دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج2

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
419 /
403

فالعلاقة بين الجملتين هي علاقة موازاة لا علاقة مساواة، وهذه الجملة الناقصة مجرد تعبير عن النسبة الموجودة في الجملة التامة.

تفسير اختلاف الجملة التامة عن الجملة الناقصة:

التفسير الأول: بناء على مسلك التعهد:

الفرق بين الجملتين التامة والناقصة يأتي من الوضع، فالمعنى الموضوع له في الجملة التامة هو المراد الجدي، والمراد الجدي هو المدلول التصديقي الثاني لأن الوضع بناء على مسلك السيد الخوئي (قدس سره) هو التعهد، فالجملة التامة تعطينا المدلول التصديقي الثاني، والمتكلم يريد أن يخبر عن كون المحمول ثابتا للموضوع، مثلا الجملة التامة الخبرية موضوعة لقصد الحكاية والإخبار عن ثبوت المحمول للموضوع أو قصد الإخبار عن وقوع النسبة خارجا بين المخبَر به والمخبَر عنه، وفي المثال قصد الإخبار عن ثبوت العلم لزيد، ففي مثل" زيد عالم" نريد أن نثبت العلم لزيد بشكل جدي، ومباشرة ننتقل إلى المدلول التصديقي الثاني.

وأما الجملة الناقصة مثل" المفيدُ العالِمُ" المكوّنة من المبتدأ والنعت أو من الموصوف والصفة فموضوعة لقصد إخطار معناها في ذهن السامع، أي يوجد عندنا مدلول تصديقي أول لأنه في الجمل الناقصة لا يوجد مراد جدي بل يوجد مراد استعمالي، فيوجد قصد إخطار صورة حصة خاصة من حصص المعنى، فالمتكلم يريد فقط أن يخطر في ذهن السامع معنى" المفيد" ومعنى" العالم" والنسبة بينهما.

إذن: الفرق بين الجملتين التامة والناقصة بناء على مسلك التعهد

404

هو أن الجملة التامة تدل بالوضع على المدلول التصديقي الثاني، والجملة الناقصة تدل بالوضع على المدلول التصديقي الأول.

التفسير الثاني: بناء على مسلك القرن الأكيد:

رد السيد الشهيد (قدس سره) على نظرية التعهد سابقا بأنها نظرية غير تامة، والتفسير السابق لا يقبله السيد الشهيد لأنه مبني على نظرية التعهد، ويقول السيد الشهيد بناء على مسلك القرن الأكيد إن المعنى الموضوع له هو المدلول التصوري لا المدلول التصديقي، والمدلول التصوري للحروف والهيئات هو النسبة، والنسبة معنى حرفي، فالجملة التامة مثل" زيد عالم" نريد أن نبيِّن منها للسامع معنى" زيد" ومعنى" عالم" والنسبة بينهما، والسامع يتصور المعنيين والنسبة بينهما، فمن الوضع ننتقل إلى المدلول التصوري، وكذلك في الجمل الناقصة مثل" المفيدُ العالمُ"، فعندنا معنى" المفيد" ومعنى" العالم" والنسبة بينهما، والسامع يتصور المعنيين مع النسبة بينهما.

إذن: بناء على مسلك القرن الأكيد يوجد مدلول تصوري للجمل الناقصة والجمل التامة، وهذا ناشئ من الوضع.

الخلاصة:

الوضع بناء على مسلك التعهد يعطينا مدلولا تصديقيّا ثانيا للجملة التامة ويعطينا مدلولا تصديقيا أولا للجملة الناقصة، والمعنى الموضوع له في الجملة التامة هو المدلول التصديقي الثاني، والمعنى الموضوع له في الجملة الناقصة هو المدلول التصديقي الأول.

405

وأما بناء على مسلك القرن الأكيد فإن الوضع يعطينا مدلولا تصوريا، والمعنى الموضوع له في الجملتين التامة والناقصة هو المدلول التصوري، وأما المدلول التصديقي الأول والمدلول التصديقي الثاني فيفهم من سياق الكلام وظاهر حال المتكلم، فالمدلولان التصديقيان بناء على مسلك القرن الأكيد لا يأتيان من الوضع بل من ظاهر حال المتكلم، والمدلول التصوري للهيئات هو النسبة، فيكون المدلول التصوري لهيئة الجملة التامة ولهيئة الجملة الناقصة هو النسبة، ولا بد من افتراض أن نوع النسبة في الجملة التامة يختلف عن نوع النسبة في الجملة الناقصة، فالاختلاف بين الجملتين التامة والناقصة يرجع إلى الاختلاف في طبيعة النسبة في الجملتين، والنسبة التي هي مدلول الدلالة التصورية تختلف باختلاف طبيعة الجملة من حيث التمام والنقصان، ومدلول الدلالة التصورية في الجملتين التامة والناقصة واحد وهو النسبة الارتباطيّة.

منشأ الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة:

هيئة الجملتين التامة والناقصة موضوعة للدلالة على النسبة الارتباطيّة، ولكن يوجد فرق بين الجملتين، وهذا الفرق بين الجملتين يرجع إلى سنخ النسبة ونوع الربط الذي تدل عليه هيئة الجملة، فيوجد نوعان من النسبة، أحدهما يكون مدلولا للجملة الناقصة، وهذه النسبة إذا كانت في الجملة لا يصح السكوت على هذه الجملة بل تحتاج إلى تكملة، والنوع الآخر يكون مدلولا للجملة التامة، وهذه النسبة إذا كانت في الجملة فإنه يصح السكوت على هذه الجملة ولا تحتاج إلى تتمّة.

406

إن هيئة الجملة الناقصة تدل على نسبة اندماجيّة بين المعنيين الاسميّين بحيث يندمج المعنى الأول في المعنى الثاني ويصير الشيئان المرتبطان شيئا واحدا، بمعنى أنه يندمج فيها الصفة والموصوف أو المضاف والمضاف إليه على نحو يصبح المجموع مفهوما واحدا خاصا وحصة خاصة ويتحوّل المفهومان إلى مفهوم واحد، والعقل يدمج بين المفهومين ويجعلهما مفهوما واحدا.

بعبارة أخرى: هما مفهومان حاكيان عن ذاتٍ واحدة، وتصير الجملة الناقصة في قوة الكلمة المفردة والمفهوم الواحد، وتأتي إلى الذهن صورة مفهوم واحد، فيأتي إلى الذهن شخص له صفة العالمية، وهذه الصورة عبارة عن صورة واحدة وشي‏ء واحد وإن كانت هذه الصورة الواحدة في واقعها شيئين لا شيئا واحدا، فيوجد اندماج بين المفهومين في الذهن حيث يندمج أحدهما بالآخر وتكون النسبة بينهما خفية غير واضحة تحتاج إلى تحليل وتدقيق، ولا يأتي إلى الذهن مفهومان بينهما ارتباط بأن يأتي إلى الذهن صورة شخص وصورة العالم وصورة الارتباط بينهما، وإذا كانت في قوة الكلمة الواحدة فإن المعنى لا يكون تاما مكتملا، بل يحتاج إلى تتمة وتكملة، والسامع ينتظر تكملة الجملة ويسألك:" المفيدُ العالِمُ ماذا تريد أن تقول عنه؟"، ففي الجملة الناقصة لا يوجد موضوع مستقل ومحمول مستقل بل يدمج العقل المحمول بالموضوع ويجعلهما كالكلمة الواحدة، والكلمة الواحدة ليس لها مدلول تصديقي ثاني بل لها مدلول تصديقي أول فقط.

407

وأما هيئة الجملة التامة فإنها تدل على نسبة غير اندماجية بين المعنيين الاسميين بحيث يبقى الطرفان متميّزين أحدهما عن الآخر، ويبقى المفهومان في الذهن على حالهما بلا اندماج ومستقلين عن بعضهما البعض، وتحكيان عن معنييهما المتباينين، ويكون أمام الذهن شيئان بينهما نسبة وارتباط ويكون المعنى تاما مكتملا، كالمبتدأ والخبر مثل" المفيدُ عالِمٌ"، فمعنى" المفيد" في الذهن يكون مستقلا، ومعنى" عالم" في الذهن يكون مستقلا، وتوجد في الذهن أيضا نسبة وربط بين المفهومين المستقلين، وهذه النسبة تكون واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى تحليل وتدقيق، والنسبة لا تحوِّل هذين المفهومين المتغايرين إلى مفهوم واحد وحصة خاصة، ودور النسبة في الجملة التامة هو الربط بين المفاهيم المتغايرة من دون أن تؤثر في تحويلها إلى مفهوم واحد ومعنى واحد، وتكون هيئة الجملة التامة موضوعة لنسبة غير اندماجية.

بعبارة أخرى: النسبة في الجملة التامة نسبة غير اندماجية، والنسبة في الجملة الناقصة نسبة اندماجية، فمثل" زيدٌ العالمُ" جملة ناقصة، وفيها نسبة بين" زيد" و" العالم"، وهذه النسبة اندماجية بمعنى أنها تحوِّل هاتين الكلمتين كأنهما كلمة واحدة، فالنعت والمنعوت ننظر إليهما كأنهما كلمة واحدة، فعندنا مبتدأ ونعت، وزيد العالم كأنه شي‏ء واحد، فهذه النسبة تكون اندماجية لأنها تُدْمِج النعت في المنعوت، فهما في قوة الكلمة الواحدة.

وأما في الجملة التامة فالنسبة تكون نسبة غير اندماجية كما في" زيد

408

عالم"، فعندنا" زيد" و" عالم" ونسبة بينهما، وهي نسبة غير اندماجية لأنها لا تُدْمِج الخبر في المبتدأ، وننظر إلى أنهما شيئان لا شي‏ء واحد، فزيد شي‏ء وعالم شي‏ء آخر ويوجد بينهما ارتباط.

نتائج:

1- كل جملة موضوعة للنسبة الاندماجية فهي جملة ناقصة لأن النسبة الاندماجية تحوِّل المفهومين إلى مفهوم واحد، وتصيِّر الجملة في قوة كلمة واحدة.

2- كل جملة موضوعة للنسبة غير الاندماجية فهي جملة تامة.

3- قد تشتمل الجملة الواحدة على نسب اندماجية ونسب غير اندماجية، كما في قولنا:" المفيدُ العالِمُ مدرِّسٌ"؛ فإن النسبة بين الوصف والموصوف نسبة اندماجية، والنسبة بين المبتدأ والخبر نسبة غير اندماجية، وتمامية المعنى في الجملة نشأت من اشتمالها على النسبة غير الاندماجية.

4- في علم النحو الجملة التامة هي الجملة التي يصح السكوت عليها، والجملة الناقصة هي الجملة التي لا يصح السكوت عليها، وأما في علم أصول الفقه فإن الجملة التامة هي التي تكون النسبة فيها نسبة غير اندماجية، والجملة الناقصة هي التي تكون النسبة فيها نسبة اندماجية، وهذه التفرقة بين الجملة التامة والجملة الناقصة من إبداعات علماء أصول الفقه.

5- هيئة الجملة التامة الاسمية أو الفعلية تدل على نسبة غير

409

اندماجية، وهيئة الجملة الناقصة ومفردات الحروف تدل على نسبة اندماجية.

الجملة الخبرية والجملة الإنشائية

هذا البحث جاء في الحلقة الأولى، ونبيّنه هنا حتى يكون البحث في الجمل كاملا.

تنقسم الجملة إلى نوعين:

1- الجملة الخبرية.

2- الجملة الإنشائية.

ونحن في حياتنا الاعتيادية نحس بالوجدان بالفرق بين الجملتين الخبرية والإنشائية، فيوجد فرق بين الجملة الخبرية مثل" جاء زيد" وبين الجملة الإنشائية" صَلِّ"، وبين الجملة الخبرية مثل" بِعْتُكَ الكتابَ بدينارٍ" حينما تتحدث عن بيع كتابك بالأمس، وبين الجملة الإنشائية" بِعْتُكَ الكتابَ بدينارٍ" حينما تريد أن تعقد الصفقة مع المشتري فعلا.

وبالرغم من أن الجملتين فيهما نسبة تامة بين البيع والبائع إلا أن فهمنا للجملة وتصورنا للنسبة في الجملة الخبرية يختلف عن فهمنا للجملة وتصورنا للنسبة في الجملة الإنشائية، فالنسبة في الجملتين تختلف عن بعضهما البعض، فالنسبتان تعطيان معنيين مختلفين.

ويأتي السؤال التالي:

ما هو الفرق بين النسبة في الجملتين الخبرية والإنشائية؟

410

الجواب:

في الجملة الخبرية يريد المتكلم أن يخبر عن نسبة تامة وقعت وتمّ الفراغ عنها ولا يملك المتكلم من أمرها شيئا لأنها وقعت وحدثت وانتهت والواقع لا ينقلب عما وقع عليه ولا يتغيّر إلى شي‏ء آخر، فوظيفة المتكلم فقط هي الإخبار عما وقع وليس بيد المتكلم تغييره، والإخبار يكون عن شي‏ء وقع في الماضي وانتهى، فالمتكلم في الجملة الخبرية يتصوّر النسبة بما هي حقيقة واقعة لا يملك فعلا من أمرها شيئا إلا أن يخبر عنها إذا أراد أن يخبر عنها، حتى إذا لم يخبر عنها فإنها واقعة، فهو سواء أراد أن يخبر عنها أم لم يرد أن يخبر عنها فهي واقعة لا تتغيّر، وعدم إخباره عنها لا يؤدي إلى عدم وقوعها لأنها وقعت وانتهت.

بعبارة أخرى: بيع الكتاب تحقّق بالأمس، والآن يريد أن يخبر عن هذا الشي‏ء المتحقّق، فهو باع الكتاب بالأمس، والآن يخبر عنه، فهناك واقع، والشخص يخبر عن هذا الواقع.

وأما في الجملة الإنشائية فإن المتكلم يريد أن يوجد الحدث ويحقّقه في الخارج لأنه لحدّ الآن لم يتحقق، والإنشاء هو إرادة وقوع شي‏ء في المستقبل، والمتكلم في الجملة الإنشائية يتصوّر النسبة لا بما هي حقيقة واقعة مفروغ عنها بل يتصوّرها بوصفها نسبة يراد تحقيقها في الخارج، فالشخص الذي يريد أن ينشئ عقد البيع، البائع يقول:" بِعْتُكَ الكِتابَ بِدِينارٍ"، وبقول البائع:" بِعْتُكَ"، فإن عملية البيع لحدّ الآن لم تتم، فالبائع يريد أن ينشئ في الواقع شيئا اسمه" بَيْع"، فإذا قال المشتري:

411

" قَبِلْتُ"، فإن عملية البيع تتمّ.

إذن: في الجملة الخبرية تخبر عن أمر واقع، وأما في الجملة الإنشائية فإنك تريد أن تنشئ واقعا وأن تنشئ بيعا، فتكون الجملة الخبرية بعد وقوع عملية البيع، وتكون الجملة الإنشائية قبل وقوع عملية البيع‏ (1)، وفي الجملة الخبرية المتكلم حينما يريد أن يتحدّث يتصوّر هذا

____________

(1) سؤال: الجملة الخبرية موضوعة لنسبة مفروغ عنها، وعندما نقول:" ينزل المطر غدا"، هذه جملة خبرية، وهي حتما ليست جملة إنشائية لأن المتكلم لا يريد أن ينشئ نزول المطر في الغد لأن نزول المطر ليس بيد المتكلم، والإنشاء يكون لشي‏ء تحت سلطة ويد المتكلم، وهذه الجملة لا تدل على وجود حقيقة واقعة وشي‏ء مفروغ عنه لأن النسبة لم تقع حتى الآن، بل تدل على نسبة سوف تقع في المستقبل، فكيف نوفّق بين ما قاله السيد الشهيد (قدس سره) في تعريف الجملة الخبرية وبين الجملة الخبرية في هذا المثال؟

الجواب: السيد الشهيد (قدس سره) يتكلم عن بيع الكتاب بالأمس والذي هو حقيقة واقعة، ولا يقصد السيد الشهيد أن الجملة الخبرية تكون دائما واقعة في الخارج لأن الجملة الخبرية قد تطابق الواقع وقد لا تطابق، فإذا قال الكاذب:" نزل المطر"، فإن المطر في الواقع ليس نازلا، إن معنى الجملة الخبرية أنك تخبر عن شي‏ء وليس للمتكلم دور في إنشاء هذا الشي‏ء، وأما في الجملة الإنشائية فإن للمتكلم دورا في إنشائه، فعندما يقول:" صَلِّ"؛ فهو يطلب من المخاطَب إنشاء الصلاة لا أنه يخبر عن الصلاة، وحينما يقول:" زيد يُصَلِّي"؛ فهو ناقل لمضمون الخبر وليس منشئا له، وهذا هو الفرق بين الخبر والإنشاء، ففي الخبر يوجد دائما مرجع للخبر وهو الواقع، ثم نأتي وننظر إلى الواقع، فإذا كان مضمون الخبر قد وقع فعلا في الخارج فهنا نقول إن هذا الخبر مطابق للواقع لأن مضمونه موجود في الواقع، وإذا كان مضمون الخبر لم يقع فعلا في الخارج فهنا نقول إن هذا الخبر غير مطابق للواقع، وعلى أي حال فإن الواقع موجود دائما في الجملة الخبرية، فإما أن يطابق الخبرُ الواقعَ فيكون الخبر صادقا، وإما أن لا يطابق الواقعَ فيكون الخبر كاذبا، إن مثل:" ينزل المطر غدا"؛ إذا وقع مضمونه في الخارج في الغد فيكون مطابقا للواقع، وإذا لم يقع في الغد فهو غير مطابق للواقع، فالمتكلم ليس له دور في إنشاء الواقع بل هو يخبر عن الواقع الموجود أو الذي سيقع في المستقبل، إن الخبر يكون صادقا إذا كان مطابقا للواقع، ويكون كاذبا إذا كان غير مطابق للواقع، ففي الحالتين لا بد من وجود واقع نرجع إليه حتى نعرف صدق الخبر من كذبه، ومراد السيد الشهيد هو أنه يوجد واقع والمتكلم يخبر عن هذا الواقع، فإذا طابق الخبرُ الواقعَ قلنا إن الخبر صادق، وإذا لم يطابقه كان الخبر كاذبا، والدليل على مراد السيد الشهيد هو قوله:" والجملة الإنشائية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها"، وبمقابلة الجملة الخبرية للجملة الإنشائية نصل إلى أن الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة لا يراد تحقيقها بل هي محقَّقَة، أي حقيقة واقعة وشي‏ء مفروغ عنه ولا يملك المتكلم من أمرها شيئا كما قال السيد الشهيد، ويفهم من كلام السيد الشهيد أن المتكلم يتصور النسبة بما هي حقيقة واقعة أنه يريد النظر إلى الخبر المطابق للواقع أي الخبر الصادق، ولا يريد السيد الشهيد أن يناقش الخبر الكاذب أو الخبر الذي يقع في المستقبل، والدليل هو أن الشهيد طرح مثال" بِعْتُ الكتابَ"، وكان استنتاجه وتطبيقه على هذا المثال فقط، ولا يشمل كلامه مثل" ينزل المطر غدا"؛ لأن هذا الخبر نقول عنه إنه صادق إذا جاء الغد ونزل المطر فعلا، وإذا جاء الغد ولم ينزل المطر فإن الخبر يكون كاذبا، وفي الحالتين لا بد من مجي‏ء الغد ورؤية الواقع لنعرف أن الخبر صادق أو كاذب.

412

الذي وقع سابقا ثم يخبر عنه، وأما في الجملة الإنشائية فالمتكلم يتصور أيضا، ولكن لا يتصوّر أمرا مفروغا عنه وشيئا واقعا، بل يتصور شيئا يريده المتكلم أن يقع، ففي الجملة الخبرية يتصور النسبة الواقعة، وفي‏

413

الجملة الإنشائية يتصور النسبة التي يريدها أن تقع.

النتيجة:

الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي حقيقة واقعة وشي‏ء مفروغ عنه، فالجملة الخبرية تكون ناظرة إلى شي‏ء واقع، وتريد أن تحكي عن هذا الشي‏ء الواقع، والجملة الإنشائية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها في الخارج، فالجملة الإنشائية تريد أن تنشئ واقعا، والجملة الخبرية تكون بعد تحقّق الشي‏ء في الخارج، والجملة الإنشائية تكون قبل تحقّق الشي‏ء في الخارج، وفي الجملة الخبرية يتصور المتكلم النسبة بما هي حقيقة واقعة يخبر عنها، وفي الجملة الإنشائية يتصور المتكلم النسبة بوصفها نسبة يراد تحقيقها.

رأي صاحب الكفاية (قدس سره):

من حيث الدلالة التصورية الناشئة من الوضع لا يوجد فرق بين النسبة في الجملة الخبرية" بِعْتُكَ الكتابَ بدينارٍ" والنسبة في الجملة الإنشائية" بِعْتُكَ الكتابَ بدينارٍ"، فالنسبة التي تدل عليها" بِعْتُ" في حال الإخبار و" بِعْتُ" في حال الإنشاء واحدة في مرحلة المدلول التصوري الناشئ من الوضع، فيكون اللفظ" بِعْتُ" موضوعا بوضع واحد لا بوضعين، وإنما الفرق بين النسبة في الجملتين يكون في مرحلة المدلول التصديقي ومراد المتكلم الناشئ من ظاهر حال المتكلم، فنحن نكتشف من إرادة المتكلم الفرق بين الجملة الخبرية والجملة الإنشائية، فإذا كان‏

414

المتكلم قاصدا ومريدا للإخبار والحكاية عن مضمون الجملة فالجملة خبرية، وإذا كان قاصدا ومريدا لإبراز اعتبار التمليك وإنشاء المعاوضة فالجملة إنشائية، فهو في الجملة الخبرية يقصد أن يحكي عن شي‏ء، وفي الجملة الإنشائية هو يقصد أن ينشئ شيئا، فإذا يوجد قصد يعني توجد إرادة، والإرادة تكون في المدلول التصديقي، وأما في مرحلة الدلالة التصورية فلا فرق بين الجملتين الخبرية والإنشائية من حيث النسبة التامة، فالمدلول التصديقي في الجملة الخبرية والجملة الإنشائية مختلف دون المدلول التصوري.

رد السيد الشهيد على رأي صاحب الكفاية (قدس سرهما):

لا يمكن قبول أن الفرق بين الجملتين الخبرية والإنشائية منحصر بالمدلول التصديقي وأنه لا فرق بينهما في المدلول التصوري.

إن الجمل تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول:

ما تكون فيه الجملتان الخبرية والإنشائية بلفظ واحد مثل" بِعْتُ"، فجملة" بِعْتُك الكتابَ بدينارٍ" تستعمل في الإخبار وفي الإنشاء.

القسم الثاني:

ما تكون فيه الجملتان الخبرية والإنشائية بلفظ مختلف، مثل" صَلَّى" التي تستعمل في الإخبار، و" صَلِّ" التي تستعمل في الإنشاء.

وعلى فرض أننا تعقَّلنا وتصوّرنا وقبلنا رأي صاحب الكفاية (قدس سره) فإنه يكون تاما في الجمل التي تشترك بلفظ واحد بين الإخبار

415

والإنشاء كما في" بِعْتُ"، ولا يمكن أن ينطبق على ما يختص به الإخبار والإنشاء من جمل، ونحن بالوجدان نرى أن المدلول التصوري للجملة الخبرية" أفْعَلُ" أو" فَعَلْتُ" أو" صَلَّى" يختلف عن المدلول التصوري للجملة الإنشائية مثل صيغة الأمر" افْعِلْ" أو" صَلِّ"، فصيغة الأمر لا تستعمل للحكاية عن وقوع الحدث بل تدل على طلب وقوع الحدث.

والدليل على اختلاف المدلول التصوري بين الجملتين هو أنه لو سمعنا الجملتين من جماد كاصطكاك حجرين أو من لافظ لا شعور له كالببغاء أو من لافظ له شعور كالإنسان النائم فإننا نحس بالفرق بين الجملتين مع أن الجماد واللافظ الذي لا شعور له واللافظ النائم ذا الشعور لا يوجد لألفاظهم مدلول تصديقي لأنه لا يوجد عند الجميع قصد، لا قصد الإخبار ولا قصد الإنشاء، فالاختلاف يكون في المدلول التصوري بين الجملتين لأنه لا يوجد في هذه الحالات مدلول تصديقي، وكذلك في الجملة المشتركة بلفظ واحد بين الإخبار والإنشاء، وإذا كان اللفظ واحدا في الإخبار والإنشاء فهذا معناه أن هذا اللفظ يكون مشتركا لفظيا له وضعان مثل لفظ" العين" الموضوع لعدة معاني بأوضاع مختلفة، وكلها تكون معاني حقيقية، وفي المشترك اللفظي يحتاج السامع إلى قرينة معيِّنة تعيِّن المعنى الحقيقي المراد من بين المعاني الحقيقية، فإذا قال المتكلم:" بِعْتُ"؛ فإنه لا بدّ أن يأتي بقرينة تعيِّن مراده، فإما أن يكون مراده الإخبار وإما أن يكون مراده الإنشاء، فلا بد أن يقيم قرينة تبيّن مراده للسامع لأن السامع سوف يسأله: ماذا تريد من" بِعْتُ"؟ هل تريد

416

الإخبار أو الإنشاء؟

الدلالات الخاصة والمشتركة

كان ما مضى كلّه نبذة تمهيدية عن الوضع والدلالة اللفظية أو الدلالة اللغوية والعلاقة بين الألفاظ والمعاني أو قل فلسفة اللغة وفقه اللغة وتصنيف اللغة من وجهة نظر أصولية، وهي تمهيد للدخول في بحث تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي اللغوي مثل الأمر والنهي والإطلاق والعموم والمفاهيم.

أقسام دلالات الدليل الشرعي اللفظي:

يوجد قسمان من الدلالات اللفظية حيث يمكن تقسيم العناصر اللغوية من وجهة نظر أصولية إلى هذين القسمين، وهما:

القسم الأول: الدلالات اللفظية الخاصة:

هي الدلالات المرتبطة ببعض المسائل الفقهية التي تبحث في علم الفقه، مثل دلالة كلمة" الصعيد" المرتبطة بباب التيمم، فهل المراد بكلمة" الصعيد" مطلق وجه الأرض أو خصوص التراب؟

ومثل دلالة كلمة" الكعب" المرتبطة بباب الوضوء، فهل المراد ب-" الكعب" قبّة القدم أو مفصل القدم؟

إن كلّ واحدة من هاتين الكلمتين لا يمكن أن تدخل في دليل سوى الدليل الذي يشتمل على حكم مرتبط بها ولا تدخل في الأبواب الفقهية الأخرى، مثل دلالة كلمة" الإحسان" المرتبطة بالإحسان إلى الوالدين في قوله تعالى:

417

وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (1).

ولا علاقة للأدلة التي تشتمل على حكم الصلاة مثلا بكلمة" الإحسان"، وهذه الدلالات خاصة بعلم الفقه، وتمثِّل العناصر الخاصة في عملية الاستنباط، والعناصر الخاصة في عملية الاستنباط هي كل أداة لغوية لا تصلح للدخول إلا في الدليل الذي يعالج موضوعا معيّنا ولا أثر لها في استنباط حكم موضوع آخر.

القسم الثاني: الدلالات اللفظية العامة:

هي الدلالات التي تصلح أن تكون عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط في مختلف أبواب الفقه، والعناصر المشتركة في عملية الاستنباط هي كل أداة لغوية تصلح للدخول في أي دليل مهما كان نوع الموضوع الذي يعالجه ذلك الدليل، والذي يحدّد العنصر المشترك في عملية الاستنباط ليس هو اللغة لأن اللغة تحتوي على عناصر خاصة وعناصر تصلح أن تكون عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط، وإنما الذي يحدّد العناصر المشتركة في عملية الاستنباط هو تكرار العنصر في كثير من عمليات الاستنباط في الأبواب الفقهية المختلفة.

ومثال العنصر المشترك دلالة صيغة فعل الأمر فإن بالإمكان استخدامها في أي موضوع كالصلاة والصيام والحج والزكاة.

وهذه العناصر تُبْحَث في علم أصول الفقه لأن البحث الأصولي يدور

حول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط الفقهي.

وعلم الأصول يدرس من اللغة هذا القسم من الأدوات اللغوية التي تعتبر عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، وهذه الأدوات اللغوية إما أنها لم تبحث في علوم اللغة ولم يحدّد معناها وإما أنها بحثت ولكن ليس بالتفصيل المطلوب في عملية الاستنباط ( (2) 1).

مثلا دلالة صيغة فعل الأمر- مثل" صَلِّ"- على الوجوب أو الاستحباب، فإذا كان دالا على الوجوب فإن الاستحباب يكون معنى مجازيا، وإذا كان دالا على الاستحباب فإن الوجوب يكون معنى مجازيا، وإذا جاءت القرينة الصارفة فإن اللفظ يدل على المعنى المجازي، ومع عدم القرينة الصارفة يدل اللفظ على المعنى الحقيقي، وإذا كان دالا على الوجوب والاستحباب معا فإن صيغة الأمر تكون مشتركا لفظيا بين الوجوب والاستحباب، ويكون كلاهما معنى حقيقيا، وتعيين أحد المعنيين الحقيقيين بحاجة إلى قرينة معيِّنة.

وكذلك يبحث علم الأصول في دلالة صيغة النهي على الحرمة أو الكراهة، ويأتي فيه نفس الكلام الذي جاء في دلالة الأمر من حيث الحقيقة والمجاز، ودلالة أدوات الشرط- مثل" إنْ"- على المفهوم،

____________

(1) الإسراء: 23

(2) (1) هذه الدلالات اللفظية اللغوية العامة لا يقصد بها نفس الآيات الكريمة والروايات الشريفة، وإنما هي مجموعة من الدلالات اللغوية التي نحتاجها في فهم الآيات والروايات، فهي من خلال تطبيقها على الآية والرواية نصل إلى المعاني التي تريد الآية والرواية بيانها.

418

ودلالة الإطلاق- وهو عدم ذكر القيد- وأدوات العموم مثل" كُلّ" و" جميع" والجمع المُعَرَّف بالألف واللام مثل" العلماء" و" الفقراء"؛ على الاستيعاب والشمول.

مثال:

لنفرض أنه ورد نص قائل:" إذا زالت الشمس وجبت الصلاة"، يستنبط من هذا النص أن وجوب الصلاة مرتبط بالزوال بدليل أداة الشرط، فأداة الشرط أنشأت رابطا وعلاقة بين الحكم والزوال، فيوجد قيد للحكم، فوجوب الصلاة مقيَّد ومشروط بالزوال.

والنص القائل:" إذا هلّ هلال شهر رمضان وجب الصوم"؛ يستنبط منه أن وجوب الصوم مرتبط بالهلال، فيوجد حكم مشروط بالهلال.

إن علم الأصول يدرس أداة الشرط بوصفها عنصرا مشتركا، ويبحث عن نوع الربط الذي تدل عليه ونتائج هذا الربط في استنباط الحكم الشرعي، فهل الجملة الشرطية لها مفهوم أو لا؟

وسوف تكون الأبحاث القادمة في القسم الثاني وهو الدلالات اللفظية العامة للدليل الشرعي اللفظي اللغوي.

419

تم بحول الله تعالى وقوّته الفراغ‏

من‏

الجزء الثاني‏

من‏

دروس في أصول الفقه توضيح الحلقة الثانية

يوم مولد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف‏)

يوم الأربعاء 15 شعبان 1425 ه- الموافق 29/ 9/ 2004 م‏

ويليه‏

الجزء الثالث‏

إن شاء الله تعالى‏

وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ‏

وَصَلَّى اللَّهُ‏

عَلَى‏

سَيِّدِنَا أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ

وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين‏