دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
205

بعدم الاقتحام فيها. هذا من جانب.

و من جانب آخر: أن الأخباريين لما اعترفوا بورود الترخيص في ارتكاب بعض الشبهات فلا مناص من حمل الأمر في تلك الأخبار على الإرشاد؛ حتى يتبع المرشد إليه في الوجوب و الاستحباب.

الثالثة: ظهور- قوله «(عليه السلام)»: «فمن ارتكب الشبهات وقع في المحرمات و هلك من حيث لا يعلم»- في ترتب الهلاكة على ارتكاب الشبهة لا على مخالفة الأمر بالتوقف، و حيث لا عقاب على مخالفة الأمر بالتوقف، فلا يكون مولويا، فيكون للإرشاد لا محالة؛ لأن الأمر الإرشادي ما لا يترتب على مخالفته عقاب.

هذه جملة من القرائن. و تركنا جميع القرائن رعاية للاختصار.

8- استكشاف الأمر المولوي الظاهري بالاحتياط بالبرهان الإني:

مدفوع؛ بأن العقاب على مخالفة الاحتياط في الشبهة البدوية ما لم يصل إلى المكلف عقاب بلا بيان؛ لأن المصحح للمؤاخذة هو البيان الواصل، لا التكليف بوجوده الواقعي، سواء كان الحكم الواقعي نفسيا أو طريقيا؛ كإيجاب الاحتياط، و المفروض:

عدم وصوله بغير أخبار التوقف، و استكشاف وصوله بأخبار التوقف غير ممكن لكونه مستلزما للدور؛ لأن بيانية أخبار التوقف للوجوب المولوي موقوفة على إمكان الأخذ بظاهر الهلكة في العقوبة الأخروية، و حمل الهلكة على العقوبة الأخروية موقوف على كون قوله: «قفوا عند الشبهات» بيانا و إعلاما لحكم المشتبه، و هو وجوب الاجتناب عن الواقع المجهول؛ إذ لو لم يكن بيانا له لم يصح حمل الهلكة على العقوبة الأخروية هذا دور صريح؛ إذ بيانية أخبار التوقف للوجوب المولوي متوقفة على بيانيتها.

و بعبارة واضحة: الأخذ بظاهر «قفوا» في الوجوب المولوي متوقف على حمل الهلكة على العقوبة، و حملها عليها متوقف على كون الأمر في «قفوا» للوجوب المولوي، فبيانية أخبار التوقف للوجوب المولوي متوقفة على بيانيتها له و هو الدور، فلا بد من حمل أخبار التوقف و الاحتياط على موارد تنجز التكليف؛ كالشبهات البدوية قبل الفحص، أو المقرونة بالعلم الإجمالي.

9- رأي المصنف «(قدس سره)»:

عدم تمامية استدلال الأخباريين على وجوب الاحتياط بالأدلة الثلاثة و هي: الكتاب و السنة و العقل.

206

و أما العقل (1): فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته، حيث (2) علم إجمالا بوجود واجبات و محرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته؛ مما (3) لم يكن هناك حجة، على حكمه تفريغا (4) للذمة بعد اشتغالها، و لا خلاف (5) في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي إلا من بعض الأصحاب (6).

____________

و قد تقدم الكلام في الكتاب و السنة، و بقي الكلام في الاستدلال بالعقل على وجوب الاحتياط.

في الاستدلال بالعقل للقول بالاحتياط

(1) بعد أن فرغ المصنف من بيان الدليل النقلي على وجوب الاحتياط تعرض للدليل العقلي و قد قرر هذا الدليل بوجهين:

أحدهما: هو هذا. و ثانيهما: ما أشار إليه بقوله الآتي.

و ربما استدل بما قيل من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضرورية قبل الشرع.

و أما تقريب هذا الوجه: فيتوقف على مقدمة و هي: أن هناك صغرى وجدانية، و كبرى برهانية.

و أما الصغرى فهي: أن كل مكلف بمجرد التفاته يعلم إجمالا بوجود واجبات و محرمات كثيرة في موارد الشك في الوجوب و الحرمة.

و أما الكبرى فهي: استقلال العقل بتنجز التكاليف الشرعية بالعلم الإجمالي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه قد تقرر في محله وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، فلا بد من فعل كل ما احتمل وجوبه، و ترك كل ما احتمل حرمته تفريغا للذمة المشغولة قطعا؛ لاقتضاء الاشتغال اليقيني البراءة اليقينية.

(2) ظرف و تعليل لقوله: «فلاستقلاله»، و إشارة إلى الصغرى المذكورة و هي العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة.

(3) بيان للموصول في «فيما»، و هو يتعلق ب «وجود». و ضمير «حكمه» راجع على الموصول في «مما».

(4) تعليل لاستقلال العقل بالاحتياط، يعني: أن علة هذا الحكم العقلي هو لزوم تفريغ الذمة عما اشتغلت به.

(5) إشارة إلى الكبرى المتقدمة أعني: منجزية العلم الإجمالي للتكليف.

(6) و هو المحقق القمي «(قدس سره)»، حيث جعل العلم الإجمالي كالشك البدوي؛

207

و الجواب (1): أن العقل و إن استقل بذلك، إلا إنه إذا لم ينحل العلم الإجمالي إلى‏

____________

إلا إن الحق خلاف ذلك فإن العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في المنجزية، فيكون علة تامة لكل من الموافقة و المخالفة القطعيتين.

(1) و حاصل جواب المصنف هو: دعوى انحلال العلم الإجمالي.

و توضيح مراد المصنف من الانحلال يتوقف على مقدمة و هي: بيان صور الانحلال؛ بحيث لا يكون العلم الإجمالي منجزا للتكليف بعد الانحلال، و هي ثلاثة:

الأولى: الانحلال الحكمي، بمعنى: زوال أثر العلم الإجمالي من التنجيز و إن كان باقيا بنفسه، و ذلك كما في موارد قيام الأمارات على تعيين المعلوم بالإجمال في أحد الأطراف، فإنه لا يكون منجزا في الطرف الآخر.

الثانية: الانحلال الحقيقي: و هو على قسمين: الأول: الانحلال الحقيقي التكويني بواسطة العلم التفصيلي بالمعلوم بالإجمال؛ كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة بول في أحد هذين الإناءين، ثم علم تفصيلا بأن قطرة البول وقعت في هذا الإناء المعين، فإن العلم الإجمالي يزول قهرا؛ إذ لا تردد بعد العلم التفصيلي.

الثاني: الانحلال الحقيقي، و لكن لا بواسطة حدوث علم تفصيلي؛ بل بواسطة انكشاف عدم تعلق العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فيزول أثره و هو التنجيز، و يصح أن نعبر عن مثل هذا العلم الإجمالي بالعلم الإجمالي البدوي؛ لأنه يزول بعد ذلك، كما في موارد تعلق العلم الإجمالي بتكليف مردد بين ما هو محل الابتلاء، و ما هو ليس بمحل الابتلاء، فإن العلم الإجمالي يحدث بدوا؛ لكن بعد معرفة أن أحد طرفيه خارج عن مورد الابتلاء المنافي لتعلق التكليف الفعلي به، يزول العلم الإجمالي و ينكشف بأنه لا تكليف على كل تقدير من أول الأمر، و أن العلم الإجمالي كان وهميا. فهذه الصورة ليست عبارة عن انحلال العلم الإجمالي، بل عبارة عن زواله لانكشاف الخلاف نظير موارد الشك الساري.

و الجامع بين هذه الأقسام هو: عدم تنجز التكليف بالعلم الإجمالي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه قد جمع المصنف في جوابه جميع أقسام الانحلال، فقد أشار إلى الانحلال الحكمي في صدر جوابه، و إلى الانحلال الحقيقي التكويني في ذيل كلامه بقوله: «هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية ...».

و أما بيان الانحلال الحكمي فحاصله: أن منجزية العلم الإجمالي و إن كانت مما يستقل بها العقل؛ لكنها منوطة ببقاء العلم الإجمالي على حاله و عدم انحلاله إلى علم‏

208

علم تفصيلي و شك بدوي، و قد انحل هاهنا فإنه (1) كما علم بوجود تكاليف إجمالا، كذلك علم إجمالا بثبوت طرق و أصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد (2)، و حينئذ (3) لا علم بتكاليف أخرى غير التكاليف الفعلية في الموارد المثبتة من (4) الطرق و الأصول العملية.

إن قلت (5): نعم؛ لكنه إذا لم يكن العلم ...

____________

تفصيلي و شكّ بدوي، فلو انحل في مورد سقط حكم العقل بلزوم الاحتياط في سائر الأطراف؛ و ذلك لسلامة الأصل النافي للتكليف الجاري فيها عن المعارض، و المفروض في المقام: انحلال العلم الإجمالي- بوجود الواجبات و المحرمات في الوقائع المشتبهة- بعلم إجمالي آخر متعلق بالطرق و الأصول المثبتة لمقدار من تكليف مساو للمعلوم بالإجمال أو أزيد منه، فينحل العلم الإجمالي الكبير- المتعلق بجميع الأحكام الإلزامية الواقعية- بهذا العلم الإجمالي الصغير المتعلق بالأمارات و الأصول المثبتة للمقدار المذكور من التكاليف، و بعد الظفر بهذا المقدار الذي أدت إليه الأمارات و الأصول لا يبقى علم بتكاليف واقعية أخرى غيرها حتى يجب رعاية الاحتياط فيها، فما عداها مشكوك بالشك البدوي الذي يكون دعوى الاحتياط فيه عين المتنازع فيه.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

و المشار إليه في «بذلك» لزوم الاحتياط، و ضمير «إلا إنه» راجع على لزوم الاحتياط.

و جملة «و قد انحل هاهنا» حالية، أي: و الحال أنه قد انحل العلم الإجمالي هاهنا إلى علم تفصيلي بما تضمنته الطرق و الأصول، و الشك بدوي فيما عداها.

(1) هذا تقريب الانحلال، و قد عرفت توضيحه. و الأولى تبديل قوله إجمالا بعد «كذلك» ب «تفصيلا» بقرينة تصريحه بذلك في قوله: إلى علم تفصيلي و شك بدوي.

(2) عطف على «بمقدار» يعني: أن مؤديات الطرق و موارد الأصول المثبتة ربما تكون أزيد من أطراف العلم الإجمالي بوجود الواجبات و المحرمات في المشتبهات. و المراد بالتكاليف المعلومة هي: المعلومة بالعلم الإجمالي الكبير الحاصل بمجرد الالتفات إلى الشريعة المقدسة.

(3) أي: و حين العلم بثبوت طرق و أصول معتبرة مثبتة للتكاليف «لا علم بتكاليف أخرى ...».

(4) بيان «المثبتة».

(5) هذا إشكال على الانحلال لوجود مانع منه. و هو سبق العلم الإجمالي بوجود

209

تكاليف على العلم بثبوت الطرق و الأصول المثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة.

توضيح هذا الإشكال يتوقف على مقدمة و هي: أن العلم الإجمالي الصغير بالطرق و الأصول المثبتة تارة: يكون سابقا عن العلم الإجمالي الكبير، و هو العلم الإجمالي بالتكاليف الإلزامية في الشريعة المقدسة، و أخرى: يكون مقارنا له، و ثالثة: يكون لاحقا له.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن العلم الإجمالي الصغير و هو العلم الإجمالي بالطرق و الأصول المثبتة و إن كان موجبا لانحلال العلم الإجمالي بالتكاليف الإلزامية في الشريعة إن كان سابقا أو مقارنا له، فلا يلزم حينئذ رعاية الاحتياط في سائر الأطراف؛ إلا إنه لا يوجب انحلال العلم الإجمالي بالتكاليف الإلزامية إذا كان لاحقا؛ لأن العلم الإجمالي الكبير بالأحكام قد أثر حينئذ في التنجيز بمجرد حدوثه، فتجب رعاية جانب التكاليف المحتملة في المشتبهات التي ليست مؤديات للأمارات و الأصول المثبتة بالاحتياط فيها، و لا موجب لرفع اليد عنه فيها بمجرد قيام الأمارات على مقدار من الأحكام؛ لتوقف الفراغ اليقيني من التكاليف المعلومة إجمالا على ترك المشتبهات في سائر الأطراف.

فلا بد في المقام من التفصيل بين كون العلم بمؤديات الأمارات و موارد الأصول سابقا على العلم الإجمالي الكبير بالأحكام أو مقارنا له، و بين كونه لاحقا، فإنه في صورة تقدمه أو مقارنته يمنع عن تأثير العلم الإجمالي الكبير في تنجيز التكاليف، فلا يلزم رعاية الاحتياط في الشبهات، و أما في صورة لحوقه له و تأخره عن العلم الإجمالي الكبير: فلا يؤثر في انحلاله له؛ بل يلزم رعاية الاحتياط في سائر الأطراف أيضا.

فالمقام- من جهة التنجيز و عدم الانحلال- نظير ما ذكره الشيخ الأنصاري في خامس تنبيهات الشبهة المحصورة من أن الاضطرار إلى بعض الأطراف إن كان قبل العلم الإجمالي أو مقارنا له منع من تنجيزه بالنسبة إلى ما لا اضطرار إليه، و إن كان بعده لم يمنع عنه، فيتعين رعاية الاحتياط في سائر الأطراف.

و المتحصل: أن العلم الإجمالي بوجود التكاليف في الشريعة المقدسة لما كان سابقا على العلم بمؤديات الطرق و موارد الأصول لم ينحل به؛ بل تجب رعاية الاحتياط فيها.

فحاصل الإشكال: إن العلم بالأحكام التي هي مؤديات الطرق و موارد الأصول و إن كان موجبا لانحلال العلم الإجمالي بالأحكام، و لكن هذا الانحلال ليس مطلقا؛ بل هو

210

بها (1) مسبوقا بالعلم بالتكاليف.

قلت (2): إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا (3)، و أما إذا لم يكن كذلك (4)؛ بل مما ينطبق عليه ما علم أولا، فلا محالة قد انحل العلم الإجمالي إلى التفصيلي و الشك البدوي.

إن قلت (5): إنما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإجمال،

____________

مشروط بما إذا لم يكن العلم بالتكاليف التي تضمنتها الطرق و الأصول مسبوقا بالعلم الإجمالي بالتكاليف، و المفروض: سبق العلم الإجمالي بها على العلم بما في الأمارات، فلا ينحل به؛ لأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط.

(1) أي: بالتكاليف التي هي مؤديات أمارات و أصول معتبرة.

فالنتيجة هي: وجوب الاحتياط لتنجز التكاليف الواقعية بالعلم الإجمالي السابق.

(2) هذا جواب الإشكال و حاصله: أن العلم الإجمالي السابق إنما لا ينحل بالعلم التفصيلي اللاحق إذا كان المعلوم بالعلم التفصيلي أمرا حادثا غير المعلوم بالإجمال، كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين بوقوع قطرة من البول في أحدهما، ثم وقعت قطرة من الدم في أحدهما المعين، فهاهنا لا ينحل العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي اللاحق.

و أما إذا كان المعلوم بالتفصيلي اللاحق مما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال السابق؛ كما إذا قامت البينة على نجاسة أحدهما بالخصوص و نحن نحتمل أن هذا هو عين ما علمناه إجمالا بنجاسته سابقا، فحينئذ ينحل العلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي اللاحق، و المقام من هذا القبيل، فإن التكاليف التي قامت عليها الطرق و الأصول المثبتة إن لم تكن هي عين المعلوم بالإجمال السابق فنحن نحتمل لا محالة أن تكون هي عينه، فينحل العلم الإجمالي من أصله.

(3) كما إذا علم إجمالا في الساعة الأولى بإصابة الدم لأحد الإناءين، ثم علم في الساعة الثانية بوقوع قطرة من البول في أحدهما المعين كالإناء الأبيض مثلا، و لا مجال للانحلال هنا؛ لمغايرة سبب المعلوم بالإجمال لسبب المعلوم بالتفصيل، و اقتضاء كل من العلمين تكليفا يمتاز عن الآخر.

(4) أي: لم يكن اللاحق حادثا آخر- يعني: تكليفا جديدا- بل كان متحدا مع السابق، و السابق منطبقا عليه كالمثال الثاني، فلا محالة قد ينحل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي.

(5) هذا إشكال على ما ذكره من انطباق المعلوم الأول على مؤديات الطرق،

211

ذلك (1) إذا كان قضية قيام الطرق على تكليف موجبا لثبوته (2) فعلا.

____________

و انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي.

و توضيح هذا الإشكال يتوقف على مقدمة و هي: أن في حجية الأمارات و الطرق قولين: أحدهما: حجيتها من باب الطريقية.

و ثانيهما: حجيتها من باب السببية و الموضوعية، و الفرق بينهما: أن الأول عبارة عن جعل الحجية للأمارات، بمعنى: ترتيب ما للطرق المعتبرة عليها من الآثار العقلية كالتنجيز في صورة الإصابة، و التعذير في صورة الخطأ؛ كما في القطع عينا، غايته: أن الحجية بمعنى المنجزية و المعذرية في القطع ذاتية، و في الأمارات مجعولة بجعل الشارع. هذا بخلاف الثاني أعني: حجية الأمارات من باب الموضوعية؛ بأن تكون مؤدياتها أحكاما واقعية فعلية، بمعنى: أن قيامها على وجوب شي‏ء أو حرمة ذلك الشي‏ء سبب لحدوث مصلحة نفسية في متعلق الحكم أو مفسدة كذلك، و موجب لجعل حكم واقعي نفسي من وجوب أو حرمة على طبقها.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الانطباق المذكور منوط باعتبار الأمارات من باب الموضوعية و السببية؛ بأن تكون مؤدياتها أحكاما واقعية فعلية- كما هو مقتضى حجية الطرق بنحو السببية- فإنه يعلم حينئذ ثبوت التكاليف تفصيلا بقيام الطرق عليها، فتكون دعوى انطباق الأحكام الواقعية المعلومة إجمالا على تلك المؤديات في محلها.

و أما بناء على اعتبارها بنحو الطريقية- كما هو مذهب المصنف في باب جعل الطرق- فلا يتم الانحلال أصلا؛ و ذلك لعدم العلم التفصيلي بالتكاليف في مؤدياتها حينئذ حتى ينطبق المعلوم بالإجمال عليها؛ لاحتمال خطئها، و مع احتمال خطئها واقعا لا يقطع في مواردها بأحكام حتى ينطبق المعلوم بالإجمال عليها، فلا مجال لدعوى الانطباق مع كون التكليف الذي نهض عليه الطريق محتملا غير مقطوع به.

و عليه: فلا مجال للانحلال، و لا بد من الاحتياط في المشتبهات.

و كيف كان؛ فلا يكاد ينحل العلم الإجمالي السابق بقيام الطرق و الأمارات؛ إذ لا حكم مجعول في مواردها على طبق مؤدياتها؛ كي توجب انحلال العلم الإجمالي السابق.

(1) أي: الانحلال، و هو مفعول لقوله: «يوجب».

(2) هذا الضمير و ضمير «له» راجعان على التكليف.

212

و أما (1) بناء على أن قضية حجيته و اعتباره شرعا ليس (2) إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا- و هو (3) تنجز ما أصابه و العذر عما أخطأ عنه- فلا (4) انحلال؛ لما علم بالإجمال أولا كما لا يخفى.

قلت (5): قضية الاعتبار على اختلاف ألسنة أدلته و إن كانت ذلك على ما قوينا

____________

(1) هذا عدل لقوله: «إذا كان ...»، و ضميرا «حجيته، اعتباره» راجعان على الطريق.

(2) خبر «أن قضية»، يعني: بناء على أن مقتضى حجية الأمارة و الطريق هو ترتيب الآثار العقلية المترتبة على القطع- من التنجيز و التعذير و استحقاق الثواب على الانقياد و العقاب على التجري- على الطريق غير العلمي لا يكون مفاد دليل الاعتبار جعل الحكم الظاهري على طبق المؤدى حتى يوجب الانحلال؛ لعدم إمكان وجود حكمين فعليين لموضوع واحد، أحدهما بمقتضى العلم الإجمالي، و الآخر بقيام الطريق.

(3) الضمير راجع على الموصول في «ما للطريق». المراد به: الآثار العقلية الثابتة للقطع.

(4) هذا جواب «و أما بناء». و وجه عدم الانحلال: ما عرفت من عدم حصول العلم- بناء على الطريقية- بأن مؤديات الطرق هي الأحكام الواقعية؛ لاحتمال عدم إصابتها للواقع، فالتكليف حينئذ محتمل لا معلوم. و التكليف المحتمل غير موجب للانحلال.

(5) هذا جواب الإشكال. و توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي: إن الانحلال على قسمين: أحدهما: هو الانحلال الحقيقي و ثانيهما: هو الانحلال الحكمي. و الفرق بينهما: أن الأول: هو زوال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي. و الثاني:

هو زوال أثر العلم الإجمالي و ارتفاع حكمه من وجوب الاحتياط بقيام الأمارة على التكليف في بعض الأطراف؛ و إن كان العلم الإجمالي باقيا على حاله.

و ذلك لعدم اقتضاء الأمارة غير العلمية لارتفاع التردد و الإجمال من البين. فالتكليف الفعلي هو مؤدى الأمارة فقط، و بعد انحصار الأحكام المنجزة في دائرة الطرق و الأمارات فلا مانع من جريان البراءة في سائر الأطراف.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مقتضى أدلة اعتبار الأمارات؛ و إن كان هو الطريقية بمعنى: ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا- و هو العلم- من التنجيز و التعذير عليها، دون الموضوعية أعني: ثبوت التكليف الفعلي، ضرورة: أن مفاد «صدق العادل» هو البناء على أن ما أخبر به العادل هو الواقع و عدم الاعتناء باحتمال خلافه، و ليس مقتضاه حدوث مصلحة في المؤدى بسبب قيام الطريق عليه؛ كي توجب جعل حكم على طبقها حتى‏

213

في البحث؛ إلا إن نهوض الحجة على ما ينطبق المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف، يكون عقلا بحكم الانحلال، و صرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف‏

____________

يتحقق الانحلال الحقيقي الذي هو زوال الصورة العلمية الإجمالية، ضرورة: بقاء العلم الإجمالي بعد قيام الأمارة أيضا على حاله.

لكنا ندعي في المقام تحقق الانحلال الحكمي بمعنى: اقتضاء الأمارة غير العلمية انصراف التكليف المنجز بالعلم الإجمالي إلى خصوص الطرف الذي قامت عليه الأمارة، فتجري البراءة في غيره من أطراف الشبهة.

و بعبارة أخرى: لما كان مقتضى تنزيل الأمارة غير العلمية منزلة العلم هو ترتيب أثر العلم- من التنجيز و التعذير- عليها، فتكون الأمارة بمنزلة العلم في الآثار التي منها الانحلال، فكما أن العلم التفصيلي بوجود التكليف في طرف معين يوجب انحلال العلم الإجمالي، فكذلك قيام الأمارة على وجوده في أحد الأطراف بعينه يوجب انحلاله.

غاية الأمر: أن الانحلال في العلم حقيقي؛ لتبدل العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي و الشك البدوي، و في الأمارة حكمي بمعنى: ارتفاع حكم العلم الإجمالي- و هو وجوب الاحتياط- بقيام الأمارة على التكليف في طرف معين؛ و إن كان العلم الإجمالي باق على حاله؛ لعدم اقتضاء الأمارة غير العلمية لارتفاع التردد و الإجمال من البين، فلا مانع من جريان البراءة في سائر أطراف المشتبهة.

توضيح بعض العبارات:

ضمير «أدلته» راجع على الاعتبار و المراد من اختلاف ألسنة أدلة الاعتبار هو: وجوب العمل تعبدا كما عليه الشيخ «(قدس سره)»، أو تتميم الكشف كما عليه بعض المحققين، أو تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما بنى عليه المصنف في بعض تنبيهات القطع.

و من المعلوم: أن كلا من جعل الحجية المعبّر عنه بتتميم الكشف، و تنزيل الأمارة منزلة العلم، و جعل الأحكام الظاهرية الطريقية المعبر عنه بتنزيل المؤدى منزلة الواقع مما لا ينفك عن الآخر، فيقع الكلام في أن المستفاد من الأدلة في مقام الإثبات أولا هل هو جعل الحجية كي يستلزمه جعل أحكام ظاهرية طريقية أو بالعكس؟ أي: المستفاد منها أولا هو جعل أحكام ظاهرية طريقية، و يستلزمه جعل الحجية. و المشار إليه لقوله: «ذلك» هو:

كون حجية الأمارات من باب الطريقية و مجرد ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا و هو العلم من التنجيز و التعذير على الطرق غير العلمية و هو غير موجب لانحلال العلم الإجمالي كما تقدم توضيحه.

214

و العذر (1) عما إذا كان في سائر الأطراف، مثلا (2): إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإناءين، و قامت البينة على أن هذا إناؤه، فلا ينبغي الشك في أنه (3) كما إذا

____________

قوله: «على ما قويناه في البحث» إشارة إلى ما تقدم في أوائل بحث الظن، حيث قال: «لأن التعبد بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته، و الحجية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق؛ بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا أصاب، و صحة الاعتذار به إذا أخطأ ... كما هو شأن الحجة غير المجعولة».

قوله: «إلا إن نهوض ...» استدراك على قوله: «و إن كان ذلك».

و قوله: «في بعض الأطراف» متعلق ب «نهوض».

و ضمير «عليه» راجع على الموصول المراد به التكليف، يعني: أن قيام الحجة في بعض الأطراف على التكليف، الذي ينطبق عليه المعلوم بالإجمال يكون عقلا بحكم الانحلال.

قوله: «و صرف تنجزه ...» عطف على «حكم الانحلال» و تفسير له، و ضمير «تنجزه» راجع على «المعلوم بالإجمال». و المراد بحكم الانحلال هو: صرف تنجز المعلوم بالإجمال إلى ما قامت عليه الحجة، يعني: أن قيام الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال يكون عقلا صارفا لتنجّز المعلوم بالإجمال إلى ما قامت عليه من الأطراف فيما إذا صادف الواقع؛ بأن كان ما قامت عليه الحجة هو المكلف به واقعا، و موجبا للعذر- فيما إذا أخطأ- بأن كان المعلوم بالإجمال في غير ما قامت عليه الحجة، مثلا: إذا علم إجمالا بخمرية أحد الإناءين، ثم شهدت البينة بخمرية الإناء الأبيض مثلا، فإن مقتضى دليل اعتبار البينة هو وجوب الاجتناب عن خصوص الإناء الأبيض، و البناء على حصر الخمر الواقعي فيما قامت البينة على خمريته، و انتقال المعلوم بالإجمال إليه، فإذا ارتكبه و صادف كونه خمرا استحق العقوبة على مخالفة التكليف المنجز، و إذا ارتكب الإناء الآخر و تبين أنه الخمر المعلوم بالإجمال كان معذورا في ارتكابه؛ لعدم تنجز التكليف بالاجتناب عن الخمر بالنسبة إلى هذا الطرف، و اختصاصه بالطرف الذي قامت عليه البينة.

(1) عطف على «صرف»، و هو أثر آخر من آثار الحجة.

(2) الغرض من هذا المثال: تنظير المقام به من جهة صرف التنجز إلى ما قامت عليه الحجة.

(3) هذا الضمير راجع على قيام البينة، و قوله: «كما إذا علم ...» خبر «أن» و ضمير

215

علم أنه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر، و لو لا ذلك (1) لما كان يجدي القول بأن قضية اعتبار الأمارات هو كون المؤديات أحكاما شرعية فعلية، ضرورة (2): أنها تكون كذلك بسبب حادث، و هو كونها مؤديات الأمارات‏

____________

«أنه» الثاني راجع على الإناء الذي قامت البينة على أنه إناء زيد، و ضمير «إناؤه» في الموضعين راجع على زيد و ضمير «خصوصه» راجع على «إناء زيد». يعني: لا شك في أن قيام البينة على أن هذا الإناء المعين هو إناء زيد كالعلم بأنه إناء زيد في لزوم الاجتناب عنه بخصوصه.

(1) يعني: لو لا ما ذكرناه من أن قيام الأمارات و الطرق بناء على اعتبارها بنحو الطريقية يكون بحكم الانحلال؛ لم يكن قيامها- بناء على اعتبارها بنحو السببية- مجديا في تحقق الانحلال الحقيقي، فكأنه قال: لو لم يثبت الانحلال الحكمي بناء على الطريقية لم يثبت الانحلال الحقيقي بناء على السببية أيضا.

و غرضه من هذا الكلام: أنه لا بد عند قيام الأمارات و الطرق على بعض الأطراف- بناء على الطريقية في اعتبارها- من الالتزام بالانحلال الحكمي، و بصرف التنجز إلى ما قام الطريق التعبدي عليه؛ إذا لو لم نلتزم بذلك- بناء على اعتبارها بنحو الطريقية- لم يكن قيامها على بعض الأطراف بناء على اعتبارها بنحو السببية أيضا مجديا في تحقق الانحلال الحقيقي الذي اعترف المستشكل بتحققه على مبنى السببية.

فالنتيجة: أنه لو لا الانحلال الحكمي- عند قيام الأمارة بنحو الطريقية- لم يتحقق الانحلال عند قيامها أصلا، سواء قلنا باعتبارها بنحو السببية أم بنحو الطريقية. أما على الطريقية: فواضح؛ لاحتمال خطأ الأمارة، فلا يتحقق الانحلال. و أما على السببية: فلأن مقتضاها حينئذ و إن كان جعل مؤدياتها أحكاما فعلية؛ إلا إن صيرورتها كذلك إنما هي بسبب حادث و هو قيام الطريق الموجب لحدوث مصلحة أو مفسدة في المؤدى توجب تشريع حكم على طبقها، و هذا السبب- لمكان تأخره زمانا عن العلم الإجمالي- لا يقتضي انحلاله لا حقيقة و لا حكما؛ لأنه حادث آخر غير المعلوم بالإجمال، فاللازم على هذا: رعاية الاحتياط في جميع الأطراف كما بنى عليه المحدثون و قد تقدم في «إن قلت» الأول ما يوضح وجه عدم الانحلال بأكثر من هذا.

(2) تعليل لقوله: «لما كان يجدي»، و ضمير «أنها» راجع على «المؤديات».

و قوله: «كذلك» يعني: أحكاما شرعية فعلية، و قد عرفت وجه عدم الإجداء في الانحلال بقولنا: «و أما على السببية فلأن مقتضاها حينئذ و إن كان ...» الخ.

216

الشرعية (1).

هذا (2) إذا لم يعلم ثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار (3) المعلوم بالإجمال؛ و إلا (4) فالانحلال إلى العلم بما في الموارد و انحصار أطرافه (5) بموارد تلك الطرق بلا إشكال كما لا يخفى.

____________

(1) يعني: فكيف يصير هذا الحادث المتأخر موجبا لانحلال العلم الإجمالي المتقدم عليه المغاير له؟

(2) يعني: أن ما ذكرناه من الانحلال الحكمي إنما يكون في صورة عدم العلم بإصابة الطرق للواقع، و احتمال كل من الإصابة و الخطأ فيها، و إلا فمع العلم بإصابة مقدار من الأمارات مساو للمعلوم بالإجمال يكون الانحلال حقيقيا بلا إشكال.

و عليه: فملاك هذا الجواب دعوى انحصار التكاليف المعلومة إجمالا في موارد الأصول المثبتة و مؤديات الأمارات المعتبرة، و هذا يوجب زوال العلم الإجمالي بتلك التكاليف، فإذا علمنا إجمالا بوجود ألف حكم إلزامي مثلا في الشريعة المقدسة، و ظفرنا على هذا المقدار في الأمارات و الأصول المثبتة كفى في الانحلال، و الكاشف عنه أن إخراج ما يساوي مقدار المعلوم بالإجمال- الذي ظفرنا به في الطرق المعتبرة- عن المحتملات، يوجب زوال العلم الإجمالي حقيقة، و صيرورته مجرى للأصل النافي السليم عن المعارض.

و قد تحصل من كلمات المصنف في جواب المحدثين: أن العلم الإجمالي- الذي استدلوا به على وجوب الاحتياط في الشبهات- منحل إما حقيقة بناء على كون مؤديات الطرق بمقدار المعلوم بالإجمال أولا، و العلم بمطابقتها للواقع ثانيا. و إما حكما بناء على عدم العلم بإصابتها للواقع و إن كانت بمقدار المعلوم بالإجمال؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 297- 298».

(3) متعلق ب «ثبوت».

(4) أي: و إذا علم ثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق بمقدار المعلوم بالإجمال؛ فلا إشكال في حصول الانحلال الحقيقي.

(5) الضمير راجع على العلم الإجمالي، و «بلا إشكال» خبر «فالانحلال».

و قوله: «و انحصار» عطف على «فالانحلال» و مفسر له؛ إذ انحصار أطراف العلم الإجمالي بموارد الطرق لازم الانحلال.

217

و ربما استدل بما قيل: من استقلال (1) العقل بالحظر في الأفعال غير الضرورية قبل‏

____________

(1) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين من الدليل العقلي على وجوب الاحتياط.

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه المتقدم إنما هو لوجهين:

أحدهما: أن حكم العقل بوجوب الاحتياط على الوجه الأول كان بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، مع ملاحظة العلم الإجمالي بالتكاليف، بخلاف حكمه به على هذا الوجه، فإنه يكون إما بملاك قبح التصرف في مال الغير بدون إذنه- بناء على الحظر- أو بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل بناء على الوقف، فلا يكون حكمه به بلحاظ العلم الإجمالي بالتكاليف.

و ثانيهما: أن الوجه المتقدم جار في كل شبهة بمقتضى تعميم متعلق العلم الإجمالي للشبهة الوجوبية و التحريمية، بخلاف هذا الوجه فإنه مختص بالشبهة التحريمية.

و قبل توضيح الاستدلال بحكم العقل على هذا الوجه الثاني لا بأس بالإشارة إلى نزاع الحظر و الإباحة في الأشياء؛ لأن صحة الاستدلال بهذا الوجه على وجوب الاحتياط يتوقف على القول بالحظر في مسألة حكم العقل في الأشياء قبل الشرع فنقول: إنهم اختلفوا في حكم العقل بالجواز و عدمه فيما لا يستقل العقل بحسنه و قبحه من الأفعال غير الضرورية على أقوال ثلاثة:

الأول: أن الأصل في الأشياء التي لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها و لا مضطر إليها هو الحظر أي: المنع، و أن العقل يحكم بعدم جوازها ما لم يرد رخصة من الشارع فيها، و يعبر عنه بأصالة الحظر، و ذهب إليه طائفة من الإمامية، و وافقهم عليه جماعة من الفقهاء، و نظرهم في ذلك إلى أن الأشياء كلها مملوكة لله تعالى، فلا يجوز التصرف فيها بدون إذنه؛ لعدم جواز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه.

الثاني: أن الأصل فيها الإباحة، و أن العقل يحكم بجوازها ما لم يصل من الشارع منع عنها، و يعبر عنه بأصالة الإباحة، و ذهب إليه كثير من متكلمي البصريين و كثير من الفقهاء، و اختاره السيد المرتضى «(قدس سره)»، و نظرهم في ذلك إلى أن كل ما يصح الانتفاع به و لا ضرر فيه عاجلا أو آجلا على أحد فهو حسن؛ إذ ليس الضرر إلا مفسدة دينية أو دنيوية، فلو كان فيه ضرر لوجب على القديم تعالى إعلامنا به، و حيث لم يعلمنا به- حسب الفرض- علمنا إنه ليس فيه ضرر فهو حسن، و حيث كان حسنا كان مباحا و هو المطلوب.

الثالث: أن الأصل فيها الوقف بمعنى: أنه لا حكم للعقل فيها لا بالحظر و لا بالإباحة

218

الشرع، و لا أقل من الوقف و عدم (1) استقلاله لا به و لا بالإباحة، و لم يثبت (2) شرعا إباحة ما اشتبه حرمته، فإن ما دل على الإباحة معارض بما دل على وجوب التوقف أو الاحتياط.

____________

لبطلان ما استند إليه أصحاب القولين الأولين، و ذهب إليه كثير من الناس، و اختاره الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي «قدهما».

و قال الشيخ الطوسي في عدة الأصول في وجه بطلان القول بالإباحة ما لفظه: «قد ثبت في العقول: أن الإقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل إقدامه على ما علم قبحه».

إذا عرفت هذه الأقوال فاعلم: أن استدلال الأخباريين بأصالة الحظر على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية منوط بالقول بالحظر في تلك المسألة، فكل فعل محتمل الحرمة- بلا اضطرار إليه- محكوم بالحرمة عقلا، و لو لم نقل به فلا أقل من الوقف، فيكون الإقدام على المشتبه كالإقدام على معلوم الحرمة، فلا يجوز ارتكابه، فشرب التتن المشكوك حكمه غير جائز بحكم العقل، و معه لا يتوجه الالتزام بإباحة ما لم ينهض دليل على حرمته، و هنا كلام طويل تركناه رعاية للاختصار. هذا تلخيص ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 400- 402».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «قبل الشرع» ظرف لقوله: «استقلال العقل»، يعني: فيثبت الحظر فيما بعد الشرع باستصحاب عدم تشريع الإباحة بناء على جريانه في العدم الأزلي، و يمكن أن يراد بقوله: «قبل الشرع» القبلية في الرتبة، فالمعنى: أن العقل- مع الغض عن الشرع- يستقل بالحظر، فهو الحاكم به متى ما شك في تشريع الإباحة.

(1) عطف تفسيري على «الوقف»، و ضمير «به» راجع على الحظر.

(2) إشارة إلى أن هذا الدليل العقلي مؤلف من مقدمتين:

إحداهما: ما أشار إليه بقوله: «من استقلال العقل بالحظر»، و قد تقدمت.

ثانيتهما: ما أشار إليه هنا بقوله: «و لم يثبت شرعا ...» الخ، و يكون وجه عدم ثبوت الإباحة شرعا إما عدم نهوض دليل عليها، و إما ابتلاؤه بالمعارض، فلا يجوز الارتكاب حينئذ إذ لا مؤمّن له عقلا و لا شرعا.

قوله: «فإن ما دل ...» الخ تعليل لقوله: «و لم يثبت»، و قد عرفته أيضا.

219

و فيه أولا (1): أنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف (2) و الإشكال؛ و إلا لصح (3) الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال (4) على الإباحة.

و ثانيا (5): أنه تثبت الإباحة شرعا؛ لما عرفت: من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها.

____________

(1) أي: قد أورد المصنف «(قدس سره)» على هذا الوجه العقلي بوجوه ثلاثة:

أولها: ما أشار إليه بقوله: «إنه لا وجه للاستدلال ...»، و هو راجع على منع المقدمة الأولى، و هي استقلال العقل بالحظر.

و تقريب المنع: أن ما ذكرتم من كون الأصل في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع هو الحظر حتى يبني عليه وجوب الاحتياط في مسالة البراءة و الاحتياط غير مسلم، لما عرفت من أنه أحد الأقوال الثلاثة فيها، فمسألة أصالة الحظر بنفسها محل الخلاف، و لا وجه لابتناء وجوب الاحتياط على ما هو بنفسه محل الكلام و مورد النقض و الإبرام.

و لو صح ذلك لصح الاستدلال بالقول الثاني في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع- و هو أصالة الإباحة- على البراءة في المقام، فإن القائل بالبراءة في مشتبه الحكم استند- كما تقدم في بيان أدلته- إلى استقلال العقل بها؛ لقبح العقاب بلا بيان، و ادعى أنها الأصل في الأشياء قبل الشرع.

(2) و هو أن الأصل في الأشياء قبل الشرع هو الحظر أو الإباحة.

(3) يعني: و إن صح للخصم الاستدلال بما هو محل الخلاف لصح لنا أيضا «الاستدلال ...» الخ.

(4) أي: الأفعال غير الضرورية مما لا يدرك العقل حسنها أو قبحها.

(5) هذا هو الوجه الثاني من وجوه إيراد المصنف على الوجه الثاني من الدليل العقلي على وجوب الاحتياط، و هو راجع على منع المقدمة الثانية منه، و هي عدم ثبوت إباحة ما اشتبه حرمته، فيقال في توضيحه: إن الإباحة ثابتة شرعا؛ لما عرفت من عدم نهوض أدلة التوقف و الاحتياط للمعارضة مع ما دل على البراءة، و تقديم ما دل على البراءة عليها؛ لما عرفت: من أخصية و أظهرية أدلتها من أدلة التوقف و الاحتياط.

هذا مضافا إلى وجود القرائن الصالحة لصرف ظواهر أوامر الوقوف و الاحتياط من المولوية إلى الإرشادية كما تقدم بيانه تفصيلا. و عليه: فالإباحة ثابتة شرعا لمجهول الحكم، و لا تصل النوبة إلى أصالة الحظر على فرض تسليمها. و ضمير «عليها» راجع على الإباحة و البراءة.

220

و ثالثا (1): أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة؛ لاحتمال (2) أن يقال معه بالبراءة لقاعدة (3) قبح العقاب بلا بيان.

و ما قيل (4): من «أن الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته كالإقدام على ما تعلم فيه‏

____________

(1) هذا هو الوجه الثالث من وجوه إيراد المصنف إلى الدليل العقلي الثاني، و هو راجع على منع الملازمة بين المسألتين، فيقال في توضيحه: إنه بعد تسليم عدم ثبوت الإباحة شرعا- لا ملازمة بين القول بالوقف في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع من الحظر و الإباحة، و بين القول بالاحتياط في مسألة البراءة؛ بحيث يكون اختيار الوقف في تلك المسألة كافيا في ثبوت الاحتياط هنا؛ و ذلك لاختلاف المسألتين موضوعا- كما نسب إلى المصنف في بحثه الشريف- ضرورة: أن الموضوع في تلك المسألة فعل المكلف من حيث هو، يعني: مع قطع النظر عن تشريع حكم له مجهول عند المكلف، فيبحث هناك عن أن هذا الفعل من حيث هو هل يكون- في نظر العقل- محكوما بالإباحة أم بالحظر؟ بخلاف مسألة البراءة، فإن الموضوع فيها هو فعل المكلف بما هو مجهول الحكم هل يحكم عليه شرعا بالإباحة أم بالاحتياط؟

(2) تعليل لقوله: «لا يستلزم»، و ضمير «معه» راجع على «القول بالوقف في تلك المسألة».

(3) تعليل لقوله: «أن يقال»، يعني: من الممكن أن يكون القول بالبراءة مستندا إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان في هذه المسألة، مع اختيار الوقف في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع من الإباحة و الحظر.

(4) هذا إشارة إلى قول شيخ الطائفة «(قدس سره)» في عدة الأصول.

و غرض المصنف من ذكر كلامه هنا هو: دفع توهم عدم جريان البراءة العقلية نظرا إلى كلام شيخ الطائفة؛ بأن يقال في تقريب توهم عدم جريانها: إن احتمال التكليف يلازم احتمال المصلحة أو المفسدة بناء على ما هو الحق من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و عليه: فمخالفة محتمل الحرمة توجب احتمال الضرر الناشئ من الملاك و هو المفسدة؛ لأنها ضرر على المكلف، و دفع الضرر المحتمل واجب فيجب ترك محتمل الحرمة، و لا تصل النوبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن قاعدة دفع الضرر المحتمل واردة عليها.

و عليه: فهذا التوهم مؤلف من صغرى و هي: «أن ارتكاب محتمل الحرمة لكونه محتمل المفسدة ضرر كارتكاب معلوم الحرمة».

221

المفسدة ممنوع (1).

و لو قيل (2) بوجوب دفع الضرر المحتمل: فإن (3) المفسدة المحتملة في المشتبه ليس‏

____________

و كبرى و هي: «أن كل ضرر يجب دفعه»، فارتكاب محتمل الحرمة يجب دفعه، و لا يتحقق دفعه إلا بتركه فيجب.

فالنتيجة: أن الإقدام على ارتكاب المشتبه حرام.

(1) خبر «و ما قيل»، و جواب عن التوهم المزبور.

و حاصل ما أفاده المصنف في الجواب عن هذا التوهم: هو وجهان: الأول منهما يرجع إلى منع الصغرى، و الثاني منها يرجع إلى منع الكبرى.

و حاصل الوجه الأول: أن الأحكام و إن كانت تابعة للمصالح و المفاسد؛ إلا إنهما ليستا راجعتين إلى المنافع و المضار حتى يكون احتمال المفسدة مساوقا لاحتمال الضرر، و احتمال المصلحة مساوقا لاحتمال المنفعة؛ بل قد تكون المصلحة منفعة و قد لا تكون، بل قد يكون فيما فيه المصلحة ضرر على المكلف كالإحسان إلى الفقراء، فإن مصلحته منوطة ببذل المال و هو ضرر، و كذا المفسدة فقد تكون ضررا و قد لا تكون؛ بل قد يكون فيما فيه المفسدة منفعة كسرقة الأموال.

و عليه: فاحتمال الضرر في مشتبه الحكم ضعيف لا يعتد به العقلاء، و لا يحكم العقل بوجوب دفعه.

و حاصل الوجه الثاني:- و هو منع الكبرى- أنه بعد تسليم الصغرى- بأن يقال: إن المصلحة و المفسدة مساوقتان للمنفعة و المضرة- لا يجب الاجتناب عن كل ضرر؛ بل قد يجب عقلا و شرعا تحمل بعض المضار مثل حكم العقل بوجوب بذل المال الكثير لإنقاذ مؤمن من الغرق. و حكم الشارع بوجوب ما يستلزم الضرر في المال أو النفس كالحج و الجهاد مثلا، هذا بالنسبة إلى الضرر المعلوم حيث وجب تحمله عقلا و شرعا، فكيف بالمشكوك فإنه أولى بالتحمل؟

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(2) فلو لم نقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فالمنع أولى.

(3) تعليل لقوله: «ممنوع»، و إشارة إلى منع الصغرى؛ إذ لا ملازمة بين الضرر و المفسدة، فإن في عدم إعطاء الزكاة مفسدة، و ليس فيه ضرر، و في بذل المال للفقراء مصلحة و ليس فيه نفع.

222

بضرر غالبا، ضرورة (1): أن المصالح و المفاسد التي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع و المضار؛ بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر (2)، و المفسدة فيما فيه المنفعة (3)، و احتمال (4) أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالبا لا يعتنى به قطعا.

مع أن (5) الضرر ليس دائما مما يجب التحرز عنه عقلا؛ بل يجب ارتكابه (6) أحيانا فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره، مع القطع به فضلا عن احتماله.

بقي أمور مهمة لا بأس بالإشارة إليها:

____________

(1) تعليل لعدم كون المفسدة ضررا غالبا.

(2) كدفع الزكاة.

(3) كسرقة أموال الغير.

(4) مبتدأ خبره قوله: «ضعيف»، و هو تتمة للمطلب المتقدم، أعني: عدم كون المفسدة المحتملة في المشتبه ضررا غالبا، فاحتمال ضرر في المشتبه ضعيف غالبا؛ بحيث لا يعتنى به قطعا؛ لأن إحراز الصغرى في ترتيب حكم الكبرى عليها مما لا بد منه.

(5) إشارة إلى الوجه الثاني من الجواب، و هو يرجع إلى منع الكبرى.

و قد تقدم توضيح المنع.

و كيف كان؛ فوجوب دفع الضرر عقلا إنما يكون فيما إذا تعلق الغرض بدفعه، و أما إذا تعلق بعدم دفعه كما في فرض مزاحمته لما هو أهم منه فلا يستقل العقل حينئذ بلزوم دفعه.

(6) هذا الضمير و ضميرا «به، احتماله» راجعة على الضرر، و المراد بالموصول في «فيما» المورد الضرري، و ضمير «عليه» راجع على الموصول في «فيما»، و ضمير «نظره» راجع على الشارع. و المراد بالموصول في «مما» المصلحة، و ضمير «ضرره» راجع على المورد الضرري، و المعنى: أنه يجب ارتكاب الضرر أحيانا في المورد الضرري الذي يكون الأثر المترتب على ذلك المورد أهم في نظر الشارع من المصلحة الموجودة في الاحتراز عن ضرر ذلك المورد؛ كبذل المال، فإنه ضرر لكن يجب ارتكابه أحيانا في بعض الموارد كتحصيل الطهارة المائية؛ لأن الأثر المترتب على بذل المال في هذا المورد الضرري أهم في نظر الشارع من مصلحة إمساك المال و ترك بذله.

و في بعض الحواشي: جعل مرجع الضمير في «نظره» العقل لا الشارع.

و ضميرا «به، احتماله» راجعان على الضرر.

و كيف كان؛ فما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 4 ص 311»- لا يخلو عن فائدة

223

بالنسبة المحصلين حيث قال: «فمثلا: كان في السفر ضرر خسارة أجرة الطريق لكن كان ترك هذا السفر موجبا لسرقة اللص أمواله؛ بحيث كان الضرر المتوجه عليه من ارتكاب السفر الضار لا يعد شيئا بالنسبة إلى الضرر المتوجه إليه في تركه، فإن العقل يوجب ارتكاب ذلك الضرر المتيقن فرارا عن ضرر أكثر، فكيف إذا كان الضرر محتملا لا متيقنا؟

و ما نحن فيه كذلك، فإن ضرر العسر و الحرج الناشئ من اجتناب المشتبهات أكثر من ضرر المشتبه حتى لو قطعنا بضرره، فكيف بما لو احتملنا ضرره كما هو الغالب؟

و بهذا كله تحقق أن الأصل في المشتبه البراءة مطلقا من غير فرق بين الشبهة الحكمية و الموضوعية و الوجوبية و التحريمية إلا ما خرج بالدليل، أو لم يشمله دليل البراءة كالشبهات البدوية الحكمية قبل الفحص، و الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، و الشبهة في الأمور المهمة كالدماء و الأموال و الفروج؛ بل و الشبهة البدوية الموضوعية قبل الفحص».

و تفصيل الكلام في هذه الموارد موكول إلى محله.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- قد قرر الدليل العقلي على وجوب الاحتياط بوجهين:

أما توضيح الوجه الأول منهما فيتوقف على مقدمة، و هي مؤلفة من صغرى وجدانية، و كبرى برهانية.

و الصغرى: أن كل مكلف بمجرد التفاته يعلم إجمالا بوجود واجبات و محرمات كثيرة في موارد الشك في الوجوب و الحرمة.

و الكبرى هي: استقلال العقل بتنجز التكاليف الشرعية بالعلم الإجمالي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه قد تقرر في محله: وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي من فعل كل ما احتمل وجوبه و ترك كل ما احتمل حرمته؛ لأن العلم بالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية.

و حاصل جواب المصنف عن هذا الوجه: هو انحلال العلم الإجمالي حقيقة أو حكما، و الأول: عبارة عن زوال العلم الإجمالي. و الثاني: أن لا يكون العلم الإجمالي منجزا للتكليف كما في موارد الطرق و الأمارات.

2- الإشكال على الانحلال بوجود مانع: و هو سبق العلم الإجمالي بوجود

224

تكاليف كثيرة على العلم بثبوت الطرق و الأصول المثبتة للتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة بالعلم الإجمالي السابق، فيؤثر العلم الإجمالي السابق في تنجز التكاليف المعلومة به، و لازم ذلك: وجوب الاحتياط في غير موارد الطرق و الأصول المثبتة من موارد الشك في التكليف و هو المطلوب مدفوع؛ بأن العلم الإجمالي السابق يؤثر في وجوب الاحتياط إذا كان المعلوم بالعلم اللاحق أمرا حادثا غير المعلوم بالعلم الإجمالي كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين بوقوع قطرة من البول في أحدهما، ثم وقعت قطرة من الدم في أحدهما المعين، فلا ينحل العلم الإجمالي السابق بالعلم التفصيلي اللاحق.

و أما إذا كان المعلوم بالعلم التفصيلي اللاحق مما ينطبق عليه المعلوم بالعلم الإجمالي السابق، كما إذا قامت البينة على نجاسة أحدهما بالخصوص- في المثال المذكور- و نحن نحتمل أن هذا هو عين ما علمناه إجمالا بنجاسته سابقا، فينحل العلم الإجمالي السابق بالعلم التفصيلي اللاحق، و المقام من هذا القبيل، فإن التكاليف التي قامت عليها الطرق و الأصول المثبتة إن لم تكن هي عين المعلوم بالإجمال السابق فنحن نحتمل لا محالة أن تكون هي عينه، فينحل العلم الإجمالي من أصله.

3- الإشكال على الانحلال: بأن الانحلال مبني على الانطباق أي: انطباق المعلوم بالعلم الإجمالي الأول على مؤديات الطرق. و الانطباق المذكور مبني على القول بحجية الأمارات و الطرق من باب السببية. و أما على القول بحجيتها من باب الطريقية كما هو الحق عند المصنف «(قدس سره)» فلا يتم الانحلال بانطباق المعلوم بالعلم الإجمالي الأول على مؤديات الأمارات؛ و ذلك لاحتمال خطئها، و مع هذا الاحتمال لا يقطع في مواردها بأحكام حتى ينطبق المعلوم بالإجمال عليها، فلا مجال حينئذ لدعوى الانطباق؛ و ذلك لكون التكليف الذي نهض عليه الطريق محتملا لا مقطوعا به.

و عليه: لا بد من الاحتياط في المشتبهات مدفوع؛ بأن الانحلال الحقيقي و إن كان غير حاصل إلا إن الانحلال الحكمي بمعنى اقتضاء الأمارة غير العلمية انصراف التكليف المنجز بالعلم الإجمالي إلى خصوص الطرف الذي قامت عليه الأمارة قد يكون حاصلا، فنجري البراءة في غير مورد الأمارة من أطراف الشبهة و هو المطلوب.

4- تقريب الوجه الثاني من الدليل العقلي على وجوب الاحتياط: أن الأصل في الأشياء التي لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها قبل الشرع هو الحظر و المنع، فيجب الاحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية، فكل فعل محتمل الحرمة محكوم بالحرمة

225

عقلا، فشرب التتن المشكوك حكمه غير جائز عقلا.

5- و قد أجاب- عن هذا الوجه- المصنف بوجوه:

الأول: أن مسألة الحظر في الأشياء قبل الشرع محل الخلاف و الإشكال، و لا يصح الاستدلال بما هو محل الخلاف، و لو صح ذلك لصح الاستدلال بالقول بالإباحة في حكم الأشياء قبل الشرع على البراءة في المقام.

الثاني: أن الإباحة ثابتة شرعا لما عرفت من تقديم أدلة البراءة على أدلة الاحتياط و التوقف للأخصية و الأظهرية. هذا مضافا إلى القرائن الصالحة لصرف ظواهر أوامر التوقف و الاحتياط من المولوية إلى الإرشادية.

الثالث: أنه بعد تسليم عدم ثبوت الإباحة شرعا لا ملازمة بين القول بالحظر أو التوقف في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع و بين القول بالاحتياط في هذه المسألة؛ لاختلاف المسألتين موضوعا؛ لأن الموضوع في تلك المسألة هو فعل المكلف من حيث هو، مع قطع النظر عن تشريع حكم له مجهول عند المكلف، بخلاف هذه المسألة فإن الموضوع فيها هو فعل المكلف بما هو مجهول الحكم.

6- و ما قيل: من توهم عدم جريان البراءة العقلية في المقام لأجل كون التكليف ملازما لاحتمال المصلحة أو المفسدة، فاحتمال الحرمة في الشبهة التحريمية ملازم لاحتمال الضرر و هو المفسدة، و دفع الضرر المحتمل واجب عقلا، فيجب ترك محتمل الحرمة و لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن قاعدة دفع الضرر المحتمل واردة عليها؛ مدفوع بوجهين:

الأول: أن الأحكام و إن كانت تابعة للمصالح و المفاسد إلا إنهما ليستا راجعتين إلى المنافع و المضار حتى يحتمل الضرر في محتمل الحرمة كي يجب دفعه بحكم العقل.

الثاني: أنه بعد تسليم كون المفسدة ملازمة للضرر يقال: بعدم وجوب دفع كل ضرر؛ بل قد يجب شرعا و عقلا تحمل المضار مثل: حكم العقل ببذل المال الكثير لإنقاذ مؤمن من الغرق، و حكم الشرع بالحج و الجهاد مع ما فيهما من الضرر في المال و النفس، فإذا جاز ارتكاب الضرر المقطوع كما في الأمثلة المذكورة لجاز ارتكاب الضرر المحتمل في محل الكلام بطريق أولى.

7- رأي المصنف «(قدس سره)»:

عدم تمامية الاستدلال بالدليل العقلي على وجوب الاحتياط.

226

الأول (1): إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعا و عقلا فيما لم يكن هناك أصل‏

____________

في تنبيهات البراءة

(1) الغرض من عقد الأمر الأول: هو بيان شرط من شروط جريان أصالة البراءة و هو عدم وجود أصل موضوعي حاكم أو وارد عليها، فأصل البراءة إنما يجري فيما إذا لم يكن أصل موضوعي في مورده؛ لأن الأصل الجاري في الموضوع يتقدم على الأصل الجاري في الحكم بالحكومة كما يقول الشيخ به أو بالورود، كما هو مختار المصنف.

و توضيح ما هو المراد من الأصل الموضوعي يتوقف على مقدمة و هي: أن الأصل الموضوعي و إن كان يطلق بحسب الاصطلاح على الأصل الجاري في الموضوع لإحراز حكمه؛ كاستصحاب خمرية مائع شك في انقلابه خلا فإنه رافع لموضوع أصالة الحل فيه؛ إلا أن المراد منه في المقام ليس ما هو المصطلح؛ بل هو مطلق الأصل الذي يكون رافعا لموضوع الأصل الآخر، سواء كان جاريا في الموضوع كالمثال المذكور، أو في الحكم كاستصحاب حرمة الوطء عند الشك في جوازه بعد حصول النقاء، و قبل اغتسال المرأة عن الحيض. فاستصحاب حرمة الوطء مقدم على أصالة الإباحة الحكمية من باب الحكومة أو الورود؛ لأن الحكم بالحلية عند الشك فيها و في الحرمة إنما يصدق إذا لم يرد من الشارع تعبد بأحد طرفي الشك، و معه لا شك في الحرمة الظاهرية.

و بعبارة واضحة: أن الشك في حلية الوطء و حرمته ناش عن الشك في بقاء الحرمة السابقة و عدمه، فمع الأمر بالبقاء و النهي عن النقض لا شك في الحكم حتى يتمسك بأصالة الحلية.

و كيف كان؛ فإن موضوع أصل البراءة عقلا هو عدم البيان، و الأصل الموضوعي بيان يرتفع به موضوع أصل البراءة عقلا و موضوع أصل البراءة شرعا هو الشك قد يرتفع تعبدا بالأصل، فيكون الأصل السببي من مصاديق الأصل الموضوعي؛ لأنه حاكم على الأصل المسببي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ما أفاده المصنف من أن جريان أصالة البراءة مشروط بعدم وجود أصل موضوعي كالبراءة في شرب التتن مثلا حيث لا يكون في موردها أصل موضوعي، و إلا فالأصل الموضوعي يكون بيانا عقلا و حجة شرعا، فيكون رافعا للشك و لو تعبدا، فيتقدم على أصالة البراءة بالحكومة أو الورود على خلاف، من دون فرق بين أن تكون الشبهة حكمية كاستصحاب حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم و قبل الاغتسال، فيما إذا شك في جواز الوطء، أو تكون الشبهة موضوعية

227

كاستصحاب خمرية مائع فيما إذا شك في انقلابه خلا، فإن الاستصحاب في الأول يمنع عن التمسك بأصالة البراءة، و في الثاني رافع لموضوع البراءة فيتقدم على أصالة البراءة في كلا الموردين.

و كيف كان؛ فالضابط هو: أن كل مورد جعل الشارع للحكم بالحلية سببا خاصا كالأموال و الفروج و اللحوم، حيث جعل سبب حلية الأموال الملكية، و الفروج النكاح، و اللحوم التذكية، فإذا شك في حلية هذه الأمور لأجل الشك في تحقق أسبابها لا تجري أصالة الحلية و البراءة؛ لأجل وجود أصل موضوعي حاكم أو وارد عليها، و هو أصالة عدم تحقق السبب في كل واحد منها.

ثم يتفرع على الضابط المذكور جريان أصالة عدم التذكية و الحكم بالحرمة و النجاسة فيما إذا شك في حلية لحم حيوان من جهة الشك في قبوله التذكية؛ لأن من شرائط التذكية قابلية المحل لها، و هي مشكوكة بالفرض، فتجري أصالة عدم التذكية، و حينئذ:

لا مجال لأصالة البراءة.

و حاصل الكلام في المقام: أن أصل المطلب بنحو الكلية معلوم لا كلام فيه، و إنما الكلام في الفرع المذكور في المسألة و هو ما إذا شك في حلية حيوان لأجل الشك في التذكية، فهل تجري أصالة عدم التذكية؛ كي لا يكون مجال لأصالة البراءة أو لا تجري؟

و كيف كان؛ فإن المشهور مثلوا في المقام بأصالة عدم التذكية عند الشك فيها، فحكموا بتقدمها على أصالة الطهارة و الحل.

و بما أن المسألة مفيدة جدا فلا بد من بسط الكلام في توضيحها فنقول: إن توضيحها يتوقف على مقدمة و هي مشتملة على أمور تالية:

1- بيان صور المسألة و أقسامها.

2- بيان ما هو المقصود من التذكية شرعا.

3- بيان ما هو موضوع الحرمة و النجاسة.

و أما صور المسألة فهي: أن الشك في الحرمة لا يخلو عن أحد احتمالين:

أحدهما: أن تكون الشبهة فيه حكمية.

و ثانيهما: أن تكون موضوعية.

و أما أقسام الشبهة الحكمية فهي أربعة.

1- أن يكون الشك في الحلية من غير جهة التذكية و عدمها، و إنما هو من جهة عدم‏

228

الدليل على الحلية كالشك في لحم الحمار فرضا، و المرجع فيه أصالة الحلية لكون التذكية محرزة بالوجدان، فيحكم بالحلية ما لم تثبت الحرمة.

2- أن يكون الشك في الحلية لأجل الشك في قابلية الحيوان للتذكية؛ كالحيوان المتولد من الشاة و الخنزير، من دون أن يصدق عليه اسم أحدهما، و لم يكن له مماثل مما يقبل التذكية أو لا يقبلها، فالمرجع فيه أصالة عدم التذكية؛ لأن القابلية إما جزء لها أو قيد، و على كل تقدير: فلا يفيد قطع الأوداج مع سائر شرائط التذكية إلا إذا وقع على حيوان قابل للتذكية، و مع الشك فيها يستصحب عدم التذكية إلا أن يكون هناك عموم يدل على قابلية كل حيوان للتذكية إلا ما خرج بالدليل كالخنزير مثلا، فحينئذ يحكم بالحلية بعد وقوع التذكية عليه؛ إذ مع وجود الدليل الاجتهادي- كالعموم- لا تجري أصالة عدم التذكية.

3- أن يكون الشك في الحلية ناشئا من جهة الشك في اعتبار شي‏ء في التذكية، كما إذا شك في اعتبار كون الذبح مشروطا بآلة من الحديد و عدمه مثلا، و المرجع فيه أصالة عدم التذكية فيما إذا تم الذبح بغير الحديد؛ للشك في تحقق التذكية فيحكم بالحرمة.

4- أن يكون الشك في الحلية بعد العلم بالتذكية من جهة مانع عن تأثيرها في الحلية؛ كعروض الجلل للحيوان، و المرجع فيه أصالة عدم المانعية، فيحكم بالحلية. هذا تمام الكلام في أقسام الشبهة الحكمية.

و أما أقسام الشبهة الموضوعية فهي أيضا أربعة:

1- ما كان الشك فيه ناشئا من جهة احتمال عدم وقوع التذكية لأجل الشك في أصل تحقق الذبح، أو لاحتمال اختلال بعض الشرائط؛ ككون الذابح مسلما أو كون الذبح بالحديد أو غيرهما، مع العلم بكون الحيوان قابلا، و المرجع فيه هو: أصالة عدم التذكية فيحكم بالحرمة.

2- ما كان الشك في الحلية ناشئا من جهة دوران اللحم بين كونه من حيوان مأكول اللحم، و بين كونه من غيره، بعد العلم بكون الحيوان قابلا للتذكية و وقوعها عليه مع الشرائط، كما إذا لم يعلم أنه من الشاة أو الأرنب، فالمرجع فيه هو أصالة الحلية، و ذلك للعلم بالتذكية، و احتمال الحرمة يرتفع بأصالة الحلية.

229

3- ما كان الشك في الحلية ناشئا من جهة احتمال عدم قبول الحيوان للتذكية ذاتا بعد العلم بوقوع الذبح الجامع للشرائط عليه، كما لو تردد المذبوح بين كونه شاة أو كلبا من جهة الظلمة مثلا، فالمرجع فيه أصالة الحلية إذا قلنا بعموم يدل على قابلية كل حيوان للتذكية، أو قلنا بجريان الاستصحاب في العدم الأزلي؛ كاستصحاب عدم الكلبية في المقام مثلا.

و أما إذا منعنا عن كلا الأمرين أو عن أحدهما: فإن قلنا: بأن التذكية أمر وجودي بسيط مسبب عن الذبح الجامع للشرائط، فالمرجع هو استصحاب عدم التذكية، فيحكم بالحرمة. و أما إذا قلنا: بأن التذكية عبارة عن نفس الفعل الخارجي: فالمرجع هو أصالة الحلية للقطع بتحقق التذكية.

4- ما كان الشك في الحلية ناشئا من جهة احتمال طرو عنوان مانع عن التذكية؛ كالجلل في الشاة مثلا بعد العلم بكون الحيوان قابلا للتذكية ذاتا، و العلم بوقوعها عليه، و مرجعه إلى أصالة الحلية لأصالة عدم طرو مانع عن التذكية، فتثبت التذكية بضم الوجدان و هو الذبح الجامع للشرائط إلى الأصل المذكور؛ كما في «دروس في الرسائل، ج 2، ص 405».

هذا تمام الكلام في صور المسألة و أحكام تلك الصور و الأقسام.

و أما الأمر الثاني- و هو بيان ما هو المقصود من التذكية شرعا- فالتحقيق: أن التذكية بمفهومها العرفي و إن كانت عبارة عما يساوق النزاهة و النظافة و الطهارة؛ إلا إنها شرعا في محل الكلام تدور بين أمور:

1- أن تكون أمرا بسيطا مسببا من الأمور التالية:

أ- فري الأوداج.

ب- و كونه بالحديد.

ج- و قابلية الحيوان للذبح.

د- مستقبلا إلى القبلة.

ه- كون الذبح بالتسمية.

و- كون الذابح مسلما.

2- أن تكون أمرا انتزاعيا ينتزع من هذه الأمور، دون أن يكون له واقعية وراء منشأ انتزاعه.

230

3- أن تكون مركبة من هذه الأمور في حال الاجتماع.

4- أن تكون عبارة عن فري الأوداج مشروطة بالأمور الخمسة الباقية.

إذا عرفت هذه الاحتمالات في التذكية فاعلم: أنه لا إشكال في جريان أصالة عدم التذكية على المعنى الأول في صورة الشك في تحقق التذكية؛ لأن الشك فيها يرجع إلى الشك في حصول ذلك الأمر البسيط و عدمه.

و لا إشكال أيضا في عدم جريانها على المعنى الثالث إلا من باب أصل العدم الأزلي؛ لأن الجزء الأول و الثاني و الرابع و الخامس و السادس حاصل بالوجدان، و الجزء الثالث- و هو القابلية ليس عدمه متيقنا في السابق إلا من باب العدم الأزلي، فتجري حينئذ أصالة الطهارة بلا مانع، بناء على القول بعدم حجية أصل العدم الأزلي.

و لا إشكال أيضا في عدم جريانها على المعنى الرابع؛ إذ مقتضى الشك في بعض ما يعتبر في التذكية عدم تحققه.

و أقرب الاحتمالات هو الاحتمال الرابع.

و الاحتمالان الأولان بعيدان عن الفهم العرفي، و لعل من ذهب إلى أن التذكية أمر بسيط أو منتزع خلط التذكية «بالذال» بالتزكية «بالزاء»، فكون الثاني أمرا بسيطا أو منتزعا أمر محتمل، و أما الأول فالظاهر هو الذبح و فري الأوداج الوارد على حيوان قابل، غير أن الشارع شرط هنا شرائط و التذكية بمعنى الذبح و فري الأوداج أمر عرفي كان قبل الإسلام و بعده، غير أن الإسلام أضاف شروطا، و لذلك يصح الرجوع إلى إطلاق أدلة التذكية لنفي اعتبار الأمر المشكوك، خلافا لمن لم يجعلها أمرا عرفيا كالمحقق الخوئي «(قدس سره)»؛ كما في «المحصول في علم الأصول، ج 3، ص 435» مع تصرف ما.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني من المقدمة.

بقي الكلام في الأمر الثالث و هو: بيان ما هو موضوع الحرمة و النجاسة و الأقوال فيه ثلاثة:

قول: بأن موضوع الحرمة و النجاسة أمر وجودي، و هو الميتة لازمة لعدم التذكية.

و قول: بأنه أمر عدمي و هو غير المذكى.

و قول: بالتفصيل بين الحرمة و النجاسة، فموضوع الحرمة أمر عدمي، و موضوع النجاسة أمر وجودي.

فإذا كان موضوع الحرمة أمرا وجوديا لم تنفع أصالة عدم التذكية- على تقدير

231

جريانها- في إثبات الحرمة؛ إلا بناء على الأصل المثبت. و أما على القول الثاني: فتترتب الحرمة على أصل عدم التذكية؛ إذ ترتب الحرمة على أصالة عدم التذكية حينئذ يكون من قبيل ترتب الحكم على موضوعه. هذا تمام الكلام في الأمر الثالث.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة فنعود إلى كلام المصنف في هذه المسألة.

فنقول: إن المصنف لم يذكر جميع صور المسألة، بل أشار إلى بعض صورها و هي خمسة من الثمانية، و هي ثلاث صور من الشبهة الحكمية، و صورتان من الشبهة الموضوعية.

و أما صور الشبهة الحكمية فهي الثلاثة من الأربعة أعني: الصورة الأولى و الثانية و الرابعة.

و الصورة الأولى: ما إذا كان الشك في مقدار قابلية الحيوان للتذكية بعد العلم بأصلها بمعنى: أنه لا يعلم بأن المترتب عليها هو الطهارة فقط أم هي مع الحلية، و قد عرفت: أن المرجع فيها أصالة الحلية.

الصورة الثانية: ما إذا كان الشك في أصل قابلية الحيوان للتذكية، و أنه خلق قابلا لها أم لا؟ و قد عرفت: أن المرجع فيها هو الأصل الموضوعي أعني: استصحاب عدم التذكية، فيحكم بنجاسته و حرمة لحمه.

الصورة الرابعة: ما إذا كان الشك في بقاء القابلية؛ لاحتمال ارتفاعها ببعض ما طرأ على الحيوان كالجلل، و قد عرفت: أن المرجع فيها أصالة عدم المانعية، أو استصحاب بقاء القابلية، فيحكم بطهارته و حلية لحمه. هذا كله في صور الشبهة الحكمية.

و أما صورتا الشبهة الموضوعية، و هما الصورة الأولى و الرابعة و قد عرفت: أن المرجع في الصورة الأولى هو أصالة عدم التذكية، فيحكم بالحرمة، و في الصورة الرابعة هو أصالة الحلية لأصالة عدم طرو عنوان مانع عن التذكية. هذا تمام الكلام في الأمر الأول.

و أما الأمر الثاني- أعني ما هو المقصود من التذكية- فظاهر كلام المصنف «(قدس سره)» أن التذكية عبارة عن فري الأوداج مع الشرائط التي منها قابلية المحل، حيث قال:

«بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج مع سائر شرائطها».

و أما الأمر الثالث- أعني ما هو موضوع الحرمة و النجاسة- فظاهر كلامه: أن موضوعهما كل واحد من الميتة و غير المذكي، بمعنى: أن الحرمة و النجاسة كما تترتبان‏

232

موضوعي مطلقا (1) و لو كان (2) موافقا لها، فإنه (3) معه لا مجال لها أصلا ...

____________

على الميتة تترتبان على غير المذكى؛ إذ الخارج عن موضوعهما هو المذكى فقط.

و على هذا: لا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعا في ترتيب أثري الحرمة و النجاسة كما صنعه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، فالميتة عنده ليست وجودية؛ بل هي عدمية أي: لم يذك و إنما قال المصنف بعدم الحاجة إلى ما صنعه الشيخ؛ لضرورة: كفاية كون عنوان عدم التذكية مثل عنوان الميتة حكما، فهما في حكم الشارع بالنجاسة و الحرمة سواء، و لا حاجة إلى إدراج أحد الموضوعين في الموضوع- كما فعله الشيخ «(قدس سره)».

هذا غاية ما يمكن في توضيح هذه المسألة على نحو الاختصار، و هناك كلام طويل جدا تركناه رعاية للاختصار.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: سواء كان الأصل الموضوعي موافقا للبراءة أو مخالفا لها.

(2) بيان للإطلاق. و المقصود: أن عدم جريان أصالة البراءة فيما إذا كان المورد مجرى للأصل الموضوعي لا يختص بما إذا كان مفاد أصالة البراءة منافيا لما يقتضيه الأصل الموضوعي، كما إذا اقتضى الاستصحاب خمرية مائع شك في انقلابه خلا المستلزمة لحرمته، و اقتضى أصالة البراءة جواز شربه؛ بل لا تجري البراءة حتى إذا كان مفادها موافقا للأصل الموضوعي الجاري في موردها كجريان الاستصحاب في حلية مائع شك في انقلابه خمرا، فإن لازم مفاده- و هو حلية الشرب- و إن كان موافقا لمفاد أصالة البراءة؛ لكنها لا تجري أيضا بعد جريان الأصل الموضوعي المحرز للموضوع.

ففي كل مورد جرى فيه أصل موضوعي لم يجز إجراء البراءة.

و الوجه فيه: أن الأصل الموضوعي، يخرج الموضوع عن كونه مشكوكا؛ إذ هو في حكم العلم، فكما أنه لا تجري البراءة مع العلم لا تجري مع جريان أصل موضوعي، و لو كان موافقا لها؛ بأن كانت البراءة و الأصل الموضوعي كلاهما يحكمان بالإباحة.

(3) الضمير للشأن، و هذا تعليل لاشتراط جريان أصالة البراءة بعدم وجود الأصل الموضوعي.

وجه الاشتراط: هو كون الأصل الموضوعي واردا على أصالة البراءة.

فمع وجود الأصل الموضوعي لا مجال للبراءة أصلا.

233

لوروده (1) عليها كما يأتي تحقيقه (2)، فلا تجري (3) مثلا (4) أصالة الإباحة في حيوان‏

____________

(1) أي: الأصل الموضوعي «عليها» أي: على البراءة، و معنى الورود: هو رفع موضوع البراءة شرعا؛ إذ موضوع البراءة هو الشك و الأصل الموضوعي يرفع الشك.

(2) أي: يأتي تحقيق الورود في خاتمة الاستصحاب إن شاء الله تعالى.

(3) هذا شروع في بيان ما يتفرع على عدم جريان البراءة مع الأصل الموضوعي. ثم إن المصنف أراد أن يمثل لعدم جريان البراءة في مورد جريان الأصل الموضوعي بمسألة الشك في التذكية.

و قد عرفت صور المسألة و هي ثمانية؛ إلا إن المصنف «(قدس سره)» أشار إلى خمسة منها.

و توضيح ما ذكره المصنف «(قدس سره)»: أن الشك في ذكاة الحيوان تارة: يكون لأجل الشك في نفس الحكم، فالشبهة حكمية و أخرى: لأجل الشك في متعلقه، بعد العلم بنفس الحكم، فالشبهة موضوعية.

و الأول: قد يكون للشك في أصل قابلية الحيوان للتذكية، مع العلم بأن قابليته لها شرط لتأثير الأفعال المخصوصة في طهارته فقط كالأرنب و الثعلب، أو في طهارته و حلية لحمه كالغنم و البقر، و قد يكون للشك في مقدار قابليته لها بعد إحراز أصل القابلية؛ كما إذا علمنا أن التذكية تؤثر في الطهارة؛ لكن شككنا في أنها هل تؤثر في حلية اللحم أيضا أم لا، و قد يكون للشك في مانعية شي‏ء- كالجلل- عن تأثير التذكية في الطهارة فقط، أو الطهارة و الحلية. هذا تمام الكلام في صور الشبهة الحكمية و الجامع بينها هو الشك في نفس الحكم.

و الثاني: و هو ما إذا كان الشك في متعلق الحكم بعد العلم بنفس الحكم- أعني:

الشبهة الموضوعية- أيضا قد يكون للشك في أصل قابلية الحيوان المعين للتذكية لأجل الشك في كونه مما يقبل التذكية، كما إذا شك في أن هذا الحيوان المذبوح غنم أو كلب بعد العلم بحكم كليهما، و أن الأول يقبل التذكية و الثاني لا يقبلها، و قد يكون للشك في طروء مانع عن قابليته للتذكية كالجلل بعد العلم لمانعيّته شرعا، كما إذا شك في أن هذا الغنم المذبوح هل كان جلالا حتى لا تؤثر التذكية فيه، أم لا حتى تؤثر و يكون مذكى، فهذه خمس صور من الصور الثمان تعرض لها المصنف «(قدس سره)».

(4) التعبير ب «مثلا» لإفادة أن تقدم الأصل الموضوعي على غيره لا يختص بما إذا كان ذلك الغير أصالة الإباحة المثبتة للإباحة الظاهرية؛ بل يقدم أيضا على أصالتي‏

234

شك في حليته، مع الشك في قبوله التذكية (1)، فإنه إذا ذبح مع سائر الشرائط

____________

الطهارة و البراءة النافية لحرمة اللحم المشكوك قابليته للتذكية، و ذلك لورود الأصل الموضوعي- و هو فيما نحن فيه أصالة عدم التذكية- على جميع هذه الأصول.

(1) هذا شروع في بيان الصورة الأولى من الصور الثلاث للشبهة الحكمية و هي:

قابلية حيوان للتذكية، كما إذا تولد حيوان من طاهر و نجس- مثل الغنم و الكلب- و لم يتبع أحدهما في الاسم، و لم يكن له اسم خاص يندرج به تحت أحد العناوين الطاهرة أو النجسة فيشك في قابليته للتذكية، فإن أصالة الحل لا تجري فيه إذا ذبح على الشرائط المخصوصة من إسلام الذابح و التسمية و غيرهما، و ذلك لوجود الأصل الموضوعي و هو استصحاب عدم التذكية أي: عدم وقوع التذكية المعتبرة شرعا على هذا الحيوان، حيث إن من شرائطها قابلية المحل لها، و مع الشك في القابلية يشك في وقوع التذكية المعتبرة عليه، فيستصحب عدمها، بتقريب: أن هذا الحيوان حال حياته لم يكن مذكى، و بعد قطع أوداجه يشك في انتقاض عدم التذكية بالتذكية، فيستصحب عدمها. هذا هو الأصل الموضوعي، و مع جريان هذا الأصل الموضوعي الموجب لاندراج الحيوان في «ما لم يذك» لا مجال لأصالة الحل.

و ذلك لأن موضوعها- كاللحم فيما نحن فيه- هو الشي‏ء بوصف أنه مشكوك الحكم، فإذا جرى الأصل الموضوعي و اندرج في غير المذكى صار معلوم الحكم؛ لقيام الإجماع على حرمته حينئذ كحرمة الميتة، فينتفي موضوع أصالة الحل و هو الجهل بحكمه، فلا يبقى مجال لجريانها كما إذا مات حتف أنفه.

لا يقال: الميتة أمر وجودي؛ لأنها عبارة عما مات حتف أنفه، و المذكى أيضا أمر وجودي؛ لأنه عبارة عن الحيوان الذي زهق روحه بكيفية خاصة اعتبرها الشارع، فهما ضدان وجوديان، و حرمة أكل اللحم مترتبة في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) على عنوان «الميتة» لا على عنوان «غير المذكى»، و حينئذ: فاستصحاب كون الحيوان غير المذكى لا يصلح لإثبات كونه ميتة حتى يترتب عليه حرمة الأكل؛ لأن إثباته به يكون من إثبات أحد الضدين، و هو الميتة، بنفي الضد الآخر أعني المذكى، و هو متين على القول بحجية الأصل المثبت. و سيأتي في بحث الاستصحاب إن شاء الله تعالى عدم حجيته، فيسقط استصحاب عدم التذكية، و تصل النوبة إلى الأصل المحكومة أو المورود و هو أصالة الحل.

____________

(1) المائدة: 3.

235

المعتبرة في التذكية، فأصالة عدم التذكية تدرجه (1) فيما لم يذكّ و هو (2) حرام إجماعا؛ كما إذا مات حتف أنفه، فلا حاجة (3) إلى إثبات أن الميتة تعمّ غير المذكى‏

____________

لأنا نقول: استصحاب عدم التذكية و إن لم يصلح لإثبات كون الحيوان ميتة؛ لعدم حجية الأصل المثبت، لكن حيث أن حرمة الأكل لم تثبت في الآية الشريفة للميتة على سبيل الحصر، و قد ثبت بالإجماع اتحاد الميتة و غير المذكى حكما، فالحرمة كما ثبتت في الأدلة للميتة كذلك ثبتت لغير المذكى أيضا فعنوان «غير المذكى» كعنوان «الميتة» بنفسه موضوع مستقل لحكم الشارع بالحرمة، و من الممكن إحراز هذا الموضوع بأصالة عدم التذكية فيترتب عليه الحرمة، فليس المقصود إثبات حرمة الميتة له ليتوجه الإشكال، بل نقول: هما موضوعان مختلفان حكم على كليهما بحكم واحد و هو الحرمة.

(1) هذا الضمير و ضميرا «حليته، فإنه» راجعة على الحيوان.

(2) يعني: أن «ما لم يذك» بنفسه موضوع للحكم بالحرمة، فيجري فيه الأصل و إن لم يصدق عليه «الميتة»، حيث إنها ما مات حتف الأنف و قد عرفت توضيحه في «لا يقال ... لأنا نقول».

و كيف كان؛ فمعنى العبارة: أن أصالة عدم التذكية تجري و تدرج الحيوان في عنوان غير المذكي، و هو «غير المذكى» «حرام إجماعا» كحرمة الميتة.

(3) هذا متفرع على تغاير «ما لم يذك» و «الميتة» مفهوما، و اتحادهما حكما بالإجماع، و فيه تعريض بكلام الشيخ الأنصاري، حيث حكم بحرمة «غير المذكى»؛ لصدق عنوان «الميتة» عليه في لسان الشرع، حيث قال: «إن الميتة عبارة عن غير المذكى إذ ليست الميتة خصوص ما مات حتف أنفه؛ بل كل إزهاق روح انتفى فيه شرط من شروط التذكية فهي ميتة شرعا». «دروس في الرسائل، ج 3، ص 11».

و حاصل ما أفاده الشيخ «(قدس سره)»: أن الميتة و إن كانت بحسب اللغة بمعنى ما مات حتف أنفه؛ إلا إنها شرعا بمعنى غير المذكى، فالميتة تعم غير المذكى شرعا، فيحكم بحرمة غير المذكى كحرمة الميتة.

و حاصل اعتراض المصنف «(قدس سره)» عليه: أن إدراج «غير المذكى» في الميتة غير وجيه؛ لأن الميتة لغة مباين لغير المذكى، لأن الميتة لغة: عبارة عن خصوص ما مات حتف أنفه، و غير المذكى عبارة عما زهق روحه بسبب غير شرعي و لو كان بالذبح الفاقد لبعض الشروط المعتبرة فيه؛ كالاستقبال و التسمية، فهما متباينان.

و مع مباينة هذين الموضوعين معنى لا وجه لتعميم أحدهما و هو الميتة للآخر أعني:

236

شرعا (1)، ضرورة (2): كفاية كونه (3) مثله حكما؛ و ذلك (4) بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج الأربعة (5)، مع سائر شرائطها (6) عن خصوصية في الحيوان التي (7) بها يؤثر فيه الطهارة وحدها أو مع الحلية، و مع الشك في تلك الخصوصية (8):

____________

غير المذكى كما صنعه الشيخ «(قدس سره)»، فلذا قال المصنف اعتراضا عليه: «فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى».

نعم؛ هما متحدان حكما؛ للإجماع على لحوق أحكام الميتة لما لم يذك من الحيوانات، و بهذا يصير «غير المذكى» موضوعا لحكم الشارع بحرمة لحمه، و لا مانع من إحرازه بأصالة عدم التذكية.

(1) كما التزم بهذا التعميم الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، فحكم بأن الميتة شرعا أعم من الميتة لغة.

(2) تعليل لقوله «فلا حاجة»، و بيان لوجه التعريض بكلام الشيخ «(قدس سره)».

(3) أي: كفاية كون «ما لم يذك» مثل: «ما مات حتف أنفه»- المستفاد من قوله:

«و هو حرام إجماعا كما إذا مات حتف أنفه»- حكما و إن اختلفا مفهوما، فيحكم عليه بالحرمة و النجاسة كما حكم بهما على ما مات حتف أنفه.

(4) بيان لوجه جريان أصالة عدم التذكية المشار إليها في قوله: «فأصالة عدم التذكية تدرجه فيما لم يذك». و محصله: أن التذكية لما كانت عبارة عن فري الأوداج الأربعة مع الشرائط الشرعية التي منها خصوصية في الحيوان تجعله قابلا لتأثير التذكية بهذا المعنى في ترتب الطهارة فقط، أو هي مع حلية الأكل على الحيوان.

(5) أي: مري‏ء الطعام و التنفس و عرقا الدم الغليظان.

(6) أي: الإسلام و الحديد و القبلة و التسمية؛ بأن تكون هذه الشرائط مع خصوصية «في الحيوان التي بها»، أي: بتلك الخصوصية «يؤثر» هذا الفري «فيه» أي: في ذلك الحيوان «الطهارة وحدها» في الحيوانات التي ليست قابلة للأكل كالسباع، «أو مع الحلية» في الحيوانات القابلة لها كالأنعام و نحوها. و صريح كلام المصنف في المقام- حيث قال: «بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج ...» الخ- أن التذكية بنظره هو نفس الذبح بالشرائط لا المجموع المركب من الأمور المعهودة مع القابلية، و لا الأمر البسيط المتحصل من الأفعال.

(7) المراد بالموصول هو: الخصوصية التي قد عبر عنها الشيخ بالقابلية.

(8) أي: مع الشك في أن الحيوان هل فيه هذه القابلية أم لا؟ يكون مقتضى‏

237

فالأصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بسائر شرائطها (1) كما لا يخفى.

نعم (2)؛ لو علم بقبوله التذكية و شك في الحلية: فأصالة الإباحة فيه محكمة، فإنه‏

____________

استصحاب عدم التذكية عند الشك في القابلية هو عدم الطهارة و الحلية، و لا مجرى لأصالة الإباحة في لحم الحيوان المشكوك قابليته لها.

(1) أي: شرائط التذكية من التسمية و استقبال القبلة و إسلام الذابح و الذبح بالحديد، و منها الخصوصية بمعنى القابلية، فمع الشك فيها كان الأصل عدمها، فلا يحكم بحلية حيوان إن أجريت عليه التذكية الظاهرية إذا لم يعلم بوجود تلك الخصوصية فيه؛ كالمتولد من الشاة و الكلب، و إنما تعلم تلك الخصوصية من حكم الشارع بقابلية الحيوان الفلاني للتذكية، أو قيام الإجماع عليه؛ و إلا كان الأصل عدمها.

(2) استدراك على قوله: «فالأصل عدم تحقق التذكية»، و إشارة إلى الصورة الثانية.

و هي ما إذا كان الشك في حلية لحمه مع العلم بتأثير التذكية في طهارته.

و غرضه من هذا الاستدراك: أن أصالة الإباحة تجري في هذه الصورة الثانية.

توضيح ذلك: أنه إذا علم قابلية الحيوان للتذكية و علم حصول طهارته بها لإحراز الذبح بشرائطه؛ لكن شك في حلية لحمه أيضا بالتذكية، فإن أصالة الحل تجري و يحكم بحلية لحمه، و لا مجال للأصل الحاكم أو الوارد و هو استصحاب عدم التذكية، للعلم بتحققها حسب الفرض، و الشك إنما هو في أن ما يترتب عليها أثران و هما الطهارة و الحلية كما تترتبان على تذكية مأكول اللحم، أو أثر واحد و هو الطهارة فقط، كما تترتب على تذكية غير مأكول اللحم؟

يعني: نعلم أن هذا الحيوان قابل للتذكية؛ لكن لا نعلم أنه من قبيل البقر و الغنم، أو من قبيل الأرنب و الثعلب، فيحكم بطهارته استنادا إلى التذكية و بحلية لحمه استنادا إلى أصالة الحل.

و وجه عدم المجال للأصل الحاكم- أعني: استصحاب عدم التذكية- أنه ليس هنا أصل يجري في نفس قابلية الحيوان لحلية لحمه بالتذكية حتى يستند إليه و يحكم بمقتضاه بحلية لحمه مثلا؛ لأن الحيوان إما خلق قابلا لها أو خلق غير قابل لها، فليس للقابلية المذكورة أو لعدمها حالة سابقة حتى تستصحب، و حيث لا يجري الأصل الحاكم فتصل النوبة إلى الأصل المحكوم، أعني: أصالة الحل؛ لأن هذا الحيوان بعد ورود التذكية الموجبة لطهارته عليه يكون ظاهرا مشكوك الحل و الحرمة، فيحكم بحليته استنادا إلى‏

238

حينئذ (1) إنما يشك في أن هذا الحيوان المذكى حلال أو حرام، و لا أصل فيه إلا أصالة الإباحة، كسائر ما شك (2) في أنه من الحلال أو الحرام.

هذا (3) إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية؛ كما إذا

____________

أصالة الحل، فهو نظير شرب التتن المشكوك حكمه الكلي، حيث تجري فيه أصالة الحل بلا مانع كما هو واضح.

(1) أي: حين العلم بقبوله للتذكية و صيرورته طاهرا بورودها عليه.

(2) كالشك في حلية شرب التتن و نحوه من الشبهات الحكمية، فإن المرجع فيه أصالة الحل.

(3) إشارة إلى الصورة الثالثة، و هي ما إذا كان الشك في الحكم لأجل الشك في مانعية شي‏ء عن تأثير التذكية في الطهارة وحدها، أو هي مع الحلية، يعني: ما ذكرناه من عدم جريان الأصل الحكمي كأصالتي الحل و الطهارة عند جريان الأصل الموضوعي كاستصحاب عدم التذكية لوروده عليه إنما هو فيما إذا لم يكن أصل موضوعي آخر يوافق الأصل الحكمي، و نعني بالأصل الموضوعي الموافق له: ما يثبت قابليته للتذكية، فلو كان هناك أصل موضوعي موافق حكم به و لم يجر الأصل الحكمي كما لم يجر في الصورة الأولى.

و غرضه «(قدس سره)» من هذا الكلام: أن ما ذكرناه في الصورة الأولى- من عدم جريان أصالة الإباحة مع وجود الأصل الموضوعي المخالف لها، كاستصحاب عدم التذكية المقتضي لنجاسته الحيوان و حرمة لحمه كما عرفت توضيحه- بعينه جار في هذه الصورة الثالثة، و هي ما إذا كان الأصل الموضوعي موافقا لأصالة الإباحة؛ كاستصحاب قبوله التذكية الموافق لأصالة الطهارة و الحلية، فإنها لا تجري أيضا، و إنما الجاري هو الأصل الموضوعي المقتضي لطهارة الحيوان و حلية لحمه.

و كيف كان؛ فإن الأصل الموضوعي كالاستصحاب إذا جرى في مورد كان واردا على أصالة الحل، سواء وافقها في المؤدى كاستصحاب قابلية الحيوان للتذكية، أم خالفها فيه كاستصحاب عدم التذكية؛ و ذلك لزوال الشك في ناحية الحكم بإجراء الأصل الموضوعي.

و على هذا: فإذا علم قابلية حيوان للتذكية و شك في ارتفاعها بجلل و نحوه: فإن استصحاب بقاء القابلية للتذكية- بعد صيرورته جلالا- يحرز قيد التذكية الموجبة لحلية اللحم حينئذ، و هذا الأصل الموضوعي الموافق لأصالة الحل كما يمنع عن جريان أصالة

239

شك (1)- مثلا- في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها أم لا (2)؟

فأصالة قبوله (3) لها معه محكمة، و معها (4) لا مجال لأصالة عدم تحققها، فهو (5) قبل الجلل كان يطهر و يحل بالفري بسائر شرائطها، فالأصل أنه (6) كذلك بعده.

____________

الحل لكونها مورودة، كذلك يمنع عن جريان أصالة عدم التذكية لأن منشأ الشك في التذكية ليس أصل القابلية حتى تجري أصالة عدم التذكية من جهة عدم إحراز شرط التذكية و هو القابلية؛ بل منشأ الشك بقاء القابلية بعد العلم بوجودها حسب الفرض، و إنما الشك في رافعية الموجود- و هو الجلل- لها، فتستصحب و يحرز بقاؤها تعبدا، و قد ورد فعل المذكى عليه بالوجدان، فتحرز التذكية بما لها من الأجزاء و الشرائط- بناء على تركبها من فري الأوداج و غيره- كسائر الموضوعات المركبة التي يحرز بعض أجزائها بالوجدان، و بعضها بالأصل، فلا يكون استصحاب القابلية مثبتا كي يقال بعدم حجية الأصل المثبت.

(1) نعم؛ بناء على بساطة التذكية- و هي الأثر المترتب على الذبح- لا تثبت التذكية الفعلية بأصالة بقاء القابلية إلا على القول بحجية الأصل المثبت. فتدبر.

مثال للمنفي، و هو وجود أصل موضوعي آخر في المسألة غير أصالة عدم التذكية، و هو الأصل الموضوعي المثبت للتذكية؛ كاستصحاب قبول الحيوان لها.

ثم إن هذا إشارة إلى الصورة الثالثة.

(2) هذا مجرد فرض، و إلا فلا شك بحسب الأدلة الاجتهادية في عدم حلية لحم الجلال بالذبح؛ بل تتوقف على استبراء الحيوان على النحو المذكور في كتاب الفقه.

(3) أي: فأصالة قبول الحيوان للتذكية، يعني: استصحاب قابليته لها الثابتة له قبل الجلل محكمة، و ضمير «قبوله» راجع على «الحيوان»، و ضمير «لها» إلى التذكية، و ضمير «معه» إلى «الجلل».

(4) يعني: و مع أصالة بقاء قابليته للتذكية الثابتة له قبل الجلل لا مجال لجريان أصالة عدم تحقق التذكية؛ لتقدم استصحاب القابلية التي هي شرط للتذكية عليها.

(5) هذا استصحاب حكمي تعليقي لإثبات الطهارة و الحلية، بأن يقال: كان هذا الحيوان قبل الجلل إذا ذبح على الوجه المشروع يطهر و يحل، و هو باق على ما كان عليه.

(6) هذا الضمير راجع على الحيوان، و قوله: «كذلك» يعني: يطهر و يحل بالفري مع سائر شرائط التذكية، و ضمير «بعده» راجع على الجلل يعني: أن مقتضى الأصل و هو الاستصحاب صيرورة الحيوان طاهرا و حلالا بالفري مع سائر الشرائط بعد الجلل أيضا.

240

و مما ذكرنا (1): ظهر الحال فيما اشتبهت حليته و حرمته بالشبهة الموضوعية من‏

____________

و في «منتهى الدراية، ج 5، ص 429» ما هذا لفظه: «و قد تحصل إلى هنا أن المصنف «(قدس سره)» بيّن من صور الشك في التذكية ثلاث صور للشبهة الحكمية:

«الأولى: الشك في أصل قابلية الحيوان للتذكية، و أنه خلق قابلا لها أم لا، و قد عرفت: أن الجاري فيه هو الأصل الموضوعي، أعني: استصحاب عدم التذكية، فيحكم بنجاسته و حرمة لحمه.

الثانية: الشك في مقدار قابليته لها بعد العلم بأصلها، فلا يعلم أن المترتب عليها هل هو الطهارة فقط أم هي مع الحلية، و قد عرفت أيضا: أن الجاري فيه هو الأصل الحكمي، فيحكم بطهارته استنادا إلى التذكية، و بحلية لحمه استنادا إلى أصالة الحل.

الثالثة: الشك في بقاء القابلية لاحتمال ارتفاعها ببعض ما طرأ على الحيوان كالجلل، و قد عرفت: أن الجاري هو الأصل الموضوعي أيضا، أعني: استصحاب قابليته لها، فيحكم بطهارته و حلية لحمه. هذا كله في صور الشبهة الحكمية من الشك في التذكية، و أما صورتا الشبهة الموضوعية فسيأتي بيانهما إن شاء الله تعالى.

(1) هذا شروع في بيان صورتي الشبهة الموضوعية من الشك في التذكية، يعني: و مما ذكرنا- من جريان أصالة عدم التذكية إذا شك في أصل القابلية، كما في الصورة الأولى من صور الشبهة الحكمية، و جريان أصالة بقاء القابلية إذا شك في زوالها بجلل و نحوه، كما في الصورة الثالثة منها- ظهر حكم صورتي الشبهة الموضوعية بتقريب: أن منشأ الشك في التذكية إن كان هو الشك في وجود ما يعتبر فيها من إسلام الذابح، و توجيه الحيوان إلى القبلة و نحوهما جرى فيها أصالة التذكية، فإذا شك في أن ذابح هذا الحيوان كان مسلما أم لا، أو ذبحه إلى القبلة أم لا حكم بعدم كونه مذكى، كما هو كذلك فيما إذا شك في أنه غنم أو كلب، حيث عرفت في الصورة الأولى من الشبهة الحكمية أنه لا يحكم عليه بالتذكية.

و إن كان منشأ الشك فيها هو الشك في ارتفاع القابلية، لاحتمال تحقق الجلل بأكل عذرة الإنسان مدة يشك في تحققه به فيها- جرى استصحاب بقائها، فيحكم بكونه مذكى لكون الشك حينئذ في وجود الرافع، كما كان استصحاب بقائها جاريا عند الشك في رافعية الجلل الموجود- لو فرض الشك في رافعيته شرعا كما تقدم في الصورة الثالثة من الشبهة الحكمية، حيث عرفت: أنه يحكم عليه بالتذكية، و هاتان هما صورتا الشبهة الموضوعية، فمجموع الصور خمس كما عرفت.

241

الحيوان، و أن (1) أصالة عدم التذكية محكمة فيما شك فيها لأجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعا، كما أن (2) أصالة قبول التذكية محكمة إذا شك في طروء ما يمنع عنه (3)، فيحكم بها (4) فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه كما لا يخفى، فتأمل جيدا.

____________

(1) عطف على «الحال» و تفسير له و إشارة إلى الصورة الرابعة، و هي الأولى من صورتي الشبهة الموضوعية.

(2) إشارة إلى الصورة الخامسة، و هي الثانية من صورتي الشبهة الموضوعية، و قد تقدم ذكرها في قولنا: «و إن كان منشأ الشك فيها هو الشك في ارتفاع القابلية ...» الخ.

و المتحصل من جميع ما ذكرنا: أنه في الصورة الأولى من الشبهة الحكمية و الأولى من الشبهة الموضوعية يحكم بأصالة عدم التذكية، فيحكم بنجاسة الحيوان و حرمة لحمه، و في الثانية و الثالثة من الشبهة الحكمية و الثانية من الموضوعية يحكم بالتذكية، فيحكم بطهارته و حلية لحمه.

(3) أي: عن قبول التذكية.

(4) أي: بالتذكية في صورة إحراز فري الأوداج، مع سائر شرائط التذكية، عدا ما يمنع عن قبول التذكية، يعني: إذا كان الحيوان قابلا للتذكية كالغنم فأجرينا الفري مع باقي شرائط التذكية عليه، و شككنا في عروض ما يمنع عن تحققها كالجلل، فإن أصالة قبول التذكية محكمة، فيحكم بها، فتكون التذكية محرزة بما لها من الأجزاء و الشرائط، غاية الأمر: أن بعضها حينئذ محرز بالوجدان كفري الأوداج، و بعضها و هو بقاء القابلية بالتعبد، أعني: الاستصحاب، و هذا كسائر الموضوعات المركبة التي يحرز بعض أجزائها بالوجدان و بعضها بالتعبد.

و ضمير «عداه» راجع على «ما» في قوله: «ما يمنع عنه».

هذا تمام الكلام في الأمر الأول، و بيان جريان أصالة عدم التذكية و عدمه في الموارد المشكوكة.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- المراد من الأصل الموضوعي ليس الأصل الجاري في الموضوع فقط؛ بل المراد هو مطلق الأصل الذي يكون رافعا لموضوع الأصل الآخر، سواء كان جاريا في الموضوع أو في الحكم.

242

و معه لا يبقى موضوع لأصل البراءة؛ لأنه بيان فيرتفع به موضوع البراءة العقلية، و هو عدم البيان و لأنه حجة و علم تعبدا، فيرتفع به موضوع البراءة الشرعية و هو الشك و عدم الحجة على الحكم الشرعي.

و الضابط فيه: أن كل مورد جعل الشارع للحكم بالحلية سببا خاصا مثل موارد الأموال، و الفروج، و اللحوم، حيث جعل سبب حلية الأموال الملكية، و الفروج النكاح، و اللحوم التذكية، فإذا شك في تلك الأمور لأجل تحقق أسبابها لا تجري أصالة البراءة و الحل؛ لأجل وجود أصل موضوعي حاكم أو وارد عليها، و هو أصالة عدم السبب في كل منها؛ إلا أن المشهور مثلوا للأصل الموضوعي بأصالة عدم التذكية في اللحوم.

فيتفرع على الضابط المذكور: جريان أصالة عدم التذكية، فيحكم بالحرمة و النجاسة فيما إذا شك في حلية لحم حيوان من جهة الشك في قبوله التذكية؛ إذ من شرائطها قابلية المحل لها، فأصالة عدم التذكية حاكمة أو واردة على أصالة الطهارة و الحل.

2- صور مسألة أصالة عدم التذكية: و إن كانت ثمانية؛ إلا إن المصنف «(قدس سره)» أشار إلى خمسة منها، و هي بين ثلاث صور للشبهة الحكمية، و صورتان للشبهة الموضوعية.

و أما صور الشبهة الحكمية فالأولى: هي ما إذا كان الشك في أصل قابلية الحيوان للتذكية، و قد عرفت أن الجاري فيه هو الأصل الموضوعي، أعني: استصحاب عدم التذكية، فيحكم بنجاسته و حرمة لحمه.

الثانية: ما إذا كان الشك في مقدار قابليته لها بعد العلم بأصلها، بمعنى: أنه لا يعلم أن المترتب عليها هل هو الطهارة فقط أم هي مع الحلية، و قد عرفت: أن الجاري فيه هو الأصل الحكمي، فيحكم بطهارته و حلية لحمه استنادا إلى التذكية و أصالة الحل.

الثالثة: هي ما إذا كان الشك في بقاء القابلية لاحتمال ارتفاعها بالجلل، و قد عرفت:

أن الجاري فيه هو الأصل الموضوعي أيضا، أعني: استصحاب قابليته لها، فيحكم بطهارته و حلية لحمه.

و أما صورتا الشبهة الموضوعية: فالأولى منهما: ما إذا كان منشأ الشك في التذكية هو الشك في وجود ما يعتبر فيها من إسلام الذابح، و توجيه الحيوان إلى القبلة و نحوهما جرى فيها أصالة عدم التذكية، و يحكم بعدم كونه مذكى، و لازم ذلك هو الحكم بالنجاسة و الحرمة.

243

الثانية: ما إذا كان منشأ الشك فيها هو الشك في ارتفاع القابلية؛ لاحتمال تحقق الجلل بأكل عذرة الإنسان مدة يشك في تحققه به فيها، جرى استصحاب بقائها، فيحكم بكونه مذكر.

هذا تمام الكلام في الصور الخمس من صور مسألة الشك في التذكية التي أشار إليها المصنف «(قدس سره)».

3- التذكية شرعا تدور بين أمور:

1- أن تكون أمرا بسيطا مسببا من أمور.

2- أن تكون أمرا انتزاعيا ينتزع من هذه الأمور.

3- أن تكون مركبة من هذه الأمور.

4- أن تكون عبارة عن فري الأوداج مشروطة بالأمور المذكورة.

و لا إشكال في جريان أصالة عدم التذكية على المعنى الأول عند الشك في تحققها؛ لأن الشك إنما هو في حصول ذلك الأمر البسيط.

و لا إشكال أيضا في عدم جريانها على المعنى الثالث.

و لا إشكال أيضا في عدم جريانها على المعنى الرابع، و هو أقرب الاحتمالات.

4- موضوع الحرمة و النجاسة يمكن أن يكون أمرا وجوديا و هو الميتة.

و يمكن أن يكون أمرا عدميا و هو غير المذكى.

و قيل بالتفصيل بمعنى: أن موضوع الحرمة يكون أمرا عدميا و هو غير المذكى.

و موضوع النجاسة يكون أمرا وجوديا و هو الميتة.

و لكن عند المصنف «(قدس سره)» كل من الميتة و غير المذكى موضوع مستقل للحكم بالحرمة و النجاسة، فهما موضوعان لكل من الحرمة و النجاسة، فلا حاجة حينئذ إلى ما صنعه الشيخ الأنصاري من تعميم الميتة شرعا لغير المذكى؛ بل يكفي عنوان غير المذكى في حكم الشارع بالنجاسة و الحرمة كعنوان الميتة، و لا حاجة إلى إدراج أحدهما في الآخر كما فعل الشيخ «(قدس سره)».

5- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- تقديم الأصل الموضوعي على أصالة البراءة و الحل إنما هو من باب الورود؛ لا من باب الحكومة.

2- التذكية عبارة عن فعل الذابح و المذكي من فري الأوداج مع الشرائط المعتبرة شرعا.

244

الثاني (1): أنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا و عقلا في الشبهة الوجوبية أو التحريمية في العبادات و غيرها (2)، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما

____________

3- موضوع الحرمة و النجاسة هو كل واحد من غير المذكى و الميتة على نحو الاستقلال.

في تصحيح الاحتياط في العبادة مع الشك في الأمر

(1) الغرض من عقد هذا التنبيه: هو التعرض لإشكال الاحتياط في العبادات في الأفعال التي يدور أمرها بين الوجوب و غير الاستحباب؛ بحيث لم يحرز تعلق أمر الشارع بها.

و الظاهر أن المقصود من عنوان هذا البحث هو: توجيه فتوى جملة من القدماء باستحباب أفعال لم يقم نص على استحبابها، و أنه هل يمكن أن يكون وجه ذلك رجحان الاحتياط أم لا؟

و قبل بيان الإشكال و الجواب عنه ينبغي التصدي لأمرين:

الأول أنه لا إشكال في حسن الاحتياط عقلا و رجحانه شرعا في كل شبهة وجوبية كانت أم تحريمية، و الذي أنكره الأصوليون هو وجوبه الشرعي خلافا للأخباريين، حيث التزموا بوجوبه في الشبهة التحريمية الناشئة من فقدان النص.

أما حسنه العقلي: فلكونه محرزا عمليا للواقع، و موجبا للتحرز عن المفسدة الواقعية المحتملة، و استيفاء المصلحة كذلك.

و بعبارة أخرى: أن الاحتياط انقياد للمولى، فيكون حسنا عقلا.

و أما حسنه الشرعي: فلإمكان استفادته من بعض الأخبار كقوله «(عليه السلام)» في مقام الترغيب عليه: «فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك ...» الخ.

فالمستفاد من الأخبار: أنه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل في متحمل الوجوب.

(2) أي: المعاملات كالإتيان بما يحتمل دخله في صحة المعاملة، مع عدم ما يدل على اعتباره. هذا تمام الكلام في الأمر الأول.

و أما الأمر الثاني: فقد أشار إليه بقوله: «كما لا ينبغي الارتياب ...» إلخ.

و توضيح هذا الأمر الثاني: أنه لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب على الاحتياط في كل من الشبهة الوجوبية و التحريمية، كما إذا أتى بالفعل باحتمال أمر المولى، أو تركه باحتمال نهيه؛ و ذلك لأنه انقياد للمولى و تخضّع له، بل استحقاقه عليه‏

245

إذا احتاط و أتى أو ترك (1) بداعي احتمال الأمر أو النهي.

و ربما يشكل في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب‏

____________

أولى من استحقاق العقاب على ترك الاحتياط اللازم؛ لأن الأمر في جانب الثواب أوسع منه في جانب العقاب، و لذا لا يعاقب إلا بالاستحقاق، و لكن ربما يثاب بدونه تفضلا.

(1) يعني: أتى بداعي احتمال الأمر، أو ترك بداعي احتمال النهي. و من المعلوم: أن الإتيان يكون في الشبهة الوجوبية و الترك في الشبهة التحريمية. هذا تمام الكلام في بيان هذين الأمرين قبل بيان الإشكال و الجواب عنه، و المقصود الأصلي من عقد هذا التنبيه هو: بيان الإشكال و الجواب عنه، و قد أشار إلى الإشكال بقوله: «و ربما يشكل في جريان الاحتياط ...» الخ.

و توضيح الإشكال يتوقف على مقدمة و هي: بيان أمور ثلاثة:

الأول: أن العبادة تتوقف على قصد القربة؛ بحيث تكون من القيود المعتبرة في متعلق الأمر كسائر ما له دخل فيه من الأجزاء و الشرائط؛ بل يكون قصد القربة مقوما لعبادية العبادة، و هو الفارق بين الواجب التوصلي و التعبدي؛ لسقوط أمر الأول بإتيانه كيفما اتفق بخلاف الثاني.

الثاني: أن قصد القربة عبارة عن قصد الأمر دون غيره مما يوجب القرب إليه جل و علا.

الثالث: أن الأمر الذي يعتبر قصد التقرب به هو الأمر المعلوم، فلا يجدي وجود الأمر واقعا في تحقق القصد المزبور؛ بل لا بد من العلم به إما تفصيلا كقصد الأمر المتعلق بالصلاة المعلوم تفصيلا جميع أجزائها و شرائطها، و إما إجمالا كقصد الأمر المتعلق بإحدى الصلوات الأربع مثلا عند اشتباه القبلة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الاحتياط- كما قيل- هو الأخذ بالأوثق و الإتيان بكل فعل أو ترك يحرز به الواقع، و لما كانت عبادية العبادة متقومة بالإتيان بجميع الشرائط و الأجزاء عن داع قربيّ كما عرفت، فالاحتياط عبارة عن الإتيان بالعمل العبادي بجميع ما له دخل فيه و منه قصد الأمر، فإذا شك في تعلق الأمر بعمل من جهة دوران ذلك العمل بين أن يكون واجبا غير مستحب لم يكن الإتيان به من الاحتياط في العبادة أصلا؛ لعدم إحراز تعلق الأمر بذلك العمل، و عليه: فعنوان الاحتياط في العبادة حينئذ غير ممكن التحقق؛ إذ لا علم بأمر الشارع لا تفصلا و لا إجمالا و معه لا يتمشى منه قصد القربة. هذا تمام الكلام في توضيح الإشكال في الاحتياط في العبادة.

246

و غير الاستحباب (1)؛ من جهة أن العبادة لا بد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا، و حسن الاحتياط عقلا (2) لا يكاد يجدي في رفع‏

____________

(1) التقييد بغير الاستحباب إشارة إلى إمكان الاحتياط فيما إذا دار الأمر بين وجوب فعل و استحبابه؛ للعلم بكونه مأمورا به على كل تقدير بناء على كفاية ذلك في الاحتياط، و عدم توقفه على إحراز نوع الحكم من الوجوب أو الاستحباب، فإشكال الاحتياط في العبادات مختص بما إذا لم يعلم وجود الأمر أصلا؛ كما إذا دار أمر فعل بني الوجوب و غير الاستحباب من الإباحة أو الكراهة.

قوله: «من جهة» متعلق ب «يشكل»، و بيان لوجه الإشكال.

(2) و كيف كان؛ فقد أجيب عن هذا الإشكال بأجوبة قد بدأ بها المصنف بقوله:

«و حسن الاحتياط عقلا».

و توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي هناك قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و هي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع هو أن حكم العقل بحسن الاحتياط يلازم الأمر المولوي بالاحتياط شرعا، فيأتي المكلف بمحتمل الوجوب بقصد هذا الأمر الملازم لحكم العقل بحسن الاحتياط، فيتم الاحتياط في العبادة.

و قد أجاب المصنف عنه بوجهين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: «لا يكاد يجدي في رفع الإشكال»، و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن حكم العقل تارة: يكون واقعا في سلسلة معلولات الأحكام كحسن الانقياد و الإطاعة. و أخرى: يكون واقعا في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها، نظير قبح الظلم، و حسن ردّ الوديعة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا مجال لاستكشاف الأمر المولوي بالاحتياط بقاعدة الملازمة حتى يتقرب به، ضرورة: أن حكم العقل بحسن الاحتياط كحكمه بحسن الإطاعة واقع في سلسلة معلولات الأحكام لا عللها، نظير قبح الظلم، و حسن ردّ الوديعة، حيث يكون الأول قبيحا عقلا و حراما شرعا. و الثاني حسنا عقلا و واجبا شرعا بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع. هذا بخلاف حسن الاحتياط عقلا في المقام حيث إنه ليس من موارد تلك القاعدة.

و عليه: فالمقام أجنبي عن قاعدة الملازمة؛ إذ الاحتياط من أنحاء الإطاعة المترتبة على الأمر و النهي الشرعيين و في طولهما.

و من المعلوم: أن حسن الإطاعة حينئذ لا يلازم الأمر المولوي بها.

247

الإشكال؛ و لو قيل (1) بكونه موجبا لتعلق الأمر به شرعا، بداهة (2): توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته (3)؟

____________

فالمتحصل: أن حسن الاحتياط عقلا لا يدل بقاعدة الملازمة على تعلق الأمر المولوي به أولا؛ إذ الأمر المتعلق بالاحتياط كالأمر بالإطاعة الحقيقية إرشادي، و من الواضح: أن الأمر الإرشادي لا يصلح للتقرب به. هذا تمام الكلام في الوجه الأول.

و أما الوجه الثاني- و هو لزوم الدور- فلأن الحسن عارض على الاحتياط، و الاحتياط معروض له، فيجب أن يكون الاحتياط مقدما على الحسن؛ إذ كل معروض مقدم على العارض هذا من ناحية، و من ناحية أخرى: أن الاحتياط متأخر عن الأمر، لأن الاحتياط يتوقف على الأمر؛ إذ لو لا الأمر لم يكن الاحتياط احتياطا، فكيف يمكن أن يؤثر الحسن المتأخر عن الاحتياط في الأمر المتقدم عليه.

و بتقريب آخر: أن الأمر يتوقف على حسن صلاة الجمعة مثلا، و حسنها يتوقف على أن تكون الصلاة احتياطا، و كونها احتياطا يتوقف على قصد القربة؛ إذ بدون قصد القربة لا تكون صلاة. و قصد القربة يتوقف على الأمر فالأمر يتوقف على الأمر.

(1) هذا إشارة إلى الوجه الأول الذي عرفت توضيحه.

(2) تعليل لقوله: «لا يكاد يجدي»، و بيان للوجه الثاني و هو لزوم الدور. و قد عرفت توضيحه.

و ضمير «توقفه» راجع على الأمر بالاحتياط، و ضمير «ثبوته» راجع على الاحتياط، و «توقف العارض» مفعول مطلق نوعي، يعني: أن الأمر بالاحتياط عارض على الاحتياط، فيتوقف على ثبوت الاحتياط؛ لكونه متأخرا عنه كما هو الحال في جميع العوارض بالنسبة إلى معروضاتها، سواء كان ذلك في الوجود الخارجي كالبياض العارض على الجسم، أم في عارض الوجود الذهني كالجنسية و النوعية في قولنا؛ الحيوان جنس و الإنسان نوع.

و بالجملة: فالأمر بالاحتياط لكونه عارضا عليه متوقف على الاحتياط و متأخرا عنه، فلا يعقل أن يكون الأمر من مبادئ وجود الاحتياط و متقدما عليه.

(3) أي: الاحتياط. و اسم «يكون» ضمير مستتر راجع على الأمر، يعني: كيف يعقل أن يكون الأمر من مبادئ ثبوت الاحتياط و علل وجوده، مع أنه متأخر عن الاحتياط كما عرفت وجهه؟.

248

و انقدح بذلك (1): أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا (2): القول بتعلق الأمر به من جهة ترتب الثواب عليه، ضرورة (3): أنه فرع إمكانه، فكيف يكون من مبادئ‏

____________

(1) هذا إشارة إلى الجواب الثاني عن إشكال الاحتياط في العبادة، يعني: ظهر- من ترتب محذور الدور على استكشاف الأمر بالاحتياط من قاعدة الملازمة- أنه لا سبيل أيضا لإحراز الأمر الشرعي بالاحتياط من ترتب الثواب عليه.

توضيح إحراز الأمر الشرعي به من ترتب الثواب عليه: أنه لا ريب في ترتب الثواب على الاحتياط، كما دل عليه بعض الروايات مثل ما عن أبي جعفر «(عليه السلام)» في وصية له لأصحابه قال: «و إن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما أوصيناكم لم تعدّوه إلى غيره فمات منكم ميت من قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدا» (1). فالمستفاد من هذه الرواية هو ترتب الثواب على الاحتياط.

و من المعلوم: أنه لا يترتب الثواب على شي‏ء إلا لكونه طاعة، و كونه طاعة يتوقف على تعلق الأمر به، فترتب الثواب على الاحتياط يكشف بنحو الإن عن تعلق الأمر به و هو المطلوب، فيؤتى بالعبادة حينئذ بنية القربة. كما استدل على استحباب كثير من الأعمال بترتب الثواب عليها؛ كالحكم باستحباب زيارة فاطمة ابنة الإمام موسى بن جعفر «(عليه السلام)» بقم؛ لقول أبي الحسن الرضا «(عليه السلام)» في جواب من سأله عن زيارتها: «من زارها فله الجنة» (2)، و عليه: فيصير الاحتياط مستحبا شرعا، و يقصد هذا الأمر الاستحبابي المصحح لعبادية الفعل المشكوك وجوبه و إباحته.

(2) أي لا ينفع في رفع الإشكال المتقدم كشف الأمر بالاحتياط من ترتب الثواب عليه، كما لا ينفع في رفعه الجواب المتقدم الذي أشار إليه و حسن الاحتياط.

و الضمائر في «به، و عليه، و إمكانه» راجعة على الاحتياط. و في «رفعه» راجع على الإشكال. و في «أنه» راجع على تعلق الأمر بالاحتياط.

(3) تعليل لقوله: «لا يكاد يجدي»، و بيان لعدم صحة الجواب الثاني عن إشكال الاحتياط في العبادة، و إشارة إلى الإيراد على كلا الجوابين عن إشكال الاحتياط في العبادة.

____________

(1) أمالي الطوسي: 232/ 410، الوسائل 27: 120/ 33370.

(2) كامل الزيارات: 536/ 826، ثواب الأعمال: 98، عيون أخبار الرضا 2: 299: 1، الوسائل 14: 576/ 19850.

249

جريانه؟ هذا مع أن (1) حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الأمر به بنحو اللمّ (2)، و لا ترتب الثواب عليه (3) بكاشف عنه بنحو ...

____________

و توضيح هذا الإيراد المشترك بين الجواب الأول و الثاني: إن تعلق الأمر بالاحتياط- سواء كان بنحو اللمّ لقاعدة الملازمة؛ كما في الجواب الأول، أم بنحو الإن لترتب الثواب على الاحتياط كما في الجواب الثاني- فرع إمكان الاحتياط. و قد عرفت في الجواب الأول: عدم إمكانه لمحذور الدور، و هو توقف الأمر بالاحتياط على إمكانه، و توقف إمكانه على العلم بالأمر به حتى يقصد ذلك الأمر، و يندرج الإتيان بالفعل بداعي أمره في الاحتياط في العبادة، و العلم بالأمر به متوقف على الأمر به حتى يتعلق به العلم، و الأمر به متوقف على إمكانه و هو الدور، و حيث يتعذر العلم بالأمر لمحذور الدور فيتعذر الاحتياط. هذا تمام الكلام في عدم صحة استكشاف الأمر بالاحتياط بنحو اللمّ بقاعدة الملازمة.

و كذا لا يمكن استكشاف الأمر بالاحتياط بالبرهان الإني أعني: ترتب الثواب عليه في بعض الأخبار؛ لأنه لو ثبت هذا الأمر كان لا محالة متأخرا عن موضوعه و هو الاحتياط، فكيف يكون من مبادئ ثبوت الاحتياط؟ إذ لا يعقل أن يكون الحكم مثبتا لموضوعه، فلا يكون هذا الأمر المتأخر عن الاحتياط من مبادئ جريانه.

و عليه: فلا يكون ترتب الثواب على الاحتياط كاشفا عن تعلق الأمر به؛ بل يكون ترتبه عليه بلا وساطة أمر به، فلو تعلق به أمر كان إرشاديا في الأمر بالإطاعة الحقيقية.

(1) إشارة إلى توضيح الإيراد الأول- و هو لزوم الدور- على الجواب الأول- أعني به: استكشاف تعلق الأمر بالاحتياط من حسنه عقلا- عن إشكال الاحتياط في العبادة، و قد تقدم بقوله: «و لو قيل بكونه موجبا لتعلق الأمر به شرعا»، كما أن قوله: «و ترتب الثواب ...» الخ. توضيح للإيراد الثاني- و هو لزوم الدور أيضا- على الجواب الثاني، و هو استكشاف الأمر بالاحتياط من ترتب الثواب عليه بنحو الإن، و قد تقدم أيضا بقوله:

«و انقدح بذلك أيضا».

فقد تحصل مما ذكرنا: أن إشكال لزوم الدور مشترك الورود على كلا الجوابين.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(2) كما في الوجه الأول، حيث إن استكشاف أمر الشارع بالاحتياط كان بنحو اللمّ أي: من ناحية العلة، و هو حسنه العقلي.

(3) أي: على الاحتياط بكاشف عن الأمر بالاحتياط بالبرهان الإني.

250

الإن (1)؛ بل يكون حاله (2) في ذلك حال الإطاعة، فإنه (3) نحو من الانقياد و الطاعة «و الإطاعة».

و ما قيل (4) في دفعه: من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل‏

____________

(1) كما في الوجه الثاني، حيث إن استكشاف أمر الشارع بالاحتياط كان بنحو الإن، أي: من ناحية المعلول و هو ترتب الثواب عليه.

(2) أي: يكون حال الاحتياط في حسنه و ترتب الثواب عليه حال الإطاعة، يعني:

كما أن الإطاعة الحقيقية حسنة عقلا، و يترتب الثواب عليها؛ لا لتعلق الأمر بها، بل لكونها في نفسها انقيادا، فكذلك الاحتياط فإنه- لكونه نحوا من الإطاعة- حسن عقلا، و يترتب عليه الثواب، و لا يكشف ذلك عن تعلق الأمر به، و ليس ترتب الثواب عليه كترتبه على الصدقة و صلة الأرحام و تسريح اللحية و كثير من المستحبات، حيث إنه كاشف عن استحباب تلك الأفعال و تعلق الأمر المولوي بها.

و السر في ذلك واضح؛ فإن حسن تلك الأفعال واقع في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها، فلذا كان حسنها و ترتب الثواب عليها كاشفا عن استحبابها، و تعلق الأمر المولوي بها، بخلاف الاحتياط فإنه- لكونه نحوا من الإطاعة كما تقدم- يكون حسنه كحسن الإطاعة الحقيقية واقعا في سلسلة معلولات الأحكام فلا يكشف حسنه، و كذا ترتب الثواب عليه عن تعلق الأمر المولوي به، كما لا يكشف حسن الإطاعة الحقيقية و ترتب الثواب عليها في قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ* عن تعلق الأمر المولوي بها؛ بل هي غير قابلة لذلك كما ثبت في محله، و من هنا يحمل الأمر بها في قوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ* على الإرشاد إلى حكم العقل بحسنها.

و بالجملة: فحال الاحتياط حال الإطاعة الحقيقية في حسنها، و ترتب الثواب عليها، و عدم كشفها عن تعلق الأمر المولوي بها و أنه لو تعلق بها كان للإرشاد.

(3) يعني: فإن الاحتياط من أنحاء الإطاعة و مراتبها.

(4) هذا هو الجواب الثالث عن إشكال الاحتياط في العبادات، و القائل هو الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» حيث قال: «إن المراد من الاحتياط و الاتقاء في هذه الأوامر هو:

مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة، فمعنى الاحتياط في الصلاة:

الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط تتعلق بهذا الفعل، و حينئذ:

فيقصد المكلف فيه التقرب بإطاعة هذا الأمر». «دروس في الرسائل، ج 3، ص 51».

251

و لتوضيح كلامه و إيراد المصنف عليه ينبغي بيان النزاع في كيفية دخل قصد القربة في العبادة، و حلّ إشكال الدور فنقول: قد نسب إلى الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» أن قصد القربة كسائر الشرائط المعتبرة في المأمور به، غاية الأمر: أن الشارع يتوسل لبيان اعتباره بأمر آخر غير الأمر المتعلق بذات العبادة؛ كالصلاة التي أولها التكبير و آخرها التسليم، فمدلول هيئة «صل» هو وجوب هذه الماهية بما لها من الأجزاء و الشرائط عدا نيّة التقرب؛ إذ من المعلوم أن هذا الأمر قاصر عن الدعوة إلى نفسه؛ بل يدعو إلى متعلقه، فيتوسل الشارع- إلى لزوم الإتيان بالصلاة على وجه قربي- بالأمر الثاني الدال على اشتراط الإتيان بتلك الماهية بداعي الأمر الأول، و بهذا البيان يترفع محذور الدور؛ إذ لم نقل بدخل قصد القربة- أي: قصد الأمر- في موضوع الأمر الأول حتى يتوجه المحذور من جهة تأخره عنه كي يتعذر أخذه في المتعلق.

و الحاصل: أن الشيخ «(قدس سره)» قد صحح قصد القربة بتعدد الأمر؛ كما مر في بحث التعبدي و التوصلي في كيفية دخل دخل قصد القربة في العبادة.

و لكنه قد صحح الاحتياط في العبادة هنا بوجه آخر، و هو الإتيان بالفعل المجرد عن قصد القربة، فإنه بهذا المعنى المجازي لا يتوقف على الأمر حتى يلزم الدور.

و تقريب هذا الوجه: أن مدلول الأمر في قوله «(عليه السلام)»: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» ليس هو الاحتياط بمعنى الإتيان بالفعل المحتمل الوجوب و الإباحة مثلا بجميع ما يعتبر فيه حتى قصد القربة؛ حتى يتوجه عليه محذور الدور الذي أورده على ما تقدم من استدلال الشهيد في الذكرى؛ بل وزان قوله: «احتط» وزان قوله: في الأوامر الواقعية مثل: «صل» في كون المتعلق هو ذات الفعل المجرد عن قصد القربة، فمدلول هيئة «احتط» هو البعث على الفعل الجامع لتمام ما يعتبر فيه شطرا و شرطا إلا نيّة التقرب و هي قصد الأمر، و يكون الاحتياط بهذا المعنى مأمورا بمقتضى الأخبار الآمرة به، و حينئذ:

فيقصد المكلف التقرب بهذا الفعل- كقضاء الصلوات احتياطا لأجل احتمال وقوع خلل فيها- بنفس الأمر بالاحتياط. و بهذا يتوجه صحة الفتوى باستحباب بعض الأعمال التي لا دليل على استحبابها في الشرع.

و قد ظهر: عدم لزوم محذور الدور، أعني: توقف عنوان الاحتياط على الأمر به الذي يتوقف هو أيضا على الاحتياط؛ كتوقف سائر الأحكام على موضوعاتها.

وجه عدم اللزوم: أنه إنما يلزم إذا أريد بالاحتياط في الروايات الآمرة به معناه‏

252

الحقيقي، و هو الإتيان بالفعل المشتمل على قصد القربة؛ دون معناه المجازي الصوري و هو الإتيان بالفعل المجرد عن قصد القربة، فإنه بهذا المعنى المجازي الصوري لا يتوقف على الأمر حتى يلزم الدور.

هذا توضيح ما أفاده الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» و للمصنف على هذا الجواب إيرادان:

الإيراد الأول: ما أشار إليه بقوله: «مضافا إلى عدم مساعدة دليل».

و الإيراد الثاني: ما أشار إليه بقوله: «إنه التزام بالإشكال».

توضيح الإيراد الأول:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 493»- أنه لا وجه لرفع اليد عن ظهور الاحتياط- في الأخبار الآمرة به- في معناه الحقيقي، أعني: الإتيان بالفعل بجميع ما يعتبر فيه حتى نية التقرب المعتبرة في العبادات، فلا وجه لصرف الاحتياط عن معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي- و هو الإتيان بالفعل مجردا عن قصد القربة- حتى يتمكن منه في العبادات التي لم يعلم أمر الشارع بها، و ذلك لمغايرة الاحتياط بهذا المعنى المجازي للاحتياط المأمور به في الأخبار موضوعا و حكما.

أما موضوعا: فلأن ما يستقل بحسنه العقلي و يرشد إليه النقل هو الإتيان بالفعل بجميع ما يعتبر فيه حتى قصد التقرب في العبادة فجعل الاحتياط المأمور به هو ذات الفعل المجرد عن نية التقرب أجنبي عن معناه المعروف المصطلح عليه.

و أما حكما: فلوجوه ثلاثة أولها: أن الأمر بالاحتياط بهذا المعنى- أي الإتيان بالفعل مجردا عن قصد التقرب، و هو الذي اختاره الشيخ الأنصاري لحل الإشكال- أمر مولوي يصح قصد التقرب به؛ إذ المفروض: مطلوبية الإتيان بالفعل المحتمل وجوبه بدون قصد التقرب، و تتحقق القربة بقصد هذا الأمر المولوي المتعلق بالاحتياط بهذا المعنى الوارد ذلك الأمر في مثل قوله «(عليه السلام)»: «أخوك دينك فاحتط لدينك»، و الأمر بالاحتياط بمعناه الحقيقي إرشادي لا يصح التقرب به، فاختلف الاحتياطان حكما، هذا و لكن الالتزام بكون الأمر بالاحتياط بمعناه المجازي مولويا خلافا تصريح الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» بأنه إرشادي غير صالح للتقرب به؛ كما تقدم في عبارته المنقولة سابقا بقوله: «إن الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد كأمره بالانقياد الحقيقي ... إرشادي محض ... فلا إطاعة لهذا الأمر الإرشادي، و لا ينفع في جعل الشي‏ء عبادة».

ثانيها: أنه لو سلم أن الأمر به مولوي فهو نفسي؛ لقيام المصلحة بالإتيان بالفعل‏

253

العبادي المحتمل وجوبه بهذا النحو- أي: مجردا عن قصد القربة- و لم يكن الغرض منه حفظ المصلحة الواقعية المحتملة؛ لأن الفعل على فرض وجوبه واقعا لم يسقط أمره بالإتيان به بدون قصد التقرب؛ إذ قوام العبادة به و هو دخيل في صميمه، و لو كان الغرض منه حفظ المصلحة الواقعية لوجب الإتيان به مع قصد القربة، فالأمر بالإتيان به مجردا عن القصد المذكور أمر نفسي يثاب على طاعته و يعاقب على مخالفته إذا كان إلزاميا كما هو شأن التكليف النفسي لا غيري، مع أنه لا سبيل إلى الالتزام بنفسية أوامر الاحتياط، ضرورة: أن المقصود من تشريعه التحفظ على الغرض الواقعي كما هو شأن سائر الواجبات الغيرية التي تقوم المصلحة بما يترتب عليها؛ كالمسير إلى الحج الذي تكون مطلوبيته للتوصل إلى الواجب النفسي، أعني: الحج، فالاحتياط بالصلاة إلى جهات أربع عند اشتباه القبلة واجب غيري، أمر الشارع به تحفظا على «معراج المؤمن» مثلا الذي هو ملاك لتشريع الصلاة، و حيث إن العبادة المحتملة قد سلب عنها قصد القربة، فليس المراد بالاحتياط التوصل إليها، فلو وجب وجب لذاته كسائر الواجبات النفسية لا للتوصل إلى الواقع المجهول.

ثالثها: أن الأمر بالاحتياط بهذا النحو- على تقدير تسليم نفسيته- يكون عباديا لا يسقط أمره إلا بالإتيان بالفعل متقربا به إليه تعالى، مع أن المقصود تجريده عن قصد التقرب، و أن المطلوب هو وجود المتعلق في الخارج كيفما اتفق كتطهير اللباس للصلاة و دفن الميت، فيكون الأمر به توصليا؛ لوفاء مطلق وجوده في الخارج بالغرض الداعي إلى التشريع و لو لم يأت به عن داع إلهي، فالإتيان بمحتمل الوجوب سواء انبعث عن الأمر المحتمل أم عن الأمر بالاحتياط هو المطلوب للشارع، فلا محالة يتمحض الأمر به في التوصلية، فلا يلزم قصد التقرب به مع أن مفروض كلام الشيخ «(قدس سره)» التقرب بالأمر بالاحتياط كما عرفت.

و الحاصل: أن التقرب بالأمر بالاحتياط يتوقف على كونه مولويا نفسيا عباديا مع وضوح أن الأمر به ليس كذلك لأنه إرشادي فكيف يتقرب به؟

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

«حينئذ» أي: كون المراد بالاحتياط هو الفعل المجرد عن نية التقرب، و هذا هو المراد بقوله: «بهذا المعنى». و ضمير «فيها» راجع على العبادات. و ضمير «حسنه» راجع على الاحتياط.

254

المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة.

فيه: مضافا إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها، بداهة (1):

أنه ليس باحتياط حقيقة؛ بل (2) هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوبا مولويا (3) نفسيا عباديا و العقل (4) لا يستقل إلا بحسن الاحتياط، و النقل لا يكاد يرشد إلا إليه.

نعم (5)؛ لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة لما

____________

(1) تعليل لعدم مساعدة دليل الاحتياط على حسنه بهذا المعنى المجازي لوضوح: أن الإتيان بالمأمور به العبادي مجردا عن قصد التقرب مغاير للاحتياط موضوعا، و ليس امتثالا لأمره أصلا؛ بل هو أجنبي عنه بالمرة كما عرفت توضيحه.

(2) هذا إشارة إلى مغايرة الاحتياط- بالمعنى الذي ذكره الشيخ- موضوعا للاحتياط الذي هو مدلول الأخبار، و قد تقدم توضيح المغايرة بقوله: «و أما موضوعا ...» الخ.

و ضمير «هو» راجع على قوله: «الفعل المطابق للعبادة»، و هو الاحتياط الذي ذكره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)».

يعني: الاحتياط- بمعنى الفعل المطابق للعبادة- شي‏ء «لو دل عليه دليل كان مطلوبا مولويا نفسيا عباديا».

(3) هذا إشارة إلى الوجه الأول من وجوه المغايرة بين الاحتياطيين حكما، و «نفسيا» إشارة إلى الوجه الثاني منها، و «عباديا»، إلى الثالث منها، و قد تقدمت هذه الوجوه.

(4) الواو للحال، يعني: و الحال أن العقل لا يستقل إلا بحسن الاحتياط لا بحسن ما ذكره الشيخ «(قدس سره)» لمعنى الاحتياط، الذي عرفت: أنه لو دل عليه دليل لم يكن إلا مطلوبا مولويا نفسيا عباديا، كما أن الشرع أيضا لا يرشد إلا إلى حسن الاحتياط لا إلى حسن هذا المعنى الذي جعله الشيخ «(قدس سره)» لمعنى الاحتياط؛ لأنه أجنبي عما يحكم بحسنه العقل و يرشد إليه النقل.

و بالجملة: فالأمر في مثل- «خذ بالحائطة لدينك»، و «عليكم بالاحتياط و نحوهما- أمر إرشادي، و متعلقه هو الاحتياط الذي يحكم به العقل المنوط بالإتيان بكل ما يحتمل دخله في تحصيل الغرض؛ لا المجرد عن نية التقرب فيما يحتمل عباديته، فالمأمور به هو معناه الحقيقي لا الصوري الذي يصح سلب عنوان الاحتياط عنه حقيقة، فإنه بهذا المعنى ليس حسنا عقلا، و لا مما يرشد إليه الشرع.

(5) استدراك على قوله: «لعدم مساعدة دليل».

و غرضه: أن حمل الاحتياط على معناه المجازي لا وجه له إلا إذا ألجأتنا دلالة