دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
155

فيه (1)، و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب (2).

مع (3) إمكان أن يقال: ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال، تأمل.

____________

التحريمية قال بجريانها و عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية أيضا، فبضميمة عدم الفصل المعبر عنه بالإجماع المركب أيضا إلى حديث الحل- الدال على البراءة في الشبهات التحريمية- يتم المطلوب، و هو عدم وجوب الاحتياط في مطلق الشبهات؛ و ذلك لأن المحدّثين إنما قالوا بوجوب الاحتياط في خصوص الشبهات التحريمية، دون الوجوبية؛ لذهابهم إلى عدم وجوب الاحتياط فيها، فإذا ثبت بأدلة البراءة عدم وجوبه في الشبهات التحريمية أيضا تم المطلوب، و هو عدم وجوب الاحتياط في الشبهات مطلقا، أما التحريمية: فبأدلة البراءة، و أما الوجوبية: فباعتراف المحدثين أنفسهم به.

و احتمال العكس- و هو وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية دون التحريمية- لا قائل به حتى نحتاج في إبطاله إلى إقامة الدليل أيضا.

و بالجملة: فحديث الحل بضميمة عدم الفصل كاف في إثبات عدم وجوب الاحتياط في الشبهات مطلقا؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 254».

(1) هذا الضمير و ضمير «إباحته» راجعان على ما يعلم حرمته، و قوله: «و عدم» عطف تفسير ل «إباحته».

(2) و هو عدم وجوب الاحتياط في مطلق الشبهات.

(3) هذا إشارة إلى الوجه الثاني للتعميم للشبهات الوجوبية، و حاصله: إدراج الشبهة الوجوبية تحت مدلول الحديث، من دون حاجة إلى دعوى عدم الفصل.

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 255»- أن الشي‏ء إذا كان فعله واجبا قطعا: كان تركه حراما قطعا، و إذا كان فعله محتمل الوجوب: كان تركه محتمل الحرمة لا معلوم الحرمة؛ كما قد يتوهم أنه مقتضى أدلة الاحتياط حتى يجب فعله كما هو قول بعض المحدثين، و حينئذ: فالشي‏ء المحتمل الوجوب يكون تركه محتمل الحرمة، يعني: مرددا بين الحرمة و غير الوجوب، فيدخل تحت حديث الحل، و بهذه العناية يشمل الحديث الشبهة الوجوبية أيضا، و به يثبت حل تركه و يتم المطلوب.

قوله: «تأمل» إشارة إلى ضعف الوجه الأخير؛ لعدم وجود جامع بين الفعل و الترك أولا، و عدم انحلال كل حكم إلى حكمين ثانيا؛ فإن الفعل إذا كان واجبا لم يكن تركه حراما شرعا، بحيث يكون وجوبه منحلا إلى حكمين؛ لبطلان الانحلال.

156

و منها (1): قوله «(عليه السلام)»: «الناس في سعة ما لا يعلمون»

(*)

فهم في ...

____________

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- تقريب الاستدلال به على البراءة: ان قوله: «حتى تعرف» قيد للموضوع، و معناه حينئذ: أن كل شي‏ء مشكوك الحل و الحرمة حلال، سواء كان منشأ الشك فقدان النص أم إجماله أم تعارضه أم اشتباه الأمور الخارجية، فيشمل الشبهات الحكمية و الموضوعية.

2- جواب المصنف: عن إشكال اختصاص الحديث بالشبهات التحريمية الموضوعية.

و حاصل الجواب: أنه تصدى لتعميمه للشبهات الحكمية و الوجوبية.

و أما تعميمه للشبهات الحكمية: فإن الحديث يدل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا أي: سواء كان عدم العلم بالحرمة ناشئا من عدم العلم بعنوانه، و إنه من أفراد المحل أو المحرم؛ مع العلم بأصل الحرمة، أم ناشئا من عدم الدليل على الحرمة.

3- و أما التعميم للشبهات الوجوبية: فلأحد وجهين:

الأول: عدم الفصل بين الشبهات التحريمية و الوجوبية، بمعنى: كل من قال بجريان البراءة في الشبهات التحريمية قال كذلك في الشبهات الوجوبية، فضميمة عدم الفصل إلى حديث الحل الدال على البراءة في الشبهات التحريمية يتم المطلوب، و هو عدم وجوب الاحتياط في مطلق الشبهات.

الثاني: إرجاع الشبهات الوجوبية إلى التحريمية، بمعنى: كل محتمل الوجوب تركه محتمل الحرمة؛ و محتمل الحرمة من الشبهات التحريمية، فيندرج تحت حديث الحل.

«تأمل» إشارة إلى عدم صحة إرجاع الشبهات الوجوبية إلى التحريمية أولا؛ لأنه خلاف ظاهر الحديث، و ثانيا: لعدم صحة انحلال كل حكم إلى حكمين.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

الظاهر منه تمامية هذا الحديث المذكور في المتن- على البراءة من حيث الدلالة؛ لو لم يكن ضعيفا من حيث السند.

في الاستدلال بحديث السعة

(1) أي: و من الروايات التي استدل بها على البراءة قوله «(عليه السلام)»: «الناس في‏

____________

(*) النوادر للراوندي 219، عن علي «(عليه السلام)»، عوالي اللآلي 1: 424/ 109، و فيهما «ما لم يعلموا»، بحار الأنوار 77: 78/ 7، و فيه «هم في سعة عن أكلها ما لم يعلموا».

157

سعة (1) ما لم يعلم، أو ما دام لم يعلم (2) وجوبه أو حرمته، و من الواضح (3): أنه لو

____________

سعة ما لا يعلمون».

تقريب الاستدلال بحديث السعة يتوقف على مقدمة و هي: إن كلمة «ما» في «ما لا يعلمون» إما موصولة قد أضيفت إليها كلمة «سعة»، أو مصدرية زمانية بمعنى: ما دام، و «سعة» حينئذ: مقطوعة عن الإضافة، فتكون مع التنوين.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الرواية تدل على البراءة على التقديرين، أي: سواء كانت كلمة «ما» موصولة أو مصدرية زمانية و ظرفا للسعة.

أما على الأول: فيكون مفادها: الناس في سعة الحكم الواقعي الذي لا يعلمونه، فالضيق الناشئ من التكليف الواقعي المجهول؛ و لو كان لأجل وجوب الاحتياط منفي.

فيكون حديث السعة حينئذ: معارضا لأدلة وجوب الاحتياط، فوزانه وزان حديث الرفع المتقدم في نفيه لإيجاب الاحتياط، فيقع التعارض بينه و بين أدلة الأخباريين على وجوب الاحتياط؛ للتنافي بين ما ينفي الضيق حال الجهل، و بين ما يثبته كذلك، و لا تقدم لأدلته على هذا الحديث.

و أما على الثاني:- أي: جعل «ما» مصدرية- فدلالة الحديث على البراءة تامة أيضا؛ إذ يكون حديث السعة دالا على أن المكلف في سعة عن الحكم الواقعي المجهول مطلقا، سواء كان وجوبا أو حرمة، و سواء كان منشأ عدم العلم فقد النص أو إجماله أو تعارضه أو اشتباه الأمور الخارجية ما دام جاهلا به.

فالمتحصل: تمامية الاستدلال به على البراءة؛ ما دام الشك باقيا مهما كان منشؤه، فيثبت المطلوب على التقديرين، و من هنا: يعلم فساد ما قيل: من أن الاستدلال به مبني على تقدير أن تكون كلمة «ما» موصولة.

و أما إذا كانت مصدرية زمانية: فلا يصح الاستدلال به على المقام؛ لأن المعنى حينئذ:

أن الناس في سعة ما داموا لم يعلموا، فمفاد الحديث هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فتكون أدلة وجوب الاحتياط حاكمة عليه؛ لأنها بيان. و قد عرفت تمامية دلالة الحديث على البراءة على التقديرين.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) بالإضافة إلى الموصول. هذا إشارة إلى كون «ما» موصولة.

(2) هذا إشارة إلى جعل «ما» ظرفية زمانية، بناء على قراءة «سعة» بالتنوين.

(3) هذا تتميم للاستدلال بالحديث على المدعى، يعني: أن حديث السعة ينفي‏

158

كان الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة أصلا، فيعارض به (1) ما دل على وجوبه، كما لا يخفى.

لا يقال: قد علم به (2) وجوب الاحتياط.

فإنه يقال (3): لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من‏

____________

وجوب الاحتياط المدلول عليه بمثل قوله «(عليه السلام)»: «أخوك دينك فاحتط لدينك» (1)؛ لظهوره في الترخيص من ناحية الإلزام المجهول، فهو معارض لأدلة الاحتياط، و لا وجه لتقديم أدلته على هذا الحديث ورودا أو حكومة كما سيأتي.

(1) أي: فيعارض بحديث السعة: ما دل على وجوب الاحتياط، فلا ورود و لا حكومة له على حديث السعة؛ إذ لا تعارض بين الوارد و المورود، و بين الحاكم و المحكوم كما هو مبيّن في محله.

(2) أي: قد علم بما دل على وجوب الاحتياط «وجوب الاحتياط»، فيكون دليل الاحتياط واردا على «الناس في سعة»، و هذا هو إشكال الشيخ «(قدس سره)» على الاستدلال بهذا الحديث.

توضيح الإشكال: أنه لا سعة مع العلم بالوظيفة الفعلية؛ و إن كانت هي حكما ظاهريا؛ كوجوب الاحتياط، فإذا لم يعلم المكلف بشي‏ء من الحكم الواقعي و الظاهري فهو في سعة، فموضوع السعة هو الجهل بمطلق الوظيفة، و أما إذا علم بالوظيفة الفعلية- و إن كانت هي وجوب الاحتياط- فلا سعة له؛ لأن العلم بها قاطع لعذره الجهلي؛ و إن كان نفس الحكم الواقعي باقيا على المجهولية.

و من المعلوم: أن المحدثين يدعون العلم بوجوب الاحتياط الذي هو وظيفة الجاهل بالحكم الواقعي، فيخرج العلم بوجوبه عن الجهل و عدم البيان اللذين هما موضوعان للبراءة العقلية و الشرعية، حيث إن ما دل على وجوب الاحتياط بيان رافع لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و موجب للعلم بالوظيفة الفعلية الرافع للسعة و الرخصة؛ و إن كان الحكم الواقعي مجهولا بعد؛ لما عرفت من: كفاية العلم بالحكم الظاهري كوجوب الاحتياط في رفع السعة، و عليه: فلا يصح الاستدلال على البراءة بمثل حديث السعة لمعارضة أدلة الاحتياط؛ بل هي واردة عليه.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح الإشكال على الاستدلال به على البراءة.

(3) هذا جواب عن إشكال الشيخ «(قدس سره)».

____________

(1) أمالي المفيد: 283/ 9، أمالي الطوسي: 110/ 168، الوسائل 27: 167/ 33509.

159

توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي: إن وجوب الاحتياط إما طريقي و إما نفسي، و الفرق بينهما: أن الوجوب الطريقي معناه أنه يجب الاحتياط؛ لأنه طريق إلى الحكم الواقعي المجهول من الوجوب أو الحرمة، فلا ثواب على موافقة أمر هذا الاحتياط، و لا عقاب على مخالفته؛ لأن الملاك الداعي إلى إيجاب الشارع للاحتياط هو: مجرد حفظ الواقع في ظرف الجهل به.

و أما كون وجوب الاحتياط نفسيا: فمعناه- أنه في ظرف الجهل بالواقع- يجب الاحتياط في نفسه بفعل محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة، فيترتب الثواب و العقاب حينئذ على موافقة أمر هذا الاحتياط و مخالفته، و ليس الملاك في هذا النحو من الاحتياط النظر إلى الواقع و التحفظ عليه؛ بل الملاك فيه جعل المكلف أشد مواظبة و أقوى عزما على فعل الواجبات و ترك المحرمات.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الإشكال المذكور إنما يتم لو كان إيجاب الاحتياط نفسيا و هو غير ثابت، و لا يتم لو كان إيجابه طريقيا.

و أما وجه عدم تماميته على فرض الطريقية: فلأن العلم بوجوب الاحتياط حينئذ لا يستلزم العلم بالوجوب أو الحرمة الواقعيين؛ حتى يقع المكلف في ضيق منهما.

و بعبارة أخرى: أن إيجاب الاحتياط- بناء على طريقيته- و إن كان وظيفة فعلية، لكنه لا يوجب العلم بالواقع حتى يرفع موضوع حديث السعة- و هو الجهل بالحكم الواقعي- بل الحكم الواقعي باق على مجهوليته، فلا يكون إيجاب الاحتياط رافعا لموضوع حديث السعة ليقدم دليله عليه ورودا أو حكومة- كما يقول الشيخ «(قدس سره)»- بل هما متعارضان؛ لظهور حديث السعة في الترخيص من ناحية الإلزام المجهول، فالمكلف في سعة منه، و ظهور دليل الاحتياط الطريقي في أن إيجابه إنما هو لأجل التحفظ على الإلزام المجهول، فالمكلف في ضيق منه فهما متعارضان، و المرجع فيهما قواعد التعارض.

و أما وجه تمامية الإشكال:- على فرض كون إيجاب الاحتياط نفسيا- فلأن المكلف بعد العلم بوجوب الاحتياط يقع في ضيق لأجله؛ لكونه حينئذ مما يعلم، فيكون رافعا لموضوع حديث السعة فيقدم عليه، و لا يقع في الضيق من أجل الحكم الواقعي المجهول حتى يعارض الحديث؛ لأن وجوب الاحتياط- حسب الفرض- حكم نفسي ناش من ملاكه، و ليس ناشئا من الواقع المجهول، و حينئذ: فمع العلم بالوظيفة الفعلية لا يبقى‏

160

أجله (1)؟ نعم (2)؛ لو كان الاحتياط واجبا نفسيا كان (3) وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه؛ لكنه عرفت (4): أن وجوبه كان طريقيا، لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحيانا، فافهم.

____________

موضوع لحديث السعة، فيتم ما ذكره الشيخ «(قدس سره)» من تقدم الاحتياط عليه من باب الورود أو الحكومة.

و لكن وجوبه النفسي غير ثابت؛ بل الثابت أن وجوب الاحتياط طريقي، شرع لأجل التحفظ على الواقع المجهول و عدم وقوع المكلف في مخالفة الواجب أو الحرام أحيانا.

و عليه: فلا يبقى مجال لدعوى تقدم أدلته على الحديث ورودا أو حكومة؛ بل يقع بينهما التعارض، فلا بد من الرجوع إلى قواعد باب التعارض.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «بعد» أي: بعد وجوب الاحتياط طريقيا، يعني: أنه مع فرض وجوب الاحتياط طريقيا لا يصير المكلف عالما بالواقع حتى يقع في ضيقه، و لا يكون في سعة منه؛ إذ لا يوجب الاحتياط العلم بالواقع و لا يكشف عنه أصلا.

(1) أي: من أجل الوجوب أو الحرمة المجهولين.

غرضه: أن غاية السعة هي العلم بالتكليف المجهول لا العلم بإيجاب الاحتياط، و أنه لا يوجب العلم بالحكم المجهول حتى يرفع السعة و يوقع المكلف في الضيق.

(2) استدراك على قوله: «فكيف يقع؟» و قد عرفت توضيحه بقولنا: «و إن كان إيجابه نفسيا ثم ما ذكره ...» الخ.

(3) أي: ثبت و تحقق، و ضمير «وقوعهم» راجع على المكلفين المستفاد من سياق الكلام.

(4) يعني: عرفت في الاستدلال بحديث الرفع، حيث قال هناك: «هذا إذا لم يكن إيجابه- يعني: الاحتياط- طريقيا، و إلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول ...» الخ.

قوله: «بعد العلم بوجوبه» إشارة إلى أن لوجوب الاحتياط كالأحكام الأولية مراتب، و المجدي منها هنا هو مرتبة التنجز؛ إذ لا يترتب المقصود- و هو وقوع المكلف في الضيق- على مجرد تشريع إيجاب الاحتياط؛ بل على وصوله إلى العبد كما هو ظاهر.

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى أن الغرض من إيجاب الاحتياط طريقيا تنجيز الواقع، و هو كاف في تحقق الضيق و ارتفاع السعة؛ و إن لم يوجب العلم بالتكليف المجهول.

161

أو إشارة إلى احتمال أن يكون «ما» في قوله «في سعة ما لا يعلمون» ظرفية أي: أن الناس في سعة ما دام لم يعلموا، فإذا علموا وجوب الاحتياط لم تكن سعة؛ إذ ما لم يعلموا محذوف المتعلق حينئذ، و يحتمل متعلقه الحكم الواقعي و أن يكون أعم من الواقع و الاحتياط، و على هذا: يكون دليل الاحتياط واردا، و يكون حاله حال ما لو قال المولى لعبده: «إذا لم تعلم شيئا فأنت في سعة»، ثم قال له بالنسبة إلى «دعاء الرؤية»: واجب عليك، و قال بالنسبة إلى «الإناءين المشتبهين». احتط عنهما، فإنه لا شك في ورود كلا الدليلين على الدليل المتضمن للسعة؛ كما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 4، ص 272».

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- تقريب الاستدلال بحديث السعة على البراءة: أن الرواية تدل على البراءة، سواء كان «ما» في «ما لا يعلمون» موصولة أو مصدرية، فيكون مفادها على الأول:

الناس في سعة التكليف الذي لا يعلمونه.

و على الثاني: أنهم في سعة ما داموا لا يعلمون، و من المعلوم: أن وجوب الاحتياط ينافي كونهم في السعة، فينفى بالرواية؛ إلا إن السعة في صورة كون «ما» موصولة مضافة إلى الما، و في صورة كونها مصدرية مقطوعا عن الإضافة فيكون منوّنا.

2- الإشكال على هذا الاستدلال: بأن الأخباري يدعي العلم بوجوب الاحتياط بما دل عليه من النقل، فيكون ما دل على وجوب الاحتياط واردا على هذا الحديث الدال على البراءة في مورد عدم العلم بالحكم؛ مدفوع: بأن الإشكال المذكور مبنيّ على أن يكون وجوب الاحتياط نفسيا؛ بحيث يترتب الثواب على موافقة أمره، و العقاب على مخالفته، و ليس كذلك بل وجوبه يكون طريقيا، بمعنى: أن الاحتياط طريق إلى الحكم الواقعي المجهول قد شرع لأجل حفظ الواقع في ظرف الجهل، فالعلم بوجوب الاحتياط لا يوجب العلم بالواقع حتى يرفع موضوع حديث السعة- و هو الجهل بالحكم الواقعي- بل الحكم الواقعي باق على مجهوليته.

فلا يكون إيجاب الاحتياط رافعا لموضوع حديث السعة ليقدم دليله عليه من باب الورود؛ كما هو المفروض في الإشكال.

162

و منها (1): قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي».

____________

و عليه: فلا يبقى موضوع لدعوى كون دليل الاحتياط واردا على حديث السعة.

3- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو تمامية الاستدلال بحديث السعة على البراءة من حيث الدلالة.

في الاستدلال بمرسلة الصدوق على البراءة التي رواها الصدوق مرسلا في صلاة الفقيه‏

(1) أي: من الروايات التي استدل بها على البراءة: قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1).

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية: مبنيّ على أن يكون المراد من الورود في قوله:

«يرد» هو: إيصال التكليف إلى المكلف الا صدوره من المولى و من النهي الواقعي المتعلق بالشي‏ء بعنوانه لأولي لا بعنوانه الثانوي، أي: كونه مجهول الحكم، فيكون مفادها- حينئذ- «كل شي‏ء مطلق و مباح ما لم يصل فيه النهي من الشارع، فيكون شرب التتن مباحا بعنوان كونه شرب التتن، ما لم يصل فيه النهي من الشارع بعنوان كونه شرب التتن؛ لا بعنوان كونه مجهول الحكم، فتكون دلالة هذه الرواية على البراءة أوضح من الكل، فحينئذ: لو تمت دلالة أدلة وجوب الاحتياط وقع التعارض بينها و بين هذه الرواية، فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه قاعدة التعارض من التخيير أو الترجيح أو غيرهما.

فهذه الرواية و إن كانت مختصة بالشبهة التحريمية إلا إنه لا بأس بالاستدلال بها على البراءة من هذه الجهة، فإن عمدة الخلاف بين الأصوليين و الأخباريين إنما هي في الشبهة التحريمية.

و أما الشبهة الوجوبية: فوافق الأخباريون الأصوليين في عدم وجوب الاحتياط فيها؛ إلا القليل منهم كالمحدث الاسترابادي فإنه قال بوجوب الاحتياط فيها أيضا.

بل اختصاص هذه الرواية بالشبهة التحريمية موجب لرجحانها على سائر الروايات التي استدل بها على البراءة، باعتبار أنها أخص من أخبار الاحتياط، فلا ينبغي الشك في تقدمها عليها، و لذا قال الشيخ «(قدس سره)»: إنها أظهر روايات الباب.

و لكن المصنف «(قدس سره)» لم يرتض الاستدلال بها، فذكر أنه يحتمل أن يكون المراد من الورود الذي جعل غاية للإطلاق هو: صدور الحكم من المولى و جعله؛ لا وصوله إلى المكلف، فيكون مفاد الرواية حينئذ: أن كل شي‏ء لم يصدر فيه نهي، و لم‏

____________

(1) الفقيه 1: 317/ 937.

163

و دلالته (1) تتوقف على عدم صدق الورود؛ إلا بعد العلم أو ما بحكمه، بالنهي (2) عنه و إن (3) صدر عن الشارع و وصل إلى غير واحد، مع أنه ...

____________

تجعل فيه الحرمة فهو مطلق و مباح، و هذا خارج عن محل الكلام، فإن الكلام فيما إذا شك في صدور النهي من المولى و عدمه.

و كيف كان؛ فمعنى الحديث حينئذ: أن ما لم يصدر فيه نهي واقعا- بمعنى سكوت الله تعالى عنه- فهو حلال، في مقابل ما إذا صدر النهي عنه واقعا فليس حلالا و إن لم يعلم به المكلف، فوزان هذا الحديث حينئذ وزان حديث السكوت أعني: قوله «(عليه السلام)»: «... و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها» (1)، و عليه: فلا يصح الاستدلال به على البراءة.

و الوجه فيه واضح، فإن المقصود إثبات البراءة في كل ما لم يصل فيه نهي إلينا؛ لا فيما لم يصدر فيه نهي واقعا.

و الحاصل: أنه مع احتمال إرادة الصدور من الورود لا موجب للجزم في خصوص الوصول حتى يتجه الاستدلال به على البراءة.

و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) هذا تعريض بما أفاده الشيخ في الاستدلال بالمرسلة حيث قال: بأن دلالته على المطلب أوضح من الكل‏ (2). و قد عرفت اعتراض المصنف، فلا حاجة إلى التكرار. و قد عرفت اعتراض المصنف، فلا حاجة إلى التكرار.

(2) متعلق بقوله: «العلم». و ضمير «عنه» راجع على شي‏ء، و ضمير «بحكمه» إلى العلم، و المراد بما يحكم العلم: هو الأمارة غير العلمية.

(3) كلمة إن وصلية يعني: أن الاستدلال بهذا الحديث للبراءة يتوقف على أن يكون ورود النهي بمعنى وصوله إلى المكلف بالعلم به أو ما هو بحكمه كالأمارة المعتبرة، ليكون معنى الحديث: أن ما لا يعلم المكلف حرمته فهو حلال، سواء لم يصدر فيه نهي أصلا أم صدر و لم يصل إلى هذا المكلف، و على أن لا يصدق الورود على مجرد صدوره و إن لم يعلم به المكلف كما هو مبنى استظهار الشيخ «(قدس سره)»، و حيث إنه يصدق الورود على مجرد الصدور أيضا فلا يتم الاستدلال به على البراءة.

____________

(1) نهج البلاغة 4: 34/ 105، الوسائل 15: 260/ 20452.

(2) فرائد الأصول 2: 43.

164

ممنوع (1) لوضوح: صدقه على صدوره عنه (2)، سيما (3) بعد بلوغه إلى غير واحد، و قد خفي على من لم يعلم بصدوره.

لا يقال: نعم (4)؛ و لكن بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به و تم.

فإنه يقال (5): و إن تم الاستدلال به ...

____________

(1) يعني: مع أن عدم صدق الورود على الصدور ممنوع، و هذا هو الوجه في اعتراض المصنف بما استظهره الشيخ من الحديث و استدلاله به على البراءة و محصل ما أريد من هذه العبارة: أن الورود يصدق على الصدور، و مع صدق الورود عليه لا تجري البراءة لتحقق غاية الإطلاق و هو صدور النهي عنه، فيكون هذا الحديث مساوقا لحديث السكوت كما تقدم.

(2) أي: لوضوح صدق الورود على صدور النهي عن الشارع.

(3) وجه الخصوصية: أنه مع وصول النهي إلى بعض الأمة يصدق الورود من الشارع قطعا، و إن سلمنا عدم صدقه مع صدوره واقعا و عدم اطلاع أحد عليه و مع تحقق الغاية لا يصح الاستدلال.

(4) استدراك على قوله: «و دلالته تتوقف»، و تصحيح للاستدلال بالحديث حتى مع صدق الورود على الصدور.

بيانه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 84»- أن الورود و إن كان صادقا على الصدور أيضا كصدقه على الوصول، و عدم ظهوره في خصوص بلوغ الحكم إلى المكلف؛ إلا إنه يمكن تصحيح الاستدلال بالمرسلة حتى بناء على إرادة الصدور و التشريع من قوله: «حتى يرد فيه نهي»، و ذلك لإمكان إحراز عدم الصدور من الشارع بالاستصحاب، حيث إن تشريع النهي من الحوادث المسبوقة بالعدم، فيجري فيه استصحاب عدمه و ينقح به عدم صدور النهي من الشارع فيشمله الحديث.

و عليه: فقوله: «نعم» تصديق لصحة إطلاق الورود على مجرد الصدور و إن لم يصل إلى المكلف، و المشكل بقوله: «لا يقال» يريد إثبات تمامية الاستدلال بالرواية على البراءة؛ لا كما سلكه الشيخ «(قدس سره)» من جعل الورود بمعنى العلم و الوصول؛ بل باستصحاب عدم الصدور، ليكون صغرى لقوله «(عليه السلام)» «كل شي‏ء مطلق» أي:

مباح ظاهرا و هو المطلوب.

(5) هذا جواب الإشكال و حاصله: أن الاستدلال على البراءة بهذا الحديث- بعد ضم استصحاب عدم الورود إليه- و إن كان تاما، إلا إن الحكم بإباحة مجهول الحرمة

165

بضميمتها (1)، و يحكم بإباحة مجهول الحرمة و إطلاقه؛ إلا إنه (2) لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا؛ بل بعنوان أنه (3) مما لم يرد عنه النهي واقعا (4).

لا يقال (5):

____________

حينئذ يكون بعنوان ما لم يرد فيه نهي؛ لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا كما هو مورد البحث، و الفرق بين العنوانين واضح فإن ما شك في حرمته يكون- بلحاظ أصالة عدم ورود النهي عنه- بمنزلة ما علم عدم ورود النهي عنه، فالحكم بإباحة مجهول الحرمة حينئذ يكون لأجل العلم بعدم حرمته.

و هذا خلاف ما يقصده المستدل من الحكم بإباحته لأجل كونه مجهول الحكم، بمعنى: دخل الجهل بالحكم الواقعي في موضوع الحكم بالإباحة؛ لأن موضوع أصالة البراءة هو ذلك، يعني: الشك في الحكم لا لأجل العلم بعدم حرمته و لو بالبناء على عدم ثبوت حكم في الواقع.

و بعبارة أخرى- كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 285»-: المطلوب هو الحكم بإباحة مجهول الحرمة لعدم العلم بحرمته، لا للعلم بعدم حرمته و لو تعبدا؛ لأن مقتضى الاستصحاب هو الثاني.

و عليه: فاستصحاب عدم ورود النهي لا يثبت حكم المشكوك فيه الذي هو المقصود.

(1) أي: بضميمة أصالة العدم و ضمير «إطلاقه» راجع على «مجهول» و «إطلاقه» عطف تفسير لقوله: «إباحة».

(2) أي: إلا إن الحكم بالإباحة ليس بعنوان مجهول الحرمة كما هو المطلوب في البراءة، و إنما هو بعنوان ما يعلم عدم ورود النهي عنه.

(3) أي: أن مجهول الحرمة «مما لم يرد عنه النهي»، و ضمير «عنه» راجع على الموصول المراد به مجهول الحرمة.

(4) يعني: و لو تعبّدا كما هو مقتضى إحراز عدم ورود النهي بالاستصحاب.

(5) لا يقال: إنه مهم الفقيه هو الحكم بالإطلاق و الإباحة، من دون فرق بين أن يكون مستندة الحديث وحده، أو بضميمة أصالة العدم. و هذا الإشكال ناظر إلى قوله:

«لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا»، بتقريب: أن عنوان «ما لم يرد فيه نهي» الثابت بالاستصحاب و إن كان مغايرا لعنوان «مجهول الحرمة، لكن لا تفاوت بينهما في الغرض و هو إثبات إباحة مجهول الحرمة كشرب التتن، فهذا الفعل مباح ظاهرا، سواء كان‏

166

نعم (1)؛ و لكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالإباحة في مجهول الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان.

فإنه يقال (2): حيث إنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلا،

____________

بعنوان عدم ورود النهي عنه واقعا و لو تعبدا كما هو مقتضى استصحاب عدم ورود النهي عنه، أم بعنوان كونه مجهول الحكم.

فالمتحصل: من قوله: «لا يقال» هو: صحة الاستدلال بهذا الحديث على البراءة و إن كان الحكم بالإباحة بعنوان ما لم يرد؛ لا بعنوان مجهول الحرمة.

(1) يعني: نسلم أن التفاوت بين العنوانين موجود؛ إذ هناك فرق من حيث السبب للإباحة؛ لكنه لا يوجب تفاوتا «فيما هو المهم من الحكم بالإباحة» و الإطلاق «في مجهول الحرمة كان» الحكم بالإباحة «بهذا العنوان» أي: بعنوان أنه مجهول الحكم إذا قلنا بدلالة الحديث، «أو بذلك العنوان» أي: عنوان أنه لم يرد عنه النهي واقعا المكشوف ذلك بأصالة العدم؛ إذا قلنا باحتياج الحديث إلى ضميمة أصالة العدم.

(2) أي: يقال في الجواب: إنه ليس الأمر على ما ذكرتم من عدم التفاوت؛ بل هناك تفاوت بأن الدليل- بناء على كونه مركبا من الحديث و أصالة العدم- أخص من الدليل- بناء على كونه الحديث فقط- إذ لو كان المعيار هو مجهول الحكم شمل الحكم بالإباحة ما طرأ إباحة و حرمة، و لم يعلم السابق منهما، و لو كان المعيار إجراء أصالة العدم لم تجر في هذا الفرض، فلا يحكم فيه بالإباحة.

و بعبارة واضحة: أنه إذا جعل الحكم بالإباحة لمشكوك الحكم بعنوان أنه «لم يرد فيه نهي» كان هذا الدليل أعني: الحديث المذكور أخص من المدعى؛ و ذلك لأن الحديث إذا دل على إباحة مشكوك الحكم بعنوان أنه مشكوك الحكم- بلا ضم استصحاب عدم الورود إليه- شمل جميع موارد الشك في الحكم حتى صورة فرض العلم الإجمالي بورود النهي عن ذلك الفعل المشكوك الحكم في زمان، و إباحته في زمان آخر؛ إذ المفروض: أن الفعل- فعلا- مجهول الحرمة، و الحديث دال على إباحته ظاهرا فيحكم بإباحته.

و هذا بخلاف ضم الاستصحاب المذكور إليه، فإن الاستدلال به يختص حينئذ بما إذا شك في ورود النهي عنه و أحرز عدم وروده بالاستصحاب، و لا يشمل ما إذا علم بورود نهي و إباحة معا في شي‏ء و اشتبه المتقدم منهما بالمتأخر.

وجه عدم الشمول: أن استصحاب عدم ورود النهي عنه- الذي هو جزء لموضوع‏

167

و لا يكاد يعم (1) ما إذا ورد النهي عنه في زمان و إباحة في آخر، و اشتبها من حيث التقدم و التأخر (2).

لا يقال: هذا (3) لو لا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

____________

الحديث المذكور حسب الفرض- لا يجري حينئذ؛ إذ المفروض: العلم بارتفاع إطلاق ذلك المشكوك الحكم بسبب العلم بورود النهي عنه، فليس مطلقا حتى تجري فيه أصالة البراءة، مع أنه لا إشكال في أنه من مجاريها.

و بالجملة: فلو قيد المشكوك الحكم بعنوان «ما لم يرد فيه نهي» لم يشمل هذا الحديث جميع موارد الشك في الحكم التي منها تعاقب الحالتين؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 287» مع تصرف منّا.

توضيح بعض العبارات:

ضمير «أنه» في قوله: «حيث إنه» راجع على الحكم بإباحة ما لم يرد فيه نهي، و الأولى تبديل «لاختص» ب «يختص»؛ لأنه «(قدس سره)» جعله جوابا ل «حيث» المتضمن لمعنى الشرط، و لم يعهد دخول اللام على جوابه.

(1) أي: لا يكاد يعم الحكم بالإباحة الذي جعل لعنوان «ما لم يرد فيه نهي»؛ لما إذا ورد النهي عنه في زمان ... الخ.

(2) كما في موارد تعاقب الحالتين.

(3) يعني: أن التفاوت المذكور بين العنوانين- و هو صيرورة الدليل أخص من المدعى- فيما إذا قيد المشكوك الحكم بعنوان «ما لم يرد فيه نهي» مسلم لو لم يثبت عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

كيف؟ و هو ثابت، حيث إن الأمة بين من يقول بالاحتياط في الشبهات التحريمية مطلقا- يعني: سواء كان الفرد المشتبه مما تجري فيه أصالة عدم ورود النهي عنه أم لا تجري فيه؛ كمورد تعاقب الحالتين- كالمحدثين، و بين من يقول بالبراءة فيها كذلك و هم المجتهدون، و لم يدع أحد التفصيل بين الأفراد المشتبهة بأن يقول بالبراءة فيما تجري فيه أصالة عدم ورود النهي و يقول بالاحتياط فيما لا تجري فيه كمورد التعاقب، و عليه:

فالتفاوت المذكور مرتفع.

و الحاصل: أن إشكال أخصية الحديث من المدعى يندفع بتعميم دلالته بعدم القول بالفصل في الحكم بالإباحة بين أفراد مشتبه الحكم، فما لا تجري فيه أصالة العدم يلحق بالموارد التي تجري فيها.

168

فإنه يقال (1): و إن لم يكن بينها (2) الفصل؛ إلا إنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل؛ لا الأصل فافهم.

____________

و بالجملة: فببركة عدم الفصل بين الموارد نلتزم بالبراءة في موارد تعاقب الحالتين أيضا؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 288».

(1) إشارة إلى الجواب عن السؤال المذكور.

(2) أي: و إن لم يكن بين أفراد ما اشتبهت حرمته فصل، إلا إنه ...

و حاصل الجواب: أن التلازم في الحكم بالإباحة بين أفراد ما اشتبهت حرمته و إن كان ثابتا؛ إلا إن المثبت لأحد المتلازمين لا يجب أن يكون مثبتا للملازم الآخر مطلقا، يعني: دليلا كان هذا المثبت أم أصلا، بل إنما يثبته إذا كان هذا المثبت دليلا، حيث إن الدليل يثبت اللوازم و الملزومات و الملازمات بخلاف الأصل، فإنه قاصر عن إثبات الملازم الآخر، مثلا: إذا قلنا بالملازمة بين الأمر بشي‏ء و النهي عن ضده، فإن ثبت الأمر بالدليل الاجتهادي- كالأمر بالصلاة الثابت بمثل قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ*- ثبت ملازمه و هو النهي عن ضد الصلاة كالاشتغال بالكتابة فيما إذا ضاق وقت الصلاة، و إن ثبت الأمر بالأصل العملي- كاستصحاب وجوب الصلاة لمن كان عليه فريضة و شك في الإتيان بها و الوقت باق- لم يثبت ملازمه المذكور؛ لعدم ثبوت اللوازم بالأصول العملية كما حرر في محله.

و كذا لو قلنا: بثبوت الملازمة بين حرمة العصير العنبي بعد الغليان و قبل ذهاب ثلثيه و بين نجاسته، فإن ثبت حرمته بالدليل ثبتت نجاسته أيضا، و إن ثبت بالأصل كاستصحاب عدم ذهاب ثلثيه لم تثبت نجاسته؛ لما تقدم. و هكذا.

ففي المقام: إن كان المثبت للإباحة فيما لم يرد فيه نهي هو الدليل فلا إشكال في ثبوت الفرد الآخر الملازم لما لم يرد فيه نهي أعني: مجهول الحرمة، و إن كان المثبت للإباحة هو الأصل- كما هو مفروض البحث؛ إذ المثبت للإباحة فيما لم يرد فيه نهي هو الاستصحاب- لم يثبت به الملازم أعني: الإباحة في مجهول الحرمة؛ لما قرر في محله من عدم حجية الأصل في اللوازم و الملازمات؛ إذ لم يقل أحد بحجية الأصل المثبت.

نعم؛ إذا فرض التلازم بين الأفراد في الحكم مطلقا و إن كان ظاهريا، فلا بأس به، و لعل مقصود مدعي الإجماع المركب ثبوت الملازمة بين الأفراد المشتبهة حتى في الحكم الظاهري؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 289».

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى: أن المثبت للحكم بالإباحة هو الدليل لا الأصل، نعم؛

169

الأصل ينقح الموضوع- و هو عدم الورود- ثم يشمله قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء مطلق»، و هو نظير إحراز عالمية زيد بالاستصحاب يندرج في قوله: «أكرم العلماء»، فإن الدال على وجوب الإكرام هو الدليل لا الاستصحاب.

أو إشارة إلى: أن مدعي الإجماع يريد به الإجماع على الحكم الظاهري، فكأنه يقول: كل من قال بالإباحة قال في الجميع، و كل من قال بالاحتياط قال في الجميع، فالقول بالإباحة في البعض و الاحتياط في البعض إيجاد قول ثالث و هو مخالف للإجماع المركب، فالإباحة الثابتة في اللازم إنما هو بنفس الإجماع لا بسبب كونه لازما حتى يقال: بأن الأصل لا يثبت لوازمه. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالروايات على البراءة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- تقريب الاستدلال بهذه الرواية مبني على أن يكون المراد من الورود المستفاد من «يرد»: إيصال التكليف إلى المكلف لا صدوره من الشارع، و من النهي: النهي الواقعي عن الشي‏ء بعنوانه الأولي، فيكون مفادها حينئذ: كل شي‏ء مطلق و مباح ما لم يصل فيه النهي عن الشارع، فيكون دلالة الرواية على البراءة أوضح من الكل، كما قال الشيخ «(قدس سره)».

و أورد المصنف على الاستدلال بهذه الرواية على البراءة بما حاصله: من أنه يحتمل أن يكون المراد من الورود الذي جعل غاية للإطلاق هو: صدور الحكم من الشارع، و جعله لا وصوله إلى المكلف، فيكون مفاد الرواية: أن كل شي‏ء لم يصدر فيه نهي و لم تجعل فيه الحرمة فهو مطلق، و هذا خارج عن محل الكلام أصلا.

2- قوله: «لا يقال: نعم» تصحيح للاستدلال بالحديث على البراءة، حتى مع صدق الورود على الصدور؛ و ذلك لإمكان إحراز عدم الصدور من الشارع بالاستصحاب، فإن النهي من الحوادث المسبوقة بالعدم، فيجري فيه استصحاب عدمه، فينقح به عدم صدور النهي من الشارع، فيشمله الحديث.

3- و حاصل الجواب عن هذا التصحيح: أن الاستدلال على البراءة بهذا الحديث- بعد ضم الأصل المذكور- و إن كان تاما إلا إن الحكم بالإباحة حينئذ يكون بعنوان «ما

170

لم يرد فيه نهي»، و هذا خارج عن محل البحث؛ لأن محل الكلام هو الحكم بالإباحة بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا؛ إذ الحكم بالإباحة بعنوان عدم ورود النهي بمنزلة العلم بعدم النهي و الحرمة، و هذا خلاف ما يقصده المستدل من الحكم بالإباحة لأجل كونه مجهول الحرمة.

و كيف كان؛ فالمطلوب هو الحكم بإباحة مجهول الحرمة؛ لعدم العلم بحرمته لا للعلم بعدم حرمته.

4- توهم عدم الفرق فيما هو المهم من الحكم بالإباحة، سواء كان مستنده الحديث وحده، أو بضميمة أصالة العدم، بتقريب: أن عنوان «ما لم يرد فيه نهي» الثابت بالاستصحاب و إن كان مغايرا لعنوان «مجهول الحرمة» لكن لا تفاوت بينهما في الغرض، و هو إثبات إباحة مجهول الحرمة، فيصح الاستدلال بالحديث على البراءة؛ و إن كان الحكم بالإباحة بعنوان عدم ورود النهي لا بعنوان مجهول الحرمة؛ مدفوع:

بالتفاوت بين العنوانين و الأمرين.

و حاصل التفاوت: أن الدليل بناء على كونه مركبا من الحديث و الأصل- أخص من المدعى بخلاف كون الدليل هو الحديث فقط؛ إذ الأول لا يجري في مورد تعاقب الحالتين.

و الثاني: يجري في جميع الموارد أي: موارد الشك.

5- توهم: أن كون الدليل أخص من المدعى في محله إذا لم يثبت عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته؟ كيف؟ و هو ثابت حيث إن الأمة بين من يقول بالاحتياط في الشبهات التحريمية مطلقا، يعني: سواء كان الفرد المشتبه مما تجري فيه أصالة عدم ورود النهي عنه أم لا تجري فيه؛ كمورد تعاقب الحالتين كالأخباريين. و بين من يقول بالبراءة فيها كذلك كالأصوليين.

و عليه: فالتفاوت المذكور مرتفع؛ مدفوع: بأن التلازم في الحكم بالإباحة بين أفراد ما اشتبهت حرمته و إن كان ثابتا؛ إلا إن المثبت لأحد المتلازمين لا يجب أن يكون مثبتا للملازم الآخر مطلقا يعني: دليلا كان أو أصلا؛ بل إنما يثبته ما إذا كان هذا المثبت دليلا، حيث أن الدليل يثبت اللوازم، بخلاف الأصل فإنه قاصر عن إثبات الملازم الآخر.

ففي المقام على فرض ضميمة الأصل المثبت للإباحة في «ما لم يرد فيه نهي» المثبت‏

171

و أما الإجماع (1): فقد نقل على البراءة؛ إلا إنه موهون، و لو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل، و من واضح النقل عليه دليل، بعيد جدا.

____________

هو هذا الأصل، فلم يثبت الملازم الآخر أعني الإباحة في مجهول الحرمة؛ لعدم حجية الأصل المثبت.

«فافهم» لعله إشارة إلى أن المثبت للحكم بالإباحة هو الدليل لا الأصل، نعم؛ الأصل ينقح به الموضوع- و هو عدم ورود النهي- ثم يشمله قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء مطلق».

6- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو عدم تمامية دلالة هذه الرواية على البراءة.

الاستدلال بالإجماع على البراءة

(1) هذا إشارة إلى ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في الاستدلال على البراءة بالإجماع، فينبغي نقل كلام الشيخ في تقرير الإجماع حتى يتضح ما أورده المصنف عليه.

فقد ذكر الشيخ «(قدس سره)» لتقريره وجهين:

«الأول: دعوى إجماع العلماء كلهم من المجتهدين و الأخباريين على أن الحكم- فيما لم يرد فيه دليل عقلي أو نقلي على تحريمه من حيث هو، و لا على تحريمه من حيث إنه مجهول- هو البراءة و عدم العقاب على الفعل». «دروس في الرسائل، ج 2، ص 287».

و ملخص تقرير هذا القسم الأول من الإجماع هو: أن حكم المشتبه و ما لم يعلم حكمه الواقعي هو البراءة باتفاق المجتهدين و الأخباريين، و يكون هذا الاتفاق منهم على فرض عدم دليل من العقل أو النقل على التحريم، فيكون الإجماع المزبور فرضيا و تعليقيا، و لا ينفع إلا بعد إثبات عدم تمامية ما سيأتي من الدليل العقلي و النقلي على وجوب الاحتياط من جانب الأخباريين، و لو تم دليل الاحتياط كان حاكما على دليل البراءة، كما يكون حاكما على حكم العقل الآتي على البراءة، حيث يحكم بقبح العقاب بلا بيان؛ و لكن ما يدل على وجوب الاحتياط يكون بيانا للحكم الظاهري، فيكون حاكما أو واردا على حكم العقل، فيكون هذا الإجماع الفرضي نظير حكم العقل الآتي.

«الثاني: دعوى الإجماع على أن الحكم- فيما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو- هو عدم وجوب الاحتياط و جواز الارتكاب». و هذا القسم الثاني من الإجماع يكون إجماعا تنجيزيا، في مقابل القسم الأول الذي كان فرضيا و تعليقيا، و المراد منه هو

172

الإجماع المحصل. ثم شرع في بيان تحصيل هذا الإجماع قولا و عملا، حيث قال:

«و تحصيل الإجماع بهذا النحو من وجوه».

قوله: «فإن تحصيله» تعليل لقوله: «موهون».

و مجمل تلك الوجوه أمور تالية:

1- «ملاحظة فتاوى العلماء من المحدثين و المجتهدين ...» الخ.

2- «الإجماعات المنقولة على البراءة ...» الخ.

3- «الإجماع العملي الكاشف عن رضا المعصوم «(عليه السلام)» بجواز ارتكاب المشتبه من حيث هو».

4- «سيرة أهل الشرائع كافة على البراءة في مشتبه الحكم ...» الخ.

5- «سيرة كافة العقلاء على قبح مؤاخذة الجاهل ...» الخ.

هذا تمام الكلام في نقل مورد الحاجة من كلام الشيخ «(قدس سره)».

ثم إن مقصود المصنف من الإجماع هو القسم الثاني؛ إذ القسم الأول لم يتحقق بعد وجود الدليل على لزوم الاحتياط و التوقف عند الشبهات حسب دعوى الأخباريين لذلك.

و أما القسم الثاني- و هو الإجماع المنجز- فهو و إن كان محصلا في نظر الشيخ «(قدس سره)»؛ إلا إنه عند المصنف منقول؛ إذ العمدة من وجوه تحصيله هو الوجه الثاني من الوجوه الخمسة أعني: الإجماعات المنقولة المحققة، و هي مهما بلغت كثرة لا يحصل منها إجماع محصل كي يستند به في المقام في عرض الاستدلال بالكتاب و السنة.

و أما ما أورده المصنف على هذا الوجه من الإجماع فهو وجهان:

الأول ما أشار إليه بقوله: «إنه موهون»؛ إذ مع مخالفة الأخباريين لا يتحقق الإجماع من الكل؛ إذ هم من العلماء الأجلاء.

الثاني: ما أشار إليه بقوله: «و لو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة».

و حاصل هذا الوجه: أنه لو سلم تحقق الإجماع المنقول في المقام فهو غير معتبر؛ لأنه على القول باعتباره إنما يعتبر في الجملة يعني: فيما إذا لم يحتمل كونه مدركيا، و في المقام حيث يحتمل كونه كذلك؛ لاحتمال استناد المجمعين إلى ما ذكر فيه من الأدلة العقلية و النقلية، فلا يكون هذا الإجماع حجة؛ لعدم كونه حينئذ كاشفا عن قول المعصوم «(عليه السلام)».

173

و أما العقل (1): فإنه قد استقل بقبح العقوبة و المؤاخذة على مخالفة التكليف‏

____________

و خلاصة البحث: أن الإجماع التقديري و المعلق غير مفيد، و الإجماع المنجز و المحصل غير ثابت؛ إذ الفرض في الأول: عدم تحقق الإجماع. و في الثاني: عدم حجيته.

و المتحصل: أنه لو قال المستدل: أجمع العلماء على أن الأصل في الأحكام التي لم تصل إلينا لا بنفسها و لا بطريقها- كالأمر بالاحتياط- هو البراءة، فالكبرى مسلمة؛ و لكن الصغرى غير محققة عند الجميع، أعني: الأخباريين، فهم يدعون أن الأحكام المجهولة واصلة إلينا بطريقها، أعني: الروايات الدالة على الاحتياط و التوقف.

و لو قال المستدل: أجمع العلماء على أن الأصل في الأحكام الواقعية المجهولة بنفسها هو البراءة أو الإباحة و الترخيص، فالصغرى محققة لأن هناك أحكاما واقعية غير واصلة؛ و لكن الكبرى غير مسلمة؛ لمخالفة الأخباريين في ذلك بأن الأصل في ذاك المقام هو الاحتياط.

رأي المصنف «(قدس سره)»: هو عدم صحة الاستدلال بالإجماع على البراءة.

الاستدلال بالعقل على البراءة

(1) بعد أن فرغ المصنف من الاستدلال على البراءة بالنقل كتابا و سنة و إجماعا، شرع في الاستدلال عليها بالعقل.

و تحقيق الحال في الاستدلال بالعقل على البراءة يقتضي التكلم في جهتين:

الجهة الأولى: في تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان في نفسها أولا. و تقريب الاستدلال بها على البراءة بعد فرض تماميتها ثانيا.

الجهة الثانية: في ملاحظتها مع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

و أما الجهة الأولى: فلا شك في تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان على القول بالتحسين و التقبيح العقليين كما عليه العدلية.

و أما على قول الأشاعرة الذين لا يقولون بهما: فلا تتم هذه القاعدة؛ إذ لا قبح حتى يحكم به العقل. فهي تامة في نفسها على ما هو الحق من مذهب العدلية.

و أما تقريب الاستدلال بهذه القاعدة على البراءة فيتوقف على مقدمة، و هي: أن المراد من البيان الذي يكون عدمه موضوعا لحكم العقل بقبح العقاب ليس هو البيان الواصل بنفسه؛ بل هو البيان الذي يمكن الوصول إليه و لو بالفحص عنه، فإن مجرد عدم البيان الواصل بنفسه مع احتمال وجود البيان الذي لو تفحص عنه لظفر عليه مما لا يكفي في‏

174

المجهول، بعد الفحص و اليأس عن الظفر بما كان حجة عليه، فإنهما (1) بدونها عقاب بلا بيان، و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان بشهادة الوجدان.

____________

حكم العقل بقبح العقاب؛ بل إذا تفحص عنه و لم يكن هناك بيان فعند ذلك يستقل العقل بقبح العقاب و إن احتمل وجود بيان في الواقع لا يمكن الوصول إليه و لو بالفحص.

و الوجه في ذلك: التكليف بوجوده الواقعي لا يكون محركا للعبد لا بعثا و لا زجرا.

بل الانبعاث نحو الفعل و الانزجار عنه إنما هما من آثار التكليف الواصل المنجز و هو مدار الإطاعة و المعصية.

إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد فحصه موارد وجود التكليف فحصا كاملا، و عدم وجدانه دليلا عليه، فيكون- حينئذ- معذورا عند العقل في عدم امتثال التكليف المجهول؛ لأن فوت التكليف- حينئذ- مستند إلى عدم البيان الواصل إليه من المولى؛ لا إلى تقصير من العبد.

و لا فرق في استقلال العقل بقبح العقاب هنا بين عدم البيان أصلا و بين عدم وصوله إلى العبد و اختفائه عليه بعد الفحص عنه في مظانه بقدر وسعه.

و بالجملة: فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تامة بلا شبهة و إشكال.

(1) أي: فإن العقوبة و المؤاخذة بدون الحجة عقاب بلا بيان. و ضمير «عليه» راجع على التكليف المجهول. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

و أما الجهة الثانية: فالمشهور بينهم- كما ذكره «(قدس سره)»-: أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل؛ إذ مع حكم العقل بقبح العقاب مع عدم وصول التكليف إلى العبد لا يبقى احتمال الضرر كي يجب دفعه بحكم العقل. هذا ما أشار إليه بقوله: «أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة ...» الخ.

و أشكل عليه بإمكان العكس؛ بأن تكون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل رافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها، و هو عدم البيان. هذا ما أشار إلى دفعه المصنف بقوله: «و لا يخفى أنه مع استقلاله بذلك»، أي: بقبح العقاب بلا بيان؛ «لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته» أي: مخالفة التكليف المجهول؛ بل المؤاخذة تكون معلومة العدم، و الضرر معلوم الانتفاء.

فمقصود المصنف «(قدس سره)» من هذا الكلام: هو دفع إشكال العكس.

175

و لا يخفى: أنه مع استقلاله بذلك لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته، فلا

____________

و التحقيق في الجواب عن الإشكال يقتضي التكلم في مقامين:

المقام الأول: هو تقريب الإشكال.

المقام الثاني: توضيح الجواب.

و أما المقام الأول:- أعني: تقريب الإشكال فيتوقف على مقدمة و هي: أن في المقام قاعدتين عقليتين:

الأولى: هي قبح العقاب بلا بيان.

الثانية: هي وجوب دفع الضرر المحتمل.

و القاعدة الأولى: و إن كانت من المستقلات العقلية كما تقدم؛ إلا إن المقام- و هو الشبهة بعد الفحص- يكون صغرى للقاعدة الثانية، و ذلك لوجود احتمال الضرر الناشئ عن احتمال الحرمة.

فالقاعدة الثانية:- و هي وجوب دفع الضرر المحتمل- تصلح للبيانية، لأن المراد بالبيان الرافع لموضوع القاعدة الأولى ليس خصوص الطريق الشرعي على الواقع كخبر الواحد؛ بل المراد به كان كل ما يكون صالحا لتنجيز الخطاب، و رافعا لقبح المؤاخذة على مخالفة التكليف أعم من الواقعي و الظاهري و الشرعي و العقلي، و بهذا المعنى العام تكون القاعدة وجوب الدفع بيانا يرتفع به موضوع قاعدة القبح.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل تكفي أن تكون بيانا لوجوب الاحتياط في محتمل الحرمة، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها، فلا يمكن الاستدلال بها على البراءة. هذا تمام الكلام في المقام الأول، أعني:

تقريب الإشكال.

و أما المقام الثاني:- و هو توضيح الجواب- فيتوقف أيضا على مقدمة و هي: أن الضرر المحتمل الذي يجب دفعه بحكم العقل إما أن يراد به الضرر الأخروي أعني: العقاب، أو الضرر الدنيوي.

إذا عرفت هذه المقدمة القصيرة فاعلم: أن قاعدة وجوب الدفع غير ثابتة في المقام؛ إذ هي مركبة من صغرى و هي احتمال الضرر- و كبرى و هي وجوب دفع الضرر المحتمل، فإذا كان المراد من الضرر المحتمل الضرر الأخروي: فلا صغرى لها، و إذا كان المراد منه الضرر الدنيوي: فلا كبرى لها؛ لأن الضرر الأخروي معلوم الانتفاء بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان. هذا معنى انتفاء الصغرى.

176

يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل؛ كي يتوهم أنها (1) بيانا، كما أنه مع احتماله لا حاجة (2) إلى القاعدة؛ بل في صورة المصادفة استحق (3) العقوبة على المخالفة؛ و لو (4) قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل.

____________

و أما إذا كان المراد بالضرر الضرر الدنيوي: فلا يجب دفعه عقلا حتى تثبت كبرى القاعدة المذكورة. هذا معنى انتفاء الكبرى.

هذا خلاصة الكلام في المقام. و هناك بحوث طويلة خارجة عما هو المقصود، أضربنا عنها رعاية للاختصار المطلوب في هذا الشرح.

فالمتحصل: أن هاتين القاعدتين لهما موردان و لا ترتبط إحداهما بالأخرى، فإن جرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان لم يبق مورد لقاعدة دفع الضرر المحتمل؛ إذ لا احتمال للضرر حينئذ، و إن لم تجر قاعدة القبح يلزم عقلا اجتناب الضرر المحتمل- و إن قلنا: بأنه لا دليل لوجوب دفع الضرر المحتمل- و ذلك لأنه لو صادف العمل الواقع المعاقب عليه حسن العقاب، و لا مانع عنه؛ لأن المفروض: عدم قبح العقاب، فالعقل يلزم باجتناب المحتمل لئلا يصادف الواقع فيعاقب. هذا ما أشار إليه بقوله: «بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة، و لو قيل بعدم وجوب الضرر المحتمل».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «هاهنا» أي: في الشبهة البدوية بعد الفحص؛ إذ لا احتمال للعقوبة كما عرفت.

(1) أي: قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل. و ضمير «احتماله» راجع على الضرر المراد به العقوبة.

(2) وجه عدم الحاجة: أن استحقاق المؤاخذة عند احتمال الحكم ثابت لا محتمل حتى يحتاج في دفعه إلى التمسك بقاعدة الدفع؛ إذ المفروض: استقلال العقل بصحة المؤاخذة على المجهول، و عدم استقلاله بتوقفها على البيان، فإذا احتمل أن التكليف الواقعي في شرب التتن مثلا هو الحرمة لزم الاجتناب عنه؛ لتنجز الواقع بنفس الاحتمال مع عدم مؤمّن لارتكابه، فإن تنجز الواقع يصحح العقوبة حتى إذا لم نقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فتصح المؤاخذة في صورة الإصابة لوجود المنجز؛ بل في صورة المخالفة أيضا بناء على ما هو الحق من استحقاق المتجري للعقوبة.

(3) الأولى أن يقال: «يستحق العقوبة».

(4) كلمة «لو» وصلية، و قيد لقوله: «استحق»، يعني: إذا احتمل الضرر الأخروي في شرب مائع خاص فشربه، و كان حراما واقعا، فإنه يستحق العقوبة على مخالفة هذا

177

و أما (1) ضرر غير العقوبة: فهو و إن كان محتملا؛ إلا إن المتيقن منه فضلا عن محتمله ليس بواجب الدفع (2) شرعا و لا عقلا، ضرورة (3): عدم القبح في تحمل‏

____________

التكليف الإلزامي أعني الحرمة؛ حتى إذا لم نقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإن وجوب دفعه- بحكم العقل- إرشاد إلى عدم الوقوع في مخالفة الحكم الواقعي، و ليس وجوبا مولويا، و من المعلوم: أن ذلك الضرر يترتب على الفعل لو فرض حرمته واقعا؛ كترتب الضرر الدنيوي على شرب ذلك المائع، سواء قلنا: بوجوب دفع الضرر المحتمل أم لم نقل به.

(1) عطف على قوله: «لا احتمال لضرر العقوبة»، يعني: و أما إذا أريد بالضرر الضرر الدنيوي دون العقوبة الأخروية، فهو و إن كان محتملا عند ارتكاب الشبهة التحريمية، و لا يرتفع احتماله بقبح العقاب بلا بيان؛ لكنه لا يجب دفعه.

و قد أجاب المصنف عن توهم وجوب دفعه بوجهين، أشار إلى أولهما بقوله: «إلا إن المتيقن ...» الخ.

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 315»- أن ما لا يكون ترتبه على التكليف مشروطا بتنجز التكليف و وصوله إلى المكلف، بل يترتب على وجود الحكم واقعا و لو لم يصل إليه، لا ينفك احتمال التكليف التحريمي عن احتمال الضرر، و هذا الضرر و إن لم يمكن التخلص عنه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لكونه أجنبيا عنها بعد فرض الضرر أمرا غير العقوبة الأخروية، لكن لا مجال أيضا للتثبت بقاعدة وجوب الدفع لإثبات لزوم الاجتناب عنه؛ و ذلك لأن شمول الكبرى- و هي وجوب دفع الضرر- للضرر الدنيوي المحتمل ممنوع؛ بل لا دليل على لزوم التحرز عن الضرر الدنيوي المعلوم فضلا عن محتمله؛ إذ لا قبح عقلا في تحمل بعض المضار الدنيوية لبعض الدواعي العقلائية، فإن العقلاء مع علمهم بالضرر يصرفون الأموال و يتحملون المشاق لأجل تحصيل العلم أو كسب المال بالتجارة، و ليست الغاية معلومة الحصول لهم؛ بل ربما لا تكون مظنونة أيضا.

و أما احتمال الضرر: فلا ينفك عن كثير من أفعالهم، و هم لا يعتنون به أصلا و أما تحمل الضرر المعلوم أو المحتمل شرعا: فلا منع فيه، بل قد يستحب في بعض الموارد، و قد يجب في موارد أخرى.

(2) كما حكى اعتراف الخصم به، و ضميرا «منه، محتمله» راجعان على الضرر غير العقوبة.

(3) تعليل لعدم وجوب دفع الضرر الدنيوي عقلا. و ضمير «جوازه» راجع على‏

178

بعض المضار ببعض الدواعي عقلا و جوازه شرعا.

مع أن (1) احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرة؛ و إن كان ملازما

____________

«تحمل بعض المضار» كبذل المال لتحصيل الاعتبار و نحوه. هذا بحسب حكم العقل.

و أما شرعا: فكجواز إتلاف النفس لإقامة الدين و شعائره، و جواز بذل المال للطهارة و الساتر في الصلاة.

(1) هذا هو الوجه الثاني من الجواب.

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 316»- أن الأحكام الشرعية و إن كانت تابعة للملاكات النفس الأمرية من المصالح و المفاسد الكامنة في أفعال المكلفين، و من المعلوم: عدم إناطة ترتبها عليها بالعلم بالأحكام؛ للملازمة بين التكليف و ملاكه مطلقا، علم به أم لا.

فاحتمال التكليف الوجوبي أو التحريمي ملازم لاحتمال المصلحة أو المفسدة؛ إلا إنه لا كبرى لوجوب دفع الضرر المحتمل في المقام، أعني: الضرر غير العقوبة؛ لتوقف الملازمة- بين احتمال الوجوب أو الحرمة، و بين وجوب دفع الضرر المحتمل غير العقوبة- على تبعية الحكم الشرعي للمصلحة أو المفسدة، بمعنى: النفع أو الضرر الدنيويين، و هذه التبعية غير ثابتة، إنما الثابت تبعيته للمصالح و المفاسد الواقعية التي هي العلل للأحكام الشرعية، و هي التي توجب حسن الفعل أو قبحه، و لا ربط لها بالمنافع و المضار العائدتين إلى المكلف، يعني: أن المصالح و المفاسد الواقعية إنما توجبان حسن الفعل أو قبحه، من دون لزوم ضرر على فاعله أو نفع عائد إليه.

و بالجملة: فاحتمال الحرمة و إن كان ملازما لاحتمال المفسدة لكنه لا يلازم الضرر بالفاعل حتى يكون موردا لقاعدة وجوب الدفع، و يجب ترك محتمل الحرمة تحرزا عن الضرر؛ بل ربما كان ترك الحرام تحرزا عن المفسدة مستلزما للضرر على التارك؛ كما في ترك البيع الربوي تحرزا عن مفسدته، فإنه موجب لذهاب المنفعة المالية على المتحرز. كما أن احتمال الوجوب و إن كان ملازما لاحتمال المصلحة؛ لكنه لا يلازم المنفعة حتى يجب فعل محتمل الوجوب استيفاء للمنفعة المالية؛ بل ربما كان فعل الواجب استيفاء للمصلحة موجبا للضرر على الفاعل كما في أداء الزكاة استيفاء لمصلحتها، فإن فيه ضررا ماليا على الدافع بناء على كونه مالكا لتمام المال الزكوي، و خروج حصة الفقراء من ملكه، لا مالكا لما عدا مقدار الزكاة؛ و إلا لم يكن دفعه ضررا عليه كما هو واضح، و عليه: فاحتمال الحرمة بالنسبة إلى الضرر الدنيوي غير واجب الدفع، فلا تتم كبرى‏

179

لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة، لوضوح: أن المصالح و المفاسد و التي تكون مناطات الأحكام (1)، و قد استقل العقل بحسن الأفعال التي تكون ذات المصالح، و قبح ما كان ذات المفاسد ليست (2) براجعة إلى المنافع و المضار، و كثيرا ما يكون (3) محتمل التكليف مأمون الضرر.

____________

قاعدة وجوب الدفع حتى يجب الاجتناب عن كل محتمل الحرمة.

قوله: «لوضوح ...» الخ تعليل لقوله: «لا يلازم احتمال المضرة».

(1) يعني: بناء على مذهب العدلية القائلين بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

(2) خبر «أن المصالح» يعني: أن المصالح و المفاسد الكامنة في أفعال المكلفين ليستا دائما من المنافع و المضار القائمة بالأفعال حتى يجب امتثال محتمل التكليف استيفاء للمنفعة أو دفعا للضرر؛ بل قد تكون منها و قد لا تكون، و ذلك لأن المصلحة عبارة عن خصوصيات موجودة في الأشياء تحسنها و توجب محبوبيتها تكوينا أو تشريعا، و المفسدة عبارة عن خصوصيات موجودة في الأشياء تقبحها، و توجب كراهتها تكوينا أو تشريعا، و النفع ما يتوصل به الإنسان إلى مطلوبه و الوصول إلى المطلوب خير، فالنفع هو الخير و الضرر ضده، و النسبة بين المصلحة و المنفعة عموم من وجه؛ لاجتماعهما في الصوم النافع للبدن، و افتراق المصلحة عن المنفعة في أداء الزكاة و الخمس مثلا؛ إذ فيه المصلحة دون المنفعة، و افتراق المنفعة عن المصلحة في الربا مثلا إذ فيه المنفعة دون المصلحة.

و كذا بين المفسدة و الضرر؛ لاجتماعهما في شرب المسكر المضر بالبدن و افتراق المفسدة عن الضرر في غصب المال أو الحق؛ إذ فيه المفسدة دون الضرر و افتراق الضرر عن المفسدة في دفع مثل الزكاة و الخمس؛ إذ فيه الضرر دون المفسدة كما هو واضح.

و بالجملة: فاحتمال التكليف التحريمي و إن كان ملازما لاحتمال المفسدة؛ لكنه لا يلازم احتمال الضرر حتى يكون موردا لقاعدة وجوب الدفع و يجب الاجتناب عنه؛ بل كثيرا ما يكون محتمل الحرمة مأمون الضرر.

(3) غرضه: تثبيت ما تقدم من أن احتمال التكليف التحريمي لا يلازم احتمال الضرر حتى يكون من موارد القاعدة، يعني: أن هناك موارد كثيرة جدا يحتمل فيها التكليف التحريمي، مع العلم بانتفاء الضرر الدنيوي؛ بل قد يعلم بالحرمة و يعلم بعدم الضرر كما في كثير من المحرمات كالزنا و النظر إلى الأجنبية- بناء على عدم كون الحد و التعزير ضررا دنيويا-

و كيف كان؛ فمع العلم بعدم الضرر حتى مع العلم بالحرمة في كثير من الموارد كيف‏

180

نعم (1)؛ ربما تكون المنفعة أو المضرة مناطا للحكم شرعا و عقلا.

إن قلت (2): نعم؛ و لكن العقل يستقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته،

____________

يمكن دعوى أن احتمال الحرمة يجب دفعه؛ لأنه يلازم الضرر، و دفع الضرر المحتمل واجب.

(1) استدراك على قوله: «ليست براجعة على المنافع و المضار»، يعني: أنه قد يتفق كون مناط حكم العقل أو الشرع هو النفع أو الضرر الموجود في الفعل؛ لكن ذلك قاصر عن إثبات الملازمة؛ لما عرفت من عدم كونهما غالبا مناطين للحكم حتى يكون احتمال الحرمة مساوقا لاحتمال المفسدة، فالملاك في خيار الغبن و وجوب التيمم مع خوف الضرر باستعمال الماء هو الضرر لئلا يتضرر المغبون و المتطهر، و لكن لا سبيل إلى إحراز الملاك في كثير من الأحكام حتى يلازم احتمال الحرمة احتمال الضرر الدنيوي كي يجب دفعه.

و قد تحصل من جميع ما ذكر حول قاعدة وجوب الدفع: أن المراد بالضرر إن كان هو العقاب: فلا موضوع للقاعدة في الشبهة الحكمية البدوية بعد الفحص؛ لانتفاء العقاب قطعا بقاعدة القبح، و إن كان غير العقوبة الأخروية: فلا يجب دفعه بعد ثبوت جوازه لبعض الأغراض العقلائية، سواء أريد به الضرر الدنيوي أم المفسدة؛ كما عرفت تفصيله.

و بالجملة: لا مجال للقاعدة في الشبهات الحكمية؛ إما لانتفاء الصغرى أو الكبرى.

(2) غرض المستشكل: هو تقديم قاعدة أخرى- غير وجوب دفع الضرر المحتمل- على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هي حكم العقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته كقبحه على ما علم مفسدته.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن احتمال التكليف التحريمي و إن لم يستلزم احتمال العقاب الأخروي و لا الضرر الدنيوي؛ إلا إنه بناء على مذهب العدلية من كون الأحكام تابعة للملاكات، لا ينفك احتمال الحرمة عن احتمال المفسدة- و لو النوعية منها- و ذلك لفرض التلازم بين المحتملين- و هما الحرمة و المفسدة-

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن احتمال الحرمة ملازم لاحتمال المفسدة؛ فالإقدام على محتمل الحرمة إقدام على المفسدة المحتملة، فيقال: قبح الإقدام على المفسدة المحتملة كقبح الإقدام على المفسدة المعلومة، فيؤلف القياس و يقال: احتمال الحرمة ملازم لاحتمال المفسدة، و احتمال المفسدة كالعلم بها يجب دفعه، فاحتمال الحرمة يجب‏

181

و أنه (1) كالإقدام على ما علم مفسدته؛ كما استدل به شيخ الطائفة «(قدس سره)» على أن الأشياء على الحظر أو الوقف‏

(*)

.

قلت: استقلاله بذلك (2) ممنوع، و السند شهادة الوجدان و مراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل و الأديان، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته، و لا يعاملون معه (3) ما علم مفسدته.

____________

دفعه، فتكون هذه الكبرى بيانا للمشكوك و صالحة لرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

فالمتحصل: نعم احتمال الوجوب لا يلازم احتمال المنفعة، و احتمال الحرمة لا يلازم احتمال المضرة و لا العقاب الأخروي؛ «و لكن العقل يستقل بقبح الإقدام ...» الخ. و هذا المقدار كاف في حكم العقل بلزوم الاجتناب عن محتمل الحرمة الملازم لاحتمال المفسدة، فإن المفسدة المحتملة مما لا يجوز الإقدام عليها، كما لا يجوز الإقدام على المفسدة المعلومة.

(1) عطف على «قبح»، و ضميره راجع على الإقدام، أي: و بأن الإقدام على «ما لا تؤمن مفسدته كالإقدام على ما علم مفسدته» في القبح عقلا.

(2) أي: استقلال العقل بقبح الإقدام على محتمل المفسدة، و أنه كالإقدام على معلوم المفسدة ممنوع. هذا جواب عن الإشكال المذكور.

و حاصل الجواب: أن ما ذكر من الحكم العقلي ممنوع لشهادة الوجدان، و جريان عادة العقلاء على عدم التحرز عن محتمل المفسدة، و لزوم التحرز عن معلومها، فإنهم يركبون أمواج البحار و يقتحمون أهوال البراري و القفار للتجارة و غيرها، مع احتمال الغرق و غيره من الأخطار؛ لا مع العلم به.

هذا مضافا إلى إذن الشارع في الإقدام على المفسدة المحتملة في الشبهات الموضوعية، بمثل قوله «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»، فلو كان الإذن في الإقدام عليها قبيحا كقبح الإقدام على المفسدة المعلومة لم يأذن فيه؛ لأن الإذن في الإقدام على القبيح قبيح، و يمتنع صدور القبيح عن الحكيم تعالى.

فصدور الإذن فيه منه تعالى يشهد بعدم قبحه، فلا أصل للقاعدة المذكورة.

(3) أي: مع ما لا تؤمن مفسدته.

____________

(*) عدة الأصول 2: 750.

182

كيف (1)؟ و قد أذن الشارع بالإقدام عليه، و لا يكاد يأذن بارتكاب القبيح، فتأمل (2).

____________

(1) يعني: كيف يكون الإقدام على محتمل المفسدة قبيحا؟ و الحال أن الشارع قد أذن في الإقدام عليه، مع قضاء الضرورة بامتناع صدور الإذن في ارتكاب القبيح منه.

(2) لعله إشارة إلى أن إذن الشارع في ارتكاب محتمل المفسدة لا يكون شاهدا على عدم قبحه ارتكابه؛ إذ من الممكن إذنه في ارتكاب محتمل المفسدة مع بقائه على قبحه، غاية الأمر: أن إذنه فيه سبب لتدارك قبحه و لو بالمصلحة التسهيلية، أو كاشف عن وجود المزاحم الأهم أو المساوي، أو إشارة إلى تفريق العقلاء بين المفاسد المحتملة، ففي بعضها لا يجيزونها و لا يقدمون عليها؛ لأن المفسدة المحتملة كبيرة. هذا بخلاف المفاسد الجزئية.

أو إشارة إلى: أن التخلص بإذن الشارع في الشبهة الموضوعية عن قبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته يخرجنا عن التمسك بالدليل العقلي على البراءة، و يحوجنا في الجواب عن تلك القاعدة إلى الترخيص الشرعي.

هذا تمام الكلام في الأدلة الأربعة التي أقيمت على جريان البراءة في الشبهة البدوية- وجوبية كانت أم تحريمية، موضوعية أم حكمية- من غير فرق في الشبهة الحكمية بين كون سبب الشبهة إجمال النص أو فقدانه أو تعارض النصين، كل ذلك لإطلاق أدلة البراءة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور تالية:

1- تقريب الاستدلال العقلي على البراءة يتوقف على مقدمة و هي:

أولا: أن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنما يكون دليلا على البراءة، بناء على ما هو مذهب العدلية من القول بالحسن و القبح العقليين.

و أما بناء على قول الأشاعرة الذين لا يقولون بهما: فلا يكون دليلا على البراءة؛ إذ لا قبح حتى يحكم به العقل.

و ثانيا: بأن يكون المراد من البيان الذي يكون عدمه موضوعا لحكم العقل بقبح العقاب هو البيان الواصل إلى المكلف؛ لا البيان الواقعي.

إذا عرفت هذه المقدمة فيتضح لك: حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد فحصه موارد وجود التكليف، و عدم وجدانه دليلا عليه، فيكون حينئذ

183

معذورا عند العقل في عدم امتثال التكليف المجهول؛ لأن فوت التكليف حينئذ مستند إلى عدم البيان من المولى؛ لا إلى تقصير من المكلف.

2- الإشكال على هذه القاعدة بقاعدة عقلية ثانية:- و هي وجوب دفع الضرر المحتمل- فيقال في تقريب الإشكال: بأن القاعدة الثانية تصلح للبيانية، فتكون واردة على القاعدة الأولى، فتسقط قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها.

و حاصل جواب المصنف عن هذا الإشكال: أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل؛ إذ بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان تنفي احتمال الضرر الأخروي، بمعنى العقاب، فلا يبقى موضوع لقاعدة دفع الضرر المحتمل؛ إذ ليس هناك احتمال الضرر الأخروي أصلا.

و أما الضرر الدنيوي و إن كان محتملا؛ إلا إنه مما لا يجب دفعه لا عقلا و لا شرعا.

3- الإشكال بأن هناك قاعدة ثالثة:- و هي حكم العقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته- واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

فيقال في تقريب هذا الإشكال: إن احتمال الحرمة ملازم لاحتمال المفسدة، و احتمال المفسدة كالعلم بها مما يجب دفعه، فاحتمال الحرمة يجب دفعه بالاجتناب عن محتمل الحرمة، فتكون هذه القاعدة بيانا للمشكوك، و صالحة لرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

مدفوع: بأن استقلال العقل بقبح الإقدام على محتمل المفسدة، و أنه كالإقدام على معلوم المفسدة ممنوع بوجهين:

الأول: شهادة الوجدان و جريان ديدن العقلاء على عدم التحرز عن محتمل المفسدة، و لزوم التحرز على معلوم المفسدة.

الثاني: أنه قد أذن الشارع في الإقدام على المفسدة المحتملة في الشبهات الموضوعية.

«فتأمل» لعله إشارة إلى فرق العقلاء بين المفاسد الكبيرة و الصغيرة، فحكمهم بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته إنما هو في القسم الأول دون الثاني.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو تمامية الاستدلال بالدليل العقلي على البراءة.

فيصح الاستدلال بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان على البراءة.

184

و احتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة، بالأدلة الثلاثة (1):

أما الكتاب (2): فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم، و عن الإلقاء في التهلكة و الآمرة بالتقوى.

____________

في أدلة الأخباريين على وجوب الاحتياط

(1) يعني: «الكتاب- السنة- العقل».

(2) استدل الأخباريون بطوائف من الآيات على وجوب الاحتياط:

الأولى: ما دل على النهي عن القول بغير علم، كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1)، و قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2).

الثانية: ما دل على النهي عن الإلقاء في التهلكة، كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (3).

الثالثة: ما أمر فيها بالتقوى، كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ (4)، و قوله تعالى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ (5) هذا مجمل الكلام في الآيات.

و أما تفصيل الكلام فيها فيقع في مقامين:

المقام الأول: تقريب الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الاحتياط.

المقام الثاني: في الجواب عن الاستدلال بها على الاحتياط.

و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الأولى على وجوب الاحتياط:

فلأن الحكم بجواز ارتكاب محتمل الحرمة و نسبته إلى الشارع افتراء على الشارع، فيكون تشريعا محرما، و كذلك القول بالإباحة في محتمل الحرمة قول بغير علم، فيكون محرما بهذه الطائفة من الآيات.

و أما الجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: فتارة: بالنقض، و أخرى بالحل.

أما النقض: فيقال: لو كان الحكم بجواز ارتكاب محتمل الحرمة قولا بغير علم لكان القول بوجوب الاحتياط فيه أيضا قولا بغير علم.

و أما الحل: فلأن الحكم بالجواز استنادا إلى ما مر من الأدلة ليس قولا بغير علم؛ لأن‏

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) الأعراف: 33.

(3) البقرة: 195.

(4) آل عمران: 102.

(5) التغابن: 170.

185

و الجواب: إن القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم؛ لما دل على الإباحة من النقل و على البراءة من حكم العقل، و معهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، و لا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.

____________

الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلة قطعية، بل القول بغير علم صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه.

و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الثانية على وجوب الاحتياط: فلأن ارتكاب الشبهة التحريمية يكون من الإلقاء في التهلكة، فيكون محرما، فلا بد من الاحتياط في المشتبه، و هو المطلوب.

و أما الجواب عنها: فلأن المراد من التهلكة: إن كان هو العقاب الأخروي فهو منفي بدليل البراءة، فدليل البراءة وارد على الآية كوروده على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

و إن كان هو الضرر الدنيوي: فمضافا إلى كون الشبهة موضوعية لا يجب فيها الاحتياط، فإنه ليس كل ضرر دنيوي يعدّ تهلكة؛ بل التهلكة ما يؤدي إلى الموت، و من المعلوم: أن المحرمات المحتملة لا يحتمل فيها الضرر بهذا المعنى.

و أما تقريب الاستدلال بالطائفة الثالثة على وجوب الاحتياط: فلأن الاجتناب عن محتمل الحرمة من التقوى، و كل ما كان كذلك واجب ينتج: «الاجتناب عن محتمل الحرمة واجب».

و أما الجواب عنها: فلأن ارتكاب محتمل الحرمة لا يكون منافيا للتقوى؛ لأن التقوى عبارة عن ترك ما نهى الشارع عنه، و فعل ما أمر به.

و أما محتمل الحرمة الذي لا يوجد دليل على حرمته و رخص الشارع على ارتكابه:

فارتكابه لا ينافي التقوى. هذا مضافا إلى أن آيات التقوى تدل على استحباب الاتقاء، فتكون خارجة عن المقام؛ لأن النزاع إنما هو في وجوب الاحتياط. و أما استحبابه فهو مورد للاتفاق.

فالمتحصل: أنه بعد دلالة الدليل العقلي و النقلي على البراءة لا يكون فعل محتمل الحرمة مخالفا للتقوى، و لا موجبا للتهلكة بمعنى العقوبة، و لا الحكم بجواز ارتكابه قولا بغير علم.

و لهذا يقول المصنف «(قدس سره)»: «إن القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير علم ...» الخ.

186

و أما الأخبار (1): فبما دل على وجوب التوقف عند الشبهة، معللا في بعضها: بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة، من الأخبار الكثيرة الدالة عليه‏

____________

الاستدلال بالسنة على وجوب الاحتياط

(1) و قد أشار المصنف «(قدس سره)» إلى طائفتين من الأخبار

الأولى: ما دل على وجوب التوقف.

الثانية: ما دل على وجوب الاحتياط.

ثم الطائفة الأولى:- و هي الأخبار الآمرة بالتوقف- على طائفتين:

إحداهما: هي الأخبار الدالة على مطلوبية التوقف مطابقة لاشتمالها على مادة الوقوف.

ثانيتهما: هي الأخبار الدالة على التوقف التزاما؛ لعدم اشتمالها على مادة الوقوف؛ بل هي الآمرة بالكف و التثبت عند الشبهة، و لازم الكف عن الشبهة هو: التوقف و عدم الدخول في الشبهة.

و أما تقريب الاستدلال: بأخبار التوقف المعللة- مثل قوله «(عليه السلام)» في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة بعد تكافؤ المرجحات في الخبرين المتعارضين- «فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (1)، فيتوقف على مقدمة: و هي بيان أمور:

الأول: أن كلمة «خير» و إن كانت من صيغ التفضيل إلا إنها منسلخة هنا عن التفضيل، فلا يكون المراد منها التفضيل في هذه الأخبار؛ إذ لا خير في الاقتحام في الهلكة حتى يكون معناها: أن الخير في الوقوف عند الشبهة أكثر من الاقتحام فيها.

الثاني: أن يكون المراد بالتوقف التوقف العملي أي: مطلق السكون و عدم المضي في ارتكاب الفعل، فوجوب التوقف بهذا المعنى معناه: وجوب الاحتياط في موارد الشبهة.

الثالث: أنه لا بد من السنخية بين العلة و المعلول، بمعنى: أنه لا يصح تعليل الحكم التحريمي بعلة جائزة لعدم السنخية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ظهور المقبولة و ما بمضمونها في وجوب التوقف و الاحتياط واضح؛ إذ يستفاد من التعليل: وجوب التوقف في كل شبهة، و معنى التوقف:

عدم الحركة بارتكاب الشبهة، و هو مدعى الأخباريين.

____________

(1) الكافي 1: 67/ ذيل ح 10، الفقيه 3: 8/ ذيل 3233، تهذيب الأحكام 6: 301/ ذيل ح 845.

187

مطابقة أو التزاما، و بما (1) دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة (2).

و الجواب: إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية (3)، مع دلالة النقل على الإباحة، و حكم العقل بالبراءة كما عرفت.

____________

و أما من الأخبار الدالة على التوقف التزاما: فهي موثقة حمزة بن طيار: أنه عرض على أبي عبد الله «(عليه السلام)» بعض خطب أبيه «(عليه السلام)»، حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: «كف و اسكت»، ثم قال أبو عبد الله «(عليه السلام)»: «إنه لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى؛ حتى يحملوكم فيه على القصد، و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1)» (2).

و دلالة هذه الرواية و ما بمضمونها على وجوب التوقف التزاما عند الشبهة واضحة؛ إذ لازم الكف و التثبت هو: التوقف من حيث العمل، و السؤال من أهل الذكر و هم الأئمة «(عليهم السلام)»؛ على ما في بعض التفاسير (3).

(1) عطف على «بما» في قوله: «فبما دل»، و هذا إشارة إلى الطائفة الثانية من الأخبار التي تدل على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية.

(2) و الظاهر: أن مراده «(قدس سره)» من الألسنة المختلفة هو: دلالتها على وجوب الاحتياط مطابقة و التزاما.

فالأول: هو ما اشتمل منها على مادة الاحتياط بهيئات مختلفة مثل: «احتط» و «فعليكم بالاحتياط» (4) و «خذ بالحائطة لدينك» (5)، و نحوها.

و الثاني:- و هو ما دل على وجوب الاحتياط التزاما مثل: ما ورد من النهي عن القول- يعني: الإفتاء- بغير علم، فيدل بالالتزام على وجوب الاحتراز عن المشتبه عملا، و عدم جواز الاقتحام فيه.

(3) هذا جواب عن أخبار التوقف المشتملة على التعليل، و حاصله:- على ما في‏

____________

(1) النحل: 43، الأنبياء: 7.

(2) الكافي 1: 50/ 10، الوسائل 27: 25/ 33113.

(3) تفسير العياشي 2: 117/ 160، 260/ 30، 32 تفسير القمي 2: 86، تفسير فرات:

235/ 315/ 316، مجمع البيان 7: 73.

(4) الكافي 1: 291/ ذيل ح 1، تهذيب الأحكام 5: 417/ ذيل ح 1639.

(5) تهذيب الأحكام 2: 259/ ذيل ح 1031، الوسائل 4: 176/ 4840.

188

و ما دل على وجوب الاحتياط (1) لو سلم و إن كان واردا على حكم العقل فإنه كفى بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول.

____________

«منتهى الدراية، ج 5، ص 333»- أن هذه الروايات أجنبية عن إثبات وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية بعد الفحص.

بيان ذلك: أن هذه الروايات مشتملة على موضوع و هو الهلكة، المراد بها- بقرينة بعضها كمقبولة عمر بن حنظلة- العقوبة؛ إذ النهي الظاهر في التحريم لا يكون إلا عما هو حرام، و الحرمة توجب استحقاق العقوبة لا الهلكة الدنيوية كما هو واضح، و على محمول و هو وجوب التوقف المستفاد من الأمر به بمثل قوله «(عليه السلام)»: «قفوا عند الشبهة»، و قوله: «فإن الوقوف خير ...» (1) الخ. بالتقريب المتقدم، و لا ريب في: أن نسبة المحمول إلى الموضوع كنسبة المعلول إلى العلة في تأخره عنها رتبة، فلا بد حينئذ من وجود العقوبة قبل الأمر بالتوقف حتى ينبعث عنها الأمر به، و هذا يختص بما إذا أحرز من الخارج ما يصحح العقوبة عليه، و هو منحصر في الشبهة البدوية قبل الفحص، و الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي. و أما في المقام، فبما أن المقصود إجراء البراءة بعد الفحص و اليأس من الدليل؛ لما دل من الدليل العقلي و النقلي على جريانها بعد إحراز عدم البيان، فلا مانع من إجراء البراءة. و لا يمكن إثبات البيان بنفس أخبار التوقف؛ لأنه مستلزم للدور كما لا يخفى.

تقريب الدور: أن وجوب التوقف متوقف على الهلكة؛ لأنه معلول لها، و الهلكة متوقفة على البيان؛ لقبح العقاب بدونه، فلو توقف البيان على وجوب التوقف كان وجوب التوقف متوقفا على وجوب التوقف و هو الدور.

و المراد من «النقل» من قوله: «مع دلالة النقل على الإباحة»: هي أحاديث الرفع و الحل و السعة الدالة على إباحة ما لا تعلم حرمته ظاهرا؛ «كما عرفت» في أدلة البراءة.

و من هنا يظهر الجواب عن الأخبار التي تدل على وجوب التوقف التزاما.

و هناك وجوه أخرى في الجواب تركناها رعاية للاختصار.

(1) إشارة إلى الجواب عن أخبار الاحتياط مطلقا، سواء دلت على الاحتياط مطابقة أو التزاما. و الأول: مثل قول أمير المؤمنين «(عليه السلام)» لكميل بن زياد: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»، و الثاني: ما ورد من النهي عن القول بغير علم.

و كيف كان؛ فحاصل ما أفاده المصنف في الجواب يرجع إلى وجوه ثلاثة:

____________

(1) المحاسن 1: 215/ 102، الكافي 1: 50/ 1، و فيهما «الوقوف عند الشبهة».

189

الأول: ما أشار إليه بقوله: «لو سلم»، و توضيحه: أن أوامر الاحتياط مثل: «وقفوا عند الشبهة»، و «عليكم بالكف و التثبت»، و «خذ بالحائطة لدينك»، و «و عليكم بالاحتياط» و نحوها؛ و إن كانت ظاهرة بدوا في الوجوب المولوي المستلزم لترتب المثوبة على موافقته و العقوبة على مخالفته؛ إلا إنها تصرف عن هذا الظهور إلى الإرشاد أو الطلب المولوي الجامع بين الوجوب و الندب أو الاستحباب، كقوله «(عليه السلام)» في مرفوعة أبي شعيب: «أورع الناس من وقف عند الشبهة» (1)، و قوله «(عليه السلام)»: «لا ورع كالوقوف عند الشبهة» (2)، و قوله «(عليه السلام)»: «فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك» (3).

و أما ما لا بد من حمله على الطلب الجامع: فمثل قوله «(عليه السلام)»: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (4)، و قوله «(عليه السلام)»: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» و نحوهما، فإن حمل هذه الروايات على الوجوب مستلزم لارتكاب التخصيص بإخراج الشبهات الوجوبية و الموضوعية عنها؛ لاعتراف الأخباريين بعدم وجوب الاحتياط فيها، مع أن سياقها آب عن التخصيص، و حملها على الاستحباب مستلزم لإخراج موارد وجوب الاحتياط مما تنجّز فيه التكليف و دار المكلف به بين أطراف محصورة، و عليه: فتتعيّن إرادة مطلق الرجحان الجامع بين الوجوب و الاستحباب، فالاحتياط واجب في بعض الموارد كالشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، و مستحب في بعض الموارد كالشبهات البدوية بعد الفحص.

نعم؛ مع الغض عما تقدم و البناء على الأخذ بظواهر أوامر الاحتياط في الوجوب المولوي: يكون ما دل على وجوبه واردا على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و رافعا لموضوعه؛ لوجود البيان الظاهري المصحح للعقوبة على مخالفته. هذا ما أشار إليه بقوله:

«لو سلم» يعني: لو سلم دلالتها على الوجوب، و لم نقل بوجود قرائن تدل على أن الأمر فيها للاستحباب أو الإرشاد. «و إن كان واردا على حكم العقل ...» الخ.

____________

(1) الخصال: 16: 56، الوسائل 27: 162/ 33492.

(2) نهج البلاغة 4: 26/ جزء من 113، الوسائل 27: 161/ 33486.

(3) صحيح البخاري 3: 4.

(4) المحاسن 1: 275/ 102، الكافي 1: 50/ 9، تهذيب الأحكام 7: 474/ ذيل ح 924، الوسائل 20: 255/ ذيل ح 25573.

190

و لا يصغى إلى ما قيل (1): من «أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن‏

____________

قوله: «فإنه كفى بيانا» تعليل للورود على حكم العقل، يعني: فإن ما دل على وجوب الاحتياط كاف في البيانية على التكليف المحتمل لتنجزه به.

(1) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الجواب عن أخبار التوقف و الاحتياط.

و القائل هو الشيخ الأنصاري، و قد أجاب بهذا الوجه عن خصوص أخبار التوقف، فإنه «(قدس سره)» بعد أن أجاب عن تلك الأخبار- بحمل الأمر على الطلب المشترك بين الوجوب و الندب أورد على نفسه إشكالا حاصله: استكشاف وجوب الاحتياط شرعا، حيث قال ما هذا لفظه: «فإن قلت: إن المستفاد منها- يعني: من الأخبار- احتمال التهلكة في مخالفة كل محتمل التكليف- إلى أن قال- فيكشف هذا الأخبار عن عدم سقوط عقاب التكاليف المجهولة لأجل الجهل، و لازم ذلك إيجاب الشارع الاحتياط؛ إذ الاقتصار في العقاب على نفس التكاليف المختفية من دون تكليف ظاهري بالاحتياط قبيح، فيكون إيجاب الاحتياط طاردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لكونه بيانا.

ثم أجاب عنه بقوله: «قلت: إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن العقاب الواقعي فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح كما اعترف به. و إن كان حكما ظاهريا نفسيا: فالهلكة الأخروية مترتبة على مخالفته؛ لا مخالفة الواقع، و صريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير الحرمة الواقعية» (1). انتهى.

و حاصل الجواب: أن إيجاب الاحتياط لا يمكن أن يكون طاردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

توضيح ذلك: إن إيجاب الاحتياط شرعا إن كان لأجل التحرز عن العقاب على الحكم الواقعي المجهول لكان قبيحا؛ إذ على هذا كان العقاب على التكليف المجهول عقابا بلا بيان إذا المفروض: لا بيان له؛ لأن إيجاب الاحتياط لا يرفع الجهل بالواقع، فيكون العقاب عليه عقابا على المجهول، و هو قبيح عقلا كما اعترف به المستشكل نفسه و إن كان إيجاب الاحتياط نفسيا، لوجود ملاك في نفس الاحتراز عن الشبهة و مع الغض عن الحكم الواقعي المجهول: فاللازم ترتب العقاب على مخالفته لا مخالفة الواقع، و هذا المعنى و إن كان صحيحا في نفسه إلا إنه غير مقصود للأخباريين، حيث إنهم التزموا بدلالة أخبار التوقف و الاحتياط في الشبهات لأجل الاحتراز عن الهلكة المحتملة المترتبة على الاقتحام في الشبهات؛ لا لأجل الاحتراز عن مخالفة الاحتياط، و هذا البيان‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 71.

191

عقاب الواقع المجهول: فهو قبيح (1)، و إن كان نفسيا: فالعقاب على مخالفته (2) لا على مخالفة الواقع (3)»؛ و ذلك (4) لما عرفت من: أن إيجابه يكون طريقيا، ...

____________

ظاهر في مطلوبية الاحتياط في نفسه، و ليس كذلك؛ بل الغرض منه هو التحفظ على الأحكام الواقعية.

و الحاصل: أنه- مع بطلان كل من الاحتمالين في استفادة وجوب الاحتياط شرعا من الأخبار المتقدمة- لا محيص عن حملها على الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الاجتناب عن الضرر المحتمل.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام الشيخ «(قدس سره)».

(1) لأن الشي‏ء المجهول لا عقاب عليه؛ لما تقدم من قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إذ لا يرتفع بإيجاب الاحتياط شرعا ما هو مناط قبح العقاب على الحكم الواقعي المجهول و هو الجهل به؛ كحرمة شرب التتن، فالعقاب عليه عقاب بلا بيان. و ضمير «فهو» راجع على ترتب العقاب على المجهول المستفاد من سياق الكلام.

(2) أي: مخالفة الاحتياط لكونه حينئذ ذا مصلحة في نفسه، مع الغض عن الواقع مثل: حصول ملكة التقوى له، كما ربما يستفاد ذلك من مثل قوله «(عليه السلام)»: «فهو لما استبان له من الإثم أترك». و ضمير «مخالفته» راجع على الاحتياط.

(3) مع أن مقصود الأخباريين- كما عرفت- كون مخالفة الاحتياط موجبة للوقوع في الهلكة من ناحية التكليف المحتمل؛ لا على مخالفة نفس الاحتياط بما هو.

و كيف كان؛ فعلى كلا التقديرين لا يمكن أن يكون الاحتياط طاردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

(4) تعليل لقوله: «و لا يصغى» يعني: أن وجه عدم الإصغاء إلى ما قيل ما عرفت من «أن إيجابه يكون طريقيا». فهذا رد لجواب الشيخ «(قدس سره)» عما أورده على نفسه من الإشكال المتقدم، و قد عرفت الإشكال مع جوابه.

و توضيح هذا الرد من المصنف على الشيخ «(قدس سرهما)»: أن الأمر المولوي بالاحتياط- على فرض تسليم وجوبه شرعا- لا ينحصر في القسمين الباطلين أعني:

النفسي و المقدمي؛ ليبطل وجوب الاحتياط، و تجري أدلة البراءة بلا معارض، بل هناك قسم آخر منه- و هو الوجوب الطريقي بمعنى إيجاب الاحتياط بداعي تنجيز الحكم الواقعي المجهول؛ بأن يكون الغرض من إنشاء وجوب الاحتياط إقامة الحجة على التكليف الواقعي المجهول؛ بحيث توجب تنجزه و حفظه حال الجهل به، لاهتمام الشارع‏

192

و هو (1) عقلا مما يصح أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة، كما هو (2) الحال في أوامر الطرق و الأمارات و الأصول العملية؛ إلا إنها تعارض بما هو أخص و أظهر، ضرورة: أن ما دل على حلية المشتبه أخص؛ بل هو في الدلالة على الحلية

____________

بمصلحته، و حينئذ: فإذا خالفه و اتفق مصادفته للواقع استحق العقوبة على ذلك؛ لصدق العصيان عليه بعد تنجزه على المكلف بإيجاب الاحتياط، فالعقاب حينئذ على الواقع المجهول عقاب مع البيان، و عليه: فتكون أدلة إيجاب الاحتياط واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لصلاحيتها للبيانية، فلا يحكم العقل الحاكم بقبح العقاب بلا بيان و قبح العقاب مع إيجاب الاحتياط كما يحكم به بدونه.

(1) هذا الضمير و ضمير «به» راجعان على الإيجاب الطريقي.

(2) أي: كما يصح الاحتجاج من المولى على عبده على مخالفة الواقع بسبب الأمر بسلوك الطرق و الأصول المثبتة، و لا يقبح المؤاخذة عليها، فكذا لا يقبح العقاب على المخالفة بسبب إيجاب الاحتياط؛ لأن جميعها قد وضع طريقا لدرك مصلحة الواقع، و مع ذلك فإنها كلها واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا فرق بين الاحتياط شرعا في الشبهة البدوية- إذا قلنا به- و الاحتياط عقلا في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.

و كيف كان؛ فالحق في الجواب أن نقول: إن أخبار الاحتياط و إن كانت واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان «إلا إنها تعارض بما هو أخص» منها «و أظهر». و ضمير «أنها» راجع على أخبار الاحتياط المستفاد من قوله: «و ما دل على وجوب الاحتياط»، و هذا استدراك على قوله: «و إن كان واردا على حكم العقل»، و إشارة إلى الوجه الثالث من الجواب عن تلك الأخبار.

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 346»- أن أخبار الاحتياط- بناء على ظهورها في الوجوب المولوي- و إن كانت واردة على قاعدة القبح؛ لصلاحيتها للبيانية كما عرفت، و لا يبقى معها موضوع للبراءة العقلية؛ إلا إنها معارضة بأخبار البراءة، و يتعين تقديمها على أخبار الاحتياط لوجهين:

أحدهما: أخصية موضوع أخبار البراءة من موضوع أخبار الاحتياط، و من البديهي:

تقدم الخاص على العام.

و الآخر: أظهريتها في الدلالة على حلية المشتبه من دلالة تلك الأخبار على وجوب الاحتياط في الشبهات.

و أما توضيح الوجه الأول: فلأن ما دل على البراءة و حلية المشتبه مثل قوله: «كل‏

193

شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام»، و «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي»، و حديث الرفع و السعة و نحوها، لا يشمل الشبهات قبل الفحص؛ إذ لا خلاف بين الأصولي و الأخباري في وجوب الاحتياط فيها، و إنما الخلاف بينهما في وجوبه فيها بعد الفحص.

و ما دل على وجوب الاحتياط مثل قوله «(عليه السلام)»: «فعليكم بالاحتياط» يدل عليه مطلقا، يعني: قبل الفحص و بعده، فيكون أعم مما دل على البراءة، و لا ريب في وجوب تخصيص العام بالخاص، فيخصص ما دل على وجوب الاحتياط بما دل على البراءة.

فالنتيجة: أنه يجب الاحتياط في كل شبهة إلا في الشبهات البدوية بعد الفحص، و هو المطلوب.

و أما توضيح الوجه الثاني: فلأنه- مع الغض عن أخصية موضوع أخبار البراءة من موضوع أخبار الاحتياط، و تسليم أن الموضوع في كل منهما عنوان المشتبه و المجهول- يتعين تقديم أخبار البراءة عليها بمناط الأظهرية، ضرورة: أن دلالة أخبار الاحتياط على وجوب التوقف و الاحتياط عن الشبهات مستندة إلى ظهور هيئة «افعل» في قولهم «(عليهم السلام)»: «احتط لدينك» في الوجوب، و لا شك في عدم صراحة الصيغة فيه، و هذا بخلاف أدلة البراءة، فإنها إما نص في حلية مشتبه الحكم مثل حديث الحل الوارد فيه «فهو حلال»، و ما أظهر في البراءة مثل حديث الرفع و السعة و نحوهما.

فإنها لو لم تكن نصا في الترخيص فلا أقل من كونها أظهر فيه من دلالة أخبار الاحتياط على وجوب التحرز عن المشتبه، و من المقرر في محله: تقدم الأظهر على الظاهر، و عدم ملاحظة قواعد التعارض بينهما.

و عليه: فتقدم أخبار البراءة على أخبار الاحتياط بمناط الأظهرية.

هذا على ما هو الموجود في المتن من عطف «أظهر» على «أخص» بالواو، و أما بناء على كون العطف ب «أو» كما في بعض النسخ فمعنى العبارة: أن تقديم أخبار البراءة على أخبار الاحتياط مستند إلى أحد الوجهين على سبيل منع الخلو، يعني: أن أدلة البراءة قرينة على التصرف في أدلة الاحتياط فتقدم عليها؛ إما لأن موضوعها أخص من موضوع أدلة الاحتياط، و إما لأنها أظهر في الترخيص من أدلة الاحتياط في وجوب التحرز.

قوله: «ضرورة» بيان لقوله: «أنها تعارض بما هو أخص و أظهر».

ضمير «هو» في قوله: «بل هو في الدلالة» راجع على «ما» الموصول، يعني: أن‏

194

نص، و ما دل (1) على الاحتياط، غايته أنه ظاهر في وجوب الاحتياط. مع (2) أن هناك‏

____________

الأخصية و إن كانت ملازمة غالبا للأظهرية، إلا إن في المقام خصوصية تجعل أخبار البراءة نصا في الترخيص، و تلك الخصوصية عبارة عن كون الدال على البراءة هي المواد مثل: «حلال و مطلق و سعة» و نحوها دون الهيئات، فإنه ليس شي‏ء أوضح دلالة على الحلية و الترخيص من مثل قوله «(عليه السلام)»: «فهو حلال»، بخلاف الهيئات كما في أدلة الاحتياط، فإن هيئة «افعل» كما في قوله «(عليه السلام)»: «احتط لدينك» ليست أكثر من كونها ظاهرة في الوجوب.

(1) عطف على «ما دل» و وجه ظهورها في وجوب الاحتياط ما عرفت من دلالة الهيئة عليه، و من المعلوم: أن الهيئة ظاهرة في الوجوب، و ليست نصا فيه، فيمكن رفع اليد عنه بقرينة ما هو نص أو أظهر منه، كما هو الحال في رفع اليد عما هو ظاهر في الوجوب بقرينة الاستحباب، فتحمل أوامر الاحتياط على الفضل.

(2) يعني: أن ما ذكرناه إلى هنا من تقديم أخبار البراءة على أدلة الاحتياط بمناط الأخصية أو الأظهرية إنما هو مع تسليم دلالة أخبار الاحتياط على الطلب المولوي، حتى تصل النوبة إلى علاج المانع، و هو تعارضها مع أدلة البراءة بتقديمها على أدلة الاحتياط بالجمع الدلالي، و لكن لا مجال لهذا الجمع بعد قصور أخبار الاحتياط عن إثبات الطلب المولوي و لو الاستحبابي منه، و ذلك لوجود قرائن داخلية و خارجية دالة على أن الأمر بالاحتياط للإرشاد. و ضمير «أنه» راجع على ما دل على وجوب الاحتياط.

ثم إن سياق كلام المصنف يقتضي جعل- قوله: «مع أن هناك قرائن دالة على أنه للإرشاد»- جوابا عن خصوص أخبار الاحتياط؛ لأنه ذكره في ذيل الجواب عنها، لكن بعض القرائن التي أقامها على كون الأمر به للإرشاد غير مختص بها؛ بل يختص بعضها بأخبار الوقوف.

و عليه: فيمكن أن يكون نظره- و إن كان خلاف ظاهر عبارته- إلى الجواب عن مجموع أخبار الوقوف و الاحتياط.

و كيف كان؛ فهذه القرائن هي التي نبه عليها الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، و هي بين ما يشترك فيها جميع الأخبار، و بين ما تختص ببعضها و هي- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 356»- كثيرة:

القرينة الأولى: لزوم محذور تخصيص الأكثر لو لم يكن الأمر للإرشاد.

بيانه: أن موضوع الأمر بالتوقف و الاحتياط هو الشبهة، و الأخذ بظاهره من الطلب‏

195

المولوي اللزومي مستلزم لتخصيص الأكثر، ضرورة: أن عنوان «الشبهة» صادق على الشبهات مطلقا يعني: الحكمية و الموضوعية، الوجوبية منهما و التحريمية. و قد اتفق الفريقان على جريان البراءة في غير الحكمية التحريمية، فيلزم حينئذ تخصيص الأكثر؛ لخروج أكثر الشبهات عن موضوع الأمر بالتوقف و الاحتياط. و هي الشبهات الموضوعية مطلقا و الشبهات الحكمية الوجوبية، و من المعلوم: أن تخصيص الأكثر مستهجن، فلا يصار إليه. كما أن حمل الأمر بهما على الندب مستلزم لإخراج موارد وجوب الاحتياط كالشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، فلا مناص عن حمله على الإرشاد المطلق، فيكون إرشادا إلى وجوب الاحتياط في مورد وجوبه و هو الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، و إلى استحبابه في غيرها.

القرينة الثانية: إباء سياقها عن التخصيص.

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 357»- أنك قد عرفت آنفا عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية الوجوبية و الموضوعية مطلقا؛ و لو كان الأمر به مولويا، و حينئذ: فلو كان الأمر بالتوقف و الاحتياط للطلب المولوي اللزومي، فلا بد من ارتكاب التخصيص في تلك الأخبار بأن يقال: «لا خير في الاقتحام في الهلكة بارتكاب الشبهات إلا إذا كانت الشبهة موضوعية مطلقا أو حكمية وجوبية»، مع أن سياقها آب عن التخصيص؛ و ذلك لأن مقتضى تخصيصها بها أن في ارتكابها- يعني:

الشبهات الموضوعية و الوجوبية- الخير، و هذا لا معنى له، و عليه: فحيث أن كلمة خير منسلخة هنا عن التفضيل كما عرفت فيتعين- بمقتضى هذا التعليل- الاجتناب عن جميع الشبهات؛ إذ المعنى على تقدير الانسلاخ: إن الوقوع في الهلكة لا خير فيه أصلا؛ بل الخير كله في الوقوف عند الشبهة و عدم الاقتحام فيها. و لكن المحدثين لما اعترفوا بورود الترخيص في ارتكاب بعض الشبهات فلا مناص عن حمل الأمر في تلك الأخبار على الإرشاد حتى يتبع المرشد إليه في الوجوب الاستحباب.

هذا في أخبار الوقوف، و كذا قوله «(عليه السلام)» في خبر التثليث: «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات»، فإن الشبهة الموضوعية التي تجري فيها أدلة البراءة ليست قسما رابعا، لأن ظاهر الحديث حصر الأمور في ثلاثة أقسام: الحلال البين و الحرام البيّن و الشبهات، و لا شك: في اندراج الشبهة الموضوعية في القسم الثالث، و مقتضاه:

الاحتياط فيها، و قد التزم الكل بالبراءة فيها، مع أنها ليست من الحلال البين قطعا، فلا

196

قرائن دالة على أنه للإرشاد، فيختلف (1) إيجابا و استحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه،. و يؤيده (2): أنه (3) لو لم يكن للإرشاد لوجب (4) تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات (5) إجماعا، مع أنه (6) آب عن التخصيص قطعا.

كيف (7) لا يكون قوله: «قف عند الشبهة، فإن الوقوف عند الشبهة خير من‏

____________

يقال: «من ترك الشبهات إلا الموضوعية نجا من المحرمات»؛ لأن مقتضى الحصر الاقتصار على الحلال البين فقط، و لا مفر عن هذا المحذور غير الحمل على الإرشاد.

القرينة الثالثة: ظهور قوله «(عليه السلام)»: «فمن ارتكب الشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم» في ترتب الهلكة على ارتكاب الشبهة لا على مخالفة الأمر بالتوقف، و حيث لا عقوبة على مخالفة الأمر لم يكن مولويا، فيكون للإرشاد لا محالة.

و الأمر الإرشادي ما لا يترتب على مخالفته عقاب غير ما يترتب على ارتكاب الشبهة أحيانا من الهلاك و العقاب المحتمل فيها.

هذه جملة من القرائن التي تستفاد من مجموع كلمات الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، و قد أشار في المتن إلى بعضها.

و تركنا ذكر جميع القرائن رعاية للاختصار.

(1) الضمير المستتر راجع على الأمر المستفاد من قوله: «و ما دل على الاحتياط».

(2) أي: و يؤيد كون الأمر بالاحتياط للإرشاد «أنه لو لم يكن للإرشاد ...» الخ.

و هذا إشارة إلى إحدى قرائن الإرشاد و هي القرينة الثانية.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(3) الضمير للشأن، و ضميرا «يكن، تخصيصه» راجعان على الأمر بالاحتياط.

المستفاد من قوله: «ما دل».

(4) جواب الشرط، و المعنى واضح، و الضمير المستتر فيه راجع على عدم كون الأمر للإرشاد المدلول عليه ب «لو لم يكن».

(5) المراد من بعض الشبهات هي: الشبهة الموضوعية مطلقا و الحكمية الوجوبية، و قوله: «إجماعا» متعلق ب «لوجب تخصيصه».

(6) يعني: مع أن ما دل على الاحتياط آب عن التخصيص قطعا؛ لما سيذكره بقوله:

«كيف لا يكون؟».

(7) هذا إشارة إلى قرينة أخرى على الإرشاد، و تختص بأخبار الوقوف المعللة، و توضيحها: أن المراد بالهلكة ما يرجع إلى المكلف في الآخرة و هو العقوبة، و مقتضى‏

197

الاقتحام في الهلكة» للإرشاد؟ مع أن الهلكة ظاهرة في العقوبة، و لا عقوبة في الشبهة البدوية (1) قبل إيجاب الوقوف و الاحتياط، فكيف يعلل إيجابه (2) بأنه خير من الاقتحام في الهلكة؟

____________

التعليل بقوله: «فإن الوقوف»: كون الهلكة ثابتة قبل إيجاب الاحتياط؛ لأن الهلكة في هذه الأخبار موضوع للحكم بوجوب التوقف، و من المعلوم: تقدم الموضوع على الحكم؛ لأنه كالعلة له، فلا بد أن تكون العقوبة مفروضة الوجود قبل الأمر بالتوقف حتى يكون إيجابه لأجل التحرز عنها، و من الواضح: أن هذه الهلكة ليست على مخالفة الإلزام الواقعي المجهول؛ لقضاء قاعدة قبح العقاب بلا بيان بقبحها، فلا بد أن تكون على التكليف المنجز بغير الأمر بالتوقف، و إلا لزم الدور- كما سيأتي- و حينئذ: فيختص الأمر بالتوقف بالشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، و الشبهة البدوية قبل الفحص، و يكون الأمر بالاحتياط إرشادا إلى حكم العقل بوجوبه؛ لتنجز الواقع بالعلم الإجمالي، و لا مساس له بالشبهة البدوية بعد الفحص.

نعم؛ إذا كان أمر الاحتياط نفسيا لا إرشادا إلى التحفظ على الأحكام الواقعية ترتب استحقاق العقوبة على مخالفته؛ لكن لازمه أجنبية التعليل عن المعلل؛ لعدم كون التوقف في الشبهة البدوية بعد الفحص معلولا للعقوبة الواقعية؛ بل واجبا مستقلا مستتبعا للمؤاخذة على مخالفة نفسه، مع أن ظاهر التعليل بقوله «(عليه السلام)»: «فإن الوقوف عند الشبهة ...» هو التحرز عن عقوبة التكليف الواقعي المجهول، و قد عرفت: أن لازم ذلك وجود الهلكة قبل الأمر بالاحتياط حتى يحسن الإرشاد إليه بالأمر بالتوقف.

قوله: «للإرشاد» خبر لقوله: «لا يكون».

(1) لاعتراف المحدثين بكونه من العقاب بلا بيان المتسالم قبحه و عدم صدوره من الحكيم؛ لكنهم يدعون وجود التكليف الظاهري و هو وجوب الاحتياط.

(2) هذا الضمير و ضمير «بأنه» راجعان على الوقوف و الاحتياط يعني: بعد أن اتضح لزوم كون الهلكة مفروضة الوجود قبل الأمر بالاحتياط؛ لأنها علة لوجوده، فلا يعقل تأخرها عنه و نشوؤها منه لاستلزامه الدور، بتقريب: أن الهلكة- لكونها علة لإيجاب الاحتياط- مقدمة عليه رتبته كتقدم سائر العلل على معاليلها، فلو ترتبت الهلكة على إيجاب الاحتياط كما هو مدعى الخصم- حيث يدعي ترتب العقوبة على ترك الاحتياط؛ لأنه يعترف بقبح المؤاخذة على التكليف المجهول- كانت مؤخرة عنه و هو

198

لا يقال (1): نعم؛ و لكنه يستكشف منه على نحو الإن إيجاب الاحتياط من قبل، ليصح به العقوبة على المخالفة.

____________

الدور، لتوقف إيجاب الاحتياط على الهلكة، و توقف الهلكة على إيجاب الاحتياط، فلا بد من القول بعدم ترتب الهلكة على الأمر بالتوقف و الاحتياط، و الالتزام بترتبها على التكليف المنجز بغير الأمر بهما؛ دفعا لمحذور الدور، فإذا لم تترتب الهلكة عليه كان الأمر للإرشاد.

و بالجملة: لا يصح جعل الهلكة علة لإيجاب الاحتياط مع فرض ترتب الهلكة عليه كما يدعيه الخصم؛ لاستلزامه- بمقتضى تقدم العلة على المعلوم- أن يكون كل منهما مقدما على صاحبه و مؤخرا عنه في آن واحد و هو محال، فلا محيص عن الالتزام بتقدم الهلكة رتبة على الأمر بالاحتياط دون تأخرها عنه، بمعنى: كونها معلولة له؛ بل هي معلولة لشي‏ء آخر كما تقدم. و هذا نظير قوله: «لا تعبر الطريق الفلاني؛ لأن فيه قاطع الطريق»، فإن التعليل به لا يصح إلا مع وجوده قبل النهي عن العبور.

(1) الغرض من هذا الإشكال: استكشاف الأمر المولوي الظاهري بالاحتياط بالبرهان الإني.

و توضيح الإشكال: يتوقف على مقدمة و هي أمور تالية:

الأول: إن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس هو عدم البيان على الحكم الواقعي فقط حتى يجري بمجرده؛ و لو مع وجود البيان على الحكم الظاهرى؛ بل هو عدم البيان على كليهما معا، فلو وجد البيان على الحكم الظاهري فقط لم تجر القاعدة، كما لا تجري لو وجد على الحكم الواقعي فقط.

الثاني: أن ظاهر تعليل حكم متعلق بطبيعة هو سريان الحكم في جميع مصاديق تلك الطبيعة، و عدم اختصاصه ببعض أفرادها كما في قولك: «لا تأكل الرمان لأنه حامض»، و موضوع الأمر بالتوقف في المقام هو: «الشبهة»، و هي بإطلاقها تشمل مورد النزاع أعني: الشبهة البدوية بعد الفحص، فإذا لم يوجد مقيد شمله الحكم بالوقوف.

الثالث: أن الحكم الشرعي إما أن يدل عليه الخطاب بالمطابقة كقوله: «يجب كذا»، أو «يحرم كذا»، أو يدل عليه بالالتزام مثل قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (1) فإنه يدل بالالتزام على حرمة القتل عمدا؛ و إلا لم يكن وجه لجزاء القاتل بخلوده في جهنم.

____________

(1) النساء: 93.

199

فإنه يقال: إن مجرد إيجابه (1) واقعا ما لم يعلم لا يصحح العقوبة، و لا يخرجها

____________

الرابع: أن المقصود من الهلكة- كما هو المتبادر منها إلى الذهن أو المنصرف إليه من إطلاقها- هو العقاب الأخروي، ضرورة: أن همّ الشارع صرف العباد عن العقوبة الأخروية.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة، فنقول: حاصل الإشكال: أنه و إن لم يمكن أن يكون الأمر بالوقوف و الاحتياط في الأخبار المثبتة للهلكة للطلب المولوي الإلزامي؛ بل لا بد من حمله على الإرشاد كما تقدم، لكن يمكن استفادة طلب ظاهري مولوي آخر من تلك الأخبار بالدلالة الالتزامية، و ذلك لأنه لما كانت العقوبة من آثار الطلب المولوي- كما هو المستفاد منها حيث رتبت الهلكة يعني: العقوبة على محتمل التكليف الإلزامي الذي منها الشبهة البدوية بعد الفحص- كان الدليل الدال على وجود العقوبة في الشبهة كاشفا عن وجود البيان على التكليف، و دالا عليه بالدلالة الالتزامية، و أن الشارع قد اكتفى بذكر اللازم- و هو الابتلاء بالعقوبة الأخروية- عن بيان ملزومه و هو الوجوب الشرعي.

و بالجملة: فالأخبار المثبتة لترتب الهلكة على ترك الاحتياط في الشبهة التي منها البدوية بعد الفحص كاشفة عن وجوب الاحتياط شرعا، كشفا بالمعلول عن العلة؛ و إلا كان المعلول بلا علة و العقاب بلا بيان.

قوله: «نعم» استدراك على قوله: «فكيف يعلل؟»، و ضمير «لكنه» للشأن، يعني: أن مقتضى ما تقدم من انبعاث الأمر بالتوقف عن الهلكة المفروضة الوجود و إن كان هو وجودها في رتبة سابقة على الأمر، فلا يمكن استكشاف الهلكة من الأمر ليحمل على كونه مولويا؛ لكن يمكن استكشاف الأمر المولوي بالاحتياط من الهلكة المترتبة على الأمر به بالبرهان الإني كما عرفت.

و ضمير «منه» راجع على التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة: «فإن الوقوف».

قوله: «على نحو الإنّ» إشارة إلى البرهان الإني، و هو العلم بالعلة من العلم بالمعلول، و استكشافها منه.

(1) أي: إيجاب الاحتياط.

و توضيح الجواب عن الإشكال: أن العقاب على مخالفة إيجاب الاحتياط في الشبهة البدوية ما لم يصل إلى المكلف عقاب بلا بيان؛ إذ المصحح للمؤاخذة هو البيان الواصل؛ لا التكليف بوجوده الواقعي، سواء كان الحكم الواقعي نفسيا أم طريقيا

200

عن أنها بلا بيان و لا برهان، فلا محيص (1) عن اختصاص ...

____________

كإيجاب الاحتياط، و المفروض: عدم وصوله بغير أخبار الوقوف، و استكشاف وصوله مما اشتمل على ثبوت الهلكة في ارتكاب الشبهة، من باب دلالة اللازم على ثبوت ملزومه- بدعوى عموم الشبهات في قوله «(عليه السلام)»: «فمن ترك الشبهات»، أو إطلاق الشبهة في قوله «(عليه السلام)»: «فإن الوقوف عند الشبهة»- غير ممكن لاستلزامه الدور؛ و ذلك لأن بيانية أخبار الوقوف للوجوب المولوي منوطة بإمكان الأخذ بظاهر الهلكة و هو العقوبة ليدل قوله: «قفوا» على الوجوب إذ لو أريد بالهلكة معنى آخر غير العقوبة الأخروية لم يدل عليه، لعدم وجوب دفع غير العقوبة وجوبا مولويا، و حمل الهلكة على العقوبة منوط بكون قوله: «قفوا» بيانا و إعلاما لحكم المشتبه- و هو وجوب الاجتناب عن الواقع المجهول- إذ لو لم يكن بيانا و منجزا له لم يصح حمل الهلكة على ظاهرها، أعني:

العقوبة.

و بعبارة أخرى على- ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 370»-: الأخذ بظاهر «قفوا» من الوجوب المولوي متوقف على حمل الهلكة على العقوبة، و حملها عليها متوقف على كون الأمر في «قفوا» للوجوب المولوي، فبيانية أخبار الوقوف للوجوب المولوي متوقفة على بيانيتها له، و هو الدور. و من هنا يظهر الفرق بين المقام، و ما ورد من الوعيد الصريح في العقوبة الأخروية على بعض الأفعال- كقتل المؤمن متعمدا- الدال بالالتزام على حرمته المولوية، حيث إن الوعيد لا بد أن يكون بمقتضى دلالة الاقتضاء كناية عن التحريم و بيانا عليه، و لا يلزم منه محذور الدور؛ لأن الدور هناك كان ينشأ من توقف حمل الهلكة على العقوبة، على أن الأمر في «قفوا» للوجوب المولوي، و توقف كونه للوجوب على حمل الهلكة على العقوبة بخلاف الوعيد هنا، فإنه صريح في العقوبة، و لا يتوقف حملها عليها على شي‏ء، فيستكشف منه الحرمة المولوية، و لا وجه لحمل النهي عن ذلك الفعل المتوعد عليه- فيما إذا ورد نهي عنه- على الإرشاد و هذا بخلاف أخبار الوقوف، فحيث كان محذور الدور مانعا عن إرادة الإيجاب المولوي تعين حمل الشبهة على ما تنجز فيه التكليف بمنجز آخر كالمقرونة بالعلم الإجمالي و الشبهة البدوية قبل الفحص، و يكون الأمر بالوقوف إرشادا إلى حكم العقل بلزوم رعاية العلم الإجمالي و الاحتمال.

و الضمير في «يخرجها، أنها» راجعان على العقوبة.

(1) هذا نتيجة بطلان ما ذكره في «لا يقال:»، و أن التعليل المذكور في أخبار التوقف لا يدل على وجوب الاحتياط مولويا، فمثل هذا الحديث أجنبي عن مورد

201

مثله (1) بما يتنجز فيه المشتبه لو كان كالشبهة قبل الفحص مطلقا (2)، أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، فتأمل جيدا.

____________

البحث و هو الشبهة الحكمية بعد الفحص، و مختص بالشبهات التي تنجز فيها الحكم كالشبهة البدوية قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الإجمالي؛ لعدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان فيهما.

(1) يعني: مثل التعليل الوارد في حديث مسعدة بن زياد: «وقفوا عند الشبهة».

(2) أي: سواء كانت الشبهة وجوبية أم تحريمية.

و في بعض الشروح كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

هذا تمام الكلام في الدليل الثاني من أدلة القائلين بالاحتياط في الشبهة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

- استدلال الأخباريون بطوائف من الآيات على وجوب الاحتياط:

الأولى: ما دل على النهي عن القول بغير علم، مثل قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏.

الثانية: ما دل على النهي عن الإلقاء في التهلكة، كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

الثالثة: ما أمر فيها بالتقوى كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏.

1- تقريب الاستدلال بها على وجوب الاحتياط:

إن القول بالإباحة في محتمل الحرمة قول بغير علم فيكون محرما. و كذلك ارتكاب الشبهة التحريمية يكون من الإلقاء في التهلكة فيكون محرما.

و كذلك يكون الاجتناب عن محتمل الحرمة من التقوى، فلا بد من الاحتياط بترك القول بغير علم، و ترك الشبهة التحريمية لئلا يلزم الإلقاء في التهلكة، و ترك محتمل الحرمة لئلا يلزم ما ينافي التقوى.

2- الجواب عن الاستدلال بهذه الطوائف من الآيات:

أما الجواب عن الطائفة الأولى: فبوجهين:

الأول: النقص إذ لو كان القول بالإباحة و البراءة قولا بغير علم لكان القول بالاحتياط كذلك.

الثاني: الحل: بمعنى: أن الحكم بالإباحة و البراءة استنادا إلى الأدلة ليس قولا بغير علم.

202

و أما الجواب عن الطائفة الثانية: فلأن المراد من التهلكة إن كان العقاب الأخروي فهو منفي بدليل البراءة.

و إن كان المراد منها هو الضرر الدنيوي فليس كل ضرر من التهلكة؛ لأنها مما يؤدي إلى الموت، و المحرمات المحتملة ليس فيها الضرر الدنيوي بهذا المعنى.

و أما الجواب عن الطائفة الثالثة: فلأن ارتكاب محتمل الحرمة ليس منافيا للتقوى؛ لأن التقوى هي: ترك ما نهى عنه الشارع، و فعل ما أمر به. هذا مضافا إلى أن مفاد الآية استحباب التقوى، و محل الكلام هو وجوب الاتقاء احتياطا.

3- الاستدلال بالسنة على وجوب الاحتياط:

و هي بين ما يدل على وجوب التوقف، و ما يدل على وجوب الاحتياط.

و أما تقريب ما يدل على التوقف: فلأن المراد من كلمة «خير»- في قوله «(عليه السلام)»: «فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»- ليس معناها التفضيلي في هذه الأخبار؛ إذ لا خير في الاقتحام في الهلكة.

ثم المراد بالتوقف هو: التوقف العملي، أعني: مطلق السكون و عدم المضي في ارتكاب الفعل، و لازمه هو الاحتياط بترك ارتكاب الشبهة.

و أما ما يدل على الاحتياط فواضح، كقوله «(عليه السلام)»: «فعليكم بالاحتياط»، و «خذ بالحائطة لدينك».

4- الجواب عن أخبار التوقف:

إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية، مع دلالة النقل فيها على الإباحة، و حكم العقل بالبراءة.

و أما الجواب عن أخبار الاحتياط: فلأن ما دل على وجوب الاحتياط لو سلم و إن كان واردا على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فإنه كفى بيانا؛ لأنه ظاهر في الوجوب المولوي إلا إنه لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور، و حمل أخبار الاحتياط على الإرشاد أو الطلب المولوي الجامع بين الوجوب و الندب؛ لئلا يلزم التخصيص بإخراج الشبهات الوجوبية و الموضوعية عنها، و لا يجب الاحتياط فيها عند الأخباريين أيضا. هذا مع أن سياقها آب عن التخصيص.

و حملها على الاستحباب مستلزم لإخراج موارد وجوب الاحتياط؛ كما إذا كانت الشبهة مقرونة بالعلم الإجمالي، و كانت الشبهة محصورة.

203

و عليه: فتتعين إرادة مطلق الرجحان الجامع بين الوجوب الندب، و لازم ذلك: وجوب الاحتياط في بعض الموارد و استحبابه في بعضها الآخر.

5- ما ذكره الشيخ الأنصاري:

من استكشاف وجوب الاحتياط شرعا من هذه الأخبار، ثم أجاب عنه بما حاصله:

من أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن العقاب على الحكم الواقعي: فهو مستلزم لترتب العقاب على التكليف المجهول و هو قبيح، و إن كان حكما ظاهريا نفسيا بالهلكة الأخروية مترتبة على مخالفته؛ لا على مخالفة الواقع، و هذا مخالف لصريح الأخبار؛ إذ صريحها إرادة الهلكة الموجودة في الواقع على تقدير مخالفة الحرمة الواقعية، و مقصود الأخباريين أيضا هو الاحتراز عن الهلكة المحتملة، المترتبة على الاقتحام في الشبهات؛ لا لأجل الاحتراز عن مخالفة الاحتياط.

فمع بطلان الاحتمالين لا محيص عن حمل الأخبار على الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الاجتناب عن الضرر المحتمل.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام الشيخ «(قدس سره)».

6- الجواب عن كلام الشيخ «(قدس سره)»: بما حاصله: من أن الأمر المولوي بالاحتياط- على فرض تسليم وجوبه شرعا- لا ينحصر في القسمين الباطلين أعني:

النفسي و المقدمي ليبطل وجوب الاحتياط ببطلانهما، و تجري أدلة البراءة بلا معارض؛ بل هناك قسم آخر- و هو الوجوب الطريقي- بمعنى: أن إيجاب الاحتياط بداعي تنجيز الحكم الواقعي المجهول؛ بأن يكون الغرض من إنشاء وجوب الاحتياط إقامة الحجة على التكليف الواقعي المجهول؛ بحيث توجب تنجزه و حفظه حال الجهل، فالعقاب حينئذ على تقدير المخالفة على الواقع المجهول: عقاب مع البيان، فتكون أدلة الاحتياط واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إذ مع إيجاب الاحتياط لا يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فالصحيح في الجواب أن يقال: إن أخبار الاحتياط و إن كانت واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إلا إنها تعارض بما هو أخص منها و أظهر فيتعين تقديم أدلة البراءة على أخبار الاحتياط لوجهين:

أحدهما: كون أخبار البراءة أخص من أدلة الاحتياط، و تقديم الخاص على العام يكون أمرا بديهيا.

الثاني: أظهرية أخبار البراءة عن أخبار الاحتياط.

204

أما توضيح الوجه الأول: فلأن ما دل على البراءة لا يشمل الشبهات قبل الفحص؛ إذ لا خلاف في وجوب الاحتياط فيها بين الأصولي و الأخباري، و إنما الخلاف في وجوب الاحتياط فيها بعد الفحص. و مفاد ما دل على وجوب الاحتياط مثل قوله «(عليه السلام)»: «فعليكم بالاحتياط» يشمل قبل الفحص و بعده، فيكون أعم مما دل على البراءة، فيخصص ما دل على وجوب الاحتياط بما دل على البراءة، و لازم التخصيص هو: وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية قبل الفحص لا بعده، و هو المطلوب في المقام.

و أما توضيح الوجه الثاني: فلأنه مع الغض عن أخصية موضوع أخبار البراءة يتعين تقديم أخبار البراءة على أخبار الاحتياط بمناط الأظهرية؛ لأنها إما نص في حلية مشتبه الحكم مثل: حديث الحل و إما أظهر في البراءة مثل: حديث الرفع و السعة و نحوهما، فإنها لو لم تكن نصا في الترخيص فلا أقل من كونها أظهر فيه من دلالة أخبار الاحتياط على وجوب التحرز عن المشتبه.

و من المقرر في محله: تقدم الأظهر على الظاهر، و عدم ملاحظة قواعد التعارض بينهما.

7- هناك قرائن على إرشادية أوامر الاحتياط يعني: أن ما ذكرناه إلى هنا من تقديم أخبار البراءة على أخبار الاحتياط إنما هو مع تسليم دلالة أخبار الاحتياط على الطلب المولوي حتى تصل النوبة إلى الجمع الدلالي بينها و بين أخبار البراءة، بتقديم الثاني على الأول بمناط الأخصية و الأظهرية، و لكن لا مجال لهذا الجمع بعد قصور أخبار الاحتياط عن إثبات الطلب المولوي؛ لوجود قرائن داخلية و خارجية على الإرشادية، كما أشار إليها بقوله: «مع أن هناك قرائن دالة على أنه للإرشاد» أي: على أن ما دل على وجوب الاحتياط إنما يكون للإرشاد.

القرينة الأولى: لو لا الإرشاد لزم محذور تخصيص الأكثر؛ و ذلك لاتفاق الفريقين على البراءة في غير الشبهة الحكمية التحريمية؛ كالشبهات الموضوعية مطلقا، و الشبهات الحكمية الوجوبية، فيلزم تخصيص الأكثر و هو مستهجن، فلا يصار إليه، فلا مناص عن حملها على الإرشاد المطلق؛ لئلا يلزم محذور تخصيص الأكثر.

الثانية: إباء سياقها عن التخصيص، فإن مقتضى تخصيصها بها أن في ارتكابها في موارد الشبهات الموضوعية و الحكمية الوجوبية خيرا، و مقتضى سياقها أنه لا خير في ارتكاب الشبهات أصلا، بل فيه الهلكة، فالخير كله في الوقوف عند الشبهة و الاحتياط