بين الأفراد الأعم من الصحيحة و الفاسدة.

أولا: تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة:

إشكال: استشكل بعض الأعلام في إمكان تصوير جامع بين الأفراد الصحيحة بسبب شدة تباين الأفراد الصحيحة و اختلافها من حال إلى حال خصوصا في مثل الصلاة، فالصلاة تكون من ركعة أو ركعتين أو ثلاث ركعات أو أربع ركعات، و تكون من قيام أو جلوس أو اضطجاع، و تكون صلاة يومية أو صلاة آيات أو صلاة على الميت أو صلاة جمعة، و تكون...، فلا يمكن تصوير جامع واحد يجمع بين كل هذه الصور المتباينة، فمثلا لو اعتبرنا في الجامع ثلاث ركعات فتكون ذات الركعتين و ذات الأربع ركعات ليست بصلاة مع كونها في الواقع صلاة، و لكن قبل الدخول في بيان الإشكال لا بد من طرح مقدمة درسناها في المنطق.

مقدمة من علم المنطق:

إن مصطلح" الذاتي" له عدة معان، منها:

أ- الذاتي في كتاب الكليات الخمسة: هو المحمول الذي تتقوّم ذات الموضوع به غير خارج عنها، و الذاتي يعم النوع و الجنس و الفصل، و يقابله‏

119

العَرَضِي و هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع لاحقا له بعد تقوّمه بجميع ذاتيّاته، كالضاحك اللاحق للإنسان، و الماشي اللاحق للحيوان.

ب- الذاتي في كتاب البرهان في باب الحمل و العروض: و هو لازم الماهية كالزوجية لماهية الأربعة، و الإمكان لماهية الإنسان، و يقابله الغريب.

عودة إلى الإشكال:

إن هذا الجامع لا يخلو من أحد أمرين:

1- إما أن يكون مركّبا.

2- و إما أن يكون بسيطا.

و نأتي الآن إلى التأمل في هذين الجامعين:

1- الجامع المركب: هو غير معقول لأنه:

أ- لو أخذ في الجامع المركب جميع القيود لم ينطبق هذا الجامع على الفاقد لبعض القيود مع العذر مع كون الفاقد صحيحا، فلو كان الجامع مركبا من عشرة أجزاء و شرائط كان لفظ" الصلاة" موضوعا للعشرة، و يلزم من ذلك عدم صدق لفظ" الصلاة" على الصلاة المكوّنة من تسعة أجزاء و شرائط مع العذر كصلاة المضطر التي تقل عن عشرة مع أن هذه الصلاة من المضطر صحيحة.

ب- لو أخذ في الجامع المركب خصوص ما يعتبر في جميع الحالات انطبق هذا الجامع على الفاقد لغير ما اعتبر بلا عذر مع كون الفاقد فاسدا، فلو كان الجامع مركبا من الأجزاء و الشرائط المعتبرة في جميع أفراد الصلاة فإن هذا الجامع ينطبق على الصلاة التي تشتمل على الجامع و لكنها فاقدة لبعض الأجزاء و الشرائط الأخرى غير المعتبرة في الجامع بلا عذر كالصلاة التي يتعمد فيها ترك بعض الأجزاء غير المعتبرة مع أن هذه الصلاة باطلة فاسدة.

120

2- الجامع البسيط: هو غير معقول أيضا لأنه:

أ- لو كان الجامع البسيط جامعا ذاتيا بمعنى الذاتي في كتاب الكليات الخمسة فهو غير معقول بين الأجزاء و القيود المتباينة سنخا و مقولة، فلفظ" الإنسان" جامع ذاتي بين أفراده الذين لا يوجد بينهم تباين في ذاتياتهم، و لكن لا يمكن أن يكون لفظ" الصلاة" جامعا ذاتيا بين أفراد الصلاة لأن الصلاة مركبة من مقولات مختلفة، و المقولات العشر تعتبر أجناس عالية، فلا يوجد جنس عال يجمعها لأنه لا يوجد جنس أعلى فوقها، فالركوع و السجود من مقولة الوضع، و القراءة من مقولة الكيف، و لا يوجد جامع بين المقولتين، و كذلك فإن الصلاة مركبة من الوجود و العدم، فالركوع وجود، و عدم القهقهة عدم، و لا يوجد جامع ذاتي بين الوجود و العدم.

ب- لو كان الجامع البسيط جامعا ذاتيا بمعنى الذاتي في كتاب البرهان أي ما يكون من لوازم الماهية فهو غير معقول، و هنا نضع اللفظ لهذا اللازم الواحد سواء عرفناه أم لم نعرفه، و هو غير معقول لأن لازم الماهية يكون بمثابة المعلول للماهية، فالحرارة لازمة للنار بمعنى أنها معلولة لها، و يستحيل وجود لازم واحد لأمور متباينة سنخا، فالصلاة مركبة من مقولات متعددة، فلا يمكن أن يكون لها لازم واحد لأن الأشياء المختلفة لا يمكن أن يكون لها معلول واحد، و إذا كان لها معلول واحد فهذا معناه أن المتعدد علة للواحد، و هذا مستحيل.

ج- لو كان الجامع البسيط جامعا عرضيا انتزاعيا كعنوان الناهي عن الفحشاء و المنكر في الصلاة، فتكون كلمة" الصلاة" موضوعة لكل فعل ينهى عن الفحشاء و المنكر، و هذا العنوان عنوان عرضي منتزع من أفراد الصلاة و ليس أمرا ذاتيا، و هنا الجامع البسيط معقول ثبوتا، لكنه غير محتمل إثباتا لأن لازمه عدم صدق الاسم إلا بعد ملاحظة ذلك العنوان العرضي المصحِّح للانتزاع مع أنه بحسب الارتكاز و التبادر تصدق هذه‏

121

الأسماء على مسمياتها كسائر أسماء الأجناس بلا حاجة إلى ملاحظة شي‏ء من تلك العناوين العرضية الخارجة عن تلك المصاديق، فبحسب التبادر تصدق كلمة" الصلاة" على أفرادها بدون تصور عنوان النهي عن الفحشاء و المنكر.

النتيجة: يستحيل تصوير جامع بين الأفراد الصحيحة.

جواب الإشكال:

توجد هنا ثلاثة أجوبة على الإشكال السابق حتى يمكن تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة بناء على القول بالوضع للصحيح، و هي:

الجواب الأول لصاحب الكفاية (قدس سره):

نستكشف من ترتب أثر مشترك كالنهي عن الفحشاء و المنكر على خصوص الأفراد الصحيحة من العبادة وجود جامع بسيط ذاتي فيما بينها يكون هو المؤثر و الموجد لهذا الأثر لأن وحدة الأثر سنخا تكشف عن وحدة المؤثر سنخا بقانون" الواحد لا يصدر إلا من واحد" حيث يستحيل أن تكون الأفراد المتكثرة علة لشي‏ء واحد، فتكون كلمة" الصلاة" موضوعة لهذا الجامع البسيط، و هذا الجامع لا نعرفه بحقيقته بل نعرفه بأثره و هو النهي عن الفحشاء و المنكر، فيكون هذا الجامع هو" كل ما ينهى عن الفحشاء و المنكر"، و بالتالي تكون كلمة" الصلاة" موضوعة لكل ما ينهى عن الفحشاء و المنكر.

رد الشهيد (قدس سره) على الجواب الأول:

إن مجال تطبيق قانون" الواحد لا يصدر إلا من واحد" هو الأثر الواحد الذاتي و هو اللازم الذاتي للماهية كالزوجية لماهية الأربعة سواء وجدت في الذهن أم في الخارج، أو للوجود كالحرارة للنار الموجودة في الخارج لأن النار الموجودة في الذهن ليست حارة، لا الأثر الواحد

122

العَرَضِي و هو اللازم العَرَضِي مثل" النهي عن الفحشاء و المنكر" الذي هو عنوان انتزاعي عَرَضِي قد يُنْتَزَع عن أمور متباينة سنخا، فلا يمكن أن يُستكشف من وحدة مثل هذا الأمر الانتزاعي وجود جامع ذاتي واحد بين الأفراد الصحيحة.

إن كون اللازم الذاتي واحدا يدل على وجود المؤثر الواحد لأن لازم الذات هو معلول للذات فالحرارة معلولة للنار و المعلول الواحد يدل على المؤثر الواحد، أما كون اللازم العَرَضِي واحدا فلا يدل على وجود المؤثر الواحد، فالبياض أثر عرضي يمكن انتزاعه من أشياء مختلفة كالقطن و القرطاس و الجدار، و لا نحتاج إلى تصوير جامع بينها يكون هو المؤثر، فاللازم العرضي ليس معلولا بل هو أمر مُنتزع، و يمكن انتزاع الشي‏ء الواحد من أشياء متعددة، و النهي عن الفحشاء و المنكر أثر عرضي انتزاعي، لذلك فإن وحدته لا تدل على وجود جامع واحد.

بل أكثر من ذلك فقد تقدم أن العبادات تتركّب عادة من مقولات متباينة، و يستحيل وجود جامع ذاتي فيما بينها لأنها أجناس عالية و لا يوجد جنس أعلى منها ليكون جامعا بينها، و الجامع العرضي كالنهي عن المنكر لا يحتمل وضع الاسم بإزائه لسببين:

أ- لأنه عند سماعنا لكلمة" الصلاة" لا بد أن ينتقل ذهننا إلى مفهوم" النهي عن المنكر"، و لا يحدث هذا الانتقال لعدم وجود الترادف بينهما.

ب- أن لا ينطبق مفهوم" الصلاة" على أفراده إلا بعد التوجه لعنوان" النهي عن المنكر"، و هذا التوجه لا يحدث أبدا.

الجواب الثاني للمحقّق الأصفهاني‏ (قدس سره):

إن الشي‏ء إذا كان مؤلَّفا من مقولات متباينة و أمور متعددة قد تزيد و تنقص أو تتغير باختلاف الحالات فمقتضى الوضع له بنحو يشمل كل‏

123

تلك الموارد و الحالات أن تلحظ تلك الأمور بنحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفيّة بعض العناوين غير المنفكة عنها و لو كانت عرضية، فالصلاة أجزاؤها مختلفة من حيث الكم، فتارة تتكون من عشرة أجزاء، و تارة أخرى من تسعة، و تارة ثالثة من ثمانية و هكذا، و مختلفة من حيث الكيف، فتارة يكون الركوع من قيام، و تارة أخرى من جلوس، و الواضع حينما يريد أن يضع لفظ" الصلاة" لا بد أن يتصور كل هذه الاختلافات ثم يضع اللفظ، و لكنه لا يستطيع أن يتصور كل هذه الاختلافات، لذلك يأتي إلى عنوان عرضي كعنوان" الناهي عن المنكر"، و من خلاله يلحظ كل الاختلافات بنحو مجمل مبهم، ثم يضع اللفظ بإزاء هذا العنوان العرضي.

و هذا نظير ما هو واقع عرفا و لغة من وضع" الخمر" مثلا لمائع مبهم من حيث مرتبة الإسكار و من حيث كونه متخذا من العنب أو التمر أو غيرهما و من حيث كونه ذا طعم خاص أو لون مخصوص أو غير ذلك من الجهات، فالواضع يتصور كل الاختلافات الموجودة في الخمر بشكل مجمل مبهم ثم يضع كلمة" الخمر" لها.

رد الشهيد (قدس سره) على الجواب الثاني:

يوجد احتمالان لمقصود المحقّق الأصفهاني‏ (قدس سره):

أ- إن أريد أن المعنى الموضوع له اللفظ مركّب مبهم ثبوتا فهو غير معقول لأن كل كلمة لا بد أن تكون موضوعة لمعنى معيَّن بدون إبهام إذ لا يمكن إبهام المعنى الموضوع له حتى في ما يسمى بالمبهمات كأسماء الإشارة و الموصولات فضلا عن أسماء الأجناس.

إن المبهمات كأسماء الإشارة و الموصولات لا يراد بها الإبهام من حيث المعنى الموضوع له اللفظ، فأصل معنى اسم الإشارة ليس مبهما، فكلمة" هذا" معناها ليس مبهما بل هي موضوعة للمفرد المذكر، و كلمة" هذه" موضوعة للمفردة المؤنثة، و إنما الإبهام يكون من حيث انطباقها في‏

124

الخارج كما في اسم الإشارة فإن المقصود من المشار إليه يكون مبهما و مرددا بين عدة مصاديق، فإذا حددنا المشار إليه يرتفع الإبهام كأن نقول:" جاء هذا الطالب"، أو من حيث احتياجها إلى معنى آخر لكي يتم به كما في الموصولات فإن الموصول أصل معناه ليس مبهما، و لكنه يحتاج إلى جملة الصلة لكي يتشخص، و بدون جملة الصلة يظل المصداق مبهما و مرددا، كما إذا قلنا:" جاء الذي" و سكتنا فإن المصداق يكون مرددا و مبهما إلى أن نكمل بجملة الصلة فيتشخص، نقول مثلا:" جاء الذي التقيت به أمس".

ب- إن أريد الوضع للعنوان العرضي الانتزاعي كالناهي عن المنكر فهو غير محتمل كما مر سابقا، و أما دعواه من وضع الخمر لمائع مبهم فلا نوافق عليه لأن الخمر كسائر أسماء الأجناس موضوعة لمعنى معيّن و هو السائل المسكر، و لكنه ملحوظ لا بشرط من حيث مرتبة الإسكار أو ما يتخذ منه أو غير ذلك من الحيثيات، و يوجد فرق بين الإبهام و بين الوضع للجامع لا بشرط من حيث القيود، فليس لهما نفس المعنى.

الجواب الثالث للشهيد (قدس سره):

الصحيح أنه لا مانع من أخذ جامع مركّب، فالشهيد (قدس سره) يختار كون الجامع جامعا تركيبيا لا بسيطا، و لكن لا يقصد أنه مركب من كل الأجزاء و الشروط المعتبرة في الأفراد الصحيحة جميعا ليستحيل صدقه على الفاقد لبعضها، فلا يقصد أن الصلاة مركبة من عشرة أجزاء ليرد عليه الإشكال السابق، بل يقصد أنه مركب بشكل خاص حيث يؤخذ في الجامع التركيبي بعض القيود تعيينا و مطلقا، و بعض القيود تخييرا أو مقيَّدا بحال خاص.

توضيح ذلك:

إن أجزاء العبادة و شرائطها لها أشكال متعددة نذكر بعضها من باب التوضيح:

125

أ- إن القيود المعتبرة تعيينا في صحة العبادة و مطلقا في جميع الحالات كقصد القربة يؤخذ في الجامع المركّب تعيينا، فقصد القربة جزء من كل صلاة، و هو جزء في الجامع المركب يؤخذ تعيينا فيجب الإتيان به، و يؤخذ مطلقا غير مقيَّد بأي قيد في كل صلاة بلا استثناء، فقصد القربة قيد مأخوذ في الصلاة على نحو التعيين و الإطلاق.

ب- القيود المعتبرة بنفسها أو ببدلها العَرضِي التخييري كالفاتحة و التسبيحات الأربع في الأخيرتين يؤخذ فيه الجامع بينها و بين بدلها تخييرا، فالتسبيحات الأربع جزء من الصلاة في الركعة الثالثة و الرابعة، و لكن يمكن للمصلي أن يختار الفاتحة بدلا عنها، فهي معتبرة بنفسها أو ببدلها، فالتسبيحات قيد مأخوذ في الصلاة على نحو التخيير.

ج- القيود المعتبرة في الفعل بنفسها أو ببدلها العَرضِي التعييني المقيَّد بحالته الخاصة، كالوضوء من المحدث بالأصغر و الغسل من المحدث بالأكبر يؤخذ فيه الجامع بينها و بين بدلها مع التقييد بحالتي الاختيار و الاضطرار، فالوضوء و الغسل شرط في صحة الصلاة حال الاختيار، و لكن المكلف في حال الاضطرار يجب عليه التيمم، فهو مخير بين أمرين: بين أن يتوضأ أو يغتسل في حال الاختيار، و بين أن يتيمم في حال الاضطرار، فالوضوء و الغسل معتبران في الصلاة و لكنهما مقيدان بحال الاختيار، و التيمم معتبر و لكنه مقيد بحال الاضطرار، و المكلف مخير بينهما حسب الحالة التي يوجد فيها.

د- القيود المعتبرة في حال الاختيار فقط من دون بدل كالبسملة التي يجوز تركها تقية، و يمكن أخذ البسملة في الجامع بأحد نحوين:

أن يؤخذ في الجامع التخيير بين البسملة و بين التقيّد بحال التقية.

أن يقيَّد الجامع المركّب بالإتيان بالبسملة من دون تقية.

126

فالبسملة معتبرة في القراءة و لكنها مقيدة بحالة عدم التقية، و في حالة التقية لا يجب الإتيان بها.

النتيجة:

يمكن تصوير الجامع التركيبي بين الأفراد الصحيحة، فلفظ" الصلاة" موضوعة للجامع، و قصد القربة معتبر في الجامع بدون أي قيد، و التسبيحات و الفاتحة معتبران على نحو التخيير، و أحد الأمرين معتبر إما الوضوء و الغسل بقيد الاختيار و إما التيمم بقيد الاضطرار، و البسملة معتبرة بقيد عدم التقية.

إشكال:

إن هذا الجامع المعقّد التركيب لا يساعد عليه العرف و إن أمكن تصويره ثبوتا و عقلا لأن معاني الأسماء أبسط من ذلك عرفا، فالعرف يفهم من لفظ" الصلاة" معنى أبسط من هذا المعنى المعقد التركيب.

جواب الشهيد (قدس سره):

لا نسلم أن أسماء العبادات المخترعة من النبي (صلى الله عليه و آله) شرعا بقيودها المتنوّعة الكثيرة لها معنى أبسط من ذلك بناء على الوضع للصحيح خصوصا في مثل" الصلاة"، فإن العرف يدرك وجود قيود و تفاصيل كثيرة لها، و أن المعنى له خصوصيات معيّنة عديدة لا بد من أن يرجع فيها إلى الشارع المخترع لها لكي يعرفها، نعم معنى الصلاة على نحو الإجمال معروف، و لكن التفاصيل غير معروفة، نظير أسماء كثير من المركّبات التي لا يعرف العرف أجزاءها تفصيلا، و لكنه يعلم إجمالا و بنحو مبهم أن الاسم موضوع لها.

و قد يكون هذا هو مقصود المحقّق الأصفهاني‏ (قدس سره) و إن كانت عبارته لا تساعد عليه حينما قال إن كلمة" الصلاة" موضوعة لمعنى مبهم، فيكون مراده الإبهام في تشخيص المعنى من حيث تفاصيله‏

127

و خصوصياته لا الإبهام في أصل المعنى الموضوع له، فالعرف يعرف معنى" الصلاة"، و لكنه لا يعرف تفاصيلها و خصوصياتها.

ثانيا: تصوير الجامع بين الأفراد الأعم من الصحيح و الفاسد:

رأي المحقّق الخراساني‏ (قدس سره):

صوّر الآخوند الخراساني‏ (قدس سره) سابقا الجامع بين الأفراد الصحيحة بناء على القول بالوضع للصحيح حيث قال: نستكشف من ترتب أثر مشترك كالنهي عن الفحشاء و المنكر وجود جامع بسيط يكون هو المؤثر لأن وحدة الأثر لازمها وحدة المؤثر، فتكون كلمة" الصلاة" موضوعة لهذا الجامع البسيط و هو" كل فعل ينهى عن الفحشاء و المنكر".

و لكنه قال باستحالة تصوير الجامع الأعم من الصحيح و الفاسد بناء على القول بالوضع للأعم لأن الجامع:

1- إما أن يكون بسيطا.

2- و إما أن يكون مركبا.

1- الجامع البسيط: كالناهي عن المنكر، هذا الجامع غير معقول لعدم اشتراك الأفراد الفاسدة مع الأفراد الصحيحة في الأثر، فهذا الأثر من مختصات الأفراد الصحيحة دون الأفراد الفاسدة.

2- الجامع التركيبي: غير معقول أيضا لأنه:

أ- لو كانت كلمة" الصلاة" موضوعة للأركان الخمسة مثلا و أخذت الأركان بشرط شي‏ء من ناحية سائر القيود أي بشرط انضمام بقية الأجزاء كالقراءة و التشهد لزم عدم صدق اسم" الصلاة" على الفاقد لجزء واحد حينما يتركه المكلف عمدا لأن كلمة" الصلاة" موضوعة للأركان بانضمام الأجزاء، و هو خلف المفروض لأن المفروض أن كلمة" الصلاة" موضوعة للفاسدة أيضا.

128

ب- لو كانت كلمة" الصلاة" موضوعة للأركان الخمسة مثلا و أخذت الأركان لا بشرط انضمام بقية الأجزاء لزم عند إتيان المصلي بصلاة تامة الأجزاء و الشرائط عدم صدق اسم" الصلاة" على مجموع صلاته بل يصدق على بعضها و هو خصوص الأركان، و يكون إطلاقه على مجموع الصلاة مجازا بعلاقة البعض و الكل، و هو خلاف الوجدان أيضا لأن اسم" الصلاة" يصدق حقيقة على مجموع الصلاة التامة الأجزاء و الشرائط بما هو مجموع لا باشتمالها على البعض.

رد الشهيد على رأي المحقّق الخراساني‏ (قدس سرهما):

يمكن تصوير الجامع الأعم بسيطا تارة بناء على منهجه (قدس سره) من كفاية الجامع الانتزاعي كما صوّره في الجامع بين الأفراد الصحيحة، و مركّبا تارة أخرى كما يلي:

1- الجامع البسيط: و ذلك بأن نجعل كلمة" الصلاة" بناء على الوضع للأعم موضوعة للجامع الذي هو كل فعل له شأنية التأثير لا فعلية التأثير في النهي عن الفحشاء و المنكر، و الجامع بهذا الشكل يشمل الصلاة الفاسدة أيضا و لو في بعض الحالات كحالة الاضطرار لأن الفاقد لبعض القيود يكون صحيحا في بعض الحالات كحالة المرض و الاضطرار و إن لم يكن لها شأنية التأثير حينما تكون فاسدة في حالة العمد لأنها لا تنهى عن الفحشاء و المنكر، فإذا قلنا إن كلمة" الصلاة" موضوعة لعشرة أجزاء و ترك المكلف جزءين عمدا فإن صلاته فاسدة و لا تنهى عن الفحشاء و المنكر، و لكنه إذا مرض و ترك جزءين فإن صلاته صحيحة و تنهى عن الفحشاء و المنكر، فتلك الصلاة الفاسدة في حالة العمد لها شأنية النهي عن الفحشاء في حالة العذر.

2- الجامع المركب: و ذلك بأن نجعل كلمة" الصلاة" موضوعة للأركان الخمسة مثلا و نأخذ الأركان لا بشرط من حيث انضمام بقية

129

الأجزاء بنحو لا يضر به فقدان القيد مع كونه على تقدير وجوده داخلا في المسمى، فتكون بذلك موضوعة للأركان الخمسة فما زاد، فالصلاة تصدق على الصلاة المشتملة على الأركان الخمسة فقط، و تصدق أيضا على الصلاة المشتملة على الأركان الخمسة مع بقية الأجزاء، فبقية الأجزاء حينما يأتي بها المصلي تكون أجزاء، و إذا لم يأت بها لا تكون أجزاء، و من الممكن أن يكون الشي‏ء على تقدير وجوده جزءا و على تقدير عدم وجوده ليس جزءا، و هذا نظير الكلمة المأخوذة لا بشرط من حيث الزيادة على حرفين مع دخول الزائد في مسمى الكلمة على تقدير وجوده، فالكلمة موضوعة لحرفين فأكثر، فاللفظ المكوّن من حرفين كلمة و لا يكون الحرف الثالث الخارج عن هذا اللفظ جزءا، و لكن اللفظ المكوّن من الحرفين مع الحرف الثالث يكون كلمة و يكون الحرف الثالث جزءا، فيكون الحرف الثالث على تقدير وجوده جزءا، و على عدم تقدير وجوده ليس جزءا.

الجهة الرابعة: ثمرة بحث وضع أسماء العبادات للصحيح أو للأعم:

يذكر عادة لهذا البحث ثمرتان:

الثمرة الأولى: بناء على الوضع للصحيح لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي للخطاب الشرعي لنفي جزء إذا احتمل دخالة هذا الجزء في صحة العبادة بسبب رجوع الشك في ذلك إلى الشك في صدق اسم العبادة لا إلى الشك في جزء زائد على الاسم.

إن التمسك بالإطلاق اللفظي يمكن فيما إذا أُحرز صدق اللفظ المطلق على المشكوك، ففي مثل" اعتق رقبة" يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي حيث لم تقيَّد الرقبة لا بالمؤمنة و لا بالكافرة للقول بشمولها للعبد الكافر لأنه يمكن أن نقول عنه إنه رقبة، فهنا يُحرز صدق اللفظ المطلق على المشكوك، و لكن بالنسبة للجنين في بطن أمه لا يمكن أن نتمسك بالإطلاق‏

130

اللفظي بأن نقول بشمول اللفظ المطلق للجنين لاحتمال عدم صدق" الرقبة" عليه إلا بعد ولادته، و مع عدم إحراز صدق اللفظ عليه لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي.

و في مقامنا لو شككنا في جلسة الاستراحة مثلا أنها جزء من الصلاة أم لا، فبناء على الوضع للصحيح لا يمكن التمسك بإطلاق‏" وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ" ( (21) 1) لنفي جزئية جلسة الاستراحة لأنه لا يمكن القول عن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة إنها صلاة، فبناء على الوضع للصحيح تكون كلمة" الصلاة" موضوعة للصلاة التامة الأجزاء و الشرائط، و مع احتمال كون جلسة الاستراحة جزءا فمن المحتمل أن الصلاة لا تصدق بدونها، و مع عدم إحراز صدق اسم" الصلاة" على الفاقدة لجلسة الاستراحة لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي.

أما بناء على الوضع للأعم فإنه يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لأننا نجزم بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة صلاة، فيمكن أن نقول عنها إنها صلاة لأن المولى قال" أقيموا الصلاة"، و لم يقل" أقيموا الصلاة مع جلسة الاستراحة".

النتيجة: بناء على القول بالوضع للصحيح لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي جزئية الجزء المشكوك، و على القول بالوضع للأعم يمكن ذلك.

إشكال:

قد يقال إنه يوجد لدينا نوعان من الإطلاق:

أ- الإطلاق اللفظي: و ذلك فيما إذا كان لدينا لفظ و شككنا بأن اللفظ شامل لشي‏ء معيَّن فنتمسك بالإطلاق اللفظي للقول بشمول اللفظ لهذا الشي‏ء لأن اللفظ لم يقيَّد بأي قيد، و لو أراد المتكلم القيد لذكره، و لكنه لم يذكره‏

____________

(21) (1) البقرة: 43.

131

فمعنى ذلك أنه لم يرده، و نثبت شموله لهذا الشي‏ء عن طريق قرينة الحكمة التي تقول إنه لم يذكر القيد، لذلك فهو لا يريد القيد، و لو أراده لذكره، بعبارة أخرى قرينة الحكمة تقول كل ما لا يقوله لا يريده حقيقة.

ب- الإطلاق المقامي: و ذلك فيما إذا كان الشخص في مقام بيان تمام أجزاء المركب عن طريق الفعل أو القول، فيفعل و لكنه لا يؤدي فعلا معيَّنا، أو يقول و لا يذكر شيئا معيَّنا، فهنا يتمسك بالإطلاق المقامي لنفي جزئية هذا الفعل المعيَّن أو الشي‏ء المعيَّن، و في مقامنا يمكن التمسك بالإطلاق المقامي حتى بناء على الوضع للصحيح لنفي اعتبار الجزء المشكوك لأنه لو أراد هذا الأمر المعيَّن لفعله أو ذكره، و طالما أنه لم يفعله و لم يذكره فمعنى ذلك أنه لم يرده، و بالتالي لا يكون جزءا.

إذن: يمكن التمسك بالإطلاق المقامي حتى بناء على الوضع للصحيح، و بذلك تكون الثمرة الأولى باطلة، فالثمرة الأولى كانت تقول يمكن التمسك بالإطلاق بناء على الأعم و لا يمكن بناء على الصحيح لنفي جزئية الجزء المشكوك، و في هذا الإشكال ثبت أنه يمكن التمسك بالإطلاق المقامي بناء على الوضع للصحيح و بناء على الوضع للأعم أيضا لنفي جزئية الجزء المشكوك.

جواب الإشكال:

إن التمسك بالإطلاق المقامي مشروط بإحراز أن المولى في مقام بيان تمام أجزاء المركب من خلال قوله أو فعله حتى يمكن نفي جزئية الجزء المشكوك، و إثبات ذلك ليس بالأمر السهل، ففي مثل" أقيموا الصلاة" لا يمكن إحراز ذلك.

النتيجة: في مقامنا لا يمكن التمسك بالإطلاق المقامي حتى بناء على الوضع للصحيح لنفي جزئية الجزء المشكوك، و بذلك تكون الثمرة الأولى تامة.

132

الثمرة الثانية: هذه الثمرة تظهر في حالتين هما:

1- بناء على القول بالوضع للصحيح مع كون الجامع جامعا بسيطا كما ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) حيث قال إن كلمة" الصلاة" بناء على الوضع للصحيح موضوعة لجامع بسيط هو" الناهي عن الفحشاء و المنكر".

2- بناء على القول بالوضع للأعم مع كون الجامع جامعا تركيبيا.

ملاحظة: لا تظهر هذه الثمرة بناء على القول بالوضع للصحيح مع كون الجامع جامعا تركيبيا كما هو مبنى‏ الشهيد (قدس سره)، و كذلك لا تظهر الثمرة أيضا بناء على القول بالوضع للأعم مع كون الجامع جامعا بسيطا.

توضيح الثمرة:

الحالة الأولى: بناء على الوضع للصحيح مع كون الجامع جامعا بسيطا يكون الشك في اعتبار الجزء شكا في المحصِّل للواجب فيكون مجرى للاحتياط، و كمثال على ذلك:

لو شككنا في وجوب جزء كجلسة الاستراحة في الصلاة فإنه لا يمكن التمسك بأصل البراءة لنفي وجوبها لأن الوجوب متعلّق بالصلاة، و الصلاة لا تصدق هنا على الجامع المركب لأننا فرضنا أننا في حالة كون الجامع جامعا بسيطا، فتصدق على الجامع البسيط الذي يحصل بسبب المركب الخارجي، فالمركب الخارجي ليس هو الواجب بل هو سبب لحصول الواجب و هو الجامع البسيط، و هنا نشك أن الصلاة تُحَصَّل بعشرة أجزاء إحداها جلسة الاستراحة أو بتسعة من دون جلسة الاستراحة، فيكون الشك شكا في المحصِّل للواجب حيث نشك أن المحصِّل للواجب عشرة أجزاء أو تسعة، و إذا كان الشك شكا في المحصِّل للواجب فإن العقل يحكم بوجوب الاحتياط عن طريق الإتيان بالأجزاء العشرة.

الحالة الثانية: بناء على الوضع للأعم مع كون الجامع جامعا تركيبيا يمكن التمسك بأصل البراءة لنفي وجوب جلسة الاستراحة لأن‏

133

الوجوب متعلّق بالصلاة، و الصلاة اسم للمركب الخارجي، فنشك أن الوجوب يتعلق بالمركب الخارجي ذي الأجزاء العشرة و إحداها جلسة الاستراحة أو ذي الأجزاء التسعة، و نحن نعلم بتعلق الوجوب بالتسعة و نشك في تعلقه بالجزء العاشر و هو جلسة الاستراحة، فيكون الشك في اعتبار الجزء شكا في أصل وجوب الجزء العاشر، و الشك في أصل التكليف يكون مجرى للبراءة.

رد الشهيد (قدس سره) على الثمرة الثانية:

الرد الأول: الصحيح أن الجامع بناء على الوضع للصحيح جامع مركب كما مر سابقا، و الثمرة الثانية مبنية على كون الجامع جامعا بسيطا، و لا نسلِّم بأن كلمة" الصلاة" موضوعة للجامع البسيط.

الرد الثاني: إن الثمرة تتم لو كان الجامع الذي وضعت له كلمة" الصلاة" له وجود مغاير لوجود المركب الخارجي، و يكون وجود المركب سببا محصِّلا للجامع، و كون المسمى جامعا بسيطا لا يلزم منه عدم جريان البراءة عند الشك إذ قد يكون وجود ذلك الجامع متّحدا خارجا مع وجود المركّب سواء كان جامعا حقيقيا أم انتزاعيا أم اعتباريا ( (22) 1) حيث‏

____________

(22) (1) يقول الشيخ باقر الإيرواني حفظه الله تعالى بما معناه: إن الجامع الحقيقي هو النوع الجامع بين أفراده، و النوع متحد مع أفراده خارجا، و أما الجامع الانتزاعي فهو ينتزع من الأفراد و ليس له وجود مستقل مقابل أفراده، فعنوان الأبيض المنتزع من أفراده ليس له وجود مستقل، و أما الجامع الاعتباري فهو ما يعتبر كالقيمة التي تعطى للذهب، و الأمر الاعتباري ليس متحدا مع الأفراد لأن الأمور الاعتبارية لا تتحد مع الموجودات الخارجية الحقيقية، و الأمر الاعتباري حينما يؤخذ في متعلق الحكم يؤخذ باعتبار أنه مرآة لأفراده من دون أن يتعلق به الحكم حقيقة، بل يكون الحكم متعلقا بالأفراد.

إذن: الجامع الذي يجمع أفراد الصلاة سواء كان حقيقيا أم انتزاعيا أم اعتباريا هو عين الأجزاء، و يكون الحكم منصبا حقيقة على الأجزاء.

134

لا يوجد في الخارج شيئان: الجامع و المركب، بل إن المركب الخارجي الذي نأتي به هو الناهي عن الفحشاء، فيكون الشك في قيد زائد بلحاظ ما يدخل في العهدة و هو المركّب الخارجي المتّحد مع ذلك العنوان شكا في أصل التكليف لأننا نعلم بتعلق التكليف بالتسعة و نشك بتعلقه بالجزء العاشر و هو جلسة الاستراحة، و الشك في أصل التكليف يكون مجرى للبراءة.

الرد الثالث: لو سلَّمنا عدم الاتحاد بين الجامع و المركب الخارجي و أنهما متغايران و أن الجامع مسبَّب عن المركّب الخارجي فمن الممكن أن يكون للجامع مراتب تشكيكية منها الضعيفة و منها الشديدة، و ذلك بأن يكون النهي عن الفحشاء تارة قويا بالأجزاء العشرة، و تارة أخرى ضعيفا بالأجزاء التسعة، فيكون الشك في دخالة الجزء العاشر و هو جلسة الاستراحة راجعا إلى الشك في دخالته في إيجاد المرتبة الشديدة من ذلك الجامع المسبَّب، فتجري البراءة عن وجوب جلسة الاستراحة لأن الشك شك في وجوب تلك المرتبة، فيكون الشك شكا في أصل التكليف إذ نعلم بتعلق التكليف بالجامع بمرتبته الضعيفة و نشك في تعلقه بالمرتبة الشديدة التي تشتمل على الجزء العاشر، و الشك في أصل التكليف يكون مجرى للبراءة، و بذلك يثبت عدم وجوب الجزء العاشر.

النتيجة: و بذلك تكون الثمرة الثانية غير تامة.

الجهة الخامسة: أدلة القائلين بالوضع للصحيح أو للأعم:

أولا: أدلة القائلين بالوضع للصحيح:

الدليل الأول: التمسك بمثل قوله تعالى:" إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ" (23)، أو قول الإمام‏ جعفر الصادق‏ (عليه السلام):" الصلاةُ قُرْبانُ‏

____________

(23) العنكبوت: 45

135

كلِّ تَقِيّ" ( (24) 1)، فهذه النصوص تذكر بعض الآثار المترتبة على الصلاة، و من المعلوم أن الآثار تترتب على خصوص الصلاة الصحيحة، و بذلك يثبت أن كلمة" الصلاة" موضوعة للصلاة الصحيحة، فيثبت أن أسماء العبادات استعملت استعمالا حقيقيا في الصحيح منها.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الأول:

الرد الأول: إن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، و استعمال الكلمة في خصوص الصحيح لا يثبت أن الكلمة موضوعة للصحيح، فمن الممكن أنها موضوعة للأعم و استعملت في الصحيح استعمالا مجازيا، فلا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة في موارد العلم بالمراد و الشك في الاستعمال.

إن أصالة الحقيقة تجري حينما يعلم بالمعنى الحقيقي و لكن يشك في المعنى المراد حين الاستعمال، فهنا تجري أصالة الحقيقة لإثبات أن المعنى المراد هو المعنى الحقيقي كما إذا قال:" جئني بأسد"، فنعلم بالمعنى الحقيقي للأسد و هو الحيوان المفترس، و نشك بالمعنى المراد من لفظ" الأسد" في قوله فهل يريد المعنى الحقيقي أو المجازي؟، فنجري أصالة الحقيقة لإثبات أن المعنى المراد هو المعنى الحقيقي و هو الحيوان المفترس.

و أما في موارد العلم بالمراد و الشك في الاستعمال فلا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة، فهنا يعلم بالمعنى المراد و لكن يشك في أنه استعمل اللفظ استعمالا حقيقيا أو مجازيا، فلا تجري أصالة الحقيقة لإثبات أن المعنى المراد هو المعنى الحقيقي، و في مقامنا نعلم أنه استعمل اللفظ في خصوص الصلاة الصحيحة، و لكن لا نعلم أن الصحيح هو المعنى الحقيقي أو المجازي، فلا

____________

(24) (1) البحار ج 75 ص 203 ح 41.

136

تجري أصالة الحقيقة لإثبات أن المراد هو المعنى الحقيقي لأن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، و نفس استعمال الكلمة لا يدل على أنها استعملت في المعنى الحقيقي.

الرد الثاني: إذا قيل بالوضع للأعم لا يكون إرادة الصحيح في المقام من باب المجاز لاحتمال كونه من باب تعدد الدال و المدلول، فمن الممكن أن استعمال الكلمة في هذه النصوص يكون استعمالا حقيقيا حتى بناء على القول بالوضع للأعم، و لا تجري أصالة الحقيقة هنا لأنها تجري إذا شك في أن الاستعمال مجازي، و هنا الاستعمال حقيقي فلا نحتاج إلى إجراء أصالة الحقيقة.

و يكون الاستعمال حقيقيا في هذه النصوص حتى على القول بالوضع للأعم لأنه من باب تعدد الدال و المدلول، ففي قوله (عليه السلام):" الصلاة قربان كل تقي"، تكون كلمة" الصلاة" مستعملة في طبيعي الصلاة الجامع بين الصحيح و الفاسد، و تكون كلمة" قربان" مستعملة في نفس معنى قربان، و بضم الكلمتين نستنتج أن مراد المتكلم هو" الصلاة الصحيحة" مع أن كلمة" الصلاة" مستعملة في طبيعي الصلاة لا في الصلاة الصحيحة، و هذا مثل قولهم:" آتني بماء الفرات"، فإن الاستعمال هنا ليس استعمالا مجازيا حيث لا تكون كلمة" الماء" مستعملة في" ماء الفرات" ليقال بالمجازية، و إنما كلمة" الماء" استعملت في معناها الحقيقي و هو طبيعي الماء، و استعملت كلمة الفرات في معناها الحقيقي، و بضم الكلمتين نعلم أن المراد هو خصوص ماء الفرات.

الدليل الثاني: التمسك بالروايات التي تدل على نفي الصلاة عن الفاقد لبعض الأجزاء كقوله (عليه السلام):" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، و عن محمد بن مسلم عن الإمام‏ أبي جعفر الباقر (عليهما السلام) قال: سألته عن‏

137

الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته. قال:" لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات" ( (25) 1)، فكلمة" الصلاة" لو كانت موضوعة للأعم من الصحيح و الفاسد فلا معنى لنفيها عن الفاسد الفاقد لجزء.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثاني: إن هذه الروايات ناظرة إلى بيان الشرطية أو الجزئية بلحاظ عالم الوجوب و الأمر عن طريق هذا الأسلوب البليغ، و المقصود نفي الوجوب، فالوجوب لم يتعلق بالصلاة الفاقدة للفاتحة، و المقصود من نفي الصلاة هو نفي الوجوب، و هذا ما يصطلح عليه" نفي الحكم بلسان نفي الموضوع".

و هذه الروايات ليست ناظرة إلى عالم التسمية و الوضع، فليس مقصودها أنه بدون الفاتحة لم توضع له كلمة" الصلاة"، بل إن معنى نفي الوجوب عند انتفاء الفاتحة أن الفاتحة جزء، و أكثر من ذلك فإن حمل الروايات على النفي بلحاظ عالم التسمية و الوضع يفقدها بلاغتها و نكتة استفادة الشرطية أو الجزئية منها، فمع النظر إلى عالم التسمية يكون المعنى أن الفعل لا يسمى صلاة بدون الفاتحة، و هذا لا بلاغة فيه، و لكن لو كان النظر إلى عالم التشريع فإن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع فيه أمر بلاغي واضح.

الدليل الثالث: تبادر المعنى الصحيح من اللفظ عند ما يقال مثلا:" فلان صلَّى"، حيث يفهم منه أنه أدى الصلاة الصحيحة لا الفاسدة، و التبادر علامة الحقيقة، فتكون كلمة" الصلاة" موضوعة لخصوص الصحيحة.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثالث: إن منشأ التبادر المذكور ليس هو اللفظ بل القرينة اللبية و هي معهودية التزام كل مكلّف بأداء ما هو وظيفته‏

____________

(25) (1) الوسائل ج 4 ص 732 باب 1 ح 1.

138

المبرئة للذمة، فالتبادر لم يأت من نفس لفظ" الصلاة" حتى يدَّعى بأنه دليل على وضعه لخصوص الصحيح، و إنما منشأ التبادر هو القرينة اللبية التي تقول إن كل مكلف يجب عليه أن يلتزم بأداء وظيفته المبرئة لذمته، و من وظيفته أداء خصوص الصلاة الصحيحة.

ثانيا: أدلة القائلين بالوضع للأعم:

الدليل الأول: تبادر المعنى الأعم، فكلمة" الصلاة" يتبادر منها الأعم من الصحيح و الفاسد لا خصوص الصحيح.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الأول:

الرد الأول: لا نسلِّم أن المتبادر من كلمة" الصلاة" هو الأعم، و إنما المتبادر هو خصوص الصحيح.

الرد الثاني: لو سلّمنا أن المتبادر هو الأعم فلا يمكن أن يكشف عن المعنى الموجود في زمن النبي (صلى الله عليه و آله)، فمن الممكن أن اللفظ كان حقيقة في زمنه (صلى الله عليه و آله) في خصوص الصحيح ثم نُقِلَ و صار حقيقة في الأعم نتيجة التوسّع في الاستعمالات عند المتشرعة حيث توسعوا في استعمال اللفظ من الصحيح إلى الأعم للحاجة إلى التعبير عن الصلاة الفاسدة، فتبادر الأعم نشأ من الوضع المتأخر في زمن المتشرعة بعد النبي (صلى الله عليه و آله) لا أنه كان موضوعا للأعم في زمنه (صلى الله عليه و آله).

إشكال: قد يقال إن المتبادر من اللفظ الآن هو الأعم، و نشك بين أن هذا المعنى كان موجودا من السابق و بين أنه معنى مستحدث و أن المعنى الأصلي كان هو الصحيح ثم نقل المعنى إلى الأعم، و عند الشك في النقل نبني على عدم نقل معنى اللفظ إلى معنى جديد، و هو ما يسمى بأصالة عدم النقل، و بذلك يثبت أن الأعم هو المعنى‏

139

الحقيقي الموجود من زمن النبي (صلى الله عليه و آله)، و لم يتم نقل اللفظ من معنى إلى معنى آخر.

الجواب: إن أصالة عدم النقل العقلائية لا يحرز ثبوتها في موارد توفر المقتضي الأكيد للنقل، و المقتضي للنقل قوي بسبب حاجة الناس الشديدة للتعبير عن الصلاة الفاسدة، و مع وجود المقتضي القوي للنقل لا تجري أصالة عدم النقل لأن العقلاء يجرونها في موارد عدم وجود الدواعي للنقل، و مع وجود الدواعي القوية للنقل لا يجرونها.

الدليل الثاني: نستفيد أن العبادة موضوعة للمعنى الأعم من أمر الإمام (عليه السلام) بالإعادة في موارد البطلان و فساد العبادة حيث توجد عدة روايات يطلب فيها الإمام (عليه السلام) إعادة العبادة فيما إذا ترك المكلف بعض أجزاء عبادته، فتدل ضمنا على صدق الاسم على العبادة الفاسدة، فإن لم تدل ضمنا على صدق الاسم على الفاسد لم تكن الإعادة إعادة لشي‏ء، فكيف يطلب الإمام (عليه السلام) إعادة الصلاة لو لم يكن اسم" الصلاة" صادقا على الصلاة الفاسدة لأن الإعادة تكون لشي‏ء موجود في مرتبة سابقة؟ و إذا لا توجد صلاة في مرتبة سابقة فكيف يطلب (عليه السلام) إعادة شي‏ء ليس له وجود؟.

من هذه الروايات:

1- عن عبيد بن زرارة قال: سألت‏ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبِّر حتى افتتح الصلاة. قال:" يعيد الصلاة" ( (26) 1).

2- عن زرارة قال: سألت‏ أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح. قال:" يعيد" ( (27) 2).

____________

(26) (1) الوسائل ج 6 ص 13 باب 2 ح 7220

(27) (2) المصدر السابق ج 6 ص 12 باب 2 ح 7218.

140

3- عن‏ أبي عبد الله‏ (عليه السلام) أنه قال في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع؟ قال:" لا، بل يعيد صلاته إذا حفظ أنه لم يكبِّر" ( (28) 1).

4- عن محمد بن مسلم قال: سألت‏ أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور. قال:" يتوضأ و يعيد طوافه،..." ( (29) 2).

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثاني:

الرد الأول: الجواب النقضي:

توجد رواية عن زرارة عن‏ أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال:" لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود" ( (30) 3)، و هي تدل على إعادة الصلاة عند فقد واحد من الخمسة، و لازم ذلك أن الصلاة الفاقدة للأركان يصدق عليها أنها صلاة مع أن الفاقدة للأركان لا يصح إطلاق كلمة" الصلاة" عليها حتى عند القائل بالوضع للأعم.

الرد الثاني: الجواب الحلي:

يستفاد من الرواية أن كلمة" الصلاة" استعملت في الفاسد، و لكن الرواية لا تبيِّن لنا أن هذا الاستعمال استعمال حقيقي أو مجازي لأن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، و لا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة

لإثبات أن الاستعمال حقيقي في حال العلم بالمراد و الشك في الاستعمال، و حالتنا من هذا القبيل فلا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة.

____________

(28) (1) الوسائل ج 6 ص 16 باب 3 ح 7230

(29) (2) المصدر السابق ج 13 ص 374 باب 38 ح 17994

(30) (3) المصدر السابق ج 1 ص 260 باب 3 ح 8.

141

الدليل الثالث للمحقّق الأصفهاني‏ (قدس سره): إن سيرة العقلاء منعقدة على أنه إذا اخترع شخص معنى جديدا أن يضع اللفظ لمجموع أجزائه دون شرائطه، و من باب التنظير إذا اكتشف الطبيب دواء مركبا من أجزاء معيَّنة و كان هذا الدواء لا يؤثر إلا ضمن شرط معيَّن كأن يكون تناول المريض له قبل الطعام فإنه يضع اللفظ لهذه الأجزاء المعيَّنة و إن لم يتحقق الشرط كما إذا تناوله بعد الطعام، فيصدق اسم الدواء و لو لم يؤثر لفقدان شرط تأثيره، و هذا معناه أن اسم الدواء موضوع للصحيح من حيث الأجزاء، و للأعم من حيث الشرائط، و النبي (صلى الله عليه و آله) سار على طريقة العقلاء لأنه سيدهم، فوضع أسماء العبادات للصحيح من حيث الأجزاء، و للأعم من حيث الشرائط.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثالث:

الرد الأول: عدم التسليم بوجود هذه السيرة العقلائية.

الرد الثاني: لو سلّمنا بوجود هذه السيرة العقلائية فلا نسلِّم بأن النبي (صلى الله عليه و آله) تابع العقلاء في طريقتهم لأن سيد العقلاء قد يختلف عنهم حيث يرى أشياء لا يرونها.

الرد الثالث: لو سلَّمنا متابعة النبي (صلى الله عليه و آله) لهذه السيرة العقلائية فإن كلام‏ المحقق الأصفهاني‏ (قدس سره) تام و لكنه خارج عن محل البحث لأن البحث واقع في شرائط نفس المعنى لا في شرائط تأثير المعنى، فيوجد هنا خلط بين شرائط نفس المركب و شرائط تأثير المركّب، و شرائط نفس المركب كأجزاء المركب تكون مأخوذة في المسمى حتى عند المخترعين، فلو كان للدواء شرط معيَّن كأن يكون ذا لون أو طعم خاص‏

فإن الطبيب يضع اللفظ لهذا الشرط أيضا فيقول إني أضع اللفظ لهذا الدواء الذي له هذه الأجزاء و له هذه الشرائط من اللون و الطعم الخاص.

142

و نفس الأمر يجري في الصلاة فإن الطهارة و الوقت و القبلة و الركوع و السجود و هي التي ذكرت في الرواية السابقة شرائط لنفس الصلاة لا شرائط لتأثير الصلاة، و كلمة" الصلاة" موضوعة للأجزاء و لهذه الشرائط أيضا.

الدليل الرابع: في رواية عن‏ أبي عبد الله‏ (عليه السلام) في حديث قال:... لقول‏ رسول الله‏ (صلى الله عليه و آله) للتي تعرف أيامها:" دعي الصلاة أيام أقرائك،..." ( (31) 1)، و تدل هذه الرواية على الوضع للأعم لأن صلاة الحائض باطلة و مع ذلك أطلق عليها كلمة" الصلاة".

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الرابع: إن النهي في الرواية ليس نهيا مولويا حتى يقال إنه إذا كانت الصلاة منهية عنها فإذا صلتها فإن صلاتها باطلة و قد أطلقت كلمة" الصلاة" في الرواية على الصلاة الباطلة فتكون موضوعة للأعم من الصحيحة و الفاسدة، بل إن النهي فيها إرشاد إلى عدم وجود الأمر بالصلاة أيام الحيض و أن الأمر متعلق بالصلاة أيام الطهر فقط.

إشكال: حتى لو قلنا بأن النهي إرشاد إلى عدم وجود الأمر بالصلاة أيام الحيض فإن معنى ذلك أن الصلاة أيام الحيض باطلة لعدم وجود الأمر، و قد أطلقت كلمة" الصلاة" في الرواية على الصلاة الباطلة، و هذا دليل على الوضع للأعم من الصحيح و الفاسد.

الجواب: تقدم أن شرائط الصحة و قيودها الثانوية و منها الأمر بالعبادة لا تكون مأخوذة في المسمى لاستحالة أخذها كذلك، فمن الممكن‏

أن كلمة" الصلاة" موضوعة لخصوص الصحيح، و لكنها تطلق على الفاقدة للأمر لأن الكلمة بناء على الوضع للصحيح لم توضع ل" الصلاة المقيَّدة

____________

(31) (1) الوسائل ج 2 ص 546 باب 7 ح 2.

143

بوجود الأمر فيها"، إن" وجود الأمر فيها" من القيود الثانوية كما كان" قصد امتثال الأمر" من الأمور الثانوية، لذلك يستحيل أخذه في المسمى عند الصحيحي فضلا عن الأعمي.

ملاحظة: و يمكن إضافة رد آخر هو أن كلمة" الصلاة" استعملت في الرواية في الصلاة الفاسدة، و من الممكن أن تكون الكلمة موضوعة للصحيح و استعملت مجازا في الأعم، فالاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز.

الدليل الخامس: يستدل على الوضع للأعم صحة تقسيم العبادة إلى الصحيح و الفاسد، فيقال تنقسم الصلاة إلى قسمين: صحيحة و فاسدة، و من خلال التقسيم نعرف أن الصلاة تصدق عليهما، فكما تصدق على الصحيحة تصدق على الفاسدة أيضا، و صدقها على الفاسدة يدل على أنها موضوعة للأعم، و لو أنها كانت موضوعة للصحيح للزم تقسيم الشي‏ء إلى نفسه و غيره.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الخامس: إن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، ففي التقسيم يظهر أن الاستعمال أعم لا أن الوضع يكون للأعم، فتكون كلمة" الصلاة" موضوعة للصحيح، و لكنها استعملت حين التقسيم مجازا في الأعم.

الدليل السادس: في خصوص باب الصلاة يستفاد من بعض الروايات أن كلمة" الصلاة" موضوعة شرعا لأربعة أجزاء: تكبيرة الافتتاح و الركوع و السجود و الطهارة، فإذا اجتمعت هذه الأركان الأربعة كان استعمال كلمة" الصلاة" استعمالا حقيقيا سواء اجتمعت معها بقية

الأجزاء و الشرائط أم لا، و تكون بذلك موضوعة للأعم بلحاظ الأجزاء و الشرائط بدون الأركان الأربعة.

144

من هذه الروايات:

أ- عن‏ أبي عبد الله الصادق‏ (عليه السلام) أنه قال:" الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود" ( (32) 1).

ب- عن‏ أبي عبد الله الصادق‏ (عليه السلام) أنه قال:"... فإن مفتاح الصلاة التكبير" ( (33) 2).

النتيجة: إذن يوجد هنا جانبان للدعوى:

1- الجانب الإيجابي: كلمة" الصلاة" موضوعة للأجزاء الأربعة: تكبيرة الافتتاح و الركوع و السجود و الطهارة، و استدل على هذا الجانب بالروايتين السابقتين حيث تدلان على أن الأجزاء الأربعة لها المدخلية في المسمى دون غيرها، و لأنها موضوعة لهذه الأربعة كان فقدان أحدها و لو نسيانا مبطلا للصلاة.

2- الجانب السلبي: كلمة" الصلاة" لم توضع لبقية الأجزاء، و بقية الأجزاء ليست مقوِّمة للمسمى و لا ركنا فيه، و لهذا لا تكون بقية الأجزاء مبطلة و لا تجب الإعادة بالإخلال بها نسيانا، فعدم بطلان الصلاة بترك بقية الأجزاء نسيانا يدل على عدم مدخليتها في المسمى، و هذا الجانب هو المهم في إثبات الوضع للأعم لأن الأعمي يقول إن اسم" الصلاة" يصدق حتى عند فقدان بعض الأجزاء، و قول الأعمي يتناسب مع الجانب السلبي لأن هذا الجانب يقول إن اسم" الصلاة" يصدق و إن لم توجد بقية الأجزاء.

سؤال: كيف يمكن الجمع بين الرواية التي يظهر منها أن تكبيرة الافتتاح جزء و بين الرواية التي يظهر منها أن الصلاة ثلاثة أثلاث، و هذا يلزم منه أن الصلاة أربعة أثلاث؟

____________

(32) (1) الوسائل ج 1 ص 257 باب 1 ح 8

(33) (2) الوسائل ج 5 ص 385 باب 6 ح 7

145

الجواب: يمكن الجمع بينها بهذه الطريقة: أنه من دون تكبيرة الافتتاح لا يدخل الإنسان في الصلاة، فإذا كبَّر و دخل في الصلاة فإنها تكون ثلاثة أثلاث، فالأثلاث الثلاثة تأتي بعد افتتاح الصلاة و الشروع فيها، و لا تعد التكبيرة من الأثلاث.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل السادس:

1- رد الجانب الإيجابي: الأخبار التي يستفاد منها أخذ الأركان الأربعة في المسمى يمكن أن تحمل على أحد أمرين:

أ- هذه الروايات ناظرة إلى عالم الامتثال، فتحمل على إبراز الأهمية و الركنية في مقام الامتثال و الإجزاء الذي هو غرض الشارع الأصلي فلا تكون دليلا على المسمى، و تريد الروايات أن تقول إن هذه الأجزاء أركان في مقام الامتثال، فإذا لم يأت المكلف بأحدها لا يحصل الامتثال، و هي ليست ناظرة إلى عالم التسمية و الوضع، و لا تريد أن تبيِّن أنه يصدق اسم" الصلاة" بدونها أو لا يصدق، فتكون الروايات أجنبية عن بيان مدخلية الأجزاء الأربعة في المسمى لأنها ناظرة إلى عالم الامتثال لا إلى عالم التسمية و الوضع.

ب- لو سلَّمنا أن الروايات ناظرة إلى عالم التسمية و الوضع فلا بد حينئذ من الالتزام بدخالة كل قيد أو جزء ورد فيه تعبير مماثل في المسمى، فإذا كانت الأجزاء الأربعة لها مدخلية في المسمى فيلزم من هذه الروايات أن الفاتحة و إقامة الصلب في القيام و الركوع و السجود لهما مدخلية في مسمى و معنى" الصلاة" أيضا، كما في الروايات التالية:

146

عن‏ أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال:"... و قم منتصبا فإن رسول الله‏ (صلى الله عليه و آله) قال: من لم يُقِم صلبه فلا صلاة له..." ( (34) 1).

عن‏ أبي عبد الله الصادق‏ (عليه السلام) قال:" لا صلاة لمن لم يُقِم صلبه في ركوعه و سجوده" ( (35) 1).

عن محمد بن مسلم عن‏ أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته. قال:" لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات" ( (36) 2).

2- رد الجانب السلبي:

أ- إذا قلنا بأن عدم بطلان الصلاة بترك بقية الأجزاء نسيانا يدل على عدم مدخليتها في المسمى، فالجواب هو أن عدم البطلان بذلك لا يدل على عدم المدخلية لأن الصحيحي إنما يصوّر الجامع بمقدار دخالة الأجزاء و القيود في المأمور به و المأمور به في مقامنا هو الصلاة، فإذا كان الجزء و القيد معتبرا في المأمور به في حال الاختيار أو الذكر مثلا أخذه في الجامع مقيّدا بالاختيار أو الذكر، فالجزء يؤخذ في المسمى حسب شكله الخاص في مقام التأثير، فإن كان تركه العمدي و النسياني يؤدي إلى بطلان الصلاة فيلزم أخذ الجزء في المسمى مقيدا بالتذكر و النسيان معا، و إن كان تركه العمدي فقط يؤدي إلى بطلان الصلاة فيلزم أخذه في المسمى مقيدا بالتذكر فقط، و تكون النتيجة وضع كلمة" الصلاة" للأجزاء الأربعة مطلقا أي في حال التذكر و النسيان و لبقية الأجزاء مقيدة بالتذكر فقط،

و يترتب على ذلك أنه إذا ترك جزءا من الأجزاء الأربعة عمدا أو نسيانا بطلت الصلاة، و إذا ترك جزءا من بقية الأجزاء عمدا بطلت الصلاة، و نسيانا لم تبطل، و هكذا يتبيَّن أن بقية الأجزاء لها مدخلية في المسمى و لكن‏

____________

(34) (1) الوسائل ج 3 ص 227 باب 9 ح 3

(35) (1) الوسائل ج 4 ص 942 باب 18 ح 6

(36) (2) الوسائل ج 4 ص 732 باب 1 ح 1.

147

مقيدة بقيد معيَّن، لا كما قيل إن عدم بطلان الصلاة بترك بقية الأجزاء نسيانا يدل على عدم مدخليتها في المسمى، بل إن عدم البطلان بذلك لا يدل على عدم المدخلية.

ب- إذا قلنا بأن الروايات اقتصرت على الأربعة مما يدل على عدم أخذ بقية الأجزاء في المسمى، فالجواب هو أن هذه الروايات غير ناظرة إلى عالم التسمية و الوضع حتى يقال بعدم مدخلية بقية الأجزاء في المسمى، بل هي ناظرة إلى بيان ركنية الأجزاء الأربعة بلحاظ عالم الامتثال.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو أن ألفاظ العبادات موضوعة للأعم، و لنأخذ أولا الاحتمالات الموجودة في المسألة، و سنرى أنه على جميع الاحتمالات يلزم الوضع للأعم، و الاحتمالات ثلاثة هي:

الاحتمال الأول: أن تكون معاني العبادات ثابتة كحقائق عرفية كانت موجودة بين الناس قبل الإسلام، و تكون أسماء العبادات موضوعة لهذه المعاني.

الاحتمال الثاني: أن تكون معاني العبادات حادثة بعد الإسلام، و تكون ثابتة كحقائق شرعية تعيّنية ناشئة من كثرة استعمال أسماء العبادات في هذه المعاني، و بذلك يكون الوضع وضعا تعيّنيا.

الاحتمال الثالث: أن تكون معاني العبادات حادثة بعد الإسلام، و تكون ثابتة كحقائق شرعية تعيينيّة، و بذلك يكون الوضع وضعا تعيينيّا بتعيين رسول الله (صلى الله عليه و آله) أسماء العبادات لهذه المعاني.

نتائج الاحتمالات:

نتيجة الاحتمال الأول: يلزم أن تكون الأسماء موضوعة للأعم لأنه لا يمكن أن تكون موضوعة لخصوص الصحيح الشرعي لأن الصحيح الشرعي هو ما

148

كان واجدا لجميع الأجزاء و القيود، و جميع الأجزاء لم تكن ثابتة قبل الإسلام لأن الشارع أضاف أجزاءً و قيودا جديدة إلى ما كان ثابتا سابقا، و بذلك يتعيّن كونها موضوعة للأعم.

نتيجة الاحتمال الثاني: يلزم أن تكون أسماء العبادات موضوعة للأعم أيضا لأن الوضع التعيّني يأتي من كثرة الاستعمال، و المتيقَّن به هو كثرة استعمال الأسماء في الأعم، و لكن لا يمكن التيقُّن بكثرة استعمال الأسماء في خصوص الصحيح، بل يمكن التيقّن بعكس ذلك و هو عدم استعمال الأسماء في خصوص الصحيح لاحتمال كونه بطريقة تعدّد الدال و المدلول كما في" ماء الفرات" حيث إن كلمة" الماء" استعملت في طبيعي الماء الأعم، و كلمة" الفرات" استعملت في معناها، و بعد ضمهما معا يفهم أن المقصود هو خصوص ماء الفرات، و لم تستعمل كلمة" الماء" في خصوص ماء الفرات، و هكذا في مقامنا فحينما يقال:" تجب الصلاة مع الركوع و السجود و..."، فكلمة" الصلاة" استعملت في طبيعي الصلاة الأعم من الصحيح و الفاسد، و كلمة" الركوع" و" السجود" و بقية الكلمات استعملت في طبيعي الركوع و السجود و...، و لكن بضمها معا يفهم أن المقصود هو خصوص الصلاة الصحيحة.

نتيجة الاحتمال الثالث: يلزم أن تكون أسماء العبادات موضوعة للأعم أيضا، نعم قد يقال إنه لا يمكن إحراز الوضع التعييني للصحيح أو للأعم، و لكن يمكن القول بأن المناسب هو الوضع للأعم لسببين:

1- أصل الوضع التعييني مستبعد في نفسه لأنه لو كان النبي (صلى الله عليه و آله) قد وضع الأسماء وضعا تعيينيا للصحيح أو للأعم لنقل التاريخ ذلك إلينا لأهميته، و طالما أنه لم ينقل فمعنى ذلك أن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يضع الأسماء لا للصحيح و لا للأعم.

149

2- لو سلَّمنا أن النبي (صلى الله عليه و آله) وضع الأسماء فالوضع التعييني للصحيح ابتداء مستبعد لأن المقصود من" الصحيح" أحد أمرين:

أ- مفهوم الصحيح: و تعيين اسم العبادة لمفهوم" الصحيح" غير محتمل لما تقدّم من أن لازمه الترادف بين كلمة" الصلاة" و مفهوم" الصحيح"، فإذا قيل" الصلاة واجبة" فمعنى ذلك هو" الصحيح واجب".

ب- واقع الصحيح: و تعيين اسم العبادة لواقع الصحيح بكل أجزائه و قيوده مع كون تلك الأجزاء و القيود مجهولة عند المخاطبين مستبعد جدا، و هي مجهولة عندهم لأن بيان تلك الأجزاء و القيود المعتبرة شرعا إنما كان من خلال نفس استعمالات النبي (صلى الله عليه و آله) للأسماء مقرونة بتلك الأجزاء و القيود في مدة ثلاث و عشرين سنة، و قد كان استعمال أسماء العبادات ثابتا قبل تشريع كل الأجزاء و القيود و بيانها، لذلك لا يمكن أن تكون موضوعة لواقع الصحيح الشرعي.

النتيجة: و هكذا يترجّح القول بالوضع للأعم على جميع الاحتمالات الثلاث.

ثانيا: أسماء المعاملات:

كان البحث سابقا عن أسماء العبادات، و يقع الآن في أسماء المعاملات مثل كلمة" البيع" و" الإجارة"، و البحث عن وضع أسماء المعاملات للصحيح أو الأعم يقع في عدة جهات:

الجهة الأولى: المراد من الصحيح في المعاملات:

المراد بالصحيح في المعاملات يمكن أن يكون أحد أمرين:

أ- الصحيح بنظر الشارع أي الصحيح الشرعي.

ب- الصحيح بنظر العقلاء و إن لم يكن صحيحا عند الشرع، و الصحيح العقلائي قد يكون أوسع دائرة من الصحيح الشرعي لأن الشارع يعتبر في البيع الصحيح أجزاء و شرائط أكثر مما يعتبره‏

150

العقلاء كالبلوغ و القدرة على التسليم، و مع تقييد الشي‏ء بقيد يصير أضيق دائرة.

رأي السيد الخوئي‏ (قدس سره): ذهب إلى أن المبحوث عنه لا بد أن يكون هو الوضع للصحيح أو الأعم بنظر العقلاء فقط لا بنظر الشارع.

الدليل على هذا الرأي: إذا قيل بأن كلمة" البيع" موضوعة للبيع الصحيح بنظر الشارع فإن ذلك يؤدي إلى أن تكون أدلة الإمضاء مثل‏" أَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ" ( (37) 1) لغوا حيث يكون معناها:" البيع الصحيح شرعا صحيح شرعا" لأن معنى" أَحَلَّ" هو" حكم الشارع بالصحة"، و كلمة" البيع" موضوعة للبيع الصحيح شرعا، و هذا مثل قولنا" محمد المجتهد مجتهد"، و هي قضية ضرورية بشرط المحمول ( (38) 2)، لذلك يكون معنى الآية:" البيع الصحيح بنظر العقلاء صحيح شرعا".

رد الشهيد (قدس سره) على هذا الرأي:

1- إن أقصى ما يلزم من البيان السابق أن تكون كلمة" البيع" في خصوص هذه الآية الكريمة مستعملة في" الصحيح العقلائي"، و لا يثبت أنها مستعملة دائما في هذا المعنى في الموارد المختلفة.

2- إن اللغوية تلزم فيما إذا كان الوضع لمفهوم" الصحيح الشرعي" حيث يصير المعنى:" البيع الصحيح الشرعي صحيح شرعا"، أما إذا كان الوضع لواقع الصحيح و منشأ انتزاع الصحيح فلا تلزم منه اللغوية حيث يصير المعنى:" التمليك بعوض معلوم مع بلوغ المتعاقدين و القدرة على التسليم صحيح شرعا"؛ لأن واقع الصحيح و منشأ انتزاعه‏

____________

(37) (1) البقرة: 275

(38) (2) صارت القضية ضرورية بشرط المحمول لأن المحمول أخذ قيدا في الموضوع، و في منطق الإشارات ص 147: و الضرورة بشرط المحمول لا يخلو عنها قضية فعلية أبدا، فإذا قلنا" ج ب" فإن ج يكون بالضرورة ب حال كونه ب.

151

هو ذات الأجزاء و الشروط المعتبرة في متعلّق التكليف في العبادة و متعلق الوضع في المعاملة.

و قد مر سابقا أن الوضع لمفهوم" الصحيح" غير ممكن للزوم الترادف بين كلمتي" الصلاة" و" البيع" و بين مفهوم" الصحيح"، و أن الوضع لواقع الصحيح معقول في باب التكليف في العبادات و معقول أيضا في باب الوضع في المعاملات على حدّ سواء، فكما أن كلمة" الصلاة" يعقل أن تكون موضوعة للصلاة الصحيحة الشرعية، كذلك فإن كلمة" البيع" يعقل أن تكون موضوعة للبيع الصحيح الشرعي.

النتيجة: من المعقول وضع الكلمة في باب المعاملات للصحيح العقلائي، و من المعقول أيضا وضعها للصحيح الشرعي.

الجهة الثانية: وضع أسماء المعاملة للسَّبَب أو للمُسَبَّب:

إن كل معاملة تتركب من أمرين:

1- السَّبَب: و هو عبارة عن المجموع من الإيجاب و القبول و بقية الشروط.

2- المُسَبَّب: و هو عبارة عما ينتج من السبب، كالملكية الحاصلة في البيع.

سؤال: هل أسماء المعاملات موضوعة للسبب أو للمسبب؟

رأي المشهور:

إن النزاع في وضع أسماء المعاملة للصحيح أو للأعم يكون وجيها بناء على كون المعاملة بمعنى السبب لا المسبَّب فتكون كلمة" البيع" موضوعة للسبب؛ لأن السبب دائر بين الصحة و الفساد، فالسبب صحيح إذا كان واجدا لجميع الشروط، و فاسد إذا لم يكن واجدا لجميع الشروط سواء كان فاقدا لبعضها أم كلها، أما المسبّب فإنه دائر بين‏

152

الوجود و العدم، فالملكية إما أن توجد أو لا توجد، و لا معنى لقولنا الملكية صحيحة أو فاسدة.

رأي السيد الخوئي‏ (قدس سره):

إن النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيح أو للأعم يكون وجيها أيضا بناء على كون المعاملة بمعنى المسبَّب فتكون كلمة" البيع" موضوعة للمسبب، و لكن توضيح رأيه يحتاج إلى مقدمة هي:

إن" المسبب" في باب البيع له ثلاثة معان محتملة:

أ- الملكية الشرعية: هي عبارة عن الملكية التي يحكم بها الشارع و يعتبرها، فالمسبب هنا شرعي.

ب- الملكية العقلائية: هي عبارة عن الملكية التي يحكم بها العقلاء و يعتبرونها، فالمسبب هنا عقلائي.

ج- الملكية الاعتبارية: هي عبارة عن اعتبار البائع و المشتري للملكية و التزامهما بها في أنفسهما، فالمسبب هنا اعتباري.

و لنأخذ هذه المعاني الثلاثة:

على المعنى الأول: المسبب الشرعي دائر بين الوجود و العدم و لا يتصف بالصحة و الفساد، فهو إما يوجد و إما لا يوجد.

على المعنى الثاني: المسبب العقلائي دائر أيضا بين الوجود و العدم و لا يتصف بالصحة و الفساد، فهو إما يوجد و إما لا يوجد.

على المعنى الثالث: المسبّب المنشأ من قبل نفس المتعاملين يتصف بالصحة و الفساد لأنه إذا اعتبر المتعاملان الملكية و رتب الشارع و العقلاء الأثر على ذلك الاعتبار و حكموا بالملكية فالمسبب يكون صحيحا، و إن لم يرتبوا الأثر على ذلك و لم يحكموا بالملكية فالمسبب يكون فاسدا.