دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
53

الأول وهو الملزوم فلا بدّ أن تقول بوجود الشي‏ء الثاني وهو اللازم، كما يوجد تلازم عقلي بين الشمس ووجود النهار، فإذا أشرقت الشمس فلا بدّ أن تقول بوجود النهار، وهناك تلازم عقلي بين الصعود على سطح المنزل وبين وجود السلم أو وجود المصعد، وهذه أمثلة للتلازم العقلي في الأمور التكوينية والعرفية.

والملازمة العقلية في مقامنا- أي في الأمور الشرعية- مثل القانون القائل أو القضية العقلية القائلة إن وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدمته أو" مقدمة الواجب واجبة" (1)، فالعقل يدرك بأن وجوب الشي‏ء يستلزم‏

____________

(1) قال السيد الشهيد في الحلقة الأولى:" القانون القائل"، وهنا يقول:" القضية العقلية القائلة"؛ لأنه لا يقبله ولا يسلّم به وسوف يناقشه ويردّه، ورأي السيد الشهيد هو أنه كلما وجب الشي‏ء فإن المكلف مسؤول عقلا عن الإتيان بمقدمته لتحصيل الواجب، والدليل على ذلك أن الوجوب لا يسري من شي‏ء إلى شي‏ء، وإنما يجعل الشارع الوجوب على شي‏ء، فإذا كان الشي‏ء واجبا فلا يؤدي إلى أن مقدمته واجبة لأن الوجوب حكم شرعي يجعله الشارع على أي شي‏ء يشاء، لذلك يكون المكلف مسؤولا عن الإتيان بالمقدمات لا أن المقدمات واجبة. فلو قلنا إن الصلاة واجبة فعلى أساس هذا القانون يكون الوضوء بوصفه مقدمة للواجب واجبا، وفتح صنبور الماء واجبا، وجلب الماء واجبا، والسير لجلب الماء واجبا، وتهيئة ما ينقل به الماء واجبة، وشراء ما ينقل به الماء واجبا، والذهاب لشراء الماء واجبا، وهكذا تتعدد الواجبات، فإذا لم يصلِّ المكلف فيكون قد ترك كثيرا من الواجبات وارتكب كثيرا من المعاصي بحسب هذا القانون مع أننا في الواقع نرى أنه قد ارتكب معصية واحدة فقط وهي ترك الصلاة، وهذا دليل على أن مقدمات الصلاة ليست واجبة وإلا لاستحق العقاب على ترك كل تلك المقدمات، لذلك قال السيد

54

____________

الشهيد إن المقدمة ليست واجبة بل إن المكلف مسؤول عقلا عن الإتيان بالمقدمات.

قد يقال: إن ترك الواجب النفسي يؤدي إلى العقاب، وأما ترك الواجبات الغيرية فلا يؤدي إلى استحقاق العقاب.

الجواب: وما هو الدليل على هذا التفريق بين الواجب النفسي والواجب الغيري؟

بل توجد قاعدة أخرى تقول: إذا خالف المكلف واجبا فإنه يستحق العقاب، وهذه القاعدة من البديهيات، فما هو الدليل على تقييده بالواجبات النفسية دون الغيرية؟

وهذه القاعدة الأخرى ردّ على من يدّعي أن المقدمات واجبات غيرية، بل يرد بأنها ليست واجبات أصلا، والمسؤولية تجاه المقدمات نابعة من عقل الإنسان لأن العقل يقول إذا أراد الإنسان أن يؤدي الواجب فهو مسؤول عن الإتيان بالمقدمات حتى لا يفوته الواجب، فالمسؤولية عقلية لا أن الدوافع شرعية بمعنى أن الشارع لم يوجب الإتيان بالمقدمات، فلا يوجد دليل شرعي على وجوب المقدمات إلا هذا القانون المدّعى، فقانون" كلّما وجب الشي‏ء وجبت مقدمته" وضعها الأصوليون ولا يوجد دليل شرعي لا قرآني ولا روائي ولا عقلي قطعي على صحة هذا القانون، وإن ادّعي أن العقل يقول بذلك فنردّ بأن عقولنا لا تقول بالوجوب الغيري بل تقول بالمسؤولية.

قد يقال: وما هو الفرق بين الوجوب الغيري والمسؤولية إذ لا مشاحة في الألفاظ لأن المعنى واحد؟

الجواب: إن المعنى ليس واحدا لأن الوجوب الغيري معناه أن الشارع قد جعل الوجوب للمقدمة، ونحن نقول لا يوجد دليل شرعي على جعل الشارع الوجوب على المقدمة إذ لا يوجد إلا هذا القانون المدّعى كدليل، وقد رفضناه وأثبتنا عدم صحته، والعقل يقول إن المكلف مسؤول عن الإتيان بالمقدمة لأنه إذا لم يأت بها فإنه لا يستطيع الإتيان بالواجب، والعقل لا يقول أكثر من ذلك، وأما أن المقدمة واجبة فلا نستطيع أن نقول ذلك لأن الوجوب ليس بأيدينا بل بيد الشارع يجعله على أي شي‏ء يشاء، والوجوب لا ينتقل من شي‏ء إلى شي‏ء آخر إلا بجعل من الشارع، لذلك لا نستطيع أن‏

55

وجوب مقدمته، والعقل يقول بها لوجود التلازم بين العمل ومقدماته، ويدرك العقل أيضا أن وجوب الشي‏ء يؤدي إلى حرمة ضدّه لوجود التلازم بين وجوب الشي‏ء وحرمة ضدّه مثل الصلاة واجبة، فيكون ترك الصلاة حراما، والشارع لم يقل هاتين القضيتين، ولو كان الشارع قد قال هاتين القضيتين لقلنا إنهما دليلان شرعيان، ولكن العقل يقول بهما، فتكونان دليلين عقليين.

مثال 1: الصلاة واجبة وتوجد مقدمة لها وهي الوضوء لأنك لا تستطيع أن تصلي إلا إذا أتيت بالمقدمة، فوجوب الصلاة يؤدي إلى وجوب مقدمتها وهي الوضوء، فيكون الوضوء واجبا لأنه مقدمة للواجب مع أن الوضوء بنفسه مستحب بناء على قول من يقول باستحبابه النفسي، ولكنه واجب لغيره بناء على قول من يقول بأن مقدمة الواجب واجبة، ويمكن أن نأتي بالقياس التالي من الشكل الأول:

____________

نقول إن الوجوب انتقل إلى المقدمة من ذي المقدمة لأنه لا يوجد دليل شرعي على هذا الانتقال إلا القانون المدّعى، وهذا القانون مرفوض.

وبهذا يظهر الفرق بين الوجوب الغيري والمسؤولية العقلية، فهما ليسا لفظين لمعنى واحد، فالمسؤولية العقلية تعني أنه إذا لم يأت المكلف بالمقدمة فإنه لا يعاقب على ترك المقدمة بل يعاقب على عدم الإتيان بالواجب فقط، وأما الواجب الغيري فإنه يعني أنه يعاقب إذا ترك المكلف الوجوب الغيري لأنه وجوب، ويعاقب أيضا على ترك الواجب النفسي لأنه وجوب، فكل وجوب عليه عقاب إذا ترك ولا يوجد دليل على التفريق بين الواجبات في استحقاق العقاب وإن ادّعي أن العقاب يكون على الوجوب النفسي دون الغيري، وهذا ادعاء مرفوض أيضا.

56

الصغرى: الوضوء مقدمة للواجب وهو الصلاة (حكم شرعي أول).

الكبرى: وكل مقدمة للواجب واجبة (1) (دليل عقلي).

النتيجة: الوضوء واجب للصلاة (حكم شرعي ثاني).

في المثال السابق يوجد حكمان شرعيان، الأول معلوم والثاني مجهول، ونريد أن نعرف الحكم المجهول اعتمادا على الحكم المعلوم، فالحكم المعلوم هو وجوب الصلاة وقد قام الدليل الشرعي عليه، وأما الحكم الثاني فلم يقم الدليل الشرعي على وجوبه، فهنا نأتي إلى القاعدة العقلية التي يدركها العقل والقائلة بأن" وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته"؛ من أجل إثبات الحكم المجهول، فهذا المُدْرَك العقلي يصير سببا وواسطة في إثبات الحكم الشرعي المجهول، وهو يساهم في معرفة الحكم المجهول لا لوحده وبشكل مستقل بل مع الحكم الشرعي المعلوم، فتكون النتيجة هي:

الحكم الشرعي الأول المعلوم+ القاعدة العقلية/ الحكم الشرعي الثاني‏

وهذا الحكم الشرعي الثاني كان مجهولا قبل تطبيق القاعدة العقلية، وصار معلوما بعد تطبيق القاعدة العقلية مع الاعتماد على الحكم الشرعي الأول، والحكم الشرعي الأول مستبطِن للحكم الشرعي الثاني، وهناك ملازمة بين الحكمين، وهذه الملازمة يكتشفها العقل.

____________

(1) يمكن النقاش هنا في المقدمة الكبرى إذ لا يوجد نقاش في المقدمة الصغرى لأنها صحيحة، والسيد الشهيد يناقش في المقدمة الكبرى فيقول إن مقدمة الواجب ليست واجبة بل إن المكلف مسؤول عقلا عن الإتيان بها ليصل إلى تحقيق الواجب.

57

مثال 2: القول بوجود ملازمة عقلية بين الحرمة والبطلان، والعقل يكتشف هذه الملازمة، فكل عمل يكون حراما يكون باطلا، مثلما إذا قلنا بحرمة البيع في يوم الجمعة أثناء صلاة الجمعة، فإذا كان البيع حراما فإنه يكون باطلا أي أنه لا يحصل نقل الثمن من المشتري إلى البائع ولا انتقال المُثْمَن من البائع إلى المشتري، هذا بناء على القول بوجود هذه الملازمة في المعاملات أيضا.

أنواع الدليل المحرز الشرعي:

يمكن تقسيم الدليل الشرعي إلى قسمين من حيثية كونه لفظا:

أ- الدليل الشرعي اللفظي:

هو ما يكون لفظا وقولا صادرا من الشارع، أو قل هو الخطابات الصادرة من الشارع ولها دلالة على الحكم الشرعي، ويشمل كلام الشارع كتابا وسنة (1)، أي القرآن الكريم وأقوال المعصومين (عليهم السلام).

ب- الدليل الشرعي غير اللفظي:

هو ما لا يكون لفظا، ويتمثل في فعل المعصوم وتقريره، والفعل أعم من العمل وترك العمل، وتقريره هو سكوته عن فعل غيره بنحو يدل على قبوله ورضاه.

وفعل المعصوم تارة يكون تصرّفا مستقلا، وفعله يدل على أقل التقادير على الإباحة وعدم حرمة هذا الفعل، وتركه يدل على الإباحة

____________

(1) يرد هنا نفس الإشكال السابق وهو أن كلام المعصوم (عليه السلام) هو الخطاب الشرعي وهو الآية والرواية، وهو عنصر خاص لا مشترك.

58

وعدم وجوب الفعل الذي تركه، وتارة أخرى يكون سكوتا وموقفا إمضائيا تجاه سلوك معيّن وهو ما يسمى بالتقرير، وسكوته (عليه السلام) يدل على الحكم الشرعي لأن سكوته يدل ظاهرا على رضاه، فيكون سكوته (عليه السلام) دليلا ظنيا على الحكم ولا يعطي القطع بالحكم، ولكنه دليل ظني معتبر.

والسلوك تارة يكون سلوكا فرديا، وتارة أخرى يكون سلوكا اجتماعيا، والسلوك الاجتماعي هو ما يسمى بالسيرة العقلائية، والسيرة العقلائية هو فعل جماعة الناس لفعل معيَّن بناء على عقلائيتهم.

مثال التصرف المستقل:

إذا فعل المعصوم (عليه السلام) شيئا معيَّنا فنستطيع أن نستنبط من فعله المستقل حكما شرعيا، مثلما إذا توضأ (عليه السلام) أمام الناس.

مثال تقرير السلوك الفردي:

إذا فعل شخص أمام المعصوم (عليه السلام) شيئا معيَّنا وسكت المعصوم، كما إذا نكس في مسح القدمين في الوضوء وسكت المعصوم، فهذا تقرير لفعل هذا الشخص وموافقة على فعله، والوضوء أمر شرعي، ويجب على الإمام أن يبيِّن الحكم الشرعي، ويبيِّن خطأ هذا الشخص إلا إذا كان في مقام التقيّة فإنه يسكت، فإذا استطعنا أن نعرف أن الإمام لم يكن في مقام التقية فإننا نستطيع أن نستنبط من تقرير الإمام حكما شرعيا، فنقول يجوز النكس في الوضوء أي المسح في القدمين من الكعب إلى أطراف الأصابع، وهذا سلوك فردي.

59

مثال تقرير السيرة العقلائية:

قد يسكت المعصوم (عليه السلام) عن سلوك اجتماعي وتتولّد عندنا السيرة العقلائية، فالسيرة العقلائية عبارة عن سلوك اجتماعي، والإمام (عليه السلام) يسكت عن هذا السلوك إذا لم يكن في مقام التقية، فيُقِرُّ الإمام هذا السلوك.

مثال:

الأخذ بخبر االثقة والاعتماد عليه يعتبر من السيرة العقلائية إذ يعتمد على خبر الثقة كل الناس من جميع الأديان ومن جميع الجنسيّات وفي مختلف الأماكن وفي مختلف الأزمان، فالإمام (عليه السلام) يسكت عن هذا السلوك الاجتماعي، ولو كان يوجد طريق آخر بديل عن خبر الثقة لبيَّنه الإمام (عليه السلام)، ولكن الإمام (عليه السلام) لم يبيِّن فمعنى ذلك أنه (عليه السلام) أَقَرَّ الاعتماد على خبر الثقة، ولو لم يبيِّن طريقا بديلا لانتقل هذا الأمر العرفي إلى الأمور الشرعية، وطالما أنه لم يبيِّن طريقا بديلا فمعنى ذلك أننا نستطيع أن نعتمد على خبر الثقة في الأمور الشرعية، وسيأتي هذا الاستدلال فيما بعد، وقد يقال إن سكوت الإمام (عليه السلام) لا يدل على شي‏ء، فلو لم يبيِّن الإمام (عليه السلام) لسرت هذه السيرة من الأمور العرفية إلى الأمور الشرعية لأن هذه السيرة جارية عند جميع الناس، فإذا لم يكن (عليه السلام) راضيا عنها لوقف في وجهها كما وقف في وجه القياس، القياس أمر عرفي يعتمد عليه جميع الناس، ولكننا لا نعتمد على القياس في الأمور الشرعية مع أنه مستعمل في الأمور

60

العرفية، فلا حجية للقياس في الأمور الشرعية، ولو كان الإمام (عليه السلام) ساكتا عن القياس لاعتمدنا عليه في القضايا الشرعية، ولو لم يكن (عليه السلام) راضيا عن الاعتماد على خبر الثقة لكان المفروض أن يقف بنفس القوة في وجه الاعتماد عليه، فهو وقف في وجه هذه المدرسة التي تعتمد على القياس حيث قال الإمام زين العابدين (عليه السلام):

" إن دين الله لا يُصَاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سَلَّمَ لنا سَلِمَ، ومن اهْتَدَى بنا هُدِيَ، ومن دان بالقياس والرأي هلك..."

(1)

. ولكنه (عليه السلام) لم يقف في وجه الأخذ بخبر الثقة، فمعنى ذلك أنه راضٍ عن الاعتماد على خبر الثقة، فسكوت المعصوم وعدم ردعه عن العمل بخبر الثقة دال على إمضاء هذا العمل وموافقته وتقريره.

ويشترط في السيرة العقلائية أن تكون في زمن المعصوم (عليه السلام)، وأما في عصر الغيبة الآن فلا يعتمد على السيرة العقلائية للناس لعدم حضور الإمام (عليه السلام)، ومع عدم حضور المعصوم (عليه السلام) لا يمكن الوصول إلى أنه راض عن السيرة العقلائية في زماننا أو غير راض لأننا لا يمكن أن نعرف أنه لو كان حاضرا هل سيسكت عن هذه السيرة أو أنه سيعترض عليها.

____________

(1) بحار الأنوار ج 2 ص 303 ح 41.

61

الخلاصة:

نمايش تصوير

أبحاث الدليل الشرعي:

يقع البحث في الدليل المحرز الشرعي بكلا نوعيه اللفظي وغير اللفظي في ثلاثة مباحث:

1- تحديد دلالات الدليل الشرعي:

هذا الدليل الشرعي المعيّن على ماذا يدل بظهوره العرفي؟ وما هو مفاده؟

يدور البحث هنا حول بيان مدلولات الدليل الشرعي، ويبحث عن الضوابط العامة لمدلولات الدليل الشرعي الذي يستفاد منه في استنباط الحكم الشرعي، فالبحث هنا عن أن هذا الدليل المعيّن له دلالة أو ليس له دلالة.

62

مثلا هل الأمر يدل على الوجوب أو الاستحباب أو على كليهما أي مطلق الطلب الشامل لهما؟ وهل النهي يدل على الحرمة أو الكراهية أو على كليهما؟ وهل الإطلاق يدل على العموم والشمول أو لا يدل؟

نقول نعم، الأمر يدل ظاهرا على الوجوب، والنهي يدل ظاهرا على الحرمة، والإطلاق يدل على الشمول لكل الأفراد عن طريق قرينة الحكمة، والفرق بين الإطلاق والعموم هو أن العموم يدل على الشمول عن طريق الألفاظ مثل كلمة" كل" و" جميع" و" كافة"، وأما الإطلاق الذي معناه عدم ذكر القيد فإنه يدل على الشمول عن طريق مقدمات الحكمة، وقرينة الحكمة هي أن المعصوم (عليه السلام) يكون في مقام بيان تمام مراده بكلامه، فإذا أراد قيدا في كلامه لذكر القيد، ولكنه لم يذكر القيد، فمعنى ذلك أنه لا يريد القيد، وعدم وجود القيد دالّ على الشمول لكل الأفراد، وعدم القيد هو الإطلاق، وسيأتي هذا البحث في مبحث" الإطلاق" إن شاء الله تعالى.

2- ثبوت صغرى الدليل الشرعي:

أي إثبات صدور الدليل من الشارع حقّا بواسطة تطبيق طرق ووسائل إثبات الصدور، فلا بد أن نثبت صدور هذا المتن الشرعي من المعصوم (عليه السلام) أو عدم صدوره، فإذا كانت عندنا رواية فلا بدّ أن نثبت أن هذا الخطاب صدر فعلا وحقّا من الشارع عن طريق التواتر أو الإجماع أو خبر الثقة أو سيرة المتشرعة أو غير ذلك، ويتم الإثبات عن طريق وسائل إثبات صدور المتن الشرعي، فلا بدّ أن نثبت أن هذه الرواية قالها

63

المعصوم (عليه السلام) فعلا حتى يمكن الاعتماد عليها في استنباط الحكم الشرعي، والتواتر يعتبر وسيلة قطعية لإثبات الصدور، وخبر الثقة يعتبر وسيلة تعبدية لإثبات الصدور، وسيرة المتشرعة وسيلة لإثبات الصدور، مثلا لو كان كل أصحاب الإمام (عليه السلام) يتوضؤون بطريقة معيّنة فإن سيرتهم كاشفة عن وجود دليل لم يصلنا.

والدليل الشرعي هو ناتج من قياس منطقي كما يلي:

الصغرى: هذه الرواية أو هذا الإمضاء صادر من الشارع فعلا.

الكبرى: كل ما صدر من الشارع فعلا يكون حجة.

النتيجة: هذه الرواية أو هذا الإمضاء يكون حجة.

وهذه النتيجة هي الدليل الشرعي الذي يمكن الأخذ به من أجل استنباط الحكم الشرعي، فصغرى الدليل الشرعي هي صغرى القياس المنطقي الذي تكون نتيجته الدليل الشرعي الذي يمكن الأخذ به.

مثال:

نأخذ القياس المنطقي التالي:

الصغرى: هذا الخبر المعيّن الذي رواه زرارة صادر من المعصوم.

الكبرى: كل ما صدر من المعصوم حجة.

النتيجة: هذا الخبر المعيّن الذي رواه زرارة العادل حجة.

والبحث في المبحث الثاني يكون في صغرى القياس المنطقي وهو" هذا الخبر المعيّن الذي رواه زرارة صادر من المعصوم"، فيوجد دعوى أنه صدر من المعصوم (عليه السلام)، ونريد أن نثبت في هذا المبحث أنه صدر

64

فعلا من المعصوم (عليه السلام).

3- إثبات حجية دلالات الدليل الشرعي:

أي في إثبات ما له دلالة وظهور، وثبوت كبرى القياس السابق الذي نتيجته الدليل الشرعي، فنريد أن نثبت حجية ذلك الظهور وتلك الدلالة التي بحثنا عنها في المبحث الأول وأنه هل يمكن الأخذ بهذه الدلالة والتعويل والاعتماد عليها في الاستنباط بعد الفراغ عن صدوره من الشارع أو أنها ليست بحجة، ولا بد من وجود قطعي على حجية خبر الثقة، ودليل قطعي على أن الإطلاق يفهم منه الشمول لجميع الأفراد، فنحتاج إلى أدلة قطعية تثبت تلك الأدلة، مثلا في حجية الظهور نعلم أن الظهور يعطي ظنا، وكلام الشارع له ظهور أي له معنى ظاهر، فهل هذا الظهور حجة أو لا؟

ونريد أن نثبت حجية أن الأمر يدل ظاهرا على الوجوب، فهل ظهور الأمر في الوجوب حجة أو لا؟

ونريد أن نثبت حجية أن النهي يدل ظاهرا على الحرمة، فهل ظهور النهي في الحرمة حجة أو لا؟

وهكذا في بقية الدلالات‏ (1).

____________

(1) في الحلقة الأولى قسم السيد الشهيد الدليل الشرعي إلى لفظي وغير لفظي ثم قسم بحوث الدليل الشرعي اللفظي إلى ثلاثة أبحاث هي:

1- دلالة الدليل الشرعي.

2- حجية تلك الدلالة.

3- صدور الدليل الشرعي من الشارع حقًّا.

قد يقال إن الأفضل أن يكون الترتيب هو أولا حجية الدلالة ثم ثبوت الصغرى ثم دلالات الدليل الشرعي لأنه إذا أثبتنا الحجية نستطيع أن نناقشها.

وقد يقال إن الأفضل أن يكون الترتيب بجعل إثبات صدور الدليل من الشارع هو البحث الأول لأنه بعد إثبات الصدور نأتي ونناقش الدلالة وأنه على ماذا يدل الدليل، وإذا لم يثبت الصدور فلا نناقش الدلالة.

ولكن على ترتيب السيد الشهيد نبحث الدلالة أولا، ثم بعد هذا البحث إذا ثبت أنه لم يصدر الدليل من الشارع نرفض هذه الدلالة، فيكون بحثنا قد ذهب سدى وبلا فائدة.

65

مثال على الأبحاث الثلاثة:

هذه الأبحاث الثلاثة تجري في الدليل الشرعي اللفظي، فلو وردت رواية من المعصوم (عليه السلام) ويوجد فيها صيغة أمر بفعل معيَّن، فتأتي الأبحاث الثلاثة:

1- تحديد الظهور العرفي لصيغة الأمر، فهل صيغة الأمر تدل على الوجوب أو الاستحباب أو على كليهما أي مطلق الطلب الشامل لهما؟

2- إثبات صدور نص الرواية من المعصوم حقّا.

3- إثبات حجية ذلك الظهور العرفي لصيغة الأمر.

وهذه الأبحاث الثلاثة تجري أيضا في الدليل الشرعي غير اللفظي وهو فعل المعصوم وتقريره كما يلي:

1- تحديد دلالة الفعل والتقرير.

2- إثبات صدور هذا الفعل أو التقرير من المعصوم (عليه السلام).

66

3- إثبات شمول حجية الظهور للظهور غير اللفظي‏ (1).

____________

(1) سوف يأتي فيما بعد أن البحث في الدليل العقلي يقع في أمرين:

1- الدلالات أو صحة القضية العقلية ومدى إدراك العقل لها: مثل إذا وجب الشي‏ء وجبت مقدمته.

2- حجية تلك الدلالات وحجية الإدراك العقلي لها: مثل حجية الدلالة السابقة.

وأما البحث في الدليل الشرعي فيقع في ثلاثة أمور:

1- دلالات الدليل الشرعي: مثل صيغة الأمر تدل ظاهرا على الوجوب.

2- إثبات صدور المتن الشرعي: مثل التواتر والإجماع وخبر الثقة.

3- حجية تلك الدلالات: مثل حجية الظهور.

فيأتي السؤال التالي: لماذا ينقسم البحث في الدليل الشرعي إلى ثلاثة أقسام وفي الدليل العقلي إلى قسمين؟

الجواب:

نلاحظ أنه في الدليل العقلي لا يتم البحث في إثبات صدور الدليل من الشارع لأن الدليل العقلي لم يصدر من الشارع حتى يتم إثباته، وإنما مصدره العقل البشري الذي هو عام لكل البشر، وليس خاصا بالمعصومين (عليهم السلام) حتى نثبت أنه صادر منهم، ولكن هذا لا يمنع من صدور شي‏ء منهم بهذا الخصوص، ففي هذه الحالة يكون هناك تأييد منهم لهذا الدليل العقلي وإشارة وإرشاد إليه، ولا يخرج الدليل العقلي عن مسمّاه ولا نطلق عليه دليلا شرعيا، فالمتن الشرعي أيّد ما قال به العقل وأشار وأرشد إليه فقط، فالدليل العقلي يكون مصدره العقل لأن العقل يكتشف العلاقات والملازمات بين الأحكام، مثلا يكتشف علاقة وملازمة بين وجوب الشي‏ء ووجوب مقدمة الشي‏ء، وهذه القاعدة لا تخص الأحكام الشرعية فقط، وإنما هي قاعدة عقلية عامة، فكل إنسان سواء كان مؤمنا أم كافرا عندما يريد القيام بشي‏ء نراه يعد أولا مقدمات هذا الشي‏ء، فيقوم بتحضير المعدات والوسائل التي تؤدي إلى فعل هذا الشي‏ء، ثم ثانيا يقوم بفعل هذا الشي‏ء.

مثال: لو طلبنا من أي شخص أن يكتب، فأول ما يطلب هو الورقة والقلم لأن الكتابة بحاجة إلى مقدمات كإعداد الورقة والقلم وموضوع الكتابة.

إذن: الدليل العقلي مصدره العقل لا النص الشرعي، لذلك لا يحتاج إلى إثبات صدوره من الشارع لأن القضية سالبة بانتفاء الموضوع حيث إنه لم يصدر من الشارع حتى نحتاج إلى إثبات صدوره منه.

67

أبحاث الدليل العقلي:

1- تحديد دلالات الدليل العقلي.

2- إثبات حجية دلالات الدليل العقلي.

ولا يوجد في الدليل العقلي إثبات صدور المتن من المعصوم (عليه السلام) لأن الدليل العقلي ليس صادرا من الشارع ليتم إثبات صدوره، وصغرى القياس ليس آية ولا رواية ليتم إثبات صدورها، وإنما الصغرى هي حكم شرعي، والدليل العقلي مصدره العقل، والدليل العقلي القطعي يمكن استنباط الحكم الشرعي بواسطته، وأما الدليل العقلي الظني فليس له الحجية كالقياس والاستحسان.

68

الخلاصة:

نمايش تصوير

وقبل البدء بأبحاث الدليل الشرعي على الترتيب المذكور يستعرض السيد الشهيد (قدس سره) بعض المبادئ والقواعد العامة في الأدلة المحرزة.

69

بعض المبادئ والقواعد العامة في الأدلة المحرزة

الأصل عند الشك في الحجية

مر سابقا أن الحجية لها صورتان:

1- الحجية ثابتة من دون جعل الشارع:

كما في القطع فإن القطع حجة بنفسه ولا تحتاج الحجية في القطع إلى جعل من الشارع.

2- الحجية مجعولة من الشارع:

كما في الدليل الظني الذي جعله الشارع حجة مثل خبر الثقة، فالدليل الظني لكي يكون حجة لا بدّ أن يجعل الشارع له الحجية لكي يصير أمارة يمكن الاستناد إليه في الاستنباط، ولا بد أن نحرز بالقطع جعل الحجية له حتى يمكن الاعتماد عليه، فالشارع له دخل في جعل الحجية للدليل المحرز غير القطعي، وإذا أحرزنا أنه ليس بحجة فلا يمكن التعويل عليه، ويأتي السؤال التالي حينما نشك بأن الشارع جعل دليلا من الأدلة حجة أو لا:

إذا كان عندنا شك في حجية أي دليل فهل الأصل هو الحجية أو عدم الحجية؟

70

بعبارة أخرى: ما هو الموقف الذي لا بدّ من اتخاذه في حالة الشك في الحجية؟

مثلا إذا شككنا أن القياس أو خبر الثقة أو الرواية المُرْسَلَة أو الشهرة الفتوائية أو قول اللغوي حجة أو ليس بحجة فهل يكون الأصل هو الحجية أو عدم الحجية؟

الجواب:

عند الشك في حجية أي دليل واحتمال جعل الشارع الحجية له يكون الأصل والقاعدة هو عدم الحجية، فالدليل المشكوك يكون الأصل فيه هو عدم الحجية إلا إذا ورد دليل قطعي على حجيته، فحينئذ نقول بحجيته.

وهنا تأتي الأسئلة التالية:

السؤال الأول: ما معنى الشك في الحجية؟

الجواب:

معناه عدم إحراز ثبوت المنجزية والمعذرية لدليل من الأدلة، مثلا لو بحثنا عن الدليل الشرعي على حجية القياس وعلى فرض أننا لم نجد أي دليل يثبت صلاحية القياس للكشف عن حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ففي هذه الحالة نشك في أن القياس منجِّز ومعذِّر، ومعنى ذلك أننا نشك في أن الشارع جعل له الحجية أو لم يجعل له الحجية لأنه لا يوجد عندنا ما يثبت حجيته ولا نقطع بعدم حجيته، فنشك في أنه حجة أو ليس بحجة.

71

السؤال الثاني: ما معنى الأصل في مقامنا؟

الجواب:

المراد من الأصل هنا هو أنه ما هو المرجع الذي نرجع إليه في حالة الشك في الحجية، فعندما شككنا في حجية القياس ولم نجد دليلا يثبت الحجية أو ينفي الحجية فإلى أي شي‏ء نرجع؟ هل نرجع إلى حجية القياس والعمل به أو عدم حجية القياس وعدم العمل به؟

فإذا قلنا بعدم الحجية لا بد من الرجوع إلى الأصول العملية، فيكون الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية وعدم العمل بمقتضى الدليل المشكوك فيه وتنزيل هذا الدليل منزلة العدم.

ولو قلنا بأن الأصل والمرجع عند الشك في الحجية هو الحجية فمعنى ذلك أن القياس حجة ويمكن الاعتماد عليه والاستناد إليه في استنباط الأحكام الشرعية، فلو استنبط الفقيه الحرمة بناء على حجية القياس فمعنى ذلك عدم إمكان الرجوع إلى أصالة البراءة العقلية، ولو استنبط الإباحة فمعنى ذلك عدم إمكان الرجوع إلى أصالة الاحتياط العقلي.

ولو قلنا بأن الأصل والمرجع عند الشك في الحجية هو عدم الحجية فمعنى ذلك أن القياس ليس بحجة ولا يمكن الاعتماد عليه ولا الاستناد إليه في الاستنباط، فيكون الأصل هو البناء من ناحية عملية على عدم ترتيب أي أثر على الدليل المشكوك، وهو معنى عدم الحجية أي عدم ترتيب الأثر من ناحية عملية، فيكون المرجع حينئذ الأصول العملية الجارية في موارد الشك، وهذا هو الصحيح.

72

السؤال الثالث: ما معنى عدم الحجية؟

الجواب:

معناه هو أن الأصل نفوذ الحالة المفترضة من منجزية أو معذرية لولا ذلك الدليل الظني‏ (1)، فتوجد عندنا حالة مفترضة، مثلا إن هذا العمل منجَّز، وجاء إلينا دليل ظني، فهذا الدليل الظني ليس بحجة لأن الأصل أن الدليل الظني ليس بحجة، فمعنى عدم الحجية أن هذه الحالة المفترضة سوف نأتي بها ونغض الطرف عن الدليل الظني إلا إذا ثبت أنه حجة، فنأخذ بالدليل الظني المعتبر ونغيِّر هذا العمل المنجَّز، فتنفذ الحالة المفترضة من منجزية أو معذرية لولا ذلك الدليل الظني.

النتيجة:

الأصل في أي دليل نشك في حجيته هو عدم الحجية إلا إذا ورد دليل قطعي من الشارع على حجيته، فإذا ورد هذا الدليل القطعي على الحجية نرفع أيدينا عن هذا الأصل ونقول بحجية ذاك الدليل، فإذا كان يوجد تكليف منجَّز على المكلف، وكان عندنا دليل ظني على عدم التكليف، فالدليل الظني إذا لم يكن حجة لا نأخذ به، ومعنى ذلك أن المنجزية هنا

____________

(1) قولنا" الدليل الظني" أصح من قولنا" الأمارة" لأن الأمارة هي الدليل الظني الحجة، فنقول إن خبر الثقة أمارة أي أننا انتهينا من إثبات حجيته، ولكن إذا قلنا" دليل ظني" فيمكن أن يكون حجة ويمكن أن لا يكون حجة، فبدل أن نقول" لولا تلك الأمارة" نقول" لولا ذلك الدليل الظني"؛ لأننا لحدّ الآن لم نثبت أن هذا الدليل الظني حجة أو ليس بحجة، والأصل فيه أنه ليس بحجة، والسيد الشهيد يقصد من الأمارة الدليل الظني الذي لم تثبت حجيته بعد.

73

نافذة وجارية، وهذا الدليل الظني لا نهتم به إلا إذا ورد دليل قطعي على حجية الدليل الظني فإننا نأخذ بالدليل الظني، فالتنجيز يجري حتى مع وجود الدليل الظني غير الحجة على عدم التكليف.

وعلى العكس من ذلك إذا كان يوجد تكليف بحيث يكون المكلف معذورا عن امتثاله، فإذا ورد دليل ظني على التكليف فإننا لا نأخذ به إلا إذا ورد دليل قطعي على حجية هذا الدليل الظني على التكليف، فالتعذير يجري حتى مع وجود الدليل الظني على التكليف؛ لأن الدليل الظني ليس بحجة إذ أن الأصل فيه عدم الحجية.

إذن: توجد حالتان للدليل الظني المشكوك الحجية: إما أن يكون نافيا لتكليف وإما أن يكون مثبتا لتكليف.

نأتي الآن إلى الحالتين:

الحالة الأولى: الدليل الظني النافي للتكليف:

إذا كان يوجد تكليف منجَّز، وكان التنجيز يأتي عن طريق حكم العقل، فكل احتمال ينجِّز التكليف على مسلك حق الطاعة القائل بأن الأصل العملي الأولي هو أصالة الاشتغال والاحتياط العقلي، وجاء دليل ظني ينفي هذا التكليف، فعندنا إثبات للتكليف عن طريق العقل بالاحتمال، وعندنا نفي للتكليف عن طريق الدليل الظني، فهل نأخذ بالدليل الظني وننفي التكليف أو نأخذ بالدليل العقلي الذي يقول بالاحتياط؟

إن الأصل في الدليل الظني هو عدم الحجية، فإذا أثبتنا وأحرزنا

74

بالقطع أنه حجة فنستطيع أن ننفي التكليف ونرفع اليد عن التكليف ونقول إن التكليف غير موجود، فالحالة المفترضة هي أنه عندنا تكليف منجَّز لا نرفع اليد عنه إلا إذا أثبتنا حجية الدليل الظني النافي للتكليف، فإذا أثبتنا حجية الدليل الظني ونفينا التكليف فإن نفي التكليف معناه ترخيص من الشارع في عدم الاحتياط، فالعقل يقول إن التكليف منجَّز بحكم العقل إلا إذا ورد ترخيص وإذن من الشارع في عدم التحفّظ وعدم الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، فمنجزية الاحتمال معلَّقة على عدم ورود الترخيص من الشارع، فإذا أحرزنا الترخيص فإن المنجزية تنتفي، وهنا يكون الدليل الظني الحجة ترخيصا من الشارع في رفع اليد عن ذلك التكليف المنجَّز، ويكون الدليل الظني الحجة رافعا لموضوع أصالة الاحتياط العقلي، والموضوع هو (منجزية الاحتمال+ عدم ورود الترخيص)، فإذا ورد الترخيص فإن الموضوع يرتفع، فنأخذ بنفي التكليف أي أنه لا يوجد تكليف هنا، وأما وجود الدليل الظني غير الحجة فهو كعدم وجوده، فلا نرفع اليد عن المنجزية الثابتة بحكم العقل في رتبة سابقة.

بعبارة أخرى:

عندما يأتي دليل ظني دال على نفي التكيف فمعناه أنه يكون معذِّرا ونريد أن نثبت به المعذرية، في هذه الحالة نريد أن نرفع اليد عن أصالة الاحتياط العقلي التي تقول بمنجزية التكليف المحتمَل، وهذا الاحتياط مقطوع الحجية، والدليل الظني المشكوك الحجية لا يقف في قبال أصالة

75

الاحتياط المقطوعة الحجية، فلا بد أن نحرز بالقطع أن الشارع جعل الحجية للدليل الظني حتى نترك الاحتياط، وطالما أننا لم نحرز الحجية للدليل الظني فإننا نتمسك بأصالة الاحتياط أي أن التكليف يكون منجَّزا، فالدليل الظني مع الشك في حجيته يكون أضعف من احتمال التكليف مع القطع بحجية أصالة الاحتياط، فلا بد من العمل بالقطع أي بالاحتياط إلا إذا جاء إذن من الشارع بترك هذا الاحتياط، وهذا الإذن يأتي عن طريق حجية الدليل الظني، ولكن لم تثبت حجية الدليل الظني أي لم يرد الإذن في ترك الاحتياط، فمع الشك في الحجية لا إحراز للإذن في ترك التحفظ، ومع وجود الشك في ورود هذا الإذن نقول بعدم ورود الإذن، فبدون إحراز الإذن تكون منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي قائمة بحكم العقل على مسلك حق الطاعة.

إذن: منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي تكون قائمة بحكم العقل ما لم نحرز الحجية للدليل الظني الذي يكون معذِّرا، وجعل الحجية له يعني إذن الشارع في ترك التحفظ وترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك.

الحالة الثانية: الدليل الظني المثبت للتكليف:

على العكس من الحالة الأولى، عندنا عدم تكليف بواسطة أصالة البراءة على مسلك قبح العقاب بلا بيان القائل بأن الأصل العملي الأولي هو أصالة البراءة العقلية، وعندنا دليل ظني يثبت تكليفا إلزاميا، هنا نرفع اليد عن أصالة الطهارة أو أصالة الإباحة أو أصالة الحلية التي تقول" كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام"؛ بشرط أن نثبت أن هذا

76

الدليل الظني له الحجية، وإذا لم نثبت له الحجية فأصالة الحل تجري لأن الأصل العملي يثبت التعذير، والدليل الظني لا يثبت التنجيز، فنأخذ بالتعذير الثابت ونترك التنجيز غير الثابت، ولكن إذا أثبتنا حجية الدليل الظني فأصالة الحلّ تكون ملغيّة ونأخذ بالدليل الظني الذي يثبت التكليف، والدليل الظني الحجة يكون دليلا محرزا، وعند التعارض يُقَدَّم الدليل المحرز الظني على أصالة الحل لأن الدليل المحرز يرفع موضوع الأصل العملي، وموضوع الأصل العملي هو الشك في التكليف، فالدليل الظني يرفع الشك، ولكنه لا يرفعه حقيقة بل يرفعه تعبّدا (1).

بعبارة أخرى:

عندما يأتي دليل ظني دال على إثبات التكليف فمعناه أنه يكون منجِّزا ونريد أن نثبت به المنجزية، في هذه الحالة نريد أن نرفع اليد عن أصالة البراءة العقلية التي تقول بمعذورية المكلف عن امتثال التكليف المشكوك، وهذه البراءة مقطوعة الحجية، فالدليل الظني المشكوك الحجية لا يقف في قبال أصالة البراءة المقطوعة الحجية، فهنا نعمل‏

____________

(1) يكون الدليل الظني في هذه الحالة حاكما على الأصل العملي، فيكون من باب الحكومة لا من باب الورود، إذا قلنا بالورود- أي أن الدليل الأول وارد على الدليل الثاني- فمعنى ذلك أن الأول يرفع موضوع الثاني حقيقة، مثل الدليل القطعي فإنه يرفع الشك حقيقة فيكون الدليل القطعي واردا على الأصل العملي، وإذا قلنا بالحكومة أي أن الأول حاكم على الثاني فمعنى ذلك أن الأول يرفع موضوع الثاني تعبَّدا، فالوارد يرفع الشك حقيقة، والحاكم يرفع الشك تعبّدا، وهذه التفرقة بين الورود والحكومة من إبداعات الشيخ الأنصاري (قدس سره).

77

بأصالة البراءة أي أن الشك في التكليف يكون معذِّرا، فالدليل الظني مع الشك في حجيته يكون أضعف من الشك في التكليف مع القطع بالبراءة عن هذا التكليف، فلا بد أن نعمل بالقطع إلا إذا جاء غطاء شرعي بحجية الدليل الظني ليثبت التكليف، وبالتالي يكون التكليف منجَّزا، فهنا يكون الأصل عدم ورود الحجية من قبل الشارع فنعمل بأصالة البراءة، وبالتالي يكون المكلف معذورا عن امتثال التكليف.

إذن: إذا كان لدينا أصل معذِّر كأصالة الحل المقطوع بها شرعا لا نرفع اليد عنها ما لم نحرز جعل الحجية للدليل الظني الذي يكون منجِّزا، ودليل الأصل الجاري في الواقعة والمُؤَمِّن عن التكليف المشكوك هو المرجع ما لم يقطع بحجية الأمارة المثبتة للتكليف، ويقول الأصوليّون إن الشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها- أي بعدم الحجية-، أو الشك في الحجية يساوق القطع بعدم الحجية، فالشك في الحجية حكمه حكم القطع بعدم الحجية في عدم ترتيب الأثر.

النتيجة:

الدليل المحتمَل الحجية لا يثبت الترخيص ولا يثبت التكليف، ومعنى ذلك أنه لا يترتب عليه أي أثر شرعي، وبذلك يكون الموقف السابق هو الموقف النّافذ الجاري، ويكون الأصل نفوذ الحالة المفترضة- لولا ذلك الدليل الظني- من منجزية أو معذرية، ويكون المرجع في موارد الشك في الحجية هو الأصول الجارية في كل مورد بحسبه، ووجود الدليل الظني غير الحجة وعدم وجوده لا يؤثّر في نفوذ الحالة المفترضة، والدليل على‏

78

أن الأصل هو عدم الحجية في الدليل المشكوك حجيته هو أن الأصول العملية الجارية قام الدليل القطعي على حجيتها، والدليل الظني مشكوك الحجية، فلا يكون الدليل الظني صالحا لرفع موضوع الأصل العملي الذي ثبتت حجيته بدليل قطعي، والدليل المشكوك لا يُقَدَّم على الدليل المقطوع به.

مقدار ما يثبت بالأدلة المحرزة

كل دليل له مدلول مطابقي وله مداليل التزامية سواء كان هذا الدليل دليلا محرزا قطعيا أو ظنيا أم كان أصلا عمليا، والبحث يقع في حجية المداليل الالتزامية للدليل المحرز القطعي والظني وللأصل العملي.

سؤال: إذا كان عندنا دليل محرز فعلى ماذا يدل؟

الجواب:

الدليل المحرز يدل على ثلاثة أشياء، فالدليل المحرز له مدلول مطابقي ومدلول تضمني ومدلول التزامي، وهنا لا شأن لنا بالمدلول التضمني بل ننظر إلى المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي.

وقد درسنا في علم المنطق ثلاثة أنواع من الدلالات: المطابقية والتضمنية والالتزامية، وهي:

1- الدّلالة المطابقيّة:

هي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على تمام معناه الموضوع له ويطابقه، فيتطابق فيها اللفظ والمعنى، كدلالة لفظ الإنسان على تمام‏

79

معناه وهو الحيوان الناطق.

2- الدّلالة التّضمّنيّة:

هي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على جزء معناه الموضوع له الداخل ذلك الجزء في ضمنه، كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان وحده أو على الناطق وحده.

3- الدّلالة الالتزاميّة:

هي الدلالة التي يدل اللفظ فيها على معنى خارج عن معناه الموضوع له لازم له يستتبعه استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته، كدلالة لفظ الدواة على القلم.

مثال 1:

لفظ" الكتاب" له مدلول مطابقي، فيدل على كل الكتاب من الغلاف والأوراق وهو تمام معنى الكتاب، فيدخل فيه جميع أوراقه وما فيه من نقوش وغلاف، وله مدلول تضمني- وهو جزء الشي‏ء- حيث يدل الكتاب على الورق وحده أو على الغلاف وحده، فلو بعت الكتاب فإن المشتري يفهم دخول الغلاف فيه.

مثال 2:

لفظ" البيت" يدل على الطريق، والطريق مدلول التزامي خارج عن معنى اللفظ، فإذا بعت بيتا فلا بدّ أن يكون هناك طريق يؤدي إليه، فإذا كان البيت واقعا في وسط قطعة أرض فلا يمكن لك أن تبيع البيت وتقول للمشتري إنه لا يجوز لك دخول أرضي؛ لأن المشتري سيطالبك‏

80

بطريق يؤدي إلى البيت، وحتى إذا ترافعا إلى القاضي فإنه سيحكم لصالح المشتري ويقول إنه بالمدلول الالتزامي لا بدّ أن تجعل له حق المرور عبر هذه الأرض.

وهكذا في الأحكام الشرعية توجد أدلة، ويوجد لكل دليل مدلول مطابقي ومدلول التزامي، فإذا وردت رواية فإننا نفهم مدلولا مطابقيا لها وهو معاني نفس الكلمات الواردة فيها، ويوجد مدلول التزامي لها وهو المعنى الخارج عن معاني نفس الكلمات.

مثال:

كثير من كتب التاريخ تنقل أن الإمام علي (عليه السلام) شارك في كثير من الحروب والغزوات وأنه قتل بنفسه في غزوة بدر نصف القتلى وشارك في قتل النصف الآخر، وأنه في غزوة أحد وقف مدافعا عن النبي صلى الله عليه وآله بعد أن هرب المسلمون وفيهم فلان وفلان وفلان، وأنه في غزوة الخندق خرج لقتال عمرو بن عبدود بعد أن سكت المسلمون بما فيهم فلان وفلان وفلان.

وقال النبي صلى الله عليه وآله في الإمام علي (عليه السلام):

" برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه"

(1)

." لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة" (

(2)

2).

____________

(1) العثمانية للجاحظ ص 324، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 1 ص 281

(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 ص 32.

81

" لضربة علي خير من عبادة الثقلين"

(1)

." لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار" (

(2)

2)

.

بالمدلول المطابقي نفهم أن الإمام علي (عليه السلام) شارك في الحروب، والمدلول الالتزامي هو أن الإمام علي (عليه السلام) شجاع، الشجاعة لم تذكر في التاريخ لأن التاريخ يتكفّل بنقل الأحداث والوقائع، ولكننا نعرف من كثرة القصص شجاعة الإمام علي (عليه السلام) لأن من يشارك في الحروب ويقف صامدا لا يهرب يكون شجاعا مغوارا لا كما كان البعض حينما فرّ وسئل: ما بال الناس؟

أجاب:" أمر الله"؛ تبريرا لفراره من المعركة، أو أنه يهرب ويأتي بعد ثلاثة أيام خائفا مرتعبا.

الشجاعة مدلول التزامي خارج عن كلمات الرواية، والمدلول الالتزامي هنا ليس مدلولا عرفيا، والمدلول غير العرفي‏ (3) ليس من الظهورات اللفظية.

____________

(1) المواقف للأيجي ج 3 ص 628، شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني ج 2 ص 301

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 ص 211، كنز العمال للمتقي الهندي ج 5 ص 723، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 39 ص 201، شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني ج 2 ص 301

(3) المدلول الالتزامي نوعان:

1- المدلول الالتزامي العرفي: إذا قلنا:" إذا جاء زيد فأكرمه"، هذا القول له مدلولان: مدلول مطابقي هو وجوب إكرام زيد عند مجيئه، ومدلول التزامي عرفي هو عدم وجوب إكرام زيد عند عدم مجيئه المستفاد من مفهوم الشرط" إذا لم يجئ زيد فلا تكرمه"، وهذا المدلول الالتزامي العرفي حجة لأنه يفهم من اللفظ، وهو ظهور فيكون حجة.

2- المدلول الالتزامي غير العرفي: وهو لا يكون ظاهرا من اللفظ، وإنما هو لازم له يعرف من خارج اللفظ، ففي المثال السابق المدلول الالتزامي غير العرفي هو أن قائل هذا القول يحب زيدا كثيرا لأنه صديقه، ووقع النقاش في هذا المدلول أنه حجة أو ليس بحجة.

82

إذن: الدليل المحرز له مدلول مطابقي وله مدلول التزامي.

نأتي إلى ذكر بعض الأمثلة:

مثال 1:

قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1).

المدلول المطابقي هو أنه لا يمكن الاعتماد على خبر الفاسق، فالمدلول المطابقي هو وجوب التبيّن عند مجي‏ء الفاسق بالخبر، والمدلول الالتزامي هو أنه يمكن الاعتماد على خبر العادل، فالمدلول الالتزامي هو إن جاءكم عادل بنبأ فلا تتبيّنوا، وهذا معناه عدم وجوب التبيّن عند مجي‏ء العادل بالخبر، فخبر العادل لم يذكر في الرواية، والمدلول الالتزامي خارج عن الكلام المذكور في الرواية، ومفهوم الشرط مدلول عرفي ومن الظهورات اللفظية.

____________

(1) الحجرات: 6.

83

مثال 2:

قوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ (1).

المدلول المطابقي وجوب الصيام إلى أول الليل وهو الغروب، والغروب ليس داخلا في الصيام، فبمجرد ما يأتي الغروب يجوز للشخص أن يفطر، وله مدلول التزامي هو" لا تصم بعد الغروب"، فلا يجوز الصوم بعد الغروب.

مثال 3:

الدليل الذي يدل على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة الكبرى له مدلول مطابقي هو وجوب صلاة الجمعة، وله مدلول التزامي هو عدم وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة.

مثال 4:

" كُلِ السمكة حتى رأسها"؛ أي إلى رأسها، فيكون المدلول الالتزامي هو" لا تَأْكُلْ رأس السمكة".

ملاحظة:

نحن الآن لا نقول إن هذا المدلول الالتزامي حجة أو ليس بحجة، المهم أن نعرف معنى المدلول الالتزامي.

إذن: يوجد عندنا مدلول مطابقي ومدلول آخر التزامي، والمدلول المطابقي هو معاني نفس الكلمات الواردة في الرواية، فهو ما يحكي عنه الدليل أو مؤدَّى الدليل، والمدلول الالتزامي هو ما يكون لازما للدليل‏

____________

(1) البقرة: 187.

84

المحرز.

سؤال: إذا وردت رواية فهل كلا المدلولين المطابقي والالتزامي حجة أو يكون المدلول المطابقي فقط حجة دون المدلول الالتزامي؟

الجواب:

إذا كان الدليل محرِزا وثبتت له الحجية فإنه يمكن الاعتماد على المدلول المطابقي، فيكون المدلول المطابقي حجة لأن الدليل المُحْرِز يعيِّن ويُحْرِز الحكم الشرعي، ويوجد للدليل المحرز نوعان:

1- الدليل المحرز القطعي:

في هذا النوع من الأدلة- كالخبر المتواتر- يكون كلا المدلولين المطابقي والالتزامي حجة لأن القطع بالملزوم معناه القطع باللازم، فالعلم بشي‏ء علم بلوازمه، والمدلول المطابقي يثبت بالقطع، وكذلك فإن المدلول الالتزامي يثبت بالقطع أيضا، لذلك فإن المدلولات المطابقية تكون قطعية، وكذلك فإن المدلولات الالتزامية تكون قطعية أيضا، ومنشأ ثبوت الحجية للمدلول الالتزامي هو العلم بالملازمة، فالعلم بالملازمة هو الذي يؤدي إلى العلم باللازم بعد العلم بتحقق الملزوم، والحجية هنا تابعة لحكم العقل لا لجعل الشارع، وحكم العقل لا يفرِّق بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي، والحجية التي تكون بحكم العقل لا تنالها يد الشارع لا نفيا ولا إثباتا.

مثلا إذا قطعت بأن زيدا تعرّض لحادث فإنك تقطع بأنه قد أصيب في الحادث، فالدليل الدال بالمطابقة على تعرّض زيد لحادث دال بالالتزام‏

85

على إصابته في ذلك الحادث.

وإذا قطعت بأن هذا العدد يساوي أربعة فإنك تقطع بأنه عدد زوجي، فالدليل الدال بالمطابقة على كون العدد يساوي أربعة دال بالالتزام على كونه عددا زوجيا.

2- الدليل المحرز الظني:

إذا ثبت بواسطة الدليل القطعي جعل الشارع الحجية للدليل المحرز الظني- كخبر الثقة- فإنه يصير أمارة (1)، والحجية هنا تابعة لجعل الشارع لا لحكم العقل.

مثلا لو جاء خبر الثقة بأن زيدا تعرّض لحادث فإن المدلول المطابقي هو تعرّض زيد لحادث، والمدلول الالتزامي هو إصابة زيد.

المدلول المطابقي في الدليل المحرز الظني حجة، ولكن وقع البحث في أن الدليل الدال على حجية الأمارة هل يدل على حجية لازمه أيضا أو لا يدل على حجيته، ونكون في هذا النوع أمام حالتين:

الحالة الأولى: موضوع الحجية صادق على الدلالتين المطابقية والالتزامية:

في هذه الحالة يثبت المدلول الالتزامي ويكون حجة، وموضوع الحجية

____________

(1) القطع تكون حجيته ذاتية ولا يحتاج إلى حجية تعبدية من الشارع، وأما الظن فإن حجيته عرضية لأن الظن بحاجة إلى حجية تعبدية من الشارع حتى نأخذ بهذا الظن، ولا بد أن يكون عندنا دليل قطعي على حجية الدليل الظني، فحجية القطع تكون مباشرة، وحجية الظن تكون غير مباشرة بواسطة الدليل القطعي الذي يدل على حجية هذا الظن.

86

هو ما حكم الشارع بأنه حجة وهو الأمارة- كخبر الثقة وظهور الكلام-، والحجية حكم شرعي ظاهري، وهذا الحكم قد يكون موضوعه واسعا ينطبق على المدلولين المطابقي والالتزامي، وقد يكون ضيّقا ينطبق على المدلول المطابقي فقط، والمدلول المطابقي هو الحكم الذي يدل عليه الخبر، والمدلول الالتزامي هو مثل نفي الحكم الآخر كما في المثال السابق عن وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة وعدم وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة، في هذه الحالة يكون الدليل الدال على حجية الأمارة دالا على شموله للمدلول المطابقي والمدلول الالتزامي، فيكون الشارع قد جعل الحجية للمدلولين معا.

مثال:

إذا كان عندنا دليل قطعي على حجية خبر الثقة، فإذا أخبر الإنسان بشي‏ء فإنه يخبر بلوازم هذا الشي‏ء، فالإخبار عن شي‏ء إخبار عن لوازمه، في هذه الحالة يكون المدلول المطابقي حجة، ويكون المدلول الالتزامي حجة أيضا لأن المدلول الالتزامي أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية، فيشمله دليل الحجية الذي يأمر بالعمل بكل ما أخبر به الثقة، ومما أخبر به الثقة المدلول الالتزامي أيضا، فالمدلول المطابقي خبر، والمدلول الالتزامي خبر، وعندنا دليل على حجية خبر الثقة، فتكون الحجية لكلا المدلولين المطابقي والالتزامي.

مثلا إذا قلت إن هناك حادثا ونقلوا زيدا إلى المستشفى، والمدلول الالتزامي هو أنه قد أصيب، ويمكن الاعتماد على هذا المدلول الالتزامي،

87

وتستطيع أن تقول للناس إن زيدا مصاب، وقد أخبرك بذلك الثقة، ولا يلومك أحد على قولك إنه مصاب بسبب الحادث، فإذا أخبرت عن حادث زيد فإنك تخبر عن إصابته، وتستطيع أن تنسب إصابة زيد إلى خبر الثقة مع أنه مدلول التزامي لخبر الثقة، وتكون هنا حجية خبر الثقة دالة على حجية المدلول المطابقي وحجية المدلول الالتزامي معا.

الحالة الثانية: موضوع الحجية صادق على الدلالة المطابقية دون الالتزامية:

في هذه الحالة لا يكون المدلول الالتزامي حجة، ويكون الدليل الدال على حجية الأمارة دالا على حجية المدلول المطابقي، فهل يتوسّع الدليل ليشمل المدلول الالتزامي أيضا أو لا يتوسّع ليشمله؟ ما الذي تقتضيه القاعدة: الشمول للمدلول الالتزامي أو عدم الشمول له؟

مثال:

لو ورد دليل يدل على حجية ظهور اللفظ، مثلا لو قال الشارع:" صَدِّقْ ظهور خبر الثقة"، وقال الشارع إن ظهور اللفظ حجة، ولم يقل إن المدلول الالتزامي لهذا اللفظ حجة، فالمدلول الالتزامي هنا مدلول التزامي غير عرفي، والمدلول الالتزامي غير العرفي ليس له ظهور لفظي لأنه ليس ظهورا للفظ، وظهور اللفظ يكون للمدلول المطابقي فقط، والمدلول الالتزامي غير العرفي لا يشكل فردا من موضوع دليل الحجية لأن موضوع الحجية هو ظهور اللفظ، فعندما تقول أربعة فإن الزوجية ليست ظاهرة من لفظ الأربعة وإنما هي مدلول التزامي للأربعة، وفي هذه الحالة لا تَسْرِي الحجية إلى المدلول الالتزامي لأن كلام الشارع ورد في‏

88

حجية ظهور اللفظ فقط أي المدلول المطابقي، والمدلول الالتزامي ليس ظهورا لفظيا، نعم نحن نفهمه من اللفظ ولكنه ليس ظهورا لفظيا، وإنما هو لازم للفظ، والمدلول الالتزامي خارج عن مدلول اللفظ، فلا يفهم من حاقّ اللفظ ومن نفس اللفظ، وهنا يمكن للشارع أن يقول:" ظهور هذه الألفاظ فقط حجة، وأما المدلول الالتزامي فليس بحجة"، فالحجية حكم شرعي بيد الشارع يجعله حيثما يشاء لأنه لا يُسْأل عما يفعل، وقد يقوم الشارع بتخصيص الحجية بإحدى الدلالتين دون الأخرى على الرغم من كونهما متلازمتين في الصدق، فقد يقول الشارع بحجية المدلول المطابقي دون الالتزامي، وقد يقول بالعكس بحجية المدلول الالتزامي دون المطابقي، نعم قد تكون هناك أدلة أخرى تدل على أن المدلول الالتزامي حجة أيضا، ولكن نحن بيدنا فقط هذا الدليل ولا ننظر إلى الأدلة الأخرى، بخلاف خبر الثقة فإنه يدل على المدلول الالتزامي أيضا لأن من أخبر بشي‏ء فقد أخبر بلوازمه.

مثال 1:

المدلول الالتزامي غير اللفظي، وردت أخبار كثيرة عن مشاركة أمير المؤمنين (عليه السلام) في عدة حروب منها غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها من الغزوات، عندنا ظهور غير لفظي وهو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) شجاع، هذا لا نفهمه من اللفظ، فهذا مدلول التزامي غير لفظي، نعرف أنه شجاع من مشاركته في حروب كثيرة، فكونه شجاعا لا نفهمه من اللفظ، فهو ظهور ولكنه ظهور غير لفظي.

89

مثال 2:

صيغة الأمر- مثل" صَلِّ"- ظاهرة في الوجوب، فهذه الصيغة تدل على وجوب الصلاة، وهذا هو مدلولها المطابقي، ومدلولها الالتزامي هو نفي الحرمة ونفي الاستحباب، والمدلول الالتزامي ليس مدلولا عرفيا، فلا يكون حجة لأنه مدلول تحليلي دقيق لا يفهمه العرف، فيكون المدلول المطابقي حجة لأنه ظهور لفظي وعندنا حجية الظهور اللفظي، ولكن المدلول الالتزامي ليس حجة لأنه ليس ظهورا لفظيا.

مثال 3:

في الإجماع دل الدليل على حجية معقد الإجماع فقط وهو المدلول المطابقي، والمدلول الالتزامي لمعقد الإجماع ليس مشمولا لدليل الحجية، مثلا لو قام الإجماع على وجوب صلاة الجمعة، فالمدلول المطابقي- وهو وجوب صلاة الجمعة- هو معقد الإجماع، فيكون المدلول المطابقي حجة، وأما المدلول الالتزامي وهو عدم وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة لا يكون مشمولا لدليل الحجية لأن موضوع الحجية هو المدلول المطابقي فقط فلا يكون شاملا للمدلول الالتزامي.

إشكال: نحن نعلم من الخارج بأن ظهور اللفظ إذا كان صادقا في مدلوله المطابقي فإنه صادق أيضا في مدلوله الالتزامي، فيكون المدلول الالتزامي حجة كما أن المدلول المطابقي حجة.

الجواب:

هذا العلم يأتي من الخارج ولا يؤثر في مقامنا، صحيح أنه لا يمكن‏

90

التفكيك بين المدلولين المطابقي والالتزامي في الواقع والأحكام الواقعية، ولكن هذا العلم لا يعطينا تبريرا بأن تسري الحجية من دليل الحجية إلى المدلول الالتزامي لأن الحجية تكون للظهور، وعنوان الظهور هنا لا ينطبق على المدلول الالتزامي، بل ينطبق على المدلول المطابقي فقط، والحجية حكم شرعي بيد الشارع يجعلها حيثما يشاء، فالشارع يقول إن هذا حجة وذاك ليس بحجة، فيمكن أن يجعل الحجية للمدلولين المطابقي والالتزامي معا أو يخصّصها لأحد المدلولين دون الآخر على الرغم من تلازم المدلولين في الصدق في الواقع، فيمكن للمولى التفكيك بين المدلولين المطابقي والالتزامي في الأحكام الشرعية الظاهرية لأن الحجية مجعولة بيد الشارع.

ويوجد في الحالة الثانية اتجاهان:

الاتجاه الأول: رأي المشهور:

وضع المشهور قاعدة مؤدّاها أن مُثْبَتات الأمارات حجة، أي أن المداليل الالتزامية للدليل الظني الذي ثبتت حجيته تعتبر حجة، فالمدلول المطابقي للأمارة حجة، وكذلك المدلول الالتزامي للأمارة حجة، فنفس الدليل الذي يجعل الحجية للمدلول المطابقي للأمارة يجعل الحجية للمدلول الالتزامي لها، ولا نحتاج إلى دليل آخر ليجعل الحجية للمدلول الالتزامي، فنفس الدليل الذي يدل على حجية الأمارة كافٍ لحجية كلا المدلولين المطابقي والالتزامي، فجعل الحجية من قبل الشارع للأمارة معناه جعل الحجية للمدلول المطابقي والمدلول الالتزامي معا سواء كان‏

91

دليل الحجية ينطبق على عنوان يشمل المدلولين المطابقي والالتزامي كعنوان خبر الثقة، أم يختص بالمدلول المطابقي دون الالتزامي كعنوان الظهور، فتكون مثبتات الأمارات دائما حجة حتى لو لم يصدق على المدلول الالتزامي موضوع الحجية لأن حديثنا الآن في الحالة الثانية، والقاعدة تقتضي شمول دليل حجية الأمارة للمدلول الالتزامي أيضا، وإذا لم يُرِدِ الشارع حجية المدلول الالتزامي فعليه أن يبيّن عدم حجية المدلول الالتزامي.

الاتجاه الثاني: رأي السيد الخوئي (قدس سره)(1)

1):

يقول السيد الخوئي (قدس سره) إنه يمكن- من حيث عالم الثبوت والإمكان العقلي والناحية النظرية- أن يجعل الشارع الحجية للمدلول المطابقي دون الالتزامي بأن يقول:" إني أتعبّدك بالمدلول المطابقي دون المدلول الالتزامي"، أو قد يقول بالعمل بكلا المدلولين؛ لأن الأمر بيد الشارع وهو الذي يجعل الأحكام الشرعية كما يشاء، والحجية من الأحكام الشرعية، والحكم الشرعي نتعبّد به بالدائرة التي يحدّدها الشارع سعة وضيقا، فقيام دليل على حجية أمارة على أساس ما لها من كشف عن الحكم الشرعي لا يكفي لأن يكون المدلول الالتزامي حجة، وجعل الحجية من الشارع للمدلول المطابقي للأمارة دون المدلول الالتزامي ممكن من الناحية النظرية إلا إذا كان نفس الدليل الدال على حجية الأمارة فيه‏

____________

(1) مصباح الأصول ج 3 ص 154.

92

إطلاق وقرينة بحيث يدل على حجية المدلول الالتزامي أيضا، فيشمل المدلولات الالتزامية، وفي هذه الحالة يجعل الشارع الحجية لكلا المدلولين، نعم من الناحية النظرية- ولا ننظر إلى عالم الإثبات والدليل- يمكن أن يجعل الشارع الحجية للمدلول المطابقي فقط، ونحتاج إلى دليل آخر يدل على حجية المدلول الالتزامي، فقيام دليل على حجية الأمارة- كالظهور- ليس كافيا في الدلالة على حجية المداليل الالتزامية، ويوجد هنا وجهان:

أ- يمكن للشارع أن يتعبد المكلف بالأخص وهو المدلول المطابقي من الأمارة.

ب- يمكن للشارع أن يتعبّد المكلّف بالأعم وهو كل ما تكشف عنه الأمارة مطابقة أو التزاما، فيمكن أن يتعبّده بكلا المدلولين أو بأحدهما دون الآخر.

وكلا الوجهين ممكن ثبوتا وعقلا ونظريا، ولتعيين الوجه الثاني لا بدّ من وجود إطلاق في دليل الحجية يقتضي امتداد التعبد وسريانه إلى المداليل الالتزامية أيضا، فلا بدّ من وجود قرينة على الأعم وهو كلا المدلولين المطابقي والالتزامي، ومع وجود الاحتمال بإمكانية جعل الشارع الحجية للمدلول المطابقي دون الالتزامي فلا بدّ من وجود قرينة تدل على أن الشارع يريد المدلولين معا حتى يمكن إثبات حجية كلا المدلولين، والمعروف أن الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية، لذلك فإن المدلول الالتزامي ليس حجة إلا أن تأتي قرينة تدل على سريان الحجية

93

إلى المدلول الالتزامي أيضا.

إن القاعدة هنا تقتضي عدم شمول دليل حجية الأمارة للمدلول الالتزامي، والشمول له يحتاج إلى دليل آخر، فإذا أراد الشارع الحجية للمدلول الالتزامي فعليه أن يبيّن ذلك على عكس قول المشهور الذي يقول بأن الأصل هو شمول دليل حجية الأمارة للمدلول الالتزامي وإذا لم يُرِدِ الشارع حجية المدلول الالتزامي فعليه أن يبيّن ذلك، ومن الناحية الإثباتية يدل الدليل على الأخص وهو المدلول المطابقي، وحجية المدلول الالتزامي مشكوكة، والأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية، فلا يكون المدلول الالتزامي حجة لأنه مشكوك الحجية، وهنا الأخص معلوم الحجية، والأعم مشكوك الحجية، فنرجع إلى المعلوم الحجية ونترك مشكوك الحجية، والمعلوم الحجية هو المدلول المطابقي فقط.

مثال 1:

إذا كان الزوج مفقودا ومرّت عليه خمس سنوات فإننا نعتبره ميّتا تعبّدا، ولكن لا تنفصل عنه زوجته إلا بطلاق الحاكم الشرعي لها مع أن موت الزوج يلازم عدم الحاجة إلى الطلاق.

مثال 2:

خبر الثقة يوجد دليل على حجيته، فخبر الثقة دليل ظني يحتاج إلى دليل قطعي يدل على حجيته، فإذا كان دليل حجية خبر الثقة هو قوله تعالى:

إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما

94

فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1).

فنأتي إلى نفس دليل الحجية ونرى هل يوجد فيه إطلاق أي أنه غير مقيَّد بالمدلول المطابقي فيمكن الأخذ بالمدلول الالتزامي.

مثلا: إذا قلت: أكْرِمْ عالما.

فتسألني: هل كلامك يشمل العادل والفاسق؟

فأقول: كلامي مطلق شامل لكليهما.

فإذا كان الكلام مطلقا فلا حاجة للسؤال إلى أنه يشمل كل الأفراد أو لا يشملهم، نعم إذا ورد دليل آخر يدل على إكرام العادل فقط فإننا نأخذ بالدليل الآخر، ولكن نحن وهذا الدليل أي" أكرم عالما"، فلا حاجة إلى السؤال عن أن هذا الدليل شامل لفرد منه أو غير شامل، فلو أردت التقييد لذكرت التقييد وقلت:" أكرم عالما عادلا"، فعدم التقييد هو الإطلاق فيشمل العادل والفاسق.

إذن: إذا لم يقيَّد دليل الحجية بالمدلول المطابقي فإنه يكون مطلقا، فيكون شاملا للمدلول الالتزامي أيضا، فيدل على حجية المدلول المطابقي وعلى حجية كل المداليل الالتزامية أيضا.

مثلا: إذا قلنا إن زيدا أخذوه إلى المستشفى فالمدلول الالتزامي هو أنه مريض، فنأخذ بهذا المدلول الالتزامي أيضا ولا نقتصر على المدلول المطابقي.

____________

(1) الحجرات: 6.

95

رأي السيد الشهيد (قدس سره):

الصحيح في الأمارات هو الاتجاه الأول وهو رأي المشهور، وهو أن مثبتات الأمارات حجة لأن تمام ملاك حجية الأمارة هو الكشف عن متعلَّقه بدون النظر إلى نوع المُنْكَشَف، ومتعلَّقه هو الحكم الشرعي الواقعي، ففي الأمارة ننظر إلى أهمية الاحتمال والكشف والكاشفية ولا ننظر إلى المحتمَل ونوع المنكَشَف ونوع الحكم أي ما تَكْشِف الأمارة عنه سواء كان المُنْكَشَف مدلولا مطابقيا أم مدلولا التزاميا، فبلحاظ الاحتمال يجعل الشارعُ الأمارةَ حجّةً، وحجية الأمارة تكون ثابتة لكل ما تكشف عنه من مداليل، ودرجة كاشفية الأمارة واحدة بالنسبة إلى المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي، فلا يوجد فرق بين المدلولين من حيث الحجية لأن الحجية ثابتة لكل ما كشفت عنه الأمارة، فالأمارة تكشف عن المدلولين، فيكون المدلولان المطابقي والالتزامي حجة، ومتى ما ثبت أن تمام الملاك لحجية الأمارة هو الكشف فهذا كافٍ لإثبات الحجية في المدلولات الالتزامية لأن نسبة كشف الأمارة إلى المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي تكون بدرجة واحدة دائما.

مثلا: خبر الثقة يكشف عن شي‏ء وهو المخبَر عنه، ففي خبر الثقة لا ننظر إلى المخبَر عنه، فخبر الثقة حجة مهما كان الخبر وبأي خبر أتى الثقة، فلا ننظر إلى نفس الخبر لأن الخبر أو المخبَر عنه هو نوع المنكَشَف وهو المحتمَل، فنظرنا يكون إلى أن المخبِر ثقة أو ليس بثقة ولا ننظر إلى ما يُخْبِر عنه، فإذا كان ثقة نأخذ بكلامه مهما كان الكلام،

96

ففي الدليل الظني ننظر إلى نفس الدليل ولا ننظر إلى ما يكشف عنه الدليل، فننظر إلى الثقة بما هو ثقة فنأخذ خبره، ولا ننظر إلى ما يحتوي عليه الخبر أي المخبَر عنه ونوع الخبر، ولكن إذا قلت إننا ننظر إلى الثقة وإلى خبره فننظر إلى الاحتمال والمحتمَل، فمؤدّى ما يقوله الثقة هو الخبر، ولكن نقول الثقة نأخذ بخبره مهما كان نوع خبره، فأي خبر يأتي به الثقة تأخذ به وتعتمد عليه لأن نظرنا إلى الثقة لا إلى الخبر، فنعطي الحجية لخبر الثقة مهما كان الخبر، ولا ننظر إلى نفس الخبر ومحتوى الخبر، بل ننظر إلى أنه ثقة فنأخذ بكلامه، وهذا كما نقول إن الإضاءة تكشف عما في الغرفة ولا ننظر إلى ما يوجد في الغرفة، فالإضاءة كشف، وما يوجد في الغرفة هو المُضاء والمنكشَف، فننظر إلى نفس الكشف وهو الإضاءة، ولا ننظر إلى المكشوف وهو نوع الأشياء الموجودة في الغرفة، فملاك الأمارة الاحتمال والكشف دون المحتمَل والمنكشَف، فننظر إلى أن كلام الثقة فيه كشف عن الخبر ولا ننظر إلى نوع الخبر، ونسبة كشف الأمارة إلى المدلول المطابقي وإلى المدلول الالتزامي تكون بدرجة واحدة، فخبر الثقة يكشف عن المدلولين بنفس الدرجة، لا أن كشف المدلول الالتزامي مستمدّ من المدلول المطابقي، فالثقة يخبر بالمدلول المطابقي فيكشف عن المدلول المطابقي، ويكشف عن المدلول الالتزامي في نفس الوقت، فكأن الشخص بيده مصباح ويضي‏ء على المدلولين في نفس الوقت، فإذا تريد أن تحجب الضوء عن المدلول الالتزامي فإنك في نفس الوقت تحجبه عن المدلول المطابقي، فإما أن‏

97

تضي‏ء الطرفين أو تحجب عن الطرفين ولا تستطيع أن تحجب عن طرف دون طرف.

مثلا: لو كان يوجد شخصان في غرفة فإذا أضأت الغرفة فإنك ترى الشخصين، وإذا قلت إنك تريد أن ترى واحدا منهما فأقول لك إذن لا بدّ أن تطفئ الإضاءة، فإذا أطفأت الإضاءة فإنك لا ترى كلا الشخصين، ولا يمكن لك أن ترى شخصا دون شخص، فإما أن ترى كليهما وإما أن لا ترى كليهما، ومن المستحيل أن ترى أحدهما دون الآخر.

وفي مقامنا من المستحيل أن ترفع أحد المدلولين لأن نسبة كشف الأمارة إلى المدلولين المطابقي والالتزامي بدرجة واحدة.

مثال:

لو أخبرك شخص ثقة بأن هذا السائل فيه مادة تجعلك تعطس، هنا المحتمَل ليس أمرا مهما، ولكنك تأخذ بخبر الثقة لأن فيه كشفا عن الواقع، فأنت تتجنب هذا السائل انطلاقا من أهمية الاحتمال لا من أهمية المحتمَل.

النتيجة:

كل مثبتات الأمارات حجة، أي كل المداليل الالتزامية للأمارة حجة، والملاحظ في الأمارات هو قوة وأهمية الاحتمال، فالمدلول المطابقي جعل حجة بسبب قوة الكشف والاحتمال، وكذلك يكون المدلول الالتزامي حجة أيضا بسبب نفس قوة هذا الاحتمال والكشف.

سؤال: هل مثبتات الأصول العملية حجة أو لا؟

98

الجواب:

نبدأ بمثال: لو كنا على يقين سابق بحياة زيد ثم شككنا في بقائه على قيد الحياة، فإننا بالاستصحاب نقول إن زيدا لا زال حيّا، وهذا هو المدلول المطابقي للاستصحاب، ويوجد مدلول آخر للاستصحاب وهو مدلول التزامي وهو أن زيدا قد نبتت لحيته، والاستصحاب هنا واسطة في إثبات موضوع الملازمة، والموضوع هو حياة زيد، فالاستصحاب أثبت حياة زيد، ونعلم أنه إذا كان زيد حيّا فإن لحيته قد نبتت، فترتّب اللازم على حياة زيد، واللازم هو نبات لحيته.

نأتي الآن إلى الأصول العملية التي تبيِّن الوظيفة العملية حين الشك في الحكم الواقعي، ولا يوجد في الأصول العملية كاشفية عن الحكم الشرعي الواقعي لأن موضوع الأصول العملية هو الشك في التكليف الواقعي، فالتكليف الواقعي مجهول عندنا ونأتي فقط بعمل معيَّن على الرغم من أن التكليف مجهول، ففي حالة الشك بالتكليف الواقعي ماذا يريد مني الشارع أن أفعل؟ وما هو العمل الذي يطلبه الشارع مني؟ وما هي الوظيفة العملية المطلوبة مني؟

الأصل العملي لا يكشف لنا عن التكليف الواقعي بل نظل في دائرة الشك بالتكليف الواقعي، ملاك الأصول العملية هو بيان الوظيفة العملية، فالأصل العملي يقول لك:" ما دام أنك في حالة الشك بالتكليف الواقعي فقم بهذا العمل وبهذه الوظيفة، فإذا أتيت بهذه الوظيفة العملية فلا نحاسبك على أساس التكليف والحكم الواقعي".

99

في الأصول العملية ننظر إلى المحتمَل والمنكشَف ونوع المؤدَّى وليس الاحتمال والكشف، فلا ننظر إلى نفس الأصل العملي بما هو أصل عملي بل من حيث إنه يبيّن الوظيفة العملية، ونظرنا إلى حالة الشك بالتكليف، فنظرنا في الأصل العملي إلى المؤدَّى لا إلى المداليل الالتزامية لهذا المؤدَّى ولهذا المحتمَل ولهذا الشك، فنظرنا إلى نفس الشك بالتكليف، والأصل العملي يبيِّن لنا حجية الوظيفة العملية ولا يبيِّن لنا حجية المداليل الالتزامية للوظيفة العملية، فلا يكون المدلول الالتزامي للأصل العملي حجة ولا يمكن تعدية وإسراء الحجية الثابتة للوظيفة العملية إلى مدلولاتها الالتزامية إلا بعناية خاصة في لسان الدليل الدال على حجية الأصول العملية.

والسيد الخوئي (قدس سره) قال إنه توجد حاجة إلى العناية الخاصة أيضا في الدليل الدال على حجية الأمارات لنثبت حجية المدلول الالتزامي.

وهذه العناية الخاصة غير موجودة في لسان دليل حجية الأصول العملية، والمجعول في الأصول العملية هو الجري العملي والوظيفة العملية على طبق الأصل حين الشك في التكليف واهتمام المولى بهذه الوظيفة وأهميتها دون أن يكون المنشأ لجعل الوظيفة هو كاشفية الوظيفة العملية عن الواقع، فالملحوظ حين جعل الحجية للأصل العملي هو نوع الحكم المشكوك وأهميته بنظر المولى دون أن يكون للمولى ملاحظة لكاشفية الأصل العملي عن مدلوله المطابقي فضلا عن المدلول الالتزامي، فالأصل‏

100

العملي ليس له كاشفية عن الواقع، وقد يكون للمولى ملاحظة لكاشفية الأصل العملي عن الواقع كما في الأصول التنزيلية المحرزة.

قلنا سابقا إن الأصول العملية تنقسم إلى قسمين: تنزيلية وغير تنزيلية (1)، ونأتي إليهما:

1- في الأصول العملية التنزيلية ننظر إلى نوع الحكم المشكوك وأهميته بنظر المولى، وفيه شي‏ء من الكشف أي نلاحظ المحتمَل والاحتمال معا، والكاشفية ليست هي الملاك التام في جعل الحجية للأصل.

مثال:

قاعدة الفراغ المثبتة لصحة العبادة حين الشك في الصحة ووقوع الشك بعد الفراغ من العبادة، في قاعدة الفراغ يلاحظ درجة الكشف ونوع العمل وهو العمل الذي تمّ الفراغ منه، فحينما يصلي الشخص يكون ملتفتا وغير غافل، ففيها شي‏ء من الكشف، والمدلول المطابقي لهذه القاعدة هو صحة العبادة المفروغ عنها كالصلاة، والمدلول الالتزامي لها يظهر كما يلي:

لو فرغ المكلف من الصلاة وشك في صحتها من جهة أنه كان متوضِّئا عندما دخل في الصلاة، فالقاعدة تقول بصحة هذه الصلاة، ويوجد مدلول التزامي للحكم بصحة الصلاة وهو أنه كان على وضوء حينما دخل إلى الصلاة، ولكن هذا المدلول الالتزامي ليس حجة، فإذا أراد الدخول في صلاة أخرى فإنه يجب عليه أن يتوضّأ، فقاعدة الفراغ تقول بصحة

____________

(1) مرّ في بحث (الأمارات والأصول).

101

الصلاة، ولكنها لا تقول بصحة وضوئه لصلاة تالية.

2- في الأصول العملية غير التنزيلية ننظر إلى نوع الحكم المشكوك أي نلاحظ المحتمَل فقط، مثل أصالة البراءة التي لا يوجد فيها كشف.

مثال:

لو قيل بأن هذا السائل فيه سم باحتمال 1%، فإنك هنا لا تتجنب السائل بسبب الاحتمال والكشف لأن الاحتمال ضعيف، وإنما بسبب أهمية المحتمَل ونوع المنكشَف وهو السم، فأهمية المحتمَل- لا أهمية الاحتمال- هو سبب تجنب هذا السائل.

النتيجة:

في الأصول العملية ننظر إلى نوع المؤدَّى، وإذا نظرنا إلى نوع المؤدَّى فمعنى ذلك أننا ننظر إلى المدلول المطابقي فقط، ولا يوجد كشف عن المدلول الالتزامي، لذلك فإن مثبتات الأصول العملية- أي المدلولات الالتزامية- ليست حجة، وأما مثبتات الأمارات فإنها حجة، والملاحظ في الأصول العملية هو قوة وأهمية المحتمَل في نظر المولى، والملاحظ في الأمارات هو أهمية الاحتمال في نظر المولى، وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في أبحاث الأصول العملية إن شاء الله تعالى.

تبعيّة الدّلالة الالتزاميّة للدّلالة المطابقيّة

عرفنا أن الأمارات حجة في مدلوليها المطابقي والالتزامي معا، وأنه لا فرق بينهما من حيث ثبوت الحجية لهما، وعرفنا أن المدلول الالتزامي تابع من حيث الوجود للمدلول المطابقي، فإذا وُجِدَ المدلول المطابقي وُجِدَ

102

المدلول الالتزامي، وإذا لم يوجد المدلول المطابقي فلا وجود للمدلول الالتزامي.

ويقع البحث عن مطلب له صلة بالبحث السابق عن حجية المدلول الالتزامي للأمارات، ولا يقع البحث في المدلولات الالتزامية للأصول العملية لعدم حجيتها، والبحث هو:

لو سقط المدلول المطابقي للأمارة عن الحجية لأي سبب من الأسباب فهل يسقط المدلول الالتزامي تبعا لسقوط المدلول المطابقي أو لا يسقط؟

الجواب:

قبل الجواب عن السؤال لا بدّ من بيان نسبة المدلول الالتزامي إلى المدلول المطابقي، وبعد ذلك نجيب عن السؤال.

المدلول الالتزامي نسبة إلى المدلول المطابقي له حالتان:

الحالة الأولى: المدلول الالتزامي يكون مساويا للمدلول المطابقي:

بمعنى أنه إذا تحقّق المدلول المطابقي تحقّق المدلول الالتزامي، وإذا لم يتحقّق المدلول المطابقي لم يتحقّق المدلول الالتزامي أبدا، هنا يكون اللازم منحصرا بالمدلول المطابقي، ويكون المدلول المطابقي منحصرا باللازم، في هذه الحالة إذا بطل المدلول المطابقي بطل المدلول الالتزامي لأن المدلول الالتزامي يأتي من المدلول المطابقي ويتفرَّع عليه، فإذا لم يوجد مدلول مطابقي فلا يوجد مدلول التزامي لأن الالتزامي متفرِّع على المطابقي، وإذا سقط المدلول المطابقي عن الحجية يسقط المدلول الالتزامي عن الحجية تبعًا لسقوط المدلول المطابقي.