دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
203

من اللفظ إلى المعنى، وهذا الاستدلال بهذه الطريقة لا يوجد عند الأطفال، فعملية التعهد للكبار لا للأطفال، والأطفال لا يوجد عندهم تعهد مع أننا نرى أن الأطفال يستعملون الألفاظ في معانيها، فهذا ليس تعهدا من الطفل لأنه لا يدرك معنى التعهد، والطفل عندما يستعمل اللفظ فإنه لا يأتي إلى ذهنه قصد إخطار المعنى في ذهن الآخرين، وإنما يقلِّد الكبار، واستعمال الألفاظ في المعاني كان موجودا عند الإنسان قبل وجود أي نضوج فكري عنده، والدلالة اللفظية يستعملها كل الناس بدون أي نحو من الاستدلال، واللغة موجودة في حياة الإنسان ويستخدمها الناس بطريقة عفوية من دون حاجة إلى الاستدلال المنطقي باللفظ على المعنى، ومن دون وجود الاستدلال اللغوي وقصد إخطار المعنى في ذهن السامع عند استعمال اللفظ، ومن دون وجود التعهد بعدم استعمال اللفظ إلا عند قصد تفهيم المعنى، فمسلك التعهد يحتاج إلى استدلال، وهذا المسلك يفترض أن المتكلم قبل الكلام يتصور المعنى ثم يضع لفظا لهذا المعنى ثم يتعهد بينه وبين نفسه بأن لا يستعمل هذا اللفظ إلا إذا قصد تفهيم هذا المعنى، وإذا أراد الكلام واستعمال اللفظ فإنه يرجع إلى نفسه ليرى بأي شي‏ء هو تعهد، ثم يقارن بين ما تعهد به وبين اللفظ والمعنى، فإذا رأى أنه مطابق لما تعهد به استعمل اللفظ، وإذا لم يكن مطابقا فإنه لا يستعمل اللفظ، والمتكلم يحتاج إلى إدراك معنى الملازمة والانتقال من الملزوم إلى اللازم، فاللفظ ملزوم والمعنى لازم، والطفل لا يدرك كل ذلك حينما يستعمل اللفظ.

204

وهنا نحن أمام مفترق طريقين:

إما أن يقال بأن هذه النظرية لا تطبَّق في مرحلة الطفولة، وما يكون في مرحلة الطفولة لا بدّ أن يُفَسَّر بتفسير آخر.

وإما أن نقول بأن هذه النظرية غير تامّة مطلقا لأن تفسير منشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى لا يختص بعمر دون آخر.

والقول الثاني هو الصحيح وهو أن النظرية غير تامة.

النتيجة:

ترد الإشكالات التالية على نظرية التعهد:

1- لا يوجد في نظرية التعهد تفسير لوجود المعاني المجازية في اللغة، فالمجاز هو استعمال اللفظ في غير ما تُعُهِّدَ له، والمتكلم تعهّد أن لا يستعمل اللفظ إلا في هذا المعنى الحقيقي، فلا يمكنه أن يستعمل اللفظ في معنى آخر سواء كان المعنى الآخر حقيقيا أم مجازيا.

2- لا يوجد في نظرية التعهد تفسير للعلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى عند الأطفال لأن الطفل لا يتعهّد حتى يكون واضعا، والطفل يقلّد الكبار حينما يستعمل اللفظ في المعنى، والدلالة اللفظية الوضعية والعلاقة اللغوية بموجب مسلك التعهد تتضمن استدلالا منطقيا وإدراكا للملازمة بين اللفظ والمعنى وانتقالا من أحدهما إلى الآخر مع أن وجود هذه العلاقة اللغوية في حياة الإنسان يبدأ منذ الطفولة وقبل نضوج أي فكر استدلالي عند الطفل، وهذا دليل على أن الدلالة اللفظية والعلاقة اللغوية أبسط مما

رد السيد الشهيد على مسلك التعهّد

205

.. 205

يقوله به مسلك التعهد، والتعهد أمر معقَّد، وعملية استعمال اللفظ في المعنى عملية بسيطة لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد (1).

____________

(1) يمكن إضافة إشكالين آخرين على الإشكالين السابقين:

الإشكال الثالث:

لا يوجد في نظرية التعهد تفسير للوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال، فالاستعمال ينشأ من التعهد، وإذا صار الاستعمال علة للوضع والتعهد فإنه يلزم منه الدور، فالوضع على نظرية التعهد علة لاستعمال اللفظ في المعنى، واستعمال اللفظ في المعنى في الوضع التعيني علة للوضع، فيلزم منه الدور لأن العلة صارت معلولا والمعلول صار علة.

الإشكال الرابع:

عند صدور اللفظ من الآلة المفروض أن لا يحصل مدلول تصوري لأن الآلة لا تتعهد مع أنه في الواقع يوجد مدلول تصوري عند سماع اللفظ من الآلة، وإذا قلنا بأنه لا يوجد مدلول تصوري فما هو هذا الشي‏ء الذي يتصوره السامع عند صدور اللفظ من الآلة؟ هل هو ما يسمى بتداعي المعاني الذي يقول به الشيخ المظفر (قدس سره) في أصوله؟

ولكن يمكن أن نقول إن المتكلم أحيانا يُفْهَم من كلامه المدلول التصوري حينما يكون نائما مثلا ولا يفهم منه المدلول التصديقي لأن النائم لا يوجد عنده قصد، وكذلك إذا صدر الكلام من الآلة فإنه يوجد مدلول تصوري دون المدلول التصديقي، وإذا كان المتكلم يقصد إخطار المعنى في ذهن السامع دون أن يكون عنده مراد جدي، فهو يريد المدلول التصديقي الأول ولا يريد المدلول التصديقي الثاني، وإذا قصد الإخطار بشكل جدي فهو يريد المدلول التصديقي الثاني.

ويمكن أن يقال إنه لا مشاحة في الألفاظ، ولا يوجد فرق بين قولنا مدلول تصوري أو تداعي معاني لأن المقصود واحد وهو ما يخطر في ذهن السامع عند صدور اللفظ سواء صدر اللفظ من آلة أم من شخص نائم أم من شخص هازل أم من شخص جاد، فتداعي المعاني هو المدلول التصوري ولا يوجد فرق بينهما من حيث المعنى وإن اختلف اللفظان.

206

إذن: لا بد أن نفسّر ارتباط اللفظ بالمعنى بشي‏ء آخر غير التعهد، فنظرية التعهد غير تامة.

المسلك الرابع للسيد الشهيد: العلاقة التقارنية أو الاقترانية أو القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى:

يفسّر السيد الشهيد (قدس سره) العلاقة بين اللفظ والمعنى بالوضع، فالعلاقة ناشئة بينهما من الوضع، ودلالة اللفظ على المعنى ناشئة من الوضع، ولكن هذه النظرية تتعمّق في تفسير هذه العلاقة وتقف على جذور العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى.

ويعرِّف السيد الشهيد الوضع بأنه قرن مخصوص بين اللفظ والمعنى، أي أن شخصا يُقْرِنُ بين تصور هذا اللفظ وتصور هذا المعنى، فهو قرن مخصوص بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذا القرن يكون بنحو أكيد قوي بحيث يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن، وهناك تقارن بين هذا اللفظ وهذا المعنى بشكل قوي بحيث إن الشخص إذا تصوّر اللفظ ينتقل ذهنه إلى المعنى، وإذا تصوّر المعنى ينتقل ذهنه إلى اللفظ، وإذا أراد الإنسان أن يتكلم فأوّلا يتصوّر المعاني ثم ينطق بالألفاظ التي تعبِّر عن هذه المعاني، وإذا سمع شخصا يتكلم فإنه أوّلا يتصوّر الألفاظ ثم ينتقل ذهنه إلى المعاني التي تعبِّر عنها هذه الألفاظ.

وهذا الاقتران الأكيد بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى يطلق عليه‏

207

الشهيد (قدس سره)" الوضع"، فالوضع هو القرن الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهنا نحتاج إلى (الاعتبار+ الاقتران الناشئ من كثرة الاستعمال أو الظرف المؤثر)، وبهذا يمكن تفسير العلاقة القوية بين اللفظ والمعنى‏ (1).

هذه النظرية جاء بها السيد الشهيد (قدس سره) استنادا على نظرية" الاستجابة الشرطية" أو" الاقتران الشرطي" للعالم بافلوف، والتجربة التي أجراها بافلوف هي أنه أتى بكلب، وكان يضغط على جرس وبعد ذلك يقدّم الطعام لهذا الكلب، وكرّر هذه العملية عدة مرات، ثم كلما كان يضغط على الجرس كان لعاب الكلب يسيل، فالكلب يستجيب بشرط قرع الجرس، فهناك ارتباط وعلاقة واقتران بين صوت الجرس والطعام، فإذا سمع الكلب الجرس انتقل ذهنه إلى الطعام فيسيل لعابه مع أنه لا يوجد طعام، فصار هناك اقتران شرطي بين الجرس والطعام، واستفاد السيد الشهيد (قدس سره) من هذه النظرية في وضع تعريف للوضع وارتباط اللفظ بالمعنى ( (2).

____________

(1) نستطيع أن نطلق على مسلك السيد الشهيد (قدس سره) مسلك الاعتبار الاقتراني، ونطلق على المسلك الثاني مسلك الاعتبار الصِّرْف حتى نفرِّق بين المسلكين لأن كلا المسلكين فيهما اعتبار، ولكن في مسلك السيد الشهيد توجد زيادة وإضافة على الاعتبار، والزيادة هي الاقتران بين اللفظ والمعنى، فنجعل هذه الزيادة في تعريف مسلك السيد الشهيد، ونجعل المسلك الثاني هو الاعتبار الصِّرْف‏

(2) وهذا الأمر من مزايا السيد الشهيد (قدس سره) أنه اطلع على العلوم الحديثة وحاول أن يدخل هذه النظريات الحديثة في علم الأصول، فيمكن الاستفادة من النظريات في العلوم الحديثة في تطوير علم أصول الفقه وغيره من العلوم المتعلّقة بالدين، لا نأخذ كل شي‏ء من العلوم الحديثة، نأخذ فقط النظريات التي تساهم في تطوير العلوم الدينية وتساعد في فهم الدين أكثر.

208

والوضع قائم على أساس هذا القانون التكويني الذي جعله الله عز وجل للذهن البشري، فاستفاد السيد الشهيد من هذا القانون التكويني عند الإنسان وهو أنه إذا ارتبط في ذهنه شيئان ارتباطا قويا فإنه كلما تصور أحدهما انتقل ذهنه إلى الآخر، فإذا تصور الشي‏ء الأوّل انتقل ذهنه إلى تصور الشي‏ء الثاني، وإذا تصور الشي‏ء الثاني انتقل ذهنه إلى تصور الشي‏ء الأوّل.

وفي مقامنا يوجد اقتران بين اللفظ والمعنى، والوضع يقوم على أساس قانون تكويني عند الذهن البشري وهو أنه كلما ارتبط شيئان في تصور الإنسان ارتباط مؤكَّدا فإن تصور أحدهما في الذهن يكون مستدعيا لتصور الآخر.

بعبارة أخرى:

إن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مرارا عديدة- ولو على سبيل الصدفة- أو في ظرف مؤثر قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سببا لانتقال الذهن إلى تصور الآخر، فحل مشكلة علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى يكون بهذا القانون العام الموجود ضمن قوانين الذهن البشري.

ويمكن تنظير ذلك بالمثالين التاليين:

209

مثال اقتران تصوّر الشيئين مرارا عديدة:

إذا رأيت محمدا وعليّا معا دائما، فإذا رأيت محمدا أو سمعت باسمه فإنك تتصور عليّا وتسأل عنه، وإذا رأيت عليّا أو سمعت باسمه فإنك تتصور محمدا وتسأل عنه، فهناك ارتباط قوي بينهما لأن رؤيتهما معا مرارا عديدة أوجد علاقة بينهما في تصوّرنا، وهذه العلاقة تجعل تصورنا لأحدهما سببا لتصور الآخر.

ومن تجارب الفقهاء أننا قد نجد راويا يقترن اسمه دائما باسم راوٍ آخر، كالنوفلي الذي يروي دائما عن السكوني، فتنشأ علاقة بين هذين الاسمين في الذهن، فإذا تصورنا النوفلي أو وجدنا اسمه مكتوبا في كتاب قفز الذهن فورا إلى السكوني نتيجة لذلك الاقتران المتكرر بين الاسمين.

مثال اقتران تصوّر الشيئين مرة واحدة في ظرف مؤثر:

إذا سافر شخص إلى بلد وأصيب هناك بمرض شديد- كالملاريا- وشفي منه ورجع إلى بلده فإنه كلما ذكر ذلك البلد تذكر المرض، وإذا تذكر المرض تذكر ذلك البلد، فذلك الاقتران بين ذلك البلد والمرض أنتج علاقة بينهما.

تطبيق القانون العام في مقامنا:

وهكذا يكون الارتباط بين اللفظ والمعنى، فكلما تصورت أحدهما انتقل ذهنك إلى تصور الآخر (1)، وإذا درسنا على هذا الأساس علاقة

____________

(1) قد يقال إن هذا الانتقال من شي‏ء لآخر موجود عند الحيوان أيضا فما هو الفرق بين الإنسان والحيوان في هذ القانون التكويني حيث يقول السيد الشهيد:" على أساس قانون تكويني للذهن البشري"؟ ولماذا قيّد السيد الشهيد هذا القانون التكويني بالذهن البشري؟

الجواب: هذا الربط بهذه الصورة المعقّدة يكون للذهن البشري فقط، ولا يوجد عند الحيوانات بهذه الطريقة المعقدة، نعم يوجد عند الحيوان الانتقال الذهني من شي‏ء لآخر كالانتقال من رؤية الأسد إلى الفرار، ولكن الإنسان يستفيد من الربط في أمور معقدة مثل ربط واقتران اللفظ بالمعنى لا في الأمور العفوية البسيطة التي تقع للحيوانات.

210

السببية بين اللفظ والمعنى زالت المشكلة حيث نستطيع أن نفسر هذه العلاقة بوصفها نتيجة لاقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكرّرة أو في ظرف مؤثر مما يؤدي إلى قيام علاقة بينهما.

مثال اقتران اللفظ والمعنى بصورة متكرّرة:

إذا سمع الطفل اللفظ عدة مرات مع معنى معيّن فهذا التكرار يولِّد اقترانا بين اللفظ والمعنى عند الطفل، فبتكرار استعمال اللفظ في المعنى يقترن اللفظ بالمعنى وبكثرة استعمال اللفظ في المعنى تنشأ علاقة بين اللفظ بالمعنى.

مثال اقتران اللفظ والمعنى في ظرف مؤثر:

إذا سافر شخص إلى دولة أجنبية واحتاج إلى كلمة معيّنة في حال الاضطرار فيسأل عن اللفظ، ومع أنه سمع اللفظ مرة واحدة فإنه يحفظها، فكلما ذكر ذلك المعنى ذكر اللفظ، وكلما ذكر اللفظ ذكر ذلك المعنى.

إذن: القرن الأكيد ينشأ من أحد أمرين:

211

أ- كثرة استعمال اللفظ في المعنى.

ب- الظرف المؤثر.

كيفية حصول الربط بين اللفظ والمعنى:

بعد ذلك يذكر السيد الشهيد (قدس سره) كيفية حصول الربط والاقتران بين اللفظ والمعنى بحيث تقوم العلاقة اللغوية بينهما.

يقول إن هذا الربط والاقتران يكون على نحوين:

النحو الأول:

أن يحصل الربط والاقتران بين تصوّرين بصورة عفويّة اتّفاقيّة تلقائيّة غير مقصودة وبدون تدخل أي واضع، كما هو الحال في الربط بين الأشياء الكونية الموجودة حولنا، مثلا نسمع زئير الأسد فنتصوّر الأسد، وهذا الربط يحصل نتيجة التقارن الطبيعي المتكرّر بين سماع الزئير ورؤية الأسد، وكذلك نسمع الصهيل فنتصوّر الحصان، ونسمع الرعد فنتصوّر البرق، وحتى الطفل عنده هذا الانتقال، وهذا الأمر يحصل عدة مرات في الخارج فيصير عند الإنسان هذا الارتباط والاقتران بين الزئير وتصور الأسد، والصهيل وتصور الحصان، وصوت الرعد والبرق، والطفل يتعلم عن طريق تكرار اللفظ عند رؤية شي‏ء معيّن فيحصل في ذهنه الاقتران بينهما.

وبعض الألفاظ اقترنت بمعاني معينة مرارا عديدة بصورة تلقائيّة فنشأت بينهما العلاقة اللغوية، مثل كلمة (آه) إذ كانت تخرج من فم الإنسان بطبيعته كلما أحس بالألم، فارتبطت كلمة (آه) في ذهنه بصورة

212

الألم، فكلما سمع هذه الكلمة انتقل ذهنه إلى تصور الألم، ومن المحتمل أن الإنسان قبل أن توجد لديه أي لغة استرعى انتباهه هذه العلاقات التي قامت بين الألفاظ- من قبيل (آه)- ومعانيها نتيجة لاقتران تلقائي، وأخذ ينشئ على منوالها علاقات جديدة بين الألفاظ والمعاني.

النحو الثاني:

أن يحصل الربط والاقتران بين تصوّرين بقصد وعناية وجعل وتدخّل من الواضع كالربط بين اللفظ والمعنى، فالواضع يقرن بينهما في عملية الوضع اللغوي لكي تقوم بينهما علاقة سببية.

وأفضل مثال لذلك الأعلام الشخصية، فحينما يسمي الشخص ابنه عليّا فإنه يقرن بين الاسم والوليد الجديد لكي ينشئ بينهما علاقة لغوية ويصبح اسم (علي) دالا على هذا الوليد، ويسمى هذا العمل ب-" الوضع"، فالوضع هو عملية تَقْرِنُ بها لفظا بمعنى" (1)، وتكون نتيجة الوضع قفز الذهن إلى المعنى عند تصوّر اللفظ دائما.

____________

(1) هذا التعريف لا يشمل الوضع التعيّني لأن الواضع إذا قرن لفظا بمعنى فإن هذا الوضع يكون شاملا للوضع التعييني فقط ولا يشمل الوضع التعيّني؛ لأن الوضع التعييني هو الوضع الذي ينتج من تخصيص الواضع لفظا بمعنى أي يكون بتعيين معيِّن، فالتعريف يشمله، والوضع التعيّني هو ما ينتج من كثرة الاستعمال، فإذا قلنا بأن الوضع هو" عملية تَقْرِنُ بها لفظا بمعنى"؛ فإن هذا التعريف لا يشمل الوضع التعيّني الناتج من كثرة الاستعمال، لذلك فالتعريف الأفضل هو الوضع هو" عملية تُقْرَنُ بها لفظٌ بمعنى"، وهذا التعريف يكون شاملا للوضع التعييني والوضع التعيّني لأن الاقتران بين اللفظ والمعنى يأتي من كلا الوضعين.

213

وكذلك يأتي الواضع ويقول:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى"، فيربط بين اللفظ وتصوّر معنى مخصوص في أذهان الناس، فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى، وتكون العملية مقصودة، وهو يريد من الناس عندما نستعمل هذا اللفظ أن يتصوّروا هذا المعنى المعيّن، وكلما تصوّرت اللفظ انتقل ذهنك إلى المعنى، فالواضع يقصد أن يجعل هذا اللفظ المعيّن لهذا المعنى المعيّن.

مثلا: عندما أقول:" أسد"؛ ينتقل ذهنك إلى هذا الحيوان المفترس.

والعملية مقصودة من الواضعين وليست عملية عفوية غير مقصودة، وهي ليست مثل سماع زئير الأسد وانتقال الذهن إلى صورة الأسد، وإنما هي عملية مقصودة، والطفل يتعلم عن طريق تلقينه بأن هذا الشي‏ء له هذا اللفظ، فعن طريق التلقين يحصل الاقتران في ذهنه بين اللفظ والمعنى.

والوضع يشبه ما يصنعه الشخص حينما يُسْأل عن طبيب العيون فيقال إن اسمه جابر، ويريد أن يركّز اسمه في ذاكرته فيقرن بينه وبين شي‏ء قريب من ذهنه، فيقول مثلا إنه قرأ كتابا أعجبه واسم مؤلفه جابر، فيُوجِد ارتباطا خاصا بين صاحب الكتاب والطبيب جابر، ويصبح قادرا على تذكّر اسم الطبيب متى ما تصوّر ذلك الكتاب، وهذه الطريقة في إيجاد الارتباط لا تختلف جوهريّا عن اتخاذ الوضع كوسيلة لإيجاد العلاقة اللغوية بين الألفاظ والمعاني.

214

الخلاصة:

السّرّ في واقعية العلاقة بين اللفظ والمعنى هو وجود قوة في ذهن الإنسان في تكوين روابط وعلاقات واقترانات بين شيئين بحيث إنه كلما تصوّر أحدهما انتقل ذهنه إلى تصور الآخر.

ملاحظات:

الملاحظة الأولى:

في نظرية الاعتبار هدف الاعتبار هو أن الواضع يريد أن يوجِد علاقة وربطا واقترانا بين اللفظ وصورة المعنى، ولكن كيف يأتي الناس ويستعملون هذا اللفظ في هذا المعنى؟

مثلا: لو وضعت واعتبرت هذا اللفظ لهذا المعنى نرى أن الناس لا يستعملون هذه الألفاظ التي وضعتها، فمجرد الاعتبار لا يؤدي إلى استعمال الناس للفظ في المعنى، وبمجرد اعتبار اللفظ للمعنى لا يتحقّق الوضع ولا تتحقق السببية، فنظرية الاعتبار صحيحة ولكن بناء على تفسير السيد الشهيد (قدس سره)، فالاعتبار معناه هو أنك توجِد علاقة وربطا واقترانا وقرنا مخصوصا وأكيدا بين اللفظ والمعنى بصورة مقصودة بحيث إن الناس يصير عندهم هذا القرن الأكيد بينهما فيستعملون هذا اللفظ في هذا المعنى لا مجرد أن الواضع يضع هذا اللفظ لهذا المعنى.

إن مجرد الاعتبار بوضع اللفظ للمعنى لا ينشئ هذه العلاقة القوية بين اللفظ والمعنى ولا يكون سببا لتكوين العلاقة بين اللفظ والمعنى، لذلك لا يستعمل الناس هذا اللفظ في هذا المعنى، فالوضع وسيلة من وسائل‏

215

نشوء العلاقة بين اللفظ والمعنى ولكنه ليس السبب في واقعية هذه العلاقة، والسبب في واقعية هذه العلاقة هو الاقتران الأكيد في الذهن بين اللفظ وصورة المعنى لأن ذهن الإنسان مركب من ناحية تكوينية على أن ارتباط شيئين بقوة في الذهن يؤدي إلى تصور أحدهما عند تصور الآخر.

وإذا أوْجَدْتَ هذه العلاقة القوية فإن نظرية الاعتبار بهذا التفسير الجديد تكون صحيحة، فنظرية الاعتبار صحيحة ولكن بزيادة، وهي الزيادة التي أشار إليها السيد الشهيد (قدس سره)، وهي إيجاد علاقة قوية وقرن أكيد بين اللفظ والمعنى بحيث كلما ذُكِرَ اللفظ انتقل الذهن إلى المعنى، وهذه العلاقة القوية لا تنشأ من مجرد الاعتبار، بل عندنا أكثر من ذلك.

وهذا الاعتبار هو القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى لا بالتعريف الذي طرحه أصحاب نظرية الاعتبار، وهذا القرن بينهما يكون نتيجة ذلك القانون التكويني في الذهن البشري، وذلك القانون الطبيعي هو الموجِد للسببية، والواضع عن طريق الاعتبار يحقّق ويوجِد مصداق ذلك القانون الطبيعي الموجود في العقل البشري بأن يربط بين اللفظ والمعنى، والاقتران الأكيد لا يحصل إلا من التكرار أو في ظرف مؤثر، فلا بد من التكرار أو الظرف المؤثر ليحصل القرن الأكيد بين شيئين، فالوضع يحتاج تارة إلى العامل الكمّيّ وهو كثرة الاستعمال، ويحتاج تارة أخرى إلى العامل الكيفي وهو الظرف المؤثر، وحينئذ يتحقق الوضع.

فالوضع هو القرن الأكيد والاقتران القوي بين اللفظ والمعنى بحيث‏

216

كلما تصورت اللفظ انتقل ذهنك إلى المعنى.

بعبارة أخرى:

الوضع هو قرن مخصوص بين تصور اللفظ وتصور المعنى بنحو أكيد لكي يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن‏ (1).

الملاحظة الثانية:

بناء على مسلك التعهّد طالما أنه يوجد قصد فإن ذهن الإنسان ينتقل إلى المدلول التصديقي، وبناء على مسلك الاعتبار ينتقل الذهن إلى المدلول التصوري، وبناء على مسلك السيد الشهيد (قدس سره) ينتقل الذهن إلى المدلول التصوري لأن القرن الأكيد يوجِد علاقة بين اللفظ وتصور المعنى، فالوضع سبب للدلالة التصورية لأن الاقتران بين اللفظ والمعنى لا يؤدي إلى أكثر من تصور المعنى عند سماع اللفظ، والاقتران‏

____________

(1) كما أن هناك ملازمة بين اللفظ والمعنى، كذلك هناك ملازمة بين معنى ومعنى آخر، مثلا إذا قلنا:" زيد وقع في النار"، فلفظ" النار" يدل على معنى" النار"، ومن معنى" النار" ينتقل الذهن إلى معنى" الاحتراق"، فيقول:" زيد احترق"، وذلك لوجود الملازمة الخارجية بين النار والاحتراق، وبالتالي تنشأ ملازمة ذهنية بينهما بحيث إنه في عالم الذهن ينتقل الشخص من تصور النار إلى تصور الاحتراق من دون المرور بعالم الألفاظ لأن الناس يحتاجون إلى الألفاظ لنقل المعاني من ذهن شخص إلى ذهن شخص آخر، ولكن نفس الشخص لا يحتاج إلى الألفاظ لأن المعاني تكون في ذهنه فينتقل من صورة إلى صورة من دون حاجة إلى الألفاظ، نعم هناك ألفاظ ذهنية يستعملها الشخص لأنه لا يستطيع التفكير بالمعاني من دون أن يأتي بالألفاظ التي تدل على هذه المعاني.

217

بينهما لا يبيّن قصد المتكلم وأنه أي معنى يريد، فالجهاز إذا أصدر صوتا فإن الذهن ينتقل إلى تصور المعنى مع أن الجهاز ليس عنده قصد، والمدلول التصديقي الأول- وهو قصد الإخطار- والمدلول التصديقي الثاني- وهو قصد الحكاية والإخبار في الجملة الخبرية بشكل جدي- ينشآن من الظهور الحالي أي ظهور حال المتكلم في أنه يقصد هذا المعنى، أو ينشأ من الظهور السياقي للكلام وأن المتكلم يقصد هذا المعنى، فالسياق هو الذي يدل على المعنى المقصود، والمدلول التصديقي يُعرف إما من ظهور حال المتكلم وإما من سياق الكلام، وليس له علاقة بالوضع وبالدلالة التصورية، فالمتكلم عندما يريد شيئا بشكل جدي فظاهر حاله وسياق كلامه ووجوده في ظرف معيّن وهو ضمن هذا الظرف يقصد معنى معيّنا، فالمراد الاستعمالي والمراد الجدي ينشآن من ظهور حال المتكلم ومن سياق الكلام لا من الوضع من حيث هو هو بدون النظر إلى حال المتكلم وسياق الكلام.

إذن: عند السيد الشهيد ينتقل الذهن إلى المدلول التصوري عن طريق الوضع ولا ينتقل الذهن إلى المدلول التصديقي، فنظرية القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى يستفاد منها الدلالة التصورية، وأما الدلالتان التصديقيتان الأولى والثانية فتستفادان من حال المتكلم وسياق الكلام.

الوضع التَّعْيِينِيّ والوضع التَّعَيُّنِيّ‏

قلنا إن حقيقة الوضع هو القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى وليس هو الاعتبار ولا التعهّد، وبعد تحديد حقيقة الوضع تأتي ثلاثة أبحاث‏

218

أخرى: بحث في سببيّة اللفظ للمعنى أو سبب تحقّق الوضع، وبحث ثاني في المعنى، وبحث ثالث في اللفظ.

وهي كما يلي:

البحث الأول: أنحاء تحقّق الربط بين اللفظ والمعنى:

أي في أشكال وكيفيّة وطرق تحقّق الرّبط بين اللفظ والمعنى، قلنا بأنه يوجد ربط بين اللفظ والمعنى، فكيف يحصل هذا الربط؟ وكم طريق يوجد لتحقيق هذا الربط؟

وهذا هو البحث في قسمي الوضع: التّعييني والتّعيّني، وتقسيم الوضع إلى هذين القسمين يرجع إلى بيان سبب نشوء العلاقة بين اللفظ والمعنى، فهل هذه العلاقة نشأت بسبب واضع معيّن أو بسبب كثرة الاستعمال؟

البحث الثاني: أنحاء تصوّر المعنى:

قلنا إننا نريد أن نوجد ربطا بين اللفظ والمعنى، فهل يوجد للمعنى نحو واحد من التصور أو أنحاء مختلفة من التصور؟

وهذا هو البحث في توقّف الوضع على تصور المعنى.

البحث الثالث: أنحاء تصوّر اللفظ:

قلنا إننا نريد أن نوجد ربطا وعلاقة بين اللفظ والمعنى، فهل يوجد للفظ نحو واحد من التصور أو أنحاء مختلفة من التصور؟

وهذا هو البحث في توقف الوضع على تصور اللفظ.

إذن: الوضع يمكن تقسيمه إلى عدّة تقسيمات من حيثيّات مختلفة،

219

فإذا لاحظنا الوضع من حيثية ما يسبّبه ويحقّقه فالوضع ينقسم إلى وضع تعييني ووضع تعيّني، وإذا لاحظنا الوضع من جهة المعنى فالوضع ينقسم إلى أربعة أقسام تأتي فيما بعد، وإذا لاحظنا الوضع من جهة اللفظ فالوضع ينقسم إلى وضع شخصي ووضع نوعي.

والأبحاث الثلاثة هي:

البحث الأول: أقسام الوضع أو أنحاء تحقّق الرّبط بين اللفظ والمعنى:

تقسيم الوضع يمكن أن يكون من حيثيّات ولحاظات مختلفة، فيمكن أن يكون التقسيم بلحاظ المعنى أو بلحاظ اللفظ، وسيأتيان في البحوث التالية، والتقسيم هنا بلحاظ سبب تحقّق الوضع، فما هو السبب الذي يؤدي إلى تحقّق الوضع؟ وما هو الطريق لإيجاد وتحقيق الربط بين اللفظ والمعنى؟

الجواب:

يُذْكَرُ هنا سببان وطريقان:

إما أن يكون الوضع بتعيين معيِّن وجعل جاعِل بحيث يقصد أن يجعل هذا اللفظ لهذا المعنى كأن يقول:" وضعت لفظ (الأسد) للحيوان المفترس"، فتنشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى من جعل وتعيين خاص سواء كان الواضع واحدا أم جماعة.

وإما أن ينشأ الوضع من كثرة استعمال اللفظ في المعنى، فينتج عن كثرة الاستعمال أنس ذهني يوجب انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى بحيث إن العلاقة بين اللفظ والمعنى تنشأ من كثرة الاستعمال‏

220

بدرجة تؤدي إلى الإلفة الكاملة بينهما.

إن الواضع إذا عيَّن هذا اللفظ لهذا المعنى بقوله:" اعتبرت" أو" تعهّدت"؛ مع وجود قصد الوضع عنده أطلق على الوضع" الوضع التّعيينيّ"، وأما إذا كان سبب الوضع هو كثرة استعمال الناس لهذا اللفظ في هذا المعنى بحيث لا يوجد عندهم قصد للوضع أطلق على الوضع" الوضع التّعيّنيّ".

فالوضع التعييني ناشئ من وضع واضع وتعيين معيِّن وجعل جاعل، والوضع التعيّني ناشئ من كثرة الاستعمال، وهذا هو الفرق الأول بين الوضع التعييني والوضع التعيّني.

والفرق الثاني بينهما أنه في الوضع التّعييني يأتي الاستعمال بعد الوضع، فيوجد وضع أوّلا ثم استعمال ثانيا، وفي الوضع التعيّني يأتي الاستعمال قبل الوضع، فيوجد استعمال أوّلا ثم وضع ثانيا، فالمستعمِل الأول لم يكن يقصد أن يجعل هذا اللفظ لهذا المعنى، فهو استعمل هذا اللفظ دون قصد الوضع، وأتى شخص آخر واستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى، وجاء شخص ثالث واستعمل هذا اللفظ، وهكذا توالى الأشخاص في استعمال اللفظ في المعنى، فكثر استعمال اللفظ في المعنى، وبذلك حصل وضع هذا اللفظ لهذا المعنى أي حصل اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى، وأما في الوضع التعييني فكان الواضع قاصدا بتعمّد أن يجعل هذا القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى، وأما في الوضع التعيّني فإن القرن والارتباط الأكيد بين اللفظ والمعنى ينشأ من كثرة الاستعمال.

221

إشكال السيد الشهيد:

يَرِدُ هذا الإشكال على مسلكي الاعتبار والتعهّد لأنه لا يمكن تبرير الوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال بناء على هذين المسلكين، فالتعهد والاعتبار المجرّد أو الصِّرف لا يمكن أن ينشآ ويتولّدا من كثرة الاستعمال.

إن المعتبر الأول يقول إنني أعتبر هذا اللفظ لهذا المعنى، والمتعهّد يقول إنني أتعهّد أن لا أستعمل هذا اللفظ إلا لهذا المعنى أو أتعهّد أن لا آتي بهذا اللفظ إلا عند إرادة وقصد هذا المعنى، فالاعتبار والتعهد لا يمكن أن ينشآ من كثرة الاستعمال مباشرة لأن الاستعمال المتكرّر لا يولِّد بمجرّده اعتبارا ولا تعهّدا، فلا بدّ أن يكون هناك شخص يعتبر أو يتعهّد، والاعتبار والتعهّد يعطيان وضعا تعيينيا فقط، ولا يوجد وضع تعيّني بناء على المسلكين، نعم يمكن أن ينشأ الوضع على مسلكي الاعتبار والتعهد من كثرة الاستعمال ولكن بشكل غير مباشر، وذلك بأن يأتي الواضع بعد أن يكثر استعمال اللفظ في معنى معيّن من قبل الناس ويقول:" أعتبر هذا اللفظ الكثير الاستعمال بين الناس لهذا المعنى" أو" أتعهّد بأن لا أستعمل هذا اللفظ الكثير الاستعمال بين الناس إلا في هذا المعنى".

ونطرح هنا السؤال التالي:

كيف يمكن تفسير الوضع التعيّني بناء على مسلكي الاعتبار والتعهد؟

222

الجواب:

القائلون بالاعتبار أو التعهّد لا يمكن أن يعطوا تفسيرا للوضع التعيّني لأن الاستعمال يكشف عن سبق الوضع، فالاستعمال يكشف عن الاعتبار وعن التّعهّد، والاستعمال لا يولِّد الاعتبار ولا التعهد، فالاستعمال يكون نتيجة ومعلولا للاعتبار والتعهد ولا يكون سببا وعلة لهما، فالاستعمال يكشف عن تكوّن وضع في رتبة سابقة، فيكون الاستعمال في رتبة لاحقة متأخرة عن الاعتبار والتعهد، فالاستعمال متأخر رتبة عن الاعتبار والتعهد، والمطلوب أن تكون كثرة الاستعمال قبل الاعتبار والتعهد حتى تؤدي إلى تكوّن الاعتبار أو التعهد، ولا يمكن أن تُنْتِج كثرة الاستعمال وضعا جديدا بناء على نظريتي الاعتبار والتعهد إذ لولا الاعتبار أو التعهد لما وجدت علاقة بين اللفظ والمعنى، ولا يوجد أثر لكثرة الاستعمال في إنشاء العلاقة بين اللفظ والمعنى، وكثرة الاستعمال تكشف عن وجود الاعتبار أو التعهد في رتبة سابقة ولا تؤدي إلى إيجاد الاعتبار والتعهد، فالوضع على مسلكي الاعتبار والتعهد يؤدي إلى كثرة الاستعمال، وأما كثرة الاستعمال فلا تؤدي إلى الوضع بناء على هذين المسلكين، فعلى أساس النظريتين ينشأ الوضع من الاعتبار أو التعهد ولا يمكن أن ينشأ من كثرة الاستعمال‏ (1)، وبناء على المسلكين يكون الفرق بين الوضع التعييني والوضع التعيني في نوعية الكاشف عن الوضع لا في نوعية الوضع.

____________

(1) يمكن أن يقال إن كثرة الاستعمال يمكن أن تؤدي إلى الاعتبار، ولكن ليس هو الاعتبار الذي هو اعتبار المعتبِر وهو الشخص الذي يقول:" اعتبرت هذا اللفظ لهذا المعنى"، ثم تترتب كثرة الاستعمال على هذا الاعتبار الذي يعتبره هذا الشخص، بل هو اعتبار من نوع آخر يتّضح مما يلي: كثرة الاستعمال تعني أن شخصا يستعمل لفظا في معنى معيّن، ثم يأتي شخص ثان ويستعمل نفس اللفظ في المعنى السابق، ثم يأتي شخص ثالث ويستعمل نفس اللفظ في المعنى السابق، وهكذا يستمر الاستعمال من قبل الناس إلى أن يحصل وضع اللفظ للمعنى، وهذا الوضع نوع آخر من الاعتبار حيث حصل اعتبار هذا اللفظ للمعنى، فالاعتبار له نوعان كما تبيّن، النوع الأول هو اعتبارُ شخصٍ اللفظَ للمعنى، والنوع الثاني هو اعتبارُ الناسِ اللفظَ للمعنى مما يؤدي إلى الوضع بسبب كثرة الاستعمال كما اتّضح من الشرح السابق، وهكذا يتّضح أن الاعتبار يمكن أن ينشأ من كثرة الاستعمال.

223

إذا قال القائل بالاعتبار والتعهد بأن كثرة الاستعمال معلول لهما فلا يصح أن يقول بأن الوضع على قسمين، بل لا بدّ أن يقول إن الكاشف عن الوضع على قسمين لأن الوضع على قسم واحد وهو الاعتبار للقائل به أو التعهد للقائل به، وأما الكاشف عنه فهو إما قول الواضع اعتبرت أو تعهدت وإما كثرة الاستعمال، ويوجد فرق بين القول بأن الوضع ينقسم إلى قسمين وبين القول بأن الكاشف عن الوضع ينكشف إلى قسمين، ونحن بحثنا في أقسام الوضع لا في أقسام الكاشف عن الوضع.

إذن: بناء على الاعتبار والتعهد تكون كثرة الاستعمال نتيجة ومعلولا لهما، ولا يمكن أن تكون سببا وعلة لهما وإلا لزم الدور، فلا يوجد تفسير للوضع التعيني عند القائلين بالاعتبار والتعهد.

سؤال: هل هذا الإشكال يَرِدُ على نظرية القرن الأكيد؟

الجواب:

224

لا يرد هذا الإشكال بناء على نظرية السيد الشهيد (قدس سره) لأنه عرَّف الوضع بأنه" الاقتران الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى"؛ سواء كان الاقتران ناشئا بتعمّد وقصد من الواضع أم من كثرة الاستعمال أم من استعمال واحد في ظرف مؤثر، فعلى هذه النظرية لا يَرِدُ هذا الإشكال لأنها تفسّر الوضع التعييني والوضع التعيني معًا حيث إن القرن الأكيد عبارة عن ربط يحدثه ذهن الإنسان- بمقتضى طبعه وتكوينه- بين اللفظ والمعنى، وهذا الربط الذهني بينهما يكون ناشئا بسبب اقتران خارجي أيّا كانت طبيعة هذا الاقتران.

فمن جهة يفسر الوضع التعييني لأن القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى يمكن أن ينشأ من تعيين معيِّن وجعل جاعل، وتعيين المعيّن نوع من الاقتران الخارجي، فيكون تعيين المعيِّن سببا وعلة للوضع أي للقرن الأكيد بين اللفظ والمعنى.

ومن جهة أخرى يفسر الوضع التعيني لأن القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى يمكن أن ينشأ من كثرة الاستعمال أيضا لأن كثرة الاستعمال نوع من الاقتران الخارجي، والاقتران الخارجي يؤدي إلى نشوء ارتباط في الذهن بين اللفظ والمعنى، فكثرة الاستعمال تكون سببا وعلة للوضع أي للقرن الأكيد بين اللفظ والمعنى بناء على نظرية السيد الشهيد (قدس سره) لأن كثرة الاستعمال تنشئ الاقتران الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى بحيث كلما تصورت أحدهما انتقل ذهنك إلى تصور الآخر، وكثرة الاستعمال تؤدي إلى تكرر الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى فيصير

225

القرن بينهما أكيدا بهذا التكرار إلى أن يبلغ القرن بينهما إلى درجة تجعل أحد التصورين صالحا لتوليد التصور الآخر، وبذلك يتم الوضع التعيّني، وينشأ الوضع التعيّني من كثرة الاستعمال كنشوئه من تعيين المعيِّن، فهذا الإشكال لا يرد على نظرية القرن الأكيد.

والبحث في أقسام الوضع لا يَرِدُ عليه أي إشكال بناء على نظرية القرن الأكيد بخلاف نظريتي الاعتبار والتعهد، وأما بناء على نظريتي الاعتبار والتعهد فإن كثرة الاستعمال تكون كاشفة عن الوضع ومعلولة ونتيجة للوضع وناشئة من الوضع ولا تكون علة وسببا للوضع.

إذن: على نظرية القرن الأكيد يوجد وضع تعييني وتعيّني، وعلى نظريتي الاعتبار والتعهد يوجد وضع تعييني فقط ولا يوجد وضع تعيّني، ولا يمكن تعقّل الوضع التعيّني بناء على النظريتين لأن الاعتبار والتعهد متقوِّمان بالعناية المقصودة لجعل اللفظ دالا على المعنى، وكثرة الاستعمال عملية لا يوجد فيها قصد للوضع لأنه في كثرة الاستعمال لا يوجد اعتبار ولا معتبِر ولا معتبَر ولا تعهّد ولا متعهِّد ولا متعهَّد به.

توقّف الوضع على تصوّر المعنى‏

هذا هو البحث الثاني وهو أنحاء تصوّر المعنى، ويأتي كما يلي:

البحث الثاني: أنحاء تصوّر المعنى:

معنى الوضع أن الواضع يجعل لفظا معيَّنا يشير إلى معنى معيَّن، فالوضع عبارة عن جعل اللفظ دالا على معنى ومشيرا إلى هذا المعنى، وقلنا سابقا إن تصوّر اللفظ يؤدي إلى تصوّر المعنى، والمعنى المتصوَّر

226

للشي‏ء قد يكون عامّا أي كليّا وقد يكون خاصّا أي جزئيّا، وكذلك المعنى الموضوع له اللفظ تارة يكون كليّا عامّا وتارة أخرى يكون جزئيّا خاصّا.

مثلا: المعنى المتصور ل-" الإنسان" معنى عام كلي يصدق على كثيرين، والمعنى الموضوع له لفظ" الإنسان" معنى كلي عام، والمعنى المتصوّر ل-" زيد" جزئي، والمعنى الموضوع له لفظ" زيد" جزئي أيضا.

ويأتي السؤال التالي: هل نستطيع أن ننتقل من المعنى العام الموضوع له اللفظ إلى المعنى المتصوَّر العام، أو من المعنى العام الموضوع له اللفظ إلى المعنى المتصوَّر الخاص، أو من المعنى الخاص الموضوع له اللفظ إلى المعنى المتصوَّر الخاص، أو من المعنى الخاص الموضوع له اللفظ إلى المعنى المتصوَّر العام؟

ونرى أنه توجد عندنا أربعة احتمالات: المعنى خاص والمعنى الموضوع له خاص، المعنى عام والمعنى الموضوع له عام، والمعنى خاص والمعنى الموضوع له عام، المعنى عام والمعنى الموضوع له خاص، فأي هذه الاحتمالات صحيح وأيها باطل؟

لذلك يأتي هذا البحث: توقف الوضع على تصور المعنى، ويناقش هذا التوقف في هذه الحالات الأربعة.

شرط الوضع:

يوجد شرط للوضع، فالواضع الذي يريد أن يضع لفظا لمعنى يشترط فيه أن يتصور هذا المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له، فمن يريد أن يضع لفظا للحيوان المفترس لا بدّ أن تكون عنده صورة ذهنيّة عن هذا

227

الحيوان المفترس حتى يقول إني أضع هذا اللفظ لهذا المعنى الموجود في ذهني، وهذا المعنى في الذهن يعبِّر عن الحيوان المفترس في الخارج.

إن الشخص الذي يريد أن يضع لفظا لمعنى لا بدّ أن ينتبه لهذا الشرط وهو: أن يتصور المعنى الذي يريد أن يضع اللفظ له، وأن يتصور أيضا اللفظ الذي يريد أن يضعه لهذا المعنى، فالوضع عبارة عن حكم على اللفظ وعلى المعنى، واللفظ والمعنى يمثلان موضوع الحكم، ولا يصح الحكم على الشي‏ء الا بعد تصوره ومعرفته بوجه من الوجوه، والحاكم لا بدّ أن يستحضر موضوع حكمه عند جعل ذلك الحكم، فيوجد عندنا موضوع الحكم وهو المحكوم عليه وهو المعنى، والمحكوم به وهو اللفظ، وحكم وهو الوضع وهو الفعل الذي يقوم به الحاكم، والحاكم لا بدّ أن يتصور الموضوع والمحمول والنسبة بينهما، وبعد ذلك يحكم بالمحمول على الموضوع، والقضية هي" اللفظ والمعنى يدل الأول منهما على الثاني"، فالموضوع هو" اللفظ والمعنى"، والمحمول هو" يدل الأول منهما على الثاني"، وهذا هو عين الوضع.

في البحث الأول تناولنا أقسام الحكم أو أقسام الوضع، وهنا في البحث الثاني نتناول أقسام المحكوم عليه أو أقسام المعنى، وفي البحث الثالث سنتناول أقسام المحكوم به أو أقسام اللفظ.

إن الواضع يحكم على هذا اللفظ أنه موضوع لهذا المعنى ولا يحكي عن معنى آخر ولا يشير إلى معنى آخر، فلا بدّ أن يتصور طرفي الحكم، فيتصور المعنى ويتصور اللفظ ثم يضع هذا اللفظ لهذا المعنى، وسوف‏

228

يأتي في البحث القادم توقف الوضع على تصور اللفظ، فيتصور المعنى ثم يصدر عليه حكما لأن الشخص لا يستطيع أن يحكم على الشي‏ء المجهول المحض، فلا بدّ أن يتصور الشي‏ء أوّلا ثم يصدر حكما على هذا الشي‏ء، فتتصور الموضوع أوّلا ثم تصدر عليه حكما وتحمل هذا الحكم عليه لأن العرش قبل النقش.

مثلا: تتصور الخمر وهو موضوع الحكم، ثم تتصور الحرمة وهو الحكم، ثم تجعل هذا الحكم للموضوع فتقول:" الخمر حرام".

هذا التصور في واقعه طريق إلى الخارج، نعم الخمر موجود في الخارج، ولكن إذا لم تتصور الخمر فإنك لا تستطيع أن تصدر عليه حكما، فالتصورات عبارة عن جسر وطريق إلى المعاني الخارجية، فإذا كان المعنى هو موضوع الحكم فلا بدّ أن يتصور المعنى أوّلا ثم يضع له لفظا، وإذا كان الوضع هو الحكم باللفظ على المعنى فلا بدّ أن يتصور الواضع اللفظ والمعنى في رتبة سابقة على الوضع، وذلك بسبب استحالة جعل الحكم قبل تصور موضوع الحكم، وموضوع الحكم هو اللفظ والمعنى.

ويأتي هنا السؤال التالي:

كيف يمكن للواضع أن يتصور المعنى؟ وهل يضع اللفظ لهذا المعنى المتصوَّر أو يضع اللفظ لعنوان عام يشير إلى المعنى المتصوَّر؟

الجواب:

يمكن أن يتصور الواضع المعنى عن أحد طريقين:

229

الطريق الأول:

استحضار المعنى مباشرة، فيستحضر ويتصوّر نفس هذا المعنى في الذهن مباشرة، أي يتصور الشي‏ء بنفسه بتمام مواصفاته.

مثلا: يتصور نفس" زيد" الخارجي وهو الرجل ذو المواصفات الفرديّة والمشخّصات الخاصة، ويضع لفظ" زيد" لهذا المعنى، فيضع اللفظ لنفس هذا المعنى المتشخّص المحدَّد.

أو يتصور معنى" الإنسان" بما له من مواصفات تميّزه عن المعاني الأخرى، ويضع اللفظ بإزاء هذا المعنى المحدّد.

الطريق الثاني:

استحضار عنوان منطبق على المعنى وملاحظته بما هو حاكي عن ذلك المعنى، فيستحضر ويتصور المعنى لا بنفسه ولكن بعنوانه المنطبق عليه، فيستحضر مفهوما وعنوانا عاما لهذا المعنى، ويكون هذا العنوان والمفهوم العام معبِّرا عن هذا المعنى ومنطبقا عليه ومشيرا إليه وحاكيا عنه كالصورة في المرآة إذ أن الصورة في المرآة تكون حاكية عن ذي الصورة، ويضع اللفظ لهذا العنوان العام، وهنا المعنى المراد أولا وبالذات هو المعنى المحكي بذلك العنوان وهو الفرد، ولكن لم يتصور ذلك المحكي بنفسه بل تصوره بوجهه وعنوانه العام الحاكي عنه.

مثلا: تتصور عنوانا ومفهوما ينطبق على" زيد" الخارجي، وهنا تتصور الشي‏ء بوجهه أي بعنوان عام مشير إليه، مثلا تتصور" الإنسان" الذي ينطبق على" زيد"، فيتصور معنى زيد ولكن لا بنفسه وبصفاته‏

230

الخاصة وإنما بعنوان صالح للانطباق على زيد كعنوان" الإنسان" أو" الرجل"، فيتصور معنى زيد بعنوان كلي صالح للانطباق عليه، والنّظر حقيقة يكون إلى الفرد من خلال العنوان، ولا يكون النظر حقيقة إلى العنوان، وقد يأتي بالعنوان لأن عدد الأفراد كبير، فزيد حقيقة هو إنسان، والإنسان حقيقة هو زيد، ولكن الاختلاف بالإضافة أو الإزالة، فزيد هو الإنسان بإضافة مشخصات زيد الفردية الخاصة كالطول والوزن ولون البشرة، والإنسان هو زيد بإزالة وتقشير المشخصات الفردية الخاصة لزيد.

بعبارة أخرى:

زيد/ الإنسان+ مشخصات" زيد" الفردية الخاصة

الإنسان/ زيد- مشخصات" زيد" الفردية الخاصة

إن عنوان الكلي يحكي عن الجزئي بدون مشخصات الجزئي الخاصة، فتستطيع أن تنزع المشخصات الخاصة فينطبق عنوان الكلي عليه.

مثلا: عنوان" الإنسان" ينطبق على" زيد"، ولكن بعد تقشير زيد من الصفات الخاصة، هناك شي‏ء اسمه" إنسان" في" زيد" فينطبق عليه، ولكن بشرط أن تنزع المشخصات الخاصة عن زيد كطوله ووزنه ولون بشرته، ولو لم يمكن نزع المشخصات لما استطعنا أن نقول:" زيد إنسان"؛ لأن الإنسان يكشف عن زيد، ولا تستطيع أن تقول:" الإنسان زيد"؛ لأن زيدا مع مشخصاته الفردية لا يكشف عن الإنسان، وسوف يأتي سبب ذلك في الحالة الرابعة.

231

ومثال آخر لتصوّر الشي‏ء بوجهه أو بعنوانه: الحكم على شبح من بعيد أنه أبيض مثلا، فالمتكلم لا يعرفه بنفسه أنه أي شي‏ء هو في نفسه، وأقصى ما يعرف عنه أنه شي‏ء من الأشياء أو حيوان من الحيوانات، فيصح الحكم عليه بأنه أبيض مع أنه لم يعرفه ولم يتصوره بنفسه، وإنما تصوره بعنوان أنه شي‏ء أو حيوان وأشار به إليه، وهذا ما يسمى ب-" تصوّر الشئ بوجهه"، وهو كافي لصحة الحكم على الشي‏ء، لذلك فإنه يكفي في صحة الوضع للمعنى أن نتصوّره بوجهه وعنوانه كما لو تصوّرناه بنفسه.

إذن: طرق استحضار المعاني يكون إما مباشرة وإما عن طريق العناوين التي تنطبق على هذه المعاني، فتصور الشي‏ء يكون على قسمين: إما تصور الشي‏ء بنفسه كتصور" زيد"، وإما تصور الشي‏ء بوجهه أي بعنوان مشير إلى ذلك الشي‏ء ومنطبق عليه كتصور الكلي الذي يشير إلى" زيد"، وهذا الكلي هو" الإنسان"، وعنوان هذه الصورة الذهنية عنوان لهذا الشي‏ء الخارجي، فيجعل العناوين لهذه الأشياء الخارجية، وهذا العنوان يعبِّر عن ذلك الشي‏ء الخارجي أي يكون حاكيا عن ذلك المعنى ومرآة وكاشفا عنه.

وهذا المعنى المتصور في الذهن بنفسه إما أن يكون جزئيا وإما أن يكون كليّا، وكذلك المعنى المشار إليه بعنوان إما أن يكون جزئيا وإما أن أن يكون كليّا، وهكذا نرى أن أنحاء تصور المعنى على أربعة أقسام عقلية، فالمعنى المتصوَّر في الذهن إما أن يكون بنفسه وإما بعنوان مشير

232

إليه، وكل منهما إما أن يكون جزئيا خاصا وإما أن يكون كليا عاما، فتكون الأقسام أربعة، وهذا التقسيم تقسيم عقلي على الاحتمالات الأربعة، إما أن يكون كلاهما عامين وإما خاصين وإما أن يكون الأول عاما والثاني خاصا وإما أن يكون الثاني عاما والأول خاصا، فتكون الأقسام أربعة.

بعبارة أخرى:

يقسّم الوضع بلحاظ عموم المعنى المتصور وخصوصه حين الوضع، وعموم المعنى الموضوع له وخصوصه إلى أربعة أقسام: الوضع الخاص والموضوع له خاص، والوضع العام والموضوع له عام، والوضع العام والموضوع له خاص‏ (1).

والواضع لا بدّ له من تصور المعنى الموضوع له إما تفصيلا بملاحظة ذاته بخصوصياتها وإما إجمالا بملاحظة عنوان يخصّه يحكي عنه، فإن تَصَوَّرَ معنى خاصا ووضع اللفظ له فالوضع خاص- لخصوص المعنى المتصور- والموضوع له خاص؛ كوضع الأعلام الشخصية. وإن تصور معنى عاما فإن وضع اللفظ له على عمومه فالوضع عام- لعموم المعنى المتصور- والموضوع له عام؛ كوضع أسماء الأجناس، وإن وضع اللفظ لأفراد المعنى المتصور بخصوصياتها ومشخصاتها المتباينة فالوضع عام والموضوع له خاص، والفرق بينه وبين القسم الثاني- أي الوضع عام‏

____________

(1) إشكال: هذه الأقسام الأربعة مختصة بالوضع التعييني المبتني على وضع الواضع اللفظ للمعنى بعد تصوره له، ولا تأتي في الوضع التعيني الناتج من كثرة الاستعمال.

233

والموضوع له عام- أن الموضوع له في القسم الثاني ليس إلا العام بما له من مفهوم جامع بين الخصوصيّات من دون أن تكون الخصوصيّات دخيلة في الموضوع له ولا محكية باللفظ، بخلاف هذا القسم- أي الوضع عام والموضوع له خاص- حيث يبتني على دخل كل خصوصية فردية في الموضوع له على نحو البدلية بحيث يحكي اللفظ عنها بما به امتيازها عن غيرها، ولا يحكي عن القدر المشترك بنفسه لعدم وضعه للقدر المشترك، فهو يشارك القسم الثاني في سعة الموضوع له بنحو يصح استعمال اللفظ في جميع الأفراد على نحو البدلية، كما يشارك القسم الأول في الحكاية عن خصوصية الفرد.

ويوجد شرط- كما ذكرنا- وهو أن الواضع قبل عملية الوضع لا بدّ أن يتصور اللفظ والمعنى لأن الوضع حكم وعملية ترتبط بطرفين أحدهما اللفظ والآخر المعنى، وهذا يقتضي أن عملية الوضع تتوقف على ملاحظة كل من الطرفين والالتفات إليهما، وهذا المعنى الموضوع له اللفظ طريق إلى المعنى المتصوَّر، والمعنى المتصوَّر طريق إلى الخارج، فيكون المعنى الموضوع له اللفظ تصوّرا عن نفس الشي‏ء الخارجي أو تصوّرا عن عنوان مشير إلى الشي‏ء الخارجي، وسيأتي أن هذا الشرط يتحقق في ثلاث حالات ولا يتحقق في الحالة الرابعة.

إذن: يختلف الوضع عموما وخصوصا باختلاف المعنى الملحوظ حال الوضع، فأقسامه في مرحلة التصور أربعة، تارة نلحظ المعنى قبل عملية الوضع، وهذا هو المعنى المتصوّر، وتارة أخرى نلحظ المعنى أثناء عملية

234

الوضع، وهذا هو المعنى الموضوع له اللفظ.

والأقسام الأربعة هي:

القسم الأول: أن يلحظ معنى كليا عاما ويوضع اللفظ لذلك المعنى الكلي العام،

ويعبّر عنه الوضع العام والموضوع له عام، كأن يتصور معنى" الإنسان" ويضع اللفظ لهذا المعنى الكلي، وسمي الوضع العام لأن المعنى المتصور معنى كلي عام، وسمي الموضوع له عام لأنه تم وضع اللفظ لنفس هذا المعنى الكلي العام.

القسم الثاني: أن يلحظ معنى خاصا ويوضع اللفظ لذلك المعنى الخاص،

ويعبّر عنه الوضع الخاص والموضوع له خاص، كأن يتصور معنى" زيد" الجزئي الحقيقي ويضع اللفظ لهذا المعنى الجزئي، وسمي الوضع الخاص لأن المعنى المتصور معنى جزئي خاص، وسمي الموضوع له عام لأنه تمّ وضع اللفظ لنفس هذا المعنى الجزئي الخاص.

القسم الثالث: أن يلحظ معنى عاما ويوضع اللفظ لمصاديقه وأفراده الجزئية،

ويعبّر عنه الوضع العام والموضوع له خاص، وسيأتي مثاله بعد قليل، وسمي الوضع العام لأن المعنى المتصور معنى كلي عام، وسمي الموضوع له خاص لأنه تمّ وضع اللفظ لفرد من أفراد هذا الكلي ولمصداق من مصاديقه ولجزئي من جزئياته، فاللفظ تم وضعه للمعنى الجزئي الخاص.

235

القسم الرابع: أن يلحظ معنى خاصا ويوضع اللفظ للعام المنطبق عليه،

ويعبّر عنه الوضع الخاص والموضوع له عام، كأن يتصور معنى" زيد" ويضع اللفظ لمعنى" الإنسان" المنطبق على زيد، وسمي الوضع خاص لأن المعنى المتصور معنى جزئي خاص، وسمي الموضوع له عام لأن المعنى الموضوع له اللفظ معنى كلي عام.

بعبارة أخرى:

الوضع يتوقف على أن يتصور الواضع المعنى واللفظ فيجعل أحدهما اسما للآخر، وحينئذ فالمعنى الملحوظ إما كلي عام وإما جزئي خاص، والمعنى العام إما أن يوضع اللفظ له وإما أن يوضع لمصاديقه وجزئياته، والمعنى الخاص إما أن يوضع اللفظ له وإما أن يوضع للكلي الذي فوقه، فيصير عندنا أربعة أقسام: الوضع العام والموضوع له العام أو الخاص، والوضع الخاص والموضوع له الخاص أو العام، والمراد من عموم الوضع وخصوصه كلية الصورة الذهنية التي يستحضرها الواضع وجزئيتها، والمراد من عموم الموضوع له وخصوصه كلية الصورة التي وضع اللفظ بإزائها وجزئيتها.

حالات وضع اللفظ للمعنى:

الحالة الأولى: الوضع العام والموضوع له العام:

أن يكون المعنى المتصور في الذهن كليا، وأن يكون المعنى الموضوع له نفس ذلك الكلي المتصور في الذهن أي أن الموضوع له كلي متصور بنفسه لا

236

بوجهه وعنوانه، فيتصور الواضع معنى كليا قبل الوضع، ويضع لفظا بإزاء نفس هذا المعنى الكلي المتصوَّر، فالمعنى المتصوَّر كلي عام، والمعنى الموضوع له اللفظ نفس هذا المعنى الكلي العام، فيكون الوضع عاما والموضوع له عاما، وهذه الحالة لا يوجد فيها نقاش، فهي ممكنة وواقعة.

ومثالها أسماء الأجناس كالشجر والبقر والأسد والإنسان، والمعنى عام لأنه يصدق على كثيرين كمحمد وعلي وزيد وبكر و... إلخ، فتتصور معنى كليا جامعا بين محمد وعلي وزيد وبكر و...، وتضع لفظا لهذا المعنى الكلي فتقول" إنسان"، وتتصور معنى الحيوان المفترس الموجود في الغابة والذي له مواصفات معينة وتضع لفظ" الأسد" لنفس هذا المعنى الكلي العام.

وقلنا إنه يوجد شرط وهو أن الواضع يتصور المعنى ويضع له لفظا، وهذا الشرط يتحقق هنا لأن الواضع يتصور المعنى ويضع له لفظا يحكي عن هذا المعنى، فلفظ" الإنسان" ينطبق على معنى" الإنسان" ويحكي عنه ويعكسه كالمرآة، وهذه هي الحالة الأولى وهي أن المعنى عام والمعنى الموضوع له اللفظ عام.

الحالة الثانية: الوضع الخاص والموضوع له الخاص:

أن يكون المعنى المتصور في الذهن جزئيا، وأن يكون المعنى الموضوع له اللفظ نفس هذا الجزئي، أي ان المعنى الموضوع له هو المعنى المتصور بنفسه لا بوجهه وعنوانه العام.

237

مثلا: يتصور معنى جزئيا خاصا كالأعلام الشخصية مثل" زيد" الجزئي كأن يسمي ولده زيدا حيث يتصور هذا المولود الجديد ويضع له لفظ" زيد"، يتصور معنى" زيد" وهو هذا الشخص الخارجي المتّصف بمواصفات فردية ومشخصات خاصة، ويضع الواضع اللفظ بإزاء نفس هذا المعنى الجزئي المتصوَّر، فالمعنى المتصوَّر جزئي خاص، والمعنى الموضوع له اللفظ هو نفس هذا المعنى الجزئي الخاص، فيكون الوضع خاصا والموضوع له خاصا، وهذه الحالة لا يوجد فيها نقاش، فهي ممكنة وواقعة.

بعبارة أخرى:

عندنا معنى" زيد"، فنتصور زيدا بنفسه، ومعناه خاص جزئي، ونضع للمعنى المتصور بنفسه لفظا خاصا لا ينطبق إلا على زيد وهو لفظ" زيد" فنقول" هذا زيد"، فهذا اللفظ خاص لمعنى خاص‏ (1)، ومثاله‏

____________

(1) إشكال: يوجد أشخاص كثيرون، وكل واحد منهم اسمه" زيد"، فيكون لفظ" زيد" منطبقا على كثيرين فيكون المعنى الموضوع له اللفظ عاما، فلماذا تقولون إن المعنى الموضوع له خاص؟

الجواب: عندما نسمي" زيدا" بهذا الاسم فإنما نسميه زيدا بمشخصاته ومواصفاته الفردية الخاصة التي لا تنطبق على زيد آخر، فزيد الأول هو زيد بمشخصاته الخاصة، وزيد الثاني هو زيد بمشخصاته الخاصة التي تختلف عن مشخصات زيد الأول، فزيد جزئي ينطبق على زيد الأول فقط، وزيد الثاني جزئي ينطبق على زيد الثاني فقط، ولا يوجد جامع بين زيد الأول مع مشخصاته وزيد الثاني مع مشخصاته وزيد الثالث مع مشخصاته؛ لأن الجزئيات بما هي جزئيات لا جامع بينها، والجامع بين الجزئيات يكون من حيث وجود صفة مشتركة بينها ومن دون النظر إلى المشخصات الخاصة والصفات الفردية لكل جزئي، وبعد نزع المشخصات الخاصة من كل فرد نحصل على الجامع بين الأفراد، فلا يكون المعنى الموضوع له لفظ" زيد" عاما بل يكون خاصا، فزيد الأول وزيد الثاني وزيد الثالث ينطبق عليهم الإنسان بدون مشخصاتهم الخاصة لأن الإنسان هي الصفة المشتركة بينهم مع غض النظر عن المشخصات، فبدون المشخصات زيد الأول يشبه زيد الثاني ولكن من حيث الصفة المشتركة بينهما، وأما مع المشخصات فكل زيد يختلف عن الآخر، فزيد الأول مع مشخصاته هو زيد الأول، وزيد الثاني مع مشخصاته هو زيد الثاني، ولا يوجد جامع بينهما من هذه الجهة حيث لا نلحظ الصفة المشتركة بينهما بل نرى زيدا الأول ونرى زيدا الثاني، وكل منهما مستقل عن الآخر حيث لا نلحظ الصفة المشتركة بينهما.

238

الأعلام الشخصية كزيد ومحمد وعلي، ويتحقّق هنا شرط الوضع وهو أنه يتصور المعنى ويجعل له لفظا.

ملاحظة:

الحالتان الأولى والثانية لا يوجد أي إشكال في إمكانهما ووقوعهما لأنه لا يتصور فيهما أي محذور، فيمكن أن يلحظ الواضع معنى عاما أو خاصا ويضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى الملحوظ العام أو الخاص بأي معنى من معاني الوضع، فيعتبر الارتباط بينهما أو ينزّل اللفظ منزلة المعنى أو يجعل اللفظ علامة على المعنى أو يتعهد بتفهيم المعنى باللفظ.

الحالة الثالثة: الوضع العام والموضوع له الخاص:

أن يكون المعنى المتصور كليا، وأن يكون المعنى الموضوع له فردا من أفراد الكلي لا نفس الكلي، أي أن الموضوع له جزئي غير متصور بنفسه‏

239

بل بوجهه، فيتصور معنى كليا عاما مثل معنى" الإنسان"، ولكن لا يضع الواضع اللفظ بإزاء نفس هذا المعنى الكلي بل يضع اللفظ للفرد الجزئي الخاص الذي يلاحظه ويراه من خلال ذلك الكلي الذي ينطبق على الجزئي، فيضع اللفظ ل-" زيد" الذي يلاحظه من خلال عنوان" الإنسان" وبتوسّط هذا العنوان، فالمعنى المتصوَّر كلي عام، والمعنى الموضوع له اللفظ خاص، فيكون الوضع عاما والموضوع له خاصا.

هو يتصور المعنى الكلي، ولكن لا يضع اللفظ لهذا المعنى الكلي، وإنما يضع اللفظ للفرد الخاص المحكي والمرئي من خلال الكلي، فيتصور الواضع عنوانا مشيرا إلى الفرد ويضع اللفظ بإزاء الفرد الملحوظ من خلال العنوان العام المشير إلى الفرد، والواضع يقوم بهذه العملية بسبب أن عدد الأفراد غير محصور مثلا، فلو أراد أن يضع ألفاظا للفرد الأول وللفرد الثاني وللفرد الثالث لما انتهى لأنه لا حصر لعدد الأفراد، وبدل ذلك يقول" الإنسان"، ولكن ليس هدفه نفس الإنسان، وإنما هدفه الأفراد المحكيين بهذا العنوان المشير إليهم، فالمعنى العام يشير إلى المعنى الخاص، والمعنى العام آلة وواسطة ووسيلة لتصور المعنى الخاص.

وهذه الحالة ممكنة وواقعة لأن الواضع تارة يتصوّر الشي‏ء بنفسه وتارة يتصوّر الشي‏ء بوجهه، ووجه الشي‏ء هو الشي‏ء بوجهٍ، الإنسان وجه وعنوان لزيد لأن الإنسان عنوان يشير إلى زيد، فالإنسان هو زيد ولكن بدون الخصوصيات الفردية، فتتصور وجه وعنوان الشي‏ء وتضع اللفظ للمرئي الملاحظ من خلال ذلك الوجه والعنوان العام، ولا تضع اللفظ

240

للعنوان الكلي بل للمرئي والمُعَنْوَن، واللفظ موضوع أولا وبالذات للفرد، ولكن الفرد ليس متصوّرا بنفسه بل بعنوان مشير إليه، فيكون الوضع عاما لأن المعنى المتصور عام، ولكن اللفظ يكون موضوعا للفرد المحكي بتوسط العام، فيكون الموضوع له خاصا، وهذا ممكن عقلا لأن وجه الشي‏ء هو الشي‏ء بوجهٍ، ولكن هل هذا واقع في اللغة أو لا؟

بمعنى أن الواضع هل وضع وضعا عاما والموضوع له خاص؟

فيه نقاش بين الأصوليين.

مثلا: نتصور معنى" الظرفية"، ونريد أن نضع ونجعل له لفظا، فهنا أمامنا طريقان:

الطريق الأول:

أن نتصور معنى" الظرفية" وهو معنى عام، ونضع اللفظ لنفس هذا المعنى العام، ويكون لهذا اللفظ معنى اسمي مثل" ظرف"، وكلمة" الظرف" لها معنى اسمي لا يحتاج تصوره إلى طرفين، فتستطيع أن تتصوره بلا حاجة إلى طرفين، مثلا نقول:" الموقد ظرف للنار"، بدل أن نقول:" النار في الموقد"، والظرف معنى اسمي لا حرفي، وهذا الطريق يكون مشمولا ضمن الحالة الأولى أي الوضع عام والموضوع له عام، فمعنى الظرف معنى عام، والمعنى الموضوع له اللفظ هو نفس ذلك المعنى العام.

الطريق الثاني:

أن نتصور معنى" الظرفيّة" وهو معنى عام، وهذا هو المعنى‏

241

المتصور، ولكن لا نضع له لفظا، بل نضع لفظا للفرد بتوسط المعنى العام، فنظرنا يكون للخاص، وهذا هو المعنى الموضوع له اللفظ، وهو معنى خاص، ويكون للمعنى الموضوع له اللفظ معنى حرفي مثل لفظ" في"، فمعنى الظرفية معنى عام له مصاديق كثيرة مثل" الموقد ظرف للنار" و" القفص ظرف للطير" و" الطاولة ظرف للكتاب"، وتريد أن تضع لفظا للمعنى العام، فتضع لفظ" في"، ولكن لا تستطيع أن تجعله للمعنى العام مباشرة لأن النسبة الظرفية مثل" في" معنى حرفي لا يمكن أن يتصور ولا يظهر معناه إلا من خلال طرفين، فتقول:" النار في الموقد" و" الطير في القفص" و" الكتاب في الطاولة"، وتريد أن تضع لفظا يعبِّر عن أن النار في الموقد، فالمعنى المتصور عام ولكن حينما تريد أن تضع لفظا لا بد أن تنزل إلى عالم الأفراد والمصاديق لأن المعنى الحرفي لا يمكن تصوره إلا من خلال طرفين، فتنزل من المعنى العام إلى المعنى الخاص، وعندما تضع لفظ" في" هل تضعه للمعنى العام أو تضعه للمعنى الخاص الذي هو المصداق بتوسط المعنى العام؟

الجواب:

لا تضع لفظ" في" للمعنى العام بطريق مباشر، وإنما تأتي بعنوان مشير إلى ذلك الفرد الذي يكون مصداقا، فتجعل اللفظ للمعنى الخاص بوجهه وعنوانه العام، ولكن حين التطبيق تطبقه على الفرد الخاص، لذلك يقال:" المعنى المتصور عام والمعنى الموضوع له اللفظ خاص"، والنسبة الظرفية لها معنى عام له كثير من الأفراد، ولكن حينما تريد أن‏

242

تضع لفظا لا يمكن أن تضع للمعنى العام المتصور لأنه نسبة بحاجة إلى طرفين، وتضع للفرد بعنوانه العام لأن المعنى الحرفي لا يمكن أن تتصوره إلا ضمن طرفين، فتنزل إلى عالم الأفراد والمصاديق فتقول:" النار في الموقد"، فعندك موقد وعندك نار وتريد أن تعبِّر عن طريق المعنى الحرفي بأن تربط النار بالموقد وتنسب النار إلى الموقد فتأتي بلفظ" في" الذي هو نسبة بين النار والموقد، وهذه النسبة مستقلة عن النسبة بين الطير والفقص، وهما مستقلتان عن النسبة بين الكتاب والطاولة، ولكن حينما تضع لفظ" في" في الواقع تضعه للفرد الخاص المتصور من خلال طرفين لا لذاك المعنى الاسمي العام، فالمعنى العام الذي هو معنى اسمي يتصور بشكل مستقل بدون طرفين ولا يمكن أن يتصور من خلال المعنى الحرفي الذي لا يمكن تصوره إلا من خلال طرفين، فهنا لا بد أن تأتي إلى عالم الأفراد والمصاديق فتضع لفظا لعنوان كلي عام يجمع الأفراد والمصاديق ويشير إليها، وهدفك الأفراد بتوسط هذا العنوان الكلي، ففي الواقع تضع اللفظ للفرد ولكن من خلال عنوان جامع للأفراد.

ونستطيع أن نتصور أيضا معنى" الابتداء" وهو معنى عام لأن الابتداء ليس خاصا بمكان معيَّن أو بزمان معيَّن أو بشي‏ء معيَّن، فقد يكون من هذه النقطة أو من النقطة الثانية أو الثالثة وهكذا، ونضع لفظا للمعنى الخاص، واللفظ هو" مِنْ" الذي له معنى حرفي، وكذلك" الانتهاء" له معنى عام ونضع لفظا للمعنى الخاص وهو لفظ" إلى" الذي له معنى حرفي.

243

ويتحقق هنا أيضا شرط الوضع، فيتصور الواضع المعنى العام، ولكن يضع اللفظ للمعنى الخاص بتوسط العنوان العام الجامع للأفراد.

مثال:

بالإضافة إلى الحروف أسماء الإشارة مثل" هذا" و" هذه"، وأسماء الموصولات مثل" الذي" و" التي"، فمثلا الإشارة إلى فرد مذكر لها معنى عام، ولكن لا يمكن الوضع للمعنى العام، بل يكون الوضع للمعنى الخاص، فعندما تقول" هذا" لا بد أن تشير إلى شي‏ء وتحدّد المشار إليه، والمشار إليه جزئي خاص، فتضع للمعنى الخاص ولكن بتوسط المعنى العام، والمعنى العام ينطبق على هذا المعنى الخاص.

بعبارة أخرى:

الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص لأن النسبة متقومة بطرفيها بحيث لو قطع النظر عن الطرفين لانعدمت النسبة، فكل نسبة في وجودها الرابط مباينة لأي نسبة أخرى، والنسبة في حدّ ذاتها مفهوم جزئي حقيقي، لذلك لا يمكن فرض" النسبة" مفهوما كليا ينطبق على كثيرين، وكذلك فإن النسب غير محصورة، فلا يمكن تصور جميعها للواضع، فلا بدّ في مقام الوضع لها من تصور معنى اسمي يكون عنوانا للنسب غير المحصورة وحاكيا عنها، وليس العنوان في نفسه نسبة، كمفهوم لفظ (النسبة الابتدائية) المشار به إلى أفراد النسب الابتدائية الكلامية، ويضع الواضع اللفظ لنفس الأفراد غير المحصورة التي لا يمكن التعبير عنها إلا بعنوانها.

244

إشكال:

يرد إشكال على الحالة الثالثة، فقد يشكل في إمكانها بأنه حيث يعتبر في الوضع لحاظ المعنى الموضوع له، فإما أن يكون الخاص الذي يقصد وضع اللفظ بازائه ملحوظا مع لحاظ العام أو غير ملحوظ أصلا، فإذا لم يكن الخاص ملحوظا مع لحاظ العام فيمتنع الوضع له، وإذا كان الخاص ملحوظا مع لحاظ العام فيلزم أن يكون الوضع خاصا للحاظ الخاص نفسه وهو خلف الفرض لأن الفرض أن الوضع عام.

دفع الإشكال:

يمكن دفع هذا الإشكال بأن لا يعتبر في الوضع أو أي حكم الالتفات تفصيلا إلى المحكوم عليه، بل يمكن الحكم عليه بواسطة عنوان عام مشير إليه بلا التفات إلى نفس المُعَنْوَن إما للجهل بجميع خصوصياته الموجبة لجزئيته وإما لعدم إمكان الالتفات إليه، كما لو كان الحكم على مصاديق العام وكانت بحدّ لا يمكن الالتفات إليها بخصوصياتها جميعا، وبناء على ذلك يمكن الوضع للأفراد بلا التفات تفصيلا بل يمكن الوضع للأفراد بواسطة العنوان العام المشير إلى الأفراد، فيلحظ طريقا إلى أفراده ويوضع اللفظ للأفراد بتوسيط العنوان العام بلا أن يتعلق اللحاظ بالأفراد بخصوصياتها لأن العام وجه للأفراد وتصور العام تصور للأفراد بوجهٍ، وذلك كاف في صحة الوضع لها بلا لحاظ الأفراد بخصوصياتها.

ويوجد خلاف في أن الحروف وأسماء الإشارة وأسماء الموصولات مثال لهذه الحالة أو لا، وقد يناقش أن المعنى الموضوع له لفظ" في"

245

هل هو معنى عام لأنه ينطبق على كثيرين فتكون مثل الحالة الأولى وهي أن الوضع عام والموضوع له عام، فتقول: في الدرج وفي الطاولة وفي الغرفة وفي الحقيبة وفي...، وقد يشكل ويقال إنه توجد هنا مشخصات خاصة.

ويمكن الجواب بأن المشخصات الخاصة تأتي حين الاستعمال، فعندما تستعمل" في" فإنك تستعمله في شي‏ء جزئي خاص، ولكن تصور" في" تصور عام، وقال البعض هنا إن" المعنى عام والموضوع له عام والاستعمال خاص"؛ حتى لا يَرِد هذا الإشكال.

الحالة الرابعة: الوضع الخاص والموضوع له العام:

أن يكون المعنى المتصور في الذهن جزئيا، وأن يكون المعنى الموضوع له اللفظ كليا لذلك الجزئي، فيتصوَّر معنى جزئيا خاصا، ولكن يضع اللفظ لا للجزئي بل للكلي الذي يكون هذا الجزئي فردا من أفراده، فهنا المعنى المتصور معنى خاص والمعنى الموضوع له اللفظ معنى عام بحيث إن هذا المعنى العام ينطبق على هذا المعنى الخاص مع مشخصاته وصفاته الخاصة، فيتصور الواضع الفرد ويضع اللفظ لمعنى جامع بين هذا الفرد وغيره من الأفراد.

مثلا: المعنى المتصور خاص مثل" زيد" المعيَّن المشخَّص الموجود أمامنا، ويريد أن يضع لفظا فيضعه لمعنى عام يكون زيد فردا من أفراده، فهو خاص ولكن يضع اللفظ لمعنى عام مثل" إنسان"، فيتصور" زيدا" ويضع اللفظ ل-" الإنسان".

246

إشكال على الحالة الرابعة:

يَرِد إشكال وهو أنه يضع لفظ" إنسان" وهو لفظ له معنى عام فهل يمكن عندما تقول" إنسان" أن ينتقل ذهنك إلى" زيد" الجزئي مع مشخصاته الخاصة؟

الجواب:

هذا غير ممكن لأن الوضع هو الحكم باللفظ على المعنى، فلا بدّ أن يكون المعنى متصورا بنفسه أو بوجهه وعنوانه قبل وضع اللفظ للمعنى، والمعنى المتصور هنا غير المعنى المحكوم عليه أي غير المعنى الموضوع له اللفظ، فالكلي هنا ليس متصوَّرا لا بنفسه لأن المتصور هو الجزئي واللفظ موضوع للكلي، وليس متصوَّرا بوجهه وعنوانه لأن الجزئي لا يمكن أن يكون وجها وعنوانا للكلي بل على العكس من ذلك فإن الكلي وجه وعنوان للجزئي، وإذا لم تتصور الشي‏ء لا بنفسه ولا بوجهه وعنوانه العام فلا يمكن أن تضع اللفظ له، والواضع لم يتصور المعنى لا بنفسه ولا بوجهه.

وهذه الحالة مستحيلة لأن الفرد لا يشير إلى الجامع، فالمعنى المتصور هو" زيد"، والمعنى الموضوع له اللفظ هو" الإنسان"، وعندما نقول" إنسان" فإن الذهن ينتقل إلى معنى" إنسان" ولا ينتقل إلى معنى" زيد" الجزئي؛ لأن اللفظ الذي له معنى عام لا يكشف عن المعنى المتصور الخاص، وإذا قلت" زيد" المتشخّص فإن الذهن لا ينتقل إلى" إنسان" لأن" زيدا" الخاص لا ينقلك إلى تصور معنى" الإنسان" العام، فالجزئي لا يشير إلى الكلي لأنه ليس عنوانا للكلي، فلا يصح أن‏

247

نقول:" الإنسان زيد"؛ لأن زيدا ليس عنوانا كاشفا عن الإنسان، فالفرد لا يكون مرآة للكلي ولا حاكيا عن الكلي ولا عنوانا منطبقا على المعنى الجامع ليكون مشيرا إليه، والمعنى الجامع لا يكون مستحضَرا لا بنفسه ولا بعنوان مشير إليه ومنطبق عليه، ولكن يصح أن نقول:" زيد إنسان"؛ لأننا ننظر إلى" زيد" بدون مواصفاته الخاصة فينطبق عليه لفظ" الإنسان"، ولفظ" الإنسان" يشير إلى أفراده لأنه الجامع بين الأفراد بدون مشخصات كل فرد، ولكن بالعكس ليس صحيحا، فالفرد لا يشير إلى الجامع، فالإنسان لفظ موضوع للمعنى الجامع بين الأفراد، وليس موضوعا لخصوص زيد ولا لخصوص بكر، فقولنا:" الإنسان زيد"؛ ليس صحيحا لأن الخاص لا يتضمّن العام، فزيد مع مشخصاته الخاصة لا يكشف عن الإنسان، وزيد الجزئي بخصوصياته ومشخصاته لا يشير إلى العام الذي هو الإنسان الجامع بين الأفراد، نعم زيد بدون مواصفاته الخاصة يدل على الإنسان، فيصح أن نقول:" زيد إنسان"؛ لأننا ننظر إلى زيد مجردا عن مشخصاته ومواصفاته الخاصة أي ننظر إلى عمومياته فقط أي ننظر إلى ما يكون جامعا بينه وبين الأفراد الآخرين، وزيد يعتبر علة انتقال إلى الإنسان لا أن لفظ إنسان موضوع لزيد، ولا يصح أن نقول:" الإنسان زيد"؛ لأن الإنسان ليس زيدا مع مشخصاته بل هو الجامع بين زيد وباقي الأفراد.

قد يقال:

بأن زيدا يشير إلى الإنسان لأن زيدا فعلا إنسان.

248

الجواب:

الجواب على ذلك أن زيدا مصداق للإنسان ولكنه لا يشير إليه، فهو مصداق ولكن بدون المشخصات الخاصة، فهو مع المشخصات زيد، وهو بدون المشخصات إنسان، وزيد مع المشخصات الخاصة لا يشير إلى الإنسان ولا ينطبق على الإنسان لأنه ليس عنوانا ولا وجها للإنسان، فإذا قلت" زيد" مع المشخصات فإنك لا تستحضر الإنسان في ذهنك بل تستحضر زيدا الجزئي فقط، وبعد نزع المشخصات ينتقل ذهنك إلى الإنسان، ولا يصح أن تقول:" الإنسان زيد"؛ لأن مفهوم" الإنسان" لا يساوي مفهوم" زيد" مع المشخصات، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى الإنسان ليس مصداقا لزيد حتى يصح هذا الحمل، فالحمل يصح حينما يتساوى المفهومان بالحمل الأولي الذاتي أو يكون الأول مصداقا للثاني، وكلا الأمرين منتفي في مثال" الإنسان زيد"، نعم صحيح أن زيدا إنسان، ولكن نحن نقاشنا في الحالة الرابعة في مثل" الإنسان زيد"، وليس نقاشنا في مثل" زيد إنسان" (1).

____________

(1) يمكن تقسيم الحالة الرابعة إلى قسمين، قسم لا تصح فيه الحالة الرابعة، وقسم آخر تصح فيه الحالة الرابعة كما يأتي توضيحه.

يمكن النظر إلى" زيد" من حيثيتين:

1- إذا نظرنا إلى زيد بما هو زيد مع مشخصاته دون لحاظ أنه إنسان فلا تصح الحالة الرابعة لأن الفرد لا يشير إلى الكلي، فلا يصح أن تقول:" الإنسان هو زيد من حيث إنه زيد".

2- إذا نظرنا إلى زيد بما هو إنسان أي من حيث الجامع بينه وبين باقي الأفراد فهنا تصح الحالة الرابعة، فيصح أن تقول:" الإنسان زيد"؛ حيث إن زيدا بدون مشخصاته يشير إلى الإنسان لأن النظر يكون إلى الجامع والجامع يشير إلى الكلي لأن الجامع بين زيد والأفراد الآخرين هو الكلي، فيصح أن تقول:" الإنسان هو زيد من حيث إنه إنسان"، وهذا صحيح لا غبار عليه.

وهكذا نرى أنه يمكن تقسيم الحالة الرابعة إلى قسمين: قسم لا تصح فيه الحالة الرابعة لعدم وجود الحيثية التي تصحح هذا القسم، وقسم آخر تصح فيه الحالة الرابعة لوجود الحيثية التي تصحح هذا القسم.

249

بعبارة أخرى:

الحالة الرابعة مستحيلة لأنه لا يمكن أن يكون الخاص الجزئي وجها للكلي العام وعنوانا مشيرا إلى الكلي لأن الجزئي لا ينطبق على الكلي، وذلك لأن المعنى الموضوع له لا بد من تصوره بنفسه أو بوجهه لاستحالة الحكم على المجهول المطلق المحض، والمفروض في الحالة الرابعة أن المعنى الموضوع له لم يكن متصورا وإنما كان الخاص فقط هو المتصوَّر، ولو كان الكلي متصورا بنفسه لكان من الحالة الأولى وهو (الوضع العام والموضوع له العام).

وإذا أردنا أن نقول بإمكان الحالة الرابعة فلا بدّ من أن نفرض أن الخاص يصح أن يكون وجها من وجوه العام وجهة من جهاته وعنوانا من عناوينه حتى يكون تصوره كافيا ومغنيا عن تصور العام بنفسه من أجل أن يكون تصورا للعام بوجهٍ، ولكن الصحيح أن الخاص ليس من وجوه العام، بل الأمر على العكس من ذلك، فإن العام وجه من وجوه الخاص وجهة

250

من جهاته وعنوان من عناوينه، لذلك قلنا بإمكان الحالة الثالثة وهي: (الوضع العام والموضوع له الخاص)؛ لأننا إذا تصورنا العام فقد تصورنا في ضمنه جميع أفراده بوجهٍ، بخلاف الأمر في تصور الخاص فلا يمكن الوضع معه إلا لنفس ذلك الخاص، ولا يمكن الوضع للعام لأننا لم نتصور العام لا بنفسه ولا بوجهه إذ ليس الخاص وجها وعنوانا للعام، والمعنى الجزئي لا يؤدي إلى تصور المعنى الكلي لأنه غير مساوٍ للكلي، ولا يصلح للإشارة إلى العنوان الكلي لأن العنوان الكلي ليس داخلا تحت الجزئي.

بعبارة ثالثة:

يمتنع الوضع الخاص والموضوع له العام الذي يكون بتصور المعنى الخاص عند الوضع مع عدم الوضع له بل للعام بما له من معنى كلي واسع الانطباق، والفرق بينه وبين الوضع العام والموضوع له الخاص هو أن العام وجه من وجوه الخاص، بخلاف الخاص فإنه لا يكون وجها للعام؛ لأن العنوان العام قد يؤخذ بنفسه موضوعا للحكم، وقد يجعل حاكيا عن أفراده بحيث يكون موضوع الحكم هو الأفراد، وأما الخاص فتصوره لا يكون إلا بتصور خصوصيته غير القابلة للسريان إلى الأفراد الآخرين، فلا يكون حاكيا عن العام الشامل له والساري في غيره، والوضع العام والموضوع له الخاص يبتني على الإشارة للخاص من طريق العام الراجعة لنحو من التصور الإجمالي له، فيشبه الوضع الخاص والموضوع له خاص وإن افترقا في وحدة الموضوع له في الوضع الخاص وتعدده في العام بسبب كثرة الأفراد المحكية بالعنوان العام المتصور حين الوضع.

251

النتيجة:

الحالة الرابعة- وهي أن يكون المعنى خاصا والموضوع له عاما- مستحيلة، والوضع في هذه الحالة غير صحيح لأن شرط الوضع لا يتحقّق، فالفرد والخاص ليس عنوانا منطبقا على المعنى الجامع ليكون مشيرا إليه، فالمعنى الجامع ليس مستحضَرا لا بنفسه ولا بعنوان مشير إليه ومنطبق عليه.

توقف الوضع على تصور اللفظ

عملية الوضع فيها ثلاثة أركان، وهي:

1- أقسام الوضع وكيفية تحقق العلاقة بين اللفظ والمعنى، وذكرنا الوضع التّعيينيّ والوضع التّعيّنيّ.

2- أنحاء تصور المعنى لكي نضع له اللفظ، وذكرنا الأقسام الأربعة السابقة.

3- أنحاء تصور اللفظ، والواضع لا بدّ أن يتصور اللفظ أيضا كما يتصور المعنى لأن الوضع حكم باللفظ على المعنى، وهذا هو البحث الحالي.

إذن: في الوضع قبل أن يضع الواضع لفظا لمعنى أولا يتصور المعنى وثانيا يتصور اللفظ ثم ثالثا يضع هذا اللفظ لهذا المعنى.

أنحاء تصور اللفظ:

بحث السيد الشهيد (قدس سره) سابقا في توقف الوضع على تصور

252

المعنى، فلا بد أن يتصور الواضع المعنى ليضع له لفظا، وهنا يبحث (قدس سره) في توقف الوضع على تصور اللفظ، فقبل الوضع لا بدّ أن يتصور الواضع اللفظ أيضا وإلا فكيف ينطق بهذا اللفظ إذا كان لا يستطيع أن يتصوره، هو يريد أن يضع كلمة" كتاب" فيتصور هذه الكلمة المكوّنة من حروفها الكاف والتاء والألف والباء، وكذلك في اللغات الأخرى لا بد من تصور المعنى وتصور اللفظ، فالإنسان تكون عنده صورة ذهنية عن اللفظ قبل أن ينطق باللفظ المعبِّر عن هذه الصورة الذهنية، والإنسان لا ينطق بلفظ إلا بعد تصور هذا اللفظ، فكما يتصور المعنى فإنه يتصور اللفظ أيضا ثم ينطق بهذا اللفظ الذي تصوره في رتبة سابقة والذي يدل على المعنى الذي تصوره في رتبة سابقة أيضا، فهو يتصور الألفاظ ثم يتلفظ بها حتى الإنسان الأمّيّ الذي لا يعرف الكتابة والقراءة يتصور اللفظ أيضا ولكن بتصوراته الخاصة، فحرف الألف له صورة معيّنة عند الأمّيّ، وكذلك باقي الحروف، والدليل على وجود صور الحروف عنده أنه يستطيع أن يميّز بينها حينما يسمعها، فحينما يسمع الكلمة ينتقل ذهنه إلى تصور حروف الكلمة ومنه إلى تصور معنى الكلمة.

نأتي إلى تصور اللفظ، هذا اللفظ عندما يتصوره الواضع إما أن يتصوره بنفسه- أي بنفس اللفظ-، وهذا هو الوضع الشخصي، أو يتصوره بوجهه وبعنوان جامع مشير إليه- أي إلى اللفظ- وحاكي عنه لأن المحكي عنه أفراده كثيرون لا يستطيع أن يتصورها جميعا، وهذا هو الوضع النوعي.