دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
153

لذلك نبحث في الدلالة لأن اللفظ يدل على المعنى فكيف تحصل هذه الدلالة بين اللفظ والمعنى؟

لماذا عندما تسمع كلمة" الماء" ينتقل ذهنك إلى هذا السائل الخاص ولا ينتقل إلى معنى" الدهن" مثلا؟

فنحتاج إلى البحث عن: لماذا عندما نسمع اللفظ ينتقل الذهن إلى المعنى الموجود لهذا اللفظ لا إلى معنى آخر؟

ولماذا يتبادر إلى الذهن هذا المعنى دون معنى آخر؟

سؤال: ما معنى الدلالة؟

الجواب:

أخذنا في علم المنطق أن معنى الدلالة هو كما يلي: كل شي‏ء إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك منه إلى وجود شي‏ء آخر، هذا الشي‏ء يسمى" دالا"، والشي‏ء الآخر يسمى" مدلولا"، وهذه الصفة التي حصلت للشي‏ء تسمى" دلالة".

مثلا: طرقة الباب تدل على وجود الطارق، فطرقة الباب دالّ، ووجود الطارق مدلول، والصفة التي حصلت للطرقة تسمى دلالة (1).

وفي مقامنا إذا علمت باللفظ انتقل ذهنك إلى معنى هذا اللفظ، فكما أن طرقة الباب تدلّ على الطارق كذلك فإن اللفظ يدلّ على المعنى، فاللفظ دال، والمعنى مدلول، والعلاقة بينهما علاقة الدال والمدلول، وهذه العلاقة ناتجة من الدلالة، وهذا الاقتران بين تصور اللفظ وتصور

____________

(1) راجع بحث الدلالة في مباحث الألفاظ في منطق الشيخ المظفر (قدس سره).

154

المعنى‏ (1) وانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر نطلق عليه اسم" الدلالة" ( (2)، ونرى أن اللفظ يدل على المعنى، وكذلك فإن المعنى يدل على اللفظ بحيث إذا تصورت المعنى انتقل ذهنك إلى اللفظ.

فاللفظ والمعنى كأنهما شي‏ء واحد لأنه يحصل فناء واندكاك بينهما فيصيران كالشي‏ء الواحد، فالمعنى يكون مندكّا وفانيا في اللفظ بسبب قوة العلاقة بين اللفظ والمعنى.

ولا يمكنك الانتقال مباشرة من سماع اللفظ إلى تصور المعنى، بل هناك خطوة وسطى، تسمع اللفظ فتتصور اللفظ في الذهن ثم تتصور المعنى في الذهن، والعلاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى تشابه إلى درجة ما (3) العلاقة بين النار والحرارة أو بين طلوع الشمس والضوء،

____________

(1) في اللغة توجد علاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى لأن اللفظ يدل على المعنى، فينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر، ولا توجد علاقة بين تصور اللفظ وتصور لفظ آخر بحيث ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور لفظ آخر، ولا توجد علاقة بين تصور المعنى وتصور معنى آخر بحيث ينتقل الذهن من تصور معنى إلى تصور معنى آخر

(2) الدلالة تكون نتيجة للوضع وليست هي الوضع‏

(3) قال السيد الشهيد (قدس سره):" إلى درجة ما"؛ لأن النار والحرارة أمران خارجيان تكوينيان ولهما وجود خارجي وبينهما علاقة خارجية وعلاقة ذاتية لا يمكن التفكيك بينهما ولا تحتاج هذه العلاقة إلى جعل جاعل، والعلاقة فيهما بين أمرين خارجيين تكوينيين، وأما تصور اللفظ وتصور المعنى فهما أمران اعتباريان، والعلاقة بينهما علاقة وضعية اعتبارية، ولهما وجود ذهني، والعلاقة فيهما بين أمرين ذهنيين.

155

فكما أن النار تؤدي إلى الحرارة وطلوع الشمس يؤدي إلى الضوء كذلك فإن تصور اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى، لذلك فإن تصور اللفظ سبب لتصور المعنى كما أن النار سبب للحرارة، ولكن علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى مجالها الذهن، وعلاقة السببية بين النار والحرارة مجالها العالم الخارجي.

مثال:

عندما تسمع كلمة" ماء"، تتصوّر أولا لفظ" الماء" في ذهنك، ثم تنتقل إلى تصوّر معنى" الماء"، وهو السائل الخاص المعروف، والإنسان العارف باللغة العربية إذا تصور كلمة" الماء" قفز ذهنه فورا إلى تصور السائل الخاص الذي نشربه في حياتنا الاعتيادية.

وفي كل لغة هناك علاقات بين مجموعة من الألفاظ ومجموعة من المعاني بحيث يكون لكل لفظ معنى معيّن‏ (1)، ويرتبط كل لفظ بمعنى خاص ارتباطا قويا لا يمكن التفكيك بينهما بحيث كلما تصورنا اللفظ انتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى، وهذا الأمر يجري في كل اللغات، فبحثنا يكون بحثا عاما لا في خصوص اللغة العربية، وهذا البحث يوجد في الجامعات الحديثة تحت عنوان علم الألسنيّات أو اللّسانيّات، يحاولون أن يعرفوا لماذا وُجِدَت اللغة بين الناس؟ وكيف وُجِدَت؟

ويبحثون منذ البداية، فيرجعون إلى بداية التاريخ وأن الناس كيف استطاعوا أن يطوّروا اللغة، هل كانوا من البداية يتكلمون أو أنهم كانوا

____________

(1) في اللغة تكون العلاقة بين لفظ ومعنى لا بين معنى ومعنى.

156

يستعينون بالإشارات عن طريق اليد والأصابع أو بالرسومات ثم انتقلوا إلى الاستعانة باللغة والألفاظ؟

لذلك ما دام أنه توجد علاقة بين اللفظ والمعنى، وهذه العلاقة ناتجة من الوضع فنحتاج إلى دراسة الوضع وأن الوضع الذي وضعه الواضع بوضع هذا المعنى لهذا اللفظ أدّي إلى استعمال الناس لوضعه مع أن هذا الواضع كان موجودا منذ آلاف السنين.

والآن أنا أقول:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى"، ونرى بأن الناس لا يعملون بوضعي، فكيف حصلت العلاقة بين اللفظ والمعنى؟

إن مجرد الوضع لا يكفي بل لا بدّ أن تكون هناك عوامل أخرى تجعل ذهن السامع ينتقل من اللفظ إلى معناه، لو جعلت الآن معجما يحتوي على ألفاظ ومعاني لهذه الألفاظ تجد أنه لا أحد يعمل بهذا المعجم.

إذن: نريد أن نبحث عن العلاقة اللغوية بين الألفاظ والمعاني، وهدفنا الوصول إلى فهم الألفاظ الواردة في الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

مثلا: كيف ينتقل الذهن إلى معنى كلمة" الصعيد" و معنى كلمة" الكعب" عندما نقرأ هاتين الكلمتين في الآيات الشريفة:" فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" (1)،" وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ" ( (2)؟

____________

(1) النساء: 43

(2) المائدة: 6.

157

عندما نبحث في كتاب" لسان العرب" أو" صحاح الجوهري" أو غيرهما من الكتب اللغوية عن المعنى اللغوي نسأل:

هل الإمام (عليه السلام) أراد من الكلمة هذا المعنى اللغوي الموجود في هذه الكتب أو أن هذا المعنى اللغوي الموجود في هذه الكتب يختلف عن المعنى الموجود في عصر المعصوم (عليه السلام)؟ فهل هناك معنى آخر للكلمة موجود في عصر المعصوم (عليه السلام)؟

في هذا العصر وصلنا عن طريق العلم الحديث إلى بعض القضايا العلمية الجديدة فهل نستطيع تطبيق المصطلحات الحديثة على الروايات؟

هل مقصود الإمام (عليه السلام) هو ما توصّل إليه العلم الحديث من مصطلحات أو المقصود شي‏ء آخر؟

نحن نريد أن نستكشف المعاني التي أرادها الله تعالى في كتابه الكريم، والمعاني التي أرادها المعصوم (عليه السلام) في الروايات، هذا ما نريد أن نصل إليه، وهو فهم الآيات الكريمة والروايات الشريفة، فهل كلام المعصوم (عليه السلام) يشمل المعاني المستقبلية للكلمات أو أنه يقتصر على ما يفهمه الناس في عصره فقط فلا يشمل فهمنا في هذا العصر؟

الآن نفهم من هذه الكلمة معنى جديدا، وهذا المعنى الجديد لم يفهمه الناس في عصر المعصوم (عليه السلام)، فهل كلام المعصوم (عليه السلام) شامل فقط لما يفهمه الناس من كلامه في عصره أو أنه شامل أيضا لفهم الناس من كلامه في عصرنا؟

نحتاج إلى بحث لمعرفة ما يريد الله تعالى من الآية وما هو مقصود

158

الإمام (عليه السلام) من الرواية، لذلك نحتاج إلى مباحث الألفاظ، ونبدأ الآن بهذه المباحث، ونبحث عن تصنيف اللغة بحيث نميِّز بين عدة درجات من الظهور اللفظي.

وستأتي بعد قليل أقسام الظهور من الظهور التصوري والظهور التصديقي الأول والظهور التصديقي الثاني، وهذا التقسيم للظهور يساعدنا على فهم الدليل اللفظي، وهذا الفهم نستفيد منه في الآيات والروايات، فالآية والرواية عبارة عن ألفاظ، فكيف نفهم المعاني من هذه الألفاظ؟

مثلا: عندما نقول إن الشارع أراد الوجوب أو الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة فكيف نفهم ذلك؟

نفهم ذلك من خلال الألفاظ، وعندما نسمع أو نقرأ هذا اللفظ ينتقل الذهن إلى المعنى والصورة الذهنية، فكيف تتم عملية الانتقال من اللفظ إلى المعنى؟ ولماذا نشأت هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ وكيف نشأت هذه العلاقة؟

الظهور التصوري والظهور التصديقي‏

نبدأ البحث بالسؤال التالي:

سؤال: ما هي أقسام دلالة اللفظ على المعنى؟

الجواب:

دلالة اللفظ على المعنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام، هي: الدلالة

159

التصورية، والدلالة التصديقية الأولى، والدلالة التصديقية الثانية (1).

توجد عند سماع اللفظ عدة ظهورات، فإذا كان شخص نائما ويتكلم أثناء نومه فنفهم من كلماته معنى معيَّنا وينتقل ذهن السامع إلى تصور المعنى.

مثلا: لو تلفّظ النائم بكلمة مفردة أو صدرت الكلمة المفردة من آلة مثل" الماء" أو" الصعيد" أو" الكعب"، هل سيخطر في ذهنك معنى معيّن؟

نعم، يخطر في ذهنك ويتبادر إلى ذهنك معنى" الصعيد" إذا كنت تعلم بمعنى" الصعيد"، فيخطر في ذهنك المعنى والصورة الذهنية من هذا اللفظ مع أن الآلة والنائم لا يقصدان شيئا لأنه لا يوجد عندهما قصد، فينشأ من الكلمة ظهور معيّن، وهذا الظهور يطلق عليه" الظهور التصوري" لأنك تتصور معنى اللفظ عند سماع هذا اللفظ.

والدلالة التصورية هي الدلالة الوضعية، وهي الدلالة الثابتة لأي لفظ موضوع لمعنى سواء صدر اللفظ من آلة أم من متكلم، ولا يشترط أن‏

____________

(1) في الواقع يوجد هنا تسامح في التعبير لأن دلالة اللفظ على المعنى في واقعها دلالة تصورية فقط وهي الدلالة على المعنى الحقيقي، وأما الدلالتان التصديقيتان الأولى والثانية فلا يدل عليهما اللفظ بمفرده بل هناك قرائن خارجية تدل عليهما، والدلالتان التصديقيتان لا تعرفان من جهة اللفظ بل من جهة القرينة حيث إن القرينة فيهما قرينة حالية سياقية وليست القرينة فيهما لفظية مقالية، وسوف تأتي الإشارة إلى ذلك في الشرح.

160

يكون المتكلم عاقلا أو ملتفتا، فهذه الدلالة تتحقّق بمجرد صدور اللفظ من أي شي‏ء سواء كان حيوانا أم طيرا أم جمادا أم إنسانا، وسواء كان الإنسان عاقلا أم مجنونا أو كان ملتفتا أم غافلا أم نائما.

نأتي الآن إلى إنسان ملتفت ولكنه هازل وغير جادّ بكلامه، فإذا قال لك:" إن زيدا أصيب في حادث وهو الآن في العناية المركزة"، هو يقصد أن يخطر هذا المعنى في ذهنك، فهذا الشخص عنده قصد، والقصد هو إخطار المعنى في ذهن السامع، ولكنه ليس جادّا، وقصد إخطار المعنى في ذهن السامع نطلق عليه" مدلول تصديقي أول" (1).

وتكون الدلالة دلالة تصديقية أولى وهي الدلالة على قصد إخطار المعنى في ذهن السامع، ولا تتحقّق هذه الدلالة إلا إذا صدر الكلام من متكلم ملتفت قصد بتلفّظه إخطار المعنى في ذهن السامع.

لذلك إذا صدر الكلام من آلة أو من نائم فلا تتحقّق هذه الدلالة لأن ليس لهما قصد، وأما في حالة الدلالة التصديقية الأولى فإن السامع يتصور المعنى، ولكن بالإضافة إلى ذلك يستكشف السامع أن المتكلم قصد بتلفظه أن يخطر المعنى في ذهنه، ولا يوجد هذا الاستكشاف حينما تصدر

____________

(1) في مقامنا هنا لا نذهب إلى التصور والتصديق في علم المنطق، فلا ننظر هنا إلى المطابقة للواقع وعدم المطابقة للواقع، فتشابه المصطلحات لا يعني أن لها نفس المعنى، فيمكن أن نستعمل المصطلحات المختلفة في العلوم المختلفة والبحوث المختلفة بمعان متعدّدة، فلا تربط بين الدلالة التصورية والدلالة التصديقية في مقامنا في علم الأصول مع التصور والتصديق في علم المنطق.

161

الكلمة من آلة لأن الآلة لا يوجد عندها قصد.

الدلالة التصورية نطلق عليها هذا المصطلح لأن المعاني تخطر في ذهن السامع عند سماع الألفاظ فيتصور المعاني.

والدلالة التصديقية الأولى هي الدلالة على أن المتكلم يقصد أن يخطر المعاني في ذهن السامع.

وأما إذا كان الشخص جادّا في كلامه فإننا نطلق على الدلالة الدلالة التصديقية الثانية، وهي الدلالة على المراد الجدّي، فالمتكلم لا يكون هازلا مثلا، بل يكون جادّا في كلامه، ويريد أن يخطر المعاني في ذهن السامع بشكل جدّي، وهو قاصد للحكاية والإخبار عن الواقع.

إذن: عندنا ثلاثة أنواع من الدلالات: الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية الأولى، والدلالة التصديقية الثانية.

الإنسان عندما يتكلم فإن السامع يتصور المعاني الحقيقية للألفاظ سواء كان المتكلم مستيقظا أم نائما حتى لو أتيت بحجرين واصطكتا ببعضهما وأخرجتا صوتا وسمعت من اصكاكهما كلمة" الصعيد" أو" الأسد" فإن ذهنك ينتقل إلى معنى" الصعيد" أو معنى" الأسد" وهو الحيوان المفترس المعروف، فحتى لو صدرت اللفظة من اصكاك حجرين- والحجر حتما ليس له قصد- فتتصور معنى هذا اللفظ، فتصور المعنى من اللفظ الصادر من الإنسان الجادّ أو الهازل أو النائم أو من اصكاك حجرين هذا التصور يكون دائما موجودا، فتتصور المعنى الموضوع لهذا اللفظ، ولو كان الشخص ملتفتا ولم يقصد إخطار المعنى‏

162

الحقيقي في ذهن السامع بل أراد إخطار المعنى المجازي كأن يقول:" رأيت أسدا يقود السيارة"؛ فإن السامع يعلم أن المتكلم لا يقصد المعنى الحقيقي للأسد، ولكنه مع ذلك يخطر في ذهنه المعنى الحقيقي للفظ.

نصعد قليلا ونقول بأن هذا الشخص إذا كان يقصد إخطار المعنى في ذهنك فيكون عنده دلالة تصديقية أولى، وإذا كان جادّا في كلامه فيكون عنده دلالة تصديقية ثانية.

نأتي إلى الدلالات الثلاث مرة ثانية بعبارات أخرى:

1- الدلالة التصورية:

الدلالة التصورية هي الدلالة الثابتة للفظ من أي شي‏ء صدر اللفظ حتى لو صدر اللفظ من آلة أو من اصطكاك حجرين أو من رفرفة الطير، تسمع اللفظ فينتقل ذهنك إلى المعنى ويتصور الذهن المعنى، وهذا هو الظهور التصوري، واللغة تعطينا المدلول التصوري عن طريق الوضع، والآلة أو الببغاء حينما ترددان الجملة ذاتها فليس لها إلا دلالة تصورية فقط.

والدلالة التصورية للفظ لها ركنان، هما:

أ- وضع اللفظ للمعنى.

ب- علم السامع بهذا الوضع.

والدلالة التصورية مرتبطة بعالم اللفظ، ومنشأ خطور معنى اللفظ في الذهن هو علم السامع بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فالدلالة فيها دلالة وضعية لفظية مقالية كلامية، والدلالة التصورية دلالة تؤدي إلى‏

163

خطور معنى اللفظ في ذهن السامع العالم بالوضع، لذلك فإن الجاهل باللغة العربية لا يخطر في ذهنه معنى اللفظ عند سماعه، فإذا سمع كلمة" ماء" لا يخطر في ذهنه معنى" الماء" لأنه لا يعرف معناه، نعم قد يخطر في ذهنه حروف اللفظ، فيتصور الميم والألف والهمزة على أساس حروف لغته، فالكلمة تكون مكتوبة على صفحة ذهنه كما أن الكلمة تكتب على ورقة.

2- الدلالة التصديقية الأولى:

الدلالة التصديقية الأولى أو الدلالة الاستعمالية، وهي الدلالة على قصد الإخطار أو الدلالة على المراد الاستعمالي، والدلالة التصديقية الأولى تحصل عند استعمال اللفظ بقصد إخطار المعنى في ذهن السامع، فهي الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفّظ الملتفت حينما يريد إخطار المعنى في ذهن السامع، وتوجد هنا إرادة استعمالية.

مثال:

إذا سمعت من شخص ملتفت يقول" ماء"، ويريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع، فعنده قصد الإخطار، فالدلالة التصديقية الأولى لها مدلول، والمدلول هو قصد الإخطار أو ما يسمى بالمراد الاستعمالي، فهو حينما يستعمل هذا اللفظ يريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع، فيريد من السامع أن يفهم معنى" الماء".

وفي الدلالة التصديقية الأولى يوجد أيضا تصور معنى اللفظ في ذهن السامع كما في الدلالة التصورية إلا أنه يوجد شي‏ء إضافي على ذلك وهو

164

أن المتكلم يريد أن يخطر هذا المعنى في ذهن السامع، ولهذا الشي‏ء الإضافي تختلف الدلالة التصديقية الأولى عن الدلالة التصورية، فإذا سمع كلمة" ماء" صادرة من إنسان ملتفت فإنه يحدث عند السامع مدلولان:

أ- تصور معنى" الماء"، وهذا هو المدلول التصوري.

ب- قصد المتكلم إخطار معنى" الماء" في ذهن السامع، فهو يريد استعمال اللفظ في المعنى المراد من اللفظ، وهذا هو المدلول التصديقي الأول.

والدلالة التصديقية الأولى تتوقف على ثلاثة أركان هي:

أ- وضع اللفظ للمعنى: وهذا الركن تشترك فيه مع الدلالة التصورية.

ب- علم السامع بهذا الوضع: وهذا الركن تشترك فيه مع الدلالة التصورية أيضا.

ج- صدور اللفظ من ملتفت يقصد أن يخطر المعنى والصورة الذهنية ومفهوم اللفظ في ذهن السامع، ويشترط هنا أن يكون المتلفظ عاقلا ملتفتا لأن من يريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع لا بدّ أن تتوفّر فيه هذه الصفات، وهذا الركن تفترق فيه عن الدلالة التصورية.

3- الدلالة التصديقية الثانية:

الدلالة التصديقية الثانية هي الدلالة على قصد الحكاية والإخبار أو الدلالة على المراد الجدي أو الدلالة الجدية، وتوجد هنا إرادة جدية،

165

فالمتكلم يريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع بشكل جدّي أي أنه ليس في مقام الهزل أو التقية أو أي مقام آخر لا يدل على الجدّيّة، ونحن نريد المدلول التصديقي الثاني في الاستنباط.

والأصل أن المدلول التصديقي الثاني يتطابق مع المدلول التصديقي الأول، كما أن الأصل أن المدلول التصديقي الأول يتطابق مع المدلول التصوري.

والدلالة التصديقية الثانية لها أربعة أركان هي:

أ- وضع اللفظ للمعنى: وهذا الركن تشترك فيه مع الدلالتين التصورية والتصديقية الأولى.

ب- علم السامع بهذا الوضع: وهذا الركن تشترك فيه مع الدلالتين التصورية والتصديقية الأولى.

ج- صدور اللفظ من ملتفت يريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع: وهذا الركن تشترك فيه مع الدلالة التصديقية الأولى دون الدلالة التصورية.

د- قصد الحكاية والإخبار عن الواقع: فالمتكلم يريد أن يخطر هذا المعنى في ذهن السامع بشكل جدّيّ حيث يريد أن يخبر السامع عما وراء اللفظ والمعنى، ويقصد الحكاية والإخبار عن الواقع، وهذا الركن تفترق فيه عن الدلالتين التصورية والتصديقية الأولى.

وقصد الحكاية والإخبار لا يكون إلا في القضايا والجمل التّركيبيّة التّامّة- أي المركّبة من المفردات، والتّامّة من حيث المعنى- لأن قصد

166

الإخبار عن الواقع لا يكون إلا بجملة تتكوّن من موضوع، ومحمول أو حكم، ويكون الحكم منتسبا إلى الموضوع، ولا يأتي قصد الإخبار في المفردات والجمل الناقصة.

مثال:

لو قال المتلفّظ الملتفت:" الماء بارد"؛ استكشفنا أنه يريد أن يخطر في ذهن السامع معنى" الماء"، ومعنى" بارد"، ومعنى جملة" الماء بارد"، أي النسبة بين الكلمتين" الماء" و" بارد"، ويريد المتكلم أن يتصور السامع كل ذلك لأن تلفّظه بهذه الجملة يدل عادة (1) على أن المتكلم يريد أن يخبر السامع ببرودة الماء ويقصد الحكاية عن ذلك.

توجد هنا ثلاثة مداليل:

أ- يتصور السامع معنى" الماء" ومعنى" بارد" والنسبة بينهما، وهذا هو المدلول التصوري للجملة.

ب- للمتكلم قصد استعمال الألفاظ في معانيها، فهو يقصد إخطار المعنى في الذهن، وهذا هو المدلول التصديقي الأول.

ج- المدلول الثالث هو أن المتكلم جاد في قصد الإخطار والإرادة، فهناك جدّيّة في الاستعمال والإخبار، وهذا هو المدلول التصديقي الثاني.

____________

(1) يدل عادة على ذلك إلا إذا نصب قرينة على أنه لا يقصد الإخبار والحكاية عن الواقع.

167

والمتكلم في بعض الحالات‏ (1)- التي ينصب فيها قرينة على أنه لا يريد الإخبار عن الواقع- لا يكون قاصدا الإخبار عن الواقع كما في حالات الهزل، فإن الهازل لا يقصد إلا إخطار صورة المعنى في ذهن السامع على خلاف المتكلم الجادّ الذي يقصد أكثر من ذلك، فالمتكلم الجادّ بالإضافة إلى قصد إخطار المعنى في الذهن يقصد الإخبار عن الواقع.

من يكون في مقام الهزل كأن يقول:" الماء بارد"؛ فإن لكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى دون الدلالة التصديقية الثانية لأنه ليس جادّا ولا يريد الإخبار حقيقة.

إن الدلالة التصورية والدلالة التصديقية الأولى تأتيان في المفردات وفي الجمل الناقصة وفي الجمل التامة، والصدق والكذب يأتيان في الدلالة التصديقية الثانية فقط ولا يأتيان في الدلالة التصورية والدلالة التصديقية الأولى لأن الصدق والكذب يأتيان في القضايا والجمل التامة ولا يأتيان في المفردات والجمل الناقصة، لذلك لا تتصف الكلمة المفردة بالصدق والكذب، فيكون الصدق والكذب مرتبطين بالإخبار والحكاية عن الواقع، لذلك نقول إن كلامه مطابق للواقع فيكون صادقا وكلامه صدق، أو غير مطابق للواقع فيكون كاذبا وكلامه كذب، وأما في الدلالة التصديقية الأولى فلا يوجد الإخبار والحكاية عن الواقع، لذلك لا نقول في الدلالة التصديقية الأولى إنه صادق أو كاذب، وكذلك لا يأتي الصدق والكذب في الدلالة التصورية لنفس السبب من أنه لا يوجد إخبار وحكاية عن الواقع.

____________

(1) في قبال" عادة".

168

نقطة هامة:

كل من الدلالة التصديقية الأولى والدلالة التصديقية الثانية ليست مرتبطة بعالم اللفظ أي لا تستفاد من حاقّ اللفظ، بل هي مستفادة من العلم بظاهر حال المتكلم وأنه جادّ فيما يقول وقاصد للحكاية عن الواقع، فالدلالة التصديقية مرتبطة بسياق الكلام وظاهر حال المتكلم، فالدلالة فيها دلالة سياقيّة حاليّة مقاميّة تعرف من سياق الكلام وظاهر حال المتكلم والمقام الذي يكون فيه المتكلم لا من اللفظ، فالقرينة فيها قرينة خارجيّة أي خارجة عن مدلول اللفظ، ولا تستكشف الدلالة التصديقية الأولى والدلالة التصديقية الثانية من خلال اللفظ.

إذن: الدلالات ثلاث هي: الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية الأولى، والدلالة التصديقية الثانية، والدلالة التصورية دلالة لفظيّة مقاليّة تنشأ من العلم بوضع اللفظ المعيّن للمعنى المعيّن، والدلالتان التصديقيتان دلالة حاليّة سياقيّة مقاميّة تنشأ من العلم بظاهر حال المتكلم، فإذا كان المتكلم يريد أن يخطر معاني الألفاظ في ذهن السامع فقط فالدلالة دلالة تصديقية أولى، وإن كان يريد بالإضافة إلى ذلك الإخبار والحكاية عن الواقع فالدلالة دلالة تصديقية ثانية.

مثال:

إذا قال شخص:" أريدُ ماءً"، فإذا صدرت هاتان الكلمتان من آلة أو نائم فإن الذهن ينتقل إلى معنى" أريد" ومعنى" ماء" وإلى النسبة بين كلمة" أريد" وكلمة" ماء"، فالآلة لا يوجد عندها قصد الإخطار،

169

والشخص النائم إذا قال:" أريد ماء"، فإن السامع لا يذهب ليأتي بالماء له؛ لأنه يعلم أنه نائم وأنه لا يوجد عنده قصد الإخطار ولا مراد جِدِّيّ، نعم يخطر المعنى في ذهن السامع على نحو المدلول التصوري، والمدلول التصوري معناه تصور المعنى من الكلام مع غضّ النظر عن الجهة التي يصدر منها الكلام سواء كانت الجهة آلة أم إنسانا ملتفتا أو غير ملتفت.

وإذا كان الشخص مستيقظا ويريد أن يهزل مع السامع، فيقول عدة مرات:" أريد ماء"؛ مع أن السامع قد أتى إليه بالماء والماء موجود أمامه، فتوجد قرينة على أن المتكلم في مقام الهزل، نعم المتكلم يريد أن يخطر المعنى في ذهن السامع ولكن لا يوجد عنده مراد جدي لأنه في مقام الهزل، فلا يريد أن يخبر ويحكي عن الواقع وهو كونه يريد ماءً، وإنما يريد أن يخطر معاني هذه الألفاظ في ذهن السامع فقط، فعنده دلالة تصديقية أولى، ولكن لا توجد عنده دلالة تصديقية ثانية، فعنده قصد الإخطار، ولكن لا يريد هذا الإخطار بشكل جدّيّ، فلا يوجد عنده مراد جدّي.

إذن: النائم يوجد في كلامه دلالة تصورية، ولكن لا يوجد لكلامه دلالة تصديقية أولى ولا دلالة تصديقية ثانية، فإذا استيقظ وكان في حالة الهزل فعنده المدلول التصوري والمدلول التصديقي الأول الذي هو قصد الإخطار، ولكن لا يوجد لكلامه المدلول التصديقي الثاني وهو المراد الجدي.

170

وإذا كان المتكلم جادّا غير هازل ويريد الماء بشكل جدي فيكون عنده مراد جدي أي المدلول التصديقي الثاني بالإضافة إلى المدلول التصوري والمدلول التصديقي الأول، والمراد الجدي هو قصد الإخبار والحكاية عن الواقع.

وهكذا نرى أن صدور الكلام من الآلة أو كلام النائم له مدلول تصوري فقط، وكلام المتكلم الهازل له مدلول تصوري ومدلول تصديقي أول، وكلام المتكلم الجادّ له مدلول تصوري ومدلول تصديقي أول ومدلول تصديقي ثاني.

النتيجة:

1- الآلة أو النائم حينما يردّدان الجملة فإن الجملة لها دلالة تصورية فقط لأنه لا يوجد عند الآلة والنائم قصد إخطار ولا مراد جدي.

2- الهازل يوجد لكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى لأنه ليس جادّا ولا يريد الإخبار حقيقة.

3- الجادّ يوجد لكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى ودلالة تصديقية ثانية.

سؤال: ما هو ربط هذه الدلالات الثلاث في عملية استنباط الحكم الشرعي؟

الجواب:

عندما يتكلم الإمام (عليه السلام) في حالة التقيّة مثلا فإن بعض هذه الدلالات تكون موجودة، فتوجد لكلامه دلالة تصورية ودلالة تصديقية أولى ولا يوجد له دلالة تصديقية ثانية، لذلك لا يمكن استنباط الحكم الشرعي‏

171

من الرواية التي يكون الإمام (عليه السلام) حين نطقها في حالة التقية، فإذا عرفنا أن الرواية قيلت في حالة التقية فلا يستنبط الفقيه منها حكما شرعيا لأن الإمام (عليه السلام) ليس جادّا في كلامه، بمعنى آخر لو أن الرواية لا توجد فيها دلالة تصديقية ثانية فلا يمكن استنباط الحكم الشرعي منها.

وهنا يأتي دور الفقيه في معرفة أن الرواية قيلت في حال التقية أو في غير حال التقية، ويأتي البحث في الروايات المتعارضة، فإذا رواية تقول بالوجوب، ورواية أخرى تقول بالإباحة، فما عارض القرآن فهو زخرف، وما وافق العامة فردّوه، فما يوافقهم نتركه ونأخذ بالحكم الآخر المخالف لهم.

الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدمة

نأتي الآن إلى الوضع وعلاقته بالدلالات الثلاثة المتقدمة، قلنا إنه توجد ثلاث دلالات: الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية الأولى وهي الدلالة على قصد الإخطار وتصدر من المتكلم الملتفت، والدلالة التصديقية الثانية وهي الدلالة على المراد الجدّي وتصدر من المتكلم الملتفت الجاد.

وقلنا بأن ما يكون نتيجة عملية وضع اللفظ للمعنى هو الدلالة التصورية فقط، فالدلالة التصورية هي الدلالة الموجبة لتصور المعنى عند سماع اللفظ، والدلالة التصورية في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، فإذا علم الشخص بوضع هذا اللفظ لهذا المعنى‏

172

وسمع اللفظ فإن ذهنه ينتقل إلى المعنى، ومعنى ذلك أنه توجد علاقة سببية بين اللفظ وتصور المعنى‏ (1)، فاللفظ بمثابة السبب لخطور المعنى في الذهن، وقبل الوضع لا توجد هذه العلاقة بينهما.

مصدر العلاقة بين اللفظ والمعنى وكيفية تكوّن هذه العلاقة:

يأتي السؤال التالي بشأن علاقة السّببيّة التي توجد في اللغة بين‏

____________

(1) قد يقال إن الإنسان ينتقل مباشرة من اللفظ إلى تصور المعنى ولا يحتاج إلى توسيط تصور اللفظ بين اللفظ وتصور المعنى.

الجواب: إن الإنسان يحتاج إلى هذه الواسطة، ولكنه لا يشعر بها حينما ينتقل من اللفظ إلى تصور المعنى، فهو يتصور اللفظ ولكنه لا يشعر بهذا التصور، والدليل على ذلك لو سألنا شخصا عن معنى كلمة" غضنفر"، فإذا كان لا يعرف معنى الغضنفر فإنه سيسأل: ما هو الغضنفر؟

وهو مع جهله وعدم معرفته بالمعنى فإنه يسأل، وعندما سأل لا بد أنه قد تصور أجزاء الجملة، فيتصور ألفاظ الجملة والنسب القائمة بينها، وكلمة" غضنفر" كانت ضمن سؤاله، وعندما تلفظ بالكلمة لا بد أنه قد تصورها، فهو قد تصور اللفظ مع أنه لم يتصور المعنى، فانتقل من اللفظ إلى تصور اللفظ، وأما الإنسان العالم بالمعنى فإنه عندما يسمع اللفظ فهو أولا يتصور اللفظ ثم ينتقل إلى المعنى، فاللفظ جسر إلى المعنى، ولكن في الواقع اللفظ جسر إلى تصور اللفظ، وتصور اللفظ جسر إلى تصور المعنى، وتصور المعنى جسر إلى المعنى في الخارج، فتوجد عدة مراحل بين اللفظ المسموع والمعنى الخارجي، ولا ينتقل الإنسان مباشرة من اللفظ إلى المعنى، بل لا بد من توسيط هذه المراحل، والإنسان عندما يتكلم يريد أن ينقل صور المعاني الموجودة في ذهنه إلى ذهن المخاطب، فيستعمل الألفاظ لنقل هذه الصور، فهو أولا يتصور المعنى، ثم يتصور اللفظ الخاص بهذا المعنى، ثم يتلفظ بهذا اللفظ، فتنتقل صورة اللفظ إلى ذهن السامع، فيتصور السامع اللفظ ثم يتصور المعنى.

173

اللفظ والمعنى، والسؤال هو:

لماذا ينتقل الذهن من سماع اللفظ إلى تصور المعنى؟

وكيف استطاع الواضع أن يربط بين شيئين مختلفين أجنبيّين وأوجد بينهما علاقة بحيث ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر؟

وما هي حقيقة تلك العلاقة التي أوجدها الواضع بحيث إن اللفظ صار سببا لتصور المعنى وانتقال الذهن إلى المعنى وتبادر المعنى إلى الذهن؟

وما هو المنشأ لهذه السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى؟

وكيف تكوّنت علاقة السببية بينهما في الذهن؟

وكيف أصبح اللفظ سببا لتصوّر المعنى مع أن اللفظ والمعنى شيئان مختلفان كل الاختلاف؟

الجواب:

يحصل هذا الانتقال لأنه توجد في الدلالة التصورية علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، فالذهن عندما ينتقل من سماع اللفظ إلى تصور اللفظ ثم إلى تصور المعنى فإنه لا بد من وجود علاقة بين اللفظ والمعنى حتى نستطيع أن ننتقل من اللفظ إلى المعنى، فاللفظ سبب لتصور وحضور المعنى في الذهن، وعندما أتلفظ بلفظ معيّن فإنني أتصور اللفظ، فعندما يقال" أسد" فإنني أتصوّر لفظة" الأسد" أوّلا من الهمزة والسين والدال، تتصور اللفظ فينتقل ذهنك من اللفظ إلى المعنى لأن هذا اللفظ سبب لتصوّر هذا المعنى، فينتقل الذهن من لفظ" الأسد" إلى معناه وهو الحيوان المفترس الموجود في الغابة والذي يمتاز

174

بصفات خاصة منها الشعر الكثيف على رأسه ورقبته والذي يطلق عليه ملك الغابة.

إذن: هناك علاقة ما بين تصور اللفظ وتصور المعنى، والسيد الشهيد (قدس سره) يقول عنها إنها علاقة سببيّة، فتصور اللفظ سبب لتصور المعنى لأن تصور اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى، فحتما هناك علاقة سببية بينهما، ثم يأتي السيد الشهيد (قدس سره) ويحاول أن يحلّل هذه العلاقة.

النتيجة:

النقطة الأولى هي أن هناك علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، والنقطة الثانية هي أننا نتّجه في البحث إلى دراسة هذه العلاقة.

لماذا تنشأ هذه العلاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى؟

وكيف نشأت هذه العلاقة بينهما؟

وأنت حينما تنطق بلفظ معيّن ينتقل ذهن السامع إلى معنى معيّن، فكيف نشأت هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى؟

ويكون بحثنا الآن في معرفة هذه العلاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى لأنه لا بدّ من وجود منشأ ومبرِّر لعلاقة السببية بين شيئين؛ لأن السببية بين شيئين لا تحصل بدون منشأ ومبرّر، لذلك اتجه البحث إلى تبريرها.

نظريات تفسير نشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى:

توجد عندنا أربع نظريات أو مسالك أو اتجاهات في بيان وتفسير

175

علاقة السببية بين اللفظ والمعنى، وقد طرح السيد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الأولى ثلاث نظريات، وبيّن هنا في الحلقة الثانية النظرية الرابعة وهي نظرية السيد الخوئي (قدس سره).

والمسالك هي:

المسلك الأول: العلاقة الذاتيّة بين اللفظ والمعنى:

العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتيّة تكوينيّة وليست اعتباريّة وضعيّة جعليّة لا باعتبار معتبر ولا وضع واضع ولا جعل جاعل وليست ناتجة من سبب خارجي، فاللفظ بذاته وبطبيعته يدل على المعنى كما أن النار تدل على الحرارة، فعلاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها، ولكن العلاقة بين النار والحرارة في العالم الخارجي، والعلاقة بين اللفظ والمعنى في عالم الذهن، واللفظ تكوينا سبب لإحضار الصورة الذهنية.

فهناك سببية ذاتية بين اللفظ والمعنى كالعلاقة القائمة بين العلة والمعلول، فاللفظ سبب ذاتي لوجود المعنى.

مثلا اللفظ المكوّن من الهمزة والسين والدال (أ س د) يدل بنفسه على المعنى، واللفظ بهذا التركيب يدل على معنى الأسد وهو الحيوان المفترس بالمميزات المعيّنة، ولفظ" ماء" بذاته يقتضي الدلالة على معنى" الماء".

فالله سبحانه وتعالى جعل ترتيب الحروف بهذه الكيفية في هذا اللفظ ليدل على هذا المعنى ويولِّد هذا المعنى كما جعل سبحانه النار مولِّدة

176

للحرارة، وتكون العلاقة هنا على نحو الدلالة العقلية (1) أي مؤثر وأثر أو علة ومعلول مثلما أن الشمس علة لضوء الشمس والنار علة للحرارة، والمعنى لازم ذاتي للفظ كما أن الحرارة لازم ذاتي للنار، واللازم الذاتي هو المحمول الخارج عن الذات اللازم لها بحيث يستحيل تخلّفه عنها، وهذا معناه استحالة تخلف خطور المعنى عند سماع اللفظ.

رد السيد الشهيد على المسلك الأول:

بطلان هذه النظرية واضح ولا تحتاج إلى رد لأن من الواضح أن‏

____________

(1) يذكر الشيخ المظفر (قدس سره) في منطقه ثلاثة أقسام للدلالة: العقلية والطبعية والوضعية، وتفصيلا هي:

1- الدلالة العقلية:

وهي فيما إذا كان بين الدال والمدلول ملازمة ذاتية في وجودهما الخارجي، كالأثر والمؤثر، فضوء الصبح دال على الشمس بالدلالة العقلية، وسماع صوت من وراء الجدار دال على وجود متكلم خلف الجدار بالدلالة العقلية.

2- الدلالة الطبعية:

وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبعية أي التي يقتضيها طبع الإنسان، كما إذا سمع كلمة" آخ" ينتقل ذهنه إلى أن متكلمها يحس بالألم.

3- الدلالة الوضعية:

وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين تنشأ من التواضع والاصطلاح على أن وجود أحدهما دال على وجود الثاني، كما إذا علم بالخطوط التي تدل على الألفاظ انتقل ذهنه إلى الألفاظ، وكما إذا علم بالألفاظ انتقل ذهنه إلى مقاصد النفس.

وفي مقامنا الدلالة تكون على نحو الدلالة العقلية، فاللفظ دال تكوينا وذاتا على المعنى، والدلالة الذاتية تعني الدلالة العقلية.

177

العلاقة ليست ذاتية بل مصطنعة صنعها ووضعها الإنسان، فاللغة من وضع الإنسان، نعم الله عز وجل جعل في الإنسان قدرة على تكوين الألفاظ للدلالة على المعاني التي يريدها، ولكن الله عز وجل لم يحصر المعنى في لفظ واحد، بل إن كل قوم يخترعون الألفاظ التي يريدونها للدلالة على المعاني، فنرى اختلاف اللغات بين الناس في العالم، وإذا كانت الألفاظ تدل على معانٍ معيّنة دائما فلماذا يوجد اختلاف اللغات بين الناس؟!

إن كل قوم لهم لغة معيّنة تختلف عن لغات الأقوام الآخرين، وهذا دليل عدم وجود العلاقة التكوينية الذاتية بين اللفظ والمعنى، فلو كانت العلاقة ذاتية لكان للناس لغة واحدة لا لغات متعددة.

وإذا قلنا إن هذه النظرية بحاجة إلى ردّ فالرّدّ بسيط جدّا، ويكون ضمن الدليلين التاليين:

الدليل الأول:

ندرك بالوجدان أنه لا توجد علّيّة ومعلوليّة بين اللفظ والمعنى، وخطور المعنى من اللفظ يحتاج إلى اكتساب وتعلّم، ونحن نرى أن من لا يعلم بالوضع لا ينتقل ذهنه إلى المعنى ولا يستطيع تصور المعنى عند سماع اللفظ لأن تصور المعنى من اللفظ يحتاج إلى العلم بالأوضاع اللغوية، ولو كانت العلاقة تكوينية بينهما لانتقل ذهن الجاهل بالوضع إلى تصور المعنى، واللازم- وهو انتقال ذهن الجاهل بالوضع إلى تصور المعنى- باطل فالملزوم- وهو كون العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية تكوينية-

178

باطل مثله، ولو كانت هذه اللفظة تدل بذاتها على المعنى فما معنى أنه في اللغات الأخرى توجد ألفاظ أخرى تدل على نفس المعنى؟!

ففي اللغة العربية توجد لفظة، وفي اللغة الإنجليزية توجد لفظة أخرى تدل على نفس المعنى، وفي اللغة الفرنسية توجد لفظة ثالثة تدل على نفس المعنى، وهكذا في باقي اللغات، وتعدّد اللغات دال على أن العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست ذاتية بل مجعولة وموضوعة.

إذن: العلاقة بين اللفظ والمعنى ليست علاقة ذاتية تكوينية، فلو كانت العلاقة بينهما ذاتية لكان المفروض أن كل الناس يتكلمون بلغة واحدة فقط ولا توجد لغات أخرى، ولكان ينبغي من كل من سمع اللفظ أن ينتقل ذهنه إلى المعنى حتى لو كان جاهلا باللغة لأن اللفظ بذاته دالّ على المعنى، والشي‏ء الذي يكون فيه دلالة ذاتية على شي‏ء آخر لا دخالة للعلم والجهل بدلالته بمعنى أنه إذا عُلِمَ بدلالته دلّ، وإذا لم يُعْلَمْ بدلالته لم يدل، فسواء علم الإنسان بدلالته أم لم يعلم فهو دالّ عليه بطبيعته وبذاته وتكوينه.

مثلا: لو افترضنا أن النار هي السبب الوحيد والعلة الوحيدة للحرارة، فتكون النار دائما سببا للحرارة، وعلاقة السببية بين النار والحرارة موجودة في أي مكان في العالم، وليس لدلالة النار على الحرارة علاقة بالعلم والجهل بها.

ولا نريد هنا النقاش في المثال بأن تقول هناك أسباب أخرى للحرارة، فنحن نريد من المثال تقريب الصورة فقط، وقد قلنا بهذا

179

المثال على نحو الافتراض، ولو قلنا بالعلاقة الذاتية للزم من ذلك عدم اختلاف اللغات وعدم وجود أي لغة أخرى عند جميع البشر وأن اللغة الوحيدة الموجودة في الكون هي اللغة العربية وأن الله عز وجل جعل بالتكوين هذا اللفظ بترتيب حروفه بطريقة معينة دالا على هذا المعنى المعيّن كما أن النار عند جميع الناس تولِّد الحرارة، فالمفروض من غير العربي إذا سمع كلمة" ماء" أن ينتقل ذهنه إلى معنى" الماء" لأن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة العلة بالمعلول، والعلاقة التكوينية بين العلة بالمعلول لا يوجد اختلاف فيها بين الناس، فكما أن جميع الناس يدركون العلاقة التكوينية بين النار والحرارة كذلك فالمفروض أن جميع الناس يدركون العلاقة التكوينية بين اللفظ والمعنى، فلا بد أن يكون الأجنبي عن اللغة الجاهل بها عنده هذه العلاقة وينتقل ذهنه من هذا اللفظ إلى هذا المعنى أي يكون عالما بهذه اللغة، وهذا خلف.

الدليل الثاني:

لو كانت العلاقة ذاتية للزم من ذلك أن الإنسان يولد ولديه هذه الألفاظ مع أنه من الواضح أن الإنسان يتعلّم أن هذه الألفاظ تدل على هذه المعاني، فالإنسان لا بدّ أن يتعلم هذه اللغة، وبعد التعلم يعرف أن هذا المعنى له علاقة بهذا اللفظ (1)، وقبل الاكتساب والتعلم لا ينتقل‏

____________

(1) ولكن يوجد رد وهو أن بعض العلاقات التكوينية الذاتية يكتسبها ويعرفها الإنسان من التجربة والتعلم، فالعلاقة بين النار والحرارة علاقة ذاتية تكوينية، ولكن الإنسان قبل التعلم لا يعرف هذه العلاقة، فهو لا يعرف أن النار علة للحرارة قبل التعلم، وكذلك يمكن القول بأن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية، ولكن لا يعرفها الإنسان قبل التعلم، وهذا الرد يكون على الدليل الثاني فقط، ويبقى الدليل الأول ثابتا.

180

ذهن الإنسان من تصور اللفظ إلى تصور المعنى‏ (1)، فغير العربي يحتاج إلى تعلّم اللغة العربية لكي ينتقل ذهنه إلى المعنى عند سماع الكلمة العربية وتصوّرها، وإذا قلنا بالعلاقة الذاتية فلا بدّ أن ينتقل ذهن الطفل من تصور اللفظ إلى تصور المعنى.

والملاحظ عدم وجود أي دلالة للفظ لدى الإنسان قبل الاكتساب والتعلّم ( (2)، وهذا دليل على أن العلاقة التي تقوم في الذهن بين تصور

____________

(1) ويمكن إضافة رد آخر وهو أنه لو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى ذاتية لكان من المفروض أن يوجد لكل لفظ معنى واحد فقط ولا يمكن أن توجد عدة معاني للفظ الواحد بحيث يكون اللفظ مشتركا لفظيا لأن كل لفظ بذاته له معنى حقيقي واحد ولا يمكن أن يدل بذاته على معنى حقيقي آخر مع أننا نجد في اللغة وجود عدة معاني حقيقية للفظ الواحد، وكذلك لا يمكن أن يدل على المعنى المجازي لأنه إذا قلنا بأنه يدل بذاته عليه فهذا لا يمكن لأنه يدل بذاته على المعنى الحقيقي، وإذا قلنا بأنه يدل عليه لكن لا بذاته فنقول بأن هذا غير ممكن لأن القائل بهذه النظرية يقول بالدلالة الذاتية للفظ على المعنى ولا يقول بدلالة أخرى‏

(2) ويمكن إضافة دليل ثالث وهو أنه لو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية تكوينية فمعنى ذلك أنه لا يوجد انفكاك بين اللفظ والمعنى مع أننا نرى أن الإنسان ينسى أحيانا اللفظة المناسبة للمعنى، فلو كانت العلاقة ذاتية تكوينية فالمفروض أن الإنسان لا ينسى اللفظ الخاص بمعنى معيّن كما أن النار تكون دائما علة للحرارة، كذلك فإن اللفظ يكون دائما علة للمعنى، ولا يتوقف على التذكر وعدم التذكر، فنسيان اللفظ الدال على معنى معيّن يدل على عدم وجود العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى.

181

اللفظ وتصور المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ بل من سبب آخر يتطلّب الحصول عليه إلى تعلّم اللغة.

النتيجة:

لا توجد علاقة تكوينية ذاتية بين اللفظ والمعنى، فنظرية العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى غير تامة (1).

____________

(1) يمكن لنا أن نؤوّل ونوجّه كلامهم بأن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية، وذلك بأن نقول إن مقصودهم من الذاتية ما يسمى بالأوتوماتيكية أو الانتقال الآلي من اللفظ إلى المعنى، فإن الإنسان إذا سمع اللفظ انتقل ذهنه بشكل أوتوماتيكي أو آلي أو لاإرادي إلى المعنى، وهذا قد يكون هو مقصودهم من الذاتية بين اللفظ والمعنى لا أن الله عز وجل خلق اللفظ بشكل بحيث ينتقل الذهن إلى المعنى كما أن النار تدل على الحرارة، فالعلاقة الذاتية لا يقصد بها العلاقة التكوينية لأنه من المستبعد أن يقول بهذا القول أحد، وهذا التأويل يتناسب مع العقل، وهذه العلاقة تنشأ بين اللفظ والمعنى بعد الوضع واستقرار هذه العلاقة في أذهان الناس، فمع كثرة استعمال اللفظ في المعنى تنشأ هذه العلاقة فهي كالعلاقة التكوينية وفي واقعها ليست علاقة تكوينية، فمن باب التشبيه يمكن أن نقول إنها علاقة تكوينية على نحو المجاز وليست كذلك على نحو الحقيقة، فكما أن النار تدل على الحرارة وينتقل الذهن من النار إلى الحرارة بشكل آلي لاإرادي وبدون تفكير، كذلك فإن اللفظ يدل على المعنى وينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى بشكل آلي لاإرادي وبدون تفكير، لذلك قالوا بالعلاقة الذاتية التكوينية بين اللفظ والمعنى، ولكن مقصودهم ما تم بيانه، وبهذا التأويل نستطيع أن نوجّه قولهم لأنه لا يمكن لأحد أن يقول بأن العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى كالعلاقة الذاتية بين النار والحرارة لأنه غير معقول.

ويمكن أن نؤول قولهم بتأويل آخر، يقول السيد الشهيد (قدس سره) في تفسير قولهم في الحلقة الأولى:" علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها، فلفظ" الماء" مثلا له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاص الذي نفهمه منه، ولأجل هذا يؤكّد هذا الاتجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية وليست مكتسبة من أي سبب خارجي".

يمكن أن نقول إن علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبع اللفظ لا من طبيعة اللفظ، فكل لفظ له طبع معيّن يأتي من طباع حروفه، فهناك حروف تدل على الشدة، وحروف أخرى تدل على اللين، فإذا كان اللفظ مكوّنا من حروف تدل على الشدة فإن معناه يكون شديدا، وإذا كان مكوّنا من حروف تدل على اللين فإن معناه يكون ليّنا، مثلا كلمة" حرارة" حرف الحاء فيه شدة فلا بد أن يكون المعنى شديدا، فتدل على معنى الحرارة، وهكذا في باقي الكلمات فإنها تدل على المعنى الشديد أو اللّيّن حسب قوة ولين الحروف المكوّنة للكلمة.

182

المسلك الثاني: العلاقة الاعتباريّة بين اللفظ والمعنى:

وهذه هي النظرية المشهورة بين الأصوليين، فعلاقة السببية بين اللفظ والمعنى نشأت من وضع واضع وجعل جاعل واعتبار معتبر، فهم ينكرون الدلالة الذاتية، والحق معهم في هذا الإنكار، وعلاقة السببية بين اللفظ والمعنى نشأت من الأوضاع اللغوية أي من وضع الواضع اللفظ للمعنى.

إن الواضع يعتبر أن هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، فاللفظ يدل اعتبارا على المعنى، وهذه العلاقة مجرّد اعتبار وافتراض وجعل، فالاعتبار هو السبب في نشوء العلاقة بين اللفظ والمعنى بحيث ينتقل ذهن السامع إلى المعنى حين سماع اللفظ من المتكلم، وهذا كما تعتبر أن‏

183

مولودك الجديد اسمه" محمد"، فلا توجد علاقة مسبقة بين المولود والاسم، فتسمّيه بهذا الاسم، وبذلك أنت توجد علاقة بين المولود والاسم، وبعد ذلك بمجرد ما تسمع اسم" محمد" ينتقل ذهنك إلى هذا المولود.

إن سبب العلاقة بين اللفظ والمعنى نشأ من وضع الواضع هذا اللفظ لهذا المعنى، وجعل الجاعل هذا اللفظ لهذا المعنى، وتخصيص الواضع هذا اللفظ لهذا المعنى، فالوضع هو تخصيص اللفظ لمعنى، والعلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت في كل لغة على يد الشخص الأول أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا تلك اللغة وتكلموا بها فإنهم خصّصوا ألفاظا معيّنة لمعاني خاصة معيّنة، فاكتسبت الألفاظ- نتيجة لذلك التخصيص- علاقة بتلك المعاني، وأصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص المعيّن، وذلك التخصيص الذي مارسه أولئك الأوائل ونتجت عنه الدلالة يسمى ب- (الوَضْع)، ويسمى الممارس له (الواضِع) ويسمى اللفظ (الموضوع)، ويسمى المعنى (الموضوع له).

الواضع يقول: وضعت لفظ (الماء) للدلالة على معنى السائل الشفاف الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، ووضعت لفظ (الأسد) لهذا الحيوان المعيّن الموجود في الغابة، ووضعت اللفظ الثالث للمعنى الثالث، ووضعت... إلى آخره.

والوضع نوع اعتبار يجعله الواضع، واعتبار الواضع هو الذي أوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، والعلاقة الاعتبارية ليس‏

184

لها واقع وراء اعتبار الواضع.

والإنسان يستطيع أن يعتبر هذا اللفظ المعيّن لهذا المعنى المعيّن، والاعتبار سهل المؤونة، فتستطيع أن تغيّر معاني الكلمات وتجعل لنفسك معجما خاصا بمعاني الألفاظ، فيمكن لنا أن نعتبر مثلا أن لفظ" القلم" يدل على معنى" الكتاب"، وبدل أن نسمّيه كتابا نسميه قلما.

وترون أن هناك لغات خاصة بين الأطفال، فالطفل يخترع لغة خاصة للتفاهم مع الأطفال الآخرين، فهو يعتبر ويتفاهم مع الطفل الآخر على أساس هذه الألفاظ الخاصة.

والإنسان يستطيع أن يعتبر أي شي‏ء يريد، ولكن اعتباره يظل لنفسه هو فقط ولا ينتشر بين الناس، وبعض الاعتبارات تنتشر، ففي اللغة عندما اعتبر الواضع الأول أن هذه الألفاظ لهذه المعاني فإن اعتباره انتشر بين الناس، ولكن عندما نعتبر نحن الآن أن لفظ" قلم" يدل على معنى" الكتاب" فإن هذا الاعتبار يظل في حيّز الفردية ولا ينتقل إلى الاستعمال الجماعي لهذا الاعتبار.

إن الواضع يضع هذه الألفاظ لهذه المعاني، والوضع هو نوع من الاعتبار.

نظريات في نوعيّة المعتبَر:

توجد عدة اتجاهات في نظرية الاعتبار، فأصل نظرية الاعتبار متّفق عليه، ولكن وقع الاختلاف في نوعية المعتبَر وكيفية الاعتبار، والاتجاهات هي:

185

الاتجاه الأول: السَّبَبِيَّة بين اللفظ والمعنى:

اعتبار الواضع اللفظ سبب وعلة لتصور المعنى، كما أن النار سبب وعلة للحرارة، كذلك فإن اللفظ سبب وعلة لتصور المعنى، ولكن الأول في الأمور التكوينية، والثاني في الأمور الاعتبارية، فالواضع يعتبر اللفظ سببا وعلة لتصور المعنى وخطوره في الذهن، ولكنها علّيّة ومعلوليّة اعتباريّة.

كمثال للاعتبار نذكر اعتبارا شرعيا وهو قول المرأة للرجل:" زوّجتك نفسي بمهر قدره كذا"، وقول الرجل:" قبلتُ"، فالمرأة بهذين القولين تصير زوجة له، والرجل يصير زوجا لها.

والشارع اعتبر هذه الألفاظ سببا وعلة لتحقّق الزوجية، كذلك الواضع اعتبر اللفظ سببا وعلة لتصور المعنى.

الاتجاه الثاني: الآلِيَّة بين اللفظ والمعنى:

اعتبار الواضع اللفظ أداة وواسطة ووسيلة وآلة لتفهيم المعنى، كما تكون اليد أداة للإحساس بحرارة النار أو يكون الترمومتر أداة لقياس حرارة النار، كذلك يكون اللفظ أداة لتفهيم المعنى، فنقول النار حارة، فتكون كلمة" حارة" أداة لتفهيمنا معنى" حرارة" النار، ولكن الأول والثاني في الأمور التكوينية، والثالث في الأمور الاعتبارية.

والفرق بين السببية والأداة أن الأداة عبارة عن الآلة التي يصل بها الإنسان إلى تحقيق هدفه وغرضه، كالمنشار والمطرقة بالنسبة للنجار، فالمطرقة لا تطرق المسمار إلا عن طريق النجار، كذلك اللفظ لا يخطر في الذهن إلا عند تلفظ المتكلم باللفظ وسماعه من السامع، وأما السببية

186

والعلية فمعناها تحقق المسبَّب والمعلول بمجرد وجود السبب والعلة، واللفظ يؤدي إلى تصور المعنى مطلقا بناء على اتجاه السببية بين اللفظ والمعنى، وأما بناء على اتجاه الآلية بين اللفظ والمعنى فإن اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى عند استعمال اللفظ.

الاتجاه الثالث: العَلامِيَّة بين اللفظ والمعنى:

اعتبار الواضع اللفظ علامة (1) على المعنى كما تدل اللوحات التي توضع على الطريق لبيان نهاية المسافة إلى مدينة معيّنة، فهذه اللوحة تنقل ذهنك إلى نهاية المسافة إلى المدينة، ومثل ذلك اعتبار الواضع اللفظ علامة على المعنى، فبمجرد ما تسمع اللفظ ينتقل ذهنك إلى المعنى، ولكن الفرق أن الأول يكون في الأمور التكوينية، والثاني يكون في الأمور الاعتبارية.

ملاحظة:

لن ننظر هنا إلى أن أي قول هو الصحيح، ننظر فقط إلى أنه يوجد وضع واعتبار وأن المنشأ للعلاقة بين اللفظ والمعنى هو اعتبار الواضع، ونعتبر أن هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، وهذا المقدار هو الذي نريده هنا، ولا نريد أن نناقش هنا ما هو نوع المعتبَر وأن اللفظ

____________

(1) في الكتاب يقول السيد الشهيد:" ومن قال إنه اعتبار اللفظ على المعنى"، ويمكن إضافة أنه" علامة" على المعنى ليتضح المعنى المقصود، وتظهر هذه الإضافة من المثال الذي طرحه السيد الشهيد بقوله:" كما توضع الأعمدة على رؤوس الفراسخ"، فهذه الأعمدة علامات على نهاية المسافات.

187

سبب أو أداة أو علامة على المعنى‏ (1).

ردّ السيد الشهيد على المسلك الثاني:

هذا المسلك على حق في إنكار الدلالة الذاتيّة بين اللفظ والمعنى، ويوجد جزء من الصحة في النظرية الثانية، ولكن هذه النظرية على نحو

____________

(1) يمكن إضافة اتجاهات أخرى في هذه النظرية، فيمكن القول رابعا إن اللفظ جسر وقنطرة إلى المعنى، ويمكن القول خامسا إن اللفظ تعبير عن المعنى، ويمكن القول سادسا إن اللفظ رمز يدل على المعنى، فاللفظ والمعنى كالشي‏ء الواحد أو هما وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن لنا نقل المعاني إلى الآخرين إلا عن طريق ما، ولا توجد عندنا طريقة توارد الخواطر لنقل ما في أذهاننا إلى الآخرين، لذلك لا بد أن نعبِّر عن المعاني الموجودة في أذهاننا بطريقة من الطرق، منها:

1- أن نأتي بالشي‏ء الذي نريد نقل معناه، وهذا صعب لأن هناك أشياء كبيرة الحجم لا يمكن الإتيان بها- كالفيل أو الطائرة-، أو أن بعض المعاني ليس لها وجود خارجي كالمعاني الوهمية مثل الحب والبغض.

2- عن طريق الرسم، وذلك بأن نرسم ما نريد التعبير عنه، وهذا أيضا صعب لأن ليس كل شخص قادرا على الرسم، كذلك فإن المعاني الوهمية لا يمكن رسمها، والمعاني الوهمية هي المعاني الجزئية التي لا مادة لها ولا مقدار، كحب الأبوين وعداوة المبغض وخوف الخائف وحزن الثاكل وفرح المستبشر، وهذا هو العلم الوهمي الذي يحصل عليه الإنسان بقوة الوهم كما يقول الشيخ المظفر (قدس سره) في منطقه.

3- عن طريق الإشارة، وهو طريقة تفاهم الصُّمّ والبُكْم، وهذه لغة من اللغات.

4- أن نفكر بطريقة أسهل للتعبير عن أفكارنا، وهذه الطريقة الأسهل هي عن طريق الألفاظ، لذلك فإن الألفاظ تعبير عن المعاني الموجودة في أذهاننا أو رموز تدل على المعاني الموجودة في أذهاننا من أجل نقلها إلى الآخرين بهدف التفاهم معهم وتبادل الأفكار والمعاني بين الناس.

188

المجموع غير مقبولة لأن تفسيرهم ناقص غير تام، صحيح أن العلاقة بين اللفظ والمعنى وضعت من قِبَل الواضع، ولكن لا بدّ من إضافة شي‏ء على النظرية حتى تكون مقبولة، فعلاقة السببية بين اللفظ والمعنى لا تنشأ من الاعتبار فقط، هم لم يتقدّموا إلا خطوة صغيرة في حل المشكلة الأساسية حتى بعد افتراض أن علاقة السببية نشأت نتيجة عمل المؤسّسين الأوائل وتخصيصهم كل لفظ لمعنى خاص، والمشكلة الأساسية هي أن اللفظ والمعنى ليس بينهما علاقة ذاتية ولا ارتباط مسبق فكيف استطاع مؤسس اللغة إيجاد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما؟

هم قالوا بالوضع والاعتبار، ولكنهم لم يفسروا كيفية نشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى، فهل يكفي مجرد تخصيص المؤسّس للفظ وتعيينه له سببا لتصور المعنى لكي يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة دون وجود أي علاقة سابقة بين اللفظ والمعنى؟

من الواضح أن أي شخص لا يستطيع أن يجعل من حمرة الحبر سببا لحرارة الماء حتى لو كرّر ذلك مائة مرة قائلا خصّصت حمرة الحبر لكي تكون سببا لحرارة الماء.

متى نقول إن هذا اللفظ سبب لهذا المعنى؟

لو أن الواضع اعتبر أن هذا اللفظ لهذا المعنى فهل هذا يكفي لنشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى؟

إن مجرد اعتبار شي‏ء سببا أو أداة أو علامة لشي‏ء لا يحقق علاقة السببية، ومجرّد تخصيص شي‏ء لشي‏ء لا يحقّق علاقة السببيّة بينهما،

189

فالناس يعتبرون أشياء كثيرة ومع ذلك لا تنشأ علاقة بينها.

الآن لو وضعت لفظ" القلم" لمعنى وصورة" الكتاب" فهل تنشأ علاقة سببية بينهما؟

وهل معنى ذلك أنه بعد قليل سوف يستعمل السامع لفظ" القلم" لمعنى" الكتاب"؟

نرى أنه لا تنشأ علاقة سببية بينهما، فمن أين نشأت علاقة السببية بينهما بعد عملية الوضع؟

إن منشأ هذه العلاقة لم يستطع مسلك الاعتبار تفسيره وتوضيحه وبيانه.

إذن: يتّضح أنه بمجرّد وضع الواضع واعتبار المعتبر لا تنشأ علاقة السببية بين اللفظ والمعنى لأن الاعتبار والجعل والافتراض أمر ذهني ليس له واقع وليس له وجود وراء اعتبار المعتبر، والسببية علاقة واقعية حقيقية وأمر واقعي حقيقي بقطع النظر عن اعتبار المعتبر إذ كلما استعملت اللفظ حضر في الذهن المعنى الموضوع له هذا اللفظ، ولا يمكن إيجاد أمر واقعي حقيقي بواسطة أمر ذهني، والأمور الواقعية لا تتحقق بالاعتبار والجعل والافتراض، والافتراض لا يجعل غير الحقيقة حقيقة، ولا يغيّر غير الحقيقة إلى حقيقة.

لو اعتبرت أن هذه الغرفة مساحتها 12 مترا مربعا فلا يتولّد هذا الأمر التكويني من الاعتبار ولا يصير واقعا، ولو اعتبرت الإنسان بخمسة رؤوس فمثل هذا الإنسان لا يصير حقيقة وواقعا بمجرد الاعتبار.

190

إن مجرّد اعتبار كون شي‏ء سببا أو أداة أو علامة لشي‏ء لا يحقّق السببية الواقعية، فلو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتبارية محضة فإننا إذا قطعنا النظر عن الاعتبار فإن المفروض أن العلاقة تنتهي، ولكننا نرى أن العلاقة لا تنتهي بعد رفع اليد عن الاعتبار، الآن ضع أي لفظ لأي معنى تجد أنه لا تنشأ علاقة السببية بينهما.

والنتيجة أنه لا بدّ أن يكون هناك شي‏ء آخر غير مجرد الوضع والاعتبار، ولا يكفي لحل المشكلة تفسير علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية الوضع التي يقوم بها مؤسّس اللغة، ونحتاج إلى حلّ أعمق وأدقّ لتفسير حصول السببية بين اللفظ والمعنى ونشوء العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى من الاعتبار المذكور لأن السببية لا تنشأ من الاعتبار فقط، بل لا بدّ أن يكون هناك شي‏ء إضافي على الاعتبار حتى تنشأ السببية بين اللفظ والمعنى.

إن مسلك الاعتبار أقصى ما يمكن أن يفسّره هو أن الوضع نشأ من اعتبار الواضع، ولكن هذا المسلك لا يستطيع تفسير كيفيّة تحقّق العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى، وهذه العلاقة الواقعية لا تنتهي بانتهاء الاعتبار، ولو قلنا بأن المنشأ في حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى هو الاعتبار، ولكن ذلك لا يفسّر لنا سرّ بقاء العلاقة حتى بعد رفع اليد عن هذا الاعتبار.

لذلك لا بدّ من البحث عن مسلك آخر يفسّر حقيقة علاقة السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى، ولا بدّ أن نفهم محتوى عمليّة الوضع لكي‏

191

نعرف كيف قامت علاقة السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة سابقة، لذلك فإن عجز مسلك الاعتبار عن تفسير ذلك أدّى ببعض الأصوليين كالسيد الخوئي (قدس سره) الشريف إلى اختيار المسلك الثالث الذي يأتي بعد قليل.

عندما نقول إن اللفظ سبب لتصور المعنى فلا بدّ أن يكون السبب موجودا قبل الوضع لا بعد الوضع، ونحن نرى أن علاقة السببية تنشأ بعد أن يضع الواضع اللفظ للمعنى، فتنشأ علاقة السببية بينهما بعد الوضع، نرى أن هذا اللفظ يكون سببا لهذا المعنى بعد الوضع وبعد أن نستعمله وبعد أن يدل على هذا المعنى، فالسببية تكون ناشئة بعد الوضع، ونحن نقاشنا في حالة ما قبل الوضع وأنه ما الذي يؤدي لأن يكون هذا سببا لذاك؟ وأنه لماذا يكون هذا سببا لذاك؟

إذا قلنا إن اللفظ سبب بعد استعمال هذا اللفظ لهذا المعنى نكون قد فرغنا من دلالة اللفظ على المعنى لأن هذه الدلالة تكون بعد الوضع، فبعد الوضع وبعد الاستعمال نقول إن لفظ" الكتاب" يدل على معنى" الكتاب"، وبعد الوضع يكون سببا ونحن نريد أنه كيف يكون سببا قبل الوضع، فنحتاج إلى تفسير كيفية نشوء هذه السببية.

الآن نرى أن الناس عندما يسمعون لفظا تنتقل أذهانهم إلى تصور المعنى، ونستنتج من ذلك أن هناك علاقة سببية بين اللفظ والمعنى، ومجرد أن الواضع وضع اللفظ واعتبره لهذا المعنى لا يكفي لنشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى، فمجرّد الوضع لا ينشئ هذه العلاقة، نعم‏

192

قد تنشأ هذه العلاقة بعد الوضع، ولكن نقاشنا ينصبّ على حالة ما قبل الوضع لا بعد الوضع، ومن يقول بنظرية الاعتبار لا بدّ أن يفسر كيفيّة نشوء هذه العلاقة لأن الاعتبار بنفسه لا ينشئ علاقة السببية بين اللفظ والمعنى.

يقال إن اللفظ صار سببا بعد الاستعمال، وعلاقة السببية نشأت بعد أن فرغنا من وضع هذا اللفظ لهذا المعنى.

نقول هذا صحيح، ولكننا لا نريد هذه الحالة، فهذه الحالة لا تعطينا الجواب عن كيفيّة نشوء هذه العلاقة، نحن نريد معرفة كيفيّة نشوء علاقة السببية قبل الوضع لا بعد الوضع، وكيفية إنشاء هذه العلاقة قبل الوضع، نريد أن نناقش السببية قبل أن نضع هذا اللفظ لهذا المعنى، لا بدّ أن تكون السببية سابقة على الوضع حتى ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى، فعندما نستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى لا بدّ أن يكون عندنا سبب مسبق لا أن تكون السببية ناشئة بعد الوضع والاستعمال.

يقال إن السببية نشأت بعد الوضع، هذا صحيح، ولكن كلامنا عن حالة ما قبل الوضع، لا بد أن نرى محل الكلام ما هو حتى نأتي ونطرح نظرية للحالة محل الكلام لا أن نطرح نظرية لا تختص بمحل الكلام حتى لو كانت النظرية المطروحة صحيحة، كلامنا ليس عن الحالة التي تريد أن تتكلم عنها، فجوابك صحيح إذا نظرنا إلى ما بعد الوضع، ولكن كلامك لا يكون جوابا عن محل كلامنا، ومحل كلامنا هو ما قبل‏

193

الوضع، فلم تُجِبْ عن السؤال المطروح وهو كيفية نشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى في حالة ما قبل الوضع أي قبل وضع هذا اللفظ لهذا المعنى، فجوابك لا يكون في محله، والسيد الشهيد (قدس سره) سيجيب عن كيفية نشوء علاقة السببية بين اللفظ والمعنى في حالة ما قبل الوضع بناء على نظريّته.

بعبارة أخرى:

لو أطلقت على هذا الكتاب كلمة" قلم" فإنه لا تنشأ علاقة سببية بينهما مع أنني اعتبرت أن لفظة" قلم" تدل على معنى الكتاب، وهذا يدل على أن الاعتبار لوحده لا ينشئ عندنا علاقة سببية، لو قلت من الليل إلى الصباح أن هذا قلم فلا أحد يأخذ كلامي، وهم يقولون يكفي الاعتبار، إن الاعتبار لوحده لا يؤدي إلى استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى، فلو اعتبرنا أن لفظ" القلم" يدل على معنى" الكتاب" مثلا فإننا سنرى أن لا أحد سيستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى حتى لو كرّرت هذا الكلام خمسين سنة.

إذن: نفس الاعتبار من الواضع لا ينشئ علاقة السببية واستعمال الناس اللفظ في المعنى، بل لا بدّ من وجود شي‏ء آخر مضاف على الاعتبار حتى تنشأ اللغة، فنشوء اللغة متوقّفة على وجود علاقة السببية بين اللفظ والمعنى لا على مجرد الاعتبار، أي لا فقط على عامل الاعتبار بل على عوامل أخرى وأسباب أخرى، فلا بدّ للقائلين بمسلك الاعتبار في الوضع أن يفسّروا كيفيّة نشوء السببية الواقعية من الاعتبار لأن السببية

194

تنشأ من الوضع، فتكون السببية بعد الوضع، ونحن نقاشنا في حالة ما قبل الوضع وأنه لماذا يوجد سبب بين اللفظ والمعنى قبل الوضع لا أنه بعد الوضع تنشأ علاقة السببية، فالسببية لا بد أن تكون سابقة على عملية الوضع لا ناشئة من عملية الوضع، فنقاشنا يكون في السؤال التالي: لماذا تنشأ السببية بين اللفظ والمعنى؟

وبعد أن تنشأ علاقة السببية بين اللفظ والمعنى يكون عندنا وضع بعد ذلك لا أن الوضع يكون هو السبب لنشوء السببية، فالسببية تكون في حالة ما بعد الوضع، ونحن لا نناقش هذه الحالة، وإنما نقاشنا يكون في حالة ما قبل الوضع، فنحن نقاشنا أنه قبل عملية الوضع لماذا تنشأ علاقة السببية، فإذا نشأت هذه العلاقة فإننا بعد ذلك نقول صار عندنا وضع.

النتيجة:

نظرية العلاقة الاعتبارية بين اللفظ والمعنى غير تامة.

المسلك الثالث للسيد الخوئي: العلاقة التَّعَهُّدِيَّة بين اللفظ والمعنى:

نعم دلالة اللفظ على المعنى تنشأ من الوضع، فالسببية القائمة بين اللفظ والمعنى تنشأ من الوضع، ولكن الوضع ليس اعتبارا من الواضع كما هو المسلك الثاني، بل هو تعهّد من الواضع، فالسيد الخوئي (قدس سره) غيّر معنى الوضع من الاعتبار إلى التعهّد (1)، والتعهّد هو الالتزام‏

____________

(1) راجع المحاضرات في أصول الفقه ج 1 ص 44.

195

النفساني من الواضع، فالواضع يتعهّد بأن لا يستعمل هذا اللفظ إلا في هذا المعنى، وكل متكلم يتعهد أن لا يأتي بهذا اللفظ إلا عند قصد تفهيم هذا المعنى، فإذا قصد الواضع المعنى فإنه يأتي بهذا اللفظ الدال على هذا المعنى وغير الدال على معنى آخر، وقصد تفهيم المعنى هو المبرِّر للوضع والسّرّ في العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى، فهذه العلاقة تنشأ من واقع النفس، ولولا قصد تفهيم المعنى لما وُجِدَ الوضع، وغرض الواضع هو إبراز مقاصده، ولولا هذا الغرض لما وضع ألفاظا دالّة على المعاني كما أن الأخرس يقوم بتفهيم مقاصده عن طريق الإشارات، وبالتعهد تنشأ ملازمة بين الإتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى.

مثلا يتعهّد أن لا يستعمل لفظ" الأسد" إلا في معنى" الحيوان المفترس بالصفات الخاصة"، ويتعهّد أن لا يستعمل لفظ" الماء" إلا في معنى" السائل الخاص"، وكل من يأتي بهذا اللفظ فإنه يوجد عنده هذا التعهّد، ومن هذا التعهّد تنشأ علاقة ملازمة وعلاقة سببية بين اللفظ والمعنى، فالسببية نشأت من التعهّد، فإذا استعملت هذا اللفظ فإنه يدل على هذا المعنى فقط، واللفظ الثاني يدل على المعنى الثاني فقط، فهذا التعهد هو الذي ينشئ علاقة السببية لا أنه اعتبار فقط، فالناس يتعهّدون فيما بينهم أن يستعملوا الألفاظ في المعاني المعيّنة فقط وفقط، وقصد المتكلم إخطار المعنى في الذهن لا تكون ناشئة من حال المتكلم وإنما من الوضع لأن الوضع هو التعهد باستعمال اللفظ بقصد إخطار المعنى في ذهن السامع.

196

الفرق بين مسلك الاعتبار ومسلك التعهد:

الفرق الأول:

على مسلك التعهد يكون الوضع سببا للدلالة التصديقية الأولى لأنه يقصد هذا المعنى، والقصد يعني قصد إخطار المعنى في الذهن وتفهيم المعنى فيكون في الدلالة التصديقية الأولى- وهي الدلالة الاستعمالية- لا في الدلالة التصورية، وإذا كان يوجد قصد إخطار المعنى مع المراد الجدي فيكون في الدلالة التصديقية الثانية- وهي الدلالة الجدية-، والدلالة التصديقية الثانية في نظرية التعهد تحتاج إلى قرينة كلاميّة سياقيّة أو حاليّة مقاميّة.

إن الدلالة التصورية تنشأ من حاقّ اللفظ حتى لو صدر اللفظ من نائم أو من آلة أو من اصطكاك حجرين، وفي حالة الدلالة التصورية لا يوجد قصد، فالسامع يتصور المعنى الحقيقي للفظ حتى لو صدر اللفظ من آلة، القصد- أي قصد إخطار المعنى فقط أو مع المراد الجدّي- يوجد في الدلالة التصديقية.

والنتيجة أنه على مسلك التعهّد يكون الوضع سببا للدلالة التصديقية الأولى لا الدلالة التصورية، وتكون الدلالة التصديقية الأولى معلولة وناشئة من الوضع، والدلالة التصورية تكون مستبطَنة ومتضمَّنة في الدلالة التصديقية الأولى، والمتعهّد له إرادة استعمالية، ومع هذه الإرادة عند المتكلم لا ينفك المدلول التصوري عن المدلول التصديقي الأول، فكلما وُجِدَ المدلول التصديقي الأول وُجِدَ المدلول التصوري، ولولا وجود الدلالة

197

التصورية لما وجدت الدلالة التصديقية الأولى، فأولا يحضر المعنى في الذهن، وبعد ذلك يحصل تصديق بأن المتكلم قصد تفهيم هذا المعني للسامع، واللفظ بنفسه بناء على مسلك التعهد لا يكشف عن المعنى ما لم يكن المتكلم متعهّدا باستعمال هذا اللفظ لتفهيم المعنى، واللفظ لوحده ليس كافيا في تحقيق الدلالة، ولا يوجد في هذا المسلك إلا دلالتان هما: الدلالة التصديقية الأولى والدلالة التصديقية الثانية.

وأما بناء على مسلك الاعتبار فإن الوضع سبب للدلالة التصورية فقط، فيعتبر الواضع أن هذا اللفظ يدل على هذا المعنى، فإذا سمعت اللفظ انتقل ذهنك إلى المعنى أي تصورت المعنى، والدلالة التصديقية بناء على مسلك الاعتبار ليست معلولة وناشئة من الوضع بل معلولة وناشئة من سياق الكلام ومن ظاهر حال المتكلم في أنه ملتفت وقاصد إخطار المعنى في ذهن السامع، والمتكلم إذا كان نائما لا تنشأ من كلامه دلالة تصديقية لأن الدلالة التصديقية دلالة حالية سياقية، وتنشأ الدلالة التصورية فقط لأن الدلالة التصورية تنشأ من الوضع الذي هو الاعتبار، والدلالة التصورية دلالة وضعية واعتبارية، وعلى مسلك التعهد إذا تلفظّت بكلمة فأنت تقصد معنى معيّنا، والقصد لا يوجد عند النائم أو في آلة أو في حجر، بل يكون القصد عند من يستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى أي يكون قاصدا لهذا الاستعمال، والدلالة التصديقية الأولى تنشأ من متكلم ملتفت عنده إرادة استعمالية، والدلالة التصديقية الثانية تنشأ من وجود إرادة جدية للمعنى عند المتكلم الملتفت.

198

إذن: الفرق الأول بين المسلكين أنه في نظرية التعهّد يكون الوضع سببا للدلالة التصديقية، وفي نظرية الاعتبار يكون الوضع سببا للدلالة التصورية.

الفرق الثاني:

على مسلك التعهّد يكون كل مستعمل وكل متكلم واضعا ومتعهِّدا لأن كل متكلم يقصد تفهيم المعنى ويتعهد بأن لا يستعمل هذا اللفظ إلا في هذا المعنى، وقلنا بأن التعهد هو أن لا يأتي باللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى، فأنا متعهّد وأنت متعهّد وفلان متعهّد حينما نتلفظ بهذه الكلمات حتى تتم الملازمة بين اللفظ والمعنى في كلامنا، ولا نستعمل هذه الألفاظ في معانٍ أخرى لأن المتكلم متعهّد، فيستعمل هذا اللفظ في المعنى المقصود فقط، فيوجد هنا تعهّد متكرِّر من المتكلّمين، وإذا كان كل متكلم متعهدا فمعنى ذلك أن كل متكلم يكون واضعا لأن الوضع معناه التعهد، فيوجد تكرار للتعهد أي تكرار للوضع، فأنا أقصد أن أستعمل هذه الألفاظ في هذه المعاني، وأنا أقصد المعاني فآتي بالألفاظ التي تدل على هذه المعاني، وأنت تقصد تفهيم المعنى فأنت تتعهد أن تستعمل هذه الألفاظ في هذه المعاني، فكل متكلم يكون متعهدا.

وأما بناء على مسلك الاعتبار فإن الوضع صدر من المؤسّس والواضع الأول أو المؤسّسين والواضعين الأوائل، فحينما يضع الواضع الأول فإنه تنشأ علاقة سببية بين اللفظ والمعنى، والوضع يوجِد دلالة تصورية عند كل من يعلم بهذا الوضع، فكلما استعمل المتكلم اللفظ يخطر المعنى في‏

199

ذهن السامع وتتحقّق الدلالة التصورية، والشخص الذي لا يعرف اللغة العربية إذا درس اللغة فإنه يعرف الأوضاع، فهو لا يحتاج أن يضع في كل مرّة، فلا يوجد وضع متكرِّر، وإنما يوجد وضع واحد واعتبار واحد، ومن يأتي بعد ذلك ويعلم بالوضع فإنه يكون مستعملا لما وضعه الواضع الأول من دون تكرار لعملية الوضع لا أن كل متكلم يضع هذا اللفظ لهذا المعنى بخلاف مسلك التعهد فإن الوضع يتكرر من كل متكلم لأن كل متكلم يكون مستعملا، وكل مستعمل يكون متعهّدا، وكل متعهّد يكون واضعا، وعلى مسلك الاعتبار لا يكون كل متكلم معتبرا، بل المعتبِر هو المعتبِر الأول فقط وهو الذي وضع اللفظ لهذا المعنى، فيوجد المعتبر الأول أو المعتبرون الأوائل، ومن يأتي بعد ذلك ويستعمل هذا اللفظ فإنه لا يحتاج أن يقول إني وضعت أيضا هذا اللفظ لهذا المعنى، فالمستعمل قد يكون غير الواضع، ولا يحتاج إلى تكرار الوضع بخلاف التعهّد الذي يحتاج إلى أن كل شخص يستعمل هذا اللفظ لا بد أن يكون متعهّدا بأنه لا يستعمل هذا اللفظ إلا في هذا المعنى، وبناء على مسلك الاعتبار فالوضع إذا صدر من المؤسّس فإن الوضع يؤدي إلى دلالة تصورية عامة لكل من علم بالوضع من دون حاجة إلى تكرار عملية الوضع من الجميع، فهناك واضع أول، ومن يأتي بعده يكون مستعمِلا لا واضعا.

5

رد السيد الشهيد على مسلك التعهّد:

الرد الأول:

عندما يتعهّد المتكلم بأن يستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى فلازم‏

200

ذلك أنه لا يستطيع أن يستعمل هذا اللفظ في معان أخرى لم يتعهّد بها، فاستعمال اللفظ في غير ما تُعُهِّد له غير جائز وغير صحيح، ومع هذا التعهد يُفْتَرَض عدم وجود معاني مجازية لأنه يوجد التزام ضمني عند المتكلم بأن لا يستعمل اللفظ في المجاز، فلا يستطيع استعمال لفظ" الأسد" في" الرجل الشجاع"، وإذا استعمل اللفظ في المجاز فمعنى ذلك عدم الالتزام بتعهده، والتعهد يكون في المعنى الحقيقي فقط.

ومعنى ذلك أنه لا توجد في اللغة معاني مجازية، وهذا خلاف الوجدان لأنه في الواقع توجد معاني مجازية في اللغة، وكل متكلم كثيرا ما يأتي باللفظ ويقصد به تفهيم المعنى المجازي، وهذه المعاني المجازية لم تأتِ من التعهّد.

ونستطيع الآن أن نستعمل أي لفظ في المعنى المجازي، مثلا نقول:" جاء الأسد"؛ ونقصد زيدا الشجاع، وهذا معناه عدم وجود التعهد عند المتكلم بأن لا يستعمل اللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى الحقيقي، وهذا معناه عدم صدور الالتزام الضمني من كل متكلم بعدم استعمال اللفظ في المجاز (1).

____________

(1) قد يقال إنه يمكن أن نتعهد أن نستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى المجازي.

والجواب: أن التعهد يكون في المعاني الحقيقية فقط دون المعاني المجازية لأن اللفظ لا يوضع إلا للمعنى الحقيقي، وعندما يستعمل اللفظ في المعنى المجازي فإن هذا الاستعمال هو استعمال في المعنى الذي لم يوضع له اللفظ، لذلك تستطيع أن تستعمل اللفظ في معنى مجازي ثاني، فهل نقول إنه يوجد هنا تعهّد ثالث؟

نقول التعهد يكون تعهدا واحدا ويكون في معنى واحد فقط وهو المعنى الحقيقي لأننا نقول- عن طريق أداة الحصر وهي الاستثناء بعد النفي- بأننا نتعهد بأن لا نستعمل هذا اللفظ إلا في هذا المعنى الواحد، أي نستعمل هذا اللفظ في معنى واحد فقط، فيوجد تعهد واحد لكل لفظ، ولم نقل" إننا نستعمل اللفظ في معنى" لأن هذا القول لا يدل على الحصر لإمكان استعماله في معنى آخر، والسيد الخوئي (قدس سره) كان دقيقا حينما قال بأن التعهد هو:" أن لا يأتي باللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى"، فهو (قدس سره) أراد الاستثناء الواقع بعد النفي، وإذا قلت نغيّر تعبير السيد الخوئي (قدس سره) إلى" استعمال اللفظ في معنى" بحيث يمكن استعماله في معنى آخر فنقول بأن هذه النظرية تكون نظرية خامسة لا نظرية السيد الخوئي (قدس سره).

قد تقول بأن التعهّد هو" استعمال اللفظ في معنى مع القرينة"؛ فنقول بأن هذه نظرية سادسة لأن المعنى الحقيقي لا يحتاج إلى قرينة، وما يحتاج إلى قرينة هو المعنى المجازي.

وقد تقول بأن التعهد هو" استعمال اللفظ في معنى ما عدا المعنى المجازي"؛ فنقول بأن هذه نظرية سابعة لأن هذا الاستثناء لم يكن في كلام السيد الخوئي (قدس سره).

201

النتيجة:

الرد الأول على مسلك التعهد هو أنه لا نستطيع أن نستعمل الألفاظ في المعاني المجازية، وهذا خلاف الوجدان.

إن مسلك التعهد لا يستطيع تفسير الاستعمال المجازي في اللغة، والاستعمال المجازي يكون على خلاف تعهد المتكلم لأنه يكون قاصدا تفهيم معنى آخر غير المعنى الذي تعهّد بتفهيمه‏ (1).

____________

(1) يمكن توجيه قول السيد الخوئي (قدس سره) بالتوجيه التالي، وهو أن التعهّد يعني التّعاهد والتّسالم، فالأفراد تعاهدوا وتسالموا على استعمال هذا اللفظ في المعنى الحقيقي، ونفس الاستعمال يدل على هذا التسالم بينهم، والتسالم بينهم لا يعني عدم إمكان استعمال اللفظ في المعنى المجازي لأن الاستعمال في المعنى المجازي خارج عن دائرة التسالم، فالتسالم يعني عدم إمكان استعمال اللفظ في معنى حقيقي آخر لم يوضع له اللفظ ولا يعني عدم إمكان استعمال اللفظ في معنى مجازي، فالمعنى المجازي لا يحتاج إلى تعاهد وتسالم لأن استعمال اللفظ في المعنى المجازي جائز لوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وهذا لا يحتاج إلى تعاهد وتسالم بين المتكلمين، فالمتكلم يستطيع أن يستعمل اللفظ في المعنى المجازي الذي يريده لوجود العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي الذي تسالم أفراد المجتمع وتعاهدوا على استعمال اللفظ فيه، والمجاز لا يحتاج إلى تعاهد وتسالم بينهم، فيمكن استعمال لفظ" الأسد" في الرجل الشجاع، وبهذا التوجيه يصح قول السيد الخوئي (قدس سره) بمسلك التعهّد أو التّعاهد والتّسالم.

202

الرد الثاني‏ (1)

يشترط في هذا المسلك أن يكون كل متعهد وكل متكلم هو الواضع، ولكن الأطفال لا يوجد عندهم تعهد ووضع لأنهم لا يعرفون معنى التعهد مع أنهم يستعملون هذه الألفاظ في معانيها.

عندما يقول الطفل:" أريد ماء"؛ فإنه يقصد معنى" الماء" مع أنه لا يعرف معنى التعهد.

إن عملية التعهد تحتاج إلى نوع من الإدراك العالي للاستدلال باللفظ على المعنى، فالشخص لا بد أن يكون بالغا إلى حد يمكن أن يتعهد بأن لا يستعمل هذه الألفاظ إلا في هذه المعاني، والتعهد يحتاج إلى نوع من الاستدلال المنطقي بإدراك الملازمة بين اللفظ والمعنى حتى يتحقّق الانتقال‏

____________

(1) الرد الثاني لا يأتي على مسلك الاعتبار لأنه يوجد واضع واحد ومؤسس واحد، ومن يأتي بعد ذلك يستعمل اللفظ في معناه حسب وضع المؤسس الأول.