دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
353

وأما الهيئات مثل هيئة" فَعَلَ" و" فاعِل" و" مفعول" فلا يظهر معناها إلا من خلال استعمال مادة معيَّنة، فلا بد أن تستعمل مادة معيّنة لتصورها، فلا يمكن تصور الهيئة إلا ضمن مادة من المواد، فنقول:" فَعَلَ" و" فاعل" و" مفعول"، و" ضَرَبَ" و" ضارِب" و" مضروب"، و" كَتَبَ" و" كاتب" و" مكتوب"، فوزن" فَعَلَ" لا يظهر إلا في" فَعَلَ و" ضَرَبَ" و" كَتَبَ"، وكذلك بقية الهيئات لا يظهر معناها إلا حين استعمال مواد معيَّنة، فلا يظهر معنى الهيئة إلا في شي‏ء آخر، فالهيئات لا تكون مستقلة بنفسها، بل تحتاج إلى مادة حتى يظهر معناها، فلا يمكن تصور الهيئة بدون تصور المادة.

النتيجة:

النسبة لا يظهر معناها إلا في غيرها، والنسبة هي الربط والعلاقة، ففي مثل" زيدٌ مجتهدٌ" إذا كانت كلمة" زيد" لوحدها فإننا نفهم شيئا، وإذا كانت كلمة" مجتهد" لوحدها فإننا نفهم شيئا، ولكن إذا قلت:" زيدٌ مجتهدٌ"؛ فإنه يوجد عندنا" زيد" و" مجتهد" ونسبة وعلاقة بين زيد والاجتهاد، فيوجد مبتدأ وخبر ونسبة، أو كما مرّ في علم المنطق أنه يوجد في الجملة موضوع ومحمول ونسبة، وهذه النسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين، من خلال المبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل مثل" يقومُ زيدٌ"، أو المضاف والمضاف إليه مثل" كتابُ زيدٍ"، أو المنعوت والنعت مثل" مكةُ المكرّمةُ".

والنسبة والربط على نوعين:

354

أولا: النسبة الناقصة:

النسبة الناقصة- أو الربط الناقص- هي النسبة التي لا يصح السكوت عليها لأن السامع يظل ينتظر بقية الجملة، والربط الناقص هو الذي يصوغ جملة ناقصة، وتدل على هذه النسبة الحروف، والحروف تدل دائما على النسبة الناقصة والربط الناقص، وكذلك هيئة الجملة الناقصة المفيدة فائدة لا يصح السكوت عليها وهي هيئة المركب الناقص أو الهيئة التركيبية الناقصة كالجملة الوصفية المكونة من الموصوف والصفة أو الجملة الإضافية المكونة من المضاف والمضاف إليه.

مثال 1: السير إلى مكة المكرّمة واجب،" إلى" تدل على معنى وهو النسبة الخاصة والربط الخاص والعلاقة الخاصة بين" السير" و" مكة" حيث إن نهاية السير هي مكة، وهي نسبة خاصة لأنها تأتي من خلال الربط بين السير ومكة في خصوص هذه الجملة، نريد أن نوجد نسبة وربطا وعلاقة بين السير ومكة، نريد أن نقول إنك تسير حتى تصل إلى مكة، فنهاية المسير هي مكة، وهذه النسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين هما السير ومكة، والطرفان كلاهما معنى اسمي، وهذا كما نقول:" الكتاب في الدرج"، فكلمة" في" لا يظهر معناها إلا من خلال طرفين هما الكتاب والدرج، والحرف له معنى رابط بين اسمين، وفي المثال الحرف" في" رابط بين الكتاب والدرج.

مثال 2: هيئة" مكة المكرمة": تدل على نسبة وصفية مكوّنة من الموصوف والصفة، ف-" المكرمة" وصف أو نعت ل-" مكة"، وهذه النسبة

355

نسبة ناقصة.

مثال 3: هيئة" كتاب زيد": يوجد هنا مضاف ومضاف إليه، هذه النسبة- أي نسبة الإضافة- نسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين وهما" كتاب" و" زيد"، فنضيف الكتاب إلى زيد على نحو الملكية أو على نحو الاختصاص أو أي نحو آخر، ولا يهمنا الآن أن نبحث أنه على أي نحو، المهم أن الكتاب مضاف إلى زيد.

ثانيا: النسبة التامة:

النسبة التامة- أو الربط التام- هي النسبة التي يصح السكوت عليها لأن السامع لا ينتظر تكملة الجملة لأن الجملة كاملة، والربط التام هو الذي يصوغ جملة تامة، وتدل على هذه النسبة هيئة الجملة المفيدة فائدة يصح السكوت عليها أو هيئة المركب التام أو الهيئة التركيبية التامة أو الجملة التامة كالجملة الخبرية التي تشمل الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وكالجملة الإنشائية التامة، فهيئة الجملة التامة تدل على النسبة التامة والربط التام.

مثال 1: هيئة الجملة في" السير إلى مكة المكرمة واجب"، نريد من خلال هذه النسبة الخاصة والعلاقة الخاصة والربط الخاص أن نُظْهِر العلاقة بين" السير" و" واجب"، فهذا السير واجب، وهذه النسبة المستفادة من التركيب الواقع بين" السير" و" واجب" نسبة تامة ومفيدة فائدة تامة بمعنى أن الوجوب ثابت فعلا لهذا السير أو بمعنى ثبوت الوجوب للسير، فهذه النسبة الموجودة في الجملة التامة تكون نسبة

356

تامة، وأما النسبة في الإضافة وفي الحروف فهي نسبة ناقصة.

مثال 2: هيئة الجملة الخبرية في مثل" زيدٌ عالمٌ": توجد هنا ثلاثة أشياء:" زيد" و" عالم" ونسبة بينهما، والنسبة فيها نسبة تامة.

مثال 3: هيئة الجملة الإنشائية في مثل" صُمْ" أي صُمْ أنت، فتوجد هنا ثلاثة أشياء: الصيام وأنت والنسبة بينك وبين الصيام.

نتائج:

النتيجة الأولى:

في مثل" السير إلى مكة المكرمة واجب" توجد معانٍ اسمية مستقلة ومعانٍ حرفية غير مستقلة، وهي:

1- السير: له معنى اسمي يدل على معنى مستقل.

2- إلى: يدل على معنى حرفي غير مستقل، وهو النسبة بين السير وبين مكة.

3- مكة: لها معنى اسمي مستقل.

4- المكرّمة: تدل بمادتها على معنى اسمي مستقل، وتدل بهيئتها على معنى حرفي غير مستقل لأنها على هيئة اسم المفعول.

5- واجب: تدل بمادتها على معنى اسمي مستقل، وتدل بهيئتها على معنى حرفي غير مستقل لأنها على هيئة اسم الفاعل.

6- هيئة" مكة المكرّمة": تركيب وضع لمعنى خاص من موصوف وصفة، وهذه الهيئة تدل على معنى حرفي غير مستقل حيث إنها تدل على‏

357

النسبة الوصفية.

7- هيئة" السير... واجب": وهي هيئة (المبتدأ والخبر)، وتدل على معنى حرفي غير مستقل لأنها تدل على نسبة بين السير وبين واجب.

النتيجة الثانية:

النسبة التي يدل عليها الحرف غير كافية بمفردها لتكوين جملة تامة، ولهذا تسمى بالنسبة الناقصة، وأما الهيئات فبعضها تدل على النسبة الناقصة كهيئة الجملة الوصفية وهيئة الجملة الإضافية، وبعضها تدل على النسبة التي تتكوّن بها جملة تامة، وتسمى نسبة تامة كهيئة الجملة الخبرية وهيئة الجملة الإنشائية.

بعبارة أخرى: الحروف دائما تفيد نسبة ناقصة، وأما الهيئات فبعضها تفيد نسبة ناقصة، وبعضها تفيد نسبة تامة.

أقسام المعني:

أولا: المعنى الحرفي:

المعنى الحرفي هو المعنى الذي لا يستقل بنفسه ولا يمكن تصوره بشكل مستقل لأنه نسبة ورابط بين طرفين، ولا يمكن أن يكون قائما بنفسه، بل يظهر معناه في غيره ويكون قائما بطرفين، فالحرف ليس له معنى إلا إذا سمعناه في ضمن كلام، ومدلول الحرف دائما هو الربط بين المعاني الاسمية، وكل رابط لا يمكن تصوره إلا في سياق جملة يطلق عليه المعنى الحرفي، والمعنى الحرفي هو معنى ربطي لأنه يربط بين المعاني الاسمية،

358

فاللغة فيها ألفاظ لها معان اسمية، وهذه المعاني الاسمية تحتاج إلى أشياء تربط بينها، فلا بد من وجود ألفاظ في اللغة تلعب دور الربط بين المعاني الاسمية، وهذه الألفاظ لها معان حرفيّة نسبيّة ربطيّة، مثل الحروف.

إن الإنسان بالنسبة إلى الله تعالى يعتبر معنى حرفيا أي ليس له قيمة ولا يستقل بنفسه عن الله عز وجل، فلا يظهر معنى للإنسان إلا من خلال الله تعالى، فلا وجود للإنسان ولا بقاء واستمرار له إلا بالله عز وجل، فلا يحيى ولا يستمر بالحياة إلا أن يفيض الله تعالى الحياة عليه.

والمعنى الحرفي في الأصول مثل الحروف والهيئات كهيئة الجملة الناقصة وهيئة الجملة التامة كالهيئة الموجودة في الجملة الاسمية المكوّنة من المبتدأ والخبر لا يظهر معنى هذه الهيئة إلا أن نأتي بمبتدأ وخبر كأن نقول:" محمدٌ قائمٌ"، فيظهر معنى الهيئة في غيرها، وكذلك الهيئات الناقصة كالهيئة الوصفية التي تحتاج إلى موصوف وصفة، فالهيئة الوصفية لا يظهر معناها إلا بالإتيان بصفة وموصوف كأن نقول:" مكة المكرمة"، ومثل الهيئة الإضافية التي لا يظهر معناها إلا بالإتيان بمضاف ومضاف إليه كأن نقول:" كتابُ زيدٍ".

مثال: النارُ في الموقدِ، تدل كلمة" في" على ربط مخصوص بين مفهومين اسميين، وهما النار والموقد، فالموقد هو ظرف للنار، وكلمة" في" لها معنى ربطي يربط بين النار والموقد، ولو كانت" في" لها معنى اسمي لاحتجنا إلى شي‏ء آخر يربط بين هذه الألفاظ الثلاثة.

359

إذن: إذا كانت النسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين فهذه النسبة نطلق عليها المعنى الحرفي، فالمعنى الحرفي هو المعنى الذي يظهر في غيره ولا يمكن أن يلحظ إلا ضمن لحاظ طرفي النسبة لأنه نسبة، وكل نسبة متقوّمة بطرفيها، والمعنى الحرفي يشمل النسبة المدلولة للحروف ولهيئات الجمل التامة والناقصة.

الدليل على أن مفاد الحروف هو الربط والنسبة بين المعاني الاسمية:

الدليل الأول:

لو فُصِلَ الحرف- بما هو حرف- عن الكلام لما أعطى الحرف أي معنى لأن مدلوله هو الربط بين معنيين اسميين، نعم تتصور اللفظ المكوّن من الحروف، ولكن لا تتصور المعنى، فمثلا كلمة" في" إذا جرّدت عن الجملة ولوحظت بمفردها فإنها تفقد معناها إذ لا يوجد في ذهننا أي تصور محدّد لها، نعم تتصور اللفظ المكوّن من الفاء والياء، ولكن لا تتصور معنى" في"، وتصور المعنى هو المطلوب لا تصور اللفظ، وتصور اللفظ طريق إلى تصور المعنى، وتصور المعنى لا يكون إلا ضمن طرفين، ووجود الحرف داخل الجملة شرط ضروري في فهم معناه؛ إذ لولا الجملة لما استطعنا أن نربط بين المعاني الاسمية في الجملة ولأصبحت الجملة غير مفهومة، وهذا دليل على أن الحروف لها معانٍ قائمة بغيرها، فلكي نتصور معنى الحرف نحتاج إلى كلمات أخرى لها معانٍ مستقلة بنفسها، ويكون دور الحرف هو دور الربط بين تلك المعاني الاسمية، ودور التعبير عن أنواع العلاقات والروابط التي تقوم بين تلك المعاني كعلاقة الظرفية

360

أو الاستعلاء أو الابتداء أو الانتهاء، فيكون مدلول الحرف هو الربط بين معنيين اسميين مستقلين، وقولنا" مِنْ" للابتداء و" إلى" للانتهاء لا يعني إمكان تصور معاني هذه الحروف مفصولة عن الكلام لأن هذه المعاني ليست هي معاني هذه الحروف بدقة، بل هي معانٍ اسمية موازية لمعاني هذه الحروف، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى فيما بعد.

إذن: الدليل الأول هو أن الحرف لا يظهر له معنى إذا فُصِلَ عن الكلام لأن مدلول الحرف هو الربط بين معنيين اسميين مستقلين.

الدليل الثاني:

في الكلام يوجد أفعال وأسماء، والأفعال والأسماء تحتاج إلى ربط، فالكلام مدلوله مترابط الأجزاء، والمدلول المترابط الأجزاء يشتمل على ربط ومعاني مرتبطة بعضها ببعض، والترابط يستدعي على الأقل وجود طرفين ووجود ربط بينهما، والربط لا بدّ من وجود دال يدل عليه، ولو لم يوجد ربط في الكلام لأتت المعاني إلى الذهن متناثرة غير مترابطة، والاسم قطعا ليس دالا على هذا الربط لأن الاسم لو كان دالا على الربط للزم أن لا نفهم معنى الاسم إلا ضمن الكلام ولما احتجنا إلى رابط، وهذا غير صحيح وجدانا لأننا نفهم معنى" زيد" مثلا من غير أن يكون في ضمن كلام، فلا يدل على الربط، وهو يُرْبَط ولا يَرْبِط، فلا يبقى إلا أن يكون الدال على الربط هو الحرف، إذن الكلام مترابط الأجزاء، فهل الأسماء هي التي تربط أجزاء الكلام؟

لا، الأسماء لا تربط بين أجزاء الكلام، وإذا كانت الأسماء لا

361

تربط بين أجزاء الكلام فإن الحروف هي التي تربط بينها.

مثال: جملة" النار في الموقد"، توجد في هذا المثال ثلاث كلمات:" النار" و" في" و" الموقد"، وإذا أخذنا المعنيين الاسميين فقط، وهما" النار" و" الموقد" فإنهما لوحدهما لا يعطيان معنى الجملة السابقة، فهما لوحدهما تعطيان معاني مستقلة، ولكنهما في الجملة تعطيان معنى جديدا لا يوجد فيهما إذا كانا منفردين، وهذا يدل على أن هذا المعنى الجديد ليس ناتجا من هذين المعنيين الاسميين لوحدهما، فلا بد أن يكون الدال على المعنى الجديد شي‏ء آخر غير هاتين الكلمتين، وهذا الشي‏ء الآخر هو الرابط بين المعنيين الاسميين، ولا يوجد إلا الحرف" في"، فيكون الحرف هو الرابط بين المعاني الاسمية في الجملة، وكل ربط عبارة عن نسبة بين طرفين، وتختلف الحروف باختلاف أنحاء الربط التي تدل عليها، فحرف يدل على النسبة الظرفية وهو" في"، وحرف آخر يدل على النسبة الابتدائية وهو" مِنْ"، وحرف ثالث يدل على النسبة الانتهائية وهو" إلى"، وحرف يدل على النسبة الاستعلائية وهو" على"، وهكذا.

إذن: الكلام مترابط الأجزاء، والأسماء لا تربط الأجزاء، فلا بد أن يكون هناك شي‏ء آخر يربط بين الأجزاء، ولا يوجد إلا الحرف، فتكون الحروف هي الرابطة بين أجزاء الكلام.

النتيجة:

الربط هو النسبة والعلاقة بين طرفين، والمعاني الحرفية هي معاني‏

362

ربطية ونسبية، والحرف في علم الأصول هو كل ما يدل على معنى ربطي نسبي.

ثانيا: المعنى الاسمي:

هو المعنى الذي يُلْحَظ بصورة مستقلة ويمكن تصوره بشكل مستقل ويمكن أن يستفاد بشكل مستقل من موادها الموضوعة للدلالة عليها، وله معنى مستقل سواء كان في ضمن جملة أم كان بشكل مجرد لوحده، فالأسماء تدل على معاني نفهمها سواء سمعنا الاسم مجرّدا أم في ضمن كلام، فمثلا كلمة" الإنسانية" لو فصلت عن باقي الكلمات في الجملة وبقيت لوحدها لظلّت تحتفظ بمدلولها ومعناها الخاص، فكل معنى يمكن تصوره وتحديده بدون حاجة إلى وقوعه في سياق جملة يطلق عليه المعنى الاسمي.

إن الله عز وجل يُلاحَظ بصورة مستقلة ويُرى مستقِلا عن كل شي‏ء في هذا الكون، فيكون الله تعالى معنى اسميا، وكل ما عداه من الموجودات يكون معنى حرفيا، فوجود الإنسان معنى حرفي في قبال وجود الله تعالى، والوجود الحقيقي هو وجود الله تعالى فقط.

والمعنى الاسمي في علم الأصول يشمل الأسماء باصطلاح النحاة مثل" زيد"، فعندما ينطق المتكلم بهذا الاسم فإن السامع يفهم شيئا من دون أن يأتي المتكلم بكلمة أخرى، ويمكن تصوره بشكل مستقل، وعندما يقول:" قادم"؛ فإن السامع يفهم معناه دون الإتيان بلفظ آخر، وعندما يقول:" قلم"؛ فإن السامع يفهم معنى" القلم"، ولا يحتاج‏

363

ظهور معاني الأسماء إلى شي‏ء آخر، فالأسماء معان اسمية.

ويشمل المعنى الاسمي أيضا مواد الهيئات مثل مادة" ضرب" ومادة" ضارب" ومادة" مضروب" (1).

إذن: المعاني الاسمية هي معاني مستقلة، والاسم في علم الأصول هو كل ما يدل على معنى استقلالي.

____________

(1) مهمة المجتهد أن يحفظ المعلومات أولا ثم لا بد أن يعرف كيفية تطبيق هذه المعلومات، فالمجتهد يدرس أصول الفقه ويتقنها ثم يأتي ويطبق المعلومات في علم الفقه، والمجتهد هو الذي يستطيع أن يطبق أصول الفقه على الكتاب والسنة والآيات والروايات، والطالب لا بد أن يعرف كيفية التطبيق والاستنتاج، فيأتي هنا هذان السؤالان:

السؤال الأول: هل كلمة" فوق" معنى حرفي أو معنى اسمي في علم الأصول مع ذكر الدليل؟

ملاحظة: من أجل الوصول إلى الجواب لا بد أن نأتي بالتعريفين ونطبّقهما على كلمة" فوق"، وبعد ذلك نستطيع معرفة أنها معنى حرفي أو معنى اسمي. قد يقال: إن" فوق" ظرف مكان والظرف معنى اسمي، ولكنها في علم الأصول معنى حرفي لأنها لا يمكن أن يظهر معناها إلا من خلال طرفين، وهو عبارة عن ربط بين طرفين، فنقول مثلا:" الكتاب فوق الطاولة"، وهي نسبة وعلاقة وربط بين الكتاب والطاولة.

السؤال الثاني: في قولنا" كان زيد قائما" هل" كان" لها معنى اسمي أو معنى حرفي؟

فكر أنها يظهر معناها بنفسها أو لا يظهر معناها إلا في غيرها، قد يقال إن" كان" فعل ناقص ناسخ، والفعل له معنى مستقل، ولكنها في علم الأصول معنى حرفي لأنها نسبة بين القيام وبين الزمن الماضي حيث إن المعنى هو أن زيدا قائم في الزمن الماضي.

364

النتيجة:

يختلف المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي أن المعنى الحرفي باعتباره نسبة وكل نسبة متقوّمة بطرفين فلا يمكن أن يُلْحَظ دائما إلا ضمن لحاظ طرفي النسبة، وأما المعنى الاسمي فيمكن أن يُلْحَظ بصورة مستقلة ولا نحتاج إلى أطراف أخرى للحاظ المعنى الاسمي.

والكلمة في علم الأصول تنقسم إلى قسمين: معنى اسمي، ومعنى حرفي، كما يلي:

1- المعاني الاسمية:

وتشمل:

أ- الكلمات البسيطة: وهي الأسماء بمصطلح علم النحو.

ب- مواد الأفعال.

2- المعاني الحرفية:

وهي الروابط، وتشمل:

أ- الحروف.

ب- هيئات الكلمات المركبة: كهيئة الأفعال، وهيئات المشتقات كاسم الفاعل واسم المفعول.

ج- هيئات الجمل: وتشمل هيئات الجمل التامة والجمل الناقصة.

إذن: يتّضح أن اللغة يمكن تقسيمها وتصنيفها من وجهة نظر تحليلية أصولية إلى فئتين: المعاني الاسمية والمعاني الحرفية، أو أسماء وحروف، والمعاني الاسمية معانٍ استقلالية، وكل ما يدل على معنى‏

365

استقلالي يُعَبَّر عنه في علم أصول الفقه بالاسم، والمعاني الحرفية معانٍ ربطية نسبية، وكل ما يدل على معنى ربطي نسبي يُعَبَّر عنه في علم أصول الفقه بالحرف.

رأي المحقق النائيني (قدس سره):

اتّضح مما مضى أن المعاني الاسمية هي ما يمكن أن تلحظ بشكل مستقل حين الوضع، وتستفاد من الألفاظ الموضوعة لها من دون الحاجة إلى وقوع هذه الألفاظ في جملة تامة أو جملة ناقصة، وأما المعاني الحرفية فهي التي لا يكون لها معنى من دون وقوعها في جملة تامة أو جملة ناقصة لأن المعاني الحرفية عبارة عن نسب وارتباطات، والنسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين.

يأتي السؤال التالي:

سؤال: ما هو الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي؟

قبل الدخول في عرض الرأي المنسوب إلى المحقق النائيني في التفرقة بين المعاني الاسمية والمعاني الحرفية لا بدّ من تقديم مقدمة، وهي:

مرّ سابقا أنه يوجد وضع ويوجد مدلول تصديقي أول ويوجد مدلول تصديقي ثاني، والوضع لا ينتج إلا مدلولا تصوريا بناء على نظرية الاعتبار للمشهور ونظرية القرن الأكيد للسيد الشهيد (قدس سره)، نعم بناء على نظرية التعهد الوضع ينتج مدلولا تصديقيا، ولكن بناء على الاعتبار والقرن الأكيد الوضع ينتج لنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فعند سماع اللفظ ينتقل الذهن إلى تصور معناه، واللفظ سبب لتصور اللفظ،

366

وتصور اللفظ سبب لتصور المعنى، والعالم بالوضع إذا استعمل اللفظ في معناه فإن هذا الاستعمال يسمى المدلول التصديقي الأول أو الإرادة الاستعمالية، والإرادة الاستعمالية تكون متأخرة رتبة عن الوضع، فلو لم يكن اللفظ موضوعا للمعنى فلا يمكن أن تتحقق الإرادة الاستعمالية لأن الإرادة الاستعمالية معناها أنك تستعمل هذا اللفظ لإفادة المعنى الموضوع له ذلك اللفظ، وأما الإرادة الجدّيّة فهي المدلول التصديقي الثاني، وهو أن المتكلم يريد المعنى الموضوع له اللفظ بشكل جدي.

الجواب المنسوب إلى المحقق النائيني‏ (قدس سره):

إن المعاني الاسمية معاني إخطاريّة، وأما المعاني الحرفية فهي معاني إيجاديّة، فيأتي السؤال التالي:

ماذا يعني المحقق النائيني بالمعنى الإخطاري والمعنى الإيجادي؟

الجواب:

نُسِبَ إلى المحقق النائيني أنه فرّق بين الاسم والحرف- كما يظهر من عبارات مُقَرِّرَيْ بحثه وهما السيد الخوئي في (أجود التقريرات) (1) والشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني في (فوائد الأصول) ( (2)- بأن الاسم في مقام الاستعمال له معنى أسبق من الاستعمال، فقبل أن يستعمل المتكلم الاسم في معناه فإن اللفظ له معنى في ذهنه قبل الاستعمال، والاسم يدل على معنى موجود في ذهن المتكلم في رتبة سابقة على مرحلة

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 20، وهو الدورة الثانية للمحقق النائيني (قدس سره)

(2) فوائد الأصول ج 1 ص 37، وهو الدورة الأولى للمحقق النائيني (قدس سره).

367

الكلام والاستعمال، ويأتي اللفظ ليخطر هذا المعنى.

وأما الحرف فليس له معنى إلا في مرحلة الاستعمال، وقبل الاستعمال ليس له معنى لأن المعنى الحرفي دوره ربط الكلام، وقبل الكلام لا يوجد ربط، فلا يكون له معنى قبل الاستعمال.

بعبارة ثانية: المعنى الاسمي له معنى إخطاري بمعنى أن المتكلم يوجَد المعنى الاسمي في ذهنه في مرتبة سابقة على الكلام والاستعمال وأنه في مرحلة الكلام والاستعمال يخطر المعنى السابق على الاستعمال، فالمتكلم أولا يتصوّر المعنى ثم يتكلم ويخطر المعنى السابق، وهذا الاسم له دور التعبير عن هذا المعنى، فالمعنى الاسمي معنى إخطاري بمعنى أنه موجود في الذهن قبل الكلام، فأولا يوجد المعنى في ذهن المتكلم ثم يتكلم ويخطر في ذهن السامع المعنى السابق، ففي حالة الاسم يوجد في ذهن المتكلم معنى هذا الاسم، والتلفظ بالاسم وظيفته إحضار المعنى السابق الموجود في ذهن المتكلم، فالاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام، ودور الاسم هو التعبير عن ذلك المعنى.

والمعنى الحرفي معنى إيجادي بمعنى أنه لا يوجد عند المتكلم معنى في مرتبة سابقة على مرتبة الكلام والاستعمال، وإنما يظهر المعنى أثناء مرحلة الكلام والاستعمال، فيكون له معنى إيجادي، فالحرف يكون موجِدا لمعناه أثناء الكلام لا في مرتبة سابقة لأن الحرف يوجِد الربط بين الكلمات في الكلام، فإذا كان لا يوجد كلام فلا يوجد ربط، وبالتالي لا يوجد معنى حرفي، فالحروف هي أدوات للربط بين مفردات الكلام،

368

ومدلول الحرف هو نفس الربط الواقع في مرحلة الكلام بين مفرداته، ولا يعبّر عن معنى أسبق رتبة من مرحلة الكلام، فيكون الحرف موجِدا لمعناه لأن معناه هو الربط الكلامي.

بعبارة ثالثة: المعاني الاسمية لها ثبوت في ذهن المتكلم في مرحلة سابقة عن الإبراز، ومهمة الألفاظ الاسمية إبراز ما كان ثابتا في الذهن في تلك المرتبة السابقة، وهذه الألفاظ الاسمية لا توجِد المعاني وإنما تخطر المعاني الموجودة سابقا في الذهن، فتكون المعاني الاسمية إخطارية.

وأما المعاني الحرفية فليس لها ثبوت في ذهن المتكلم قبل إنشاء الجملة اللفظية، والمعاني الحرفية توجَد بوجود الحروف والهيئات في الجمل اللفظية لأن الحرف والهيئة هي وسيلة ربط في الجمل، وهما موجِدتان للنسب الربطية بين الأسماء، فالحروف والهيئات موجِدة للمعنى الحرفي في الذهن، وقبل ذلك لا يكون للمعنى الحرفي وجود في الذهن.

بعبارة رابعة: المراد من كون المعنى الاسمي إخطاريا أن الاسم يدل على معنى ثابت في ذهن المتكلم في المرتبة السابقة على الكلام والاستعمال، وليس دور الاسم إلا التعبير عن ذلك المعنى الثابت في ذهن المتكلم قبل الاستعمال، والمراد من كون المعنى الحرفي إيجاديا أن المعنى الحرفي ليس له معنى ثابت في ذهن المتكلم قبل مرحلة الكلام والاستعمال، وأن الحرف أداة للربط بين مفردات الكلام، ومدلوله هو نفس الربط الواقع في مرحلة الكلام بين مفرداته، ولا يعبّر عن معنى‏

369

أسبق رتبة عن مرحلة الكلام والاستعمال، لذلك يكون الحرف موجِدا لمعناه لأن معناه ليس إلا الربط الكلامي الذي يحصل بنفس الكلام، فيظهر معنى الحرف حين الكلام والاستعمال.

إذن: التفسير المذكور لإخطارية المعنى الاسمي وإيجادية المعنى الحرفي يكون على النحو التالي:

1- المعنى الاسمي:

أ- في مرحلة الذهن: يكون المعنى متشخِّصا، مثل" زيد مجتهد"؛ يكون المعنى موجودا في ذهن المتكلم قبل الكلام أي توجد صورة ذهنية عن" زيد مجتهد" قبل الكلام.

ب- في مرحلة الكلام: يقول المتكلم:" زيد مجتهد"، وتكون مرحلة الكلام متأخرة عن مرحلة الذهن.

2- المعنى الحرفي:

أ- في مرحلة الذهن: لا يكون المعنى متشخِّصا في ذهن المتكلم.

ب- في مرحلة الكلام: يتشخّص المعنى الحرفي بواسطة الكلام، فلا يوجَد المعنى الحرفي إلا من خلال الكلام.

إشكال السيد الشهيد على رأي المحقق النائيني (قدس سرهما):

هذا المعنى من الإيجادية للحرف غير تام وغير مقبول بل واضح البطلان لأن المتكلم حتى في المعنى الحرفي يتصوّر المعنى أولا قبل أن يتكلم، فيتصور المتكلم المعنى الحرفي في مرتبة سابقة عن الكلام ثم يتكلم، فالمعنى الحرفي له معنى حتى قبل الاستعمال، فلو لم يكن له‏

370

معنى قبل الاستعمال فلماذا يستعمل المتكلم هذا الحرف ولا يستعمل الحرف الآخر؟!

استعمل المتكلم هذا الحرف لأن لكل حرف معنى معيّنا قبل الاستعمال، ف-" مِنْ" تدل على النسبة الابتدائية، و" إلى" تدل على النسبة الانتهائية، و" على" تدل على النسبة الاستعلائية، و" في" تدل على النسبة الظرفية، فلو لم يكن لكل حرف معنى معيّن لما أمكنه أن يوجِد معناه من خلال الاستعمال، ولا يوجد فرق بين الاسم والحرف من هذه الجهة، فكل من الاسم والحرف له معنى قبل الاستعمال، فتكون المعاني الاسمية والمعاني الحرفية معاني إخطارية ولا يوجد شي‏ء اسمه معاني إيجادية، فالجمل اللفظية بأسمائها وحروفها وهيئاتها التركيبية انعكاس لما يخطر في ذهن المتكلم من صور هذه الجمل، نعم الحروف والهيئات توجِد الربط بين الأسماء في الجمل اللفظية، ولكن إيجادها لهذه النسب الربطية ناشئ عن ثبوت هذه المعاني وواقع النسب في ذهن المتكلم في رتبة سابقة عن إبرازها بالألفاظ، ونفس الدور الذي يقوم به الاسم تجاه المعاني الاسمية الداخلة في الصورة الذهنية يقوم به الحرف تجاه الربط القائم في الصورة الذهنية، فنسبة الحرف إلى معناه على حدّ نسبة الاسم إلى معناه، فكما يتصور المتكلم المعنى الاسمي في ذهنه قبل التكلم كذلك يتصور المعنى الحرفي قبل التكلم، ونسبة المعاني الاسمية في مرحلة الكلام إلى مرحلة الذهن على حدّ نسبة المعاني الحرفية، والمتكلم يتصور المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في مرحلة الذهن قبل مرحلة

371

الكلام، والحرف وإن كان يوجِد الربط في مرحلة الكلام، ولكنه يوجِد ذلك بسبب دلالته على معنى أي النسبة والربط في الصورة الذهنية، ونسبته إلى الربط في الصورة الذهنية كنسبة الاسم إلى المعاني الاسمية الموجودة في الصورة الذهنية.

إذن: الحرف وإن كان يوجِد الربط في مرحلة الكلام، ولكنه يوجِد ذلك الربط بسبب دلالته على معنى، وهذا المعنى هو الجانب النسبي والربطي في الصورة الذهنية، ونسبة الحرف إلى الربط القائم في الصورة الذهنية على حد نسبة الاسم إلى المعاني الاسمية الداخلة في الصورة الذهنية، وهكذا نرى أنه لا تصح التفرقة بين المعاني الاسمية والمعاني الحرفية بإخطارية المعنى الاسمي وإيجادية المعنى الحرفي.

إن هذا التفسير المنسوب إلى المحقق النائيني (قدس سره) في الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي ليس تاما، ولا يمكن التمييز والتفرقة بينهما بهذا التفسير الذي ذكره مقرِّرو بحث المحقق النائيني (قدس سره)، وسيذكر السيد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الثالثة تفسيرا لما أراده المحقق النائيني (قدس سره) حينما قال:" معنى إخطاري" و" معنى إيجادي"، وخلاصة ما سيذكره السيد الشهيد (قدس سره) هو:

إن الحرف لا يوجَد ولا يظهر معناه إلا من خلال طرفين، فيوجَد حين الكلام لأن الطرفين لا يظهران إلا حينما يتكلم المتكلم، فمن خلال الطرفين نستطيع أن نفهم معنى هذا الحرف حين التكلم لأنه لا يوجَد إلا حين الكلام، فلا يوجَد المعنى الحرفي إلا بعد أن تربطه بأطراف، وحينما

372

تتكلم تظهر الأطراف، وبظهور الأطراف يظهر معنى الحرف، فحينما يوجَد الكلام يوجَد المعنى الحرفي، لا بالمعنى المذكور سابقا بأن المعنى الحرفي يوجَد في مرتبة سابقة أو لا يوجَد في مرتبة سابقة عن الكلام، فالمعنى الحرفي موجود في ذهن المتكلم قبل أن يتكلم، ولكن المعنى الحرفي لا يظهر إلا من خلال طرفين أثناء التكلم، فإذا تكلمت ظهر معنى المعنى الحرفي، وأما المعنى الاسمي فلا يحتاج إلى أطراف أخرى، وهذا السامع تستطيع أن تُخْطِر في ذهنه هذا المعنى الاسمي، فتقول:" زيد"، ولا تحتاج إلى ذكر كلمات أخرى، وأما المعنى الحرفي فأنت توجِده في ذهن السامع من خلال طرفين، فعندما تقول:" في"؛ فإنه لا معنى له إلا أن تضعه بين طرفين فتقول:" الكتاب في الدرج"، وعندما أقول:" زيد"؛ يأتي إلى ذهنك معنى" زيد"، ولكن عندما أقول:" في"؛ فإنه لا يخطر في ذهنك شي‏ء إلا بعد أن آتي له بطرفين فيخطر المعنى في ذهنك، وهذا هو تفسير السيد الشهيد (قدس سره) لمعنى الإخطار والإيجاد، ويأتي التفصيل في الحلقة الثالثة.

وإذا كان مقرّرو درس المحقق النائيني (قدس سره) قد ذكروا ما قاله المحقق فما ذكروه ليس تاما، ولكن الأرجح أنهم فهموا هذا الفهم من كلام المحقق ولم يقصد المحقق (قدس سره) ذلك لأن هذا القول بديهي البطلان حيث إن المعنى الاسمي والمعنى الحرفي كليهما موجودان قبل أن يتكلم المتكلم وإلا فكيف يتكلم بدون وجود معاني مسبَقة في الذهن؟!

ولا يمكن أن يكون المحقق النائيني (قدس سره) قاصدا هذا المعنى‏

373

البديهي البطلان، فيكون فهم المقرّرين ليس تاما، ويقول السيد الشهيد (قدس سره) إنه سوف يفسِّر كلام المحقق كما يفهم هو من معنى الإخطار والإيجاد، ولعلّ تفسير السيد الشهيد هو مراد المحقق النائيني من الإخطارية والإيجادية (1).

المقارنة بين الحروف والأسماء الموازية لها

نأتي إلى مفردات الحروف وهيئات الجمل تباعا:

أولا: مفردات الحروف:

كل حرف من الحروف له تعبير اسمي موازي له، فالحرف" في" يفيد" الظرفية"، ومعنى" إلى" هو" الانتهاء"، و" مِنْ" تدل على" الابتداء"، و" على" يوازيها" الاستعلاء" ( (2)، فهنا نحن نعبِّر عن‏

____________

(1) تفسير آخر لمعنى الإخطارية والإيجادية: في توضيح المراد من قول المحقق النائيني كان النظر إلى المتكلم، ولكن قد يكون من الأفضل النظر إلى السامع، فالإخطارية والإيجادية تكونان أنسب من حيثية السامع لا من حيثية المتكلم؛ لأن السامع إذا سمع المعنى الاسمي فإنه يخطر في ذهنه المعنى ويتصور المعنى بدون ذكر أي طرف آخر، وأما إذا سمع المعنى الحرفي فإنه يظل ينتظر الطرفين لكي يتصور المعنى المراد من المتكلم، فإذا سمع كلمة" في" فإنه ينتظر الطرفين لكي يتصور المعنى الخاص لا فقط المعنى العام وهو الظرفية، والمتكلم يوجِد المعنى في ذهن السامع بعد أن يأتي بالطرفين، وهذا التفسير لإخطارية المعنى الاسمي وإيجادية المعنى الحرفي قد يكون هو المقصود من رأي المحقق النائيني (قدس سره)

(2) نستطيع أن نقول إن الحرف يدل على الاسم، فيختلف الدال والمدلول، وليس بالضرورة أن يكون المدلول من نفس نوع الدال.

374

هذا المعنى الحرفي بمعنى اسمي، فالمعنى الاسمي تعبير عن المعنى الحرفي، ونعبِّر عنه بمعنى اسمي لأن المعنى الحرفي نسبة وربط لا يُفْهَم إلا من خلال طرفين، فنريد أن نعبِّر عنه بمعنى اسمي بكلمة واحدة بدل أن نأتي دائما بطرفين لكي نبيِّن معناه، فبدلا عن أن نقول:" الكتاب في الدرج"؛ لكي نفهم معنى" في"، نقول بدلا عن ذلك إن معناه" الظرفية"، فالمعنى الاسمي ما هو إلا تعبير عن المعنى الحرفي، وهو مجرّد تعبير عنه بكلمة أخرى، ولأننا لا نستطيع أن نعبِّر عن المعنى الحرفي بنفسه حيث إنه لا يظهر معناه إلا بأطراف أخرى فنأتي بتعبير اسمي عنه يوازيه ويماثله‏ (1).

سؤال: هل الحرف والاسم الموازي له مترادفان؟

بمعنى أنه كما يمكن أن نشطب كلمة" أسد" ونكتب فوقه" ليث"، فنقول:" رأيت أسدا"؛ أو" رأيت ليثا"، ولا يختلف المعنى، فهنا أيضا نشطب كلمة" في"، ونكتب فوقه التعبير الذي يوازيه ويساوقه وهو كلمة" الظرفية".

الجواب:

____________

(1) حينما يقال إنه لا يمكن تصور المعنى الحرفي إلا من خلال طرفين فإنه لا يقصد بالتصور تصور اللفظ والحروف المكوّنة للحرف، فلا يقصد تصور الفاء والياء في كلمة" في"؛ لأن تصور اللفظ مستقل ولا يحتاج إلى طرفين، وإنما المقصود هو تصور المعنى الذي يدل عليه الحرف، فمعنى الحرف لا يمكن أن يلحظ بشكل مستقل، وإنما يحتاج دائما إلى طرفين لكي يمكن تصوره.

375

لا، ليسا مترادفين لأنه لا يمكن استبدال أحدهما بالآخر ووضعه في موضع الآخر كما هو شأن المترادفين، فالضابط في الترادف هو وجود لفظين دالّين على معنى واحد، وأما هنا فلا تستطيع أن تستبدل لفظ" في" بلفظ" الظرفية"، فلا يصح أن تقول:" الكتاب (الظرفية) الدرج" بدل" الكتاب (في‏) الدرج"، لو كان المعنيان مترادفين لكان يمكن ذلك، فهذا دليل على أن المعنيين ليسا مترادفين لأنه لا يمكن شطب المعنى الحرفي وتعويض المعنى الاسمي المعبِّر عنه مكانه، وسبب عدم إمكان التعويض أن الحرف يدل على نسبة والنسبة تتقوَّم بأطراف أخرى، ولا يمكن أن يفصل مدلول" إلى" عن طرفيه ويلحظ مستقلا لأن النسبة لا تنفصل عن طرفيها، والنسبة أمر ذهني لا يمكن تصوره بشكل مستقل، بل نتصور النسبة دائما بمعنى قائم بين طرفين.

بعبارة أخرى: نتصور النسبة كرابط قائم في الذهن وتكون مهمته الربط بين معنيين، فالنسبة الظرفية عبارة عن ربط يربط بين طرفين وعلاقة بين طرفين.

وأما الاسم فهو يدل على مفهوم اسمي، والمفهوم الاسمي له معنى مستقل، ويمكن أن يلحظ الاسم بمفرده، ويمكن أن يتصور معنى الاسم بشكل مستقل بلا حاجة إلى أي شي‏ء آخر، ولكن الاسم يوازي تلك النسبة ويلازمها، فالمعنى الحرفي يدل على المعنى الاسمي لا بالدلالة المطابقية ولا بالدلالة التضمنية، وإنما يدل عليه بالدلالة الالتزامية أي يدل على شي‏ء خارج عن نفس المعنى، فالمعنى الاسمي يلازم المعنى‏

376

الحرفي، والمعنى الحرفي يدل على المعنى الاسمي بالدلالة الالتزامية، وما يدل على معنى مستقل لا يكون مرادفا لما يدل على معنى غير مستقل، فالحرف والاسم الموازي له لا يكونان مترادفين، والعلاقة بينهما ليست علاقة ترادف بل هي علاقة موازاة، فالمعنى الاسمي يوازي المعنى الحرفي.

إشكال:

إن كلمة" في" تدل على" الظرفية"، ويمكن أن نتصور له معنى الظرفية فكيف يقال بأنه لا يمكن أن نتصور المعنى الحرفي؟

الجواب:

إن كلمة" في" عبارة عن نسبة والنسبة لا تظهر إلا من خلال طرفين، والمعنى النسبي لا يمكن أن يتصور إلا بطرفين، كالكتاب والدرج، فالدرج ظرف للكتاب، وإذا حوّلنا المعنى الحرفي إلى معنى اسمي فإن المعنى الاسمي يمكن تصوره بنفسه، والمعنى الحرفي بما هو معنى حرفي لا يمكن تصوره بدون المعنى الاسمي، وهنا نضع المعنى الاسمي بإزاء المعنى الحرفي، فنتصور المعنى الاسمي الموضوع بإزاء الحرف، وهذا المعنى الاسمي ما هو إلا تعبير عن المعنى الحرفي، ولو قلنا بأنها مرادفة للظرفية فالمفروض أننا نستطيع تبديل اللفظين في الجملة، ولكننا نرى أنه لا يمكن أن نقول:" الكتاب (ظرفية) الدرج" بدل" الكتاب (في) الدرج"، فالجملة غير صحيحة، وهذا معناه أن كلمة" في" وكلمة" الظرفية" ليستا مترادفتين، ولا يمكن أن نقول إن كلمة

377

" في" تساوي كلمة" الظرفية" لأن الأول حرف والثاني اسم، والاسم لا يساوي الحرف وليس مرادفا له، ولأن المعنى الحرفي لا يمكن التعبير عنه بنفسه، لذلك نعبّر عنه بمعنى اسمي، فإن" في" تدل على" الظرفية" لا أن" في" هي" الظرفية"، فالظرفية هو مجرد تعبير بواسطة المعنى الاسمي عن المعنى الحرفي لأن المعنى الحرفي لا يمكن أن يعبّر عن نفسه لأنه لا يمكن تصوره بدون طرفين، فنأتي بمعنى يمكن تصوره مستقلا وهو المعنى الاسمي للتعبير عن المعنى الحرفي، فالمعنى الحرفي لا يمكن التعبير عنه إلا بمعنى اسمي لأن المعنى الحرفي لا يظهر معناه إلا ضمن طرفين.

ثانيا: هيئات الجمل:

ما مرّ سابقا كان عن مفردات الحروف، والآن نأتي إلى هيئة الجملة، فيأتي السؤالان التاليان:

السؤال الأول: هل لهيئات الجمل أسماء موازية؟

الجواب:

عندما تأتي جملة خبرية مثل" زيدٌ عالِمٌ"، فإنه توجد نسبة وعلاقة بين" زيد" و" عالم" حيث ننسب العلم إلى زيد، والمراد من هيئة الجملة الخبرية السابقة الإخبار والحكاية عن علم زيد، وهذا نفسه هو مدلول الجملة الخبرية، والاسم الموازي لهيئة الجملة السابقة هو" إخبارٌ بعلمِ زيدٍ"، ف-" الإخبارُ عن علمِ زيدٍ" تعبير اسمي عن مدلول هيئة" زيدٌ عالِمٌ"، وهذه جملة تريد من خلالها أن تخبر أن زيدا

378

عالم، أي عندك" إخبارٌ بعلمِ زيدٍ"، وجملة" إخبارٌ بعلم زيد" معنى اسمي وهو يعبِّر عن النسبة الموجودة بين" زيد" و" عالم"، فأنت أخبرت عن هذه النسبة.

السؤال الثاني: هل هيئة الجملة والاسم الموازي لها مترافان؟

الجواب:

لا، ليسا مترادفين لأن جملة" زيد عالم" جملة تامة، والتعبير الاسمي الموازي- أي" الإخبارُ بعلمِ زيدٍ"- جملة ناقصة غير تامة ولا يصح السكوت عليها، ف-" إخبارٌ" مبتدأ ولا يوجد خبر للمبتدأ في الجملة، وأما جملة" زيدٌ عالمٌ" فمكوّنة من المبتدأ والخبر فتكون الجملة جملة تامة يصح السكوت عليها، والجملة التي توازيها جملة ناقصة، ولا يمكن أن تضع الجملة الناقصة مكان الجملة التامة، والجملة الناقصة لا تؤدي معنى الجملة التامة (1).

إذن: كل حرف له ما يماثله من حيث المعنى في الأسماء، فمثلا حرف اللام له عدة معاني، من المعاني (الغَرَض)، تقول:" جِئْتُ لِزيارتِك"، والمعنى هو" غَرَضِي زيارتُك"، و" لا" الناهية تماثله في‏

____________

(1) يمكن الإتيان بالفعل بدل" زيدٌ عالمٌ"، فنقول:" أُخْبِرُكَ بعلمِ زيدٍ"، وهذه الجملة تامة ويصح السكوت عليها، فلماذا نقتصر على جملة" إخبارٌ بعلمِ زيدٍ"؟

الجواب: هذه الجملة الفعلية معناها:" إخبارٌ في الزمن الحاضر بعلمِ زيدٍ"؛ لأن الفعل مركب من مادة وهيئة، فرجعنا مرة أخرى إلى مادة الفعل وهو" الإخبار"، وهو معنى اسمي.

379

الأسماء كلمة (النهي)، تقول:" لا تأكل"، والمعنى هو" أنهاك عن الأكل"، والحرف" في" ما يماثله من الأسماء هو" الظرفية"، تقول:" الماء في الكوب"، والمعنى هو" الكوب ظرف الماء"، هذا بالنسبة لمفردات الحروف، وأما بالنسبة لهيئات الجمل فإن لكل هيئة ما يماثلها من الأسماء، والمعنى الاسمي ما هو إلا مجرّد تعبير عن المعنى الحرفي لا أنه يساويه ويرادفه لأنه يوجد اختلاف بينهما، فالعلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي علاقة موازاة لا علاقة ترادف، والمعنى الحرفي إما أن يعبّر عنه بمعنى حرفي وإما بمعنى اسمي، والأول لا يمكن لأن المعنى الحرفي لا يظهر إلا من خلال طرفين، لذلك لا يمكن التعبير عن المعنى الحرفي إلا بالمعنى الاسمي سواء كان المعنى الحرفي مفردات الحروف أم هيئات الجمل.

المدلول التصوري والمدلول التصديقي‏

هذا البحث يدور حول" فلسفة اللغة" أو" فقه اللغة" أو ما يسمى في الوقت الحاضر ب-" علم اللسانيات" أو" علم الألسنيات".

نأتي أولا إلى الدلالات الثلاث: الدلالة التصورية اللغوية الوضعية، والدلالة التصديقية الأولى، والدلالة التصديقية الثانية.

ولنبدأ ببعض الأمثلة:

مثال 1:

لو قال إنسان واعٍ وجادّ في كلامه:" الحقُّ منتصرٌ"، ماذا يفهم السامع من كلامه؟

380

الجواب:

1- تحدث تصورات في ذهن السامع عن الكلمات الواردة في الجملة مع النسب الموجودة فيها، فيتصور معنى كلمة" الحق"، ويتصور معنى كلمة" منتصر"، ويتصور النسبة التامة التي وضعت هيئة الجملة لها، وتسمى هذه الدلالة" دلالة تصورية" أو" دلالة لغوية" أو" دلالة وضعية".

2- لا تقف الدلالة عند مستوى التصور، بل تتعداه إلى مستوى التصديق‏ (1)، فالجملة تكشف عن أشياء نفسية في نفس المتكلم، فنعرف من نطقه وصدور الجملة السابقة منه وجود إرادة استعمالية في نفسه، فهو يريد أن يُخْطِر المعنى اللغوي لأجزاء الجملة وهيئتها في ذهن السامع، ويريد من السامع أن يتصور هذه المعاني، وتسمى إرادة المتكلم إخطار المعاني في ذهن السامع" الإرادة الاستعمالية"، وتسمى الدلالة على هذه الإرادة" الدلالة التصديقية الأولى"، وتكون الإرادة الاستعمالية هي المدلول التصديقي الأول.

3- نعرف أيضا أن المتكلم يريد من السامع أن يتصور تلك المعاني لا

____________

(1) سؤال: هل التصور والتصديق هنا في علم الأصول لهما نفس المعنى في علم المنطق أو أن المعنيين مختلفان؟

الجواب: معنى التصور والتصديق يختلف عن معنييهما في علم المنطق، ففي علم المنطق- كما في منطق الشيخ المظفر (قدس سره)- معنى التصور هو: حضور صورة الشي‏ء عند العقل، ومعنى التصديق هو: تصور يستتبع الحكم وقناعة النفس وتصديقها، وفي مقامنا المعنى يأتي في المتن.

381

لكي يخلق تصورات مجردة في ذهنه فقط، بل هناك غرض في نفسه، والغرض الأساس في الجملة السابقة هو الإخبار عن ثبوت الخبر للمبتدأ أو ثبوت المحمول للموضوع، فالمتكلم يريد من السامع تصور معاني الجملة لأجل أن يخبره عن ثبوتها في الواقع، ويطلق على الغرض الأساس في نفس المتكلم" الإرادة الجدية"، ويطلق على الدلالة على هذا الغرض" الدلالة التصديقية الثانية"، وتكون الإرادة الجدية هي المدلول التصديقي الثاني.

إذن: نصل إلى أن الجملة التامة لها بالإضافة إلى مدلولها التصوري اللغوي الوضعي مدلولان تصديقيان نفسيّان هما:

1- المدلول التصديقي الأول أو الإرادة الاستعمالية: فنعرف عن طريق صدور الجملة من المتكلم أنه يريد من السامع تصور معاني كلماتها والنسب الموجودة فيها.

2- المدلول التصديقي الثاني أو الإرادة الجدية: وهي الغرض الأساس الذي من أجله أراد المتكلم تصور السامع تلك المعاني.

مثال 2:

لو قال إنسان هازل:" الحقُّ منتصرٌ"، ماذا يفهم السامع من كلامه؟

الجواب:

1- تحدث عند السامع تصورات عن الكلمات والنسب الواردة في كلامه، أي يحصل عنده المدلول التصوري.

382

2- يحدث عند السامع مدلول تصديقي أول لأن المتكلم عنده إرادة استعمالية، فهو يريد أن يخطر معاني الجملة في ذهن السامع.

3- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي ثاني لأن المتكلم ليس جادا في كلامه، فهو لا يريد أن يخطر معاني الجملة في ذهن السامع بشكل جدي، والمتكلم لا يستهدف من الجملة إلا مجرد إيجاد تصورات في ذهن السامع لمعاني الكلمات والنسب الموجودة في الجملة لأنه لا توجد عنده إرادة جدية.

مثال 3:

لو قال إنسان مستغرق في نومه:" الحقُّ منتصرٌ"، ماذا يفهم السامع من كلامه؟

الجواب:

1- تحدث عند السامع تصورات عن الكلمات والنسب الواردة في كلام المتكلم، أي يحدث عنده المدلولات التصورية.

2- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي أول لأن النائم ليس عنده إرادة استعمالية.

3- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي ثاني لأن النائم لا توجد عنده إرادة جدية.

مثال 4:

لو قال الببّغاء:" الحقُّ منتصرٌ"، ماذا يفهم السامع منه؟

الجواب:

383

1- يحدث عند السامع مدلول تصوري عن الكلمات والنسب الموجودة في الجملة.

2- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي أول لأن الببّغاء ليس عنده إرادة استعمالية.

3- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي ثاني لأن الببغاء لا توجد عنده إرادة جدية.

مثال 5:

لو اصطك حجران وصدر من الاصطكاك صوت يقول:" الحقُّ منتصرٌ"، فماذا يفهم السامع عندما يسمع هذه الجملة؟

الجواب:

1- يحدث عند السامع مدلول تصوري عن الكلمات والنسب الموجودة في الجملة.

2- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي أول لأن الحجر لا توجد عنده إرادة استعمالية.

3- لا يحدث عند السامع مدلول تصديقي ثاني لأن الحجر لا توجد عنده إرادة جدية.

ولنتناول الآن الدلالات الثلاث بالتفصيل:

أولا: الدلالة التصورية:

هي الدلالة التي تنشأ من عملية الوضع، فالوضع هو السبب في حصول الدلالة التصورية وهو المنشأ لها، وتسمى أيضا الدلالة الوضعية،

384

والدلالة اللغوية، فالواضع يضع لفظا لمعنى ويَقْرِن معنى بلفظ، وفي كل لغة هناك علاقة بين الألفاظ والمعاني، والنتيجة هي أن هذا المعنى يرتبط بهذا اللفظ بحيث لا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر، وتنشأ علاقة سببيّة بين اللفظ والمعنى، فعملية الاقتران التي قام بها الواضع في الخارج بين اللفظ والمعنى أنشأت في الذهن علاقة سببيّة بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذا الاقتران الخارجي بينهما أنشأ اقترانا ذهنيا بينهما، فيصير اللفظ سببا لتصور اللفظ، وتصور اللفظ يكون سببا لتصور المعنى، فتكون الدلالة تصورية لأنه ننتقل من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، وهذا الانتقال من اللفظ إلى المعنى يكون في عالم التصورات في الذهن، لذلك يطلق عليها الدلالة التصورية، فاللفظ يدل على المعنى، ودلالة اللفظ على المعنى هي أن يؤدي تصور اللفظ إلى تصور المعنى، ويسمى اللفظ" دالا"، ويسمى المعنى الذي نتصوره عند سماع اللفظ" مدلولا"، وهذه الدلالة لغوية ناتجة من عملية وضع اللفظ للمعنى، ودور الوضع هو أن يوجد علاقة سببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وعلى أساس هذه العلاقة تنشأ الدلالة اللغوية التصورية الوضعية، ومدلولها هو المعنى اللغوي للّفظ، فعندما يذكر المتكلم اللفظ ينتقل ذهن السامع إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ، وهذا المعنى هو الصورة التي تحضر في ذهن السامع، لذلك يقال لهذه الدلالة" الدلالة التصورية"، ويقال أيضا الدلالة الوضعية لأن الدلالة التصورية ناشئة من الوضع، والوضع يكون علة للدلالة التصورية، والدلالة التصورية معلولة للوضع،

385

والناتج من عملية الوضع هو الدلالة التصورية، والكلمات موضوعة لمعاني معيَّنة، وهذا المعني الموضوع له اللفظ هو المعنى اللغوي، والمعنى اللغوي يأتي إلى الذهن عند سماع هذا اللفظ من أي مصدر صدر اللفظ سواء كان اللفظ صادرا من إنسان واعي ملتفت مريد أم من إنسان مستغرق في نومه أم من حيوان كالببّغاء أم من جماد كاصطكاك حجرين، مثلا في الجملة الخبرية يتبادر إلى الذهن معنى الموضوع ومعنى المحمول ومعنى النسبة بين الموضوع والمحمول، ولكن لا يوجد قصد إخطار المعنى في ذهن السامع ولا قصد الإخبار والحكاية عند الحجرين؛ لأن قصد الإخطار وقصد الإخبار يستفادان من حال المتكلم والحجر ليس بمتكلم فلا يوجد عنده قصد ليكون قاصدا لإخطار المعنى أو قاصدا للإخبار.

وهكذا نرى أنه لا يشترط في الدلالة التصورية وجود متكلم واعي قاصد لمعنى اللفظ لأن العلاقة بين اللفظ والمعنى ناشئ من الوضع، والمدلول التصوري عبارة عن خطور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ الموضوع لذلك المعنى، والمدلول التصوري للفظ يأتي إلى الذهن حتى لو كنا نعلم بأن المتكلم لا يريده كما إذا استعمل المتكلم اللفظ في المعنى المجازي.

مثلا إذا قال المتكلم:" رأيت بحرا في العلم"، المدلول التصوري للبحر هو بحر الماء، ولكن المتكلم هنا لا يريد بحر الماء بل يريد بحر العلم، أي يريد استعمال كلمة" البحر" في البحر من العلم، وهذا استعمال في غير ما وضع له، فيكون الاستعمال استعمالا مجازيا، فالمتكلم‏

386

يريد استعمال اللفظ في المعنى المجازي، فيكون المدلول التصديقي الأول مخالفا للمدلول التصوري، فالمدلول التصوري هو بحر الماء وهو المعنى الحقيقي، ويكون المدلول التصديقي الأول هو بحر العلم وهو المعنى المجازي.

إن المدلول التصوري يحصل من الكلمات البسيطة مثل" كتاب"، ومن الجمل التامة مثل" زيد قائم"، ومن الجمل الناقصة مثل" قيامُ زيدٍ" أو" زيدٌ القائمُ"؛ بقطع النظر عن الجهة التي صدر منها الكلمة أو الجملة سواء كانت الجهة إنسانا أم حيوانا أم جمادا لأن الدلالة التصورية ناشئة من الوضع ولا علاقة لها بحال المتكلم.

إذن: الألفاظ لها مدلول تصوري ينشأ من الوضع الذي ينشئ علاقة السّببيّة بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى.

ثانيا: الدلالة التصديقية:

هي الدلالة التي تنشأ من سياق الكلام وظاهر حال المتكلم، فسياق الكلام وحال المتكلم يكونان علة للمدلول التصديقي، والمدلول التصديقي يكون معلولا لسياق الكلام وحال المتكلم، والدلالة التصديقية دلالة سياقيّة حاليّة، وهذه الدلالة ليست مستفادة من اللفظ واللغة والوضع لأن الوضع يوجد علاقة بين تصور اللفظ وتصور المعنى لا بين اللفظ والمدلول التصديقي، بل هي مستفادة من سياق الكلام وحال المتكلم، والدلالة التصديقية تعبّر عن قصد المتكلم من الكلام وغرضه الذي من أجله نطق بالجملة، والدلالة التصديقية يطلق عليها أيضا" الدّلالة النّفسيّة"؛ لأن‏

387

المدلول هنا مدلول نفسي يوجد في نفس المتكلم، وهو إرادة المتكلم.

والدلالة التصديقية تنقسم إلى قسمين:

1- الدلالة التصديقية الأولى:

هي الدلالة الاستعمالية أو الدلالة على قصد إخطار المتكلم صورة المعنى في ذهن السامع أو الدلالة على الإرادة الاستعمالية، وتكون عند المتكلم إرادة استعمالية، فهو يريد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى ويقصد أن يخطر المعنى في ذهن السامع، ويستكشف السامع من الكلام ما في نفس المتكلم، فالإرادة الاستعمالية تعطي المدلول التصديقي الأول الكاشف عما في نفس المتكلم، وتدل هذه الدلالة على المدلول الاستعمالي أو المراد الاستعمالي وهو عبارة عن المدلول التصوري الصادر من المتكلم العاقل الواعي الملتفت المريد لإخطار المعنى في ذهن السامع، فالمتكلم يريد أن يُخْطِر معنى هذه الكلمة في ذهن السامع.

وفي الدلالة التصديقية الأولى يقصد المتكلم إخطار معاني الكلمات البسيطة في ذهن السامع، ويقصد إخطار معاني الجمل التامة والنسب الموجودة فيها، ويقصد إخطار معاني الجمل الناقصة والنسب الموجودة فيها؛ والخلاصة أنه يقصد إخطار المعاني الاسمية والمعاني الحرفية بكل أقسامها من الكلمات والجمل التامة والجمل الناقصة، فالدلالة التصديقية الأولى تشترك فيها الكلمات البسيطة والجمل الناقصة والجمل التامة لأن إخطار المعنى يحصل منها جميعا.

والدلالة التصديقية الأولى ليست مستفادة من الوضع بل هي دلالة

388

حاليّة سياقيّة مستفادة من معرفة حال المتكلم وأنه ملتفت قاصد لإخطار مداليل كلامه في ذهن السامع، والمدلول الاستعمالي يحصل من كل متكلم ملتفت سواء كان هازلا أم جادا، فإذا كان هازلا يقف المدلول على المدلول الاستعمالي، وإذا كان جادّا يحصل مدلول آخر وهو المراد الجدّي أو المدلول التصديقي الثاني.

ويمكن أن ينفصل المدلول التصديقي الثاني عن الأول لأنهما ليسا متلازمين، فيمكن أن يوجد المدلول التصديقي الأول دون الثاني لأنه يوجد عنده مراد استعمالي ولا يوجد عنده مراد جدي، ولكن لا يمكن أن يوجد المدلول التصديقي الثاني دون الأول لأنه إذا عرفت أنه يقصد المراد الجدي فلا بد أنه قبل ذلك يكون قاصدا استعمال اللفظ في المعنى وأنه يقصد إخطار المعنى في ذهن السامع، والمراد الاستعمالي لا بد أن يكون موجودا قبل المراد الجدي، فالمراد الاستعمالي يكون في رتبة سابقة على المراد الجدي.

2- الدلالة التصديقية الثانية:

هي الدلالة على قصد إخطار المعنى في ذهن السامع بشكل جّدي أو قصد الحكاية والإخبار أو إرادة الحكاية والإخبار بثبوت المحمول للموضوع، وتدل هذه الدلالة على المدلول الجدّي أو المراد الجدي وهو عبارة عن المدلول التصوري الصادر من المتكلم العاقل الواعي الملتفت المريد الجادّ في الحكاية والإخبار عن الواقع، فالمتكلم يكون جادّا في إخطار المعاني والمداليل في ذهن السامع، فيوجد عنده مراد جدّي في الإخطار، ولا يكون‏

389

المتكلم في حالة الهزل أو التقية مثلا، والمدلول التصديقي الثاني هو المراد الجدّي للمتكلم في إخطار المعنى في ذهن السامع، فيوجد عند المتكلم غرض وقصد من كلامه، والمدلول التصديقي الثاني يكشف عن جدّيّة المتكلم في الاستعمال، ويكون المدلول التصديقي الثاني هو غرض المتكلم.

والمدلول التصديقي الثاني يكون مختصّا بالجمل التامة فقط دون الكلمات والجمل الناقصة لأن قصد الحكاية والإخبار عن الواقع لا يتم إلا بالجمل التامة، وغرض المتكلم يحصل من الجملة التامة فقط لأن الغرض لا ينشأ من الكلمة ولا من الجملة الناقصة، والغرض يشمل الإخبار والإنشاء، والإخبار والإنشاء لا يحصلان لا من الكلمة ولا من الجملة الناقصة، فالكلمات والجمل الناقصة لا يوجد لها مدلول تصديقي ثاني لأن في الدلالة التصديقية الثانية يوجد قصد الإخبار، ويكون غرض المتكلم الإخبار، فلا بد من وجود خبر، والخبر مكون من موضوع ومحمول، أو مبتدأ وخبر في الجملة الاسمية، وفعل وفاعل في الجملة الفعلية الخبرية.

والمدلول التصديقي الثاني ليس مستفادا من الوضع بل هو مستفاد من معرفة سياق الكلام وحال المتكلم، والدلالة التصديقية الثانية فيها أمران:

أ- تكشف عن إرادة المتكلم.

ب- تدعو السامع إلى التصديق بهذه الإرادة لا إلى مجرد التصور الساذج، فالمتكلم يتحدث بشكل جدي لأنه يريد منك أن تصدق الخبر الذي ينقله إليك.

390

مثال:

إذا قلت:" إن طَلَعَتِ الشمسُ"؛ وسكتّ، فهذه الجملة ناقصة لأنك ذكرت أداة الشرط وفعل الشرط دون جواب الشرط، يريد المتكلم في هذه الجملة إخطار معاني الكلمات والنسب الموجودة فيها في ذهن السامع، ولكن لا يوجد مراد جدّي في هذه الجملة الناقصة، فالمراد الجدي يوجد في الجمل التامة فقط دون الكلمات والجمل الناقصة، فإذا قلت:" أسد"؛ وسكت، فهذه الكلمة بما هي كلمة لا يوجد فيها مراد جدّي، ولكن دون أن تُقَدِّر مبتدأ للكلمة مثل" هذا"، فيكون مرادك:" هذا أسد".

والمراد الجدّي يختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى، فالمداليل التصديقية الثانية تختلف من جملة تامة إلى أخرى، وطبيعة المدلول التصديقي الثاني تختلف باختلاف نوعية الجملة، فإذا كانت الجملة خبرية فإن طبيعة مدلولها هي الحكاية عن ثبوت النسبة- بين المخبَر به والمخبَر عنه- في الواقع الخارجي كما في" زيدٌ عالِمٌ"، أو عدم ثبوت النسبة كما في" زيدٌ ليس بعالِمٍ"، وإذا كانت الجملة إنشائية من نوع التمني فطبيعة مدلولها طلب المستحيل أو ما يقارب المستحيل كما في قول الله تعالى: وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى‏ إِلهِ مُوسى‏ (1).

____________

(1) غافر: 37 36.

391

وطبيعة الجملة الإنشائية من نوع النهي هو إنشاء النسبة الزّجريّة بين النهي والمنهي عنه كما في قوله تعالى:

وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا (1).

وإليك بعض الأمثلة مع تحليلها:

المثال الأول:

" زيدٌ عالمٌ" جملة خبرية، المداليل التصورية هي المعاني الحقيقية لهذه الكلمات، وهذه المعاني الحقيقية هي التي تخطر في ذهن السامع عندما يسمع هذه الجملة، والمداليل التصورية هي: المدلول التصوري لكلمة" زيد"، والمدلول التصوري لكلمة" عالِم"، والمدلول التصوري للنسبة في الجملة الاسمية بين المبتدأ" زيد" والخبر" عالم" على نحو المعنى الحرفي.

والدلالة التصديقية الأولى لهذه الجملة هي أن المتكلم يريد أن يخطر في ذهن السامع معنى" زيد" ومعنى" عالم" والنسبة بين" زيد" و" عالم"، ومدلولها الجدي هو قصد الإخبار والحكاية عن النسبة التامة التي تدل عليها هيئتها.

والدلالة التصديقية الثانية هي أنه يريد أن يخطر ذلك بشكل جدّي، فليس المتكلم في مقام الهزل كأن يكون زيد أمّيّا ويريد المتكلم أن يُضْحِكَ الناس عليه فيقول:" زيد عالم"، فإذا كان هازلا فلا يكون له مراد

____________

(1) الإسراء: 32.

392

جدّي، يريد فقط أن يخطر معنى هذه الجملة في ذهن السامع، وتعرف ذلك من ظاهر حال المتكلم أنه ليس جادّا في كلامه لأنك تعرف أن زيدا أمّيّ وهو يقول بأنه عالم، فالمدلول التصديقي يعرف من ظاهر حال المتكلم أنه في أي مقام، والمدلول الجدي للجملة الخبرية هو قصد الإخبار والحكاية عن النسبة التامة التي تدل عليها هيئة الجملة الخبرية.

إذن: قول المتكلم:" زيد عالم"؛ يوجد له مدلول تصوري ومدلول تصديقي أول، ويوجد له مدلول تصديقي ثاني إذا كان للمتكلم مراد جدي.

المثال الثاني:

الجملة الاستفهامية" هل زيد عالم؟"، هذا الإنسان الذي يسأل هذا السؤال يريد جوابا له، فيكون عنده مراد جدي لأنه يريد أن يصل إلى الجواب، ولكن إذا كان يوجد شخص ويعرف الجواب فلا يكون لكلامه مراد جدي ولا يكون استفهامه استفهاما حقيقيا، والسؤال موضوع للشي‏ء المجهول عند السائل، فإذا سأل شخص فإننا نعلم أن مراده الجدي أنه يريد الجواب عن سؤاله، فيكون المدلول التصديقي الثاني وهو المراد الجدي هو طلب الجواب على السؤال وطلب الفهم والاطلاع على وقوع تلك النسبة التامة.

المثال الثالث:

الجملة الطلبية مثل" صَلِّ"، مدلولها الجدي هو طلب إيقاع النسبة التامة التي تدل عليها هيئة" صَلِّ"، وهي النسبة بين الصلاة

393

والمخاطَب، فالمتكلم يريد إيقاع الصلاة من المخاطَب، وهذه نسبة تامة بين الفعل والفاعل، فيطلب المتكلم من المخاطَب أن يأتي بالصلاة ويوجِدها ويحقّقها في الخارج.

سؤال: ما هو وجه الفرق بين المدلول التصديقي الأول والمدلول التصديقي الثاني؟

بعبارة أخرى: لماذا يوجد في الجملة التامة مدلول تصديقي أول ومدلول تصديقي ثاني بينما يوجد في الكلمات المفردة وفي الجملة الناقصة مدلول تصديقي أول ولا يوجد مدلول تصديقي ثاني؟

الجواب:

إن سنخ ونوع المدلول التصديقي الثاني يختلف عن سنخ المدلول التصديقي الأول، إن المدلول التصديقي الأول هو سنخ مدلول واحد في كل كلام، فكل كلام مدلوله التصديقي الأول هو قصد المتكلم إخطار المعنى في ذهن السامع سواء كان اللفظ مفردا أم جملة ناقصة أم جملة تامة، فالمدلول التصديقي الأول يدل على أن المتكلم قَصَدَ إخطار المعنى في ذهن السامع، فيكون المدلول التصديقي الأول سنخ مدلول واحد ومن نوع واحد وهو قصد المتكلم إخطار صورة المعنى في ذهن السامع‏ (1).

____________

(1) سؤال: لماذا قلنا في المدلول التصديقي الأول أن سنخه ونوعه واحد، وأما في المدلول التصديقي الثاني قلنا إن سنخه يختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى؟

الجواب: في المدلول التصديقي الأول يوجد نوع واحد من المداليل لأنه توجد إرادة استعمالية، فنستكشف مدلولا واحدا وهو إخطار صورة المعنى في ذهن السامع، ولا ننظر إلى المصاديق، وإذا نظرنا إلى المصاديق فإن المدلول التصديقي الأول يختلف من كلمة إلى أخرى ومن جملة إلى أخرى، وفي المدلول التصديقي الثاني نستكشف الغرض الذي هو بمنزلة الجنس، والغرض له نوعان: إخبار وإنشاء، والإنشاء له أنواع كالأمر والنهي والتمنّي والترجّي و... إلى آخره.

بعبارة أخرى: ننظر هنا إلى النوع ولا ننظر إلى المصاديق وإلى كل كلمة وكل جملة على حدة، فكل كلمة وكل جملة يقصد المتكلم إخطار صورة معناها في ذهن السامع، ولا ننظر إلى أن كل كلمة وكل جملة ما هو معناها الخاص بها.

394

وأما المدلول التصديقي الثاني أي المراد الجدي للمتكلم فهو يختلف باختلاف الجمل، والمراد الجدي يكون في الجمل التامة فقط، ففي الجملة الخبرية يوجد قصد الحكاية والإخبار، وفي الجملة الطلبية يوجد قصد الطلب، وفي الجملة الاستفهامية يوجد قصد السؤال.

إذن: يوجد في الجمل التامة مدلول تصديقي ثاني أي المراد الجدي، والمراد الجدي يختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى بسبب سياق الكلام وحال المتكلم، فالمدلول التصديقي الثاني في الجملة الخبرية يختلف عنه في الجملة الإنشائية وعنه في الجملة الطلبية وعنه في الجملة الاستفهامية وعنه في جملة التمني وعنه في بقية أنواع الجمل، وأما في الكلمات المفردة وفي الجمل الناقصة فلا يوجد مدلول تصديقي ثاني، بل يوجد مدلول تصديقي أول فقط ويكون هذا المدلول التصديقي الأول واحدا في كل المفردات والجمل وهو قصد إخطار المعنى في ذهن السامع.

بعبارة أخرى: يختلف سنخ المدلول التصديقي الثاني من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى لأنه في المدلول التصديقي الثاني يختلف الغرض من‏

395

الجمل التامة، فتارة يكون الغرض الإخبار، وتارة أخرى يكون الغرض الإنشاء، مثلا إذا قال شخص:" نَزَلَ المطرُ"، يكون غرضه الإخبار عن نزول المطر، وأما إذا قال:" هل نَزَلَ المطرُ؟"، فإنه يسأل عن وقوع النسبة التامة وعدم وقوعها، ولكن سنخ المدلول التصديقي الأول واحد في جميع الألفاظ لأنه في المدلول التصديقي الأول يقصد المتكلم إخطار صورة المعنى في ذهن السامع، فتوجد عند المتكلم إرادة استعمالية، ويكون قصده واحدا في جميع الاستعمالات، وهو إخطار المعنى في ذهن السامع.

سؤال: ماذا نستفيد من معرفة وجود المداليل الثلاثة؟

الجواب:

حينما نتعامل مع الروايات نسأل: ماذا يريد الإمام (عليه السلام) حينما نطق بهذه الكلمات؟ هل يريده بشكل جدي أو أنه في حالة التقيّة؟

مثلا إذا كان الإمام المعصوم (عليه السلام) في مجلس الخليفة وتكلم فإننا نعرف أنه في مقام التقية، فالرواية الواردة عنه (عليه السلام) في هذه الحالة يكون لها مدلول تصوري، ويكون لها مدلول تصديقي أول لأن الإمام (عليه السلام) استعمل الألفاظ في المعاني ويريد أن يخطر المعاني في ذهن السامعين، ولكن لا يكون لها مدلول تصديقي ثاني لأنه (عليه السلام) لا يريد هذه المعاني بشكل جدّيّ، فعنده مراد استعمالي ولكن لا يوجد عنده مراد جدي بهذه الكلمات التي نطق بها، فلا نستدل بهذه الرواية في استنباط أي حكم شرعي لعدم وجود المراد الجدي عند المعصوم عليه‏

396

السلام لأنها قيلت في مقام التقية، ولكن لا بدّ من إثبات أن الإمام (عليه السلام) كان فعلا في حالة التقية، لذلك توجد الروايات المتعارضة، ولكن عندنا ميزان وهو: ما عارض القرآن الكريم فهو زخرف‏ (1) أو اضربوا به عرض الحائط ( (2)، وما خالف العامة خذوا به واتركوا ما وافقهم‏ (3)، فإذا كانت عندنا روايتان وإحداهما تخالف العامة والأخرى توافقهم ففي هذه الحالة لا نأخذ بالرواية التي توافقهم بل نأخذ بالرواية التي تخالفهم، وهذا الميزان يأتي في باب التعارض.

____________

(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 18 ص 79 ح 14:

عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: كل شي‏ء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف‏

(2) تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي ج 1 ص 39:

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط

(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 18 ص 75 ح 1:

عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين... إلى أن قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك إن رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر....

397

الخلاصة:

حينما يسمع أي شخص جملة فإنه يتصور المعاني اللغوية للموضوع والمحمول بسبب الوضع الذي أوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذا التصور يمثّل الدلالة التصورية، ويكتشف السامع الإرادة الواعية للمتكلم اعتمادا على ظاهر حال المتكلم، وهذا الاكتشاف يمثّل الدلالة التصديقية، والمعنى الذي يتصوره السامع هو المدلول التصوري اللغوي الوضعي للفظ، والإرادة التي يكتشفها في نفس المتكلم هي المدلول التصديقي النفسي الذي يدل عليه ظاهر حال المتكلم.

وعلى أساس ذلك نجد أنه يوجد مصدران للدلالة:

1- اللغة:

بما تشتمل عليها من أوضاع لغوية، وهي مصدر الدلالة التصورية لأن الوضع ينشئ علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى.

2- ظاهر حال المتكلم:

وهو مصدر الدلالة التصديقية أي دلالة اللفظ على مدلوله النفسي التصديقي، فاللفظ إذا صدر من المتكلم في حالة يقظة وانتباه وجدّيّة فإنه يكشف عن إرادة المتكلم، وهذه الحالة هي مصدر الدلالة التصديقية، لذلك فإن اللفظ إذا صدر من متكلم في حال النوم أو الذهول لا توجد له دلالة تصديقية أولى ولا مدلول تصديقي نفسي أول لأنه لا توجد عنده إرادة استعمالية، ولا توجد له دلالة تصديقية ثانية ولا مدلول تصديقي ثاني لأنه لا توجد عنده إرادة جدية.

398

ملاحظات:

أ- الأصل أن المتكلم يستعمل اللفظ في المعنى الحقيقي إلا إذا قامت قرينة على المجاز، فظاهر حاله يدل على أنه يستعمل اللفظ في المدلول التصوري وهو المعنى الحقيقي، ويطلق عليه" التطابق بين المدلول التصديقي الأول والمدلول التصوري".

ب- الأصل أن المتكلم جادّ فيما يريده إلا إذا قامت قرينة على عدم الجدّيّة كما إذا قامت قرينة على أن المتكلم في مقام الهزل أو التّقيّة، فظاهر حال المتكلم يدل على أنه جادّ فيما يريده، ويطلق عليه" التطابق بين المدلول التصديقي الثاني والمدلول التصديقي الأول"، فهو جادّ في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي أو في المعنى المجازي.

رأي السيد الخوئي (قدس سره):

بناء على مسلكي الاعتبار والقرن الأكيد الحاصل من الوضع هو الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية نستفيدها من سياق الكلام وحال المتكلم.

وأما بناء على مسلك التعهد فإن الحاصل من الوضع شي‏ء آخر، فالوضع على مسلك السيد الخوئي (قدس سره) هو التعهّد والالتزام، وتكون الدلالةُ اللفظيةُ الوضعيةُ دلالةً تصديقيةً لا تصورية بحتة، وتكون الدلالة التصديقية معلولة للوضع، والتعهد لا يمكن أن يوجد إلا من مريد عاقل، والألفاظ والجمل الصادرة من غير العاقل ليس لها أي مدلول لأن الحيوان والجماد يستحيل أن يصدر منهما تعهّد والتزام، والمتكلم العاقل يتعهد بأن‏

399

لا يأتي بهذا اللفظ إلا عندما يريد هذا المعنى ويقصد تفهيم هذا المعنى، أو أن يأتي بهذا اللفظ كلما أراد هذا المعنى وقصد تفهيم هذا المعنى، وقد مرّ سابقا الاختلاف في التعبير في حالتي الاشتراك والترادف، فإذا كان الوضع هو التعهد فلا يوجَد أي مدلول تصوري للجمل، والدلالة اللفظية التي تنشأ من الوضع تكون دلالة تصديقية فقط لأن المتكلم يريد المعاني بشكل جدي، والمدلول التصديقي الثاني هو المدلول الوضعي ويكون مستفادا من الوضع، فعندما يقول:" زيد عالم"؛ فعلى مسلك التعهد ننتقل مباشرة إلى المدلول التصديقي الثاني لأنه يأتي بهذا اللفظ عند قصد وإرادة هذا المعنى، والقصد هو الإرادة الجدية، فإذا قلت:" زيد عالم"؛ فالمتكلم متعهِّد أن لا يستعمل هذه الجملة إلا إذا أراد المعنى المعيّن، وكل جملة تكون موضوعة للمعنى الذي تعهّد المتكلم أن يستعمل الجملة فيه.

إذن: على مسلك التعهد نحصل على المدلول التصديقي الثاني مباشرة لأن الوضع على هذا المسلك لا يعطي مدلولا تصوريا، وإنما يعطي مدلولا تصديقيا ثانيا، فكل جملة تامة بناء على مسلك التعهد تعطينا مباشرة المدلول التصديقي الثاني لأن المتكلم يريد هذا المعنى بشكل جدي، وكل جملة تامة تكون موضوعة بالتعهد لنفس مدلولها التصديقي الجدي مباشرة، فالجملة الخبرية تكون موضوعة لقصد الحكاية والإخبار أي للنسبة التامة المعبّرة عن قصد الحكاية والإخبار، والجملة الطلبية تكون موضوعة لطلب إيقاع النسبة التامة التي تدل عليها هيئة الجملة

400

الطلبية، والجملة الاستفهامية تكون موضوعة لطلب الجواب والفهم.

وبناء على مسلك التعهد يكون المدلول التصوري ضمن المدلول التصديقي وفي إطار المدلول التصديقي ومُنْدَكّا في المدلول التصديقي، ويكون المدلول التصوري طريقا فقط إلى المدلول التصديقي، والدلالة التصديقية تكون مستبطِنة للدلالة التصورية، وتكون الدلالة التصورية مستبطَنة في الدلالة التصديقية.

من ثمار الاختلاف في تفسير الوضع أنه في التعهد لا توجد دلالة تصورية ولا يمكن التفكيك بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي، فالمدلول التصوري يكون مستبطَنا في المدلول التصديقي، وأما في الاعتبار والقرن الأكيد فيمكن التفكيك بينهما، فيوجد مدلول تصوري ومدلول تصديقي، وكل منهما مستقل عن الآخر وإن كان المدلول التصوري طريق إلى المدلول التصديقي.

رد السيد الشهيد (قدس سره) على رأي السيد الخوئي (قدس سره):

وقد ردّ السيد الشهيد (قدس سره) على مسلك التعهد سابقا، فهو يرفض مسلك التعهد من أساسه، والدلالة التصديقية تكون معلولة لسياق الكلام وحال المتكلم وليست معلولة للوضع، ويشترط في الدلالة التصديقية الأولى أن يكون المتكلم ملتفتا، ويشترط في الدلالة التصديقية الثانية أن يكون ملتفتا وجادا، مثلا إذا كان المتكلم نائما فلا يوجد لكلامه إلا الدلالة التصورية ولا يوجد له أي دلالة تصديقية لا أولى ولا ثانية لأن النائم غير ملتفت ولا جادّ في كلامه، والجملة التامة تكون موضوعة

401

للنسبة التامة، والنسبة التامة تختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى لا بسبب الوضع بل بسبب سياق الكلام وحال المتكلم لأن المدلولين التصديقيين الأول والثاني يكونان مستفادين من حال المتكلم، فكل منهما مدلول سياقي لا لفظي وضعي بخلاف مسلك التعهد فإن المدلول التصديقي بناء على مسلك التعهّد يكون مدلولا لفظيا وضعيا.

وكان رد الشهيد على مسلك التعهد سابقا من خلال نقطتين:

أ- بناء على مسلك التعهد لا يوجد استعمال مجازي في اللغة لأن التعهد يكون للمعنى الحقيقي مع أنه في الواقع توجد مجازات في اللغة.

ب- لا يوجد تعهد عند الأطفال لأنهم لا يعرفون معنى التعهد مع أنهم يستعملون الألفاظ في معانيها.

المقارنة بين الجمل التامة والجمل الناقصة

درسنا في علم النحو أن الجملة التامة هي الجملة التي يصح السكوت عليها حيث لا ينتظر السامع تتمّة لها؛ مثل" زيدٌ عالِمٌ"، والجملة الناقصة هي الجملة التي لا يصح السكوت عليها حيث ينتظر السامع تتمّة لها؛ مثل" علمُ زيدٍ" أو" المفيدُ العالِمُ"، والمعنى الموضوع للجملة التامة حتما يختلف عن المعنى الموضوع له للجملة الناقصة، ونلاحظ اختلافا واضحا بين الجملة الناقصة والجملة التامة حينما نسمعهما من المتكلم، والنسبة في الجملة التامة تختلف عن النسبة في الجملة الناقصة.

فيأتي السؤال التالي:

402

ما هو الفرق بين النسبة التامة والنسبة الناقصة بحيث إن النسبة التامة تؤدي إلى صحة السكوت في الجملة التامة وعدم صحة السكوت في الجملة الناقصة مع أن النسبة هي الرّبط والربط موجود في كلتا الجملتين؟

من هنا اتجه البحث لمعرفة السر في الفرق بين الجملتين التامة والناقصة، مرّ سابقا أن مثل" زيد عالم" جملة تامة، ونستطيع أن نأتي بجملة موازية لها وهي" إخبارٌ بعلمِ زيدٍ" وهي جملة ناقصة، فعبَّرنا عن النسبة الموجودة في الجملة التامة بجملة ناقصة، وهما ليستا مترادفتين لأنه لا يمكن أن نجعل إحداهما في مكان الأخرى، وإنما هي تعبير عن هذه النسبة كما عبَّرنا عن المعنى الحرفي بمعنى اسمي مثل" في" معناه" الظرفية"، و" مِنْ" معناه" الابتداء"، و" إلى" معناه" الانتهاء"، فأتينا بمعنى اسمي للتعبير عن المعنى الحرفي، والمعنى الاسمي لا يرادف المعنى الحرفي ولا يساويه، ولا يمكن وضع المعنى الاسمي في مكان المعنى الحرفي.

سؤال: ماذا يريد المتكلم عندما يقول" زيد عالم"؟

الجواب:

يريد أن يخبر بعلم زيد، فقوله:" زيدٌ عالِمٌ"؛ يوازي ويساوق تعبيرا آخر وهو" الإخبارُ بعلمِ زيدٍ"، ولكن" زيدٌ عالِمٌ" جملة تامة لأنه يصح السكوت عليها، و" الإخبارُ بعلمِ زيدٍ" جملة ناقصة لأنه لا يصح السكوت عليها حيث إن" الإخبارُ" مبتدأ ولا يوجد خبر للمبتدأ،