دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
253

نأتي إلى القسمين، وهما:

1- الوضع الشخصي:

يكون الوضع شخصيا عندما يتصوّر الواضع اللفظ بنفسه أي يتصوّر نفس اللفظ، فيتصور الواضع اللفظ بمادته وهيئته ثم يضعه بإزاء المعنى، مثل الوضع لأسماء الأجناس كلفظ" الإنسان" فهو شخصي ولم تضعه لشي‏ء كلي، ففي الذهن لفظ" الإنسان" يكون لشي‏ء واحد، نعم في الخارج ينطبق على كثيرين، لفظ" الإنسان" في الذهن له معنى واحد، ولكن في الخارج له مصاديق كثيرة، ونظرنا يكون إلى عالم الذهن لا إلى عالم الخارج، أو مثل" الأسد"، فيتصور الواضع لفظ" أسد" بمادته وهي الألف والسين والدال أو (أ، س، د)، ويتصور اللفظ بهيئته وهي وزن" فَعَل"، وبعد ذلك يضع هذا اللفظ بمادته وهيئته بإزاء معنى كلي وهو الحيوان المفترس الموجود في الغابة والذي له مواصفات معينة، فهذا اللفظ وضعه شخصي، أو الوضع للأعلام الشخصية كلفظ" زيد" الذي تضعه لولدك، فيتصور الواضع لفظ" زيد" بمادته وهيئته ويضعه بإزاء معنى جزئي وهو ولده.

2- الوضع النوعي:

يكون الوضع نوعيا عندما يتصوّر الواضع اللفظ بوجهه وعنوانه العام المشير إلى اللفظ، مثل وضع الهيئة المحفوظة في ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة اسم الفاعل، أو في ضمن كل أسماء المفعولين لمعنى هيئة اسم المفعول، أسماء الفاعل مثل" كاتب" و" ضارب"، وأسماء

254

المفعول مثل" مكتوب" و" مضروب"، فيجعل المادة المكوّنة من (الكاف والتاء والباء) على هيئة ووزن" فاعل" فيكون عنده كلمة" كاتب"، وعلى هيئة ووزن" مفعول" فيكون عنده كلمة" مكتوب"، فيتصور الواضع هيئة من الهيئات، والوزن والهيئة معنى حرفي لأنه لا يظهر إلا في شي‏ء آخر، فالمعنى الحرفي لا يمكن تصوره إلا من خلال مادة معيّنة لأن قوامه بالغير، والهيئة لا تنفصل في مقام التصور عن المادة، فتتصور الهيئة في مادة" فاعل"، فوزن" فاعل" يظهر في" كاتب" فيكون الوزن والهيئة معنى حرفيا، إن كلمة" كاتب" مؤلّفة من مادة وهيئة، ففيها ما يدل على مادة الكلمة وهي الكتابة أو الكاف والتاء والباء أو (ك، ت، ب)، وفيها ما يدل على النسبة وهي الهيئة أو الصيغة أو الوزن، والنسبة تكون بين الكتابة والكاتب وهي نسبة الكتابة إلى الكاتب، والمادة لها معنى اسمي لأنه يمكن تصوره بشكل مستقل، والهيئة لها معنى حرفي لأنه لا يمكن تصوره إلا في الغير، فتجعل لجميع أسماء الفاعلين صيغة واحدة وهي وزن" فاعل"، وبدل تكرار هذه الألفاظ تأتي بلفظ واحد وعنوان واحد يشير إلى جميع هذه الألفاظ، فتقول على وزن" فاعل"، فكلمة" فاعل" عنوان مشير إلى الأفراد، والأفراد لا حصر لها حيث يصعب إحضار كل المواد عند وضع اسم الفاعل، فيكون الوضع نوعيا أو كليا، والعنوان له مصاديق كثيرة، ففي الوضع النوعي تتصور عنوانا مشيرا إلى اللفظ ولا تتصور نفس اللفظ،" كاتب" على وزن" فاعل"، و" ضارب" على وزن" فاعل"، فالواضع يضع كلمة

255

" فاعل" كعنوان يشير إلى الأفراد ولا يضع نفس كلمة" كاتب" ونفس كلمة" ضارب" لأن الأفراد لا حصر لها، نعم في كلمة" كاتب" يكون الوضع شخصيا، وفي كلمة" ضارب" يكون الوضع شخصيا، ولكن في هيئة اسم الفاعل التي تدل على نسبة الفعل إلى الفاعل يكون الوضع وضعا نوعيا حيث لا يلاحظ الواضع كل لفظة لفظة، وإنما يأتي بعنوان عام للهيئة قابل للانطباق على كل فرد من الأفراد، فيحضر الهيئة ضمن مادة معينة، وقد تعارف اللغويون على استحضارها ضمن مادة الفاء والعين واللام أو (ف، ع، ل)، فنقول هيئة" فاعل"، وسمي الوضع نوعيا لأن اللفظ المتصور لفظ غير مقصود بنفسه، وإنما المقصود هو هيئته، وهذه الهيئة تسري في جميع المواد التي تكون لها هذه الهيئة، فيضع الواضع كل ما كان على هذه الوتيرة للمعاني التي يريدها، فيكون الوضع نوعيّا.

بعبارة أخرى:

الوضع في الهيئات يعتبر وضعا نوعيا، مثل هيئة اسم الفاعل، وهيئة اسم المفعول، وأما اسم الفاعل مثل" ضارب" و" شارب" و" سامع" فإن لها مواد مختلفة وهيئة واحدة، فمادة" ضارب" هي الضاد والراء والباء أو (ض، ر، ب)، ومادة" شارب" هي الشين والراء والباء أو (ش، ر، ب)، ومادة" سامع" هي السين والميم والعين أو (س، م، ع)، وأما هيئتها جميعا فهي هيئة واحدة وهي هيئة وصيغة ووزن" فاعل".

256

وبنفس الطريقة يأتي اسم المفعول مثل" مضروب" و" مشروب" و" مسموع"، فالمواد تختلف، وهي نفس مواد اسم الفاعل الذي مرّ قبل قليل، ولكن الهيئة هي هيئة وصيغة ووزن" مفعول".

في الوضع النوعي لا يوضع لفظ خاص للمعنى المتصوَّر، ولكن يوضع عنوان عام يشير إلى اللفظ المتصور لأن الواضع لا يستطيع أن يستحضر جميع المواد عند وضع اسم الفاعل مثلا، فيضع هيئة وصيغة معينة للدلالة على أسماء الفاعلين، وهذه الهيئة لها معنى حرفي، والمعنى الحرفي لا يمكن أن يظهر إلا في مادة معينة، وقد اختار اللغويّون أن تكون المادة هي الفاء والعين واللام أي (ف، ع، ل)، فجعلوا الهيئة ضمن هذه المادة، وقاسوا المواد الأخرى على الهيئة الموجودة ضمن هذه المادة.

إذن: أنواع الوضع بناء على تصوّر اللفظ هي:

1- الوضع الشخصي:

وذلك بأن يتصور الواضع نفس اللفظ، كوضع أسماء الأجناس مثل" الإنسان".

2- الوضع النوعي:

وذلك بأن يتصور الواضع عنوانا مشيرا إلى اللفظ، كوضع الهيئة المحفوظة في ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة اسم الفاعل.

ما هو الاستعمال؟

هذا البحث ذكره السيد الشهيد في الحلقة الأولى، ونحتاجه هنا ليكون مقدمة للبحوث التالية التي ذكرها السيد الشهيد في الحلقة الثانية.

257

إن اللغة مجموعة من الألفاظ المعيّنة الموضوعة لمعاني معيّنة، فحينما تسمع لفظا معيّنا ينتقل ذهنك إلى معناه بسبب علاقة السببية بين اللفظ والمعنى، فبعد أن يوضع اللفظ لمعنى معيّن يصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى لقيام علاقة لغوية بينهما، فالذي نطق اللفظ نقول عنه إنه استعمل اللفظ، والوضع شي‏ء والاستعمال شي‏ء آخر، فهو استعمل اللفظ لكي يُخْطِرَ المعنى في ذهنك، فاستعمل اللفظ لإخطار المعنى في ذهن السامع، فيكون معنى الاستعمال هو استخدام اللفظ بقصد إخطار معناه في ذهن السامع حتى ينتقل ذهنه إلى هذا المعنى.

بعبارة أخرى:

استعمال اللفظ في معناه هو إيجاد الشخص لفظا لكي يعدّ ذهن غيره للانتقال إلى معناه، والاستعمال يكون متأخرا من حيث الرتبة عن الوضع لأنه يأتي بعد الوضع، نحن في أحاديثنا نستعمل كثيرا من الألفاظ، أنا الآن أتحدث وأنتم تستمعون، أنا أتكلم بألفاظ أريد منها أن أخطر معاني معيّنة في أذهانكم حتى تكون هذه البحوث الأصولية واضحة عندكم، فأستخدم الكلمات والألفاظ بقصد إخطار المعاني في ذهن السامع حتى ينتقل ذهن السامع إلى هذه المعاني التي أريدها، وهذا هو معنى الاستعمال، وأما المستعمَل فهو اللفظ، والمستعمَل فيه هو المعنى، ومر سابقا أن الموضوع هو اللفظ، والموضوع له هو المعنى، وهنا عندنا مصطلحات أخرى عن اللفظ والمعنى، ولنربط بين المصطلحات:

اللفظ/ الموضوع/ المستعمَل‏

258

المعنى/ الموضوع له/ المستعمَل فيه‏

وكان المصطلح السابق باعتبار الوضع، وأما المصطلح الجديد فباعتبار الاستعمال.

المستعمِل الذي استعمل هذه الألفاظ يريد أن يُخْطِر في ذهن السامع معاني معيّنة، فعنده إرادة، وهذه الإرادة تسمّى" الإرادة الاستعمالية"، فالإرادة الاستعمالية هي إرادة المستعمِل إخطار المعنى في ذهن السامع عن طريق اللفظ، والاستعمال يحتاج إلى إرادة، فالنائم لا نقول عنه إنه يستعمل اللفظ لأنه لا توجد عنده إرادة لاستعمال هذا اللفظ، واللفظ لا بدّ أن يصدر من شخص ملتفت قاصد للاستعمال، ولو أن حجرين اصطكّتا وأصدرتا لفظا فلا نقول إن الحجرين استعملتا اللفظ لأنه لا توجد إرادة وقصد لاستعمال اللفظ في المعنى الموضوع له عند الحجرين، ونرى هنا أنه يوجد عندنا استعمال ومستعمَل ومستعمَل فيه ومستعمِل وإرادة استعمالية.

تصوّر اللفظ على نحو اللحاظ الآليّ المرآتيّ:

إن اللفظ وسيلة للوصول إلى المعنى، نحن لا ننطق بالألفاظ لمجرّد النطق بالألفاظ، بل الألفاظ جسر وطريق وقنطرة إلى المعاني، فعندما يتكلم الشخص يريد أن يوصل إلى ذهن السامع معاني معيّنة، فيوجد عند المتكلم قصد في توصيل المعاني إلى ذهن السامع أي عنده إرادة استعمالية، فإذا كان اللفظ وسيلة للوصول إلى المعنى فالمعنى هو المطلوب، فيكون المعنى هو المقصود والغرض الأساس للمتكلم، فالمعنى‏

259

يلاحَظ على نحو استقلالي، أي باللحاظ الاستقلالي، واللفظ يلاحَظ على نحو وسيلتي أي باللحاظ الوسيلتي، فاللفظ وسيلة للمعنى، ولا يمكن إيصال المعنى إلى ذهن السامع إلا عن طريق وسيلة من الوسائل، ولنطلق على الوسيلة" الآلة"، فيكون اللفظ وسيلة وآلة وأداة لإخطار المعنى في ذهن السامع، فيتصور اللفظ على نحو اللحاظ الآلي، ويتصور اللفظ كمقدمة لإخطار المعنى، والغرض الأساس للمتكلم هو إخطار المعنى، فاللفظ آلة وأداة كالمطرقة التي هي آلة وأداة لطرق المسامير، المطرقة لا تُقْصَد لذاتها بل لأنها آلة، كذلك اللفظ مثل المطرقة عبارة عن آلة، فنستعمل اللفظ للوصول إلى المعنى، ويرى اللفظ باللحاظ الآلي أو اللحاظ الأداتي أو اللحاظ المرآتي، فالمرآة يستعملها الإنسان كوسيلة للنظر إلى نفسه، فتكون المرآة عبارة عن وسيلة، وتلحظ المرآة وأنت غافل عنها، وكل نظرك يكون إلى الصورة، وكذلك اللفظ يكون عبارة عن وسيلة، نريد أن نعكس المعنى في هذا اللفظ، والمستعمِل يستعمل اللفظ كمرآة عاكسة للمعنى بسبب العلاقة الوثيقة بينهما، واللفظ مرآة للمعنى وآلة للمعنى، فنتصور اللفظ على نحو اللحاظ الآلي المرآتي للانتقال إلى المعنى، وتلحظ اللفظ بما هو مرآة للمعنى حيث تكون غافلا عن اللفظ لأن كل نظرك يكون إلى المعنى، والمتكلم يستعمل اللفظ دون الالتفات إليه كما ينظر الشخص إلى نفسه في المرآة دون أن يلتفت إليها، فهو لا ينظر إلى المرآة بما هي مرآة بل بما هي أداة عاكسة لصورته.

إن المرآة يمكن النظر إليها بلحاظين، تارة شخص يريد أن يشتري‏

260

مرآة فينظر إليها بما هي مرآة حيث يلاحظ مواصفاتها وطولها وعرضها وغير ذلك، وهذا لحاظ استقلالي، وتارة أخرى يريد أن ينظر إلى صورته فينظر إلى المرآة بما هي آلة عاكسة لصورته ولا ينظر إلى نفس مواصفات المرآة، وهذا لحاظ آلي مرآتي، وفي الواقع نحن نريد المعنى، فنتصور المعنى على نحو اللحاظ الاستقلالي، والمستعمِل يتصور اللفظ والمعنى غير أن تصوره للفظ يكون على نحو اللحاظ الآلي المرآتي، ويكون تصوره للمعنى على نحو اللحاظ الاستقلالي، فهما كالمرآة والصورة، والمقصود من الآلية والاستقلالية هو أن الغرض الأساس للمستعمِل هو المعنى، ولكنه لا يمكن أن يخطر المعنى في ذهن السامع إلا عن طريق آلة وأداة ووسيلة، فلحاظه للفظ يكون لحاظا آليا أداتيا وسيلتيا لإخطار المعنى.

إشكال:

عندما نرى اللفظ نقول إننا نلحظ اللفظ، فنلحظ اللفظ وننتقل إلى المعنى في نفس الوقت، فإذا كان اللفظ آلة ومرآة فالمفروض أن لا نلحظ اللفظ لأنك تريد المعنى، وحينما تستعمل اللفظ لا تلتفت إلى اللفظ، فأنت لا تتصور اللفظ بأنه مكوّن من حروف، أنت تنتقل مباشرة من اللفظ إلى المعنى، فأنت في الواقع غافل عن اللفظ، فكيف يقال إنك تلحظ اللفظ ولكن في نفس الوقت يقال إنك غافل عن اللفظ؟ فكيف يمكن الجمع بين لحاظ الشي‏ء والغفلة عنه؟ وهل هذا إلا تناقض عندما تجمع بين لحاظ الشي‏ء وعدم لحاظ الشي‏ء؟

261

الجواب:

عندما نقول إن النفس غافلة عن اللفظ فإن ذلك لا يعني عدم لحاظ اللفظ، بل المقصود أننا نلاحظ اللفظ ولكن على نحو اللحاظ الآلي المرآتي، فاللفظ ليس له وجود استقلالي، فتوجد ملاحظة للفظ ولكن على أساس أنه جسر ووسيلة فقط، مثل الجسر تنتقل عليه من مكان إلى آخر، حينما تعبر الجسر ونسألك بعد ذلك ماذا رأيت على الجسر؟

تقول لا أدري، فأنا استعملت هذا الجسر من أجل الانتقال من جهة إلى أخرى فقط، ولم ألتفت إلى شكل الجسر ومواصفاته، فأنت تراه ولكنك في نفس الوقت غافل عنه، فاللفظ نلاحظه مندكًّا وفانيا في المعنى بنفس لحاظ المعنى، فاللفظ يفنى في المعنى، فنغفل عن اللفظ ولا نلتفت إليه حيث يحصل اندكاك وفناء بينهما، واللحاظ المرآتي معناه إفناء للفظ في المعنى وبنفس لحاظ المعنى، وهذا النحو من لحاظ شي‏ء فانيا في شي‏ء آخر يجتمع مع الغفلة عنه، فنتّخذ اللفظ جسرا فقط إلى المعنى، والألفاظ عبارة عن جسر إلى المعاني لا أكثر من ذلك.

ويمكن التوضيح بمثال عرفي وهو أنك عندما تشرب الشاي الحلو فإنك تكون غافلا عن وجود السكر مع أنك تشعر بحلاوة الشاي لأن السكر يكون فانيا في الشاي.

رأي صاحب الكفاية:

إذا كان اللفظ يفنى في المعنى فلا يمكن أن يفنى في معنى آخر في نفس الوقت، فإذا استعملت اللفظ في معنى معيّن فلا يمكن أن تستعمله‏

262

في معنى آخر في نفس الوقت، فيستحيل استعمال لفظ في معنيين في وقت واحد، نعم قد تكون الكلمة موضوعة لمعنيين أو لعدة معاني، ولكن حين الاستعمال لا يريد المتكلم إلا معنى واحدا.

مثلا تقول:" رأيت عينا"؛ فهل هذه العين تكون للباصرة أو للنابعة أو لكلا المعنيين؟

يقول (قدس سره) إنه لا بدّ أن تستعمل هذا اللفظ في معنى واحد، ويستحيل أن تستعمله في الباصرة والنابعة في نفس الوقت لأن اللفظ حين الاستعمال يدل على معنى واحد ولا يدل على معنيين في وقت واحد، فحينما يفنى في معنى فإنه يستحيل أن يفنى في معنى آخر، ولا يستعمل اللفظ في معنيين في عرض واحد إلا الأحول، كما أنه إذا فني سكر في شاي فإنه لا يمكن أن يفنى في شاي آخر لأنه ذاب وانتهى‏ (1).

____________

(1) وقد يسأل هنا أن اللفظ في القرآن الكريم عندما يستعمل هل له معنى واحد أو له عدة معاني لأننا نرى أن الأشخاص يفهمون معاني مختلفة من الآية الواحدة؟

يمكن أن يجاب على هذا السؤال بأن اللفظ المستعمل في القرآن حين الاستعمال له معنى واحد، ولكن كل شخص يفهم من المعنى مقدارا معيّنا حسب عقله وفهمه لا أن اللفظ الواحد له معنيان، فإن في القرآن ظواهر وبطونا، والظواهر والبطون هي معاني طولية تأتي واحدة تلو الأخرى لا عَرْضِيَّة بحيث تأتي في عَرْضٍ ووقتٍ واحد، وقد يكون اللفظ مستعمَلا في المعنى الجامع بين عدة معان، وحين التطبيق كل شخص يفهم مصداقا واحدا من مصاديق المعنى الجامع لا أن المصاديق هي معاني مختلفة للفظ الواحد، وهذا الكلام يأتي في الروايات أيضا حيث إن المعصوم (عليه السلام) حينما يتكلم فإنه يريد معنى واحدا، وإذا كان للفظ معاني متعدّدة فإنه توجد قرينة في كلام المعصوم (عليه السلام) تعيّن المعنى المراد من بين هذه المعاني.

263

إشكال:

قد يقال بأنه يمكن أن نوحِّد بين المعنيين بأن نأتي من المعنيين بمعنى واحد وهو المعنى الجامع بينهما أو نأتي بمعنى مركّب منهما ومشتمل عليهما معا، ثم تفني اللفظ في هذا المعنى الجامع أو في هذا المعنى المركّب منهما.

مثلا بدل أن تقول:" أريد زيدا وعمرا"، بدل ذلك تقول:" أريد إنسانا"؛ وأنت تقصدهما معا، أو" أريد الشخصين"؛ وأنت تريدهما معا، فتجمع الاثنين بلفظ واحد، وهذا استعمال للفظ في معنيين أي في زيد وعمرو، فكيف تقولون إنه لا يمكن استعمال اللفظ في معنيين؟

الجواب:

هذا اللفظ فني في معنى واحد وهو معنى" الإنسان"، وأما زيد وعمرو فهما من مصاديق الإنسان، وأنت لم تستعمل اللفظ في زيد وعمرو في نفس الوقت، استعملت لفظ" الإنسان" في معنى" الإنسان"، ومن مصاديق الإنسان زيد وعمرو، وكذلك" الشخصان" له معنى واحد وإن كان مركّبا من اثنين معا، فهو ليس إفناءً للفظ في معنيين في وقت واحد، وإنما هو استعمال وإفناء للفظ في معنى واحد، وهذا المعنى الواحد هو المعنى الجامع بين المعنيين أو المعنى المركّب بينهما بحيث لا تقصد كل واحد منهما على نحو الاستقلال بل تقصدهما معا، واستعمال اللفظ في معنى جامع بين فردين أو في معنى مركب بين أجزاء ليس مستحيلا، وإنما المستحيل هو إرادة كل فرد أو كل جزء على نحو مستقل ضمن‏

264

استعمال واحد، ولكنك لا تستطيع أن تأتي دائما بمعنى جامع، فلا يوجد معنى جامع بين العين الباصرة والعين النابعة لأنه لا توجد صفة مشتركة بينهما، ولا نقول لفظ جامع بينهما، نعم يوجد لفظ مشترك بينهما وهو العين، ولكن نظرنا ليس إلى اللفظ المشترك بل إلى المعنى الجامع.

الحقيقة والمجاز

قبل الدخول إلى البحث الموجود في الحلقة الثانية لنأخذ البحث الذي ذكره السيد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الأولى عن الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي ليتّضح لنا الفرق بينهما ثم ندخل في بحوث الحلقة الثانية.

أقسام استعمال اللفظ:

ينقسم استعمال اللفظ في المعنى إلى قسمين:

1- الاستعمال الحقيقي.

2- الاستعمال المجازي.

نأتي إليهما تباعا:

1- الاستعمال الحقيقي:

الاستعمال الحقيقي هو استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له أو فيما وُضِعَ له من معنى، والمعنى الموضوع له اللفظ هو المعنى الحقيقي، والعلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى الحقيقي هي علاقة لغويّة بسبب وضع الواضع اللفظ لهذا المعنى، فاللفظ يدل على معناه الحقيقي بسبب الوضع‏

265

أي بسبب حالة الاقتران والارتباط الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى، فتصور اللفظ يكون دالا على تصور المعنى، واستعمال المتكلم للفظ سبب لتصور المعنى في ذهن السامع.

والاستعمال يؤدي غرضه وغايته وهدفه، وهو انتقال ذهن السامع إلى تصور المعنى بدون أي شرط وبدون أي قرينة لأن علاقة السببية اللّغويّة القائمة بين اللفظ والمعنى الموضوع له كفيلة بتحقيق هذا الغرض، فلا توجد حاجة لذكر قرينة دالة على المعنى الحقيقي، ولا يحتاج المتكلم إلى قرينة لانتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى الحقيقي لأن الوضع يكشف عن المعنى الحقيقي.

2- الاستعمال المجازي:

الاستعمال المجازي هو استعمال اللفظ في المعنى غير الموضوع له أو في غير المعنى الموضوع له أو في غير ما وُضِعَ له أو في معنى آخر لم يوضع له، ولكنه يشابه المعنى الموضوع له ببعض الاعتبارات.

والمعنى المجازي هو المعنى المشابه للمعنى الموضوع له اللفظ حيث توجد علاقة مشابهة من جهةٍ ما بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، ويوجد وجه شبه بينهما، كوجه الشبه بين الأسد والرجل في الشجاعة.

والمشابهة بين معنيين تولِّد اقترانا بين اللفظ الموضوع للمعنى الأول وبين المعنى الثاني، وهذه المشابهة سبب لنشوء علاقة بين اللفظ والمعنى الثاني، وقد توجد علاقات أخرى تساهم في انتقال الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي كعلاقة السّببيّة والمسبَّبِيَّة، والجزئيّة والكلية،

266

وهذه العلاقات تدرس في علم البلاغة، مثلا إذا قلنا" عتق رقبة"، فالمراد هنا هو" عتق إنسان"، فتقصد الإنسان من الرقبة، والرقبة استعملت في غير المعنى الموضوع لها، فالاستعمال استعمال مجازي، والرقبة جزء من الإنسان، فتنتقل من الجزء إلى الكل، فتوجد هنا علاقة الجزئية والكلية.

وتعتبر علاقة اللفظ بالمعنى المجازي علاقة ثانويّة ناتجة ومتفرّعة عن علاقته اللّغويّة الأوليّة بالمعنى الموضوع له؛ لأنها تنبع عن الشبه القائم بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازي، فالعلاقة الأوليّة ناتجة من الوضع، وهي علاقة اللفظ بالمعنى الحقيقي، وتوجد علاقة ثانية ناتجة من وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، والمعنى المجازي يكون في طول المعنى الحقيقي أي يأتي بعده في رتبة متأخرة، فالعلاقة الأولى تكون بين اللفظ والمعنى الحقيقي، والعلاقة الثانية تكون بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، والاستعمال المجازي فرع الاستعمال الحقيقي.

مثال: استعمال كلمة" البحر" في العالِم الغزير العلم، فالبحر واسع غزير، وهذا العالم علمه واسع غزير، فهناك وجه شبه بين البحر والعالم، فالعالم يشابه البحر من الماء في الغزارة والسّعة.

وإذا كان عندنا لفظ، وهذا اللفظ موضوع لمعنى معيّن، فمن خلال الوضع نعرف أن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي، وأنت حين الاستعمال يوجد عندك وضع مسبق في رتبة سابقة، وهذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، وفي مرحلة الاستعمال تارة تقول أريد أن أستعمل هذا اللفظ في‏

267

المعنى الموضوع له وهو المعنى الحقيقي، فتستعمل اللفظ في نفس المعنى الموضوع له، وتارة أخرى يكون اللفظ موضوعا لمعنى، ولكن حين الاستعمال تستعمله في معنى آخر غير موضوع له.

مثلا: تستعمل كلمة" الأسد"؛ وتقصد الحيوان المفترس الموجود في الغابة بصفات معيّنة، فهذا استعمال للفظ في المعنى الموضوع له وهو الحيوان المفترس، فيكون الاستعمال في هذه الحالة استعمالا حقيقيا.

وتارة تقول:" رأيت أسدا"؛ وتقصد الرجل الشجاع، فهنا استعملت اللفظ في معنى آخر لم يوضع له وهو المعنى غير الموضوع له، فيكون الاستعمال في هذه الحالة استعمالا مجازيا.

ويقال بأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز؛ أي أن الاستعمال يشمل الحقيقة ويشمل المجاز لأنه يوجد استعمال حقيقي واستعمال مجازي، فالوضع شي‏ء والاستعمال شي‏ء آخر، فقد يستعمل المتكلم اللفظ في المعنى الموضوع له وهو المعنى الحقيقي، وقد يستعمله في المعنى غير الموضوع له وهو المعنى المجازي، فالاستعمال تارة يكون في المعنى الحقيقي وتارة أخرى يكون في المعنى المجازي، فيكون الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.

والمعنى المجازي له علاقة ما بالمعنى الحقيقي، لذلك ينتقل الذهن عند سماع اللفظ إلى المعنى المجازي، وأما إذا لم توجد أي علاقة بينهما فإنه لا يمكن للذهن أن ينتقل إلى المعنى المجازي، فلا بد من وجود الواسطة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي حتى يتمّ الانتقال، ولوجود

268

علاقة المشابهة في الشجاعة بين هذا الرجل والحيوان المفترس تستطيع أن تستعمل لفظ" الأسد" في الرجل الشجاع.

الحاجة إلى القرينة في المعنى المجازي:

توجد حاجة إلى القرينة في المعنى المجازي دون المعنى الحقيقي، ففي الاستعمال الحقيقي ينتقل ذهن السامع إلى تصور المعنى بدون أي شرط لأن علاقة السببية بين اللفظ والمعنى الموضوع له كفيلة بتحقيق هذا الغرض ولا توجد حاجة إلى القرينة، فإذا كان اللفظ بدون قرينة فإن الذهن ينتقل إلى المعنى الحقيقي، ومع وجود القرينة فإن الذهن ينتقل إلى المعنى المجازي، وفي الاستعمال المجازي يحتاج المستعمل إلى قرينة تشرح مقصوده وتبيّن مراده لأنه لا توجد علاقة لغوية وعلاقة سببية بين لفظ" البحر" ومعنى" العالم"، وهذه القرينة تسمى" القرينة الصارفة"؛ لأنها تصرف الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي.

وهناك نوع آخر من القرينة تسمى" القرينة المُعَيِّنَة"، وهي التي تعيِّن المعنى الحقيقي من بين المعاني الحقيقية إذا كان للفظ أكثر من معنى حقيقي، كلفظ" العين" الذي له معنى العين الباصرة والعين النابعة، فإذا قلت:" رأيت عينا"، فإن السامع يسألك:" أي عين تريد؟"، فهنا تذكر قرينة في الكلام، ونسمّيها قرينة معيّنة.

ولهذا يقال عادة إن الاستعمال المجازي يحتاج إلى قرينة دون الاستعمال الحقيقي، وقال السيد الشهيد (قدس سره):" عادة"، ليشير إلى أنه في الاستعمال الحقيقي توجد قرينة أيضا، ولكنها قرينة مختلفة

269

عن قرينة الاستعمال المجازي، ففي الاستعمال المجازي تكون القرينة صارفة للذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، ولكن في الاستعمال الحقيقي تكون القرينة معيّنة للمعنى الحقيقي المراد إذا كان للفظ أكثر من معنى حقيقي كما هو الحال في اللفظ المشترك.

مثال المجاز:

إذا قال المتكلم:" بحر في العلم"، كان الجار والمجرور" في العلم" قرينة على المعنى المجازي، أو" رأيت أسدا يأكل مع الملعقة"، فالأكل مع الملعقة قرينة على أن المراد ليس هو الحيوان المفترس، بل المراد معنى آخر وهو الرجل الشجاع، وهذا هو المعنى المجازي.

بحوث الحلقة الثانية:

والآن نأتي إلى بحوث الحلقة الثانية، ذكر السيد الشهيد (قدس سره) هنا أمران:

الأمر الأول:

ما وُضِعَ له اللفظ أي المعنى الموضوع له اللفظ هو المعنى الحقيقي، وعندما قلنا إن الوضع يتوقف على تصور اللفظ وتصور المعنى فالمقصود هو المعنى الحقيقي، وأما المعنى المجازي فهو ما لم يوضع له اللفظ أي المعنى غير الموضوع له اللفظ.

والاستعمال يكون استعمالا حقيقيا إذا استعمل المتكلم اللفظ في المعنى الموضوع له، ويكون استعمالا مجازيا إذا استعمل المتكلم اللفظ في المعنى غير الموضوع له.

270

إذا كان عندنا معنى حقيقي واحد فإن اللفظ يدل على هذا المعنى الحقيقي الواحد بلا شك بسبب الاقتران الخاص بين اللفظ والمعنى إذ أن تصور اللفظ سبب لتصور المعنى، وإذا كانت هناك معاني مقترنة مع هذا المعنى الحقيقي فإن هذا اللفظ يكون صالحا للاستعمال في المعاني التي لها علاقةٌ ما بهذا المعنى الحقيقي.

مثلا: الأسد له معنى حقيقي وهو الحيوان المفترس، ونستعمل هذا اللفظ في" زيد"، فتقول" رأيت أسدا"؛ مع ذكر القرينة وتقصد زيدا لوجود علاقة بين زيد وذلك الحيوان المفترس، وهي علاقة المشابهة في الشجاعة، فزيد يشبه الأسد في الشجاعة، وهذا اللفظ صالح للاستعمال في المعنى الحقيقي بلا شك، واللفظ صالح أيضا للاستعمال في المعاني التي لها أي علاقة واقتران بهذا المعنى الحقيقي، وهنا نستطيع أن نستعمل هذا اللفظ في المعنى الحقيقي وفي المعاني التي لها علاقة بالمعنى الحقيقي، ونطلق على المعاني التي لها هذه العلاقات" المعاني المجازية".

إذن: اللفظ له صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقي بسبب الاقتران الخاص بين اللفظ والمعنى الحقيقي، وهذا الاقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى الحقيقي هو الوضع، وللفظ أيضا صلاحية الدلالة بالقوة على كل معنى يقترن بالمعنى الحقيقي اقترانا خاصا بنفس الوضع الأول للمعنى الحقيقي لا بوضع جديد، كالمعاني المجازية المشابهة للمعنى الحقيقي، وهذا المعنى المقترن بالمعنى الحقيقي يأتي في طول المعنى الحقيقي لا في‏

271

عَرْضِهِ لأنه لو كان في عَرْضِ المعنى الحقيقي لكان معنى حقيقيا لا معنى مجازيا، ولا يحتاج المعنى المجازي إلى وضع جديد لأن مجرّد المشابهة كافي في صلاحيّة اللفظ للدّلالة على المعنى المجازي.

وصلاحيّة الدّلالة على المعنى المجازي صلاحية أضعف من صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقي لأنها تقوم على أساس مجموع اقترانين، وهذان الاقترانان هما: اقتران اللفظ بالمعنى الحقيقي واقتران المعنى المجازي بالمعنى الحقيقي، فهناك طوليّة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فالمعنى المجازي يكون في طول المعنى الحقيقي، وإذا لم يتصور المعنى الحقيقي لا تصل النوبة إلى تصور المعنى المجازي.

المعنى الحقيقي يحتاج إلى اقتران واحد، وهو اقتران اللفظ بالمعنى الحقيقي لأن اللفظ اقترن مباشرة بالمعنى الحقيقي، والمعنى المجازي يحتاج إلى اقترانين، وهما: الأول اقتران اللفظ بالمعنى الحقيقي، والثاني اقتران اللفظ بالمعنى المقترن بواسطة القرينة، فاللفظ له صلاحية الدلالة على المعنى المجازي بدرجة أضعف لأن المعنى المجازي اقترن باللفظ بطريق غير مباشر بواسطة المعنى الحقيقي، فدلالة اللفظ على المعنى المجازي دلالة أضعف لأنها دلالة غير مباشرة.

مثلا: لفظ" الأسد" يدل أولا على الحيوان المفترس، ويدل ثانيا على الرجل الشجاع بسبب اقتران اللفظ بالقرينة.

وإذا اقترن اللفظ بالقرينة الدّالّة على المعنى المجازي فعلا تصبح هذه الصلاحية فعليّة ويصير اللفظ دالا فعلا على المعنى المجازي بعد أن‏

272

كان دالا بالقوة على المعنى المجازي، فاللفظ يدل بالقوة على المعنى المجازي، وحين الاستعمال مع القرينة يدل بالفعل على المعنى المجازي.

الأمر الثاني:

إذا لم تكن عندنا قرينة تبقى الصلاحية على القوة ولا تنتقل إلى الفعلية، ويكون اللفظ دالا على المعنى الحقيقي مباشرة.

مثلا: إذا قلت" أسد" فإلى أي شي‏ء ينصرف الذهن؟

ينصرف الذهن بلا شك إلى المعنى الحقيقي، ومع ذكر القرينة ينصرف الذهن إلى المعنى المجازي، فإذا كانت عندنا قرينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي فإن الاستعمال هنا يكون استعمالا مجازيا، ففي المعنى المجازي نحتاج إلى قرينة صارفة.

إذن: في حالة عدم وجود القرينة فإن الذهن ينسبق إلى تصور المعنى الموضوع له اللفظ وهو المعنى الحقيقي، وفي حالة وجود القرينة الصارفة فإن الذهن ينصرف إلى المعنى المجازي.

فائدة:

ظهور الكلام في المدلول التصوري يتعلَّق بماذا؟ ماذا يتبادر إلى ذهن السامع عندما نتلفظ بكلمة معيَّنة؟

الجواب:

يأتي إلى ذهن السامع المعنى الحقيقي، في الدلالة التصورية يأتي إلى الذهن المعنى الحقيقي لا المعنى المجازي، فالمعنى الحقيقي هو الذي ينسبق إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ.

273

مثلا: إذا سمع لفظ" الأسد" فإن ما يتبادر إلى ذهنه هو صورة المعنى الموضوع له اللفظ أي صورة المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس، ولا يتبادر إلى ذهنه المعنى المجازي وهو الرجل الشجاع.

إذن: الدلالة التصورية مرتبطة بالمعاني الحقيقية، وظهور الكلام في مرحلة المدلول التصوري يتعلّق دائما بالمعنى الموضوع له أي المعنى الحقيقي، فهو الذي تأتي صورته إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ دون المعنى المجازي، هذا بناء على نظرية الاعتبار، وأما بناء على نظرية التعهد فالذي ينسبق إلى الذهن مباشرة هو المدلول التصديقي.

سؤال: ولكن أين موقع المعنى المجازي؟

الجواب:

نأتي إلى الدلالة التصديقية، في المدلول التصديقي يقصد المتكلم ويريد إخطار المعنى المجازي في ذهن السامع فيأتي بقرينة تصرف الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، وإذا قلنا:" المتكلم يريد"؛ فإن معنى الإرادة هو المدلول التصديقي.

إذن: المعاني الحقيقية مرتبطة بالدلالة التصورية، والمعاني المجازية مرتبطة بالدلالة التصديقية، يأتي المتكلم بقرينة فينصرف ذهن السامع إلى المعنى المجازي، ولكن هذا يأتي في الدلالة التصديقية لا في الدلالة التصورية، فالمتكلم يقصد أن يصرف ذهن السامع من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، والقصد والإرادة يكونان في الدلالة التصديقية، وفي الدلالة التصورية لا يوجد قصد وإرادة، فالنائم عندما يتلفظ بكلمات فإن‏

274

المعاني الحقيقية تأتي إلى ذهن السامع، فالنائم لا يوجد عنده قصد وإرادة.

سؤال: في المعنى الحقيقي هل نحتاج إلى وجود قرينة؟ مثلا في المشترك اللفظي الذي له عدة معاني كيف نحدّد المعنى الحقيقي الأول دون المعنى الحقيقي الثاني؟

مثلا: حينما نقول كلمة" عين" إلى ماذا ينسبق ذهن السامع؟ هل ينسبق إلى جميع المعاني؟

الجواب:

نحن حين الاستعمال نقصد معنى واحدا ولا نقصد جميع المعاني، ويحتمل السامع أننا قصدنا المعنى الأول أو الثاني أو الثالث أو...، مثلا يقال إن كلمة" عين" لها ثلاثون معنى، فأمام السامع ثلاثون احتمالا، ولكن المستعمِل حين الاستعمال يقصد معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثين، فكيف يستطيع السامع أن يحدّد ما يريده المتكلم؟

نحن نريد أن نصل إلى تحديد المقصود في الآيات والروايات، مثلا في رواية تأتي كلمة ونحتمل وجود ثلاثين معنى ولا نستطيع أن نحدّد المقصود من الكلمة فماذا نفعل بالرواية؟

لا نأخذ بهذه الرواية لعدم القدرة على تحديد المعنى المراد من قِبَلِ المعصوم (عليه السلام)، نحتاج هنا إلى قرينة، ولكن في المعنى الحقيقي نسمي هذه القرينة" قرينة مُعَيِّنَة" لأنها تعيِّن المعنى الحقيقي المقصود من بين المعاني الحقيقية، وفي المعنى المجازي نحتاج إلى" قرينة صارفة"

275

تصرف الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي.

إذن: في المشترك اللفظي نحتاج إلى قرينة معيِّنة، وفي المجاز نحتاج إلى قرينة صارفة.

سؤال: في المعنى الحقيقي نحتاج إلى وضع فيقول الواضع:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى"، فهل في المعنى المجازي نحتاج إلى وضع خاص بأن يقول الواضع:" وضعت في هذا اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي"؟

الجواب:

قد يقال:" نعم، نحتاج إلى وضع أيضا في المعنى المجازي"، ولكن الصحيح هو أننا لا نحتاج إلى وضع خاص في المعاني المجازية، يكفي أن هذا اللفظ يوضع للمعنى الحقيقي، ولوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى الآخر نستعمل اللفظ في المعنى المجازي، فلا نحتاج إلى وضع خاص في المعنى المجازي، فصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي لا يحتاج إلى وضع خاص غير وضعه للمعنى الحقيقي، فبمجرد الوضع للمعنى الحقيقي فإن اللفظ يكتسب الصلاحية والقابلية للدلالة على المعنى المجازي أي يدل بالقوة على المعنى المجازي، وهذه الصلاحية تكون ملازمة للوضع للمعنى الحقيقي ولا توجد حاجة لوضع جديد للمعنى المجازي، ولو وضع وضعا جديدا للمعنى المجازي فإنه يكون لغوا لأن اللفظ اكتسب صلاحية الدلالة على المعنى المجازي بمجرد الوضع الأول فلا يحتاج إلى وضع ثاني.

مثلا: لفظ" الأسد" فيه صلاحية الدلالة على الرجل الشجاع‏

276

بسبب وضع اللفظ لمعنى الحيوان المفترس، وهذه الصلاحية لا تحتاج إلى وضع جديد غير وضع لفظ" الأسد" لمعنى الحيوان المفترس.

إذن: إلى هنا أثبتنا أن الصلاحية في اللفظ للدلالة على المعنى المجازي هذه الصلاحية لا تحتاج إلى وضع جديد، ولكن الصلاحية شي‏ء وأن يكون اللفظ بالفعل دالا على المعنى المجازي شي‏ء آخر، القوة والفعل شيئان لا شي‏ء واحد، اللفظ بالوضع الأول اكتسب القوة لا الفعل، وإذا أردنا أن نخرج اللفظ من القوة إلى الفعل، فنقول إن هذا اللفظ مع القرينة يدل على المعنى المجازي، فيأتي السؤال التالي:

هل هذا يحتاج إلى وضع جديد أو لا يحتاج؟

وهذا السؤال يختلف عن السؤال السابق، كان السؤال السابق هو: هل اللفظ لكي يكتسب الصلاحية أي لكي يكون دالا بالقوة على المعنى المجازي هل يحتاج إلى وضع جديد أو لا يحتاج؟

وكان الجواب أنه لا يحتاج إلى وضع جديد.

والسؤال الجديد هو: هل اللفظ لكي يدل بالفعل على المعنى المجازي هل يحتاج إلى وضع جديد أو لا يحتاج؟

بعبارة أخرى:

هل يصح استعمال اللفظ بالفعل في المعنى المجازي ما دام أن اللفظ فيه الصلاحية والقابلية للدلالة على المعنى المجازي أو تتوقف صحة الاستعمال على وضع جديد؟

وعلى تقدير القول بتوقّف صحة الاستعمال في المعنى المجازي على‏

277

وضع جديد لا بدّ من تصوير الوضع المصحّح للاستعمال المجازي بنحو يختلف عن الوضع للمعنى الحقيقي.

قد يجاب على السؤال الأول بأنه لا نحتاج إلى وضع جديد، وعلى السؤال الثاني بأنه نحتاج إلى وضع جديد، وليس بالضرورة أن يكون للسؤالين نفس الجواب، فلا توجد ملازمة بين السؤالين، إذا كان اللفظ دالا بالقوة على المعنى المجازي ولا يحتاج إلى وضع جديد فهل دلالة اللفظ بالفعل على المعنى المجازي يحتاج إلى وضع جديد أو لا يحتاج؟

بعبارة أخرى:

هل يمكن أن يستعمل اللفظ بالفعل في المعنى المجازي بدون وضع جديد أو أنه يحتاج إلى وضع جديد؟

الجواب:

يوجد قولان:

القول الأول:

قد يُدَّعَى أن وضع اللفظ بدون القرينة يكون للمعنى الحقيقي، والوضع المنضمّ إلى القرينة يكون للمعنى المجازي؛ لأنهما معنيان لا معنى واحد، فنحتاج إلى وضعين، فيقول الواضع:" أضع هذا اللفظ بدون قرينة للمعنى الحقيقي، وأضعه مع القرينة للمعنى المجازي"، فصحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي متوقّفة على إنشاء وضع جديد بين اللفظ وبين المعنى المجازي لأن دلالة اللفظ على المعنى المجازي لا تكفي وحدها لتصحيح الاستعمال بدون وضع، والوضع في اللغة هو المصحِّح‏

278

للاستعمال، واستعمال اللفظ في المعنى المجازي يحتاج إلى وضع.

وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أن القائلين بالوضع في المجاز يجب عليهم تصوير كيفية هذا الوضع الجديد المصحّح للاستعمال المجازي بنحو يختلف عن الوضع للمعنى الحقيقي، فالوضع للمعنى المجازي لا بدّ أن يكون بشكل بحيث يكون في طول الوضع للمعنى الحقيقي، ولا بدّ من أن تكون طبيعة الوضع في المعنى الحقيقي مختلفة عن طبيعة الوضع في المعنى المجازي، والوضع الجديد لا بد أن يكون مشتملا على حيثيّة تحتفظ بالمجازية في الوضع الجديد، وإذا لم يكن الوضع للمعنى المجازي في طول الوضع للمعنى الحقيقي بل كان في عَرْضِهِ فإن المعنى المجازي ينقلب إلى معنى حقيقي والاستعمال في المعنى المجازي يكون استعمالا حقيقيا، وهذا خلف لأن المعنى المجازي لا يمكن أن ينقلب إلى معنى حقيقي والاستعمال المجازي لا يمكن أن ينقلب إلى استعمال حقيقي، ويكون اللفظ بذلك موضوعا بوضعين، وكل وضع يكون على حدة، وهذا يحوِّل اللفظ إلى مشترك لفظي له معنيان حقيقيان، وهذا خلف الفرض لأن الدعوى هي أن اللفظ له معنى حقيقي واحد وله معنى مجازي، لذلك لا بدّ من الاحتفاظ بالطوليّة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فالمعنى المجازي يأتي في رتبة متأخّرة عن المعنى الحقيقي، فأولا المعنى الحقيقي ثم المعنى المجازي لا أن أحدهما في عَرْضِ الآخر بحيث يأتيان معا.

فإذا قلنا:" نضع للمعنى الحقيقي ونضع للمعنى المجازي"؛ فهذا معناه أن أحدهما في عَرْضِ الآخر مع أن المعنى المجازي لا بدّ أن يكون في‏

279

طول المعنى الحقيقي وفي رتبة متأخّرة عن المعنى الحقيقي.

وقال البعض لتصوير الوضع الجديد أن الواضع يضع اللفظ للمعنى الحقيقي بدون قرينة، ويضعه للمعنى المجازي مع القرينة، وبهذه الطريقة يحتفظ المعنى المجازي بطوليّته للوضع الأول.

وبذلك نستطيع تفسير أسبقيّة المعنى الحقيقي إلى الذهن عند سماع اللفظ المجرد عن القرينة، فاللفظ بدون قرينة موضوع للمعنى الحقيقي، واللفظ مع القرينة موضوع للمعنى المجازي، وإذا لم توجد القرينة فإن علاقة اللفظ بالمعنى تنحصر بالمعنى الحقيقي ولا يزاحمه المعنى المجازي لأن المعنى المجازي يأتي في طول المعنى الحقيقي لا في عَرْضِهِ، نعم لو كان في عَرْضِهِ لكان مزاحما للمعنى الحقيقي‏ (1).

280

____________

(1) الرد على القول الأول: هذا الكلام تطويل بلا طائل لأن نتيجة" الوضع" هي أننا لا نستطيع أن نستعمل هذا اللفظ في معان أخرى غير الموضوع له، لذلك تكون النتيجة أننا لا نستطيع أن نخرج خارج المجازات التي نفترض أن العرب وضعوا لها مع القرينة، فإذا استعمل العرب هذه الألفاظ في معاني مجازيّة معيَّنة فإننا لا نستطيع أن نتعدّى هذه المجازات، وأما بدون وضع للمعنى المجازي فنحن أحرار في استعمال أي كلمة في أي معنى مجازي له علاقة ما بالمعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ، وما أكثر المجازات التي نستعملها، فإذا كان المجاز يحتاج إلى وضع فإن هناك الكثير من المجازات، ومعنى ذلك أن كل هذه المجازات بحاجة إلى وضع، وأنت تستعمل الآن المجاز بدون وضع لأنه لم يضع أحد لهذه المعاني المجازية التي تستعملها الآن ولم يستعملها أحد قبلك ولا يوجد واضع أول قبلك، فتستعمل الكلمة في معنى مجازي غير الذي استعمله العرب سابقا، فلا نحتاج إلى وضع في المعنى المجازي وإلا لكان كل استعمال مجازي بحاجة إلى وضع، وهذا غير ممكن لأنه بمجرد ما تقول وضع فإن معنى ذلك أنه لا تستطيع أن تستعمل الكلمة في معنى آخر غير موضوع له، مثلا هذا الموضوع للمعنى الحقيقي لا يمكن أن تغيِّره إلى معنى حقيقي آخر لأن الناس لن يستعملوا هذا الوضع الجديد الذي اخترعته، وبمجرد ما تنطق بهذه الكلمة فإن أذهان الناس تنصرف إلى المعنى الحقيقي لأن الوضع يكون للمعنى الحقيقي فقط، فإذا قلت:" أضع هذا اللفظ لهذا المعنى"؛ فإن هذا المعنى يكون معنى حقيقيا، وهذا المصطلح لا يمكن تغييره ليشمل المعنى المجازي أيضا، فالمصطلحات الموجودة في العلوم نستعملها كما هي، فمصطلح" الوضع" معناه أنه للمعنى الحقيقي، والمعنى الجديد الذي تضعه لهذا المصطلح لا أحد يأخذ به لأنه خاص بك وحدك، وإذا كنت تريد أن تغيِّر هذا الوضع فأمامك طريقان: إما بتعيين معيِّن وإما من كثرة الاستعمال، ولا يوجد طريق ثالث، نعم بتعيين معيِّن إذا استطعت أن تقرن هذا اللفظ بمعنى جديد فإنه يتكوَّن وضع جديد، ولكن الآن الاقتران ليس بهذه السهولة لأن الكلمات الموجودة لها معاني معيَّنة فلا تستطيع أن تغيِّر معاني هذه الكلمات، نعم عبر الزمان قد تغيَّر بعض الألفاظ إلى معاني جديدة، ولكن لا يكون بشكل لحظي بل يكون بشكل تدريجي، ونسأل هنا: هل اللغة حدّدت المجازات كما في كتاب" أساس البلاغة" للزمخشري حيث يذكر الاستعمالات المجازية عند العرب، أو أنها لم تحدّد المجازات بل يمكن للمتكلم أن يستعمل اللفظ في أي معنى مجازي توجد علاقة بينه وبين المعنى الحقيقي؟

قد يقال إن اللغة حدّدت المجازات، وتكون النتيجة عدم جواز استعمال الألفاظ في معاني مجازية أخرى لم تحدّدها اللغة ولم يستعملها العرب من قبل.

وقد يقال إن اللغة لم تحدّد المجازات، وإنما توجد حرّيّة عند المتكلم في استعمال الألفاظ في أي معنى مجازي يوجد بينه وبين المعنى الحقيقي علاقة من العلاقات.

والقول الثاني هو الصحيح وهو عدم تحديد اللغة للمجازات.

280

........... الحقيقة والمجاز

القول الثاني:

لا يحتاج المعنى المجازي إلى وضع، فلا نحتاج إلى وضع في المجاز

281

لتصحيح الاستعمال المجازي، فلا يصح أن نقول:" وضع بلا قرينة للمعنى الحقيقي ووضع مع القرينة للمعنى المجازي"، بل يكفي أن تضع هذا اللفظ للمعنى الحقيقي ثم تنتقل إلى معنى آخر لوجود علاقة ما بين المعنى الحقيقي وهذا المعنى الآخر الذي يكون معنى مجازيا، ويكون الاستعمال استعمالا مجازيا في المعنى الآخر لوجود القرينة الصّارفة التي تدل على هذا المعنى المجازي، فيكفي الوضع للمعنى الحقيقي، وكما أن الوضع للمعنى الحقيقي يكسب اللفظ صلاحيّة الدلالة على المعنى المجازي، كذلك يكسبه أيضا فعلية الدلالة على المعنى المجازي ولكن مع القرينة، ولا نحتاج إلى وضع جديد لتصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي، فنفس صلاحية الدلالة على المعنى المجازي تكفي في صحة الاستعمال في المعنى المجازي، فالعلاقة بين المعنى الأول الموضوع له اللفظ وبين المعنى الثاني كافية في تصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي.

إذن: لا توجد حاجة للوضع في المجاز لأن الوضع يكشف دائما عن المعنى الحقيقي، واستعمال اللفظ فيما وضع له يدل على الحقيقة، والمجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ويشترط في المجاز وجود القرينة الدالة على أن اللفظ مستعمَل في غير ما وضع له، وبدون القرينة ينصرف الذهن إلى المعنى الحقيقي، وتوجد حرّيّة في الاستعمال في المجاز بسبب وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فليس هناك حاجة للوضع في المجاز لأن اللفظ صالح للدلالة على المعنى المجازي بسبب وضعه للمعنى الحقيقي، فنستند إلى المعنى الحقيقي لاستعمال اللفظ في‏

282

المعنى المجازي.

رأي السيد الشهيد (قدس سره):

الصحيح هو عدم الحاجة إلى وضع في المجاز لتصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي وإخراج الدلالة على المعنى المجازي من القوة إلى الفعل بحيث يدل اللفظ فعلا على المعنى المجازي، ويأتي هنا السؤال التالي:

ما هو المراد من صحة الاستعمال؟ وما هو معنى أن هذا الاستعمال صحيح؟

الجواب:

صحة الاستعمال قد تعني الأمرين التاليين:

1- حسن الاستعمال:

صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي تعني حُسْن هذا الاستعمال، فكل لفظ له صلاحية وقابلية الدلالة على معنى فإنه يحسن استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى وقصد تفهيم المعنى بهذا اللفظ، واللفظ بوضعه للمعنى الحقيقي فيه صلاحية الاستعمال في المعنى المجازي، فيكون استعمال اللفظ في المعنى المجازي حسنا، نعم إذا لم تكن للفظ صلاحية الاستعمال في معنى فإنه لا يحسن استعمال اللفظ في هذا المعنى، وحسن الاستعمال ليس متوقّفا على الوضع، فيحسن استعمال اللفظ في المعنى المجازي بدون الحاجة إلى وضع اللفظ للمعنى المجازي لأنه تكفي العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للانتقال إلى المعنى المجازي حين سماع اللفظ مع القرينة ولا يحتاج إلى وضع جديد.

283

مثلا: نستعمل لفظ" الرقبة" في معنى" العبد"، فنقول:" اشتريت رقبة"، وهذه الرقبة تعني العبد، وهذا الاستعمال حسن لأن الرقبة جزء من العبد، فنستطيع أن ننتقل من الرقبة إلى العبد بعلاقة الجزئية أي نستطيع أن ننتقل من الجزء إلى الكل، فبعلاقة الجزئية والكلية نستعمل هذا الاستعمال، واستعمال اللفظ في المعنى المجازي في هذا المثال حسن.

2- الانتساب إلى اللغة:

صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي تعني انتساب هذا الاستعمال إلى اللغة، أي أن هذا الاستعمال ينتسب إلى قوانين اللغة ونظامها العام ومواضعاتها وضوابطها، والاستعمال مبنيّ على صلاحية في اللفظ للدلالة على المعنى ولو بواسطة القرينة، وهذه الصلاحية تكون ناشئة من نفس أوضاع اللغة لأن المتكلم يستطيع أن يستعمل هذا اللفظ في كل ما له علاقة بالمعنى الحقيقي، فالاستعمال ناشئ من العلاقة بين اللفظ والمعنى الحقيقي، واستندنا إلى المعنى الحقيقي لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي.

مثلا: عندما نستعمل الرقبة في العبد فإن هذا ينتسب إلى اللغة أيضا لأن الرقبة جزء من العبد، فوضعنا كلمة" رقبة" لهذا الجزء من العبد، واللغة تسمح باستعمال الجزء في الكل مجازا، وهذا الاستعمال ليس خارجا عن نظام اللغة، وهو منتسب إلى اللغة، وما دام أن اللفظ موضوع للمعنى الحقيقي فهذا اللفظ يكون منتسبا للغة، واستعماله في‏

284

المعنى المجازي ليس خارجا عن قوانين اللغة وقواعدها وضوابطها، وصحة الانتساب إلى اللغة ليس متوقّفا على الوضع، فاستعمال اللفظ في المعنى المشابه للمعنى الحقيقي مصحِّح لانتساب هذا الاستعمال إلى اللغة، لذلك لا نحتاج إلى وضع جديد للمعنى المجازي.

علامات الحقيقة والمجاز

طالما أنه لا يوجد عندنا اطلاع تام على كل وضع في اللغة العربية فإنه قد نقف عند معنى معيّن ولا ندري أنه معنى حقيقي أو معنى مجازي، وعند استعمال لفظ من الألفاظ لا ندري أن هذا الاستعمال استعمال حقيقي للفظ أو استعمال مجازي، فيأتي هذا السؤال:

إذا استعمل المتكلم لفظا وشككنا أنه يريد المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي فماذا نفعل؟ هل نقدّم المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي؟

لذلك احتجنا إلى البحث عن العلامات التي تميّز بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فيأتي السؤال التالي:

كيف نستطيع أن نعرف أن هذا المعنى معنى حقيقي أو معنى مجازي؟

الجواب:

اللفظ يمكن أن يستعمل في المعنى الحقيقي أو في المعنى المجازي، فإذا لم نعرف أن هذا المعنى حقيقي أو مجازي فلا بدّ من ضابطة تميّز لنا المعنى الحقيقي من المعنى المجازي.

مثلا: عندما قال:" رأيت أسدا"؛ هل كان مراده الأسد الحقيقي أو الرجل الشجاع؟

285

ذكر المشهور أنه يمكن تمييز المعنى الحقيقي من المعنى المجازي عن طريق بعض العلامات التي تدل على المعنى الحقيقي.

من هذه العلامات:

العلامة الأولى: التّبادر عند أهل اللغة:

يقولون إن التبادر علامة الحقيقة، ويأتي السؤال التالي:

ما معنى التّبادر؟

الجواب:

التبادر هو انسباق المعنى الموضوع له إلى الذهن من اللفظ، أو انصراف الذهن إلى المعنى عند سماع اللفظ، أو إشارة الذهن إلى المعنى من حاقّ اللفظ أي بدون قرينة، أو تصور المعنى في الذهن بمجرد سماع اللفظ بدون قرينة، أو انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ.

إذا تلفظ المتكلم بكلمة معيَّنة فإن ذهن السامع ينصرف بدون أي قرينة في الكلام إلى معنى معيَّن، هذا المعنى هو المعنى الحقيقي لأن ذهنه انصرف إلى هذا المعنى بدون قرينة، فالمعنى المنسبق إلى الذهن أي المعنى المتبادَر هو المعنى الحقيقي، وأما المعنى المجازي فلا يتبادر إلى الذهن من اللفظ إلا بضمّ القرينة، فيأتي المتكلم بالقرينة في الكلام فينصرف ذهن السامع إلى المعنى المجازي.

مثال: إذا قال المتكلم:" رأيت أسدا"؛ فإن ذهن السامع ينصرف بلا أي قرينة إلى الحيوان المفترس، وينصرف مع القرينة إلى الرجل الشجاع.

286

إذن: التبادر الذي يكون بدون قرينة يدل على المعنى الحقيقي، فإذا تبادر إلى ذهن شخص من أهل اللغة المعنى من اللفظ الخالي عن القرينة فإن ذلك المعنى يكون هو المعنى الحقيقي، وليس هو المعنى المجازي لأن المعنى المجازي لا يأتي إلى الذهن إلا مع القرينة.

بعبارة أخرى:

عن ماذا يكشف التبادر؟

إذا تبادر إلى ذهن الإنسان العالم باللغة معنى معيّن هذا المعنى يكشف عن ماذا؟

إذا سمع لفظ" أسد" وتبادر إلى ذهنه معنى" الأسد"، فيقولون إن التبادر علامة الحقيقة، وحينما يتبادر المعنى إلى ذهن العالم باللغة فإن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي لا المعنى المجازي، فالتبادر يكشف عن الوضع وعن المعنى الحقيقي، فإذا حصل التبادر بدون قرينة كشف عن كون المعنى المتبادَر هو المعنى الحقيقي، وتمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي يكون عن طريق التبادر من حاقّ اللفظ أي بدون قرينة؛ لأن التبادر من حاقّ اللفظ يكشف عن الوضع وعن أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإذا تبادر معنى في ذهن العالم باللغة من حاقّ اللفظ فإن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي.

وتبادر المعنى الموضوع له اللفظ إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ يكون من نتائج الوضع بسبب العلاقة التي يحقّقها الوضع بين اللفظ والمعنى، وبسبب علاقة السببية بينهما ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور

287

المعنى، وهذه العلاقة تنشأ من القانون التكويني الموجود في الذهن البشري، ومفاد هذا القانون هو أنه إذا ارتبط شي‏ء بشي‏ء آخر فإن تصور أحدهما يؤدي إلى تصور الآخر، لذلك يمكن الاستدلال على الوضع بالتبادر، ويمكن جعل التبادر علامة على أن المعنى المتبادَر هو المعنى الموضوع له لأن المعلول يكشف عن العلة كشفا إِنِّيًّا، ونستكشف من التبادر المعنى الموضوع له اللفظ وهو المعنى الحقيقي للفظ، ولهذا عُدَّ التبادر من علامات الحقيقة.

وهنا لا بدّ من بيان معنى البرهان الإِنِّيّ والبرهان اللِّمِّيّ أو الكشف الإنّيّ والكشف اللّمّيّ، في الكشف اللمي يتم الانتقال من العلة إلى المعلول ونستكشف وجود المعلول من وجود العلة، وفي الكشف الإني يتم الانتقال من المعلول إلى العلة ونستكشف وجود العلة من وجود المعلول.

وفي مقامنا المعلول هو التبادر، والعلة هي الوضع، فتبادر المعنى وهو المعلول يكشف عن الوضع وهو العلة، فالوضع هو علة للتبادر، وعندما يتبادر المعنى إلى الذهن نعرف أن سبب التبادر هو الوضع ونستكشف أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فالوضع علة وسبب للتبادر، وإذا علمنا بالمعلول- والمعلول هو التبادر- انتقلنا إلى العلم بالوضع، والوضع هو علة التبادر، وهذا انتقال من المعلول إلى العلة، فيكون الكشف فيه كشفا إنّيّا، فالتبادر يكشف لنا أنه في رتبة سابقة على التبادر تحققت علاقة بين اللفظ والمعنى، فلو لم تتحقق علاقة السببية بينهما لما حصل تبادر المعنى من اللفظ.

288

إشكال:

جعل التبادر علامة الحقيقة يلزم منه الدور، والدور باطل، فتكون النتيجة أن التبادر لا يكون علامة الحقيقة.

توضيح الإشكال:

أنت تريد من التبادر أن يحصل لديك علم أن هذا اللفظ موضوع للمعنى الحقيقي، فتريد أن تصل إلى العلم بالوضع أي وضع اللفظ للمعنى الحقيقي، فيكون التبادر سببا للعلم بالوضع، ويكون العلم بالوضع مسبَّبا عن التبادر، فالعلم بالوضع متوقّف على التبادر، والتبادر متوقف على العلم بالوضع، وهذا هو الدور.

نسأل: متى يحصل التبادر عند الإنسان؟

الجواب:

يحصل التبادر عند الإنسان إذا كان عالما بالوضع، فالتبادر هو سبب العلم بالوضع، والعلم بالوضع هو سبب التبادر، فيلزم الدور، فتبادر المعنى الحقيقي يتوقف على علم الشخص بالوضع، وعلم الشخص بالوضع يتوقف على تبادر المعنى الحقيقي، فيتوقف الشي‏ء على نفسه، وهذا هو الدور وهو توقّف الشي‏ء على نفسه، والدور محال.

بعبارة أخرى:

نسأل: متى يتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن؟

الجواب: عندما تعلم بالوضع وأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فيكون العلم بالوضع علة للتبادر.

289

ونسأل: متى تعلم بالوضع؟

الجواب: عندما يتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، فيكون العلم بالوضع معلولا للتبادر.

النتيجة:

العلم بالوضع يكون علة ومعلولا للتبادر في نفس الوقت، فيتوقّف العلم بالوضع على نفسه، وهذا هو الدور وهو توقّف الشي‏ء على نفسه، مثلما أن" أ" يؤدي إلى" ب" و" ب" يؤدي إلى" أ"، أو" أ" يتوقف على" ب" و" ب" يتوقف على" أ".

إذن:

نمايش تصوير

ردّ الإشكال:

نريد من ردّ الإشكال أن نثبت أن التبادر علامة الحقيقة، وتوجد هنا ثلاثة ردود:

الرد الأول:

لا يوجد دور لأنه يوجد هنا نوعان من العلم، فالتبادر يتوقف على العلم الارتكازي بالمعنى الحقيقي، وهو العلم المترسِّخ في النفس والذي يغفل عنه الإنسان ولا يلتفت إليه فعلا، فأوضاع اللغة موجودة في ذهن الإنسان ولكنه غافل عنها وغير ملتفت إليها لا أنه لا يعلمها، ولكن إذا ذُكِّرَ يتذكّر، فالإنسان الذي يعيش في مجتمع له لغة معيّنة يتعرّف على‏

290

الألفاظ ومعانيها تدريجيا، وتتكدّس الألفاظ ومعانيها وترتكز في ذهنه، ولكنه لا يكون ملتفتا في هذه اللحظة إلى كل الألفاظ والمعاني، وهذا العلم المرتكَز هو الذي يعطي التبادر، ولكن بعد أن يتبادر المعنى الحقيقي يصير عنده علم فعلي تفصيلي، وهو العلم الملتفَت إليه، فيلتفت إلى هذا المعنى حينما يستعمل اللفظ في معناه، ويستخرج المعنى من دائرة الخفاء والغفلة إلى دائرة الظهور والالتفات، ويصير العلم فعليا، فلا يوجد دور، فالتبادر يتوقف على العلم الارتكازي، والعلم الفعلي يتوقف على التبادر، فلا يوجد دور لأن العلم الفعلي غير العلم الارتكازي، فالمتوقِّف غير المتوقَّف عليه، فهنا عندنا" أ" و" ب" و" ج"،" أ" يؤدي إلى" ب" و" ب" يؤدي إلى" ج"، ولا دور في ذلك، فالتبادر علة لشي‏ء ومعلول لشي‏ء آخر، فالتبادر سببه وعلته العلم الارتكازي الإجمالي، ونتيجته ومعلوله العلم الفعلي التفصيلي، والعلم الارتكازي غير العلم الفعلي، فالعلم الارتكازي هو ما يكون المعلوم فيه غامضا مبهَما، والعلم التفصيلي هو ما يكون فيه المعلوم واضحا بتمامه حيث لا توجد غشاوة عليه، فالمعنى موجود في باطن الإنسان وبعد ذلك يظهر إلى الخارج، كاللؤلؤة الموجودة في باطن المحّار في قعر البحر، وعندما نستخرج المحار إلى سطح الماء فإننا نأخذ اللؤلؤة بالفعل، فكان عندنا علم باطني موجود في الذهن مغفول عنه، والآن صار عندنا علم ظاهري فعلي ليس مغفولا عنه.

إذن:

نمايش تصوير

291

الرد الثاني:

لا يوجد دور لأنه يوجد هنا شخصان، فالشخص الذي يحصل له العلم بالوضع يختلف عن الشخص الذي يحصل عنده التبادر، فلا يوجد دور لأن الإنسان الجاهل يريد أن يعلم، والتبادر عند العالم بالوضع علامة عند الجاهل بالوضع‏ (1).

التبادر عند العالم يتوقف على علم العالم بالوضع، وعلم الجاهل بالوضع يتوقف على التبادر عند العالم.

الشخص الجاهل باللغة يريد أن يعرف معنى لفظ من الألفاظ، والشخص الآخر العالم باللغة يتبادر معنى اللفظ إلى ذهنه، فإذا كان الجاهل يسأل: ما معنى هذه الكلمة؟

الجاهل لا يسأل نفسه، بل يأتي إلى العالم باللغة فيسأله هذا السؤال، فيتبادر المعنى إلى ذهن العالم بالوضع، فيقول العالم للجاهل: هذه الكلمة معناها هذا.

وهنا لا يوجد دور لأن علم العالم بالوضع سبب للتبادر، والتبادر سبب لعلم الجاهل، فالشخص الذي يريد العلم الفعلي بالمعنى يختلف عن‏

____________

(1) الشخص الجاهل بالوضع وباللغة يتصور شيئا عند سماع أي لفظ، ولكن هذا التصور هو تصور للفظ لا تصور للمعنى، فتتكوّن لديه صورة عن اللفظ حيث تنتقش صورة للفظ حسب حروف لغته، مثلا لو قلنا لشخص إنجليزي كلمة" تراب" فإنه قد يكتبه هكذا"TORAB "، لكن لا يوجد لهذه الصورة انعكاس للمعنى في الذهن، فيكون عنده تصور للفظ حسب حروف لغته، ولكن من دون أن ينتقل منه إلى تصور المعنى حسب اللغة العربية.

292

الشخص الذي يتبادر إليه المعنى، فيوجد هنا" أ" و" ب" و" ج" (1).

إذن:

نمايش تصوير

الرد الثالث للسيد الشهيد (قدس سره):

في الردين الأول والثاني كان الرد يتوقف على افتراض وجود إشكال الدور، وتم الرد على الدور، وأما السيد الشهيد في رده يقول إنه لا يوجد دور أصلا لأن التبادر لا يتوقف على العلم بالوضع بل يتوقف على نفس الوضع أي على القرن الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهن الشخص، فينسبق المعنى إلى الذهن لأنه يوجد وضع، والعلم بالوضع يتوقف على التبادر، وبعد أن يتبادر المعنى نعلم بالوضع، فالمطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أي العلم بذلك القرن الأكيد بين التصورين، فعندنا وضع وعلم بالوضع، فلا يوجد دور ( (2).

____________

(1) قد يسأل هنا أن علم العالم بالوضع من أين يأتي؟ أليس من التبادر؟

الجواب: علم العالم بالوضع يأتي من دراسته وتعلّمه للأوضاع في اللغة لا من التبادر، فيكون تعلّم الأوضاع سبب لعلم الشخص بالوضع، وعلم الشخص بالوضع سبب للتبادر، والتبادر عند العالم سبب لعلم الجاهل بالوضع، فلا يوجد دور

(2) إشكال: التبادر يتوقف على العلم بالوضع لا على الوضع، فإذا تبادر إلى ذهن الشخص شي‏ء فهل هذا التبادر يكون بسبب الوضع أو بسبب علم الشخص بالوضع، فلا بد أن يوجد عندي علم بوضع هذا اللفظ لهذا المعنى حتى يتبادر إلى ذهني، مثلا هناك أوضاع كثيرة في كتاب" لسان العرب"، ومع ذلك لا تتبادر هذه الأوضاع في ذهني إلا إذا علمت بها، فالإنسان الأعجمي لا يتبادر إلى ذهنه شي‏ء عند سماع كلمة معيَّنة مع أنه يوجد وضع، فلا يتبادر إلى ذهنه شي‏ء لأنه لا يعلم بالوضع، ولكن أنا العالم بالوضع يتبادر المعنى إلى ذهني عند سماع الكلمة، فيظهر من ذلك أن التبادر لا يتوقف على الوضع بل على العلم بالوضع، فنرجع مرة أخرى إلى الدور لأن التبادر يتوقف على العلم بالوضع، والعلم بالوضع يتوقف على التبادر.

293

وهذا الرد يتناسب مع نظرية القرن الأكيد للسيد الشهيد (قدس سره) حيث إن الاقتران الخارجي بين اللفظ والمعنى يُحْدِث في الذهن- بحسب تكوينه- ربطا وعلاقة بين اللفظ والمعنى فينسبق المعنى إلى الذهن بمجرّد سماع اللفظ، فأساس انتقال الذهن إلى المعنى عند استعمال اللفظ ليس فرع العلم بالوضع بل فرع نفس الوضع لأن الوضع على أساس نظرية الشهيد هو القرن الأكيد والارتباط الوثيق بين اللفظ والمعنى، فينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى لا بسبب أن المستمع يعلم بالمعنى وإنما لأنه توجد في ذهنه عملية اقتران بين اللفظ والمعنى.

إذن:

نمايش تصوير

ويأتي السيد الشهيد (قدس سره) بشاهد على رأيه وهو أن الطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة" ماما" برؤية أمه يكفي نفس هذا الاقتران الأكيد في ذهنه ليتصور أمه عندما يسمع هذه الكلمة مع أنه ليس عالما بالوضع لأنه لا يعرف معنى الوضع، فإذا سمع كلمة" ماما" بدأ بالالتفات والبحث عن أمه لأن لديه في ذهنه علاقة بين اللفظ والمعنى لا

294

علامات الحقيقة والمجاز

أنه يعلم بهذه العلاقة (1)، وهذا الاقتران نشأ من كثرة استعمال الكلمة

____________

(1) إشكال: ولكن الطفل الرضيع هنا يعلم بالوضع أي يعلم بهذا الاقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى لأن هذا الاقتران موجود في ذهنه، لذلك فهو ينتقل من اللفظ إلى المعنى، ولو أن طفلا آخر لم يعلم بهذا الاقتران فإن ذهنه لا ينتقل إلى المعنى مع أنه يوجد وضع، فلأنه يعلم بهذا الاقتران تبادر المعنى إلى ذهنه، لذلك لا بد من العلم بالوضع لكي ينتقل الذهن إلى المعنى، وانتقال الذهن لا يحصل من الوضع فقط بل من العلم بالوضع.

بعبارة أخرى: إن الطفل الرضيع عندما يسمع كلمة" ماما" ينتقل ذهنه إلى صورة هذه المرأة، والطفل لو لم يعلم بالاقتران الأكيد بين التصورين لما انتقل إلى صورة الأم، فالقرن الأكيد بنفسه لا ينقل ذهن الطفل إلى صورة الأم بل لا بد أن يعرف الطفل بهذا الاقتران حتى ينتقل ذهنه إلى صورة الأم، وقول السيد الشهيد:" فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة" ماما" برؤية أمه"، نفهم منه العلم بهذا الاقتران، نفهم ذلك من قوله:" اقترنت عنده"، فالاقتران بنفسه لا يكفي بل لا بد أن يكون هذا الاقتران عنده أي يعلم به حتى ينتقل من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، فيرد الإشكال على التبادر مرة أخرى.

والدليل على أن الوضع بنفسه لا يؤدي إلى التبادر هو أن الإنسان الياباني لا يحصل له التبادر حسب اللغة العربية مع أن الوضع- أي اقتران الألفاظ بالمعاني- موجود، ولكن مع هذا لا يتبادر المعنى إلى ذهنه عند سماع اللفظ، وهذا يدل على أن الوضع لا يكفي بل لا بد من العلم بالوضع أي العلم بالاقتران بين اللفظ والمعنى حتى يتبادر المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ.

وقد يقال بعدم الحاجة للعلم بالوضع بل يكفي الوضع أي القرن الأكيد حتى ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى.

والجواب على ذلك أننا أخذنا في بحث الدلالة في المنطق أنه في مثل طرقة الباب أن السامع ينتقل ذهنه من طرقة الباب إلى وجود الطارق، والسامع لا بد أن يعلم بوجود العلاقة بين طرقة الباب ووجود الطارق، ولولا علمه لما انتقل من شي‏ء إلى شي‏ء آخر، وقالوا في تعريف الدلالة أنه إذا علمت بشي‏ء انتقل ذهنك إلى شي‏ء آخر، فبدون العلم لا ينتقل الذهن من شي‏ء إلى شي‏ء آخر، وبدون العلم بالوضع لا ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى.

إذن: التبادر لايتوقف على الوضع فقط بل على العلم بالوضع، فيرد الإشكال على التبادر مرة أخرى بأن العلم بالوضع سبب للتبادر، والتبادر سبب للعلم بالوضع، ونرجع مرة أخرى إلى الردود السابقة.

295

في المعنى، فالطفل لا يعرف معنى الوضع حتى نقول إنه يعلم بالوضع لأن الطفل لا ترتقي مداركه إلى درجة العلم بالوضع، فتفكير الطفل ساذج بسيط، ومع ذلك فإن الطفل ينصرف ذهنه إلى معنى الأم عندما يسمع كلمة" ماما".

إن التبادر ينشأ عن واقع الوضع الذي هو العلاقة بين اللفظ والمعنى في الذهن وإن لم يوجد علم بهذا الوضع وبهذه العلاقة كما هو الحال عند الأطفال، فقبل التبادر يكون الشخص غافلا ولا يوجد عنده علم عن كون هذا اللفظ موضوعا لهذا المعنى وإن كان يستفيد من اللفظ الدلالة على المعنى، فهو غير متوجِّه إلى أن هذه الاستفادة ناشئة عن الوضع والعلاقة الذهنية الوثيقة، وبعد التبادر يصير عنده علم بالوضع وبالعلاقة الذهنية الوثيقة بين اللفظ والمعنى.

النتيجة النهائية:

إشكال الدور مردود، فيكون التبادر علامة الحقيقة.

296

العلامة الثانية: صحة الحمل أو عدم صحة السلب:

أي صحة حمل اللفظ على المعنى، وقبل الدخول في البحث لا بدّ من توضيح الفرق بين الحمل الأولي الذاتي والحمل الشايع الصناعي، لنأخذ بعض الأمثلة التي من خلالها يتّضح ذلك:

الحمل الأولي الذاتي يكون من حيث الذّات والماهيّة والمفهوم والمعنى، وفي الحمل الأولي الاتحاد بين الموضوع والمحمول يكون في المفهوم وتكون المغايرة بينهما اعتبارية حيث يكون التغاير بينهما في الإجمال والتفصيل كما في" الإنسان حيوان ناطق"، فالإنسان هو الحيوان الناطق ولكن الاختلاف في الإجمال والتفصيل، فيُحْمَل الشي‏ء على نفسه أو تُحْمَل الماهيّة على نفسها أو يُحْمَل المفهوم على نفسه، فالحمل في مثال" الوجود وجود" حمل أولي، والحمل في مثال" الماهيّة ماهيّة" حمل أولي، والحمل في مثال" الإنسان إنسان" حمل أولي، فحمل الشي‏ء على نفسه حمل أولي ذاتي دائما.

والحمل الشايع الصناعي يكون من حيث المصداق أو الأفراد، وفي الحمل الشايع الاتحاد بين الموضوع والمحمول يكون في الوجود والمصداق مع التغاير في المفهوم، فإذا اختلف المفهوم فالحمل شايع صناعي، فالحمل في مثال" الإنسان كلي" حمل شايع، والحمل في مثال" الإنسان كاتب" حمل شايع، والحمل في مثال" الإنسان ضاحك" حمل شايع لأن مفهوم الإنسان يختلف عن مفهوم الضاحك ولكنهما متحدان في الخارج، والحمل في مثال" الإنسان جزئي" حمل شايع.

297

تارة ننظر إلى الذات بما هي ذات، فنرى هذا المفهوم الموجود في الذهن أنه كيف يكون، وتارة أخرى ننظر إلى المصاديق، فالحكم في الحمل الأولي الذاتي يكون على المفهوم، وفي الحمل الشايع الصناعي يكون الحكم على المصداق، وهذه التفرقة بين الحمل الأولي والحمل الشايع لا بد أن تكون بأيدينا، والحيثيّات لا بدّ أن نلتفت إليها، والجواب يختلف من حيثيّة إلى أخرى، فكيفيّة النظر إلى الأشياء تعطيك أجوبة مختلفة.

مثال:

" الجزئي بالحمل الأولي جزئي"؛ لأن مفهوم الجزئي في الذهن واحد بحيث لا يصدق على كثيرين لا أنه متعدّد، فالجزئي من حيث المفهوم جزئي لأن للجزئي معنى واحدا في الذهن، ومعناه هو ما لا يصدق على كثيرين، وهذا مفهوم واحد لا متعدّد.

" الجزئي بالحمل الشايع كلي"؛ لأنه يصدق على كثيرين، فزيد جزئي وهذا الحصان جزئي ومكة المكرمة جزئي و...، فطالما أن الجزئي يتعدّد من حيث المصاديق فهذا الجزئي من حيث المصاديق يكون كليا.

لنأخذ الآن الكلي،" الكلي بالحمل الأولي جزئي"؛ لأنه من حيث المفهوم في الذهن واحد لأن للكلي معنى واحدا في الذهن، فمعنى الكلي هو ما يصدق على كثيرين، وهذا مفهوم واحد في الذهن لا متعدّد.

" الكلي بالحمل الشايع كلي"؛ لأنه يصدق على كثيرين، فالإنسان كلي، والبقر كلي، والأسد كلي.

298

وقد قيل إن من علامات الحقيقة صحة الحمل، ومن علامات المجاز صحة السلب، فإذا وجدنا أن اللفظ يُحْمَلُ على المعنى المشكوك فيه حملا أوليا أو حملا شايعا فهذا علامة على الحقيقة، ولكن كيف يُحْمَلُ اللفظ على المعنى؟

الحمل يقتضي لفظين ومفهومين أو معنيين، اللفظ والمعنى من مقولتين مختلفتين، فاللفظ وجود لفظي، والمعنى وجود ذهني، ولا يمكن تشكيل قضية موضوعها وجود لفظي ومحمولها وجود ذهني، الحمل يقتضي الاتحاد، والاتحاد يقتضي أن يكون الموضوع والمحمول في رتبة واحدة، وهنا الموضوع والمحمول من رتبتين مختلفتين، فما معنى أن صحة الحمل علامة الحقيقة؟

هذا المعنى مشكوكٌ وَضْعُ هذا اللفظ له، ولا نعلم أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى على نحو الحقيقة أو على نحو المجاز، اجعل لفظا في ذهنك دالا على هذا المعنى، ثم جئ باللفظ الذي لا تعلم أنه موضوع لهذا المعنى الحقيقي أو غير موضوع له واحمله على ذاك اللفظ الأول، فإذا صحّ الحمل فهو علامة الحقيقة، وإن لم يصحّ الحمل فهو علامة المجاز، وعندما نقول حمل اللفظ على المعنى فإن هذا القول فيه مسامحة، والمراد حمل اللفظ على لفظ حاكٍ عن ذاك المعنى، فإذا صحّ الحمل فإن صحة الحمل علامة الحقيقة.

وفي المقام نأتي إلى هذا اللفظ المشكوك وضعه للمعنى الحقيقي إذا كان بين اللفظ المحمول وبين اللفظ الموضوع الحاكي عن المعنى المشكوك‏

299

إذا كان بينهما اتحاد مفهومي فالحمل أولي، والحمل الأولي يدل على الحقيقة، وكذلك إذا كان الحمل حملا شايعا فإنه يدل على الحقيقة أيضا، فيدل على أن الموضوع هو مصداق من مصاديق المحمول.

عندما نقول:" الإنسان كاتب"؛ ليس المقصود أن مفهوم الإنسان كاتب بل المقصود أن مصداق الإنسان كاتب، فمفهوم الإنسان غير مفهوم الكاتب، والحمل حمل شايع لأن الاتحاد بينهما في الوجود والمصداق، فالإنسان وكاتب متحدان وجودا وخارجا ومصداقا، ومع صحة الحمل يكون الإنسان مصداقا لعنوان الكاتب المحمول على الإنسان.

وإذا غيرنا المثال إلى" زيد كاتب" يكون الاتحاد بينهما في الوجود والمصداق، فيكون الحمل حملا شايعا، ومع صحة الحمل يكون زيد مصداقا لعنوان الكاتب.

بعبارة أخرى: إذا كان اللفظ المحمول محمولا على الموضوع بالحمل الأولي فهذا علامة الحقيقة، وإذا كان اللفظ المحمول محمولا على الموضوع بالحمل الشايع فهذا أيضا علامة الحقيقة.

إن المراد من صحة الحمل أن المعنى المطلوب معرفته أنه حقيقة أو مجاز إذا صح أن نحمل اللفظ عليه فهذا اللفظ يكون حقيقة في المعنى، وإذا لم يصح حمل اللفظ عليه فهو مجاز، فصحة الحمل تكشف عن أن المعنى المحمول عليه اللفظ هو المعنى الحقيقي، وصحة السلب تكشف عن أن المعنى هو المعنى المجازي.

مثال 1: إذا كنّا لا نعلم أن الحيوان المفترس هو المعنى الحقيقي‏

300

للأسد أو ليس المعنى الحقيقي، نشكّل قضية موضوعها المعنى ومحمولها اللفظ، فنقول:" الحيوان المفترس أسد"، الحمل فيه حمل أولي لأن الاتحاد بينهما في المفهوم، فمفهوم الأسد متحد مع مفهوم الحيوان المفترس، ومع صحة الحمل فإن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي للفظ، وإذا لم يصح الحمل فهذا هو المعنى المجازي للفظ، وهنا يصح الحمل فيكون المعنى الحقيقي للأسد هو الحيوان المفترس، والتّغاير بينهما في الإجمال والتفصيل، وهو تغاير اعتباري.

مثال 2: إذا كنا لا نعلم أن لفظ" الأسد" موضوع للإنسان الشجاع أو ليس موضوعا له، الأسد له معنى هو الحيوان المفترس، وعندنا معنى مشكوك هو زيد الخارجي الذي نعبّر عنه" إنسان"، فنقول:" الإنسان الشجاع أسد"، ولا تصح هذه الجملة لأن الحمل هنا لا يصح لا بالحمل الأولي ولا بالحمل الشايع، وليس الحمل صحيحا لأنك تستطيع أن تقول:" الإنسان الشجاع ليس أسدا"، والسلب علامة المجاز.

النتيجة:

1- إن صح الحمل الأولي الذاتي للفظ المراد معرفة حاله على معنى معيَّن يثبت كون ذلك المعنى هو المعنى الحقيقي، مثلا" الحيوان الناطق إنسان"، هنا حملنا" الإنسان" من حيث الذات والماهيّة على" الحيوان الناطق"، فطالما صح الحمل فيكون" الحيوان الناطق" هو المعنى الحقيقي ل-" الإنسان".

2- إن صحّ الحمل الشايع فإنه يثبت كون المحمول عليه مصداقا

301

لعنوان، ويكون ذلك العنوان هو المعنى الحقيقي للفظ، مثلا" زيد إنسان"،" زيد" مصداق ل-" الإنسان"، وإذا قلنا:" زيد حيوان ناطق"،" زيد" مصداق ل-" الحيوان الناطق"، وهذا العنوان وهو" الحيوان الناطق" يكون هو المعنى الحقيقي ل-" الإنسان".

3- إذا لم يصح كلا الحملين فإن المحمول عليه لا يكون نفس المعنى الحقيقي ولا مصداقا للمعنى الحقيقي، مثل" الإنسان حجر"؛ حيث لا يصح الحمل الأولي ولا الحمل الشايع لأنه يصح أن نقول:" الإنسان ليس حجرا".

رأي السيد الشهيد (قدس سره):

الصحيح أن صحة الحمل ليست علامة على المعنى الحقيقي لأن استعمال اللفظ في المعنى المجازي مع القرينة استعمال صحيح، فإذا قلنا:" زيد أسد"؛ فإن هذا الحمل صحيح مع أنه استعمال مجازي، فالحمل صحيح في الاستعمال الحقيقي وفي الاستعمال المجازي، فصحة الحمل علامة على أن هذا المعنى إما أن يكون معنى حقيقيا وإما أن يكون معنى مجازيا، ولا يوجد أمر ثالث، وصحة الحمل ليست علامة على المعنى الحقيقي فقط، بل إن صحة الحمل تكشف عن صحة استعمال اللفظ في المعنى الذي يصح حمله على المعنى.

إن صحة الحمل علامة على أن المحمول عليه هو نفس المعنى المراد في الحمل الأولي أو مصداق المعنى المراد في الحمل الشايع، فصحة الحمل تكشف عن أن المعنى المراد في جهة المحمول هو نفس المعنى المراد في جهة

302

الموضوع لأن الحمل معناه" هو هو"، فصحة الحمل تكشف عن أن المعنى المراد في الموضوع والمحمول معنى واحد أي أن صحة الحمل تكشف عن وحدة المعنى، ولكن صحة الحمل لا تكشف عن الوضع ولا تكشف عن أن هذا المعنى المراد هو المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي للفظ، نعم من يعلم بالوضع يستطيع أن يقول إن الحمل صحيح، ولكن العكس ليس صحيحا فإن الحمل لا يكشف عن الوضع، والدعوى هي أن صحة الحمل تدل على المعنى الحقيقي، ولكن صحة الحمل ليس لها هذه الدلالة لأنه يمكن أن نحمل على المعنى المجازي أيضا، فصحة الحمل تكشف عن أن المحمول عليه هو عين المعنى المحمول أو مصداق العنوان المحمول، وأما أن اللفظ في المحمول عليه- أي الموضوع- حقيقة في المعنى المحمول فهذا لا يمكن استكشافه من صحة الحمل.

مثلا" زيد أسد"، هنا حملنا الأسد على زيد مع أن زيدا ليس مصداقا للأسد، استعمال الأسد هنا استعمال في غير ما وضع له، فيكون معنى مجازيا مع أن الحمل صحيح، فحمل الأسد على زيد صحيح مع أن زيدا ليس مصداقا للأسد، فإذا قلنا إن صحة الحمل تدل دائما على المعنى الحقيقي فمعنى ذلك أن زيدا مصداق للأسد.

إذن: صحة الحمل لا تكشف عن الوضع ولا تدل على أن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي لأنه يصح الحمل في المجاز أيضا.

سؤال: إذن كيف يمكن أن نعرف أن هذا المعنى المراد معنى حقيقي أو معنى مجازي؟