دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
303

الجواب:

لتعيين أن هذا المعنى المراد معنى حقيقي أو معنى مجازي يرجع الإنسان إلى مرتكزاته السابقة أي عن طريق العلم الارتكازي السابق الناشئ من الوضع، فالعربي لاطّلاعه على اللّغة يعرف أن هذا المعنى معنى حقيقي أو معنى مجازي، والاتحاد في المفهوم لا يعني أن اللفظ في المحمول عليه حقيقة في المحمول لأن الاتحاد في المفهوم من شؤون واقع المفهومين المتحدين، وكون اللفظ حقيقة في المعنى من شؤون الوضع في اللغة، وكذلك الاتحاد في الوجود والمصداق فإنه من شأن الواقع ولا علاقة له بوضع الواضع، لذلك فإن العربي انطلاقا من مرتكزاته يعرف أن الأسد يدل على الحيوان المفترس بالاستعمال الحقيقي، ولا يدل على زيد إلا بالاستعمال المجازي، فمع عدم وجود القرينة يدل اللفظ على المعنى الحقيقي، ومع القرينة يدل على المعنى المجازي، وهذا رجوع إلى العلامة الأولى وهي التبادر وليست علامة جديدة، والتبادر علامة الحقيقة.

العلامة الثالثة: الاطّراد:

قلنا في العلامة الثانية صحة الحمل، والمقصود منها صحة الحمل ولو مرّة واحدة، فصحة الحمل مرّة واحدة تدل على المعنى الحقيقي، ورد السيد الشهيد (قدس سره) على ذلك.

وأما العلامة الثالثة فهي الاطّراد أي اطّراد الحمل بمعنى" دائما" أي صحة استعمال اللفظ في هذا المعنى المشكوك دائما وبشكل مُطَّرِد وبلحاظ أي فرد من أفراد ذلك المعنى وبلحاظ أي حال من أحوال الفرد،

304

فيكون هذا المعنى المشكوك هو المعنى الحقيقي لأنه لا يوجد اطّراد في المعاني المجازية، فالمعاني الحقيقية يوجد فيها اطّراد في صحة الاستعمال دون المعاني المجازية، فإذا كان عندنا معنى ونشك أنه المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي نأتي إلى هذه العلامة ونستعملها، فمن خلال استعمال هذه العلامة نصل إلى أن هذا المعنى هو المعنى الحقيقي.

مثال:" الأسد حيوان مفترس"، يصح استعمال لفظ" الأسد" في" الحيوان المفترس" مطلقا من حيث الأحوال، أي سواء كان الحيوان المفترس صغيرا أم كبيرا، مريضا أم صحيحا، مفترِسا أم مفترَسا، ومطلقا من حيث الأفراد، فنقول" الأسد لبؤة" و" الأسد شبل".

وهذا بخلاف استعمال لفظ" الأسد" في" الرجل الشجاع" فإن الاستعمال لا يصح في جميع أحوال الفرد، فإذا صار الرجل الشجاع جبانا فإنه لا يقال عنه إنه أسد بل يقال عنه إنه دجاجة كما في المثل القائل:" أسدٌ عَلَيَّ وفي الحروب دجاجة".

رأي السيد الشهيد (قدس سره):

الكلام السابق ليس تاما لأنه يوجد اطّراد أيضا في المعاني المجازية، تقول" محمد أسد" و" علي أسد" و" جعفر أسد"، والمجاز بهذه الطريقة مطّرد دائما، فكلما توفرت صفة الشجاعة في شخص أطلقنا عليه كلمة" أسد"، فيكون الاستعمال في المعاني المجازية مطّردا أيضا، ولكن بشرط وجود العلاقة كعلاقة المشابهة أو أي علاقة أخرى من العلاقات الموجودة في المعاني المجازية، وإذا صح استعمال اللفظ في معنى‏

305

مشكوك مع القرينة واحتفظنا بهذه القرينة في كل الاستعمالات فإن الحمل يطّرد، فيكون الاطراد علامة على صحة الاستعمال وعلى الأعم من الحقيقة والمجاز، ولا يدل الاطراد على المعنى الحقيقي، والذي يعيّن أنه معنى حقيقي هو التبادر، فإذا تبادر المعنى المشكوك من غير قرينة فهو المعنى الحقيقي، وإذا تبادر مع القرينة الصارفة فهو المعنى المجازي، وهذا رجوع إلى العلامة الأولى وهي التبادر علامة الحقيقة.

إذن: الاطراد يكون ثابتا في المعاني الحقيقية، ويكون ثابتا أيضا في المعاني المجازية، ولكن بشرط الحفاظ على الخصوصيّات التي يصح بها الاستعمال المجازي، فالاستعمال في معنى إذا صح مجازا في حال وبلحاظ فرد صح دائما بلحاظ سائر الأفراد مع الحفاظ على تلك الخصوصيات التي بها صح الاستعمال في تلك الحالة أو في ذلك الفرد.

النتيجة النهائية:

علامة التبادر هي العلامة التي تنفعنا في معرفة المعنى الحقيقي، وأما صحة الحمل والاطراد فلا تنفعنا في معرفة المعنى الحقيقي ولا تدل على أن المعنى المستعمَل فيه هو المعنى الحقيقي، فلا بد من التفكير في علامات أخرى لتمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي.

انقلاب المجاز إلى حقيقة

هذا البحث موجود في الحلقة الأولى، وقد مرّ هذا البحث سابقا في الحلقة الثانية تحت عنوان" الوضع التّعييني والوضع التّعيّني"، ولكن ستتم الإشارة هنا إلى نوعي الوضع لتتبيّن مسألة انقلاب المعنى المجازي‏

306

إلى معنى حقيقي، وأن أي الوضعين يكون سببا لهذا الانقلاب.

والبحث هنا يكون في المجاز اللفظي، وسيأتي في البحث القادم نوع آخر من المجاز وهو المجاز العقلي، إن اللفظ يُسْتَعْمَلُ أحيانا في المعنى المجازي، ولكن أول ما يُسْتَعْمَلُ فيه يكون مع القرينة الصارفة، ومع التكرار وكثرة استعمال الناس لهذا اللفظ في هذا المعنى المجازي تقوم بين اللفظ والمعنى المجازي علاقة جديدة ويستغني الناس عن القرينة، فلا يحتاجون في فهم المعنى إلى قرينة لأنه يحصل ارتباط جديد بين اللفظ والمعنى المجازي، ويصبح اللفظ نتيجة لذلك موضوعا لذلك المعنى ويخرج عن المجاز إلى الحقيقة، وهذا المعنى سوف يتبادر بعد ذلك إلى أذهان الناس بدون قرينة، فمن كثرة الاستعمال ينقلب هذا المعنى المجازي إلى معنى حقيقي لأنه يتبادر إلى الذهن بدون قرينة، وهذا الانقلاب إلى حقيقة ناشئ من كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي، فينقلب المجاز إلى حقيقة بسبب كثرة الاستعمال، وهذه الحالة نطلق عليها" الوضع التعيّني"، وهو الوضع الناتج من كثرة الاستعمال.

مثال: لفظ" الصلاة" موضوع في اللغة للدعاء، ولكن استعمل المسلمون هذا اللفظ في الأفعال المخصوصة مع القرينة الحاليّة المقاميّة على نحو المجاز، ومع كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي انقلب المعنى المجازي إلى معنى حقيقي، فالآن إذا أطلق لفظ" الصلاة" انصرف الذهن إلى الصلاة المخصوصة عند المسلمين، ولا يحتاج الناس إلى قرينة لفهم هذا المعنى، فصارت الصلاة المخصوصة هي المعنى‏

307

الحقيقي للفظ" الصلاة"، وصار استعمال لفظ" الصلاة" في الصلاة المخصوصة استعمالا حقيقيا لا استعمالا مجازيا.

ويوجد وضع آخر وهو" الوضع التعييني" كما مر سابقا، وهو الوضع الذي يكون بتعيين معيِّن، فالواضع يقول:" وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى"، فيطلق الوضع التعييني على عملية الوضع المتصوَّر من الواضع.

سؤال: كيف يمكن تفسير ظاهرة انقلاب المعنى المجازي إلى معنى حقيقي؟

الجواب:

بناء على نظرية القرن الأكيد في شرح حقيقة الوضع والعلاقة اللغوية يمكن تفسير هذه الظاهرة بسهولة، وقد قال السيد الشهيد سابقا إنه تنشأ علاقة بين اللفظ والمعنى من كثرة الاستعمال أو في ظرف مؤثر، فالعلاقة اللغوية تنشأ من اقتران اللفظ بالمعنى مرارا عديدة أو في ظرف مؤثّر، وهنا يوجد التكرار وكثرة الاستعمال، وهذا الاقتران بين اللفظ والمعنى مصداق من مصاديق ذلك القانون التكويني الموجود في الذهن البشري، فإذا استعمل الناس اللفظ في معنى مجازي مرارا كثيرة فإن تصور اللفظ يقترن بتصور المعنى المجازي في ذهن السامع اقترانا متكرّرا، وهذا الاقتران المتكرّر يؤدي إلى قيام العلاقة اللغوية بينهما، وهذا هو الوضع التعيّني، وأما في الوضع التعييني فتوجد عملية تعيين مقصودة من الواضع حيث يحصل الاقتران بين اللفظ والمعنى من الظرف المؤثر الذي يصنعه الواضع من خلال عملية التعيين.

308

تحويل المجاز إلى حقيقة

كان البحث السابق في المجاز اللفظي، والبحث هنا في المجاز العقلي، توجد نظريتان وتفسيران في حقيقة المجاز:

النظرية الأولى وهي النظرية المشهورة، وهي استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له أو في غير المعنى الموضوع له اللفظ، فلفظ الأسد موضوع للحيوان المفترس، فإذا استعملت اللفظ في الرجل الشجاع فإن الرجل الشجاع يكون معنى مجازيا للأسد، ويكون الاستعمال استعمالا مجازيا، فيوجد هنا تصرّف في اللفظ حيث استعمل اللفظ في غير ما وُضِعَ له، وهذا التصرّف تصرف لفظي، فهناك علاقة بين لفظ" الأسد" والحيوان المفترس، وتنتقل هذه العلاقة إلى علاقة جديدة بين لفظ" الأسد" والرجل الشجاع لوجود وجه شبه بين الأسد وهذا الرجل، وهذا هو المجاز المشهور الذي يأتي في اللغة من النحو والبلاغة وفي أصول الفقه، ويسمى" المجاز اللفظي"، وهذا هو المجاز في الكلمة.

وهناك نظرية أخرى وتفسير آخر في المجاز وهي نظرية السّكّاكي، وتسمى" المجاز العقلي"، وهذه النظرية تقول إننا لا نتصرّف في اللفظ بل نتصرّف في مصاديق اللفظ وفي التطبيق على المعنى الادّعائي، وهذا التصرف تصرف عقلي وحيلة عقلية لتحويل المعنى المجازي إلى معنى حقيقي، وتحويل الاستعمال المجازي إلى استعمال حقيقي.

بعبارة أخرى: نتصرّف في المعنى، لفظ الأسد معناه الحيوان المفترس، والعقل يتصرّف في المعنى حيث يوسّع المعنى فيفرض ما ليس‏

309

بحيوان مفترس يفرضه ويعتبره حيوانا مفترسا من حيث الشجاعة، فيقول:" اعتبرت المعنى المجازي فردا من أفراد المعنى الحقيقي"، وفي مثالنا يقول:" اعتبرت الرجل الشجاع فردا من أفراد الحيوان المفترس".

يوجد استعمال للفظ في المعنى الذي وُضِعَ له، ولكن المعنى الذي وُضِع له يوجد له مصداقان: مصداق حقيقي تكويني، ومصداق آخر ادّعائي تنزيلي اعتباري فرضي من قِبَل العقل، فلا يوجد تصرّف في اللفظ، بل يوجد تصرّف عقلي في مصاديق اللفظ بحيث يشمل الأفراد التي اعتبرها العقل بالإضافة إلى الأفراد الحقيقيين التكوينيين، ويطلق عليه" المجاز العقلي" في مقابل" المجاز اللفظي"، ويقول السكّاكي بأن جميع موارد الاستعمال المجازي يكون من قبيل المجاز العقلي.

مثال المجاز العقلي:

في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:" الطواف بالبيت صلاة،..." (1).

الطواف حول الكعبة يُنَزَّل منزلة الصلاة، الطهارة تكون للصلاة، ولكن الشارع يوسِّع دائرة الصلاة فيقول إن الصلاة التي تشترط فيها الطهارة لها مصداقان: مصداق حقيقي وهو الصلاة المعهودة، ومصداق‏

____________

(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج 9 ص 410 باب 38 من أبواب الطواف ح 2، سنن الدارمي ج 2 ص 44، سنن النسائي ج 5 ص 222، المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 459، السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 85.

310

آخر ادّعائي تنزيلي وهو الطواف حول البيت، وتشترط الطهارة في المصداق الحقيقي وفي المصداق الادّعائي، هنا استعمل لفظ" الصلاة" في المعنى الموضوع له، ولكن المعنى الموضوع له اللفظ له مصداقان: مصداق حقيقي، ومصداق اعتباري ادّعائي تنزيلي.

بعبارة أخرى: في المجاز العقلي يعتبر العقل شيئا، مثلا لفظ" الأسد" يدل على الحيوان المفترس، ويمكن بالاعتبار العقلي أن يدلّ على الرجل الشجاع أيضا، ونجعل الرجل الشجاع مصداقا للأسد بالاعتبار العقلي، فنُنَزِّل الرجل الشجاع منزلة الأسد، فيتحوّل المجاز إلى حقيقة، ويكون استعمال اللفظ في الرجل الشجاع استعمالا حقيقيا، فإذا كان الرجل الشجاع مصداقا للأسد فقد تحوّل المجاز إلى حقيقة، وعندما نقول:" زيد أسد"؛ فإن هذا الاستعمال يكون استعمالا حقيقيا لا استعمالا مجازيا، نعم في المجاز اللفظي استعمال هذا اللفظ في الرجل الشجاع استعمال مجازي، ولكن في المجاز العقلي يوجد اعتبار عقلي وادّعاء في أنه مصداق من مصاديق الأسد.

الفرق بين المجاز اللفظي والمجاز العقلي:

في المجاز اللفظي يستعمل نفس اللفظ في غير ما وضع له، يستعمل نفس لفظ" الأسد" في الرجل الشجاع، تقول:" جاء الأسد راكبا السيارة" وأنت تقصد زيدا، فنسأل: هل استعملت هذا اللفظ في المعنى الحقيقي أو في المعنى المجازي؟

إذا كان مستعمَلا في الحيوان المفترس يكون المعنى حقيقيا، وإذا كان‏

311

مستعمَلا في زيد يكون المعنى مجازيا، وأما في المجاز العقلي فإننا نأتي إلى كلمة" الأسد"، فكما أنه ينطبق على الحيوان المفترس كذلك نطبّقه أيضا على زيد الشجاع ونجعل زيدا مصداقا بالاعتبار العقلي والتنزيل، والاعتبار سهل المؤونة، والعقل يستطيع أن يتصرف بمثل هذه التصرفات، والإنسان يستطيع أن يعتبر ما يشاء لأنه في الاعتبار لا توجد صعوبة، وهذا الاعتبار ممكن لأن العقل يستطيع أن يعتبر شيئا مصداقا من مصاديق شي‏ء آخر بالتنزيل والادّعاء والاعتبار، فيعتبر زيدا مصداقا من مصاديق الأسد، فيكون زيد أسدا بالاعتبار العقلي والتنزيل، ويكون للأسد معنيان ومصداقان هما: الحيوان المفترس، والرجل الشجاع.

والمجاز العقلي هو التصرّف العقلي، فنستطيع بالتصرّف العقلي أن نحوّل المجاز إلى حقيقة، فبعد أن كان الرجل الشجاع معنى مجازيا فإنه يصير معنى حقيقيّا بالاعتبار، والمجاز العقلي أبلغ في التشبيه من المجاز اللفظي.

إذن: في المجاز العقلي نستعمل لفظ" الأسد" في الحيوان المفترس، ولا نستعمله في الرجل الشجاع، ولكن نطبّق الحيوان المفترس على مصداق ادّعائي غير مصداقه الحقيقي، فنطبّقه على الرجل الشجاع بافتراض واعتبار أن الرجل الشجاع مصداق للحيوان المفترس، فالمجاز العقلي عبارة عن تنزيل المعنى المجازي منزلة المعنى الحقيقي كتنزيل الرجل الشجاع منزلة الحيوان المفترس، فيمكن للعقل أن يفترض غيرَ المصداق مصداقا بالاعتبار والعناية والتنزيل والافتراض، ولا يوجد هنا مجاز في‏

312

الكلمة لأنه استعمال للكلمة في ما وُضِعَت له، وإنما العناية في تطبيق مدلولها على مصداقها الاعتباري التنزيلي، اسْتُعْمِلَ اللفظ في معناه الحقيقي وإن كان معنى حقيقيا بالاعتبار، وهذا هو معنى تحويل المجاز إلى حقيقة.

سؤال: ما هي الثمرة العملية لبحث المجاز العقلي؟

الجواب:

إن الغاية من تنزيل الشي‏ء منزلة شي‏ء آخر هي ترتيب آثار الشي‏ء الآخر على ذلك الشي‏ء، وسوف يأتي فيما بعد أن الظن يُنَزَّل منزلة العلم والقطع بالاعتبار، لذلك نأخذ بالأمارة لأنها بمنزلة العلم ونعتبرها علما، وهذا قول المحقق الميرزا النائيني (قدس سره)، فعنده نظرية التنزيل أي تنزيل الظن منزلة العلم، والغاية من هذا التنزيل هي ترتيب آثار القطع من المنجزية والمعذرية على هذا الظن، فتقوم الأمارة مقام القطع الطريقي ومقام القطع الموضوعي.

وقد مرّ سابقا أن الظن يقوم مقام القطع الطريقي دون القطع الموضوعي، مثلا لو قلنا:" إذا قطعت بأن هذا السائل خمر فهو حرام" فتسأل:" إذا ظننت بأن هذا السائل خمر فهل يكون حراما أو لا؟".

الجواب:

الظن لا يقوم مقام القطع الموضوعي، نعم الظن يقوم مقام القطع الطريقي لأنه توجد كاشفية للظن، فالخمر حرام سواء قطعت أم ظننت ظنّا معتبرا بأن هذا السائل خمر، فيكون حراما، ولكن الظن لا يقوم‏

313

مقام القطع الموضوعي إلا بالاعتبار والتنزيل، فالظن المعتبر يُنَزَّل منزلة القطع بالاعتبار العقلي، مثلا لو جاءك شاهد ثقة وشهد بأن هذا السائل خمر فهل تستطيع أن تأخذ بشهادته في القطع الموضوعي؟

الجواب:

ذلك غير ممكن لأنه يقول:" إذا قطعت"، ولكنك أنت ظننت عن طريق خبر الثقة بأن هذا السائل خمر ولم تقطع بذلك، فلا يمكن أن تأخذ بخبر الثقة في القطع الموضوعي إلا إذا نزَّلت الظن المعتبر الذي يعطيه الشارع الحجية منزلة القطع وأنه مصداق اعتباري من مصاديق القطع، وهذا هو قول الميرزا النائيني (قدس سره)، وسوف يأتي هذا البحث بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله تعالى.

النتيجة:

يوجد نوعان من المجاز:

1- المجاز اللفظي:

كاستعمال لفظ" الأسد" الموضوع للحيوان المفترس في الرجل الشجاع.

2- المجاز العقلي:

كاستعمال لفظ" الأسد" في الحيوان المفترس، وجعل الرجل الشجاع مصداقا للحيوان المفترس بالاعتبار والتنزيل والادّعاء، فيفترض العقل غير المصداق مصداقا، ويكون استعمال لفظ" الأسد" في الرجل الشجاع استعمالا حقيقيا أي استعمال للفظ في المعنى الموضوع له، ولكن المعنى الموضوع له يوجد له مصداقان: مصداق حقيقي وهو الحيوان المفترس، ومصداق ادّعائي وهو الرجل الشجاع.

314

استعمال اللفظ وإرادة الخاص‏

إذا كان يوجد عندنا لفظ مثل" الماء" فإننا نرى أن مفهوم" الماء" مفهوم عام- والمفهوم هو المعنى أو الوجود الذهني-، وهذا المعنى العام له حصص كثيرة مثل" ماء الفرات" و" ماء دجلة" و" ماء النيل".

فإذا كان المعنى الموضوع له اللفظ معنى عاما له حصص متعدّدة واسْتَعْمَلْتَ اللفظ فإنه توجد هنا ثلاث حالات من حيث استعمال اللفظ في المعنى، والحالات الثلاث هي:

الحالة الأولى:

أن تستعمل اللفظ وتريد المعنى العام، وهذا الاستعمال استعمال حقيقي لأنه استعمال فيما وضع له، مثل أن تقول:" جئني إنسان"؛ وأنت تريد معنى" الإنسان" الذي هو معنى عام له حصص ومصاديق وأفراد كثيرة كمحمد وعلي وزيد وبكر، أو تقول:" أريد ماءً"؛ وأنت تريد المعنى العام للماء الذي له حصص كثيرة.

الحالة الثانية:

أن تستعمل اللفظ الموضوع لمعنى عام ولكنك تستعمله بمفرده في حصة من حصص ذلك المعنى العام، فتستعمل اللفظ في الخاص بما هو خاص‏ (1)، مثل أن تقول:" إنسان"؛ وأنت تريد مصداقا معيّنا من‏

____________

(1) يقول السيد الشهيد (قدس سره) في الكتاب:" إذا استعمل اللفظ وأريد به معنى مباين لما وضع له فهو مجاز بلا شك"، قد يقال هنا بأن هذا التعبير فيه مسامحة لأنه اشترط في المجاز أن يكون هناك وجه شبه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فلا يمكن أن يكون المعنيان متباينين تماما وإلا لما صح استعمال اللفظ في المعنى الآخر، فلا بد أن نقول إن المعنى المجازي مباين للمعنى الحقيقي من جهة ومشابه من جهة أخرى حتى يصح استعمال اللفظ في المعنى المجازي، ولكن يمكن الرد على ذلك بأن مراد السيد الشهيد (قدس سره) من المباين هو أنه معنى آخر مختلف عن المعنى الحقيقي بحيث لا يكون حصة من المعنى الحقيقي، فيكون هذا المعنى الآخر معنى مجازيا، ويوجد معنى مجازي آخر، وهو أن يكون المعنى المستعمل فيه اللفظ حصة خاصة وفردا من المعنى العام، فنستعمل اللفظ الدال على المعنى العام في المعنى الخاص، فيكون هذا أيضا استعمالا مجازيا، فيوجد نوعان من المجاز:

النوع الأول: أن يكون المعنى المستعمل فيه اللفظ معنى مختلفا عن المعنى الحقيقي ولا يكون حصة من المعنى الحقيقي.

النوع الثاني: أن يكون المعنى المستعمل فيه اللفظ معنى يكون حصة خاصة وفردا من المعنى الحقيقي.

وكلاهما يكون مجازا لأنه استعمال في غير ما وضع له اللفظ، ويفهم هذا من قول السيد الشهيد (قدس سره) عندما ذكر ما يقابل قوله السابق:" وأما إذا كان المعنى الموضوع له اللفظ ذا حصص وحالات كثيرة وأريد به بعض تلك الحصص"، فمن المقابلة بينهما يفهم أنه يوجد نوعان من المجاز كما مرّ.

315

الإنسان كمحمد أو علي، أو تقول:" ماء"؛ وتريد" ماء الفرات"، هنا يكون الاستعمال مجازيا لأنه استعمال للفظ في غير ما وضع له حيث إن اللفظ وضع للمعنى العام لا للحصة الخاصة، وعند استعمال اللفظ الدال على معنى عام في حصة خاصة فإن الاستعمال يكون مجازيا.

الحالة الثالثة:

أن تستعمل لفظ" الماء" وأنت تريد المعنى الذي هو حصة خاصة لا

316

المعنى العام المشترك بين ماء الفرات وغيره، فالمعنى الموضوع له اللفظ له حصص كثيرة- كماء الفرات وماء النيل- وحالات كثيرة- كالماء البارد والماء الحار-، فيراد باللفظ حصة معيّنة أو حالة معيّنة، ولكن الحصة المرادة لا يدل عليها نفس اللفظ، وإنما تقرن اللفظ بلفظ آخر يكون قرينة على المعنى الخاص.

مثلا تقول:" ماء الفرات"؛ وأنت تريد المعنى الخاص لا بنفس ذلك اللفظ بل تريده بمجموع لفظين، وكل لفظ من هذين اللفظين يدل على معناه، فالدال الأول هو" الماء"، والدال الثاني هو" الفرات"، والاستعمال هنا استعمال حقيقي لأنك استعملت كل لفظ في معناه الموضوع له، فاستعملت لفظ" الماء" في معناه الموضوع له العام، وأردت المعنى الخاص والحصة الخاصة عن طريق لفظ آخر وهو القرينة على هذا المعنى الخاص، فالماء هو الماء الموجود في كل مكان، والفرات تقييد لمكان الماء.

إن المدلول إذا كان متعدّدا وكان الدّالّ عليه متعدّدا فإن الاستعمال يكون استعمالا حقيقيا، ففي المثال السابق الدال متعدّد وهو" ماء" و" الفرات"، والمدلول متعدّد لأنك تريد حصة خاصة من الماء، فأنت تريد المقيَّد مع القيد، وهذه الطريقة يطلق عليها" طريقة تعدّد الدال والمدلول"، فتستعمل اللفظ في معناه المشترك بين الحصة الخاصة وغيرها من الحصص ثم تأتي بلفظ آخر يدل على الخصوصية، ولا يوجد هنا مجاز لأن كلًّا من الكلمتين استعملت في المعنى الموضوع له، ويطلق على إرادة الخاص بهذا النحو" طريقة تعدد الدال والمدلول".

317

ومعنى تعدد الدال والمدلول هو إفادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال، وبإزاءِ كلِّ دالٍّ واحدٌ من تلك المعاني، أي تعدّد اللفظ وتعدّد المعنى، وكل لفظ يدل على معناه الموضوع له، ويوجد هنا استعمالان: استعمال اللفظ الدال على العام في معناه الموضوع له، واستعمال اللفظ الدال على الخاص في معناه الموضوع له.

بعبارة أخرى: يوجد هنا أمر يطلق عليه" طريقة تعدّد الدال والمدلول"، وخلاصة هذه الطريقة هي:

توجد عندنا جملة فيها عدّة ألفاظ، وكل لفظ يدل على معناه الحقيقي، فيوجد تعدّد في الدال وتعدّد في المدلول.

مثال:

إذا استعملت لفظ" الماء" في ماء دجلة فهل هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي؟

الجواب:

هو استعمال للفظ في غير ما وضع له فيكون استعمالا مجازيا لأن الماء موضوع للماء المطلق واستعمل في ماء دجلة، فإذا استعملت المطلق في المقيَّد فإن الاستعمال يكون استعمالا مجازيا، كما إذا استعملت كلمة" الإنسان" وقصدت به زيدا، فيكون الاستعمال استعمالا مجازيا لأنه من باب استعمال المطلق في المقيَّد (1).

____________

(1) إشكال: ورد في الحالة الرابعة من توقف الوضع على تصور المعنى أنه لا يمكن أن يكون الوضع خاصا والموضوع له عاما، أي أن يتصور الفرد ويضع اللفظ لمعنى‏

318

____________

جامع، وهذا مستحيل لأن الفرد ليس عنوانا منطبقا على ذلك المعنى الجامع ليكون مشيرا إليه، فالمعنى الجامع لا يكون مستحضرا لا بنفسه ولا بعنوان مشير إليه.

مثلا المعنى المتصور خاص مثل" زيد" المعيَّن المشخَّص الموجود أمامنا، ويريد أن يضع لفظا فيضعه لمعنى عام يكون زيد فردا من أفراده، فهو خاص ولكن يضع اللفظ لمعنى عام مثل" إنسان"، فيتصور" زيدا" ويضع اللفظ ل-" الإنسان"، فهذا غير ممكن فعندما نقول" إنسان" فإن الذهن ينتقل إلى معنى" إنسان" ولا ينتقل إلى معنى" زيد"، فلا يصح أن نقول" الإنسان زيد"، ولكن يصح أن نقول" زيد إنسان".

نسأل: هل زيد يدل على الإنسان؟

الجواب: نعم زيد يدل على الإنسان لكن بدون المشخصات، زيد الخاص إذا نظرنا إليه من حيث إن له جامعا مع الأفراد الآخرين يكون زيد عاما، فالخاص هنا له دلالة على العام، فزيد بدون المشخصات يدل على الإنسان، ومع المشخصات يدل على زيد الخاص، فعندما نستعمل لفظ" إنسان" في" زيد" فإننا ننظر إلى زيد بدون الصفات الخاصة بزيد، فيكون الاستعمال حقيقيا، وإذا نظرنا إلى زيد مع صفاته الخاصة فيكون الاستعمال مجازيا، وبنفس الطريقة ننظر إلى ماء الفرات، فتارة ننظر إلى ماء الفرات كماء بدون خصوصياته فيكون الاستعمال حقيقيا، وتارة أخرى ننظر إلى ماء الفرات بخصوصياته فيكون الاستعمال مجازيا.

اشكال: قد يقال بأنه بهذه الطريقة قمنا بتغيير المفاهيم.

الجواب: لم نقم بتغيير المفاهيم، ولكن نظرنا إلى جهة معيَّنة وحيثيّة معيَّنة، والعقل قادر على التصرف والنظر إلى الشي‏ء من لحاظات وحيثيات مختلفة، والحيثية عبارة عن كيفية اللحاظ.

مثلا إذا كان عندنا صندوق الجهة العليا منه لونها أحمر، والجهة اليمنى لونها أزرق، والجهة السفلى لونها أخضر، فإذا سألنا شخصا:" ما هو لون الصندوق؟"، فهنا لا يستطيع أن يجيب إلا بعد أن يسأل:" من أي جهة تريد؟".

319

____________

مثلا إذا كان عندنا سطح مستوي ونظرنا إليه من الجانب فإننا نرى خطّا، ومن الأعلى نرى سطحا مستويا، وإذا كان في الغرفة بابان باب أمامي وباب على جانبي الأيسر، فإذا نظرت إلى الأمام فأسأل كم باب أمامي؟

فيأتي الجواب بأنه باب واحد، ومن يجيب بأنه يوجد بابان لا يكون جوابه صحيحا ولم يجب على السؤال لأن نظري ليس إلى جميع أبواب الغرفة.

إذن: الحيثية مهمة جدا لأنه يظهر من خلالها نظر الإنسان إلى الأشياء، فمن الممكن أن ننظر إلى زيد بعد تقشيره من مشخصاته الخاصة فنستخرج الجامع بينه وبين الأفراد الآخرين فيكون عندي إنسان، فزيد بدون المشخصات إنسان (زيد المشخصات إنسان، واستعمال إنسان في (زيد بدون المشخصات) استعمال حقيقي لأنه استعمال في المعنى الحقيقي وهو الإنسان، واستعمال إنسان في (زيد مع المشخصات) استعمال مجازي لأنه استعمال للعام في الخاص.

مثلا لو أخذنا برتقالة وقشرناها فهل هي برتقالة أو لا؟

نعم هي برتقالة، وزيد بعد تقشيره من مشخصاته هو زيد لكن بدون صفاته الخاصة، وزيد بدون صفاته الخاصة من الطول والوزن وغيرهما هو إنسان، وأصل هذا الإنسان هو زيد، وهنا نحن ننظر من حيثية معيَّنة، والعقل قادر على النظر إلى الشي‏ء من جهات مختلفة، ولو أرجعت هذه الصفات الخاصة إلى هذا الإنسان الذي أخذته من زيد فيرجع زيد مرة أخرى ولا يرجع شخصا آخر، فأرجعته إلى حالته الأصلية، مثلا امسح هذا الكتاب من الحبر يصير عندك أوراق بيضاء، وإذا أرجعت الحبر بنفس الكلمات المكتوبة يرجع عندك نفس الكتاب السابق، صحيح أن الإنسان ليس زيدا، ولكن أصله زيد، ونحن نظرنا إلى الحيثية الخاصة حيث نقول (زيد بدون مواصفاته الخاصة)، والكلام محدّد بهذه الحيثية، نحن لا نناقش أنه زيد سابقا أو ليس بزيد، بل نقاشنا واقع على أنه إنسان أو ليس بإنسان، إذا سألت هل هو إنسان أو لا؟

فعليك أن تقول نعم أو لا، ولا يصح الجواب إذا قلت هو زيد، فأنا لم أسألك‏

320

____________

عن أنه زيد أو لا، وإنما سؤالي هل هو إنسان أو لا، فلا تُجِبْ على السؤال الآخر، مثلا لو سألتك أن هذا الصندوق ما لونه من الأعلى؟

فإذا أجبتني أن لونه أزرق، فأقول لك إن جوابك خاطئ لأن لونه من الأعلى أحمر، وأنا لم أسألك عن لونه من الجهة اليمنى لأن هذا الجانب غير واقع تحت نظري، فنقاشنا ليس منصبّا على الجانب الأيمن، بل نقاشنا منصبّ على الجانب العلوي.

إذن: لا بد أوّلا من تحديد محل النزاع، لذلك قد نرى بعض المصنفين في الأصول يردون على مصنف آخر ولكن لا يكون الرد من نفس الحيثية، لذلك يكتبون في الكتب القديمة عنوانا وهو" تحرير محل النزاع" حتى يقع النقاش على محل النزاع لا على محل آخر، فلا تناقشني من حيثيات أخرى، فسؤالي هو: هل زيد بدون المشخصات إنسان أو ليس بإنسان؟

او هل زيد بدون المشخصات زيد أو ليس بزيد؟

والجواب لا بد أن يكون على نفس السؤال لا على سؤال آخر، مثلا إذا سألت: ما هي النتيجة من 1+ 1؟

فيقال مثلا 2+ 2/ 4، الجواب صحيح من حيث نفسه، ولكنه ليس جوابا على سؤالي فيكون جوابه خاطئا بالنظر إلى سؤالي.

إذن: نحدّد أوّلا الحيثية التي نريد أن نناقشها، وبعد ذلك نناقش على أساس هذه الحيثية، ولا تناقشني على أساس حيثيثة أخرى لأن الحيثية الثانية ليست مرادي، لذلك لا بد أن نكون دقيقين حين النقاش، وهنا تظهر القوة العلمية لطالب العلم حينما يكون دقيقا في فهم المطالب العلمية وفي الرد المناسب عليها، فإذا أردت أن تناقش فليكن نقاشك منصبّا على نفس الحيثية التي يناقشها المصنف، نعم قد يجعل المصنف الحيثيثة الثانية حالة ثانية، ويجعل الحيثية الثالثة حالة ثالثة وهكذا، وفي كل حالة لا بد من النقاش في نفس الحيثية حتى لا يخرج النقاش إلى خارج حدوده، ونحن هنا حديثنا

321

____________

في الحالة الأولى وهي استعمال اللفظ المطلق في المقيَّد، ومن هذه الحيثية يكون الاستعمال مجازيا، ثم ننتقل من الحالة الأولى ونناقش في الحالة الثانية، والحالة الثانية هي أن كل لفظ في الجملة يكون بإزاء معناه فهنا يكون الاستعمال حقيقيا، ولا تناقشني في الحالة الثانية على أساس الحالة الأولى، نعم أنا متفق معك في أن زيدا بدون المشخصات ليس زيدا بل هو إنسان، ولكن هذا ليس محل النزاع بيني وبينك، فنحدّد أوّلا محل النزاع بيننا، ونناقش كل حيثية في حالتها الخاصة ولا ندخل الحيثيات بعضها ببعض، ولكل حالة ثمرة معيَّنة، فثمرة الحالة الأولى هي الاستعمال المجازي، وثمرة الحالة الثانية هي الاستعمال الحقيقي.

ولنتكلم عن الحيثيات، هذه الحيثيات ننظر بها إلى الأمر الواحد من جهات مختلفة، وعادة في العلوم عندما ينظر إلى حيثية معيَّنة إنما يراد منها ثمرة معيَّنة، فهي ليست حيثيات بلا ثمرة.

على سبيل المثال موضوع علم النحو هو الكلمة، وموضوع علم البلاغة هو الكلمة، ولكن الاختلاف في العلمين يكون في الحيثية، فنقول إن موضوع علم النحو هو الكلمة من حيث الإعراب والبناء، وموضوع علم البلاغة هو الكلمة من حيث الاعتلال وعدم الاعتلال، فننظر إلى الكلمة من حيثيتين، ومن كل حيثية ينشأ علم جديد يختلف عن العلم الآخر.

إذن: هذه الحيثيات التي تطرح في العلوم لا تكون جزافا بلا ثمرة، وعندما نشبه ببعض القضايا المادية فإن الهدف هو تبيان الفرق في النظر إلى الحيثيات، لذلك نستطيع أن نقسّم الشي‏ء، ونقسّم الشي‏ء إلى عدة أقسام لوجود حيثيات مختلفة، والحيثيات المختلفة تعطي أقساما مختلفة لنفس الشي‏ء، مثلا الكلمة اسم وفعل وحرف، فالاسم كلمة، والفعل كلمة، والحرف كلمة، فلماذا الاختلاف بين الاسم والفعل والحرف مع أن كلا منها كلمة؟

إن الاختلاف بينها في الحيثيات، فالاسم له معنى مستقل غير مقترن بزمان،

322

وإذا قلت" ماء الفرات" واستعملت كلمة" الماء" في معناها الحقيقي وهو المعنى المشترك بين ماء الفرات وغيره، واستعملت كلمة" الفرات" في معناها الحقيقي حيث أتيت بلفظ آخر يدل على خصوصية الفرات، في هذه الحالة يصير عندنا تعدّد في الدال وتعدد في المدلول لأن لفظ" الماء" مستعمل في معناه الموضوع له، ولفظ" الفرات" مستعمل في معناه الموضوع له، فلا يوجد عندنا مجاز، هنا" الماء" إذا استعملته في جملة" ماء الفرات" فإنه يكون استعمالا حقيقيا لأنه يدل على الماء بدون أي قيد ثم نأتي بكلمة تدل على الفرات، وهنا أيضا استعمال" الفرات" يكون استعمالا حقيقيا، هذه الطريقة هي" تعدّد الدال والمدلول"، فعندنا عدة دوال وعدة مداليل، وكل دال يدل على مدلوله، فالماء يدل‏

____________

والحرف ليس له معنى مستقل، والفعل له معنى مستقل مقترن بزمان، فتعدّدت الحيثيات فصار عندنا عدّة أقسام، وهكذا فإن الحيثيات التي تطرح في العلوم تؤدي إلى اختلاف البحث في الموضوع الواحد، نرى بعض المواضيع المشتركة في علم الفيزياء وعلم الكيمياء، مثلا يناقشون موضوع الذرة، ولكن الفيزيائي ينظر إلى الذرة بطريقة مختلفة عن الكيميائي، وقد تكون هناك بعض الوجوه المتشابهة بين الموضوع الواحد في العلمين، فالكيميائي ينظر إلى الذرة من حيثية مختلفة عن حيثية الفيزيائي، فالفيزيائي ينظر إلى الذرة من حيث المواصفات الطبيعية، والكيميائي ينظر إلى الذرة من حيث المواصفات الكيميائية، فاختلاف الحيثيات يؤدي إلى اختلاف العلوم، لذلك يطرح سؤالا وهو: هل العلوم تختلف بالموضوعات أو تختلف بالغايات؟

ويمكن أن يضاف أمر ثالث وهو: هل العلوم تختلف بالحيثيات؟

البعض يقول إن اختلاف العلوم بالموضوعات، والبعض يقول إن اختلاف العلوم بالغايات، والبعض يقول إن اختلاف العلوم بالحيثيات.

323

على مدلوله وهو الماء المطلق، والفرات يدل على مدلوله، فصار عندنا تعدد في الدال والمدلول، وهنا يكون الاستعمال استعمالا حقيقيا، والحصة الخاصة أفيدت بمجموع كلمتي" ماء" و" الفرات" لا بكلمة" ماء" فقط، وكل من الكلمتين استعملت في معناها الحقيقي، فهنا لا يوجد أي استعمال مجازي.

إذن: استعمال لفظ" الماء" في" ماء الفرات" استعمال مجازي، ولكن على طريقة" تعدّد الدال والمدلول" يكون استعمالا حقيقيا، فنستعمل لفظ" الماء" في معناه الحقيقي، فيكون الاستعمال استعمالا حقيقيا، ونستعمل لفظ" الفرات" في معناه الحقيقي، فيكون الاستعمال استعمالا حقيقيا، فكل لفظ يدل على معناه الحقيقي، فهنا لا يوجد عندنا مجاز لفظي‏ (1).

الاشتراك والترادف‏

لا شك في وجود الاشتراك والترادف في اللغة العربية وفي غيرها من‏

____________

(1) إشكال: لكن هنا يوجد تقسيم في الكلام إلى أجزائه.

الجواب: هل استعمال كل لفظ هنا استعمال حقيقي أو لا حتى لو قسمنا الكلام إلى أجزائه؟

لا يوجد عيب في أخذ كل كلمة لوحدها في الكلام، فنسأل هل كل كلمة استعملت في معناها الحقيقي أو لا؟

نعم كل كلمة مستعملة في معناها الحقيقي، ولا بأس بذلك حتى لو كانت كل كلمة جزء من الجملة، فتكون كل كلمة في الجملة مستعملة في معناها الحقيقي، ولا يوجد استعمال مجازي في هذه الجملة.

324

اللغات.

معنى الاشتراك:

وجود معنيين حقيقيين أو أكثر للفظ واحد، أو وجود لفظ واحد له معانٍ حقيقية متعدّدة، أو وحدة اللفظ مع تعدّد المعنى الحقيقي، أو وضع لفظ بوضعين أو أكثر بحيث إن كل وضع يكون فيه المعنى الموضوع له اللفظ مغايرا للمعنى الموضوع له نفس اللفظ في الوضع الآخر، كلفظ" العين" الموضوع للباصرة والنابعة، أو لفظ" القُرْء" الموضوع للحيض والطهر من الحيض.

معنى الترادف:

وجود لفظين أو أكثر لمعنى حقيقي واحد، أو وجود معنى حقيقي واحد له ألفاظ متعددة، أو وحدة المعنى الحقيقي مع تعدّد اللفظ، كالأسد والغضنفر والليث والسبع، أو السيف والصارم.

إشكال على الاشتراك:

لا يأتي إشكال على الترادف لأن المعنى الواحد تستطيع أن تعبّر عنه بألفاظ متعدّدة، ولكن يمكن أن يقال بوجود إشكال على الترادف أيضا وهو إشكال اللَّغْوِيَّة، فإذا وضع الواضع عدة ألفاظ لمعنى واحد فيقال بأن لازم ذلك اللغوية لأنه يكفي الإتيان بلفظ واحد دال على المعنى، ولا يوجد داعٍ لوضع ألفاظ أخرى دالة على نفس المعنى.

وأما الاشتراك فيأتي عليه إشكال، لذلك قال البعض باستحالة الاشتراك، فإذا كان يوجد في الاشتراك معانٍ متعدّدة للفظ واحد فمعنى‏

325

ذلك أن السامع لا يدري ما هو مقصود المتكلم عندما يسمع اللفظ منه، مثلا إذا أتى المتكلم بلفظ" العين" لا يدري السامع أن مراده العين النابعة أو العين الباصرة، وهذا يقتضي الإجمال في المعنى وتردد السامع في المعنى المقصود، فلا يستطيع أن يحدّد المعنى المراد.

مثلا إذا وردت رواية عن أحد المعصومين (عليهم السلام) وتوجد في الرواية كلمة لا نستطيع معرفة مراد الإمام (عليه السلام) منها، فنقول إن هذه الرواية مُجْمَلَة، والرواية المجملة لا يمكن الأخذ بها وتسقط عن الاستدلال، فلا نستطيع أن نستدل بالرواية المجملة لأننا لا نعرف أن الإمام (عليه السلام) يريد المعنى الأول أو المعنى الثاني أو المعنى الثالث أو المعنى الرابع.

وإذا كان الاشتراك يؤدي إلى الإجمال في الكلام فهذا معناه فقد الحكمة من الوضع لأن الغرض من الوضع هو تفهيم المعاني، والواضع يكون حكيما عرفا، ووضع الألفاظ لمعانيها لا بد أن يكون منسجما مع الحكمة العقلائية والذوق العقلائي، وإذا كان الواضع حكيما فهو يريد تفهيم المعنى بواسطة اللفظ، والمتكلم يريد أن ينقل المعنى إلى ذهن السامع، فإذا أتى بلفظ مشترك فلا يستطيع السامع أن يحدّد مراد المتكلم، وتحدث مشكلة من وضع اللفظ لمعان متعدّدة، والإتيان بالقرائن عملية غير سهلة، وبالتالي يكون الهدف من الوضع ساقطا، فلماذا لا يجعل الواضع للمعنى الواحد لفظا واحدا ويستغني بذلك عن الإتيان بالقرائن؟

326

جواب الإشكال:

لا يوجد فقد لحكمة الوضع لأن تحديد المعنى قد يتم بدون قرينة إذا كان للفظ معنى واحد، وقد يتم عن طريق القرينة المعيِّنة (1) إذا كان للفظ أكثر من معنى كما هو الحال في الاشتراك ( (2)، فلا يشترط أن يأتي اللفظ بمفرده ويدل على المعنى الذي يريده المتكلم، إن المتكلم إذا أراد أن يأتي بمعنى معيَّن وكان يوجد عدّة معاني فإنه يأتي بالقرينة المعيِّنة التي‏

____________

(1) يوجد نوعان من القرينة:

1- القرينة المعيِّنة:

وهي القرينة التي تعيِّن المعنى الحقيقي المراد من المتكلم من بين المعاني الحقيقية، مثلا تقول:" رأيت عينا تبكي"، فيعرف السامع أن المعنى المراد هو العين الباصرة بقرينة" تبكي".

2- القرينة الصارفة:

وهي القرينة التي تصرف الذهن من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، مثلا تقول:" رأيت أسدا يقود السيارة"، فيعرف السامع أن المراد ليس الأسد الحقيقي، وإنما المراد معنى مجازي، والمراد من الأسد الرجل الشجاع بقرينة" يقود السيارة"؛ لأن الأسد الحقيقي يستحيل أن يقود السيارة، فينصرف الذهن إلى أن اللفظ مستعمل في معنى آخر له علاقة بالمعنى الحقيقي، وهذا المعنى هو المعنى المجازي، والمجاز هنا مجاز لفظي لا مجاز عقلي‏

(2) وأما في الترادف فإن المتكلم يستطيع أن يأتي بالمعاني بعدة طرق وبعدة ألفاظ، وهذا لا يتنافى مع حكمة الوضع لأن المتكلم يستطيع أن يتفنّن في العبارات ويأتي بالمعاني بأساليب وتعابير مختلفة، والترادف يؤدي إلى إثراء اللغة بألفاظ كثيرة دالة على معنى واحد.

327

تدل على مقصوده، فإذا أراد الباصرة فإنه يأتي بالقرينة التي تدل عليها، وإذا أراد النابعة فإنه يأتي بالقرينة التي تدل عليها، مثلا عندما يقول:" شربت من العين"، هنا" الشرب" قرينة دالة على أن لفظ" العين" مستعمل في النابعة فتكون النابعة هي المقصودة.

بعبارة أخرى: إن المتكلم حينما يستعمل اللفظ لا يقصد أكثر من معنى، فإذا استعمل لفظا مشتركا فإنه يريد معنى واحدا من معانيه ولا يقصد كل المعاني في نفس الوقت، وعندما يقصد معنى واحدا منها فلا بد أن يقيم قرينة على مقصوده، ولا يقول:" رأيت عينا"؛ ويسكت لأنه يريد أن يوصل إلى ذهن السامع أنه إما يريد النابعة وإما يريد الباصرة، فيقيم قرينة في كلامه على مراده، والقرينة قد تكون لفظيّة مقاليّة وقد تكون حاليّة مقاميّة، والقرينة المقالية هي أن يقيم لفظا في كلامه يدل على مقصوده، سواء كانت القرينة المقالية مذكورة سابقا في كلامه أم أنه سيذكره فيما بعد ويصرح بأن مراده هو النابعة، والقرينة المقامية هي كأن يكون في مقام يكون الحديث فيه عن النابعة فيقول" رأيت عينا"، فيظهر أن مراده هو العين النابعة لا الباصرة.

مثال:

في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1)، توجد عدة معاني للكوثر، منها أنه كثير الولد، أو أن المقصود هي سيدة نساء العالمين فاطمة

____________

(1) الكوثر: 1.

328

الزهراء (عليها السلام)، أو أنه نهر في الجنة، فحينما أنزل المولى عز وجل الآية السابقة، نسأل: ما هو المعنى المراد من الكوثر؟

لا يمكن أن نقول إن كل المعاني مرادة من قبل المولى عز وجل لأن المتكلم حينما يتكلم يريد معنى واحدا ولا يقصد كل المعاني في نفس الوقت، فلا بد أن نبحث في أنه: هل توجد قرينة في الكلام تدل على معنى الكوثر أو لا توجد قرينة؟

نقرأ الآية الكريمة التالية للآية السابقة: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1)، توجد كلمة الْأَبْتَرُ التي معناها هو الذي ليس له ولد، وبمقابلة الكوثر مع الأبتر يتبيّن أن المقصود من الكوثر هو الكثير الولد، فهناك قرينة في الكلام تدل على مراد المولى عز وجل، وإذا أراد شخص أن يثبت أن الكوثر هو سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلا بد أن يقول بأن الولد يكون عن طريق الزهراء (عليها السلام)، فالكوثر يكون هو فاطمة (عليها السلام) ولكن بقرينة أخرى، أو أن الكوثر نهر في الجنة، ولكنه لا يتناسب مع كلمة الْأَبْتَرُ، فالكلمة لها عدة معاني، وإذا أردنا أن نعرف مراد المولى عز وجل فلا بدّ أن نبحث عن القرائن الموجودة في الآية لمعرفة المعنى المقصود.

سبب آخر لوجود الاشتراك والترادف في اللغة:

يوجد سبب آخر لوجود الاشتراك والترادف في اللغة، فالاشتراك‏

____________

(1) الكوثر: 2- 3.

329

والترادف نشآ من اختلاف القبائل، فكل قبيلة كانت تضع ألفاظا مختلفة للمعاني المختلفة، فالقبيلة الأولى وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى، والقبيلة الثانية وضعت نفس اللفظ لمعنى ثاني، والقبيلة الثالثة وضعت نفس اللفظ لمعنى ثالث، وهكذا نشأ الاشتراك اللفظي، وكل قبيلة وضعت اللفظ لمعنى واحد، فقبيلة تسمي الأسد ليثا، وقبيلة ثانية تسميه سبعا، وقبيلة ثالثة تسميه غضنفرا، فنشأ الترادف، وعندما جُمِعَتِ ألفاظ اللغة رأينا أن بعض الألفاظ موضوعة لمعاني متعدّدة فنشأ الاشتراك، وأن بعض المعاني لها ألفاظ متعدّدة فنشأ الترادف؛ مع أنه في الواقع اللفظ الواحد موضوع لمعنى واحد عند كل قبيلة، فلو كان الواضع واحدا لورد الإشكال، ولكن الواضع متعدّد فلا يرد الإشكال، وهكذا لا يوجد فقد لحكمة الوضع لاختلاف الواضِعِينَ.

النتيجة:

لا يوجد فقد للهدف من الوضع، والوضع المتعدّد لا يؤدي إلى فقد الحكمة من الوضع، فالقرينة صالحة للدلالة على مراد المتكلم، ويستطيع السامع أن يعرف مراد المتكلم بواسطة القرينة، ولا يوجد فقد لحكمة الوضع لأن الحكمة هي إيجاد ما يصلح للتفهيم في مقام الاستعمال ولو بضمّ القرينة، هذا هو الجواب الأول، والجواب الثاني أن الواضعين كانوا مختلفين، فكل قبيلة كانت تضع لفظا واحدا لمعنى واحد، فلا وجود للاشتراك والترادف إلا بعد أن جمعت الألفاظ والمعاني من جميع القبائل، فَوُجِدَ الاشتراك والترادف في اللغة.

330

امتناع الاشتراك والترادف بناءً على مسلك التعهّد:

مرّت سابقا عدة إشكالات على نظرية التعهّد، منها أن هذه النظرية لا تستطيع تفسير وجود المجازات في اللغة، ولا تفسير الوضع التعيّني في اللغة، ولا تفسير استعمال الأطفال للألفاظ في معانيها مع أنه لا يوجد عندهم تعهّد لأنهم لا يعرفون معنى التعهّد.

وهنا يأتي إشكال آخر على نظرية التعهّد، وهو أن الاشتراك والترادف يوجدان على مسلكي الاعتبار والقرن الأكيد، ولا يأتي عليهما أي إشكال، ولكنهما لا يوجدان على مسلك التعهد في تفسير الوضع حيث لا يخلو تصوير الاشتراك والترادف من إشكال، لذلك فهما يمتنعان بناء على مسلك التعهّد.

وبيان ذلك يأتي ضمن السؤالين التاليين:

السؤال الأول: لماذا يمتنع الاشتراك اللفظي على مسلك التعهد؟

الجواب:

في الاشتراك اللفظي يكون معنى التعهد هو: (أن المتكلم يلتزم أن لا يأتي بهذا اللفظ إلا عند قصد تفهيم هذا المعنى الموضوع له اللفظ)، وهذه صيغة سلبية، فيوجد هنا حصر لأنه استثناء واقع في سياق النفي، أي أنه يأتي باللفظ إذا قصد تفهيم هذا المعنى فقط، فهو كلما استعمل اللفظ فإنه يقصد المعنى الموضوع له هذا اللفظ، فيمتنع الاشتراك على مسلك التعهد لأن الاشتراك يتضمّن تعهدين بالنسبة إلى لفظ واحد، ووجود تعهدين في اللفظ الواحد لا يمكن لأن التعهد الأول يعني الالتزام‏

331

بأن يأتي باللفظ مع قصد تفهيم المعنى الأول، ولا يمكن أن يكون هناك تعهد ثاني بالالتزام بالإتيان بنفس اللفظ بقصد تفهيم المعنى الثاني، فإذا كان عندنا تعهد في معنى واحد فلا يمكن أن يكون عندنا تعهد في معنى ثاني، لذلك يمتنع الاشتراك على مسلك التعهد، فيكون لكل لفظ معنى واحد فقط، ويستحيل أن يوجد معنيان للفظ واحد، فإذا أتى باللفظ فإنه يوجد تعهدان: تعهد أول للمعنى الأول وتعهد ثان للمعنى الثاني، وإذا أتى بهذا اللفظ فيلزم أن يكون قاصدا لكلا المعنيين وفاءً بكلا التعهّدين، فالاشتراك ممتنع لأنه يلزم أن يكون المستعمل عند الإتيان باللفظ قاصدا كل المعاني الموضوع لها اللفظ حتى يكون قد وَفَى بكل تعهداته والتزاماته، فعندما يقول:" العين"؛ يكون قاصدا الباصرة والنابعة معا، والتعهد مثل القَسَم فكأنه يُقْسِم أن لا يأتي بهذا اللفظ إلا عند قصد تفهيم هذا المعنى، وعنده القسم الثاني للمعنى الثاني، فإذا أتى باللفظ فلا بد أن يكون قاصدا للمعنيين حتى يكون بارّا بالقسمين، ولا يمكن أن يقصد المعنيين في نفس الوقت جزما لأن المتعهد بالتأكيد يقصد حين استعمال اللفظ معنى واحدا لا أكثر، فالمتكلم لا يريد من السامع أن يحضر جميع المعاني في ذهنه، وإنما يستعمله في معنى واحد، وبالتالي يمتنع الاشتراك على مسلك التعهد.

بعبارة أخرى: في الاشتراك يلتزم المتعهد بأن لا يأتي باللفظ إلا إذا كان قاصدا لتفهيم هذا المعنى، مثلا إذا كان قد تعهّد بأن لا يأتي بلفظ" العين" إلا إذا كان قاصدا تفهيم معنى الباصرة فإذا أتى بلفظ العين‏

332

وقصد تفهيم معنى النابعة فهذا معناه عدم الالتزام بما تعهّد به، إلا أن نقول بأنه يأتي بكلا الالتزامين، وذلك بأن لا يأتي باللفظ إلا إذا كان قاصدا تفهيم كلا المعنيين، وهذا لا يمكن لأن معناه استعمال اللفظ في أكثر من معنى في نفس الوقت، واستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد إما أن يكون مستحيلا وإما أنه خلاف التحاور العرفي بين الناس وإما أنه مناقض لغرض التعهد وهو تفهيم المعنى الواحد للفظ الواحد، ومع قصد كلا المعنيين لا يمكن أن يفهم السامع مراد المتكلم.

إذن: يمتنع الاشتراك اللفظي بناء على مسلك التعهد لأنه يوجد تعهدان، التعهد الأول يقول فيه المتكلم:" أتعهد وألتزم بأن آتي باللفظ عند قصد تفهيم المعنى الأول"، والتعهد الثاني يقول فيه المتكلم:" أتعهد بأن آتي باللفظ عند قصد تفهيم المعنى الثاني"، فهو كلما ذكر اللفظ فإنه يقصد المعنى الموضوع له اللفظ، ويوجد هنا معنيان، فإذا أتى باللفظ فلا بدّ أنه يقصد المعنيين في نفس الوقت حتى يكون بارّا بالتعهدين، وهذا حتما ليس مقصود المتعهد لأنه يريد معنى واحدا لا أكثر من معنى واحد.

السؤال الثاني: لماذا يمتنع الترادف على مسلك التعهد؟

الجواب:

في الترادف يكون التعهد والالتزام بدون الحصر بالنفي والاستثناء ب-" إلا"، فيكون معنى التعهد هو: (أن المتكلم يلتزم بأن يأتي بهذا اللفظ عند قصد تفهيم هذا المعنى الموضوع له اللفظ) أو (يلتزم عند قصد

333

تفهيم المعنى بأن يأتي باللفظ الدال على هذا المعنى)، وهذه صيغة إيجابية، فيوجد هنا تعهدان، التعهد الأول يقول فيه المتكلم:" ألتزم عند قصد تفهيم هذا المعنى بأن آتي باللفظ الأول"، والتعهد الثاني يقول فيه المتكلم:" ألتزم عند قصد تفهيم نفس المعنى السابق بأن آتي باللفظ الثاني"، فهو كلما أراد معنى من المعاني فهو يذكر اللفظ الدال عليه، فإذا أراد المعنى فلا بد أن يأتي باللفظين في نفس الوقت حتى يكون بارّا بالتعهدين، وهنا يمتنع الترادف لأنه يتضمن تعهدين بالنسبة إلى معنى واحد، فلا بد أن يأتي بكل الألفاظ التي تدل على هذا المعنى، فيأتي بلفظ" الأسد" و" الليث" و" الغضنفر" عندما يقصد تفهيم معنى الحيوان المفترس، والمتعهد جزما لا يقصد أن يأتي في نفس الوقت بكل الألفاظ الدالة على نفس المعنى بل يأتي بلفظ واحد فقط دال على المعنى المراد.

بعبارة أخرى: في الترادف يلتزم المتعهّد بأن لا يقصد تفهيم هذا المعنى إلا إذا جاء بهذا اللفظ، ولازم ذلك أنه لا يكون ملتزما بتعهده إذا جاء باللفظ الآخر المرادف وقصد تفهيم نفس المعنى؛ إلا أن نقول بأنه يأتي بكلا الالتزامين، وذلك بأن يأتي بكلا اللفظين عندما يقصد هذا المعنى، أي أنه يلتزم بأن لا يقصد تفهيم هذا المعنى إلا إذا جاء بكلا اللفظين، وهذا الالتزام غير ممكن لأنه خلاف المحاورة العرفية بين الناس لأن المتكلم لا يأتي بكل الألفاظ المترادفة في نفس الوقت بغرض تفهيم نفس المعنى، وهذا يدل على أن المتكلم لا يتعهّد بمثل هذا التعهد،

334

فهو عندما تعهّد لم يقصد أن يأتي بكلا اللفظين في نفس الوقت للدلالة على معنى واحد.

حل الإشكال:

يمكن حل الإشكال بثلاثة طرق:

الطريق الأول: تعدّد المتعهِّد وتعدّد التعهّد:

حل إشكال الاشتراك:

يوجد لكل تعهّد متعهِّد مستقل، فالمتعهِّدان ليسا واحدا بل يوجد واضعان ومتعهِّدان، لو كان المتعهِّد والواضع واحدا للزم عليه أن يقصد تفهيم كل المعاني في الاشتراك، ولكن يوجد متعهّد متعدّد، ففي الاشتراك تعهد المتعهد الأول بأن يأتي باللفظ إذا قصد المعنى الأول، فيلتزم بأن يأتي بلفظ" العين" إذا كان قاصدا معنى" الباصرة"، وتعهد المتعهد الثاني بأن يأتي بنفس اللفظ إذا قصد المعنى الثاني، فيلتزم بأن يأتي بلفظ" العين" إذا كان قاصدا معنى" النابعة"، وكل متعهد يلتزم بما تعهد به، وقد تعهّد بلفظ واحد ومعنى واحد لهذا اللفظ، فينحل إشكال وجود المشتركات اللفظية في كل اللغات لا فقط في اللغة العربية بناء على مسلك التعهّد.

حل إشكال الترادف:

يوجد متعهِّدان مستقلان، فلو كان المتعهد واحدا للزم عليه أن يأتي بكل الألفاظ في الترادف، ولكن المتعهِّد متعدّد، ففي الترادف تعهد المتعهد الأول بأن يأتي باللفظ الأول عند قصد المعنى، فيلتزم بأن يأتي‏

335

بلفظ" الليث" إذا كان قاصدا معنى" الحيوان المفترس"، وتعهد المتعهد الثاني بأن يأتي باللفظ الثاني عند قصد نفس المعنى، فيلتزم بأن يأتي بلفظ" الغضنفر" إذا كان قاصدا معنى" الحيوان المفترس"، وكل متعهد يلتزم بما تعهد به، وقد تعهّد بلفظ واحد ومعنى واحد لهذا اللفظ، فينحل إشكال وجود المترادفات في كل اللغات لا فقط في اللغة العربية بناء على مسلك التعهّد (1).

____________

(1) إشكال: قد يقال إن السيد الخوئي (قدس سره) بناء على مسلكه يقول إن كل متكلم متعهد، فلا يتعدّد المتعهِّد، فيكون المتعهِّد واحدا، فيرد الإشكال السابق.

الجواب: يمكن أن يقال إن كل متكلم ليس متعهدا، بل المتعهد هو الشخص الأول الذي تعهد بأن يأتي بهذا اللفظ في هذا المعنى، ومن يأتي بعد ذلك يستعمل هذا اللفظ في هذا المعنى.

إشكال: ولكن المستعمل أليس هو ملتزم بما تعهد به الشخص الأول؟

يوجد هنا تعهد ضمني، ولو لم نقل بوجود التعهد الضمني للشخص المستعمل فعلى أقل التقادير يَرِد هذا الإشكال على المتعهد الأول.

الجواب: ولكن مع وجود متعهدين لا يرد هذا الإشكال.

إشكال: ولكن الشخص المستعمل حين الاستعمال يلتزم بكلا التعهدين من المتعهد الأول ومن المتعهد الثاني، فيستعمل لفظ" الليث" ولفظ" الغضنفر" للأسد، فيوجد تعهد ضمني لأنه يستعمل الألفاظ الموضوعة لهذا المعنى ولا يستعمل ألفاظا أخرى لم توضع لهذه المعاني، فهو على أقل التقادير يُسَلِّم بالتعهدات السابقة التي تعهد بها السابقون، فإذا كان يسلّم بالتعهدات من المتعهدين السابقين فكأنه هو أيضا متعهد بكل التعهدات ولكن بتعهد ضمني، فيرد إشكال امتناع الاشتراك والترادف بناء على مسلك التعهد.

336

الطريق الثاني: وحدة المتعهِّد ووحدة التعهّد:

حل إشكال الاشتراك:

في الاشتراك يتعهد بأن لا يأتي بهذا اللفظ إلا إذا قصد تفهيم أحد المعنيين بخصوصه، فهو يتعهّد تعهّدا واحدا تخييريا، فيتعهد بأن لا يأتي باللفظ إلا إذا كان قاصدا تفهيم المعنى الأول أو المعنى الثاني، فعنده قصد أنه إذا أراد المعنى الأول فقط فإنه يأتي بلفظه، وإذا أراد المعنى الثاني فقط فإنه يأتي بلفظه، فلا يبّر بكل التعهدات في نفس الوقت لأن تعهده خاص بأنه إذا قصد المعنى الأول فإنه يأتي بلفظه وإذا قصد المعنى الثاني فإنه يأتي بلفظه، فعنده عدة تعهدات على نحو التخيير، وهو يأتي بالتعهد الأول ولا يأتي بالتعهد الثاني، فعندما يريد الباصرة فإنه يقول:" العين الباصرة"، والتعهد الثاني لا موضوع له حتى يأتي به، فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع لأنه لم يقصد المعنى الثاني.

بعبارة أخرى: يوجد عنده تعهد بأن لا يأتي بهذا اللفظ إلا إذا قصد المعنى الأول فقط، وهو الآن قاصد للمعنى الأول فيأتى بهذا اللفظ، وهو ليس قاصدا للمعنى الثاني حتى يبرّ بتعهده، فالمعنى الثاني غير مقصود عنده، وهذا التعهد الثاني لا موضوع ولا مورد له حتى يأتي بالتعهد الثاني، فالموضوع هو أنه قصد المعنى الأول فيأتي باللفظ الذي يدل على المعنى الأول، ولم يقصد المعنى الثاني فلا داعي للإتيان باللفظ الذي يدل على المعنى الثاني، ولا يوجد عنده قصد أن يأتي بجميع المعاني في نفس الوقت.

337

إذن: تعهده يكون بالشكل التالي وهو أنه يتعهد بأن لا يأتي بهذا اللفظ إلا إذا قصد المعنى الأول، فيأتي باللفظ الدال على المعنى الأول، وبذلك يكون بارّا بتعهده، وهو لم يقصد المعنى الثاني ليأتي باللفظ الدال على المعنى الثاني، وهذا هو حل الإشكال في الاشتراك.

حل إشكال الترادف:

في الترادف يتعهد بأنه إذا قصد المعنى فإنه يأتي باللفظ الأول أو اللفظ الثاني أي يأتي بأحد اللفظين بخصوصه، فيتعهّد تعهّدا واحدا تخييريا، فإذا أتى بهذا اللفظ فلا داعي لأن يأتي ببقية الألفاظ، فإذا أتى بلفظ" الأسد" فلا داعي لأن يأتي بلفظ" الغضنفر" أو لفظ" الليث"، وإذا أراد المعنى فإنه يكفي أن يأتي بلفظ واحد يدل عليه ولا داعي للإتيان ببقية الألفاظ، وهذا هو حل الإشكال في الترادف، ومرّ سابقا أنه في الاشتراك قصد معنى واحدا فيأتي باللفظ الذي يدل على هذا المعنى الواحد، فلا يأتي لا بباقي الألفاظ في الترادف ولا يقصد باقي المعاني في الاشتراك.

إذن: تعهده يكون معيَّنا محدَّدا في أمر معيَّن، فيكون التعهد أخص من الكلام العام الذي ذكره بأنه يأتي بكل الألفاظ إذا قصد المعنى أو يأتي بكل المعاني إذا أتى باللفظ، فيكون التعهد مشروطا بما إذا قصد المعنى الأول فيأتي باللفظ الدال على هذا المعنى، هذا في الاشتراك، وأما في الترادف إذا قصد المعنى فإنه يأتي بلفظ واحد يدل عليه دون الحاجة إلى ذكر باقي الألفاظ.

338

بعبارة أخرى: الطريق الثاني لحل الإشكال يكون عن طريق افتراض وحدة المتعهِّد ووحدة التعهّد، ففي الاشتراك إذا قصد المعنى الأول فإنه يأتي باللفظ الذي يدل على المعنى الأول ولا يقصد المعاني الأخرى، وفي الترادف إذا قصد المعنى فإنه يأتي باللفظ الأول الذي يدل عليه دون الحاجة إلى الإتيان بالألفاظ الأخرى، فعنده تعهّد واحد بأن يأتي بلفظ واحد عندما يقصد معنى واحدا، ولا حاجة للإتيان ببقية الألفاظ ولا لقصد بقية المعاني.

الطريق الثالث: وحدة المتعهِّد وتعدّد التعهّد:

حل إشكال الاشتراك:

نفترض بأنه يوجد تعهّدان، وكلُّ تعهّدٍ مشروطٌ ومقيَّدٌ بعدم التعهّد الآخر، فيتعهّد بأن يأتي باللفظ إذا قصد المعنى الأول بشرط أن لا يقصد المعنى الثاني، فعنده تعهدان كل منهما مشروط بترك الآخر، فإذا ترك الآخر يأتي بالأول، وإذا ترك الأول يأتي بالآخر، فعنده تعهدات مشروطة بعدم التعهدات الأخرى، وكان الإشكال الذي يَرِد على مسلك التعهد هو أنه يأتي في الاشتراك بكل المعاني في نفس الوقت، وحل ذلك يكون بأن نقول إن كل تعهد مشروط بعدم الآخر إذا وجد معنيان للفظ الواحد، أو مشروط بعدم الآخرين إذا وجد أكثر من معنيين للفظ الواحد، فإذا أتى بلفظ" العين" فإنه يكون قاصدا العين الباصرة ولا يكون قاصدا العين النابعة، فيتعهّد بأن لا يأتي بلفظ" العين" إلا إذا كان قاصدا معنى" الباصرة" بشرط أن لا يكون قاصدا معنى" النابعة"، فيأتي باللفظ

339

الدال على المعنى الأول بقصد تفهيمه بشرط عدم وجود قصد تفهيم باقي المعاني.

حل إشكال الترادف:

نفترض بأنه يوجد تعهّدان، وكلُّ تعهّدٍ مشروطٌ ومقيَّدٌ بعدم التعهّد الآخر، فيتعهد بأنه إذا قصد المعنى فإنه يأتي باللفظ الأول لهذا المعنى بشرط أن لا يأتي باللفظ الثاني، فعنده تعهدان كل منهما مشروط بترك الآخر، فإذا ترك الآخر يأتي بالأول، وإذا ترك الأول يأتي بالآخر، فيتعهد بأن يأتي بلفظ" الأسد" للدلالة على الحيوان المفترس بشرط أن لا يأتي بلفظ" الليث"، أو يتعهد بأن يأتي باللفظ الثاني بشرط ترك اللفظ الأول، فعنده تعهدات مشروطة بعدم التعهدات الأخرى، وكان الإشكال الذي يَرِد على مسلك التعهد هو أنه يأتي في الترادف بكل الألفاظ في نفس الوقت، فعنده تعهدات مشروطة بعدم التعهدات الأخرى، فعندما يأتي بلفظ واحد فلا يأتي بالألفاظ الأخرى، فالتعهد الأول موجود بشرط عدم وجود التعهدات الأخرى، والتعهد الثاني موجود بشرط عدم وجود باقي التعهدات، وهكذا بالنسبة للتعهد الثالث والتعهد الرابع والتعهد...، فكل تعهد مشروط بعدم الآخر إذا وجد لفظان للدلالة على معنى واحد، أو مشروط بعدم الآخرين إذا وجد أكثر من لفظين للدلالة على معنى واحد، فيتعهد بأنه إذا قصد معنى" الحيوان المفترس" فإنه يأتي بلفظ" الأسد" بشرط أن لا يأتي بلفظ" الليث"، فعندما يقصد المعنى فإنه يأتي باللفظ الأول الدال على هذا المعنى بشرط عدم الإتيان بباقي‏

340

الألفاظ الدالة على نفس المعنى‏ (1).

إذن: الاشتراك والترادف ممكنان بل واقعان في اللغة بناء على مسلك الاعتبار ومسلك القرن الأكيد، وهما من المسلَّمات في اللغة، وأما بناء على مسلك التعهد فإنه يرد عليهما الإشكال السابق، ويدفع الإشكال إما بتعدّد المتعهِّد وإما بوحدة المتعهَّد مع الصورتين اللتين ذكرتا من وحدة التعهّد وتعدّد التعهّد، فالنتيجة أن الاشتراك والترادف على جميع المسالك ممكنان في اللغة أولا، وواقعان في اللغة ثانيا.

تصنيف اللغة

هذه المقدمة من المقدمات المهمة، وهي عبارة عن تصنيف اللغة من وجهة نظر علم أصول الفقه، وهذا البحث من إبداعات علماء أصول الفقه ليخدم هذا العلم.

تنقسم كلمات اللغة كما يأتي في علم النحو إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف.

مثلا إذا قلنا:" تهتدي الإنسانية في الإسلام"، يشتمل على الأقسام الثلاثة، ف-" الإنسانية" و" الإسلام" من الأسماء، و" تهتدي" فعل مضارع، و" في" حرف جرّ، فالاسم يدل على معنى مطلقا أي سواء

____________

(1) يمكن أن يطرح حل آخر وهو أنه إذا أردت هذا المعنى المعيّن فإنك تستعمل لفظا واحدا من الألفاظ الموضوعة للمعنى على نحو البدل، وليس بالضرورة أن تستعمل كل الألفاظ في نفس الوقت، ولا نحتاج إلى تعهد لعدم الإتيان بالألفاظ الأخرى عند الإتيان بواحد من الألفاظ.

341

سمعنا هذا الاسم مجرَّدا من كلمات أخرى أم في ضمن كلام.

عندما تقول" زيد" يأتي معنى" زيد" إلى ذهنك، أو تقول" قام زيد" فيأتي معنى" زيد" إلى ذهنك أيضا، فكلمة" زيد" سواء كانت في جملة أو من غير جملة فإن معنى" زيد" يتبادر إلى الذهن.

وأما الحرف فهو لا يدل على معنى إلا في ضمن كلام، فلو قلت:" في"؛ فإنه ليس له معنى إلا أن تتصور شيئين ويكون أحد الشيئين في الشي‏ء الآخر، وبدون الطرفين لا يمكن تصور معنى كلمة" في"، وإذا كانت" في" تدل على الظرفية فلا بد من وجود الظرف والمظروف، الحرف" في" يحتاج دائما إلى طرفين، وكذلك كلمة" مِنْ" التي تدل على الابتداء، تقول:" جئت من البصرة"؛ فيوجد ربط بين المجي‏ء والبصرة، والمعنى أن ابتداء المجي‏ء كان من البصرة.

إذن: الحرف لا يمكن أن يفهم إلا في ضمن كلام مكوّن من طرفين حتى يمكن فهم معنى الحرف، فيكون دور الحرف هو الربط بين الأسماء والأفعال، فإذا كانت عندك جملة فإن الأسماء والأفعال فيها لا يمكن أن تُفْهَم إلا أن تُرْبَط ببعضها البعض، وفي المثال السابق عندنا" جئت" و" البصرة" فإذا لم توجد" مِنْ" فإنه توجد عندك كلمتان لا ربط بينهما.

وأما في علم الأصول فإن هذا التقسيم للكلمة غير مقبول، بل إن الكلمة تنقسم إلى قسمين فقط: اسم وحرف، وسيأتي التوضيح بعد قليل إن شاء الله تعالى.

342

في علم الأصول تقسّم اللغة إلى قسمين: الكلمة والهيئة التركيبية، وتنقسم الكلمة إلى قسمين: بسيطة ومركبة، واللغة تنقسم إلى هذه الأقسام من حيثية الوضع أي بلحاظ الوضع، ونأتي الآن إلى التفصيل:

أولا: الكلمة:

تنقسم الكلمة إلى قسمين هما:

1- الكلمة البسيطة:

الكلمة البسيطة هي الكلمة الموضوعة بمادة حروفها وتركيبها الخاص- أي هيئتها- بوضع واحد للمعنى.

مثال: أسماء الأجناس مثل" إنسان" و" أسد"، وأسماء الأعلام الشخصية مثل" محمد" و" زيد"، والحروف مثل" في" و" على".

مادة حروفها هي الحروف التي تتكوّن منها الكلمة مثل" زيد"، فمادة حروفها هي الزاي والياء والدال.

وتركيبها الخاص أو هيئتها هو تركيب الحروف بترتيب معيّن، ففي" زَيْدٌ" يأتي الزاي أولا ثم الياء ثم الدال على وزن" فَعْلٌ"، والهيئة تطلق على تركيب الحروف بترتيب معيّن، وفي" دَيْزٌ" يأتي الدال أولا ثم الياء ثم الزاي على وزن" فَعْلٌ"، وفي" يَزْدٌ" يأتي الياء أولا ثم الزاي ثم الدال على وزن" فَعْلٌ".

وكلمة" أَسَدٌ" مادتها هي الألف والسين والدال، وهيئتها هي وزن" فَعَلٌ"، فهذه الكلمة بمادتها وهيئتها موضوعة لمعنى الحيوان المفترس المعروف، فالواضع حينما أراد أن يضع لفظا لهذا الحيوان المفترس فإنه‏

343

لاحظ مادة كلمة" أسَد" ولاحظ هيئة هذه الكلمة، وجعل مجموع الأمرين دالا على معنى الحيوان المفترس.

وكلمة" مِنْ" مادتها هي الميم والنون، وهيئتها هي الوزن الذي يكون ناتجا من كسر الميم وتسكين النون، والواضع جعل مجموع المادة والهيئة دالا على معنى الابتداء.

إن الكلمة الموضوعة بمادتها وهيئتها بوضع واحد لمعنى من المعاني تسمى كلمة بسيطة، فالمادة مع التركيب الخاص أتينا بهما بوضع واحد أي في نفس الوقت، فنأتي بالمادة مع التركيب الخاص في وقت واحد للدلالة على معنى معيَّن، وهذه هي الكلمة البسيطة.

2- الكلمة المركبة:

الكلمة المركبة في علم الأصول ليست هي الكلمة المركبة في علم النحو مثل كلمة" بَعْلَبَكَّ"، فهذه الكلمة في علم النحو تعتبر كلمة مركبة لأنها مركبة من مقطعين" بَعْلَ" و" بَكَّ"، ولكنها في علم الأصول كلمة بسيطة.

والكلمة المركبة في علم الأصول هي التي يكون لمادتها وضع ولهيئتها وضع آخر، فتكون الكلمة موضوعة بوضعين: وضع للمادة ووضع آخر للهيئة.

مثال 1: كلمة" ضَرَبَ" أو" يَضْرِبُ" أو" اضْرِبْ" موضوعة بوضعين: وضع بلحاظ المادة، ووضع آخر بلحاظ الهيئة أو الوزن أو الصورة أو الصيغة، ومادة الكلمة هي الأصل الذي اشْتُقَّ الفعل منه،

344

والأصل الذي اشتق منه هو" الضَّرْب"، فما نتصوره حينما نسمع كلمة" الضَّرْب" نتصوره من كلمة" ضَرَبَ"، فمادة" ضَرَبَ" هي الحروف التي تتكوّن منها وهي الضاد والراء والباء، ومادة" ضَرَبَ" موضوعة لمعنى معيّن بوضع شخصي كما مرّ سابقا، وهيئة الكلمة هي الصيغة الخاصة التي صيغت بها المادة، وهي تركيب الحروف بترتيب معيّن على وزن معيّن وصورة معيّنة وشكل معيّن، وهذه الصيغة تربط بين معنى المادة ومعنى آخر، وهيئة" ضَرَبَ" موضوعة بوضع نوعي لا شخصي، وفي المثال الضاد أولا ثم الراء ثم الباء على وزن الفعل الماضي" فَعَلَ"، ووضعت الهيئة بوضع نوعي لا شخصي لأن الواضع لا يستطيع أن يتصور كل الهيئات الموجودة في جميع المواد، فيتصور هيئة جامعة لكل المواد، مثل هيئة اسم الفاعل أو اسم المفعول، فمثل اسم الفاعل" ضارب"، فيه مادة تدل على الضرب، وفيه هيئة وهي صيغة" فاعِل"، وتدل هذه الهيئة على معنى نسبة الضرب إلى الضارب، فكلمة" ضارب" موضوعة بمادتها لمعنى الضرب، وموضوعة بهيئتها لمعنى آخر وهو نسبة الضرب إلى الضارب.

ومادة" ضَرَبَ" تدل على معنى مستقل وهو الحدث، والحدث هو" الضَّرْب"، وهيئتها تدل على صدور الحدث- أي الضّرب- في الزمن الماضي، فهيئة الفعل الماضي تربط بين الحدث والزمن الماضي، وللهيئة معنى غير مستقل، فالمادة تدل على معنى غير المعنى الذي تدل عليه الهيئة، فالمادة تدل على معنى مستقل، والهيئة تدل على معنى غير

345

مستقل، ولو كان معنى الهيئة مستقلا لوضعنا بدل الفعل مجموع اسمين، وعدم صحة استبدال الفعل باسمين مستقلين يدل على أن الهيئة لها معنى غير مستقل.

مثال 2: كلمة" تَشْتَعِلُ"، مادتها" اشتعال"، وللمادة مدلول اسمي، ولكن الفعل لا يساوي مدلول مادته بل يزيد عليها بدليل أنه لو كان الفعل مساويا لمدلول المادة لأمكن تعويض أحدهما بالآخر ولا يتغيّر المعنى، ولكننا نجد أنه لا يمكن أن نضع كلمة" اشتعال" مكان كلمة" يشتعل"، فلو قلنا" تَشْتَعِلُ النارُ" فإنه لا يمكن أن نقول:" اشْتِعَالُ النارُ" مع الحفاظ على نفس المعنى، أو نقول:" ضَرْبُ زيدٌ" بدل" يَضْرِبُ زيدٌ"، وهكذا يتّضح أن كلمة" تشتعل" يوجد فيها شي‏ء زائد على المادة، وتلك الزيادة تنشأ من الهيئة، ويتبيّن بذلك أن هيئة الفعل موضوعة لمعنى خاص بها، والمعنى الذي يأتي من الهيئة ليس له معنى اسمي استقلالي لأنه لو كان للهيئة معنى استقلالي لأمكن التعويض عن الفعل بمجموع اسمين مع أننا نلاحظ أنه لا يمكن ذلك، مثل التعويض عن كلمة" تَشْتَعِلُ" بمجموع كلمتي" اشتعال الزمن الحاضر"، ولا يصح هذا التعويض، وبذلك يثبت أن مدلول الهيئة معنى نسبي ربطي، وهذا الربط الذي تدل عليه هيئة الفعل ربط قائم بين مدلول المادة ومدلول آخر في الكلام، والهيئة لا تظهر إلا حين الاستعمال في شي‏ء آخر.

ويقول السيد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الأولى إن هذا المدلول الآخر هو الفاعل في قولنا:" تَشْتَعِلُ النارُ"، وإن هيئة الفعل مفادها الربط بين‏

346

مادة الفعل والفاعل كالاشتعال والنار.

ولكن يمكن أن يقال إن هذا القول ليس تاما لأن هيئة الفعل لا تربط بين مادة الفعل والفاعل بل تربط بين مادة الفعل والزمن، فهيئة الفعل الماضي في" ضَرَبَ زيدٌ" أو" اشْتَعَلَتِ النارُ" تدل على وقوع الضرب والاشتعال في الزمن الماضي، وهيئة الفعل المضارع في" يَضْرِبُ زيدٌ" أو" تَشْتَعِلُ النارُ" تدل على وقوع الضرب والاشتعال في الزمن الحاضر، والذي يدل على الربط بين الفعل والفاعل هو هيئة الجملة الفعلية التي تتكوّن من الفعل والفاعل، فليس الرابط بين الفعل والفاعل هو هيئة الفعل بل هو هيئة الجملة الفعلية، والذي يربط بين المبتدأ والخبر في" زيدٌ مجتهدٌ" هو هيئة الجملة الاسمية.

إذن: عندنا أمران هما مادة الكلمة وهيئة الكلمة، وللمادة وضع يختلف عن وضع الهيئة، نأتي أولا بالحروف التي تتكون منها الكلمة ثم نأتي بالهيئة ثم نجعل هذه المادة على هذه الهيئة، فعندنا مادة وهيئة، والكلمة تكون مركبة من شيئين: المادة والهيئة، وكل منهما موضوع بوضع يختلف عن الوضع الآخر، وأما في الكلمة البسيطة فالمادة والهيئة موضوعة بوضع واحد وفي نفس الوقت لمعنى من المعاني.

سؤال: هل الاسم والحرف والفعل من الكلمات البسيطة أو من الكلمات المركبة؟

الجواب:

الاسم كلمة بسيطة لأنها موضوعة بمادتها وهيئتها بوضع واحد لمعنى‏

347

من المعاني، والاسم يدل على معنى مستقل لأنه يمكن تصوره بشكل مستقل ولا يحتاج إلى طرفين لكي يمكن تصوره.

والحرف أيضا كلمة بسيطة لنفس السبب السابق، ولكنه لا يدل على معنى مستقل لأنه يحتاج إلى طرفين لكي يمكن تصوره.

وأما الفعل في علم النحو فإنه يدخل تحت الكلمة البسيطة، ولكنه في علم الأصول يكون داخلا تحت الكلمة المركبة لأنه موضوع بمادته بوضع، وموضوع بهيئته بوضع آخر، والمقصود من المادة الأصل الذي اشْتُقَّ الفعل منه، والمقصود من الهيئة الصيغة الخاصة التي صيغت بها المادة، وهي الأوزان المعروفة في علم الصّرف مثل" فَعَلَ" و" يَفْعَلُ" و" افْعَلْ"، فجزء من الفعل يرجع إلى الاسم، وجزء آخر من الفعل يرجع إلى الحرف، فالفعل مركّب من اسم وحرف لأنه يشتمل على معنى اسمي استقلالي ومعنى حرفي ارتباطي، فهو يدل على المعنى الاسمي بمادته، ويدل على المعنى الحرفي بهيئته، فمادة الفعل عبارة عن معنى اسمي، فتكون داخلة تحت الكلمة البسيطة، وهيئة الفعل عبارة عن معنى حرفي لأنه لا يمكن تصورها بدون المادة، فتكون داخلة تحت الكلمة البسيطة.

وهكذا يتضح أنه في علم النحو تنقسم الكلمة إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف، وأما في علم أصول الفقه فإن الكلمة تنقسم إلى قسمين فقط: اسم وحرف، والفعل جزء منه- وهو المادة- يدخل تحت الاسم، والجزء الآخر منه- وهو الهيئة- يدخل تحت الحرف لأن الهيئة معنى حرفي لا يمكن أن يتصور إلا ضمن مادة معيّنة، فالفعل ليس قسما

348

ثالثا في قبال الاسم والحرف، بل هو مركب من الاسم والحرف أي من مادة وهي الاسم الذي له معنى مستقل، ومن هيئة وهي الحرف الذي له معنى غير مستقل.

ثانيا: الهيئة التركيبية:

الهيئة التركيبية هي الهيئة التي تقوم بأكثر من كلمة، وتحصل من انضمام كلمة إلى أخرى ومن ربط كلمة بأخرى، وتكون موضوعة لمعنى خاص، وهنا ننظر إلى التركيب دون النظر إلى مواد الكلمات.

بعبارة أخرى: الهيئة التركيبية هي الهيئة الناتجة من الجملة، والمراد بالجملة في علم أصول الفقه كل كلمتين أو أكثر بينهما ترابط، ولا نتقيّد بالمصطلح النحوي للجملة، وهيئة الجملة تدل على معنى يختلف عن المعنى الذي تدل عليه الكلمة البسيطة، ويختلف عن المعنى الذي تدل عليه المادة في الكلمة المركبة، فهيئة الجملة تدل على معنى من نوع النسب والارتباطات، فالهيئة التركيبية ليست هي نفس الكلمات، وإنما هي الارتباط الواقع والعلاقة والنسبة القائمة بين الكلمات، لذلك فهي تفيد معنى إضافيّا غير المعاني التي تفيدها الكلمات، وهيئة الجملة فيها علاقة ونسبة خفيّة غير ظاهرة ولا يعبّر عنها بحروف اللغة، وأما الحرف فهي نسبة ظاهرة مكوّنة من حروف اللغة، والحرف والهيئة عبارة عن نسبة وعلاقة بين أطراف أخرى.

مثال:" عَلِيٌّ إِمَامٌ"، في هذه الجملة يوجد معنيان اسميّان وارتباط خاص أو نسبة خاصة أو علاقة خاصة بينهما، فنفهم من كلمة" علي"

349

معناها الاسمي، ونفهم من كلمة" إمام" معناها الاسمي، ونفهم أيضا ارتباطا خاصا بين هذين المعنيين الاسميين، وهو ثبوت المحمول للموضوع أو ثبوت الخبر للمبتدأ، وهذا الارتباط الخاص لا تدل عليه كلمة" علي" بمفردها ولا كلمة" إمام" بمفردها، وإنما تدل عليه الجملة بتركيبها الخاص وبهيئتها الخاصة بتقديم المبتدأ على الخبر، ووضع العرب الجملة الاسمية بهذه الطريقة، وهذا معناه أن هيئة الجملة تدل على نوع من الربط والنسبة، والربط والنسبة معنى حرفي، فهيئة الجملة تدل على معنى حرفي.

أقسام هيئة الجملة:

هيئة الجملة تنقسم إلى قسمين:

1- هيئة الجملة التامة:

هي الهيئة التي تفيد فائدة يصح السكوت عليها، أو تفيد معنى تاما يحسن السكوت عليه ولا ينتظر السامع شيئا إضافيّا من المتكلم، فبعض الجمل تدل على معنى مكتمل يمكن للمتكلم الإخبار عنه ويمكن للسامع تصديقه أو تكذيبه، وهي هيئة الجملة الخبرية (1)، فيوجد ترتيب معيّن للكلمات في الجملة حسبما وضعه العرب، ففي الجملة الاسمية يكون المبتدأ قبل الخبر مثل" المفيدُ عالِمٌ"، وفي الجملة الفعلية الخبرية يكون الفعل‏

____________

(1) وهناك بعض الجمل تدل على معنى مكتمل وتكون جملة تامة، ولكن لا يمكن للسامع تصديقها ولا تكذيبها مع أنها جملة تامة، وهي الجملة الإنشائية، وفي هيئة الجملة الفعلية الإنشائية يكون الفعل قبل الفاعل المستتر مثل" صُمْ".

350

قبل الفاعل مثل" قامَ محمدٌ".

مثال: جملة" محمدٌ قائمٌ"، يوجد فيها انضمام كلمة" محمد" إلى كلمة" قائم"، والكلمتان تشكّلان الجملة الاسمية، فالعرب أرادوا أن يضعوا الجملة الاسمية فوضعوا الجملة الاسمية من ركنين: المبتدأ والخبر، وهيئة هذه الجملة تدل على معنى وهو نسبة القيام إلى محمد أو ثبوت القيام لمحمد، وهذه الجملة تفيد ثلاثة معاني، المعنى الأول مستفاد من كلمة" محمد"، والمعنى الثاني مستفاد من كلمة" قائم"، والمعنى الثالث مستفاد من الربط الواقع والعلاقة القائمة بين" محمد" و" قائم"، وهو نسبة القيام إلى محمد، فالنسبة الواقعة بين الكلمتين هي مدلول الهيئة التركيبية (1)

1 ).

أو" يقومُ محمدٌ"، فوضعوا الجملة الفعلية وجعلوها مكوّنة من ركنين: الفعل والفاعل.

2- هيئة الجملة الناقصة:

هي الهيئة التي تفيد فائدة لا يصح السكوت عليها، أو تفيد معنى ناقصا لا يحسن السكوت عليه حيث ينتظر السامع من المتكلم أن يكمل‏

____________

(1) في مثل" محمدٌ قائمٌ" يمكن أن يقال إن أصل الجملة هو: محمد (هو) قائم، والضمير يربط بين الكلمتين، ولكن العرب ألغوا الضمير وقالوا بأن نفس التركيب له دور الربط، وفي كل اللغات هناك ما يكون له دور الربط، مثلا في اللغة الإنجليزية يستعمل (is) أو (of) للربط، فيقال:

Zaid( is )clever.

أوthe board (of) the school

351

المعنى، فبعض الجمل تدل على معنى غير مكتمل ولا يمكن للمتكلم الإخبار عنه والاكتفاء به لأنه غير قابل للإخبار ولا يمكن للسامع أن يعلّق عليها بتصديق أو تكذيب ما لم تُكْمَل الجملة لأنه غير قابل للتصديق أو التكذيب حيث إن التصديق والتكذيب يكون للخبر الذي له معنى تام، والهيئة الناقصة مثل هيئة المضاف والمضاف إليه، والموصوف والصفة، ويوجد ترتيب معيّن في هذه الجمل، فالمضاف قبل المضاف إليه، والموصوف قبل الصفة أو المنعوت قبل النعت، والجملة الناقصة تكون في قوة الكلمة الواحدة المفردة.

مثال: حينما يقول المتكلم:" المفيدُ العالِمُ"، فإن السامع ينتظر تتمة المعنى كما لو قال المتكلم:" المفيدُ"، وسكت، بخلاف ما إذا قال:" المفيدُ عالِمٌ"؛ فإن الجملة حينئذ تكون مكتملة وتامة.

ملاحظة:

الحروف تكون مثل الجمل الناقصة في أنها تدل على نسب ناقصة لا يصح السكوت عليها، فكما لا يصح أن تقول:" المفيدُ العالمُ"، وتسكت، كذلك لا يصح أن تقول:" السيرُ مِنَ البَصْرَةِ"، وتسكت، ومعناه السير المتّصف أنه من البصرة؛ لأن مفردات الحروف وهيئات الجمل تدل على نسب اندماجية بخلاف هيئة الجملة التامة التي تدل على نسبة غير اندماجية سواء كانت الجملة فعلية أم اسمية.

النتيجة:

هيئة الجمل الاسمية وهيئة الجمل الفعلية هيئة تركيبية لأنها ربط

352

قائم بين كلمتين أو أكثر.

أنواع النسبة والربط:

الهيئات والحروف لا تستقل معانيها بنفسها لأنها من سنخ النسب والارتباطات.

لنقم بتوضيح العبارة السابقة: عندما نأتي إلى كلمة" في" كحرف كيف يظهر معناها؟

الجواب:

لا بد من وضع كلمة" في" بين شيئين في الجملة حتى يظهر معناها، فلا نتصور لها معنى بدون وقوعها في جملة، وحتى لو قلت بشي‏ء عام مثل:" شي‏ء في شي‏ء آخر"، فصار عندي طرفين، ومعنى" في" لا يظهر إلا مع الطرفين، فمثلا لو قلت:" الكتاب في الدرج"؛ فلا يمكن ظهور معنى الحرف إلا من خلال أطراف أخرى، فلا يظهر معنى الحرف إلا في غيره.

إذن: الحرف لا يكون مستقلا في معناه، بل له معنى غير مستقل لأنه من سنخ النسب والارتباطات، والنسبة قائمة بطرفين، والطرفان لا بد أن يكونا من المعاني الاسمية، فإذا لا يوجد طرفان لهما معنيان اسميان فلا توجد نسبة وارتباط، ولا يمكن تصور المعنى الحرفي إلا بتصور المعنى الاسمي، فالمعنى الحرفي لا يمكن تصوره مستقلا بنفسه بل يتصور من خلال تصور المعنى الاسمي، والمعنى الحرفي يكون قائما بالمعنى الاسمي لأن المعنى الحرفي قائم بغيره، هذا بالنسبة للحروف.