دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
342 /
303

التفريع غير منحصر بحالة كون الشرط علة تامة للجزاء لأنه يتناسب أيضا مع كون الشرط جزء علة للجزاء لأن المعلول كما يتفرّع على علته التامة كذلك فإنه يتفرّع أيضا على جزء علته.

إن التفريع لا يثبت أن الشرط علة تامة للجزاء، و لكن هناك طريق آخر غير طريق تفرّع الجزاء على الشرط يمكن بواسطته إثبات أن الشرط علة تامة للجزاء و هو عن طريق التمسك بالإطلاق الأحوالي لأن مقتضى إطلاق ترتب و تفرّع الجزاء على الشرط أنه يترتّب و يتفرّع عليه في جميع الأحوال، فمقتضى التفرّع مثلا أنه كلما حصل المجي‏ء حصل وجوب الإكرام مطلقا أي سواء اقترن بالمجي‏ء شي‏ء آخر كالمرض أم لم يقترن، و لو كان الشرط جزءا من العلة التامة لاختص ترتب الجزاء على الشرط بحالة وجود الجزء الآخر، فإطلاق ترتب الجزاء على الشرط في جميع الأحوال يثبت كون الشرط علة تامة و ينفي كونه جزء علة، و لكنه ينفي الجزئية بأحد معنييها، فهو ينفي الجزئية و النقصان الذاتي للشرط و لا ينفي الجزئية و النقصان العَرَضِي له لأن للجزئية و النقصان أي كون الشرط محتاجا إلى شي‏ء آخر معنيين:

المعنى الأول: النقصان الذاتي للشرط:

معناه أن الشرط بطبيعته و ذاته محتاج في إيجاد الجزاء إلى شي‏ء آخر، مثلا المجي‏ء لوحده لا يمكن أن يؤدي إلى وجوب الإكرام، بل لا بد

أن ينضم إليه المرض، فيكون المجي‏ء بذاته قاصرا عن التأثير منفردا في وجوب الإكرام، و هذا نقصان و قصور ذاتي.

المعنى الثاني: النقصان العَرَضي للشرط:

معناه أن الشرط ليس في ذاته قصور للتأثير وحده في وجوب الإكرام، و لكنه بسبب اجتماعه مع علة أخرى مستقلة يصير الشرط جزءا للعلة التامة، فصار جزءَ علّةٍ لا بسبب قصوره‏

304

الذاتي و إنما بسببٍ عارضٍ و هو الاجتماع مع علة أخرى لأن العلة التامة المستقلة إذا اجتمعت مع علة تامة مستقلة أخرى على معلول واحد تَحَوَّل كل منهما إلى جزء للعلة التامة، و لو لا الاجتماع لكان كل منهما علة تامة.

النتيجة:

إن الإطلاق الأحوالي الذي يثبت أن الشرط علة تامة للجزاء و ينفي كونه جزء علة إنما ينفي الجزئية و النقصان الذاتي للشرط فينفي عدم تمامية العلة أي يثبت تمامية العلة، و لا ينفي النقصان العَرَضي للشرط فلا ينفي عدم انحصارية العلة أي لا يثبت انحصارية العلة بمعنى أن الإطلاق الأحوالي يقول إنه كلما حصل المجي‏ء حصل وجوب الإكرام مطلقا أي سواء انضم إليه شي‏ء آخر أم لم ينضم، فالمجي‏ء لوحده يوجد وجوب الإكرام و لا يحتاج إلى انضمام شي‏ء آخر لأن المجي‏ء ليس فيه أي قصور ذاتي في إيجاد وجوب الإكرام، و لكن الإطلاق الأحوالي لا يقول إنه في حالة اجتماع العلة التامة مع علة تامة أخرى كالمرض لا يتحوّل المجي‏ء إلى جزء علة، فالإطلاق لا ينفي الجزئية و النقصان بهذا المعنى لأن النقصان العَرَضي لا يضرّ بإطلاق ترتّب و تفرّع الجزاء على الشرط، و لكي ننفي النقصان العَرَضِي نحتاج إلى إثبات إطلاق مقامي و هو أن المولى في مقام أنه لا توجد علة أخرى تامة مستقلة.

الوجه الرابع: إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء عن طريق القاعدة الفلسفية" الواحد لا يصدر إلا من واحد":

أ- يستفاد اللزوم و العلية على أساس سابق من الوضع أو من تفريع الجزاء على الشرط، فالجملة الشرطية تدل على اللزوم العِلّيّ بين الشرط و الجزاء، فالجزاء يكون لازما و معلولا للشرط.

305

ب- يستفاد الانحصار أي أن الشرط علة منحصرة للجزاء كما يلي:

لو كانت هناك علة أخرى كالمرض لإكرام زيد، فأمامنا الافتراضان التاليان:

الافتراض الأول:

أن يكون سبب الحكم كل من العلتين بعنوانها الخاص كالمجي‏ء و المرض، فيكون كل منهما علة تامة مستقلة للحكم.

الافتراض الثاني:

أن يكون سبب الحكم هو الجامع بين العلتين بدون دخل لخصوصية أي منهما في العلية، فيكون الجامع بينهما هو العلة التامة المستقلة للحكم.

الرد على الوجه الرابع:

الرد على الافتراض الأول:

هذا الافتراض غير صحيح لأن الحكم موجود واحد شخصي في عالم التشريع، و الموجود الواحد الشخصي يستحيل أن تكون له علتان مستقلتان لأن الواحد لا يصدر إلا من الواحد و لا يصدر من المتعدد، و هنا المحذور محذور ثبوتي.

الرد على الافتراض الثاني:

هذا الافتراض ممكن، و لكنه خلاف ظاهر الجملة الشرطية من كون الشرط بعنوانه الخاص دخيلا في الجزاء لا بما أنه‏

مصداق للجامع، فالمجي‏ء بعنوانه الخاص علة للإكرام، و هنا المحذور محذور إثباتي.

نتيجة الرد:

عدم وجود علة أخرى للجزاء و إلا لزم أحد هذين المحذورين، فتكون النتيجة هي استفادة الانحصار و أن الشرط علة منحصرة للجزاء، فالمجي‏ء علة منحصرة للإكرام و لا توجد علة أخرى كالمرض.

306

رد الشهيد (قدس سره) على الرد:

يمكن اختيار الافتراض الأول‏ بأن يكون كل واحد من العلتين بعنوانه الخاص علة تامة مستقلة للحكم، و لا يلزم منه محذور تأثير المتعدد في الواحد، و ذلك بأن نفترض وجود جعلين و حكمين متعدّدين في عالم التشريع أي وجود فردين من وجوب الإكرام بحيث يكون لكل فرد علة مستقلة، و هذان الحكمان هما:

الحكم الأول: هو ما يكون معلولا للشرط بعنوانه الخاص، ففي مثل" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ" يكون المجي‏ء علة لفرد واحد من الإكرام.

الحكم الثاني: هو ما يكون معلولا لعلة أخرى، ففي مثل" إذا مرض زيد فأَكْرِمْهُ" يكون المرض علة لفرد آخر من الإكرام.

النتيجة:

الوجه الرابع‏ يبرهن على عدم وجود علة أخرى لشخص الحكم لا لشخص آخر مماثل، فإذا انتفى المجي‏ء لا ينتفي أصل وجوب الإكرام و إنما ينتفي الفرد الأول من الإكرام و لا ينتفي الفرد الثاني الذي يوجد مع تحقّق علته و هو المرض.

الوجه الخامس: إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء عن طريق" الإطلاق الأَوِي":

أ- يستفاد اللزوم و العلية على أساس سابق من الوضع أو من تفريع الجزاء على الشرط.

ب- يستفاد الانحصار أي أن الشرط علة منحصرة للجزاء كما يلي:

إن الجزاء متقيِّد بالشرط، و تقييد الجزاء بالشرط يكون على أحد نحوين:

307

النحو الأول:

أن يكون تقييدا بعلة واحدة معيّنة و هي الشرط فقط، فيكون الشرط موجودا على نحو التعيين، و هذا يؤدي إلى الانحصار و بالتالي ثبوت المفهوم للجملة الشرطية.

النحو الثاني:

أن يكون تقييدا بعلة غير معيّنة من علتين، فيكون الجزاء مقيَّدا بالشرط أو بِعِدْلٍ له على نحو البدل، و هذا يعني عدم الانحصار و بالتالي عدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطية.

التعليق على النحو الثاني:

إن النحو الثاني ذو مئونة في عالم الثبوت لأنه يوجد قيد إضافي في مراده الجدّي، و هذا القيد الإضافي يحتاج في مقام التعبير عنه إلى عطف العِدْل ب" أو"، و القيد الإضافي لم يظهر في التعبير، و هذا يعني أن القيد الإضافي ليس موجودا في مراده الجدّي، فلو كان يوجد قيد إضافي في مراده الجدّي لقاله في الكلام، و ذلك بأن يقول:" إذا جاءك زيد أو كان مريضا فأَكْرِمْهُ"، و قوله يدل على وجود علة أخرى بديلة و أن الشرط ليس علة منحصرة، و لكن طالما أنه لم يذكره في كلامه فمعنى ذلك أنه لا يريد هذا القيد الإضافي في مراده الجدي، فلا يريد العلة الثانية البديلة، أي أنه‏

يريد العلة المعيّنة و هي الشرط فقط، و هذا يدل على أن الشرط علة منحصرة للجزاء.

إذن: إطلاق الجملة الشرطية من العطف ب" أو" ينفي النحو الثاني و يعيِّن النحو الأول أي الشرط على نحو التعيين، و سماه‏ المحقّق النائيني‏ (قدس سره) أن هذا إطلاق في مقابل التقييد ب" أو"، فالإطلاق هنا معناه عدم التقييد ب" أو"، و يمكن تسميته ب‏" الإطلاق الأوي"، فالتقييد ب" أو" يعني تعدّد العلة و أن الشرط ليس علة منحصرة للجزاء،

308

فتوجد علة أخرى هي المعطوف ب" أو"، و عن طريق" الإطلاق الأوي" ينفى تعدد العلة و عدم وجود علة أخرى بديلة و بالتالي يثبت أن الشرط علة منحصرة للجزاء.

الإطلاق الواوي:

يوجد إطلاق آخر يسمى" الإطلاق الواوي"، و هو إطلاق للشرط في مقابل التقييد بالواو، فالإطلاق هنا معناه عدم التقييد ب" الواو"، و هذا التقييد يعني كون الشرط جزء العلة و أن الشرط ليس علة تامة للجزاء، و الجزء الآخر للعلة هو المعطوف بالواو، و عن طريق" الإطلاق الواوي" تنفى جزئية الشرط في العلة التامة و بالتالي يثبت أن الشرط نفسه علة تامة للجزاء.

مثال:" إذا جاءك زيد و كان مريضا فأَكْرِمْهُ" يدل على أن المجي‏ء جزء العلة و ليس علة تامة، و العلة التامة هي مجموع المجي‏ء و المرض معا، و عن طريق‏" الإطلاق الواوي" ينفى القيد الزائد و بالتالي يثبت أن الشرط علة تامة للجزاء.

النتيجة:

يقول‏ المحقّق النائيني‏ (قدس سره) إنه يمكن التمسك بالإطلاق الأوي لإثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء، و لا يتمسك بالإطلاق الواوي لأنه‏

يثبت أن الشرط علة تامة للجزاء و لا يثبت أنه علة منحصرة للجزاء، و نحن نريد إثبات أن الشرط علة منحصرة لا علة تامة فقط.

إثبات الركن الثاني:

كل الوجوه الخمسة السابقة تشترك في إثبات الركن الأول للمفهوم و هو العلية الانحصارية، و لكن كلها بحاجة إلى إثبات الركن الثاني و هو أن المعلَّق على الشرط طبيعي الحكم لا شخص الحكم، و يمكن إثبات الركن‏

309

الثاني عن طريق الإطلاق بإجراء قرينة الحكمة في مفاد هيئة الجزاء" أَكْرِمْهُ" بناء على القول بأن المعنى الحرفي قابل للإطلاق و التقييد، فالمتكلم لم يقيِّد الإكرام بفرد خاص من الإكرام، فعدم تقييده دليل على إطلاقه، و بذلك يثبت أن مراده الجدي هو طبيعي الحكم.

رد الشهيد (قدس سره) على الوجه الخامس:

التحقيق أن الربط بين الشرط و الجزاء في الجملة الشرطية يكون على معنيين:

المعنى الأول: توقّف الجزاء على الشرط.

المعنى الثاني: استلزام الشرط و استتباعه للجزاء.

بناء على المعنى الأول:

يتم إثبات المفهوم بلا حاجة إلى" الإطلاق الأوي" لأن الجزاء متوقّف على الشرط، و هذا التوقّف كافٍ لإثبات المفهوم، فلو كان الجزاء يوجد بدون الشرط لما كان متوقّفا عليه، أي أن الإكرام متوقّف على المجي‏ء، و معنى التوقّف أن الإكرام ينتفي عند انتفاء المجي‏ء، و لا نحتاج إلى إثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء.

بناء على المعنى الثاني:

لا يمكن إثبات الانحصار عن طريق" الإطلاق الأوي" و بالتالي لا يمكن إثبات المفهوم لأن وجود علة أخرى لا يؤثر على دائرة الاستلزام بين الشرط و الجزاء حيث لا تتضيّق هذه الدائرة، فلا يكون العطف ب" أو" تقييدا لمدلول الخطاب حتى ينفى المعطوف عن طريق الإطلاق، بل إن التقييد ب" أو" يفيد مطلبا إضافيا، فهو تقييد و لكنه لا يوجب التضييق في علية المجي‏ء للإكرام، إن وجود" أو" يعطي علة أخرى و لا يؤثر على‏

310

الربط بين العلة الأولى و الجزاء لأن وجود العلة الثانية لا يضيّق دائرة الاستلزام بين العلة الأولى و الجزاء، لذلك لا يمكن التمسك بالإطلاق الأوي لنفي العلة الثانية، إن استلزام الشرط للجزاء لا يتضيق بوجود شرط آخر، فإن كل شرط له استلزام خاص و لا علاقة له باستلزام الشرط الآخر، لذلك لا يمكن نفي العلة الثانية بالإطلاق الأوي لأن الإطلاق يتمسك به لنفي التقييد إذا كان التقييد موجبا للتضييق، إن" أو" لو وجدت لكانت العلة علة أخرى غير العلة الأولى، و لا يمكن نفي العلة الثانية بالإطلاق الأوي.

ملاحظة هامة:

و هنا لا بد من ذكر ملاحظة هامة و هي أنه إذا سكت المتكلم عن مطلب إضافي فلا يمكن نفيه بالإطلاق ما لم يكن المطلب المسكوت عنه مؤديا إلى تضييق و تقييد في دائرة مدلول الكلام.

قد يقال: إنه لو كانت هناك علة ثانية للزم على المولى بيانها، فسكوته عنها و عدم ذكرها يدل على عدم إرادتها.

و الجواب: أنه في الإطلاق المقامي يشترط أن يكون المولى في مقام بيان تمام مراده بكلامه، و هنا المولى ليس في مقام بيان تمام مراده بكلامه لأنه يريد أن يبيّن استلزام العلة الأولى للجزاء، و أما استلزام العلة

الثانية للجزاء فلم يقع تحت لحاظه حتى يقال إنه لم يذكره فلا يريده، فهو لم يكن في مراده الجدي بيان أو عدم بيان الاستلزام بين العلة الثانية و الجزاء، فسكوته عن العلة الثانية و عدم ذكرها لا يدل على عدم إرادتها لأن المولى ليس في مقام بيان كل علة تستلزم الجزاء و كل علة لا تستلزم الجزاء، و لو كان في هذا المقام لكان الإطلاق و عدم ذكر العلة التي لا تستلزم الجزاء دليلا على عدم إرادتها، و هذا الإطلاق هو المسمى ب" الإطلاق المقامي".

311

رأي الشهيد (قدس سره) في المسألة:

يمكن إثبات المفهوم للجملة الشرطية كما يلي:

الأولى من كل الوجوه الخمسة السابقة أن يستظهر عرفا كون الجملة الشرطية موضوعة للربط بمعنى التوقّف و الالتصاق و التعليق على نحو المعنى الحرفي أي النسبة التوقفية بين الجزاء و الشرط، فوجوب الإكرام متوقّف على المجي‏ء، و بذلك يثبت المفهوم لأنه بانتفاء الشرط ينتفي الجزاء، و لكن من الواضح أنه لا بد من إثبات الركن الثاني أيضا و هو أن المنتفي عند انتفاء الشرط هو طبيعي الحكم.

إشكال على رأي الشهيد (قدس سره):

لو كانت الجملة الشرطية موضوعة للتوقّف فمعنى ذلك أن استعمالها في موارد وجود العلة البديلة استعمال مجازي لعدم استعمالها في التوقف في تلك الموارد، و قد قال‏ الشهيد (قدس سره) سابقا في الوجه الأول بأن استعمال الجملة الشرطية في موارد عدم انحصار الجزاء بالشرط لا يوجد فيه مجاز بدليل الوجدان و عدم الإحساس بالمجازية.

جواب الإشكال:

إن ما نحسّه من عدم التجوّز في حالات عدم الانحصار يمكن أن يفسَّر بتفسير آخر هو:

إن هذه الحالات لا تعني عدم استعمال الجملة الشرطية في التوقّف و الالتصاق و التعليق، فالجملة الشرطية في موارد العلة البديلة مستعملة أيضا في التوقف، و لكن لا تدل على المفهوم لأن الركن الثاني غير متوفّر، و هذا يعني عدم إرادة المطلق من مفاد الجزاء، و بذلك يثلم الإطلاق و قرينة الحكمة و لا يعني استعمال اللفظ في غير المعنى الحقيقي حتى يكون مجازا، فلا يكون المنتفي طبيعي الحكم بل شخص الحكم.

312

بعبارة أخرى: الجملة الشرطية استُعْمِلَت في المعنى الحقيقي و هو التوقّف، و لكن المتوقّف على الشرط ليس طبيعي الحكم بل شخص الحكم و تكون العلة الثانية علة لشخص آخر من الحكم، لذلك عند ما ينتفي الشرط ينتفي شخص الجزاء لا طبيعي الجزاء، فلا يوجد المفهوم لا بسبب اختلال الركن الأول و هو أن الجزاء متوقف على الشرط، و إنما بسبب اختلال الركن الثاني لأن طبيعي الحكم لا ينتفي، و إنما الذي ينتفي هو شخص الحكم حيث إن هيئة الأمر" أَكْرِمْ" استعملت في شخص الحكم، و هذا تقييد لإطلاق مفاد الهيئة، و تقييد الإطلاق لا يعني المجازية.

و بذلك وفّق‏ الشهيد (قدس سره) بين الوجدانين التاليين:

أ- وجدان تبادر توقف الجزاء على الشرط.

ب- وجدان عدم المجازية عند استعمال الجملة الشرطية في موارد العلة البديلة.

خلاصة رأي الشهيد (قدس سره):

يثبت المفهوم للجملة الشرطية كما يلي:

1- بالدلالة التصورية نثبت النسبة التوقفية بين الشرط و الجزاء، فيثبت الانتفاء عند الانتفاء، و بذلك يثبت الركن الأول.

2- بالدلالة التصديقية نثبت انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الشرط عن طريق الإطلاق و قرينة الحكمة حيث إنه لم يذكر قيدا للحكم حتى يكون الحكم شخصيا، فمعنى ذلك أنه لا يريد القيد أي أنه يريد طبيعي الحكم، فإذا انتفى الشرط انتفى طبيعي الحكم، و بذلك يثبت الركن الثاني.

النتيجة:

الجملة الشرطية تدل على المفهوم الذي يعبِّر عن انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الشرط.

313

الشرط المسوق لتحقّق الموضوع‏

عناصر الجملة الشرطية:

في كل جملة شرطية مثل" إذا جاءك زيد فأَكْرِمْهُ" توجد ثلاثة عناصر:

1- الحكم: مثل" وجوب الإكرام".

2- الموضوع: مثل" زيد".

3- الشرط: مثل" المجي‏ء".

تقييدات الجملة الشرطية:

و يوجد في الجملة الشرطية تقييدان:

أ- تقييد بين الحكم و موضوعه:

و هذا التقييد موجود في الجملة الشرطية و في الجملة الحملية أيضا، و الحكم لا يوجد إلا إذا تحقّق موضوعه، فوجوب الإكرام لا يتحقّق إلا إذا كان زيد متحقِّقا في الخارج.

ب- تقييد بين الحكم و شرطه:

فالحكم لا يوجد إلا إذا تحقّق شرطه أيضا، فوجوب الإكرام المقيَّد بزيد مقيَّد بالمجي‏ء أيضا، و التقييد الثاني يكون في طول التقييد

الأول، و في طوله بمعنى أنه يأتي بعده، فلا بد أن يتحقق الموضوع أولا، ثم يتحقق الشرط ثانيا، و بعد ذلك يتحقق الحكم ثالثا.

حالات العلاقة بين الشرط و الموضوع:

الحالة الأولى: الشرط مغاير للموضوع:

إن الشرط في هذه الحالة ليس محقّقا لوجود الموضوع.

مثال:" إذا جاء زيد فأَكْرِمْهُ".

314

موضوع الحكم: زيد، و شرط الحكم: المجي‏ء، و هما متغايران فإن مجي‏ء زيد يختلف عن زيد.

الحالة الثانية: الشرط محقّق للموضوع:

إن الشرط في هذه الحالة طريق لتحقّق و وجود الموضوع، و الشرط و الموضوع أحدهما عين الآخر في الخارج.

مثال:" إذا رُزِقْتَ ولدا فاخْتِنْهُ".

موضوع الحكم: الولد، و شرط الحكم: رزق الولد، و الشرط هنا ليس مغايرا للموضوع، بل هو عبارة عن تحقّقه و وجوده، فرزق الولد ليس أمرا مختلفا عن الولد، فرزق الولد هو طريق لوجود الولد، فهما شي‏ء واحد في الخارج حيث لا يوجد في الخارج شيئان الولد و رزق الولد، فأحدهما هو عين الآخر في الخارج.

سؤال: في أي الحالتين يثبت مفهوم الشرط؟

الجواب:

في الحالة الأولى:

يثبت مفهوم الشرط، فكلما كان الشرط مغايرا للموضوع و انتفى الشرط دلّت الجملة الشرطية على انتفاء الحكم عن موضوعه بسبب انتفاء

الشرط، فالشرط في هذه الحالة لا يكون مسوقا لتحقّق الموضوع، بل يكون مسوقا لتحقّق المحمول و هو الحكم.

في الحالة الثانية:

لا يثبت مفهوم الشرط لأن الشرط يحقّق و يوجِد الموضوع، فإذا انتفى الشرط انتفى الموضوع، فإذا انتفى رزق الولد فإنه لا يوجد ولد حتى يقال بختنه أو عدم ختنه، فلا يوجد موضوع أصلا لكي يحمل عليه الختن أو عدم الختن، فالمثال يدل على أنه: متى ما رزقت ولدا فاختنه، و لا يدل على أنه: إذا لم ترزق ولدا فلا تختنه.

315

تفصيل الشهيد (قدس سره) في الحالة الثانية:

يوجد لحالات الشرط المحقِّق للموضوع قسمان: قسم لا يثبت فيه المفهوم، و قسم آخر يثبت فيه المفهوم، و هما:

القسم الأول: الشرط علة منحصرة لوجود الموضوع:

هنا يكون الشرط المحقّق لوجود الموضوع هو الأسلوب و الطريق الوحيد لتحقيق الموضوع.

مثال:" إذا رزقت ولدا فَاخْتِنْهُ".

موضوع الحكم: الولد، الشرط: رزق الولد، و رزق الولد هو الطريق الوحيد لتحقّق وجود الولد و لا يوجد طريق آخر.

القسم الثاني: الشرط ليس علة منحصرة لوجود الموضوع:

هنا يكون الشرط أحد أساليب تحقيق الموضوع، فيمكن أن يتحقّق الموضوع بأكثر من طريق، و يكون الشرط واحدا من هذه الطرق.

مثال:" إن جاءكم فاسق بنبإ فَتَبَيَّنُوا".

موضوع الحكم: النبأ، و الشرط: مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و مجي‏ء الفاسق بالنبإ عبارة أخرى عن إيجاد و تحقّق النبأ، و لكنه ليس هو الأسلوب و الطريق الوحيد لإيجاده لأن الموضوع و هو النبأ يمكن أن يوجد

و يتحقّق بطريق آخر هو طريق العادل أيضا، فكما أن الخبر يوجِده الفاسق، كذلك فإن الخبر يوجِده العادل أيضا.

سؤال: في أي القسمين يثبت المفهوم؟

الجواب:

في القسم الأول:

لا يثبت مفهوم الشرط في هذا القسم لأن مفهوم الشرط ينتج من ربط الحكم و تقييده بالشرط على وجه مخصوص على وجه العلية الانحصارية عند المشهور، و على وجه التوقف عند الشهيد (قدس سره)، و لا ينتج‏

316

المفهوم من ربط الحكم و تقييده بالموضوع، فإذا كان الشرط عين الموضوع و مساويا له فلا يوجد في الواقع ربط للحكم بالشرط غير ربطه بموضوعه، فربط الحكم بالشرط لا يختلف عن ربطه بموضوعه، فإذا انتفى الشرط ينتفي الموضوع، و إذا انتفى الموضوع لا يبقى موضوع حتى ينتفي عنه الحكم، لذلك لا يثبت المفهوم.

مثال: قولنا في الجملة الشرطية" إذا رزقت ولدا فاخْتِنْهُ" هو في قوة قولنا في الجملة الحملية" ولدَك اخْتِنْهُ"، و الجملة الحملية ليس لها مفهوم، و بالتالي فالجملة الشرطية في هذا القسم ليس لها مفهوم لأن الحكم ليس متقيِّدا بالشرط، بل هو متقيِّد بالموضوع حيث إن الشرط هو عين الموضوع، فوجوب الختان مرتبط بالموضوع و هو الولد، و في حالة ارتباط الحكم بالموضوع لا يكون للقضية مفهوم، و إنما المفهوم ينتج من ارتباط الحكم بالشرط.

في القسم الثاني:

يثبت المفهوم في هذا القسم لأن ربط الحكم بالشرط يختلف عن ربطه بموضوعه، فالحكم مرتبط بالموضوع من جهة و مرتبط بالشرط من جهة أخرى، فهو تقييد و تعليق حقيقي حيث إن الحكم متقيِّد

بالشرط لا بالموضوع، فلا ترجع الجملة الشرطية إلى قضية حملية.

مثال:" إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا" ليس في قوة قولنا" النبأَ تَبَيَّنُوه" لأن القول الثاني لا يختص بنبإ الفاسق، بينما القول الأول يختص به، و هذا الاختصاص ينشأ من ربط الحكم بشرطه فيكون للجملة مفهوم، ففي القول الأول يوجد ارتباطان مختلفان: الأول هو ارتباط الحكم بالموضوع أي ارتباط وجوب التبين بالنبإ، و الثاني هو ارتباط الحكم بالشرط أي ارتباط وجوب التبين بمجي‏ء الفاسق.

317

و القول الأول في قوة قولنا" تبيّنوا النبأ إذا كان الجائي فاسقا"، و هذا القول له مفهوم لأنه بانتفاء الشرط ينتفي الحكم، و المفهوم هو" لا تتبينوا النبأ إذا لم يكن الجائي فاسقا"، و بعبارة أخرى:" لا تتبينوا النبأ إذا كان الجائي عادلا".

الخلاصة:

في الجملة الشرطية توجد ثلاث حالات للشرط بالنسبة للموضوع:

1- أن يكون الشرط مغايرا للموضوع: فيثبت المفهوم.

2- أن يكون الشرطُ الأسلوبَ الوحيد لتحقيق الموضوع: فلا يثبت المفهوم.

3- أن يكون الشرطُ أحدَ أساليب تحقيق الموضوع: فيثبت المفهوم.

مفهوم الوصف‏

معنى الوصف في علم الأصول:

ليس المقصود من الوصف في علم الأصول الوصف في علم النحو أي النعت، بل المقصود من الوصف كل وصف معنوي و إن لم يكن وصفا نحويا، فيكون الوصف الأصولي أعم من الوصف النحوي، فمثلا في قولنا" أكرم الفقير عادلا" كلمة" عادلا" حال و ليس نعتا، و لكنه داخل في الوصف الأصولي لأنه وصف من حيث المعنى.

عناصر الجملة الوصفية:

في كل جملة وصفية مثل" أَكْرِمِ الفقيرَ العادلَ" توجد ثلاثة عناصر:

318

1- الحكم: مثل" وجوب الإكرام".

2- الموضوع: مثل" الفقير".

3- الوصف: مثل" العادل".

و هنا نسأل هذا السؤال: هل هذه الجملة الوصفية في قوة الجملة الشرطية التالية:" إذا كان الفقير عادلا فَأَكْرِمْهُ"؟، فإذا كان الجواب" نعم" فإن الجملة الوصفية تدل على المفهوم و هو" لا تُكْرِمِ الفقير غير العادل" أي" لا تُكْرِمِ الفقير الفاسق"، و إذا كان الجواب" لا" فإنها لا تدل على المفهوم.

إن الحكم إذا تعلَّق بموضوع و أنيط هذا الحكم و ارتبط بوصف في الموضوع كإناطة وجوب الإكرام بوصف العدالة في المثال السابق، فتأتي هنا عدة أسئلة:

السؤال الأول: هل يدل تقييد الفقير بوصف العادل على انتفاء شخص الحكم عن الفقير غير العادل عند انتفاء الوصف؟

الجواب:

نعم ينتفي شخص الحكم عند انتفاء الوصف تطبيقا لقاعدة احترازية القيود التي مفادها أن ما يقوله المتكلم فهو يريده بشكل جدّي، أي" ما يقوله يريده"، فهو ذكر قيد العدالة في كلامه لذلك فهو يريد وجوب الإكرام المقيَّد بالعدالة، و إذا انتفى القيد ينتفي المُقَيَّد، أي إذا انتفت العدالة انتفى شخص وجوب الإكرام، و لكن هذا ليس مفهوما لأن المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم بكل أسبابه و أشكاله عند انتفاء القيد.

السؤال الثاني: هل يدل تقييد الفقير بوصف العادل على المفهوم أي انتفاء طبيعي الحكم عن الفقير غير العادل عند انتفاء الوصف؟

319

الجواب:

بناء على مسلك المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

قال‏ المحقق العراقي‏ (قدس سره) كما مرّ سابقا إن‏ الركن الأول‏ من ركني المفهوم أي العلية الانحصارية عند المشهور بأن يكون الوصف علة منحصرة للحكم، و التوقّف عند الشهيد (قدس سره) بأن يكون الحكم متوقفا على الوصف لا يوجد شك في ثبوته فإن الجملة الوصفية تدل على الربط المخصوص المستدعي لانتفاء الحكم بانتفاء الوصف لأن الحكم متوقف على الوصف، و إنما الخلاف يقع في‏ الركن الثاني‏ في أن المعلَّق هل هو طبيعي الحكم أم شخص الحكم؟ فهل يمكن أن نثبت أن الحكم المربوط بالوصف هو طبيعي الحكم عن طريق الإطلاق و قرينة الحكمة و بالتالي ينتفي طبيعي الحكم عند انتفاء الوصف أم لا يمكن ذلك؟

الجواب:

الصحيح أنه لا يمكن إثبات أن المنتفي هو طبيعي الحكم لأنه لإجراء الإطلاق يشترط عدم وجود القيد في الحكم، و هنا يوجد قيد لأن مفاد هيئة" أَكْرِمْ" تدل على النسبة الوجوبية بين الإكرام و المخاطَب، و النسبة

الوجوبية مقيَّدة بمدلول المادة أي الإكرام، فإن مدلول المادة طرف و متعلَّق لمفاد الهيئة، و مدلول المادة مقيَّد بالموضوع و هو الفقير لأن المطلوب إكرام الفقير، و الموضوع مقيَّد بالوصف و هو العدالة لأن الشي‏ء يتقيَّد بوصفه، فالوجوب مقيَّد بالإكرام، و الإكرام مقيَّد بالفقير، و الفقير مقيَّد بالعدالة، و بالتالي يكون الوجوب مقيَّدا بالعدالة، لذلك لا يكون الوجوب مطلقا لأنه مقيَّد، و يشترط في الإطلاق عدم وجود القيد.

و ينتج من ذلك أن مفاد هيئة" أكْرِمْ" و هو الحكم ليس طبيعي وجوب الإكرام و إنما هو حصة خاصة و فرد واحد من وجوب الإكرام، و هي الحصة المقيَّدة بوصف العدالة، فغاية ما يقتضيه الربط المخصوص بين‏

320

مفاد" أَكْرِمْ" و الوصف انتفاء تلك الحصة الخاصة من الحكم عند انتفاء العدالة، و هذا ليس انتفاءً لطبيعي الحكم، هذا كله بناء على مسلك‏ المحقّق العراقي‏ (قدس سره).

بناء على مسلك الشهيد (قدس سره):

و أما إذا لم نأخذ بمسلك‏ المحقّق العراقي‏ (قدس سره) فإننا نحتاج إلى إثبات كلا ركني المفهوم، و كلاهما لا يمكن إثباته.

الركن الثاني‏:

لا يمكن إثبات أن المعلَّق طبيعي الحكم لما تقدَّم قبل قليل.

إذن: الركن الثاني غير متحقِّق.

الركن الأول:

و إضافة إلى عدم إمكان إثبات الركن الثاني فإنه لا يمكن إثبات الركن الأول أيضا لأن الجملة الوصفية لا تدل على الربط المخصوص و هو توقف الحكم على الوصف الذي يستدعي الانتفاء عند الانتفاء، و ذلك لأنه يوجد في الجملة الوصفية ثلاثة أشياء، و هي:

1- ارتباط و تقيّد الحكم بمدلول مادة الفعل:

فالوجوب متقيّد بالإكرام، و هذا التقيّد ذاتي بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد الوجوب لوحده بدون أن يتقيّد بشي‏ء، فالوجوب مرتبط بذاته بمدلول مادة الفعل أي الإكرام، و إذا كان ذاتيا فلا يحتاج إلى دال على هذا التقيّد.

2- ارتباط و تقيّد مدلول مادة الفعل بالموضوع:

فالإكرام متقيّد بالفقير، و النسبة بين الإكرام و الفقير نسبة ناقصة تقييدية، ناقصة لأنه لا يصح السكوت عليها، و تقييدية لأنها تقيِّد الإكرام بالفقير، فإكرام الفقير مكوّن من مضاف و مضاف إليه أي" إكرام الفقير"، و النسبة بين المضاف و المضاف إليه نسبة ناقصة لا يصح السكوت عليها.

321

3 ارتباط و تقيّد الموضوع بالوصف:

فالفقير متقيّد بالعادل، و النسبة بين الفقير و العادل نسبة ناقصة تقييدية، فالفقير العادل مكوّن من موصوف و صفة، و النسبة بين الموصوف و الصفة نسبة ناقصة لا يصح السكوت عليها.

و بعد اتضاح هذه الأشياء الثلاثة نقول إن ارتباط و تقيّد مفاد هيئة الأمر" أَكْرِمْ" و هو الوجوب بالإكرام يكون ارتباطا ذاتيا، و أما ارتباط الحكم بالوصف فيكون بتوسّط هاتين النسبتين الناقصتين التقييديتين، و لا يوجد شي‏ء من هذه الأشياء الثلاثة يدل على التوقّف و الالتصاق لا بنحو المعنى الاسمي إذ لا توجد كلمة" توقّف"، و لا بنحو المعنى الحرفي إذ لا توجد هيئة تدل على النسبة التوقّفية، و لا بد من الالتفات إلى أن النسبة التوقفية نسبة تامة لا ناقصة، و النسب الموجودة في الجملة الوصفية نسب ناقصة، فالربط في الجملة الوصفية بين الحكم و الوصف لا يكون على نحو التوقف و إنما يكون على نحو الاستلزام، و بالتالي لا يكون للجملة الوصفية مفهوم.

إذن: الركن الأول و هو توقف الحكم على الوصف غير متحقِّق.

النتيجة النهائية لرأي الشهيد (قدس سره):

الصحيح أن الجملة الوصفية ليس لها مفهوم لاختلال كلا الركنين.

إشكال:

قد يقال إنه إذا لم يكن للجملة الوصفية مفهوم فما الداعي إلى التقييد بالوصف لأن تقييد الحكم بالوصف سيكون لغوا حيث إننا لا نفهم من" أَكْرِمِ الفقير العادل" أنه" لا تكرم الفقير غير العادل" أي أنه يمكن لك أن تكرم الفقير غير العادل؟، فإذا لم يكن قيد العادل للاحتراز عن إكرام غير العادل فإن ذكر القيد يكون لغوا.

322

الجواب:

إن دفع محذور اللغوية في الجملة الوصفية لا يتوقف على وجود المفهوم أي على انتفاء وجوب الإكرام عن كل أفراد الفقير غير العادل، و لكن الجملة الوصفية تدل على انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الوصف على نحو السالبة الجزئية لا السالبة الكلية صَوْنا لكلام المولى من اللغوية كما مرّ في الحلقة الثانية مثل" لا تكرم الفقير الفاسق غير الهاشمي"، و القسم الآخر يجب إكرامه و هو" أكرم الفقير الفاسق الهاشمي"، فلو كان وجوب الإكرام شاملا لجميع حالات انتفاء العدالة لكان ذكر قيد العدالة لغوا، فذكر قيد العدالة يدل على انتفاء طبيعي الإكرام في بعض الحالات عند انتفاء العدالة حتى لا يكون ذكر قيد العدالة لغوا، و التقييد بوصف العدالة يدفع توهم شمول الحكم بوجوب الإكرام للفاسق غير الهاشمي، فلو قيل" أكرم الفقير" من دون وصف" العادل" لتوهم شمول الحكم لكل فقير حتى غير الهاشمي، لذلك فإن التقييد بالوصف يدل على السلب الجزئي أي" عدم وجوب إكرام بعض أفراد الفقير غير العادل" و هو غير الهاشمي، و لا يدل على السلب الكلي أي" عدم وجوب إكرام كل أفراد الفقير غير العادل" بما فيهم الهاشمي، و السلب الكلي‏

هو المفهوم، فلو كان يدل على السلب الكلي لقلنا بوجود المفهوم للجملة الوصفية.

مفهوم الغاية

مثال: صُمْ إلى الغروب.

سؤال: الغاية هنا غاية لأي شي‏ء؟

الجواب: الغاية قد تكون غاية للحكم كالوجوب، و قد تكون غاية لمتعلَّق الحكم كالصوم، و قد تكون غاية للموضوع، و في المقام الغاية غاية للحكم و هو وجوب الصوم، و يكون وجوب الصوم مقيَّدا بما قبل الغاية.

سؤال: هل الحكم الشخصي ينتفي بعد تحقّق الغاية؟

الجواب:

لا شك في أن الحكم الشخصي المقيّد بكونه إلى الغروب ثابت بما قبل الغاية، و ينتفي هذا الحكم الشخصي بعد تحقّق الغاية على أساس قاعدة احترازية القيود.

323

سؤال: هل يوجد لجملة الغاية مفهوم أم لا؟

الجواب:

يأتي البحث في ركني المفهوم:

الركن الأول: هل تدل جملة الغاية على الربط المخصوص؟

لا شك في أن جملة الغاية تدل على الربط المخصوص على وجه العلية الانحصارية عند المشهور، و على وجه التوقّف عند الشهيد (قدس سره) الذي يستدعي انتفاء الحكم عند انتفاء القيد لأن معنى الغاية يستبطن ذلك، و انتفاء القيد في الغاية يعني أن الصوم ينتهي بمجرد دخول الغروب، فوجوب الصوم متوقّف على عدم دخول الغروب.

على مسلك المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

الركن الأول و هو التوقّف ثابت جزما لأن جملة الغاية تدل بلا شك على توقّف الحكم على ما قبل تحقّق الغاية، فالغاية تدل على الربط المخصوص الذي يدل على انتفاء الحكم عند بلوغ الغاية.

الركن الثاني: هل ينتفي طبيعي الحكم بتحقّق الغاية أم لا؟

على مسلك المحقّق العراقي‏ (قدس سره):

يتّجه البحث إلى أن المُغَيَّا هل هو طبيعي الحكم و المدلول للإطلاق و قرينة الحكمة حتى يثبت المفهوم، أو هو شخص الحكم المجعول و المدلول للخطاب و الكلام فلا يثبت المفهوم؟

324

الجواب:

لكي نرى أن المُغَيَّا هو طبيعي الحكم أو شخص الحكم نحوّل الغاية من مفهوم حرفي مفاد بمثل" حتى" أو" إلى" إلى مفهوم اسمي موازي لتلك النسبة مفاد بنفس لفظ" الغاية"، و يمكن ذلك على نحوين:

القول الأول:

" وجوبُ الصوم مغيَّا بالغروب"، وجوبُ الصوم: مبتدأ، مُغَيَّا: خبر، و النسبة بين المبتدأ و الخبر نسبة تامة.

القول الثاني:

" جعل الشارع وجوبًا للصوم مُغَيّى بالغروب"، وجوبًا: موصوف، مُغَيّى: صفة، و النسبة بين الصفة و الموصوف نسبة ناقصة.

المقارنة بين القولين:

القول الأول:

يدل عرفا على أن المغيّى بالغاية أي بالغروب هو طبيعي الحكم أي طبيعي الوجوب لأن هذا هو مقتضى الإطلاق في وجوب‏

الصوم، فقرينة الحكمة تجري في الموضوع أي المبتدأ و هو" وجوب الصوم"، فنقول إن المولى لم يقيِّد وجوب الصوم بقيد فهو يريد الإطلاق، و هذا يعني أنه يريد طبيعي وجوب الصوم غير المقيَّد بأي قيد، فيكون طبيعي وجوب الصوم مغيّا بالغروب، و طبيعي وجوب الصوم ينتفي بتحقق الغاية، فيكون لجملة الغاية مفهوم، و بالتالي يثبت المفهوم.

و هذا مثل قولنا" الربا ممنوع" حيث يدل بقرينة الحكمة على أن طبيعي الربا و مطلقه لا بعض أفراده فقط ممنوع، فيكون كلّ ربا ممنوعا، فتجري قرينة الحكمة على نحو واحد في الربا و في وجوب الصوم لإثبات إطلاقهما، و بذلك يثبت أن المراد هو مطلق الصوم و طبيعيه.

325

القول الثاني:

لا يمكن التمسك فيه بالإطلاق و قرينة الحكمة لأن الإطلاق يجري في الموضوع الذي له محمول و لا يجري في الموصوف الذي له صفة لأن الصفة قيد، فلا يدل على أن طبيعي وجوب الصوم مُغَيَّا بالغروب، بل يدل على إصدار وجوب خاص شخصي مُغَيّا بالغروب بدليل وجود تنوين التنكير في" وجوبًا" و الذي يدل على قيد الوحدة، و لا يتحدث عن عدم إمكانية صدور وجوب آخر غير مُغَيَّا بالغروب، فالقول الثاني لا يثبت أكثر من كون الغروب غاية لشخص الوجوب الذي تحدّث عنه، و هو لا ينافي جعل وجوب آخر غير مغيّا بالغروب، فهو يدل عرفا على أن المغيّى بالغاية حصة خاصة من وجوب الصوم، فإذا تحقّقت الغاية انتفت تلك الحصة الخاصة لا طبيعي الوجوب، و بالتالي لا يثبت المفهوم.

و هذا مثل قولنا" لا تتعامل بالربا الممنوع" حيث لا يدل على أن كل ربا ممنوع، بل يدل على حرمة التعامل بالربا الممنوع و لا تتعرض للحديث عن الربا غير الممنوع، فهذا القول ساكت عن الربا غير الممنوع، و كذلك‏

القول الثاني فإنه ساكت عن وجود وجوب آخر غير مُغَيَّا بالغروب، فلا تقول إنه يوجد وجوب صوم آخر غير مُغَيَّا بالغروب أو لا يوجد.

النتيجة:

جملة الغاية السابقة تكون عرفا في قوة قولنا" جعلت وجوبًا للصوم مُغَيّى بالغروب"، لا في قوة قولنا" وجوبُ الصوم مُغَيَّا بالغروب" لأنه يفهم منها عرفا أن الشارع جعل وجوبا للصوم فعلا في مقام الثبوت، و أبرزه بذلك الخطاب و الكلام في مقام الإثبات، لا أن الشارع يريد أن يخبر عن وجوب الصوم.

326

النتيجة النهائية لرأي الشهيد (قدس سره):

لا يوجد مفهوم للغاية، و إنما تدل الغاية على انتفاء شخص الحكم، و لكن تدل على انتفاء طبيعي الحكم على نحو السالبة الجزئية لا الكلية كما ورد في مفهوم الوصف حتى ننفي اللغوية عن كلام المولى و ننفي أن الصوم ثابت لما بعد الغروب أيضا، و لإثبات أن الصوم ثابت لما بعد الغروب أيضا يكفي أن يقول المولى" صُمْ" بدون تقييده بكونه إلى الغروب، فلدفع اللغوية يكفي أن نفترض أن قسما مما بعد الغروب يجب الصوم فيه و قسما آخر لا يجب الصوم فيه، فيكون ذكر الغاية لدفع توهم ثبوت وجوب الصوم للقسم الآخر الذي لا يجب الصوم فيه، فيكون المفهوم ثابتا على نحو السالبة الجزئية و هو أن" بعض ساعات ما بعد الغروب لا يجب الصوم فيها"، و لا يكون المفهوم ثابتا على نحو السالبة الكلية و هو أن" كل ساعات ما بعد الغروب لا يجب الصوم فيها".

مفهوم الاستثناء

مثال: أَكْرِمِ الفقراءَ إلا الفُسَّاقَ.

تدل جملة الاستثناء على نفي حكم المُسْتَثْنَى منه أي وجوب إكرام الفقراء عن المُسْتَثْنَى أي عن الفسّاق، فالحكم مقيَّد بغير المستثنَى، فوجوب الإكرام غير ثابت للفسّاق من الفقراء.

سؤال: هل يوجد مفهوم لجملة الاستثناء؟

الجواب:

نأتي إلى الركنين:

الركن الأول:

لا شك في أن جملة الاستثناء تدل على الربط المخصوص أي التوقّف، فوجوب إكرام الفقير متوقّف على عدم فسقه.

327

الركن الثاني:

هل المنفي عن المُسْتَثْنَى بدلالة أداة الاستثناء طبيعي الحكم أي أن وجوب الإكرام منتفٍ عن الفقراء الفسّاق بجميع ملاكاته و أسبابه و أنواعه حتى لو كانوا مرضى أو هاشميين مثلا فيثبت المفهوم، أو شخص الحكم أي أن وجوب الإكرام منتفٍ عن الفقراء الفسّاق بملاك الفقر فقط و أما الملاكات الأخرى كالمرض مثلا فمسكوت عنها فلا يثبت المفهوم؟

الجواب:

يمكن تحويل الاستثناء في قولنا" يجب إكرام الفقراء إلا الفساق" من مفهوم حرفي إلى مفهوم اسمي موازي لتلك النسبة، و ذلك على نحوين:

القول الأول:

" وجوبُ إكرام الفقراء يُسْتَثْنَى منه الفسّاق"، وجوبُ إكرام الفقراء: مبتدأ، يُسْتَثْنَى: خبر، و النسبة بين المبتدأ و الخبر نسبة تامة.

القول الثاني:

" جعل الشارع وجوبًا لإكرام الفقراء مُسْتَثْنى منه الفسّاق"، وجوبًا: موصوف، مُسْتَثْنى: صفة، و النسبة بين الصفة و الموصوف نسبة ناقصة.

المقارنة بين القولين:

القول الأول:

يدل على أن الوجوب المستثنَى عن الفسّاق هو طبيعي وجوب الإكرام بتطبيق قرينة الحكمة على الحكم، فهو لم يقيِّد الحكم بقيد، و معنى ذلك أنه يريد الإطلاق، فيريد طبيعي الحكم و مطلقه غير المقيَّد بقيد، فإن رجعت جملة الاستثناء إلى مفاد هذا القول كان لها مفهوم.

القول الثاني:

يدل على أن الوجوب المستثنَى عن الفسّاق هو شخص وجوب الإكرام المقيّد بغير الفاسق حيث لا يمكن تطبيق قرينة الحكمة على الحكم‏

328

لأن الحكم مقيَّد بغير الفاسق، فإن رجعت جملة الاستثناء إلى مفاد هذا القول لم يكن لها مفهوم.

النتيجة النهائية لرأي الشهيد (قدس سره):

الأصح هو القول الثاني أي الاستثناء من شخص الحكم، و بالتالي لا يوجد مفهوم للاستثناء، و لكن لها مفهوم على نحو السالبة الجزئية لا الكلية دفعا لمحذور اللغوية عن كلام المولى، أي أن" بعض الفقير الفاسق لا يجب إكرامهم" كالفقير الفاسق الكوفي مثلا، لا أن" كل فقير فاسق لا يجب إكرامه"، فلو لم يستثنِ الفساق و قال" أكرم الفقراء" لتوهم شمول الحكم لجميع الفقراء بما فيهم الفقير الفاسق الكوفي، فذكر قيد" الفسّاق" لدفع هذا التوهم لا لإفادة انتفاء الوجوب عن جميع الفسّاق.

مفهوم الحصر

مثال:" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" ( (52) 1).

سؤال: هل يوجد مفهوم لجمل الحصر أم لا؟

الجواب:

نأتي إلى الركنين:

الركن الأول:

تدل جملة الحصر على الربط المخصوص أي التوقّف لأن الحصر يستبطن التوقف، فإن وجوب التَّوَلِّي ثابت لله تعالى و لرسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و متوقّفة عليهم، فالتولّي يتوقف تحقّقه عليهم.

____________

(52) (1) المائدة: 55.

329

الركن الثاني:

إذا كانت الجملة تدل على حصر حكم بموضوع فإن الحصر يستبطن انتفاء الحكم المحصور عن غير الموضوع المحصور بهذا الحكم، فيكون الحصر بنفسه قرينة على أن المحصور هو طبيعي الحكم لأن شخص الحكم محصور بموضوعه دائما و لا يحتاج إلى أداة الحصر، و طالما أننا استعملنا أداة الحصر فالغرض منه حصر طبيعي وجوب التولّي في هؤلاء الثلاثة، و غيرهم لا يتّصف بالولاية، و هذا هو المفهوم.

النتيجة:

يثبت المفهوم لجملة الحصر لتوفّر الركنين.

أدوات الحصر:

لم يقع النزاع بين الأصوليين في أنه يوجد مفهوم لجمل الحصر، و إنما وقع النزاع و الكلام في تعيين أدوات الحصر، فمن جملة أدواته:

1- إنما:

تدل على الحصر وضعا بالتبادر العرفي.

مثال: إنما العالم زيد، يفهم منه أن العلم محصور بزيد، فزيد هو العالم فقط و لا يوجد عالم غيره، فالعلم يتوقف تحققه على زيد.

2- جعل العام موضوعا مع كونه معرفة و الخاص محمولا:

مثال:" ابنُك هو محمد" بدلا من أن نقول" محمد هو ابنك"، فإنه يدل عرفا على حصر البنوة بمحمد و أنه لا يوجد مصداق لهذا العام إلا هذا الخاص، و النكتة في ذلك أن المحمول يجب أن يصدق بحسب ظاهر الجملة على كل أفراد الموضوع، و لا يمكن ذلك في فرض حمل الخاص على العام إلا بافتراض انحصار العام بالخاص، فلا بد من فرض أن كل أفراد الابن منحصرة في محمد حتى يكون المحمول صادقا على كل أفراد الموضوع.

330

تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

2- الدليل الشرعي غير اللفظي‏

الدليل الشرعي غير اللفظي يشتمل على:

أ- فعل المعصوم: هو الموقف العملي الذي يتّخذه المعصوم (عليه السلام) فعلا أو تركا.

ب- تقرير المعصوم: هو السكوت الدال على الرضا عن فعل صادر أمامه، فإذا قام شخص بفعلٍ أمام المعصوم (عليه السلام) كما إذا مسح قدميه في الوضوء منكوسا و سكت المعصوم فإن سكوته و عدم ردعه يدل على رضاه عن هذا الفعل لأن المعصوم (عليه السلام) لو لم يكن راضيا عن هذا الفعل لنهاه عنه، و طالما أنه لم ينهه فمعنى ذلك أنه راضٍ عنه.

دلالات الفعل و الترك‏

1- إذا اقترن فعل المعصوم (عليه السلام) أو تركه بقرينة مقاليّة أو حالية أو مقاميّة تدل على الوجوب أو الاستحباب فإن مدلوله يتحدّد على أساس تلك القرينة.

331

2- إذا وقع فعل المعصوم (عليه السلام) أو تركه مجرّدا عن القرينة كان له بعض الدلالات العامة لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب أو الاستحباب، و مجرد الترك لا يدل على الحرمة أو الكراهة، و هذه الدلالات العامة هي:

أ- صدور الفعل من المعصوم (عليه السلام) يدل على عدم حرمته على أقل التقادير، و هذا هو القدر المتيقّن.

ب- ترك الفعل من المعصوم (عليه السلام) يدل على عدم وجوبه على أقل التقادير، و هذا هو القدر المتيقّن.

ج- الإتيان بالفعل من المعصوم (عليه السلام) على وجه عبادي كالصلاة يدل على مطلوبيته و رجحانه شرعا، و المطلوبية و الرجحان أعم من الوجوب و الاستحباب. ملاحظة هامة:

لا يمكن تعميم الحكم المستكشف من الفعل لكل الحالات لعدم وجود الإطلاق في دلالة الفعل لأن الإطلاق يطبَّق على الألفاظ حيث إن الإطلاق يثبت عن طريق قرينة الحكمة التي مفادها هو" ما لم يقله لا يريده"، فلا بد أن يكون في مقام الكلام حتى نطبّق الإطلاق على كلامه، و أما الفعل فإنه دليل لُبِّيّ لا يمكن أن يُتجاوز عن مورده و يُقْتَصَر فيه على القدر المتيقَّن و لا يمكن إجراء الإطلاق و قرينة الحكمة فيه لأنه دليل صامت غير لفظي، و القدر المتيقَّن هو صورة الاتحاد في جميع الخصائص التي تُحتمل مدخليتها في الحكم، فمثلا في الدليل اللفظي لو شككنا في شرطية شي‏ء فإننا ننفيه بقرينة الحكمة حيث إن المعصوم (عليه السلام) يبيِّن جميع قيود الحكم في كلامه، فإذا لم يبيِّن قيدا فمعنى ذلك أنه لا يريد هذا القيد، و لكن في الدليل غير اللفظي لا يبيِّن المعصوم (عليه السلام) قيود الحكم لأنه من ظاهر حاله لا

332

نستطيع أن نعرف أي القيود لها دخالة في الحكم و أيها ليس لها الدخالة، فمثلا لو شككنا في شرطية شي‏ء أو عدم شرطيته فلا يمكن أن ننفيه بل لا بد من إحرازه، لذلك فإن الحكم المستنبط من الفعل يثبت في صورة المماثلة لحالة المعصوم (عليه السلام) من كل الجهات و الخصائص التي تُحتمل دخالتها في ثبوت ذلك الحكم.

مثال: يستدل البعض على جواز خروج المرأة أمام الرجال الأجانب و أن تخطب في الرجال بخطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أمام المهاجرين و الأنصار، و هذا استدلال خاطئ لأن الفعل دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن و لا يوجد إطلاق في الفعل حتى يقال بشموله لجميع الحالات، لذلك فإن خروج المرأة أمام الرجال الأجانب يقتصر فيه على الظروف التي أحاطت بالزهراء (عليها السلام) حينما خطبت في المهاجرين و الأنصار.

دلالات التقرير

إن سكوت المعصوم (عليه السلام) عن عمل أو موقف يواجهه أو يقع أمامه يدل على إمضائه و قبوله و رضاه عن هذا العمل، و نكتة دلالة سكوت المعصوم (عليه السلام) على الإمضاء تأتي من أحد أساسين:

الأساس الأول: الأساس العقلي:

سمي عقليا لأنه يُنتقل فيه من اللازم إلى الملزوم حيث يوجد تلازم بين سكوت المعصوم (عليه السلام) و بين رضاه عن هذا العمل، و يكون هذا الأساس على أساس أحد اعتبارين:

1- باعتبار أن المعصوم شارع و هادف:

إن المعصوم (عليه السلام) له غرض و هدف هو تبليغ أحكام الله تعالى إلى الناس، فلو لم يكن هذا العمل متّفقا مع غرضه لكان سكوته نقضا للغرض، و نقض الغرض من العاقل الملتفت قبيح عقلا، فإذا سكت عن مسح‏

333

القدمين في الوضوء منكوسا دل ذلك على جواز مسحهما بهذه الكيفية، فإن لم يكن ذلك جائزا و سكت و لم يردع عنه كان سكوته نقضا لغرضه.

2- باعتبار أن المعصوم مكلّف:

لو لم يكن هذا العمل جائزا شرعا لوجب على المعصوم (عليه السلام) التنبيه إليه و الردع عنه لأن إرشاد الجاهل إلى الأحكام واجب عقلا و كذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هنا يلزم توفّر شروط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإذا سكت عن مسح القدمين منكوسا دل ذلك على جواز مسحهما بهذه الكيفية، و لو لم يكن ذلك جائزا لكان واجبا على المعصوم (عليه السلام) إما إرشاد الجاهل إلى الحكم الصحيح إذا لم يكن عالما بالحكم و إما أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر إذا كان عالما بالحكم.

الأساس الثاني: الأساس الاستظهاري:

يُتمسك هنا بالظهور لأن ظاهر حال المعصوم (عليه السلام) أنه بصدد تبليغ الأحكام و المراقبة و التوجيه و الحفاظ عليها، و ظهور الحال حجة في تعيين المراد كما في ظهور اللفظ فإن ظاهر اللفظ يدل على إرادة المتكلم للمعنى فيكون حجة في تعيين المراد، فإذا سكت المعصوم (عليه السلام) كان سكوته و عدم ردعه دالا على جواز الفعل.

أقسام الموقف الذي يواجهه المعصوم‏ (عليه السلام):

1- سلوك فردي:

و ذلك بأن يقوم شخص بعمل معيَّن كأن يتوضأ منكوسا و يسكت المعصوم (عليه السلام).

2- سلوك جماعي:

و ذلك بأن يقوم مجموع العقلاء بعمل معيَّن، و هو ما يسمى ب" بناء

334

العقلاء" أو" السيرة العقلائية"، كالسيرة على الملكية بالحيازة، و السيرة العقلائية دليل على الحكم الشرعي و لكن لا بذاتها، بل باعتبار تقرير الشارع و إمضائه المكتشف من سكوت المعصوم (عليه السلام) و عدم ردعه، فالسيرة العقلائية بدون إمضاء المعصوم (عليه السلام) لا تعتبر دليلا شرعيا.

أنواع السيرة العقلائية:

النوع الأول: السيرة العقلائية بلحاظ الحكم الواقعي:

يُقصد بها سيرة العقلاء على تصرف معيَّن باعتباره الموقف الذي ينبغي اتخاذه واقعا في نظر العقلاء، فهذا التصرّف يحقّق غرضهم و يتعاملون معه كتعاملهم مع الواقع، فيكون سكوت المعصوم (عليه السلام) دالا على الحكم الواقعي، و يرتبط بكلا قسمي الحكم الشرعي:

أ- الحكم التكليفي: مثل السيرة على جواز التصرّف في مال الغير بطيب نفسه و رضا قلبه و لو لم يتلفّظ بالإذن.

ب- الحكم الوضعي: مثل السيرة على الملكية الحاصلة في المنقولات بسبب حيازتها.

النوع الثاني: السيرة العقلائية بلحاظ الحكم الظاهري:

يُقصد بها سيرة العقلاء على تصرّف معيَّن في حالة الشك في أمر واقعي اكتفاءً بالظن أو الاحتمال، و هي سيرة قائمة على الظن أو الاحتمال كطريق للتوصّل إلى الغرض، و الحكم الظاهري هو ما أُخِذَ في موضوعه الشك في حكم واقعي.

أمثلة:

أ- السيرة على الرجوع إلى قول اللغوي عند الشك في معنى الكلمة و الاعتماد على قوله و إن لم يكن مفيدا إلا الظن، فيكون قول اللغوي حجة.

ب- السيرة على رجوع المأمور للتعرف على أمر مولاه إلى خبر الثقة و العمل على وفقه، فيكون خبر الثقة حجة.

335

سؤال: بأي النوعين يستدل على الأحكام الشرعية؟

الجواب:

النوع الأول: السيرة العقلائية بلحاظ الحكم الواقعي:

يستدل بهذه السيرة على أحكام شرعية واقعية سواء كان حكما تكليفيا كحكم الشارع بإباحة التصرف في مال الغير بمجرد طيب نفسه و رضا قلبه أم كان حكما وضعيا كحكم الشارع بالتمليك في المنقولات بسبب الحيازة، و هنا سكوت المعصوم (عليه السلام) يدل على إمضائه لهذا العمل لأن الشارع لا بد أن يكون له حكم تكليفي أو حكم وضعي يتعلّق بذلك التصرّف و السلوك العقلائي حيث إن لله تعالى حكما في كل واقعة، فلو لم يكن حكم الشارع مطابقا لما يقوم به العقلاء لكان على المعصوم (عليه السلام) أن يردعهم عن‏

ذلك، و طالما أنه لم يردعهم فسكوته يدل على الإمضاء، فالسيرة العقلائية بلحاظ الحكم الواقعي حجة بالمعنى الأصولي أي منجِّزة و معذِّرة.

النوع الثاني: السيرة العقلائية بلحاظ الحكم الظاهري:

يستدل به على أحكام شرعية ظاهرية، كحكم الشارع بحجية قول اللغوي و حجية خبر الثقة.

إشكال على النوع الثاني:

يستشكل في استكشاف حكم الشارع من سكوت المعصوم لأن التعويل على الأمارات الظنية كقول اللغوي و خبر الثقة له مقامان:

المقام الأول:

الاعتماد على الأمارات الظنية لتحصيل الشخص أغراضه الشخصية، و يطلق على الأغراض الشخصية مصطلح الأغراض التكوينية.

مثال: الرجوع إلى قول اللغوي في فهم معنى كلمة معيّنة لاستعمالها من قبل مصنِّف في كتابه في الموضع المناسب، و يكتفي في هذا المجال بالظن الحاصل من قول اللغوي.

336

المقام الثاني:

الاعتماد على الأمارات الظنية لتحصيل الأغراض التشريعية، كتحصيل المأمور لمعذِّر أمام الآمر، أو تحصيل الآمر لمنجِّز للتكليف على مأموره.

مثال: قول الآمر:" أَكْرِمِ العالم"، و قول الآمر حكم تشريعي صادر من العقلاء، و لا يدري المأمور أن كلمة" العالم" تشمل من زال علمه حتى يجب إكرامه أو لا تشمله حتى لا يجب إكرامه، فيرجع إلى قول اللغوي لتكون شهادتُه بالشمول منجِّزة و حجة للمولى على مكلفه و إن لم يكن إكرامه واجبا واقعا، و شهادتُه بعدم الشمول معذِّرة و حجة للمأمور على مولاه و إن كان إكرامه واجبا واقعا.

سؤال: في أي المقامين تعتبر السيرة العقلائية على العمل بالظن حجة؟

الجواب:

في المقام الأول:

السيرة العقلائية على العمل بالظن في مجال الأغراض الشخصية لا تكون حجة بالمعنى الأصولي لأن التنجيز و التعذير يكونان فقط في الأغراض التشريعية التي فيها آمر و مأمور، و لا تكون حجة في الأغراض الشخصية لأنها قضايا خاصة بالعقلاء، فلا يمكن أن يستدل بالسيرة في المقام الأول على الحجية شرعا لأن تحصيل الغرض الشخصي لا علاقة له بالمولوية.

مثال: من الاستدلالات الخاطئة على" عدم وجوب تقليد الأعلم" الاستدلال بالسيرة العقلائية بأن الناس حينما يمرضون يرجعون إلى أي طبيب من الأطباء و لا يرجعون إلى الأعلم، و يرد هذا الاستدلال بأن السيرة في هذه الحالة سيرة لتحصيل الأغراض الشخصية و لا علاقة لها بالمنجزية

337

و المعذرية، فليس من الصحيح الاستدلال بكل سيرة عقلائية، بل يمكن أن يقال على العكس من ذلك بأننا يمكن الاستدلال بالسيرة هنا لإثبات" وجوب تقليد الأعلم"، و ذلك برجوع الناس إلى الأعلم من الأطباء حينما يصابون بمرض خطير، و عدم الالتزام بقول الأعلم من الفقهاء قد يؤدي إلى نتيجة وخيمة و هي عدم إصابة الواقع لأن قول الأعلم أقرب إلى إصابة الواقع، و هذا كالمرض الخطير لأنه تترتب عليه السعادة الأبدية بالابتعاد عن النار و دخول الجنة، فكما أن الناس يسعون للحصول على العلاج من الطبيب الأعلم في حالة المرض الخطير فبطريق أولى عليهم أن يسعوا للحصول على العلاج من الفقيه الأعلم في قضايا دينهم و آخرتهم و سعادتهم الأبدية،

و لكن الناس عادة لا يهتمون بأمور آخرتهم التي تؤدي بهم إلى الخلود كما يهتمون بأمور دنياهم التي تؤدي بهم إلى الفناء.

في المقام الثاني:

السيرة العقلائية على العمل بالظن في مجال الأغراض التشريعية لا يكون حجة أيضا لأن جعل شي‏ء منجِّزا أو معذِّرا هو من شئون المولى و الحاكم لا من شئون المأمور، فبناء العقلاء على جعل قول اللغوي حجة إنما هو أمر يخص هؤلاء العقلاء و هو تشريع بين الآمرين و المأمورين من العقلاء، و الشارع لا يهمّه الأغراض التشريعية للآخرين و لا تفوِّت عليه غرضه و لا تضرّه في شي‏ء، فلا يردعهم عنها لأنها أمر خاص بهم، فسكوته عنها لا يدل على الإمضاء و الرضا، و هناك فرق بين سيرة العقلاء على ملكية الحائز و بين سيرتهم على حجية قول اللغوي لأن السيرة الأولى تقتضي سلوكا لا يقرّه الشارع إذا كان لا يرى الحيازة سببا للملك، و هذا بخلافه في السيرة الثانية، فما تقتضيه السيرة الثانية من سلوك لا يتجاوز الالتزام بأن قول اللغوي حجة في علاقات العقلاء و لا يضرّ الشارع ذلك في شي‏ء.

338

إشكال في المقام الثاني:

قد يقال إن سيرة العقلاء على حجية قول اللغوي يكون عندهم بلحاظ أن هذه الحجية تكون في كل أمر و حكم و عند كل آمر و حاكم بما فيهم الشارع، فهم يتخيلون أن سيرتهم في أحكامهم يرضى الشارع بتطبيقها على أحكامه، فتكون هذه السيرة مُضِرّة بتشريعات الشارع إذا لم يكن قد جعل الحجية لقول اللغوي، فلا بد أن يردعهم عن الاعتماد على حجية قول اللغوي في أحكامه.

جواب الإشكال:

إن كون قول اللغوي حجة و منجزا و معذرا بالنسبة إلى حكم إنما يجعله جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموره و مكلَّفه، كما يجعل الأب أمارة معيَّنة حجة بينه و بين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعية التي يطلبها منهم و لا يجعل هذه الأمارة حجة بالنسبة إلى الآباء الآخرين مع أبنائهم، فالحجية المتبانَى عليها عقلائيا إنما هي في حدود الأغراض التشريعية لأصحاب البناء أنفسهم، فلا يضرّ الشارع ذلك و لا يمتدّ إلى تشريعاته.

تصحيح الاستدلال بالسيرة العقلائية:

يمكن تصحيح الاستدلال بالسيرة العقلائية على العمل بالأمارات الظنية على حجيتها بالمعنى الأصولي لوجود نكتة إضافية، و ذلك بأن يقال إنها تمسّ الشارع و تضرّه لأن هذه السيرة بسبب عادة العقلاء سوف يُجْرَى على طبقها حتى في مجال الأغراض التشريعية لمولى لم يساهم في تكوين تلك السيرة، و يظن العقلاء و لو بارتكاز ذهني خاطئ أن مؤداها مورد اتفاق الجميع بما فيهم الشارع، لذلك فلو لم يرض الشارع عن تلك السيرة لوجب عليه الردع عنها، و طالما أنه لم يردع عنها فمعنى ذلك أنه راضٍ عنها، فيكون السكوت حينئذ كاشفا عن الإمضاء.

339

شرط الاستدلال بالسيرة العقلائية:

و بهذا نعرف أن شرط الاستدلال بالسيرة العقلائية على الحجية بالمعنى الأصولي أي المنجزية و المعذرية أن تكون السيرة العقلائية في مجال التطبيق قد افترضت ارتكازا ذهنيا خاطئا اتفاق الشارع مع غيره في الحجية و جرت في علاقتها مع الشارع على أساس هذا الافتراض، أو أن تكون السيرة على الأقل بنحو يُعَرِّضها لهذا الافتراض و الجري حيث من الممكن أن تسري عادة العقلاء على العمل‏

بالأمارات الظنية إلى مجال الأغراض التشريعية، و هذا الأمر يشكِّل خطرا على الشرع.

و هذا التعرّض قد يثبت في المقام الأول أيضا أي في الأغراض الشخصية لأن السيرة كثيرا ما تُوَلِّد عادةً و ذوقاً في السلوك يُعَرِّض المتشرعة من حيث عقلائيتهم إلى الجري على طبق ذلك في الشرعيات أيضا، فلا يتوقّف إثبات الحجية بالسيرة على أن تكون السيرة حجة في المقام الثاني فقط، فلا بد أن ينهى الشارع عن الأخذ بقول اللغوي في تشريعاته و إلا لامتدّ الأخذ بقول اللغوي إلى تشريعاته بسبب عادة العقلاء في الرجوع إلى قول اللغوي في أغراضهم الشخصية، و طالما أن الشارع لم ينه عن ذلك فمعناه أنه راضٍ عنه، فيكون السكوت حينئذ كاشفا عن الإمضاء.

اشتراط معاصرة السيرة العقلائية لعصر المعصوم‏ (عليه السلام):

إن معاصرة السيرة العقلائية لعصر المعصومين (عليهم السلام) شرط في الاستدلال بها على الحكم الشرعي لأن حجية السيرة ليست بلحاظ ذاتها بل بلحاظ استكشاف الإمضاء الشرعي من السكوت و التقرير و عدم الردع.

340

و لا بد من الالتفات إلى أن اشتراط المعاصرة يكون فقط في السيرة التي يراد بها إثبات حكم شرعي كلي و الكشف بها عن دليل شرعي على ذلك الحكم الشرعي الكلي كالسيرة على أن الملكية تحصل بالحيازة، و بشرط المعاصرة يكون السكوت دالا على الإمضاء.

و أما السيرة المتأخرة في عصر الغيبة الكبرى فلا يدل السكوت و عدم الردع عنها على الإمضاء لا على الأساس العقلي لأنه (عجل الله تعالى فرجه) في حال الغيبة غير مكلف بتعليم الجاهل و لا بالنهي عن المنكر و ليس الغرض‏

بدرجة تستوجب الحفاظ عليه بغير الطريق الطبيعي الذي سبَّب الناسُ إلى سدِّه بالتسبيب إلى غيبته، و لا على الأساس الاستظهاري لأن الاستظهار مناطه حال المعصوم و الغيبة لا تساعد على معرفة حال المعصوم (عجل الله تعالى فرجه) لاستظهار الإمضاء من السكوت.

سؤال: كيف يمكن إثبات أن السيرة العقلائية معاصرة لعصر المعصومين‏ (عليهم السلام)؟

الجواب:

يمكن إثبات أن السيرة العقلائية كانت قائمة فعلا في عصر المعصومين (عليهم السلام) بواسطة الطرق الخمسة التي ذكرت في الحلقة الثانية فراجعها هناك مع رد الشهيد (قدس سره) عليها، و هي:

الطريق الأول: الاستدلال على الماضي بالحاضر.

الطريق الثاني: النقل التاريخي.

الطريق الثالث: إثبات السيرة عن طريق انتفاء السيرة المخالفة بانتفاء لازمها.

الطريق الرابع: إثبات السلوك عن طريق انتفاء السلوك البديل الذي يمثل ظاهرة اجتماعية غريبة.

الطريق الخامس: الملاحظة التحليلية الوجدانية.

341

عدم اشتراط المعاصرة في السيرة على صغرى الحكم الشرعي:

يوجد نحو آخر من السيرة العقلائية لا يكشف عن الدليل الشرعي على حكم شرعي كلي، و إنما يحقّق صغرى لحكم شرعي كلي قد قام عليه الدليل في مرتبة سابقة.

و إلى هذا النحو من السيرة ترجع البناءات العقلائية التي يراد بها تحليل مرتكزات المتعاملين و مقاصدهما النوعية في مقام التعامل بنحو يحقّق‏

صغرى لأدلة الصحة و النفوذ و الخيار في باب المعاملات، فيراد بالسيرة مثلا إثبات أن شرط عدم الغبن ثابت في مرتكز المتعاملين.

مثال: انعقاد السيرة العقلائية على اشتراط عدم الغبن في المعاملة بحيث يكون هذا الاشتراط شرطا ضمنيًّا و إن لم يصرّح به لفظيّا، و بذلك يثبت خيار الغبن بالشرط الضمني في العقد، فالسيرة تثبت اشتراط عدم الغبن في نفوس المتعاقدين، و ثبوت الشرط في نفوسهم لا يتوقف على ثبوت السيرة في زمن المعصومين (عليهم السلام).

إن السيرة العقلائية المذكورة لم تكشف عن دليل شرعي على حكم كلي، و إنما حقّقت موضوع الحكم و صغرى لدليل‏" المؤمنون عند شروطهم" الذي يثبت حكما شرعيا كليا، و الحكم الشرعي الكلي هو صحة الشرط و وجوب الوفاء به، و هذه السيرة لا يشترط فيها معاصرتها للمعصوم (عليه السلام) لأنها متى ما وُجِدَت أَوْجَدَت صغرى لدليل شرعي كلي ثابت في رتبة سابقة، فيتمسك بإطلاق ذلك الدليل الكلي لتطبيق الحكم على صغراه.

فارق آخر بين السيرتين:

هناك فوارق أخرى بين السيرتين: السيرة العقلائية التي تحقق دليل الحكم الشرعي الكلي، و السيرة العقلائية التي تحقق صغرى الحكم الشرعي، منها:

342

1- السيرة العقلائية الأولى التي يستكشف بها دليل شرعي على حكم كلي تكون نتيجتها ملزمة حتى لمن شذّ عن السيرة.

مثال: شخص شذّ عن عموم الناس و لم يكن يرى من حيث إدراكه العقلائي أن طيب نفس المالك كافٍ في جواز التصرّف في ماله أو أن خبر الثقة ليس بحجة، فإن النتيجة الشرعية المستكشفة بسيرة عموم‏

الناس ملزمة له لأنها حكم شرعي كلي، و الحكم الشرعي بعد ثبوته يكون شاملا لجميع الناس.

2- السيرة العقلائية الثانية التي تحقّق صغرى لمفاد دليل شرعي كلي لا تكون نتيجتها ملزمة لمن شذّ عنها و لم يلتزم بها لأن شذوذه و عدم التزامه يعني أن الصغرى لم تتحقّق بالنسبة إليه، فلا يجري عليه الحكم الشرعي.

مثال: في خيار الغبن إذا شذّ متعاملان عن عرف الناس و بَنَيَا على الالتزام بالمعاملة و لو كانت غبنيّة لم يثبت لأي واحد منهما خيار الغبن لأن شذوذهما يعني عدم الاشتراط الضمني للخيار، و مع عدم الاشتراط لا يشملهما دليل‏" المؤمنون عند شروطهم".

الخلاصة:

شروط الاستدلال بالسيرة العقلائية هي:

1- إثبات سكوت المعصوم (عليه السلام).

2- إثبات معاصرة السيرة العقلائية لعصر المعصوم (عليه السلام).

3- أن تكون السيرة العقلائية في مجال التطبيق قد افترضت ارتكازا اتفاق الشارع مع غيره في الحجية و جرت في علاقتها مع الشارع على أساس هذا الافتراض أو أن تكون على الأقل بنحو يعرِّضها لهذا الافتراض و الجري.