دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
153

فإذا قلنا بأن اسم المعاملة موضوع للمسبب فهو ليس موضوعا للمسبّب الشرعي أو المسبب العقلائي لعدم كونهما فعلين للمتعاملين، فالملكية الشرعية فعل للشارع، و الملكية العقلائية فعل للعقلاء، و عملية البيع تنسب إلى المتعاملين حيث نقول باع زيد و اشترى عمرو.

إذن: يتعيّن على القول بالوضع للمسبّب أن يراد به المعنى الثالث الذي هو فعل للمتعاملين و يعقل اتصافه بالصحة و الفساد.

النتيجة: على رأي‏ السيد الخوئي‏ (قدس سره) يكون النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيح أو للأعم وجيها أيضا بناء على كون المعاملة بمعنى المسبَّب.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح ما ذهب إليه المشهور لأن المسبّب بالمعنى الثالث هو في الواقع جزء من السبب عند المشهور و ليس شيئا آخر، و سيأتي فيما بعد أن السبب يتركب من ثلاثة عناصر إحداها التزام المتعاملين بالملكية.

النتيجة: المراد بالوضع للمسبّب هو الوضع بإزاء المسبّب العقلائي أو المسبب الشرعي.

سؤال: إذا كان المسبب الشرعي فعلا للشارع، و المسبب العقلائي فعلا للعقلاء فما هو فعل المتعاملين؟ و ما هو دور البائع و المشتري في البيع؟ و كيف يكون الإيجاب و القبول سببا للمسبب؟

الجواب: إن فعل الشارع هو الجعل الشرعي الكلي أو بعبارة أخرى كبرى الجعل الشرعي الذي هو الحكم بتحقق الملكية الكلية على تقدير تحقق السبب التام، و فعل العقلاء هو الجعل العقلائي الكلي أو كبرى الجعل العقلائي، و أما يفعله المتعاملان فلا يحقق الجعل الكلي، بل يحقق صغرى الجعل الكلي و مجعوله الفعلي الذي يتسبّب إليه العاقد بإنشائه‏

154

و فعله، فالمتعاملان عن طريق الإيجاب و القبول يوجدان الملكية الشرعية الجزئية أو الملكية العقلائية الجزئية بينهما.

النتيجة: بما أن الملكية الشرعية و الملكية العقلائية دائران بين الوجود و العدم لا بين الصحة و الفساد فلا يعقل النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيح أو للأعم بناء على وضع الأسماء للمسبب كما يقول به المشهور، فيكون النزاع بناء على وضع الأسماء للسبب فقط.

الجهة الثالثة: ثمرة بحث وضع أسماء المعاملات للصحيح أو للأعم:

بحثنا سابقا عن ثمرة البحث في الصحيح و الأعم في أسماء العبادات، و نبحث الآن في ثمرة البحث في الصحيح و الأعم في أسماء المعاملات، و الثمرة الحالية هنا هي نفس الثمرة التي تقدمت هناك.

الثمرة السابقة: كانت الثمرة هناك هي عدم إمكان التمسك بالإطلاق اللفظي بناء على الوضع للصحيح لنفي قيد عند الشك في دخل هذا القيد في الصحة، كالشك في دخل جلسة الاستراحة في صحة الصلاة، فلا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي دخالة جلسة الاستراحة في الصلاة لاحتمال أنها جزء منها و لعدم علمنا بصدق اسم" الصلاة" على الفاقد

لجلسة الاستراحة، أما بناء على الوضع للأعم فإنه يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي القيد المشكوك لأننا نجزم بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة صلاة حتى لو كانت الصلاة فاسدة.

الثمرة الحالية: و في مقامنا تكون الثمرة كما في المثال التالي: في حالة الشك في اشتراط اللغة العربية في البيع هل يمكن التمسك بإطلاق لفظ" البيع" في‏" أَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ" ( (39) 1) لنفي‏

____________

(39) (1) البقرة: 275.

155

الشرطية لأن الآية الكريمة لم تقل" أحل الله البيع بشرط العربية" أو لا يمكن ذلك؟

و يأتي البحث تارة بناء على أن كلمة" البيع" اسم للسبب، و تارة أخرى بناء على أنها اسم للمسبب:

1- بناء على أن كلمة" البيع" اسم للسبب:

يكون المعنى" أحل الله الإيجاب و القبول"، و تكون الثمرة كما يلي:

أ- بناء على وضع كلمة" البيع" للصحيح الشرعي:

ينسدّ باب الإطلاق اللفظي مطلقا أي حتى إذا كنا نجزم بعدم اعتبار العقلاء للقيد المشكوك و لا يمكن التمسك بإطلاق الآية الكريمة، فما دامت كلمة" البيع" موضوعة للسبب الصحيح فمن دون العربية لا نجزم بصدق كلمة" البيع"، و لا يمكن القول عن الإيجاب و القبول الفاقدين للعربية إنهما سبب صحيح شرعا حتى يصدق عليهما" البيع" و بالتالي يشملهما إطلاق الآية الكريمة، و التمسك بالإطلاق فرع إحراز صدق اللفظ المطلق على المشكوك.

ب- بناء على وضع كلمة" البيع" للصحيح العقلائي:

يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي ما يحتمل دخله في الصحة شرعا مع إحراز عدم دخله فيها عقلائيا، و أما في حالة احتمال دخل القيد المشكوك في البيع في نظر العقلاء فلا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي هذا القيد لأن البيع الفاقد للقيد المعتبر عند العقلاء لا يجزم بصدق" البيع" عليه حتى يتمسك بالإطلاق، و شرط التمسك بالإطلاق اللفظي إحراز صدق اللفظ المطلق على المشكوك.

ج- بناء على وضع كلمة" البيع" للأعم من السبب الصحيح و الفاسد:

يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي لأن الإيجاب و القبول الفاقدين للعربية حتى لو كانا سببا فاسدا فإن لفظ" البيع" يصدق على الفاسد أيضا.

156

2- بناء على أن كلمة" البيع" اسم للمسبب:

و أما بناء على وضعها للمعاملة بمعنى المسبّب سواء الشرعي أم العقلائي فيكون المعنى" أحل الله الملكية" فلا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي سواء قلنا إن كلمة" البيع" اسم للمسبب الصحيح الشرعي أم للمسبب الصحيح العقلائي لنفي العربية كما أفاده‏ المحقّق النائيني‏ (قدس سره) لأن إمضاء مسبّب لا يقتضي إمضاء جميع أسبابه، بل يكفي إمضاء سبب واحد له، فتحليل الملكية لا يستلزم تحليل جميع أسبابها، و هنا لا يستفاد من دليل إمضاء و حلية المعاملة بمعنى المسبّب إلا عدم المنع عنه من حيث هو مسبّب من دون نظر إلى خصوصيات الأسباب المحقِّقة لهذا المسبب و شرائط هذه الأسباب.

و من باب التنظير لو كان السفر إلى بلد ما جائزا، و كان السفر متوقفا على سلوك طريق ما إليه، فإنه لا يدل على تجويز سلوك كل سبب و طريق حتى الطريق المحرّم للوصول إليه، فمثلا لا يدل على تجويز الوصول إليه بالدابة المغصوبة.

الجهة الرابعة: رأي الشهيد (قدس سره) في وضع أسماء المعاملات:

عناصر السبب:

لا إشكال في أن المعاملة تتركب من السبب و المسبب، و السبب يتألف من مجموع ثلاثة عناصر هي:

1- الإنشاء باللفظ أو بغيره: و الإنشاء يكون بالإيجاب و القبول سواء كانا باللفظ أم بالفعل و التعاطي.

2- المدلول التصديقي للإنشاء: و ذلك بأن يلتزم المتعاملان في أنفسهما بشكل جِدِّيّ و قصد حقيقي لا هزلا.

157

3- قصد التسبّب بذلك الالتزام إلى المسبَّب العقلائي أو الشرعي: و ذلك بأن يقصد المتعاملان اعتبار و التزام الملكية في أنفسهما للوصول إلى الملكية الشرعية أو العقلائية، فلو لم يكونا قاصدين للتسبّب لا تتحقّق المعاملة.

النتيجة: هذه هي عناصر السبب، فإذا اجتمعت كلها كان السبب صحيحا، و إذا فقد واحد منها كان السبب فاسدا، و هنا إذا قلنا بوضع أسماء المعاملات للسبب فإنه يصح النزاع في وضعها للسبب الصحيح أو الأعم لأن الصحة و الفساد يتصور في السبب، و أما بناء على وضعها للمسبب فقد تقدم أن النزاع في الصحيح و الأعم لا يتصور لعدم وجود الصحة و الفساد، و إنما يدور أمر المسبب بين الوجود و العدم.

التحقق الخارجي لالتزام المتعاملين:

إذا كانت كبرى الجعل ثابتة و تمّت هذه العناصر الثلاثة للسبب تحقّق المسبّب و ترتّب خارجا، و هو تحقّق خارجي لنفس ما التزم به المتعاملان، و هذا التحقق إما أن يكون بحكم العقلاء فقط و إما أن يكون بحكم العقلاء و الشارع معا إذا كانا يحكمان بالملكية عند تحقق السبب،

فما يلتزم به المتعاملان قلبيا يتحقق في الخارج بحكم العقلاء أو الشارع و العقلاء.

أفراد المعاملة:

و بهذا نعرف أن أسماء المعاملات كالبيع الذي هو" اسم للتمليك بعوض" له فردان:

أ- التمليك الشخصي الذي ينشئه المتعاقدان بعوض: و هو التمليك القلبي الخاص الذي يلتزم به المتعاملان.

ب- التمليك القانوني الشرعي أو العقلائي بعوض: و هو الذي يتسبّب إليه المتعاقدان و يتحقق خارجا بحكم الشارع أو العقلاء.

158

ملاحظة: و لكن العرف لا يرى التمليك على قسمين، بل يراهما شيئا واحدا، و هو ما يوجده المتعاملان من التمليك بعوض، فيرى أنه بعد الإيجاب و القبول تتحقق ملكية واحدة و هي الملكية التي يلتزم بها المتعاملان قلبيا، و هذا التمليك الواحد ينحل بالتحليل العقلي إلى قسمين: إنشاء معاملي قلبي من المتعاملين، و نتيجة قانونية منشأة به بحكم الشارع أو العقلاء.

و سواء كان التمليك متعددا حقيقة أم متعددا بحسب التحليل العقلي فلا إشكال في صحة إطلاق كلمة" المعاملة" حقيقة على السبب و هو المنشأ المعاملي القلبي بين المتعاملين، و على هذا الأساس من أن المعاملة اسم للملكية التي يعتبرها المتعاقدان صح النزاع في وضع أسماء المعاملات لخصوص السبب الصحيح أو الأعم، فإذا طابقت هذه الملكية المعتبرة بينهما ما يعتبره الشارع في الملكية الشرعية كانت صحيحة، و إذا لم تطابق كانت فاسدة.

رأي الشهيد (قدس سره) في وضع أسماء المعاملات:

سؤال: ما هي الاحتمالات الموجودة في وضع أسماء المعاملات؟

الجواب: توجد ثلاثة احتمالات لوضع أسماء المعاملات هي:

1- الوضع لخصوص الصحيح الشرعي.

2- الوضع لخصوص الصحيح العقلائي.

3- الوضع للأعم من الصحيح و الفاسد.

سؤال: لأي منها وضعت أسماء المعاملات؟

الجواب: إن الاحتمالين الأولين باطلان فيتعين الاحتمال الثالث كما يأتي في التوضيح التالي:

لا ينبغي الشك في عدم وضع أسماء المعاملات لخصوص الصحيح الشرعي لأن هذه المعاملات بأسمائها كانت شائعة و دائرة بين الناس في الجزيرة العربية قبل الإسلام، و لم يأت الشارع بوضع و تسمية جديدة فيها

159

لأن ظاهر استعمال الشارع لها إرادة نفس المعنى المتداول عرفا و عقلائيا، فلا تكون أسماء المعاملات موضوعة للصحيح الشرعي يقينا.

و كذلك لم توضع أسماء المعاملات للصحيح العقلائي لأن الصحيح العقلائي له معنيان:

أ- مفهوم" الصحيح العقلائي": لا يحتمل وضع أسماء المعاملات لمفهوم" الصحيح العقلائي" لأن لازمه الترادف بين اسم المعاملة و هذا المفهوم، و الترادف باطل.

ب- واقع الصحة و منشأ انتزاعها: و هو عبارة عن مجموع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في المعاملات الصحيحة عند العقلاء، و هو و إن كان يعقل أخذه ثبوتا و واقعا إلا أن ذلك غير محتمل إثباتا بحسب ما تقتضيه الأدلة لأن ذلك يؤدي إلى تغيّر معاني هذه المعاملات كلما تغيّرت القيود المعتبرة في صحتها بتغيّر الزمان أو المكان أو العقلاء، و تغير المعنى مما يُطمأن بعدمه لأن للمعاملة الصحيحة معنى واحدا عند جميع العقلاء في جميع الأزمنة و الأمكنة.

النتيجة: الصحيح وضع أسماء المعاملات للأعم من الصحيح و الفاسد، و يؤخذ في الاسم ما يحفظ صورة المعاملة و قوامها عرفا، و صورة المعاملة تتقوَّم بأمرين:

أ- أصل و أساس الإنشاء: هو الإيجاب و القبول قولا أو فعلا.

ب- المعنى المنشأ به: هو الملكية المنشأة الشاملة للصحيحة و الفاسدة.

160

3

- المشتق‏

مثال لتوضيح ثمرة البحث:

توجد مسألة شرعية تقول بكراهة قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، فإذا وجدت شجرة ليست مثمرة الآن بالفعل فهل يكره قضاء الحاجة تحتها، أو أن الحكم يختص بالشجرة المثمرة بالفعل؟

إن كلمة" المثمرة" مشتق، فإذا قيل بوضع المشتق لخصوص المتلبس بالفعل فلا توجد كراهة، و إذا قيل بوضعه للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس فالكراهة موجودة.

تعريف المشتق:

المشتق‏ هو كل اسم يصح حمله على الذات بشرط أن لا يكون هذا الاسم ذاتيا للذات.

و بهذا التعريف تخرج أسماء الأجناس و الأنواع و الفصول، و يدخل مثل" الزوج" و" الصارم" و غيره من الأسماء و إن كان جامدا في المصطلح النحوي للمشتق.

الفرق بين المشتق النحوي و المشتق الأصولي:

إن المشتق النحوي عبارة عن الكلمة القابلة للتصريف مثل كلمة" ضرب" حيث تقول: ضَرَبَ، يَضْرِبُ، اضْرِبْ، مَضْروبٌ، ضارِبٌ، و لكن مثل كلمة ليس جامدة غير قابلة للتصريف.

161

أما المشتق الأصولي فهو كل كلمة توفر فيها عنصران:

أ- أن تكون قابلة للحمل على الذات: مثل كلمة" ضارب" حيث تحمل على الذات فتقول:" زيد ضارب"، فزيد هو الضارب، و الضارب هو زيد، و يسمى الحمل ب" حمل هو هو".

ب- أن تبقى الذات عند انتفاء المبدأ و لا تزول بانتفائه: فالمبدأ في المشتق" ضارب" هو المصدر" الضرب"، و عند انتفاء الضرب لا ينتفي زيد.

أما المبدأ في المشتق مثل" ناطق" فهو المصدر" النطق" الذي هو أمر ذاتي لأنه جزء من الذات، و بانتفاء النطق تنتفي الذات و هي" زيد".

إذن: بذلك يتضح أنه يلزم في المبدأ أن لا يكون ذاتيا أي لا يكون جنسا و لا نوعا و لا فصلا، فإذا كان ذاتيا فإنه بانتفائه يلزم انتفاء الذات.

النتيجة:

1- بالعنصر الأول تخرج بعض المشتقات النحوية عن المشتق الأصولي، فمثل" يضرب" و" اضرب" و" ضرب" و كل فعل أو مصدر

ليس من المشتق الأصولي و إن كان مشتقا نحويا لأنه لا يصح حملها على الذات، نعم" ضرب" مسند لزيد و" زيد" مسند إليه، و لكن هذا ليس حمل هو هو.

2- بالعنصر الأول يدخل في المشتق الأصولي بعض الجوامد النحوية، مثل كلمة" زوج" فإنها جامد في علم النحو حيث لا تقبل التصريف، و لكنها مشتق أصولي حيث تحمل بحمل هو هو على الذات، فتقول" زيد زوج"، فزيد هو زوج، و الزوج هو زيد.

إذن: بالعنصر الأول تخرج بعض المشتقات النحوية من المشتق الأصولي، و تدخل بعض الجوامد النحوية فيه.

162

3- بالعنصر الثاني تخرج بعض المشتقات النحوية، مثل كلمة" ناطق" فإنها مشتق نحوي، و لكنها ليست مشتقا أصوليا لأنه بزوال النطق تزول الذات.

إذن: فالنسبة بين المشتق النحوي و المشتق الأصولي هي العموم و الخصوص من وجه، فهما يلتقيان في" ضارب" و يفترق المشتق الأصولي عن النحوي في" زوج"، و يفترق المشتق النحوي عن الأصولي في" ناطق".

الأبحاث الأصولية في المشتق:

يوجد بحثان لفظيان حول المشتق:

1- البحث اللفظي التحليلي عن مدلول المشتق من حيث كونه معنى بسيطا أو مركّبا، فهو بحث في تحليل معنى المشتق.

2- البحث اللفظي اللغوي في تحديد مدلول المشتق من حيث دلالته على المُتَلَبِّس بالمبدإ خاصة أو الأعم منه و ممن انقضى تلبّسه بالمبدإ، فيسأل هذا السؤال: هل المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدإ أو للأعم منه و من المنقضي عنه التلبس؟، و هذا بحث في المعنى اللغوي للمشتق.

البحث الأول: البحث التحليلي:

أما البحث التحليلي فهو بحث عن تركب المشتق بمادته و هيئته من معان ثلاثة: الذات و المبدأ و النسبة بينهما، فهل كلمة" ضارب" مركب بحيث تنحل إلى ثلاثة أشياء: المبدأ و الذات و النسبة بينهما، أو بسيط بحيث لا تنحل إلى ذلك و لا تكون الذات جزءا من المعنى؟

معنى البساطة و التركيب:

يوجد احتمالان في معنى البساطة و التركيب في المشتق:

163

1- البساطة و التركيب في مقام التصور: البساطة تعني أنه في المشتق مثل كلمة" ضارب" نتصور و ندرك مفهوما واحدا، و التركيب يعني تصور مفهومين هما مفهوم" الذات" و مفهوم" المبدأ"، فكلمة" ضارب" تعني ذات لها الضرب، كما نتصور مفهومين من" زيد قائم": مفهوم" زيد"، و مفهوم" قائم".

2- البساطة و التركيب في مقام التحليل: المشتق ككلمة" ضارب" له مفهوم و معنى واحد، و البساطة تعني أن هذا المفهوم الواحد لا ينحل، و التركيب يعني أن هذا المفهوم الواحد ينحل إلى ثلاثة أجزاء: مبدأ و ذات و نسبة بينهما على نحو تركّب مفاد الجملة الناقصة مثل" منبر المسجد" الذي يدل على معنى واحد و لكنه ينحل إلى ثلاثة أشياء: المنبر و المسجد و النسبة بينهما، و تكون النسبة على نحو النسبة الناقصة التحليلية في الذهن، و ليس المقصود وجود مفهومين ذهنيين مستقلين و نسبة بينهما في الذهن على نحو النسبة التامة كما في" زيد قائم" حيث يدل على مفهومين ذهنيين مستقلين: مفهوم" زيد" و مفهوم" قائم"، و نسبة بين" زيد" و" قائم".

الأقوال في بساطة و تركيب المشتق:

و منشأ هذا البحث وقوع شبهات من قبل المحققين على تركب المشتق مما دعاهم إلى اختيار القول ببساطة معنى" المشتق" بأحد أنحاء ثلاثة، فوجدت أربعة أقوال في المشتق من حيث البساطة و التركيب: قول بالتركيب و ثلاثة أقوال بالبساطة، هي:

1- رأي المحقق الأصفهاني‏ (قدس سره): المشتق مركب من الذات المنتسب إليها المبدأ على نحو النسبة الناقصة التحليلية في الذهن، فالذات داخلة في معنى المشتق، و المشتق عبارة عن الذات المتلبسة بالمبدإ، و ينحل المفهوم الواحد إلى مركب من ثلاثة أشياء: ذات و مبدأ و نسبة بينهما، و هذا هو القول بالتركب.

164

2- رأي المحقّق النائيني‏ (قدس سره): و نسب إلى‏ المحقّق الدواني‏ (قدس سره) من أن المشتق مركب من مادة و هيئة، فمثل كلمة" ضارب" مركبة من مادة هي" الضرب" و هيئة هي صيغة" فاعل"، فالمادة موضوعة للدلالة على الحدث فقط من دون الدلالة على الذات، و الهيئة ليست موضوعة للدلالة على الذات، بل موضوعة للدلالة على أن الحدث ملحوظ" لا بشرط" من حيث الحمل على الذات، بعبارة أخرى أن الحدث ملحوظ بنحو قابل للحمل، بخلاف المصدر الملحوظ" بشرط لا" عن الحمل، أي بشرط عدم الحمل.

إن الحدث مثل" الضرب" يمكن أن يلحظ بلحاظين:

أ- بنحو غير قابل للحمل: كما في المصدر، فإن الضرب لوحظ فيه الحدث بشكل غير قابل للحمل، و يعبر عن عدم قابلية الحمل بتعبير" بشرط لا" أي بشرط عدم الحمل، فلا يقال" زَيْدٌ ضَرْبٌ".

ب- بنحو قابل للحمل: كما في المشتق مثل" ضارب" فإن الحدث" الضرب" ملحوظ بنحو يقبل الحمل، فنقول" زيدٌ ضاربٌ"، و يعبر عن قبول الحمل بتعبير" لا بشرط" أي لا بشرط عدم قبول الحمل.

3- رأي المحقّق الخراساني‏ (قدس سره): يدل المشتق على معنى بسيط وجودي منتزع من الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدإ من دون أخذ الذات جزءا في المعنى، بحيث تكون نسبة المعنى إلى الذات نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ الانتزاع، فالذات منشأ لانتزاع المعنى من دون أخذها فيه، كما أن المبدأ لم يؤخذ جزءا في المعنى، بل نسبة المعنى إلى المبدأ نسبة العنوان المنتزَع إلى مصحح الانتزاع، فالمبدأ هو المصحح لانتزاع العنوان من دون أخذ المبدأ جزءا في العنوان.

165

4- رأي المحقّق العراقي‏ (قدس سره): المشتق مركب من مادة و هيئة، و المادة تدل على الحدث فقط، و الهيئة تدل على نسبة الحدث إلى الذات من دون أخذ الذات جزءا في مدلول الهيئة.

الأدلة على بساطة المشتق:

و أهم الأمور التي دعت هؤلاء المحقّقين إلى القول ببساطة معنى المشتق يمكن تلخيصها في ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: إذا كان المشتق مركبا فهو يدور بين أمرين هما:

1- إذا كان المشتق مركبا من (مفهوم" الشي‏ء"+ المبدأ): في هذه الحالة يلزم دخول العرض العام ( (40) 1) و هو الشي‏ء في الذاتي، ففي‏

مثل" الناطق" الذي هو فصل الإنسان و هو أمر ذاتي لو كان مفهوم" الشي‏ء" مأخوذا في المشتق للزم كون" الناطق" مركبا من (مفهوم" الشي‏ء"+ النطق)، و هو مستحيل لأن مفهوم" الشي‏ء" عرض عام لعروضه على كل موجود، و يلزم من ذلك تقوّم الأمر الذاتي بالعرضي، و ذلك يعني دخول الأمر الخارج عن الذات في داخل الذات، و هو مستحيل.

2- إذا كان المشتق مركبا من (مصداق و واقع" الشي‏ء"+ المبدأ): في هذه الحالة يلزم انقلاب القضية الممكنة إلى ضرورية، ففي قولنا" الإنسان كاتب" المصداق هو الإنسان، و هذه القضية ممكنة، فلو كان المشتق" كاتب" مركبا من (مصداق" الشي‏ء"+ الكتابة) فيلزم أن يكون‏

____________

(40) (1) العرض العام: هو الكلي الخارج المحمول على موضوعه و غيره، و الخاصة: هي الكلي الخارج المحمول الخاص بموضوعه، و كلاهما من أقسام العرضي الذي هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع لاحقا له بعد تقوّمه بجميع ذاتياته كالضاحك اللاحق للإنسان، و الماشي اللاحق للحيوان (المنطق للشيخ المظفر (قدس سره)).

166

معنى تلك القضية" الإنسان إنسان له الكتابة"، فتصير القضية ضرورية بعد أن كانت ممكنة لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، و انقلاب القضية الممكنة إلى ضرورية باطل.

إذن: لإثبات بساطة المشتق يقال: لو كان المشتق مركبا من (مفهوم" الشي‏ء"+ المبدأ) للزم دخول العرض العام في الفصل و الفصل من الذاتيات، و لو كان مركبا من (مصداق" الشي‏ء"+ المبدأ) للزم انقلاب كل قضية ممكنة إلى ضرورية.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الأول:

يمكننا اختيار كل من الشقين و دفع المحذور المذكور فيهما:

1- يمكن اختيار تركب المشتق من (مفهوم" الشي‏ء"+ المبدأ) مع دفع محذور دخول العرض العام في الفصل؛ لأن هذا المحذور يأتي من الفصل مثل" الناطق" إذا أردنا جعله بمعناه اللغوي عند العرب فصلا حيث إن معناه اللغوي" الشي‏ء الذي له النطق"، و على أساس المعنى اللغوي يكون مفهوم" الشي‏ء" داخلا في معنى المشتق، و بالتالي يدخل العرض‏

العام في الفصل، و لكن لو فرضنا أن المناطقة جرّدوا معنى" الناطق" من مفهوم" الشي‏ء" لما ورد هذا المحذور.

بل إن المناطقة قد غيّروا معنى" الناطق" لأنه عندهم إما أن يكون بمعنى التكلم فيكون من الكيف المسموع، و إما أن يكون بمعنى الإدراك و التعقل فيكون من الكيف النفساني، و الكيف من المقولات التسع التي هي من الأعراض لا من الذاتيات، و بذلك يتَّضح أن النطق ليس أمرا من الذاتيات، بل هو أمر عرضي، لذلك فإن المناطقة غيَّروا معنى النطق العرضي إلى معنى ذاتي حتى يتناسب مع جعله فصلا للإنسان، فلا بد أنهم تصرَّفوا في مادة" الناطق" و هي النطق بحملها على ما يوازي هذه الأعراض من جهات ذاتية كالنفس الناطقة و حذفوا مفهوم" الشي‏ء"

167

من معنى" الناطق"، و لا مانع أيضا بأن يكون هناك تصرف بلحاظ هيئاتها و هيئة" ناطق" هي صيغة" فاعل" بأن لا يراد جعل تمام مدلول الهيئة فصلا حتى لا يدخل العرضي في الذاتي، فغيّروا الهيئة الموضوعة ل (مفهوم" الشي‏ء"+ النسبة) إلى النسبة فقط.

2- يمكن اختيار تركب المشتق من (مصداق" الشي‏ء"+ المبدأ) مع دفع محذور انقلاب كل قضية ممكنة إلى ضرورية؛ لأنه يوجد هنا احتمالان في المقصود من الشق الثاني:

أ- إذا أريد انقلاب جهة القضية ( (41) 1) الممكنة إلى ضرورية: فقضية" الإنسان كاتب" قضية ممكنة تنقلب إلى قضية أخرى هي" الإنسان إنسان له الكتابة" و هي قضية ضرورية لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري.

و الرد على ذلك: أن قضية" الإنسان إنسان له الكتابة" ليست قضية ضرورية لأن الضروري ثبوت مطلق الإنسانية للإنسان لا المقيَّدة بقيد إمكاني فإن ثبوته إمكاني أيضا، فإن ثبوت الإنسان للإنسان ضروري، و لكن ثبوت الإنسان المقيَّد بقيد ممكن كالكتابة لا يكون ثبوته ضروريا للإنسان، بل ثبوته إمكاني.

ب- إذا أريد انقلاب القضية الواحدة إلى قضيتين إحداهما ضرورية و الأخرى إمكانية فيجمع بين الضرورة و الإمكان في قضية واحدة: فقضية" الإنسان كاتب" تنحل إلى قضيتين لأن المحمول" كاتب" مركب من جزءين هما (إنسان+ له الكتابة)، فالقضية الأولى تتكون من الموضوع مع الجزء الأول و هي" الإنسان إنسان" و هي قضية ضرورية، و القضية الثانية تتكون من‏

____________

(41) (1) جهة القضية: هي ما يفهم و يتصور من كيفية النسبة بحسب ما تعطيه العبارة من القضية، فإذا قلت:" الإنسان حيوان بالضرورة" فإن الجهة هي الضرورة، و إذا قلت:" الإنسان حيوان دائما" فإن الجهة هي الدوام. (المنطق للشيخ المظفر (قدس سره)).

168

الموضوع مع الجزء الثاني و هي" الإنسان له الكتابة" و هي قضية إمكانية.

و الرد على ذلك: أن هاتين القضيتين و النسبتين ليستا في عَرْضٍ واحد بل إحداهما في طول الأخرى، ففي" الإنسان إنسان له الكتابة" يوجد خبر واحد هو" إنسان" و يوجد وصف هو" له الكتابة"، و لأن الوصف قبل العلم به إخبار فيكون عندنا في هذه الجملة خبران، لذلك فإن القضية هنا تنحل إلى قضيتين بقانون" أن الأوصاف و القيود قبل العلم بها إخبار"، و يكون الإخبار عن ثبوت المطلق مفادا للجملة بالدلالة الالتزامية لأن ثبوت المقيّد يستلزم ثبوت المطلق عقلا، و لا ضير في أن تكون جهة القضية المفادة بالالتزام ضرورية مع كون جهة القضية المدلول عليها بالمطابقة إمكانية، فإن قضية" الإنسان إنسان له الكتابة" تدل بالمطابقة على ثبوت" الإنسان المقيَّد بالكتابة" للإنسان، و تدل بالدلالة الالتزامية على ثبوت" الإنسان المطلق غير المقيَّد بالكتابة" للإنسان، فقضية" الإنسان كاتب" تنحل إلى قضيتين‏

إحداهما بالدلالة المطابقية و الأخرى بالدلالة الالتزامية، و هذا الانحلال لا ضير فيه لأن إحدى القضيتين في طول الأخرى حيث إن القضية الناتجة من الدلالة الالتزامية تكون في طول القضية الناتجة من الدلالة المطابقية، و إنما المرفوض هو انحلال القضية التي لها جهة واحدة إلى قضيتين تكون إحداهما في عَرْض الأخرى بحيث تكون جهة إحداهما ضرورية وجهة الأخرى إمكانية.

رأي الشهيد (قدس سره) في الشق الثاني:

الصحيح عدم أخذ واقع و مصداق" الشي‏ء" في معنى المشتق بناء على القول بالتركيب لا لما ذكر في الشق الثاني من لزوم انقلاب القضية الممكنة إلى ضرورية بل لسبب آخر، و ذلك لأنه:

169

1- إن أريد بمصداق" الشي‏ء" ما يجعل موضوعا للقضية و يقع المشتق محمولا كما في" الإنسان كاتب" فمن الواضح أن المشتق لا يكون محمولا دائما بل يكون موضوعا للقضية أحيانا كما في" أكرم الكاتب" فإن" الكاتب" هو موضوع وجوب الإكرام.

2- إن أريد بمصداق" الشي‏ء" أخذ الطبيعة التي من شأنها الاتصاف بالمبدإ أي أريد كل ذات تصلح للاتصاف بالمبدإ، كالإنسان في" أكرم الكاتب" فإن الإنسان هو الذات الصالحة للاتصاف بالكتابة فيكون هو مصداق" الشي‏ء" المأخوذ في المشتق و إن لم يقع الإنسان موضوعا للكاتب، فهو ينافي ما نحسّه وجدانا من صحة استعمال الكاتب في غير الإنسان كما في" القرد كاتب" و مع ذلك يبقى مفهوم" الكاتب" على حاله مما يدل على عدم أخذ مصداق" الشي‏ء" و هو الإنسان في المشتق و إلا لصار المعنى:" القرد إنسان له الكتابة".

الدليل الثاني للمحقق الدواني‏ (قدس سره): إن المشتق لو كان مفهوما مركبا موضوعا للذات المتلبسة بالمبدإ لم يصح إطلاق المشتق في الموارد التي ليس فيها ذات متلبسة بالمبدإ، فلا يصح إطلاق المشتق على أمرين:

1- على المبدأ كإطلاق الأبيض على البياض في قولنا" البياض أبيض"، فإن الأبيض ليس ذاتا متلبسة بالبياض بل هو نفس البياض، فلا يوجد هنا ذات متلبسة بالمبدإ، و لكننا نعرف أن قولنا" البياض أبيض" صحيح، و هذا يدل على بساطة معنى المشتق لا تركبه من الذات و المبدأ و النسبة بينهما.

2- على ما ثبت بالبرهان بساطته و استحالة التركب فيه، كإطلاق العالم على الواجب تعالى الذي أوصافه عين ذاته حينما نقول" الله عالم"، فالله ليس ذاتا متلبسة بالعلم بل هو نفس العلم لأن صفاته عين ذاته، و لو قلنا

170

بأن الله ذات متلبسة بالعلم للزم تركب الله سبحانه من الذات و من الصفات، و هو باطل لأن الله سبحانه ليس مركبا مما يدل على بساطة معنى المشتق.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثاني: ليس المقصود من تلبس الذات بالمبدإ التلبس الخارجي فقط حتى يقال بأنه يلزم وجود شيئين في الخارج، بل المقصود التلبس الأعم من التلبس الخارجي و التلبس الذاتي، فاعتراض‏ المحقق الدواني‏ (قدس سره) مبني على افتراض دلالة المشتق بناء على التركيب على تلبّس ذات بالمبدإ بنحو يستلزم الاثنينية بينهما في الوجود الخارجي، و هذا الافتراض بلا موجب لأنه يمكن افتراض دلالته على وجدان ذات المبدأ سواء كان بنحو التلبس الخارجي أم التلبس الذاتي الصادق في المتحدين وجودا أيضا، فالأبيض فيه تلبس ذاتي فإنه في ذاته شي‏ء له البياض، فالأبيض في ذاته بياض و إلا لزم سلب الشي‏ء عن نفسه، و كذلك فإن الله سبحانه في ذاته متصف بالعالمية دون أن يكون هناك تعدد و تلبس خارجي.

الدليل الثالث للمحقّق النائيني‏ (قدس سره): لو كان المشتق دالا على ذات و مبدأ و نسبة للزم منه أن يكون مبنيا لأن النسبة جزء من معنى المشتق، و النسبة معنى حرفي، فيكون المشتق دالا على المعنى الحرفي، و بذلك يكون مشابها للحروف في المعنى، فلا بد أن يكون المشتق مبنيّا مع أن الاشتقاق ليس من أسباب البناء في الأسماء.

رد الشهيد (قدس سره) على الدليل الثالث:

الرد الأول: إن الاسم يُبنى إذا تضمّن بمادته لمعنى حرفي، فإذا دلت مادة الكلمة على النسبة فإنها تُبنى، أما إذا كانت هيئة الكلمة تدل على النسبة فإنها لا تُبنى، و في المقام مادة كلمة" ضارب" و هي الضرب لا تدل على النسبة، و إنما هيئة" ضارب" تدل على النسبة، لذلك لا يكون المشتق مبنيا.

171

الرد الثاني‏: إن مطلق الدلالة على المعنى الحرفي لا يجعل الاسم مبنيّا، بل إذا دل بتمام معناه على المعنى الحرفي الذي هو معنى غير مستقل محتاج إلى طرف كالحروف، و أما إذا دل الاسم على المعنى الحرفي ضمن أطرافه و طرفا المشتق هما الذات و المبدأ بحيث كان مجموع أطرافه معنى كاملا و لم يكن تصوّر معناه الكامل متوقفا على دال آخر من خارجه فهذا لا يجعل الاسم مبنيّا، و المشتق يدل على النسبة ضمن دلالته على الذات و المبدأ و لا يدل على النسبة فقط حتى يكون مبنيا.

إن المشتق يدل على حصة خاصة من الذات و هي الذات المنتسب إليها المبدأ أو المتلبسة بالمبدإ، و الحصة متقوّمة بالنسبة التحليلية أي التي تأتي عن طريق التحليل لا مباشرة، و لكن هذه الحصة تشكِّل معنى تاما غير متوقف على غيره حتى يقال بمشابهته للحروف الموضوعة بإزاء النسبة التي هي معنى غير تام متوقف على غيره، فمثل كلمة" ضارب" تدل‏

على معنى تام و هو الذات المتلبسة بالمبدإ، و لا يتوقف تصور هذا المعنى على شي‏ء آخر خارج الكلمة، و النسبة متضمنة في هذا المعنى التام.

رأي الشهيد (قدس سره) في وضع المشتق:

الصحيح هو تركب المشتق من (مفهوم" الشي‏ء"+ المبدأ) بعد اتضاح عدم تمامية الأدلة التي تصوّر أنها مانعة عن القول بتركب المشتق في معناه في مقام التحليل لا في مقام التصور و الإدراك، فلا موجب للمحاولات المتقدمة لتصوير بساطة المشتق و التي لا تخلو جميعا عن محاذير ثبوتية أو إثباتية، و المحذور الثبوتي هو أنه على القول بالبساطة و أن معنى المشتق هو معنى المبدأ يلزم صحة قولنا" الضارب هو الضرب"، و هذا القول حتما ليس بصحيح، و المحذور الإثباتي هو أن المتبادر من" ضارب" هو الذات المتلبسة بالضرب و ليس المتبادر هو الضرب فقط دون الذات.

172

إن نفس صحة حمل المشتق على الذات و عدم صحة حمل المصدر عليها دليل التركب و التغاير بين مفهوم" المشتق" و مفهوم" المبدأ" حيث يصح حمل المشتق على الذات لأنه مركب من ذات متلبسة بالمبدإ، بخلاف المصدر الذي لا يصح حمله على الذات، فيصح أن نقول:" زيد ضارِبٌ" و لا يصح أن نقول:" زيد ضَرْبٌ"، و هذا يدل على أن معنى" ضارب" غير معنى" ضَرْب"، و لو قلنا إن مفهوم" المشتق" هو نفس مفهوم" المبدأ" لصح حمل كل منهما على الذات إذ لا يعقل أن يكون المفهوم الواحد متحدا مع الذات و مباينا معها في نفس الوقت، و لا يعقل التغاير بين المشتق و المبدأ إلا على أساس أخذ مفهوم الذات المبهمة أي مفهوم" الشي‏ء" في المشتق بنحو المقيَّد بأن يكون المشتق موضوعا للذات المقيَّدة بالمبدإ، و لا يؤخذ بنحو القيد بأن يكون المشتق موضوعا للمبدإ المقيَّد بالذات فتكون الذات قيدا للمبدإ إذ لا يصح الحمل من دون أخذه بنحو

المقيَّد، ففي قولنا" زيد ضارب" ضارب هو ذات مقيَّدة بالضرب و ليس ضربا مقيَّدا بالذات.

البحث الثاني: البحث اللغوي:

يبحث هنا عن معنى المشتق في اللغة، هل المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدإ أو للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس؟

و هذا البحث هو المهم في عملية الاستنباط لأنه إذا كانت لدينا شجرة مثمرة ثم جفت فإذا قيل بوضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ فإن الحكم بكراهة قضاء الحاجة تحتها يرتفع، و إذا قيل بوضع المشتق للأعم فإن الحكم بالكراهة يبقى.

سؤال: هل قيد الزمان مأخوذ في معنى" المشتق" أم لا؟

173

الجواب: قد يتوهم ارتباط البحث اللغوي هنا بأخذ قيد زمان الماضي و المضارع في معنى" المشتق" و عدم أخذه، فقد يتوهم في كلمة" مثمرة" مثلا أنها لو كانت موضوعة للمتلبس بالإثمار الآن في الزمن المضارع فالمناسب اختيار وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ، و لو كانت موضوعة للمتلبس بالإثمار و لو في الزمن الماضي فالمناسب اختيار وضع المشتق للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس، و هو توهم باطل لأنه لا إشكال في عدم أخذ الزمان في الأسماء، و المشتقات من هذه الناحية كالجوامد، فالأسماء مثل" زيد" و" كتاب" و" باب" لم يؤخذ الزمان قيدا في معانيها، و كذلك المشتق.

و إنما يرتبط هذا البحث اللغوي ببحث آخر هو: هل المشتق موضوع لخصوص حالة التلبس فيكون مصداقه الحقيقي خصوص المتلبس، أو هو موضوع للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس و هو سنخ معنى‏

ينتزع عمن تلبس بالمبدإ في آن ما و لو في زمن سابق فيكون مصداقه الحقيقي كل ذات متلبسة بالمبدإ و لو في الزمن الماضي، مع خروج الزمان عن مفهوم" المشتق" على كلا الاحتمالين؟

نعم الجري و الصدق و الحمل على شي‏ء لا بد أن يكون في زمان ما لا محالة، إلا أن هذا لا يختص بالمشتق و لا يرتبط بمعناها، فحينما يقال" هذه الشجرة مثمرة" يكون الإثمار محمولا على الشجرة في الزمن الحاضر و لكنه ظرف للحمل لا أنه جزء من المعنى، و هذا يجري في الجوامد أيضا، فحينما يقال" زيد" أو" الأَكْلُ" فلا بد أن زيدا و الأكل واقعان في زمن ما، و الزمن ظرف لهما لا أن الزمان جزء من معنيهما.

تصوير الجامع:

و البحث هنا يتوقف على إمكان تصوير معنى جامع سواء على القول بوضع المشتق لخصوص المتلبس أم على القول بوضع المشتق للأعم،

174

فلو ثبت عدم وجود جامع على أحد القولين كان ذلك بنفسه دليلا على بطلانه و ثبوت القول الآخر، و هنا يأتي السؤال التالي: هل يوجد معنى جامع على كلا القولين أم لا؟

أولا: تصوير الجامع بناء على وضع المشتق لخصوص المتلبس:

لا إشكال في وجود الجامع بناء على القول بوضع المشتق لخصوص المتلبس سواء قيل ببساطة المشتق أم بتركبه لأنه على التقديرين يكون المتلبس بالمبدإ معنى جامعا منطبقا على كل ما فيه التلبس، و لكن الفرق أنه بناء على البساطة يكون المشتق موضوعا للمتلبس بالمبدإ مع خروج الذات عن المعنى الموضوع له، و بناء على التركيب تكون الذات جزءا من المعنى الموضوع له.

إشكال: قد يقال إن المشتق بناء على القول بالتركيب موضوع للذات و المبدأ و النسبة، فهو يتضمن النسبة، و النسبة معنى حرفي، و المعنى الحرفي‏

يكون جزئيا دائما لأنه متقوم بطرفين، و بالتالي يكون معنى المشتق جزئيا، و يشترط في المعنى الجامع أن يكون كليا، لذلك لا يمكن أن يكون المشتق الجزئي موضوعا للمعنى الجامع الكلي.

الجواب: ليس المقصود من جزئية النسبة الجزئية بالمعنى المنطقي أي الجزئية بلحاظ المصاديق الخارجية، بعبارة أخرى ليس المقصود الجزئية بالمعنى المنطقي أي عدم الصدق على كثيرين، بل المقصود من جزئية النسبة أنها متقومة بطرفين، ففي قولنا" الكتاب في الدرج" يكون" في" جزئيا لأنه متقوم بطرفين هما الكتاب و الدرج، و في قولنا" الكتاب في الحقيبة" يكون" في" جزئيا لأنه متقوم بطرفين هما الكتاب و الحقيبة، فالحرف" في" في المثالين مختلف عنه في المثال الآخر لأن كلا منهما مختص بطرفين مختلفين عن طرفي الآخر، و النسبة تكون جزئية بهذا المعنى، لذلك يمكن أن يكون المشتق موضوعا للمعنى الجامع.

175

ثانيا: تصوير الجامع بناء على وضع المشتق للأعم:

توجد هنا حالتان: بناء على القول ببساطة المشتق، و بناء على القول بتركب المشتق.

الحالة الأولى: بناء على بساطة معنى" المشتق":

لا ينبغي التردد في عدم معقولية الجامع الأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس بناء على القول ببساطة المشتق، فالمشتق هنا موضوع بإزاء المبدأ ملحوظا لا بشرط من حيث الحمل أي بنحو لا يأبى عن الحمل، و لا يمكن الوضع للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس لعدم صدق المبدأ على الفاقد له أي للمبدإ، فكلمة" مثمرة" موضوعة للإثمار، و لا يمكن صدق الإثمار في صورة عدم وجود الثمر بل يختص الإثمار بحالة التلبس حتى لو لوحظ المبدأ لا بشرط من حيث الحمل، و لا يصدق المبدأ

على الفاقد له لأن وجود المبدأ ركن في صدقه، فلا يمكن أن يكون الفاقد للشي‏ء مصداقا لغير الفاقد له، و لا يمكن وجود الجامع بين الفاقد للشي‏ء و غير الفاقد له.

الحالة الثانية: بناء على تركب معنى" المشتق":

و أما تصوير الجامع الأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس على القول بتركب المشتق فيمكن أن يذكر بشأنه عدة وجوه:

الوجه الأول: إن الجامع الأعم هو" الذات التي صَدَرَ عنها المبدأ في الزمن الماضي" بأن يكون مفاد الفعل الماضي" صَدَرَ" و المفاد هو الوقوع في الماضي أو نسبة المضي بنحو النسبة الناقصة التحليلية مأخوذا في المشتق، فمعنى" عالم" هو" مَنْ عَلِمَ في الزمن الماضي" دون النظر إلى انتهاء العلم عنه بالفعل و عدم انتهائه، فيصدق على المتلبس و المنقضي عنه‏

176

التلبس معا، فلو قُيِّد بالانتهاء يلزم الاختصاص بالمنقضي، و لو قُيِّد بعدم الانتهاء يلزم الاختصاص بالمتلبس.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الأول:

الرد الأول: يلزم من الوجه الأول عدم صدق المشتق على الذات بلحاظ آن حدوث المبدأ لأن الفعل الماضي لا يصدق إلا حينما يكون المبدأ حادثا قبل زمان الجري و الحمل حتى تؤخذ النسبة الماضية فيه، ففي مثل" الضارب" لا يصح إطلاقه على" من صدر منه الضرب في أول وقت ضربه" لأنه لا يصدق عليه أنه صدر منه الضرب في الزمن الماضي، و إنما يصدق عليه إذا مضى بعض الوقت على صدور الضرب، فالفعل الماضي لا يصدق إلا حينما يكون الضرب حادثا قبل حمل" ضارب" على الذات، و هذا باطل لأن إطلاق" ضارب" على الذات بلحاظ وقت حدوث المبدأ صحيح جزما.

الرد الثاني: يلزم من الوجه الأول أيضا عدم صدق المشتق على المتلبس في آخر وقت ضربه بلحاظ تلبسه حين الجري و الحمل بل بلحاظ حدوث التلبس فيه سابقا، فكلمة" ضارب" لا تصدق على من كان متلبسا بالضرب الآن بل تصدق عليه بلحاظ تلبسه في الزمن الماضي، و هذا باطل لأن إطلاق" ضارب" على المتلبس بالضرب يكون بلحاظ تلبسه الفعلي لا بلحاظ أنه تلبس بالضرب في الزمن الماضي.

الرد الثالث: إن الفعل الماضي يدل على أمرين:

أ- صدور المبدأ من ذات.

ب- الزمن الماضي.

فالفعل" ضَرَبَ" معناه" صَدَرَ منه الضرب في الزمن الماضي"، فإذا كان" ضارب" موضوعا ل" من ضَرَبَ" فيلزم من ذلك دلالة المشتق على كلا الأمرين: صدور المبدأ و الزمن الماضي، و مثل هذا المعنى غير مأخوذ في المشتقات فإنها أسماء موضوعة للذات المتصفة بالمبدإ

177

أو المنتسب إليها المبدأ بلا أخذ الصدور و الزمان فيها، و المتبادر من" الضارب" هو" المُتَّصِف بالضرب" أو" المُنْتَسِب إليه الضرب" و لا دخل للزمان و صدور المبدأ فيه، و الاتصاف و الانتساب بحاجة إلى التلبس الفعلي بالمبدإ، و المتصف بالضرب يصدق على المتلبس بالمبدإ فعلا من دون دخل الزمان و الصدور في المعنى.

الوجه الثاني للسيد الخوئي‏ (قدس سره): إن المعنى الجامع هو" الذات المُنْتَقِض عدم المبدأ فيها بالوجود" أو" الذات الخارج فيها المبدأ من العدم إلى الوجود"، فمثلا كلمة" ضارب" موضوعة للذات المنتقض عدم الضرب فيها بالضرب، أو الخارج فيها الضرب من العدم إلى الوجود، أو التي تبدل عدم الضرب فيها إلى الضرب، و إذا كانت الذات بهذه الصورة فإنها تصدق‏

على المتلبس بالمبدإ و المنقضي عنه المبدأ لأن في كليهما تبدل عدم الضرب إلى الضرب، أو تبدل الضرب فيه من العدم إلى الوجود.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثاني:

الرد الأول: ليس المتبادر من المشتق" انتقاض عدم المبدأ بالمبدإ" أو" خروج المبدأ من العدم إلى الوجود"، بل الذهن يفهم معني المشتق من خلال وجود المبدأ ابتداءً و مباشرة لا من خلال توسيط عدم المبدأ، فالمتبادر من" ضارب" هو" الثابت له الضرب" من دون جعل عدم الضرب مرحلة وسطى بين المشتق و الضرب.

الرد الثاني: لو كان المشتق موضوعا للذات التي انتقض فيها عدم المبدأ بالمبدإ فهنا عدة احتمالات:

أ- إن أريد مفهوم الانتقاض الاشتقاقي كعنوان" المنتقِض" فيكون معنى" الضارب" هو" الذات المنتقِض فيها عدم الضرب بالضرب" فإن كلمة" المنتقض" هنا أيضا مشتق موضوع للأعم فلا بد من تصوير معنى‏

178

جامع له، فإذا لم تكن موضوعة للجامع بل لخصوص المتلبس لاختصت بالمنتقض فيه العدم بالوجود فعلا، و هو خلف الوضع للأعم، و محل النزاع هنا هو المعنى الجامع الذي يوضع للمشتق و منه كلمة" المنتقِض"، فهذا الاحتمال لا يمكن الأخذ به.

ب- إن أريد الانتقاض بنحو الفعل الماضي أي" انْتَقَضَ" فيكون معنى" الضارب" هو" الذات التي انْتَقَضَ فيها عدم الضرب بالضرب" رجع إلى الوجه الأول و قد تم الرد عليه، فهذا الاحتمال لا يمكن الأخذ به.

ج- إن أريد مبدأ الانتقاض منسوبا إلى الذات بنحو النسبة الناقصة التحليلية فيكون معنى" الضارب" هو" الذات المُنْتَسِب إليها النقض" كان كنسبة أي مبدأ اشتقاقي بحاجة إلى تصوير جامع يشمل‏

صورة الانقضاء و التلبس، و هو محل الكلام هنا، فهذا الاحتمال لا يمكن الأخذ به.

الوجه الثالث للسيد الخوئي‏ (قدس سره): لو سلمنا عدم إمكان تصوير الجامع الحقيقي للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس كما في الوجه الثاني فإنه بالإمكان تصوير جامع انتزاعي بين المتلبس و المنقضي و هو عنوان" أحدهما"، فتكون كلمة" ضارب" موضوعة لأحدهما: إما للمتلبس و إما للمنقضي عنه التلبس.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثالث:

الرد الأول: نسأل السؤال التالي: ما هو المقصود من كلمة" أحدهما"؟

أ- إن أريد مفهوم" أحدهما" الانتزاعي فمن الواضح عدم استفادة هذا المفهوم من المشتق حيث لا يتبادر إلى الذهن من" الضارب" مفهوم" أحدهما"، فليس معنى" الضارب" هو" أحدهما" و إلا لكانا مترادفين، و هذا باطل جزما.

179

ب- إن أريد مصداق" أحدهما" فالمفروض عدم وجود جامع حقيقي بين المصداقين لكي يمكن أن يؤخذ فيه، فإن أريد وضع المشتق للجامع الحقيقي بين واقع" المتلبس" و واقع" المنقضي" فلا يمكن ذلك لأن كلامنا الآن في فرضية عدم وجود جامع حقيقي بينهما، فنحن في فرضية وجود الجامع الانتزاعي، و إن أريد واقع" أحدهما" المعيَّن لزم الاختصاص إما بالمتلبس و إما بالمنقضي.

الرد الثاني:

أ- إن أريد وضع المشتق للمتلبس في أحد الزمانين: إما الحاضر و إما الماضي، فهذا معناه أخذ الزمان في معنى" المشتق" و قد تم الرد عليه.

ب- إن أريد وضع المشتق لإحدى الحالتين: إما حالة التلبس و إما حالة الانقضاء، فهذا يؤدي إلى أن يكون مدلول المشتق بدليا دائما كنفس عنوان" أحدهما"، فيكون مفهوم" ضارب" بدليا و مردَّدا، فإذا قيل" جاء الضارب" فمعناه" جاء إما المتلبس بالضرب و إما المنقضي عنه الضرب"، مع أنه لا إشكال في كون مفهوم" المشتق" مفهوما شاملا لكل من صدر منه المبدأ سواء قيل بوضع المشتق لخصوص المتلبس أم لا، كما أن مفهوم الجوامد شمولي أيضا فإن مفهوم" باب" شامل لكل ذات متصفة بأنها باب.

النتيجة: و هكذا يتضح عدم إمكان تصوير جامع للأعم من المتلبس بالمبدإ و المنقضي عنه المبدأ، و هو يكفي دليلا على بطلان القول بوضع المشتق للأعم.

رأي الشهيد (قدس سره) في وضع المشتق:

الصحيح هو وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدإ لوجهين:

180

الوجه الأول: المتبادر من المشتق هو الذات المتلبسة بالمبدإ بالفعل، و لا يتبادر الأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس، فإن المشتق مركب من مادة و هيئة.

أما المادة كالضرب فموضوعة لأصل الحدث، و أما الهيئة كصيغة" فاعل" فتدل على نسبة ذلك الحدث إلى الذات المبهمة أي مفهوم" الشي‏ء" و تلبسها بالحدث على اختلاف أنحاء التلبس كأن يلحظ المبدأ بنحو الفعلية كما في" قائم" أو بنحو الحرفة كما في" نجار" أو بنحو الصناعة كما في" شاعر" أو بنحو الملكة كما في" مجتهد"، و التلبس لا يتحقق إلا في حالة التلبس الفعلي و وجود الحدث و عدم انقضاء التلبس به.

الوجه الثاني: ينبّه إلى وضع المشتق لخصوص المتلبس التضاد بين الأوصاف الاشتقاقية المتقابلة كالعالم و الجاهل أو القائم و الجالس، فإنها لا تصدق في مورد واحد معا، فلو كان المشتق موضوعا للأعم من المتلبس بالمبدإ و المنقضي عنه المبدأ لم يكن وجه لهذا الشعور بالتضاد، فلو أنك واقف الآن يصدق عليك أنك" قائم"، و بما أنك كنت جالسا قبل قليل فيصدق عليك أنك" جالس"، فيصدق عليك أنك" قائم" و" جالس" في نفس الوقت، و الجمع بين المتضادين في نفس الوقت مستحيل.

التفصيل بين المشتقات:

و قد يقال بالتفصيل بين قسمين من المشتقات:

1- أسماء الحرف و الصناعات و الملكات و أسماء الآلة و نحوها: كالنجار و الشاعر و المجتهد و المنشار.

2- سائر المشتقات: مثل آكِل و نائِم.

181

فيقال بوضع‏ القسم الثاني‏ لخصوص المتلبس بالمبدإ، و وضع‏ القسم الأول‏ للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس لأنه لا إشكال في صدق المشتق حتى مع عدم تلبس الذات بالحدث المفاد بها، فيقال" زيد نجار" و لو لم يمارس النجارة بالفعل بل كان نائما في بيته، ففي‏ القسم الأول‏:

أ- لا توجد توسعة في مادة المشتق و هي المبدأ فإنها لا تصدق على غير الحدث الخاص لكون المادة موضوعة بإزاء الحدث بوضع نوعي عام في تمام الاشتقاقات، فمادة" الكاتب" موضوعة لحدث الكتابة التي تصدق في جميع الاشتقاقات مثل كاتب و مكتوب و كتب و يكتب و اكتب.

ب- توجد توسعة في مدلول هيئة المشتق و هي صيغة" فَعَّال" أو" فاعِل" أو" مُفْتَعِل" أو" مِفْعَال" فإن الهيئة موضوعة للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس.

رد الشهيد (قدس سره) على التفصيل السابق:

الرد الأول: عدم وجود جامع للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس، و قد تم إثباته سابقا.

الرد الثاني: إن الأسماء الاشتقاقية من‏ القسم الأول‏ لا تصدق أيضا حقيقة على الذات بعد زوال مباديها بشهادة العرف و اللغة على عدم صدق" النجار" على من كانت حرفته النجارة في الزمن السابق و ترك حرفة النجارة و دخل في حرفة أخرى، و أن صدقه عليه مجاز كصدق" قائم" على من كان قائما في الزمن السابق، و هذا يعني أن المشتق من‏ القسم الأول‏ موضوع لخصوص المتلبس بالمبدإ أيضا غير أنه لوحظت التوسعة في مفاد المادة و هي النجارة بإرادة الحرفة منها، فلا توجد توسعة في هيئة المشتق، فالهيئة موضوعة لخصوص المتلبس، و لكن التوسعة كانت في المادة حيث لوحظت بنحو الحرفة التي تصدق حتى على غير الممارس لها فعلا و إن كان نائما في بيته.

182

الأصل عند الشك في وضع المشتق:

لو فرضنا هنا أنه لا يوجد دليل على أن المشتق موضوع لخصوص المتلبس أو موضوع للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس، فيأتي‏ السؤال التالي: هل يقتضي الأصل وضع المشتق لخصوص المتلبس أو للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس؟

الجواب:

قد يقال: إن الأصل يقتضي وضع المشتق للأعم، و ذلك لوجهين:

الوجه الأول: يمكن تعيين المعنى الأعم باستصحاب عدم أخذ خصوصية فعلية التلبس قيدا في وضع المشتق، فنحن نشك أن الواضع لاحظ خصوصية التلبس، و الأصل هو عدم القيد أي عدم ملاحظة فعلية التلبس، فالعدم لا يحتاج إلى دليل، و إنما القيد يحتاج إلى دليل، و مع عدم الدليل على القيد يحكم بعدم القيد، فعدم الدليل على الوجود كاف للحكم بعدم الوجود، فيحكم بالعدم لعدم الدليل، فعدم الدليل على الوجود دليل على عدم الوجود، و إذا ثبت عدم ملاحظة الواضع لفعلية التلبس نستصحب عدم فعلية التلبس، و هذا الاستصحاب يعني عدم وضع المشتق لخصوص التلبس، و بذلك يثبت وضع المشتق للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الأول:

الرد الأول: لا يثبت وضع المشتق للأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس إلا بالملازمة العقلية و هو من الأصل المثبت، إن استصحاب شي‏ء يثبت هذا الشي‏ء فقط و لا يثبت أكثر من ذلك، فاستصحاب عدم لحاظ التلبس يثبت عدم لحاظ التلبس فقط و لا يثبت وضع المشتق للأعم، و لو أردنا إثبات وضع المشتق للأعم فيمكن ذلك عن طريق اللازم لأن استصحاب عدم لحاظ التلبس لازمه وضع المشتق للأعم، و لكن هذا اللازم ليس لازما

183

شرعيا حتى يكون حجة و يمكن الأخذ به، و إنما هو لازم عقلي، و اللازم العقلي ليس بحجة و يسمى الاستصحاب هنا" الأصل المثبت"، و مثاله كما مر في الحلقة السابقة لو نذر شخص أن يتصدق إذا نبتت لحية ولده، و كان له ولد ثم فقده، فمع الشك في حياة الولد يمكن استصحاب بقائه حيا، و لكن إذا أراد أن يثبت نبات لحيته فإن نبات اللحية لازم عقلي لا شرعي لبقائه حيا، و اللازم العقلي ليس بحجة.

الرد الثاني: إن موضوع الحجية و الأثر الشرعي هو ظهور كلام الشارع في معنى معيَّن، فظهور المشتق في الأعم هو الحجة، و استصحاب عدم‏

ملاحظة التلبس يثبت عدم ملاحظة التلبس فقط و لا يثبت أن المشتق ظاهر في الأعم من المتلبس و المنقضي عنه التلبس، و ظهور اللفظ في معنى معيَّن مسبب تكويني حقيقي خارجي عن الوضع، فالوضع سبب للظهور، و لا يمكن إثبات الظهور بإجراء الاستصحاب في المعنى المتصور من قبل الواضع عند الوضع لأن الواضع حين الوضع لم يلاحظ التلبس الفعلي قيدا في المعنى الذي تصوره و وضع اللفظ له.

الوجه الثاني: إن الشجرة إذا كانت مثمرة ثم جفت فنشك أن عنوان" المثمرة" صادق على الشجرة المثمرة بعد جفافها فنستصحب بقاء العنوان، و إذا ثبت عنوان" المثمرة" عليها فيجري حكم كراهة قضاء الحاجة تحتها، فمع ثبوت العنوان يثبت الحكم.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثاني:

صحيح أن استصحاب بقاء عنوان" المثمرة" على الشجرة المثمرة بعد جفافها ليس من الأصل المثبت لأنه لا يراد به إثبات اللازم العقلي و هو أن المشتق موضوع للأعم، بل يراد إثبات نتيجة الوضع للأعم و هو اللازم الشرعي و هو الحكم بالكراهة، و هذا لا إشكال فيه، فهنا لا يَرِد إشكال" الأصل المثبت".

184

و لكن يرد إشكال آخر هو" الاستصحاب في الشبهة المفهومية"، و هذا الاستصحاب لا يجري كما سيأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء الله تعالى، فلا يمكن تعيين نتيجة وضع المشتق للأعم فقهيا و النتيجة هي الحكم بالكراهة بإجراء استصحاب بقاء صدق المشتق بعد الانقضاء لترتيب أثره الشرعي و هو الكراهة في مورد الشك لأنه من الاستصحاب في الشبهة المفهومية، و الشبهة المفهومية هي الشبهة الناشئة من شمول المفهوم و عدم شموله للفرد المشكوك، فهنا يوجد شك بأن المشتق‏

كمفهوم" مثمرة" يشمل الشجرة المثمرة بعد جفافها أو لا يشملها، و استصحاب بقاء عنوان" المثمرة" استصحاب في الشبهة المفهومية، و هذا الاستصحاب لا يجري.

سؤال: هل يوجد طريق آخر لإثبات الحكم بكراهة قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة بعد جفافها؟

الجواب: نعم يوجد طريق آخر هو الرجوع إلى الأصول العملية الأخرى الجارية في الأثر الشرعي و هو الحكم المشكوك ابتداءً بإجراء الاستصحاب في الكراهة مباشرة من دون المرور بإثبات وضع المشتق للأعم، فيمكن هنا استصحاب نفس الحكم بالكراهة حيث كان يكره قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة، و الآن بعد جفافها نشك أن الحكم بالكراهة باق أم لا، فيوجد يقين سابق و شك لاحق فنستصحب بقاء الحكم، و هذا الاستصحاب يسمى" الاستصحاب الحكمي" لأنه استصحاب نفس الحكم.

أما الاستصحاب في الشكلين السابقين أي الاستصحاب الذي يكون أصلا مثبتا و الاستصحاب في الشبهة المفهومية فإنهما يسميان" الاستصحاب الموضوعي" لأنه بإجرائه يراد إحراز الموضوع و هو وضع المشتق للأعم أو صدق عنوان" المثمرة" بعد الجفاف، و الاستصحاب الموضوعي لا يجري بخلاف الاستصحاب الحكمي فإنه يجري.

185

المعاني الحرفية

تعريف المعنى الحرفي:

المعنى الحرفي في علم الأصول هو الذي لا يمكن أن يلحظ إلا ضمن لحاظ طرفي النسبة، و كل نسبة متقومة بطرفيها، و يشمل المعنى الحرفي:

1- النسبة المدلولة للحروف: كما في" السير إلى مكة" حيث إن" إلى" تدل على النسبة بين السير و مكة.

2- النسبة المدلولة لهيئات الكلمات: كما في هيئة الفعل مثل" ضَرَبَ" و" يَضْرِبُ" و" اضْرِبْ" فإنها على صيغة" فَعَلَ" و" يَفْعِلُ" و" افْعِلْ" حيث تدل على النسبة بين مادة الفعل و الفاعل، و هيئة المشتق الدالة على نسبة المبدأ إلى الذات فالمشتق موضوع للذات المنتسب إليها المبدأ أو المتلبسة بالمبدإ.

3- النسبة المدلولة لهيئات الجمل الناقصة: كما في النسبة الوصفية مثل" مكة المكرمة"، أو نسبة الإضافة مثل" كتاب زيد".

4- النسبة المدلولة لهيئات الجمل التامة: و تشمل:

أ- هيئة الجملة الخبرية: كما في" السير إلى مكة المكرمة واجب" حيث تدل على النسبة بين السير و واجب، و في" زيد عالم" حيث تدل على النسبة بين زيد و عالم.

ب- هيئة الجملة الإنشائية: كما في" صَلِّ" و" صُمْ".

186

اتجاهان في تحديد المعنى الحرفي:

إن الحرف بلا شك يختلف عن الاسم الموازي و المناظر له لأنهما ليسا مترادفين حيث لا يصح وضع أحدهما محل الآخر في الجملة، ففي قولنا:" سرت (من) البصرة" لا يصح أن نقول:" سرت (ابتداء) البصرة".

و هنا يأتي‏ السؤال التالي‏: ما هو الفرق بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي؟

الجواب: يوجد في تحديد المعنى الحرفي اتجاهان:

الاتجاه الأول لصاحب الكفاية (قدس سره):

معنى الحرف هو نفس معنى الاسم الموازي له ذاتا و ماهية و حقيقة و سنخا و نوعا و كل هذه الكلمات بمعنى واحد حيث يوجد اتحاد بين المعنيين بالذات، فذات المعنى الحرفي و ذات المعنى الاسمي واحدة، و الاختلاف بينهما واقع بالعَرَض، و منشأ الاختلاف بينهما هو الاختلاف في كيفية اللحاظ.

مثال: كلمة" مِنْ" و كلمة" الابتداء" تدلان على مفهوم و معنى واحد هو مفهوم" الابتداء"، فمفهوم" الابتداء" وضع له لفظان:" من" و" الابتداء"، فهما مترادفان من حيث المفهوم مثل" الأسد" و" الحيوان المفترس"، و لكن كلمة" من" وضعت للمفهوم إذا لوحظ باللحاظ الآلي، و كلمة" ابتداء" وضعت للمفهوم إذا لوحظ باللحاظ الاستقلالي.

أنحاء وجود المفهوم:

إن المفهوم له نحوان من الوجود:

1- الوجود الخارجي: إذا لوحظ المفهوم من حيث وجوده الخارجي المصداقي أي بالحمل الشائع فهو دائما يتقوَّم بطرفين: المبتدِئ كالسير، و المبتدَأ منه كالبصرة في قولنا:" السير من البصرة"، فلا يمكن وقوع‏

187

ابتداء في الخارج إلا و هو قائم و مرتبط بهذين الطرفين و لا يمكن أن يكون مستقلا.

2- الوجود الذهني: إذا لوحظ المفهوم من حيث وجوده الذهني فله نحوان من الوجود:

أ- على نحو اللحاظ الاستقلالي: يلحظ المفهوم من حيث هُوَ هُوَ مستقلا عن الطرفين و غير متقوِّم بهما، و كلمة" ابتداء" وضعت لمفهوم" الابتداء" بهذا اللحاظ، فكلمة" ابتداء" تدل على المعنى ملحوظا

باللحاظ الاستقلالي، فنحن نستطيع أن نتصور مفهوم كلمة" ابتداء" من دون الحاجة إلى تصور السير و البصرة، و من باب التنظير إذا أردت شراء مرآة فإنك تنظر إلى نفس المرآة و إلى نوعها و بروازها و تغفل عن النظر إلى صورتك و لا تلتفت إليها.

ب- على نحو اللحاظ الآلي: يلحظ المفهوم من حيث هو حالة قائمة بين الطرفين مطابقا لواقعه الخارجي، و كلمة" مِنْ" وضعت لمفهوم" الابتداء" بهذا اللحاظ، فكلمة" من" تدل على المعنى ملحوظا باللحاظ الآلي، فإنه ضمن تصورنا للمجموع نتصور الابتداء المتقوِّم بالسير و البصرة، و من باب التنظير إذا أردت أن تنظر إلى صورتك في المرآة فإنك لا تلاحظ نفس المرآة و نوعها بل تريدها آلة و وسيلة للنظر إلى صورتك، فتكون المرآة آلة لغيرها.

النتيجة: الفارق بين مدلولي الكلمتين" الابتداء" و" مِنْ" في كيفية اللحاظ مع وحدة ذات المعنى الملحوظ فيهما، فالابتداء غير المتقوِّم بطرفين و الذي يفهم بشكل مستقل يسمى الابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي، و قد وضع له كلمة" ابتداء"، و أما الابتداء المتقوِّم بطرفين فيسمى الابتداء الملحوظ باللحاظ الآلي، و قد وضع له كلمة" مِنْ".

188

سؤال: اللحاظ الاستقلالي و اللحاظ الآلي قيد لأي شي‏ء؟

بعبارة أخرى: هل كلمة" ابتداء" موضوعة لمفهوم" الابتداء" المقيَّد باللحاظ الاستقلالي، و كلمة" من" موضوعة لمفهوم" الابتداء" المقيَّد باللحاظ الآلي بحيث يكون اللحاظ جزءا من المعنى؟

الجواب: يوجد هنا أربعة أشياء:

1- اللفظ و هو الموضوع.

2- المعنى و هو الموضوع له.

3- العلقة الوضعية القائمة بين اللفظ و المعنى.

4- المعنى المستعمَل فيه.

إن اللحاظ الاستقلالي و الآلي ليس مقوِّما و قيدا للمعنى الموضوع له أو المعنى المستعمل فيه و جزءا فيهما لأن ذلك يجعل المعنى أمرا ذهنيا غير قابل للانطباق على الخارج لأن اللحاظ أمر ذهني، و المقيَّد بالأمر الذهني ذهني، و يلزم من ذلك عدم إمكان الامتثال لأن الامتثال أمر خارجي و ليس ذهنيا، و هذا دليل على أن المعنى ليس ذهنيا.

و من باب التنظير إذا قيَّدت الإنسان بالكلي فلا يكون قابلا للتطبيق على الخارج لأن الكلي موجود في الذهن، و ما يوجد في الخارج هو أفراد الكلي كمحمد و علي، و بذلك يظهر أن المعنى الموضوع له هو مفهوم" الابتداء" فقط من دون تقييده باللحاظ.

و إنما يؤخذ اللحاظ قيدا في نفس الوضع و العلقة الوضعية المجعولة من قبل الواضع، فاستعمال كلمة" مِنْ" في مفهوم" الابتداء" حالة اللحاظ الاستقلالي و استعمال كلمة" ابتداء" في مفهوم" الابتداء" حالة اللحاظ الآلي أي استعمال كلمة" مِنْ" مكان كلمة" ابتداء" في الجملة و بالعكس استعمال في معنى بلا وضع فيكون اللفظ مهمَلا لأن الوضع مقيَّد باللحاظ الآلي أو الاستقلالي لا أن الكلمة موضوعة ل" المعنى المقيَّد

189

باللحاظ"، و لا يكون الاستعمال في تلك الحالة استعمالا مجازيا في غير ما وُضِع له.

و من باب التنظير لو وضع الأب لابنه في النهار اسم" محمد" و في الليل اسم" علي" فإن المعنى الموضوع له واحد و هو ذات الولد من دون أخذ قيدي النهار و الليل فيه، فهما قيدان في الوضع، فوضع كلمة" محمد" مقيَّد بالنهار، و وضع كلمة" علي" مقيَّد بالليل لا أن الكلمة موضوعة للذات المقيَّدة بالنهار أو الذات المقيَّدة بالليل، فإذا استعمل الأب‏

اسم" محمد" في الليل فإنه استعمله في معنى بلا وضع لا أنه استعمله استعمالا مجازيا في غير ما وُضِعَ له.

الاتجاه الثاني للمشهور بعد صاحب الكفاية (قدس سرهم):

معنى الحرف و معنى الاسم الموازي له مختلفان بالذات لا في كيفية اللحاظ فقط، فذات المعنى الحرفي مختلفة عن ذات المعنى الاسمي، و الاختلاف في كيفية اللحاظ من قِبَل الذهن ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين، فالاختلاف بينهما ليس في اللحاظ فقط بل في الذات و اللحاظ، و الاختلاف في اللحاظ ناتج من الاختلاف في الذات كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.

رد الشهيد (قدس سره) على الاتجاه الأول:

يمكن إقامة البرهان على التباين السنخي الذاتي الماهوي بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي، فذات المعنى الاسمي تختلف عن ذات المعنى الحرفي و ليس الاختلاف في كيفية اللحاظ فقط، و هذا البرهان يبطل الاتجاه الأول و يصحّح الاتجاه الثاني إجمالا، و سيأتي تفصيل الاتجاه الثاني إن شاء الله تعالى، و البرهان كالتالي:

190

1- بما أن الصورة الذهنية لجملة" سار زيد من البصرة إلى الكوفة" صورة ذهنية مترابطة أي أنها تشتمل على معانٍ مرتبطة بعضها ببعض بخلاف ما إذا سمعنا هذه الكلمات بصورة متفرقة عن بعضها البعض، كما إذا قلنا:" السير، زيد، البصرة، الكوفة"، فإن الصورة الذهنية لكل كلمة لا تكون مرتبطة بالكلمة الأخرى.

2- إذن لا بد من وجود معانٍ رابطة في الصورة الذهنية للجملة السابقة لإيجاد الربط بين الكلمات المذكورة.

3- هذه المعاني الرابطة بين الكلمات إن لم تكن صفة الربط ذاتية لها بل كانت عَرَضِيَّة لها و طارئة عليها أي تكون معان لها صفة الربط فلا بد أن تكون هذه الصفة مستمدة من غيرها لأنه توجد قاعدة فلسفية تقول:" كل ما بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات، و إذا لم ينته إلى ما بالذات لزم التسلسل"، فمثلا الأكل إذا كان حارا فإن حرارته ليست ذاتية له، و إذا لم تكن ذاتية له فلا بد من وجود علة للحرارة، فنأتي إلى القدر فنجد أنها حارة و نعلم أن الحرارة ليست ذاتية له، و إذا لم تكن ذاتية له فلا بد من وجود علة لها، و نعلم أن حرارة القدر آتية من النار تحتها، و الحرارة ذاتية للنار، فكل ما كان بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما هو بالذات.

4- و بهذا ننتهي إلى معان يكون الربط ذاتيا لها لا أنها معان لها صفة الربط و تكون صفة الربط عرضية لها، فالمعاني الرابطة تنتهي إلى معان يكون الربط ذاتيا لها و لا يمكن تصورها مجردة عن طرفيها.

5- بما أن المعنى الاسمي لا يكون الربط ذاتيا له لأن ما كان الربط ذاتيا و مقوِّما له و عين حقيقته بالحمل الشائع لا يمكن تصوره مجردا عن طرفيه، و المفهوم الاسمي قابل لتصوره مجردا عن ضميمة أي شي‏ء آخر إليه.

191

6- إذن بعد استثناء الأسماء لا يبقى للربط إلا الحروف، و الحروف معانٍ تكون نفس الربط و عين الربط و حقيقة الربط بالحمل الشائع، و تكون هي الدالة على الربط بين الكلمات التي تكون على نحو المعنى الاسمي.

النتيجة النهائية: معاني الأسماء تختلف في ذاتها عن معاني الحروف، فالمعنى الاسمي مستقل، و المعنى الحرفي رابط و هو عين الربط لا أنه شي‏ء له صفة الربط.

ملاحظات:

1- نفس مفهوم" النسبة" و مفهوم" الربط" المدلول عليهما بكلمتي" النسبة" و" الربط" ليسا من المعاني الحرفية، بل من المعاني الاسمية بالحمل الأولي لأنه يمكن تصورهما بدون أطراف و مجردين عن غيرهما، و هذا يعني أنهما ليسا نسبة و ربطا في الحقيقة أي بالحمل الشائع و إن كانا نسبة و ربطا بالحمل الأولي لأنه معنى اسمي يحتاج إلى الربط، و الحرف لا يدل على مفهوم" النسبة" و مفهوم" الربط" و إنما هو واقع و مصداق النسبة و الربط، فالمعنى الحرفي نسبة و ربط بالحمل الشائع لأن مصاديق الربط هي" مِنْ" و" على" و" إلى"، فإن" مِنْ" مثلا ربط بالحمل الشائع أي أنه مصداق حقيقي للربط، كما تقول:" زيد إنسان"، أي" زيد" مصداق حقيقي للإنسان بالحمل الشائع.

2- الشي‏ء يصدق على نفسه و يحمل على نفسه بالحمل الأولي أي يكون مصداقا لمفهوم نفسه لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، و سلبه عن نفسه مستحيل، و لكن قد لا يصدق على نفسه و لا يحمل على نفسه بالحمل الشائع أي لا يكون مصداقا لمفهوم نفسه، كالجزئي فإن" الجزئي جزئي بالحمل الأولي" فمن حيث المفهوم و الصورة الذهنية له صورة واحدة، و لكن" الجزئي كلي بالحمل الشائع" لأنه يصدق على كثيرين، فمن حيث‏

192

المصاديق الجزئي له مصاديق كثيرة فمحمد جزئي و هذا الكتاب جزئي و مكة المكرمة جزئي، ففي عالم الخارج مفهوم" الجزئي" ليس جزئيا بل هو كلي يصدق على كثيرين فيكون مصداقا للكلي لا للجزئي، و لكن بالنسبة للكلي فإن" الكلي كلي بالحمل الأولي" لأن مفهوم" الكلي" هو عين مفهوم" الكلي"، و" الكلي كلي بالحمل الشائع" لأنه يصدق على كثيرين مثل كلي الإنسان و كلي الحصان و كلي الغزال.

و في مقامنا مفهوم" النسبة" نسبة بالحمل الأولي، و ليس نسبة بالحمل الشائع لأنه معنى اسمي لا يربط بين المعاني بل يحتاج إلى ما يربطه بالمعاني الأخرى.

3- الحمل الأولي و الحمل الشائع هنا قيدان للمحمول لا للموضوع، لذلك يأتيان بعد المحمول، فإن" الجزئي جزئي بالحمل الأولي" لأن مفهوم" الجزئي" في عالم المفاهيم هو عين مفهوم" الجزئي"، و" الجزئي ليس جزئيا بالحمل الشائع" لأنه يصدق على كثيرين، و هذا كما يقال:" الإنسان إنسان بالحمل الأولي"، و" الإنسان ليس إنسانا بالحمل الشائع" أي ليس مصداقا للإنسان لأن محمدا و عليا و حسنا و حسينا هم مصاديق الإنسان، و لو كان الحمل الأولي و الحمل الشائع قيدين للموضوع لجعلناهما بعد الموضوع و قلنا:" الجزئي بالحمل الأولي كلي"، و" الجزئي بالحمل الشائع جزئي".

الفرق بين الحمل الأولي و الحمل الشائع:

توجد هنا صورتان للحمل الأولي و الحمل الشائع هما:

الصورة الأولى: الحمل الأولي و الحمل الشائع قيدان للحمل:

الحمل الأولي الذاتي يدل على الاتحاد المفهومي بين الموضوع و المحمول، فهما يمثّلان مفهوما واحدا، و يمكن أن يُعَبَّر عن الحمل الأولي‏

193

بالحمل المفهومي، أما الحمل الشائع الصناعي فيدل على الاتحاد الوجودي المصداقي بينهما، و يمكن أن يُعَبَّر عن الحمل الشائع بالحمل الخارجي.

مثال: عند ما يقال:" زيد قائم" فليس المقصود أن مفهوم" زيد" هو مفهوم" قائم" حيث لا يوجد اتحاد في المفهوم و الصورة الذهنية لأن المفهومين مختلفان عن بعضهما البعض، و إنما يوجد اتحاد في المصداق و الواقع الخارجي لأن مصداق" زيد" متحد مع مصداق" قائم".

و في مقامنا مفهوم" الربط" ربط بالحمل الأولي من حيث الصورة الذهنية، فمفهوم" الربط" في عالم المفاهيم هو عين مفهوم" الربط" لأن كل مفهوم في عالم المفاهيم يصدق على نفسه و إلا يلزم سلب الشي‏ء عن نفسه، فكل شي‏ء هُوَ هُوَ في عالم المفاهيم و يصدق على نفسه، و لكن مفهوم" الربط" ليس ربطا بالحمل الشائع من حيث المصداق و الواقع الخارجي لأن مفهوم" الربط" ليس مصداقا للربط لأنه معنى اسمي لا يربط بين الكلمات في الجمل، هذا كله إذا كان الحمل الأولي و الحمل الشائع قيدين للحمل، و في مقامنا الحمل الأولي و الحمل الشائع كانا بهذه الصورة.

الصورة الثانية: الحمل الأولي و الحمل الشائع قيدان للموضوع:

و هناك حمل أولي و حمل شايع يكونان قيدين للموضوع لا للحمل، فالموضوع قد يلحظ بالحمل الأولي أو بالحمل الشائع.

مثال: في قولنا" الفعل لا يخبر عنه" قد يقال كيف تقولون إن الفعل لا يُخبر عنه مع أنه وقع مبتدأ له خبر، و الخبر هو قولكم" لا يخبر عنه" فإنه جملة وقع خبرا للفعل؟

الجواب: إن المقصود من" الفعل" في الجملة هو مصداق الفعل و واقعه أي الفعل بالحمل الشائع و لا يقصد مفهوم" الفعل" الذي هو مفهوم اسمي أي الفعل بالحمل الأولي لأن مفهوم" الفعل" يُخبر عنه، و لكن مصداق الفعل لا يخبر عنه.

194

تفصيل الاتجاه الثاني:

يقع التفصيل في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: إيجادية المعاني الحرفية و كون الحروف موضوعة لواقع و مصداق" النسبة" لا لمفهوم" النسبة":

حينما نواجه نارا في هذا الموقد الموجود أمامنا ينتزع الذهن عدة مفاهيم:

1- مفهوم" النار".

2- مفهوم" الموقد".

3- مفهوم ثالث هو مفهوم" النسبة الخاصة القائمة بين المفهومين السابقين" أو مفهوم" الربط الخاص بينهما" أو مفهوم" العلاقة الخاصة بينهما".

سؤال: ما هو الغرض من إحضار مفهومي" النار" و" الموقد" في الذهن؟

الجواب: إن الغرض من إحضار هذين المفهومين في الذهن هو جعلهما وسيلة لإحضار النار الخارجية و الموقد الخارجي للتمكن من الحكم على النار الخارجية بأنها في الموقد الخارجي، و ليس الغرض إيجاد خصائص حقيقة النار في الذهن، و يكفي لهذا الغرض أن يكون الحاصل في الذهن نارا بالنظر التصوري و بالحمل الأولي، و قد تقدم سابقا في بحث القضايا الحقيقية و الخارجية أن تصور النار باللحاظ التصوري الأولي كاف في إصدار الحكم على الخارج، فالنار بالنظر التصوري الأولي عين الخارج، فهذه الصورة الذهنية هي عين الخارج بالنظرة الأولى غير الدقيقة، لذلك نستعملها كوسيلة لإحضار النار الخارجية لنحكم عليها بأنها في الموقد الخارجي و بأنها حارة حيث نقول:" النار حارة"، و أما بالنظر التصديقي الثانوي الدقيق فهي صورة ذهنية لا تعبّر عن الخارج، فلا يصح أن نقول:" النار حارة" لأنها صورة ذهنية و الصورة الذهنية لا تكون حارة و لا باردة.

195

سؤال: ما هو الغرض من إحضار المفهوم الثالث؟

الجواب: إن الغرض من إحضار مفهوم" النسبة" و" الربط" الذي هو بإزاء النسبة الخارجية و الربط المخصوص بين هذه النار و هذا الموقد هو الحصول على حقيقة النسبة و عين الربط بالحمل الشائع لكي يحصل الارتباط حقيقة بين مفهوم" النار" و مفهوم" الموقد" في الذهن، فلا يكفي أن يكون المفهومُ المنتزَع بإزاء النسبة نسبةً بالنظر التصوري و بالحمل‏

الأولي أي مفهوم" النسبة" لأنه لا يتم الربط بين المفاهيم ذهنا بواسطة مفهوم" النسبة" لأنه معنى اسمي، و المعنى الاسمي لا يربط بين المفاهيم بل نحتاج إلى معنى حرفي يربط بينها، فلا بد أن يكون المفهوم نسبة بالحمل الشائع و النظر التصديقي، و لا بد أن نوجِد مصداقا حقيقيا للربط في الذهن لا باللحاظ التصوري الأولي حيث لا يكفي أن يوجد في الذهن تصور و مفهوم عن علاقة و نسبة الظرفية لأن المفهوم معنى اسمي لا حرفي، بل لا بد أن يكون هذا المفهوم معبِّرا عن الربط الخارجي على نحو المعنى الحرفي حتى يمكن أن نحصل على الربط بين مفهوم" النار" و مفهوم" الموقد".

الفرق بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي:

المعنى الاسمي: هو سنخ مفهوم يحصل الغرض من إحضاره في الذهن بأن يكون عين حقيقته بالنظر التصوري الأولي، فهو يدل على معنى هو عين الخارج بالنظر الأولي غير الدقيق، و هو غير الخارج بالنظر التصديقي الدقيق و الفاحص.

المعنى الحرفي: هو سنخ مفهوم يحصل الغرض من إحضاره في الذهن بأن يكون عين حقيقته بالنظر التصديقي الثانوي الدقيق الفاحص، فهو يدل على معنى هو عين الربط الخارجي حقيقة.

196

إيجادية المعاني الحرفية:

إن معنى إيجادية المعنى الحرفي هو كون المعنى الحرفي عين حقيقة نفسه و ذاته وجودا أي يُوجد في الذهن مصداقا حقيقيا لمعناه الذي هو النسبة و الربط لا مجرد عنوان و مفهوم و معنى اسمي يُرِي حقيقة نفسه و هو الربط الخارجي تصوّرا و بنظرة غير فاحصة، و يغايرها أي الحقيقة تصديقا و بنظرة فاحصة، فإن لم تأت المعاني الحرفية في الذهن‏

بوجودها و حقيقتها فلا يمكن أن يتحقق الغرض المقصود من المعنى الحرفي و هو الربط بين المعاني الاسمية، و على هذا تُحْمَل إيجادية المعاني الحرفية التي قال بها المحقق النائيني‏ (قدس سره) لا على ما تقدم في الحلقة السابقة من أن معنى إيجادية المعنى الحرفي هو إيجاد الربط الكلامي أي إيجاد الربط بين لفظي" النار" و" الموقد" حين التلفظ بهما من دون أن يكون معنى الحرف ثابتا في الذهن قبل التلفظ به، فالحرف لا يوجد له معنى في التصور الذهني و لكن يوجِد ربطا في عالم الكلام فقط، و هو بخلاف المعنى الاسمي الذي هو إخطاري بمعنى أن له دورا في إخطار المعنى الموجود في ذهن المتكلم و نقله إلى ذهن السامع، فالمعاني الاسمية لها معان قبل الاستعمال و تخطر هذه المعاني في ذهن السامع، أما المعاني الحرفية فتظهر معانيها بنفس الاستعمال فتكون إيجادية، فمعناها يوجد في رتبة الاستعمال و الربط الكلامي.

و قد رد الشهيد (قدس سره) على هذا المعنى من إيجادية المعاني الحرفية في الحلقة الثانية بأنه واضح البطلان و أن المعنى الحرفي له معنى في ذهن المتكلم قبل مرحلة الاستعمال و الكلام كالمعنى الاسمي لا أن المعنى يوجد في مرحلة التكلم، و قال إنه يمكن إعطاء معنى آخر لإيجادية المعنى الحرفي و سيأتي في الحلقة الثالثة، و بيَّنه هنا الآن كما مر قبل قليل بأن الحرف يدل على معنى هو عين الخارج حقيقة بالنظرة التصديقية الفاحصة.

197

المرحلة الثانية: عدم وجود جامع ذاتي بين المعاني الحرفية:

إن تكثّر و تعدد النوع الواحد من النسبة كنسبة الظرفية مثلا يُعْقَل فقط مع اختلاف و تغاير الطرفين، فكل مصداق للنسبة و الربط لو قيس إلى المصداق الآخر نجد أن ذات كل مصداق مختلفة عن ذات الآخر، و لا يوجد بين الذاتين شي‏ء مشترك حتى يكون بينهما جامعا ذاتيا، فالنار و الموقد طرفان للنسبة، و الكتاب و الحقيبة طرفان آخران للنسبة، و الطرفان في‏

المثال الأول يختلفان عن الطرفين في المثال الثاني، و بذلك تكثر النسبة و تتعدد بتكثر و تعدد أطرافها.

إن اختلاف و تغاير طرفي النسبة يكون على أحد نحوين:

1- تغاير الطرفين من حيث الذات و الحقيقة: كما في نسبة النار إلى الموقد، و نسبة الكتاب إلى الرف، و نسبة العصفور إلى القفص، فكل نسبة تختلف اختلافا ذاتيا حقيقيا عن الآخر.

2- تغاير الطرفين من حيث الموطن: كما في نسبة الظرفية بين النار و الموقد فإنها لا تختلف اختلافا ذاتيا و لكن تختلف موطنا، فإن النسبة في الخارج تختلف عن النسبة في ذهن المتكلم، و النسبة في ذهن المتكلم تختلف عن النسبة في ذهن السامع الأول، و النسبة في ذهن السامع الأول تختلف عن النسبة في ذهن السامع الثاني، و النسبة في ذهن السامع الثاني تختلف عن النسبة في ذهن السامع الثالث، و هكذا تختلف النسبة من حيث الموطن و المكان.

و كلما تكثّرت النسبة بالحمل الشائع لا بالحمل الأولي في عالم المفاهيم لأن المفهوم لا يتغير على أحد هذين النحوين استحال انتزاع جامع ذاتي حقيقي بين مصاديق النسبة لأن الوجودات مختلفة بالحمل الشائع حيث يوجد بينها تباين تام، و المقصود من الذاتي هنا الذاتي في باب الكليات‏

198

الخمسة لا الذاتي في كتاب البرهان ( (42) 1)، فلا يوجد بين مصاديق النسبة

الظرفية مثلا جامع ذاتي حقيقي ماهوي كما هو الحال بين الإنسان و الحجر حيث لا يوجد جامع مشترك بينهما بخلاف الإنسان و الفرس حيث يوجد بينهما ماهية مشتركة تشكِّل جامعا ذاتيا بينهما و هي الحيوانية، لذلك فإن النسبة في قولنا:" النار في الموقد"، و النسبة في قولنا:" الكتاب في الحقيبة" بينهما تباين تام و ليسا مصداقين لحقيقة واحدة.

الدليل على عدم وجود الجامع الذاتي بين المعاني الحرفية:

إن الدليل على أن المعنى الحرفي لا يشتمل على جامع ذاتي يتكون من ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: الجامع بين الأفراد له قسمان:

أ- الجامع الذاتي الحقيقي: و هو الأمر المقوِّم للأفراد الداخل في حقيقتها أي حقيقة الأفراد و تُحْفَظ فيه كل المقوِّمات الذاتية للأفراد، و المطلوب في مقامنا هو الجامع الذاتي.

مثال: الإنسان جامع ذاتي بالنسبة إلى محمد و علي.

ب- الجامع العَرَضِي: و هو الأمر الخارج عن حقيقة الأفراد غير المقوِّم لها و لا تُحْفَظ فيه كل المقوِّمات الذاتية للأفراد.

____________

(42) (1) إن مصطلح" الذاتي" له عدة معان، منها:

أ- الذاتي في كتاب الكليات الخمسة: هو المحمول الذي تتقوّم ذات الموضوع به غير خارج عنها، و الذاتي يعم النوع و الجنس و الفصل، و يقابله العَرَضِي و هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع لاحقا له بعد تقوّمه بجميع ذاتيّاته، كالضاحك اللاحق للإنسان، و الماشي اللاحق للحيوان.

ب- الذاتي في كتاب البرهان في باب الحمل و العروض: و هو لازم الماهية كالزوجية لماهية الأربعة، و الإمكان لماهية الإنسان، و يقابله الغريب.

199

مثال: الأبيض جامع عَرَضِي بالنسبة إلى زيد و خالد، و الأبيض بالنسبة إلى زيد و الجدار و الورقة و الثلج.

النقطة الثانية: إن انتزاع الجامع الذاتي بين الأفراد يكون عن طريق حفظ ما به الاشتراك و إلغاء ما به الامتياز و الافتراق بينهم كالطول و الوزن مثلا، فتحفظ الجهة المشتركة و تُلْغَى جهات الامتياز بينهم.

مثال: للحصول على الجامع الذاتي بين محمد و علي نلغي الفوارق بينهما و هي المشخصات الفردية كالطول و الوزن، و نأخذ الجهة الذاتية المشتركة بينهما و هي الإنسانية، فتكون الإنسانية هي الجامع الذاتي بينهما.

النقطة الثالثة: من أجل الحصول على الجامع الذاتي بين النسب نقول:

إن كل نسبة من النسب الظرفية مثلا تفترق و تمتاز عن النسبة الأخرى بطرفيها، فكل نسبة بالحمل الشائع تكون متقوِّمة ذاتا و حقيقة و وجودا بطرفيها أي أنها في مرتبة ذاتها لا يمكن تعقلها و تصورها بصورة مستقلة عن طرفيها، فلو كان يمكن تعقلها و تصورها بصورة مستقلة لم تكن نسبة و ربطا في هذه المرتبة، فإذا ألغينا الطرفين لا تبقى جهة مشتركة لتكون الجامع الذاتي، ففي مثل" النار في الموقد" لو حذفنا المُشَخِّصات و هي النار و الموقد فلا يبقى شي‏ء حتى ننتزع منه جامعا، و لا يوجد بين النسب اشتراك لأن الاشتراك يوجد بين الأشياء الموجودة بنفسها لا بغيرها، فانتزاع الجامع بين النسب الظرفية مثلا يتوقف على إلغاء ما به الامتياز بينها، و ما به الامتياز هو نفس الطرفين لكل نسبة، فإذا ألغينا ما به الامتياز بينها نكون قد ألغينا المقوِّمات الذاتية لها، و لا يبقى شي‏ء بعد إلغاء المقومات الذاتية للنسبة لأن كل نسبة متقوِّمة ذاتا بطرفيها، و بالتالي لا يتكون عندنا جامع ذاتي حقيقي.

النتيجة: لا يوجد جامع ذاتي بين النسب، و الدليل السابق برهان على التغاير الماهوي الذاتي و التباين التام بين أفراد النسبة الظرفية، فكل نسبة تباين‏

200

النسبة الأخرى من حيث الذات، و مع وجود التباين التام بين أفراد النسبة الواحدة لا يوجد بينها ماهية مشتركة حتى تشكِّل جامعا ذاتيا بينها، نعم‏

يوجد بين أفراد النسبة الظرفية جامع عَرَضِي على نحو المعنى الاسمي هو مفهوم" النسبة الظرفية".

ملاحظة: قول‏ الشهيد (قدس سره)" الماهوي" تسامح في التعبير لأن النسبة ليس لها ماهية حتى تكون متغايرة.

المرحلة الثالثة: الحروف موضوعة بالوضع العام و الموضوع له الخاص:

سؤال: ما معنى الوضع العام و الموضوع له الخاص؟

الجواب: معنى ذلك أن الواضع يتصور عنوانا عاما مشيرا إلى أفراده و يضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال ذلك العنوان.

التوضيح: يمكن انتزاع جامع ذاتي بين المعاني الاسمية، و يوضع لهذا الجامع الذاتي لفظا، فيكون الوضع عاما و الموضوع له عاما حيث يتصور الواضع معنى كليا عاما كالإنسان و يضع اللفظ بإزاء هذا المعنى الكلي العام، و رأي‏ صاحب الكفاية (قدس سره) هو أن الحروف موضوعة بالوضع العام و الموضوع له العام، و يمكن ذلك لوجود الجامع الذاتي بين أفراد النسبة، فيوضع اللفظ لهذا الجامع الذاتي كما هو الحال في زيد و بكر و عمرو فإنه يوجد بينهم جامع ذاتي، و يوضع لهذا الجامع الذاتي لفظ" الإنسان".

و خلافا لرأي‏ صاحب الكفاية (قدس سره) فإن المحققين أثبتوا أنه لا يوجد جامع ذاتي بين النسب ليوضع الحرف له، فلا بد من وضع الحرف لكل نسبة بخصوصها، و لكن النسب كثيرة، لذلك يؤتى بجامع عنواني عَرَضِي اسمي مشير إلى مصاديق و أفراد تلك النسبة، و يوضع الحرف للفرد الملحوظ من خلال العنوان، فيكون الوضع عاما

201

و الموضوع له خاصا حيث يتصور الواضع عنوانا عاما مشيرا إلى الفرد و يضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال العنوان، فيكون اللفظ موضوعا

لمصاديق النسبة أي للنسبة بالحمل الشائع، أي موضوعا لما هو المرئي من الجامع العرضي لأن العنوان يَعْكِس و يُرِي مصاديق النسبة.

مثال: لو أراد الواضع أن يضع لفظة" في" للنسبة الظرفية فإنه لا يمكن أن يضعه للجامع الذاتي لاستحالة الجامع الذاتي، و إذا أراد وضعه للجامع العرضي الاسمي فيكون" في" اسما لا حرفا، لذلك فإنه يجعل اللفظ للمصاديق غير المحصورة، فهو يتصور الجامع العرضي الذي هو مفهوم اسمي و لكنه يضع اللفظ لمصاديق تلك النسبة، فيكون الوضع عاما لأننا تصورنا معنى عاما هو مفهوم" النسبة الظرفية"، و الموضوع له خاصا لأننا وضعنا كلمة" في" بإزاء المصاديق.

سؤال: ما هو المراد من كون المعنى الحرفي خاصا؟

الجواب: ليس المراد بالخاص هنا الجزئي بالمعنى المنطقي، و كلامنا في المقام يدور حول الجزئي و هو هنا المتشخص في الخارج و مصداق الجزئي و هو الذي لا يقبل الصدق على كثيرين، و ليس الكلام في مقامنا في مفهوم" الجزئي" الذي هو كلي بالحمل الأولي، فلا يقصد من الخاص مصداق الجزئي لأن النسبة كثيرا ما تقبل الصدق على كثيرين تبعا لكلية طرفيها مثل" الإنسان في خسر"، فالإنسان كلي و الخسر كلي، بل معنى الخاص أن الحرف موضوع لكل نسبة بما لها من خصوصية الطرفين، فجزئية المعنى الحرفي جزئية بلحاظ الطرفين لا بلحاظ الانطباق على الخارج، بعبارة أخرى: الجزئية تعني تَقَوُّم كل نسبة بطرفيها المغايرين لطرفي النسبة الأخرى، فالنسبة في قولنا" النار في الموقد" جزئية بمعنى أنها تختلف عن النسبة في قولنا" الكتاب في الحقيبة"، فكل نسبة متقوِّمة بطرفيها اللذين يختلفان عن طرفي النسبة الأخرى.

202

هيئات الجمل‏

مرّ سابقا أن الحروف موضوعة للنسبة على اختلاف أنواعها كالظرفية و الاستعلائية و الابتدائية و غيرها، و كذلك هيئات الجمل تدل على النسبة، فهيئة جملة" زيدٌ قائمٌ" تدل على نسبة القيام لزيد.

أقسام هيئة الجملة:

إن هيئات الجمل على قسمين هما:

1- هيئة الجملة الناقصة: هي موضوعة لنسبة ناقصة لا يصح السكوت عليها، كما في المضاف و المضاف إليه مثل" قيامُ زيدٍ"، و في الموصوف و الصفة مثل" زيدٌ القائمُ".

2- هيئة الجملة التامة: هي موضوعة لنسبة تامة يصح السكوت عليها، مثل" زيدٌ قائمٌ".

رأي السيد الخوئي‏ (قدس سره):

خالف‏ السيد الخوئي‏ (قدس سره) ما سبق من وضع هيئة الجملة التامة و الناقصة لأنه فسّر الوضع بالتعهد ( (43) 1) دون الاعتبار ( (44) 2) و القرن الأكيد ( (45) 3)، فتكون الدلالة الوضعية على رأيه تصديقية دائما، لذلك ذهب إلى ما يلي:

1- هيئة الجملة الناقصة: هي موضوعة للمدلول التصديقي الأول، فتدل على قصد المتكلم إخطار المعنى، فيكون المدلول التصديقي الأول و هو قصد الإخطار ناشئا من الوضع.

____________

(43) أي أن المتكلم يتعهَّد بأن لا يأتي باللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى، و لازم التعهد أن يكون اللفظ دالا على القصد لأن التعهد هو قصد المعنى عند الإتيان باللفظ، فيكون قصد المعنى مأخوذا ضمن الوضع، فيكون الوضع هو تعهّد من الواضع‏

(44) أي تخصيص الواضع هذا اللفظ لهذا المعنى، فيكون الوضع نوع اعتبار يجعله الواضع‏

(45) (3) أي القرن المخصوص بين تصور اللفظ و تصور المعنى بنحو أكيد لكي يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن، فيكون الوضع هو القرن الأكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى‏