دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
105

و كذا (1) عدم وهن دلالته مع ظهوره؛ إلّا (2) فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده، أو وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لو لا تلك القرينة؛ لعدم (3) اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة، و لا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صوره، أو ظن بعدم إرادة ظهوره (4).

و أمّا الترجيح (5) بالظن فهو فرع دليل على الترجيح به بعد سقوط الأمارتين‏

____________

أدلة اعتبارهما بعدم قيام الظن على خلافهما، فلا يكون الظن غير المعتبر موهنا لهما إلا إذا كشف الظن عن ثبوت خلل في السند، أو وجود قرينة مانعة عن انعقاد ظهور اللفظ فيما يكون اللفظ ظاهرا فيه فعلا.

(1) يعني: و كذا لا يبعد عدم وهن دلالته بالظن غير المعتبر.

و ضمائر «صدوره، دلالته، ظهوره» راجعة إلى الخبر.

(2) أي: إلا فيما كشف الموهن بالكسر و هو الظن غير المعتبر بسبب أمارة إلى معتبرة من علم أو علمي «عن ثبوت خلل في سنده ...» الخ، و لا إشكال في الوهن حينئذ؛ لكنه خارج عن موضوع البحث، و هو وهن السند و الظهور بالظن غير المعتبر، فالاستثناء منقطع.

و المراد بالموصول في «فيما فيه» هو المعنى الذي يكون اللفظ ظاهرا فيه فعلا، و ضمير «ظهوره» راجع إلى اللفظ، و الصناعة تقتضي رفع الظاهر- كما في بعض النسخ- لا نصبه كما في بعضها الآخر؛ و ذلك لأن كلمة «ظاهر» خبر لمبتدا محذوف، أعني:

الضمير الذي هو صدر صلة الموصول، فتكون العبارة هكذا: «فيما هو ظاهر». و ضمير «هو» راجع إلى اللفظ. و يمكن تصحيح نصب «الظاهر» بأن يكون خبرا لمحذوف تقديره:

«فيما يكون اللفظ فيه ظاهرا»؛ لكن الأول أولى.

قوله: «لو لا تلك القرينة» قيد لقوله: «انعقاد ظهوره» يعني: أن الظهور ينعقد لو لا تلك القرينة.

(3) علة لعدم وهن السند و الدلالة بالظن غير المعتبر.

توضيحه: أن إطلاق دليل اعتبار خبر الثقة و الظهور يقتضي عدم وهن السند و الظهور بقيام ظن غير معتبر على عدم صدور الخبر، أو عدم إرادة ظهوره.

(4) هذا الضمير و ضمير «صدوره» راجعان إلى «خبر»، و «بما» متعلق ب «اختصاص».

(5) عطف على قوله: «فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر» الخ. و الأولى سوق العبارة هكذا: «و الترجيح بالظن فرع الدليل على الترجيح به «؛ إذ لم يذكر لفظ «أمّا» قبل ذلك ليعطف عليه بلفظ «أمّا» هنا.

106

بالتعارض من البين (1)، و عدم (2) حجية واحد منهما بخصوصه و عنوانه؛ و إن بقي أحدهما بلا عنوان على حجيته (3)، و لم يقم (4) دليل بالخصوص على الترجيح به؛ و إن ادعى شيخنا العلامة «أعلى الله مقامه» استفادته (5) من الأخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة، على ما يأتي تفصيله في التعادل و الترجيح.

____________

و كيف كان؛ فهو شروع في بيان الترجيح بالظن غير المعتبر و عدمه.

و توضيح ما أفاده فيه- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 135»- هو عدم كون الظن غير المعتبر مرجحا لأحد المتعارضين؛ لعدم الدليل على الترجيح به بعد كون المرجحية- كالحجية- منوطة بقيام دليل عليها، فالأمارتان المتعارضتان بعد تساقطهما و عدم حجية واحدة منهما- بناء على الطريقية- لا تكون إحداهما بالخصوص حجة، إلا بالدليل، فجعل إحداهما بالخصوص حجة بسبب موافقة ظن غير معتبر لها موقوف على دليل على الترجيح بذلك الظن غير المعتبر، و لم يثبت ذلك و إن استدل له بوجوه أشار في المتن إلى جملة منها و سيأتي بيانها.

(1) كما هو مقتضى الأصل الأولي في تعارض الأمارات، بناء على الطريقية. و كلمة «بعد» ظرف لقوله: «على الترجيح به»، و ضمير «به» راجع على الظن غير المعتبر.

(2) عطف تفسيري لسقوط المتعارضين.

و غرضه: أن الروايتين المتعارضتين يسقط كل منهما بالتعارض عن الحجية، و لا تبقى إحداهما بالخصوص على الحجية و إن بقيت إحداهما لا بعينها على الحجية لنفي الثالث.

كما إذا دل أحد الخبرين على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و آخر على استحبابه، فإنهما يتساقطان بالتعارض في مدلولهما المطابقي، و لكنهما يشتركان في الثالث أعني:

في نفي ما عدا الوجوب و الاستحباب من الأحكام.

(3) حجية أحدهما بلا عنوان، و الصواب تأنيث الضمائر في «بخصوصه، عنوانه، حجيته»، و كذا تأنيث «واحد» و «أحدهما»؛ لأن المراد بها: الأمارة.

(4) الواو للحال، فكأنه قال: و أما الترجيح بالظن فهو فرع دليل على الترجيح به، يعني: بالظن غير المعتبر.

(5) أي: استفادة الترجيح بالظن غير المعتبر من الأخبار.

و هذا هو الوجه الأول: مما استدل به على الترجيح بالظن غير المعتبر.

و كيف كان؛ فقال الشيخ هنا ما هذا لفظه: «الثالث: ما يظهر من الأخبار من أن المناط في الترجيح كون أحد الخبرين أقرب مطابقة للواقع، سواء كان لمرجح داخلي‏

107

و مقدمات الانسداد (1) في الأحكام إنما توجب حجية الظن بالحكم أو بالحجة؛ لا الترجيح به ما لم توجب الظن بأحدهما.

و مقدماته (2) في خصوص الترجيح لو جرت إنما توجب حجية الظن في تعيين‏

____________

كالأعدلية مثلا، أو لمرجح خارجي كمطابقته لأمارة توجب كون مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر، مثل ما دل على الترجيح بالأصدقية في الحديث ...» (1) الخ.

«الوصائل إلى الرسائل، ج 5، ص 189».

و حاصله: التعدي عن المرجحات المنصوصة إلى كل ما يوجب أقربية أحد المتعارضين إلى الواقع من الآخر. و يأتي في بحث التعادل و الترجيح تفصيل ذلك.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه التي استدل بها على الترجيح بالظن غير المعتبر، و حاصله: أن مقدمات الانسداد الجارية في الأحكام الكلية توجب الترجيح بالظن غير المعتبر، فإن نتيجتها حجية الظن مطلقا، سواء تعلق بالحكم أم بالحجة أم بالترجيح، فالظن بالترجيح أيضا حجة.

قوله: «إنما توجب» خبر «و مقدمات» و جواب عنه، و حاصله: أن الظن الانسدادي إنما يكون حجة إذا تعلق بالحكم كالوجوب و الحرمة، أو بالطريق كالظن بحجية الإجماع المنقول، أو هما معا على الخلاف السابق، و الظن بالترجيح خارج عن كليهما.

و بالجملة: فمقدمات الانسداد لا توجب حجية الترجيح بالظن ما لم توجب الظن بالحكم أو الطريق.

(2) أي: و مقدمات الانسداد، و هذا هو الوجه الثالث من الوجوه التي استدل بها على الترجيح بالظن غير المعتبر.

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 138»- أنه يمكن إجراء مقدمات الانسداد في خصوص المرجحات؛ لتنتج حجية الظن في مقام الترجيح، بأن يقال: إنا نعلم إجمالا بمرجحات للروايات في الشريعة المقدسة، و باب العلم و العلمي بها منسد، و لا يجوز إهمالها للعلم الإجمالي المزبور. و لا يمكن التعرض لها بالاحتياط لعدم إمكانه، حيث إنه يدور الأمر بين المحذورين لحجية الراجح و عدم حجية المرجوح، و لا يمكن الاحتياط فيهما، و لا يجوز الرجوع إلى الأصل؛ إذ مقتضاه عدم الحجية، و هو ينافي العلم الإجمالي المزبور بوجودها، و مقتضى قبح ترجيح المرجوح على الراجح هو العمل بالظن، و نتيجة ذلك: حجية الظن في مقام الترجيح.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 610.

108

المرجح (1)، لا أنه مرجح؛ إلّا (2) إذا ظن أنه أيضا (3) مرجح، فتأمل جيدا.

____________

و قد أجاب المصنف عن هذا الوجه الثالث أولا: بما أشار إليه بقوله: «لو جرت» من عدم تسليم جريان مقدمات الانسداد في خصوص الترجيح، و لعله لأجل عدم العلم الإجمالي بعد كون المرجحات المنصوصة بمقدار المعلوم بالإجمال.

و ثانيا: بأن مصب المقدمات المذكورة هو المرجحات المعلومة إجمالا- بعد الفراغ عن مرجحيتها- بالمعتبر بالانسداد هو: الظن بتعيين ما هو مرجح؛ لا الظن بأن هذا الشي‏ء مرجح، فمقدمات الانسداد إنما تنتج حجية الظن بتعيين تلك المرجحات المعلومة إجمالا، فإن ظن بأن الشهرة الفتوائية مثلا مرجحة للخبر كان هذا الظن حجة بدليل الانسداد، و تثبت به مرجحية الشهرة للخبر المبتلى بالمعارض، و لا تنتج حجية الظن بأن هذا الشي‏ء مرجح كما هو المطلوب.

قوله: «إنما توجب» خبر «و مقدماته»، و هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

(1) أي: الذي هو من المرجحات المعلومة إجمالا.

(2) استثناء من قوله: «لا أنه مرجح» المعطوف على قوله: «تعيين»، و ضمير «أنه» في الموضعين راجع على الظن، و قوله: «أيضا» يعني: كما أنه معين للمرجح المعلوم إجمالا كونه مرجحا.

(3) أي: كحجية الظن بالمرجح.

و حاصل الكلام في المقام: أنه إذا علم إجمالا بمرجحية أمور، و حصل الظن- بمقدمات الانسداد- بأن منها الشهرة في الرواية، فهذا الظن الانسداد معين للمرجح أعني: الشهرة، فإذا حصل الظن بأن هذه الشهرة المستندة إلى الظن الانسدادي بنفسها مرجحة لأحد الخبرين المتعارضين: جاز الترجيح بها.

و الحاصل: أن مقدمات الانسداد لو جرت في المرجحات- كجريانها في الأحكام- أنتجت أمرين: أحدهما: حجية الظن في تعيين المرجح، و الآخر: حجية الظن بمرجحية الأقربية مثلا.

قوله: «فتأمل جيدا» لعله إشارة إلى: أن دليل الانسداد قاصر عن إثبات حجية الظن في الأحكام الشرعية، فضلا عن حجيته في تعيين المرجحات عند التعارض؛ إذ لم يثبت وجوب الترجيح بها حتى يكون انسداد باب العلم بها كانسداد باب العلم بالأحكام موجبا للأخذ بالظن؛ لإمكان حمل الأمر بالترجيح- كما سيأتي في باب التعادل و الترجيح- على الاستحباب كما اختاره المصنف و جماعة، فلا يبقى مجال للتمسك‏

109

هذا (1) فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل.

و أما ما قام (2) الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس: فلا يكاد يكون به جبر أو وهن أو ترجيح فيما لا يكون لغيره (3) أيضا، و كذا فيما يكون به ...

____________

بمقدمات الانسداد. و لو سلم جريانها في نفس الأحكام، فلا موجب لجريانها في المرجحات؛ لإمكان الاحتياط، أو الرجوع إلى الأصل العملي في مورد الشك.

هذا تمام الكلام في المقام الأول المتكفل لحكم الظن الذي لم يقم على عدم اعتباره دليل خاص؛ بل كان عدم اعتباره لأجل عدم الدليل على حجيته، الموجب لاندراجه تحت الأصل الدال على عدم حجية الظن و حرمة العمل به.

(1) أي: ما ذكرناه من الوهن و الجبر و الترجيح كان متعلقا بالظن الذي لم يثبت اعتباره بدليل خاص.

الجبر و الوهن و الترجيح بمثل القياس‏

(2) هذا هو المقام الثاني أعني به: الظن غير المعتبر الذي ثبت عدم اعتباره بدليل خاص كالقياس.

و نخبة القول فيه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 141»- أنه لا يوجب انجبار ضعف و لا وهنا و لا ترجيحا؛ لأن الدليل المانع عنه بالخصوص يوجب سقوطه عن الاعتبار أصلا، فلا يصلح لشي‏ء مما ذكر؛ لأن هذه الأمور نحو استعمال للقياس في الشرعيات، و المفروض: المنع عنه. انتهى مورد الحاجة.

قوله: «كذلك» يعني: بخصوصه، و «يكون» في المواضع الثلاثة تامة بمعنى «يحصل»، و فاعل «يكون» الأولى هو قوله: «جبر»، و فاعل الثانية ضمير مستتر فيها راجع على «جبر»، و فاعل الثالثة هو قوله: «أحدها»، و ضميرا «به جبر، لغيره» راجعان على الموصول في قوله: «ما قام» المراد به الظن الذي قام الدليل على المنع عنه بخصوصه كالقياس.

و غرضه: إنه لا يحصل الجبر و أخواه بالظن الذي قام الدليل الخاص على المنع عنه، و أن وجوده كعدمه في عدم ترتب شي‏ء من الجبر و أخويه عليه، و أن ترتب جميع هذه الأمور الثلاثة أو بعضها على الظنون غير المعتبرة بنحو العموم كالشهرة الفتوائية، بناء على بقائها تحت أصالة عدم حجية الأمارات غير العلمية، و عدم شمول دليل الانسداد لها، حيث إنها حينئذ ظن ممنوع عنه بنحو العموم، فلو حصل لها في مورد جبر أو أحد أخويه لم يحصل شي‏ء منها للقياس.

(3) أي: من سائر الظنون «أيضا» جبر و وهن و ترجيح.

110

أحدها (1) «أحدهما»؛ لوضوح (2): أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه (3)

____________

(1) الضمير راجع على «جبر أو وهن أو ترجيح»، و معنى العبارة: أنه لا يكاد يحصل بالظن- الذي قام دليل خاص على عدم اعتباره- جبر أو وهن أو ترجيح في مورد لا يحصل الجبر أو أخواه لغير هذا الظن أيضا من الظنون غير المعتبرة؛ لأجل عدم نهوض دليل على اعتبارها، و بقائها تحت أصالة عدم الحجية، و كذا في مورد يحصل الجبر أو أخواه بالظن الذي لم يقم على اعتباره دليل.

و ببيان أوضح:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 142»- أنه لا يحصل شي‏ء من الجبر و أخويه للقياس مطلقا، سواء حصل الجبر و أخواه أو بعضها لغيره من الظنون غير المعتبرة؛ لأصالة عدم الحجية، أم لم يحصل شي‏ء منها له.

و بالجملة: لا حظّ لمثل القياس من الظنون الممنوعة بدليل خاص من الجبر و أخويه، ففرق بينه و بين الظن غير المعتبر بالعموم.

و هذا خلافا لجماعة كالمحقق و صاحب الضوابط تبعا لشيخيه شريف العلماء كما حكاه شيخنا الأعظم بقوله: «نعم، يظهر من المعارج‏ (1) وجود القول به بين أصحابنا، حيث قال في باب القياس: ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا، و كان القياس موافقا لما تضمنه أحدهما كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر.

و يمكن أن يحتج لذلك: بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما و طرحهما، فتعين العمل بأحدهما. و إذا كان التقدير تقدير التعارض: فلا بد للعمل بأحدهما من مرجح، و القياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن به، فتعين العمل بما طابقه ... إلى أن قال: و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين بعض الميل و الحق خلافه ...» (2).

(2) علة لعدم الجبر و الوهن و الترجيح بالظن غير المعتبر بالخصوص، و حاصله: أن مناط هذه الأمور مفقود هنا؛ إذ المعيار فيها كون الظن سببا للدخول تحت أدلة الحجية أو الخروج عنها، و بعد فرض النهي الخاص عن ظن مخصوص لا يصلح ذلك الظن للدخول تحتها.

(3) الضمير راجع على الموصول المراد به الظن المعتبر قبل المنع عن الظن القياسي،

____________

(1) معارج الأصول: 186.

(2) فرائد الأصول 1: 597، و 4: 143.

111

لكان حجة- بعد المنع عنه- لا يوجب (1) خروجه عن تحت دليل الحجية، و إذا كان (2) على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية، و هكذا (3) لا يوجب ترجيح أحد المتعارضين؛ و ذلك (4) لدلالة دليل المنع على إلغائه (5)

____________

و اسم «كان» ضمير راجع على الموصول المراد به الحجة المعتبرة فإذا دل الخبر المعتبر على حكم مخالف للقياس أخذ به، و لا يعتني بالقياس أصلا؛ لعدم اعتباره، هذا في عدم وهن الحجة بمخالفة القياس، و ضمير «عنه» راجع على الظن القياسي.

(1) خبر «أن الظن»، و ضمير «خروجه» راجع على الموصول المراد به الحجة المعتبرة، يعني: لا يوجب الظن القياسي، بعد المنع عنه خروج الظن المعتبر عن الحجية.

غرضه: أن مخالفة القياس قبل المنع عنه كما لا توهن الظن المعتبر و لا تخرجه عن الحجية، كذلك بعد النهي عنه، فقوله: «بعد المنع» متعلق ب «لا يوجب»، فكأنه قال: إن الظن القياسي إذا كان على خلاف الظن الذي لو لا القياس لكان حجة لا يوجب هذا الظن القياسي بعد المنع عنه خروج الظن المعتبر عن موضوع دليل الحجية.

(2) عطف على «إذا كان»، و الضمير المستتر فيه و البارز في «لولاه» راجعان على الظن القياسي، و المراد بالموصول: ما لا يكون بنفسه حجة، و قوله: «لا يوجب» خبر «إن الظن القياسي»، و فاعله ضمير مستتر فيه راجع على «كون الظن القياسي على وفق ما ليس بنفسه حجة»، المستفاد من سياق العبارة، و ضمير «دخوله» راجع إلى الموصول في «ما لولاه» المراد به ما ليس بنفسه حجة يعنى: إن موافقة الظن القياسي لما ليس بنفسه حجة لا توجب دخول هذا الشي‏ء الذي وافقه الظن القياسي تحت دليل الاعتبار.

(3) يعني: أن الظن القياسي كما لا يكون جابرا و موهنا؛ كذلك لا يكون مرجحا.

(4) تعليل لعدم الترجيح و الوهن و الجبر بالقياس، و حاصله، كما تقدم في كلام الشيخ: أن دليل المنع يدل على إلغاء الشارع للظن القياسي رأسا، و عدم جواز استعماله في الشرعيات، و من المعلوم: أن الجبر أو الوهن أو الترجيح مما يصدق عليه الاستعمال فلا يجوز.

(5) الضمير في «إلغائه» راجع على الظن القياسي، و هو مفعول المصدر المضاف و الشارع فاعله، و الأولى سوق العبارة هكذا «على إلغاء الشارع إياه»؛ و ذلك لأن إضافة المصدر إلى مفعوله و تكميل عمله بالمرفوع- كما في المتن- قليل؛ بل ربما قيل باختصاصه بالشعر.

112

الشارع رأسا، و عدم (1) جواز استعماله في الشرعيات قطعا، و دخله (2) في واحد منها نحو استعمال له فيها كما لا يخفى، فتأمل جيدا (3).

____________

(1) عطف على «إلغائه» و مفسر له.

(2) مبتدأ خبره «نحو استعمال»، و ضميرا «دخله، له» راجعان على الظن القياسي و ضميرا «منها، فيها» راجعان على الجبر و الوهن و الترجيح.

(3) كي تعلم أن الاعتناء بالظن القياسي ممنوع شرعا مطلقا، فليس القياس غبر المعتبر بدليل خاص كالظن غير المعتبر بدليل عام؛ إذ يمكن الجبر أو حد أخويه به في بعض الموارد، بخلاف القياس، فإنه لا يمكن فيه شي‏ء من ذلك أصلا كما عرفت وجه ذلك.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- خلاصة الكلام في المقام الأول: أنه قد اختلفوا فيه، و مجمل الكلام في هذا المقام: أن المعيار في الجبر بهذا الظن غير المعتبر هو كونه موجبا لاندراج ما يوافقه تحت دليل الحجية، فكان جابرا و إلا فلا.

و كذا المعيار في كونه مرجحا لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر هو: اندراج ما يوافقه منهما تحت دليل الحجية، كما أن المعيار فيه الوهن بهذا الظن غير المعتبر هو خروج ما يخالفه من الخبر المعتبر عن تحت دليل الاعتبار و الحجية.

2- بيان الوجوه المحتملة في أدلة الحجية: و هي ثلاثة:

الأول: أن يكون موضوعها الخبر المظنون صدوره بنفس السند لكون رواته ثقات مثلا.

الثاني: أن يكون موضوعها الخبر المظنون صدوره، و إن كان الظن بصدوره مستندا إلى غير السند كعمل الأصحاب به و استنادهم إليه الموجب للظن بصدوره.

الثالث: أن يكون موضوعها ما هو أعم من ذلك و من مظنون المطابقة يعني: أن الحجة هي الخبر المظنون صدوره- بأي واحد من النحوين المذكورين- أو مظنون الصحة أي: مظنون المطابقة للواقع، مع فرض كون نفس الخبر ضعيفا سندا، و لأجل هذه الاحتمالات اختلفت المباني. بمعنى أنه من يعتمد على الأول لا يجبر بالظن المذكور.

و من يعتمد على الأخيرين يجبره بالظن المذكور، و مختار المصنف هو: الاحتمال الثالث.

113

3- الوجوه التي استدل بها على الترجيح بالظن غير المعتبر:

الأول: كونه موجبا لأقربية ما يوافقه إلى الواقع.

الثاني: أن مقومات الانسداد الجارية في الأحكام توجب الترجيح بالظن غير المعتبر، فإن نتيجتها حجية الظن مطلقا، سواء تعلق بالحكم أم بالحجة، أم بالترجيح، فالظن بالترجيح أيضا حجة.

الثالث: أنه يمكن إجراء مقدمات الانسداد في خصوص المرجحات لتنتج حجية الظن في مقام الترجيح بأن يقال: إنا نعلم إجمالا بمرجحات للروايات في الشريعة المقدسة، و باب العلم و العلمي بها منسد. و لا يمكن إهمالها للعمل الإجمالي المزبور، و لا يمكن الاحتياط لعدم إمكانه، و لا يجوز الرجوع إلى الأصل؛ إذ مقتضاه: عدم الحجية، و هو ينافي العلم الإجمالي المزبور بوجودها.

و مقتضى قبح ترجيح المرجوح على الراجح هو: العمل بالظن، و لازم ذلك: حجية الظن في مقام الترجيح.

4- جواب المصنف عن هذه الوجوه الثلاثة:

أما الجواب عن الوجه الأول: فلأنه لم يقم دليل على الترجيح بالظن غير المعتبر.

و أما الجواب عن الوجه الثاني: فلأن جريان مقدمات الانسداد في الأحكام لا تنتج إلا حجية الظن بالأحكام أو الطرق، على خلاف تقدم، و الظن بالترجيح خارج عنهما.

و أما الجواب عن الوجه الثالث: فلأنه يقال: أولا: إنه لا تجري مقدمات الانسداد في خصوص الترجيح.

و ثانيا: أن مصب المقدمات المذكورة هو المرجحات المعلومة إجمالا- بعد الفراغ عن مرجحيتها فالمعتبر بالانسداد هو الظن بتعيين ما هو مرجح لا حجية الظن بأن هذا الشي‏ء مرجح.

5- المقام الثاني- و هو الظن غير المعتبر الذي ثبت عدم اعتباره بدليل خاص كالقياس- فحاصل الكلام فيه: أنه لا يوجب انجبار ضعف و لا وهنا و لا ترجيحا؛ لأن الدليل المانع عنه بالخصوص يوجب سقوطه عن الاعتبار أصلا، فلا يصلح لشي‏ء مما ذكر لأن هذه الأمور نحو استعمال للقياس في الشرعيات، و المفروض المنع عنه.

6- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- أن المناط في الجبر و الترجيح اندراج ما يوافق الظن غير المعتبر تحت دليل الحجية،

114

كما أن المناط في الوهن خروج ما يخالفه عن تحت دليل الحجية.

2- موضوع أدلة الحجية هو الاحتمال الثالث.

3- الظن القياسي لا يكون موجبا للانجبار و لا موجبا للوهن و لا الترجيح.

115

المقصد السابع في الأصول العملية

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

المقصد السابع: في الأصول العملية (1)

____________

الأصول العملية

(1) و قبل الخوض في أصل البحث ينبغي تقديم أمور:

الأول: بيان الفرق بين الأدلة الاجتهادية و الأصول العملية.

و حاصل الفرق بينهما: أن المراد بالأصول العلمية هو: الوظائف المقررة للشاك الذي لم يكن له طريق معتبر إلى الواقع من القطع أو الأمارة، التي جعلها الشارع حجة و طريقا إلى الواقع.

فالأصل العملي عبارة عن حكم مجعول للشك و في ظرف الشك؛ بحيث لوحظ الشك موضوعا له و يقابله الدليل الاجتهادي، حيث أن الحكم مجعول للواقع في مورد الشك؛ و لكن الشك ليس جزءا من موضوعه، مثلا: خبر الواحد حجة عند الشك في الحكم الواقعي؛ لكن ليس الموضوع مأخوذا فيه الشك، فقول زرارة بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال إخبار عن الواقع؛ و إن كان حجية خبره في ظرف الشك في الحكم الواقعي.

أما أصالة البراءة: فقد أخذ في موضوعها الشك؛ لأنها تقول: إذا لم تدر وجوب الدعاء أجر البراءة، فالدعاء المشكوك مجرى للبراءة.

فالمتحصل: أن المجعول في الأصول العملية حكم على الشك، و في الأدلة حكم على الواقع حال سترته، مع جعل الأمارة دليلا عليه.

أما الفرق بينهما من حيث التسمية: فلأن الأصول العملية الدالة على الوظائف في الشك تسمى أدلة فقاهتية، و الأدلة الدالة على الحكم الشرعي في نفس الأمر تسمى أدلة اجتهادية؛ و ذلك لمناسبة موجودة في تعريف الفقه و الاجتهاد، حيث عرفوا الفقه «بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية»، و ليس المراد من الأحكام هي الأحكام الواقعية؛ لعدم تعلق العلم بها دائما.

فتعين أن يكون المراد بها هي: الظاهرية الموجودة في مواضع الأصول العلمية. فناسب أن يسمى ما دل على الأحكام الظاهرية التي تعلق بها العلم بالأدلة الفقاهتية.

و عرفوا الاجتهاد: «باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي»، و من المعلوم: أن ليس المراد منه هو الحكم الظاهري؛ و إلا يكون معلوما لا مظنونا؛ بل المراد هو الحكم‏

118

الواقعي الذي تعلق به الظن، فناسب ذلك أن يسمى ما دل على ذلك الحكم الواقعي الذي يتعلق به الظن دليلا اجتهاديا، و لا مناقشة في الاصطلاح.

ثم الأصول العملية قد تكون في مقابل الأصول الاعتقادية التي يجب الاعتقاد بها، فهذه للاعتقاد و تلك للعمل، و إذا أطلق الأصول احتمل أن يراد به: أصول الفقه الشامل للأصل و الدليل، و احتمل أن يراد به: أصول الاعتقاد. هذا تمام الكلام في الأمر الأول.

الثاني: بيان ما هو الوجه، و السبب لمخالفة المصنف مع الشيخ الأنصاري «قدهما»، حيث عنون المصنف مبحث البراءة بعنوان واحد، و جعله مسألة واحدة. هذا بخلاف الشيخ «(قدس سره)» حيث جعل الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة اثني عشرة مسألة، و تعرض في ضمن مباحث وسائل متعددة. باعتبار أن الشبهة تارة: تكون وجوبية، و أخرى: تكون تحريمية، و ثالثة: تكون مشتبهة بينهما؛ كدوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة، و منشأ الشك في الجميع: إما فقدان النص أو إجماله، أو تعارض النصين، أو الأمور الخارجية.

فحاصل ضرب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر.

ثم تعرض الشيخ «(قدس سره)» للبحث عن كل قسم مستقلا، و الوجه و السبب لتفصيل الشيخ و تقسيمه «(قدس سره)» أمران:

الأول: اختصاص بعض أدلة البراءة بالشبهة التحريمية؛ كقوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1).

الثاني: أن النزاع المعروف بين الأصوليين و الأخباريين مختص بالشبهة التحريمية، و أما الشبهة الوجوبية: فوافق الأخباريون الأصوليين في الرجوع إلى البراءة، فالحاصل: أن السبب لتفصيل الشيخ «(قدس سره)» هو: اختلاف الموارد في بعض الخصوصيات و لذا ذهب الأخباريون إلى البراءة في الشبهة الوجوبية، و إلى الاحتياط في الشبهة التحريمية، بدعوى: وجود الفرق بينهما، فلا بد من البحث عن كل مسألة على حدة؛ لاختلاف جهة البحث.

و أما المصنف: فقد خالف الشيخ، حيث جعل البحث عاما لمطلق الشك في التكليف الجامع بين جميع الأقسام المذكورة؛ إلا فرض تعارض النصين، فأخرجه من هذا البحث‏

____________

(1) الفقيه 1: 317/ 937، الوسائل 6: 289.

119

بدعوى: إنه ليس موردا للبراءة؛ لأن المتعيّن فيه الرجوع إلى المرجحات، و مع فقدها:

يتخير.

و كيف كان؛ فهو خارج عن المبحث لقيام الحجة المعينة على الترجيح أو التخيير عند تمامية أدلة العلاج ترجيحا أو تخييرا، فإن أصالة البراءة تكون مرجعا عند عدم الدليل، و مع وجود الدليل تعيينا- كما إذا كان أحد النصين راجحا على الآخر- أو تخييرا- كما إذا لم يكن لأحدهما ترجيح على الآخر- لا تصل النوبة إلى البراءة، فالسبب و الوجه لما صنعه المصنف «(قدس سره)»: أن تعدد المسائل بنظره إنما هو بتعدد جهة البحث، فمع وحدة الجهة تتحد المسألة و لو مع تعدد الموضوع أو المحمول. و بما أن جهة البحث هاهنا واحدة يعم البحث و يشمل جميع ما فرض من الموضوعات المتنوعة، و لا خصوصية لبعض تلك الموضوعات عن الأخرى، في جهة البحث.

الثالث: بيان وجه حصر الأصول في الأربعة، و هي: الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير. قيل: الوجه في ذلك أمران:

الأول: جريان الأصول الأربعة في جميع أبواب الفقه.

الثاني: عدم كثرة النقض و الإبرام إلا في هذه الأربعة. ثم انحصار مجاري الأصول و مواردها و إن كان عقليا؛ لأنه يدور بين النفي و الإثبات؛ إلا إن حصر نفس الأصول في الأربعة استقرائي، بمعنى: أن الأصول التي تجري في جميع أبواب الفقه منحصرة فيها؛ و إلا فالأصول التي ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل أكثر من هذه الأربعة؛ كقاعدة الفراغ، و قاعدة التجاوز، و قاعدة الطهارة، و قاعدة الحلية، و ما أشبهها.

و لذا يقول المصنف «(قدس سره)»: «و المهم منها أربعة».

الرابع: إن الأصول العقلية ليست في طول الأصول الشرعية؛ بل الجميع في عرض واحد، ففي الظرف الذي يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان يحكم الشرع برفع الحكم عن الجاهل.

نعم؛ يظهر من صاحب مصباح الأصول: كون الأصول العقلية في طول الأصول الشرعية، حيث قال: «فإن المكلف إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي بالقطع الوجداني و لا بالتعبد الشرعي، و عجز أيضا عن معرفة الحكم الظاهري تعيّن عليه الرجوع إلى ما يستقل به العقل من البراءة أو الاحتياط أو التخيير على اختلاف الموارد. و تسمى هذه القواعد بالأصول العلمية العقلية». «مصباح الأصول، ج 2، ص 248». و ظاهر كلامه‏

120

و هي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص (1) و اليأس عن الظفر بدليل مما (2) دل‏

____________

هو: كون الأصول العقلية في طول الأصول الشرعية، و لازم ذلك: أن لا تصل النوبة إلى الأصول العقلية؛ إذا ما من مورد إلا و فيه أصل شرعي كالبراءة الشرعية و غيرها، فالحق: أن الجميع في عرض واحد، و أن الاختلاف في التسمية لأجل الاختلاف في المصدر و الدليل.

إذا عرفت هذه الأمور، فنرجع إلى توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية» كما هو العادة.

(1) يعني: أن رتبة الأصل العملي متأخرة عن الدليل، فلا تصل النوبة إليه إلا بعد اليأس عنه؛ لتوقف موضوع الأصل العملي- و هو الشك في الحكم الواقعي- على عدم الدليل عليه؛ فمعه لا موضوع للأصل و لو تعبدا، ثم إن توصيف الأصول العملية بما أفاده إنما هو لإدراجها في المسائل الأصولية، و إخراج القواعد الفقهية؛ كقاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» عنها.

أما الأول: فلأن الأصول العلمية لا تقع في طريق الاستنباط؛ لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولية عليها، حتى تكون من المسائل الأصولية التي هي كبريات القياسات المنتجة- بعد ضم صغرياتها إليها- لأحكام كلية فرعية؛ إذ ليست الأصول العملية إلا وظائف للجاهل بالحكم الشرعي الواقعي بعد اليأس عن الظفر بدليل عليه، من دون أن تقع في طريق الاستنباط ليستنتج منها حكم كلي فرعي، فلا بد من تعميم القواعد الأصولية لما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص عن الدليل على الحكم و عدم الظفر به، حتى تندرج الأصول العملية في المسائل الأصولية.

و أما الثاني: فلأنه لا ينتهي الفقيه بعد الفحص عن الدليل على الحكم إلى القواعد الفقهية؛ لعدم ترتبها على مشكوك الحكم؛ كما هو شأن الأصول العملية؛ بل هي أحكام كلية يرجع إليها المجتهد ابتداء.

(2) بيان لقوله: «التي ينتهي إليها»، و المراد بالموصول: الوظائف المدلول عليها بسوق الكلام، يعني: من الوظائف التي دل عليها حكم العقل، كالبراءة العقلية المستندة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو دل عليها عموم النقل كالبراءة الشرعية المستندة إلى مثل حديث الرفع.

فقوله: «حكم العقل أو عموم النقل» إشارة إلى انقسام الأصول إلى العقلية و الشرعية.

121

عليه حكم العقل أو عموم النقل، و المهم منها أربعة (1). فإن مثل (2) قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية (3)؛ و إن كان مما ينتهي (4) إليها فيما لا حجة على طهارته و لا على نجاسته، إلا إن البحث (5) عنها ليس بمهم، حيث إنها ثابتة بلا كلام، من دون حاجة إلى نقض و إبرام، بخلاف الأربعة و هي البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب، فإنها محل الخلاف بين الأصحاب، و يحتاج تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث و بيان و مئونة حجة

____________

(1) و هي الاستصحاب و التخيير و البراءة و الاشتغال، و قد يعبر عنه: بالاحتياط تسمية للملزوم باسم لازمه، و المقصود واحد. أما غيرها من «أصالة العدم» و «أصالة عدم الدليل دليل العدم»، و «أصالة الحلية» و «أصالة الحظر» فقد قيل: باندراج الأولى في الاستصحاب، و الثالثة في البراءة، و الآخرين في الأمارات؛ لكنه لا يخلو عن إشكال، و التفصيل لا يسعه المقام.

(2) غرضه: الاعتذار عن عدم تعرضهم لقاعدة الطهارة، مع أنها في الشبهات الحكمية من الأصول العملية.

و حاصل ما أفاده في الاعتذار يرجع إلى وجهين:

الأول: أن حجيتها لا تحتاج إلى النقض و الإبرام؛ بل هي ثابتة عند الكل من دون خلاف فيها و لا كلام، فلا حاجة إلى البحث عنها؛ بخلاف الأربعة المزبورة، فإنها محل البحث و تحتاج إلى النقض و الإبرام.

الثاني أن قاعدة الطهارة مختصة ببعض أبواب الفقه- أعني: باب الطهارة و النجاسة- بخلاف غيرها من الأصول الأربعة، فإنها عامة لجميع أبواب الفقه.

(3) أما أصالة الطهارة الجارية في الشبهات الموضوعية: فهي مما لا ينتهي إليها المجتهد؛ للعلم بالحكم الكلي، فيجوز للمقلد إجراؤها أيضا؛ كالشك في طهارة الماء الموجود في هذا الإناء، مع عدم العلم بحالته السابقة، فإنه يحكم المقلد بطهارته أيضا، و يرتب آثارها عليه.

(4) يعني: المجتهد، و ضمير «إليها» راجع على الموصول في «مما» المراد به الأصول و القواعد.

(5) هذا إشارة إلى الوجه الأول المتقدم بقولنا: «الأول: أن حجيتها ...» الخ. و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

122

و برهان، هذا مع جريانها (1) في كل الأبواب، و اختصاص تلك القاعدة ببعضها فافهم (2).

____________

(1) أي: الأصول الأربعة. هذا إشارة إلى الوجه الثاني الذي تقدم توضيحه.

(2) لعله إشارة إلى عدم صلاحية الوجه الثاني للاعتذار؛ لأن الاختصاص ببعض الأبواب لا يسوّغ الإهمال؛ و إلا لزم خروج جملة من المسائل الأصولية عن علم الأصول؛ لعدم اطرادها في جميع أبواب الفقه؛ كالبحث عن دلالة النهي عن العبادة على الفساد، حيث إنه يختص بالعبادات، و لا يجري في سائر أبواب الفقه، هذا؛ بل الوجه الأول أيضا لا يصلح للاعتذار؛ لأن مجرد كون المسألة اتفاقية بل ضرورية لا يسوّغ إهمالها، و عدم ذكرها في مسائل ذلك العلم؛ بل لا بد من بيان جميع مسائله الخلافية و الوفاقية.

و خلاصة الكلام فيما هو المهم في المقام: أن المصنف خالف الشيخ حيث جعل البحث عاما شاملا لمطلق الشك في التكليف، و قد أخرج فرض تعارض النصين عن هذا البحث، بدعوى: قيام الحجة على التعيين أو التخيير، و مع قيام الدليل لا تصل النوبة إلى البراءة و السبب لتفصيل الشيخ «(قدس سره)» هو: اختلاف الموارد في بعض الخصوصيات، و لذا ذهب الأخباريون إلى البراءة في الشبهة الوجوبية، و إلى الاحتياط في الشبهة التحريمية، بدعوى: وجود الفرق بينهما، فلا بد من البحث عن كل مسألة مستقلا؛ لتعدد المسائل و اختلاف جهة البحث فيها.

123

فصل‏

لو شك (1) في وجوب شي‏ء أو حرمته، و لم تنهض عليه (2) حجة جاز شرعا و عقلا ترك الأول (3) و فعل الثاني، و كان (4) مأمونا من عقوبة مخالفته (5)، كان (6) عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النص (7) أو إجماله، و احتماله الكراهة (8) أو

____________

[فصل‏] أصالة البراءة

(1) المراد بالشك المأخوذ موضوعا في الأصول العملية ليس بمعنى تساوي طرفيه؛ بل المراد به: خلاف اليقين و الحجة، بمعنى: عدم الحجة على وجوب شي‏ء في الشبهة الوجوبية، و عدم الحجة على حرمته في الشبهة التحريمية، فالمراد بالشك في الوجوب: هو الشك فيه مع العلم بعدم حرمته؛ كالدعاء عند رؤية الهلال، كما أن المراد بالشك في الحرمة هو الشك فيها مع العلم بعدم وجوبه؛ كشرب التتن مثلا، فيدور الأمر بين الوجوب و غير الحرمة في الأول، و بين الحرمة و غير الوجوب في الثاني.

و أما مع العلم إجمالا بالوجوب أو الحرمة: فيكون من دوران الأمر بين المحذورين.

و سيأتي البحث عنه.

ثم إن المصنف لم يتعرض لجريان البراءة و عدمه في غير الوجوب و الحرمة من الاستحباب و الإباحة و الكراهة، و لعله لأجل اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط بالتكليف الإلزامي هذا أولا. و ثانيا: لو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام، فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

(2) على شي‏ء من الوجوب أو الحرمة.

(3) أي: ترك ما شك في وجوبه، و كذلك جاز فعل ما شك في حرمته.

(4) عطف على قوله: «جاز» و هو بمنزلة التفريع على الجواز العقلي و الشرعي.

(5) أي: مخالفة الشي‏ء المشكوك وجوبه أو حرمته.

(6) أي: سواء «كان عدم نهوض الحجة ...» الخ.

(7) المراد به: مطلق الدليل لا خصوص الرواية.

(8) بيان لإجمال النص، و هذا يكون في صورة الشك في الحرمة؛ كما إذا قال: «لا

124

الاستحباب (1)، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما (2) ترجيح، بناء (3) على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين.

و أما بناء على التخيير- كما هو المشهور- فلا مجال لأصالة البراءة و غيرها (4)؛ لمكان (5) وجود الحجة المعتبرة و هو أحد النصين فيها كما لا يخفى.

و قد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة:

أما الكتاب: فبآيات (6) أظهرها قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (*)

.

____________

تشرب التتن» مثلا، و احتمل إرادة الكراهة من النهي.

(1) و هذا يكون في صورة الشك في الوجوب؛ كما إذا قال: «اغتسل للجمعة»، و احتمل إرادة الاستحباب من الأمر.

(2) أي: بين النصين المتعارضين؛ إذ لو ثبت بينهما ترجيح فالمتعين الأخذ بالراجح؛ لأدلة الترجيح الظاهرة في وجوب الترجيح. ثم إن التوقف و الرجوع إلى الأصل في صورة التكافؤ هو القول الشاذ؛ و إلا فعلى المشهور من التخيير لا تصل النوبة إلى الأصل؛ لوجود الدليل و هو أحد المتعارضين.

(3) قيد لقوله: «جاز» يعني: أن الرجوع إلى الأصل في تعارض النصين مبني على التوقف في مسألة التعارض، دون التخيير؛ إذ بناء على التخيير لا بد من الأخذ بأحد المتعارضين، دون الرجوع إلى الأصل.

(4) يعني: من سائر الأصول كالاستصحاب و الاحتياط.

(5) تعليل لقوله: «لا مجال»، و وجهه واضح؛ إذ الحجة على الواقع موجودة و إن كانت مرددة بين شيئين. و ضمير «فيها» راجع على مسألة تعارض النصين.

[و قد استدل على ذلك بالادلة الاربعة]

الاستدلال بالكتاب على البراءة

(6) و قد ذكر الشيخ الأنصاري‏ (1) «(قدس سره)» جملة من الآيات التي استدل بها لأصالة البراءة.

منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (2)، و الاستدلال بهذه الآية على البراءة يتوقف على كون المقصود من الموصول التكليف، و المراد من الإيتاء المستفاد من‏ آتاها: إعلامه و إيصاله إلى المكلف، فيكون معنى الآية حينئذ: ألا يكلف الله‏

____________

(*) الإسراء: 15.

(1) فرائد الأصول 2: 21- 22.

(2) الطلاق: 7.

125

أحدا إلا بما أعلمه و أوصله إليه من التكليف، فالتكليف الذي لم يصل إلى المكلف مرفوع عنه، فتكون دلالة الآية على البراءة على هذا الاحتمال واضحة.

إلا إن هذا الاحتمال ينافي مورد الآية، فيكون بعيدا عن أن يكون مرادا منها، فالآية أجنبية عن مسألة البراءة؛ لأن كون المراد من الموصول التكليف و إن كان محتملا؛ إلا إن كون المراد من الإيتاء هو الإعلام و إيصال التكليف إلى المكلف ممنوع؛ إذ الإيتاء إنما هو بمعنى الإعطاء أو الإقدار لا الإعلام.

و كيف كان؛ فالظاهر أن المراد من الموصول أحد الأمور الثلاثة:

1- المال.

2- القدرة.

3- التكليف.

و على تقدير إرادة الأول و الثاني: يلزم تقدير كلمة «بقدر» أي: لا يكلف الله نفسا إلا بقدر المال الذي أعطاها، أو بقدر القدرة التي أقدرها، و على تقدير إرادة الثالث: يكون معنى الآية: «لا يكلف الله نفسا إلا تكليفا أقدرها»، و على جميع الاحتمالات تكون الآية أجنبية عن مسألة البراءة كما هو واضح.

و منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (1) بتقريب: أن إطاعة الحكم المجهول خارجة عن وسع المكلف في نظر عامة الناس، فيكون الحكم المجهول مرفوعا.

هذا معنى البراءة.

و الجواب عنها: أن ظاهر الآية هو نفي التكليف بغير المقدور، و من المعلوم: أن عدم صحة التكليف بغير المقدور من الأمور المسلمة بينهم، فيكون مضمون الآية أجنبيا عن أصالة البراءة؛ إذ ليس الاحتياط بترك ما يحتمل التحريم من التكليف بغير المقدور.

و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2) بتقريب:

أنه ليهلك من ضل بعد قيام الحجة عليه، فتكون حياة الكافر و بقاؤها هلاكا له، و يحيا من اهتدى بعد قيام الحجة عليه، فيكون بقاء من بقي على الإيمان حياة له. و قوله: عَنْ بَيِّنَةٍ أي: بعد بيان و إعلام، و من المعلوم: أن قضية تخصيص الضلال و الاهتداء بما بعد البيان هو عدم الوجوب و الحرمة قبله، و هذا معنى البراءة.

____________

(1) البقرة: 286.

(2) الأنفال: 42.

126

و فيه (1): أن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منّة منه تعالى‏

____________

و الجواب عنها: أن دلالتها على البراءة مبنية على كون الهلاك بمعنى العذاب الأخروي، و البينة بمعنى: الطريق الكاشف عن الواقع.

و ليس الأمر كذلك؛ بل المراد من الهلاك هو الموت و القتل، و من الحياة هو الإسلام، و المراد من البينة هو خصوص المعجزة الدالة على صدق نبوة نبينا محمد «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»، فيكون مضمون الآية أجنبيا عن أصالة البراءة أصلا. فهذه الآيات أجنبية عن مسألة البراءة أصلا. و لذا ترك المصنف الاستدلال بها و قال: أظهرها قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.

وجه الأظهرية هو: أن همّ الأصولي تحصيل ما يؤمنه من العقاب على مخالفة التكليف، و لا ريب في ظهور هذه الآية المباركة في نفي العذاب قبل تبليغ الأحكام.

فيقال في تقريب دلالتها على البراءة: إن التعبير ببعث الرسول ليس لأجل خصوصية فيه؛ بل بعثه الرسول كناية عن بيان الأحكام للأنام، و إتمام الحجة عليهم، فبعث الرسول كناية عن قيام الحجة، نظير قول القائل: «لا أصلي حتى يؤذن المؤذن»، يقصد به: الكناية عن دخول الوقت، فتكون الآية ظاهرة في نفي العذاب قبل قيام الحجة، فلا عقاب على مخالفة التكليف غير الواصل إلى المكلف، و هذا معنى البراءة.

(1) و قد أورد على الاستدلال بهذه الآية الشريفة بوجوه:

الأول: أنها تختص بنفي العذاب الدنيوي، فلا ظهور لها في ما نحن فيه من نفي العذاب الأخروي؛ لأن نفي التكليف بأصالة البراءة مستلزم لنفي العذاب الأخروي؛ لا العذاب الدنيوي.

الثاني: أنها تتكفل الحكاية عن عذاب الأمم السابقة، بمعنى: أن المراد من الآية هو:

الإخبار عن عدم وقوع العذاب على الأمم السابقة إلا بعد البيان، بقرينة التعبير بلفظ الماضي في قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏، فيكون المراد هو الإخبار عن عدم وقوع العذاب الدنيوي فيما مضى من الأمم السابقة إلا بعد البيان فلا دلالة لها على نفي العذاب الأخروي عند عدم البيان حتى تدل الآية على البراءة، لأن نفي العذاب الأخروي كاشف عن نفي التكليف.

الثالث: أن دلالة الآية على البراءة تتوقف على مقدمة و هي: ثبوت الملازمة بين نفي فعلية التعذيب و بين نفي استحقاقه؛ إذ لو لم تثبت الملازمة بينهما بأن كان نفي الفعلية لازما أهم من نفي الاستحقاق، و من ثبوته مع انتفاء فعليته منّة و تفضلا منه‏

127

على عبادة، مع استحقاقهم لذلك، و لو سلم (1) اعتراف الخصم بالملازمة بين‏

____________

تعالى على العباد لم تدل الآية على البراءة؛ لعدم دلالتها حينئذ على عدم الاستحقاق الذي هو معنى البراءة؛ لأن نفي الحكم ملازم لنفي الاستحقاق من باب انتفاء المعلول عند انتفاء العلة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المنفي في الآية فعلية العقاب، لا استحقاقه، و من المعلوم: إن نفي الفعلية لا يدل على نفي الاستحقاق؛ إذ نفي الفعلية ربما يكون من باب المنّة و التفضل، مع أن محل الكلام بيننا و بين الأخباريين هو نفي الاستحقاق الكاشف عن نفي التكليف، و ظاهر المصنف: هذا الإيراد الثالث، فهذه الآية المباركة لا تدل على البراءة. و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

و المشار إليه «لذلك» هو العذاب يعني: مع استحقاق العباد للعذاب، فلا يدل نفي الفعلية على نفي الاستحقاق، حتى يصح الاستدلال بها على البراءة.

(1) لما أنكر المصنف «(قدس سره)» الملازمة بين نفي الفعلية و الاستحقاق الذي هو مبنى الاستدلال بالآية على البراءة، أشار إلى دفع ما ذكره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، من أن الآية الشريفة و إن كانت ظاهرة في نفي الفعلية لا نفي الاستحقاق؛ لكنه لا يضر بصحة الاستدلال بها على البراءة المنوطة بدلالتها على نفي الاستحقاق؛ إذ الخصم- و هو المحدث القائل بوجوب الاحتياط في الشبهات- يعترف بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية، فينتفي الاستحقاق بانتفاء الفعلية، فإذا دلت الآية على نفي الفعلية صح الاستدلال بها على البراءة؛ لاعتراف الأخباري بالملازمة بين نفي الفعلية و نفي الاستحقاق.

أما اعترافه بالملازمة: فيظهر من دليله، حيث أنه يستدل بأخبار التثليث الدالة على أن ارتكاب الشبهة موجب للوقوع في الهلكة، و ظاهرها هو: الهلكة الفعلية لا صرف الاستحقاق لما ورد فيها «و من اقتحم الشبهات هلك من حيث لا يعلم»، و عليه: فإذا انتفت الفعلية بالآية انتفى الاستحقاق بمقتضى الملازمة التي يعترف بها الخصم. هذا ملخص تصحيح دلالة هذه الآية على البراءة.

و أما الدفع: الذي ذكره المصنف فهو يرجع إلى وجهين:

الأول: أن الاستدلال على البراءة بالآية الشريفة يكون حينئذ جدليا لا حقيقيا، حتى يجدي في إثبات المدعى.

128

الاستحقاق و الفعلية لما صح الاستدلال بها إلا جدلا، مع وضوح منعه (1)، ضرورة:

أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده (2) بأعظم مما علم بحكمه، و ليس (3) حال الوعيد بالعذاب فيه إلا كالوعيد به (4) فيه، فافهم (5).

____________

نعم؛ يثبت الدعوى باعتقاد الخصم، و هو لا ينفع الأصولي الذي ينكر الملازمة بين نفي فعلية العذاب و نفي الاستحقاق كما لا يخفى.

الثاني: أنه لم يظهر وجه لاعتراف المحدثين بالملازمة، حيث إن الشبهة لا تزيد على المعصية الحقيقية، و من المعلوم: أن أدلة وجوب الاحتياط في المشتبهات ليست بأقوى من أدلة المحرمات المعلومة، و الخصم لا يدعي الملازمة بين الاستحقاق و الفعلية في المعصية القطعية؛ لإمكان تعقبها بالتوبة أو الشفاعة، فكيف يدعيها في الشبهة؟

قوله: «لما صح الاستدلال بها إلا جدلا» إشارة إلى الوجه الأول، و القياس الجدلي: ما يتألف من المشهورات و المسلمات كما في علم المنطق.

(1) أي: منع اعتراف الخصم بالملازمة، و هو إشارة إلى الوجه الثاني.

(2) أي: عند الخصم و هو المحدث المنكر للبراءة.

(3) الواو للحال، يعني: و الحال إن الوعيد بالعذاب فيما شك في وجوبه أو حرمته ليس إلا كالوعيد بالعذاب فيما علم وجوبه أو حرمته، و إن ارتكاب الشبهة ليس بأسوإ حالا من المعصية الحقيقية في عدم فعلية العذاب.

(4) أي: بالعذاب فيما علم حكمه.

(5) لعله إشارة إلى أن منشأ دعوى الملازمة إن كان أخبار التثليث الظاهرة في الهلكة الفعلية: فلا بد من رفع اليد عن ظهورها، و صرفه إلى الاستحقاق؛ لما عرفت من: أن الشبهة ليست أسوأ حالا من المعصية الحقيقية.

أو إشارة إلى عدم كون الاستحقاق محل الكلام؛ إذ محل الكلام هو: لزوم الاجتناب شرعا و عدمه، فالأخباري أيضا لا بد و أن يلتزم بعدم وجوب الاجتناب؛ لأنه لا محذور فيه، و مجرد الاستحقاق المحتمل مع القطع بعدم الفعلية لا يكفي في ثبوت الاحتياط.

هذا تمام الكلام في الاستدلال بالآيات على البراءة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- الاستدلال بقوله تعالى:- لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها- على البراءة،

129

بتقريب: أن المراد من الموصول هو التكليف، و المراد من الإيتاء هو الإعلام، و بيان التكليف و إيصاله إلى المكلف، فيكون معنى الآية حينئذ: «لا يكلف الله نفسا إلا تكليفا أعلمها به و أوصله إليها فالتكليف الذي لم يصل إلى المكلف مرفوع عنه، فدلالة الآية على البراءة على هذا الاحتمال واضحة.

و الجواب عنها: أن كون التكليف مرادا من الموصول مجرد احتمال؛ بل ينافي مورد الآية و هو المال، فالمراد من الموصول هو: المال، و المراد من الإيتاء هو: الإعطاء، فمعنى الآية: لا يكلف الله نفسا إلا ما أعطاها من المال. فالآية أجنبية عن مسألة البراءة.

2- و أما قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فناظر إلى اشتراط التكليف بالقدرة، فمفادها عدم صحة التكليف بغير المقدور، فلا ربط لها بمسألة البراءة أصلا.

و كذلك قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ليس مفادها نفي التكليف قبل البيان؛ بل المراد من الهلكة: هو الموت، و المراد من الحياة: هو الإسلام، و المراد من البينة: هو خصوص المعجزة الدالة على صدق نبوة نبينا محمد «(صلى اللّه عليه و آله) سلم».

فلا علاقة بمسألة البراءة أصلا.

3- أظهر الآيات: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.

وجه الأظهرية: أن هذه الآية ظاهرة في نفي العذاب قبل بيان الأحكام؛ لأن بعث الرسول كناية عن بيان الأحكام للأنام، فلا عقاب على مخالفة التكليف غير الواصل إلى المكلف، و هذا معنى البراءة.

و عمدة الإيراد على الاستدلال بهذه الآية: أن دلالة الآية على البراءة تتوقف على ثبوت الملازمة بين نفي فعلية التعذيب و بين نفي استحقاقه، فبالآية تنفي فعلية العذاب، و بالملازمة ينفي استحقاقه، و لازم عدم الاستحقاق: عدم التكليف. هذا معنى البراءة.

و الجواب عنها: هو عدم ثبوت الملازمة بينهما؛ لأن المنفي بالآية فعلية العذاب، و نفي الفعلية لا يدل على نفي الاستحقاق؛ إذ ربما لا يكون العذاب فعليا من باب التفضل و المنّة مع ثبوت الاستحقاق، مع أن محل الكلام بين الأصولي و الأخباري هو نفي الاستحقاق الكاشف عن عدم التكليف، فهذه الآية لا تدل على البراءة.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو عدم تمامية دلالة الآيات على البراءة.

130

و أما السنة: فبروايات منها (1): حديث الرفع، حيث عدّ «ما لا يعلمون» من التسعة

____________

الاستدلال بالسنة على البراءة

(1) من الروايات: حديث الرفع، و هي الرواية المروية عن النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» قال: «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة». و لا إشكال في سند الحديث؛ لأنه في الخصال‏ (1) و التوحيد (2) بسند صحيح، و إنما الكلام في دلالته على البراءة.

و تقريب الاستدلال به عليها: يتوقف على مقدمة، و هي أمور تالية:

1- أن الرفع في هذا الحديث متعلق بأمور مثل: الخطأ و النسيان و غيرهما، و كلها موجودة في الخارج، فالمراد برفع هذه الأمور سوى «ما لا يعلمون» لم يكن تكوينا؛ لأنها موجودة في الخارج بالضرورة و الوجدان.

و حينئذ: لا بد من تقدير شي‏ء من باب دلالة الاقتضاء حتى يكون هو المرفوع حفظا لكلام النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» عن الكذب، و المقدر المرفوع لا يخلو عن أحد أمور:

الأول: خصوص المؤاخذة في الجميع.

الثاني: جميع الآثار كذلك.

الثالث: الأثر الظاهر في كل واحد منها.

نعم؛ يمكن أن يكون المرفوع في «ما لا يعلمون» تكوينا فيما إذا كان المراد بالموصول هو الحكم الشرعي.

2- أن يكون المراد من الآثار المرفوعة بحديث الرفع في غير «ما لا يعلمون»: هي الآثار التي تعرض على موضوعاتها، من دون أن تكون مقيدة بوجود أحد هذه العناوين و لا بعدمها؛ إذ لو كانت مقيّدة بوجودها لكانت الآثار ثابتة عند وجود هذه العناوين؛ كوجوب سجدتي السهو عند زيادة شي‏ء أو نقصانه في الصلاة نسيانا مثلا، و ذلك لأن ثبوت العنوان حينئذ يقتضي وضع الأثر لا رفعه. و أما لو كانت مقيدة بعدم أحد هذه العناوين كانت الآثار مرفوعة بارتفاع موضوعها، بلا حاجة إلى حديث و الرفع كالكفارة في إفطار صوم شهر رمضان عمدا، حيث تكون مقيدة بعدم كون الإفطار نسيانا، فترتفع‏

____________

(1) الخصال: 417/ 9.

(2) التوحيد: 353/ 24.

131

إذا كان الإفطار نسيانا، و يكون ارتفاعها بارتفاع الموضوع؛ لأن موضوعها هو الإفطار عن عمد كما هو واضح.

3- أن حديث الرفع حيث ورد في مقام الامتنان على الأمة، فيكون مختصا برفع ما كان في رفعه منّة على الأمة.

4- و فيما هو المراد بالموصول في «ما لا يعلمون» خلاف بين المصنف و بين الشيخ «(قدس سرهما)»، حيث يظهر من بعض كلمات الشيخ «(قدس سره)»: اختصاص الموصول بالشبهة الموضوعية بوحدة السياق، بمعنى: أن المراد من الموصول هو الفعل الخارجي المجهول نفسه لا حكمه؛ كالمائع الخارجي المردد بين الخمر و الخل، فكأن الحديث حينئذ مختصا بالشبهة الموضوعية، و أجنبيا من الشبهة الحكمية.

و أما على قول المصنف «(قدس سره)»: فالمراد من الموصول هو مطلق الحكم الإلزامي من الوجوب و الحرمة، سواء كان في الشبهة الحكمية؛ بأن يكون منشأ الاشتباه فقدان النص كحرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، أو الموضوعية؛ كحرمة المائع الخارجي المشكوك كونه خمرا فالجامع هو التكليف الإلزامي المشكوك أعم من كونه تكليفا كليا و كان منشأ الشك فيه فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين كما في الشبهات الحكمية، و كونه تكليفا جزئيا كان منشأ الشك هو الاشتباه في الأمور الخارجية.

فالمتحصل: أن المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» عند الشيخ هو الفعل الخارجي بوحدة السياق حيث المراد من الموصول في غير «ما لا يعلمون» هو الفعل الإكراهي و الاضطراري و نحوهما؛ إذ لا معنى لتعلق الإكراه و الاضطرار بنفس الحكم، فالمراد بالموصول في «ما لا يعلمون» أيضا هو الفعل المجهول لا الحكم، فيختص الحديث بالشبهات الموضوعية الخارجة عن محل الكلام.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة فاعلم: أنه يقال في تقريب الاستدلال بحديث الرفع على البراءة: بأن الحديث ظاهر في رفع مطلق الحكم الإلزامي المجهول، سواء كان ذلك الحكم الإلزامي كليا كما في الشبهة الحكمية، أم جزئيا كما في الشبهة الموضوعية، و يكون إسناد الرفع إلى الحكم إسنادا حقيقيا لكونه إلى ما هو له؛ لأن المرفوع ما فيه الثقل، و الثقل إنما هو في إلزام المكلف بالفعل في الشبهة الوجوبية. أو الترك كما في الشبهة التحريمية.

132

المرفوعة فيه، فالإلزام المجهول (1) مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلا (2)؛ و إن كان ثابتا واقعا، فلا مؤاخذة عليه (3) قطعا.

لا يقال: ليست المؤاخذة (4) من الآثار الشرعية؛ كي ترتفع بارتفاع التكليف‏

____________

فالمتحصل: أن الموجب للثقل و الضيق هو حكم الشارع، فيصح إسناد الرفع إليه. غاية الأمر: أن المرفوع هو الحكم الظاهري الفعلي لا الحكم الواقعي حتى يلزم التصويب، فلا مؤاخذة على مخالفة الحكم الواقعي لعدم كونه فعليا.

توضيح: بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) هذا تقريب الاستدلال بحديث الرفع على البراءة، و هذا التقريب مبني على إرادة الحكم من الموصول لا الموضوع كما عرفت.

(2) يعني: ظاهرا «و إن كان ثابتا واقعا»؛ لما تحقق في محله من أن الجهل لا يقيد الأحكام الواقعية؛ بل هي ثابتة على المكلفين، سواء علموا أم جهلوا، فالأحكام الواقعية لا تختص بالعالم فقط؛ بل مشتركة بين العالم و الجاهل، غاية الأمر: إذا كان الجاهل قاصرا لم يعاقب على مخالفة الحكم الواقعي لأنه خلاف العقل و النقل، فإن العقل و النقل اتفقا على قبح مؤاخذة الجاهل القاصر. هذا ما أشار إليه بقوله: «فلا مؤاخذة عليه قطعا».

(3) يعني: فلا مؤاخذة على الإلزام المجهول؛ لترتب استحقاق المؤاخذة على مخالفة الحكم الفعلي المنجز، و المفروض: انتفاء هذه المرتبة.

فحديث الرفع يدل على البراءة، و أن الاستدلال به عليها متين جدا؛ لما عرفت في المقدمة من: أن المراد بالموصول هو نفس الحكم، سواء كان الشك فيه ناشئا من عدم الدليل، أم من الأمور الخارجية، فيراد من الموصول: كلتا الشبهتين الحكمية و الموضوعية، من دون لزوم محذور استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و من دون لزوم تقدير شي‏ء أصلا.

(4) هذا الإشكال مع جوابه مأخوذان عن كلام للشيخ «(قدس سره)» في المقام، و له مجال على قول الشيخ، حيث قال: إن المراد بالموصول في «ما لا يعلمون»: هو فعل المكلف نظير سائر الفقرات لا الحكم المجهول، فلا بد من تقدير ما هو المرفوع بحديث الرفع، و المقدر هو خصوص المؤاخذة على احتمال، فيتوجه إليه هذا الإشكال و يقال إن المرفوع بأدلة البراءة لا بد و أن يكون من الآثار الشرعية، و المؤاخذة ليست من الآثار الشرعية حتى ترتفع بحديث الرفع.

133

و أما على قول المصنف حيث قال: إن المراد بالموصول في «ما لا يعلمون»: هو الحكم و هو قابل للرفع لحديث الرفع، فلا مجال لهذا الإشكال أصلا.

نعم؛ يمكن أن يقال في تصحيح هذا الإشكال على قول المصنف: إن الغرض في المقام من التمسك بأدلة البراءة هو نفي المؤاخذة و العقوبة على مخالفة التكليف حتى يكون المكلف الجاهل في مأمن منها فيقال في تقريب الإشكال: إن أصالة البراءة التي هي من الأصول العملية لا تنفي إلا الآثار الشرعية، و لا ترفع الآثار العقلية و لا الأمور التكوينية، و المؤاخذة ليست من الآثار الشرعية؛ لأن نفس المؤاخذة أمر تكويني من فعل المولى، فليس وضعها و لا رفعها بيد الشارع بما هو شارع حتى يرفعها.

و أما استحقاق العقوبة على المخالفة و المعصية: فهو أثر عقلي لا يرتفع بحديث الرفع.

و كيف كان؛ فإن الإشكال في المؤاخذة من جهتين:

إحداهما: عدم كونها أثرا شرعيا حتى يصح جريان أصل البراءة التي هي من الأصول العملية فيها.

ثانيتهما: إن المؤاخذة ليست من آثار التكليف المجهول حتى ترتفع برفعه؛ بل هي من آثار التكليف الفعلي المنجز، فلا عقاب عقلا على ما لم يتنجز.

و يندفع الإشكال من الجهة الأولى: بأن رفع المؤاخذة ليس للتعبد برفع نفسها حتى لا يعقل التعبد به نفيا و إثباتا؛ بل لنفي موضوعها و هو التكليف الفعلي الواقعي أو الظاهري، فإن استحقاقها مترتب على مخالفته بعد وصوله إلى المكلف، فعدم الاستحقاق إنما هو لعدم مخالفة التكليف الواصل، سواء كان هناك تكليف واقعا و لم يصل إلى المكلف و لو بإيجاب الاحتياط، أم لم يكن أصلا.

و يندفع الإشكال من الجهة الثانية: بأن المؤاخذة و إن لم تكن من آثار التكليف المجهول بما هو مجهول؛ لكنها من آثار ما يقتضيه الواقع المجهول من إيجاب الاحتياط المصحح للمؤاخذة، فهي أثر الأثر الشرعي، فرفع التكليف المجهول تعبدا رفع لأثره أعني:

إيجاب الاحتياط الذي هو موضوع الاستحقاق، فلا مانع من رفع المؤاخذة بإجراء أصالة البراءة في التكليف المجهول.

فالمتحصل: أن المؤاخذة و إن لم تكن بنفسها أثرا شرعيا قابلا للرفع إلا إنها مما يترتب على التكليف المجهول بسبب ما هو أثره الشرعي القابل للرفع و هو إيجاب الاحتياط، فإذا

134

المجهول ظاهرا (1)، فلا دلالة له (2) على ارتفاعها.

فإنه يقال: إنها (3) و إن لم تكن بنفسها أثرا شرعيا إلا إنها (4) مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره و باقتضائه، من (5) إيجاب الاحتياط شرعا.

فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجابه (6)، المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على‏

____________

دل حديث الرفع على رفع التكليف المجهول فقد دل على عدم إيجاب الاحتياط المستتبع لعدم استحقاق المؤاخذة عليه.

و بالجملة: إن للتكليف المجهول أثرين أحدهما: شرعي و هو إيجاب الاحتياط، و الآخر: عقلي و هو استحقاق العقاب على مخالفته، غايته أن الشرعي سبب لترتب العقلي، و انتفاؤه سبب لانتفائه.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) قيد ل «ارتفاع التكليف».

(2) أي: فلا دلالة لحديث الرفع على ارتفاع المؤاخذة، مع أن ارتفاعها و عدم استحقاقها بمخالفة التكليف المجهول هو المهم في المقام.

(3) أي: المؤاخذة، و توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي: أن الآثار العقلية تثبت تارة: لمجرى الأصل واقعا، و أخرى: لما هو أعم من الواقع و الظاهر.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: إن الآثار العقلية إن كانت من قبيل الأول: فالأصل لا يثبتها، و هذا ما اشتهر بينهم من أن الأصل لا يثبت الآثار غير الشرعية، و إن كانت من قبيل الثاني: فالأصل يثبتها، و قبح العقاب من هذا القبيل؛ لترتبه على عدم الحكم مطلقا و إن كان ظاهرا، و مثله حسن المؤاخذة فإنه يترتب على ثبوت التكليف و لو ظاهرا.

فالنتيجة: أن أصالة البراءة النافية للتكليف ظاهرا تنفي استحقاق المؤاخذة كما ينتفي استحقاقها بعدم الحكم واقعا.

(4) أي المؤاخذة، و ضمير «عليه» راجع على التكليف المجهول.

(5) بيان ل «ما» الموصول و ضميرا «أثره، باقتضائه» راجعان على التكليف المجهول، يعني: أن المؤاخذة من آثار إيجاب الاحتياط، الذي هو من آثار الحكم المجهول. و ضمير «رفعه» راجع على التكليف المجهول.

(6) أي: إيجاب الاحتياط، يعني: أن الدليل على نفي التكليف المجهول دليل على نفي إيجاب الاحتياط؛ لعدم ارتفاع الواقع بالجهل به، فلا بد أن يكون المرفوع أثره و مقتضاه و هو إيجاب الاحتياط.

135

مخالفته (1).

لا يقال (2): لا يكاد يكون إيجابه مستتبعا لاستحقاقها على مخالفة التكليف المجهول؛ بل على مخالفة نفسه، كما هو قضية إيجاب غيره (3).

فإنه يقال (4): هذا إذا لم يكن إيجابه طريقيا؛ و إلا ...

____________

(1) أي: مخالفة التكليف، و «المستتبع» صفة ل «عدم إيجابه» يعني: لما كان إيجاب الاحتياط علة للمؤاخذة، فنفيه علة لعدمها.

(2) توضيح الإشكال يتوقف على مقدمة و هي: إن كل واجب بالوجوب المولوي في الشرع في مخالفته عقاب و في امتثاله و موافقته ثواب، فإذا ارتفع الوجوب يرتفع العقاب على مخالفته.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن رفع إيجاب الاحتياط لا يوجب رفع المؤاخذة على التكليف المجهول؛ بل يوجب رفعها على نفسه؛ و ذلك لما عرفت في المقدمة من أن شأن الوجوب المولوي هو استحقاق المؤاخذة على مخالفته، فوجوب الاحتياط لما كان علة لاستحقاق المؤاخذة على مخالفة نفسه كان رفع وجوبه علة لارتفاع المؤاخذة على نفس وجوب الاحتياط؛ لا لارتفاع المؤاخذة على التكليف المجهول.

فحاصل الإشكال: أن إيجاب الاحتياط و إن كان أثرا شرعيا للتكليف المجهول و هو قابل للرفع؛ و لكنه ليس سببا لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول؛ بل على مخالفة نفسه كما هو مقتضى سائر الأوامر الصادرة من المولى.

(3) أي: كما أن استحقاق المؤاخذة هو مقتضى مخالفة غير الاحتياط من الواجبات؛ كالصلاة و الصوم و نحوهما.

(4) هذا جواب عن الإشكال المذكور، و توضيحه يتوقف على مقدمة و هي: أن الوجوب على قسمين: نفسيّ و طريقيّ، و استحقاق العقاب مختص بالأول دون الثاني؛ إذ الوجوب الطريقي تابع للواقع، فلا مؤاخذة عليه في نفسه، و إنما فائدته المؤاخذة على مخالفة الواقع عند الإصابة، كما هو الحال في جميع الأوامر الطريقية عند الإصابة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن تشريع وجوب الاحتياط إنما كان لأجل التحفظ على الواقع عند الجهل به، فهو نظير الإيجاب الطريقي، فإن فائدته ليست إلا تنجز الواقع عند الإصابة و العذر عند الخطأ، و لا يترتب على نفس الطريق غير ما يترتب على موافقة الواقع و مخالفته، فللمولى مؤاخذة العبد إذا خالف الواقع بترك الاحتياط فيه كصحة مؤاخذته على مخالفة الطريق المصيب.

136

فهو (1) موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول كما هو الحال في غيره (2) من الإيجاب و التحريم الطريقيين (3)، ضرورة (4): أنه كما يصح أن يحتج بهما صح أن يحتج به، و يقال: لم أقدمت مع إيجابه به؟ و يخرج به عن العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان، كما يخرج بهما.

و قد انقدح بذلك (5): أن رفع التكليف المجهول كان منّة على الأمة، حيث كان له‏

____________

قوله: «هذا» أي: استتباع مخالفة وجوب الاحتياط للمؤاخذة على نفسه موقوف على القول بوجوبه نفسيا؛ إذ عليه يلزم استحقاق المؤاخذة على مخالفته كلزومه على مخالفة سائر التكاليف النفسية.

و أما إذا كان إيجاب الاحتياط طريقيا: فلا يستحق المؤاخذة على مخالفة نفسه؛ بل إنما يستحقها على مخالفة ذي الطريق و هو التكليف المجهول، و عليه: فترتفع المؤاخذة من البين ببركة حديث الرفع الرافع لموضوع المؤاخذة أعني: إيجاب الاحتياط؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 199».

(1) أي: و إن كان إيجاب الاحتياط طريقيا «فهو موجب ...» الخ.

(2) أي: غير الاحتياط.

(3) أي: كالإيجاب و التحريم المقدمي؛ كوجوب الصلاة في الثوبين المشتبهين، و حرمة الإلقاء من السطح، فإنه لا عقاب فيهما، و إنما العقاب على مخالفة التكليف المجهول، مثلا: الإلقاء من السطح حرام؛ لكنه حرام طريقي لحرمة قتل النفس، فإذا ألقى نفسه و مات عوقب على القتل لا على الإلقاء.

(4) تعليل لقوله: «فهو موجب».

توضيحه: أن إيجاب الاحتياط لتنجيز الواقع؛ كالإيجاب و التحريم الطريقيين في صحة الاحتجاج و المؤاخذة، و عدم كون العقاب معه عقابا بلا بيان؛ بل مؤاخذة مع الحجة و البرهان، فوزان إيجاب الاحتياط من حيث كونه حجة على الواقع وزان الإيجاب و التحريم الطريقيين، فالتكليف بعد إيجاب الاحتياط و إن لم يخرج وجدانا عن الاستتار؛ بل هو باق على المجهولية؛ لكنه خرج عن التكليف المجهول الذي لم تقم عليه حجة، و صار مما قام عليه البرهان. و ضمير «أنه» للشأن، و ضمير «بهما» في الموضعين راجع على الإيجاب و التحريم، و الضمير في «أن يحتج به، إيجابه، يخرج به» راجع على إيجاب الاحتياط.

(5) أي: قد ظهر بذلك الذي ذكرنا من كون التكليف المجهول مقتضيا لإيجاب‏

137

تعالى وضعه (1) بما هو قضيته من إيجاب الاحتياط، فرفعه (2). فافهم (3).

ثم لا يخفى (4): عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة و لا غيرها من الآثار الشرعية في «ما لا يعلمون»، فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في الشبهة الحكمية أو

____________

الاحتياط تحفظا عليه و رفعه علة لعدمه، و غرضه: أن الحديث بعد أن كان واردا في مقام الامتنان، ففي جعل المرفوع في «ما لا يعلمون» إيجاب الاحتياط منّة على العباد؛ لأن رفعه يوجب السعة عليهم، بخلاف إيجابه، فإنه يوجب الضيق و الكلفة عليهم.

(1) يعني: كان له تعالى وضع التكليف المجهول على العباد بوضع ما يقتضيه و هو إيجاب الاحتياط؛ و ذلك لأن الحكم الواقعي يقتضي- في ظرف الجهل به- إيجاب الاحتياط تحفظا عليه، فإيجاب الاحتياط مقتضى الجهل بالحكم الواقعي، فضمير «قضيته» راجع على التكليف المجهول، و «من إيجاب» بيان للموصول في «بما».

(2) أي: فرفع التكليف الواقعي المجهول برفع مقتضاه و هو إيجاب الاحتياط.

(3) لعله إشارة إلى الفرق بين الاحتياط و بين سائر الأوامر الطريقية، فإن في ترك الاحتياط تجريا عقاب و إن أتى بالتكليف الواقعي؛ كما لو صلى إلى طرف واحد- فيما اشتبهت القبلة- و ترك سائر الجهات، و صادفت تلك الجهة الواقع، فإنه يعاقب للتجري- كما هو مذهب المصنف- و هذا ليس كسائر الأوامر الطريقية التي لا عقاب لها قطعا.

(4) و قد عرفت فيما تقدم الخلاف بين المصنف و الشيخ «(قدس سرهما)» فيما هو المراد من الموصول في «ما لا يعلمون»، حيث قال المصنف: بأن المراد من الموصول: هو الحكم المجهول، و هو بنفسه قابل للرفع و لو بمعنى رفع تنجزه و هو المرتبة الأخيرة منه، بلا حاجة إلى تقدير شي‏ء فيه أصلا.

و من هنا يقول المصنف: إنه لا حاجة إلى تقدير شي‏ء في «ما لا يعلمون»؛ و إن كان في غيره من سائر الفقرات لا بد من تقدير المؤاخذة، أو تمام الآثار، أو الأثر الظاهر في كل منها، أو إسناد الرفع إليه مجازا بلحاظ المؤاخذة، أو جميع الآثار أو الأثر الظاهر، من قبيل إسناد السؤال إلى القرية مجازا بلحاظ الأهل.

هذا بخلاف قول الشيخ «(قدس سره)»: حيث قال: بأن المراد من الموصول هو الفعل المجهول عنوانه بوحدة السياق، فلا بد من تقدير شي‏ء في «ما لا يعلمون» كسائر الفقرات.

و كيف كان؛ فغرض المصنف: هو التعريض بما أفاده الشيخ «(قدس سره)» من لزوم التقدير في الحديث.

138

و توضيح تعريض المصنف بالشيخ: يتوقف على مقدمة و هي: إن المحتمل في الموصول في «ما لا يعلمون» وجوه ثلاثة:

الأول: أن يراد به: خصوص الفعل غير المعلوم عنوانه؛ كالفعل الذي لا يعلم أنه شرب الخمر أو الخل كما يقول به الشيخ «(قدس سره)»، و الحديث حينئذ: مختص بالشبهات الموضوعية، فلا يصح الاستدلال به على البراءة في الشبهات الحكمية.

الثاني: أن يراد به: الحكم المجهول مطلقا، يعني: سواء كان منشأ الجهل بالحكم فقد النص أم إجماله- كما في الشبهات الحكمية- أم اشتباه الأمور الخارجية؛ كما في الشبهات الموضوعية، و عليه: فيشمل الحديث كلا من الشبهات الحكمية و الموضوعية؛ ما هو مختار المصنف «(قدس سره)».

الثالث: أن يراد به: ما يعم الاحتمال الأول و الثاني، يعني: يراد به الحكم و الفعل، و على هذين الاحتمالين يتم الاستدلال بالحديث على البراءة في الشبهات الحكمية و الموضوعية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا حاجة إلى تقدير شي‏ء في «ما لا يعلمون» استنادا إلى دلالة الاقتضاء حتى يقال: إن المقدر فيه إما خصوص المؤاخذة، أو جميع الآثار، أو الأثر الظاهر المناسب لكل واحد من التسعة كما يقول به الشيخ «(قدس سره)».

و توضيح اعتراض المصنف عليه: أنه لا حاجة إلى التقدير في «ما لا يعلمون» بعد إمكان إرادة نفس الحكم الشرعي من الموصول؛ لأن الحكم بنفسه قابل للوضع و الرفع تشريعا، سواء كان منشأ الجهل به فقد النص أم إجماله، أم الاشتباه في الأمور الخارجية، فيكون حديث الرفع بهذا التقريب دليلا على أصل البراءة في الشبهات الحكمية و الموضوعية معا؛ بلا تكلف أصلا.

نعم؛ دلالة الاقتضاء في غير «ما لا يعلمون» توجب إما تقدير جميع الآثار أو الأثر الظاهر أو المؤاخذة، و إما الالتزام بالمجاز في الإسناد بلا تقدير شي‏ء، يعني: أسند الرفع إلى نفس المضطر إليه؛ و لكن المقصود رفع أمر آخر من المؤاخذة و نحوها؛ لاستلزام رفع تلك العناوين للكذب لتحققها خارجا قطعا، فلا بد إما من التقدير أو المجاز في الإسناد حفظا لكلام الحكيم عن الكذب.

الكلام في توضيح العبارات:

قوله: «كان في الشبهة الحكمية ...» الخ بيان لقوله: «مطلقا».

139

الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا؛ و إن كان في غيره (1) لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه (2)، فإن ليس «ما اضطروا و ما استكرهوا ...» إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة.

نعم (3)؛ لو كان المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» ما اشتبه حاله و لم يعلم عنوانه، لكان أحد الأمرين (4) مما لا بد منه أيضا (5) ثم لا وجه (6) لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر في غير واحد غيرها.

____________

قوله: «فإن ما لا يعلم» تعليل لقوله: «عدم الحاجة ...» الخ.

قوله: «بنفسه قابل للرفع» أي: لا بآثاره كما في غير «ما لا يعلمون» من سائر الفقرات، حيث إنها بنفسها غير قابلة للرفع، و إنما تقبل الرفع باعتبار آثارها، و «قابل» خبر «فإن ما لا يعلم».

(1) أي: غير «ما لا يعلمون» من سائر الفقرات «لا بد من تقدير الآثار».

وجه اللابدية هو: دلالة الاقتضاء.

فالمراد من آثار ما استكرهوا عليه- مثلا- فانه إذا شرب الإنسان الخمر عوقب في الآخرة، و جلد في الدنيا، و كره تزويجه؛ لكن دليل الرفع دل على عدم ترتب تلك الآثار على ما إذا كان الشرب عن إكراه.

(2) أي: إلى غير «ما لا يعلمون»، مثل: «ما استكرهوا»، مع إن الإسناد في الحقيقة إلى الآثار أو إلى المؤاخذة، فيكون من قبيل إسناد الجريان إلى الميزاب، و الحال أنه مسند إلى الماء حقيقة في قولنا: «جرى الميزاب» فإنه ليس ما اضطروا أو ما استكرهوا إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة.

و وجهه واضح، فإن الاضطرار و الإكراه و الخطأ موجودة تكوينا، فلا معنى لرفعها تشريعا، فلا بد من تقدير أمر آخر يكون هو المرفوع حقيقة.

(3) استدراك على قوله: «عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة»، و غرضه: أنه إن أريد بالموصول ما استظهره الشيخ «(قدس سره)» من الموضوع الخارجي المشتبه عنوانه؛ كالمائع المردد بين الخمر و الخل، فلا بد من تقدير أحد الأمور الثلاثة التي ذكرها الشيخ، صونا لكلام الحكيم عن الكذب و اللغو؛ لعدم كون الأمور المجهولة عناوينها مرفوعة حقيقة.

(4) و هما تقدير أحد الأمور الثلاثة، و ارتكاب المجاز في إسناد الرفع.

(5) أي: كسائر الفقرات التي لا بد من التقدير فيها.

(6) هذا تعريض آخر بالشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، فإنه جعل دلالة الاقتضاء

140

فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها (1)، أو تمام آثارها (2)

____________

قرينة على تقدير أحد الأمور الثلاثة. ثم استظهر أن يكون المقدر هو المؤاخذة استنادا إلى وحدة السياق، فأورد عليه المصنف «(قدس سره)»: بأن الحاجة إلى التقدير في غير «ما لا يعلمون» من العناوين التي أسند الرفع إليها كالخطأ و النسيان و غيرهما؛ و إن كانت شديدة؛ لما عرفت من: عدم صحة إسناد الرفع التشريعي إلى الفعل الخارجي التكويني؛ إلا إنه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة فيها؛ إذ المقدر في بعضها- و هو الإكراه و عدم الطاقة و الخطأ بقرينة رواية المحاسن، التي أشار إليها في المتن- هو الحكم الوضعي من طلاق الزوجة و انعتاق العبد و صيرورة الأموال ملكا للفقراء، فلا وجه حينئذ لاختصاص المقدر بالمؤاخذة، فالمقدر إما جميع الآثار أو الأثر الظاهر لكل من التسعة، و إن كان ورود الحديث في مقام الامتنان مقتضيا لرفع جميع الآثار.

نعم؛ في خصوص «ما لا يعلمون» يتجه تقدير المؤاخذة لكونها الأثر الظاهر لرفع الحكم الواقعي المجهول؛ لكن لا يتعين ذلك، سواء أريد من الموصول خصوص فعل المكلف كما استظهره الشيخ، أم أريد به الحكم المجهول كما التزم به المصنف.

قوله: «في غير واحد» و هو «ما استكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و الخطأ، و الطيرة و الوسوسة». و ضمير «غيرها» راجع على المؤاخذة.

و وجه كون المقدر غير المؤاخذة هو: ظاهر رواية المحاسن، فإن شهادتها بعدم اختصاص المرفوع بالمؤاخذة مما لا يقبل الإنكار.

(1) أي: من التسعة، حتى يكون معنى الرفع رفع الأثر الظاهر لما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه. و هكذا.

(2) أما كون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها: فلتيقن إرادته على كل حال، سواء كان للرفع إطلاق أم لا.

و أما كونه تمام الآثار، فلوجهين:

الوجه الأول: أن الرفع في الحديث وقع في مقام الامتنان المناسب لارتفاع جميع الآثار ما لم يلزم منه محذور، و هو منافاته للامتنان بالنسبة إلى بعض الأمة؛ كما إذا استلزم رفع جميع الآثار ضررا على مسلم، فإن المرفوع حينئذ لا يكون تمام الآثار.

فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضمان، و كذلك الإضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم ما اضطروا إليه؛ إذ لا امتنان في رفع الأثر عن‏

141

التي تقتضي المنة رفعها، كما أن ما يكون (1) بلحاظه الإسناد إليها مجازا هو هذا، كما لا يخفى.

____________

الفاعل بالإضرار بالغير. هذا تمام الكلام في الوجه الأول.

الوجه الثاني: هو اقتضاء إطلاق الرفع لجميع الآثار.

(1) يعني: إذا التزمنا في حديث الرفع بالمجاز في الإسناد؛ بأن يكون إسناد الرفع إلى كل واحد من التسعة مجازا، نظير إسناد الإنبات إلى الربيع في قولك «أنبت الربيع البقل» كان هذا الإسناد المجازي في الحديث بلحاظ الأثر الظاهر أو جميع الآثار، و ليس الإسناد المجازي بلحاظ رفع خصوص المؤاخذة، فالمشار إليه بقوله: «هذا» هو قوله:

«غيرها» الشامل لتمام الآثار و للأثر الظاهر، فكأنه قيل: كما أنه ما يكون الإسناد إلى التسعة بلحاظه مجازا هو هذا أي: جميع الآثار أو الأثر الظاهر.

و كيف كان؛ فالمرفوع بحديث الرفع ليس خصوص المؤاخذة، كما استظهره الشيخ «(قدس سره)»؛ بل هو إما الأثر الظاهر في كل منها، و إما جميع الآثار على تقدير كون المراد من الموصول في «ما يعلمون» ما اشتبه حاله من الفعل.

و يظهر من المصنف «(قدس سره)»: ترجيح كون المقدر جميع الآثار على كونه الأثر الظاهر لوجهين:

الأول: كون حديث الرفع في مقام الامتنان، فالمناسب للامتنان هو رفع جميع الآثار.

الثاني: استشهاد الإمام بما هو المروي عن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطي جميعا عن أبي الحسن «(عليه السلام)»: في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال «(عليه السلام)»: «لا، قال رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما أخطئوا» (1)، و تمسك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق، و عدم ترتب الصحة التي هي حكم وضعي يكشف عن أن المرفوع أعم من المؤاخذة و الحكم التكليفي و الوضعي.

قال الشيخ‏ (2): «فإن الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة- و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا- إلا إن استشهاد الإمام «(عليه السلام)» على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة». «دروس في الرسائل، ج 2، ص 238».

____________

(1) المحاسن 2: 339/ 124، نوادر الأشعري: 75/ 660، الوسائل 23: 226/ 29436.

(2) فرائد الأصول 2: 30.

142

فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منّة (1) على الأمة، كما استشهد الإمام «(عليه السلام)» بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق و الصدقة و العتاق.

ثم لا يذهب عليك: أن المرفوع (2) فيما اضطر إليه و غيره مما أخذ بعنوانه الثانوي:

____________

فالمتحصل: أن استشهاد الإمام «(عليه السلام)» على عدم الأمور المذكورة مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع أقوى شاهد على كون المرفوع به هو جميع الآثار؛ لا خصوص المؤاخذة. هذا ما أشار إليه بقوله: «فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي».

(1) بخلاف ما إذا لم يكن في رفعه منّة عليهم؛ بأن كان رفعه بالنسبة إلى بعضهم مخالفا للامتنان على الآخرين؛ كما إذا استلزم جريان البراءة بالنسبة إلى شخص ضررا على الغير، فإن الحديث لا يرفع هذا الأثر الموجب رفعه ضررا على الغير؛ لمنافاته للامتنان على الغير.

و قوله: «بمثل هذا الخبر» إشارة إلى الحديث المتقدم المروي عن المحاسن، فإن شهادته بعدم اختصاص المرفوع بالمؤاخذة مما لا يقبل إنكاره، و لا يقدح في ذلك: اختصاص النبوي المحكي في كلام الإمام «(عليه السلام)» بثلاثة من التسعة بعد وحدة السياق، و كذا لا يقدح فيه اختلافهما في بعض الكلمات، فإن المذكور في النبوي المعروف: «ما استكرهوا عليه»، و في المروي عن المحاسن «ما أكرهوا»، فإن مثل هذا الاختلاف لا يضر بما نحن بصدده كما هو واضح.

(2) الغرض من هذا الكلام: بيان ما هو المرفوع بحديث الرفع.

يقول المصنف: إن المرفوع بحديث الرفع هو: الأثر الشرعي المترتب على الفعل بعنوانه الأولي الذي يقتضيه دليله؛ لو لا حديث الرفع.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي أن التسعة المرفوعة في الحديث على قسمين:

القسم الأول: ما هو معنون بعنوانه الأولي كالحسد، و الطيرة، و التفكر في الخلق.

القسم الثاني ما هو معنون بعنوانه الثانوي مثل ما لا يعلمون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه و الخطأ و النسيان و نحوها، فإن هذه العناوين من العناوين الثانوية و لها آثار.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه إذا بنينا على كون المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار، كما صرح به المصنف بقوله: «فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي» فلا شك في أن المرفوع في القسم الأول آثار هذه الأمور بعناوينها الأولية، فالمعنى: أنه لا أثر

143

شرعي للحسد و للطيرة و للتفكر، و لا عقاب عليها إذا لم تظهر بيد أو لسان؛ كما في الحديث.

و أما القسم الثاني: أعني: ما هو معنون بعنوانه الثانوي؛ كعدم العلم و الاضطرار و الإكراه و الخطأ و النسيان: فالمرفوع هي الآثار المترتبة على الفعل بما هو هو و بعنوانه الأوّلي؛ بحيث كان طرو واحد من العناوين الثانوية كالخطأ و النسيان و أخواتهما رافعا للآثار المترتبة على الفعل بعنوانه الأوّلي؛ لا الآثار المترتبة على نفس تلك العناوين الثانوية؛ كوجوب الدية المترتب على الخطأ في القتل، و وجوب سجدتي السهو المترتب على النسيان في بعض أجزاء الصلاة و نحوهما، فإن العنوان الثانوي موضوع للآثار، فكيف يعقل أن يكون هو سببا في رفعه؟ كما أشار إليه المصنف بقوله: «و الموضوع للأثر مستدع لوضعه، فكيف يكون موجبا لرفعه؟».

و إن شئت قلت: إن المرفوع هو الآثار المترتبة على الشي‏ء بعنوانه الأولي و ذلك بوجهين:

الأول: إن هذه العناوين إذا كانت موجبة لطرو أحكام خاصة؛ كوجوب الدية في القتل خطأ، و سجدتي السهو عند نيسان بعض الأجزاء في الصلاة: فلا معنى لأن تكون موجبة لرفعها؛ إذ ما يوجب وضع أثر خاص لا يكون رافعا له؛ لاستلزامه التناقض، فلا بد من الالتزام بأن المرفوع بالحديث هي الآثار المترتبة على الشي‏ء بعنوانه الأوّلي، مثلا: الآثار المترتبة على نسيان السورة على قسمين: قسم يترتب على نفس السورة كبطلان الصلاة بتركها. و قسم يترتب عليها بما أنها متعلقة للنسيان؛ كسجدتي السهو، و المقصود من الآثار المرفوعة بحديث الرفع: إنما هو القسم الأول لا الثاني؛ و إلا يلزم التناقض في كلام الشارع؛ لأن المفروض: كون السهو كالسبب لتشريع سجدتي السهو، فكيف يكون رافعا لهما؟

الثاني: أن المتبادر من العناوين التالية: الخطأ و النسيان و أخواتهما كونها مأخوذة على وجه الطريقية إلى متعلقاتها، فحينئذ: يكون المرفوع نفس آثار المتعلق عند عروض هذه العناوين.

و أما الآثار المترتبة على نفس هذه العناوين عند أخذها على وجه الموضوعية: فخارجة عن حريم الحديث قطعا.

فالمرفوع ما للمعنون من الآثار لا ما للعنوان منها.

144

إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولي، ضرورة (1): أن الظاهر أن هذه العناوين صارت موجبة للرفع، و الموضوع (2) للأثر مستدع لوضعه (3)، فكيف يكون موجبا لرفعه؟

____________

نعم؛ الحسد و الطيرة و التفكر في الخلق عناوين نفسية، فالمرفوع آثار أنفسها.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام المصنف «(قدس سره)».

(1) تعليل لقوله: «إن المرفوع ...» الخ.

قوله: «إنما هو الآثار ...» الخ. خبر «أن المرفوع»، و ضمير «عليه» راجع على ما اضطروا إليه و غيره.

و المراد من العناوين في «هذه العناوين» هي: العناوين الثانوية؛ كالخطأ و النسيان و الاضطرار و غيرها.

(2) مبتدأ و خبره «مستدع»، توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 212»- أن المرفوع بهذا الحديث هو الأثر المترتب على الفعل بعنوانه الأولي لا بعنوانه الثانوي؛ لأن الظاهر أن العنوان الثانوي هو الذي أوجب رفع الأثر المترتب عليه، فلو فرض ترتب أثر على الفعل بعنوانه الثانوي؛ كترتب وجوب الدية على العاقلة على القتل الخطأ، و وجوب سجدتي السهو على نسيان بعض أجزاء الصلاة أو على التكلم فيها سهوا، لم يكن هذا العنوان الثانوي موجبا لرفعه؛ لأن هذا العنوان هو الذي صار موضوعا للأثر، و الموضوع يستدعي وضع الأثر و ثبوته، فلا يكون رافعا له؛ و إلا لزم كون الشي‏ء رافعا لما يقتضي وضعه، و هو محال.

و بعبارة أخرى: أن حديث الرفع إنما يرفع الآثار المترتبة على الموضوع قبل طروّ هذه العناوين المذكورة فيه، و أما الآثار المترتبة على الموضوع بعد طرو هذه العناوين عليه، فلا ترتفع بهذا الحديث؛ لأن هذه العناوين حينئذ موضوعات لتلك الآثار و مقتضية لثبوتها، فيستحيل أن تكون رافعة لها.

(3) أي: لثبوته، و ضميره و كذا ضمير «لرفعه» راجع على الأثر، و اسم «يكون» ضمير مستتر راجع على الموضوع، أي: فكيف يكون الموضوع- و هو أحد العناوين الثانوية- موجبا لرفع الحكم المترتب على ذلك الموضوع؟

فالمتحصل: أن آثار العنوان الثانوي يجب أن يكون العنوان الثانوي علة لثبوتها لا علة لرفعها.

145

لا يقال (1): كيف؟ و إيجاب الاحتياط فيما لا يعلم و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان يكون أثرا لهذه العناوين بعينها و باقتضاء نفسها (2)؟

فإنه يقال (3): بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها، ضرورة: أن الاهتمام به يوجب إيجابهما؛ لئلا يفوت على المكلف، كما لا يخفى.

____________

(1) لا يقال: إن ما ذكرتم من كون حديث الرفع يرفع آثار الواقع بعنوانه الأولي؛ لا بعنوانه الثانوي يقتضي أن لا يرفع الاحتياط- بأن يجب الاحتياط فيما لا يعلمون- إذ الاحتياط ليس من آثار الواقع حتى يرفع بحديث الرفع، بل هو من آثار الجهل بالواقع، و هذا خلاف البداهة، فإن حديث الرفع يرفع الاحتياط، و على هذا: فلا يخص حديث الرفع برفع آثار الواقع بعنوانه الأولي؛ بل يرفع آثار العنوان الثانوي أيضا كالجهل و نحوه.

و كيف كان؛ فغرض المصنف من هذا الإشكال: أن حديث الرفع يدل على رفع آثار نفس هذه العناوين الثانوية و هي الجهل و الخطأ و النسيان؛ لا رفع آثار ذوات المعنونات أعني: الموضوعات بما هي هي، يعني: بعناوينها الأولية كما المدعى.

بتقريب: أن إيجاب الاحتياط من آثار الجهل بالتكليف و لا يعقل تشريعه حال العلم به، و كذا إيجاب التحفظ، فإنه من آثار الخطأ و النسيان دون التذكر، و مقتضى ما ذكر:

ثبوت إيجاب الاحتياط و التحفظ لهذه العناوين، مع أن حديث الرفع ينفي الإيجاب الذي هو من آثار الجهل و الخطأ و النسيان، و هذا خلاف المقصود.

(2) أي: نفس العناوين الثانوية لا أثرا لها بعناوينها الأوّلية و ضميرا «بعينها، نفسها» راجعان على العناوين.

و حاصل الإشكال: كان حديث الرفع خاصا برفع الأثر على العناوين الأولية فقط لم يرفع به الاحتياط و التحفظ، اللذان هما أثران للعناوين الثانوية.

(3) هذا جواب عن الإشكال المذكور: و حاصله: إن إيجاب الاحتياط فيما لا يعلمون، و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان ليسا من الآثار المترتبة على نفس عنوان ما لا يعلم أو عنوان الخطأ و النسيان؛ بل هما من آثار الواقع المجهول أو الواقع الصادر خطأ أو نسيانا، فليسا من العناوين الثانوية «بل إنما تكون» هذه الأمور أعني: الاحتياط في مورد الجهل، و التحفظ في مورد الخطأ و النسيان «باقتضاء» الحكم الثابت في «الواقع في موردها» أي: في مورد الجهل و الخطأ و النسيان، ففي موردها إشارة إلى ظرفية الجهل و الخطأ و النسيان لإيجاب الاحتياط و التحفظ.

146

«ضرورة: أن الاهتمام به» أي: بالواقع «يوجب إيجابهما» أي: الاحتياط و التحفظ؛ «لئلا يفوت على المكلف» الواقع، و من هنا تبين: أن حديث الرفع إنما يرفعهما لكونهما من آثار العناوين الأولية.

و كيف كان؛ فإيجاب الاحتياط ليس أثرا ل «ما لا يعلمون» بهذا العنوان؛ بل من آثار التكليف الواقعي الناشئ عن الملاك الذي اهتم به الشارع و لم يرض بتركه حتى في حال الجهل به كما في النفوس و الأعراض؛ إذ لو لم يهتم به لم يوجب الاحتياط، فوجوب الاحتياط ليس أثرا للفعل المجهول بما هو مجهول حتى يقال أنه أثر للفعل بعنوانه الثانوي، فلا يصح رفعه به؛ لأن المقتضى للشي‏ء لا يكون رافعا له؛ بل هو في الحقيقة من آثار العناوين الأولية التي هي موضوعات الأحكام الواقعية، الناشئة من المصالح الداعية إلى تشريعها.

نعم؛ لما لم يعقل إيجاب الاحتياط في حال العلم بالواقع؛ لتقوّم مفهوم الاحتياط بالجهل به اختص تشريعه بصورة الجهل، و أما المقتضي لتشريعه فهو مصلحة الحكم الواقعي المجعول للعنوان الأوّلي، و كذا الحال في وجوب التحفظ. فحينئذ لا مجال له إلا في حال الخطأ و مورده.

و أما المقتضي له: فهو مصلحة الحكم الواقعي الثابت للعناوين الأولية.

هذا تمام الكلام في البحث حول الاستدلال بحديث الرفع على البراءة. بقي ما لا يخلو ذكره عن فائدة:

1- توضيح بعض العناوين المذكورة في ذيل الحديث و هي: الحسد و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق.

2- نسبة حديث الرفع إلى أدلة الأحكام الأولية.

و أما توضيح الأمور الثلاثة و إن كان خارجا عن موضوع البراءة فيقال: إنه لا إشكال في أن المراد من الحسد هي الحالة النفسانية التي توجب عدم تحمل الإنسان نعمة أعطاها الله تعالى أخاه المؤمن قبل إظهارها عملا، و أما إذا أقدم بعمل في سبيل زوالها: فلا إشكال أيضا في كونه معصية، و لا يكون حينئذ مشمولا للحديث الشريف.

و أما الطيرة: فهي من مادة الطير، بمعنى: التشأم و قراءة الطالع بالطيور، ثم توسع في‏

147

ذلك حتى عمت سائر طرق التشأم، فإن العرب في الجاهلية كانت تلتزم و تعتني بما يتشأم بالطيور و غيرها، و كانت الطيور تصدهم عن مقاصدهم، فللشارع المقدس أن يمضي تلك الالتزامات؛ و لكنه ردع عنها امتنانا حتى لا تتعطل حياتهم لأمور لا واقع لها.

و أما الوسوسة في التفكر في الخلق، أو التفكير في الوسوسة في الخلق: فالمراد من الخلق في هذه الجملة يمكن أن يكون أحد معنيين:

الأول: أن يكون بمعنى الخالق أي: خالق الباري، فيتفكر في أنه من خلق الباري تعالى؟

و هو سؤال يشكل جوابه على العوام و إن كان واضحا عند المحققين؛ لأن الحاجة إلى الخالق تتصور بالنسبة إلى كل حادث أو ممكن الوجود، و الله «تبارك و تعالى» لا يكون حادثا أو ممكنا، و مع ذلك كان أمرا شايعا في عصر صدور الحديث، و كانوا يتوهمون حصول الكفر به، فرفع الشارع أثره المتوهم امتنانا.

الثاني: أن يكون في مقابل الخالق، و المراد منه حينئذ: الوسوسة في التفكر في البلايا و الشرور، و تكرار القول ب «لم» بالنسبة إليها أي: القول بأن الله تعالى لم خلق الشي‏ء الفلاني، و لم خلق العالم كذا و كذا، فرفع الشارع حرمة هذه الوساوس امتنانا؛ كما في بعض الكتب المبسوطة.

و أما نسبة هذا الحديث إلى أدلة الأحكام الأولية: فهي حكومة على المشهور، فحديث الرفع حاكم على أدلة الأحكام الأولية؛ كأدلة نفي الضرر و الحرج.

توضيح ذلك: أن أدلة الأجزاء و الشرائط و الموانع مثلا تدل على أصل الجزئية و الشرطية و المانعية، و لا تدل على كيفية دخلها، و حديث الرفع يتعرض لكيفية الدخل، و أن جزئيتها أو شرطيتها أو مانعيتها مختصة بغير حال النسيان مثلا، فضابط الحكومة- و هو تعرض أحد الدليلين لما لا يتكفله الآخر- ينطبق على حديث الرفع.

و بعبارة أخرى: لا شك أن إطلاق الأدلة الأولية يعم كثيرا من الأحوال الثانوية؛ ككون الحكم ضرريا أو حرجيا أو مجهولا أو منسيا، و غير ذلك من العناوين الثانوية، و كون المكلف مضطرا أو مكرها، فإذا ورد قوله: «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان‏

148

و ما لا يعلمون ...» الخ. يفهم منه العرف أن الثاني ناظر إلى تحديد دلالة الأدلة الأولية، و تضييقها بغير هذه الصور و الحالات. و هذا ما نعبر عنه بالحكومة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- تقريب الاستدلال بحديث الرفع على البراءة:

إن المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو: مطلق الإلزام المجهول، سواء في الشبهة الحكمية؛ كحرمة شرب التتن، أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. أو الشبهة الموضوعية؛ كحرمة المائع الخارجي المشكوك كونه خمرا، فالاستدلال بالحديث على رفع الحكم الشرعي إنما يتم إذا كان الموصول في «ما لا يعلمون» شاملا للحكم الشرعي، و لا يكون ظاهرا في خصوص الموضوع المجهول الحال من كونه خلا أو خمرا؛ و إلا لسقط الاستدلال به في مورد البحث.

2- الإشكال: بأن أصالة البراءة التي هي من الأصول العملية لا تنفي إلا الآثار الشرعية، فلا ترفع المؤاخذة؛ لأنها ليست من الآثار الشرعية بل نفسها من الأمور التكوينية و استحقاقها من الأحكام العقلية، و على كلا التقديرين: لا ترتفع بإجراء البراءة؛ مدفوع: بأنها و إن كانت من الأحكام العقلية؛ إلا إن حكم العقل هذا سبب عن حكم الشرع بوجوب الاحتياط، و هو ناش من الحكم الواقعي المجعول شرعا، فيمكن للشارع أن يرفعها برفع ما هو السبب أعني: وجوب الاحتياط، يعني: لما كان إيجاب الاحتياط علة للمؤاخذة فنفيه علة لعدمها.

3- الإشكال: بأن إيجاب الاحتياط، و إن كان أثرا شرعيا للتكليف المجهول و هو قابل للرفع؛ إلا إنه ليس سببا لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول؛ بل على مخالفة نفسه؛ مدفوع: بأن إيجاب الاحتياط ليس نفسيا كي يكون العقاب على مخالفة نفسه؛ بل يكون طريقيا قد شرّع لأجل حفظ الواقع في المشتبهات، فيوجب استحقاق العقاب على الواقع المجهول في المشتبهات؛ إذ لا عقاب على مخالفة ما يكون وجوبه طريقيا.

4- أن رفع التكليف المجهول إنما هو من باب الامتنان على الأمة، فلا يجوز رفع ما ليس في رفعه امتنان عليهم؛ بأن يكون ضررا على البعض.

149

«فافهم»، لعله إشارة إلى الفرق بين الاحتياط و بين سائر الأوامر الطريقية، فإن في ترك الاحتياط تجريا عقاب و إن أتى بالتكليف الواقعي؛ كما لو صلى إلى جهة واحدة فيما اشتبهت القبلة، و صادفت تلك الجهة الواقع، فإنه يعاقب للتجري كما هو مختار المصنف «(قدس سره)»، و هذا بخلاف سائر الأوامر الطريقية التي لا عقاب لها قطعا.

5- إشكال المصنف على الشيخ: حيث قال بلزوم التقدير استنادا إلى دلالة الاقتضاء. و حاصل ما أورده عليه المصنف: أنه لا حاجة في «ما لا يعلمون» بعد إمكان إرادة نفس الحكم الشرعي من الموصول إلى التقدير؛ لأن الحكم بنفسه قابل للرفع، فيكون حديث الرفع دليلا على أصل البراءة في الشبهات الحكمية و الموضوعية؛ بلا تكلف تقدير شي‏ء أصلا.

نعم؛ دلالة الاقتضاء في غير «ما لا يعلمون» توجب إما تقدير جميع الآثار، أو الأثر الظاهر، أو المؤاخذة، و إما الالتزام بالمجاز في الإسناد بلا تقدير شي‏ء أصلا؛ لاستلزام رفع تلك العناوين للكذب لتحققها خارجا قطعا، فلا بد من الالتزام بالتقدير أو المجاز في الإسناد حفظا لكلام الحكيم عن الكذب.

6- الإشكال الآخر على الشيخ: حيث قال بتقدير خصوص المؤاخذة، بناء على كون المراد من الموصول هو: ما اشتبه حاله من الفعل، فأورد عليه المصنف: بأنه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة، بعد أن المقدر في غير واحد من العناوين المذكورة؛ كالإكراه و عدم الطاقة و الخطأ غير المؤاخذة بقرينة رواية المحاسن، التي أشار إليها في المتن، حيث إن المقدر فيها هو الحكم الوضعي من صحة الطلاق و الانعتاق و ملكية الأموال.

7- إن المرفوع بحديث الرفع هي: الآثار المترتبة على الفعل بما هو هو، و بعنوانه الأوّلي؛ لا الآثار المترتبة على الفعل بعنوانه الثانوي، فإن العنوان الثانوي موضوع للآثار المترتبة عليه، فكيف يعقل أن يكون هو سببا لرفعها؟

8- الإشكال: بأن ما ذكرتم من كون حديث الرفع يرفع آثار الواقع بعنوانه الأوّلي يقتضي أن لا يرفع وجوب الاحتياط- بأن يجب الاحتياط فيما لا يعلمون- إذ الاحتياط ليس من آثار الواقع حتى يرفع بحديث الرفع؛ بل هو من آثار الجهل بالواقع.

و هذا خلاف البداهة، فإن حديث الرفع يرفع الاحتياط.

و من المعلوم: أن وجوب الاحتياط من آثار الفعل بعنوانه الثانوي لا بعنوانه الأوّلي، فلا يخص حديث الرفع برفع آثار الواقع بعنوانه الأوّلي؛ مدفوع: بأن إيجاب الاحتياط فيما

150

و منها (1): حديث الحجب، و قد انقدح تقريب الاستدلال به (2) مما ذكر في حديث الرفع.

____________

لا يعلمون، و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان ليسا من الآثار المترتبة على نفس عنوان ما لم يعلم أو عنوان الخطأ و النسيان؛ بل هما من آثار الواقع المجهول أو الواقع الصادر خطأ أو نسيانا بعنوانه الأوّلي، فالجهل و الخطأ و النسيان ظرف لإيجاب الاحتياط و التحفظ، بمعنى: أنه لما لم يعقل إيجاب الاحتياط في حال العلم بالواقع لتقوّم مفهوم الاحتياط بالجهل به اختص تشريعه بصورة الجهل. و أما المقتضي لتشريعه: فهو مصلحة الحكم الواقعي المجعول للعنوان الأولي، و كذا الحال في وجوب التحفظ، فإنه لا مجال له إلا في الخطأ و مورده.

و أما المقتضي له: فهو مصلحة الحكم الواقعي الثابت للعناوين الأولية.

فالحاصل: أن حديث الرفع إنما يرفعهما لكونهما من آثار العناوين الأولية.

9- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- إن المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو: الحكم الإلزامي لا الموضوع الخارجي.

2- دلالة الحديث على البراءة في الشبهة الحكمية و الموضوعية.

3- و المقدر هو جميع الآثار لا خصوص المؤاخذة في «ما لا يعلمون» على فرض تقدير شي‏ء فيه.

في الاستدلال بحديث الحجب على البراءة

(1) و من الروايات التي استدل بها على البراءة: حديث الحجب، و هو قوله «(عليه السلام)»: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1)، و هو من حيث السند تام، حيث إن رجاله معروفون.

و أما الدلالة: فتقريب الاستدلال به: أن الإلزام المجهول وجوبيا كان أو تحريميا حكميا كان أو موضوعيا تكليفيا كان أو وضعيا محجوب عن العباد، فهو مرفوع عنهم، فشرب التتن محجوب عن العباد حكمه التحريمي مثلا، فلا تحريم. و دعاء الرؤية حكمه الإيجابي محجوب عنهم، فلا وجوب.

(2) أي: بحديث الحجب، يعني: و قد ظهر تقريب الاستدلال بحديث الحجب مما

____________

(1) الكافي 1: 3864، التوحيد: 43/ 9، الوسائل 25: 163/ 33496.

151

ذكر في تقريب الاستدلال بحديث الرفع، بمعنى: أن المراد من الموصول في «ما حجب الله» عاما يعم كل محجوب، سواء كان حكما أو هوية الموضوع، و ليس حديث الحجب مقرونا بشي‏ء يوهم اختصاصه بالشبهة الموضوعية، بخلاف حديث الرفع فإن قرينة السياق كانت موجبة للشك في عموميته.

نعم؛ يمكن أن يقال: إن حديث الحجب على عكس حديث الرفع، بمعنى: أن حديث الرفع بقرينة وحدة السياق ظاهر في الشبهة الموضوعية. و حديث الحجب بقرينة إسناد الحجب إلى الله تعالى ظاهر في الشبهة الحكمية، فإنه يتناسب مع إرادة الحكم الكلي المجهول من الموصول كما لا يخفى.

هذا مجمل الكلام في الاستدلال بحديث الحجب على البراءة.

و أما تفصيل الكلام في توضيح الاستدلال به على البراءة فيتوقف على مقدمة و هي:

شرح مفردات الحديث، و هي الحجب، و العلم، و الوضع.

أما الحجب: فهو لغة بمعنى: الشر، و المحجوب هنا هو الحكم الشرعي المجهول لا الملاكات و المقتضيات، حيث إن وظيفة الشارع من حيث إنه شارع بيان الأحكام، و حجب الحكم يتحقق تارة: بأمره حجبه بعدم تبليغه إلى العباد، و أخرى باختفائه عنهم بعد تبليغه لمعصية العصاة المانعة عن وصوله إلى المكلفين.

و أما العلم: فالمراد به حيث يطلق في الروايات و غيرها هو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع؛ لا كل اعتقاد جازم و إن كان مخطئا.

و أما كلمة «وضع»: فإن تعدت بحرف الاستعلاء: دلت على جعل شي‏ء على شي‏ء و إثباته عليه، و إن تعدت بحرف المجاوزة: دلت على معنى الإسقاط؛ كقوله تعالى:

وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ (1) أي: أسقطها عنهم، و من المعلوم: أن إسقاط شي‏ء كالحق عن الذمة فرع استقراره فيها.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن تقريب الاستدلال بالحديث على البراءة من الوضوح على حد لا يخفى على أحد، حيث إنه يدل على أن الحكم الواقعي المجهول قد وضعه الشارع عن العباد و رفعه عنهم فعلا، فيكون المراد بحجبه: عدم وصوله، سواء كان بعدم بيانه أم بإخفاء الظالمين له، و من الواضح: إن المرفوع ليس نفس الحكم الواقعي المجهول؛ لاستلزامه التصويب، فلا بد أن يكون الموضوع عن العباد إيجاب الاحتياط،

____________

(1) الأعراف: 157.

152

إلا إنه ربما يشكل (1) بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من (2) التكليف؛ بدعوى:

ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه (3)، و يمكن شموله‏

____________

و بهذا التقريب تتم دلالة الحديث على البراءة؛ بحيث يصلح للمعارضة مع أدلة الأخباريين على الاحتياط المقتضية لاشتغال الذمة بالتكاليف الواقعية المجهولة؛ بل هذا أظهر في الدلالة على البراءة من حديث الرفع؛ لما عرفت من أن المراد بالموصول: هو الحكم قطعا بخلاف حديث الرفع.

(1) أي: إلا إن الاستدلال يشكل، و المستشكل هو الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، حيث قال بعد تقريب الاستدلال: «و فيه أن الظاهر ...» الخ.

و توضيح الإشكال يتوقف على مقدمة و هي: أن «ما حجب الله علمه عن العباد» لا يخلو عن أحد احتمالين:

الأول: هو أن يكون المراد منه: ما لم يبينه للعباد من الأول و سكت عنه، و لم يأمر رسوله.

الثاني: أن يكون المراد منه: ما بيّنه، و أمر رسوله بتبليغه، فبلغه الرسول للعباد؛ و لكن اختفى عليهم لأجل الحوادث الخارجية؛ كإخفاء الظالمين و العاصين إياه عنهم.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل النزاع بين الأخباريين و الأصوليين- حيث يقول الأول: بوجوب الاحتياط و الثاني: بالبراءة- هو الاحتمال الثاني، أي: ما بيّنه و حجب علمه عن العباد بواسطة إخفاء الظالمين، و أما ما لم يبيّنه من الأول: فهو مرفوع عنهم بالاتفاق، و الظاهر من الرواية: هذا الاحتمال أعني: الاحتمال الأول بقرينة نسبة الحجب إلى الله تعالى، فحديث الحجب أجنبي عن المقام؛ لأنه مساوق لما ورد عن أمير المؤمنين «(عليه السلام)»: «إن الله حدّ حدودا، فلا تعتدوها، و فرض فرائض، فلا تعصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها، فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم» (1).

(2) كما هو المطلوب في البراءة، «و بدعوى» متعلق ب «يشكل» و بيان له، و ضمير «ظهوره» في الموضعين راجع على حديث الحجب.

(3) أي: على ما لا يعلم من التكليف، و ضمير «بتبليغه» راجع على الموصول في «ما تعلقت» المراد به الحكم الذي منع اطلاع العباد عليه، و ضمير «بدونه» راجع على منعه تعالى اطلاع العباد عليه.

و حاصل الإشكال: إن حجب الله تعالى لا يصدق إلا في صورة عدم أمره تعالى‏

____________

(1) الفقيه 4: 75/ 5149، الوسائل 27: 175/ 33531.

153

للشبهة الموضوعية أيضا بأن المراد من الموصول هو: خصوص الحكم المحجوب علمه مطلقا و لو كان منشأ الحجب اشتباه الأمور الخارجية.

و منها (1): قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام‏

____________

رسله بالتبليغ؛ إذ الحكم الذي أمر رسله بتبليغه لا يصدق عليه أنه تعالى حجبه عن العباد كما هو واضح، فهذا الحديث الشريف لا يصلح لأن يكون مستندا لأصل البراءة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

فكما يقال في تقريب الاستدلال بحديث الرفع: أن الإلزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع ظاهرا و إن كان ثابتا واقعا، فكذلك يقال في تقريب الاستدلال بحديث الحجب:

إن الإلزام المجهول مما حجب الله علمه عن العباد، فيكون موضوعا عنهم.

و ملخص الإشكال على هذا الاستدلال:

أن الحديث أسند الحجب إلى الله تعالى، و هو حينئذ ظاهر فيما سكت الله عنه و لم يأمر نبيه بالإبلاغ، لا ما بيّنه و اختفى عنهم بعروض الحوادث؛ الذي هو المبحوث عنه في المقام.

رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو عدم دلالة هذا الحديث على البراءة؛ لأنه لم يجب عن الإشكال، فعدم جوابه عن الإشكال كاشف عن صحة الإشكال على الاستدلال بحديث الحجب.

و نظرا إلى الإشكال المذكور لا يصلح أن يكون حديث الحجب دليلا على البراءة.

الاستدلال بحديث الحل‏

(1) أي: و من الروايات التي استدل بها على البراءة: قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه».

تقريب الاستدلال به على البراءة: أن يقال: أن قوله «(عليه السلام)»: «حتى تعرف» قيد للموضوع- و هو شي‏ء- و معناه: أن كل شي‏ء مشكوك الحل و الحرمة حلال، سواء كان منشأ الشك فقد النص أم إجماله أم تعارضه أم اشتباه الأمور الخارجية، و عليه:

فشرب التتن المشكوك حكمه من حيث الحل و الحرمة حلال، و كذا شرب المائع المردد بين الخل و الخمر.

هذا خلاصة الكلام في تقريب الاستدلال بهذا الحديث على البراءة.

و لما كان ظاهره بقرينة قوله «بعينه» الذي هو قيد احترازي عن معرفة الحرام لا بعينه-

154

بعينه»

(*)

الحديث. حيث دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا؛ و لو كان (1) من جهة عدم الدليل على حرمته، و بعدم (2) الفصل قطعا بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط

____________

اختصاصه بالشبهات الموضوعية لأن كلمة «بعينه» تكون بمعنى: التشخص و التعين الخارجي فكان أصل الحرمة معلوما، و أن الإمام «(عليه السلام)» كان بصدد بيان حكم الحرام الذي علم حرمته؛ لكنه لم يعلم هو معينا- كما هو شأن الشبهة الموضوعية- لا بيان حكم نفس الحرمة إذا كانت مشكوكة، فلا يشمل الحديث الشبهات الحكمية؛ إذ الشك في حرمة شرب التتن مثلا ليس من أفراد الشك في الحرمة بعينها، و إنما هو شك في أصل الحرمة.

كما أن ظاهر الحديث أيضا بقرينة قوله: «حتى تعرف الحرام» اختصاصه بالشبهات التحريمية؛ و أن الحكم بحلية الشي‏ء مختص بما إذا تردد حكمه بين الحرمة و غير الوجوب، فالحاصل: أنه لما كان ظاهر الحديث اختصاصه بالشبهات الموضوعية التحريمية: تصدى المصنف لتعميمه أولا للشبهات الحكمية التحريمية، ثم للشبهات الوجوبية.

و أما التعميم الأول: فهو الذي أشار إليه بقوله: «مطلقا و لو كان ...» الخ.

توضيحه: أن الحديث يدل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا، يعني: سواء كان عدم العلم بحرمته ناشئا من عدم العلم بعنوانه، و أنه من أفراد المحلل، أو من أفراد المحرم مع العلم بأصل الحرمة؛ كالمائع المردد بين الخل و الخمر مع العلم بأصل حرمة الخمر، أم ناشئا من عدم الدليل على الحرمة، أم من تعارض ما دل على حرمته مع ما دل على حليته، أم غير ذلك، و يجمع الكل عدم العلم مهما كان منشؤه. هذا تمام الكلام في التعميم الأول؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 241».

و أما التعميم الثاني: فهو ما أشار إليه بقوله: «و بعدم الفصل قطعا».

(1) بيان للإطلاق، يعني: و لو كان عدم العلم بحرمته من جهة عدم الدليل عليها.

هذا ملخص الكلام في التعميم الأول. و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

(2) متعلق بقوله: «يتم المطلوب»، و هذا إشارة إلى التعميم الثاني للشبهات الوجوبية.

و قد افاد المصنف هذا التعميم بوجهين:

أولهما: و حاصله: دعوى عدم الفصل بين الشبهات التحريمية و الشبهات الوجوبية في الحكم، بمعنى: أن كل من قال بجريان البراءة و عدم وجوب الاحتياط في الشبهات‏

____________

(*) الكافي 5: 313/ 339، الفقيه 3: 341/ 4208، تهذيب الأحكام 7: 226/ 988، الوسائل 17: 86/ 22050.