دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
103

مثلا: إذا قلنا" يوجد إنسان في البيت"، فالمدلول المطابقي هو وجود الإنسان في البيت، ومعنى ذلك وجود المدلول الالتزامي له وهو الناطق المساوي للإنسان، وإذا علمنا بعدم وجود إنسان في البيت فمعنى ذلك عدم وجود الناطق في البيت لأن الناطق مساوٍ للإنسان.

وإذا قلنا:" زيد لم يأخذوه إلى المستشفى"، فمعنى ذلك أنه ليس مصابا، فالإصابة متفرِّعة على أخذه إلى المستشفى.

وإذا قلنا:" سقط زيد فانكسر"، ولنفرض أن الانكسار مساوٍ للسقوط، فكل من يسقط ينكسر، ومن لا يسقط لا ينكسر، فيكون السقوط هو السبب الوحيد للانكسار، فهنا يكون المدلول الالتزامي مساويا للمدلول المطابقي، ولا نريد أن نناقش في المثال لأنه من باب التوضيح، في هذه الحالة إذا لم يسقط زيد فإنه لم ينكسر، السقوط يؤدي إلى الكسر، فإذا لم يوجد السقوط لا يوجد الانكسار، فإذا لم يسقط زيد فلا تستطيع أن تقول زيد انكسر، وإذا سقط المدلول المطابقي سقط المدلول الالتزامي المساوي تبعا لسقوط المدلول المطابقي، فإذا سقطت الأمارة في مدلولها المطابقي فإنها تسقط في مدلولها الالتزامي أيضا، فإذا تبيّن أن المخبر كاذب أو مشتبه فإن المدلول المطابقي يسقط، وعلى إثر ذلك يسقط المدلول الالتزامي لأن ثبوته منحصر بتحقق المدلول المطابقي، ومع عدم تحقق المدلول المطابقي لا يتحقق المدلول الالتزامي، فيكون العلم بسقوط المدلول المطابقي علما بسقوط المدلول الالتزامي، فالعلم بسقوط المدلول المطابقي يؤدي إلى العلم بسقوط المدلول الالتزامي‏

104

بسبب انحصار تحقّق المدلول الالتزامي بتحقّق المدلول المطابقي، فإذا عُلِمَ ببطلان المدلول المطابقي فقد عُلِمَ ببطلان المدلول الالتزامي أيضا، وبذلك تسقط الأمارة بكلا مدلوليها عن الحجية.

الحالة الثانية: المدلول الالتزامي أعمّ من المدلول المطابقي:

هنا لا يكون اللازم منحصرا بالمدلول المطابقي لأنه يكون ناشئا عن هذا المدلول المطابقي وعن غيره، في هذه الحالة إذا بطل المدلول المطابقي يظل المدلول الالتزامي محتمَلا، مثلا نقول" يوجد إنسان في البيت"، ومدلوله الالتزامي هو وجود الحيوان، والحيوان لازم أعم لأن الحيوان قد يكون إنسانا وقد يكون حصانا، فيمكن أن يوجد حيوان في البيت ولكنه ليس بإنسان.

ونقول:" احترق زيد"، ومدلوله الالتزامي أنه قد مات، ولكن الموت أعم من الموت بالاحتراق حيث توجد أسباب أخرى للموت: بالسم أو بحادث سيارة أو بالسقوط من شاهق أو بغير ذلك من الأسباب، فالاحتراق ليس هو السبب الوحيد للموت، فالمدلول الالتزامي- وهو الموت- أعم من المدلول المطابقي- وهو احتراق زيد-، فالمدلول الالتزامي هنا غير مساوي للمدلول المطابقي بل أعم، في هذه الحالة إذا بطل المطابقي يظل الالتزامي محتمَلا لأنه من الممكن أنه قد مات بالسم ويكون المخبر قد كذب أو أخطأ واشتبه في السبب الذي هو الاحتراق، نعم نفينا الاحتراق ولكن لم ننفِ الموت بسبب آخر، فإذا قلنا:" لم يحترق زيد"، فهل يمكن أن يكون قد مات لأن الموت أعم من الموت بالاحتراق؟

105

نعم يظلّ موته محتمَلا مع أنه لم يحترق، وهنا إذا سقط المدلول المطابقي يظل المدلول الالتزامي محتمَلا.

هنا يأتي البحث التالي:

إذا ثبتت حجية الأمارة في المدلول المطابقي فهل تثبت حجيتها أيضا في المدلول الالتزامي أو لا؟

بعبارة أخرى: هل حجية الأمارة في إثبات المدلول الالتزامي مرتبطة بحجية الأمارة في إثبات المدلول المطابقي أو لا؟

وبعبارة ثالثة: هل الحجيتان مرتبطتان بأن يكون بينهما علاقة وارتباط بحيث إذا سقطت حجية المدلول المطابقي للأمارة تسقط حجية المدلول الالتزامي أيضا وإذا بقيت حجية المدلول المطابقي للأمارة بقيت حجية المدلول الالتزامي؟

الجواب:

هنا توجد نظريتان: نظريّة الارتباط والتّبعيّة بين المدلولين، ونظريّة عدم الارتباط وعدم التّبعيّة بين المدلولين، لذلك كان عنوان البحث" تبعيّة الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية".

والارتباط بين المدلولين المطابقي والالتزامي معناه التبعيّة وأن وجود الأول وثبوته يؤدي إلى وجود الثاني وثبوته، وسقوط الأول يؤدي إلى سقوط الثاني، فيكون المدلول الالتزامي تابعا للمدلول المطابقي، وسقوط المدلول المطابقي عن الحجية يقتضي سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية، ولا نحتاج إلى دليل خاص لإثبات سقوط المدلول الالتزامي عن‏

106

الحجية، فالارتباط يعني أن الأمارة إذا سقطت عن الحجية في مدلولها المطابقي للعلم ببطلان المدلول المطابقي سقطت أيضا عن الحجية في مدلولها الالتزامي.

وعدم الارتباط بين المدلولين المطابقي والالتزامي معناه عدم التبعيّة، فسقوط المدلول المطابقي عن الحجية لا يقتضي سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية، وتكون حجية المدلول الالتزامي ثابتة إلا إذا قام دليل خاص على سقوطها، فعدم الارتباط يعني أن كلًّا من الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية حجة إلا إذا علم ببطلان مفاد أحدهما بالخصوص، فإذا بطلت الدلالة المطابقية بالخصوص نأخذ بالدلالة الالتزامية، وإذا بطلت الدلالة الالتزامية بالخصوص نأخذ بالدلالة المطابقية، وبطلان إحداهما لا يؤدي إلى بطلان الأخرى لأنهما فردان مستقلان من دليل الحجية، فمجرد العلم ببطلان المدلول المطابقي لا يوجد خللا في حجية الدلالة الالتزامية ما دام المدلول الالتزامي محتمَلا ولم يتّضح بطلانه.

دليل القائلين بالارتباط بين المدلولين:

الاستدلال على الارتباط والتبعيّة بين المدلولين المطابقي والالتزامي يتم بأحد الوجهين التاليين:

الوجه الأول:

يوجد ارتباط بين المدلولين، ويمكن إثبات الارتباط بالاستدلال التالي:

المقدمة الصغرى: المدلول الالتزامي متفرِّع في وجوده دائما على المدلول المطابقي وتابع له في وجوده.

107

المقدمة الكبرى: كل ما كان متفرّعا في وجوده يكون متفرّعا في حجيته.

النتيجة: المدلول الالتزامي يكون متفرِّعا في الحجية وتابعا للمدلول المطابقي فيها.

فالتفرّع في الوجود يستلزم التفرّع في الحجية، لذلك إذا سقط المدلول المطابقي يسقط المدلول الالتزامي وإن كان المدلول الالتزامي أعم من المدلول المطابقي لأنه تابع في الوجود للمدلول المطابقي فيسقط بسقوطه، وإذا سقط بسقوطه فمعنى ذلك أن كليهما ليس بحجة لأنه بسقوط حجية المدلول المطابقي تسقط حجية المدلول الالتزامي أيضا، والتبعيّة في الوجود تؤدي إلى التبعيّة في الحجية، فإذا كان الأول موجودا فالثاني يكون موجودا، وإذا كان الأول حجة فالثاني يكون حجة، وإذا انتفى الأول انتفى الثاني، وإذا انتفيا فكلاهما لا يكون حجة.

بعبارة أخرى:

الدلالة الالتزامية متفرِّعة وناشئة وناتجة من حيث الوجود على الدلالة المطابقية، فتكون متفرِّعة عليها من حيث الحجية، وليس المقصود من التفرّع بالوجود التفرّع في الوجود الخارجي، بل يقصد التفرّع في عالم الدلالة، بمعنى أنه لولا دلالة اللفظ على مدلوله المطابقي لما وجدت له دلالة على مدلوله الالتزامي.

وهنا توجد علاقتان:

العلاقة الأولى:

وجود الدلالة المطابقية يؤدي إلى وجود الدلالة الالتزاميّة، فإذا لم‏

108

يوجد مدلول مطابقي فلا يوجد مدلول التزامي، إذا لم يوجد احتراق فلا يوجد موت، فالموت بالاحتراق فرع الاحتراق.

وإذا كان متفرِّعا في الوجود فهو متفرع في الحجية، فإذا كان المدلول الالتزامي متفرِّعا في الوجود على المدلول المطابقي فيكون متفرِّعا عليه في الحجية أيضا، فالتفرّع في الحجية فرع التفرّع في الوجود، وتوجد عندنا العلاقة التالية وهي:

العلاقة الثانية:

حجية الدلالة المطابقية تؤدي إلى حجية الدلالة الالتزامية، والعلاقة الثانية ناتجة من العلاقة الأولى.

ردّ السيد الشهيد (قدس سره):

يمكن القول بعدم التبعيّة بين المدلولين المطابقي والالتزامي، وذلك لأن التفرّع في الوجود لا يستلزم التفرّع في الحجية، والتبعيّة في الوجود لا يقتضي التبعيّة في الحجية لأنه لا توجد ملازمة بين التفرّع في الوجود والتفرّع في الحجية، وهذا نفي للمقدمة الكبرى، ولا يوجد تلازم بين العلاقتين المذكورتين سابقا، فالوجود غير الحجية لأنهما مختلفان، فيمكن أن يكون الشي‏ء متفرّعا عن شي‏ء آخر من حيث الوجود، ولكن من حيث الحجية لا يكون متفرعا لأن الحجية حكم شرعي بيد الشارع فيستطيع أن يجعل أحدهما حجة والآخر غير حجة، وتكون الحجية ثابتة لكلٍّ منهما بجعل مستقل، ويمكن أن ننفي العلاقة الثانية- وهي التفرّع في الحجية- مع إثبات العلاقة الأولى- وهي التفرّع في الوجود-، فنفي‏

109

العلاقة الثانية لا يعني نفي العلاقة الأولى، نعم من حيث الوجود متفرّعة، فوجود الدلالة الالتزامية متفرّع على وجود الدلالة المطابقية، ولكن من حيث الحجية غير متفرّعة، فحجية المدلول الالتزامي ليست متفرّعة عن حجية المدلول المطابقي وإن كان المدلول الالتزامي متفرّعا في أصل وجوده عن المدلول المطابقي، إن العلاقة الأولى ثابتة، ولكن العلاقة الثانية غير ثابتة، ونستطيع أن نُبْقِي حجية الدلالة المطابقية وننفي حجية الدلالة الالتزامية، فالحجية الثانية لا تكون متفرّعة على الحجية الأولى، والمدلول الالتزامي قد يكون متفرِّعا في الوجود على المدلول المطابقي، ولكن الشارع يمكن أن يجعل الحجية للمدلول المطابقي دون الالتزامي أو العكس، فيقول: اعمل بالمدلول المطابقي ولا تعمل بالمدلول الالتزامي، أو يقول: اعمل بالمدلول الالتزامي ولا تعمل بالمدلول المطابقي.

ولو قلنا بوجود التلازم بين العلاقتين السابقتين أي التلازم بين الحجية والوجود، فمعنى ذلك أنه متى ما تفرّع الشي‏ء على شي‏ء في الوجود فإن كليهما يكون حجة، ولا يستطيع الشارع التدخل بإعطاء حجية لأحدهما دون الآخر لأن المدلول الالتزامي متفرّع دائما على المدلول المطابقي فيكون كلاهما حجة لوجود التلازم بين التفرّع في الحجية والتفرّع في الوجود، فإذا كان المدلول المطابقي حجة فإن المدلول الالتزامي يكون حجة أيضا، ولا يمكن للشارع التفرقة بين الحجيتين بجعل أحدهما حجة دون الآخر إذا قلنا بالتلازم بينهما في عالم التكوين، وفي عالم الجعل والتشريع يمكن للشارع أن يتدخّل بخلاف عالم التكوين فإنه لا يتدخل لأن‏

110

الأشياء تجري بأسبابها على أساس نظام العلل والمعلولات، والله عز وجل هو الذي أوجد هذا النظام، والشارع حرّ فيما يريد أن يشرِّع، والأحكام الشرعية بيده عز وجل ولا يمكن للمكلف أن يفرض قيودا على الشارع في عالم الجعل والتشريع.

إذن: لا يوجد تلازم بين التفرّع في الوجود والتفرّع في الحجية، فالمدلول المطابقي هو بشكل مستقل موضوع للحجية، والمدلول الالتزامي هو بشكل مستقل موضوع آخر للحجية أيضا، فهما فردان مستقلان من دليل الحجية، فكل منهما موضوع مستقل للحجية، وموضوع الحجية لكل منهما يختلف عن موضوع الحجية للآخر، فإذا كانا مستقلين فيمكن إسقاط موضوع الحجية في المدلول المطابقي وعدم إسقاط موضوع الحجية في المدلول الالتزامي، أو العكس يمكن إسقاط موضوع الحجية في المدلول الالتزامي وعدم إسقاط موضوع الحجية في المدلول المطابقي، فالتفرّع في الوجود لا يستلزم التفرّع في الحجية، فوجود الدلالة المطابقية الذي يؤدي إلى وجود الدلالة الالتزامية لا يستلزم أن حجية الدلالة المطابقية تؤدي إلى حجية الدلالة الالتزامية، فالعلاقة الثانية لا تكون لازمة للعلاقة الأولى، فنستطيع أن نثبت العلاقة الأولى وأن ننفي العلاقة الثانية لعدم وجود الاستلزام بينهما، نعم المدلول الالتزامي موجود ولكنه ليس بحجة.

وحديثنا في حجية المدلول المطابقي فيمكن لنا أن نبطل حجيته حتى لو كان موجودا كما في حالة التعارض بين المدلولين المطابقيين لدليلين متعارضين، في هذه الحالة لا ننفي المدلول المطابقي بل يكون موجودا،

111

ولكن تنتفي حجيته، وكذلك المدلول الالتزامي يكون موجودا أيضا لأن وجوده لا ينتفي إذ أن المدلول المطابقي لم ينتفِ وإنما سقطت حجيته، ونسأل السؤال التالي:

هل في هذه الحالة نفي حجية المدلول المطابقي يستلزم نفي حجية المدلول الالتزامي؟

الجواب:

المدلول الالتزامي من حيث الوجود يتفرّع عن المدلول المطابقي، ولكن التفرّع في الوجود لا يستلزم التفرّع في الحجية، وهنا كلا المدلولين موجود، ولكن حجية المدلول المطابقي ساقطة بسبب التعارض مع دليل آخر، ولكن حجية المدلول الالتزامي تظل ثابتة لأن سقوط حجية المدلول المطابقي لا يؤدي إلى سقوط حجية المدلول الالتزامي، فالتبعية في الوجود لا تستلزم التبعية في الحجية، وهنا كلامنا في الحجية لا في الوجود، ولا ارتباط بين الوجود والحجية، فيمكن أن يكون المدلول موجودا ولكنه ليس بحجة، ونفي حجية المدلول المطابقي لا يعني نفي حجية المدلول الالتزامي، بل تظل حجية المدلول الالتزامي ثابتة إلا إذا أتى دليل خاص يقول بنفي حجية المدلول الالتزامي.

سؤال: من أين تأتي حجية الدلالة الالتزامية؟

الجواب:

إن حجية الدلالة المطابقية متفرعة عن حجية الأمارة بلحاظ كاشفية الأمارة، وكذلك فإن حجية الدلالة الالتزامية متفرّعة عن حجية الأمارة

112

بلحاظ كاشفية الأمارة، وليست متفرّعة عن حجية الدلالة المطابقية، بل إن الأمارة هي الكاشفة عن كل دلالة بشكل مستقل عن الدلالة الأخرى، وحجية الأمارة كاشفة عن حجية كل دلالة بشكل مستقل عن الدلالة الأخرى.

ويمكن أن نقول هنا بوجود علاقتين، وهما:

العلاقة الثالثة:

حجية الأمارة تؤدي إلى حجية المدلول المطابقي.

العلاقة الرابعة:

حجية الأمارة تؤدي إلى حجية المدلول الالتزامي.

وأيضا لا توجد علاقة ملازمة بين العلاقة الثالثة والعلاقة الرابعة، فنفس حجية الأمارة تؤدي إلى حجية المدلول المطابقي بشكل مستقل، ونفس حجية الأمارة تؤدي إلى حجية المدلول الالتزامي بشكل مستقل أيضا، فإذا وُجدت العلاقة الثالثة فهذا لا يعني وجود العلاقة الرابعة، ولا وجود العلاقة الرابعة يدل على وجود العلاقة الثالثة، فلا يوجد تلازم بين العلاقتين الثالثة والرابعة، وإذا انتفت العلاقة الثالثة فإن العلاقة الرابعة لا تنتفي لأن العلاقة الرابعة ليست متفرّعة عن العلاقة الثالثة، وإذا قلنا بأن المدلول المطابقي ليس بحجة- وكلامنا في الحجية لا في الوجود- فهذا لا يعني أن المدلول الالتزامي ليس بحجة، فالشارع يستطيع أن يتدخل في الحجية باعتبار أن الحجية حكم شرعي ويقول إن المدلول المطابقي ليس بحجة ولكن المدلول الالتزامي حجة لأننا في عالم‏

113

الجعل والتشريع، وهذا الأمر ممكن لأن كل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل لحجية الأمارة بلحاظ كاشفية الأمارة، فحجية الأمارة تؤدي إلى حجية المدلول المطابقي بشكل مستقل، وتؤدي أيضا إلى حجية المدلول الالتزامي بشكل مستقل، ولا يوجد ارتباط بين الحجيتين، فكل حجية مستقلّة عن الحجية الأخرى، وكل من الحجيتين متفرّعة عن حجية الأمارة لأن الأمارة هي الكاشفة عن المدلولين، فإذا ارتفعت حجية المدلول المطابقي فلا ترتفع حجية المدلول الالتزامي لأنها فرع حجية الأمارة لا فرع حجية المدلول المطابقي.

مثلا: إذا كان بيدك مصباح وكنت تسلّطه على محمد وعلي، فتكشف عن كل منهما بشكل مستقل عن الآخر، ولا يشترط أن تكشف عنهما معا أو لا تكشف عنهما معا، بل يمكن لك إذا لم يوجد محمد أن تكشف عن علي، وإذا لم يوجد علي أن تكشف عن محمد.

وهكذا في الأمارة فإنها تكشف عن كل مدلول بشكل مستقل عن المدلول الآخر، وبذلك تكون الحجية لكل منهما مستقلّة عن الآخر.

ويمكن القول بأن الملاك في جعل الحجية للمدلول المطابقي هو كاشفيّته عن متعلَّقه الخاص به، وهناك ملاك مستقل آخر لجعل الحجية للمدلول الالتزامي وهو كاشفيته عن متعلَّقه الخاص به، فكل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل للحجية بلحاظ كاشفية تلك الدلالة، فالدلالة المطابقية تكشف عن متعلَّقها، والدلالة الالتزامية تكشف عن متعلَّقها، وبلحاظ الكاشفية لكل منهما تكون كل دلالة موضوع مستقل للحجية.

114

مثلا: لو ورد خبر ثقة فهذا الخبر له مدلول مطابقي وله مدلول التزامي، فمن الممكن أن يقول الشارع خذ بالمدلول المطابقي ولا تأخذ بالمدلول الالتزامي، هذا الاحتمال ممكن لأن الشارع لا يُسْأل عمّا يفعل، والحجية حكم شرعي، والمولى يُشَرِّع ما يراه من أحكام لمصالح هو يعلمها، وقد تكون هذه المصالح خافية علينا.

النتيجة:

إن التفرّع في الوجود لا يستلزم التفرّع في الحجية، فالحجية ليست فرع الوجود، نعم الشارع لا يستطيع أن ينفي الوجود الثاني المتفرّع على الوجود الأول لأن الوجود أمر تكويني، فإذا وُجِدَت العلّة وُجِدَ المعلول، فالمدلول الالتزامي معلول للمدلول المطابقي، ولكن الحجية أمر شرعي، والأمور الشرعية تكون بيد الشارع، فيستطيع الشارع أن يقول إن هذا حجة وإن ذاك ليس بحجة، والحجية الثانية ليست متفرّعة على الحجية الأولى، فمن حيث الوجود لا يمكن التفكيك بين المدلولين، ولكن من حيث الحجية يمكن التفكيك بين المدلولين.

وهكذا يثبت عدم صحة الوجه الأول لإثبات التبعيّة في السقوط بين المدلولين المطابقي والالتزامي.

الوجه الثاني:

السبب الذي يؤدي إلى سقوط المدلول المطابقي عن الحجية هو نفس السبب الذي يؤدي إلى سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية، فإذا علمنا

115

بعدم ثبوت المدلول المطابقي وسقطت بذلك حجية الدلالة المطابقية فمعنى ذلك أننا نعلم بعدم ثبوت المدلول الالتزامي، وبذلك تسقط حجية الدلالة الالتزامية.

مثلا: إذا علمنا بعدم سقوط زيد فإننا نعلم بعدم كسر زيد، وإذا علمنا بعدم احتراق زيد فإننا نعلم بعدم موت زيد، وهذا معناه الارتباط والتبعيّة بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي، فإذا سقط المدلول المطابقي فإن المدلول الالتزامي يسقط في الوجود والحجية حتى لو كان المدلول الالتزامي أعم.

إن اللازم حتى لو كان لازما أعم، ولكن المقصود دائما هو اللازم الخاص لا اللازم الأعم، فعندما نقول" مات زيد" ماذا نقصد؟

نعم الموت أعم من الاحتراق لأن الموت قد يكون بالسم أو بالسيف أو بغيرهما، ولكن عندما نقول:" احترق زيد فمات"؛ فإننا نقصد الموت بالاحتراق لا الموت الأعم وهو الموت بشي‏ء آخر، نعم وإن كان ذات اللازم وواقعه أعم أحيانا ولكنه بما أنه مدلول التزامي فإنه يكون مساويا دائما للمدلول المطابقي- لا أعم منه- نتيجة ارتباطه بالمدلول المطابقي، فلا يتصوّر ثبوت المدلول الالتزامي بدون ثبوت المدلول المطابقي، والمدلول المطابقي يكشف فقط عن خصوص الحصة الملازمة له، ولا يكشف عن طبيعي اللازم، ونحن لا ننظر إلى الموت الأعم، وإنما نظرنا إلى الموت الخاص وهو الحصة الخاصة للموت، فالموت هنا يكون عن طريق الاحتراق لا عن طريق أي شي‏ء آخر، فالمخبر يخبر عن اللازم المساوي لا اللازم‏

116

الأعم، والإخبار باحتراق زيد لا يكشف أكثر من موت زيد بالاحتراق خاصة، ولا يكشف عن موت زيد بالسم، والدلالة الالتزامية تحكي دائما عن حصة خاصة وهي الحصة الناشئة والملازمة للمدلول المطابقي لا طبيعي اللازم على الإطلاق ومن أي سبب، وتلك الحصة الخاصة مساوية للمدلول المطابقي دائما.

إن الدلالة الالتزامية تكشف عن الموت الملازم للاحتراق لا مطلق الموت وواقع الموت وطبيعي الموت الذي يصدق على كل حصص الموت، والموت الملازم للاحتراق يكون مساويا للاحتراق، وهذا ما يفهمه العرف أيضا، فعندما نقول احترق فمات، فهل يفهم العرف أنه مات بالسم؟

إذا علمنا بعدم احتراق زيد فإننا نعلم بعدم موت زيد بالاحتراق، فإذا انتفى المدلول المطابقي وظهر أنه لا يوجد احتراق زيد فإنه تبعا لذلك ينتفي المدلول الالتزامي، وإذا انتفى الاحتراق انتفى الموت بالاحتراق، وإذا كنا نعلم بعدم الاحتراق فلا يمكن أن نعمل بالمدلول الالتزامي، فلا يوجد احتراق حتى نقول مات بالاحتراق، فتكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع، وهنا لا يوجد مدلول التزامي حتى نقول إننا نعمل به أو لا نعمل به، وإذا لم يوجد مدلول التزامي فمعنى ذلك أنه لا يوجد موضوع الحجية، والحجية غير موجودة لانتفاء موضوعها، فإذا كنا نعلم بعدم الاحتراق فمعنى ذلك أن المدلول المطابقي ساقط غير موجود، وإذا سقط المدلول المطابقي فإن المدلول الالتزامي يسقط أيضا، وإذا لم يوجد مدلول التزامي فلا معنى لأن نقول نعمل بالمدلول الالتزامي أو لا نعمل، فتكون‏

117

القضية سالبة بانتفاء الموضوع حيث لا يوجد موضوع القضية حتى نقول نعمل به أو لانعمل، وإذا لم يوجد مدلول التزامي فلا يوجد موضوع الحجية، والحجية غير موجودة لانتفاء موضوعها.

إن المدلول الالتزامي الأعم في الواقع يرجع إلى مدلول التزامي أخص، والمدلول الالتزامي يكون دائما مساويا للمدلول المطابقي، ولا يوجد في الكلام مدلول التزامي أعم، نعم الحصص الأخرى للموت تظل محتمَلة ولكن المخبر لم يخبر عنها، وإنما أخبر عن الموت بالاحتراق خاصة.

والمقايسة هنا لا تكون بين واقع الاحتراق وواقع الموت، وإنما تكون المقايسة بين الإخبارين: إخبار بالاحتراق وإخبار بالموت.

لذلك فإن الحالة الثانية ترجع دائما إلى الحالة الأولى، وفي الواقع توجد عندنا حالة واحدة فقط، فالمدلول الالتزامي مساوٍ دائما للمدلول المطابقي، فإذا قلنا إن المدلول الالتزامي مساوٍ للمدلول المطابقي فإننا نرجع إلى الحالة الأولى، فنفس الكلام الذي أتى في الحالة الأولى يأتي هنا أيضا، ومع تمام دعوى التساوي بين المدلولين المطابقي والالتزامي فإن ذلك معناه أن العلم بسقوط الحجية عن المدلول المطابقي معناه العلم بسقوط الحجية عن المدلول الالتزامي لنفس السبب المذكور في الحالة الأولى، وبذلك ينتج أنه كلما سقط المدلول المطابقي عن الحجية سقط المدلول الالتزامي المساوي له عن الحجية تبعا له.

ملاحظة:

ونرى هنا أن السيد الشهيد (قدس سره) لم يعلِّق على الوجه الثاني،

118

وسوف يأتي تعليقه عليه في الحلقة الثالثة، وتكملة هذا البحث وتعميقه سوف يأتي في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى، فقد يثبت لنا وجود لازم أعم، ففي هذه الحالة ماذا نفعل باللازم الأعم؟

وهنا على مستوى الحلقة الثانية عرفنا أنه لا يوجد لازم أعم، ولكن قد يثبت لنا في الحلقة الثالثة وجود اللازم الأعم، ومن الملاحظ أن السيد الشهيد (قدس سره) يطرح في الحلقة الأولى شيئا ثم يناقشه في الحلقة الثانية، ويثبت شيئا في الحلقة الثانية ويناقشه في الحلقة الثالثة، فالسيد الشهيد (قدس سره) يتدرّج في البحوث الأصولية من حلقة إلى أخرى.

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي:

اتضح سابقا الفرق بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي، ولنوضِّح الفرق بينهما باختصار.

القطع الطريقي مثاله هو قول المولى:" الخمر حرام" (1)، فإذا كان عندي قطع بأن هذا السائل خمر فقطعي طريق إلى الخمر لأن الخمر موجود سواء قطعت به أم لم أقطع به، هذا قطع بالموضوع، وهو قطع طريقي، وإذا كان عندي قطع بحرمة الخمر فهذا القطع طريق إلى حرمة الخمر، وهذا قطع بالمحمول وهو الحكم، وهو قطع طريقي، فيكون عندي‏

____________

(1) قد نطرح بعض المسائل الشرعية من باب المثال، بعض هذه المسائل التي نطرحها تكون افتراضية، وقد يكون فيها اختلاف بين الفقهاء، ودرسنا هنا ليس درسا فقهيّا لنقوم بالتحقيق حول صحة المسألة وعدم صحتها، فهنا نفترض بعض المسائل لتوضيح المطلب الأصولي، وليس بالضرورة أن تكون المسألة صحيحة أو موجودة واقعا.

119

قطع بالموضوع وقطع بالحكم، والقطع بالحرمة ينجِّز الحرمة.

وأما القطع الموضوعي فهو القطع الذي أخِذَ في موضوع الحكم، ومثاله هو قول المولى:" هذا السائل إذا قطعت بأنه خمر فهو حرام عليك"، أو" مقطوع الخمرية حرام".

فإذا قطعت فإن المحمول يترتّب على القطع، وإذا لم تقطع لم يترتّب المحمول على القطع، والقطع هنا دخيل في الموضوع وجزء منه، فالموضوع مركّب من شيئين هما (الخمرية+ القطع).

فإذا قطعت بالخمرية تحقّق الموضوع فيترتّب الحكم، وإذا لم تقطع بالخمرية فلا يتحقّق الموضوع فلا يترتّب الحكم، وهذا القطع قطع موضوعي لأنه جزء من الموضوع، وهنا إذا قطعت بحرمة مقطوع الخمرية فإن الحرمة تتنجّز، ولكن المنجِّز ليس هو القطع الموضوعي بل المنجِّز هو القطع الطريقي إلى الحرمة.

وبعد توضيح الفرق بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي نأتي إلى البحث حول" وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي" في مثل المثال التالي:

من قطع بأن هذا السائل خمر فإنه يجب عليه إراقته.

وبعبارة أخرى:

هذا السائل إذا قطع بأنه خمر يجب عليه إراقته.

أو:

من قطع بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه.

ونرى أن القطع له دخل في الموضوع.

120

ويأتي البحث ضمن النقاط التالية:

النقطة الأولى:

نعلم أن الدليل الشرعي ينقسم إلى قسمين: الدليل غير المحرز وهو الأصل العملي، والدليل المحرز الذي ينقسم إلى قسمين: دليل محرز قطعي، ودليل محرز ظني أو ما يسمى بالأمارة.

ونسأل هنا السؤال التالي:

سؤال: هل الدليل المحرز القطعي يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية؟

الجواب:

نعم، الدليل المحرز القطعي يفي ويقوم بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية تجاه ما يكشف عنه من أحكام لأن الدليل المحرز القطعي يوجِد القطع بالحكم الشرعي في نفس المكلف، والقطع حجة أي منجّز ومعذّر، والقطع الطريقي يُثْبِتُ الأحكام لموضوعاتها لأنه كاشف عن هذه الأحكام، وإذا ثبت الحكم للموضوع فإن القطع الطريقي بذلك ينجِّز ويعذِّر، فإذا قطع المكلف بالتكليف تنجَّز التكليف عليه، فالقطع بالتكليف ينجِّز التكليف، وإذا قطع بعدم التكليف فهو معذور عن الإتيان بهذا التكليف، فالقطع بعدم التكليف يعذِّر عن التكليف، فالدليل المحرز القطعي يقوم مقام القطع الطريقي من حيث المنجّزية والمعذّرية (1).

____________

(1) ذكرنا سابقا أننا ننظر من أربع حيثيات: من حيث الموضوع، ومن حيث المحمول، ومن حيث الترتّب، ومن حيث التّنجيز.

121

النقطة الثانية:

يأتي هنا السؤال التالي:

سؤال: هل الدليل المحرز القطعي يفي بما يترتّب على القطع الموضوعي من أحكام شرعية؟

الجواب:

إذا كان عندنا دليل محرز قطعي، وكان القطع مأخوذا في موضوع حكم شرعي مثل" من قطع بأن هذا السائل خمر فيحرم عليه بيعه" أو" السائل المقطوع الخمرية بيعه حرام"، فإذا حصل عنده القطع بأن صار عنده دليل قطعي على أن هذا السائل خمر فإنه يحرم عليه بيعه لأنه كلما تحقق الموضوع في الخارج تحقّق الحكم المترتّب على هذا الموضوع، والقطع يحقّق الموضوع في الخارج، وإذا لم يقطع فلا يحرم عليه بيعه لأنه إذا لم يتحقّق الموضوع في الخارج لم يتحقّق الحكم المترتّب على هذا الموضوع.

فيكون الجواب على السؤال هو نعم، يترتب على الدليل المحرز القطعي هذا الحكم الشرعي لأن هذا الحكم يترتّب على القطع الموضوعي، والدليل المحرز القطعي يفي بدور القطع الموضوعي ويقوم مقامه من حيث ترتب الأحكام الشرعية لأن هذه الأحكام يتحقّق موضوعها وجدانا حيث يجد المكلف في نفسه بنفسه تحقّق هذه الموضوعات.

إذن: الدليل المحرز القطعي يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية ومعذرية، ويفي أيضا بما يقتضيه القطع الموضوعي؛ لأن الدليل‏

122

المحرز القطعي يؤدي إلى حصول القطع عند المكلف.

النقطة الثالثة:

ونسأل سؤالا ثالثا عن الدليل المحرز الظني المعتبر الذي قام الدليل الشرعي على حجيته- كخبر الثقة- والذي يطلق عليه الأمارة:

سؤال: هل الأمارة تقوم بدور القطع الطريقي من حيث المنجزية والمعذرية؟

الجواب:

نعم، وقد مرّ سابقا أن الأمارة- كخبر الثقة- تقوم مقام القطع الطريقي، وبما أن القطع الطريقي كاشف عن الحكم، ولكنه كاشف تام، كذلك الأمارة أو الدليل الظني المعتبر الذي قام الدليل القطعي على حجيته كاشف عن الحكم ولكنه كاشف ناقص، ونحن نظرنا إلى الكشف سواء كان كشفا تاما أم كشفا ناقصا، وليس نظرنا إلى الكاشفية التامة فقط، والشارع أعطى الكاشف الناقص الحجية أي تمَّم له الكاشفية ونَزَّله منزلة الكاشف التام، ومعنى ذلك أنك تستطيع أن تأخذ بهذا الكاشف الناقص وتعتبره مثل الكاشف التام، وتستطيع أن تتعامل مع الأمارة معاملة القطع، فهي مشابهة للقطع من حيث الكاشفية، فيمكن الأخذ بالدليل الظني المعتبر الذي يسمى بالأمارة من حيث إنه يقوم مقام القطع الطريقي، وهذا هو القدر المتيقّن من دليل حجية الأمارة من أنه يقوم مقام القطع الطريقي من حيث المنجزية والمعذرية، ولا يدل على أنها تقوم مقام القطع الموضوعي كما سيأتي في النقطة الرابعة.

مثلا: إذا دل خبر الثقة على التكليف كحرمة أكل سرطان البحر

123

فإن هذه الحرمة تتنجَّز على المكلف، وإذا دل خبر الثقة على نفي التكليف كعدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة الكبرى فإن المكلف يكون معذورا عن امتثال هذا التكليف.

وبعبارة أخرى:

في مثل" الخمر حرام":

أ- القطع بحرمة الخمر قطع طريقي إلى حرمة الخمر، والقطع له الكاشفية التامة، فيكون القطع حجة أي منجِّزا ومعذِّرا، وهنا تقطع بحرمة الخمر فتتنجّز الحرمة.

ب- الأمارة- أي الظن المعتبر- بحرمة الخمر طريق أيضا إلى حرمة الخمر لأن الظن له الكاشفية ولكن كاشفيته ناقصة، فتكون الأمارة حجة أي منجِّزة ومعذِّرة، وهنا تظن ظنّا معتبرا بحرمة الخمر فتتنجّز الحرمة.

إذن: الأمارة الحجة تقوم بدور القطع الطريقي من حيث المنجزية والمعذرية لأنها كاشفة عن الحكم الواقعي وإن كان الكشف كشفا ناقصا، ولكن الشارع أعطاه الحجية، فإذا كان عندك أمارة فعندك ظن بالتكليف، وإذا كان عندك ظن بالتكليف فإن هذا الظن المعتبر منجِّز للتكليف، وإذا كان عندك ظن بعدم التكليف فأنت معذور عن الامتثال ببركة هذا الظن، فالأمارة الدالة على ثبوت التكليف تكون منجِّزة، والأمارة الدالة على نفي التكليف تكون معذِّرة.

ويضيف السيد الشهيد (قدس سره) هنا أن الأمارة الحجة إذا دلّت على‏

124

ثبوت التكليف أكَّدت منجزيته، وإذا دلّت على نفي التكليف كانت معذِّرا عنه ورفعت أصالة الاشتغال كما لو حصل القطع الطريقي بنفي التكليف كما تقدم توضيحه في الحالات الأربع التي ذكرها السيد الشهيد بناء على مسلك حق الطاعة.

السيد الشهيد هنا يتحدث بناء على مسلك حق الطاعة، والأصل العملي الأولي بناء على هذا المسلك هو أصالة الاشتغال أو الاحتياط العقلي، فأي احتمال للتكليف يكون منجِّزا لهذا التكليف، فإذا أتى دليل شرعي على ثبوت التكليف فإن المنجزية تتأكّد لأن التكليف كان منجَّزا في رتبة سابقة وجاء الدليل الشرعي على ثبوت التكليف، فالتنجيز السابق يتأكّد لأنه كان بحكم العقل وأتى الشرع بتأييد الحكم العقلي، فالشرع أيَّد العقل فتأكّدت المنجزية.

وأما إذا أتى دليل شرعي على نفي التكليف فإن موضوع أصالة الاشتغال العقلي يرتفع لأن موضوعه هو الشك في التكليف واحتمال التكليف، ومع وجود الدليل الشرعي على نفي التكليف لا يوجد شك في التكليف ولا احتمال التكليف لأنه يوجد قطع بعدم التكليف، ويكون الدليل الشرعي معذِّرا عن الإتيان بهذا التكليف، فيرتفع موضوع أصالة الاشتغال إما حقيقة إذا كان الدليل الشرعي قطعيا وإما تعبّدا إذا كان الدليل الشرعي ظنيا، وبذلك يرتفع الاشتغال العقلي لأن الأصول العملية تأتي في المرتبة الثانية، وذلك بعد فقدان الدليل المحرز القطعي والدليل المحرز الظني.

125

النقطة الرابعة:

ونسأل سؤالا رابعا عن الدليل المحرز الظني المعتبر:

سؤال: هل الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي بحيث يترتّب الحكم عليها؟

الجواب:

مثال:

من قطع بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه، أو السائل المقطوع الخمرية يحرم بيعه.

من قطع بأن هذا السائل خمر تجب عليه إراقته، أو السائل المقطوع الخمرية تجب إراقته.

وهنا نبحث في الدليل القطعي والدليل الظني المعتبر:

1- الدليل القطعي:

الدليل القطعي يقوم مقام القطع الموضوعي ويترتّب عليه الحكم لأن القطع جزء من الموضوع، فإذا صار عنده دليل قطعي على أن هذا السائل خمر فإن الحكم يترتّب، والقطع الموضوعي يُرَتِّب الحكم، وقد مرّ قبل قليل من أن الدليل القطعي يفي بما يقتضيه القطع الموضوعي من ترتّب الأحكام.

2- الدليل الظني المعتبر:

هل الأمارة تُرَتِّب الحكم أو لا؟

أي هل الدليل الظني الحجة يقوم مقام القطع الموضوعي أو لا؟

مثلا: إذا أخبرنا الثقة بأن هذا السائل خمر ولم يحصل القطع بذلك‏

126

فهل تترتّب حرمة بيعه على هذه الأمارة كما تترتّب على القطع أو لا تترتّب؟ وهل يترتب وجوب إراقته عليها كما يترتّب على القطع أو لا يترتّب؟

هذا الأمر فيه خلاف بين الأصوليين، ومنشأ الخلاف هو الاختلاف في تحديد معنى القطع المأخوذ في موضوع الحكم، وهنا يوجد للقطع حالتان على أساسهما يتحدّد ما إذا كانت الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي أو لا تقوم مقامه.

وهاتان الحالتان هما:

الحالة الأولى: إذا كان المراد من القطع هو الكاشفية:

إذا فهمنا (1) من الدّليل الدالّ على وجوب إراقة مقطوع الخمرية أو الدّليل الدّال على حرمة بيع مقطوع الخمرية أن المراد من المقطوع في هذا الدليل ما قامت حجة منجّزة على خمريته والمراد من القطع المأخوذ في‏

____________

(1) لا بدّ من وجود قرينة في الدليل تدل على ما يُفْهَم، وليست القضية مزاجيّة حسب المشتهى والرغبة وهوى النفس، فقد يأتي شخص ويلعب بالأدلة الشرعية حسب مشتهاه ويقول أنا أفهم من الدليل هذا الفهم، الدين بهذا الشكل يكون لعبا، إن الشخص مسؤول عن فهمه أمام الله عز وجل، فهو بينه وبين الله يعتقد اعتقادا جازما أن هذا الفهم هو الحق وأنه حجة عليه، وبعد ذلك يقول أنا أفهم هذا الفهم، وقبل ذلك لا بدّ أن يكون ممن له الحق أن يفهم ويطرح فهمه باسم الدين، فلا بدّ أن يكون قد وصل إلى درجة الاجتهاد حتى يطرح فهمه على أساس أنه من الدين، فليس كل فهم لأحد يكون حجة على غيره، نعم فهم المجتهد الجامع للشرائط يكون حجة، وأما غيره فلا.

127

لسان الدليل هو الحجة والكاشف ففي هذه الحالة تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي لأن الأمارة حجة وكاشفة أيضا، وفي هذه الحالة يكون القطع من باب المثال بذكر أبرز مصاديق الكشف وليس للقطع خصوصية، ويسمى القطع هنا بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقية.

ويكون المعنى أن" من كان عنده كشف بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه"، ويكون هدف الشارع هو أن" من انكشف له بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه"، والقطع هنا مثال للكشف، فنحتاج إلى الكشف فقط، والقطع كاشف، والظن كاشف أيضا، فيكون الظن مثالا آخر للكشف، وهنا تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي لأنها كاشفة، فيكون نظرنا إلى أن هدف الشارع مِنْ عبارة" مَنْ قطع" هو" مَن انكشف له" أو" من كان عنده كشف"، فيكون قصد الشارع من القطع هو الكشف، ويكون القطع من باب المثال فقط وليس المقصود هو نفس القطع بما هو قطع، وإنما المقصود هو القطع بما هو كاشف.

وهذه الطريقة نستعملها في محاوراتنا العرفية أيضا، أحيانا قد نذكر شيئا عن شخص، ولكن ليس قصدنا فلانا بعينه بل نقصد صفة معيَّنة فيه، مثلا عندما نقول:" محمد يستطيع أن يصل إلى الرّفّ الأعلى"، وهنا ليس قصدنا محمدا بعينه بل نقصد" من يكون طويلا يستطيع الوصول إلى الرّفّ الأعلى"، فإذا كان علي طويلا أيضا فإنه يستطيع الوصول أيضا إلى الرّفّ الأعلى، ولا نقصد محمدا بعينه، وإنما نقصد الصفة المعيَّنة في محمد وهي الطول، وهذه الصفة تنطبق على علي‏

128

أيضا، ولا بدّ من وجود قرينة تدلّ على هذا الفهم أو ذاك، والقرينة قد تكون لفظيّة مقاليّة وقد تكون حاليّة مقاميّة، فإذا قال لك شخص:" محمد الطويل استعن به لجلب الكتاب من الرّفّ العلوي"، فهل تفهم أنه يريد خصوص محمد أو أنه يريد أي شخص طويل ويكون محمد مصداقا للشخص الطويل؟

وفي مقامنا أيضا ليس المقصود هو القطع فقط، وإنما نقصد صفة القطع وهي الكاشفية، فالقصد هو" من يكون عنده كشف"، فالقطع مثال للكشف، والظن أيضا فيه هذه الصفة وهي الكشف، فيكون الظن مثالا آخر ومصداقا آخر للكشف، وفي هذه الحالة يقوم الظن المعتبر مقام القطع الموضوعي، فالمثال يشمل أيضا" من ظنّ ظنّا معتبرا بأن هذا السائل خمر فيحرم عليه بيعه"، فيدخل الظن في المثال السابق لأن الظن كاشف، وبطبيعة الحال لا بدّ أن نفهم من الدليل أن المقصود ليس هو القطع بعينه بل المقصود هو الكشف، فالحجية هل تكون للقطع بما هو قطع أو للكشف الشامل للقطع والظن المعتبر؟

إذا فهمنا من الدليل أن القطع يُنْظَر إليه بما هو كاشف لا بما هو قطع فيكون الظن منجِّزا ومعذِّرا أي يقوم مقام القطع الطريقي، ويقوم أيضا مقام القطع الموضوعي في ترتّب الأحكام، فيترتّب على الأمارة وجوب الإراقة لأن الأمارة تحقق موضوع وجوب الإراقة، والموضوع هو الحجة، فالأمارة حجة كما أن القطع حجة.

ونرى هنا أنه يوجد قطع موضوعي وظن موضوعي، ونعتبر الظن‏

129

الموضوعي كالقطع الموضوعي في ترتّب الحكم، في هذه الحالة يقال بأن دليل حجية الأمارة وارد على دليل وجوب إراقة مقطوع الخمرية، وسيأتي معنى الورود في مباحث تعارض الأدلة.

الحالة الثانية: إذا كان المراد من القطع هو الكاشفيّة التّامّة:

إذا فهمنا من الدليل الدال على وجوب إراقة مقطوع الخمرية أو الدليل الدال على حرمة بيع مقطوع الخمرية أن المراد من القطع المأخوذ في لسان الدليل هو الكاشف التام، فيكون الحكم مقيَّدا بالقطع بوصفه كاشفا تاما لا يشوبه شك، ويسمى القطع هنا بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية، في هذه الحالة لا تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي في ترتب الأحكام عليها لأن الأمارة ليست كاشفا تاما وإن كانت الأمارة حجة ومنجِّزة لمؤدّاها بجعل الشارع- ومؤدّى الأمارة هو ما تحكي عنه الأمارة وهو الحكم الشرعي-، فلا يصح أن نقول" إن من ظن ظنا معتبرا بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه" أو" تجب عليه إراقته" لأن حرمة بيع الخمر المقطوع به أو وجوب إراقة الخمر المقطوع به مترتبان على مقطوع الخمرية لا على مظنون الخمرية.

وإذا لم نفهم من نفس دليل الوجوب بأن الظن المعتبر يكون مثل القطع، ولكن كان عندنا دليل حجية الأمارة أو دليل آخر نستفيد منه أن الشارع أعمل عناية ويريد منّا أن نتعامل مع الظن المعتبر معاملة القطع تعبّدا وأن نُنَزِّل الأمارة الحجة مَنْزِلَة القطع تعبّدا ففي هذه الحالة نستطيع أن نعتبر الظن كالقطع، ويكون الشارع قد نَزَّل الأمارة منزلة الكاشف‏

130

التام في أحكامه الشرعية، فنستطيع أن نقول إن" من ظن ظنا معتبرا بأن هذا السائل خمر فيحرم عليه بيعه"، ومع دليل حجية الأمارة أو الدليل الآخر تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي في ترتّب الأحكام عليها، وفي هذه الحالة يقال إن دليل حجية الأمارة أو الدليل الآخر حاكم على دليل وجوب إراقة مقطوع الخمرية، وسيأتي بيان معنى الحكومة في مباحث تعارض الأدلة.

وهنا يوجد عندنا مصداقان للقطع، مصداق حقيقي وهو القطع الحقيقي، ومصداق آخر وهو القطع الادِّعَائِي التَنْزيلي وهو الأمارة لأننا نُنَزِّل الظن منزلة القطع، فنتعامل مع الأمارة كأنها قطع.

ويمكن تقريب الصورة بأخذ مثال الأسد حيث يوجد مصداقان للأسد: مصداق حقيقي وهو الحيوان المفترس، ومصداق ادعائي وهو الرجل الشجاع، فنُنَزِّل الرجل الشجاع منزلة الأسد، فنقول تعامل مع الرجل الشجاع كأنه أسد، وتعامل مع الأمارة كأنها قطع، وهذا يسمى بالمجاز العقلي، وهي نظريّة لأحد علماء البلاغة، وهو السَّكَّاكي.

وهذا التَّنْزيل بحاجة إلى عناية من الشارع وقرينة في دليل حجية الأمارة أو في الدليل الآخر، ومثل دليل حجية الأمارة يُفْهَم منه كون الأمارة صالحة للتّنجيز والتّعذير، ولا يُفْهَم منه أكثر من ذلك، فلا يفهم منه أن الأمارة صالحة للقيام مقام القطع الموضوعي، فنحتاج لإثبات أن الأمارة مُنَزَّلَة منزلة العلم إلى قرينة في دليل آخر غير دليل حجية الأمارة، وإذا فهمنا من الدليل الآخر هذا الفهم فإن الأمارة تندرج تحت‏

131

الحالة الثانية- أي حالة ما إذا كان المراد من القطع الكاشفية التامة- لا تحت الحالة الأولى- أي حالة ما إذا كان المراد من القطع الكاشفية-، فالأمارة بحد ذاتها لا تقوم مقام القطع الموضوعي، وإنما لا بدّ أن يوجد دليل على أنها منزّلة منزلة القطع وتُعامَل معاملة الكاشف التام، فتندرج بذلك تحت الحالة الثانية، فكأن القطع له فردان: فرد حقيقي وهو القطع، وفرد ادّعائي تنزيلي وهو الأمارة لأن الظن المعتبر نزّله الشارع منزلة القطع.

وكمثال على وجود العناية من الشارع والقرينة الدالة على التَّنْزيل عرفا تنزيل الشارع الطواف حول البيت الحرام منزلة الصلاة.

روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:" الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (1).

هذه الرواية يستفاد منها التّنزيل عرفا، أي نَزِّلِ الطواف بالبيت الحرام منزلة الصلاة، فإذا كان بمنزلة الصلاة فإن ما يشترط في الصلاة من أحكام تشترط في الطواف حول الكعبة أيضا، فمثلا تشترط الطهارة أثناء الطواف مع أنه في السعي لا يشترط هذا الشرط لأنه لا توجد رواية تقول:" السعي بين الصفا والمروة صلاة".

وهذه العناية الإضافية بتنزيل الطواف منزلة الصلاة لا يستبطنها مجرّد جعل الحجية للأمارة لأننا نعلم أن الأمارة كاشف ناقص، فلا

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 9 ص 410 باب 38 من أبواب الطواف ح 2، سنن النسائي ج 5 ص 222، سنن الدارمي ج 2 ص 44.

132

تأخذ مكان القطع الذي هو كاشف تام، فدليل حجية الأمارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفي لإقامة الأمارة مقام القطع الموضوعي‏ (1).

النتيجة:

القاعدة أن الأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي إلا في حالتين:

1- إذا فهمنا من نفس دليل الوجوب أو الحرمة أن القطع من باب المثال للكاشفية، فتكون الأمارة مثالا آخر للكاشفية، فتقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي.

2- إذا فهمنا من دليل حجية الأمارة أو من دليل آخر أن الشارع نزَّل الأمارة منزلة القطع، فتكون الأمارة مصداقا تنزيليّا ادّعائيّا للقطع، فتقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي.

ملاحظة من علم البلاغة:

الأسد يدل على الحيوان المفترس حقيقة، ويدل على الرجل الشجاع مجازا، ولكن توجد نظرية لعالم من علماء البلاغة وهو" السَّكَّاكي"، يقول إننا نعتبر الرجل الشجاع فردا من أفراد الأسد ولكنه فرد ادّعائيّ‏

____________

(1) لم يتعرّض السيد الشهيد (قدس سره) للأصول العملية وهل تقوم مقام القطع الموضوعي أو لا، ففي المثال السابق" من قطع بأن هذا السائل خمر يحرم عليه بيعه"، لو كنا على يقين سابق بأن هذا السائل خمر وشككنا الآن فإن الاستصحاب يجري ونبني على أنه خمر، وبالتالي يحرم بيعه، فهل الاستصحاب يكفي في تحقيق موضوع الحرمة أو لا يكفي؟

إذا قلنا يكفي فإن الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي، وإذا قلنا لا يكفي فإن الاستصحاب لا يقوم مقام القطع الموضوعي.

133

تنزيليّ، فالأسد له فردان: فرد حقيقي وهو الحيوان المفترس، وله فرد ادّعائيّ تنزيليّ وهو الرجل الشجاع، فننزِّل الرجل الشجاع منزلة الحيوان المفترس.

وفي مقامنا يوجد للقطع فردان: الفرد الأول هو القطع بما هو قطع، والفرد الثاني هو فرد ادّعائيّ تنزيليّ وهو الظن المعتبر أو الأمارة، وقد استفاد السيد الشهيد (قدس سره) من هذه النظرية، فإذا اعتبر الشارع الظن المعتبر فردا ادّعائيّا للقطع أي نزَّله منزلة القطع كما ننزِّل الرجل الشجاع منزلة الأسد، فنعتبره فردا من الأسد، هنا نعتبر الظن مصداقا للقطع، ولكنه مصداق ادّعائيّ، فيوجد أسد حقيقي وأسد تنزيليّ ادّعائيّ، ويوجد قطع حقيقي وقطع ادّعائي وهو الأمارة.

إثبات الدليل لجواز الإسناد

البحث هنا بحث تطبيقي للقطع الموضوعي، ومعنى جواز الإسناد هو جواز إضافة ونسبة الحكم إلى الله تعالى، وقد قلنا سابقا إنه يوجد للقطع آثار مختلفة، من آثاره المنجزية والمعذرية، ومن آثاره أيضا جواز إسناد المقطوع به إلى الشارع.

توجد مسألة شرعية تقول إنه لا يجوز للشخص أن يقول إن هذا الحكم من الله تعالى إلا بدليل قطعي، وهذا هو القدر المتيقَّن من جواز الإسناد كما مرّ سابقا، فلا يجوز إسناد حكم إلى الشارع بدون علم وقطع، فإذا قطع بأن الحكم من الله تعالى يستطيع أن يقول إن هذا

134

الحكم من الله عز وجل، ولا يجوز أن يقول إن هذا حلال أو ذاك حرام بغير علم، فإذا قطع الشخص بحرمة أكل لحم الخنزير فإنه يستطيع أن ينسب ذلك إلى الشارع ويقول إن الشارع جعل الحرمة لأكل لحم الخنزير، وقلنا إن القطع جزء في موضوع جواز الإسناد، والقطع في جواز الإسناد إلى الشارع قطع موضوعي لا قطع طريقي لأنه أخذ جزءا في الموضوع.

يقول تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ قَلِيلٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (1).

مثال:

(وجوب الصلاة) يجوز إسناده إلى الشارع.

الموضوع: وجوب الصلاة.

المحمول: يجوز إسناده إلى الشارع.

وفي جواز الإسناد إلى الشارع توجد حالتان:

الحالة الأولى: الدليل القطعي:

نطرح السؤال التالي:

إذا كان عندنا دليل قطعي على الحكم فهل يجوز أن نسند الحكم الناتج من الدليل القطعي إلى الله تعالى؟

____________

(1) النحل: 117 116.

135

الجواب:

نعم، عندنا قطع بالحكم، ويجوز إسناد أي حكم مقطوع به إلى الله تعالى، فإذا قام على الحكم دليل قطعي فلا شك في جواز إسناده إلى الشارع لأنه إسناد بعلم، فيجوز إسناد مؤدّى الدليل القطعي إلى الشارع، والمؤدّى هو الحكم، فإذا قطعت بحرمة شرب الخمر فإنه يجوز إسناد حرمة شرب الخمر إلى الشارع، وإذا قطعت بوجوب الصلاة فإنه يجوز إسناد وجوب الصلاة إلى الشارع، فتقول إن الشارع جعل حكمين هما حرمة الخمر ووجوب الصلاة، والعلم بحرمة شرب الخمر قطع طريقي بالنسبة إلى حرمة شرب الخمر، وقطع موضوعي بالنسبة إلى جواز الإسناد، وجواز الإسناد حكم، وموضوعه القطع بالحرمة بشرب الخمر، والقطع الواحد يمكن أن يكون قطعا طريقيا من جهة، وقطعا موضوعيا من جهة أخرى.

الحالة الثانية: الأمارة:

أعطى الشارع الحجية للأمارة وأمر باتباعها، ولدينا دليل قطعي على حجيتها، فيوجد هنا شيئان: حجية الأمارة، ومؤدّى الأمارة وهو الحكم الناتج من الأمارة.

فنسأل سؤالين:

السؤال الأول هو عن حجية الأمارة- كحجية خبر الثقة-، والسؤال الثاني هو عن الحكم الناتج من الأمارة- وهو مؤدّى خبر الثقة-، والسؤالان هما:

136

السؤال الأول: هل يجوز أن نسند حجية الأمارة إلى الشارع؟

الجواب:

معنى أن هذه الأمارة حجة هو أنه يوجد عندنا دليل قطعي على حجية الأمارة، مثلا عندما نقول إن خبر الثقة حجة فمعنى حجيته أنه يوجد عندنا دليل قطعي على حجيته، ولا تثبت حجية الأمارة بدليل ظني لأنه بذلك يلزم الدور حيث تثبت حجية الدليل الظني بواسطة الدليل الظني، فنحتاج إلى أدلة قطعية على حجية الأدلة الظنية، فحجية الأمارة والحكم الظاهري‏ (1)- كالحكم الظاهري بوجوب تصديق خبر الثقة والعمل على طبقه- قام عليها دليل قطعي فهل يجوز أن نسند حجية الأمارة إلى الشارع؟

نعم يجوز أن تسند حجية الأمارة إلى الشارع لأنه يوجد عندنا دليل قطعي على هذه الحجية، فيجوز أن تقول إن الشارع جعل خبر الثقة حجة أو تقول إن الشارع جعل الحجية لخبر الثقة لأن هذه الحجية مقطوع بها إذ دلّ الدليل القطعي على حجية هذا الدليل الظني، وحجية خبر الثقة حكم شرعي، ولكنه حكم ظاهري، ويجوز أن تنسبها إلى الشارع، ومعنى‏

____________

(1) الحكم الظاهري عطف تفسير على الحجية، فحجية الأمارة هي الحكم الظاهري، وتسمية الحجية بالحكم الظاهري تسمية للشي‏ء باسم مُسَبَّبِهِ ونتيجته ومعلوله لأن الحجية سبب للحكم الظاهري الذي يُسْتَنْبَط من الدليل الظني، وهذا كما نسمي رضا الله بثواب الله كما في رواية بما معناها أن رضا الله هو ثواب الله لأن رضا الله سبب لثواب الله تعالى، وكذلك يمكن أن نسمي الشي‏ء باسم علّته وسببه، مثلا نستطيع أن نقول إن رضا الله هو طاعة الله لأن طاعة الله سبب لرضا الله عز وجل.

137

حجية خبر الثقة هو أنه يجوز أن نتعبّد بخبر الثقة وأن خبر الثقة منجِّز ومعذِّر، فإذا دلّ خبر الثقة على التكليف كان هذا التكليف منجَّزا، وإذا دلّ على عدم التكليف كان المكلّف معذورا عن الإتيان بهذا التكليف.

السؤال الثاني: هل يجوز أن نسند الحكم الناتج من الأمارة- أي مؤدّى الأمارة- إلى الشارع؟

الجواب:

المقصود هنا هو إسناد الحكم المنكشِف بالدليل الظني إلى الشارع أي الحكم الذي كشفت عنه الأمارة، فإذا أتى خبر الثقة بحكم فقال مثلا:" أكل لحم الأرنب حرام"، وخبر الثقة دليل ظني حجة ومعتبر يثبت لنا أن أكل لحم الأرنب حرام، فهل يجوز لنا أن نسند حرمة أكل لحم الأرنب- وهو مؤدّى الأمارة- إلى الشارع أو لا فنقول إن الشارع جعل لحم الأرنب حراما؟

إن ما يعطيه الدليل الظني يكون ظنا لأن هذا الحكم قد يكون مطابقا للواقع وقد لا يكون مطابقا للواقع، فعندنا ظنية حرمة لحم الأرنب ولا يوجد عندنا يقين بهذه الحرمة، نعم خبر الثقة حجة لأنه يوجد دليل قطعي على حجيته، ولكن ما يؤدي إليه الدليل الظني هو أمر ظني، فهل هذا الأمر الظني يجوز لنا أن ننسبه إلى الشارع فنقول إن الشارع جعل الحرمة للحم الأرنب أو لا يجوز؟

ويكون السؤال على النحو التالي:

الدليل الظني يعطينا حكما ظاهريا، وهذا الحكم الظاهري حجة، وهذه‏

138

الحجية يجوز أن نسندها إلى الشارع، ولكن هل يمكن أن نسند الحكم الواقعي المجهول لنا والموجود في اللوح المحفوظ والذي أردنا أن نكشفه عن طريق الدليل الظني إلى الشارع والمقصود هو الحكم الواقعي المظنون الذي تحكي عنه الأمارة وتدل عليه الأمارة دلالة ظنية لأن الأمارة كاشفة عن الواقع؟

الجواب:

يوجد هنا جوابان:

الجواب الأول:

قد يقال إن هذا الحكم الواقعي‏ (1) المظنون الذي تحكي عنه الأمارة ( (2) مجهول غير مقطوع به فكيف نسند شيئا غير معلوم إلى الشارع؟

____________

(1) المفروض أننا هنا نحن لا نتكلم عن الحكم الواقعي لأن الأمارة تعطينا مؤدى الأمارة وهو حكم ظاهري، فكيف يكون السؤال عن جواز إسناد الحكم الواقعي إلى الشارع عند الحديث عن الأمارة؟

نعم لو كان الحديث عن القطع لسألنا عن الحكم الواقعي لأن القطع يكشف عن الحكم الواقعي كشفا تاما، والحكم الواقعي الموجود في اللوح المحفوظ يجوز حتما إسناده إلى الشارع سواء كان البحث في القطع أم في الأمارة وإن كان الحكم الواقعي مجهولا لنا ولم ينكشف لنا الغطاء كما كان مكشوفا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

(2) يقول السيد الشهيد (قدس سره):" وأما الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الأمارة فقد يقال إن إسناده غير جائز..."، إن مؤدّى الأمارة هو حكم ظاهري لا حكم واقعي وإن كانت الأمارة حاكية وكاشفة عن الحكم الواقعي، فالسؤال عن إسناد الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الأمارة يمكن أن يؤخذ على احتمالين:

1- نفس الحكم الواقعي الموجود في اللوح المحفوظ، وهذا بلا شك ينسب إلى الشارع سواء علمنا به أم لم نعلم به، فإذا كان عندنا دليل قطعي علمنا به، وإذا كان عندنا أمارة أو أصل عملي لم نعلم به.

2- الحكم الظاهري الناتج من الأمارة، والسؤال بجواز الإسناد لا بد أن يكون متعلّقا بالحكم الظاهري لا بالحكم الواقعي لأن الحكم الواقعي مجهول لنا، فالسؤال لا بد أن يكون كما يلي:

هل يجوز إسناد الحكم الظاهري الناتج من الأمارة إلى الشارع أو لا يجوز؟

ولا بدّ أن ينصب النقاش على إجابة هذا السؤال لا على إسناد الحكم الواقعي إلى الشارع لأن الحكم الواقعي بلا شك تجوز نسبته إلى الشارع حتى لو كان غير معلوم لنا.

والسيد الشهيد في قوله:" فقد يقال"؛ كان ردّه بلحاظ الحكم الواقعي في اللوح المحفوظ أنه غير معلوم، وفي قوله:" وقد يقال"؛ كان ردّه بلحاظ الحكم الظاهري دون النظر إلى الحكم الواقعي، فهنا نقول إن الحكم الظاهري الناتج من الدليل الظني هل تجوز نسبتها إلى الشارع أو لا؟

المسألة الشرعية تقول إن ما تقطع أنه حكم لله يجوز إسناده إلى الشارع، فإذا قلنا إن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي فتكون المسألة أن ما تظن ظنا معتبرا أنه حكم لله يجوز أن تسنده إلى الشارع، ونرى هنا أن اللحاظين في الردين مختلفان، فاللحاظ في الرد الأول كان إلى الحكم الواقعي في اللوح المحفوظ، واللحاظ في الرد الثاني كان إلى الحكم الظاهري الناتج من الأمارة، والرد الثاني هو المطلوب في المقام.

139

نعلم أنه لا يمكن أن نسند شيئا غير معلوم إلى الشارع، لو كان معلوما لنا لما أتينا بالحكم الظاهري، فطالما أنه مجهول لنا فلا نستطيع أن نسنده إلى الشارع، نعم نستطيع أن نسند الحكم الواقعي الحقيقي الموجود في اللوح المحفوظ إلى الشارع ولكنه مجهول لنا، ولا نستطيع أن‏

140

نقول بأن الحكم لهذا الشي‏ء المعيَّن في اللوح المحفوظ هو وجوب أو حرمة أو استحباب أو كراهة أو إباحة، وطالما أن الحكم الواقعي مجهول فلا يمكن إسناده إلى الشارع، فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع لأنه يشترط في إسناد الحكم إلى الشارع أن يكون حكما مقطوعا به، ونحن لا نعلم بالحكم حتى نسنده إلى الشارع.

بعبارة أخرى:

إن الإسناد غير جائز من جهة أن هذا الحكم ليس معلوما قطعا، نعم هذا الحكم عندما نقول إنه حجة فمعنى ذلك أنه من ناحية عملية نبني على حرمة لحم الأرنب، فلا نأكل لحم الأرنب، وهذا هو معنى المنجزية والمعذرية للأمارة، ولكن أن ننسب هذا الحكم إلى الشارع فلا يجوز، فهذا الحكم يعطينا الناحية العملية في التعامل مع لحم الأرنب، وهذا الدليل الظني يعطينا ظنا، نعم من حيث العمل نأخذ بهذا الظن، ولكن من حيث نسبة هذا الحكم إلى الشارع نتوقّف، فلا يجوز أن ننسب هذا الظن إلى الشارع لأنه يجوز أن نسند الحكم إلى الشارع إذا كان هذا الحكم مقطوعا به عن طريق العلم واليقين، وأما الحكم غير المقطوع به فلا يجوز إسناده إلى الشارع، ومجرد جعل الحجية للأمارة لا يبرّر الإسناد بدون علم، وإنما يجعلها منجّزة ومعذّرة من الوجهة العملية فقط لأن الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي في التنجيز والتعذير لأنها كاشفة عن الحكم ولكن كشفا ناقصا، فتعطينا الناحية العملية ولا تعطينا الحكم الواقعي بخلاف القطع الذي يعطينا حكما واقعيا.

141

الجواب الثاني:

وقد يقال إن هذا البحث مرتبط بالبحث السابق، فالقطع أخِذَ موضوعا لجواز إسناد الحكم إلى المولى حيث نقول إن الحكم المقطوع به يجوز إسناده إلى الشارع، فنأتي إلى البحث السابق وهو: هل الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي أو لا تقوم؟

نحن فرغنا من أن الأمارة تقوم مقام القطع الطريقي لأن الأمارة لها الكاشفية، وأما في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي فيأتي البحث السابق بنفس التفاصيل، فيكون الجواب كما يلي:

1- إذا قلنا بأن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي، وذلك في حالتين:

الحالة الأولى:

إذا كان القطع من باب المثال على الدليل الكاشف أو الدليل الحجة وكان المقصود من القطع ليس القطع بما هو قطع بل بما هو كاشف أو بما هو حجة، فيكون شاملا للأمارة أيضا لأن الأمارة كاشفة وحجة كما أن القطع كاشف وحجة (1).

____________

(1) لم يذكر السيد الشهيد مسألة إسناد الحكم إلى الشارع إذا كان الحكم الشرعي ناتجا من الأصول العملية، فإذا قلنا بوجود حكم ناتج من الاستصحاب فهل يجوز إسناد الحكم إلى الشارع أو لا؟

الجواب: هنا نبحث أولا في أنه هل يجوز إسناد حجية الاستصحاب إلى الشارع أو لا يجوز؟

والجواب أنه يجوز إسناد حجية الأصل العملي إلى الشارع لأنه يوجد دليل قطعي على حجية الاستصحاب.

والبحث الثاني يأتي في جواز إسناد الحكم الناتج من الاستصحاب إلى الشارع، وهنا يأتي نفس التفصيل السابق من أنه ما هو المقصود من القطع، فهل المقصود من القطع القطع بما هو كاشف تام أو بما هو حجة؟

أ- إذا قلنا إن المقصود من القطع هو الكاشف التام فلا يجوز إسناد الحكم الناتج من الأصول العملية إلى الشارع إلا إذا قلنا بأن الشارع نزّل الأصل العملي منزلة العلم.

ب- إذا قلنا إن المراد من القطع هو الحجة فيجوز أن نسند الحكم الناتج من الأصل العملي إلى الشارع.

ويأتي الكلام في مباحث الأصول العملية.

142

الحالة الثانية:

إذا استفيد من دليل الحجية أو من دليل آخر أن الشارع أعمل عناية إضافية ونَزَّل الأمارة منْزلة القطع والكاشف التام تعبّدا، مثلا عندما جعل خبر الثقة حجة جعله علما ونزَّله منزلة العلم- كما نزّل الطواف بالكعبة منزلة الصلاة- رتَّب عليه كل الآثار التي تترتَّب على العلم تعبّدا كما هو مبنى الميرزا النائيني (قدس سره).

نعم في هاتين الحالتين تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي فيجوز إسناد هذا الحكم الواقعي المظنون- أي مؤدّى الأمارة- إلى الشارع، فيجوز أن ننسب الحكم الناتج من الأمارة إلى الشارع، فإذا ظننت ظنا معتبرا بالحكم الشرعي فإنه يجوز لك إسناد هذا الحكم المظنون به إلى الشارع كما أن من قطع بالحكم الشرعي يجوز له إسناد هذا الحكم‏

143

المقطوع به- وهو الحكم الواقعي- إلى الشارع؛ لأن الشارع هو الذي قال بجواز الأخذ بهذا الظن، فنحن اعتمدنا على هذا الظن وكشف لنا هذا الحكم، فهذا الحكم الذي أتى من هذا الظن يجوز إسناده إلى الله تعالى، فيجوز أن ننسب حرمة لحم الأرنب إلى الشارع.

2- إذا قلنا بأن الأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي، وذلك في حالتين:

الحالة الأولى:

إذا لم يكن القطع من باب المثال، بل كان المقصود من القطع القطع بما هو قطع وكاشف تام لا بما هو كاشف مطلقا أو حجة مطلقا.

الحالة الثانية:

إذا لم يكن عندنا دليل آخر يدل على أن الشارع أعمل عناية إضافية ونَزَّل الأمارة منزلة القطع والعلم.

في هاتين الحالتين لا يجوز إسناد الحكم الواقعي المظنون- أي مؤدّى الأمارة- إلى الشارع لأنه إسناد بغير علم وقطع، ولا يكفي كون الأمارة حجة في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي لأن الأمارة ليست كاشفا تاما كالقطع، فلا يجوز إسناد حرمة لحم الأرنب إلى الشارع لأن الشارع جوّز إسناد الحكم المقطوع به إليه، ولم يجوِّز إسناد الحكم المظنون به إليه.

النتيجة:

يوجد جوابان:

144

الجواب الأول:

لا يجوز إسناد الحكم الواقعي إلى الشارع لأنه مجهول مظنون وليس معلوما، والمطلوب هو الحكم المقطوع به.

الجواب الثاني:

يعتمد على البحث السابق، فإذا كانت الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي فإنه يجوز إسناد الحكم الذي دلّت عليه الأمارة إلى الشارع، وإذا لم تكن الأمارة تقوم مقام القطع الموضوعي فإنه لا يجوز إسناد الحكم الذي دلّت عليه الأمارة إلى الشارع.

رأي السيد الشهيد في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي:

لم يبيّن السيد الشهيد رأيه في الحلقة الثانية، وإنما قال حينما أراد بيان الرأيين:" فقد يقال... وقد يقال..."، وأجّل ذلك إلى الحلقة الثالثة من أجل أن يبحثه بحثا تفصيليا.

نتائج التمهيد الخاص للأدلة المحرزة:

وصلنا إلى النتائج التالية:

1- الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية.

2- يثبت المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي ويكونان حجة إذا كان الدليل أمارة.

3- المدلول الالتزامي إذا كان أعم وسقط المدلول المطابقي فهل يسقط المدلول الالتزامي أو لا يسقط؟

145

قلنا إنه بناء على رأي السيد الخوئي ورأي السيد الشهيد (قدس سرهما) يسقط المدلول الالتزامي الأعم بسقوط المدلول المطابقي بخلاف رأي الميرزا النائيني (قدس سره).

4- إذا كان الدليل أمارة فإنه يقوم مقام القطع الطريقي بنفس دليل حجية الأمارة ولا نحتاج إلى دليل آخر.

5- إذا كان الدليل أمارة فلا يقوم مقام القطع الموضوعي إلا إذا كان يوجد دليل على أن القطع الموضوعي شامل للظن الموضوعي لأن القطع ينظر إليه بما هو كاشف، فيكون شاملا للأمارة لأن الأمارة كاشفة أيضا.

146

الدليل الشرعي‏

قلنا إن الأدلة المحرِزة تنقسم إلى قسمين: الدليل الشرعي، والدليل العقلي.

والدليل الشرعي ينقسم إلى قسمين: الدليل الشرعي اللفظي، والدليل الشرعي غير اللفظي.

وتوجد في الدليل الشرعي- سواء كان لفظيا أم غير لفظي- ثلاثة أبحاث:

1- تحديد دلالات الدليل الشرعي.

2- إثبات صغرى الدليل الشرعي.

3- إثبات حجية الدلالة في الدليل الشرعي.

147

تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

ينقسم الدليل الشرعي إلى قسمين:

1- الدليل الشرعي اللفظي:

ويتمثّل في كلام المعصوم كتابا وسنة.

2- الدليل الشرعي غير اللفظي:

ويتمثّل في فعل المعصوم وتقريره.

148

1- الدليل الشرعي اللفظي‏

تمهيد

انتهينا من التمهيد العام لبحث الأدلة، وانتهينا من التمهيد الخاص ببحث الأدلة المحرزة، ونبدأ الآن بالتمهيد الخاص بالدليل الشرعي اللفظي.

في هذا التمهيد نبحث عن الألفاظ والعلاقات اللغوية كعلاقة اللفظ بالمعنى والاستعمال الحقيقي والمجازي والمعنى الاسمي والحرفي ثم نبحث في الأدلة الشرعية مثل صيغة الأمر على ماذا تدل؟

ونبحث في هذه الأمور لأن بحثنا الآن في الدليل الشرعي اللفظي الذي يدل على الحكم الشرعي، والأساس في الأدلة هي الأدلة الشرعية اللفظية لأن العمدة في استنباط الأحكام الشرعية ترتكز على القرآن الكريم والسنة الشريفة، والدليل الشرعي اللفظي عبارة عن الخطابات الصادرة عن الشارع كتابا وسنة، والهدف من البحث في الدليل الشرعي اللفظي هو الوصول إلى الأحكام الشرعية الموجودة في هذه الجمل المركبة من ألفاظ، فمن يريد أن يستنبط الأحكام لا بدّ أن تكون بيده آلة فهم هذه المركبات‏

149

اللفظية، وطالما أن الكتاب الكريم والسنة الشريفة اللفظية اللذين يمثّلان مصدرين للحكم الشرعي يتمثّلان في ألفاظ فنحتاج إلى البحث في دلالة الألفاظ على المعاني، والشارع لم يوصل إلينا أحكامه بالعلم الحضوري أو الإلهام، بل أوصلها إلينا بالعلم الحصولي عن طريق الألفاظ الواردة في القرآن والروايات، وطالما أنه يوجد عندنا ألفاظ ومعاني فلا بدّ أن نرجع إلى النظام اللغوي العام وضوابطها من النحو والبلاغة والصرف وغيرها من علوم اللغة للوصول إلى معاني الألفاظ، والاستدلال بالدليل اللفظي على الحكم الشرعي يرتبط بالنظام اللغوي العام للدلالة وبالظهور العرفي للألفاظ، وقلنا النظام اللغوي" العام" لأننا لا نبحث في نظام لغة معيّنة لا اللغة العربية ولا أي لغة أخرى، ومع أنه يوجد لكل لغة نظام معيّن ولكننا لا نبحث في نظام لغوي خاص بل نبحث في النظام اللغوي العام‏ (1).

____________

(1) اللغة هي وسيلة التخاطب ونقل الأفكار بين البشر مع أن فكر الإنسان ليس له علاقة باللغة، ولكن تفكير الإنسان يكون عن طريق اللغة، وكذلك نقل الأفكار يكون عن طريق اللغة، والوصول إلى العلوم الحديثة والتطور كان عن طريق التفكير، والتفكير كان بواسطة اللغة، ولكن يوجد للغة سلبيات على التفكير لأن فيها مشتركات لفظية مثلا، لذلك يدرس في علم المنطق مباحث الألفاظ ويحاولون القضاء على هذه السلبيات، ومن هذه السلبيات:

1- إذا أراد الإنسان أن يعبّر عن معاني عالية فإنه لا يجد الألفاظ المناسبة للتعبير عن أفكاره، مثلا السعادة التي يعيشها الإنسان مع الله عز وجل لا يجد لها ألفاظا مناسبة ليعبّر بها عن هذه السعادة لأن اللغة وضعت ألفاظا لما هو حولنا، وبذلك يتضح أن‏

اللغة ضيقة والفكر أوسع من اللغة.

2- وجود الاشتراك اللفظي أي أن توجد عدة معان للفظ واحد مثل لفظة" العين" التي تطلق على الباصرة والنابعة.

3- تغيّر المعنى إلى معنى آخر، مثلا لفظ" الصلاة" كان بمعنى الدعاء ثم انتقل إلى الصلاة المخصوصة بأقوال وحركات معيّنة، أو قد يوجد لفظ يتغيّر معناه من زمن لزمن آخر، ففي الزمن الثاني له معنى ثاني، وفي الزمن الثالث له معنى ثالث.

150

في اللغة العربية عندما وضع الواضع الألفاظ جعل الألفاظ بطريقة معينة كما في أي لغة أخرى، وفي مقامنا هنا البحث بحث لغوي، ولكن لأن اللغويين لم يبحثوا هذا الموضوع بالشكل المطلوب الذي يساهم في استنباط الأحكام الشرعية، لذلك أتى الأصوليّون للبحث فيه بما يساهم في الاستنباط، فيأتي في علم أصول الفقه مباحث يطلق عليها" مباحث الألفاظ" حيث يريد الفقيه أن يصل إلى مراد ومقصود الشارع من هذا اللفظ في الآية أو الرواية.

فما هو مراد المعصوم من هذا اللفظ؟

وما هي المعاني التي يريدها؟

وهل يمكن أن نستكشف أحكام الشارع من الألفاظ؟

وكيف يمكن استكشاف أحكام الشارع من هذه الألفاظ؟

من يريد أن يصل إلى المعاني التي يريدها الشارع لا بدّ أن يكون ملمًّا باللغة العربية إلماما كاملا، لا فقط يكون ملمّا بالوضع، وإنما بأكثر من ذلك، فإذا استعمل الشارع لفظا فماذا يريد منه؟

151

مثلا: قد يقول:" اذهب إلى البحر"، فهل يقصد البحر الحقيقي أو نوعا آخر من البحر، وقد يقصد به البحر من العلم أي العالِم، والاستعمال هنا استعمال مجازي، ويقال إن الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، ونحن نريد أن نعرف أن الشارع عندما استعمل اللفظ ماذا أراد منه، إن اللغة تعطينا المدلول التصوري عن طريق الوضع، ولكن هناك مداليل أخرى سوف تأتي بعد قليل لأن الاستعمال قد يختلف عن الوضع، فالمتكلم قد يستعمل اللفظ في المعنى المجازي مع أن المعنى اللغوي الوضعي هو المعنى الحقيقي.

إن اللفظ يكشف عن المعنى، وقبل البحث في تحديد الدلالات لا بدّ أن نبحث عن العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى، فاللفظ دالّ، والمعنى مدلول، هذا اللفظ عندما يتلفظ به المتكلم يريد منه معنى معيَّنا، هذا اللفظ جسر وطريق وقنطرة إلى المعنى ومعبِّر عن المعنى، فلا بدّ من وجود بحث يبيِّن لنا علاقة اللفظ بالمعنى، فكيف نفهم هذا المعنى من هذا اللفظ؟ وكيف ننتقل من اللفظ إلى المعنى؟

مثال:

عندما نقول" كتاب" يخطر في ذهن السامع معنى" الكتاب"، فيفهم معنى" الكتاب"، وهو المكوَّن من غلاف وأوراق، فهناك علاقة بين اللفظ والمعنى، بين اللفظ على اللسان والمكوّن من الحروف والصوت الخارجي وبين المعنى والصورة الذهنية التي تخطر في ذهن السامع، فكيف ينتقل الذهن من لفظ" الكتاب" على اللسان إلى معنى" الكتاب"

152

في الذهن؟

ما هي العلاقة بين لفظ" الكتاب" اللساني ومعنى" الكتاب" الذهني؟

نحاول أن نصل إلى معرفة هذه العلاقة.

ثم نسأل:

ما الذي سبَّب هذه العلاقة؟

الواضع في اللغة العربية وضع لفظ" الكتاب" لمعنى" الكتاب" فكيف ينتقل ذهن السامع من اللفظ الذي وضعه الواضع إلى المعنى الذي يريده الواضع؟

هذا يحتاج إلى بحث، وبالطبع توجد بحوث حديثة في الغرب حول هذا الأمر، فهم يبحثون في فقه اللغة أو فلسفة اللغة أو علم اللّسانيّات أو الألسنيّات.

فكيف يدل هذا اللفظ على هذا المعنى؟

العلاقة بين اللفظ والمعنى:

اللفظ يدل على معنى معيّن، فعندما نسمع لفظا معيّنا فإن الذهن ينتقل إلى معناه، فاللفظ يدلّ على معناه، وطالما أننا قلنا" يدلّ" فمعنى ذلك أنه توجد دلالة، فنسأل:

لماذا يدلّ اللفظ على معناه ولا يدلّ على معنى آخر؟

لماذا يتبادر إلى ذهن السامع المعنى من اللفظ الذي يسمعه من المتكلم؟