دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
203

2- هيئة الجملة التامة: هي موضوعة للمدلول التصديقي الثاني، فتدل على قصد المتكلم الحكاية و الإخبار عن المعنى في الجملة الخبرية، و على قصد المتكلم الطلب و جعل الحكم أو قصد التمني أو الترجّي أو الاستفهام و غيرها في الجملة الإنشائية، فيكون المدلول التصديقي الثاني و هو قصد الإخبار ناشئا من الوضع.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو رأي المشهور من أن الوضع لا يدل على المدلول التصديقي أي القصد، بل يدل على المدلول التصوري دائما في الكلمات الإفرادية و في الجمل، فالجمل التامة و الناقصة تدل بالوضع على النسبة دلالة تصورية، و الدلالة التصورية ناشئة من الوضع، و أما الدلالتان التصديقيتان الأولى و الثانية فهما سياقيتان ناشئتان من الظهور الحالي السياقي أي ظهور حال المتكلم و لا علاقة لهما بالدلالة الوضعية التصورية، فإن الشخص إذا تكلم فإن ظاهر حاله أنه أَوَّلا يقصد إخطار المعنى، و هذا هو المدلول التصديقي الأول، و ثانيا يقصد إخطار المعنى بشكل جِدِّيّ و لا يكون هازلا مثلا، و هذا هو المدلول التصديقي الثاني.

الجملة التامة و الجملة الناقصة

لا شك في وجود الفرق في المعنى الموضوع له بين الجملة الناقصة مثل" المفيدُ العالِمُ" و الجملة التامة مثل" المفيدُ عالِمٌ"، و نشعر بهذا الفرق بالوجدان.

رأي السيد الخوئي‏ (قدس سره):

ذهب السيد الخوئي‏ (قدس سره) إلى أن المعنى الموضوع له في الجملتين التامة و الناقصة هو المدلول التصديقي و هو القصد، و ميَّز بينهما على أساس اختلاف المدلول التصديقي كما مرّ قبل قليل حيث قال بأن‏

204

هيئة الجملة الناقصة موضوعة للمدلول التصديقي الأول و هو قصد الإخطار، و هيئة الجملة التامة موضوعة للمدلول التصديقي الثاني و هو قصد الإخبار.

وجود الفرق في المدلول التصوري بين الجملتين الناقصة و التامة:

و أما بناء على ما هو الصحيح من عدم كون المدلول التصديقي هو المعنى الموضوع له في الجملتين الناقصة و التامة و أن الموضوع له فيهما هو المدلول التصوري و هو خطور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ، فنحن بين أحد أمرين:

الأمر الأول: عدم وجود فرق بين الجملتين الناقصة و التامة في مرحلة المدلول التصوري، فكلتا الجملتين موضوعة لنسبة العلم للمفيد، فلا يوجد فرق بينهما في المعنى الموضوع له و هو النسبة، و إنما الفرق بينهما يكون في مرحلة المدلول التصديقي أي في القصد، ففي الجملة الناقصة يوجد قصد الإخطار في ذهن السامع عن ثبوت العلم للمفيد، و في الجملة التامة يوجد قصد الإخبار عن ثبوت العلم للمفيد.

الأمر الثاني: وجود فرق بين الجملتين الناقصة و التامة في مرحلة المدلول التصوري أي في المعنى الموضوع له.

رأي الشهيد (قدس سره) في الأمرين:

بطلان الأمر الأول:

الأمر الأول باطل لأن المدلول التصوري إذا كان واحدا و كانت النسبة التي تدل عليها الجملة التامة هي نفس النسبة التي تدل عليها الجملة الناقصة فلا بد أن تكون النتيجة هي عدم امتياز الجملة التامة على الجملة الناقصة بمدلول تصديقي ثان و هو قصد الإخبار و الحكاية، و يأتي هنا هذا التساؤل: لما ذا لا يصح أن نقصد الإخبار بالجملة الناقصة إذا كانت الجملتان تدلان على نفس المدلول التصوري؟، فعدم صحة قصد الإخبار بالجملة الناقصة

205

و عدم صحة قصد الإخطار بالجملة التامة دليل على أن المعنى الموضوع له في الجملة التامة يختلف عن المعنى الموضوع له في الجملة الناقصة.

توضيح الأمر الثاني:

إن المدلول التصوري أي المعنى الموضوع له في هيئة الجملة سواء الناقصة أم التامة هو النسبة، و هنا لا بد من افتراض نحوين من النسبة بحيث تتحقق بهما التمامية و النقصان، فهيئة الجملة الناقصة موضوعة لنسبة ناقصة، و هيئة الجملة التامة موضوعة لنسبة تامة.

سؤال: أين موقع نشوء التمامية و النقصان في النسبة؟

الجواب: إن التمامية و النقصان من شئون النسبة في عالم الذهن لا في عالم الخارج، و لا تكونان من شئون عالم الخارج لأن النسبة في الخارج تكون دائما تامة لأنها تقع بين طرفين.

مثال:" المفيد" و" عالم" تكون النسبة بينهما تامة إذا جعلناهما مبتدأ و خبرا و كانا مستقِلَّيْن عن بعضهما البعض، فتصير الجملة:" المفيدُ عالِمٌ"، و تكون النسبة ناقصة إذا لم يكونا مستقلين بحيث نجعلهما موصوفا و صفة، فتصير الجملة" المفيدُ العالِمُ"، و جعل" المفيد" تارة مبتدأ و تارة أخرى موصوفا أمر ذهني لا خارجي لأن حال" المفيد" في الخارج لا يتغير، فاتصاف المفيد بالعلم في الخارج يكون بشكل واحد لا يختلف في الجملتين، و مع كون الجملة في الذهن متكوِّنة من طرفين هما المبتدأ و الخبر تصير النسبة في الذهن ظاهرة فتكون تامة، أما مع كون الجملة في الذهن متكوّنة من شي‏ء واحد حقيقة كالموصوف و الصفة أو المضاف و المضاف إليه تكون النسبة مستترة فتكون ناقصة.

إن التمامية و النقصان في النسبة في الذهن تكونان كالتالي:

1- النسبة التامة: تكون النسبة في الذهن تامة إذا كانت غير اندماجية بحيث تأتي إلى الذهن و توجد فيه بما هي نسبة فعلا، و هذا يتطلب‏

206

أن يكون لها طرفان متغايران في الذهن إذ لا توجد نسبة بدون طرفين، ففي مثل" المفيدُ عالمٌ" يوجد طرفان و نسبة غير اندماجية بينهما، فكل طرف يكون مستقلا عن الطرف الآخر، فيلاحظ الذهن الطرفين بما هما طرفان و يلاحظ أيضا النسبة بينهما، فالنسبة تكون ثابتة في الذهن ثبوتا ظاهرا، و بذلك تكون تمامية النسبة ناشئة من لحاظ الذهن أحد الطرفين مستقلا عن الآخر بحيث لا يوجد اندماج بينهما، و إذا وُجِد طرفان مستقلان فلا بد أن توجد نسبة ظاهرة بينهما.

2- النسبة الناقصة: تكون النسبة في الذهن ناقصة إذا كانت اندماجية بحيث يدمج الذهن أحد الطرفين بالآخر و يُكَوِّن منهما مفهوما واحدا و حصة خاصة إذ لا توجد نسبةٌ حقيقةً في عالم الذهن الظاهر، و إنما توجد نسبة مستترة تحتاج إلى تحليل، ففي مثل" المفيدُ العالمُ" يندمج الطرفان و يتكوَّن منهما مفهوم واحد، و توجد بينهما نسبة مستترة نستخرجها بواسطة تحليل الجملة، فنفس النسبة لا تأتي إلى الذهن لأن الطرفين لوحظا كشي‏ء واحد لا شيئين، و النسبة تكون متفرعة على وجود شيئين، و الجملة تنحل عن طريق التحليل إلى طرفين و نسبة بينهما، فالنسبة تكون ثابتة في الذهن و لكن ثبوتا مستترا، و تحتاج إلى التحليل حتى نصل إليها و نستخرجها، و بذلك يكون نقصان النسبة ناشئا من لحاظ الذهن أحد الطرفين غير مستقل عن الطرف الآخر بحيث يوجد اندماج بينهما، و إذا وُجِد اندماج بينهما كانا كشي‏ء واحد، و الشي‏ء الواحد لا توجد فيه نسبة، و لكن الذهن يحلِّله إلى طرفين و نسبة، و هذه النسبة لا تكون ظاهرة بل مستترة.

النتيجة:

أ- الحروف و هيئات الجمل الناقصة موضوعة لنسب اندماجية تحليلية، فالذهن يدمج بين الطرفين و يكوِّن منهما مفهوما واحدا، و لا توجد نسبة ظاهرة بينهما بل توجد نسبة مستترة نصل إليها عن طريق التحليل.

207

ب- هيئات الجمل التامة موضوعة لنسب غير اندماجية، و يأتي الطرفان إلى الذهن بدون اندماج، و تأتي النسبة أيضا إلى الذهن بما هي نسبة فعلا.

الجملة الخبرية و الجملة الإنشائية

إن الجملة التامة تنقسم إلى: الجملة الخبرية و الجملة الإنشائية، و الجملة الخبرية و الجملة الإنشائية تختلفان بلا شك حتى مع اتحاد لفظيهما كما في" بِعْتُ" الخبرية و" بِعْتُ" الإنشائية، فضلا عن اختلاف لفظيهما كما في" أَعادَ" الخبرية و" أَعِدْ" الإنشائية.

اتجاهات في تفسير الاختلاف بين" بِعْتُ" الخبرية و" بِعْتُ" الإنشائية:

الاتجاه الأول لصاحب الكفاية (قدس سره):

إن‏ الجملتين متحدتان في مدلولهما الوضعي التصوري، فكلتاهما موضوعة للنسبة بين البيع و البائع، و لكنهما مختلفتان في المدلول التصديقي و هو القصد، فالجملة الإنشائية يقصد بها إيجاد البيع، و الجملة الخبرية يقصد بها الإخبار عن تحقّق البيع.

رد الشهيد (قدس سره) على الاتجاه الأول:

مرّ في الحلقة الأولى أنه لو سلَّمنا بأن هذا الفرق يتم في مورد اتحاد اللفظ كما في" بِعْتُ" فإنه لا يتم في مورد اختلاف اللفظ كما في" أعادَ" و" أَعِدْ" لأننا نشعر بالفرق بينهما بالوجدان حتى مع قطع النظر عن القصد.

الاتجاه الثاني:

الاختلاف بين الجملتين ثابت في مرحلة المدلول التصوري، و لكن الاختلاف بينهما ليس في ذات المدلول التصوري لأن ذات المدلول التصوري فيهما واحدة، و لكن الاختلاف واقع في كيفية الدلالة على المعنى‏

208

التصوري، فكل من الجملتين موضوعة لذات المدلول التصوري و هو التمليك، و لكن" بِعْتُ" الإنشائية موضوعة للدلالة على إيجاد التمليك، و" بِعْتُ" الخبرية موضوعة للدلالة على الإخبار عن التمليك و الحكاية و الكشف عنه و إبرازه.

إيجادية الجمل الإنشائية: كما ادعي في الحروف أنها إيجادية بمعنى أنها توجِد الربط كما في" سِرْتُ مِنَ البصرة" فإنها توجِد الربط بين السير و البصرة، كذلك يُدَّعَى في الجمل الإنشائية أنها إيجادية، فمثل" بِعْتُ" الإنشائية توجِد التمليك.

سؤال: هل هناك فرق بين إيجادية الحرف و إيجادية الجملة الإنشائية؟

الجواب: نعم، فإيجادية الحرف بمعنى كون الحرف موجِداً للربط في مرحلة الكلام، و يكون الموجَد حالة قائمة بنفس الكلام و هي الربط، و إيجادية الجملة الإنشائية بمعنى كون" بِعْتُ" موجِدة للتمليك بواسطة الكلام، و يكون الموجَد أمرا اعتباريا مسبَّبا عن الكلام و هو التمليك.

رد الشهيد (قدس سره) على الاتجاه الثاني:

قيل إن الجملة الإنشائية تدل على إيجاد مدلولها بواسطة اللفظ و أن جملة" بِعْتُ" تدل على إيجاد التمليك فيأتي السؤال التالي:

ما هو المراد من التمليك الذي وضعت كلمة" بِعْتُ" الإنشائية لإيجاده؟

الجواب: إن التمليك اعتبار تشريعي قانوني، و هو إما أن يصدر من البائع و إما من العقلاء و إما من الشارع، و لنناقش هذه الاحتمالات الثلاثة:

الاحتمال الأول: المراد من التمليك الذي يصدر من البائع هو اعتبار البائع الملكية في قلبه بعد أن يقول" بِعْتُ"، فالتمليك هو الاعتبار القلبي للملكية عند البائع.

209

رد الشهيد (قدس سره) على الاحتمال الأول: لا يصح وضع كلمة" بِعْتُ" الإنشائية لإيجاد التمليك بمعنى الاعتبار القلبي للملكية عند البائع لأن التمليك بهذا المعنى يأتي في مرتبة سابقة على الكلام حيث إن البائع يبرز بالكلام الاعتبار القائم في نفسه، فإن الألفاظ تكشف عن المعاني الموجودة في النفس، و ليس الكلام موجِدا لهذا الاعتبار القلبي في نفسه لأن الألفاظ لا توجِد المعاني في النفس، بل العكس هو الصحيح لأن المعاني الموجودة في النفس تولّد الألفاظ على اللسان، فاللسان يعبِّر بواسطة الألفاظ عن المعاني المخزونة في القلب و يبرز هذه المعاني و يكشف عنها.

الاحتمال الثاني: المراد من التمليك الذي يصدر من الشارع هو اعتبار الشارع الملكية بعد صدور كلمة" بِعْتُ" من البائع، فالتمليك هو الاعتبار الشرعي للملكية.

الاحتمال الثالث: المراد من التمليك الذي يصدر من العقلاء هو اعتبار العقلاء الملكية بعد صدور كلمة" بِعْتُ" من البائع، فالتمليك هو الاعتبار العقلائي للملكية.

رد الشهيد (قدس سره) على الاحتمالين الثاني و الثالث: لا يصح وضع كلمة" بِعْتُ" الإنشائية لإيجاد التمليك بمعنى اعتبار الشارع الملكية أو اعتبار العقلاء الملكية لأن التمليك بهذين المعنيين يترتب على الكلام إذا اسْتُعْمِل في مدلوله التصوري و هو المعنى الموضوع له، و كَشَفَ عن مدلوله التصديقي و هو القصد بواسطة الظهور الحالي السياقي بأن يقصد المعنى بشكل جِدِّي، فلو أطلق الكلام بدون قصد المعنى و المدلول التصوري أو كان هازلا غير قاصد للمدلول التصديقي لم يترتب عليه الأثر، فترتب الأثر يننتج عن استعمال" بِعْتُ" في معناها و ليس هو نفس معنى" بِعْتُ".

210

الاتجاه الثالث للشهيد (قدس سره):

إن الجملتين مختلفتان في ذات المدلول التصوري حتى في حالة اتحاد لفظيهما و دلالتهما على نسبة واحدة بين البيع و البائع فضلا عن اختلاف لفظيهما، فالجملة الخبرية موضوعة لنسبة تامة منظورا إليها بما هي حقيقة واقعة و شي‏ء متحقِّق و مفروغ عنه، و الجملة الإنشائية موضوعة لنسبة تامة منظورا إليها بما هي نسبة يراد إيجادها و تحقيقها.

إيجادية الجملة الإنشائية عند الشهيد (قدس سره): إن إيجادية الجملة الإنشائية ليست بمعنى أن استعمالها في معناها إيجاد للمعنى باللفظ مثل إيجاد التمليك بكلمة" بِعْتُ" كما تم الرد عليه قبل قليل، بل بمعنى أن النسبة المُبْرَزَة بالجملة الإنشائية هي نسبة منظور إليها بما هي في طريق الإنجاز و الإيجاد و التحقّق لا بما هي ناجزة و متحقِّقة، فتكون كلمة" بِعْتُ" الإنشائية إيجادية بمعنى أنها نسبة بين البيع و البائع يراد إيجادها و تحقيقها.

ثمرة البحث: هل المعنى الحرفي يقبل الإطلاق و التقييد أم لا؟

قد يقال: إن من ثمرات هذا البحث أن المعنى الحرفي بالمعنى الأصولي أي الشامل للحروف و الهيئات غير قابل للإطلاق و التقييد، فلا يمكن تقييده بقرينة خاصة و لا إثبات إطلاقه بقرينة الحكمة العامة بناء على أنه موضوع بالوضع العام و الموضوع له الخاص، و هذا يعني أن المعنى الحرفي خاص و جزئي حقيقي و المعلوم أن التقييد و الإطلاق من شئون المفهوم العام الكلي القابل للتحصيص بحصص مختلفة.

النتيجة: يترتب على ما سبق أن القيد إذا كان راجعا في ظاهر الكلام إلى مفاد الهيئة التي هي معنى حرفي فلا بد من تأويل هذا القيد بإرجاعه إلى مفاد المادة لأن تقييد المعنى الحرفي مستحيل، كما في الجملة

211

الشرطية فإن ظاهرها كون الشرط قيدا لمدلول هيئة الجزاء و الحكم لا لمدلول مادة الجزاء و متعلق الحكم.

مثال 1: الجملة الشرطية:" إن زالت الشمس فصَلِّ" ظاهرها بالظهور الأولي العرفي أن الشرط أي الزوال قيد لمدلول هيئة الأمر في الجزاء أي وجوب الصلاة الملحوظ بنحو المعنى الحرفي أي النسبة الوجوبية و ليس قيدا لمدلول مادة الأمر و هو الصلاة، و حيث إن هيئة الجزاء موضوعة لمعنى حرفي و هو جزئي فيستحيل تقييده، فلا بد من تأويل الظهور المذكور، لذلك لا بد من إرجاع الشرط إلى مادة الأمر و متعلَّق الوجوب أي الواجب و هو الصلاة و لا يرجع إلى الوجوب نفسه، فنرجع القيد إلى المادة لا الهيئة، فيكون المعنى: الصلاة المقيَّدة بالزوال واجبة، و ليس المعنى: وجوب الصلاة مقيَّد بالزوال، و الثمرة المترتبة على قيد الوجوب و قيد الواجب هي أن قيد الوجوب إذا انتفى ينتفي الوجوب، و أما قيد الواجب إذا انتفى فلا ينتفي الوجوب، لذلك يكون وجوب الصلاة مطلقا غير مقيَّد و فعليا قبل الزوال أيضا، و متعلَّق الوجوب أي الواجب يكون مقيَّدا بالزوال و معلَّقا عليه على نحو" الواجب المعلَّق" الذي تقدم في الحلقة السابقة حيث يكون الوجوب فيه فعليا و الواجب معلَّقا، فيجب على المكلف صلاة الظهر من الآن إلى آخر عمره لأن الوجوب ليس مشروطا بالزوال، و لكن الواجب و هو صلاة الظهر مشروط بالزوال.

مثال 2: الجملة الشرطية" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ" ظاهرها أن القيد يرجع إلى مدلول هيئة الأمر و هو الوجوب الملحوظ بنحو المعنى الحرفي أي النسبة الوجوبية، و لا يرجع إلى مدلول مادة الأمر و هو الإكرام، فيكون الوجوب مشروطا، و هذا مستحيل لأن المعنى الحرفي غير قابل للإطلاق و التقييد، لذلك لا بد من إرجاع الشرط إلى مادة الأمر و متعلق الوجوب و هو الواجب لا إلى الوجوب نفسه، فيكون الوجوب مطلقا غير مقيَّد،

212

و لكن متعلّق الوجوب يكون مقيَّدا بزمان المجي‏ء على نحو الواجب المعلَّق، فيكون المعنى: الإكرام مقيَّد بالمجي‏ء، و ليس المعنى: وجوب الإكرام مقيَّد بالمجي‏ء، لذلك فإن الوجوب يحصل قبل المجي‏ء أيضا لأنه ليس مقيَّدا به، و لكن الواجب يحصل عند المجي‏ء لأنه مقيَّد به.

أمثلة لبيان الواجب المعلَّق:

مثال الواجب المعلَّق في الحج أن وجوب الحج يكون عند الاستطاعة حتى لو حصلت قبل ذي الحجة مع أن الواجب يكون في ذي الحجة، و مثاله في شهر رمضان أنه يجب الاغتسال قبل دخول الفجر مع أن الواجب يحصل مع دخول الفجر، و مثاله في الصلاة إذا كان لديك ماء فبناء على القول بالواجب المعلَّق لا تجوز إراقته قبل الزوال لأن الوجوب فعلي قبل الزوال أيضا، و أما إذا قلنا بأن الزوال قيد للوجوب فتجوز إراقة الماء قبل الزوال و التيمم بعد الزوال لأن الوجوب لا يكون فعليا إلا بعد الزوال.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح أن كون المعنى الحرفي خاصا و جزئيا لا يقصد به الجزئي بالمعنى المنطقي أي" ما لا يقبل الصدق على كثيرين" لكي يستحيل فيه الإطلاق و التقييد، بل هو قابل لهما تبعا لقابلية طرفيه، و إنما هو جزئي بلحاظ خصوصية طرفيه بمعنى أن كل نسبة مرهونة بطرفيها و لا يمكن الحفاظ على نفس النسبة مع تغيير طرفيها، فالنسبة في الجملة الأولى تختلف عن النسبة في الجملة الثانية، و تختلف النسبتان عن النسبة في الجملة الثالثة، و تختلف النسب الثلاث عن النسبة في الجملة الرابعة و هكذا، فالنسبة في قولنا" النار في الموقد" متقوِّمة بالنار و الموقد، و هي تختلف عن النسبة في قولنا" الكتاب في الحقيبة" حيث إنها متقوِّمة بالكتاب و الحقيبة.

213

الأمر أو أدوات الطلب‏

أقسام الدال على الطلب:

1- الدال على الطلب بلا عناية:

يدل على الطلب مباشرة و بلا حاجة إلى إعمال عناية لأنه موضوع للدلالة على الطلب، و له قسمان هما:

أ- مادة الأمر:

الكلمة التي فيها مادة الأمر هي ما تكون مشتملة على الحروف الثلاثة (أ م ر) و تدل على الأمر.

مثال: آمُرُكَ بالصلاة، أو أنت مأمورٌ بالصلاة.

ب- صيغة الأمر:

الكلمة التي فيها صيغة الأمر هي ما تكون مشتملة على وزن من الأوزان التي وضعت في اللغة العربية للدلالة على الأمر مثل وزن" افْعَلْ".

مثال: صَلِّ، صُمْ، خَمِّسْ مالك.

2- الدال على الطلب بعناية:

لا يدل على الطلب مباشرة بل يحتاج إلى إعمال عناية خاصة لأنه ليس موضوعا للدلالة على الطلب، كالجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب و الإنشاء، فالجملة الخبرية موضوعة للإخبار لا للطلب، و لكنها تدل على الطلب بإعمال عناية، كما إذا ورد في رواية عن المعصوم (عليه السلام)

214

جملة خبرية، فإن هذه الجملة تدل على الإخبار و هو ما يحتمل الصدق و الكذب، و لكن المعصوم (عليه السلام) لا يريد منها الإخبار، بل يريد منها الطلب و الإنشاء و هو ما لا يحتمل الصدق و الكذب، و لكي تدل على الطلب و الإنشاء فإنها تحتاج إلى إعمال عناية خاصة، فما يحتمل الصدق و الكذب نريد أن نفهم منه ما لا يحتمل الصدق و الكذب، و هذا بحاجة إلى عناية.

مثال: عن محمد بن مسلم قال: سألت‏ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شي‏ء. قال: يغتسل و يعيد الصلاة إلا أن يكون بال قبل أن يغتسل فإنه لا يعيد غسله ( (46) 1).

و عن ابن مسكان قال: بعثت بمسألة إلى‏ أبي عبد الله‏ (عليه السلام) مع إبراهيم بن ميمون قلت: تسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي و يذكر بعد ذلك أنه لم يغسلها. قال: يغسلها و يعيد صلاته‏ ( (47) 2).

و عن عبيد بن زرارة قال: سألت‏ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبِّر حتى افتتح الصلاة. قال: يعيد الصلاة ( (48) 3).

هذه الجمل الخبرية الثلاث و هي" يغتسل و يعيد الصلاة" و" يغسلها و يعيد صلاته" و" يعيد الصلاة" لا يريد منها المعصوم (عليه السلام) الإخبار بل يريد منها الطلب و الإنشاء أي" اغْتَسِلْ و أَعِدِ الصلاةَ" و" اغْسِلْها و أَعِدِ الصلاةَ" و" أَعِدِ الصلاةَ"، و لكي تدل على الطلب و الإنشاء تحتاج إلى إعمال عناية خاصة، و سيأتي توضيح هذه العناية من‏ الشهيد (قدس سره) فيما بعد إن شاء الله تعالى.

____________

(46) (1) الوسائل ج 1 ص 518 باب 36 ح 6.

(47) (2) المصدر السابق ج 2 ص 1064 باب 42 ح 4

(48) (3) المصدر السابق ج 4 ص 716 باب 2 ح 3.

215

القسم الأول ما يدل على الطلب بلا عناية

معنى الطلب لغة: السعي نحو المقصود، فمن يفقد شيئا فإنه يحاول أن يجده و يسعى للحصول عليه ليأخذه، و هذا السعي يسمى طلبا.

أنواع الطلب:

1- الطلب التكويني: هو السعي المباشر من قِبَلِ نفس الشخص نحو المقصود و الغرض دون تخلّل إرادة أجنبي بين الشخص و بين المقصود، كتحرك العطشان نحو الماء، فإن العطشان يتحرك بنفسه إلى تحصيل الماء و لا توجد إرادة أجنبي بين العطشان و بين مقصوده لتحصيل الماء.

2- الطلب التشريعي: هو السعي بتكليف الغير و تحريكه نحو مقصود الآمر، كسعي العبد إلى أداء عمل معيَّن بتكليف و تحريك سيّده و مولاه.

سؤال: هل مادة الأمر و صيغة الأمر تدلان على الطلب؟

الجواب: نعم تدلان على الطلب كما في الشرح التالي:

1- مادة الأمر: تدل بمفهومها الاسمي مباشرة دون توسيط أي واسطة على الطلب و لكن على طلب خاص هو خصوص الطلب التشريعي من العالي إلى الداني إما حقيقة و إما ادعاءً على نحو المجاز العقلي عند السكاكي كاعتبار الرجل الشجاع فردا من أفراد الأسد، نعم من‏

216

المساوي إلى المساوي و من الداني إلى العالي يسمى طلبا و لكن لا يسمى أمرا، فالأول يسمى التماسا و الثاني يسمى دعاءً، و أما الطلب التكويني فليس مدلولا لمادة الأمر.

2- صيغة الأمر: تدل على الطلب من جهتين:

أ- صيغة الأمر تدل على الطلب بشكل غير مباشر بتوسيط واسطة لأن مفاد صيغة الأمر هو النسبة الإرسالية أي النسبة بين المرسَل و المرسَل إليه كما في" صَلِّ" فإن هيئتها تدل على النسبة بين المكلف و الصلاة، و ينتزع الذهن من الإرسال بمفهومه الحرفي مفهوم الطلب التشريعي من العالي إلى الداني لأن الإرسال سعي نحو المقصود من قِبَلِ المُرْسِل فتنشأ نسبة بين الطالب و المطلوب و يكون الطلب مدلولا التزاميا للإرسال، فتكون هيئة الأمر تبعا لدلالة الهيئة تصورا و وضعا على منشأ الانتزاع و هو النسبة الإرسالية دالة على الطلب بالدلالة الوضعية التصورية لأن الدال على منشأ الانتزاع دال على العنوان الانتزاعي.

ب- صيغة الأمر نفسها بلحاظ صدورها من قِبَلِ المولى بداعي تحصيل المقصود تكون مصداقا حقيقيا لمفهوم الطلب الذي هو السعي نحو المقصود لأن المولى يسعى أيضا نحو مقصوده.

سؤال: هل الأمر مادة و هيئة يدل على مطلق الطلب أو على خصوص الطلب الوجوبي؟ و ما هو الدليل على ذلك؟

الجواب: اتفق المحصّلون من الأصوليين تقريبا على أن الأمر مادة و هيئة يدل على خصوص الطلب الوجوبي لا على مطلق الطلب بحكم التبادر و بناء العرف العام على كون الطلب الصادر من المولى بلسان الأمر مادة أو هيئة طلبا على نحو الوجوب، و لكن اختلفوا في تفسير منشأ هذه الدلالة و سبب هذا التبادر: هل هو الوضع أو العقل أو الإطلاق بقرينة الحكمة؟

217

الأقوال في تفسير منشأ دلالة الأمر على الوجوب:

القول الأول: منشأ دلالة الأمر على الوجوب هو الوضع:

مادة الأمر موضوعة للدلالة على الطلب الوجوبي، و صيغة الأمر موضوعة للدلالة على النسبة الإرسالية الوجوبية، و الدليل على ذلك هو التبادر مع إبطال الأقوال الأخرى.

القول الثاني للمحقق النائيني‏ (قدس سره): منشأ دلالة الأمر على الوجوب هو حكم العقل:

نعم إن الأمر يدل على الوجوب و لكن الوجوب ليس مدلولا للفظ، بل مدلول اللفظ هو مطلق الطلب على نحو المعنى الاسمي أو الحرفي بدليل التبادر، و كل طلب من المولى إذا لم يقترن بالترخيص في المخالفة فإن العقل يحكم بوجوب امتثاله، و بهذا اللحاظ يتّصف بالوجوب، فيكون الوجوب حكما عقليا و ليس مدلولا وضعيا، و أما إذا اقترن بالترخيص في المخالفة فإن العقل لا يحكم بوجوب موافقته، و بهذا اللحاظ يتّصف بالاستحباب.

رد الشهيد (قدس سره) على القول الثاني:

الرد الأول: إن (الطلب+ عدم الترخيص في الترك) لا يكفي لأن يكون موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال و لا يكون سببا لهذا الحكم، فقد يصدر الطلب غير مقترن بالترخيص و مع ذلك لا يحكم العقل بالوجوب، كأن يطّلع المكلف بدون صدور ترخيص من المولى على أن الطلب نشأ من ملاك ضعيف غير لزومي فهنا لا يحكم العقل بلزوم الامتثال، إذن فالوجوب العقلي موضوعه شدة و قوة ملاك الطلب، و هذه المرتبة من الملاك لا كاشف عنها إلا الدليل اللفظي، و إذا كشف عنها يتنقّح موضوع الوجوب العقلي، فإن العرف يفهم من أمر المولى أن الملاك شديد و إذا فهم أن الملاك شديد حكم العقل بالوجوب.

218

بعبارة أخرى: إن حكم العقل بلزوم الامتثال ليس دائرا مدار ورود الترخيص و عدم وروده، فقد لا يرد ترخيص و لكن مع هذا لا يحكم العقل بوجوب الامتثال لأن صدور الطلب من دون ترخيص ليس هو سبب حكم العقل بالوجوب، و إنما حكم العقل بالوجوب يدور مدار شدة الملاك و عدمها، و شدة الملاك و عدم شدتها تعرف من نفس لفظ الأمر، فقد يدل اللفظ على الاستحباب حتى مع عدم ورود الترخيص، فلفظ الأمر له المدخلية الكاملة في استفادة الوجوب إذا فهم منه شدة الملاك، و ليس (الطلب+ عدم الترخيص في الترك) هو سبب حكم العقل بالوجوب.

الرد الثاني: إذا بنينا على أن اللفظ بنفسه يدل وضعا مادة أو هيئة على الوجوب و ورد دليل عام أو مطلق يدل على الترخيص مثل عدم وجوب الدعاء مطلقا، و ورد أمر بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فالعرف و الأصوليون بما فيهم‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره) يقولون بالتخصيص أو التقييد فيلتزمون بالوجوب و يخصِّصون الدليل الأول العام بالدليل الثاني الخاص أو يقيِّدون الدليل الأول المطلق بالدليل الثاني المقيِّد فتكون النتيجة أنه" لا يجب الدعاء إلا عند رؤية الهلال" فيجب الدعاء عند رؤية الهلال، و أما بناء على‏ القول الثاني‏ فلا يقال بالتخصيص أو التقييد و لا يحكم العقل ب" وجوب الدعاء عند رؤية الهلال" بسبب ورود الترخيص في الدليل الأول العام أو المطلق و بذلك تنتفي الدلالة على الوجوب، و لا يوجد تعارض و لو بنحو غير مستقر بين الأمر و العام مثلا حتى نقول بتقديم الأمر لأنه أخص حيث إن الأمر لا يدل على الوجوب بسبب ورود الترخيص، فلازم‏ القول الثاني‏ أن يبنى على عدم الوجوب فيما إذا اقترن بالأمر عام أو مطلق يدل على الإباحة و الترخيص في عنوان يشمل بعمومه أو بإطلاقه مورد الأمر، فيكون الدليل العام رافعا لموضوع حكم العقل بلزوم الامتثال لأن الدليل العام ترخيص وارد من الشارع، و حكم‏

219

العقل بالوجوب معلَّق على عدم ورود الترخيص من المولى و قد ورد الترخيص، و تكون نتيجة القول الثاني‏ منافية للارتكاز العرفي و بناء الفقهاء بما فيهم‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره) على التخصيص أو التقييد في مثل هذه الحالة.

الرد الثالث: قيل إن العقل يحكم بلزوم الامتثال معلَّقا على عدم ورود الترخيص من الشارع فيرد السؤال التالي: ما معنى عدم ورود الترخيص في الترك؟

الجواب: توجد في معنى عدم ورود الترخيص ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول:

أن يراد عدم ورود الترخيص على نحو القرينة المتصلة، فيحكم العقل بلزوم الامتثال إذا لم يرد ترخيص متصل، و إذا ورد ترخيص متصل فإن العقل لا يحكم بوجوب الامتثال.

رد الاحتمال الأول: معنى ذلك أنه إذا صدر أمر و لم يتصل به ترخيص تحقق موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال، و هذا لازمه أنه إذا ورد بعد ذلك ترخيص على نحو القرينة المنفصلة فإنه يكون منافيا لحكم العقل بالوجوب فيرفضه العقل و يمتنع الترخيص و لا يفيد الاستحباب بل يقدَّم عليه حكم العقل بالوجوب، و هذا باطل لأن الفقهاء بما فيهم‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره) يقدِّمون الترخيص و لو كان على نحو القرينة المنفصلة و يقولون بالاستحباب و عدم الوجوب.

الاحتمال الثاني:

أن يراد عدم صدور الترخيص واقعا مطلقا سواء كان على نحو القرينة المتصلة أم المنفصلة، فإذا لم يصدر الترخيص واقعا سواء على نحو متصل أم منفصل فإن العقل يحكم بالوجوب، و إذا صدر ترخيص متصل أو منفصل فإن العقل لا يحكم بالوجوب.

220

رد الاحتمال الثاني: هذا لازمه أن العقل لا يحكم بالوجوب عند الشك في الترخيص المنفصل و احتمال صدوره لأنه من الممكن أن يكون قد صدر الترخيص و لكنه لم يصلنا، و لا يحكم بالوجوب لأن الوجوب من نتائج حكم العقل بلزوم الامتثال و هو معلَّق بحسب الفرض على عدم صدور الترخيص و لو منفصلا، و مع الشك في الصدور يشك في الوجوب، و هذا باطل لأن الفقهاء و منهم‏ المحقق النائيني‏ (قدس سره) في حالة الشك بصدور الترخيص المنفصل يحكمون بالوجوب.

الاحتمال الثالث:

أن يراد عدم علم المكلف بالترخيص و عدم يقينه به و عدم إحرازه له و عدم وصول المكلف إليه، فلو صدر الطلب و لم يعلم المكلف بالترخيص فالعقل يحكم بالوجوب، و هنا إذا احتمل المكلف صدور الترخيص فإنه يصدق عليه أنه لا يعلم بالترخيص، و مع عدم علمه بالترخيص يحكم العقل بالوجوب.

رد الاحتمال الثالث: هذا الاحتمال خارج عن محل الكلام لأن محل البحث هو في الوجوب الواقعي في عالم الثبوت و محاولة معرفة النكتة في تبادر الوجوب الواقعي من الأمر هل هي الوضع أو العقل أو غيرهما، و الوجوب الواقعي يشترك فيه العالم و الجاهل، و ليس محل البحث هو في المنجزية، و من الواضح أن الوجوب الواقعي لا يدور مدار العلم و عدم العلم، و إنما الذي يدور مدار العلم و عدمه هو المنجزية لأنها تعني تنجّز الوجوب عقلا عند عدم العلم بالترخيص، و عدم تنجّزه عند العلم بالترخيص، فالمنجزية تعني تنجّز الحكم عقلا و لا تعني وجوب الحكم عقلا، و هنا عند الشك في الترخيص يتنجّز الوجوب و إن لم يكن واجبا واقعا، فكلامنا ليس في تنجز الوجوب بل في منشأ إدراكنا للوجوب.

النتيجة: بطلان الاحتمالات الثلاثة لازمه بطلان‏ القول الثاني‏.

221

القول الثالث: منشأ دلالة الأمر على الوجوب هو الإطلاق بقرينة الحكمة:

يمكن بيان ذلك بأحد الوجوه الثلاثة التالية:

الوجه الأول للمحقق العراقي‏ (قدس سره):

إن‏ الأمر يدل على ذات الإرادة، و هي شديدة في الواجبات، و ضعيفة في المستحبات، و بما أن شدة الشي‏ء هي ذات الشي‏ء بخلاف ضعف الشي‏ء فإنه ليس ذات الشي‏ء فتتعيّن بالإطلاق و قرينة الحكمة الإرادة الشديدة لأنها بحدّها و حدّها هو الشدة لا تزيد على ذات الإرادة بشي‏ء، فلا يحتاج حدّها إلى بيان زائد على بيان المحدود و المحدود هو ذات الإرادة، بينما تزيد الإرادة الضعيفة بحدّها و حدّها هو الضعف على حقيقة الإرادة لأن الإرادة الضعيفة هي (الإرادة+ الترخيص في الترك)، فلو كانت الإرادة الضعيفة هي المقصودة بالأمر لكان اللازم نصب القرينة على حدّها الزائد لأن الأمر لا يدل إلا على ذات الإرادة، و الترخيص في الترك بحاجة إلى قرينة.

ملاحظة:

إن‏ قرينة الحكمة هي ظهور عرفي سياقي يستفاد من حال المتكلم و تعني أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده بكلامه، فإذا أراد قيدا فلا بد أن يذكر هذا القيد، و إذا لم يذكر القيد فهو لا يريد القيد، و عدم ذكر القيد معناه أنه يريد الإطلاق لأن الإطلاق معناه عدم ذكر القيد، و مثاله قول المولى:" أَكْرِمِ العالم"، فإنه إذا أراد قيد" العادل" لذكره، و طالما أنه لم يذكره فمعنى ذلك أنه لا يريده، فهو يريد العالم مطلقا غير مقيَّد بأي قيد.

نتيجة الوجه الأول: الأمر يدل على الإرادة الشديدة و هي الوجوب عن طريق الإطلاق و قرينة الحكمة، فالوجوب لا يحتاج إلى ذكر قيد، و لكن الاستحباب يحتاج إلى ذكر القيد، و القيد هو الترخيص في الترك.

222

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الأول:

إن مقدمات الحكمة أمر عرفي، و العرف لا يطبقها في الأمور الفلسفية العقلية الدقيقة، و اختلاف حال الحدّين حدّ الوجوب و الإرادة الشديدة و حدّ الاستحباب و الإرادة الضعيفة أمر عقلي بالغ الدقة و ليس أمرا عرفيا حيث إن العرف لا يتصور أن الضعف في الإرادة يحتاج إلى ذكر قيد له، و القيد هنا أمر عقلي فلا يكون مقيِّدا للإطلاق العرفي، و المطلوب في تقييد الإطلاق العرفي هو القيد العرفي، فهنا كما أن الوجوب يحتاج إلى بيان كذلك الاستحباب يحتاج إلى بيان، بل قد يقال إن العرف يقول إن الوجوب بحاجة إلى أمر زائد.

الوجه الثاني:

الوجه الثاني مركّب من مقدمتين:

المقدمة الأولى: إن حقيقة الوجوب ليست مجرد طلب الفعل لأن طلب الفعل ثابت في المستحبات أيضا، فلا بد من فرض شي‏ء زائد على الطلب به يكون الطلب وجوبا، و يوجد احتمالان في هذا الشي‏ء الزائد:

أ- أن يكون الشي‏ء الزائد هو النهي: فيكون الوجوب مركبا من (طلب الفعل+ النهي عن الترك)، و هذا الاحتمال باطل لأن النهي عن شي‏ء ثابت في المكروهات أيضا، و هو النهي عن الفعل، فيكون النهي شاملا للوجوب و الكراهة، و بذلك يكون الوجوب مركبا من شي‏ء شامل لضدين هما الوجوب و الكراهة، و هو باطل.

ب- أن يكون الشي‏ء الزائد هو عدم الترخيص في الترك: فيكون الوجوب مركبا من (طلب الفعل+ عدم الترخيص في الترك)، و هما أمران أحدهما وجودي و الآخر عدمي، و هذا الأمر العدمي هو الذي يميّز الوجوب عن المستحب و المكروه، و كذلك في الحرمة يوجد قيد هو أمر عدمي و هو عدم الترخيص في الفعل، و أما الاستحباب فهو مركب‏

223

من أمرين وجوديين هما (طلب الفعل+ الترخيص في الترك)، و هذا الاحتمال صحيح.

المقدمة الثانية: إذا كان في الكلام حيثية مشتركة و جزء مشترك كطلب الفعل تعيّن بالإطلاق الحمل على المتميّز بأمر عدمي على المتميّز بأمر وجودي لأن الأمر العدمي أسهل مئونة من الأمر الوجودي، فلو أراد المتكلم الاستحباب لذكر الأمر الوجودي في الكلام لأن ظاهر حاله أنه في مقام بيان تمام مراده بكلامه، و طالما أنه لم يذكره فهو لا يريده، و إذا أراد الوجوب فلا يحتاج إلى ذكر الأمر العدمي في الكلام لأن الأمر العدمي لا يزيد بشي‏ء على الحيثية المشتركة و الجزء المشترك الذي يفي به الكلام، لذلك إذا ذكر الجزء المشترك فإننا نفهم أنه يريد المطلق من كلامه لأن الأمر العدمي ليس شيئا حتى يحتاج إلى بيان و ذكر في الكلام، و الإطلاق هو عدم لحاظ القيد فلا يحتاج إلى ذكره، و ليس هو لحاظ عدم القيد حتى يحتاج إلى ذكره في الكلام، ففي مثل الأمر" صَلِّ" الذي يدل على حيثية مشتركة هي طلب الفعل إذا دار بين أن يكون المقصود منها الطلب الوجوبي الذي يشتمل على مائز عدمي و بين أن يكون المقصود منها الطلب الاستحبابي الذي يشتمل على مائز وجودي فإنه يحمل على الطلب الوجوبي بالإطلاق لأن المائز العدمي لا يحتاج إلى ذكر و ليس شيئا زائدا على الحيثية المشتركة التي هي أصل طلب الفعل، أما المائز الوجودي فيحتاج إلى ذكر، و طالما أنه لم يذكر في الكلام فإن الأمر لا يحمل على الاستحباب بل يحمل على الوجوب.

نتيجة الوجه الثاني: الأمر يحمل على الوجوب بالإطلاق.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثاني:

المنع من إطلاق المقدمة الثانية فهي لا تجري دائما بل تجري على نحو الموجبة الجزئية لأن بعض الأمور العدمية قد تلحظ أمرا زائدا عرفا

224

و تحتاج إلى بيان و ذكر في الكلام لأنها أهم في نظر العرف من الأمر الوجودي، و في المقام يرى العرف عدم الترخيص شيئا زائدا على طلب الفعل و يحتاج إلى بيان و ذكر، فالعرف يرى أن مفهوم الوجوب مركب من جزءين هما (طلب الفعل+ عدم الترخيص في الترك) و أن مفهوم الاستحباب مركب من جزءين هما (طلب الفعل+ الترخيص في الترك)، و لو كان العرف يرى أن الوجوب ليس مركبا من جزءين لكان يكتفي في تعريف الوجوب بأنه طلب الفعل.

و لأن العرف يرى عدم الترخيص شيئا زائدا على طلب الفعل لذلك فإنه لا يرى النسبة بين الوجوب و الاستحباب نسبة الأقل و الأكثر كنسبة الحيوان إلى الإنسان الذي يتركب من الحيوان و الناطقية لأن الوجوب يكون متكونا من جزء واحد و الاستحباب متكونا من جزءين، بل يرى النسبة بينهما النسبة بين مفهومين متباينين و يرى كلا منهما متركبا من جزءين.

النتيجة: لا موجب لتعيين الوجوب أو الاستحباب بالإطلاق بعد فرض التباين، بل تعيين أحدهما على الآخر يحتاج إلى ذكر قرينة في الكلام.

الوجه الثالث:

إن‏ صيغة الأمر تدل على النسبة الإرسالية و النسبة الدفعية، و الإرسال و الدفع مساوق تصورا لسدّ جميع أبواب المخالفة و عدم التحرك و الاندفاع و الامتثال مثل الكسل أو المصلحة الشخصية أو الاستهانة بأمر المولى أو الترخيص من المولى في الترك، و مقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي الجدي أن الحكم المُبْرَز بصيغة الأمر سنخ حكم يشتمل على سدّ جميع أبواب المخالفة و عدم التحرك، و هذا يعني عدم الترخيص في المخالفة، و عدم الترخيص في المخالفة يتناسب مع الحكم الإلزامي و هو الوجوب لأن باب المخالفة يكون مسدودا فيه بخلاف الاستحباب فإن باب المخالفة ليس مسدودا فيه.

225

نتيجة الوجه الثالث: تتعيّن دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق، فالمولى لم يذكر القيد و هو الترخيص في المخالفة، فمعنى ذلك أنه لا يريد قيد الترخيص، و بالتالي يطلب الفعل مع عدم الترخيص في المخالفة و هو الوجوب.

رأي الشهيد (قدس سره):

الوجه الثالث أوجه من الوجهين الأول و الثاني، فإن تم الوجه الثالث فالقول الثالث هو الصحيح و هو أن الأمر يدل على الوجوب بالإطلاق و قرينة الحكمة، و إن لم يتم الوجه الثالث فالقول الأول هو الصحيح و هو أن الأمر يدل على الوجوب بالوضع.

ثمرة الأقوال الثلاثة:

اتفقت الأقوال الثلاثة السابقة على دلالة الأمر على الوجوب و اختلفت في منشأ هذه الدلالة بأنه بالوضع أو حكم العقل أو الإطلاق بقرينة الحكمة، و كذلك تترتب عليها ثمار و فوارق عملية عديدة و مختلفة، نذكر منها ثمرتين هما:

الثمرة الأولى: إذا استعمل الأمر في الاستحباب:

مثال: اغْتَسِلْ ليوم الجمعة.

على القول الأول: يكون استعمال الأمر في الاستحباب استعمالا مجازيا لأن الأمر موضوع للوجوب و استعمل اللفظ في غير ما وُضِعَ له و هو الاستحباب فيكون الاستعمال استعمالا مجازيا.

على القول الثاني: يكون استعمال الأمر في الاستحباب استعمالا حقيقيا لأن الأمر موضوع لأصل الطلب، و لا يوجد هنا تصرف في مدلول اللفظ أصلا حيث لم يخالف الدلالة الوضعية، فالوجوب ليس مستفادا من‏

226

اللفظ، بل يستفاد الوجوب من حكم العقل، و هنا لا يحكم العقل بالوجوب بل يحكم بالاستحباب لاقتران الأمر بالترخيص في الترك.

على القول الثالث: يكون استعمال الأمر في الاستحباب استعمالا حقيقيا لأن الأمر موضوع لأصل الطلب، و يستفاد الوجوب من الإطلاق و عدم القرينة، و مع القرينة يستفاد الاستحباب، و هنا لا يدل الأمر على الوجوب بسبب تقييد الإطلاق و وجود قيد الترخيص في الترك، فأقصى ما يلزم هنا تقييد الإطلاق لا استعمال الأمر في غير معناه و هو الطلب، و تقييد الإطلاق مثل اعْتِقْ رقبة مؤمنة لا يلزم منه المجازية لأن إرادة المقيَّد تحصل بدال آخر مثل كلمة" مؤمنة" لا باستعمال المطلق في غير معناه، فالرقبة استعملت في طبيعي الرقبة، و استفيد التقييد من كلمة" مؤمنة".

الثمرة الثانية: إذا وردت أوامر متعددة في سياق واحد و عُلِمَ أن أكثرها أوامر استحبابية:

مثال:" اغْتَسِلْ ليوم الجمعة و صَلِّ صلاة الليل و ادْعُ عند رؤية الهلال"، من المعلوم بأدلة أخرى أن غسل يوم الجمعة و صلاة الليل مستحبان، فهل يكون الدعاء عند رؤية الهلال مستحبا أيضا بقرينة وحدة السياق أو يمكن أن يكون واجبا و لا نأخذ بوحدة السياق؟

على القول الأول: يمكن التمسك بوحدة السياق فيختل ظهور الباقي في الوجوب لأنه خلاف ظهور وحدة السياق في إرادة المعنى الواحد من الجميع و هو المجاز، فمع وحدة السياق لا يمكن تغاير مدلولات تلك الأوامر بأن تدل تارة على المعنى الحقيقي و تارة أخرى على المعنى المجازي، فلا يمكن التفكيك هنا بين الأوامر بقرينة وحدة السياق.

على القول الثاني: لا يمكن التمسك بوحدة السياق فلا يختل ظهور الباقي في الوجوب بل يكون ثابتا في الباقي لأن الوجوب لم يقترن‏

227

بالترخيص، و لا تنثلم وحدة المعنى في الجميع لعدم كون الوجوب دخيلا في مدلول اللفظ لأن الأمر يدل في الجميع على أصل الطلب، فإن لم يقترن بالترخيص حكم العقل بالوجوب، و إن اقترن بالترخيص حكم العقل بالاستحباب، فالتفكيك بين الأوامر ممكن لأن التفكيك واقع في حكم العقل لا في المعنى المستعمل فيه، و الجمل الثلاث استعملت في معنى واحد هو الطلب، و كان التفكيك في حكم العقل، فالجملة الأولى و الثانية اقترنتا بالترخيص فحكم العقل فيهما بالاستحباب، و الجملة الثالثة لم تقترن بالترخيص فحكم العقل فيها بالوجوب.

على القول الثالث: لا يمكن التمسك بوحدة السياق فلا يختل ظهور الباقي في الوجوب بل يكون ثابتا في الباقي لأن الوجوب يستفاد من الإطلاق و الاستحباب يستفاد من التقييد، فالتفكيك بين الأوامر ممكن لأن التفكيك بينها بالوجوب و الاستحباب لا يعني تغاير مدلولاتها بل كلها استعملت في معنى واحد هو أصل الطلب، و لكن المراد الجدي في بعضها مطلق كما في الجملة الثالثة، و في بعضها مقيَّد بدال آخر خارجي كما في الجملة الأولى و الثانية.

الأوامر الإرشادية

سؤال: ما هو الفرق بين الأمر المولوي و الأمر الإرشادي؟

الجواب: الأمر المولوي أو التكليفي هو الأمر الذي يترتب على مخالفته استحقاق العقوبة مثل صَلِّ و صُمْ، و الأمر الإرشادي هو الأمر الذي لا يترتب على مخالفته استحقاق العقوبة.

سؤال: ما هو الأصل في دلالة الأمر؟

الجواب: إن الأصل و مقتضى الظهور أن الأمر يدل على الأمر المولوي التكليفي و الطلب الوجوبي، و لكنه يستعمل أحيانا للإرشاد، و لكن في حالة الشك في أن الأمر مولوي أو إرشادي نحمله على المولوي لأنه هو الأصل.

228

مثال 1: و هو مثال شرعي، فالأمر في" اسْتَقْبِلِ القبلة بذبيحتك" مدلوله التصوري هو النسبة الإرسالية، و لكن مفاده و مدلوله التصديقي الجدي ليس وجوب استقبال القبلة بالذبيحة حتى يكون مولويا لأنه لو لم يستقبل القبلة بالذبيحة لا يكون آثما و لا يستحق العقاب، و إنما تحرم عليه الذبيحة، فمفاد الأمر هو الإرشاد إلى شرطية الاستقبال في التذكية، و الإرشاد هنا إرشاد إلى حكم شرعي وضعي.

مثال 2: و هو مثال شرعي أيضا، فالأمر في" اغْسِلْ ثوبك من البول" مدلوله التصوري هو النسبة الإرسالية، و لكن مفاده و مدلوله التصديقي الجدي ليس وجوب غسل الثوب لأنه لو لم يغسل ثوبه من البول لا يكون آثما مستحقا للعقوبة، بل هو إرشاد إلى نجاسة الثوب بالبول و أنه يطهر بالماء، و الإرشاد هنا إرشاد إلى حكم شرعي وضعي.

مثال 3: و هو مثال عرفي، فأمر الطبيب للمريض حينما يقول" اشْرَبِ الدواء" مدلوله التصوري هو النسبة الإرسالية، و لكن مفاده و مدلوله التصديقي الجدي ليس وجوب شرب الدواء، بل هو إرشاد إلى ما في الدواء من نفع و شفاء.

ملاحظات:

1- يُعَبَّر عن شرطية الشي‏ء ب" الوجوب الشرطي" باعتبار أن الشرط لازم في المشروط، فاستقبال القبلة شرط لازم في حلية الذبيحة، و استعمال الماء شرط لازم في طهارة الثوب، و استعمال الدواء شرط لازم في الحصول على الشفاء.

2- في هذه الأمثلة يحتفظ الأمر مادة و صيغة بمدلوله التصوري الوضعي و المعنى الموضوع له و هو الإرسال أو النسبة الإرسالية، فالمدلول التصوري ثابت، و لكن المدلول التصديقي الجدي لا يطابق المدلول التصوري بل يتغيَّر و يختلف من مورد إلى آخر.

229

القسم الثاني ما يدل على الطلب بعناية

و يقصد به الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب مثل" إذا قهقه المصلي أَعادَ الصلاة"، و يقع البحث في مرحلتين هما:

المرحلة الأولى: في تفسير دلالة الجملة الخبرية على الطلب:

سؤال: كيف تدل الجملة الخبرية على الطلب مع أن المقصود منها الإخبار؟ و ما هي العناية التي بها تدل على الطلب؟

الجواب: إن الجملة الخبرية مدلولها التصوري و المعنى الموضوع له هو النسبة الصدورية أي نسبة صدور المادة من المكلَّف الفاعل كنسبة صدور الإعادة من المصلي و ليست موضوعة للنسبة الإرسالية، و مدلولها التصديقي الجدي و المقصود الواقعي هو قصد الحكاية و الإخبار عن صدور المادة من الفاعل و ليس المدلول التصديقي هو الطلب، و لكنها تفيد الطلب لوجود عناية، و يمكن تصوير العناية التي تفيد بها الطلب بثلاثة وجوه:

الوجه الأول: عناية في الشخص المُخْبَر عنه:

في هذا الوجه يحافظ على المدلولين التصوري و التصديقي معا حسب المعنى الموضوع له و هو النسبة الصدورية، و تكون الجملة إخبارا عن وقوع الفعل من الفاعل و لا تكون للطلب، و يكون الاستعمال في الجملة استعمالا حقيقيا في المعنى الموضوع له، و لكن تدل بالالتزام على الطلب،

230

و تكون العناية في الشخص المُخْبَر عنه حيث يَفترضه المولى شخصا يطبّق عمله على الموازين الشرعية، فالشخص الذي يُقصد الحكاية عنه يقيَّد بمن كان يعمل على طبق الموازين الشرعية، و مثل هذا الشخص يُفترض فيه كأنه قد أتى بالفعل فعلا ثم أخبر الشارع عنه فكأن الشارع يقول:" أخبركم أن من قهقه في صلاته قد صدرت منه الإعادة"، و لا يلحظ الشخص الخارجي حتى يقال إن الخبر كاذب إذا لم يُعِدِ الصلاة، و بعد افتراض أن الشخص يكون بهذه الصفة تكون جملة" أَعادَ" دالة على طلب الإعادة لأن الإعادة لو لم تكن مطلوبة شرعا فلا يصدق على الفاعل أنه يعمل على طبق الموازين الشرعية، و هذا التقييد بمن يعمل على طبق الموازين الشرعية قرينته المتصلة الحالية أو المقامية هي كون المولى في مقام التشريع لا في مقام نقل الأخبار عن الأشخاص في الخارج لأن وظيفة الشارع هي بيان الأحكام لا بيان الموضوعات الخارجية.

الوجه الثاني: عناية الكناية:

و الكناية تعني الإخبار عن اللازم و إرادة الملزوم، و في هذا الوجه يحافظ على المدلول التصوري و هو النسبة الصدورية و على المدلول التصديقي و هو إفادة قصد الحكاية و الإخبار، و لكن المقصود حكايته و الإخبار عنه في المدلول التصديقي الجدي ليس نفس النسبة الصدورية المدلولة تصورا و وضعا، بل المقصود أمر ملزوم للنسبة الصدورية هو سبب و علة إعادة الصلاة و هو الطلب من قِبَلِ المولى حيث إن لازم طلب المولى هو صدور الفعل من المكلفين خارجا فيخبر عن الملزوم بلسان الإخبار عن لازمه، و يكون الاستعمال هنا استعمالا حقيقيا.

بعبارة أخرى: مراده الاستعمالي نفس المعنى الموضوع له، و لكن مراده الجدي هو ملزوم ذلك، فاللازم هو إعادة الصلاة، و الملزوم هو طلب الإعادة، و ذلك مثل الإخبار عن" كرم زيد" و هو الملزوم بجملة" زيد

231

كثير الرماد" و هو اللازم على نحو الكناية، فليس المقصود هو الإخبار عن كثرة الرماد حقيقة بل المقصود هو الإخبار عن سبب و علة كثرة الرماد و هو الكرم، فالمقصود هو أن زيدا كريم، و لكنه ذكر معلول الكرم و هو كثرة الرماد، فالشارع أخبر عن الإعادة و لكن غرضه هو سبب الإعادة و هو طلب المولى.

الوجه الثالث: عناية المجاز:

و المجاز يعني استعمال الجملة الخبرية في غير مدلولها التصوري الوضعي، و ذلك بأن تستعمل كلمة" أَعَادَ" أو" يُعِيدُ" التي تدل على النسبة الصدورية في النسبة الإرسالية التي هي مدلول" أَعِدْ"، و الاستعمال في هذا الوجه استعمال مجازي في غير المعنى الموضوع له لا حقيقي.

رأي الشهيد (قدس سره):

الأقرب هو الوجه الأول لأنه لا يتضمن أي عناية في الظهور لأن الظهور محفوظ في الوجه الأول، فالمفروض استعمال الجملة في المعنى الموضوع له و إرادة الإخبار عن نفس المعنى الموضوع له، و التقييد بمن يعمل على طبق الموازين الشرعية بواسطة القرينة المتصلة الحالية أو المقامية بأن المتكلم مولى في مقام التشريع و بيان الأحكام ليس فيه عناية، و لكن الظهور في الوجهين الآخرين كنائي أو مجازي، و هذان الوجهان بحاجة إلى عناية لأن الكناية و المجاز مخالفان لظاهر الكلمة في معناها الوضعي التصوري.

المرحلة الثانية: في دلالة الجملة الخبرية على الطلب الوجوبي:

سؤال: هل الطلب الذي تدل عليه الجملة الخبرية هو خصوص الطلب الوجوبي أو الأعم من الوجوبي و الاستحبابي؟

232

الجواب: يكون الجواب كالتالي:

بناء على الوجه الأول: تدل الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب على الطلب الوجوبي لأن افتراض الطلب الاستحبابي يستوجب تقييدا زائدا في الشخص المُخْبَر عنه إذ لا يكفي في صدق الإخبار فَرْضُه ممن يطبّق عمله على الموازين الشرعية فقط أي من دون أن يطبقه على أفضل الموازين الشرعية لأنه لا يلزم منه صدور الإعادة إذا كانت مستحبة، بل لا بد من فرض أنه يطبّقه على أفضل و أكمل الموازين الشرعية حتى يأتي بالواجبات و المستحبات معا، أما استفادة الطلب الوجوبي فإنها بحاجة إلى تقييد واحد دون القيد الزائد، و هذا القيد الزائد ينفى بالإطلاق فيثبت الوجوب.

بناء على الوجه الثاني: تدل الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب على الطلب الوجوبي أيضا لأن الملازمة بين الطلب و هو الملزوم و بين النسبة الصدورية و هو اللازم هذه الملازمة المصحِّحة للإخبار عن الملزوم ببيان اللازم إنما هي في الطلب الوجوبي الذي يلازم النسبة الصدورية دائما، و أما الطلب الاستحبابي فلا ملازمة بينه و بين النسبة الصدورية لأن استحباب الإعادة لا يلازم صدورها، أو هناك ملازمة بدرجة أضعف بحيث لا تكفي للاستعمال الكنائي، و هي بدرجة أضعف لأن الاستحباب يجوز تركه فلا يكون ملزوما دائما، و لو أراد المولى الدرجة الأضعف لنصب قرينة عليها، و طالما أنه لم ينصب قرينة عليها فمعنى ذلك أنه لا يريد الدرجة الأضعف بل يريد الدرجة الأشد و هي الوجوب.

بناء على الوجه الثالث: لا تدل الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب على الطلب الوجوبي لأنها يمكن أن تكون مستعملة مجازا في النسبة الإرسالية الناشئة من داعٍ لزومي و في النسبة الإرسالية الناشئة من داعٍ غير لزومي، و لا يوجد مُرَجِّح لتعيين أحد المجازين على الآخر.

233

مادة النهي و صيغته:

التشابه بين الأمر و النهي:

نفس ما قيل في دلالة الأمر مادة و هيئة و في الجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء و الطلب يقال عن دلالة النهي كما يأتي:

1- ما يدل على النهي مباشرة و دون عناية هو مادة النهي مثل" أَنْهاكُمْ عن الكذب"، و هيئة النهي مثل" لا تَكْذِبْ".

2- ما يدل على النهي بعناية هو الجملة الخبرية المستعملة في مقام النهي، مثل" لا يعيدُ الصلاة".

3- كما توجد أوامر مولوية و إرشادية كذلك توجد نواهٍ مولوية و إرشادية، و النهي المولوي هو النهي الذي تترتب على مخالفته العقوبة مثل" لا تَكْذِبْ" و" لا تَشْرَبِ الخمر" و" لا تَسْرِقْ"، و النهي الإرشادي هو النهي الذي لا تترتب على مخالفته العقوبة بل يكون إرشادا إلى مطلب من المطالب.

و يكون المُرْشَد إليه في النهي أحد الأمور التالية:

أ- ثبوت حكم شرعي: كالمانعية عن صحة الصلاة في" لا تُصَلِّ فيما لا يؤكل لحمه"، و الحكم الشرعي فيه ليس حكما مولويا تكليفيا، فإن المكلف لا يرتكب ذنبا إذا صلى في ثوب مصنوع من جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه و لا يعاقب عليه، و إنما المقصود هو فساد و بطلان الصلاة فيه، و المانعية و البطلان و الفساد أحكام وضعية لا تكليفية.

ب- نفي و عدم ثبوت حكم شرعي: مثل" لا تعمل بخبر غير الثقة"، فإنه إرشاد إلى عدم حكم الشارع بحجيته، و ليس المقصود حكما مولويا تكليفيا لأن المكلف لا يرتكب ذنبا إذا عمل بخبر غير الثقة و لا يعاقب على ذلك، و إنما المقصود أن خبر غير الثقة ليس بحجة، فهذا المثال ينفي ثبوت الحكم بالحجية.

234

ج- أمر تكويني: كنواهي الطبيب للمريض عن أكل بعض الأطعمة إرشادا إلى ضررها، مثل" لا تأكل الباذنجان" لمن لديه حساسية منه، فلا تترتب على مخالفة نهي الطبيب عقوبة.

الاختلاف بين الأمر و النهي:

و يوجد اختلاف بين الأمر و النهي هو أن مفاد الأمر الإرسال و طلب الفعل، و مفاد النهي هو الإمساك و الزجر عن الفعل لا طلب ترك الفعل و لا كف النفس عن الفعل لأنهما أمران وجوديان، و النهي أمر عدمي، و تدل مادة النهي على الإمساك و الزجر على نحو المعنى الاسمي، و تدل صيغة النهي على معنى حرفي هو النسبة الإمساكية و النسبة الزجرية التي يُنْتَزَع منها مفهوم الإمساك و الزجر.

دلالة الأمر على الفور أو التراخي و على المرّة أو التكرار:

سؤال: هل الأمر يدل على الفور أو التراخي؟

الجواب: إن الأمر المجرّد عن القرينة لا يدل على الفور و لا على التراخي بمعنى أنه لا يستفاد من نفس الأمر لزوم الإسراع بالإتيان بمتعلَّقه و لا لزوم التباطؤ و التماهل، فمن أتى بالمتعلَّق فورا صدق عليه الإتيان بالأمر و امتثاله، و من أتى به متراخيا صدق عليه امتثال الأمر.

سؤال: هل الأمر يدل على المرّة أو التكرار؟

الجواب: إن الأمر المجرد عن القرينة لا يدل على المرّة و الدفعة الواحدة و لا على التكرار و الدفعات المتعددة بمعنى أنه لا يستفاد من نفس الأمر لزوم الإتيان بفرد واحد من متعلَّقه أو بأفراد كثيرة منه، فمن أتى بمتعلَّق الأمر مرة واحدة صدق عليه امتثال الأمر، و من أتى به مرات متعددة في نفس الوقت صدق عليه الامتثال.

235

سؤال: ما هو الدليل على الجوابين السابقين؟

الجواب: إن الأمر لا يقتضي إلا الإتيان بمتعلَّقه الذي هو مدلول مادة الأمر كالإكرام في الفعل" أَكْرِمْ"، و مدلول المادة هو طبيعي الفعل الجامع بين الفرد الآني و الفرد المتباطإ فيه و بين الفرد الواحد و الأفراد الكثيرة، فيلزم الإتيان بالطبيعة أو الكلي الطبيعي الذي يتحقق و يوجد بوجود فرد واحد من أفراده، و بعد إجراء قرينة الحكمة في الطبيعة يثبت إطلاقها البدلي لا الشمولي، و الإطلاق البدلي يحصل بالمرة الواحدة التي تصدق على ما يأتي به المكلف من وجود للطبيعة سواء كان وجودها على الفور أم على التراخي و سواء كان في ضمن فرد واحد أم أكثر.

مثال: لو قال المولى:" تَصَدَّقْ على الفقير"، تتحقّق طبيعة التصدق عن طريق الامتثال بصدقة واحدة بإعطاء فقير واحد دينارا، أو بإعطاء فقيرين لكل فقير دينار في وقت واحد، و أما إذا تصدّق المكلف بصدقتين مترتبتين زمانا فامتثال الطبيعة يتحقّق بخصوص الفرد الأول و يسقط الأمر لأنه أتى بالطبيعة، و لا يتحقّق الامتثال بالفرد الثاني لأنه لا يوجد أمر به.

236

الإطلاق و اسم الجنس‏

معنى التقييد:

التقييد هو أن تتصور معنى و مفهوما و تأخذ فيه وصفا زائدا أو حالة خاصة، مثل" الإنسان العالم" و" الإنسان الجالس".

معنى الإطلاق:

الإطلاق هو أن تتصور معنى و مفهوما و لا تأخذ فيه وصفا زائدا أو حالة خاصة، مثل" الإنسان".

سؤال: ما هي العلاقة بين التقييد و الإطلاق؟

الجواب: العلاقة بينهما هي علاقة التقابل، فالتقييد يقابل الإطلاق، و يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى التفصيل و أنه هل التقابل بينهما هو من باب تقابل النقيضين أو الضدين أو الملكة و عدمها؟

وضع اسم الجنس:

سؤال: هل اسم الجنس موضوع للمعنى بقيد الإطلاق فيكون الإطلاق مأخوذا في المدلول الوضعي لاسم الجنس، أو لذات المعنى الذي يطرأ عليه الإطلاق و التقييد؟

مثال: هل لفظ" الإنسان" موضوع للمعنى بقيد الإطلاق فيكون الإطلاق جزءا من المعنى الموضوع له و بالتالي يكون استعماله في‏

237

المقيَّد استعمالا مجازيا و نحتاج إلى القرينة الصارفة، أو موضوع لذات المعنى الذي يطرأ عليه الإطلاق و التقييد فيكون استعماله في المطلق و المقيَّد استعمالا حقيقيا و نحتاج إلى القرينة المعيِّنة التي تعيِّن أحدهما؟

الجواب: لا بد من ذكر مقدمة يتم فيها توضيح أنحاء لحاظ المعنى و اعتبار الماهية في الذهن لكي يحدد نحو المعنى الموضوع له اللفظ، و سنأخذ كمثال ماهية" الإنسان" و صفة" العلم".

مقدمة: أنحاء وجود الماهية:

أولا: أنحاء وجود الماهية في عالم الخارج:

يتصور لوجود الماهية في الخارج حصتان فقط هما:

1- الإنسان الواجد لصفة العلم: و هو" الإنسان العالِم".

2- الإنسان الفاقد لصفة العلم: و هو" الإنسان غير العالِم".

ملاحظات:

أ- لا يتصور لوجود الماهية في الخارج صفة ثالثة ينتفي فيها وجدان العلم و فقدان العلم معاً لاستحالة ارتفاع النقيضين، أو يجتمع فيها الوجدان و الفقدان معاً لاستحالة اجتماع النقيضين، فماهية الإنسان بقطع النظر عن العلم و عدم العلم ليست حصة ثالثة ذات وجود خارجي في مقابل الحصتين السابقتين، فالإنسان الذي ينتفي عنه العلم و عدم العلم أو يجتمع فيه العلم و عدم العلم ليس له وجود خارجي.

ب- مفهوم" الإنسان" الجامع بين الحصة الواجدة للعلم و الحصة الفاقدة للعلم ليس حصة ثالثة ثابتة في الخارج في عَرْضِ الحصتين السابقتين، بل" الإنسان" موجود في الخارج بوجود هاتين الحصتين فقط.

ج- تتميّز الحصتان الخارجيتان للماهية بخصوصيات خارجية وجودا و عدما تسمى" القيود الأولية"، و الخصوصية الخارجية الوجودية

238

هي: وجود الصفة خارجا، و الخصوصية الخارجية العدمية هي: عدم وجود الصفة خارجا.

ثانيا: أنحاء وجود الماهية في عالم الذهن:

1- وجود الماهية في وعاء المعقولات الأولية: المعقولات الأولية هي التي ينتزعها الذهن من الخارج مباشرة و لها" مصداق ما بإزاء" في عالم الخارج، و توجد هنا ثلاث حصص عَرْضِيَّة لأن لحاظ ماهية الإنسان في الذهن على أنحاء ثلاثة، و كل نحو يشكل صورة للماهية في الذهن تختلف عن الصورتين الأخريين، و هذه اللحاظات هي:

أ- لحاظ الماهية بشرط شي‏ء: تتصور ماهية الإنسان المقترنة بلحاظ صفة العلم، و هذا ما يسمى بالمُقَيَّد و هي الماهية المقيَّدة، و القيد هنا أمر وجودي.

ب- لحاظ الماهية بشرط لا: تتصور ماهية الإنسان المقترنة بلحاظ عدم صفة العلم، و هذا نحو آخر من المُقَيَّد، و القيد هنا أمر عدمي.

ج- لحاظ الماهية لا بشرط القسمي (الماهية المطلقة): لا يقترن تصور ماهية الإنسان بأي واحد من اللحاظين، فتتصور ماهية الإنسان مع عدم لحاظ اللحاظين السابقين، أي تتصوره مع عدم (لحاظ العلم) و مع عدم (لحاظ عدم العلم)، و هذا ما يسمى بالمطلق، فالإطلاق هو عدم لحاظ الصفة لا لحاظ عدم الصفة، فيكون الإطلاق أمرا سلبيا عدميا لا وجوديا.

ملاحظات:

أ- تتميّز الحصص الثلاث للحاظ الماهية في الذهن بخصوصيات ذهنية وجودا و عدما تسمى" القيود الثانوية"، و الخصوصيات الذهنية الوجودية هي: لحاظ الصفة، و لحاظ عدم الصفة، و الخصوصية الذهنية العدمية هي: عدم كلا اللحاظين السابقين.

239

ب- لحاظ الماهية" بشرط شي‏ء" مطابق للحصة الخارجية الأولى الواجدة للعلم، و القيد الثانوي الأول المميِّز للحاظ الماهية بشرط شي‏ء و هو لحاظ صفة العلم مرآة للقيد الأولي الأول و هو وجود صفة العلم خارجا و الذي يميِّز الحصة الخارجية الأولى، و المرئي و الملحوظ و المحكي هنا هو الحصة الخارجية المُقَيَّدة بالصفة، فلحاظ صفة العلم في الذهن يطابقه في الخارج وجود صفة العلم.

ج- لحاظ الماهية" بشرط لا" مطابق للحصة الخارجية الثانية الفاقدة للعلم، و القيد الثانوي الثاني المميِّز للحاظ الماهية بشرط لا و هو لحاظ عدم صفة العلم مرآة للقيد الأولي الثاني و هو عدم صفة العلم خارجا و الذي يميِّز الحصة الخارجية الثانية، و المرئي و الملحوظ و المحكي هنا هو الحصة الخارجية المطلقة من الصفة، إن الماهية بشرط لا من حيث المفهوم تكون مُقَيَّدة بعدم الصفة، و لكنها في الخارج مطلقة غير مقيَّدة، فلحاظ عدم صفة العلم في الذهن يطابقه في الخارج عدم وجود صفة العلم.

د- لحاظ الماهية" لا بشرط" ليس له مطابق و وجود مستقل في الخارج، فهو له مصداق و لكن ليس له" مصداق ما بإزاء"، و مصداقه و وجوده في الخارج يكون بوجود الحصتين الخارجيتين، و القيد الثانوي الثالث المميِّز للحاظ الماهية لا بشرط و هو عدم كلا اللحاظين ليس مرآة لقيد أولي لأنه عدم اللحاظ و العدم ليس مرآة لشي‏ء وجودي و لا يحكي عن شي‏ء وجودي و لا يُرِي شيئا وجوديا، و لكن الماهية اللابشرط مفهوم و كل مفهوم لا بد أن يكون له محكي و مرئي، و مرئيها هو ذات الماهية و الطبيعة المُهْمَلَة المحفوظة في ضمن مرئي المطلق و المقيَّد، فيكون المرئي و المحكي و الملحوظ بلحاظ الماهية اللابشرطي جامعا بين المرئيين و الملحوظين باللحاظين السابقين لانحفاظه فيهما، فيكون مقسما لهما من حيث المرئي‏

240

و المحكي و الملحوظ، و لا يكون قسما ثالثا في مقابلهما بدليل انحفاظه فيهما، و القسم لا يحفظ في القسم المقابل له، لذلك فإن الماهية المهملة تكون ثابتة في جميع أفراد الإنسان، فهي موجودة ضمن الإنسان المطلق غير المقيَّد بصفة العلم و ضمن الإنسان المقيَّد بصفة العلم.

ذ- اللحاظ اللابشرطي بما هو لحاظ و رؤية و مفهوم و صورة ذهنية يقابل اللحاظين الآخرين و يباينهما، فيكون قسما ثالثا من حيث اللحاظ و الرؤية، و قسيما للحاظ الماهية بشرط شي‏ء و لحاظ الماهية بشرط لا، و لهذا يسمى" الماهية اللابشرط القِسْمِي" و هي من المعقولات الأولية التي ينتزعها الذهن من الخارج مباشرة، و لكن بما هو ملحوظ و مرئي و محكي فإنه جامع و مَقْسَم للملحوظين الآخرين لانحفاظه فيهما، و المَقْسَم لا وجود مستقلا له عن أقسامه، إن الماهية اللابشرط مطلق غير مقيَّد في مقابل الملحوظين و المرئيين، و مقيَّد في مقابل اللحاظين و المفهومين.

2- وجود الماهية في وعاء المعقولات الثانوية: المعقولات الثانوية هي التي ينتزعها الذهن من اللحاظات و المعقولات الأولية و تكون تصورا للتصور الأولي و لحاظا للحاظ الأولي، و المعقول الثانوي ليس له" مصداق ما بإزاء" في عالم الخارج كمفهوم" الممكن" المنتزع من مفهوم" الإنسان" الذي هو معقول أولي، فمفهوم" الممكن" ليس له وجود خارجي، و الذهن في معقولاته الثانوية ينتزع جامعا بين اللحاظات الثلاثة للماهية في المعقولات الأولية، و الجامع هو عنوان" لحاظ الماهية" من دون أن يقيَّد هذا اللحاظ بلحاظ الصفة و لا بلحاظ عدمها و لا بعدم اللحاظين، و يسمى هذا الجامع بين لحاظات الماهية الثلاثة في الذهن ب" الماهية اللابشرط المَقْسَمِي" تمييزا له عن لحاظ الماهية اللابشرط القسمي الذي هو أحد الأقسام الثلاثة للماهية في الذهن، و أما الماهية اللابشرط المقسمي‏

241

فهي الجامع بين تلك الأقسام الثلاثة و هي موجودة بوجود الأقسام الثلاثة في المعقولات الأولية، و هنا توجد أربعة تصورات:

أ- تصور (صورة الإنسان) مع ملاحظة (لحاظ العلم).

ب- تصور (صورة الإنسان) مع ملاحظة (لحاظ عدم العلم).

ج- تصور (صورة الإنسان) مع ملاحظة (عدم اللحاظين).

د- تصور (صورة الإنسان) مع عدم الملاحظات الثلاثة السابقة في أ و ب و ج، و هذا هو الماهية اللابشرط المَقْسَمِي، و قد سمي بالمقسمي لأنه مقسم للحصص الثلاث الذهنية و جامع للحاظات الثلاثة الأولية للماهية في الذهن، بخلاف الماهية اللابشرط القسمي و هو لحاظ ماهية الإنسان مع عدم اللحاظين: لحاظ العلم أو لحاظ عدم العلم الذي هو الحصة الذهنية الثالثة فإنه قسم من لحاظ الماهية اللابشرط المقسمي.

ملاحظة:

بإمكان العقل أن ينتزع معقولات ثالثة من المعقولات الثانية، و معقولات رابعة من المعقولات الثالثة... و هكذا، و كلها تسمى معقولات ثانوية، و معنى الثانوية أنها ليست أولية.

رجوع إلى السؤال السابق:

هل اسم الجنس موضوع للمعنى و المفهوم بقيد الإطلاق أو لذات المعنى و المفهوم الذي يطرأ عليه الإطلاق و التقييد؟

الجواب:

1- لا شك في أن اسم الجنس مثل" إنسان" ليس موضوعا للماهية اللابشرط المقسمي لأن هذه الماهية جامع بين الحصص و اللحاظات الذهنية الثلاث لا بين الحصص الخارجية، و أسماء الأجناس ليست موضوعة للأمور الذهنية، فغرض الواضع حينما يضع اللفظ هو أنه يريد

242

من اللفظ أن ينطبق على الخارج لا على الذهن، لذلك فإن مدلول اسم الجنس هو الحصص الخارجية أو الجامع بينها لا الحصص الذهنية.

2- اسم الجنس ليس موضوعا للماهية بشرط شي‏ء أي الماهية المقيَّدة بالعلم، و لا للماهية بشرط لا أي الماهية المقيَّدة بعدم العلم لأنه لو صار موضوعا لهما لكان الشرط الوجودي أو العدمي قيدا في معنى اسم الجنس و مأخوذا في مفهومه، و هذا يخالف الإطلاق المحفوظ في أسماء الأجناس لأن اللفظ لا يدل على القيد غير الداخل في حاق المفهوم، فكلمة" الإنسان" تدل على قيد الناطقية لدخولها في حاق المفهوم، و لكنها لا تدل على العالم و لا على غير العالم لعدم دخول العلم أو عدم العلم في حاق المفهوم، بل تدل على طبيعي الإنسان فقط من دون أي قيد.

النتيجة: إذن اسم الجنس موضوع للماهية اللابشرط القِسْمِي أي للماهية بقطع النظر عن العلم و عدم العلم، و لكن يأتي‏ السؤال التالي‏:

هل اسم الجنس موضوع للماهية اللابشرط القسمي:

أ- بما هي لحاظ و صورة ذهنية ثالثة في مقابل الصورتين الأخريين.

ب- أو بما هي ملحوظ و مرئي و محكي أي لذات المفهوم المرئي بتلك الصورة، و ليست الصورة بحدها إلا مرآة لما هو الموضوع له؟

الجواب:

أ- إذا كان اسم الجنس موضوعا للماهية اللابشرط القسمي بما هي لحاظ و صورة ذهنية يكون الإطلاق داخلا في معنى اسم الجنس أي أن اسم الجنس موضوع للمعنى بقيد الإطلاق أي مع لحاظ عدم القيد، فيكون الإطلاق مدلولا وضعيا لاسم الجنس و جزءا من المعنى الموضوع له لأن اللابشرط تعبير آخر عن الإطلاق، و يكون استعمال اسم الجنس في المقيَّد استعمالا مجازيا.

243

ب- إذا كان اسم الجنس موضوعا للماهية اللابشرط القسمي بما هي ملحوظ و مرئي و محكي لا يكون الإطلاق مدلولا وضعيا، بل يكون المدلول الوضعي هو ذات الطبيعة و الماهية المهمَلة المحفوظة في ضمن المطلق و المقيَّد، فيكون اسم الجنس موضوعا لذات المفهوم الذي يطرأ عليه الإطلاق و التقييد أي موضوعا لذات الطبيعة من دون ملاحظة القيد و عدم القيد، و لهذا قلنا إن المرئي باللحاظ الثالث جامع بين المرئيين و الملحوظين باللحاظين السابقين لانحفاظه فيهما، و قد سميت ب" الماهية المهملة" لأن اسم الجنس لا يأتي إلى الذهن بشكل مستقل، بل يأتي ضمن إحدى الصور الذهنية الثلاث التي لكل واحدة منها حد ذهني مخصوص.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو" ب"، فيكون الإطلاق عدم لحاظ القيد لا لحاظ عدم القيد، و يكون التقييد لحاظ القيد، و الدليل على صحة" ب" هو وجهان:

1- الدليل الوجداني:

أ- الوجدان العرفي حيث يتبادر من اسم الجنس إلى أذهان الناس ذات الطبيعة.

ب- الوجدان اللغوي حيث يفسر اللغويون" الإنسان" بطبيعي الإنسان لا الطبيعي المقيَّد بالإطلاق، فإذا كان هو الطبيعي المقيَّد بالإطلاق لزم كون استعمال اسم الجنس في المقيَّد كاستعمال كلمة" إنسان" في" الإنسان العالم" استعمالا مجازيا و هو خلاف الوجدان.

2- الدليل البرهاني:

الإطلاق و هو المقيَّد بعدم اللحاظين في الصورتين الذهنيتين أمر ذهني و حدّ للصورة الذهنية الثالثة و نحو من أنحاء لحاظ الماهية في الذهن، فأخذه قيدا في المعنى الموضوع له معناه وضع اللفظ للصورة الذهنية المحددة بالقيد و صيرورة معاني الألفاظ ذهنية، فيصير مدلول‏

244

اللفظ أمرا ذهنيا غير قابل للانطباق على الخارج لأن المقيَّد بالأمر الذهني أمر ذهني، و هذا خلف غرض الواضع لأن الواضع يريد من اللفظ أن ينطبق على الخارج لا على الذهن، و يترتب عليه عدم إمكان الامتثال كما لو قال المولى" آمرك بالصلاة" لأن الصلاة الذهنية لا يمكن الإتيان بها في الخارج.

النتيجة:

أ- اسم الجنس لا يدل بنفسه على الإطلاق و لا على التقييد، بل يدل على الطبيعة و الماهية المهملة المحفوظة في ضمن المطلق و المقيَّد.

ب- بما أن اسم الجنس لا يدل بنفسه على الإطلاق و لا على التقييد لذلك فإن إفادة كل من التقييد و الإطلاق تحتاج إلى دال و قرينة، و الدال على التقييد يكون عادة قرينة خاصة كالعلم، أما الدال على الإطلاق فهو قرينة عامة تسمى" قرينة الحكمة" يتمسك بها لإثبات الإطلاق في كل مورد لم تقم فيه قرينة خاصة على التقييد، و خلاصتها أنه" لم يذكر المتكلم القيد فلا يريد القيد"، و سيأتي التفصيل فيما بعد إن شاء الله تعالى.

التقابل بين الإطلاق و التقييد

لا شك في أن الإطلاق و التقييد بينهما علاقة التقابل، و لكن وقع البحث بين الأصوليين في أن التقابل بينهما من أي قسم من أقسام التقابل: هل هو من قسم التضاد أو الملكة و عدمها أو التناقض؟

و يتم البحث عن علاقة التقابل بينهما تارة في عالم الثبوت و تارة أخرى في عالم الإثبات كما يأتي:

أولا: الإطلاق و التقييد في عالم الثبوت:

إن الماهية يلاحظها الحاكم أو غيره تارة على نحو الإطلاق و تارة أخرى على نحو التقييد، و هذان الوصفان متقابلان، و البحث هنا يقع في‏

245

عالم الثبوت أي عالم اللحاظ في الذهن و في واقع الحكم المشرَّع مع قطع النظر عن الدليل الدال عليه، فننظر إلى الصورة الذهنية المطلقة و الصورة الذهنية المقيَّدة لنرى ما هي العلاقة بينهما، و قد اختلف الأعلام (قدس سرهم) في نوع التقابل بين الإطلاق و التقييد في عالم الثبوت على ثلاثة أقوال:

القول الأول للسيد الخوئي‏ (قدس سره): التقابل بين الإطلاق و التقييد من قسم تقابل التضاد ( (49) 1) كتقابل السواد و البياض، فيكون الإطلاق أمرا وجوديا هو (لحاظ عدم القيد)، و يكون التقييد هو (لحاظ القيد)، و فسرهما بأنهما لحاظان لأن اللحاظ عبارة عن الوجود الذهني، و لم يقل بأن الإطلاق عدم لحاظ لأن الضدين أمران وجوديان لا أن أحد الضدين وجود و الآخر عدم.

القول الثاني للمحقق النائيني‏ (قدس سره): التقابل بين الإطلاق و التقييد من قسم تقابل الملكة و عدمها كتقابل البصر و العمى في الإنسان، فيكون الإطلاق أمرا عدميا هو (عدم لحاظ القيد في المورد الذي يمكن لحاظ القيد فيه)، و يكون التقييد هو (لحاظ القيد في المورد الذي يمكن لحاظ القيد فيه).

القول الثالث للشهيد (قدس سره): التقابل بين الإطلاق و التقييد من قسم تقابل التناقض كتقابل وجود الشي‏ء و عدمه، فيكون الإطلاق أمرا عدميا هو مطلق (عدم لحاظ القيد) أي سواء كان المورد مما يمكن لحاظ القيد فيه أم لا يمكن، و بعبارة أخرى سواء كان المورد قابلا للتقييد أم غير قابل له، و يكون التقييد هو (لحاظ القيد).

____________

(49) الضدان: هما الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد، و لا يُتصور اجتماعهما فيه، و لا يَتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر.

الملكة و عدمها: هما أمران وجودي و عدمي، لا يجتمعان، و يجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة.

النقيضان: هما أمران وجودي و عدمي أي عدم لذلك الوجود، و هما لا يجتمعان و لا يرتفعان ببديهة العقل، و لا واسطة بينهما. (المنطق للشيخ المظفر (قدس سره))

246

الفارق بين الأقوال الثلاثة:

يظهر الفرق بين الأقوال الثلاثة في موردين هما:

المورد الأول: هل يمكن تصور حالة ثالثة غير الإطلاق و التقييد؟

1- بناء على القول بالتناقض: لا يمكن تصور حالة ثالثة في الذهن غير الإطلاق و التقييد لاستحالة ارتفاع النقيضين، فالصورة الذهنية إما أن تكون مطلَقة و إما أن تكون مقيَّدة.

2- بناء على القول بالملكة و عدمها: يمكن تصور حالة ثالثة هي حالة الإهمال أي أن الحكم لا يكون مطلقا و لا مقيَّدا، و هي تحصل إذا استحال التقييد، فاستحالة التقييد تؤدي إلى استحالة الإطلاق، و ذلك في مورد لا يمكن للمولى تقييد الحكم فيه.

3- بناء على القول بالتضاد: تحصل حالة الإهمال أيضا أي أن الحكم لا يكون مطلقا و لا مقيَّدا، و ذلك إذا كان المولى في مقام الإهمال أو الإجمال.

المورد الثاني: هل يكون الإطلاق مستحيلا أو واجبا أو ممكنا في حالة استحالة التقييد؟

1- بناء على القول بالملكة و عدمها: يرتبط إمكان الإطلاق بإمكان التقييد في الموضع القابل للقيد لأن الإطلاق هو عدم التقييد في الموضع القابل للقيد، فحيث لا قابلية للتقييد لا قابلية للإطلاق، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق لأنه إذا استحالت الملكة استحال ما يقابلها.

مثال: استحالة تقييد الحكم بالعلم به أي بالحكم تؤدي إلى استحالة الإطلاق بناء على القول بالملكة و عدمها لأن الحكم ليس موضعا قابلا للتقييد فلا يكون قابلا للإطلاق، فالحكم هنا ليس مقيَّدا و لا مطلقا، و هذا كاستحالة ثبوت العمى في الموضع الذي يستحيل فيه الإبصار، فلا نقول للحجر إنه أعمى أو بصير لأن الحجر ليس موضعا قابلا لهما.

247

2- بناء على القول بالتناقض: استحالة أحدهما تؤدي إلى ثبوت الآخر بالضرورة لاستحالة ارتفاع النقيضين، فإذا استحال التقييد يثبت الإطلاق بالضرورة، و إذا استحال الإطلاق يثبت التقييد بالضرورة.

3- بناء على القول بالتضاد: يكون الإطلاق ممكنا لأن ارتفاع أحد الضدين لا يؤدي إلى ضرورة ارتفاع الآخر و لا ضرورة ثبوته في حال وجود ضد ثالث لهما، و الضد الثالث هو حالة الإهمال، فتقابل التضاد بطبيعته لا يفترض امتناع أحد المتقابلين و لا ضرورته بامتناع الآخر، فإذا استحال أحد الضدين فإن وجود الضد الآخر ليس مستحيلا و لا واجبا، بل يكون ممكنا إذا كان لهما ضد ثالث، كما في اللون الأبيض فإنه إذا استحال وجوده لم يكن وجود اللون الأسود واجبا لإمكان وجود لون آخر كالأخضر، و لم يكن وجوده مستحيلا إذا انتفت الألوان الأخرى، فاستحالة التقييد لا تجعل وجود الإطلاق مستحيلا و لا تجعله واجبا.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو القول الثالث أي أن بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين تقابل التناقض لأن المراد من الإطلاق هو الخصوصية الموجودة في اللفظ و التي تقتضي صلاحية و قابلية المفهوم و الصورة الذهنية للانطباق على جميع أفراده لا فعلية الانطباق لأن الفعلية تعيِّنها قرينة الحكمة، فمعنى أن مفهوم" الإنسان" مطلق هو أنه صالح و قابل للانطباق على جميع أفراد الإنسان.

و يكفي في هذه الخصوصية و في تحقق هذه القابلية مجرد عدم لحاظ القيد مع الماهية لأن كل مفهوم له قابلية ذاتية للانطباق على أفراده، و هذه القابلية تجعله صالحا لإسراء الحكم الثابت له إلى أفراده شموليا أي ثبوت الحكم لجميع الأفراد كالفقير في" أَكْرِمْ كلَّ فقير"، أو بدليا أي ثبوت‏

248

الحكم لفرد واحد من الأفراد كإكرام الفقير حيث يكفي فيه فرد واحد من الإكرام، فبمجرد عدم لحاظ التقييد تكون تلك القابلية مقتضية لسريان حكم المفهوم إلى جميع أفراد المفهوم.

و هذه القابلية لازمة للمفهوم لا تنفك عنه كالزوجية للأربعة ما دام لم يلحظ التقييد، و لا تتوقف هذه القابلية على (لحاظ عدم القيد)، فإذا كان التقييد هو (لحاظ القيد) و كان الإطلاق هو (عدم لحاظ القيد) كان التقابل بينهما تقابل النقيضين كتقابل وجود الشي‏ء و عدمه.

إشكال:

إذا كانت الصلاحية و القابلية الذاتية لازمة للمفهوم فكيف تنفك و تنتفي هذه القابلية عنه في موارد التقييد مع أن اللازم لا ينفك عن ملزومه، فعند ما نقول:" أَكْرِمِ الإنسانَ العالِمَ"، فإن مفهوم" الإنسان" لا يشمل كل أفراده لأنه لا يشمل الإنسان الجاهل مع أن الإنسان الجاهل فرد من الإنسان؟

الجواب‏:

إن التقييد لا يفكك بين اللازم و هو القابلية و ملزومه و هو المفهوم و لا يسلب الصلاحية و القابلية الذاتية، و إنما هذا التقييد يحدث مفهوما جديدا مباينا للمفهوم الأول و صورة جديدة مباينة للصورة الأولى لأن المفاهيم كلها متباينة في عالم الذهن و ليس بينها تساوٍ أو عموم و خصوص مطلق أو من وجه، و إنما المساواة و الأخصية و الأعمية تكون من حيث المصاديق في عالم الخارج، فمفهوم" الإنسان" و مفهوم" الناطق" و إن كانا في الخارج متساويين إلا أنهما في الذهن متباينان، فهنا تتبدل الصورة إلى صورة جديدة أضيق من الصورة السابقة.

فمفهوم" الإنسان" و مفهوم" الإنسان العالِم" و إن كان بينهما في عالم الخارج نسبة العموم و الخصوص المطلق إلا أنهما في عالم الذهن متباينان، فهذا المفهوم الجديد أي الإنسان العالِم له قابلية ذاتية أضيق دائرة من‏

249

قابلية المفهوم الأول أي الإنسان لأنه توجد فيه نسبة اندماجية تدمج الطرفين و تجعلهما صورة واحدة مباينة للصورة الأولى، و هذه الصورة الجديدة الضيقة لها قابلية ذاتية للانطباق على أفرادها، و هذه القابلية لازمة للمفهوم الجديد.

النتيجة:

يكفي في الإطلاق مجرد (عدم لحاظ القيد)، و لا يحتاج إلى (لحاظ عدم القيد).

ثانيا: الإطلاق و التقييد في عالم الإثبات:

و يقصد بعالم الإثبات عالم الدلالة و الكشف حين النظر إلى الأدلة، فإطلاق الدليل كاشف عن إطلاق الحكم واقعا، و تقييده كاشف عن تقييد الحكم واقعا، و هنا يوجد قول واحد باتفاق الأصوليين، و هو أن تقابل الإطلاق و التقييد هو من باب تقابل الملكة و عدمها، فإن ذكر القيد في الكلام يدل على التقييد و عدم ذكر القيد في الكلام كاشف عن الإطلاق في الحكم بقرينة الحكمة و هي أن" ما لا يقوله لا يريده جدًّا"، و لكن عدم ذكر القيد يكشف عن الإطلاق لا مطلقا بل في حالة يمكن للمتكلم فيها التقييد و ذكر القيد، و أما إذا لم يمكن للمتكلم التقييد لأي سبب من الأسباب فلا يكون عدم التقييد دالا على إطلاق الحكم واقعا، فإذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق، و الإطلاق هنا ليس دليلا وضعيا تصوريا بل تصديقيا يظهر من حال المتكلم.

مثال: شخص قال:" أَكْرِمِ الفقيرَ"، و بدأ يسعل مثلا، هنا عدم ذكر القيد لا يدل على الإطلاق، فربما أراد التقييد و لكنه لم يستطع ذكر القيد، فهنا المتكلم ليس في حالة يمكن له ذكر القيد، لذلك فإن عدم ذكر القيد لا يدل على الإطلاق لأن الإطلاق يُكْشَفْ عنه في الحالة التي يمكن للمتكلم أن يذكر فيها القيد.

250

احترازية القيود و قرينة الحكمة

أولا: قاعدة احترازية القيود:

مثال التقييد: قول المولى:" أَكْرِمِ الفقيرَ العادلَ".

و توجد هنا الدلالات الثلاث و هي:

1- الدلالة التصورية:

و هي الدلالة الثابتة في الذهن للفظ حتى لو صدر اللفظ من آلة، فيتصور الذهن معنى اللفظ و يخطر فيه المعنى، و منشأ هذه الدلالة هو الوضع، ففي مرحلة المدلول التصوري يخطر في الذهن صورة الحكم المقيَّد، فيكون موضوع الحكم حصة خاصة من الفقير و هي" الفقير العادل" لأن هذه الحصة الخاصة هي التي تخطر في الذهن و لا يخطر كل فقير، فقيد العدالة تخطر في الذهن عند سماع قول المولى، و هو حصة خاصة لأن بين الفقير و العادل نسبة اندماجية تدمج بين الطرفين و تجعلهما بمنزلة المفهوم الواحد، و هذا المفهوم الواحد هو الحصة الخاصة، و النسبة الاندماجية تبدِّل دائرة" الفقير" من دائرة واسعة إلى دائرة أضيق هي دائرة" الفقير العادل".

2- الدلالة التصديقية الأولى:

و هي عبارة عن الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت حينما يريد إخطار المعنى في ذهن السامع، و منشأ هذه الدلالة هو ظهور حال المتكلم في أنه قاصد لإخطار معنى كلامه في ذهن‏

251

السامع، و بهذه الدلالة يثبت أن المتكلم قصد استعمال الكلام لإخطار صورة حكم متعلّق بالحصة الخاصة، و قصد إخطار قيد العدالة.

3- الدلالة التصديقية الثانية:

و هي عبارة عن الدلالة على قصد الحكاية و الإخبار و على المراد الجدّي‏، و منشأ هذه الدلالة هو ظهور حال المتكلم في أن ما قصد إخطاره بكلامه مراد له جدًّا، و بهذه الدلالة نثبت أن المولى جادّ في كلامه بمعنى أن الحكم المتعلّق بالحصة الخاصة مجعول و ثابت في نفسه حقيقة و ليس هازلا، و هو قاصد إخطار قيد العدالة بشكل جدّي غير هزلي لأن القيد داخل في المراد الجدي للمولى واقعا.

ظهور حال المتكلم في التطابق بين الدلالتين التصديقيتين الأولى و الثانية:

إن قول المولى يدل بالدلالة التصديقية الثانية على أن قيد العدالة دخيل في المراد الجدي للمولى، و سبب حصول الدلالة التصديقية الثانية هو ظهور حال المتكلم في تطابق المدلول التصديقي الثاني لكلامه مع المدلول التصديقي الأول، و بحكم هذا الظهور يثبت أن الحكم الجدي المدلول للدلالة التصديقية الثانية متعلّق بالحصة الخاصة التي هي مدلول الدلالة التصديقية الأولى، و يثبت أن قيد العدالة دخيل في المراد الجدي للمولى فإن" كل ما يقوله المتكلم مراد له واقعا".

النتيجة:

عن طريق ظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيتين الأولى و الثانية نستكشف أن أي قيد يؤخذ في مرحلة المدلول التصوري و المدلول التصديقي الأول يكون قيدا في موضوع الحكم المدلول عليه بالخطاب بشكل جدّي، و هذا ما يسمى ب‏" قاعدة احترازية القيود"، و هذه القاعدة تقوم على أساس ظهور حال المتكلم في أن‏" كل ما يقوله يريده جدًّا"، فقاعدة

252

احترازية القيود تقول إن ظاهر حال المتكلم أنه إذا أخذ في كلامه قيدا فإن ذلك القيد دخيل في مراده واقعا، ففي المثال وجوب الإكرام مقيَّد بالعدالة، فإذا كان الفقير عادلا وجب إكرامه، و إذا لم يكن عادلا لم يجب إكرامه، فبقيد العدالة يحترز عن إكرام الفقير غير العادل و هو الفاسق.

قياس قاعدة احترازية القيود:

قاعدة احترازية القيود تعتمد على القياس التالي المتكوِّن من صغرى و كبرى:

صغرى الظهور: الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى بمجموعهما تثبتان ما يقوله المتكلم، بعبارة أخرى:" القيد قاله المتكلم".

كبرى الظهور: الكبرى هي مدلول لظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيتين الأولى و الثانية فتنطبق الكبرى على ما يقوله المتكلم، بعبارة أخرى:" كل ما قاله المتكلم يريده جدًّا".

فيكون القياس المكوّن من الصغرى و الكبرى كالتالي:

الصغرى: القيد قاله المتكلم.

الكبرى: و كل ما قاله المتكلم يريده جدًّا.

النتيجة: القيد يريده المتكلم جدًّا، و بذلك يثبت أن العدالة مأخوذ قيدا في موضوع الحكم، فقيد العدالة دخيل في وجوب الإكرام بحيث إذا لم تكن العدالة ثابتة لم يكن وجوب الإكرام ثابتا.

انتفاء شخص الحكم:

قاعدة احترازية القيود تقتضي انتفاء شخص الحكم المدلول عليه بالخطاب بانتفاء القيد، و لا يثبت المفهوم في القول السابق للمولى لأنه لا ينتفي طبيعي الحكم عند انتفاء قيد العدالة بل ينتفي شخص الحكم‏