دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
255

كان محيص عن دلالته (1) اقتضاء، على أن المراد به ذاك المعنى بناء (2) على عدم إمكانه (3) فيها بمعناه حقيقة، كما لا يخفى أنه (4) التزام بالإشكال، و عدم جريانه فيها،

____________

الاقتضاء إلى ذلك، كما ألجأتنا في مثل قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ إلى حمله على المجاز في الحذف بتقدير «الأهل»، فإنه إذا قام دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة كقضاء الصلوات لمجرد خلل موهوم فيها، و لم يمكن إرادة معناه الحقيقي لعدم إحراز الأمر حسب الفرض حتى يقصده و يتصف الفعل بكونه عباديا، فإنه لا بد حينئذ: من تجريد الفعل عن نية التقرب، و الإتيان به كذلك امتثالا لأمر الشارع بالاحتياط و ارتكاب هذا المعنى المجازي مما لا بد منه صونا لكلام الحكيم عن اللغوية؛ إذ لو لم يجرد الفعل عن قصد القربة لم يمكن الاحتياط فيه، فلا بد من تعلق الأمر الاحتياطي بما عدا القربة من الأجزاء و الشرائط.

و الحاصل: أن ارتكاب هذا المعنى المجازي منوط بورود الأمر بالاحتياط في خصوص العبادة، و لا وجه لصرف أوامر الاحتياط عن ظاهرها إلى هذا المعنى المجازي.

(1) يعني: دلالة الدليل على الترغيب، و ضمير «به» راجع على الاحتياط، و «ذاك المعنى» يعني: المجازي.

(2) قيد لقوله: «أن المراد به ذاك المعنى».

و غرضه: أن الالتزام بالمعنى المجازي- لورود أمر بالاحتياط في العبادة- لدلالة الاقتضاء إنما هو إذا تعذر حمل ذلك الأمر على معناه الحقيقي، كما هو كذلك بناء على عدّ قصد القربة من الأجزاء، و الشرائط. و أما بناء على كونه من كيفيات الإطاعة: فلو فرض ورود أمر بالاحتياط في خصوص العبادة أمكن حمله على معناه الحقيقي؛ لعدم كون القربة في عداد سائر الشرائط كما سيظهر.

(3) أي: إمكان الاحتياط في العبادة بمعناه الحقيقي.

(4) مبتدأ مؤخر، و خبره قوله المتقدم: «فيه مضافا». و الجملة بأجمعها خبر لقوله:

«و ما قيل».

و ضمير «أنه» راجع على «ما قيل». و قوله: «و عدم» عطف على الإشكال و تفسير له.

و هذا هو الإيراد الثاني على كلام الشيخ «(قدس سره)» و هو المقصود الأصلي في مقام الاعتراض عليه.

توضيحه: أن صرف الاحتياط عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي- و هو الإتيان بالفعل مجردا عن قصد القربة- تسليم لإشكال جريان الاحتياط؛ و ذلك لأن تجريده عن‏

256

و هو (1) كما ترى.

قلت (2): لا يخفى أن منشأ الإشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل‏

____________

قصد الأمر دليل على عدم إمكان الاحتياط بمعناه الحقيقي في العبادة.

و الالتزام بأنه بمعناه الحقيقي لا يجري في العبادة حتى ينسلخ منه قصد الأمر.

(1) أي: و الحال أن الالتزام بعدم جريان الاحتياط في العبادة كما لا يمكن المصير إليه، كيف و هو مورد فتوى المشهور؟ فلا بد لحل الإشكال من التماس وجه آخر و هو ما اختاره المصنف «(قدس سره)».

(2) هذا هو الجواب الرابع عن إشكال الاحتياط في العبادة، و هذا الجواب هو مختار المصنف، و هو تزييف للمبنى الذي أسس عليه هذا الإشكال، فيقال في توضيح هذا الجواب: إن الإشكال المذكور نشأ من تخيل كون وزان القربة المعتبرة في العبادة وزان غيرها مما يعتبر فيها شطرا أو شرطا في اعتبار تعلق الأمر بها، فيتعلق أمر العبادة في مثل: «صل» بقصد القربة كتعلقه بغيره مما هو دخيل في المأمور به، فيشكل حينئذ جريان الاحتياط في العبادة؛ لتعذر قصد الأمر مع الشك فيه.

لكن هذا التخيل فاسد؛ لما ذكره المصنف في مبحث التعبدي و التوصلي من عدم كون قصد القربة دخيلا في المأمور به على نحو دخل مثل الاستقبال و الستر في الصلاة؛ بل هو من الأمور المحصلة للغرض و الحاكم باعتباره و لزومه هو العقل، فمتعلق الطلب في مثل: «صل»، و «احتط» هو ذات الفعل، و القصد المزبور خارج عن ماهية المأمور به، و لا يلزم الدور إذ لم يكن قصد الأمر المتأخر عن الأمر دخيلا في المتعلق على نحو سائر الأجزاء و الشرائط؛ بل هو من كيفيات الإطاعة التي هي في رتبة تالية للأمر، و به يصير الاحتياط في العبادة ممكنا؛ إذ كما يأتي المكلف بالصلاة الواقعية المعلومة بداعي أمرها المعلوم بحيث يكون الأمر المعلوم هو الداعي للمكلف و المحرك له نحو الإتيان بالصلاة لا داع آخر من الدواعي النفسانية، كذلك يأتي المكلف بالصلاة الاحتياطية بداعي الأمر المحتمل، و حينئذ: فلو كانت مأمورا بها واقعا لكانت مقربة.

و بالجملة: أنه يمكن دفع إشكال الاحتياط في العبادة على وجه لا يلزم المحذور، و هو أن اعتبار القربة- في جميع العبادات- ليس شرعيا بل هو عقلي، و العقل لا يعتبر أزيد من قصد الأمر جزميا كان أو احتماليا، فحينئذ: يتحقق الاحتياط بلا حاجة إلى أمر الشارع المستلزم للدور.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

257

سائر الشروط المعتبرة فيها مما يتعلق بها الأمر المتعلق بها، فيشكل جريانه حينئذ (1) لعدم التمكن من قصد القربة فيها.

و قد عرفت: أنه (2) فاسد، و إنما اعتبر قصد القربة فيها (3) عقلا لأجل أن الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه، و عليه (4): كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان، ضرورة (5): التمكن من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه و كماله، غاية الأمر: أنه لا بد أن يؤتى به (6) على نحو لو كان (7) مأمورا به لكان مقربا بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر، أو احتمال كونه (8) محبوبا له تعالى، فيقع (9) حينئذ على تقدير الأمر به امتثالا

____________

قوله: «مما»- المراد به الشروط- بيان ل «الشروط». و ضمير «بها» راجع على الموصول في «مما» باعتبار الشروط. و ضمير «جريانه» راجع على الاحتياط. و ضمير «بها» في «المتعلق بها» راجع على العبادة.

(1) أي: فيشكل جريان الاحتياط حين كون القربة مثل سائر الشروط المعتبرة في العبادة كالطهارة و الاستقبال في الصلاة كما هو مبنى التخيل المذكور.

(2) أي: التخيل الذي صار منشأ للإشكال المتقدم فاسد؛ لما تقدم من امتناع أخذ الأمر في المتعلق شرعا؛ بل المتعلق ذات العبادة.

(3) هذا الضمير و ضمير «فيها» راجع على العبادة. و ضمير «بدونه» راجع على قصد القربة.

(4) أي: و بناء على أن اعتبار قصد القربة عقلي؛ كان جريان الاحتياط في العبادة بمكان من الإمكان. كان الأولى تأنيث ضمير «فيه» لرجوعه إلى العبادة التي هي ظرف الاحتياط؛ إلا أن يرجع إلى العمل العبادي.

(5) تعليل ل «كان جريان الاحتياط».

(6) يعني: بما احتمل وجوبه.

(7) اسم كان ضمير راجع على «ما احتمل وجوبه». و الضمائر المذكورة من قوله:

«ما احتمل وجوبه» إلى قوله: «فيقع الأمر به» كلها راجعة على «ما احتمل وجوبه».

(8) أي: كون الفعل المحتمل وجوبه محبوبا له تعالى. و هذا إشارة إلى عدم انحصار نية القربة في الأمر؛ بل مطلق إضافته إليه تعالى- كقصد المحبوبية- من القربة المطلوبة في العبادة.

(9) أي: فيقع الفعل المحتمل وجوبه حين الإتيان به بالنحو المذكور، أعني: «أنه لو كان مأمورا به لكان مقربا» امتثالا له تعالى على تقدير الأمر به، و انقيادا له «عزّ و جل» على تقدير عدمه.

258

لأمره تعالى، و على تقدير عدمه انقيادا لجنابه «تبارك و تعالى»، و يستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد (1).

و قد انقدح بذلك (2): أنه لا حاجة في جريانه في العبادة إلى تعلق أمر بها؛ بل لو

____________

(1) الذي هو في حكم الإطاعة الحقيقية، ثم إن هذا و ما قبله مفسر لقوله «على كل حال».

(2) يعني: و قد ظهر مما ذكرنا- من عدم دخل قصد القربة في المتعلق، و إنما هو دخيل عقلا في حصول غرض المولى من الأمر- أنه لا حاجة في جريان الاحتياط في العبادة إلى تعلق أمر بها حتى يقصد؛ «كأن يقول المولى: «احتط في العبادة لمجرد خلل موهوم فيها»، فيكفي في جريان الاحتياط فيها نفس الأمر المحتمل، يعني: أن احتمال بقاء الأمر بالصلاة كاف في مشروعية الاحتياط و قضائها؛ بل لو علم تعلق أمر بها لم يكن من الاحتياط في شي‏ء؛ بل كان إطاعة حقيقية، لتقوّم الاحتياط باحتمال الأمر، فمع العلم به لا احتياط، و يكون ذلك الأمر تكليفا نفسيا وجوبيا أو استحبابيا؛ كما تقدم الكلام فيه.

و الحاصل: أن قوام الاحتياط و الإتيان بالفعل برجاء مطلوبيته و موافقته للأمر الواقعي المحتمل، فإذا ورد أمر من الشارع بفعل مشكوك المطلوبية- بهذا العنوان- لم يكن الإتيان به احتياطا؛ بل كان إطاعة جزمية لأمر معلوم، فيقصد ذلك الأمر المعلوم الوارد على «عنوان محتمل المطلوبية».

و الظاهر: أن غرض المصنف التعريض بكلام الشيخ الأنصاري، حيث إنه «(قدس سره)» بعد ما وجه الاحتياط في العبادة بما تقدم مفصلا قال: «ثم إن منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبرا ضعيفا، فلا حاجة إلى أخبار الاحتياط و إثبات الأمر فيها للاستحباب الشرعي دون الإرشاد العقلي؛ لورود بعض الأخبار باستحباب فعل كل ما يحتمل فيه الثواب؛ كصحيحة هشام بن سالم المحكية عن المحاسن ...».

و حاصله: أنه لو لم تصلح أوامر الاحتياط لإثبات مشروعيته في الفعل الدائر بين كونه واجبا عباديا و مباحا، فأخبار «من بلغ» تصلح لإثبات استحباب نفس العمل الذي قام على استحبابه خبر ضعيف، كالدعاء عند رؤية الهلال، فإن الرواية الفاقدة لشرائط الحجية و إن لم تصلح لإثبات استحبابه؛ إلا إنه يتحقق- بهذا الخبر الضعيف- موضوع أخبار «من بلغ» و هو البلوغ، فيثبت استحبابه ببركة هذه الأخبار المعتبرة، و بعد العلم بالأمر المستفاد منها يجري الاحتياط في العبادة.

259

فرض تعلقه بها لما كان من الاحتياط بشي‏ء (1)؛ بل كسائر ما علم (2) وجوبه أو استحبابه منها (3) كما لا يخفى.

____________

هذا ما استظهره الشيخ «(قدس سره)»؛ و لكن المصنف أورد عليه: بأنه مع تسليم دلالة أخبار «من بلغ» على استحباب الفعل الذي ورد الثواب عليه في خبر ضعيف لم يكن الإتيان بذلك الفعل بداعي أمره المستفاد من هذه الأخبار من الاحتياط أصلا، بل هو من الإطاعة الحقيقية، لفرض العلم بالأمر حينئذ دون احتماله المقوّم للاحتياط.

و بما ذكرناه: ظهر وجه ارتباط البحث عن مفاد أخبار «من بلغ» بمسألة الاحتياط في العبادة، و أن إشكال الاحتياط في العبادة كما يمكن حله بالتصرف في معنى الاحتياط و إرادة معنى مجازي منه- كما عليه الشيخ- كذلك هل يمكن حله بتعلق الأمر المولوي المستفاد من أخبار «من بلغ» بكل فعل دل على استحبابه رواية ضعيفة أم لا؟

(1) لتقوّم الاحتياط بإتيان العمل برجاء وجود الأمر الواقعي.

(2) المراد به: الفعل المعلوم وجوبه، حيث يقصد ذلك الأمر، و ليس من الاحتياط في شي‏ء بل من الإطاعة الحقيقية؛ كالصلوات اليومية و غيرها من الواجبات المعلومة.

(3) أي: من العبادات. هذا إشارة إلى وجه خامس لدفع إشكال الاحتياط في العبادة،

و حاصل هذا الوجه: أن مشكوك العبادية و إن لم يمكن الإتيان به بقصد القربة من جهة أنه لم يحرز تعلق الأمر به؛ لكن يمكن الإتيان به بقصد القربة بملاحظة الاستحباب المستفاد من أخبار «من بلغ»، فقد ورد في مستفيض الأحاديث: أن «من بلغه ثواب على عمل فعمله التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن كما بلغه»، فلو قام خبر ضعيف على استحباب الأذان لصلاة مستحبة مثلا صح الاحتياط بإتيان الأذان لها بقصد القربة لوجود الأمر العام المستفاد من أخبار «من بلغ»؛ لكن هذا الوجه أيضا مخدوش بوجهين:

أحدهما: أن هذا لا يدفع الإشكال عن جميع موارد الشبهة في العبادة و إنما يختص بما ورد فيه أمر و لو بخبر ضعيف.

ثانيهما: أن موافقة هذا الأمر الاستحبابي يجعل المأتي به طاعة جزمية، و يخرج عن المتنازع فيه الذي هو الاحتياط في محتمل الوجوب أو الاستحباب؛ كصلاة الليل و النوافل المرتبة و غسل الجمعة، و كثير من المستحبات التي هي من ضروريات المذهب بل الدين، و يقصد ذلك الأمر الاستحبابي المعلوم.

260

فظهر (1): أنه لو قيل (2) بدلالة أخبار «من بلغه ثواب» على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب و لو بخبر ضعيف لما كان (3) يجدي في جريانه في خصوص ما دل على وجوبه أو استحبابه. خبر ضعيف؛ بل كان (4) عليه مستحبا كسائر ما دل الدليل على استحبابه لا يقال (5): هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ‏

____________

(1) متفرع على ما أفاده من عدم الحاجة في جريان الاحتياط في العبادة إلى العلم بالأمر؛ بل مع العلم به لا يكون من الاحتياط أصلا.

(2) القائل هو الشيخ الأنصاري «(قدس سره)». و قد تقدم كلامه سابقا.

(3) جواب «لو قيل» ورد له.

توضيح الرد: أنه إذا تعلق الأمر المستفاد من أخبار «من بلغ» بعمل كالدعاء عند رؤية الهلال، كان العمل مأمورا به جزما، فيكون الإتيان به إطاعة حقيقية لقصد امتثال ذلك الأمر حين العمل، فلا يكون الإتيان به حينئذ من باب الاحتياط المتقوم بداعي احتمال تعلق الأمر به واقعا؛ بل هو إطاعة علمية تفصيلية. فالأخبار الكثيرة الدالة على ترتب الثواب على العمل الذي دل خبر ضعيف على وجوبه أو استحبابه على تقدير دلالتها على الاستحباب لا تجدي في دفع إشكال جريان الاحتياط في العبادة عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب؛ لصيرورة العمل بسبب تلك الأخبار مستحبا نفسيا كسائر المستحبات النفسية، فالإتيان به بقصد استحبابه إطاعة حقيقية لا احتياطية.

و المتحصل: أن الاستحباب المستفاد من أخبار «من بلغ» يوجب استحباب العمل البالغ عليه الثواب بخبر ضعيف كسائر المستحبات، و هو أجنبي عن الاحتياط الذي هو مورد البحث، و لا يستفاد من تلك الأخبار استحباب العمل الذي شك في استحبابه من غير ناحية الخبر الضعيف.

(4) اسم كان ضمير راجع على الموصول في «ما دل» المراد به العمل الذي دل الدليل على استحبابه؛ كزيارة المعصومين «(عليهم السلام)».

(5) هذا إشكال على ما أفاده المصنف «(قدس سره)» من عدم كون الأمر المستفاد من أخبار «من بلغ» مجديا في إمكان الاحتياط في العبادة؛ بل يكون الأمر المستفاد من أخبار «من بلغ» مجديا في إمكان الاحتياط في العبادة، فيكون هذا جوابا سادسا عن إشكال الاحتياط في العبادة.

تقريبه: يتوقف على مقدمة و هي: أن في أخبار «من بلغ» احتمالين:

الأول: أن يكون المستفاد منها هو استحباب العمل الذي قام خبر ضعيف على‏

261

عليه الثواب بعنوانه (1)، و أما لو دل (2) على استحبابه لا بهذا العنوان (3)؛ بل بعنوان أنه محتمل الثواب لكانت دالة على استحباب الإتيان به بعنوان الاحتياط كأوامر (4) الاحتياط لو قيل بأنها للطلب المولوي لا الإرشادي‏

____________

استحبابه بعنوانه الأولي كعنوان زيارة المعصوم «(عليه السلام)».

الثاني: أن يكون المستفاد منها استحباب عمل لا بعنوانه الأولي؛ بل بعنوان كون العمل محتمل الثواب كما هو ظاهر بعض تلك الأخبار مثل: «فعمله طلبا لقول النبي «(صلى اللّه عليه و آله)» ...»، أو «التماس ذلك الثواب».

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الإشكال على الاستدلال بأخبار «من بلغ» على الاحتياط في العبادة الذي هو مورد للبحث في المقام إنما يتم على الاحتمال الأول، فيصح أن يقال في تقريب الإشكال: إن أخبار «من بلغ» لا تجدي في جريان الاحتياط في العبادة؛ لأن الاستحباب المستفاد من أخبار «من بلغ» إنما هو كسائر المستحبات النفسية، فالإتيان به بقصد استحبابه إطاعة حقيقية. و من المعلوم: أنه لا ربط له حينئذ بالاحتياط المحرز للواقع.

و أما إذا كان المستفاد من تلك الأخبار أمرا بما هو محتمل الواقع- كنفس أوامر الاحتياط بناء على مولويتها- كما هو مقتضى الاحتمال الثاني، كان كافيا في إمكان التقرب بالعبادة المشكوكة لصيرورته مستحبا شرعيا؛ لأنه- على هذا التقدير- يصير نفس المحتمل بما هو محتمل مستحبا نفسيا يصح نية التقرب بأمره، فيصير الاحتياط مستحبا شرعا، و يرشد إلى هذا المعنى قوله «(عليه السلام)» في بعض تلك الأخبار:

«التماس ذلك الثواب»، أو «طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» حيث إن ترتب الثواب على ذلك الفعل منوط بالإتيان به بداعي احتمال مطلوبيته للشارع، فليس العمل بنفسه مستحبا- كما هو مقتضى الاحتمال الأول- حتى يقال: إن الإتيان به إطاعة حقيقية؛ بل هو مع الإتيان به برجاء محبوبيته فتعلق الأمر النفسي بالعمل برجاء الأمر به، فيقصد ذلك الأمر و يتحقق مشروعيته الاحتياط في العبادة.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) يعني: بعنوانه الأولي لا بعنوانه الثانوي، و هو كونه محتمل الثواب.

(2) هذا تقدم توضيحه بقولنا: «و أما إذا كان المستفاد ...» إلخ.

(3) أي: لا بعنوانه الأولي بل بعنوانه الثانوي، و هو كونه محتمل الثواب.

(4) في استحباب الفعل بعنوان الاحتياط لا بعنوانه الأولي؛ بناء على مولوية الأمر

262

فإنه يقال (1): إن الأمر بعنوان الاحتياط و لو كان مولويا لكان توصليا، مع أنه لو كان عباديا لما كان مصححا للاحتياط و مجديا في جريانه في العبادات كما أشرنا إليه (2) آنفا.

ثم (3) إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب، فإن‏

____________

المتعلق بالاحتياط لا إرشاديته.

(1) جواب عن قوله: «لا يقال». و قد أجاب المصنف عنه بوجهين:

الوجه الأول: ما أفاده بقوله: «إن الأمر بعنوان الاحتياط». و توضيحه: أن أوامر الاحتياط- على تقدير مولويتها- توصلية؛ إذ لا دليل على تعبديتها، فتسقط بمجرد موافقتها، و لا يتوقف سقوطها على قصد التقرب بها كما هو شأن الأوامر العبادية.

و عليه: فالأمر التوصلي كالأمر الإرشادي لا يصحح قصد القربة مع وضوح اعتباره في العبادة. هذا تمام الكلام في الوجه الأول.

و أما الوجه الثاني: فقد أشار إليه بقوله: «مع أنه لو كان عباديا ...» الخ.

و حاصله: أنه لا يصح قصد التقرب بأوامر الاحتياط حتى مع تسليم كونها عبادية، للزوم الدور، ضرورة: أن الاحتياط حينئذ يتوقف على الأمر به حتى يجوز الاحتياط بقصد الأمر به، و الأمر بالاحتياط يتوقف على وجود الاحتياط قبل الأمر به؛ لكون الأمر عارضا عليه، و العارض يستدعي تقدم المعروض عليه، فالأمر يستدعي تقدم الاحتياط عليه، فالنتيجة: أن الاحتياط يتوقف على نفسه، و هو الدور.

(2) يعني إلى عدم كونه مصححا للاحتياط؛ لاستلزامه الدور، و مراده بقوله: «آنفا» ما أفاده في أوائل هذا التنبيه حيث قال: بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه.

مفاد أخبار من بلغ‏

(3) بعد أن ناقش المصنف «(قدس سره)» في الاستدلال بأخبار «من بلغ» على تعلق الأمر المولوي بالاحتياط، تطرق إلى ما يمكن أن يستفاد من تلك الأخبار في أنفسها من الوجوه و المحتملات.

فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: في محتملات هذه الأخبار.

المقام الثاني: في الأقوال فيها.

و أما محتملات هذه الأخبار فهي ثلاثة:

263

الأول: أن يكون مفادها حكما أصوليا، و هو حجية الأخبار الضعيفة الدالة على استحباب بعض الأفعال من باب «التسامح في أدلة السنن»، فإذا دل خبر ضعيف السند على استحباب بعض الأعمال كأعمال يوم النيروز، و ترتب الثواب عليها كان ذلك الخبر الضعيف- ببركة هذه الأخبار- حجة، و صح الحكم بمضمونه نظرا إلى حجية سنده.

الثاني: أن يكون مفادها حكما فقهيا، و هو استحباب العمل الذي بلغ الثواب عليه، بمعنى: أنه إذا بلغ في رواية ثواب على عمل صح الحكم باستحباب ذلك العمل، مع قطع النظر عن سندها.

ثم هذا الاحتمال الثاني فيه احتمالان:

أحدهما: أن يكون موضوع هذا الحكم الفقهي- أعني: الاستحباب- هو العمل بعنوانه الأولي لا بعنوانه الثانوي- و هو كونه مما بلغ عليه الثواب؛ بحيث يكون بلوغ الثواب عليه دخيلا في موضوع الحكم وجهة تقييدية لترتب الثواب عليه؛ بل يكون بلوغ الثواب جهة تعليلية له، فإذا بلغ ثواب على عمل كان ذلك العمل بعنوانه الأولي مستحبا من المستحبات، فالمستحب هو نفس العمل.

ثانيهما: أن يكون موضوعه العمل بوصف كونه مما بلغ عليه الثواب؛ بحيث يكون بلوغ الثواب عليه دخيلا في موضوع الحكم، وجهة تقييدية لترتبه عليه، فالمستحب حينئذ: هو العمل المأتي به برجاء الثواب عليه لا نفس العمل بما هو.

و الفرق بين هذين الوجهين: أنه على الأول: يكون الأمر المستفاد من تلك الأخبار متعلقا بنفس العمل، و لذا يكون العمل بنفسه مستحبا.

و على الثاني: يكون متعلقا بالاحتياط، و هو الإتيان بالعمل برجاء الثواب عليه، فيكون الاحتياط هو المأمور به بالأمر المولوي دون نفس العمل، فموضوع الاستحباب على الأول: هو نفس العمل.

و على الثاني: هو الاحتياط.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و أما المقام الثاني- و هو الأقوال في مفاد أخبار «من بلغ»- فثلاثة:

الأول: أن يكون مفادها حجية الخبر الضعيف، و هو ظاهر المشهور، حيث يظهر من فتاواهم باستحباب بعض الأعمال بمجرد ورود خبر ضعيف دال على ترتب الثواب عليه.

الثاني: أن يكون مفادها استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب، كما هو

264

صحيحة (1) هشام بن سالم المحكية عن المحاسن عن أبي عبد الله «(عليه السلام)» قال:

«من بلغه عن النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له؛ و إن كان رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» لم يقله»

(*)

ظاهرة (2) في أن الأجر كان مترتبا على نفس العمل الذي بلغه عنه «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» أنه‏

____________

مختار المصنف «(قدس سره)»، حيث استظهر من صحيحة هشام المذكورة في المتن الاحتمال الثاني، نظرا إلى ظهورها في ترتب الثواب على نفس العمل؛ لا العمل بوصف كونه مما بلغ عليه الثواب. و أن المستفاد منها هو استحباب نفس العمل بعنوانه الأولي؛ لا بعنوان كونه مما بلغ عليه الثواب.

الثالث: أن يكون مفادها هو استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب؛ كما استظهره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» من صحيحة هشام و نحوها، فالمستفاد منها عند الشيخ «(قدس سره)»: هو استحباب الاحتياط.

و عليه: فالمصنف و الشيخ «(قدس سره)» متفقان على أن المستفاد من أخبار «من بلغ» حكم فرعي و هو الاستحباب؛ لا الأصولي و هو حجية الخبر الضعيف في المستحبات، و مختلفان في متعلقه، أعني: المستحب، فاستظهر الشيخ «(قدس سره)»: أنه هو العمل بعنوان الرجاء و الانقياد؛ بحيث يكون لهما دخل في المتعلق، و المصنف: أنه ذات العمل، و أن الرجاء و الانقياد خارجان عن متعلق الطلب الاستحبابي، و إنما هما داعيان لإيجاد العمل في الخارج، و من المعلوم: أن الداعي ليس داخلا في متعلق الطلب.

(1) بيان لقوله: «لا يبعد»، و استظهار لترتب الثواب على العمل بعنوانه الأولي.

(2) خبر لقوله: «فإن صحيحة هشام ...» الخ و الضمير في «بلغه» راجع على الموصول في قوله: «من بلغه» المراد به العامل، و ضمير «عنه» راجع على النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)». و ضمير «أنه ذو ثواب» راجع على العمل، و جملته فاعل «بلغه».

و وجه الظهور: أن هذه الصحيحة تدل على ترتب الثواب الموعود الوارد في خبر ضعيف على نفس العمل؛ لا يستحقه العبد بحكم العقل إلا بكونه مطيعا، و لا إطاعة إلا مع تعلق الأمر بالمأتي به.

و عليه: فالإخبار بالثواب على نفس العمل إخبار عن تعلق الأمر المولوي بذلك العمل، و هو معنى الاستحباب.

____________

(*) المحاسن 1: 25/ 2، ثواب الأعمال: 132، عن هاشم بن صفوان، الوسائل 1: 80- 182 ب 18.

265

ذو ثواب، و كون (1) العمل متفرعا على البلوغ، و كونه الداعي إلى العمل غير موجب لأن يكون الثواب إنما يكون مترتبا عليه فيما إذا أتى برجاء أنه مأمور به، و بعنوان الاحتياط، بداهة: أن الداعي إلى العمل لا يوجب له وجها و عنوانا يؤتى به بذاك الوجه و العنوان.

____________

(1) هذا إشارة إلى ما استفاده الشيخ «(قدس سره)» من أخبار «من بلغ»، فإنه «(قدس سره)» بعد أن استظهر استحباب العمل- الذي دل خبر ضعيف على استحبابه- من هذه الأخبار أورد على نفسه بوجوه ثلاثة أجاب عن اثنين منها، و قوى أولها- و هو ثبوت الأجر لا يثبت الاستحباب- ثم قال: «و أما الإيراد الأول: فالإنصاف أنه لا يخلو عن وجه؛ لأن الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرعا على البلوغ، و كونه الداعي على العمل، و يؤيده تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار بطلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» و التماس الثواب الموعود، و من المعلوم: أن العقل مستقل باستحقاق هذا العامل المدح و الثواب». «دروس في الرسائل، ج 3، ص 58».

و حاصل الكلام: أنه قد اختلف المصنف و الشيخ «(قدس سرهما)» في مفاد أخبار «من بلغ».

قال المصنف: إن مفادها هو استحباب نفس العمل بعنوانه الأولي، و قال الشيخ «(قدس سره)»: إن مفادها هو استحباب الاحتياط أي: استحباب العمل بعنوانه الثانوي، و هو رجاء بلوغ الثواب و الانقياد.

و قد استدل المصنف «(قدس سره)» بإطلاق صحيحة هشام بن سالم، و هو قوله: «(عليه السلام)»: «فعمله، كان أجر ذلك له و إن كان رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» لم يقله»، فإطلاق قوله: «فعمله، كان أجر ذلك له» يقتضي استحباب نفس العمل، و ترتب الثواب على ذات العمل بعنوانه الأولي؛ إذ لو كان الثواب مترتبا على العمل بعنوان الاحتياط و الرجاء لكان اللازم تقييده بعنوان الاحتياط و بلوغ الثواب أي: فيقول: «فعمله احتياطا و برجاء بلوغ الثواب و الانقياد كان أجر ذلك له». فظاهر الإطلاق هو:

استحباب نفس العمل بعنوانه الأولي.

و أما دليل الشيخ على أن المستفاد من أخبار «من بلغ» هو استحباب الاحتياط فهو وجهان:

أحدهما: أن الظاهر من هذه الأخبار: هو كون العمل متفرعا على البلوغ، و كونه الداعي على العمل، بمعنى: أن المستحب هو العمل المأتي به بداعي البلوغ، فالثواب‏

266

و إتيان العمل بداعي طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» كما قيد به (1)

____________

يكون على العمل المأتي به بعنوان الاحتياط لا على نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بما هو هو.

ثم قال: و يؤيده تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار بطلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» و التماس الثواب الموعود.

و قد أجاب المصنف «(قدس سره)» عن هذا الوجه بقوله: «و كون العمل متفرعا على البلوغ»، و حاصله: أن تفرع العمل على البلوغ و كون البلوغ هو الداعي إليه مما لا يوجب أن يكون الثواب مترتبا عليه فيما إذا أتى به برجاء كونه مطلوبا، و بعنوان الاحتياط، فإن الداعي إلى الفعل مما لا يوجب وجها و عنوانا للفعل حتى يجب أن يكون الإتيان به بذلك الوجه و العنوان؛ بل يكون الثواب مترتبا على نفس العمل بعنوانه الأولي.

و ثانيهما: أن إتيان العمل في بعض الأخبار إنما هو مقيد بكونه بداعي طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» أو التماسا للثواب الموعود، و ظاهر التقييد هو الاحتياط، فيقيد به إطلاق بعض الأخبار بمقتضى حمل المطلق على المقيد.

و قد أجاب المصنف عن هذا الوجه بقوله: «و إتيان العمل بداعي طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»».

و حاصل جواب المصنف عن هذا الوجه الثاني: أن تقييد العمل في بعض الأخبار- كخبر محمد بن مروان- بطلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» أو بالتماس الثواب الموعود غير مربوط بصحيحة هشام أصلا؛ إذ الثواب فيها مترتب على نفس العمل، فلا وجه لتقييدها به؛ بل لو أتى بالعمل طلبا لقول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»، أو التماسا للثواب الموعود لترتب الثواب على نفس العمل بمقتضى الصحيحة.

فالمتحصل: أن الثواب رتب في الصحيحة على نفس العمل بعنوانه الأولي لخلوها عن قيد طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»، فقوله «(عليه السلام)» فيها: «فعمله كان أجر ذلك له ...» الخ. نظير قوله: «من سرح لحيته»، يعني: وزان هذا العمل المأتي به بداعي الثواب وزان قوله: «من سرح لحيته» في ترتب الثواب على نفس العمل، و هو تسريح اللحية بما هو هو؛ لا بعنوان بلوغ الثواب عليه.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: بداعي طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» «في بعض الأخبار».

و المراد ببعض الأخبار هو: خبر محمد بن مروان عن أبي عبد الله «(عليه السلام)» «قال:

267

«من بلغه عن النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» شي‏ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»؛ كان له ذلك الثواب و إن كان النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» لم يقله» (1). فالثواب- حسب ظاهر هذا الخبر- مترتب على العمل المأتي به بداعي الوصول إلى الثواب الموعود، فموضوع الثواب ليس ذات العمل كيفما وقع، بل العمل المأتي به رجاء الأجر، فلم يثبت استحباب نفس العمل كما يدعيه المصنف؛ بل الثابت استحباب الاحتياط كما يقول به الشيخ، فهذا يكون دليلا للشيخ «(قدس سره)».

و قد أشار المصنف «(قدس سره)» إلى ردّه بقوله: «إلا إن الثواب في الصحيحة».

و حاصل الرد: أن الثواب الموعود و إن رتب في خبر محمد بن مروان على الانقياد كما أفاده الشيخ «(قدس سره)»؛ لكنه رتب في الصحيحة على نفس العمل بعنوانه الأولي؛ لخلوها عن قيد طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»، فلا يجب تقييد الصحيحة بخبر محمد بن مروان.

و لذا قال: «و لا موجب لتقييدها به»، يعني: و لا موجب لتقييد الصحيحة ببعض الأخبار.

و غرضه من هذا الكلام: هو دفع توهم.

و حاصل التوهم: أن الصحيحة و إن كانت مطلقة؛ لكنه لا بد من تقييد إطلاقها بمدلول خبر محمد بن مروان.

بيان ذلك: أن الصحيحة ظاهرة في ترتب الثواب على العمل الذي ورد الثواب عليه في الخبر الضعيف، سواء أتى به بداعي ذلك الثواب أم لا. و خبر محمد بن مروان ظاهر في ترتب الثواب على خصوص العمل المأتي به بداعي طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»؛ لا مطلق العمل كيفما وقع.

و من المعلوم: أنه لا بد من تقييد المطلق بالمقيد إذا كان الحكم الذي تضمنه المقيد نفس ما دل عليه الخطاب المطلق، فلا بد من تقييد الصحيحة بخبر محمد بن مروان.

هذا و قد دفع المصنف هذا التوهم بقوله: «و لا موجب لتقييدها به» و توضيحه: أن الصحيحة و الخبر و إن اختلفا إطلاقا و تقييدا؛ إلا إنه لا وجه للتقييد؛ لعدم وجود ضابطه، و هو التنافي بين المطلق و المقيد؛ بحيث لا يمكن الجمع بينهما بأن يكونا مختلفين في النفي و الإثبات؛ كأن يقول: «إن ظاهرت فأعتق رقبة، و إن ظاهرت فلا تعتق رقبة

____________

(1) المحاسن 1: 25/ 1، الوسائل 1: 81.

268

في بعض الأخبار، و إن كان انقيادا؛ إلا إن الثواب في الصحيحة إنما رتب على نفس العمل، و لا موجب لتقييدها به لعدم المنافاة بينهما؛ بل لو أتى به كذلك (1) أو التماسا (2) للثواب الموعود، كما قيد به في بعضها الآخر (3)، لأوتي الأجر و الثواب على نفس العمل؛ لا بما هو احتياط و انقياد (4)، ...

____________

كافرة»، أو كانا مثبتين مع إحراز أن المطلوب منهما صرف الوجود كقوله: «إن أفطرت فأعتق رقبة، و إن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة»، حيث إنهما يتعارضان في عتق الكافرة، لاقتضاء دليل المطلق الأجزاء، و اقتضاء دليل التقييد العدم، فيتعين حمل المطلق على المقيد، الموجب لتعين عتق الرقبة المؤمنة، و عدم أجزاء عتق غيرها، و من المعلوم: أنه لا تنافي هنا بين الصحيحة و بين ما يشتمل على الالتماس و الطلب، حيث إن «البلوغ» ليس قيدا للموضوع حتى يتحقق التنافي، و إنما هو داع إلى إيجاد العمل في الخارج، و الداعي لا يكون قيدا لمتعلق الخطاب.

قوله: «لعدم المنافاة بينهما» تعليل لقوله: «و لا موجب» و ضمير بينهما راجع على الصحيحة و بعض الأخبار.

قوله: «بل» إضراب على قوله: «و لا موجب لتقييدها به».

و حاصله: أن طلب قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)» و نحوه- مضافا إلى عدم صلاحيته لتقييد موضوع الثواب- لا يصلح قصده أيضا لترتب الثواب عليه، و يكون لغوا. و ضمير «به» راجع على العمل.

(1) يعني: بداعي طلب قوله النبي «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)».

(2) عطف على «كذلك».

(3) أي: بعض الأخبار كما عرفت، و هو خبر ابن مروان.

(4) أي: لا بما هو احتياط و انقياد حتى يثبت ما ادعاه المستشكل بقوله: «و أما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان»، و ذلك لأن ما دل على أن الثواب على نفس العمل كاشف عن ذلك، و قصد الانقياد لا يوجب انقلاب الثواب عما هو عليه إلى غيره، فإن الانقياد إنما ترتب على الواقع لا على القصد المتعلق به، فإن الإنسان سواء صلى بعنوان أنها واجبة، أو صلى بعنوان الانقياد أتاه ثواب الصلاة لا ثواب الانقياد.

نعم؛ فيما لم يكن هناك واقع مجعول عليه الثواب لا محالة يكون الثواب للانقياد.

و حال الثواب في ذلك حال العقاب في المعصية، فإنه لو عصى تجريا عوقب للمعصية لا للتجري.

269

فيكشف (1) عن كونه بنفسه مطلوبا و إطاعة، فيكون وزانه (2) وزان «من سرح لحيته»، أو «من صلى أو صام فله كذا»، و لعله (3) لذلك أفتى المشهور بالاستحباب فافهم و تأمل (4).

____________

نعم لو تجرّى بغير المعصية الحقيقية ظنا منه أنها معصية كان العقاب للتجري على القول به.

(1) يعني: أن ترتب الأجر على نفس العمل يكشف عن مطلوبية ذات العمل بعنوانه الأولي لا بعنوان الاحتياط، فيكون العمل البالغ عليه الثواب مستحبا شرعيا بالعنوان الأولي كسائر المستحبات الشرعية؛ كالصلاة و الصوم المندوبين، و الإتيان به إطاعة حقيقية لأمر مولوي.

(2) يعني: وزان هذا العمل المأتي به بداعي الثواب وزان قوله: «من سرح» في ترتب الثواب على نفس العمل و هو تسريح اللحية بما هو هو لا بعنوان بلوغ الثواب عليه.

(3) الضمير للشأن، يعني: لعله لما ذكرنا- من أن المستفاد من أخبار «من بلغ» استحباب نفس العمل و ترتب الأجر و الثواب عليه بعنوانه الأولي لا بعنوان أنه مما بلغ عليه الثواب- أفتى المشهور باستحباب كثير من الأفعال التي قامت الأخبار الضعاف على استحبابها.

(4) لعله إشارة إلى احتمال أن يكون نظر المشهور في استحباب نفس العمل من حيث هو- إلى أن المستفاد من أخبار «من بلغ» حجية الخبر الضعيف في المستحبات، فتخصص عموم أدلة حجية خبر الواحد؛ إذ مفادها حينئذ هو: اعتبار الخبر الضعيف في المندوبات، و عدم اعتبار شرائط الحجية فيها، و هذا هو المراد بقاعدة التسامح في أدلة السنن. هذا ما يرجع إلى توضيح المتن. و تركنا تفصيل الكلام حول أخبار «من بلغ» رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- المقصود الأصلي من عقد هذا التنبيه هو: بيان الإشكال في جريان الاحتياط في العبادات و الجواب عنه.

و لكن قبل توضيح الإشكال و الجواب عنه ينبغي بيان أمرين:

أحدهما: أنه لا إشكال في حسن الاحتياط عقلا و رجحانه شرعا في كل شبهة. أما

270

حسنه عقلا: فلكونه محرزا عمليا للواقع، و موجبا للتحرز عن المفسدة الواقعية المحتملة أو استيفاء المصلحة كذلك.

و أما رجحانه شرعا: فلإمكان استفادته من بعض الأخبار كقوله «(عليه السلام)» في مقام الترغيب عليه: «فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك»، فالمستفاد من بعض الأخبار: أنه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل في محتمل الوجوب، و بالترك في محتمل الحرمة.

ثانيهما: أنه لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب على الاحتياط في كل شبهة وجوبية كانت أم تحريمية؛ و ذلك لأنه انقياد للمولى. هذا تمام الكلام في الأمرين.

2- أما توضيح إشكال الاحتياط في العبادات: فيتوقف على مقدمة و هي بيان أمور ثلاثة:

الأول: أن العبادة تتوقف على قصد القربة؛ بل قصد القربة يكون مقوما لعبادية العبادة، و هو الفارق بين الواجب التوصلي و التعبدي، حيث إن الأمر في الأول يسقط بإتيانه كيفما وقع، بخلاف الثاني فلا يسقط الأمر إلا بإتيانه بقصد امتثال الأمر.

الثاني: أن قصد القربة عبارة عن قصد امتثال الأمر، فلا يمكن بدون إحراز الأمر و العلم به.

الثالث: أن الأمر الذي يعتبر قصد التقرب به هو الأمر المعلوم، فلا يجدي وجود الأمر واقعا في تحقق قصد القربة، فلا بد من العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الاحتياط في العبادة عبارة عن الإتيان بالعمل العبادي بجميع ما له دخل فيه و منه قصد الأمر، فإذا شك في تعلق الأمر بعمل من جهة دوران ذلك العمل بين أن يكون واجبا غير مستحب لم يكن الإتيان به من الاحتياط في العبادات أصلا؛ لعدم إحراز تعلق الأمر به.

و عليه: فعنوان الاحتياط في العبادة حينئذ غير ممكن التحقق؛ إذ لا علم بأمر الشارع لا تفصيلا و لا إجمالا، و معه لا يتمشى منه قصد القربة. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح الإشكال.

و أجيب عن هذا الإشكال بأجوبة:

3- الجواب الأول: ما أشار إليه بقوله: «و حسن الاحتياط عقلا».

و تقريب هذا الجواب يتوقف على مقدمة و هي: أن هناك ملازمة بين حكم العقل‏

271

و حكم الشرع، و هي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مقتضى الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع هو:

أن حكم العقل بحسن الاحتياط يلازم الأمر المولوي بالاحتياط شرعا، فيأتي المكلف بمحتمل الوجوب احتياطا بقصد هذا الأمر الملازم لحكم العقل بحسن الاحتياط.

و قد أجاب المصنف عن هذا الجواب بوجهين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: «لا يكاد يجدي في رفع الإشكال».

توضيح هذا الجواب يتوقف على مقدمة: و هي أن حكم العقل تارة: يكون واقعا في سلسلة معلولات الأحكام؛ كحسن الانقياد و الإطاعة. و أخرى: يكون واقعا في سلسلة علل الأحكام و ملاكاتها؛ نظير قبح الظلم و حسن رد الوديعة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا مجال لاستكشاف الأمر المولوي بالاحتياط شرعا من قاعدة الملازمة حتى يتقرب به، ضرورة: أن حكم العقل بحسن الاحتياط كحكمه بحسن الإطاعة واقع في سلسلة معلولات الأحكام لا عللها. و أما الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع- على تقدير تسليمها- فهي فيما إذا كان حكم العقل واقعا في سلسلة عللها، فحسن الاحتياط عقلا في المقام ليس من موارد تلك القاعدة.

و عليه: فالمقام أجنبي عن قاعدة الملازمة؛ إذ الاحتياط من أنحاء الإطاعة المترتبة على الأمر الشرعي و في طوله.

و من المعلوم: أن حسن الاحتياط لا يلازم الأمر المولوي بالإطاعة؛ لأن الأمر بالاحتياط حينئذ يكون إرشاديا و الأمر الإرشادي لا يصلح للتقرب به.

و أما الوجه الثاني: فقد أشار إليه بقوله: «بداهة توقفه ...» الخ. و حاصله: لزوم الدور بتقريب: أن الحسن عارض على الاحتياط و الاحتياط معروض له، فيجب أن يكون الاحتياط مقدما على الحسن تقدم المعروض على العارض، ثم الاحتياط متأخر عن الأمر؛ إذ لو لا الأمر لما كان الاحتياط احتياطا، فكيف يؤثر الحسن المتأخر عن الاحتياط في الأمر المتقدم عليه؟ و هذا دور واضح.

4- الجواب الثاني عن إشكال الاحتياط في العبادات: ما أشار إليه بقوله: «و قد انقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا القول بتعلق الأمر به من جهة ترتب الثواب عليه».

و توضيح هذا الجواب: أنه يمكن إحراز الأمر الشرعي بالاحتياط من ترتب الثواب‏

272

عليه على ما هو المستفاد من بعض الأخبار، فترتب الثواب على الاحتياط يكشف بنحو الإن على تعلق الأمر به و هو المطلوب، فيؤتى بالعبادة حينئذ بقصد هذا الأمر.

و حاصل الجواب: أنه لا ينفع في رفع الإشكال المتقدم كشف الأمر بالاحتياط من ترتب الثواب عليه، كما لا ينفع في رفعه الجواب المتقدم الذي أشار إليه بقوله: «و حسن الاحتياط عقلا»؛ إذ تعلق الأمر بالاحتياط، سواء كان بنحو اللم لقاعدة الملازمة كما في الجواب الأول، أم بنحو الإن؛ لترتب الثواب على الاحتياط كما في الجواب الثاني فرع إمكان الاحتياط. و قد عرفت عدم إمكانه في الجواب الأول لمحذور الدور.

و كيف كان؛ فلا يصح استكشاف الأمر بالاحتياط لا بنحو اللم و لا بالبرهان الإني، و لازم ذلك: عدم صحة الاحتياط في العبادات لأجل عدم الأمر.

5- الجواب الثالث عن إشكال الاحتياط في العبادات: ما أشار إليه بقوله: «و ما قيل دفعه ...» الخ. و حاصل هذا الوجه هو: تصحيح الاحتياط في العبادات بتقريب: أن مدلول الأمر في قوله «(عليه السلام)»: «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» ليس هو الاحتياط بمعناه الحقيقي أعني: الإتيان بالفعل المحتمل وجوبه مثلا بجميع ما يعتبر فيه حتى قصد القربة؛ حتى يتوجه عليه محذور الدور؛ بل بمعناه المجازي أعني: الإتيان بالفعل بجميع ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا عدا نية القربة، فإن الاحتياط بهذا المعنى المجازي لا يتوقف على الأمر حتى يلزم الدور.

و أما وجه عدم لزوم الدور: فإنه إنما يلزم إذا أريد بالاحتياط معناه الحقيقي، دون معناه المجازي. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح هذا الجواب الثالث.

6- و للمصنف «(قدس سره)» على هذا الجواب إيرادان:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: «مضافا». و الثاني: ما أشار إليه بقوله: «أنه التزام بالإشكال».

و أما توضيح الإيراد الأول: فلأنه لا وجه لرفع اليد عن ظهور الاحتياط في معناه الحقيقي و حمله على معناه المجازي؛ إذ لا دليل على حسن الاحتياط بهذا المعنى المجازي؛ بل الاحتياط بهذا المعنى ليس باحتياط حقيقة.

و أما توضيح الجواب المشار إليه بقوله: «أنه التزام بالإشكال»: فلأنه يقال: إن صرف الاحتياط عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي تسليم لإشكال جريان الاحتياط في العبادات؛ إذ تجريد الاحتياط عن قصد الأمر دليل على عدم إمكان الاحتياط بمعناه‏

273

الحقيقي في العبادة، و هذا تسليم بالإشكال و هو عدم إمكان الاحتياط في العبادات.

7- الجواب الرابع عن إشكال الاحتياط في العبادات: هو ما أشار إليه بقوله:

«قلت: لا يخفى»، و هذا الجواب هو تصحيح الاحتياط في العبادات على ما هو مبنى المصنف «(قدس سره)».

فيقال في توضيح هذا الجواب: إن الإشكال المذكور نشأ من تخيل كون وزان القربة المعتبرة في العبادة وزان غيرها مما يعتبر فيها شطرا أو شرطا في اعتبار تعلق الأمر بالقربة، كتعلقه بغيرها مما هو دخيل في المأمور به، فيشكل حينئذ جريان الاحتياط في العبادة؛ لتعذر قصد الأمر مع الشك فيه؛ لكن هذا التخيل فاسد لما ذكره المصنف «(قدس سره)»، في مبحث التعبدي و التوصلي من عدم قصد القربة دخيلا في المأمور به، على نحو دخل مثل الاستقبال و الستر في الصلاة؛ بل هو من الأمور المحصلة للغرض و الحاكم باعتباره و لزومه هو العقل، فلا يلزم الدور لعدم دخل قصد الأمر المتأخر عن الأمر في متعلق الأمر على نحو سائر الأجزاء و الشرائط، و به يصير الاحتياط في العبادة ممكنا؛ إذ كما يأتي المكلف بالصلاة الواقعية المعلومة تفصيلا بقصد أمرها المعلوم؛ كذلك يأتي بالصلاة الاحتياطية بقصد أمرها المحتمل، و حينئذ: فلو كانت مأمورا بها واقعا لكانت مقربة.

فالمتحصل: أن اعتبار قصد القربة في جميع العبادات يكون عقليا لا شرعيا، و الإشكال مبني على اعتبار قصد القربة شرعا لا عقلا، و العقل لا يعتبر أزيد من قصد الأمر جزميا كان أم احتماليا، فحينئذ: يتحقق الاحتياط بلا حاجة إلى أمر الشارع المستلزم للدور.

فالتخيل الذي صار منشأ للإشكال في العبادة فاسد.

8- الجواب الخامس عن إشكال الاحتياط في العبادة: هو أخبار «من بلغ».

و حاصل هذا الوجه: أن مشكوك العبادية و إن لم يكن الإتيان به بقصد القربة من جهة عدم إحراز تعلق الأمر به؛ لكن يمكن الإتيان به بقصد القربة بملاحظة الاستحباب المستفاد من أخبار «من بلغ»، فقد ورد في مستفيض الأحاديث: «أن من بلغه ثواب على عمل فعمله التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن كما بلغه»، فلو قام خبر ضعيف على استحباب عمل كاستحباب الأذان لصلاة مستحبة مثلا، صح الاحتياط بإتيان الأذان لها بقصد القربة؛ لوجود الأمر العام المستفاد من أخبار «من بلغ».

274

و لكن هذا الوجه مخدوش بوجهين:

أحدهما: أن هذا الوجه لا ينفع في دفع الإشكال عن جميع موارد الشبهة في العبادة، و إنما يختص بما ورد فيه أمر و لو خبر ضعيف.

و ثانيهما: أن موافقة هذا الأمر الاستحبابي يجعل المأتي به طاعته جزمية، و يخرج عن محل النزاع الذي هو الاحتياط في محتمل الوجوب.

فالمتحصل: أن الاستحباب المستفاد من أخبار «من بلغ» يوجب استحباب العمل البالغ عليه الثواب بخبر ضعيف كسائر المستحبات، و هو أجنبي عن الاحتياط الذي هو مورد البحث؛ إذ لا يستفاد من تلك الأخبار الاحتياط في محتمل الوجوب.

9- لا يقال: إن الأمر المستفاد من أخبار «من بلغ» يكون مجديا في إمكان الاحتياط في العبادة؛ إذ المستفاد منها هو: استحباب العمل بعنوانه الثانوي- و هو كون العمل محتمل الثواب- إذ على هذا التقدير يصير نفس المحتمل بما هو محتمل مستحبا نفسيا يصح نية التقرب بأمره، فيصير الاحتياط مستحبا شرعيا، فقد تعلق الأمر النفسي بالعمل برجاء محبوبيته و يتحقق الاحتياط في العبادة بقصد ذلك الأمر.

فإنه يقال في الجواب: أولا: أن أوامر الاحتياط على تقدير مولويتها توصلية، فلا يتوقف سقوطها على قصد التقرب بها، فلا يصحح بها الاحتياط في العبادة.

و ثانيا: أنه لا يصح قصد التقرب بأوامر الاحتياط حتى مع تسليم كونها عبادية؛ و ذلك للزوم الدور، و قد مر بيان لزوم الدور في أوائل هذا التنبيه. فراجع.

10- مفاد أخبار من بلغ:

و يقع الكلام في محتملات هذه الأخبار و هي ثلاثة:

الأول: أن يكون مفادها حكما أصوليا و هو حجية الأخبار الضعيفة من باب التسامح في أدلة السنن، فصح الحكم باستحباب عمل دل على استحبابه خبر ضعيف.

الثاني: أن يكون مفادها حكما فقهيا، و هو استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب، و هذا الاحتمال الثاني على قسمين:

أحدهما: أن يكون موضوع هذا الحكم الفقهي. أعني: الاستحباب هو العمل بعنوانه الأولي لا بعنوانه الثانوي، فالمستحب هو نفس العمل.

ثانيهما: أن يكون موضوعه العمل بوصف كونه مما بلغ عليه الثواب؛ بحيث يكون بلوغ الثواب عليه دخيلا في موضوع الحكم وجهة تقييدية.

275

الثالث (1): أنه لا يخفى أن النهي عن شي‏ء إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو

____________

و الفرق بين هذين الوجهين: أنه على الأول: يكون الأمر المستفاد منها متعلقا بنفس العمل، و على الثاني يكون متعلقا بالاحتياط و هو الإتيان بالعمل برجاء الثواب عليه.

و أما الأقوال في مفاد أخبار «من بلغ» فهي ثلاثة:

الأول: أن يكون مفادها حجية الخبر الضعيف، و هو ظاهر المشهور.

الثاني: أن يكون مفادها استحباب الاحتياط؛ كما استظهره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)».

الثالث: أن يكون مفادها استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب، و هو مختار المصنف «(قدس سره)».

11- نظريات المصنف «(قدس سره)»:

1- إمكان الاحتياط في العبادات؛ لأن العبادة و إن كانت تتوقف على قصد القربة إلا إن اعتبار قصد القربة فيها يكون عقليا لا شرعيا، و الإشكال مبني على اعتبار قصد القربة فيها شرعا.

2- الصحيح من الأجوبة عند المصنف «(قدس سره)» هو: الجواب الرابع عن إشكال الاحتياط في العبادات.

3- مفاد أخبار «من بلغ» عند المصنف «(قدس سره)» هو: استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب.

في دفع توهم لزوم الاحتياط في الشبهات التحريمية الموضوعية

(1) الغرض من عقد هذا الأمر الثالث: هو دفع ما يتوهم في المقام من لزوم الاحتياط.

و أما توضيح التوهم فيتوقف على مقدمة و هي: أن التكاليف الشرعية قد تعلقت بالموضوعات الواقعية بما هي هي، من دون تقييدها بالعلم أو الجهل، كما أن الألفاظ- أيضا- وضعت للمعاني الواقعية كذلك، فحينئذ: يكون مفاد قول الشارع: «اجتنب عن الخمر» هو وجوب الاجتناب عن الخمر الواقعي، سواء علم المكلف به تفصيلا أو إجمالا أو لم يعلم به اصلا، فيكون المحرم هو الخمر الواقعي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الواجب- حينئذ- هو الاجتناب عن كل ما يحتمل كونه خمرا من باب المقدمة العلمية حتى يحصل العلم بالاجتناب عن الخمر الواقعي، فلا يجري حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لفرض وجود بيان من الشارع في الشبهات‏

276

الموضوعية و هذا التوهم ما أشار إليه الشيخ الأنصاري بقوله: «و توهم عدم جريان قبح التكليف من غير بيان هنا ...» الخ. «دروس في الرسائل، ج 2، ص 425».

و كلام المصنف في هذا الأمر يكون ناظرا إلى ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في ذكر هذا التوهم و دفعه.

و توضيح التوهم بعبارة أخرى: أن أدلة البراءة الشرعية و العقلية لا تجري في الشبهة الموضوعية؛ كالمائع المردد بين الخل و الخمر، ضرورة: أن وظيفة الشارع بما هو شارع ليس إلا بيان الكبريات مثل: الماء حلال، و الخمر حرام، و قد بينها و وصلت إلى المكلف حسب الفرض، و إنما الشك في الصغرى، و هي: كون هذا المائع الخارجي مما ينطبق عليه متعلق الحرمة و هو الخمر مثلا أم لا؟ و من المعلوم: أن المرجع في إزالة هذه الشبهة التي هي من الشبهات الموضوعية ليس هو الشارع، و حينئذ: فلا يحكم العقل بقبح المؤاخذة على تقدير مصادفة الحرام؛ بأن كان ما شربه من المائع المردد خمرا؛ إذ لا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ضرورة: انتقاض عدم البيان بصدور الحكم الكلي و علم المكلف به، و تردد متعلق التكليف بين شيئين لأمور خارجية غير مرتبط بالشارع حتى يرفعه؛ بل على المكلف نفسه إزالة هذا التردد و الاشتباه عن طريق الاحتياط، و ترك كل ما فيه احتمال الخمر.

كما لا يجري فيه مثل حديث الرفع لإثبات الترخيص الظاهري؛ إذ الحديث إنما يرفع ما كان وضعه بيد الشارع، و ما يكون وضعه بيده هو إنشاء الحكم الكلي لا غير.

ثم قال الشيخ في دفع التوهم: «بأن النهي عن الخمر ...» الخ.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الأحكام الشرعية و إن كانت متعلقة بالموضوعات من دون تقييدها بالعلم أو الجهل، و الألفاظ و إن كانت موضوعة للمعاني كذلك؛ إلا إن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لم يكن مطلقا؛ بل يتوقف على عدم البيان الواصل إلى المكلف الذي يوجب تنجز التكليف، فإذا انتفى هذا القسم من البيان يحكم العقل بقبح العقاب، سواء لم يبينه الشارع أصلا، أو بيّنه و لم يصل إلى المكلف، أو وصل و لم يعلم بتوجهه إليه لأجل عدم العلم بوجود موضوعه لا تفصيلا و لا إجمالا كما في المقام.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن العقل هنا يحكم بقبح العقاب لعدم تنجز التكليف؛ إذ شرط تنجزه هو العلم بالموضوع و المحمول معا، و المفروض: أنه لا يعلم بالموضوع.

277

و بعبارة أخرى: أن موضوع حكم العقل بقبح المعصية و استحقاق العقوبة عليها هو مخالفة التكليف المنجز المتوقف على إحراز كل من الصغرى و الكبرى، و مع الجهل بالصغرى يكون موضوع قاعدة القبح محققا؛ إذ ليس المناط في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان خصوص بيان الشارع حتى يمنع عن جريان القاعدة في الشبهة الموضوعية من جهة صدور البيان و علم المكلف به؛ بل المناط فيه قبح مؤاخذة من لم يتنجز التكليف في حقه، سواء كان عدم التنجز لعدم بيان الشارع له أصلا؛ كما في الشبهة الحكمية الناشئة من فقد النص أم لإجمال بيانه، أم لمعارضته، أم للشك في تحقق متعلقه، أم في كون الموجود من مصاديق متعلقه كما في المقام، ففي جميع هذه الموارد تقبح المؤاخذة، فتجري قاعدة القبح.

و عليه: فمجرد العلم بالكبريات مثل: «الخمر حرام»، أو «لا تشرب الخمر» غير كاف في تنجز التكليف على المكلف حتى يقال بحكم العقل بلزوم الاجتناب عن الأفراد المشكوكة؛ كحكمه بلزوم الاجتناب عن المصاديق المعلومة. و على هذا: فينحصر امتثال الخطاب في موردين: أحدهما: العلم بفردية المائع الخارجي بخصوصه للخمر المحرم، و الآخر العلم الإجمالي بخمرية أحد الإناءين مثلا. و أما الخمر المشتبه بالشبهة البدوية:

فلا يقتضي نفس الحكم الكلي وجوب الاجتناب عنه؛ بل مقتضى أدلة البراءة جواز ارتكابه، فلو ارتكبه المكلف فهو معذور في مخالفته لو صادف كونه خمرا واقعا. هذا غاية ما يمكن في توضيح التوهم و دفعه.

و ظاهر كلام الشيخ «(قدس سره)» هو: جريان البراءة في الأفراد المشتبهة مطلقا، و المصنف منع هذا الإطلاق، و قال: إنه لا بد في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية من التفصيل بين تعلق الحكم بالطبيعة نحو: «لا تشرب الخمر»، حيث إن المطلوب ترك هذه الطبيعة، و بين تعلق الحكم بالأفراد نحو: «لا تكرم الفساق»، حيث إن المطلوب ترك إكرام كل فاسق، فلا تجري البراءة في الأول فيما لو شك في فرد أنه خمر أم لا؛ بل يجب الاجتناب عنه إلا إذا كان هناك أصل، و تجري في الثاني فيما لو شك في فرد أنه فاسق أم لا فيجوز إكرامه.

و هناك احتمال عدم جريان البراءة في الشبهة الموضوعية مطلقا كما هو مفاد التوهم المذكور.

278

مكان؛ بحيث لو وجد في ذاك الزمان (1) أو المكان (2) و لو دفعة (3) لما امتثل أصلا،

____________

فهناك احتمالات ذهب المصنف إلى التفصيل، و توضيح هذا التفصيل يتوقف على مقدمة و هي: أن النهي عن العمل تارة: يرجع إلى النهي عنه و طلب تركه في زمان أو مكان؛ بحيث لو وجد الفعل دفعة واحدة لم يتحقق امتثال النهي أصلا، و أخرى: يرجع إلى طلب ترك كل فرد منه على حدة؛ بحيث يكون ترك كل فرد إطاعة على حدة، فلو جاء ببعض الأفراد و ترك البعض الآخر لأطاع و عصى.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه على الأول لا بد على المكلف من إحراز ترك العمل بالمرة، فإذا شك في فرد أنه من أفراد ذلك العمل أولا، كان مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم تركه تحصيلا للفراغ اليقيني؛ إلا إذا أمكن إحراز ترك العمل المنهي عنه- في هذا الحال، و مع الإتيان بالمشكوك- بالأصل و هو استصحاب ترك العمل لو كان مسبوقا بالترك، فيثبت به الامتثال.

و أما على الثاني: فلا يلزم المكلف إلا ترك ما علم أنه فرد للعمل، و أما مع الشك في كونه من أفراده: فأصالة البراءة محكمة.

و قد تحصل مما ذكرناه: أن الفرد المشتبه بالشبهة الموضوعية على ثلاثة أقسام:

1- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق النهي بها بلحاظ أفرادها.

2- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها النهي بما هي مع كونها مسبوقة بالترك.

3- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق النهي بها بما هي مع عدم كونها مسبوقة بالترك، و في الأولين يجوز ارتكاب مشكوك الفردية، و في الأخير لا يجوز، فما أفاده الشيخ «(قدس سره)» من جواز ارتكاب الأفراد المشتبهة مطلقا استنادا إلى البراءة ممنوع.

(1) كالنهي عن الصيد في حال الإحرام و زمانه، أو النهي عن الإفطار في يوم الصوم.

(2) كالنهي عن قطع شجر الحرم في مكة المكرمة.

(3) يعني: و لو دفعة واحدة؛ إذ من لوازم تعلق النهي بالطبيعة: أنه لو أوجد المكلف الشي‏ء المنهي عنه- و لو مرة واحدة- لم يمتثل أصلا؛ إذ المطلوب حينئذ هو: ترك الطبيعة، و توجد الطبيعة المنهي عنها بإيجاد فرد منها، فيتحقق العصيان؛ و إن ترك سائر الأفراد؛ إذ لا أثر لتركها حينئذ في دفع العصيان.

279

كان (1) اللازم على المكلف إحراز أنه (2) تركه بالمرة و لو بالأصل، فلا يجوز (3) الإتيان بشي‏ء يشك معه (4) في تركه؛ إلا (5) إذا كان مسبوقا به؛ ليستصحب (6) مع الإتيان به.

نعم (7)؛ لو كان بمعنى طلب ترك كل فرد منه (8) على حدة لما وجب إلا ترك ما علم أنه فرد (9)، و حيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم أنه (10) مصداقه، فأصالة (11) البراءة في المصاديق المشتبهة محكمة.

____________

(1) جواب قوله: «إذا كان»، و إشارة إلى النحو الأول من تعلق النهي بالطبيعة.

(2) أي: أن المكلف ترك الشي‏ء- كشرب الخمر- بالمرة. و قوله: «بالأصل» قيد لقوله: «إحراز»، فالمعنى: و لو كان الإحراز بالأصل.

(3) هذا نتيجة لزوم إحراز أنه ترك الفعل المنهي عنه بالمرة فيما إذا تعلق النهي بالطبيعة.

(4) يعني: يشك- مع الإتيان بذلك الشي‏ء المشتبه- في أنه ترك المنهي عنه بالمرة أم لا، حيث كان المطلوب منه تركه رأسا.

(5) استثناء من قوله: «فلا يجوز»، و اسم «كان» ضمير مستتر فيه راجع على الشي‏ء المأتي به الذي شك مع الإتيان به في ترك المنهي عنه بالمرة. و ضمير «به» راجع على الترك، يعني: إلا إذا كان ذلك الشي‏ء المأتي به المشكوك كونه فردا للمنهي عنه، فيحرز و لو تعبدا ترك المنهي عنه بالمرة، فيثبت المطلوب.

(6) أي: ليستصحب ترك الطبيعة مع الإتيان بالمشكوك كونه فردا لها، فيكون الشك في ترك الطبيعة مع الإتيان بمشكوك الفردية من الشك في رافعية الموجود.

(7) استدراك على قوله: «كان اللازم على المكلف إحراز ...»، و إشارة إلى النحو الثاني من تعلق النهي بالطبيعة المعبر عنه بالحقيقة و الانحلال، لانحلال الحكم فيها إلى أحكام متعددة بتعدد أفراد الطبيعة، و قد عرفت توضيحه.

(8) أي: من الشي‏ء الذي تعلق به النهي.

(9) أي: ما علم أنه فرد قطعي للمنهي عنه.

(10) أي: أنه مصداق المنهي عنه كزيد و عمر و بكر في مثال: «لا تكرم الفساق»، و ضمير «أنه» راجع على الموصول في «ما علم» المراد به الشي‏ء.

(11) جواب «و حيث» يعني: فتجري البراءة في المائع المشكوك كونه خمرا، و وجه جريانها فيه: ما تقدم من أن الشك حينئذ في أصل التكليف و من المعلوم: أن الأصل الجاري فيه هو البراءة، بخلاف النحو الأول، فإن الشك في الفرد المشتبه فيه يرجع إلى‏

280

فانقدح بذلك (1): أن مجرد العلم بتحريم شي‏ء لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة (2)، أو كان الشي‏ء مسبوقا بالترك (3)؛ و إلا (4) لوجب الاجتناب عنها عقلا لتحصيل الفراغ قطعا (5)، فكما يجب فيما علم وجوب شي‏ء إحراز إتيانه إطاعة لأمره، فكذلك يجب فيما علم حرمته إحراز تركه، و عدم (6) إتيانه امتثالا لنهيه، غاية الأمر (7): كما يحرز

____________

الشك في الفراغ و السقوط؛ دون الشك في ثبوت التكليف، فلذا لا تجري فيه البراءة.

(1) يعني: ظهر بما ذكرناه من أن تعلق النهي بالطبيعة يتصور على نحوين: أن مجرد العلم بحرمة شي‏ء لا يوجب لزوم الاجتناب عما شك في فرديته له إلا في صورة واحدة، و هي: ما إذا تعلق النهي بالطبيعة، و لم تكن مسبوقة بالترك، فيجب حينئذ- بقاعدة الاشتغال- الاجتناب عن الفرد المشتبه كوجوب الاجتناب عن الفرد المعلوم. و أما إذا تعلق النهي بالأفراد أو بالطبيعة مع سبق الترك فلا بأس بارتكاب المشتبه.

أما الأول: فلأصالة البراءة. و أما الثاني: فلإحراز ترك الطبيعة، مع الإتيان بالمشتبه بالاستصحاب. و لا فرق في لزوم إحراز ترك الطبيعة بين إحرازه بالوجدان أو بالتعبد كما مرّ في أوائل التنبيه الثالث.

فقول المصنف: «فانقدح بذلك» إشارة إلى ضعف ما أفاده الشيخ من جريان البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية مطلقا، بل لا بد من التفصيل الذي تقدم في كلام المصنف «(قدس سره)».

(2) «نحو: لا تكرم الفساق».

(3) فيما إذا كان النهي متعلقا بالطبيعة نحو: «لا تصد في الحرم»، أو «لا تأكل يوم الصوم» فيما كان مسبوقا بعدم الأكل و عدم الصيد.

(4) أي: و إن لم يكن المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة، أو لم يكن مسبوقا بالترك لوجب الاجتناب عقلا عن الأفراد المشتبهة.

(5) أي: لأن الاشتغال اليقيني يحتاج إلى الفراغ اليقيني، و ذلك لا يتحقق إلا بالاجتناب عن جميع الأفراد القطعية و المشكوكة.

(6) بالجر عطف تفسير لقوله: «تركه».

(7) غرضه: تعميم الترك لصورة إحرازه تعبدا، يعني: أن الإحراز لا ينحصر في الإحراز الوجداني؛ بل يعم التعبدي كإحراز الطهارة باستصحاب الوضوء، و في المقام كما يحرز وجود الواجب بالأصل، كذلك يحرز ترك الحرام بالأصل.

281

وجود الواجب بالأصل، كذلك يحرز ترك الحرام به.

و الفرد (1) المشتبه و إن كان مقتضى البراءة جواز الاقتحام فيه؛ إلا (2) إن قضية لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه، و لا يكاد يحرز إلا بترك المشتبه أيضا.

فتفطن.

____________

(1) إشارة إلى ما أفاده الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» في المقام بالنسبة إلى الفرد المشتبه.

و حاصله: أن الفرد المشتبه من المنهي عنه و إن جاز ارتكابه بمقتضى أصالة البراءة مع الغض عن العلم بحرمة صرف الطبيعة كما أفاده «(قدس سره)» بقوله: «فلا فرق بعد فرض عدم العلم بحرمته، و لا بتحريم خمر يتوقف العلم باجتنابه على اجتنابه بين هذا الفرد المشتبه و بين الموضوع الكلي المشتبه حكمه؛ كشرب التتن في قبح العقاب عليه»؛ إلا إنه نظرا إلى العلم بحرمة صرف الطبيعة لا مورد لأصالة البراءة هنا؛ بل المقام مجرى قاعدة الاشتغال؛ لما عرفت مفصلا من أن تعلق النهي بالطبيعة إن كان بنحو الأول- و هو أن يكون المطلوب طلب ترك صرف الطبيعة- كان مقتضى ذلك وجوب الاجتناب عما احتمل فرديته لها كوجوب الاجتناب عن الأفراد المعلومة، ضرورة: أن العلم بتعلق التكليف بالطبيعة- دون الأفراد- بيان وارد على أصالة البراءة، و رافع لموضوعها، فالشك في انطباق الطبيعة على الفرد المشتبه ليس مجرى لها؛ لتوقف العلم بتحقق هذا الترك الواجب على الاحتراز عن المشتبه.

نعم؛ لا بأس بإجراء البراءة في المصداق المشكوك إذا كان تعلق النهي بالأفراد نحو:

«لا تكرم الفساق». و قد عرفت توضيح ذلك.

(2) هذا رد لما أفاده الشيخ «(قدس سره)»، يعني: «إلا إن قضية لزوم إحراز الترك» فيما كان النهي متعلقا بالطبيعة أي: ترك الطبيعة، «اللازم وجوب التحرز عنه لا يكاد يحرز» الترك مطلقا «إلا بترك المشتبه أيضا»، أي: كما يترك المتيقن.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- الغرض من عقد هذا الأمر الثالث: هو دفع توهم لزوم الاحتياط في الشبهات التحريمية الموضوعية.

توضيح التوهم: أن أدلة البراءة الشرعية و العقلية لا تجري في الشبهات الموضوعية كالمائع المردد بين الخل و الخمر؛ لأن وظيفة الشارع هو بيان الكبريات مثل: الماء حلال‏

282

و الخمر حرام و نحوهما، و قد بينها و وصلت إلى المكلف حسب الفرض و إنما الشك في الصغرى و هي: كون هذا المائع الخارجي مما ينطبق عليه متعلق الحرمة و هو الخمر أم لا؟

و من المعلوم: أن المرجع في إزالة هذه الشبهة التي هي من الشبهات الموضوعية ليس هو الشارع، و حينئذ: فلا يحكم العقل بقبح المؤاخذة على تقدير مصادفة الحرام؛ بأن كان ما شربه من المائع المردد خمرا؛ إذ لا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لانتقاض عدم البيان بالبيان بعد صدور الحكم الكلي من الشارع، و علم المكلف به.

2- جواب الشيخ الأنصاري عن هذا التوهم: و قد أفاد الشيخ في الجواب ما حاصله: أن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لم يكن مطلقا؛ بل يتوقف على عدم البيان الواصل إلى المكلف و لو لأجل عدم العلم بالصغرى، و موضوع الحكم و المقام من هذا القبيل؛ إذ المفروض: أن المكلف لم يعلم بالموضوع، و مع الجهل بالموضوع يكون موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان محققا بلا إشكال، فتجري البراءة. هذا خلاصة دفع التوهم المزبور.

3- ظاهر كلام الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»: هو جريان البراءة في الأفراد المشتبهة مطلقا، و المصنف منع هذا الإطلاق، و قال بالتفصيل بين تعلق الحكم بالطبيعة نحو: «لا تشرب الخمر»، و بين تعلق الحكم بالأفراد نحو: «لا تكرم الفساق»، فلا تجري البراءة فيما إذا شك في فرد أنه خمر أم لا؟ بل يجب الاجتناب عنه حيث إن المطلوب ترك الطبيعة، و لا يحصل العلم بالترك إلا بترك محتمل الخمرية.

و تجري البراءة في الثاني فيما لو شك في فرد أنه فاسق أم لا، و هناك احتمال عدم الجريان مطلقا كما هو مفاد التوهم المذكور.

و قد تحصل مما ذكرناه: أن الفرد المشتبه بالشبهة الموضوعية على ثلاثة أقسام:

1- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها النهي بلحاظ أفرادها.

2- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها النهي بما هي، مع كونها مسبوقة بالترك.

3- المشكوك كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها النهي بما هي مع عدم كونها مسبوقة بالترك.

و تجري البراءة في الأولين دون الأخير. فما أفاده الشيخ من جريان البراءة في الأفراد المشتبهة مطلقا و في جميع أقسامها ممنوع.

283

الرابع (1): أنه قد عرفت (2) حسن الاحتياط عقلا و نقلا، و لا يخفى أنه (3) مطلقا كذلك حتى (4) فيما كان هناك حجة على عدم الوجوب أو الحرمة، أو ......

____________

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو التفصيل بين تعلق الحكم بالطبيعة، و بين تعلقه بالأفراد، فتجري البراءة في الثاني دون الأول.

التبعيض في الاحتياط المخل بالنظام‏

(1) الغرض من عقد هذا الأمر: بيان جهات ثلاث متعلقه بالاحتياط.

إحداها: حسنه حتى مع قيام الدليل على نفي التكليف.

ثانيتها: كون حسنه محدودا بما لم يستلزم اختلال النظام.

ثالثتها: كيفية التبعيض في الاحتياط إذا كان الاحتياط التام مستلزما لاختلال النظام.

و تعرض الشيخ لهذه الجهات الثلاث في ثالث تنبيهات الشبهة الموضوعية التحريمية.

(2) يعني: في صدر التنبيه الثاني، حيث قال: «إنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا و عقلا في الشبهة الوجوبية أو التحريمية ...».

(3) أي: الاحتياط «مطلقا» يعني في جميع الموارد «كذلك»، أي: حسن عقلا و شرعا.

(4) بيان للإطلاق. و هذا إشارة إلى الجهة الأولى و حاصلها: أن الاحتياط حسن مطلقا حتى في صورة قيام حجة على عدم التكليف الإلزامي في الشبهات الحكمية؛ كما إذا فرض قيام دليل على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، أو عدم وجوب السورة في الصلاة، أو قيام بينة مثلا على عدم كون المشتبه بالخمر بحكم الخمر حتى يحرم شربه، فإنه لا ريب في حسن الاحتياط في هذه الصورة أيضا؛ كحسنه في صورة عدم قيام حجة على عدم التكليف؛ إذ الاحتياط- لكونه محرزا للواقع عملا- حسن عقلا، فإنه مع قيام الحجة على عدم التكليف الإلزامي لا ينتفي موضوع حسنه و هو احتمال وجود التكليف واقعا.

و من المعلوم: أن حسنه مبني على رجاء تحصيل الواقع و إدراك المصلحة النفس الأمرية؛ لا على خصوص تحصيل المؤمّن من العقاب حتى يتوهم عدم بقاء الموضوع للحسن العقلي عند قيام حجة على نفي التكليف واقعا؛ لعدم العقاب على مخالفته حينئذ، لتوسعة الشارع على المكلف عند اشتباه التكليف.

قال الشيخ الأعظم «(قدس سره)»: «الثالث: أنه لا شك في حكم العقل و النقل‏

284

أمارة (1) معتبرة على أنه (2) ليس فردا للواجب (3) أو الحرام (4) ما لم يخل (5) بالنظام فعلا.

____________

برجحان الاحتياط مطلقا حتى فيما كان هناك أمارة على الحل مغنية عن أصالة الإباحة ...». «منتهى الدراية، ج 5، ص 555».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) عطف على قوله: «حجة على ...». و هذا في الشبهة الموضوعية.

(2) الضمير راجع على الموصول في «فيما»، المراد به: المورد الذي يحتمل التكليف الإلزامي فيه.

(3) كقيام البينة على عدم عالمية زيد مثلا مع وجوب إكرام العالم، فإن إكرام زيد- لكونه مما يحتمل مطلوبيته- حسن بلا إشكال.

(4) كقيام البينة على عدم خمرية هذا المائع المشتبه، فإن ترك شربه ترك لما يحتمل مبغوضيته، و هو أيضا حسن عقلا.

(5) ظرف لقوله: «مطلقا كذلك»، و إشارة إلى الجهة الثانية.

يعني: أن حسن الاحتياط مطلقا عقلا و نقلا منوط بعدم إخلاله بالنظام، فإذا بلغ حد الإخلال به لم يكن حسنا و لا راجحا شرعا.

أما عدم حسنه العقلي: فلأن ما يوجب اختلال النظام قبيح عند العقلاء؛ لأنه من مصاديق الظلم الذي هو التجاوز عن حدود العدل و الإنصاف و أما عدم رجحانه الشرعي: فلأن المانع عن رجحانه في هذا الحال موجود، و هو كون الإخلال بنظام النوع مبغوضا للشارع.

و عليه: فالمستفاد من ظاهر العبارة هو: عدم حسن الاحتياط عند لزوم اختلال النظام؛ لا عدم تحققه و صدقه.

و بعبارة أخرى: لزوم اختلال النظام رافع لحسن الاحتياط لا مانع عن نفس الاحتياط، فالسالبة حينئذ تكون بانتفاء المحمول، يعني: أن قولنا: «الاحتياط حسن» يؤول- عند اختلال النظام- إلى قولنا: «الاحتياط لا يحسن»؛ لا إلى قولنا: «الاحتياط لا يمكن».

و الوجه فيه واضح فإن المناط في صدق الاحتياط- و هو الجمع بين المحتملات لغرض إدراك المصلحة الواقعية و إحراز الواقع المحتمل- موجود عند إخلاله بالنظام أيضا، فالاحتياط متحقق عند الإخلال؛ لكنه غير حسن؛ لمزاحمة حسنه العقلي بالقبح الطاري عليه من جهة استلزامه اختلال النظام، و لكن هذا العنوان العارض لا يوجب تبدل‏

285

فالاحتياط قبل ذلك (1) مطلقا يقع حسنا، كان (2) في الأمور المهمة كالدماء و الفروج أو غيرها، و كان (3) احتمال التكليف قويا أو ضعيفا، كانت (4) الحجة على‏

____________

المصلحة الواقعية حتى لا يكون إحرازها احتياطا.

قوله: «فعلا» قيد للاختلال، يعني: أن الرافع لنفس الاحتياط أو حسنه هو الاختلال الفعلي دون الشأني، فهو قبل وصوله إلى حد الإخلال بالنظام حسن.

(1) أي: قبل الإخلال الفعلي بالنظام، و المراد بحسنه مطلقا: هو حسنه من ثلاث جهات إحداها: الاحتمال، ثانيتها: المحتمل يعني: المورد، ثالثتها: وجود الحجة على عدم التكليف أو وجودها كما سيتضح.

(2) هذا بيان لإطلاق حسن الاحتياط من حيث المحتمل، يعني: أن الاحتياط غير المخل بالنظام حسن، سواء كان مورده الأمور المهمة كالدماء و الأعراض، أم الأمور غير المهمة كسائر التكاليف الشرعية.

(3) عطف على «كان»، و هو بيان لإطلاق حسن الاحتياط من حيث الاحتمال، يعني: أن موضوع حكم العقل بحسن الاحتياط و حكم الشرع برجحانه هو احتمال التكليف، سواء كان هذا الاحتمال ظنا أم شكا أم وهما، فالإتيان بالفعل المظنون وجوبه- بظن غير معتبر- إطاعة حكمية للمولى، فهو حسن عقلا و راجح شرعا، كما أن الإتيان بالفعل المشكوك أو الموهوم وجوبه إطاعة حكمية أيضا.

و كذا الكلام في ترك الحرام المظنون أو المشكوك أو الموهوم، فإنه حسن عقلا و راجح شرعا، و لا ترجيح للاحتمال القوي على الضعيف في مراعاة الاحتياط فيه دونه؛ لأن الظن بالتكليف لما لم يكن معتبرا- كما هو المفروض في المقام- كان مساويا للشك و الوهم، فلا يكون قوة الاحتمال فيه مرجحا له على أخويه حتى يراعى الاحتياط فيه دونهما بعد اشتراك الجميع في عدم الاعتبار.

(4) هذا بيان لإطلاق حسن الاحتياط من حيث وجود الحجة على عدم التكليف أو عدم وجودها، يعني: أن نفس رعاية احتمال التكليف أمر مرغوب فيه، سواء كان هناك حجة معتبرة على عدم التكليف الإلزامي في البين، أم لم يكن دليل معتبر على نفيه، فيبقى نفس احتمال التكليف الواقعي غير المعارض بشي‏ء، و هو الموضوع لحكم العقل و النقل بمطلوبية الاحتياط.

و في هذا إشارة إلى رد ما احتمله الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» في حسن الاحتياط؛ من الفرق بين وجود أمارة على الإباحة و عدمه. قال «(قدس سره)»: و يحتمل التبعيض بين‏

286

خلافه أو لا، كما أن الاحتياط الموجب لذلك (1) لا يكون حسنا كذلك (2)؛ و إن كان (3) الراجح لمن التفت إلى ذلك من أول الأمر ترجيح بعض ...

____________

موارد الأمارة على الإباحة، و موارد لا يوجد إلا أصالة الإباحة، فيحمل ما ورد من الاجتناب عن الشبهات على الثاني دون الأول؛ لعدم صدق الشبهة بعد الأمارة الشرعية على الإباحة.

(1) أي: لاختلال النظام فعلا.

(2) يعني: لا يكون حسنا مطلقا، سواء كان الاحتمال قويا أم ضعيفا، و سواء كان المحتمل مهما أم لا، و سواء وجدت الحجة على خلافه أم لا.

(3) هذا إشارة إلى الجهة الثالثة أعني: بيان كيفية التبعيض في الاحتياط المستحب إذا استلزم الاختلال بالنظام.

و توضيحه: أن المكلف إذا التفت من أول الأمر إلى أن الاحتياط التام يؤدي إلى اختلال النظام كان الراجح له التبعيض في الاحتياط، بمعنى: ترجيح بعض الاحتياطات على بعض، و التبعيض في الاحتياط يكون بأحد وجهين- الأول: ترجيح بعض الأطراف بحسب المحتمل، فإن كان المورد مما اهتم به الشارع كالدماء و الأموال قدمه على غيره، سواء كان احتمال التكليف قويا أم ضعيفا، فالموارد المهمة على هذا الوجه أولى بالاحتياط من غيرها، و لا عبرة بقوة الاحتمال و ضعفه حينئذ.

قال الشيخ «(قدس سره)»: «و يحتمل التبعيض بحسب المحتملات، فالحرام المحتمل إذا كان من الأمور المهمة في نظر الشارع كالدماء و الفروج؛ بل مطلق حقوق الناس بالنسبة إلى حقوق الله تعالى يحتاط فيه، و إلا فلا ...» (1) الخ.

الثاني: ترجيح بعض الأطراف بحسب الاحتمال، فإذا كان هناك تكاليف متعددة محتملة، بعضها مظنون و بعضها مشكوك أو موهوم أخذ بالمظنون و ترك الاحتياط في غيره، فقويّ الاحتمال على هذا الوجه أولى بالاحتياط من ضعيفه، و لا عبرة بالمحتمل حينئذ، سواء كان من الأمور المهمة أم لا. قال الشيخ «(قدس سره)»: «... فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات، فيحتاط في المظنونات، و أما المشكوكات فضلا عن انضمام الموهومات إليها، فالاحتياط فيها حرج مخل بالنظام ...» (2) الخ. و المشار إليه في قوله: «ذلك» هو الاحتياط، أي إلى أن الاحتياط المطلق موجب للاختلال «من أول الأمر»؛ بأن أراد الاحتياط في الأبواب كلها.

____________

(1- 2) فرائد الأصول 2: 137.

287

الاحتياطات (1) احتمالا أو محتملا (2). فافهم.

____________

(1) على بعض كترجيح احتياطات باب الدماء و الفروج على احتياطات بابي الطهارة و النجاسة، أو ترجيح الاحتياطات التي يكون احتمال التكليف في مواردها قويا «احتمالا» هذا للثاني، «أو محتملا» هذا للأول إذ في باب الفروج المحتمل أقوى من باب الطهارة.

(2) قيدان ل «بعض الاحتياطات»، فإذا احتمل وجوب فعل احتمالا ضعيفا، و كان المحتمل من الأمور المهمة؛ بحيث لو كان وجوبه معلوما لاهتم به الشارع ترجحت مراعاة المحتمل، فيحتاط فيه نظرا إلى أهميته كما أنه لو احتمل وجوب فعل احتمالا قويا و لم يكن المحتمل من الأمور المهمة ترجحت مراعاة الاحتمال، فيحتاط فيه بالإتيان به نظرا إلى أهمية الاحتمال. و هناك تطويل في الكلام تركناه رعاية للاختصار.

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى أن حسن الاحتياط قبل الإخلال و عدم حسنه حينه إنما هو بالإضافة إلى الجمع بين الاحتياطات بالنسبة إلى تكاليف متعددة، و أما بالإضافة إلى الجمع بين محتملات تكليف واحد: فهو مبني على إمكان الانفكاك بين الموافقة القطعية، و ترك المخالفة القطعية. فتدبر.

أو إشارة إلى وجوب الاحتياط في الأمور المهمة كالدماء و الأعراض.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في الأمور:

1- الغرض من عقد هذا الأمر الرابع: بيان جهات ثلاث متعلقة بالاحتياط.

إحداها: حسنه حتى مع قيام الدليل على نفي التكليف.

ثانيتها: كون حسنه محدودا بما لم يستلزم اختلال النظام.

ثالثتها: كيفية التبعيض في الاحتياط إذا كان الاحتياط التام مستلزما لاختلال النظام.

2- و حاصل الجهة الأولى: أن الاحتياط حسن مطلقا أي: حتى مع قيام حجة على عدم التكليف الإلزامي في الشبهة الحكمية، كما إذا فرض قيام دليل على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فلا شك في حسن الدعاء احتياطا من باب إحراز الواقع؛ إذ موضوع الاحتياط- و هو احتمال التكليف واقعا- ثابت، فيكون حسنا عقلا و راجحا شرعا.

و حاصل الكلام في الجهة الثانية: أن حسن الاحتياط مطلقا مشروط بعدم إخلاله للنظام، فإذا بلغ حد الإخلال به لم يكن حسنا عقلا و لا راجحا شرعا. و أما الأول: فلأنه‏

288

من مصاديق الظلم الذي هو التجاوز عن حدود العدل و الإنصاف.

و ما الثاني: فلأن المانع عن رجحانه في هذا الحال موجود، و هو مبغوضية الإخلال بالنظام عند الشارع.

3- و أما حاصل الكلام في الجهة الثالثة: فلأن المكلف إذا التفت من أول الأمر إلى كون الاحتياط التام مؤديا إلى اختلال النظام، كان الراجح له التبعيض في الاحتياط بأحد وجهين:

أحدهما: ترجيح بعض الأطراف بحسب المحتمل، بمعنى: أنه إذا كان المورد مما اهتم به الشارع كالدماء و الأعراض قدمه على غيره، سواء كان احتمال التكليف قويا أم ضعيفا، فلا عبرة بقوة الاحتمال و ضعفه.

ثانيهما: ترجيح بعض الأطراف بحسب الاحتمال، بمعنى: إنه إذا كان هناك تكاليف متعددة محتملة بعضها مظنون و بعضها مشكوك أو موهوم، أخذ بالمظنون دون المشكوك و الموهوم، فلا عبرة بالمحتمل حينئذ، سواء كان من الأمور المهمة أم غيرها.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو: حسن الاحتياط؛ ما لم يكن مستلزما لاختلال النظام، فإذا كان موجبا له: فلا حسن عقلا، و لا رجحان شرعا.

289

فصل‏

إذا دار الأمر (1) بين وجوب شي‏ء و حرمته؛ ...

____________

[فصل فى اصالة التخيير]

دوران الأمر بين المحذورين أو يقال: «أصالة التخيير»

(1) و قبل الخوض في البحث لا بد من تحرير ما هو محل النزاع في هذه المسألة فنقول: إن محل النزاع فيها يتضح بعد تقديم مقدمة و هي: بيان أمور:

1- أن مورد النزاع: ما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته و لم يحتمل غيرهما؛ و إلا فلو احتمل الإباحة مثلا لا شك في جريان البراءة بالنسبة إلى كل من الوجوب و الحرمة، و يحكم بالإباحة ظاهرا

2- أن محل البحث ما لم يكن أحد الحكمين بخصوصه مسبوقا بالوجود و موردا للاستصحاب؛ إذ عليه يجري الاستصحاب فيه و في عدم الحكم الآخر، و به ينحل العلم الإجمالي.

3- مثال الشبهة الحكمية: من كان مقطوع الذكر و متعذرا عليه الدخول إذا تزوّج و ساحق زوجته ثم طلقها، فإن كانت المساحقة في حكم الدخول، فطلاقها رجعي، و حينئذ: فلو طلب الزوج منها الاستمتاع في العدة وجبت الإجابة عليها و إن لم تكن في حكم الدخول كان الطلاق بائنا، و ليس له الاستمتاع بها بالرجوع؛ بل بالعقد الجديد، فلو طلب منها الاستمتاع حرم عليها الإجابة، و عليه: فيدور حكم إجابة الزوجة بين الحرمة و الوجوب.

و مثال الشبهة الموضوعية: كما إذا علم الزوج أنه حلف إمّا على وطء زوجته هذه الليلة، أو على ترك وطئها في الليلة نفسها، فيدور حكم الوطء بين الحرمة و الوجوب.

هذا هو الدوران بين المحذورين في الشبهتين.

4- أن محل النزاع ما لو كان كل من الوجوب و التحريم توصليا، أو كان أحدهما غير المعين تعبديا.

و أما لو كان كلاهما ما تعبديا أو أحدهما المعين كذلك: كان خارجا عن محل‏

290

لعدم (1) نهوض حجة على أحدهما تفضيلا، بعد نهوضها عليه إجمالا ففيه وجوه (2):

____________

النزاع أولا؛ لعدم جريان جميع الأقوال فيه، و ثانيا: لإمكان المخالفة القطعية، و محل النزاع ما إذا كان كل من المخالفة القطعية و الموافقة القطعية متعذرة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل النزاع ما إذا كان كلا الحكمين توصليا، أو أحدهما غير المعين تعبديا. هذا بخلاف ما يظهر من كلام الشيخ «(قدس سره)»، حيث اعتبر التوصيلة في كلا الحكمين.

(1) تعليل لقوله: «دار»، و ضمير «عليه» راجع على أحدهما، و قوله: «ففيه» جواب «إذا».

(2) يعني ففي دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة وجوه؛ بل أقوال في وجوه المسألة و بيان المختار منها.

الأول: الحكم بالبراءة شرعا و عقلا، نظير الشبهات البدوية عينا؛ و ذلك لعموم أدلة الإباحة الشرعية، و حكم العقل بقبح المؤاخذة على كل من الفعل و الترك جميعا. و قد أشار إليه المصنف «(قدس سره)» بقوله: «الحكم بالبراءة عقلا و نقلا ...» الخ.

و العلم بأصل الإلزام ليس باعثا و لا زاجرا كما هو واضح، فتجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلا مانع. و أما البراءة النقلية: فلأن مثل حديثي الرفع و الحجب لا يختص بما إذا كان أحد طرفي الشك في حرمة شي‏ء هو الإباحة كشرب التتن، حتى يختص بالشبهة البدوية؛ بل يعم ما إذا علم جنس الإلزام و لم يعلم النوع الخاص منه، فالوجوب المشكوك فيه مرفوع كحرمة الحرمة المحتملة.

الثاني: وجوب الأخذ بجانب الحرمة تعيينا لوجوه:

أولها: لقاعدة الاحتياط، حيث يدور الأمر فيه بين التعيين و التخيير، فإن مقتضاها:

تقديم احتمال التحريم و البناء عليه في مرحلة الظاهر، و المقام من موارد الدوران المذكور، فيقدم احتمال التحريم.

ثانيها: الأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة، بناء على كون المراد منه عدم الدخول في الشبهة و السكون عندها، فتدل على وجوب ترك الحركة نحو الشبهة، و هو معنى تقديم احتمال الحرمة.

ثالثها: حكم العقل و العقلاء بتقديم دفع المفسدة على جلب المنفعة عند دوران الأمر بينهما، فاللازم رعاية جانب المفسدة الملزمة و ترك الفعل المشكوك حكمه؛ و إن استلزم فوت المصلحة الملزمة الواقعية.

291

الحكم بالبراءة عقلا و نقلا لعموم النقل، و حكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل (1) به، ...

____________

رابعا: إفضاء الحرمة إلى المقصود منها أتم من إفضاء الوجوب إلى المقصود منه، فإن المقصود من الحرمة ترك الحرام، و الترك يجتمع مع كل فعل، بخلاف الوجوب، فإن المقصود منه و هو فعل الواجب لا يتأتى غالبا مع كل فعل، مضافا إلى حصول الترك حالة الغفلة عنه أيضا إذا لم يكن الحرام المحتمل تعبديا كما هو الغالب، فلذا كان رعاية جانب الحرمة أرجح عند العقلاء؛ لأنها أبلغ في المقصود.

الثالث: وجوب الأخذ بأحدهما تخييرا أي: تخييرا شرعيا قياسا لما نحن فيه بتعارض الخبرين الجامعين لشرائط الحجية و قد أشار إليه بقوله «أو تخييرا ... الخ».

الرابع: التخيير بين الفعل و الترك عقلا مع التوقف عن الحكم بشي‏ء رأسا لا ظاهرا و لا واقعا، و قد أشار إليه بقوله: «و التخيير بين الترك و الفعل عقلا مع التوقف عن الحكم رأسا».

الخامس: التخيير بين الفعل و الترك عقلا و الحكم بالإباحة شرعا.

السادس: الاستقراء الذي يستفاد منه أن مذاق الشرع هو تقديم جانب الحرمة في موارد اشتباه الواجب بالحرام، و هذا يقتضي تقديم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب أيضا. و قد أشار المصنف إلى بعض هذه الوجوه.

و مختار المصنف من هذه الوجوه: هو الوجه الخامس، حيث قال «أوجهها الأخير ...» الخ، و هذا الوجه مركب من جزءين:

1- التخيير بين الفعل و الترك عقلا.

2- الحكم بالإباحة شرعا.

فقوله: «لعدم الترجح بين الفعل و الترك» دليل للجزء الأول، و قوله: «و شمول مثل كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام له .. الخ، دليل للجزء الثاني.

توضيح بعض العبارات:

قوله: «لعموم النقل» إشارة إلى حديثي الرفع و الحجب.

(1) أي متعلق «قبح»، و ضمير «به» راجع على «خصوص»، و هذا تقريب جريان البراءة العقلية، يعني: أن الجهل بخصوصية الإلزام و نوعه موجب لصدق عدم البيان، الذي أخذ موضوعا لقاعدة القبح.

292

و وجوب (1) الأخذ بأحدهما تعيينا (2) أو تخييرا (3)، و التخيير بين (4) الترك و الفعل عقلا مع التوقف عن الحكم به رأسا، أو مع (5) الحكم عليه بالإباحة شرعا، أوجهها الأخير (6)؛ لعدم الترجيح بين الفعل و الترك، و شمول مثل: «كل شي‏ء لك حلال حتى‏

____________

(1) عطف على «الحكم»، و إشارة إلى الوجه الثاني الذي استدل عليه بالوجوه المذكورة.

(2) أي: ترجيح جانب الحرمة معينا.

(3) إشارة إلى الوجه الخامس.

(4) إشارة إلى الوجه السادس.

(5) إشارة إلى الوجه السابع.

(6) أي الأخير المذكور في المتن هو الوجه السابع، فدعوى المصنف «(قدس سره)» مؤلفة من أمرين:

أحدهما: الحكم بالتخيير العقلي لا الشرعي.

ثانيهما: الحكم شرعا على المورد بالإباحة الظاهرية، و استدل على الأول بقوله: «لعدم الترجيح» بمعنى: أن المكلف لا يخلو من الفعل أو الترك فلو اختار الفعل احتمل الموافقة على تقدير وجوبه واقعا، و المخالفة على تقدير حرمته كذلك، و كذا لو اختار الترك، فإنه يحتمل الموافقة و المخالفة أيضا، حيث لا مرجح لأحدهما على الآخر- كما هو المفروض- فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح، و هو قبيح، فيتساويان و هو معنى التخيير العقلي.

و استدل على الثاني- و هو الحلية الظاهرية- بقوله: «و شمول مثل»، و قبل توضيح الاستدلال به ينبغي التنبيه على أمر و هو: أن مراد المصنف بقوله: «مثل» هو سائر الروايات التي تصلح لإثبات قاعدة الحل، و ليس غرضه منه أخبار البراءة؛ كحديثي الرفع و الحجب و نحوهما؛ و ذلك لأن مدلول حديثي الرفع مطابقة نفي التكليف الإلزامي على ما اختاره المصنف في أول البراءة بقوله: «فالإلزام المجهول مرفوع فعلا»، فليس الحل الظاهري مدلوله المطابقي؛ بل و لا مدلوله الالتزامي أيضا؛ إذ مدلوله الالتزامي ليس إلا الترخيص الذي هو أعم من الإباحة بالمعنى الأخص التي هي المطلوبة، فأخبار البراءة تثبت التزاما ما هو أعم من الإباحة المقصودة.

و بالجملة: ففرق بين أصالتي البراءة و الحل؛ إذ مدلول الأولى: نفي التكليف الإلزامي في مرحلة الظاهر المستلزم للترخيص عقلا، و مدلول الثانية: حكم شرعي‏

293

ظاهري. و الشاهد على ما ذكرناه من الفرق بينهما هو: أن المصنف جعل الوجوه و الأقوال في المسألة خمسة- لا أربعة كما صنعه الشيخ «(قدس سره)»- وعد أولها الحكم بالبراءة عقلا و نقلا؛ و لكنه لم يرتض ذلك، و اختار الوجه الخامس من الوجوه المذكورة في كلامه، و لو كان مفاد أصالتي البراءة الشرعية و الحل واحدا لم يكن وجه لعدّهما قولين.

نعم؛ جمع الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» بينهما كما يظهر من الجمع في الاستدلال على الإباحة الظاهرية بين أخبار البراءة و الحل، حيث قال: «فقد يقال في المقام بالإباحة ظاهرا لعموم أدلة الإباحة الظاهرية، مثل قولهم: «كل شي‏ء لك حلال»، و قولهم: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»، فإن كلا من الوجوب و الحرمة قد حجب علمه من العباد، و غير ذلك من أدلته» (1).

و كيف كان؛ فالاستدلال بحديث الحل على إباحة ما دار أمره بين الوجوب و الحرمة يستدعي البحث في مقامين: الأول في وجود المقتضي، و الثاني: في عدم المانع.

أما المقام الأول- و هو الذي أشار إليه بقوله: «و شمول».

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية» ج 5، ص 569»- أن الحديث يدل على حلية المشكوك حرمته ظاهرا، و إنها باقية إلى أن يحصل العلم بخصوص الحرمة، فموضوع حكم الشارع بالحلية الظاهرية هو ما شك في حرمته و غيرها، سواء كان ذلك الغير المقابل للحرمة هو الوجوب أم الإباحة بالمعنى الأخص، أم الاستحباب، أم الكراهة، و بهذا يندرج مورد الدوران بين المحذورين في موضوع الحديث لعدم العلم فيه بخصوص الحرمة المأخوذ غاية للحل، فإذا دار الأمر بين حرمة شي‏ء و وجوبه صدق عليه عدم العلم بحرمته فهو حلال ظاهرا، و لا مفسدة في الاقتحام فيه حتى يعلم أنه حرام.

و أما الثاني- و هو الذي أشار إليه بقوله: «و لا مانع عنه عقلا و لا نقلا»- فتوضيحه:

أن العلم بالمانع يتوقف على بيان ما يمكن أن يكون مانعا شرعا أو عقلا و النظر فيه، و حيث لم يبين ذلك فمقتضى الأصل عدمه، فيكون مثل: «كل شي‏ء لك حلال» شاملا للمورد، و هكذا تشمله أدلة الرفع و الحجب و السعة و ما شابهها، و لا اختصاص لهذه‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 179.

294

تعرف أنه حرام له»، و لا مانع عنه عقلا (1) و لا نقلا (2).

____________

الروايات بما يدور أمره بين الحرمة و غير الوجوب أو الوجوب و غير الحرمة؛ بل هي عامة تشمل جميع الصور، «و لا مانع منه» أي من شمول مثل «كل شي‏ء» الخ. «عقلا» أي:

ليس من أطراف الشبهة المحصورة التي كانت خارجة عن هذا العموم لدليل عقلي، «و لا نقلا» كما في الشبهة البدوية قبل الفحص أو بعده؛ بناء على مذهب الأخباري من شمول أخبار الاحتياط له.

(1) و مثال ما يوجد فيه المانع العقلي عن جريان قاعدة الحل هو الشبهة المحصورة، فإن العقل يمنع عن جريان القاعدة في الأطراف، و يوجب الاجتناب عن جميعها مقدمة للعلم بفراغ الذمة عن التكليف المعلوم بالإجمال، غير أن في المقام لا يتصور مانع عقلي إلا توهم لزوم المخالفة العملية، حيث إن جريان القاعدة يوجب الترخيص في المعصية، و من المعلوم: أن الترخيص في المعصية غير معقول، فلا بد من تخصيص دليل أصالة الحل بغير المقام كالشبهة البدوية.

لكن في هذا التوهم: أن المفروض هنا: عدم حصول العلم بالمخالفة العملية؛ لتعذر كل من الموافقة و المخالفة القطعيتين، و الموافقة الاحتمالية حاصلة قهرا كالمخالفة الاحتمالية؛ لعدم خلوّ المكلف من الفعل الموافق لاحتمال الوجوب أو الترك الموافق لاحتمال الحرمة.

و عليه: فلا يلزم من الحكم بإباحة كل من الفعل و الترك ظاهرا بالترخيص في المعصية كما يلزم من جريانها في أطراف الشبهة المحصورة.

(2) مثال ما يوجد فيه المانع الشرعي عن جريان أصالة الحل هو الشبهة البدوية- بناء على تقديم أخبار الاحتياط- فإن الشرع يمنع عن جريانها فيها كل قيل بوجوده في المقام بتوهم: رجحان جانب التحريم تمسكا بأخبار الوقوف، و تقديما لها على أدلة الإباحة؛ بل المحكي عن شرح الوافية: الاستدلال عليه بأخبار الاحتياط، كما يستدل بها على حرمة الاقتحام في الشبهة البدوية.

لكن في هذا التوهم: أن التوقف بالنظر إلى التعليل الوارد في أخباره ظاهر في ما لا يحتمل الضرر على ترك الشبهة. و في المقام حيث يلزم فوات المصلحة الملزمة على تقدير وجوب الفعل واقعا، فلا يكون مشمولا للأخبار الآمرة به، كما لا مجال للتمسك بأدلة وجوب الاحتياط لفرض تعذّره هنا، مضافا إلى عدم كون الوارد به مولويا؛ بل هو إرشاد إلى حسنه العقلي.

295

و قد عرفت (1): أنه لا يجب موافقة الأحكام التزاما، ...

____________

(1) يعني: قد عرفت في الأمر الخامس من مباحث القطع: عدم وجوب الموافقة الالتزامية، حيث قال: «هل تنجّز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا يقتضي موافقته التزاما أو لا يقتضي ... الحق هو الثاني».

و غرضه من هذا الكلام هنا: بيان توهم وجود مانع عقلي عن جريان أصالة الحل في دوران الأمر بين المحذورين. و الجواب عنه.

فلا بد أولا من توضيح هذا التوهم حتى يتضح جواب المصنف عنه.

و توضيح التوهم يتوقف على مقدمة و هي: أن للتكليف موافقة و مخالفة، و كل منهما على قسمين: موافقة عملية، و موافقة التزامية، بمعنى الالتزام بالحكم الشرعي من الوجوب و الحرمة و غيرهما.

و كذلك المخالفة على قسمين: مخالفة عملية، و موافقة التزامية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن العقل كما يستقل بوجوب إطاعة الشارع عملا يعني: يستقل بوجوب الموافقة العملية؛ كذلك يحكم بوجوب إطاعته التزاما يعني يحكم بوجوب الموافقة الالتزامية، بمعنى لزوم التدين و الالتزام القلبي بأحكامه، و يحرم الالتزام بما يخالف الحكم الشرعي، و من المعلوم: أن علم المكلف بعدم خلوّ الواقع عن أحد الحكمين الإلزاميين ينافي البناء على إباحة كل من الفعل و الترك ظاهرا؛ لاقتضاء هذه الإباحة الظاهرية جواز الالتزام بخلاف ما هو معلوم عنده من الحكم الواقعي الدائر بين الوجوب و الحرمة، و هذا مما يمنع عنه العقل، فلا تجري أصالة الحل في المقام لمانع عقلي.

و قد أجاب المصنف «(قدس سره)» عن هذا التوهم بوجهين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: «لا يجب موافقة الأحكام التزاما».

ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: «و لو وجب لكان الالتزام إجمالا بما هو الواقع معه ممكنا».

و حاصل الوجه الأول: أن وجوب إطاعة أوامر الشارع و نواهيه عملا مما لا ريب في استقلال العقل به. و أما وجوب موافقتهما التزاما بعقد القلب عليها حتى يكون لكل حكم نحوان من الإطاعة، فلا دليل عليه؛ لأن العقل الحاكم بلزوم الامتثال العملي- حذرا عن عصيانه المتتبع لعقوبته- لا يحكم بلزوم الموافقة الالتزامية، و عليه: فلا دلالة من العقل على وجوبها.

و أما النقل: فليس فيه أيضا ما يقتضي ذلك بالطلب المولوي اللزومي؛ إذ لو كان دليل‏

296

و لو وجب (1) لكان الالتزام إجمالا بما هو الواقع معه (2) ممكنا. و الالتزام التفصيلي (3) بأحدهما لو لم يكن تشريعا محرما لما نهض على وجوبه دليل قطعا.

____________

في البين لكان إما نفس أدلة التكليف مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و إما ما ورد من وجوب التصديق بما جاء به النبي «(صلى اللّه عليه و آله)»، و شي‏ء منهما لا يصلح لإثبات ذلك.

هذا مضافا إلى: أنه لو دل دليل من الشرع على وجوب الموافقة الالتزامية لكان مانعا شرعيا عن شمول أصالة الحل للمقام، لا مانعا عقليا كما هو مفروض الكلام، هذا تمام الكلام في الوجه الأول من الجواب.

و حاصل الوجه الثاني: أنه- بناء على تسليم وجوب الموافقة الالتزامية- لا منافاة بينه و بين جريان أصالة الحل، لإمكان الانقياد القلبي الإجمالي، بأن يلتزم إجمالا بالحكم الواقعي على ما هو عليه و إن لم يعلم بشخصه فعلا، فيتدين المكلف بما هو الواقع سواء كان وجوبا أم حرمة.

فالمتحصل: أن وجوب موافقة الأحكام التزاما لا يمنع من جريان أصالة الحل في مسألة الدوران بين المحذورين.

(1) الأولى «وجبت» «و تجب».

(2) أي: مع الشمول، يعني: أن الالتزام بالحكم الواقعي على إجماله مع شمول دليل أصالة الحل للمورد ممكن يعني: لتمكن المكلف من الالتزام بما هو الثابت واقعا.

(3) هذا دفع ما ربما يتوهم من عدم صحة الوجه الثاني من الجواب.

توضيح التوهم: أنه- مع تسليم وجوب الموافقة الالتزامية- لا يكون الالتزام بالواقع على ما هو عليه كافيا في امتثال هذا الحكم- أعني: وجوب الموافقة الالتزامية- بل يجب الالتزام التفصيلي بالوجوب فقط، أو بالحرمة كذلك، ضرورة: أن متعلق لزوم الموافقة الالتزامية هو الحكم بعنوان الخاص من الإيجاب أو التحريم، و ليس المطلوب نفس الواقع على ما هو عليه حتى تكفي الإشارة الإجمالية إليه.

و من المعلوم: استقلال العقل بلزوم إطاعة كل حكم بما يوجب القطع بفراغ الذمة عنه، و مع تعذر ذلك تصل النوبة إلى الموافقة الاحتمالية، و في المقام حيث دار الأمر بين الوجوب و الحرمة فقد تعذرت موافقته القطعية الالتزامية كتعذر موافقته القطعية العملية، و تعينت موافقته الاحتمالية، و هي الالتزام بخصوص الوجوب أو الحرمة لكونها ممكنة، و لا تصل النوبة إلى الالتزام الإجمالي بالواقع حتى لا يكون منافيا للالتزام بالإباحة الظاهرية و البناء عليها.

297

و قياسه (1) بتعارض الخبرين الدال أحدهما على الحرمة، و الآخر على الوجوب باطل، فإن التخيير بينهما- على تقدير كون الأخبار حجة من باب السببيّة- يكون‏

____________

و قد أجاب المصنف عن هذا التوهم أيضا بوجهين:

توضيح الوجه الأول: يتوقف على مقدمة قصيرة و هي: أن التشريع- و هو بمعنى إدخال ما لم يعلم أنه من الدين في الدين- محرم شرعا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الالتزام بأحدهما المعين مع فرض عدم العلم به تشريع محرم، مثلا لو التزم بالوجوب معينا، مع فرض احتمال الحرمة كان تشريعا و إن كان الحكم الواقعي هو الوجوب، و من المعلوم: أن مفسدة التشريع لو لم تكن أعظم من مصلحة وجوب الالتزام فلا أقل من مساواتها لها، فتسقطان بالتزاحم، فلا يبقى ملاك للقول بوجوب الموافقة الالتزامية التفصيلية. هذا تمام الكلام في الوجه الأول من الجواب.

أما الوجه الثاني فحاصله: أنه- مع الغض عن محذور لزوم التشريع فيما إذا التزم بأحدهما معينا- لا دليل على وجوب هذا الالتزام التفصيلي مطلقا حتى فيما تمكن المكلف منه؛ لابتنائه على مقدمة و هي: كون متعلق وجوب الموافقة الالتزامية خصوص العناوين الخاصة من الإيجاب و التحريم، و عدم كفاية الالتزام بما هو الواقع.

و لكن هذه المقدمة ممنوعة؛ لعدم مساعدة دليل عليها.

و ببطلان الالتزام التفصيلي ظهر بطلان القول بلزوم البناء على الوجوب أو الحرمة.

(1) أي: قياس دور الأمر بين المحذورين «بتعارض الخبرين» ... الخ، هذا الكلام من المصنف ردّ للوجه الثالث من الوجوه الخمسة المذكورة في المتن، فلا بد أولا من بيان قياس الوجه الثالث «بتعارض الخبرين» ... الخ، ثم بيان بطلان هذا القياس ثانيا.

و أما تقريب القياس فيمكن بوجوه:

1- دعوى: أن الملاك في الحكم بالتخيير في مورد تعارض الخبرين هو مجرد إبدائهما احتمال الوجوب و الحرمة، و هذا الملاك موجود فيما نحن فيه، فيسوى الحكم بالتخيير إلى ما نحن فيه.

2- دعوى: أن الملاك في التخيير بين الخبرين المتعارضين هو نفي الثالث، و ما نحن فيه كذلك.

3- أن رعاية الحكم الظاهري- و هو الحجية- يدل بالفحوى على رعاية الحكم الواقعي، فإذا ثبت التخيير بين الحجتين و عدم طرحهما فثبوت التخيير بين الحكمين الواقعيين أولى.

298

4- كون الملاك في التخيير بين الخبرين اهتمام الشارع بالعمل بالأحكام الشرعية و عدم إهمالها. و من المعلوم: أن المقام أولى بالرعاية من الخبرين للعلم هنا بعدم خلوّ الواقع عن الوجوب أو الحرمة. و هذا بخلاف الخبرين؛ لاحتمال كذبهما، و كون الحكم الواقعي غير مؤداهما. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب المقايسة من ناحية وحدة المناط في بعضها، و الأولوية في بعضه الآخر.

و لكن جميع هذه الوجوه ممنوعة:

أما الأول: فلأنه تخرّص و تحكّم على الغيب، بل بناء على السببيّة لا مجال له كما ستعرف لأن التخيير يكون من باب التخيير بين الواجبين المتزاحمين، و أي ربط لذلك بما نحن فيه.

و أما الثاني: فهو كالأوّل، مع أن نفي الثالث قد لا يقول به الكل، لا بهما- كما يراها الشيخ- لتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية كتبعيتها لها في أصل الثبوت.

و لا بأحدهما- كما يراه صاحب الكفاية- لعدم تصور ما أفاده في تقريبه في محله فراجع. مع أن الكل يرى التخيير و لو لم يتكفل الخبران نفي الثالث.

و أما الوجه الثالث: فلأن الأولوية إنما تتم لو فرض ثبوت الموضوع لكل من الحكمين الواقعيين كثبوته للحكمين الظاهريين، و ليس الأمر كذلك بل هو حكم واقعي مردد بين الحكمين، بخلاف الحكمين الظاهريين، فإن كلا منهما واجد لموضوعه و هو الخبر التام الشرائط.

و كيف كان؛ فقد أجاب المصنف «(قدس سره)» عن هذه المقايسة بأنها مع الفارق، و القياس إذا كان مع الفارق كان باطلا، فهذا القياس باطل.

و توضيح الفرق يتوقف على مقدمة و هي: أن الأخبار إما أن تكون حجة من باب السببيّة، و إما من باب الطريقية.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه على الأول يكون التخيير بين الخبرين المتعارضين على القاعدة؛ لفرض حدوث مصلحة ملزمة في المؤدى بسبب قيام خبر على الوجوب، و حدوث مفسدة ملزمة فيه بقيام خبر آخر على حرمة نفس ذلك المتعلق. و لما كان كل منهما مستجمعا لشرائط الحجية وجب العمل بكل منهما؛ لكن استيفاء المصلحة و الاحتراز عن المفسدة غير مقدور من جهة وحدة المتعلق، فيقع التزاحم بين تكليفين تتعذر موافقتهما، و يستقل العقل بالتخيير حينئذ مع التكافؤ، لما تقرر في محله من أن‏

299

على القاعدة، و من جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين، و على (1) تقدير أنها من باب الطريقية: فإنه (2) و إن كان على خلاف القاعدة؛ إلا إن أحدهما- تعيينا أو (3) تخييرا- حيث كان واجدا لما هو المناط للطريقية من (4) احتمال الإصابة مع اجتماع سائر

____________

التزاحم المأموري يوجب صرف القدرة في الأهم إن كان، و إلا فالتخيير كما في إنقاذ غريقين مؤمنين، و ليس مناط التخيير- و هو الحجية- في الاحتمالين المتعارضين موجودا حتى يحكم بالتخيير فيهما أيضا؛ إذ ليس في احتمالي الوجوب و الحرمة صفة الكشف و الطريقية حتى يصح قياسهما بتعارض الحجتين و هما الخبران المتعارضان، و عليه: فتزاحم الاحتمالين في المقام ليس لتزاحم الخبرين على السببيّة كي يصح قياس المقام بتعارض الخبرين.

و أما على الثاني- و هو حجية الأخبار من باب الطريقية- فالقياس يكون مع الفارق أيضا، ضرورة: أن مقتضى القاعدة الأولية في تعارض الطرق و إن كان هو التساقط لا التخيير، إلا إنه لما كان كل منهما واجدا لشرائط الحجية و لمناط الطريقية- من الكشف نوعا عن الواقع، و احتمال الإصابة في خصوص كل واحد من المتعارضين- و لم يمكن الجمع بينهما في الحجيّة الفعلية لمكان التعارض، فقد جعل الشارع أحدهما حجة تخييرا مع التكافؤ و تعيينا مع المزية، و هذا بخلاف المقام؛ إذ ليس في شي‏ء من الاحتمالين اقتضاء الحجية كالخبرين حتى يجري حديث التخيير بين الخبرين في الاحتمالين اقتضاء الحجية كالخبرين حتى يجري حديث التخيير بين الخبرين في الاحتمالين المتعارضين، فلا مانع من طرح كلا الاحتمالين و إجراء الإباحة الظاهرية.

توضيح بعض العبارات:

قوله: «باطل» خبر «و قياسه» و جواب عنه.

قوله: «فإن التخيير» .. الخ، تعليل للبطلان، و ضمير «بينهما» راجع على الخبرين المتعارضين.

(1) عطف على «على تقدير كون»، و ضمير «أنها» راجع على الحجية المستفادة من العبارة.

(2) يعني: فإن التخيير «و إن كان على خلاف القاعدة»؛ لاقتضاء القاعدة الأولية في تعارض الطرق للتساقط، فالتخيير بين الخبرين تعبد شرعي على خلاف القاعدة.

(3) يعني: أحد الخبرين تعيينا في صورة وجود المرجح؛ كموافقة الكتاب و مخالفة العامة و غيرهما، «أو تخييرا» مع عدم المرجح.

(4) بيان للوصول في «لما هو»، و اسم «كان» ضمير راجع على أحدهما.

300

الشرائط صار (1) حجة في هذه الصورة (2) بأدلة الترجيح تعيينا (3)، أو التخيير تخييرا، و أين ذلك (4) مما إذا لم يكن المطلوب إلا الأخذ بخصوص ما صدر واقعا؟ و هو (5) حاصل، و الأخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه (6) بموصل.

نعم (7)؛ لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب و الحرمة،

____________

(1) جواب حيث المفيد للشرط، و جملة الشرط و الجواب خبر «أن أحدهما».

(2) يعني: في صورة التعارض بناء على الطريقية.

(3) يعني: مع المزية، و التخيير مع عدمها و «بأدلة» متعلق ب «صار حجة».

(4) أي: و أين حجية أحدهما تعيينا أو تخييرا «مما إذا .....»، يعني: أن ما تقدم من حجية أحد الخبرين تعيينا أو تخييرا مغاير لما إذا لم يكن المطلوب إلا الالتزام بما هو حكم الله واقعا، فإن الالتزام به على ما هو عليه ممكن بخلاف الخبرين.

(5) الضمير راجع على الأخذ، و يحتمل فيه أمران:

أحدهما: الالتزام الإجمالي بخصوص ما صدر واقعا، و ليس غرضه الالتزام التفصيلي بالواقع؛ لتعذره مع الجهل بخصوصية الإلزام، مضافا إلى منافاته لقوله: «و الأخذ بخصوص» ... الخ، إذ مع احتمال المخالفة كيف يجزم بأن ما التزم به هو الواقع؟

ثانيهما: أن يراد بالأخذ العمل كما هو المطلوب في حجية أحد الخبرين، فيكون المراد في أن العمل بالواقع حاصل، لكن بالقدر الممكن و هو الموافقة الاحتمالية.

(6) أي: إلى خصوص ما صدر واقعا يعني: ربما لا يكون الأخذ بخصوص أحدهما موصلا إلى الحكم الواقعي؛ لاحتمال كون الواقع غير ما أخذ به، فكيف يتعين على المكلف الأخذ بأحدهما تعيينا أو تخييرا؟

(7) استدراك على قوله: «و قياسه باطل».

و غرضه: تصحيح القياس بعدم الفارق بين المقام و بين الخبرين المتعارضين، بتقريب:

أن مناط وجوب الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين إنما هو إبداؤهما احتمال الوجوب و الحرمة دون غيره من السببيّة أو مناط الطريقية، و من المعلوم: أن هذا الاحتمال موجود في المقام، فلا بد من التخيير، و يبطل القول بالإباحة.

و حاصل الاستدراك: أنه على الاحتمال الأول المذكور في وجه المقايسة- و هو كون الملاك في حكم الشارع بالتخيير بين الخبرين إحداثهما و إبداؤهما احتمال الوجوب و الحرمة لا السببيّة، و لا غلبة الإصابة نوعا- يصح القياس المذكور، و اللازم حينئذ البناء على خصوص احتمال الحرمة أو خصوص احتمال الوجوب؛ إذ موضوع حكم الشارع‏

301

و إحداثهما (1) الترديد بينهما لكان (2) القياس في محله؛ لدلالة (3) الدليل على (4) التخيير بينهما على التخيير هاهنا، فتأمل جيدا. و لا مجال هاهنا (5) لقاعدة قبح‏

____________

بالتخيير حينئذ إنما هو احتمال الوجوب و الحرمة، سواء كان منشؤهما الخبرين أم غيرهما، و لا خصوصيّة للخبرين.

(1) عطف تفسير ل «إبدائهما»، و ضميرا «إبدائهما و إحداثهما» راجعان على الخبرين، و ضميره بينهما، راجع على الوجوب و الحرمة.

(2) جواب «و لو كان».

(3) تعليل لصحة القياس.

(4) متعلق ب «دليل» و «على التخيير» متعلق ب «دلالة»، يعني: نفس الأخبار العلاجية الدالة على التخيير بين الخبرين المتعارضين تدل أيضا على التخيير في المقام، بناء على كون التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما الاحتمال؛ لوجود الترديد و الاحتمال هنا أيضا.

«فتأمل جيدا» لعله إشارة إلى أنه لا مجال لاستفادة كون المناط في الحكم بالتخيير في تعارض الخبرين هو إبداء الاحتمال حتى يحكم به فيما نحن فيه لهذا المناط.

وجه عدم المجال: أن من الواضح وجوب الأخذ بخصوص مضمون أحد الخبرين المتعارضين و إن احتمل كون الحكم الواقعي غيرهما، كما إذا دل أحد الخبرين على الوجوب و الآخر على الحرمة، و احتمل الكراهة، فإنه لا يجوز الاعتناء بها، بل لا بد من الالتزام بمضمون أحد الخبرين.

هذا مضافا إلى أنه لو كان المناط إبداء الاحتمال لزم لغوية الشرائط المعتبرة في حجية الخبرين، و مراعاة قواعد التعارض بين كل خبرين متعارضين يوجبان الاحتمال و إن كانا فاقدين لشرائط الحجية، و هو كما ترى. و قد تحصل: أن القول الثالث و هو التخبير الشرعي بين الاحتمالين لا دليل عليه، فلا مانع من شمول أصالة الحل للمقام.

(5) يعني: في الدوران بين المحذورين.

و المقصود من هذا الكلام: هو الإشارة إلى دليل القول الأول في مسألة الدوران- و هو جريان البراءة الشرعية و العقلية- و ردّه، و قوله: «لقاعدة، قبح العقاب بلا بيان» إشارة إلى الجزء الثاني منه و هو جريان البراءة العقلية لتحقق موضوعها، و هو عدم البيان، إذ لا بيان على خصوص الوجوب و الحرمة المحتملين، فالمؤاخذة على كل من الفعل و الترك في المقام مما يستقل العقل بقبحه، فتجري القاعدة بلا مانع، فإن القاعدة إنما تجري فيما لا بيان له، و ليس ما نحن فيه من ذلك؛ بل قد بين أحد الحكمين، كما أنه في مورد دوران‏

302

العقاب بلا بيان. فإنه لا قصور فيه- هاهنا- و إنّما عدم تنجز التكليف لعدم التمكن (1) من الموافقة القطعية كمخالفتها، و الموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة، كما لا يخفى.

____________

الأمر بين طرفي العلم الإجمالي قد بيّن الحكم، فقد يكون متعلق الحكم الواحد مرددا بين اثنين، و قد يكون الشي‏ء الواحد مرددا بين حكمين، و في كليهما قد بيّن الحكم في الجملة، «فلا قصور فيه» أي: في البيان.

(1) و عدم التمكن غير عدم البيان، و لذا نرى وجود البيان فيما لو دار الأمر بين وجوب هذا و حرمة ذلك، فإن العقل يرى ذلك بيانا و موجبا لإتيان محتمل الوجوب و ترك محتمل الحرمة؛ إذ لا فرق بين تردّد الحكم بين الوجوب و الحرمة، مع وحدة الموضوع المردد فيه- كما في المقام- أو مع تعدد الموضوع كما في مورد العلم الإجمالي بوجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء آخر، في وجود البيان و وجوب الاحتياط.

و كيف كان؛ فقوله: «فإنه لا قصور فيه ...» الخ. ردّ على القول بجريان البراءة العقلية في المقام.

و توضيح الردّ: يتوقف على مقدمة و هي: أن تنجّز التكليف المصحح للعقوبة على مخالفته- يتقوم بأمرين:

أحدهما: وجود البيان على الحكم الشرعي و لو كان إجماليا،

و ثانيهما: قدرة المكلف على الموافقة القطعية، سواء كانت تفصيلية أم إجمالية، كالصلاة إلى أربع جهات.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه بانتفاء أحد الأمرين و إن كان ينتفي تنجّز التكليف، و مقتضى انتفائه جريان قاعدة القبح؛ إلا إن القاعدة مع ذلك أيضا لا تجري هنا؛ لا لعدم البيان إذ البيان موجود، لغرض العلم بالتكليف و لو إجمالا و هو مطلق الإلزام، و لذا يكون منجزا إذا تعلق بأمرين كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال و حرمة شرب التتن، فإن الاحتياط حينئذ بفعل الدعاء و ترك الشرب لازم؛ بل عدم جريانها إنما هو لعدم التمكن من الامتثال القطعي مع وحدة المتعلق بالاحتياط بالجمع بين التكليفين، لامتناع الجمع بين الفعل و الترك، ضرورة: أنهما نقيضان؛ كعدم التمكن من المخالفة القطعية لاستحالة ارتفاع النقيضين، و إلا فالبيان و هو العلم بلزوم الفعل أو الترك موجود؛ لكن لما كان متعلقهما واحدا لم يؤثر العلم المذكور في نظر العقل، فيسقط عن المنجزية، بخلاف ما إذا تعدد المتعلق حيث يكون الاحتياط ممكنا.

و الحاصل: أن قبح العقاب في المقام مسلّم؛ لكنه ليس لأجل عدم البيان بل لعدم‏

303

ثم إنّ مورد هذه الوجوه (1) و إن كان ما إذا لم يكن واحد من الوجوب و الحرمة

____________

قدرة المكلف على الامتثال القطعي، فلا مجال لتطبيق قاعدة القبح هنا لوضوح تحقق البيان الرافع لموضوع القاعدة بسبب العلم بأصل الإلزام؛ و لو مع الجهل بنوعه، فإن العلم بجنس التكليف كاف في البيانية، و لذا يجب الاحتياط إذا تمكن منه كما في تعدد المتعلق.

و بالجملة: فلا مجال عند دوران الأمر بين المحذورين لجريان قاعدة القبح؛ لوجود البيان الإجمالي و هو العلم بأصل الإلزام، و هو كاف في المنع من جريانها.

نعم، لا يستحق المكلف للعقاب لأجل عدم القدرة على الامتثال و الموافقة القطعية؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 601» مع توضيح و تلخيص منّا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية»:

الضمير في «فإنه لا قصور فيه» للشأن، يعني: لا قصور في البيان في دوران الأمر بين المحذورين، و المراد بالبيان هو العلم بأصل الإلزام و يمكن أن يكون ضميرا «فإنه، فيه» راجعين إلى البيان.

قوله: «كمخالفتها» فاسد لفظا و معنى؛ لأن الضمير راجع على القطعية التي هي صفة لكل من الموافقة و المخالفة. و أما لفظا: فلأن القطعية صفة للمخالفة، و لازم العبارة حينئذ:

إضافة الموصوف إلى ضمير صفته و هو فاسد؛ إذ لا تقول مثلا: «أسهرني المرض الشديد و ألمه» بإرجاع الضمير إلى الشديد، بل تقول: «و الألم الشديد» و أما معنى: فلأن المقصود أن المانع عن تنجز التكليف هو عدم التمكن من الموافقة القطعية؛ كعدم القدرة على المخالفة القطعية، و عبارة المتن لو تركت بحالها تكون هكذا: «كمخالفة القطعية»، و هذا فاسد أيضا، فالصواب سوق العبارة هكذا: كالمخالفة القطعية أو لعدم التمكن من القطع بالموافقة و المخالفة». و كيف كان؛ فالمطلب واضح.

«و الموافقة الاحتمالية حاصلة» يعني: أن كلا من الموافقة و المخالفة الاحتماليتين حاصل قطعا، سواء جرت قاعدة القبح أم لا.

«لا محالة» لعدم خلو المكلف تكوينا من الفعل أو الترك.

(1) يعني: الوجوه الخمسة المتقدمة في الدوران بين الوجوب و الحرمة.

المقصود من هذه العبارة إلى قوله: «و لا يذهب عليك» هو: تضعيف ما أفاده الشيخ «(قدس سره)»، حيث قال في صدر البحث بعد بيان وجوه ثلاثة في المسألة «ما لفظه»:

«و محل هذه الوجوه ما لو كان كل من الوجوب و الحرمة توصليا؛ بحيث يسقط بمجرد

304

على التعيين تعبّديا (1)، إذ لو كانا (2) تعبديين أو كان أحدهما المعيّن كذلك، لم‏

____________

الموافقة؛ إذ لو كانا تعبديين محتاجين إلى قصد امتثال التكليف، أو كان أحدها المعيّن كذلك لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما و الرجوع إلى الإباحة؛ لأنها مخالفة قطعية عملية».

و حاصل ما أفاده الشيخ: من أن الحكم بالإباحة الظاهرية التي كانت هي إحدى وجوه المسألة مما لا يجري فيما إذا كان كل من الوجوب و الحرمة تعبديا، أو كان أحدهما المعيّن تعبديا؛ إذ لو حكمنا حينئذ بالإباحة، و لم نمتثل شيئا منهما على وجه قربي لحصلت المخالفة القطعية العملية، فلا يجري بعض الوجوه على هذا الفرض، فنظرا إلى جريان جميع الوجوه، و عدم لزوم المخالفة القطعية العملية قال الشيخ «(قدس سره)» باختصاص هذه الوجوه بما إذا كان كل من الوجوب و الحرمة توصليا.

و أما تعريض المصنف «(قدس سره)» على الشيخ: فلأجل أن المهم في المقام عند المصنف هو التخيير العقلي بين الفعل و الترك، و هو ما يجري في جميع الوجوه و الصور الأربع، و هي أن يكون كلاهما توصليا. و أن يكون كلاهما تعبديا. و أن يكون أحدهما المعيّن تعبديا. و أن يكون أحدهما غير المعيّن تعبديا.

غاية الأمر: يتخير عقلا في الثاني بين الإتيان بالشي‏ء بنحو قربي، و بين تركه كذلك.

و في الثالث بين الإتيان بأحدهما المعيّن بنحو قربي، و بين مجرد الموافقة في الآخر.

نعم، يختص الحكم بالإباحة الشرعية: بما إذا كانا توصليين، أو كان أحدهما غير المعيّن تعبديا؛ و إلا لم يمكن الحكم بها، و ذلك لتصوير المخالفة القطعية فيما إذا كانا تعبديين، أو كان أحدهما المعيّن تعبديا.

ففي الأول: لو أتى المكلف بالفعل لا بنحو قربي، أو تركه كذلك و في الثاني لو أتى بأحدهما المعين لا بنحو قربي تتحصل المخالفة القطعية حينئذ بلا شبهة، فتحرم بلا إشكال.

و كيف كان؛ فنظر صاحب الكفاية إنما هو إلى جريان التخيير العقلي، و هو يجري في جميع الصور، فلا وجه لإخراج بعض الصور عن مورد الوجوه المذكورة؛ كما صنعه الشيخ «(قدس سره)».

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام المصنف في المقام.

(1) خبر «لم يكن».

(2) هذا هو كلام الشيخ الأنصاري، و قد تقدم متنا و توضيحا.