دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
253

و هو وجوب الإكرام المقيَّد بالعدالة بينما المفهوم يدل على انتفاء طبيعي الحكم، كما في مفهوم الجملة الشرطية الذي يقتضي انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط، مثل" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ" فإنه إذا انتفى القيد و هو مجي‏ء زيد انتفى طبيعي الحكم و هو طبيعي الإكرام لا شخص الإكرام فقط، و شخص الإكرام ينتفي حتما إذا انتفى المجي‏ء.

إذن: كل من قاعدة احترازية القيود و المفهوم يدل على دخالة القيد في الحكم، و لكن القاعدة تدل على انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد، و المفهوم يدل على انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد.

ثانيا: قاعدة قرينة الحكمة أو مقدمات الحكمة:

مثال الإطلاق: قول المولى:" أَكْرِمِ الفقيرَ".

و توجد هنا الدلالات الثلاث و هي:

1- الدلالة التصورية:

أنيط حكم وجوب الإكرام في مرحلة المدلول التصوري بذات الفقير، و قد تقدم أن مدلول اسم الجنس لا يدخل فيه التقييد و لا الإطلاق، بل هو موضوع للطبيعة المهمَلة الأعم من المقيَّدة و المطلقة، و الذي يخطر إلى الذهن هو ذات الفقير و لا يخطر الإطلاق معه لأن الإطلاق ليس مدلولا وضعيا لاسم الجنس.

2- الدلالة التصديقية الأولى:

بهذه الدلالة نثبت أن المتكلم استعمل الكلام لإخطار صورة حكم متعلِّق بذات الفقير بالمدلول المطابقي، و هو لم يبرز التقييد و لا الإطلاق، فلم يُفِدْ دخل قيد العدالة أو عدم دخله في الحكم لا بالمدلول المطابقي و لا بالمدلول الالتزامي، فهو لم يتفوّه بالإطلاق لأن الإطلاق ليس دخيلا

254

في مدلول اللفظ وضعا كما مرّ سابقا، فغاية ما يمكن تقريره أنه لم يذكر القيد.

3- الدلالة التصديقية الثانية:

بهذه الدلالة نثبت أن المتكلم جادّ في كلامه بمعنى أن الحكم المتعلِّق بذات الفقير مجعول و ثابت في نفسه حقيقة إلا إذا قامت قرينة على أنه ليس جادّا، كما إذا كان في موقع الهزل أو التقية.

قياس قاعدة قرينة الحكمة:

قاعدة قرينة الحكمة تعتمد على القياس التالي المتكوِّن من صغرى و كبرى:

صغرى الظهور: القيد لم يقله المتكلم.

كبرى الظهور: و كل ما لم يقله المتكلم لا يريده جدًّا.

نتيجة القياس: القيد لا يريده المتكلم جدًّا، و بذلك يثبت أن قيد العدالة غير مأخوذ في موضوع الحكم، و هذا هو معنى الإطلاق لأن معناه هو (عدم لحاظ القيد)، و أما إذا قلنا بأن الإطلاق مدلول وضعي أي أنه (لحاظ عدم القيد) لكانت المقدمة الأولى و هي الصغرى كافية لإثبات الإطلاق.

النتيجة:

إن كبرى قاعدة قرينة الحكمة ظهور حالي سياقي و هو ظهور حال المتكلم في أنه في مقام بيان تمام مراده الجدي بكلامه، فيظهر من حاله أن كل ما لا يقوله من القيود لا يريده في موضوع حكمه بشكل جدي، بعبارة أخرى:" كل ما لا يقوله لا يريده جدًّا"، و هذا ما يسمى ب‏" الإطلاق" أو" قرينة الحكمة" أو" مقدمات الحكمة"، و لازم ذلك أن قيد العدالة ليس جزءا من المراد الجدي للمولى.

255

ملاحظات:

1- الظهور الذي تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود يختلف عن الظهور الذي يعتمد عليه الإطلاق و قاعدة مقدمات الحكمة، فهما ظهوران مختلفان.

2- قاعدة احترازية القيود تعتمد على ظهور حال المتكلم في أن‏" ما يقوله يريده"، و الإطلاق يعتمد على ظهور حال المتكلم في أن‏" ما لا يقوله لا يريده"، و الظهور الأول هو ظهور التطابق بين المدلول اللفظي للكلام و المدلول التصديقي الجدي إيجابيا، و الظهور إيجابي لأنه ذُكِرَ في الكلام حيث يعتمد على" ما يقوله"، و الظهور الثاني هو ظهور التطابق بينهما سلبيا، و الظهور سلبي لأنه لم يُذْكَرْ في الكلام حيث يعتمد على" ما لا يقوله"، فقاعدة احترازية القيود تعتمد على أصالة التطابق الإيجابي، و الإطلاق يعتمد على أصالة التطابق السلبي، و المقصود من المدلول اللفظي للكلام هو المدلول المتحصل من الدلالة التصورية و الدلالة التصديقية الأولى.

3- ظهور حال المتكلم في التطابق الإيجابي في قاعدة احترازية القيود أقوى من ظهور حاله في التطابق السلبي في الإطلاق، لذلك يُقَدَّم المقيَّد على المطلق لأن الأقوى ظهورا يُقَدَّم عند التعارض على الأضعف ظهورا، فمتى ما تعارض المدلول اللفظي لكلام مع إطلاق كلام آخر قُدِّم المدلول اللفظي على الإطلاق وفقا لقواعد الجمع العرفي، و لنفس النكتة يُقدّم العموم على الإطلاق عند التعارض لأن العموم أقوى ظهورا من الإطلاق.

4- يتمثّل الإطلاق في مجموع مقدمتين تسمّيان‏" مقدمات الحكمة" هما:

أ- الصغرى: هي عدم ذكر المتكلم للقيد في كلامه، فتمام ما قيل كموضوع للحكم بحسب المدلول اللفظي للكلام هو" ذات الفقير" و لم يؤخذ فيه قيد العدالة.

256

ب- الكبرى: هي ظهور حال المتكلم في أن كل ما لم يذكره إثباتا في المدلول اللفظي لا يريده ثبوتا في المراد الجدّي، فلو أراد القيد لذكره، و طالما أنه لم يذكره فهو لا يريده، و منشأ هذه الكبرى هو ظهور حال المتكلم في أنه في مقام بيان تمام موضوع حكمه الجدّي بكلامه، فيظهر من حاله أن كل قيد لا يذكره في كلامه فهو لا يريده جدا و واقعا، و لو كان القيد موجودا في مراده الجدي الواقعي لذكره.

فإذا تمت هاتان المقدمتان تكونت للكلام دلالة على الإطلاق و عدم دخالة أي قيد لم يذكر في الكلام.

5- في حالة ذكر القيد في الكلام تختل المقدمة الأولى التي هي الصغرى، و بذلك لا توجد دلالة على الإطلاق لأن القيد دخيل في موضوع الحكم ما دام القيد داخلا في جملة ما قاله، فالدلالة على الإطلاق تزول عند ذكر المتكلم للقيد.

البحث حول حصول الدلالة على الإطلاق في حالتين:

قلنا إن الدلالة على الإطلاق لا توجد في حالة ذكر القيد في الكلام، فالظهور الإطلاقي يزول عند ذكر القيد المتصل، و لكن وقع البحث في حالتين بأنه تحصل فيهما الدلالة على الإطلاق أو لا تحصل، و هاتان الحالتان هما:

الحالة الأولى: ذكر القيد في كلام آخر منفصل:

إذا تفوَّه المتكلم بكلام ثم بعد يوم تكلم بنفس الكلام و لكن مقيَّدا بقيد معيّن، هذا القيد في الكلام الثاني يسمى قيدا منفصلا لأنه ذُكِر في كلام آخر منفصل عن الكلام الأول، كما إذا قال" اعْتِقْ رقبة" ثم بعد يوم قال" اعْتِقْ رقبة مؤمنة"، فهل القيد المنفصل يزيل الإطلاق في الكلام الأول من أساسه كما يزيله القيد المتصل، أو لا يزيله؟

257

الجواب:

يوجد في هذه الحالة قولان:

القول الأول للشيخ الأنصاري‏ (قدس سره):

إن‏ القيد المنفصل يمنع من انعقاد الإطلاق، فلا ينعقد الإطلاق في الكلام الأول كما هي الحالة في ذكر القيد المتصل، فذكر القيد في كلام آخر منفصل يؤدي إلى عدم دلالة الكلام الأول على الإطلاق رأسا، فالقيد المنفصل يزيل الظهور الإطلاقي في الكلام الأول من أساسه.

القول الثاني للمشهور:

إن‏ القيد المنفصل لا يمنع من انعقاد الإطلاق، فينعقد الإطلاق في الكلام الأول، و القيد المنفصل يعارض الإطلاق و يُقَدَّم عليه وفقا لقواعد الجمع العرفي، فدلالة الكلام الأول على الإطلاق تنعقد بعدم ذكر القيد المتصل، و لكن ذكر القيد في كلام آخر منفصل يعارض إطلاق الكلام الأول و تُقدّم القرينة المنفصلة على الظهور الإطلاقي في الكلام الأول من باب تقديم أقوى الحجتين لأن المقيَّد أقوى ظهورا من المطلق فيقدَّم عليه عند التعارض غير المستقر بموجب قواعد الجمع العرفي.

أسس البحث في الحالة الأولى:

و هذا البحث يتحدّد على أحد أساسين:

الأساس الأول:

الظهور الحالي الذي يشكّل الكبرى و هي أن كل ما لا يقوله لا يريده يقتضي كون المتكلم في مقام بيان تمام موضوع الحكم بمجموع كلماته الصادرة منه خلال سني حياته لا بشخص كلامه فقط، و تكون صغراه عدم ذكر القيد مطلقا سواء كان متصلا أم منفصلا، فينهدم أصل الظهور الإطلاقي بمجي‏ء القيد المنفصل، فإذا ذكر القيد المنفصل و لو بعد عشر سنوات انهدم الإطلاق منذ بدايته، و هذا هو أساس القول الأول.

258

الأساس الثاني:

الظهور الحالي الذي يشكّل الكبرى و هي أن كل ما لا يقوله لا يريده يقتضي كون المتكلم في مقام بيان تمام موضوع الحكم بشخص كلامه، و تكون صغراه عدم ذكر القيد المتصل، و يكون ظهور الكلام في الإطلاق منوطا بعدم ذكر القيد في شخص الكلام، فإذا ذكر القيد المتصل لم ينعقد الإطلاق، و إذا لم يذكر القيد المتصل انعقد الإطلاق، لذلك لا ينهدم الظهور الإطلاقي بمجي‏ء القيد المنفصل في كلام آخر، و هذا هو أساس القول الثاني.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو القول الثاني و هو انعقاد الإطلاق في الكلام الأول و حصول التعارض مع القيد المنفصل و تقديمه على الإطلاق، فظاهر حال المتكلم أنه في مقام بيان تمام مراده بشخص كلامه، و الدليل على ذلك أمران هما:

1- الوجدان العرفي يقضي بأن المتكلم يبيّن تمام مراده و موضوع حكمه بشخص كلامه، فهو لا بد أن يبيّن كل ما هو دخيل في مراده بشخص كلامه لا بمجموع كلماته.

2- يلزم من الأساس الأول عدم إمكان التمسك بالإطلاق في موارد احتمال البيان المنفصل لأنه لا يمكن إحراز الظهور الإطلاقي مع احتمال ورود القيد المنفصل إذا كان ظهور الكلام في الإطلاق منوطا بعدم ذكر القيد مطلقا سواء كان متصلا أم منفصلا، و هذا اللازم خلاف الوجدان، و إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، و الملزوم هو القول الأول.

الحالة الثانية: وجود قدر متيقَّن في مقام التخاطب:

سؤال: هل وجود القدر المتيقَّن في مقام التخاطب يمنع دلالة الكلام على الإطلاق أم لا؟

259

الجواب: إذا فهمنا الإطلاق من كلام المولى بقرينة الحكمة فإنه توجد للمطلق من حيث الحصص ثلاث حالات هي:

1- تكافؤ الحصص في الاحتمال:

و ذلك بأن لا تكون إحدى حصص المطلق أولى من غيرها عند المتكلم، كما إذا قال:" اشْتَر لي دفترا"، و لم يكن دفتر معيَّن أولى من الدفاتر الأخرى عنده، فهنا يكون من الممكن اختصاص الحكم بهذه الحصة دون تلك أو بالعكس أو شموله لهما معا، و هذا معناه عدم وجود قدر متيقّن في مقام التخاطب، فتجري قرينة الحكمة بلا إشكال لإثبات الإطلاق لأنه لم يذكر القيد فلا يريد القيد، فهو لم يذكر دفترا معيّنا بذكر قيد معيّن، فمعنى ذلك أنه لا يريد هذا التقييد.

2- كون إحدى الحصص أولى بالحكم من الحصة الأخرى:

و ذلك بأن تكون إحدى حصص المطلق أولى عند المتكلم من الحصص الأخرى، و هذه الأولوية علمت من قرينة من خارج الكلام المطلق، و هذا يسمى ب" القدر المتيقَّن من الخارج" لا القدر المتيقن في مقام التخاطب، و المشهور أن القدر المتيقن من الخارج لا يمنع من جريان قرينة الحكمة و الإطلاق في هذه الحالة أيضا، و هذا هو بحث الانصراف حيث إن الارتباط بين اللفظ و إحدى الحصص أقوى من ارتباطه بالحصص الأخرى، و الارتباط الأقوى لم ينشأ من الوضع بل من القرائن الخارجية.

3- كون الحصة موردا للسؤال:

و ذلك بأن تكون إحدى حصص المطلق موردا لتطبيق الحكم في الكلام بنحو صريح، فيكون نفس الكلام المطلق صريحا في إرادة حصة معيّنة من حصصه، كما إذا كانت تلك الحصة هي مورد السؤال، و لكن جاء الجواب على السؤال مطلقا، و هذا يسمى ب" القدر المتيقَّن في مقام التخاطب"، فهل يمنع هذا القدر المتيقّن دلالة الكلام على الإطلاق أم لا؟

260

مثال: لو سأل شخصٌ الإمامَ عن حكم إكرام الفقير العادل، فقال المعصوم (عليه السلام) مثلا:" أَكْرِمِ الفقيرَ" من دون ذكر قيد العدالة، فهنا الجواب مطلق إلا أن القدر المتيقّن هو خصوص الفقير العادل لا كل فقير و إن لم يكن عادلا، و هذا قدر متيقن في مقام التخاطب لأن السؤال كان عن حكم إكرام الفقير العادل.

رأي صاحب الكفاية (قدس سره):

إن‏ القدر المتيقَّن في مقام التخاطب يمنع من دلالة الكلام على الإطلاق، فلا يمكن التمسك بكبرى قرينة الحكمة لأنه من المحتمل أن يكون مراده من" الفقير" خصوص القدر المتيقن و هو" الفقير العادل" لأن كلامه وافٍ ببيان هذا القدر فقط، فلا يلزم حينئذ أن يكون قد خالف ظهور حاله و أراد ما لم يقله، و لا يُخِلّ المتكلم بمراده لو كان مراده واقعا خصوص القدر المتيقن لأنه قد بيَّن مراده.

رد الشهيد على رأي صاحب الكفاية (قدس سرهما):

إن ظاهر حال المتكلم في كبرى قرينة الحكمة و الكبرى هي" ما لا يقوله لا يريده جدًّا" أنه في مقام بيان تمام كل ما هو دخيل من القيود في موضوع جعله و حكمه الكلي الجدّي بكلامه لأن خطاب الشارع ناظر إلى عالم الجعل و الحكم الكلي و ليس من مهمة الشارع بيان تطبيقات الجعل، فإذا كانت العدالة جزءا من الموضوع و لم يبيِّن هذا الجزء فمعنى ذلك أنه لم يبيِّن تمام مراده بكلامه لأنه لم يذكر ما يدل على قيد العدالة، و مجرد أن" الفقير العادل" هو القدر المتيقّن في الحكم المطلق بإكرام الفقير لا يعني أخذ قيد العدالة في موضوع الجعل و الحكم الكلي، نعم المخاطب علم من نفس الكلام أن المتكلم أراد هذه الحصة الخاصة كمصداق في مرحلة تطبيق الحكم الكلي، و لكن لا دليل على أنه أراد تقييد الحكم بهذه الحصة الخاصة و على أنه لم يرد غيرها من الحصص الأخرى في مرحلة الجعل، و ينتج من ذلك‏

261

أن قرينة الحكمة تقتضي عدم دخالة قيد العدالة حتى في هذه الحالة لأن المتكلم لم يبرز قيد العدالة في كلامه فمعنى ذلك أنه لا يريد هذا القيد في الجعل و الحكم الكلي، و لو كان قيد العدالة دخيلا في الحكم لبيَّنه الشارع في كلامه، و لأنه لم يبيِّنه فمعنى ذلك عدم دخالته في مراده.

النتيجة النهائية:

قرينة الحكمة أي ظهور الكلام في الإطلاق لا تتوقف على عدم المُقَيِّد المنفصل و لا على عدم القدر المتيقَّن، فحتى مع وجود القيد المنفصل و القدر المتيقن لا يتأثر الإطلاق، بل تتوقف على عدم القيد المتصل.

تنبيهات:

كان البحث السابق في أصل الإطلاق و قرينة الحكمة، و تكميلا لنظرية الإطلاق لا بد من الإشارة إلى عدة تنبيهات كما يأتي:

التنبيه الأول: قرينة الحكمة ناظرة إلى المدلول التصديقي الجدي:

إن أساس الدلالة على الإطلاق هو الظهور الحالي السياقي للمتكلم في أن" ما لا يقوله لا يريده"، و هذا الظهور دلالته تصديقية لأن الإطلاق غير داخل في تكوين المدلول الوضعي التصوري، لذلك فإن قرينة الحكمة الدالة على الإطلاق ناظرة إلى تحديد المدلول التصديقي و المراد الجدي مباشرة من دون المرور بالدلالة التصورية لأن الإطلاق يرتكز على ظهور حال المتكلم في أن" ما لا يقوله لا يريده جدًّا"، فما لا يذكره من قيود لا يريده بشكل جدي، و هذا الظهور يحدّد مراد المتكلم و مراد المتكلم هو المدلول التصديقي الجدّي، خلافا للسيد الخوئي‏ (قدس سره) الذي قال بأن الدلالة على الإطلاق وضعية لأن الإطلاق و هو لحاظ عدم القيد مأخوذ قيدا في المعنى الموضوع له، فعلى هذا القول تدخل الدلالة الإطلاقية في تكوين المدلول التصوري.

262

التنبيه الثاني: قرينة الحكمة تنتج الإطلاق الشمولي و الإطلاق البدلي:

إن قرينة الحكمة تقتضي تارة الإطلاق الشمولي و هو الذي يستدعي تعدد الحكم بتعدد ما لطرف الحكم من أفراد، و تارة أخرى الإطلاق البدلي و هو الذي يستدعي وحدة الحكم.

مثال:" أَكْرِمِ العالم" الذي يدل على وجوب إكرام العالم، بعبارة أخرى:" العالم يجب إكرامه"، إن جريان قرينة الحكمة في" الإكرام" و هو متعلَّق الحكم يقتضي البدلية حيث يوجب إيجاد فرد واحد من أفراد الإكرام، فلا يتعدد الحكم في كل عالم بتعدد أفراد الإكرام بل يكون الحكم من حيث الإكرام واحدا و هو وجوب فرد واحد من الإكرام لأن إيجاد جميع أفراد الإكرام أمر مستحيل أو غير مقدور على المكلف عادة، فيكفي الإتيان بمصداق واحد من مصاديق الإكرام، و هذا هو معنى البدلية.

و أما جريان قرينة الحكمة في" العالم" و هو موضوع الحكم فيقتضي الشمولية حيث يوجب إكرام جميع أفراد" العالم"، فيتعدد وجوب الإكرام بتعدد أفراد العالم، و الحكم ينحل إلى أحكام بعدد الأفراد، فلا يكفي إكرام عالم واحد، بل يجب إكرام جميع العلماء، و هذا هو معنى الشمولية، فإذا أكرم بعض العلماء فإنه يكون ممتثلا، و إذا لم يكرم البعض كان عاصيا إلا إذا كان المطلوب وجوب إكرامهم على نحو المجموع، فإذا أكرم جميع العلماء كان ممتثلا، و إذا لم يكرم البعض كان عاصيا حتى و إن أكرم البعض الآخر، مثل الاعتقاد بالأئمة (عليهم السلام) فإن المكلف إذا اعتقد بهم جميعا كان ممتثلا، و إذا اعتقد بالبعض دون البعض كان عاصيا.

إذن: قرينة الحكمة تقتضي الشمولية بالنسبة إلى موضوع الحكم، و تقتضي البدلية بالنسبة إلى متعلَّق الحكم.

263

اعتراض على التنبيه الثاني‏:

إن قرينة الحكمة شي‏ء واحد فكيف تقتضي تارة الإطلاق الشمولي و تارة أخرى الإطلاق البدلي مع أن الشي‏ء الواحد لا ينتج شيئين مختلفين؟

بعبارة أخرى: كيف يكون لقرينة الحكمة نتاجان مختلفان مع أنها شي‏ء واحد؟، و البحث هنا بحث في عالم الإثبات و الدلالة لا في عالم الثبوت و اللحاظ.

جواب الاعتراض:

و أجيب على الاعتراض بعدة وجوه:

الوجه الأول للسيد الخوئي‏ (قدس سره):

إن‏ قرينة الحكمة لا تثبت شيئين حتى يأتي الاعتراض بل تثبت شيئا واحدا و هو الإطلاق بمعنى عدم القيد، فهي لا تقتضي إلا شيئا واحدا و هو عدم التقييد و لا تقتضي بنفسها البدلية و الشمولية حتى يأتي ذلك الاعتراض، و أما البدلية و الشمولية فتفهم بقرينة خارجية غير قرينة الحكمة، فالبدلية تثبت في متعلَّق الأمر بسبب قرينة خارجية هي استحالة الشمولية في بعض الموارد لأن إيجاد جميع أفراد الطبيعة غير مقدور للمكلف عادة.

مثال:" صَلِّ صلاة الظهر"، يكفي الإتيان بمصداق واحد لصلاة الظهر لا أن يصلي مرة بالثوب الأبيض و أخرى بالثوب الأخضر و ثالثة بالثوب...، و مرة بالبيت و أخرى في المسجد و ثالثة في....

و أما الشمولية فإنها تثبت في متعلَّق النهي بسبب قرينة خارجية هي استحالة البدلية في بعض الموارد لأن ترك أحد أفراد الطبيعة على البدل حاصل بدون حاجة إلى النهي، و طلب تحصيل الحاصل قبيح أو محال.

مثال:" لا تَكْذِبْ" يدل على شمول النهي لجميع مصاديق الكذب، و لأن الشخص لا يستطيع أن يأتي بجميع مصاديق الكذب فعلى الأقل يكون‏

264

تاركا لأحد المصاديق، فيكون النهي عن المصداق المتروك لغوا لأنه تحصيل للحاصل إذ أن تركه متحقق و لا يحتاج إلى النهي عنه.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الأول:

لا يصلح هذا الوجه لحل المشكلة إذ توجد حالات يمكن فيها الإطلاق الشمولي و البدلي معاً لأن كليهما معقول و لا تقتضي القرينة الخارجية خصوص أحدهما، و لكن مع هذا يتعيّن الإطلاق الشمولي بقرينة الحكمة كما في كلمة" العالم" في" أكرم العالم"، فكلمة" العالم" تصلح للإطلاق الشمولي إذا قلنا بوجوب إكرام كل عالم، و تصلح للإطلاق البدلي إذا قلنا بوجوب إكرام عالم واحد، و لكن يتعيَّن الإطلاق الشمولي بقرينة الحكمة لأنه لم يذكر قيدا في كلمة" العالم" فيفهم منها الإطلاق الشمولي، فلا بد إذن من وجود أساس آخر لتعيين الشمولية أو البدلية غير مجرد كون بديلها مستحيلا.

الوجه الثاني للمحقق العراقي‏ (قدس سره):

إن الأصل في قرينة الحكمة هو الإطلاق البدلي، و الشمولية عناية إضافية بحاجة إلى قرينة خارجية، و تقتضي الإطلاق البدلي لأن قرينة الحكمة تثبت أن مصبّ الحكم سواء كان المصب موضوع الحكم أم متعلَّق الحكم هو ذات الطبيعة بدون دخالة القيد، و ذات الطبيعة بدون قيد تنطبق على القليل و الكثير و على الواحد و المتعدد، و لكن يكفي الامتثال بالإتيان بفرد واحد من الطبيعة لأن الطبيعة تتحقق بالفرد الواحد منها، و هذا هو معنى كون الإطلاق بدليا.

مثال:" أَكْرِمِ العالم"، إذا جرت قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق يكفي في الامتثال إكرام عالم واحد لانطباق ذات طبيعة" العالم" عليه، و هذا هو معنى كون الإطلاق من حيث الأساس بدليا دائما، و أما الشمولية فتحتاج إلى ملاحظة الطبيعة سارية في جميع أفرادها، و هي مئونة زائدة

265

تحتاج في مقام الدلالة عليها إلى قرينة أخرى غير قرينة الحكمة، و هذه القرينة الأخرى ليس محل توضيحها هنا، فقد تكون الألف و اللام أو عدم معقولية الشمولية أو شي‏ء آخر، و يناقش في محل آخر.

إذن: الأصل في الإطلاق البدلية ما لم تقم قرينة على الشمولية.

الوجه الثالث للمحقق الأصفهاني‏ (قدس سره):

إن الأصل في قرينة الحكمة هو الإطلاق الشمولي، و البدلية عناية إضافية بحاجة إلى قرينة خارجية، و تقتضي الإطلاق الشمولي لأن قرينة الحكمة تدل على تعلق الحكم بذات الطبيعة بدون دخالة القيد، و طبيعة الماهية عند ما تلحظ بدون قيد ينصبّ عليها الحكم بما هي مرآة للخارج، فيسري الحكم إلى كل فرد خارجي تنطبق عليها تلك المرآة الذهنية، و هذا هو معنى تعدد الحكم و شموليته، و أما البدلية كما في متعلَّق الأمر فتحتاج إلى عناية زائدة و هي تقييد الماهية بالوجود الأول، لذلك لا تجب الوجودات التالية.

مثال:" صَلِّ" يرجع إلى الأمر بالوجود الأول لأن معنى" صَلِّ" هو" يجب عليك الإتيان بفرد واحد من الصلاة"، لذلك لا يجب الوجود الثاني.

إذن: الأصل في الإطلاق الشمولية ما لم تقم قرينة على البدلية.

رأي الشهيد (قدس سره):

إن التحقيق في المسألة بتفاصيلها يكون في بحث أعلى إن شاء الله تعالى.

التنبيه الثالث: من نتائج الشمولية و البدلية في قرينة الحكمة:

1- قرينة الحكمة تقتضي الشمولية، و من نتائج الشمولية في إطلاق متعلَّق النهي تعدد الحكم بعدد أفراد المتعلَّق.

266

مثال: قول المولى:" لا تَكْذِبْ"، يشتمل الحكم على تحريمات متعدّدة بعدد أفراد الكذب و ينحل الحكم إلى أحكام بهذا العدد من الأفراد، فتكون لكل كذبة حرمة تخصّها، فلو كذب المكلف كذبتين فإنه يكون قد عصى حكمين بتحريم الكذب، لذلك فهو يستحق عقابين.

2- قرينة الحكمة تقتضي البدلية، و من نتائج البدلية في إطلاق متعلَّق الأمر وحدة الحكم.

مثال: قول المولى:" صَلِّ صلاة الظهر"، يشتمل الحكم على وجوب واحد لأن الحكم لا ينحل إلى وجوبات متعددة، فالوجوب في الأمر السابق وجوب واحد متعلق بصلاة واحدة، فلو خالف المكلف و ترك هذه الصلاة فإنه يكون قد عصى عصيانا واحدا، لذلك فهو يستحق عقابا واحدا فقط.

3- نعم بعض النواهي لا يتعدد فيها الحكم و لا يعبِّر النهي إلا عن تحريم واحد، و ذلك إذا كان متعلَّق النهي ماهية غير قابلة للتكرار.

مثال: قول المولى:" لا تُحْدِثْ"، لا يتعدد فيه الحكم و يوجد هنا تحريم واحد لأن الحدث واحد غير قابل للتكرار و لا يتعدّد بطبيعته، فمن بال مثلا صار محدثا، و إذا بال مرة ثانية فإنه لا يصير محدثا مرة ثانية لأنه باق على حدثه.

في هذه الحالة يكون التحريم واحدا كما أن الوجوب في" صَلِّ صلاة الظهر" وجوب واحد لأن معناه" يجب الإتيان بفرد واحد من صلاة الظهر" و يكفي الامتثال بالإتيان بفرد واحد منها، و لكن مع هذا نلاحظ أن هناك فارقا ثابتا بين الأمر و النهي أو بين الوجوب و التحريم.

و هذا الفارق هو أن الوجوب الواحد المتعلّق بالطبيعة يستدعي الإتيان بفرد من أفرادها، و أما التحريم الواحد المتعلّق بالطبيعة فيستدعي اجتناب كل أفرادها

267

و هذا الفارق ليس مرده إلى الاختلاف في دلالة اللفظ أو الإطلاق، بل مرده إلى أمر عقلي و هو أن الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، و لكنها لا تنعدم إلا بانعدام جميع أفرادها، و بما أن النهي عن الطبيعة يستدعي إعدام الطبيعة فلا بد من ترك جميع أفرادها حتى لا توجد الطبيعة، و بما أن الأمر بالطبيعة يستدعي إيجاد الطبيعة فيكفي إيجاد فرد من أفرادها حتى توجد الطبيعة.

التنبيه الرابع: الشمولية تكون في مرحلة المجعول لا في مرحلة الجعل:

و البحث هنا بحث في عالم الثبوت و اللحاظ لا في عالم الإثبات و الدلالة، إن سريان الحكم و تعدده الثابت بقرينة الحكمة ليس من شئون مدلول الكلام لا تصورا و لا تصديقا، بل هو من شئون عالم المجعول، و يكون المدلول في عالم المجعول مدلولا تحليليا.

في حالات الإطلاق الشمولي يسري الحكم إلى كل أفراد الطبيعة، فيكون كل فرد من الطبيعة موضوعا لفرد من الحكم، كما في الإطلاق الشمولي للعالم في قول المولى:" أَكْرِمِ العالم"، فهنا لا يتعدد الحكم في مرتبة مدلول الكلام لأن مدلوله هو الجعل و الإنشاء، فتعدد مصبّ الحكم سواء كان مصب الحكم متعلَّقا أم موضوعا في الإطلاق الشمولي ليس في مرتبة الجعل و لحاظ المولى عند جعله و إنشائه و تشريعه للحكم بوجوب الإكرام على طبيعي العالم لأن المولى يجعل الحكم في الخطاب الشرعي على نحو القضية الحقيقية، فنظره الجعلي له حكم واحد و موضوع واحد مقدَّر الوجود فكأنه قال:" من صدق عليه أنه عالم فأَكْرِمْهُ"، فهو يلاحظ طبيعي العالم و لا يلحظ العلماء بما هم كثرة، و لكن تعدد الحكم و تكثّره و سريانه في الأفراد يكون في مرتبة المجعول و فعلية الحكم في الخارج لأن فعلية الحكم تابعة لفعلية و تحقق موضوع الحكم خارجا، فيتكثّر وجوب الإكرام في المثال‏

268

تبعا لتكثّر أفراد العالم في الخارج، فكلما وُجِد عالم في الخارج وَجَبَ إكرامه.

إذن: الخطاب الشرعي مفاده و مدلوله التصديقي الجدي هو الجعل و الحكم الكلي على نحو القضية الحقيقية، و لا ينظر فيه إلى المجعول و فعلية الحكم، و هذا معناه أن الشمولية و تكثر الحكم في موارد الإطلاق الشمولي يكون في مرتبة غير المرتبة التي هي مفاد الدليل، فمفاد الدليل هو الجعل و الحكم الكلي، و الشمولية و تكثر الحكم و تعدده يكون في مرتبة المجعول و فعلية الحكم.

269

أدوات العموم تعريف العموم و أقسامه‏

تعريف العموم:

العموم هو شمول و استيعاب جميع الأفراد بحيث يكون الاستيعاب مدلولا عليه باللفظ.

مثال:" أَكْرِمْ كلَّ عالِمٍ"، الاستيعاب هنا مدلول عليه بلفظ" كلّ".

الفرق بين العموم و الإطلاق الشمولي:

1- في العموم يوجد لفظ دال على الاستيعاب مثل" كل" و" جميع" و" كافة"، و أما في الإطلاق فلا يوجد لفظ دال على الشمول و الاستيعاب.

2- في الإطلاق يكون الدال على الشمول هو قرينة الحكمة لأن الشمولية في المطلق ليست مدلولة للكلام، و أما في العموم فنفس اللفظ يدل على الشمول و الاستيعاب.

مثال:" أَكْرِمِ العالم"، الدال على الشمول ليس لفظا معيّنا، بل الدال هو قرينة الحكمة التي تقول" ما لا يقوله المتكلم لا يريده جدّا"، و في المثال لم يذكر المتكلم قيدا للعالم، فيدل ذلك على عدم إرادة أي قيد للعالم في المراد الجدي، و معنى ذلك أنه لم يلاحظ أي قيد واقعا، و عدم لحاظ القيد هو الإطلاق.

270

3- العموم يكون من شئون عالم الجعل لأن تكثّر الأفراد فيه ملحوظ في نفس مدلول الدليل و الكلام حيث إن الكلام ينظر إلى عالم الجعل، و الإطلاق و تعدد الحكم فيه يكون من شئون عالم المجعول و فعلية الحكم.

4- العام الشمولي أقوى ظهورا من الإطلاق الشمولي، لذلك يُقَدَّم العموم على الإطلاق.

دلالة الكلام على الاستيعاب:

إن دلالة الكلام في عالم الجعل على الاستيعاب تحتاج إلى وجود دالّين هما:

أ- أداة العموم: و هي تدل على نفس الاستيعاب، مثل كلمة" كل".

ب- مدخول الأداة: و هو يدل على المفهوم الذي يستوعِب أفراده.

مثال:" أَكْرِمْ كلّ عالم"، أداة العموم هي كلمة" كل"، و مدخول الأداة هو كلمة" عالم".

أنواع أداة العموم:

أ- الأداة الاسمية: و ذلك حينما تكون الأداة اسما، و تدل على الاستيعاب بما هو مفهوم اسمي أي تدل على معنى" عموم" و" استيعاب"، كما في" كل" و" جميع" و" كافة"، فيكون المعنى: أَكْرِمْ عمومَ الفقراءِ و مُسْتَوْعِبًا الفقراءَ.

ب- الأداة الحرفية: و ذلك حينما تكون الأداة حرفا، و تدل على الاستيعاب بما هو نسبة استيعابية بين المستوعِب و المستوعَب، كما في" لام‏

271

الجمع" في" العلماء" بناء على أن الجمع المعرّف بالألف و اللام يدل على العموم، فإن" أَلْ" حرف فإذا دلت على الاستيعاب فهي تدل عليه بما هو نسبة و معنى حرفي أي النسبة الاستيعابية، و سيأتي تصوير ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

أقسام العموم:

إن الاستيعاب لكل مصاديق المفهوم يعني مجموعة تطبيقات المفهوم على مصاديقه، و ينقسم العموم بحسب اختلاف اللحاظ إلى ثلاثة أقسام:

1- العموم الاستغراقي:

نحصل عليه إذا لوحظت هذه التطبيقات عَرْضِيَّة أي في عَرْض واحد بمعنى أنها تلحظ جميعا بدون عناية وحدة التطبيقات، فالتطبيقات تكون مستقلة متعددة، فيلحظ التطبيق على كل فرد مستقلا عن تطبيقه على الفرد الآخر، كأنه يقول:" أَكْرِمْ جميعَ العلماء"، و فيه يتعدد الحكم بتعدد الأفراد، فكل فرد يكون موضوعا لوجوب إكرام مستقل غير مرتبط بإكرام الفرد الآخر، فإذا أكرم واحدا منهم حصل على ثواب واحد، و إذا لم يكرم واحدا حصل على عقاب واحد.

2- العموم المجموعي:

نحصل عليه إذا لوحظت هذه التطبيقات في عَرْض واحد مع عناية وحدة تلك التطبيقات، فتلحظ التطبيقات كأنها تطبيق واحد، كأنه يقول:" أَكْرِمِ مجموعَ العلماءِ"، و الحكم واحد منصب على مجموع الأفراد الذين لوحظوا بما هم واحد، فيجب إكرام العلماء بوصفهم مجموعة واحدة حيث يتم فيه تنزيل الأفراد منزلة الفرد الواحد، فلو أكرمهم إلا واحدا منهم فكأنه لا إكرام أصلا، كما في الإيمان بالأئمة

272

الاثني عشر (عليهم السلام)، فإنه إذا لم يعتقد بواحد منهم فكأنه غير معتقد بالإمامة أصلا.

3- العموم البدلي:

نحصل عليه إذا لوحظت هذه التطبيقات تبادلية، فيلحظ التطبيق على فرد واحد غير معيَّن، كأنه يقول:" أَكْرِمْ أحدَ العلماءِ" أو" أَكْرِمْ أَيَّ عالِمٍ" أو" أَكْرِمْ العالم الأولَ أو الثاني أو الثالثَ أو... إلى آخره"، فالحكم واحد منصبّ على فرد واحد غير معيّن، فيجب إكرام عالم واحد غير معيّن، فإذا أكرم واحدا فقط يسقط التكليف و لا حاجة لإكرام عالم آخر.

الخلاصة:

تكون خلاصة أقسام العموم على النحو التالي:

العموم‏

هو الاستيعاب و هو مجموعة تطبيقات المفهوم على مصاديقه‏

التطبيقات تبادليّة التطبيقات عَرْضِيَّة

العموم البدلي‏

لحاظ وحدة التطبيقات عدم لحاظ وحدة التطبيقات‏

العموم المجموعي العموم الاستغراقي‏

273

سؤال: في أي مرحلة ينقسم العموم إلى الأقسام الثلاثة؟ هل في مرحلة الموضوع أو في مرحلة الحكم أو في مرحلة تعلّق الحكم بالموضوع؟

الجواب:

رأي صاحب الكفاية (قدس سره):

العموم له معنى واحد و هو الشمول و الاستيعاب لجميع الأفراد، و الأقسام الثلاثة خارجة عن نفس معنى العموم، فانقسام العموم إلى هذه الأقسام ليس في مرحلة الموضوع و لا في مرحلة الحكم و إنما في مرحلة تعلّق الحكم بالموضوع لأن الحكم إن كان متعددا بتعدد أفراد الموضوع فهو استغراقي، و إن كان الحكم واحدا و يقتضي الجمع بين أفراد الموضوع فهو مجموعي، و إن كان الحكم واحدا و يكتفى في امتثاله بفرد واحد من الموضوع فهو بدلي.

رد الشهيد على صاحب الكفاية (قدس سرهما):

الصحيح أن العموم بنفسه ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة بقطع النظر عن تعلّق الحكم بالموضوع، فالاستغراقية و المجموعية و البدلية تعبِّر عن ثلاث صور ذهنية للعموم، و هي أقسام للموضوع يخترعها ذهن المتكلم وفقا لغرضه قبل إصدار حكمه عليها لا بعده، فالحاكم يصوِّر موضوع حكمه قبل إصدار الحكم عليه، و لا تحصل المفاهيم الثلاثة بعد إصدار الحكم كما يقول به‏ صاحب الكفاية (قدس سره)، بل إن المفاهيم الثلاثة ثابتة قبل الحكم تمهيدا و توطئة لإصدار الحكم عليها لا أنها تثبت بعد الحكم، و تنوع الحكم يأتي من تنوع الموضوع، فالموضوع هو المنوِّع للحكم.

و هذا الفرق بين التصورات الثلاثة واضح وجدانا، فهناك فرق واضح بين التصورات التي تعطيها الكلمات التالية:" جميع العلماء، مجموع العلماء، أحد العلماء" حتى لو لوحظت بما هي كلمات مفردة و بقطع النظر عن تعلّق الحكم، و قلنا كلمات مفردة لأن بين الكلمتين نسبة

274

اندماجية تنزّلهما في الذهن منزلة المفهوم الواحد، فالمفهوم الأول يدل على مجموع العلماء بما هم أفراد متعددين، و المفهوم الثاني يدل على مجموع العلماء بما أنهم منزلون منزلة الفرد واحد، و المفهوم الثالث يدل على فرد واحد.

إذن: نفس العموم على ثلاثة أقسام لا الحكم المتعلِّق به أي بالعموم.

نحو دلالة أدوات العموم‏

ملاحظة:

لا شك في وجود أدوات تدل على العموم و على استيعاب مدخول الأداة لأفراده عن طريق الوضع، كالألفاظ الخاصة الدالة على الاستيعاب مثل" كل" و" جميع" و" كافة".

سؤال‏: و لكن يَرِد السؤال التالي و هو:

كيف يتم إسراء الحكم إلى جميع أفراد مدخول الأداة مثل" عالم" في" أَكْرِمْ كلَّ عالمٍ"؟

الجواب: يوجد وجهان:

الوجه الأول:

يتوقف إسراء الحكم إلى جميع أفراد المدخول على إجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في المدخول أَوَّلًا، ثم بعد ذلك تدل كلمة" كل" على العموم، فدلالة" كل" على العموم تكون في طول إجراء قرينة الحكمة في المدخول، أي تأتي في مرتبة ثانية بعد مرتبة قرينة الحكمة، فنجري أَوَّلا قرينة الحكمة في كلمة" العالم" لإثبات أن المراد هو مطلق العالم، ثم نثبت بعد ذلك أن كلمة" كل" تدل على العموم.

275

إذن: استفادة العموم من كلمة" كل" تتوقف على إجراء قرينة الحكمة في المدخول.

الوجه الثاني:

لا يتوقف إسراء الحكم إلى جميع أفراد المدخول على إجراء قرينة الحكمة، بل إن دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن قرينة الحكمة و تتولى الأداة بنفسها الدلالة على الاستيعاب، فلا توجد حاجة إلى إجراء قرينة الحكمة لإثبات الاستيعاب عن طريق الإطلاق و عدم ذكر القيود.

إذن: استفادة العموم من كلمة" كل" لا تتوقف على إجراء قرينة الحكمة في المدخول.

رأي صاحب الكفاية (قدس سره):

كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية في عالم الثبوت لأنه:

1- إذا كانت أداة العموم موضوعة ل (استيعاب ما يراد من المدخول) و المراد هو المدلول التصديقي الجدي يتعيّن الوجه الأول؛ لأن المراد من المدخول يُعرف من جهة قرينة الحكمة لا من جهة الأداة، فالأداة لا تعيِّن المراد من المدخول، فإذا كان المراد من كلمة" عالم" مطلق العالم كانت كلمة" كل" دالة على استيعاب جميع أفراد العالم، و أما إذا كان المراد من كلمة" عالم" خصوص العالم العادل فلا تكون" كل" دالة على استيعاب جميع أفراد العالم بل دالة على استيعاب جميع أفراد العالم العادل، لذلك يقال إن المدلول الوضعي لكلمة" كل" هو العموم و لكن استفادة العموم من" كل" تكون في طول إجراء مقدمات الحكمة في المدخول.

2- إذا كانت أداة العموم موضوعة ل (استيعاب ما يصلح لانطباق المدخول عليه) يتعيّن الوجه الثاني؛ لأن مفاد المدخول صالح بذاته‏

276

للانطباق على تمام أفراده و شمول جميع مصاديقه بتوسط الأداة مباشرة، و مع هذه الصلاحية تثبت دلالة" كل" على العموم بلا حاجة إلى إجراء قرينة الحكمة في المدخول.

رأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو الوجه الثاني، و هو مختار صاحب الكفاية (قدس سره) أيضا كما استظهره، و الظهور برهان لإثبات الوجه الثاني.

البرهان على بطلان الوجه الأول:

البرهان الأول:

لو كانت" كلّ" موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول بحيث يحتاج إلى إجراء قرينة الحكمة أَوَّلا لزم منه لغوية وضع" كلّ" للعموم من قبل الواضع، و لزم أيضا لغوية استعمال" كل" في العموم من قبل المتكلم؛ لأنه لا توجد حاجة لإثبات الاستيعاب بواسطة أداة العموم بعد الفراغ من إثباته بقرينة الحكمة، و لا تؤدي الأداة دور التأكيد لأنه يُشترط في التأكيد وجود دالين بحيث يكون أحدهما في عَرْض الآخر، و أما إذا كان أحد الدالين يتوقف على دلالة الآخر بحيث يكون في طوله فلا يكون له دور التأكيد.

رد الشهيد (قدس سره) على البرهان الأول:

إن هذا البرهان غير تام لعدم لزوم لغوية وضع الأداة للعموم من قبل الواضع، و لا لغوية استعمالها في مقام التفهيم من قبل المتكلم، و ذلك لأن مفاد العموم و الإطلاق من حيث المفهوم و التصور ليس شيئا واحدا لأن:

أ- أداة العموم تدل على استيعاب الأفراد و إراءتهم في مرحلة الكلام و مدلول الخطاب تصورا و في عالم الجعل، و الملحوظ في العموم في المفهوم و الدلالة التصورية هو تكثّر الأفراد، فأداة العموم بنفسها تدل على الاستيعاب و شمول جميع الأفراد، فالاستيعاب يستفاد من نفس اللفظ.

277

ب- قرينة الحكمة لا تفيد الاستيعاب و لا تُري الأفراد في مرحلة مدلول الخطاب تصورا، بل تدل تصورا على لحاظ ذات الطبيعة مجرّدة عن الخصوصيات و القيود، و الملحوظ في الإطلاق في المفهوم و الدلالة التصورية هو ذات الطبيعة، و تدل على استيعاب الأفراد و إراءتهم في عالم المجعول و الفعلية تصديقا بعد إجراء قرينة الحكمة فيثبت أن المراد الجدي هو الطبيعة من دون قيد، و بذلك يثبت الاستيعاب و شمول جميع الأفراد.

و هذان الأمران يكفيان لتصحيح الوضع حتى لو لم تكن هناك ثمرة عملية بالنسبة إلى الحكم الشرعي حيث لا يختلف الحكم، و عدم اختلاف الحكم الشرعي لا يعني اللغوية لأن نقاشنا في الوضع اللغوي لا في الحكم الشرعي، فقد يضع الواضع طرقا مختلفة لإفادة الاستيعاب كما في المترادفات التي تفيد معنى واحدا، و العموم و الإطلاق يفيدان معنيين مختلفين لأن المعنى المستفاد من العموم يختلف عن المعنى المستفاد من الإطلاق، فالعموم يفيد تكثّر الأفراد بذكر لفظ يدل على الاستيعاب، و الإطلاق يفيد نفي القيد بعدم ذكره و بعد إجراء قرينة الحكمة يدل عدم ذكر القيد على الاستيعاب، فالاستيعاب يمكن استفادته بأحد طريقين: إما بأداة العموم و إما بقرينة الحكمة.

إن فائدة الوضع هي إفادة المعنى الواحد بطرق مختلفة و إن أدت إلى نتيجة واحدة حتى لو لم تظهر ثمرة عملية في الحكم الشرعي، بل يمكن أن يقال إنه تظهر الثمرة في الحكم الشرعي أيضا لأن استفادة الاستيعاب عن طريق ألفاظ العموم أقوى من الإطلاق و قرينة الحكمة عند التعارض، و هذه هي الثمرة الأولى في الحكم الشرعي، و الثمرة الثانية هي أنه عند الشك في أن المتكلم يكون في مقام بيان تمام مراده بكلامه لا يمكن التمسك بالإطلاق و قرينة الحكمة لإثبات الاستيعاب، أما عند الشك في أن لفظ العموم في مورد معيَّن يفيد العموم أو لا فإننا نتمسك بالعموم لإثبات الاستيعاب.

278

و هذان الأمران يكفيان أيضا لتصحيح الاستعمال لأن غرض المتكلم قد يكون إفادة العموم و تكثّر الأفراد عن طريق اللفظ و مدلول الخطاب لا بقرينة الحكمة لما في ذلك من التأكيد و ليس غرضه نفي القيود فقط.

إذن: لا يلزم من وضع الأداة للعموم لا اللغوية في الوضع و لا اللغوية في الاستعمال.

البرهان الثاني:

قرينة الحكمة تدل على الاستيعاب بالدلالة التصديقية و المراد الجدّي، و أداة العموم تدل على الاستيعاب بالدلالة التصورية الوضعية للكلام، فلو قيل بأن أداة العموم موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول الذي تعيِّنه قرينة الحكمة و هو المدلول التصديقي الجدّي و أن دلالة أداة العموم على الاستيعاب متوقفة على إجراء قرينة الحكمة في المدخول فإن ذلك يؤدي إلى ربط المدلول التصوري للأداة بالمدلول التصديقي الجدّي و توقّف الدلالة التصورية على الدلالة التصديقية مع أن المدلول التصديقي يتوقف واقعا على المدلول التصوري.

و هذا واضح البطلان لأنه لا يمكن الربط بين المدلول التصوري و المدلول التصديقي لأن لكل منهما مرتبة تختلف عن مرتبة الآخر، و لا يجوز الخلط بين المرتبتين لأن المدلول التصوري لكل جزء من الكلام في الجملة المركبة إنما يرتبط بالمدلولات التصورية للأجزاء الأخرى في نفس الكلام، و أيضا يوجد لأداة العموم مدلول تصوري ثابت حتى مع خلو الكلام عن المدلول التصديقي الجدي كما في حالات الهزل و النوم حيث لا يمكن إجراء قرينة الحكمة لمعرفة المراد الجدي للهازل لأن الهازل و إن كان عنده مراد استعمالي و لكنه لا يوجد عنده مراد جدي، و لا للنائم لأن النائم لا يوجد عنده لا مراد جدي و لا حتى مراد استعمالي.

279

العموم بلحاظ الأجزاء و الأفراد

1- إذا دخلت" كل" على النكرة فإنها تدل على" العموم الأفرادي" أي استيعاب أفراد مدلول النكرة.

مثال:" اقْرَأْ كُلَّ كِتابٍ"، أي اقرأ جميع أفراد الكتاب.

2- إذا دخلت" كل" على المعرفة فإنها تدل على" العموم الأجزائي" أي استيعاب أجزاء مدلول المعرفة.

مثال:" اقْرَأْ كُلَّ الكِتابِ"، أي اقرأ جميع أجزاء و صفحات الكتاب.

سؤال:

هل أداة العموم مشترك لفظي أي لها وضعان لنحوين من الاستيعاب بحيث يفهم منها استيعاب الأفراد في مورد و استيعاب الأجزاء في مورد آخر لوجود قرينة معيِّنة؟

جواب المحقق العراقي‏ (قدس سره):

الأصل أن كلمة" كل" موضوعة للعموم الأفرادي فقط، فيكون المعنى الحقيقي لكلمة" كل" هو العموم الأفرادي، و أما استعمال" كل" في العموم الأجزائي في حالة كون المدخول معرَّفا بالألف و اللام فيكون استعمالا مجازيا لوجود قرينة صارفة هي الألف و اللام، فالأصل في الألف و اللام أن تكون للعهد، و العهد يعني تشخُّص و تعيُّن الكتاب، و مع التشخّص و الفردية لا يوجد أفراد حتى يقال باستيعابهم، لذلك فإن العموم يكون بلحاظ الأجزاء.

النتيجة: الألف و اللام العهدية تكون قرينة عامة على العموم الأجزائي كلما كان المدخول معرَّفا بالألف و اللام.

إشكال على جواب المحقق العراقي‏ (قدس سره):

لا يمكن قبول كون استعمال" كل" في العموم الأجزائي استعمالا مجازيا في حالة كون المدخول معرَّفا بالألف و اللام.

280

دلالة الجمع المُعَرَّف باللام على العموم‏

عدّ الأصوليون الجمع المعرّف باللام من أدوات العموم، فالجمع المعرَّف باللام يدل على العموم بنحو المعنى الحرفي مثل" العلماء" في" أَكْرِمِ العلماءَ"، بخلاف" كل" التي تدل على العموم بنحو المعنى الاسمي، و يوجد هنا بحثان:

أولا: البحث الثبوتي: كيفية دلالة الجمع المعرّف باللام على العموم:

سؤال:

كيف يدل الجمع المعرَّف بالألف و اللام على العموم ثبوتا أي في عالم الإمكان و المعقولية؟

الجواب:

توجد عدة تصويرات لهذه الدلالة، منها:

إن الجمع المعرّف باللام مثل" العلماء" يتركّب من ثلاثة دوال:

1- مادة الجمع: أي مفرد الجمع و هو" عالم"، و تدل على طبيعي العالم، و المادة معنى اسمي، و هي دالة على المستوعَب.

2- هيئة الجمع: تدل على مرتبة من العدد تحتوي على ثلاثة أفراد فأكثر من مادة الجمع، و لا تدل على خصوص المرتبة العالية للجمع، فإن كلمة" عُلَماء" التي هي على وزن" فُعَلَاء" تدل على تعدّد و تكثّر أفراد المادة، و الهيئة معنى حرفي، و هي دالة على المستوعِب.

3- الألف و اللام: تدل على استيعاب هذه المرتبة من العدد لجميع أفراد المادة، و يكون الاستيعاب مدلولا للام لا بما هو معنى اسمي أي" استيعاب"، بل بما هو معنى حرفي و نسبة استيعابية بين المستوعِب و هو مدلول هيئة الجمع و المستوعَب و هو مدلول مادة الجمع، فاللام تدل على استغراق هيئة الجمع لجميع المراتب.

281

النتيجة:

الدال على العموم و الاستغراق و استيعاب جميع الأفراد هو الألف و اللام.

ثانيا: البحث الإثباتي: السبب في دلالة لام الجمع على العموم:

سؤال:

ما هو السبب في دلالة الألف و اللام الداخلة على الجمع على العموم إثباتا أي في عالم الظهور و الدلالة؟

الجواب:

إثبات اقتضاء اللام الداخلة على الجمع للعموم يتوقف على إحدى دعويين هما:

الدعوى الأولى: السبب هو وضع اللام للعموم:

السبب في دلالة لام الجمع على العموم هو وضع هذه اللام للعموم و الاستيعاب ابتداءً و مباشرة بلا توسيط التعيّن كما سيأتي في الدعوى الثانية، و لكن ليست كل لام موضوعة للعموم لأن اللام الداخلة على المفرد مثل" العالم" لا تدل على العموم بالوضع و إنما بقرينة الحكمة، فخصوص اللام الداخلة على الجمع موضوعة للعموم و الاستيعاب، و أما اللام العهدية فغير موضوعة للعموم.

رد الدعوى الأولى:

هذه الدعوى لازمها كون استعمال اللام في موارد العهد استعمالا مجازيا و هذا لا يمكن قبوله، أو الاشتراك اللفظي بين العموم و العهد لأن اللام الداخلة على الجمع تدل على العموم، و اللام الداخلة على المفرد تدل على العهد، و الاشتراك اللفظي بينهما بعيد لاستبعاد أن يكون للام وضعان، و هذا الرد مرّ في الحلقة الثانية.

282

الدعوى الثانية: السبب هو وضع اللام للتعيّن:

اللام الداخلة على الجمع لا تدل على العموم مباشرة، بل إن السبب في دلالتها على العموم هو وضع اللام لمعنى واحد هو التعيّن في المدخول سواء دخلت على المفرد أم على الجمع بخلاف الدعوى الأولى فإن اللام الداخلة على المفرد لا تدل على العموم، و إنما الدالة على العموم هي اللام الداخلة على الجمع فقط.

فإذا كان المدخول هو المفرد دلت اللام على تعيّن المفرد، و تعيّنه يعني تشخّصه و أنه فرد واحد بمواصفاته الخاصة التي تميّزه عن غيره من الأفراد.

و إذا كان المدخول هو اسم الجنس دلت اللام على تعيّن الجنس الذي هو تعيّن ذهني للطبيعة، فكل طبيعة متميّزة في الذهن بصفاتها الخاصة عن الطبائع الأخرى، فطبيعة الإنسان مثلا في الذهن تختلف عن طبيعة الفرس، فيتعيّن في الذهن الجنس الذي يتميّز عن الأجناس الأخرى.

و إذا كان المدخول هو الجمع دلت اللام على التعيّن، و لكن لا يكفي التعيّن الذهني للطبيعة المدلولة لمادة الجمع إذ لا يوجد فرق بين المفرد و الجمع كعالم و علماء إذا قيل بتعيّن الطبيعة لأن الطبيعة واحدة فيهما، بل تدل اللام على تَعَيُّن الجمع الذي يتحقق بتَحَدُّد الأفراد الداخلة في دائرة الجمع، و هذا التحدّد يحصل فقط مع إرادة المرتبة الأخيرة من الجمع المساوقة للعموم و استيعاب كل الأفراد، فالمرتبة الأخيرة هي المرتبة الوحيدة التي تحوي جميع الأفراد، و أما بقية المراتب فالفرد الداخل فيه غير متميّز من ناحية اللفظ عن الفرد الخارج، فمرتبة الثلاثة مثلا تحوي ثلاثة أفراد، و لكن هؤلاء الأفراد الثلاثة غير معيّنين حيث لا يمكن تمييز الفرد الداخل ضمن الثلاثة عن الفرد الخارج عنها، فلا يعلم أن محمداً مثلا داخل ضمن العلماء الثلاثة الذين يجب إكرامهم أو خارج عنهم.

283

النكرة في سياق النهي أو النفي‏

ذكر بعض الأصوليين أن وقوع النكرة في سياق النهي أو النفي من أدوات العموم، فالنهي أو النفي الداخل على النكرة يدل على العموم بالوضع بنحو المعنى الحرفي.

مثال النهي:" لا تُكْرِمْ فاسقا"، تنحلّ الحرمة بعدد الفسّاق.

مثال النفي:" لم أَرَ عالما"،" لا عالمَ في الدار"، ينحلّ الإخبار بعدد العلماء.

سؤال: ما هو سبب هذه الدعوى التي ذكرها بعض الأصوليين؟

الجواب: ذكر الشهيد (قدس سره) في حالات اسم الجنس في الحلقة الثانية أن النكرة التي دخل عليها تنوين التنكير مثل" عالم" في" أَكْرِمْ عالما" يمتنع إثبات الإطلاق الشمولي لها بقرينة الحكمة لأن مفهوم النكرة يأبى عن الإطلاق الشمولي حيث إن النكرة موضوعة لاسم الجنس مقيَّدا بقيد الوحدة، و مع دلالتها على الفرد الواحد لا يمكن أن تدل على شمول جميع الأفراد، نعم النكرة تدل على الإطلاق البدلي و لكن المطلوب في المقام هو الإطلاق الشمولي، و لكننا نجد أننا نستفيد الشمولية عند ما تقع النكرة في سياق النهي أو النفي، و النكرة بنفسها لا تدل على الإطلاق الشمولي فلا بد أن يكون الدال على الشمولية شيئا غير إطلاق النكرة نفسها، لذلك قالوا إن هذا السياق أي وقوع النكرة متعلَّقا للنهي أو النفي من أدوات العموم فيكون السياق هو الدال على العموم، و السياق هو هيئة للجملة و الهيئة معنى حرفي، و لم يقولوا إن النكرة تدل على العموم لأنها مقيَّدة بقيد الوحدة، و مع تقيّدها بهذا القيد لا يمكن أن تنطبق على أكثر من فرد واحد.

رد الشهيد (قدس سره) على الدعوى:

التحقيق أن الشمولية المستفادة من وقوع النكرة في سياق النهي أو النفي سواء كانت على نحو شمولية العام من باب الوضع كما يقول به‏

284

المشهور أو على نحو شمولية المطلق من باب قرينة الحكمة كما يقول به‏ الشهيد (قدس سره) بحاجة إلى وجود مفهوم اسمي قابل لاستيعاب و شمول جميع أفراده بصورة عَرْضِيَّة لا بنحو البدلية و في آن واحد لكي يدل السياق حينئذ على استيعابه للأفراد، و النكرة بنفسها لا تقبل الاستيعاب العَرضِي الشمولي سواء على نحو العموم أم على نحو الإطلاق بسبب أخذ قيد الوحدة في معناها، بل هي قابلة لشمول جميع الأفراد على نحو البدلية، و لكن قبول الشمول على نحو البدلية لا ينفعنا في المقام.

سؤال:

قلنا فيما سبق إن الدلالة على العموم تحتاج إلى وجود دالين: أداة العموم، و مدخول الأداة و هو يدل على المفهوم الذي يستوعِب أفراده، فيأتي السؤال التالي:

من أين يأتي المفهوم الصالح لاستيعاب الأفراد لكي يدل السياق بعد ذلك على العموم و الشمول حيث إن النكرة بنفسها لا تدل على العموم بسبب أخذ قيد الوحدة في معناها؟

الجواب:

نحتاج إلى تفسير الشمولية التي تُفهم من النكرة الواقعة في سياق النهي أو النفي، و يمكن أن يكون ذلك التفسير بأحد الوجهين التاليين:

الوجه الأول للشهيد (قدس سره):

إن النكرة هي التي تدل على استيعاب الأفراد، و ذلك بأن يكون السياق أي وقوع النكرة متعلَّقا للنهي أو النفي قرينة على إخراج الكلمة عن كونها نكرة، فتتجرد بذلك من قيد الوحدة و تصير دالة على الطبيعة فقط، و بعد دلالتها على الطبيعة تصير صالحة لشمول جميع الأفراد، فيكون دور السياق إثبات ما يصلح للإطلاق الشمولي بقرينة الحكمة لا إثبات الشمولية كما يقول به المشهور حيث يقولون إن السياق يدل بالوضع على العموم، و بعد

285

إثبات صلاحية النكرة لاستيعاب جميع الأفراد تأتي قرينة الحكمة و تثبت أنها شاملة بالفعل لجميع الأفراد لأن قرينة الحكمة تثبت الإطلاق الشمولي حيث لم يذكر المتكلم قيدا، فمعنى ذلك أنه لا يريد القيد، و مع عدم إرادة أي قيد فإن المتكلم يريد جميع الأفراد.

إذن: السياق حَوَّل النكرة من عدم القابلية و الصلاحية للشمول إلى القابلية و الصلاحية له، فالسياق ليس دالا بالوضع على العموم بل هو مهيئ للإطلاق الشمولي، و الدال الفعلي على الشمول و العموم هو قرينة الحكمة، فالشمولية تثبت عن طريق إجراء قرينة الحكمة في النكرة التي تقع في سياق النهي أو النفي.

الوجه الثاني لصاحب الكفاية (قدس سره):

الشمولية ليست مدلولا لفظيا وضعيا حيث إن النهي و النفي لا يدلان على العموم و الشمول، و إنما تكون الشمولية بالدلالة العقلية، فالدال على العموم هو العقل حيث إن العقل يحكم بأن الطبيعة لا تنعدم إلا بترك جميع أفرادها، و النهي أو النفي يستدعي إعدام متعلَّقه، و النكرة لا تنعدم ما دام يوجد فرد واحد لأن الطبيعة توجد بوجود فرد واحد و لا تنتفي إلا بانتفاء جميع الأفراد.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثاني:

إن المطلوب هو الشمولية بمعنى تعدّد الحكم و التحريم بعدد الأفراد في مقام الجعل، و هذه الدلالة العقلية لا تثبت الشمولية بهذا المعنى، بل تثبت الشمولية في مقام الامتثال بمعنى أنها تعيّن طريقة امتثال النهي و أن امتثاله لا يتحقّق إلا بترك جميع أفراد الطبيعة، فكلام‏ صاحب الكفاية (قدس سره) يقع في مقام الامتثال، و بحثنا يقع في مقام الجعل و الحكم.

286

المفاهيم تعريف المفهوم‏ (50)

المفهوم‏ في المصطلح الأصولي هو مدلول التزامي للكلام لا مدلول مطابقي و لا تضمّني كما في علم المنطق، و لكن ليس كل مدلول التزامي يعتبر مفهوما في علم الأصول، لذلك نحتاج إلى تعريف يميّز المفهوم عن بقية المدلولات الالتزامية، فالمفهوم هو كل حكم لازم للمنطوق، و لكن المفهوم بالمصطلح الأصولي هو مدلول التزامي خاص.

مثال 1:" مقدمة الواجب واجبة"، إن وجوب مقدمة الواجب مدلول التزامي لوجوب ذي المقدمة و هو الواجب، و لكنه ليس مفهوما.

مثال 2:" وجوب الشي‏ء يقتضي حرمة ضده"، إن حرمة الضد مدلول التزامي للأمر بوجوب الشي‏ء، و لكنها ليست مفهوما.

مثال 3:" النهي عن العبادة يدل على فسادها"، إن فساد العبادة مدلول التزامي للنهي عنها، و لكنه ليس مفهوما.

رأي المحقق النائيني‏ (قدس سره):

المفهوم‏ هو اللازم البَيِّن مطلقا سواء كان بالمعنى الأعم أم بالمعنى الأخص، أو اللازم البَيِّن بالمعنى الأخص فقط كما في علم المنطق.

____________

(50) في اللغة المفهوم هو ما يفهم من الكلام و هو المعنى اللغوي، و في المنطق و الفلسفة المفهوم يقابله المصداق، و في أصول الفقه المفهوم يقابله المنطوق.

287

التوضيح‏ (51):

في باب الكليات الخمسة (الإيساغوجي):

الشي‏ء

عرضي ذاتي‏

هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع لاحقا له بعد تقوّمه هو المحمول الذي تتقوّم به ذات الموضوع غير خارج بجميع ذاتياته، كالضاحك اللاحق للإنسان عنها، و يشمل النوع و الجنس و الفصل‏

مفارق لازم‏

هو ما لا يمتنع انفكاكه عقلا عن موضوعه هو ما يمتنع انفكاكه عقلا عن موضوعه‏

و إن كان لا ينفك أبدا، كأوصاف الإنسان مثل‏

قائم و قاعد، و وصف العين بالزرقاء

بَيِّن غير بَيِّن‏

هو ما يحتاج اللزوم فيه إلى إقامة دليل، كإثبات الحدوث للعالم‏

بَيِّن بالمعنى الأخص بَيِّن بالمعنى الأعم‏

هو ما يلزم من تصور ملزومه تصوره بلا حاجة هو ما يلزم من تصوره و تصور الملزوم و تصور النسبة بينهما إلى توسط شي‏ء آخر، فتصور الملزوم كاف الجزم بالملازمة، فيتصور اللازم و الملزوم و النسبة بينهما ثم للانتقال إلى لازمه، مثل اجتماع النقيضين يحكم بأن هذا اللازم يكون لهذا الملزوم دون الحاجة إلى إقامة لازمه الاستحالة، و مثل الأربعة لازمها الزوجية، دليل، مثل الأربعة

نصف الثمانية و مثل النار لازمها الحرارة

____________

(51) راجع" المنطق" للشيخ المظفر (قدس سره).

288

رد الشهيد على المحقق النائيني‏ (قدس سرهما):

بعض الأدلة التي تُذكر لإثبات بعض المفاهيم كمفهوم الشرط تثبت المفهوم كلازم عقلي بحت دون أن يكون بَيِّنا لا بالمعنى الأخص و لا بالمعنى الأعم، فمثل هذا الدليل غير بيِّن بل هو دقيق جدّا لا يفهمه إلا أهل المعقول، و هذا يكشف عن أن المفهوم لا يلزم فيه أن يكون لزومه للمنطوق بيِّنا، و ستأتي الأدلة فيما بعد.

رأي الشهيد (قدس سره):

المفهوم‏ هو المدلول الالتزامي المستفاد من الربط الخاص بين طرفي القضية لا من خصوصية أحد الطرفين، و لكن بشرط معيّن يأتي ذِكْرُهُ بعد قليل، و يكون المفهوم بذلك أخص مطلقا من المدلول الالتزامي.

التوضيح:

مثال: إذا زارك ابن الكريم وجب عليك احترامه.

الشرط: الزيارة، الموضوع: ابن الكريم، المحمول: وجوب احترامه.

إن المدلول الالتزامي لهذه الجملة على ثلاثة أنواع:

1- المدلول الالتزامي المتفرّع على خصوصية الموضوع في منطوق القضية المدلولة للكلام بالمطابقة على نحو يزول المدلول الالتزامي باستبدال الموضوع بموضوع آخر.

ففي المثال المدلول الالتزامي هو وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته، و هذا ما يفهم بقاعدة الأولوية، و هذا المدلول مرتبط بالموضوع و هو عنوان" ابن الكريم"، فلو بدّلنا ابن الكريم باليتيم لم يكن له هذا المدلول لأن اليتيم ليس له أب.

2- المدلول الالتزامي المتفرّع على خصوصية المحمول في منطوق القضية المدلولة للكلام بالمطابقة على نحو يزول المدلول الالتزامي باستبدال المحمول بمحمول آخر.

289

ففي المثال المدلول الالتزامي هو وجوب تهيئة مقدمات احترام الابن الزائر لأن مقدمة الواجب واجبة، و هذا المدلول مرتبط بالمحمول و هو وجوب الاحترام، فلو بدّلنا الوجوب بالاستحباب أو الإباحة لم يكن له هذا المدلول لأن مقدمة الاستحباب أو الإباحة ليست واجبة.

3- المدلول الالتزامي المتفرّع على خصوصية الربط القائم بين الموضوع و المحمول على نحو يكون محفوظا حتى لو تبدّل كلا الطرفين، و الربط القائم بينهما نسبة و معنى حرفي.

ففي المثال المدلول الالتزامي هو عدم وجوب احترام الابن الزائر في حالة عدم الزيارة، و هذا المدلول متفرّع على الربط الخاص بين الجزاء و الشرط، فلو بدّلنا الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية يظل هذا المدلول بروحه ثابتا لأنه يعبِّر عن انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط، و التغيير يقع في مفردات المدلول أي في مصاديق الشرط و الجزاء فقط تبعا لتغيّرها في المنطوق.

شرط المفهوم:

المدلول الالتزامي الثالث و هو المدلول المتفرّع على خصوصية الربط بين طرفي القضية هو المفهوم‏، و لكن بشرط أن يقتضي انتفاء طبيعي الحكم لا شخص الحكم المدلول عليه في منطوق الخطاب عند انتفاء القيد تمييزا للمفهوم عن‏" قاعدة احترازية القيود" التي تقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد.

مثال: في المثال السابق وجوب الاحترام المقيَّد بالمجي‏ء ينتفي بانتفاء المجي‏ء، و لكن هذا ليس مفهوما لأنه انتفاء لشخص الحكم، و انتفاء

شخص الحكم ثابت بمقتضى قاعدة احترازية القيود لا بمقتضى المفهوم، فالمفهوم يقتضي انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء قيد المجي‏ء بمعنى أنه إذا لم يجئ لا يجب احترامه مطلقا حتى لو كان مريضا أو فقيرا أو....

290

النتيجة النهائية:

المفهوم‏ هو المدلول الالتزامي المتفرع على الربط الخاص بين طرفي القضية لا على خصوصية أحد الطرفين، و لكن بشرط أن يكون المنتفي عند انتفاء القيد هو طبيعي الحكم و كليّه لا شخص الحكم.

ضابط المفهوم‏

سؤال: كيف يكون الربط الخاص الذي يؤخذ في المنطوق حتى يكون منتجا للمفهوم؟

الجواب:

يوجد للجملة الشرطية على سبيل المثال مدلول تصوري و مدلول تصديقي جدي، لذلك فإن ضابط المفهوم يكون على مستويين:

أولا: ضابط المفهوم على مستوى المدلول التصوري:

الضابط الذي يثبت به المفهوم يكون داخلا في المدلول التصوري للجملة، و الضابط هنا له ركنان:

الركن الأول:

أن يكون الربط المدلول عليه بأداة الشرط أو بهيئة الجملة الشرطية من النوع الذي يستلزم انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط لأن الربط بين قضية أو حادثة و أخرى هو معنى حرفي، و يمكن التعبير عن الربط الذي هو معنى حرفي بمعنى اسمي بشكلين:

1-" زيارة شخص للإنسان تستلزم أو توجد وجوب إكرامه"، و هنا استعمل معنى" الاستلزام" الذي يعبِّر عن النسبة الاستلزامية أو

النسبة الإيجادية، و لكن هذا المعنى لا يدل بالدلالة الالتزامية على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء الزيارة، فإذا انتفت الزيارة فإن انتفاء الزيارة لا يعني انتفاء وجوب الإكرام لأن وجوب الإكرام قد يكون لازما لسبب آخر

291

كالفقر مثلا، كما أن الشمس تستلزم الحرارة، كذلك فإن النار تستلزم الحرارة أيضا، فاستلزام الشمس للحرارة لا ينفي استلزام النار للحرارة، لذلك فإن زيارة الشخص تستلزم وجوب إكرامه، و لكن عدم زيارته لا يستلزم عدم وجوب إكرامه لأن وجوب إكرامه قد يكون لازما للفقر مثلا، فتكون الجملة الشرطية موضوعة للاستلزام، و في هذه الحالة لا يثبت المفهوم للجملة الشرطية.

2-" وجوب إكرام شخص يتوقف على زيارته، أو هو معلَّق على زيارته، أو هو ملتصق بزيارته"، و هنا استعمل معنى" التوقف" و" التعليق" و" الالتصاق" الذي يعبِّر عن النسبة التوقفية أو النسبة التعليقية أو النسبة الالتصاقية، و هذه التعابير تدل بالدلالة الالتزامية على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء الزيارة أي على عدم الانفكاك بين الشرط و الجزاء، فإذا وجد الشرط وجد الجزاء، و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء، فتكون الجملة الشرطية موضوعة للتوقف، و في هذه الحالة يثبت المفهوم للجملة الشرطية.

نتيجة الركن الأول: الجملة الشرطية التي تشتمل في مرحلة المدلول التصوري على ضابط إفادة المفهوم لا بد أن تكون دالة على ربط الجزاء بالشرط بما هو معنى حرفي موازٍ للمعنى الاسمي للتوقّف و الالتصاق و التعليق أي النسبة التوقفية و الالتصاقية و التعليقية، لا على الربط بما هو معنى حرفي موازٍ للمعنى الاسمي لاستلزام الشرط للجزاء أي النسبة الاستلزامية.

الركن الثاني:

أن يكون المرتبط على نحو التوقّف و الالتصاق و التعليق هو طبيعي الحكم كطبيعي الوجوب لا وجوبا خاصا لأن انتفاء الوجوب الخاص يتحقّق ب‏" قاعدة احترازية القيود" حتى لو لم يوجد مفهوم للجملة.

292

النتيجة النهائية:

إذا ثبتت دلالة الجملة في مرحلة المدلول التصوري على النسبة التوقّفية و الالتصاقية و التعليقية ثبت المفهوم حتى لو لم يثبت كون الشرط علة تامة أو جزء علة للجزاء، بل حتى لو لم يثبت اللزوم العقلي و كان التوقّف لمجرد الصدفة و الاتفاق كما في مثال:" إذا جاء محمد جاء علي"، إن الصدفة لا تعني استحالة الانفكاك، بل يمكن الانفكاك بين مجي‏ء علي و مجي‏ء محمد لعدم وجود اللزوم العقلي.

ثانيا: ضابط المفهوم على مستوى المدلول التصديقي:

ملاحظة: إن ضابط المفهوم في المدلول التصديقي قد يختلف عن ضابط المفهوم في المدلول التصوري.

إن الضابط الذي يثبت به المفهوم في المدلول التصديقي لا يكون مدلولا عليه بدلالة تصورية بل بدلالة تصديقية، و هنا من الممكن أن تكشف الجملة عن معنى يبرهن على أن الشرط علة تامة منحصرة أو جزء علة منحصرة للجزاء، و هذا المعنى هو أن ظاهر الجملة الشرطية هو أن المجي‏ء يقتضي وجوب الإكرام حتى في حالة سبق المرض عليه، و بذلك يثبت المفهوم، و هذا من قبيل المحاولة تأتي في الوجه الثالث فيما بعد التي تريد أن تثبت المفهوم عن طريق الإطلاق الأحوالي للشرط:

أ- لإثبات أن الشرط مؤثر مطلقا و على أي حال أي سواء سبقه شي‏ء آخر أم لا.

ب- ثم لاستنتاج انحصار العلة بالشرط من الإطلاق الأحوالي إذ لو كانت للجزاء علة أخرى لما كان الشرط مؤثرا في حال سبق تلك العلة.

و هذه المحاولة تهدف إلى انتزاع المفهوم من المدلول التصديقي لأن الإطلاق الأحوالي للشرط مدلول لقرينة الحكمة التي لها مدلول تصديقي هو

293

المراد الجدّي و لا تساهم في تكوين المدلول التصوري كما جاء في التنبيه الأول في بحث" الإطلاق"، فإن الطبيعة لها حالات مختلفة فمثلا عند ما يقال" أَكْرِمْ زيدا" فإنه يعني أكرمه في أي حالة يكون فيها أي سواء كان جالسا أم واقفا أم نائما أم مريضا أم صحيحا أم غنيا أم فقيرا أم....

رأي المشهور:

حدّدوا الضابط للمفهوم في ركنين هما:

الركن الأول: استفادة اللزوم العلي الانحصاري:

فيكون الشرط علة تامة منحصرة للجزاء، و يمكن إثبات أن الشرط علة منحصرة عن طريق قرينة الحكمة، ففي مثال" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ" لو كان لوجوب الإكرام علة أخرى غير المجي‏ء كالمرض أو الفقر فلا يثبت المفهوم لأنه لا يلزم من انتفاء المجي‏ء انتفاء وجوب الإكرام بسبب جواز قيام العلة الأخرى مقام المجي‏ء، و طالما أن المرض أو غيره ليس سببا للإكرام فمعنى ذلك أن المرض أو غيره ليس علة لوجوب الإكرام فيكون المجي‏ء هو العلة الوحيدة المنحصرة لوجوب الإكرام، فالنتيجة أن المشهور يقولون إن الربط الخاص الذي تدل عليه القضية هو الربط اللزومي العلي الانحصاري.

الركن الثاني: كون المعلّق طبيعي الحكم:

فيكون المعلَّق و هو الجزاء في الجملة الشرطية مطلق الحكم و طبيعيه لا شخص الحكم، و طبيعي الحكم هو الإكرام بكل أنواعه و أسبابه.

رد الشهيد (قدس سره) على المشهور:

الركن الثاني‏ صحيح و لا كلام فيه، و لكن‏ الركن الأول‏ غير تام لأنه يكفي في إثبات المفهوم كما تقدّم دلالة الجملة على الربط بنحو التوقّف‏

294

و التعليق و الالتصاق و لو كان على سبيل الصدفة و الاتفاق، فجملة" إذا جاءك زيد فأكرمه" تدل وضعا على أن وجوب الإكرام متوقف على المجي‏ء، و هذا التوقف لا يكون على نحو المعنى الاسمي بل على نحو المعنى الحرفي أي النسبة التوقفية، و معنى التوقف أنه" إذا لم يجئ فلا تكرمه" بلا حاجة إلى إثبات أن المجي‏ء علة تامة منحصرة للإكرام، و في مثل" إذا جاء محمد جاء علي" مجي‏ء محمد ليس علة لمجي‏ء علي، و لكن مجي‏ء علي متوقف على مجي‏ء محمد، و هذا معناه أنه" إذا لم يجئ محمد لم يجئ علي" و لا نحتاج إلى إثبات أن مجي‏ء محمد علة تامة منحصرة لمجي‏ء علي.

الخلاصة:

المشهور يقول إن ثبوت المفهوم يتوقّف على أن يكون الربط بين الشرط و الجزاء ربطا لزوميا عليا انحصاريا، و أن الوسيلة لإثبات أن الشرط علة منحصرة هو قرينة الحكمة، أما الشهيد (قدس سره) فيقول إن الجملة الشرطية تدل بالوضع على النسبة التوقّفية لا النسبة الاستلزامية، و هذا مدلول تصوري، و لا نحتاج إلى إثبات أن الشرط علة تامة منحصرة عن طريق قرينة الحكمة التي تعطي مدلولا تصديقيا.

مورد الخلاف في ضابط المفهوم‏

سؤال: هل يوجد خلاف عند الأصوليين في ركني المفهوم أو أنهما ثابتان و مسلَّم بهما عندهم؟

رأي المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

لا يوجد خلاف في أن جميع الجمل التي تكلّم العلماء عن دلالتها على المفهوم تدل على الربط الخاص العلّيّ الانحصاري على رأي‏

295

المشهور أو التوقّف على رأي‏ الشهيد (قدس سره) الذي يستدعي انتفاء الحكم عند انتفاء القيد، فلا يوجد خلاف على الركن الأول لضابط المفهوم، بل هو مسلَّم عند جميع الأصوليين.

دليل المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

لا يوجد خلاف بينهم على‏ الركن الأول‏ لأنهم اتّفقوا على انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد سواء كان القيد شرطا أم وصفا أم غاية أم استثناء، و لكن اختلفوا في‏ الركن الثاني‏ أي انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد، إن انتفاء شخص الحكم يدل على وجود الربط الخاص، فلو كانت هناك علة أخرى عند المجي‏ء للزم عدم انتفاء الحكم لا طبيعيه و لا شخصه لجواز قيام العلة الثانية مقام العلة الأولى للحكم فيلزم بقاء شخص الحكم، و جميع الأصوليين متفقون على انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد، و لكن انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد ليس مفهوما للجملة لأن المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد.

النتيجة:

الركن الأول‏ متفق عليه من الجميع، و لكن الخلاف واقع في‏ الركن الثاني‏، لذلك فالبحث في إثبات المفهوم ينحصر في إثبات‏ الركن الثاني‏ و هو أن طرف الربط الخاص هو طبيعي الحكم ليكون هذا الربط مستدعيا لانتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد.

سؤال: و لكن كيف يمكن إثبات أن المنتفي هو طبيعي الحكم؟

الجواب: يمكن إثبات ذلك بإجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في مفاد هيئة الجزاء و نحوها مما يدل على الحكم في القضية.

مسلك المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

يعود البحث في ثبوت المفهوم لمثل الجملة الشرطية" إذا كان الإنسان عالما فَأَكْرِمْهُ" أو الجملة الوصفية" أَكْرِمِ الإنسان العالم" إلى أنه‏

296

هل يجري الإطلاق في مفاد" أَكْرِمْ" الدال على الحكم في الجملتين لإثبات أن المعلَّق على الشرط أو الوصف هو طبيعي الحكم أم لا يجري؟، و يسمى هذا بمسلك‏ المحقق العراقي‏ (قدس سره) في إثبات المفهوم، و رأيه (قدس سره) أن الإطلاق و قرينة الحكمة يجريان في مفاد هيئة الأمر لإثبات أن المعلّق هو طبيعي الحكم، و بذلك يكون رأيه (قدس سره) أنه يمكن إجراء الإطلاق و التقييد في المعنى الحرفي بخلاف رأي‏ الشيخ الأنصاري‏ (قدس سره) الذي مبناه هو استحالة الإطلاق و التقييد في المعنى الحرفي لأن المعنى الحرفي جزئي حقيقي، و الإطلاق و التقييد من شئون المفهوم الكلي، و قد مرّ هذا سابقا في بحث المعنى الحرفي، فراجع هناك.

النتيجة:

إن مبنى‏ المحقق العراقي‏ (قدس سره) هو أن الجملة الشرطية تدل على انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد عن طريق الإطلاق و قرينة الحكمة، و لا تدل على ذلك بالدلالة الوضعية، فالجملة الشرطية ليس لها مفهوم على مستوى المدلول التصوري.

مفهوم الشرط

يوجد اتّفاق بين الأصوليين على طريقة إثبات‏ الركن الثاني‏ و هو أن المنتفي عند انتفاء القيد هو طبيعي الحكم بالإطلاق و قرينة الحكمة، و لكن النقاش يقع في‏ الركن الأول‏ و هو: هل أن الشرط علة تامة منحصرة

للجزاء كما يقول به المشهور أو أن الجزاء متوقف على الشرط كما يقول به‏ الشهيد (قدس سره)؟

رأي المشهور:

ذهب المشهور إلى أن الجملة الشرطية تدل على المفهوم، و أثبتوا أن الشرط علة منحصرة للجزاء بخمسة وجوه هي:

297

1- الوضع.

2- الانصراف.

3- الإطلاق الأحوالي.

4- قاعدة" الواحد لا يصدر إلا من واحد".

5- الإطلاق الأوي.

الوجه الأول: إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء عن طريق الوضع:

على مستوى المدلول التصوري تدل الجملة الشرطية بالدلالة التصورية الوضعية على أن الشرط علة تامة منحصرة للجزاء، فتكون الجملة الشرطية موضوعة للانحصار بدليل التبادر و التبادر علامة الحقيقة، فالمتبادر هو أن المجي‏ء علة تامة منحصرة لوجوب الإكرام كما في مثل" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ".

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الأول:

لازم قولهم هو أن استعمال الجملة الشرطية في موارد عدم الانحصار استعمال مجازي، و هو خلاف الوجدان لأننا لا نحس بالمجازية في هذه الموارد، فالنوم علة تامة و لكنه ليس علة منحصرة للوضوء كما في مثل" إذا نمت فتوضأ" لأنه توجد علل أخرى كالحدث الأصغر.

فهنا لدينا وجدانان لا بد من التوفيق بينهما هما:

أ- وجدان التبادر المدَّعى في هذا الوجه و هو أن الشرط علة تامة منحصرة للجزاء و أن الجملة الشرطية موضوعة لحالات الانحصار، و بعبارة أخرى تبادر انحصار الجزاء بالشرط.

ب- وجدان عدم الإحساس بالمجازية عند استعمال الجملة الشرطية في حالات عدم الانحصار.

298

و سيبيِّن‏ الشهيد (قدس سره) فيما بعد طريقة التوفيق بينهما من أجل إثبات المفهوم للجملة الشرطية، و لكن‏ صاحب الكفاية (قدس سره) رجّح الوجدان الثاني و طرح الوجدان الأول، لذلك قال (قدس سره) بعدم ثبوت مفهوم للجملة الشرطية.

الوجه الثاني: إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء عن طريق الانصراف:

تدل الجملة الشرطية على أمرين:

أ- على مستوى المدلول التصوري تدل الجملة الشرطية على وجود اللزوم بين الشرط و الجزاء عن طريق الدلالة التصورية الوضعية بدليل التبادر، فالجملة الشرطية موضوعة للدلالة على الملازمة بين الشرط و الجزاء بحيث لا يمكن أن يقع الانفكاك بينهما.

ب- على مستوى المدلول التصديقي تدل الجملة الشرطية على كون الملازمة على نحو العلية الانحصارية لا مطلق الملازمة عن طريق الانصراف إلى الفرد الأكمل لأن الملازمة بين العلة و المعلول حالة كون العلة منحصرة أقوى و أكمل من الملازمة بينهما حالة وجود علة ثانية بديلة، فالمطلق في المفهوم المشكِّك ينصرف إلى أكمل الأفراد، و أكمل الأفراد في مقامنا هو الملازمة على نحو العلية الانحصارية.

توجد لدينا هنا مقدمة صغرى و مقدمة كبرى و نتيجة:

الصغرى: اللزوم العلي الانحصاري أكمل أفراد اللزوم.

الكبرى: أكمل أفراد اللزوم تنصرف إليه الجملة الشرطية.

النتيجة: اللزوم العلي الانحصاري تنصرف إليه الجملة الشرطية.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثاني:

ناقش الشهيد في الصغرى و الكبرى و بيّن عدم تماميتهما:

نقاش الصغرى: اللزوم العقلي معناه استحالة الانفكاك سواء كان منشؤه العلي الانحصاري أم غير الانحصاري، فالملازمة في حالة

299

الانحصار ليست أقوى من الملازمة في حالة عدم الانحصار لأن اللزوم مفهوم عقلي و المفهوم العقلي ليس فيه تشكيك و شدة و ضعف، بل هو إما موجود و إما غير موجود.

نقاش الكبرى: الأكملية ليست من أسباب الانصراف لأن الانصراف يحصل من أحد سببين، و هما:

أ- كثرة الاستعمال: أي كثرة استعمال اللفظ في أحد الأفراد، و الانصراف الحاصل من كثرة الاستعمال حجة.

ب- كثرة الوجود: أي كثرة وجود الفرد في الخارج، و الانصراف الحاصل من كثرة الوجود ليس بحجة.

الوجه الثالث: إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء عن طريق الإطلاق الأحوالي:

لإثبات وجود مفهوم للجملة الشرطية لا بد من إثبات ثلاثة مدلولات:

المدلول الأول: اللزوم:

يستفاد اللزوم بين الشرط و الجزاء من‏ الدال الأول‏ و هو أداة الشرط، فالشرط يستلزم الجزاء، و تدل الأداة على الربط اللزومي بين الشرط و الجزاء، و يتم إثبات هذه الدلالة عن طريق الوضع بدليل التبادر، فأداة الشرط موضوعة للدلالة على الملازمة بين الشرط و الجزاء، فوجوب الإكرام ملازم للمجي‏ء.

المدلول الثاني: العلية التامة:

تستفاد العلية التامة بأن يكون الشرط علة تامة و ليس جزء علة للجزاء من‏ الدال الثاني‏ و هو تفريع و ترتيب الجزاء على الشرط في مقام الإثبات و الكلام، فوجوب الإكرام متفرّع على المجي‏ء في الكلام و الدال على ذلك هو فاء التفريع في الجزاء" فَأَكْرِمْهُ"، و هذا التفريع في الكلام يدل‏

300

على تفرّع الجزاء على الشرط في مقام الثبوت و الواقع و المراد الجدي، فوجوب الإكرام متفرّع على المجي‏ء في الواقع، و التفرّع في الواقع لا معنى له إلا أن يكون الشرط علة تامة و الجزاء معلولا لأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الكلام و مقام الثبوت و الواقع و المراد الجدي، فيكون اللزوم لزوما بين العلة التامة و معلولها، فيكون الشرط علة تامة للجزاء أي أن المجي‏ء علة تامة لوجوب الإكرام.

المدلول الثالث: الانحصار:

يستفاد الانحصار بأن يكون الشرط علة منحصرة للجزاء و ليس للجزاء علة أخرى بديلة عن الشرط من‏ الدال الثالث‏ و هو الإطلاق الأحوالي في الشرط، فالمتكلم لم يبرز قيدا ليخصّص حالا دون حال، فيكون مقتضى الإطلاق كون الشرط علة تامة للجزاء في جميع الحالات كالمرض و الفقر، و الإطلاق الأحوالي في الشرط يدل على أن الشرط علة تامة منحصرة للجزاء بالفعل دائما، و لازم ذلك عدم وجود علة أخرى للجزاء، فالمرض ليس علة بديلة للإكرام، و لو وجدت علة أخرى بديلة بأن لم يكن الشرط علة منحصرة لكانت العلة التامة مجموع العلتين لا الشرط بصورة مستقلة لأنه يستحيل اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد و بالتالي يصبح الشرط جزءا للعلة التامة، و هو خلاف الإطلاق الأحوالي.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الثالث:

ترد عدة إشكالات على هذا الوجه هي:

الإشكال الأول على الانحصار:

قيل إنه عن طريق الإطلاق الأحوالي يمكن نفي وجود علة أخرى بديلة و بالتالي إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء، و لكن توجد حالتان لا يمكن فيهما للإطلاق الأحوالي نفي العلة الأخرى البديلة، فهذا الدليل لا ينفي وجود علة أخرى بديلة للجزاء، و ذلك في حالتين:

301

الحالة الأولى:

إذا احتمل أن العلة الأخرى البديلة مضادة بطبيعتها و ذاتها للشرط بمعنى أنها لا يمكن أن تجتمع مع الشرط، فهنا الإطلاق الأحوالي لا ينفي هذه العلة البديلة.

مثال: يوجد تضاد ذاتي بين المجي‏ء و انكسار الرجل في قولنا:" إذا جاءك زيد فَأَكْرِمْهُ"، و" إذا انكسرت رِجْلُ زيد فَأَكْرِمْهُ"، ففي حالة انكسار الرجل لا يمكن لزيد المجي‏ء، فانكسار الرجل لا يجتمع مع المجي‏ء، فهنا الإطلاق الأحوالي لا ينفي علية انكسار الرجل لأن الإطلاق الأحوالي ينفي العلة التي يمكن أن تجتمع مع الشرط كالمجي‏ء مع المرض أو مع الفقر، و لا ينفي العلة التي يستحيل أن تجتمع مع الشرط لأنه يمكن إجراء الإطلاق إذا أمكن التقييد حيث إن تقابل التقييد و الإطلاق من باب الملكة و عدمها، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق، و الإطلاق الأحوالي ينفي ما هو من أحوال الشرط، و وجود علة أخرى ليس من أحوال الشرط حتى يقال بنفيه، نظير قيام و قعود محمد فإنهما ليسا من أحوال علي.

الحالة الثانية:

إذا احتمل أن العلة البديلة لا تكون علة للجزاء إلا عند عدم الشرط، فيكون عدم الشرط دخيلا في علية العلة الأخرى البديلة، مثل عدم المجي‏ء الذي له الدخالة في علية المرض لوجوب الإكرام، إن احتمال علة أخرى بديلة من هذا القبيل لا ينافي الإطلاق الأحوالي للشرط لأن ليس من أحوال‏

الشرط حالة اجتماعه أي الشرط مع تلك العلة الأخرى البديلة، نعم العلة الأخرى كالمرض تجتمع مع المجي‏ء، و لكنها علة بديلة فقط في حالة عدم المجي‏ء مثال:" إذا مرض زيد فأكرمه"، المرض علة بديلة في حالة عدم المجي‏ء، إن الإطلاق الأحوالي ينفي علية المرض حين اجتماعه مع‏

302

المجي‏ء، و لا ينفي علية المرض حين عدم اجتماعه مع المجي‏ء، فالإطلاق الأحوالي ناظر إلى حالة الاجتماع فينفي احتمال العلة الأخرى حالة الاجتماع، و ليس ناظرا إلى حالة انفراد العلة الأخرى وحدها حتى يقال بأن الإطلاق الأحوالي ينفي احتمال عليتها.

بعبارة أخرى: إن الإطلاق الأحوالي ينفي العلة الأخرى حين وجود

المجي‏ء، و لا ينفيها حين عدم المجي‏ء، فإذا لم يوجد المجي‏ء فلا يمكن تطبيق الإطلاق الأحوالي لأنه سالب بانتفاء الموضوع و موضوعه المجي‏ء.

النتيجة: في هاتين الحالتين لا يمكن نفي العلة الأخرى البديلة عن طريق الإطلاق الأحوالي لأن الإطلاق الأحوالي ناظر إلى حالة الاجتماع، و لا ينفي وجود علة لا يمكن اجتماعها مع الشرط كما في هاتين الحالتين.

الإشكال الثاني على استفادة العلية من التفريع:

نعم إن التفرّع الإثباتي الكلامي للجزاء على الشرط يدل على التفرّع الثبوتي الواقعي، و لكن التفريع الثبوتي الواقعي لا يختص بالعلية و المعلولية و لا يقتضي علية الشرط للجزاء فقط لأن التفريع الثبوتي كما يصح بين العلة و المعلول كما في" إن جاءك زيد فأكرمه" فإنه يصح أيضا بين الجزء و الكل حيث إن الكل متفرّع واقعا على الجزء مع أن ليس أحدهما علة تامة للآخر كما في" إن حصل الناطق فقد حصل الإنسان"، و يصح أيضا بين المتقدّم زمانا و المتأخّر حيث إن المتأخر زمانا متفرّع واقعا على المتقدّم زمانا مع أنه ليس أحدهما علة للآخر كما في" إن أدركت الخميس فستدرك الجمعة".

النتيجة: لا يمكن استفادة العلية فقط من تفريع الجزاء على الشرط، فيكون الدليل هنا أخص من المُدَّعَى.

الإشكال الثالث على العلية التامة:

لو لم نقل بالإشكال الثاني و سلَّمنا أن التفرّع الثبوتي الواقعي منحصر بباب العلية و المعلولية و أننا نستفيد علية الشرط للجزاء من التفريع فإن‏