دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
55

و أما ما قيل في جوابه، من منع عموم المنع عنه (1) بحال الانسداد، أو منع (2) حصول الظن منه بعد انكشاف حاله، و أن ما يفسده أكثر مما يصلحه ففي غاية الفساد (3)، فإنه- مضافا إلى كون كل واحد من المنعين غير سديد؛ ...

____________

و قد ذكر الشيخ «(قدس سره)» في الرسائل جوابين آخرين عن إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد، و في كلا الجوابين نظر أشار إليه المصنف بقوله: «و أما ما قيل في جوابه ...» الخ. و قد جعلهما الشيخ الأمرين الأولين من الأمور السبعة.

(1) أي: عن القياس.

و حاصل الأمر الأول في الجواب: أنه لا مجال لإشكال المنافاة بين نهي الشارع عن العمل بالقياس، و بين حكم العقل بحجية مطلق الظن؛ و ذلك لاختصاص الأخبار الناهية عن العلم بالقياس بحال الانفتاح، و عدم شمولها لحال الانسداد؛ إذ من المعلوم: أن بعض تلك الأخبار كان في مقابل معاصري الأئمة «(عليهم السلام)» من العامة التاركين للثقلين، حيث تركوا الثقل الأصغر الذي عنده علم الثقل الأكبر، و رجعوا إلى اجتهاداتهم و آرائهم، فقاسوا و استحسنوا، و ضلوا و أضلوا. و عليه: فحكم العقل باعتبار مطلق الظن حال الانسداد باق على عمومه؛ و إن حصل من القياس.

(2) هذا هو الأمر الثاني في الجواب و حاصله: أن خروج القياس عن عموم النتيجة تخصصي لا تخصيص في حكم العقل حتى يتوجه الإشكال؛ إذ بعد ملاحظة الأخبار الناهية عن العمل به لا يحصل الظن منه حتى يشمله حكم العموم بعموم حجية الظن ليشكل خروجه بنهي الشارع عنه.

و من المعلوم: عدم وقوع التنافي حينئذ بين نهي الشارع و بين حكم العقل؛ إذ موضوع حكمه هو الطريق المفيد للظن بحكم الله لا نفس القياس، و إن لم يفد الظن، و من المسلم: عدم حصول الظن من القياس مع ملاحظة المنع الشرعي.

و هذا تمام الكلام في بعض الأمور السبعة في الجواب عن إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة الانسداد. و لم يتعرض المصنف جميع الوجوه السبعة.

(3) هذا جواب قوله: «و أما ما قيل ...» الخ، و هذا شروع في الرد على الأمرين- أي:

المنعين- و هذا الرد على وجهين:

أحدهما: ما يكون جوابا عن كل منهما على حدة.

و ثانيهما: ما يشتركان فيه.

أما الوجه الأول: فمحصل الجواب عن الأمر الأول: عدم صحة منع عموم الأخبار

56

لدعوى (1): الإجماع على عموم المنع (2)، مع إطلاق أدلته (3)، و عموم علته (4) و شهادة (5) الوجدان بحصول الظن منه في بعض الأحيان- ...

____________

الناهية عن العمل بالقياس لحال الانسداد، و محصل الجواب عن الأمر الثاني: عدم صحة منع حصول الظن من القياس.

و أما عدم صحة منع العموم- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 71»- فلجهات ثلاث:

الأولى: دعوى الإجماع على عموم المنع عن العمل بالقياس لحال الانسداد.

الثانية: إطلاق دليل المنع الشامل لحال الانسداد على ما هو شأن كل إطلاق أحوالي.

قال الشيخ «(قدس سره)» في رد الوجه الأول: «لكن الإنصاف أن إطلاق بعض الأخبار و جميع معاقد الاجماعات يوجب الظن المتاخم بالعلم؛ بل العلم بأنه ليس مما يركن إليه في الدين، مع وجود الأمارات السمعية» (1).

الثالثة: عموم علة المنع لحال الانسداد أيضا، مثل قولهم: «(عليهم السلام)» في مقام تعليل النهي عن القياس: ب «أن السنة إذا قيست محق الدين»، و «أن ما يفسده أكثر مما يصلحه»، حيث إن ظاهر التعليل اقتضاء ذات القياس لمحق الدين و محوه، و من المعلوم:

أن ما كان من مقتضيات الذات لا يتخلف عنه في حال دون حال كما هو واضح.

و أما عدم صحة منع حصول الظن: فلما سيأتي. فانتظر.

(1) هذا شروع في الجواب عن الأمر الأول المختص به، و هذا إشارة إلى أول وجوهه الثلاثة.

(2) يعني: لحال الانسداد.

(3) أي: أدلة المنع عن القياس، و هذا إشارة إلى ثاني وجوهه.

(4) أي: علة المنع، مثل: «إن السنة إذا قيست محق الدين»، و هذا إشارة إلى ثالث وجوهه.

(5) عطف على «دعوى»، و هذا شروع في الجواب عن الأمر الثاني المختص به الذي أشرنا إليه بقولنا: «و أما عدم صحة منع حصول الظن من القياس: فلما سيأتي».

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 72»- أنا نمنع عدم حصول الظن من القياس؛ بل ربما يحصل منه القطع في بعض الأحيان، فكيف يقال بعدم حصول الظن منه بعد ملاحظة نهي الشارع؟

____________

(1) فرائد الأصول 1: 530.

57

لا يكاد (1) يكون في دفع الإشكال بالقطع بخروج الظن الناشئ منه بمفيد، غاية

____________

و عليه: فيعود الإشكال بعدم قابلية حكم العقل للتخصيص.

و هذا الجواب أورده الشيخ الأعظم أيضا على الأمر الثاني، فقال: «و فيه: أن منع حصول الظن من القياس في بعض الأحيان مكابرة مع الوجدان ... إلى أن قال: و أما منعه عن ذلك دائما فلا، و كيف و قد يحصل من القياس القطع؟» (1).

و قد تحصل من كلمات المصنف في الجواب الأول عن الأمرين: أنّا نمنع الأمر الأول بعدم اختصاص بحال الانفتاح؛ للإجماع و إطلاق الأدلة و عموم العلة، كما نمنع الأمر الثاني بأنه قد يحصل الظن في بعض الموارد من القياس، فيعود الإشكال. هذا كله في الجواب الأول المختص بكل واحد من الأمرين.

و أما الجواب الثاني المشترك بينهما فسيأتي.

(1) خبر «فإنه» و اسم «يكون» ضمير راجع على الموصول في «ما قيل» المراد به كلا المنعين، و «بمفيد» خبره، أي: لا يكون المنع عن عموم الأدلة الناهية، و كذا المنع عن حصول الظن من القياس بمفيد. و هذا هو الجواب الثاني المشترك لكلا الأمرين- أعني:

المنعين-.

و حاصله: أن هذين الأمرين لا يدفعان إشكال خروج القياس و التنافي بين حكمي العقل و الشرع، ضرورة: أن الإشكال بخروجه إنما هو على فرض حصول الظن منه.

فمنع هذا الإشكال تارة: بأن القياس لا يفيده بعد منع الشارع عن العمل به، و أخرى:

بجواز العمل بالظن الحاصل من القياس حال الانسداد خروج عن الفرض، و هدم لموضوع الإشكال، فهو في الحقيقة تسليم للإشكال لا دفع له مع بقاء موضوعه، و الجواب بهذا النحو عن الإشكال نظير الجواب عن الإشكال على عدم إكرام زيد، المفروض أنه من العلماء بأنه ليس بعالم، فإن هذا الجواب لا مساس له بالإشكال- بعد فرض أنه من العلماء- فهو فرار عن الإشكال إن لم يكن تسليما له، لا أنه جواب عنه كما لا يخفى.

و بالجملة: فلا بد من علاج محذور لزوم تخصيص الحكم العقلي بحجية مطلق الظن، و لا يرتفع هذا المحذور بدعوى: أن نهي الشارع عن العمل بالقياس مانع عن حصول الظن به، أو أن نهيه عنه كاشف عن كونه غالب المفسدة؛ إذ من المعلوم: أن جميع النواهي الشرعية كاشفة عن وجود المفاسد الكامنة في متعلقاتها- بناء على مذهب‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 531.

58

الأمر (1): أنه لا إشكال (2) مع فرض أحد المنعين؛ لكنه (3) غير فرض الإشكال، فتدبر جيدا.

____________

العدلية- و هذا لا مساس له بإشكال عدم قابلية حكم العقل للتخصيص في شي‏ء من الحالات.

قوله: «بالقطع» متعلق ب «الإشكال»، و ضمير «منه» راجع على القياس.

(1) لعل الأولى تبديله بما يفيد التعليل فيقال: «لأنه لا إشكال».

(2) لعدم بقاء موضوع الإشكال مع أحد المنعين، و هما عدم إفادة القياس للظن، أو عدم شمول دليل النهي له أصلا.

(3) أي: لكن فرض ثبوت أحد المنعين غير فرض الإشكال، مع فرض عدمهما؛ لأن فرض ثبوت المنعين دفع للإشكال برفع موضوعه، و هو خلاف فرض دفع الإشكال، مع فرض بقاء موضوعه كما هو المطلوب.

و بعبارة أخرى- كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 74»-: لو سلمنا المنعين المذكورين لزم الخروج عن مورد الكلام، و هو فرض إشكال خروج القياس مع إفادته الظن و حرمة العمل به حال الانسداد أيضا، فقوله: «لكنه غير فرض الإشكال» معناه: أن فرض ثبوت أحد المنعين غير فرض إشكال خروج القياس، مع إفادته الظن و حرمة العمل به حال الانسداد أيضا.

فالمتحصل: أنه لو سلمنا المنعين فإشكال خروج القياس و التهافت بين حكمي العقل و الشرع- فيما إذا فرض إفادته الظن و عدم ثبوت جواز العمل به حال الانسداد- بعد باق. و في المقام أجوبة أخرى لا داعي إلى نقلها.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- مورد الإشكال: هو خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة.

و أما بناء على الكشف: فلا إشكال في خروجه عن عموم دليل الانسداد.

أما توضيح الإشكال: فيتوقف على تقديم أمور:

1- أن حكم العقل غير قابل للتخصيص.

2- استقلال العقل بكون الظن مناطا للإطاعة و المعصية حال الانسداد، كما أن العلم يكون مناطا لهما حال الانفتاح.

59

3- أن القياس مفيد للظن بالحكم.

4- منع الشارع عن العمل بالظن الحاصل من القياس.

5- أنه لو جاز المنع عن العمل بالظن القياسي لجاز المنع عن العمل بغيره من سائر الظنون، فلا يستقل العقل حينئذ بالعمل بالظن أصلا؛ لاحتمال النهي عن غير الظن القياسي أيضا.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة فنقول في توضيح الإشكال: إنه مع استقلال العقل بكون مطلق الظن حال الانسداد كالعلم حال الانفتاح مناطا للإطاعة و المعصية؛ كيف يمكن منع الشارع عن بعض أفراد الظن كالظن القياسي؟ مع أن الحكم العقلي غير قابل للتخصيص. و لو صيح هذا المنع لزم التخصيص في حكم العقل، و قد عرفت أنه غير قابل له.

و السر في عدم جواز تخصيص حكم العقل: هو لزوم التناقض من التخصيص، بتقريب: أن الحكم إذا كان عاما؛ بحيث يشمل هذا الفرد المعيّن، ثم خصصنا حكم العقل و رفعناه عن هذا الفرد لزم التناقض بين حكمه و بين التخصيص.

2- خلاصة جواب المصنف عن هذا الإشكال: إن حكم العقل على قسمين:

أحدهما: تنجيزي، و الآخر تعليقي، و هو ما يكون حكم العقل معلقا على عدم نهي الشارع عن ظن بالخصوص، فلو نهى عن العمل به لم يبق موضوع لحكم العقل بحجية مطلق الظن، فيكون خروج ما نهى عنه الشارع من باب التخصص لا من باب التخصيص حتى يقال: إن حكم العقل غير قابل للتخصيص، فخروج الظن القياسي حينئذ شرعا لا ينافي استقلال العقل بالحكم بحجية الظن؛ لأن حكمه هذا يكون تعليقيا، و المنافاة إنما تكون في الحكم التنجيزي دون التعليقي.

3- توهم: أن تعليق حكم العقل بحجية الظن على عدم نصب الشارع طريقا و إن كان في محله، حيث إن النصب يهدم انسداد باب العلمي الذي هو من مقدمات دليل الانسداد و يوجب انفتاحه؛ إلا إن تعليقه على عدم نهي الشارع عن العمل بظن خاص كالقياس لا مجال له؛ لأنه ليس كنصب الطريق موجبا لانفتاح باب العلمي حتى يصح تعليق حكم العقل عليه؛ مدفوع بأن النهي عن ظن ناشئ عن سبب خاص كالقياس ليس لا كنصب طريق، حيث إنه بعد النهي عنه لا يصلح لأن يقع به الامتثال فلا يكون مؤمّنا.

60

4- «نعم لا بأس بالإشكال فيه في نفسه»: استدراك على قوله: «و أنت خبير ...» الخ، و غرضه: أن الإشكال عن القياس يكون من جهتين:

الأولى: من جهة حكم العقل بالإطاعة الظنية، و هو محل الكلام، و قد تقدم دفعه.

الثانية: من جهة نفس نهي الشارع عن العمل بالظن الحاصل من القياس، و تقريب الإشكال من الجهة الثانية: أنه لو فرض إصابة الظن الحاصل من القياس للواقع لم يصح النهي عنه، لأنه موجب لفوات الواقع.

ثم دفع الإشكال من الجهة الأولى لا يغني عن دفعه من الجهة الثانية؛ إذ النهي عن الظن القياسي كالنهي عن مطلق الأمارة مستلزم للمحاذير المتقدمة في كلام ابن قبة فراجع.

و كيف كان؛ فهذا الإشكال يشبه إشكال ابن قبة في باب جعل الحجية للطرق الظنية كخبر الواحد مثلا.

5- قوله: «و استلزام إمكان المنع عنه لاحتمال المنع عن أمارة أخرى» دفع لما ذكره الشيخ «(قدس سره)» في تقرير الإشكال بقوله: «فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل ...» الخ.

و حاصل الدفع: أن احتمال المنع عن أمارة أخرى لا دافع له إذا كان غيرها من الأمارات كافيا بالفقه، و مع كفايتها لا يحكم العقل باعتبار تلك الأمارة المحتمل منعها كالأولوية الظنية؛ لعدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعة، و عدم حاجة إلى اعتبارها لوفاء غيرها من الأمارات التي لا يحتمل المنع عنها بمعظم الفقه؛ بل يحكم العقل حينئذ باعتبار غير تلك الأمارة لأنها وافية بالفقه.

و أما إذا لم تكن تلك الأمارات وافية بالفقه؛ فباب احتمال المنع منسد؛ لاهتمام الشارع بالأحكام.

فالمتحصل: أن احتمال منع الشارع عن بعض الظنون غير قادح في استقلال العقل بحجية الظن؛ إما للوفاء بالفقه، و إما الاهتمام الشارع بها.

6- قوله: «و قياس حكم العقل ...» الخ، دفع لما ذكره الشيخ في تقرير إشكال خروج القياس بقوله: «كيف يجامع حكم العقل؟».

و حاصل ما ذكره الشيخ «(قدس سره)»: عبارة عن قياس حجية الظن في حال الانسداد على حجية العلم في حال الانفتاح، فكما أن حكم العقل باعتبار العمل حال الانفتاح لا يقبل التخصيص فكذلك حجية الظن حال الانسداد غير قابل للتخصيص؛

61

لمنافاته لما استقل به العقل.

و حاصل الدفع: أن هذا القياس قياس مع الفارق؛ لأن حكم العقل في العلم تنجيزي، و في الظن تعليقي كما عرفت.

7- و قد يقال: إنه لا وجه لتخصيص الإشكال على دليل الانسداد- بناء على الحكومة- بالنهي عن القياس المفروض إفادته للظن، مع وحدة الملاك فيه و في الأمر بما لا يفيد الظن كاليد و السوق مثلا؛ إذ كما يكون النهي منافيا لحكم العقل و موجبا لارتفاعه، كذلك الأمر، فإن العقل حاكم بقبح الاكتفاء بما دون الظن، فلا فرق في انتفاء حكم العقل بين النصب و الردع؛ لأن حكمه معلق على عدم النصب و الردع، فنصب الطريق و النهي عنه من واد واحد في تعليق حكم العقل على عدم تصرف الشارع، فلا مجال لتقرير الإشكال بالنسبة إلى خصوص النهي عن القياس.

8- مناقشة المصنف في بعض الوجوه المذكورة لدفع الإشكال على عموم نتيجة دليل الانسداد.

و منها: ما أشار إليه بقوله: «تارة: بأن المنع عن القياس» و حاصله: أن خصوصية القياس من بين سائر الأمارات هي غلبة مخالفة الواقع، و هذا المعنى لما خفي على العقل الحاكم بوجوب سلوك الطرق الظنية عند فقد العلم، فإذا كشف الشارع عن حال القياس و تبين عند العقل حاله، فيحكم بعدم جواز الركون إليه.

و منها: ما أشار إليه بقوله: «و أخرى: بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة».

و حاصل هذين الوجهين: أن العقل إنما يحكم بلزوم اتباع الظن لكونه أقرب إلى الواقع، و عدم مزاحمته بالمفسدة الغالبة، و كونه غالب الإيصال إليه، فإذا كشف نهي الشارع عن أن الظن الحاصل من القياس غير مصيب للواقع غالبا، أو أن المفسدة المترتبة على العمل به أكثر من مصلحته، فلا محالة يحكم العقل بعدم جواز الركون إليه تخصيصا؛ لحكمه بمراعاة الظن.

9- ردّ المصنف على هذين الوجهين: أن هذين الوجهين يفيدان صحة النهي عن القياس، بمعنى: أن الشارع نهى عن القياس لكونه كثير المخالفة، أو لكون مفسدته مزاحمة لمصلحة الواقع.

و بعبارة أخرى: أنه قد مرّ غير مرة: إن النهي عن الظن القياسي من جهتين، و الوجهان المتقدمان عن الشيخ «(قدس سره)» يصححان النهي عنه باعتبار الجهة الأولى، و لا

62

يصححانه باعتبار الجهة الثانية، مع أن صحة النهي من الجهة الثانية هي محل الكلام في المقام.

10- و قد ذكر الشيخ في الرسائل جوابين آخرين عن إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد.

و في كلا الجوابين نظر قد أشار إليه المصنف بقوله: و أما ما قيل.

و حاصل الجواب الأول من الشيخ «(قدس سره)»: أنه لا مجال لإشكال المنافاة بين نهي الشارع عن القياس، و بين حكم العقل بحجية مطلق الظن؛ لاختصاص النهي عن العمل بالقياس بحال الانفتاح، و عدم شموله لحال الانسداد.

و حاصل الجواب الثاني منه «(قدس سره)»: أن خروج القياس عن عموم النتيجة تخصص لا يكون تخصيصا في حكم العقل حتى يتوجه الإشكال إليه؛ إذ بعد ملاحظة النهي عن العمل به لا يحصل الظن منه حتى يشمله حكم العقل بحجية مطلق الظن.

و أما ردّ المصنف عليهما يكون بوجهين:

أحدهما: ما يكون جوابا عن كل منهما على حدة، و الآخر ما يشتركان فيه.

أما الأول: فحاصل رد المصنف على الجواب الأول هو: عدم صحة منع عموم النهي عن القياس لحال الانسداد، و عن الجواب الثاني: هو عدم صحة منع حصول الظن من القياس.

و أما الوجه الثاني المشترك لكلا الجوابين أعني: المنعين فحاصله: أن هذين الجوابين من الشيخ «(قدس سره)» لا يدفعان إشكال خروج القياس، ضرورة: أن الإشكال على خروجه إنما هو على فرض حصول الظن منه، فمنع هذا الإشكال تارة: بأن القياس لا يفيد الظن بعد منع الشارع عنه. و أخرى: بجواز العمل بالظن الحاصل من القياس حال الانسداد؛ لعدم شمول النهي له خروج عن الفرض، و هدم لموضوع الإشكال، فهو في الحقيقة تسليم للإشكال لا دفع له، مع بقاء موضوعه.

و كيف كان؛ فلو سلّمنا المنعين، أعني: الجوابين من الشيخ «(قدس سره)» فإشكال خروج القياس فيما إذا فرض كونه مفيدا للظن بعد باق.

11- رأي المصنف «(قدس سره)»:

إن خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة إنما هو من باب التخصص؛ لا من باب التخصيص كي يرد عليه بأن حكم العقل غير قابل للتخصيص.

63

فصل‏

إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص (1)؛ فالتحقيق أن يقال- بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد-: أنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل‏

____________

[فصل‏] في الظن المانع و الممنوع‏

(1) قبل الخوص في البحث ينبغي بيان ما هو محل الكلام في المقام.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أنه تارة: يقوم ظن على عدم حجية ظن بالخصوص؛ كما إذا قام دليل ظني كالشهرة على عدم حجية ظن آخر؛ كالظن الحاصل من الاستحسان.

و أخرى: يقوم ظن على عدم الدليل على اعتبار ظن؛ كما إذا قامت الشهرة على عدم حجية الشهرة، حيث يكون مرجع الشهرة المنعقدة على عدم حجية الشهرة إلى انعقاد الشهرة على عدم الدليل على حجية الشهرة، و بقائها تحت أصل عدم الحجية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل الكلام هو القسم الأول، و هو ما إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص.

و كيف كان؛ فالغرض من عقد هذا الفصل: بيان حكم الظن المانع و الممنوع من حيث الاعتبار و الحجية، فإذا منع ظن عن العمل بظن مخصوص، كما إذا قامت الشهرة على عدم حجية الظن الحاصل من الاستحسان، كما إذا قام الاستحسان على وجوب الزكاة في النقود الورقية في يومنا هذا تشبيها لها بالدرهم و الدينار، فحصل الظن بوجوب الزكاة في النقود الورقية من الاستحسان في حال الانسداد. و هذا هو الظن الممنوع و الظن الحاصل من الشهرة هو الظن المانع، فإنه بناء على تقرير مقدمات الانسداد على نحو الحكومة لا ريب في تساويهما- المانع و الممنوع- في نظر العقل من حيث الحجية؛ إذ المفروض: إفادة كليهما للظن. هذا من جهة. و من جهة أخرى: يستحيل العمل بكليهما معا كما هو واضح، فلا بد من الأخذ بأحدهما فقط.

فيقع الكلام فيما هو مقتضى مقدما الانسداد؛ هل هو الأخذ بالظن الممنوع و الحكم بوجوب الزكاة في النقود الورقية؟ أو أنها تقتضي تقديم الظن المانع، فتصير النتيجة:

64

وجوب الأخذ بالظن الحاصل من الشهرة، و الحكم بعدم وجوب الزكاة في النقود الورقية أو أنها تقتضي تقديم ما له مرجح منهما أو يتساقطان؟ وجوه؛ بل أقوال:

1- وجوب العمل بالظن الممنوع.

2- وجوب العمل بالظن المانع.

3- وجوب الأخذ بما له مرجح.

4- تساقط الظنين و الرجوع إلى الأصول العمليّة.

أما وجه وجوب الأخذ بما له مرجح: فهو واضح، بمعنى: وجوب الأخذ بأقوى الظنين، خصوصا إذا قلنا بأن نتيجة مقدمات الانسداد جزئية من ناحية المراتب.

و أما وجه سائر الوجوه: فهو مبني على كون نتيجة مقدمات الانسداد حجية الظن في الفروع أو الأصول أو كليهما، فإن قلنا: إن نتيجتها هي الحجية في الفروع فالمقدم هو الظن الممنوع، و إن قلنا: إن النتيجة هي الحجية في الأصول: فالمقدم هو الظن المانع، و إن قلنا بحجية كليهما معا: فيتساقطان.

و مختار المصنف هو: تقديم الظن المانع؛ كما أشار إليه بقوله: «فالتحقيق أن يقال بعد تصور المنع ...» الخ.

و توضيح ما أفاده المصنف في وجهه- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 74»-:

أن حكم العقل بحجية الظن معلق على إحراز عدم الردع عنه فاحتماله مانع عن حكمه بها، و مع احتمال المنع عن الظن الحاصل من الاستحسان مثلا- فضلا عن قيام الظن على عدم اعتباره- لا يستقل العقل بحجية الظن الحاصل منه؛ لما تقدم في الفصل السابق من: عدم استقلال العقل بحجية الظن، مع احتمال المنع عنه شرعا، فلا بد من الاقتصار على ظن لا يحتمل المنع عنه أصلا، و هو الظن المانع كالشهرة في المثال المتقدم، فإن و فى بالأحكام فهو المطلوب؛ و إلا ضم إليه ظن احتمل المنع عنه- لا ما ظن بعدم اعتباره- و يكون الظن الذي يحتمل المنع عنه حجة شرعا، و لا يعتنى باحتمال المنع عنه؛ و ذلك للعلم باهتمام الشارع بالأحكام، و المفروض: قيامه ببعضها، فيجب الأخذ به. انتهى موضوع الحاجة من كلامه مع توضيح و تصرف منا.

قوله: «بعد تصور المنع عن بعض الظنون» يعني: بعد إمكانه كالقياس؛ إذ بناء على استحالة المنع حتى عن مثل القياس- كما مال إليها بعض في الفصل السابق في دفع إشكال خروج القياس عن نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة- يمتنع فرض قيام ظن‏

65

المنع عنه، فضلا عما إذا ظن كما أشرنا إليه في الفصل السابق (1)، فلا بد (2) من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه (3) بالخصوص (4)، فإن كفى (5) و إلا فبضميمة ما لم يظن المانع عنه؛ و إن احتمل (6) مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد و إن انسد باب هذا الاحتمال معها كما لا يخفى، و ذلك (7) ضرورة: أنه لا احتمال مع‏

____________

كالشهرة على المنع عن ظن آخر؛ كالظن الحاصل من الاستحسان.

لكن قد عرفت هناك: عدم استحالة المنع؛ بل إمكانه و وقوعه كالمنع عن القياس نظرا إلى أن حكم العقل بحجية الظن تعليقي لا تنجيزي.

(1) حيث قال: «ضرورة: عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعة على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع و الممنوع».

(2) هذا نتيجة عدم استقلال العقل بحجية ظن ظن أو احتمل المنع عنه، و على هذا:

فاستقلال العقل بحجية الظن لا يكون في مورد الظن بالمنع أو احتماله؛ بل ينحصر في مورد واحد، و هو القطع بعدم ردع الشارع عنه.

(3) كخبر الواحد الذي يعلم بعدم الردع عنه بالخصوص.

(4) يعني: لا بنحو العموم المقتضي لعدم حجية شي‏ء من الظنون، مثل قوله تعالى:

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* الدال على عدم حجية شي‏ء من الظنون ضرورة: أنه لا عبرة بهذا النهي العام؛ للزوم رفع اليد عنه بدليل الانسداد المقتضي لحجية الظن.

(5) يعني: فهو المطلوب، و لم يجز التعدي عنه إلى موهوم المنع أو مشكوكه، فضلا عن محتمله أو مظنونه؛ «و إلا» أي: و إن لم يكف ما قطع بعدم الردع عنه بالخصوص في استفادة الأحكام، فلا بد من ضم ما يحتمل المنع عنه إليه، دون ما ظن المنع عنه.

(6) أي: و إن احتمل المنع عن بعض الظنون بلحاظ حال الانفتاح، فإن ذلك الاحتمال مانع عن حجيته حاله لا حال الانسداد؛ لعدم العبرة- حال الانسداد- باحتمال المنع.

و ضمير «معها» راجع على المقدمات. فمعنى العبارة: «و إن انسد باب هذا الاحتمال» أي:

احتمال المنع مع وجود مقدمات الانسداد. و إنما قيدنا الظن المحتمل منعه بكون احتمال منعه قبل مقدمات الانسداد؛ لأن الظن المحتمل منعه بعد تمامية مقدمات الانسداد حاله حال الظن المقطوع منعه؛ لما عرفت- في فصل الظن القياسي- من أن احتمال المنع كالقطع بالمنع في خروج الظن عن حكم العقل بحجية مطلق الظن تخصصا.

(7) أي الذي ذكرنا من كون احتمال المنع قبل مقدمات الانسداد غير ضار، «ضرورة: أنه لا احتمال» للمنع «مع الاستقلال» للعقل بحجية كل ظن.

66

الاستقلال حسب الفرض (1).

و منه (2) انقدح: أنه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الأصول أو في الفروع أو فيهما، فافهم.

____________

قوله: «ضرورة» تعليل لانسداد باب احتمال المنع عن بعض الظنون مع مقدمات الانسداد، و حاصله:- على ما «في منتهى الدراية، ج 5، ص 77»- أنه- مع مقدمات الانسداد- ينسد باب احتمال المنع عن بعض الظنون، فلو لم ينسد بابه لزم عدم استقلال العقل بحجية الظن، و المفروض استقلاله.

(1) أي: فرض الانسداد.

و المتحصل مما أفاده: أن الظنون غير المحتمل منعها إن كانت وافية بمعظم الفقه، فالعقل يحكم بحجيتها فقط، و لا يحكم باعتبار ما يحتمل منعه من الأمارات، فضلا عن مظنون المنع، و إن لم تكن وافية، فيضم إليها ما لا يظن المنع عنه؛ و إن احتمل مع الغض عن مقدمات الانسداد، و انسد هذا الاحتمال بسببها؛ لمنافاته لاستقلال العقل كما عرفت.

(2) هذا رد لما استظهره الشيخ «(قدس سره)» من كلمات جمع من المحققين في مسألة تقديم الظن المانع أو الممنوع؛ من ابتناء الأقوال فيها على ما يستفاد من دليل الانسداد، و أن تقديم الظن الممنوع مبني على القول بأن النتيجة حجية الظن في الفروع، و تقديم الظن المانع مبني على القول بأن النتيجة حجيته في الأصول، قال الشيخ: «ذهب بعض مشايخنا إلى الأول بناء منه على ما عرفت سابقا من بناء غير واحد منهم على أن دليل الانسداد لا يثبت اعتبار الظن في المسائل الأصولية التي منها مسألة حجية الظن الممنوع، و لازم بعض المعاصرين الثاني- أي: تقديم المانع- بناء على ما عرفت منه من: أن اللازم بعد الانسداد تحصيل الظن بالطريق، فلا عبرة بالظن بالواقع ما لم يقم على اعتباره الظن، و قد عرفت ضعف كلا البناءين ...» (1) الخ.

و قوله المصنف: «و منه انقدح ...» الخ، يعني: مما حققناه بقولنا: «ضرورة: أنه لا احتمال مع الاستقلال» ظهر: أنه لا تتفاوت الحال في وجوب الأخذ بالمانع و طرح الممنوع بين ما اختاره صاحب الفصول و غيره؛ من اقتضاء مقدمات الانسداد حجية الظن في الأصول أي: بالطرق المتكفلة للأحكام فقط، و بين ما ذهب إليه آخرون‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 532.

67

كصاحب الرياض و شريف العلماء على ما حكي عنهما «(قدس سرهما)» من اختصاص حجية الظن بالفروع فقط، و بين ما اختاره المصنف تبعا للشيخ من اقتضائها حجيته إذا تعلق بكل من الواقع و الطريق، و أن الأقوال في هذه المسألة ليست مبنية على ما يستفاد من دليل الانسداد.

وجه عدم تفاوت الحال: ما عرفت من: أنه مع احتمال المنع فضلا عن ظنه لا استقلال للعقل بحجية الظن، سواء كانت نتيجة الانسداد حجية الظن بالفروع أم بالأصول أم بهما.

أما الأول: أعني: عدم استقلال العقل بحجية غير الظن المانع فيما إذا كانت نتيجة الانسداد حجية الظن بالفروع: فلأن احتمال عدم حجية ظن بالفروع كاف في منع استقلال العقل بحجية ذلك الظن، بعد ما تقدم من أن المانع هو الردع الواقعي اللازم منه كفاية احتماله في منع استقلال العقل، فدليل الانسداد و إن لم يثبت حجية خصوص الظن بالطريق أي: الظن المانع؛ لكنه لا يثبت عدم حجيته أيضا، فهو باق تحت عموم نتيجة دليل الانسداد، و هذا بخلاف الظن الممنوع المتعلق بالفروع، فإن احتمال حجية الظن المانع الموجب لاحتمال عدم حجية الظن الممنوع لما كان باقيا على حاله؛ لشمول دليل الانسداد له كما تقدم، فهو يمنع استقلال العقل بحجية الظن الممنوع.

و أما الثاني- أعني: عدم استقلاله بحجية غير الظن المانع، فيما إذا كانت النتيجة حجية الظن بالطريق- فلأن المفروض: اقتضاء دليل الانسداد لحجيته، فالعقل مستقل بها، فيكون الظن المانع هو الحجة فقط، فلا يجوز العمل بالممنوع.

و أما الثالث- أعني: عدم استقلاله بحجية غير المانع فيما إذا كانت النتيجة حجية الظن بالفروع و الطريق معا- فلأن دليل الانسداد و إن كان مقتضيا لحجية كل من الظن بالفروع و الأصول- أي: الممنوع و المانع- إلا إن اقتضاءه لحجية المانع تنجيزي؛ لعدم إناطته بشي‏ء و اقتضائه لحجية الممنوع تعليقي، يعني: أنه معلق على عدم ما يمنع استقلال العقل بحجيته، و حيث إن شمول نتيجة الانسداد للظن المانع موجب لسلب استقلال العقل بحجية الظن الممنوع، فيسقط عن الحجية، فيكون المانع هو الحجة دون الممنوع؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 79».

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى ضعف الاستظهار المذكور في نفسه، و أن ما بنى عليه المحققون في نتيجة دليل الانسداد من حجية الظن في الفروع أو الأصول لا يقتضي ما

68

استظهره الشيخ «(قدس سره)» منه من حجية الظن الممنوع أو المانع.

قال المصنف في حاشيته على «الرسائل» معلقا على قول الشيخ «(قدس سره)» ما هذا لفظه: «لا يخفى: أن هذا البناء لا يقتضي وجوب العمل بالممنوع، ضرورة: أن عدم حجية الظن إلا في الفروع لا يلازم حجيته فيها مطلقا؛ و لو ظن عدم اعتباره- إلى أن قال: كما إنه ليس لازم من ذهب إلى حجية الظن في الأصول حجية المانع مطلقا؛ لإمكان أن يكون كل من المانع و الممنوع فيها؛ كما لو قام ظن على عدم حجية ظن قام على حجية أمارة أو أصل، و إنما يصح ذلك فيما كان الممنوع في فرع».

و كيف كان؛ فالكلام في المقام طويل، فمن شاء تفصيل ذلك فليرجع إلى المفصلات.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور تالية:

1- الظن المانع و الممنوع: توضيح ذلك: كما إذا قامت الشهرة على عدم حجية الظن الحاصل من الاستحسان.

فالظن الحاصل من الشهرة يسمى مانعا، و الظن الحاصل من الاستحسان يسمى ممنوعا و هما متساويان في نظر العقل عند الانسداد من حيث الحجية؛ لإفادة كليهما للظن. غاية الأمر: لا يمكن الأخذ بكليهما معا، فلا بد من الأخذ بأحدهما فقط، فيقع الكلام فيما هو مقتضى مقدمات الانسداد؛ هل هو حجية الظن الممنوع أو المانع، أو تقديم ما له مرجح أو حجية كليهما هناك وجوه؛ بل أقوال.

2- وجه الأخذ بما هل مرجح: واضح، لا يحتاج إلى البيان. و أما وجه سائر الوجوه و الأقوال: فهو مبني على كون نتيجة مقدمات الانسداد هل هي حجية الظن في الفروع، أو في الأصول، أو في كليهما.

فإن قلنا: بأن النتيجة هي الحجية في الفروع: فالمقدم هو الظن الممنوع، و إن قلنا: إن النتيجة هي الحجية في الأصول: فالمقدم هو الظن الممنوع، و إن قلنا: بأن النتيجة حجية كليهما معا: فيتساقطان.

3- رأي المصنف:

هو تقديم الظن المانع.

69

فصل‏

لا فرق (1) في نتيجة دليل الانسداد بين الظن بالحكم من أمارة عليه، و بين الظن به من أمارة متعلقة بألفاظ الآية أو الرواية؛ كقول اللغوي فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه، و هو واضح.

____________

[فصل فى‏] الظن بألفاظ الآية أو الرواية

(1) أي: لا فرق في عموم النتيجة بين حصول الظن بالحكم الشرعي من أمارة عليه بلا واسطة؛ كما إذا قامت الشهرة على وجوب شي‏ء أو حرمته، و بين حصول الظن بالحكم الشرعي من أمارة عليه مع الواسطة؛ كالظن الحاصل من أمارة على تفسير لفظ من ألفاظ الكتاب أو السنة؛ «كما إذا قال اللغوي: إن الصعيد هو مطلق وجه الأرض، فأورث الظن في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* بجواز التيمم بالحجر مثلا، مع وجود التراب الخالص». أو على وثاقة راو ينقل الحكم عن المعصوم «(عليه السلام)»، فأورث الظن بذلك الحكم.

و الوجه في عدم الفرق: هو إطلاق حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد، فلا فرق عنده بين ظن يوصلنا إلى الحكم الواقعي بلا واسطة، أو مع الواسطة، فلا حاجة إلى إعمال انسداد آخر صغير في مثل هذه الموارد «أي: موارد الرجوع إلى قول اللغوي، و علماء الرجال»؛ بل يكفي جريان مقدمات الانسداد الكبير في معظم أحكام الفقه.

ثم إن الظن الحاصل من قول اللغوي حجة إذا كان متعلقا بحكم شرعي، و ليس بحجة في تشخيص موضوعات الأحكام؛ كالألفاظ الواردة في رسائل الوصية أو الوقف؛ لأن المفروض: هو انسداد باب العلم و العلمي في الأحكام، فتكون مقدمات الانسداد تامة في خصوص الأحكام لا الموضوعات. هذا خلاصة الكلام في المقام.

و كيف كان؛ فالغرض من عقد هذا الفصل: التنبيه على أن مقتضى إنتاج مقدمات الانسداد: حجية الظن بمناط الأقربية إلى الواقع، و قبح ترجيح المرجوح على الراجح هو حجية الظن مطلقا، سواء تعلق بالحكم الشرعي بلا واسطة أو معها كما عرفت؛ إذ بعد حجية مطلق الظن بالانسداد لا فرق في الحجية بين تعلقه بالحكم الشرعي بلا واسطة؛

70

و لا يخفى: أن اعتبار ما يورثه (1) ...

____________

كنقل الراوي عن الإمام «(عليه السلام)» وجوب صلاة الجمعة، و بين تعلقه بالحكم مع الواسطة أي: بأمارة أخرى غير الأمارة الدالة على نفس الحكم، كما إذا ورد الأمر بالتيمم بالصعيد في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*، و شككنا في جوازه بمطلق وجه الأرض الشامل للحجر مثلا، و فرضنا انسداد باب العلم و العلمي بجوازه، فإذا قال اللغوي: «الصعيد هو مطلق وجه الأرض»، و فرضنا إفادة كلامه للظن، فإنه حينئذ:

يحصل لنا الظن بالحكم الشرعي و هو جواز التيمم بمطلق وجه الأرض؛ لكن بواسطة قول اللغوي، فيجوز لنا أن نقول حينئذ هكذا: يجوز التيمم بالصعيد؛ لأن الصعيد هو مطلق وجه الأرض، فيجوز التيمم بمطلق وجه الأرض، فإذا ثبت جواز التيمم بمطلق وجه الأرض ثبت جوازه بالحجر أيضا؛ لأنه من أفراد مطلق وجه الأرض. فالنتيجة هي: حجية قول اللغوي بدليل الانسداد.

و كذا الكلام بالنسبة إلى الظن الحاصل من كلام الرجالي في تمييز المشتركات مثلا، كما إذا قال: إن عمر بن يزيد الواقع في سند الرواية الكذائية هو الثقة بقرينة كون الراوي عنه ثقة، فإن توثيقه موجب للظن بالحكم الشرعي الذي تضمنته الرواية.

و السر في عدم الفرق في ذلك كله: وحدة المناط في حجية الظن- و هو الأقربية إلى الواقع- في الجميع كما تقدم، و هذا المناط يوجب التلازم بينه و بين مؤدى الأمارة، فيكون الجميع حجة؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 82».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في منتهى الدراية كما هو العادة.

(1) الضمير المستتر راجع على الموصول المراد به الأمارة، و الضمير البارز راجع على الظن بالحكم، و اسم «كان» ضمير مستتر راجع على الموصول في «فيما» أو «بما» المراد به الحكم.

و غرضه من هذا الكلام: أن اعتبار الأمارة الموجبة للظن بالحكم مع الواسطة- كقول اللغوي- مختص بأحكام انسد فيها باب العلم و العلمي، فمع انفتاح باب العلم و العلمي بها لا يكون ذلك الظن الحاصل من تلك الأمارة حجة فيها- أي: في الأحكام- و إن انسد باب العلم و العلمي في اللغة، فالمدار في حجية قول اللغوي على انسداد باب العلم و العلمي في الأحكام دون انسداد بابهما في اللغة مع فرض الانفتاح في أكثر الأحكام.

و الحاصل: أن المعيار في حجية الظن الحاصل من قول اللغوي هو: انسداد باب العلم بالأحكام دون اللغات.

71

لا يختص (1) عنه فيما إذا كان مما ينسد فيه باب العلم فقول أهل اللغة حجة (2) فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد؛ و لو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد.

نعم (3)؛ لا يكاد يترتب عليه أثر آخر (4) من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو

____________

(1) الظاهر أنه هو الصحيح؛ إذ هو في مقام بيان مورد حجية الظن الحاصل من اللغوي، فما في بعض النسخ من «لا يختص» لعله سهو من النساخ.

(2) يعني: إذا انسد باب العلم باللغة في مورد- كلفظ الصعيد في المثال المتقدم- كان قول اللغوي حجة فيه إذا أورث الظن بالحكم الشرعي، مع انسداد باب العلم بالأحكام، و لو فرض انفتاح باب العلم باللغة في غير ذلك المورد؛ إذ المناط في حجية الظن بالحكم الشرعي الثابتة بدليل الانسداد في مورد كلفظ الصعيد تحقق الانسداد؛ و لو في خصوص ذلك المورد.

(3) استدراك على حجية الظن بالحكم الشرعي، الحاصل ذلك الظن من كلام اللغوي بدليل الانسداد.

و حاصله: منع الملازمة في حجيته إذا تعلق بالحكم الشرعي مع حجيته في الموضوعات الخارجية.

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 83»- أن حجية قول اللغوي في الأحكام إذا أوجب الظن بها لا تستلزم حجيته في الموضوعات الخارجية؛ كالوصية و الإقرار و غيرهما من الموضوعات ذوات الآثار؛ لاختصاص دليل الانسداد بالأحكام الكلية، فلا يثبت حجية الظن في غيرها كلفظ «كثير» و «بعض» إذا ورد في وصية أو إقرار؛ كما إذا أوصى زيد بأن يعطى كثير من أمواله لعمرو، أو أقر بأن بعض عقاره لبكر، فإن الظن المتعلق بهما بواسطة قول اللغوي لا يكون حجة؛ بل يتوقف حجيته في الموضوعات ذوات الآثار على قيام دليل غير دليل الانسداد على حجية الظن مطلقا في تلك الموضوعات، سواء حصل من قول اللغوي أم غيره، أو قيام دليل على حجية قول اللغوي في كل مورد حكما كان أو موضوعا، فالظن الحاصل من قول اللغوي بمراد الموصي لا يصير حجة إلا بأحد هذين النحوين.

و هذا الاستدراك أفاده الشيخ أيضا بقوله: «و هل يعمل ذلك الظن في سائر الثمرات المترتبة على تعيين معنى اللفظ غير مقام تعيين الحكم الشرعي الكلي كالوصايا و الأقارير و النذور؟ فيه إشكال و الأقوى العدم ...» (1) الخ.

(4) يعني: غير تعيين مراد الشارع، و «من تعيين» بيان له و ضمير «عليه» راجع على‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 538.

72

غيرهما (1) من الموضوعات الخارجية؛ إلا (2) فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص (3)، أو ذاك (4) المخصوص، و مثله (5) الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي؛ كالظن بأن راوي الخبر هو زرارة بن أعين مثلا لا آخر (6).

فانقدح (7): أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد؛ و لو لم يقم دليل على‏

____________

اعتبار قول اللغوي في الأحكام.

(1) أي: كالوقف و النذر اللذين هما من الموضوعات الخارجية، التي يترتب عليها أحكام شرعية جزئية.

(2) استثناء من قوله: «لا يكاد يترتب» يعني: لا يكاد يترتب على الظن «أثر آخر» غير الحكم «من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو غيرهما من الموضوعات الخارجية؛ إلا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص»؛ بأن قام دليل عام على حجية الظن مطلقا بالنسبة إلى قول اللغوي؛ كما لو جرت في أقوالهم مقدمات الانسداد كأن يقال: إنا نقطع بتوجه تكاليف إلينا في أبواب الوصايا و الأقارير و نحوهما، و انسد باب العلم و العلمي بمعاني اللغات، و الاحتياط موجب للعسر أو الاختلال، و يقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا بد من كفاية الظن في اللغة.

(3) متعلق ب «يثبت» يعني: إلا في الموضوع الذي يثبت فيه بالخصوص جواز التعويل على مطلق الظن، و ذلك كالضرر و النسب و غيرهما، فإذا حصل الظن- من أي سبب- بترتب الضرر على الفعل الكذائي كان حجة و ترتب عليه الحكم الشرعي.

(4) عطف على «الخصوص».

(5) أي: و مثل الظن الحاصل بالحكم من أمارة متعلقه بألفاظ الآية أو الرواية: الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي؛ كالظن الحاصل من قول الرجالي في توثيق بعض الرواة و كذا في تعيين المشتركين في اسم واحد؛ كتعيين إن زرارة الواقع في سند كذا هو ابن أعين- على وزن أحمد- الثقة، بقرينته من يروي عنه؛ لا ابن لطيفة.

و وجه اعتبار هذا الظن ما تقدم من أن مقتضى دليل الانسداد هو: حجية الظن بالحكم الشرعي الكلي، سواء تعلق بالظن بالواقع بلا واسطة أم معها.

(6) و هو زرارة بن لطيفة، أو غيره من الستة الذين هم مجاهيل.

(7) أي: فظهر بما ذكر من كفاية كل ظن متعلق بالحكم في حال الانسداد: «أن الظنون الرجالية»، و هي عبارة عن الظن بكثير من الرواة أنهم ثقة أو غير ثقة «مجدية في‏

73

اعتبار قول الرجالي لا من باب الشهادة، و لا من باب الرواية.

تنبيه (1): لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل السند

____________

حال الانسداد» أي: انسداد باب العلم في الأحكام الشرعية؛ «و لو لم يقم دليل» خاص و لا دليل انسداد صغير خاص بباب الرجال، «على اعتبار قول الرجالي لا من باب الشهادة»، و هي الإخبار بشي‏ء عن حسّ؛ بشرط تعدد المخبر و عدالته؛ بأن يكون اثنين أو أربعة على اختلاف الموارد المعهودة في الشرع، و اندراج قول الرجالي في باب الشهادة إنما هو لأجل تعلقه بموضوع خارجي كالعدالة و الوثاقة و الاستقامة في المذهب و غير ذلك.

و من المعلوم: أن الغالب عدم اقتران قول الرجالي بما يعتبر في الشهادة من التعدد و العدالة.

«و لا من باب الرواية» و هي: إخبار واحد أو أزيد، ففي الشهادة: يعتبر التعدد دون الرواية. و اعتبار قول الرجال في حال الانسداد يكون لأجل الانسداد.

و حاصل كلام المصنف: أن الظن الحاصل من قول الرجالي حجة بدليل الانسداد، من دون حاجة إلى تكليف إثبات حجيته من باب الشهادة أو من باب الرواية.

نعم؛ على فرض الانفتاح: لا بد لإثبات حجيته من الالتزام بكونه من باب الشهادة أو الرواية، أو لأجل الوثوق و الاطمئنان.

تقليل الاحتمالات المتطرقة في الرواية

(1) و قبل الخوض في أصل المقصود ينبغي بيان ما يمكن أن يكون محل الكلام و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن استكشاف الحكم الشرعي من الخبر يتوقف على حفظ جهات ثلاثة:

1- الصدر. 2- الدلالة. 3- جهة الصدور.

فهناك أقسام، و عمدتها هي ثلاثة:

الأول: إمكان العلم الوجداني في تمامها.

الثاني: إمكان العلمي كذلك.

الثالث: عدم إمكانهما في جميعها.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل الكلام هو القسم الثالث، ثم نقول: إن الغرض من هذا التنبيه: أنه إذا حصل الظن بالحكم الشرعي من أمارة قامت عليه، و كان احتمال خلافه ناشئا عن أمور كثيرة مرتبطة بسند تلك الأمارة أو متنها أو دلالتها أو غير

74

ذلك، و تمكن المكلف من رفع تلك الأمور أو بعضها؛ ليرتفع احتمال الخلاف؛ و ذلك بالفحص عن وجود حجة رافعة لها من علم أو علمي، وجب تحصيل تلك الحجة و رفع الاحتمال مهما أمكن، و إن لم يحصل له بذلك العلم بالحكم؛ و ذلك لأن رفع احتمال الخلاف أو تقليله ربما أوجب قوة في الظن المذكور.

و ببيان أوضح- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 87»-: أنه لا بد في التمسك بالخبر و فهم مراد الشارع منه من إحراز أمور ثلاثة:

أحدها: أصل صدوره.

ثانيها: دلالته على المراد و عدم إجماله.

ثالثها: جهة صدوره، أعني: إحراز أنه صدر لبيان الحكم الواقعي لا لتقيّة مثلا.

و من المعلوم: أن إحراز هذه الأمور- في ظرف الانفتاح- لا بد أن يكون بعلم أو علمي فقط، و لا يكفي إحرازها بالظن المطلق، فإذا ورد في سند رواية «عن ابن سنان» مثلا فلا بد من تحصيل الوثوق بأنه عبد اللّه بن سنان الثقة (1) لا محمد بن سنان الضعيف‏ (2).

و هكذا الكلام بالنسبة إلى دلالة الخبر و جهة صدوره، و هل في حال الانسداد- كما هو المفروض- يتنزل من العلم إلى مطلق الظن و لو بمرتبته الضعيفة، أم اللازم تحصيل المرتبة القوية منه و هي الموجبة للاطمئنان مثلا و جعل الاحتمال الآخر المخالف للظن ضعيفا جدا؟

اختار المصنف وجوب تقليل الاحتمال و الأخذ بخصوص الاطمئنان إذا أمكن؛ و ذلك لأنه- بناء على كون نتيجة مقدمات دليل الانسداد حجية الظن حكومة- لا يبعد استقلال العقل بالحكم بوجوب تضعيف احتمال خلاف الظن من تقليل الاحتمالات‏

____________

(1) هو عبد الله سنان «بن طريف، مولى بني هاشم، و كان خازنا للمنصور و المهدي و الهادي و الرشيد. كوفي، ثقة من أصحابنا، جليل، لا يطعن عليه في شي‏ء. روى عن أبي عبد الله «(عليه السلام)»، و قيل: روى عن أبي الحسن موسى «(عليه السلام)»، و ليس يثبت». له كتب. رجال النجاشي: 214/ 558.

(2) محمد بن سنان: «أبو جعفر الزاهري، من ولد زاهر جولى عمرو بن المحق الخزاعي .. روى عن الرضا «(عليه السلام)» .. و هو رجل ضعيف لا يعوّل عليه و لا يلتفت إلى ما تفرد به ..»، رجال النجاشي: 338/ 88. و قد حدّث قبل وفاته أنه «كل ما حدثتكم به لم يكن لي سماع و لا رواية؛ و إنما وجدته». اختيار معرفة الرحال 2: 796/ 976.

75

أو الدلالة أو جهة الصدور مهما أمكن في الرواية (1)، و عدم اقتصار على الظن الحاصل منها بلا سد بابه (2) فيه (3) بالحجة (4) من علم أو علمي؛ ...

____________

المتطرقة في السند أو غيره، مثلا: إذا ظن بأن زرارة الراوي هو ابن عين، و كان احتمال إنه ابن لطيفة مثلا ناشئا من أمور يمكن سد بعضها بالحجة من علم أو علمي حتى يصير الظن بأنه ابن أعين في أعلى مراتبه، فمقتضى القاعدة وجوب السد؛ لأن العقل الحاكم بكفاية الإطاعة الظنية إنما يحكم بكفاية خصوص الظن الاطمئناني منها؛ لأنه أقرب إلى الواقع من غيره، فمع التمكن منه لا تصل النوبة إلى غيره من الظنون الضعيفة.

فعلى هذا يجب تقليل الاحتمالات سواء كانت في السند أم الجهة أم الدلالة.

و هذا خلافا لما حكي عن بعضهم من التفصيل في وجوب تقليل الاحتمالات بين الصدور و غيره، و أنه لو فرض إمكان تحصيل العلم أو العلمي بالصدور في مسألة كان باب العلم بحكم تلك المسألة مفتوحا، و إن كان بابه بالنسبة إلى الدلالة وجهة الصدور مسدودا، و عليه: فلا يجوز التنزل في تلك المسألة إلى الظن الانسدادي؛ لعدم تحقق الانسداد؛ بل يجب تحصيل العلم أو العلمي بالصدور، و تحصيل الجهتين الأخريين إما بالعلم أو العلمي إن أمكن أيضا؛ و إلا فبالظن المطلق، و إن لم يكن تحصيل العلم أو العلمي بالصدور؛ بأن كان باب العلم به مسندا وجب التنزل فيه حينئذ إلى ما استقل به العقل، أعني: الظن المطلق؛ و إن أمكن تحصيل العلم أو العلمي بالنسبة إلى الجهتين الأخريين.

و بالجملة: فالمدار في جواز التنزل إلى ما استقل به العقل عند هذا المفصل هو: انسداد باب العلم و العلمي بالنسبة إلى الصدور فقط، و عند المصنف «(قدس سره)»: هو انسداده بالنسبة إلى أية واحدة من تلك الجهات؛ لكن المعتبر هو التنزل إلى الظن القوي منه، المعبر عنه بالاطمئنان إذا أمكن. و السر في عدم الفرق واضح؛ فإن مجرد كون سند الرواية معلوم الصدور أو مظنونا بالظن الخاص لا يوجب العلم بالحكم الشرعي؛ ما لم تكن ظاهرة في المقصود، و لم يحرز أن صدورها لبيان الحكم الواقعي.

و عليه: فلا فرق بين السند و غيره أعني: الجهتين فيما ذكر من عدم جواز التنزل- حال الانسداد- إلى الظن الضعيف، مع التمكن من الظن القوي عقلا.

(1) التي هي سبب للظن بالحكم، و ضمير «منها» راجع على السند و أخويه.

(2) أي: باب الاحتمال، و الأولى تأنيث الضمير لرجوعه إلى الاحتمالات. و المراد بها الاحتمالات المقابلة للظنون أي: الموهومات.

(3) في السند أو الدلالة أو الجهة، و الأولى تأنيثه أيضا.

(4) متعلق ب «سد» أي: سد باب الاحتمال يكون بالحجة من علم أو علمي.

76

و ذلك (1) لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف، مع التمكن من القوي (2) أو ما بحكمه (3) عقلا (4)، فتأمل جيدا.

____________

(1) علة لوجوب تقليل الاحتمالات.

(2) كما إذا كانت الحجة الموجبة لقلة الاحتمالات علما.

(3) أي: ما بحكم القوي؛ كما إذا كان الموجب لقلتها علميا و هو الظن الخاص، فإنه بحكم الظن القوي؛ لأنه موجب لقلة الاحتمالات حكما مع بقائها حقيقة.

(4) قيد لقوله: «لعدم جواز التنزل» يعني: أن عدم جواز التنزل إنما هو بحكم العقل.

فالمتحصل: أن مقتضى هذا الحكم العقلي بعدم جواز التنزل أن أي مورد أمكن العلم و العلمي و لو كان موردا واحدا لم يخبر التنزل، فلو انسد الباب في الجهات الثلاث في جميع الأخبار؛ لكن جهة واحدة في خبر واحد يمكن تحصيل العلم و العلمي فيها لا يجوز التنزل إلى الظن في تلك الجهة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور تالية:

1- لا فرق في عموم النتيجة بين حصول الظن بالحكم الشرعي من أمارة قامت عليه بلا واسطة كما إذا قامت على وجوب شي‏ء أو حرمته، و بين حصول الظن بالحكم الشرعي من أمارة عليه مع الواسطة؛ كما إذا قال اللغوي: الصعيد هو مطلق وجه الأرض، فهذا يوجب الظن بجواز التيمم بمطلق الأرض في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*، و كذا الظن الحاصل بالحكم الشرعي من قول الرجالي على وثاقة راوي ينقل الحكم عن المعصوم «(عليه السلام)». و الوجه في عدم الفرق هو: إطلاق حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد.

2- أن الظن الحاصل من قول اللغوي حجة إذا كان متعلقا بحكم شرعي، و ليس بحجية في تشخيص موضوعات الأحكام؛ كالألفاظ الواردة في أبواب الوصية و الوقف و نحوهما؛ لأن المفروض: هو انسداد باب العلم و العلمي في الأحكام، فتكون مقدمات الانسداد تامة في خصوص الأحكام لا الموضوعات.

فالحاصل: أن المعيار في حجية الظن الحاصل من قول اللغوي أو الرجالي هو انسداد باب العلم بالأحكام لا باللغات و الموضوعات.

3- تنبيه: في تقليل الاحتمالات المتطرقة في السند أو الجهة أو الدلالة أو فيها جميعا، بمعنى: أنه إذا حصل الظن بالحكم الشرعي من أمارة، و كان احتمال خلافه ناشئا من‏

77

أمور كثيرة مرتبطة بالسند أو الدلالة أو الجهة، و تمكن المكلف من رفع تلك الأمور أو بعضها بالفحص عن وجود حجة رافعة لها من علم أو علمي: وجب تحصيل تلك الحجة، و رفع الاحتمال مهما أمكن و إن لم يحصل له بذلك العلم بالحكم و ذلك لأن رفع احتمال الخلاف أو تقليله ربما يوجب قوة في الظن المذكور.

هذا ما أشار إليه بقوله: «لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات»، مثلا: إذا ظن بأن زرارة الراوي هو ابن أعين، و كان احتمال أنه ابن لطيفة مثلا ناشئا من أمور يمكن سد بعضها بالحجة من علم أو علمي حتى يصير الظن بأنه ابن أعين في أعلى مراتبه: فمقتضى القاعدة: وجوب السد؛ لأن العقل الحاكم بكفاية الإطاعة الظنية إنما يحكم بكفاية خصوص الظن الاطمئناني منها؛ لأنه أقرب إلى الواقع من غيره، فمع التمكن منه لا تصل النوبة إلى غيره من الظنون الضعيفة.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- هو حجية الظن بالحكم الشرعي مطلقا، يعني: سواء كان متعلقا بالحكم الشرعي بلا واسطة أو معها.

2- وجوب تقليل الاحتمالات، سواء كانت في السند أم الجهة أم الدلالة.

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

فصل‏

إنما الثابت (1) بمقدمات دليل الانسداد في الأحكام هو: حجية الظن فيها لا حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها، فيتبع مثلا في وجوب صلاة الجمعة يومها، لا في إتيانها؛ بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها كما لا يخفى.

____________

[فصل فى الظن بالفراغ‏]

الظن بالاشتغال و الامتثال‏

(1) المقصود من هذا الفصل: بيان عدم اعتبار الظن الانسدادي في مقام الامتثال، بمعنى: أن الثابت بمقدمات الانسداد هو: حجية الظن في إثبات الأحكام الشرعية لا في إسقاطها و تطبيق المأتي به عليها، فلو ظن المكلف بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال كان هذا الظن حجة، و أما لو شك في الساعة الثانية من أول ليلة من الشهر في أنه هل أتى بالدعاء أم لا؟ ثم حصل له الظن بالإتيان لم يكن ظنه هذا حجة؛ بل يجب عليه الإتيان بالدعاء؛ لأن مقدمات الانسداد لم تدل على حجية الظن بالامتثال؛ بل لا بد و أن يرجع في مقام الامتثال إلى القواعد الخاصة بهذا المقام؛ من استصحاب و قاعدة الفراغ و قاعدة التجاوز و نحوها.

فالظن الانسدادي إنما يكون حجة في مقام إثبات التكليف، و لا يكون حجة في مقام إسقاط التكليف و امتثاله. هذا مجمل الكلام في المقام.

و أما تفصيل ذلك فيتوقف على مقدمة و هي: إن للعمل بالحجج- و منها الظن الانسدادي- مرحلتين:

الأولى: إثبات التكليف و اشغال الذمة به من علم أو علمي؛ كقيام الدليل على وجوب صلاة الجمعة مثلا.

الثانية: امتثال التكليف و تفريغ الذمة عنه، و لا ملازمة بين المرحلتين في حجية شي‏ء، بمعنى: أنه إذا صار شي‏ء حجة في مرحلة إثبات التكليف و اشغال الذمة به: فلا يستلزم ذلك أن يكون في مرحلة امتثاله و الفراغ عنه حجة أيضا، بتوهم: أن أصل التكليف لما كان ثبوته ظنيا- حسب الفرض- كان امتثاله ظنيا أيضا؛ و إن حصل العلم بالإتيان بمتعلقه و انطباقه على المأتي به.

80

إذا عرفت هذه المقدمة فالوجه في ذلك واضح، فإن العقل إنما يستقل بحجية الظن و تقرير الجاهل في خصوص ما انسد عليه باب العلم فيه، و هو نفس الحكم.

أما فيما يمكنه فيه العلم كالموضوعات الخارجية و منها امتثال الحكم و تفريغ الذمة عنه:

فلا يستقل بحجية الظن فيه و لا يعذر الجاهل.

ففي المقام: إذا ظن بالانسداد أن صلاة الجمعة واجبة كان هذا الظن في مرحلة ثبوت التكليف به حجة قطعا، و وجبت عليه صلاة الجمعة، فإذا ظن بالظن الانسدادي أيضا أنه أتى بصلاة الجمعة، أو علم أنه أتى بصلاة قطعا، و ظن بالانسداد أن ما أتى به مطابق للمأمور به، مع احتمال عدم الإتيان بها، أو عدم مطابقته له لاختلال بعض الأجزاء أو الشرائط، لم يكن هذا الظن حجة؛ بل لا بد له في مقام الفراغ عما اشتغلت ذمته به من الرجوع إلى غير الظن من علم أو علمي أو أصل كقاعدتي الفراغ و التجاوز.

فحاصل ما اختاره المصنف هو: عدم حجية الظن الانسدادي في مقام الامتثال.

و مثل الظن بأصل الإتيان- في عدم الحجية- الظن بانطباق عنوان الواقع المنجز على المأتي به؛ كما إذا علم بأنه أتى في أول الزوال بصلاة، و بعد مضي زمان صلاة الجمعة حصل له الظن بأنه أتى بها بعنوان صلاة الجمعة لا صلاة الظهر، فلا يكتفي بها؛ بل عليه تحصيل اليقين بإتيان الواقع المنجز، و كذا إذا حصل له الظن بأن قبلة أهل العراق ما بين المشرق و المغرب؛ لكنه لم يتيقن بوقوع الصلاة إليها؛ بل ظن به، فإنه ظن في التطبيق، و لا يندرج في الظن المعتبر بدليل الانسداد.

فالمتحصل: إن اعتبار الظن بدليل الانسداد إنما هو في نفس الأحكام لا في امتثالها؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 92» مع تصرف و تلخيص منا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

و ضمير «فيها» و «معها» راجعان على الأحكام، و «معها» متعلق بالتطبيق. و الأولى تبديله ب «عليها». و الأولى سوق العبارة هكذا: «لا حجيته في انطباق الواقع على المأتي به في الخارج»؛ و ذلك لأن الكلي هو الذي ينطبق على الفرد المتشخص الموجود في الخارج دون العكس.

قوله: «فيتبع» يعني الظن، و «في وجوب» متعلق ب «يتبع»، و ضمير «يومها» راجع على الجمعة، و ضميرا «في إتيانها، بإتيانها» راجعان على صلاة الجمعة.

81

نعم (1)؛ ربما يجري نظير مقدمات الانسداد في الأحكام في بعض الموضوعات الخارجية من (2) انسداد باب العلم به غالبا.

و اهتمام (3) الشارع به؛ بحيث علم بعدم الرضاء بمخالفة الواقع بإجراء (4) الأصول‏

____________

(1) استدراك على عدم حجية الظن في غير إثبات الأحكام الكلية من الموضوعات الخارجية؛ كالإتيان و الانطباق، «و في الأحكام» متعلق ب «الانسداد»، و «في بعض» متعلق ب «يجري».

و غرضه: إثبات حجية الظن في بعض الموضوعات بدليل يحتوي على مقدمات تشبه مقدمات الانسداد الجارية في الأحكام، بعد وضوح عدم وفاء دليل الانسداد المعروف بحجية الظن في الموضوعات؛ و ذلك يتحقق في موضوع ثبت له أحكام شرعية كالضرر الذي أنيط به بعض الأحكام؛ كجواز التيمم و الإفطار، فيقال: إن باب العلم و العلمي إلى الضرر منسد غالبا، و لا يجوز مخالفته لاهتمام الشارع به، و ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، و الاحتياط فيه غير واجب شرعا أو غير ممكن عقلا، و عليه: فإذا دار حكم الوضوء مثلا بين الوجوب إن لم يكن ضرريا، و الحرمة إن كان ضرريا و لم يثبت بعلم و لا علمي كونه ضرريا، فلا محيص حينئذ عن اعتبار الظن في تشخيص الضرر؛ إذ ليس شي‏ء أقرب إليه من الظن.

(2) بيان لقوله: «نظير»، فما ذكره بقوله «من انسداد باب العلم- إلى قوله:- أو عدم إمكانه عقلا» مقدمات تجري في بعض الموضوعات الخارجية، و هي نظير مقدمات الانسداد الجارية في الأحكام الكلية. و ضمير «به» في الموضعين راجع على بعض الموضوعات.

(3) عطف على «انسداد». ثم إن هذه المقدمة مما لا بد منها لإجراء مقدمات الانسداد في مثل الضرر، و لم يذكرها الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، مع الاحتياج إليها؛ إذ مجرد انسداد باب العلم بالضرر و استلزام إجراء الأصل للوقوع في مخالفة الواقع كثيرا لا يوجب حجية الظن فيه؛ ما لم ينضم إليهما علمنا باهتمام الشارع، و عدم رضاه بمخالفة الواقع، فإن مجرد الوقوع في الخلاف ليس محذورا حتى يستكشف منه حجية الظن، و لذا لا محذور في اتباع أصالة الطهارة في باب النجاسات، مع العلم بالمخالفة في بعض الموارد واقعا فضلا عن الظن.

(4) متعلق ب «بمخالفة الواقع»، و ضمير «فيه» راجع على بعض الموضوعات.

82

فيه مهما أمكن، و عدم وجوب الاحتياط شرعا أو عدم إمكانه عقلا؛ كما (1) في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب و الحرمة مثلا، فلا محيص (2) عن اتباع الظن حينئذ (3) أيضا، فافهم (4).

____________

«و مهما أمكن» قيد ل «عدم الرضاء».

(1) مثال لعدم إمكان الاحتياط عقلا؛ لدورانه بين المحذورين، كما أن المراد من «شرعا» قيام الدليل النقلي على عدم وجوب الاحتياط أو عدم جوازه.

(2) هذه نتيجة جريان مقدمات الانسداد في بعض الموضوعات.

(3) يعني: حين جريان مقدمات الانسداد في بعض الموضوعات الخارجية. و قوله:

«أيضا» يعني: كما لا محيص عن اتباع الظن في الأحكام حال الانسداد.

(4) لعله إشارة إلى عدم الحاجة إلى اعتبار الظن في مثل الضرر و نحوه بإجراء نظير مقدمات الانسداد؛ كما نبّه عليه الشيخ «(قدس سره)» بقوله: و أما إذا أنيط- أي: الضرر- بموضوع الخوف فلا حاجة إلى ذلك؛ بل يشمل حينئذ الشك أيضا؛ و ذلك لأن إجراءها فيه منوط بعدم الخوف موضوعا في الأدلة الشرعية كما في الإفطار و التيمم و غيرهما، فإن الخوف فيهما موضوع، أو طريق إلى الموضوع، و من المعلوم: أن الخوف يحصل بالاحتمال العقلائي، و لا يحتاج إلى الظن، فلا مانع من ترتيب أحكام الضرر بمجرد الاحتمال الموجب للخوف.

و خلاصة الكلام في المقام: أن الغرض من عقد هذا الفصل هو بيان عدم اعتبار الظن الانسدادي في مقام الامتثال، بمعنى: أن الثابت بمقدمات الانسداد هو حجية الظن في إثبات التكليف لا في إسقاطه و امتثاله و تطبيق المأتي به على المأمور به.

فلو ظن المكلف بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال: كان هذا الظن حجة. و أما لو شك في الساعة الثانية في أنه هل أتى بالدعاء أم لا؟ ثم حصل له الظن بالإتيان لم يكن ظنّه هذا حجة؛ بل يجب عليه الإتيان بالدعاء؛ لأن مقدمات الانسداد لم تدل على حجية الظن في مقام الامتثال، فلا بد من الرجوع في مقام الامتثال إلى القواعد الخاصة بهذا المقام؛ كالاستصحاب و قاعدة الفراغ و قاعدة التجاوز و نحوها.

و من هنا يظهر ما هو رأي المصنف «(قدس سره)» من أن الظن الانسدادي إنما يكون حجة في مقام إثبات التكليف كما عرفت، و لا يكون حجة في مقام إسقاط التكليف و امتثاله.

83

خاتمة يذكر فيها أمران استطرادا:

الأول (1): هل الظن كما يتبع عند الانسداد- عقلا- في الفروع العملية المطلوب فيها أولا العمل بالجوارح، يتبع في الأصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من‏

____________

[الاول حكم الظن فى الامور الاعتقادية]

الظن في الأمور الاعتقادية

(1) الغرض من عقد هذا الأمر الأول: هو بيان حكم الظن الانسدادي من حيث الحجية و عدمها في الأمور الاعتقادية حال الانسداد، بمعنى: أن الظن الانسدادي هل يكون حجة في الأمور الاعتقادية حال الانسداد كما هو حجة في الفروع العملية أم لا؟

يقول المصنف «(قدس سره)»: إن الحق عدم حجيته فيها؛ كما أشار إليه بقوله: «الظاهر لا».

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي إن الأمور الاعتقادية- على ما يظهر من المصنف «(قدس سره)»- على قسمين:

الأول: ما لا يجب على المكلف تحصيل العلم و اليقين به لا عقلا و لا شرعا، و هو ما يكون متعلق الوجوب فيه نفس عقد القلب و الالتزام بما هو الواقع، من دون أن يتعلق تكليف بلزوم تحصيل المعرفة به، ثم عقد القلب به عن علم؛ إلا إذا حصل له العلم به أحيانا، فيجب بحكم العقل و الشرع الاعتقاد به و عقد القلب له، و لا يجوز له الإنكار و الجحود كتفاصيل البرزخ و المعاد؛ من سؤال القبر و الصراط و الحساب و الكتاب و الميزان و الجنة و النار و غيرها. هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «فإن الأمر الاعتقادي و إن انسد باب القطع به إلا إن باب الاعتقاد إجمالا- بما هو واقعه و الانقياد له و تحمله- غير منسد»، فهذا القسم ما لا يجب فيه تحصيل العلم حال الانفتاح حتى يجب تحصيل الظن حال الانسداد.

و القسم الثاني: ما يكون متعلق الوجوب فيه معرفته و العلم به ليكون الاعتقاد به عن علم، فيجب على المكلف تحصيل العلم به تفصيلا بحكم العقل، ثم الاعتقاد به و عقد القلب عليه عن علم؛ كالتوحيد و النبوة و الإمامة. و هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «نعم؛ يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن من باب وجوب المعرفة لنفسها».

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الحق عدم حجية الظن في الأمور الاعتقادية.

أما عدم اعتبار الظن في القسم الأول: فلما عرفت من عدم اعتبار العلم فيه حتى يقوم الظن مقامه مع الانسداد، فإن المطلوب فيه- و هو الاعتقاد و التسليم بما هو في الواقع- يحصل بدون العلم و الظن، بداهة: حصول الانقياد بمجرد عقد القلب على الأمر

84

الاعتقادي على ما هو عليه في الواقع، فيحصل ما هو المطلوب في هذا القسم بمجرد الاعتقاد على ما هو عليه في الواقع.

و هذا بخلاف الفروع العملية، حيث إن المطلوب فيها: مطابقة عمل الجوارح مع الواقع، فإذا انسد باب العلم فيها لا يمكن العلم بمطابقة عمل الجوارح مع الواقع إلا بالاحتياط التام في الشبهات.

و لما كان الاحتياط كذلك موجبا للعسر و الحرج أو الاختلال: فليس هنا شي‏ء أقرب إلى الواقع من العمل على وفق الظن.

فالمتحصل: أنه لا تجري مقدمات الانسداد في هذا القسم، و لا يكون مجال لحجية الظن فيه؛ لأنه إذا انسد باب العلم فيه يمكن العلم بمطابقة عمل الجوانح مع الواقع بالاعتقاد الإجمالي بما هو واقعه.

و أما عدم اعتبار الظن في القسم الثاني:- و هو ما يكون متعلق الوجوب فيه معرفته و العلم به؛ ليكون الاعتقاد به عن علم- فلعدم جواز الاكتفاء بالظن فيه قطعا؛ لأن الواجب عقلا عند العدلية و شرعا عند الأشاعرة: إنما هو المعرفة، و من البديهي: أن الظن ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، و مع العجز عنه: كان معذورا، و لا دليل حينئذ على جريان مقدمات، أي: لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن عند اليأس عن تحصيل العلم في المقام؛ لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه؛ بل بعدم جوازه.

فحاصل الكلام في المقام: أنه لا مجال للظن في مطلق الأمور الاعتقادية، و هناك أقوال و في نقلها و النقض و الإبرام فيها يخرج الكلام عن الاختصار المطلوب في هذا الشرح.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية»:

قوله: «عقلا» إشارة إلى ما اختاره من حجية الظن حال الانسداد على الحكومة دون الكشف.

قوله: «المطلوب فيها أولا العمل بالجوارح» إشارة إلى ما قيل في تعريف الحكام الفرعي من كونه مما يتعلق بالعمل بلا واسطة، فالمطلوب أولا: هو العمل بالجوارح، و الالتزام النفساني لو كان مطلوبا في الفروع كان مطلوبا ثانيا.

قوله: «يتبع في الأصول» خبر «هل الظن»، و «من الاعتقاد» بيان لعمل الجوانح.

85

الاعتقاد به، و عقد (1) القلب عليه، و تحمله و الانقياد له، أو لا؟.

الظاهر: لا، فإن (2) الأمر الاعتقادي و إن انسد باب القطع به؛ إلا إن باب الاعتقاد إجمالا- بما هو واقعه و الانقياد له و تحمله- غير (3) منسد، بخلاف العمل بالجوارح، فإنه لا يكاد يعلم مطابقته (4) مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط، و المفروض (5):

____________

(1) هذا و ما بعده بيان للاعتقاد و الضمائر الأربعة المجرورة راجعة على الأصل الاعتقادي المستفاد من «الأصول الاعتقادية»، و تأنيثها أولى.

ثم إن العلم و الاعتقاد ليسا متلازمين؛ بل النسبة بينهما عموم من وجه؛ لاجتماعهما في بعض الموارد كمن يعلم بأصول العقائد و يعقد قلبه عليها، و يفترقان في عقد القلب على ما هو عليه من دون علم به؛ كاعتقاد أكثر المؤمنين بخصوصيات البرزخ و الحشر مع عدم علمهم بها، و في علم بعض ببعض أصول العقائد، مع عدم عقد القلب عليه كالمنافقين، حيث إنهم يعلمون ببعض الأمور الاعتقادية و لا يعتقدون بها؛ كما يشهد به قوله تعالى: جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏ (1).

(2) تعليل لعدم حجية الظن في الأصول الاعتقادية. و حاصله: أن اعتبار الظن في الأصول الاعتقادية منوط بتمامية مقدمات الانسداد التي منها عدم إمكان الاحتياط المحرز عملا لمطابقة المأتي به للواقع؛ ليدور الأمر بين الأخذ بالمظنون و طرفه، و يقدم الأخذ بالمظنون نظرا إلى قبح ترجيح المرجوح على الراجح.

و هذا بخلاف الأصول الاعتقادية، فإن باب الاعتقاد فيها و لو إجمالا مفتوح، و معه لا دوران حتى تصل النوبة إلى اعتبار الظن فيها.

(3) خبر «إن باب»، و قوله: «إجمالا» قيد للاعتقاد أي: الاعتقاد الإجمالي، و «بما» متعلق ب «الاعتقاد»، و ضمير «واقعه» راجع على الأمر الاعتقادي.

و قوله: «و الانقياد له و تحمله» عطف تفسيري للاعتقاد، و ضميرا «له، تحمله» راجعان على الموصول في «بما هو».

(4) أي: مطابقة العمل حال الانسداد كما هو مفروض البحث، و ضمير «فإنه» للشأن، و ضمير «واقعه» راجع على العمل بالجوارح.

(5) و الواو في «و المفروض» للحال أي: و الحال أن الاحتياط غير واجب شرعا، أو غير جائز عقلا؛ كما تقدم في مقدمات الانسداد.

____________

(1) النمل: 14.

86

عدم وجوبه شرعا أو عدم جوازه عقلا، و لا أقرب من العمل على وفق الظن (1).

و بالجملة: لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الأعمال الجوانحية (2) على الظن فيها، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها، فلا يحتمل (3) إلا لما هو الواقع و لا ينقاد إلا له؛ لا لما هو مظنونه.

و هذا بخلاف العمليات (4)، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد.

نعم؛ يجب (5) تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن من باب وجوب‏

____________

(1) يعني: و ليس شي‏ء أقرب إلى الواقع من العمل بالظن، فلو لم يعمل به بل عمل بما دونه لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و قد عرفت قبحه في مقدمات الانسداد.

(2) من الانقياد و الاعتقاد المقابل للجحود و الإنكار، و ضمير «فيها» في الموضعين راجع على الاعتقاديات.

(3) هذا نتيجة لقوله: «لا موجب مع انسداد باب العلم ...».

(4) و هي الفروع التي يكون المطلوب فيها العمل الخارجي. هذا تمام الكلام في القسم الأول من الأصول الاعتقادية.

(5) هذا شروع في بيان القسم الثاني من الأمور الاعتقادية، و هو ما يكون متعلق الوجوب فيه معرفته و العلم به؛ ليكون الاعتقاد به عن علم، و عرفت توضيح ذلك.

و حاصل الكلام فيه: أن تحصيل المعرفة بالله تعالى واجب نفسي عقلي عند العدلية، و شرعي عند الأشاعرة لإنكارهم التحسين و التقبيح العقليين، و الوجه في وجوبه عقلا:

هو وجوب شكر المنعم، و المعرفة تكون أداء له، فتجب، فنفس المعرفة شكر للمنعم، و هذا المناط يوجد في معرفة الأنبياء و الأئمة «(عليهم السلام)» فتجب معرفتهم من باب شكر المنعم؛ لأنهم وسائط نعمه و فيضه «جل و علا».

و لا دليل على وجوب المعرفة بأمر آخر غير ما ذكر إلا أن ينهض من الشرع ما يدل عليه. و زاد الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» عليها: وجوب تحصيل المعرفة بالمعاد الجسماني حيث قال «(قدس سره)»: «و بالجملة: فالقول بأنه يكفي في الإيمان الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات، المنزه عن النقائض و بنبوة محمد «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» و بإمامة الأئمة، و البراءة من أعدائهم و الاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لا ينفك غالبا عن الاعتقادات السابقة غير بعيد بالنظر إلى الأخبار و السيرة المستمرة ...» (1) الخ. «الوصائل‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 568.

87

المعرفة لنفسها (1).؛ كمعرفة الواجب تعالى و صفاته، أداء (2) لشكر بعض نعمائه، و معرفة (3) أنبيائه، فإنهم وسائط نعمه و آلائه؛ بل و كذا معرفة الإمام «(عليه السلام)» على وجه صحيح (4)، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي و وصيه لذلك (5)، و لاحتمال الضرر (6) في تركه (7)، و لا يجب (8) عقلا معرفة غير ما ذكر؛ إلا ما وجب‏

____________

إلى الرسائل، ج 5، ص 80». و مراده بالاعتقادات السابقة: تفاصيل المعاد من الحساب و الصراط و الميزان و غيرها.

(!) صريح العبارة: أن وجوب المعرفة نفسي لا غيري، و الوجه فيه كونه «تبارك و تعالى» مستجمعا لجميع صفات الكمال، فيستحق أن يعرف.

(2) ظاهره: أن وجوب المعرفة غيري مقدمة لشكر المنعم الواجب و هو ينافي وجوبها نفسيا؛ كما أفاده المصنف. إلا أن يقال: إن المراد من وجوب المعرفة نفسيا إن وجوبها ليس كالوجوبات المقدمية الناشئة من وجوب الغير، فلا ينافي كونه لأجل الغير و هو أداء الشكر. أو يقال: مقصوده «(قدس سره)»: أن نفس المعرفة بما هو شكر واجب؛ بل أعلى مراتب الشكر من العلم و الحال و العمل.

(3) عطف على «معرفة الواجب».

(4) و هو كون الإمامة كالنبوة من المناصب الإلهية، فالإمام كالنبي منصوب من قبله «سبحانه و تعالى»، و من وسائط نعمه و آلائه، فتجب معرفته «(عليه السلام)» كمعرفة النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)».

(5) أي: لأداء شكر المنعم.

(6) هذا وجه ثان لوجوب تحصيل المعرفة به تعالى و بنبيه و وصيه، يعني: أن وجوب معرفة الباري «عزّ و جل» و النبي و الوصي يكون لأداء الشكر، و لاحتمال الضرر في ترك المعرفة. هذا لكن التعليل باحتمال الضرر ينافي نفسية وجوب المعرفة و يجعله غيريا. إلا أن يوجه بما تقدم من أن المراد بنفسية الوجوب عدم كونه ناشئا عن وجوب الغير، فلا ينافي كونه لأجل الغير و هو الضرر.

(7) الأولى أن يقال: «في تركها» لرجوع الضمير إلى المعرفة.

(8) يعني: أن الأمور الاعتقادية التي يجب عقلا تحصيل المعرفة بها ثم عقد القلب عليها- الذي هو المطلوب في جميع الأمور الاعتقادية على ما تقدم في صدر البحث- منحصرة في الأمور الثلاثة المذكورة، أعني: ذات الباري تعالى، و النبي و الإمام «(عليهما السلام)»، و لا دليل عقلا على وجوب المعرفة في غيرهم من الاعتقاديات.

88

شرعا معرفته؛ كمعرفة الإمام «(عليه السلام)» على وجه آخر (1) غير صحيح؛ أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته.

و ما لا دلالة (2) على وجوب معرفته بالخصوص، لا من العقل و لا من النقل كان (3) أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة.

و لا دلالة لمثل قوله تعالى (4):

وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ‏ (*)

...

____________

(1) و هو عدم كون الإمامة من المناصب الإلهية كما يقوله به غيرنا، و وجوب معرفته حينئذ لا يكون عقليا؛ لأنه على هذا المبنى الباطل ليس من وسائط نعمه «جل و علا»، فلو وجب معرفته لكان شرعيا كما ادعى دلالة الروايات المدعى تواترها مثل: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (1) على ذلك.

قوله: «أو أمر آخر» عطف على «الإمام»؛ و ذلك كالمعاد الجسماني، فإنه مما استقل العقل بوجوب وجوده؛ لكن لم يحكم بوجوب معرفته؛ لعدم وجود مناط الحكم العقلي- و هو شكر المنعم- فيه حتى تحصيل العلم به، بل و لا يتم الحكم بوجوب العلم به بمناط دفع الضرر المحتمل أيضا.

نعم؛ مقتضى كون المعاد من ضروريات الدين هو وجوب العلم به شرعا. و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

(2) غرضه من هذا الكلام: تمهيد قاعدة في موارد الشك في وجوب المعرفة فيما لم يثبت وجوب معرفته عقلا و لا شرعا، و أن أصالة البراءة محكمة فيها، فينفي وجوبها؛ لأنها المرجع فيها، و لا تختص أصالة البراءة بالفروع العملية لعموم أدلتها.

(3) خبر الموصول في «و ما لا دلالة» المراد به الأصل الاعتقادي الذي لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص، و ضمير «معرفته» راجع على هذا الموصول أيضا.

(4) إشارة إلى توهم و إشكال و دفعه، و الإشكال: أن ما ذكره المصنف من الرجوع إلى البراءة عند الشك و عدم دلالة على وجوب المعرفة مجرد فرض لا واقع له؛ إذ هناك جملة من الآيات و الروايات تدل على وجوب معرفة جميع ما جاء به النبي، سواء كان من الأمور الاعتقادية أو الفرعية، فليس هناك ما لا دلالة له على وجوب معرفته حتى يرجع فيه إلى أصالة البراءة؛ بل المرجع عند الشك هو: عموم وجوب المعرفة المستفاد من‏

____________

(*) الذاريات: 56.

(1) الإيضاح: 76، كمال الدين: 409/ 5، ينابيع المودة 3: 373.

89

الآية (1)، و لا لقوله (2): «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «و ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس»

(*)

، و لا لما دل على وجوب التفقه (3) و طلب العلم من الآيات و روايات على وجوب معرفته بالعموم.

ضرورة (4): أن المراد من‏

يَعْبُدُونَ*

هو خصوص عبادة الله و معرفته، و النبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات؛ لا بيان حكم المعرفة، فلا إطلاق فيه أصلا، و مثل آية

____________

جملة من الآيات و الروايات، فلا بد أولا من تقريب الاستدلال بهما كي يتضح الجواب عنهما ثانيا.

(1) و أما تقريب الاستدلال بالآية المباركة بعد البناء على تفسير لِيَعْبُدُونِ‏ ب «يعرفون»- كما حكي اتفاق المفسرين عليه، حيث فسرت العبادة بالمعرفة- فيقال: أن الغاية المطلوبة من الخلقة هي المعرفة و هي مطلقة، و مقتضى إطلاقها: عدم اختصاص وجوب المعرفة بذاته «تبارك و تعالى» و بصفاته، و بالنبي و الإمام «(عليهما السلام)»، فحينئذ:

كل مورد شك في وجوب تحصيل المعرفة فيه يتمسك بالإطلاق المزبور.

(2) عطف على «لمثل قوله تعالى»، و تقريب الاستدلال بقول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: أن الصلوات الخمس الواجبة جعلت متأخرة عن المعرفة، فيعلم من وجوبها وجوب المعرفة، و لما كان وجوبها مطلقا فمقتضى إطلاقه جواز التمسك به في موارد الشك في وجوب المعرفة.

(3) إشارة إلى تقريب الاستدلال بآية النفر، فيقال في تقريب الاستدلال بها: أن الآية المباركة- لمكان قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا- تدل على وجوب التفقه و التعلم، و مقتضى إطلاقه: عدم اختصاصه بمورد دون آخر.

و كذا ما ورد من الروايات في الحث على طلب العلم، فإن إطلاق الأمر بتحصيله يشمل الأصول الاعتقادية و تفاصيلها. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بجملة من الآيات و الروايات على وجوب المعرفة، و مقتضى الإطلاق أو العموم فيهما هو: الرجوع إلى الإطلاق و العموم في موارد الشك في وجوب المعرفة، لا إلى أصالة البراءة؛ إذ لا يجوز الرجوع إلى الأصول العملية مع وجود الأدلة الاجتهادية.

(4) تعليل لقوله: «و لا دلالة»، و شروع في الجواب عن الاستدلال بجملة من الآيات و الروايات على وجوب المعرفة مطلقا.

____________

(*) الكافي 3: 264/ 1، تهذيب الأحكام 3: 236/ 932، و فيهما: «من هذه الصلاة» بدل «الصلوات الخمس».

90

النفر، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب؛ لا بيان ما يجب فقهه و معرفته، كما لا يخفى.

و كذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه؛ لا بصدد بيان ما يجب العلم به (1).

____________

توضيح الجواب: أن الأدلة المتقدمة لا تنهض لإثبات وجوب تحصيل المعرفة مطلقا؛ حتى يندرج المقام فيه، فلا دلالة لشي‏ء مما ذكر من الآيات و الروايات بالعموم على وجوب المعرفة في جميع المسائل الاعتقادية تفصيلا. و أما الآية الشريفة- وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ‏- فلأن المستفاد منها هو خصوص معرفة الله، فالمعرفة فيها تختص به سبحانه و لا تعم غيره؛ لأن النون في‏ لِيَعْبُدُونِ‏ للوقاية، و قد حذف ياء المتكلم و كان في الأصل «ليعبدوني»، و معه فلا إطلاق فيه حتى يستدل به على وجوب المعرفة بتفاصيل الأمور الاعتقادية.

و أما النبوي: فلأنه ليس بصدد بيان حكم المعرفة حتى يكون له إطلاق يؤخذ به في مورد الشك في وجوب المعرفة؛ بل إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات الخمس و أهميتها و أنها أفضل من سائر الواجبات بعد المعرفة، فلا يستفاد منه إطلاق و لا عموم لوجوب المعرفة.

و أما آية النفر: فهي في مقام كيفية النفر للتفقه؛ لا في مقام ما يجب فقهه و معرفته.

و بعبارة أخرى: إنها ليست بصدد بيان موضوع التعلم حتى يكون إطلاقها قاضيا بعدم الاختصاص ببعض الموارد؛ بل إنما هي بصدد بيان ما يجعل وسيلة إلى التفقه الواجب، و طريق يسهل معه التعلم الواجب، و أنه يحصل بأن ينفر من كل فرقة طائفة للتفقه، و لا يجب نفر الجميع، و عليه: فلا إطلاق فيها من حيث المورد.

و أما الروايات الدالة على طلب العلم: فلأنها في مقام وجوب طلب العلم، من دون نظر إلى ما يجب العلم به، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى ما يجب علمه. حتى يتمسك به في موارد الشك في وجوب المعرفة.

و بالجملة: فلا دليل على وجوب المعرفة مطلقا حتى يصح التمسك به في موارد الشك في وجوبها.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: و الإطلاق فرع كونها في مقام بيان ما يجب العلم به.

91

ثم إنه (1) لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا أو شرعا، حيث إنه ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن، و مع العجز عنه: كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة المطلب، مع قلة الاستعداد كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد، و لو لأجل حب طريقة الآباء و الأجداد، و اتباع سيرة السلف، فإنه كالجبلي للخلف، و قلّما عنه تخلف.

و المراد من المجاهدة في قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (*)

هو المجاهدة مع النفس؛ بتخليتها عن الرذائل و تحليتها بالفضائل، و هي التي كانت أكبر

____________

(1) الضمير للشأن غرضه بيان قيام الظن مقام العلم بعد الفراغ مما يجب تحصيل المعرفة به عقلا أو شرعا و عدم قيامه مقامه، و مرجعية البراءة في موارد الشك.

و توضيح ما أفاده: أنه قد استدل على كفاية الظن في أصول الدين بوجوه:

الأول: أن الظن معرفة مطلقا، سواء في حال الانفتاح أم الانسداد؛ بحيث تصدق المعرفة عليه كصدقها على العلم، فيكتفى بالظن في الأصول حتى في حال انفتاح باب العلم بها. و فيه ما أشار إليه المصنف بقوله: «حيث إنه ليس بمعرفته قطعا». و حاصله: أن الظن ليس مصداقا للمعرفة الواجبة في بعض الأصول الاعتقادية؛ إذ المعرفة عرفا هي العلم و لا تصدق على غيره، فمع التمكن من تحصيل العلم يجب تحصيله، و لا يجوز الاكتفاء بالظن. و مع عدم التمكن منه: يكون معذورا إن كان العجز عن تحصيل العلم مستند إلى القصور الناشئ عن عدم المقتضي؛ كقلة الاستعداد و غموض المطلب، أو وجود المانع كغفلته و عدم التفاته.

و إن كان العجز عنه مستندا إلى التقصير في الاجتهاد؛ و لو لأجل حب طريقة الآباء:

فإن هذا الحب ربما يوهم كون تلك الطريقة حقا، فيورث الخطأ في الاجتهاد، فهو غير معذور؛ بل مقصر لأجل الحب المزبور الملقى له في الخطأ.

قوله: «كما هو المشاهد ...» الخ. إشارة إلى دفع ما قيل: من عدم وجود القاصر استنادا إلى حصر المكلف في المؤمن و الكافر، و خلود الكافر في النار، و إلى قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.

و أما دلالة حصر المكلف في المؤمن و الكافر على نفي الجاهل القاصر: فيتوقف على مقدمة و هي: أن هناك ما دل على خلود الكافر في النار، و هناك حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر.

____________

(*) العنكبوت: 69.

92

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن انضمام حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر، مع ما دل على خلود الكافر في النار ينتج: أن يكون كل كافر إما عالما أو جاهلا عن تقصير، فحينئذ: ما تراه قاصرا عاجزا عن العلم قد يمكن عليه تحصيل العلم بالحق؛ و لو في زمان ما و إن صار عاجزا قبل ذلك أو بعده، و العقل لا يقبح عقاب مثل هذا الشخص.

و أما قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا على نفي الجاهل عن قصور:

فلأن الآية المباركة تدل على انفتاح الطريق إلى معرفة الحق في جميع الحالات، و الطريق هو الجهاد في سبيل الوصول إلى الحق، فقد وعد الله تعالى في هذه الآية: أن كل من جاهد في الحق و تفحص عنه يهتدي إلى سبيل الهداية و يصل إلى مطلوبه و هو الحق.

فالمتحصل: أن الآية المباركة تدل على أن من جاهد في سبيله تعالى بتحصيل المعرفة به و بأنبيائه و أوصيائه «(عليهم السلام)» فقد هداه الله تعالى و جعل له مخرجا، فالمكلف إما عالم مؤمن و هو المجاهد في سبيل ربه لتحصيل المعرفة، و إما جاهل مقصر كافر، و هو التارك للمجاهدة بتحصيل المعرفة، فلا وجود للقاصر.

و حاصل جواب المصنف «(قدس سره)» عن الأول- و هو حصر الناس في المؤمن و الكافر- وجود القاصر في أصول الدين كما هو المشاهد و المحسوس «في كثير من النساء» و الأطفال في أوائل البلوغ؛ «بل الرجال»، و لذا قال الشيخ «(قدس سره)»: «و لكن الذي يقتضيه الإنصاف: شهادة الوجدان بقصور بعض المكلفين»، إلى أن قال: «مع ورود الأخبار المستفيضة بثبوت الواسطة بين المؤمن و الكافر» (1)، و تركنا ذكر تلك الأخبار رعاية للاختصار.

و أما الجواب عن آية المجاهدة: فلأنه ليس المراد من المجاهدة الواردة في الآية النظر و الاجتهاد في تحصيل العلم و المعرفة؛ بل هو المجاهدة مع النفس التي هي أكبر من الجهاد مع الكفار، كما في حديث أن رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» قال لأصحابه:- بعد رجوعهم من محاربة المشركين- «قد بقي عليكم الجهاد الأكبر». قالوا: و ما هو يا رسول الله؟ قال: «الجهاد مع النفس» (2). فالآية أجنبية عن المقام.

و كيف كان؛ فليس المراد من المجاهد في الآية المباركة: النظر و الاجتهاد في المطالب‏

____________

(1) فرائد الأصول 1: 576.

(2) الكافي 5: 382، أمالي الصدوق: 553/ 740، و بلفظ: «مجاهدة العبد هواه»؛ كما في فيض القدير 4: 669/ 6107، أو «جهاد القلب» كما في كشف الخفاء 1: 424/ 1362.

93

من الجهاد؛ لا النظر و الاجتهاد (1) و إلا (2) لأدى إلى الهداية، مع أنه يؤدي إلى الجهالة و الضلالة إلا إذا كانت هناك منه تعالى عناية، فإنه (3) غالبا بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق لا بصدد الحق، فيكون مقصرا مع اجتهاده، و مؤاخذا (4) إذا أخطأ على قطعه و اعتقاده.

ثم لا استقلال للعقل (5) بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما (6)

____________

العلمية التي منها أصول الدين؛ حتى تكون المجاهدة مؤدية إلى الواقع، و لا يقع فيها الخطأ أصلا؛ إذ لو كان المقصود من المجاهدة النظر في المطالب العلمية لزم- بمقتضى قوله تعالى: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا- إصابة الاجتهاد بالواقع دائما، مع وضوح التخلف في كثير من الاجتهادات، و هذا التخلف يشاهد على أن المقصود من الآية المباركة هو الحث على مجاهدة النفس بترك العمل بمشتهياتها؛ لا الترغيب على خصوص تحصيل العلم.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: ليس المراد من المجاهدة النظر و الاجتهاد.

(2) أي: و لو كان المراد بالمجاهدة الاجتهاد و النظر: لزم إصابته دائما، مع أنه يخطئ كثيرا بشهادة الوجدان، فضمير «أنه» راجع على النظر و الاجتهاد.

(3) تعليل لقوله: «يؤدي»، و الضمير راجع على المجتهد و الناظر.

(4) أي: فيكون الناظر و المجتهد مؤاخذا على عدم إصابة الواقع لتقصيره بعدم طلبه للحق، و قوله: «على قطعه» متعلق ب «مؤاخذا».

(5) هذا إشارة إلى أحد الوجوه التي استدل بها على وجوب تحصيل الظن في أصول الدين عند تعذر العلم، و حاصله: دعوى استقلال العقل بلزوم تحصيل الظن عند انسداد باب العلم في أصول العقائد؛ لأن الظن من مراتب العلم، فيكون كالعلم شكرا للمنعم.

و ملخص جواب المصنف عنه: هو منع استقلال العقل؛ لعدم الحاجة إلى الظن بعد عدم توقف امتثال التكليف- أعني: وجوب الاعتقاد- على الظن.

قال الشيخ:- بعد إثبات وجود القاصر خارجا- ما لفظه: «و المقصود فيما نحن فيه الاعتقاد، فإذا عجز عنه فلا دليل على وجوب تحصيل الظن الذي لا يغني من الحق شيئا» (1).

(6) متعلق ب «تحصيل الظن»، و المراد بالموصول في «فيما»: الموارد التي يجب تحصيل العلم فيها، و ضمير «تحصيله» راجع على العلم يعني: لا يستقل العقل بوجوب تحصيل الظن في هذه الموارد عند اليأس عن تحصيل العلم فيها، و هي المعرفة بالصانع «عزّ و جل»

____________

(1) فرائد الأصول 1: 577.

94

يجب تحصيله عقلا لو أمكن (1)، لو لم نقل (2) باستقلاله بعدم وجوبه؛ بل (3) بعدم جوازه؛ لما (4) أشرنا إليه من إن الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها و الانقياد لها، فلا (5) إلجاء فيها أصلا إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم، بخلاف الفروع العلمية، كما لا يخفى.

و كذلك (6) لا دلالة من النقل على وجوبه، فيما يجب معرفته مع الإمكان‏

____________

و بالنبي و الأئمة «(عليهم السلام)».

(1) قيد ل «يجب»، و الضمير المستتر فيه راجع على تحصيل العلم.

(2) قيد لقوله: «لا استقلال»، و هو إضراب عن عدم استقلال العقل بالوجوب إلى استقلاله بعدم الوجوب، و حاصله: أن العقل لا يحكم بلزوم تحصيل الظن عند تعذر العلم؛ بل يحكم بعدم لزومه؛ لما عرفت من: عدم الحاجة إلى الظن في عقد القلب الذي هو المطلوب في الأصول الاعتقادية.

(3) متعلق ب «لو لم نقل» و إضراب عن استقلال العقل بعدم الوجوب إلى استقلاله بعدم جواز تحصيل الظن؛ لأن عقد القلب على المظنون تشريع محرم.

(4) تعليل لعدم الوجوب لا عدم الجواز، و حاصله: ما تقدم من: أنه مع انسداد باب العلم في الأمور الاعتقادية لا موجب للتنزل إلى الظن فيها؛ لإمكان عقد القلب على ما هو واقعها، و عليه: فلا استقلال للعقل بحجية الظن في الاعتقاديات.

و هذا بخلاف الأمور العملية، فإن امتثال الأحكام الفرعية موقوف على العلم بمطابقة العمل لمتعلق الحكم، أو الاحتياط، و الثاني غير واجب أو غير جائز، و قد أشار إلى ذلك بقوله سابقا: «فلا يتحمل إلا لما هو الواقع، و لا ينقاد إلا له؛ لا لما هو مظنونه». و هذا بخلاف العمليات، فلا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد.

(5) هذا قرينة على أن قوله: «لما أشرنا» علة لعدم تحصيل الظن لا لعدم جوازه؛ لأن الإلجاء يوجب حجية الظن، و هو مفقود هنا؛ إذ ليس في مرحلة العمل حتى يتعذر التوقف فيه و يتعين العمل بالعلم إن أمكن تحصيله، أو بالظن مع تعذره؛ لكونه أقرب إلى الواقع من غيره، مع فرض عدم جواز إجراء الأصول النافية لاستلزامه الخروج عن الدين، و لا الاحتياط لعدم وجوبه أو عدم جوازه، و هذا السبب لجواز العمل بالظن مفقود هنا، و بانتفائه بالنسبة إلى الأصول الاعتقادية ينتفي المسبب، و هو حجية الظن فيها.

(6) عطف على قوله: «لا استقلال للعقل» يعني: كما أنه لا استقلال للعقل بلزوم تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم بالاعتقاديات، كذلك لا دلالة للنقل على وجوب تحصيل الظن عند تعذر العلم فيما يجب معرفته عن علم مع الإمكان؛ بل في‏

95

شرعا (1)؛ بل الأدلة الدالة على النهي عن اتباع الظن، دليل على عدم جوازه أيضا (2).

و قد انقدح من مطاوي ما ذكرنا (3): أن القاصر يكون في الاعتقاديات (4) للغفلة،

____________

وجوب تحصيل الظن عند تعذر العلم فيما يجب معرفته عن علم مع الإمكان؛ بل في النقل ما يدل على عدم الجواز، و هو ما دل على النهي عن متابعة الظن، فإنه إما مختص بأصول الدين و إما عام، و على التقديرين: يثبت المقصود و هو النهي عن اتباع الظن في الأصول، غاية الأمر: أن الأثر الشرعي تارة: يترتب على العمل الجوانحي، و هو الاعتقاد كما هو المطلوب في أصول العقائد، و أخرى: على العمل الجوارحي كما هو المطلوب في الفروع، و هذا الاختلاف غير قادح في شمول الدليل و عمومه.

(1) قيد ل «وجوبه»، و ضمير «وجوبه» راجع على تحصيل الظن، و «مع الإمكان» قيد «يجب» يعني: لا يدل النقل على وجوب تحصيل الظن شرعا، كما لا يدل العقل على وجوبه.

(2) يعني: كما كان العقل دالا على عدم جواز تحصيل الظن كما تقدم في قوله:

«لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه».

(3) و هو قوله: «و مع العجز عنه كان معذورا إن كان عن قصور لغفلته».

و غرضه: بيان وجود القاصر في الخارج، و لعل إعادته مع بنائه على مراعاة الإيجاز لأجل الإشارة إلى بعض صور القاصر من حيث المعذورية و عدمها؛ إذ القاصر على قسمين:

أحدهما: أن يكون غافلا محضا.

الثاني: أن يكون ملتفتا مع قصوره عن الوصول إلى الواقع؛ لعدم استعداده و هو على وجوه: أحدها: أن يكون منقادا لما يحتمله واقعا.

ثانيها: أن لا يكون منقادا و لا معاندا له.

ثالثها: أن يكون معاندا لما يحتمله حقا في الواقع.

لا إشكال في المعذورية في القسم الأول، و هو كونه غافلا محضا، و كذا في الوجه الأول من القسم الثاني، و هو كونه منقادا لما يحتمله واقعا.

و أما الوجهان الأخيران منه: فالظاهر عدم كونه معذورا، خصوصا الأخير و هو المعاند لما يحتمله.

(4) بمعنى: أن القاصر يوجد في الاعتقاديات، ف «يكون» تامة، و فاعله ضمير مستتر راجع على القاصر، يعني: أن القاصر يوجد في الاعتقاديات. و قوله: «للغفلة» علّة لوجود القاصر.

96

أو عدم الاستعداد للاجتهاد (1) فيها؛ لعدم (2) وضوح الأمر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن تقصير كما لا يخفى. فيكون (3) معذورا عقلا.

و لا يصغى (4) إلى ما ربما قيل بعدم وجود القاصر فيها؛ لكنه (5) إنما يكون معذورا غير معاقب على عدم معرفة الحق إذا لم يكن يعانده؛ بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله (6).

هذا بعض الكلام مما يناسب (7) المقام.

و أما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر و الإسلام: فهو مع عدم مناسبته (8) خارج عن وضع الرسالة (9).

____________

(1) متعلق ب «الاستعداد»، يعني: أو لعدم استعداده للبحث و الفحص في الاعتقاديات عن الحق لينقاد له.

(2) علة لوجود القاصر في الاعتقاديات؛ لعدم الاستعداد، و حاصله: أن الاعتقاديات ليست في كمال الوضوح حتى يكون الجهل بها عن تقصير فقط، و لا يتصور فيها الجهل القصوري فقط؛ بل قد يكون الجهل- بسبب عدم وضوح الأمر- عن قصور، و قد يكون عن تقصير، فقوله: «لا يكون» صفة لقوله «مثابة».

(3) نتيجة لما ذكرناه من استناد الجهل بالأصول الاعتقادية- لعدم استعداده- إلى القصور دون التقصير، فيكون هذا الجاهل القاصر معذورا عقلا.

(4) إشارة إلى ما نسب إلى بعض؛ بل إلى المشهور من عدم وجود القاصر.

و قد عرفت الإشارة إليه سابقا، و ضمير «فيها» راجع على الاعتقاديات.

(5) استدراك على قوله: «فيكون معذورا عقلا»، و ضميره راجع على الجاهل القاصر، يعني: أن معذورية الجاهل القاصر إنما هي في بعض صوره و هو القسم الأول، و الوجه الأول من القسم الثاني كما تقدم.

(6) الضمائر الأربعة راجعة على الحق.

(7) من حيث البحث عن حجية الظن في الأصول و عدمها؛ لأنه المناسب للأصول.

(8) وجه عدم المناسبة: أن البحث عن كفر الجاهل و إسلامه من المباحث الفقهية من جهة، و الكلامية من جهة أخرى، و على كل حال: ليس بحثا أصوليا، فلا يناسب ذكره في المقام.

(9) لبناء وضع الرسالة على نهاية الإيجاز.

هذا تمام الكلام في باب الظن في أصول الدين حسب اقتضاء المقام.

97

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- المقصود من الأمر الأول: هو بيان حجية الظن الانسدادي في الأمور الاعتقادية، و الحق عند المصنف هو: عدم الحجية؛ و ذلك لأن الأمور الاعتقادية على قسمين: القسم الأول- و هو ما يكون متعلق الوجوب فيه نفس الاعتقاد و الالتزام بما هو الواقع- لا حاجة فيه إلى العلم و لا إلى الظن، إذ يكفي الاعتقاد بما هو الواقع.

و أما القسم الثاني- و ما يكون متعلق الوجوب فيه معرفة شي‏ء و العلم به ليكون الاعتقاد به عن علم- فلا يجوز الاكتفاء بالظن فيه؛ لأن الواجب هو المعرفة و الظن ليس بمعرفة قطعا، فلا بد من تحصيل العلم مع الإمكان و كان معذورا عند العجز عن تحصيل العلم.

2- المرجع: هو أصالة البراءة عن وجوب المعرفة عند الشك، و عدم ثبوت وجوبها عقلا أو شرعا.

و أما توهم: كون المرجع هو عموم أو إطلاق جملة من الآيات و الروايات، و مقتضى عمومها أو إطلاقها هو: وجوب المعرفة، فلا مجال لأصالة البراءة؛ فمدفوع: بأن شيئا مما ذكر لا يدل على وجوب المعرفة مطلقا؛ لأن المراد من المعرفة في قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1) أي: ليعرفون هو معرفة الله تعالى؛ لا معرفة من سواه.

و أما النبوي- و هو قوله «(صلى اللّه عليه و آله)»: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس»- فهو في مقام بيان فضيلة الصلوات الخمس و أهميتها، و لا يستفاد منه إطلاق و لا عموم لوجوب المعرفة مطلقا.

و أما آية النفر: فلأنها في مقام بيان كيفية النفر للتفقه؛ لا في مقام بيان ما يجب فقهه و معرفته.

و أما ما دل على وجوب طلب العلم: فلأنه في صدد الحث على طلب العلم؛ لا في مقام بيان ما يجب علمه.

3- توهم: عدم وجوب الجاهل القاصر في الأمور الاعتقادية استنادا إلى حصر المكلف في المؤمن و الكافر.

____________

(1) الذاريات: 56.

98

و إلى قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (1)؛ مدفوع: لوجود الجاهل القاصر بالوجدان كما هو المشاهد في كثير من النساء؛ بل الرجال.

و ليس المراد من المجاهدة الواردة في الآية الشريفة: النظر و الاجتهاد في تحصيل العلم و المعرفة؛ بل المراد من المجاهدة هو: المجاهدة مع النفس التي هي أكبر من الجهاد؛ كما في حديث أن رسول «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» قال لأصحابه- بعد رجوعهم من محاربة المشركين:- «قد بقى عليكم الجهاد الأكبر». قالوا: و ما هو يا رسول الله؟ قال: «الجهاد مع النفس».

و حينئذ: فالآية المباركة أجنبية عن المقام.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- عدم حجية الظن في الأمور الاعتقادية.

2- المرجع عند الشك في وجوب معرفة شي‏ء هو: أصالة البراءة.

3- وجود الجاهل القاصر في الأمور الاعتقادية.

____________

(1) العنكبوت: 69.

99

الثاني (1): الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، هل يجبر به ضعف السند أو

____________

[الثانى الترجيح و الوهن بالظن‏]

جبر السند أو الدلالة بالظن غير المعتبر

(1) هذا هو الأمر الثاني من الأمرين اللذين يذكران في الخاتمة استطرادا، و المقصود من عقده: هو بيان حكم الظن غير المعتبر من حيث كونه جابرا لضعف سند رواية أو كاسرا لصحته أو قوته، أو مرجحا لدلالة رواية على دلالة رواية أخرى حال التعارض، و قد جعل البحث فيه في مقامين:

الأول: في الظن غير المعتبر الذي يكون عدم اعتباره بمقتضى الأصل الأولي، المقتضي لحرمة العمل بالظن، من دون قيام دليل على حجيته لا بالخصوص و لا بدليل الانسداد؛ كالشهرة في الفتوى، و الأولوية الظنية، و الاستقراء إذا فرضنا فيها ذلك.

الثاني: في الظن غير المعتبر، الذي يكون عدم اعتباره للدليل على عدم حجيته بالخصوص كالقياس.

أما المقام الأول: فقد اختلفوا فيه، و أن هذا الظن غير المعتبر هل يكون جابرا لضعف سند الرواية أو دلالتها؛ بحيث يوجب حجية الرواية سندا أو دلالة، أو يكون موهنا لهما؛ كما إذا كان الخبر صحيحا مثلا و لكن قام الظن غير المعتبر على خلافه، فهل هذا الظن موهن لصحته و كاسر لسورة حجيته، أو يكون مرجحا لأحد المتعارضين إذا كان على طبق أحدهما، أم لا يكون كذلك؟

و مجمل ما أفاده المصنف في المقام:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 126»- أن المعيار في الجبر بهذا الظن غير المعتبر هو: كونه موجبا. لاندراج ما يوافقه من الخبر مثلا تحت دليل الحجية، فإن أوجب اندراجه في دليل الحجية كان جابرا له؛ و إلا فلا، فإذا كان هناك خبر ليس بنفسه مظنون الصدور، و فرضنا أن موضوع دليل الاعتبار هو الخبر المظنون صدوره مطلقا، يعني: سواء حصل الظن بالصدور من نفس السند لوثاقة الرواة، أم غير السند؛ كالظن غير المعتبر المبحوث عنه في المقام الموافق للخبر المذكور:

كانت موافقة هذا الظن لهذا الخبر جابرة لضعف سنده؛ لأنها موجبة لاندراج الخبر المذكور تحت موضوع دليل الاعتبار.

و ذا كان هناك خبر ضعيف- لعدم كون جميع رواته عدولا- و فرضنا أن موضوع دليل الاعتبار هو خبر العادل أي: الذي يكون جميع رواته عدولا: لم تكن موافقة الظن غير المعتبر للخبر المذكور جابرة لضعف سنده، و موجبة لاندراجه في موضوع دليل الاعتبار و هو خبر العادل؛ لعدم كون جميع رواته عدولا حسب الفرض.

100

و كذا ترجيح مضمون أحد الخبرين المتعارضين على الآخر، فإن المعيار أيضا في ترجيح أحدهما- لأجل موافقته لهذا الظن غير المعتبر- على الآخر هو اندراج ما يوافقه تحت دليل الحجية، فإن أوجبت موافقته للظن المذكور دخوله تحت دليل الحجية كانت موجبة له؛ و إلا فلا، هذا.

و ترجيح مضمون أحد الخبرين المتعارضين على الآخر يتصور على وجهين:

أحدهما: أن يتعارض الخبران من جميع الجهات؛ إلا إن أحدهما موافق لظن غير معتبر كالشهرة الفتوائية إذا فرضناها ظنا غير معتبر.

ثانيهما: أن يتعارض الخبران من جميع الجهات أيضا، سوى أن أحدهما أرجح من الآخر من حيث الظهور، و الآخر المرجوح موافق لظن غير معتبر كالشهرة الفتوائية المذكورة؛ كما إذا ورد في أحد الخبرين «لا تبل تحت شجرة مثمرة» فإنه ظاهر في الحرمة، و ورد في الآخر: «لا ينبغي أن تبول تحت شجرة مثمرة» فإنه ظاهر في الكراهة، و لا ريب: في أن الجمع العرفي يقتضي بتقديم ظهور «لا تبل» على ظهور «لا ينبغي» لأقوائية ظهور «لا تبل» في الدلالة على الحرمة من ظهور «لا ينبغي» في الكراهة، فإذا وجدت الشهرة الفتوائية على وفق أحد الخبرين المتعارضين في الوجه الأول، أو وجدت على الكراهة في مثال الوجه الثاني، فهذه الشهرة الفتوائية إنما توجب رجحان ما يوافقها من الخبرين المتعارضين، أو رجحان الخبر المرجوح منها في المثال المذكور إذا أوجبت اندراج أحدهما تحت دليل الحجية؛ و إلا لم توجب رجحان شي‏ء منهما.

كما أن المعيار في الوهن بهذا الظن غير المعتبر هو: خروج ما يخالفه من الخبر المعتبر مثلا عن دليل الاعتبار و الحجية، فإن أوجبت مخالفته لهذا الظن غير المعتبر خروجه عن موضوع دليل الاعتبار كان هذا الظن موهنا له؛ و إلا فلا.

هذا مجمل القول في المقام الأول.

و أما بيان ما هو مختار المصنف فيتوقف على مقدمة: و هي: إن الوجوه المحتملة في أدلة الحجية ثلاثة:

الأول: أن يكون موضوعها الخبر المظنون صدوره بنفس السند لكون رواته ثقات مثلا.

الثاني: أن يكون موضوعها الخبر المظنون صدوره؛ و إن كان الظن بصدوره مستندا إلى غير السند كعمل الأصحاب به و استنادهم إليه الموجب للظن بصدوره.

101

الدلالة؛ بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة، أو يوهن (1) به ما لولاه على خلافه لكان حجة، أو يرجح به أحد المتعارضين؛ بحيث لولاه على وفقه لما كان ترجيح‏

____________

الثالث: أن يكون موضوعها ما هو أعم من ذلك و من مظنون المطابقة، يعني: أن الحجة هي الخبر المظنون صدوره- بأي واحد من النحوين المذكورين- أو مظنون الصحة، أي: مظنون المطابقة للواقع، مع فرض كون نفس الخبر ضعيفا سندا؛ و لو حصل الظن بالصحة من الخارج كالشهرة الفتوائية مع عدم العلم باستنادهم إلى هذا الخبر الضعيف. و لأجل هذه الاحتمالات اختلفت المباني، بمعنى: إنه من يعتمد على الأول لا يجبر بالظن المزبور الخبر الذي لا يكون مظنون الصدور بنفس السند؛ كما إذا كان بعض رواته ضعيفا أو مهملا أو مجهولا؛ لأنه لا يدخل بالظن المزبور تحت أدلة الاعتبار.

و من يعتمد على الآخرين يجبره بذلك، فيسهل الأمر حينئذ في بعض الروايات الضعيفة سندا إذا كانت موافقة لفتوى المشهور.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المصنف قد اعتمد على الاحتمال الأخير بقرينيّة قوله: «فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه».

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و أما المقام الثاني: فقد أشار إليه بقوله: «و أما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك».

فسيأتي توضيح ذلك مع رأي المصنف. فانتظر.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) عطف على قوله: «يجبر» أي: أو هل يوهن الظن القوي- كالحاصل من خبر الثقة- بالظن الذي لم يقم على حجيته دليل، فيسقط عن الحجية بسبب مخالفة هذا الظن غير المعتبر له.

و ضميرا «به، لولاه» راجعان إلى الظن غير المعتبر، و «ما» الموصول نائب فاعل «يوهن»، و المراد بالموصول: الظن القوي، و ضمير «خلافه» راجع إلى هذا الموصول النائب عن الفاعل، يعني: لو لا هذا الظن غير المعتبر على خلاف ذلك الظن القوي لكان الظن القوي حجة.

قوله: «أو يرجح» عطف على قوله «يجبر»، و «أحد» نائب فاعل له، و ضميرا «به، لولاه» راجعان على الظن الذي لم يقم دليل على اعتباره، و ضمير «وفقه» راجع على أحد المتعارضين. «بحيث» متعلق ب «يرجح» يعني: أو هل يرجح أحد المتعارضين- بسبب موافقة الظن غير المعتبر له- على معارضة الآخر أم لا؟

102

لأحدهما، أو كان (1) للآخر منهما أم لا؟

و مجمل القول في ذلك (2): أن العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته هو الدخول بذلك (3) تحت دليل الحجية أو المرجحية، الراجعة (4) إلى دليل الحجية. كما أن (5) العبرة في الوهن إنما هو الخروج بالمخالفة (6) عن تحت دليل الحجية، فلا يبعد

____________

(1) عطف على قوله: «لما كان»، و الضمير المستتر فيه راجح إلى الترجيح.

يعني: أو هل يرجح بالظن غير المعتبر أحد المتعارضين؛ بحيث لو لا موافقة هذا الظن غير المعتبر له كان الترجيح للمعارض الآخر الذي لم يوافقه هذا الظن.

و بعبارة أخرى: لو كان أحد المتعارضين راجحا على الآخر، و كان الظن غير المعتبر موافقا للآخر المرجوح، فهل توجب موافقته لهذا الآخر المرجوح رجحان هذا المرجوح على ذلك المعارض الراجح أم لا توجب رجحانه؟ و قد تقدم توضيح هذا بقولنا: «ثانيهما: أن يتعارض الخبران من جميع الجهات أيضا سوى أن أحدهما أرجح من الآخر ...».

(2) أي: فيما ذكر من الأمور الثلاثة من الجبر و الوهن و الترجيح، و قد عرفت حاصل مرامه بقولنا: «و مجمل ما أفاده المصنف في المقام».

(3) أي: بسبب الجبران أو الرجحان، و ضمير «بموافقته» راجع إلى الظن غير المعتبر.

(4) صفة «المرجحية»، يعني: أن المناط في حصول رجحان شي‏ء بسبب الظن غير المعتبر هو اندراج ذلك الشي‏ء لأجل رجحانه بهذا الظن- لو بنينا على رجحانه به تحت دليل المرجحية، و معنى قوله: «الراجعة على دليل الحجية» أن مرجع دليل المرجحية إلى دليل الحجية، بمعنى: أن دليل الحجية هو منشأ اعتباره و حجيته؛ و ذلك لأن دليل الترجيح هو الذي يجعل ما اشتمل على المرجح حجة؛ بحيث لو لا هذا الدليل لما كان حجة، فحجيته هي التي تجعله مرجحا، و حينئذ: فالموافق للظن غير المعتبر إنما يرجح به إذا اندرج- برجحانه به- تحت دليل المرجحية المستندة إلى دليل الحجية.

(5) يعني: كما أن المناط في كون الظن غير المعتبر موهنا لشي‏ء يكون حجة- لو لا هذا الظن غير المعتبر على خلافه- هو خروج ذلك الشي‏ء بسبب مخالفة هذا الظن غير المعتبر له عن موضوع دليل الحجية؛ كما إذا فرض أن موضوع دليل الحجية هو الخبر المظنون صدوره، و كان هناك خبر مظنون الصدور، و كان مخالفا لظن غير معتبر؛ بحيث أوجبت مخالفته لهذا الظن غير المعتبر الشك في صدوره، فلا ريب في خروجه حينئذ عن موضوع دليل الحجية، و هذا معنى كون الظن غير المعتبر موهنا له.

(6) الباء للسببية، و هو مع قوله: «عن تحت» متعلقان بالخروج، و المراد بالمخالفة مخالفة

103

جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره (1)، أو بصحة مضمونه (2)، و دخوله بذلك تحت ما دل على حجية ما يوثق به، فراجع أدلة اعتبارها (3).

و عدم (4) جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد؛ لاختصاص (5) دليل الحجية بحجية

____________

الموهون- و هو الخبر الصحيح مثلا- للموهن و هو الظن المشكوك اعتباره، كإعراض المشهور عنه الموهن للظن الحاصل بصدوره من صحة السند.

قوله: «فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر ...» الخ نتيجة لما ذكره من المعيار في الجبر و غيره و متفرع عليه.

و حاصله: أن الظن غير المعتبر إذا كان موجبا للظن بالصدور أو صحة المضمون بمعنى: مطابقة مضمونه للواقع كان ذلك موجبا لاندراج الخبر الموافق له تحت أدلة اعتبار الخبر الموثوق به.

قوله: «في الخبر» متعلق ب «السند» يعني: جبر ضعف سند الخبر.

و قوله: «بالظن» متعلق ب «جبر».

و قوله: «بصدوره» متعلق ب «الظن»، و ضمائر «بصدوره، مضمونه، دخوله» راجعة على الخبر.

و قوله: «بذلك» إشارة إلى جبر ضعف السند، و ضمير «به» راجع على الموصول في «ما يوثق» المراد به الخبر، و ضمير «اعتبارها» راجع على الخبر، فالصواب تذكيره و إن احتمل رجوعه إلى الأمارات المستفادة من سوق العبارة.

(1) كالظن الحاصل من عمل الأصحاب برواية ضعيفة سندا.

(2) كما تقدم في الظن الحاصل من الشهرة الموافق لأحد الخبرين المتعارضين ..

(3) و قد ذكرنا الوجوه المحتملة في أدلة الحجية، مع ما هو رأي المصنف، فلا حاجة إلى الإعادة و التكرار.

(4) عطف على «جبر ضعف السند»، يعني: لا يبعد عدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد الحاصل من الظن الخارجي لا من ظاهر اللفظ.

(5) هذا وجه عدم الجبر.

توضيحه: على ما في «منتهى الدراية ج 5، ص 133»، أن دليل الحجية مختص بحجية ظهور اللفظ في تعيين المراد، بمعنى: أن الظن بالمراد إن استند إلى ظهور اللفظ فذلك حجة بمقتضى أدلة اعتبار الظهورات، و إن استند إلى غيره من الظن الحاصل من أمارة خارجية؛ كما هو المبحوث عنه في المقام، فلا دليل على اعتباره، فليس الظن بالمراد

104

الظهور في تعيين المراد و الظن من أمارة خارجية به لا يوجب (1) ظهور اللفظ فيه، كما هو ظاهر؛ إلا (2) فيما أوجب القطع و لو إجمالا باحتفافه بما كان موجبا لظهوره فيه؛ لو لا (3) عروض انتفائه.

و عدم (4) وهن السند بالظن بعدم صدوره، ...

____________

جابرا لضعف الدلالة؛ إذ لا يندرج بذلك في حيز دليل الحجية، و قد عرفت: أن المعيار في الجبر هو شمول دليل الحجية له، مثلا: دلالة قوله «(عليه السلام)»: «في الغنم السائمة زكاة» على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة ضعيفة؛ لقوة احتمال عدم حجية مفهوم الوصف، فإذا قامت الشهرة الفتوائية على عدم وجوبها في المعلوفة يظن بذلك إرادة عدم وجوبها من قوله «(عليه السلام)»: «في الغنم السائمة»؛ لكن هذا الظن بمراد الشارع لم ينشأ من ظهور اللفظ فيه؛ بل من الخارج و هو الشهرة، فلا ينجبر ضعف دلالة القول المزبور بالظن المذكور، فلا يكون مجرد الظن بالمراد- و لو من غير ظهور اللفظ- موضوعا للحجية؛ حتى يكون الظن الخارجي بالمراد موجبا لشمول دليل الاعتبار له.

و لذا قال الشيخ «(قدس سره)»: «لا ينبغي التأمل في عدم انجبار قصور الدلالة بالظن المطلق؛ لأن المعتبر في باب الدلالات هو ظهور الألفاظ نوعا في دلالتها؛ لا مجرد الظن بمطابقة مدلولها للواقع و لو من الخارج ...» الخ. «الوصائل إلى الرسائل، ج 5، ص 127».

(1) خبر «و الظن»، و ضميرا «به، فيه» راجعان إلى المراد.

(2) استثناء من «لا يوجب» و لكنه لا يناسب المقام؛ إذ القطع باحتفاف الكلام بما يوجب الظهور يخرجه عن صيرورة المراد مظنونا بالظن غير المعتبر الذي هو محل البحث.

و كيف كان؛ فقوله: «أوجب القطع» يعني: القطع بالمراد.

و ضمير «باحتفافه» راجع على اللفظ، و هو متعلق ب «أوجب».

و قوله: «بما» متعلق ب «احتفافه»، و ضمير «لظهوره» راجع على اللفظ، و ضمير «فيه» إلى المراد.

(3) قيد لقوله: موجبا، و ضمير «انتفائه» راجع على الموصول في «بما» المراد به ما يوجب ظهور اللفظ في المراد.

(4) عطف على «جبر ضعف السند»، يعني: و كذا لا يبعد عدم وهن السند بالظن غير المعتبر بعدم صدوره، و كذا عدم وهن دلالته بهذا الظن.

و حاصل مرامه: أن الظن غير المعتبر لا يوهن السند و لا الظهور؛ لعدم تقيد إطلاق‏