دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
305

يكن (1) إشكال في عدم جواز طرحهما و الرجوع (2) إلى الإباحة؛ لأنها (3) مخالفة عملية قطعية على ما أفاده شيخنا الأستاذ «(قدس سره)»؛ إلا إن (4) الحكم أيضا فيهما (5) إذا كانا كذلك هو التخيير عقلا بين إتيانه على وجه قربي؛ بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه، و تركه (6) كذلك؛ لعدم الترجيح (7) و قبحه (8) بلا مرجح.

فانقدح (9)، أنه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصليين بالنسبة (10) إلى ما هو المهم في المقام؛ و إن اختص بعض الوجوه بهما كما لا يخفى.

____________

(1) جواب «لو كانا». و قوله: «كذلك» يعني: تعبديا.

(2) بالجر عطف على «طرحهما».

(3) هذا تعليل لقوله: «لم يكن إشكال»، يعني: لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما، و عدم جواز الرجوع إلى الإباحة، و ذلك لأن الإباحة توجب المخالفة العملية القطعية على ما أفاده الشيخ «(قدس سره)»، و ضمير «لأنها» راجع على الإباحة.

(4) هذا إشارة إلى المناقشة في كلام الشيخ «(قدس سره)».

(5) أي: في الوجوب و الحرمة، قوله: «كذلك» يعني: تعبديين أو أحدهما المعيّن تعبديا، و المقصود: أن الحكم في الوجوب و الحرمة إذا كانا تعبديين أو أحدهما المعيّن تعبديا هو التخيير عقلا؛ كحكمهما إذا كانا توصليين، أو كان أحدهما غير المعين تعبديا، و عليه: فالتخيير العقلي يجري في جميع الأقسام الأربعة. و الضمائر في «إتيانه، و به، و طلبه، و تركه» راجعة على أحدهما.

(6) بالجر عطف على «إتيانه»، و قوله «كذلك» يعني: على وجه قربي.

(7) تعليل لقوله: «هو التخيير عقلا».

(8) بالجر عطف على عدم الترجيح.

(9) هذا نتيجة ما أفاده لتعميم مورد جريان أصالة التخيير، يعني: فظهر من جميع ما ذكرنا: أن التخيير العقلي يجري في جميع الأقسام الأربعة التي تقدمت الإشارة إليها لمسألة الدوران بين المحذورين، لا في خصوص ما إذا كان الوجوب و الحرمة توصليين، أو كان أحدهما غير المعيّن توصليا، فلا وجه لاختصاص مورد الوجوه الخمسة المتقدمة- التي منها التخيير العقلي- بما إذا كانا توصليين، أو كان أحدهما غير المعيّن تعبديا، حتى يكون التخيير العقلي أيضا مختصا بهما؛ كما أفاده الشيخ «(قدس سره)» حيث خص- في كلامه المتقدم- مورد الوجوه بهما، نعم؛ القول بالإباحة يختص بهما؛ لما تقدم من لزوم المخالفة العملية القطعية لو جرت في غيرهما.

(10) متعلق ب «لا وجه» و المقصود بالمهم في المقام هو: التخيير العقلي المبحوث عنه‏

306

و لا يذهب عليك (1) أن استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين (2)، ...

____________

في المقام، و هو دوران الأمر بين المحذورين، يعني: لا وجه لتخصيص مورد الوجوه الخمسة بالتوصليين. و المراد ببعض الوجوه هو: الأول و الخامس، و ضمير «بهما» راجع على التوصليين، فلا يجري بعض الوجوه في التعبديين؛ لوجود المانع و هو المخالفة العملية.

(1) مقصود المصنف من هذا الكلام هو: بيان أن ما تقدم من التخيير العقلي في هذا البحث ليس مطلقا و في جميع الموارد؛ بل مقيد بما إذا لم يكن- و لو احتمالا- مزية لأحد الاحتمالين ترجحه على الآخر، و معها لا استقلال للعقل بالتخيير، فهنا بحثان أحدهما: كبروي، و هو عدم استقلال العقل بالحكم بالتخيير فيما إذا كان لأحد الاحتمالين مزية على الآخر، بل يستقل بتعينه- و قوله: «أن استقلال العقل بالتخيير» إشارة إلى هذا البحث الكبروي. و الآخر صغروي، و هو بيان ما هو المناط في المزية التي يوجب وجودها- و لو احتمالا- عدم استقلال العقل بالحكم بالتخيير.

أما الأول: فملخص ما أفاده فيه هو: عدم استقلال العقل بالتخيير مع وجود رجحان أو احتماله في الفعل أو الترك يقتضي أهميته من الآخر، فإن احتمال الأهمية أيضا يوجب حكم العقل بتقديم واجد هذه الأهمية المحتملة على فاقدها؛ لكونه حينئذ: من صغريات التعيين و التخيير؛ كحكمه بتعين تقليد الأفضل لحجية قوله تعيينا أو تخييرا، و الشك في حجية قول غير الأفضل عند المخالفة، و كحكمه بلزوم إنقاذ الغريق المتوقف على التصرف في مال الغير بدون إذنه؛ لأهمية وجوب حفظ النفس من حرمة الغصب، و هكذا.

و بالجملة: فحكم العقل بتقديم الأهم معلوما أو محتملا مما لا ينبغي الارتياب فيه.

و الذي يظهر من العبارة: أن المصنف قاس دوران الأمر بين المحذورين- في تقديم محتمل الأهمية أو معلومها- تارة: بدوران الأمر بين التعيين و التخيير؛ كما في مسألة تقليد الأفضل، و أخرى: بتزاحم الواجبين كما في إنقاذ أحد الغريقين المحتمل أهميته، و سننبه على عبارته التي يستفاد منها هذان القياسان؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 610».

(2) قيد ل «أحدهما» يعني: في أحدهما المعين. و وجه التقييد به واضح؛ إذ لا عبرة باحتمال الترجيح في أحدهما لا على التعيين، فإن العقل يستقل بالتخيير فيه، كما يستقل به فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما أصلا كما تقدم توضيحه.

307

و مع احتماله (1): لا يبعد دعوى استقلاله بتعيينه؛ كما هو (1) الحال في دوران الأمر بين التخيير و التعيين في غير المقام.

و لكن (3) الترجيح إنما يكون لشدة الطلب في أحدهما، و زيادته على الطلب في‏

____________

فالمتحصل مما ذكرنا: أنه إما أن لا يحتمل الترجيح في أحدهما أصلا، أو يحتمل.

و على الثاني: فإما أن يحتمل في أحدهما غير المعين أو يحتمل في أحدهما المعين، فعلى الأولين: يستقل العقل بالتخيير، و على الثالث: لا يستقل به؛ بل يجب العمل بما يحتمل رجحانه كما هو ظاهر.

(1) يعني: مع احتمال ترجيح أحدهما المعيّن. و ضمير «بتعيينه» راجع على «أحدهما على التعيين».

(2) أي: كما أن استقلال العقل بتعين ما يحتمل ترجيحه مسلّم في دوران الأمر بين التعيين و التخيير. و هذا ما يستفاد منه القياس الأول.

و قد عرفت: أنه كحجيّة فتوى الأفضل تعيينا أو تخييرا، و الشك في حجية فتوى غير الأفضل.

و المراد بغير المقام في قوله: «غير المقام» موارد التزاحم؛ كمسألة تقديم إنقاذ الغريق المحتمل أهميته- لاحتمال كونه عالما- على إنقاذ الآخر.

(3) هذا إشارة إلى البحث الثاني و هو البحث الصغروي، و توضيح ما أفاده فيه: أن الموجب للتقديم هو أهمية الملاك الموجبة لشدة الطلب و تأكده و زيادته على الطلب في الآخر؛ بحيث لو كان المحتملان معلومين لكان أحدهما المعين لأهميته مقدما على صاحبه عند المزاحمة؛ كما في مثال إنقاذ الغريق المتوقف على التصرف في مال الغير بدون رضاه، فإن كلا من الحكمين- و هما وجوب الإنقاذ و حرمة الغصب- معلوم و لا بد من امتثاله، و قد اتفق ابتلاء المكلف بهما في زمان واحد؛ لكن لما كان وجوب حفظ النفس المحترمة أهم من حرمة الغصب كان اللازم التصرف في مال الغير لأجل إنقاذ الغريق المؤمن، هذا في باب التزاحم.

و في المقام- و هو وجود احتمال حكمين لا نفس الحكمين الواقعيين- إذا كان الوجوب المحتمل أهم من الحرمة المحتملة قدم الفعل على الترك، و إن كان احتمال الحرمة أقوى؛ إذ المدار في الترجيح على أهمية المحتمل لا أقوائية الاحتمال، فإذا فرض أن احتمال الحرمة أقوى من احتمال الوجوب؛ لكن كان الوجوب المحتمل على تقدير ثبوته واقعا أشد و أهم من الحرمة المحتملة بل المظنونة قدم احتمال الوجوب الأهم على احتمال‏

308

الآخر بما (1) لا يجوز الإخلال بها في صورة المزاحمة (2)، و وجب (3) الترجيح بها (4)، و كذا (5) وجب ترجيح احتمال ذي المزية في صورة الدوران.

و لا وجه لترجيح (6) احتمال الحرمة مطلقا؛ لأجل أن دفع المفسدة أولى من ترك‏

____________

الحرمة الأقوى؛ كالصلاة في أيام الاستظهار، فإنها إما واجبة إن كانت طاهرة، و إما حرام إن كانت حائضا؛ لكن حيث إنها لو كانت واجبة عليها واقعا كان وجوبها أهم من حرمتها، نظرا إلى أن وجوبها- على تقدير ثبوته واقعا- ذاتي، بخلاف حرمتها فإنها- على فرض ثبوتها- تشريعية، فيرجح الوجوب على الحرمة، و لذا يحكم بوجوبها عليها في تلك الأيام حتى لو فرض أن احتمال حرمتها- لاحتمال كونها حائضا- أقوى من احتمال وجوبها؛ لاحتمال كونها طاهرة.

و المراد بشدة الطلب: قوة الملاك، فإن المناط في أهمية طلب من طلب آخر هو:

كون الملاك الداعي للمولى إلى أحد الطلبين أقوى و أشد من الملاك الداعي إلى الطلب الآخر؛ إذ لا ريب في اختلاف الملاكات في جميع الأحكام الاقتضائية؛ من الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة كما هو واضح.

(1) متعلق ب «زيادته». و المراد بالموصول: المرتبة و المثابة، يعني: كانت شدة الطلب في أحدهما بمثابة توجب أهميته؛ بأن تكون كاشفة عن زيادة في المصلحة؛ بحيث لا يجوز الإخلال بتلك الزيادة، بل يجب استيفاؤها بترجيح ما هي موجودة فيه من أحد المتزاحمين.

(2) و هذا ما يستفاد منه القياس الثاني، فإن الواجبين المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم من الآخر كانت أهميته من جهة اشتماله على ملاك أقوى و مصلحة زائدة على مصلحة مزاحمه، فتجب مراعاة تلك الزيادة.

(3) عطف على «لا يجوز» و بيان له.

(4) هذا الضمير و ضمير «بها» المتقدم راجعان على الشدة و الزيادة.

(5) عطف على «لا يجوز»، يعني: كما أن العلم بشدّة يكون مرجحا في المتزاحمين المعلومين، حيث يتعدد الحكم فيهما حقيقة، فكذا يكون احتمال أهمية أحد المحتملين مرجحا في صورة الدوران بين المحذورين، الذي يكون الحكم الواقعي واحدا حقيقة دائرا بين الوجوب و الحرمة.

(6) هذا إشارة إلى القول الثاني في مسألة الدوران بين المحذورين؛ و هو وجوب الأخذ بأحدهما تعيينا بترجيح جانب الحرمة على الوجوب، و قد تقدم ذكر الاستدلال‏

309

المصلحة، ضرورة (1): أنه ربّ واجب يكون مقدما على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام، فكيف يقدم على احتماله (2) في صورة الدوران بين مثليهما (3)؟ فافهم.

____________

عليه بوجوه، و قد أشار المصنف هنا إلى الوجه الثالث في تلك الوجوه، و هو: أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة. ثم أجاب المصنف عنه بقوله: «ضرورة: أنه رب واجب يكون مقدما على الحرام».

و حاصل الجواب عنه: أنه ليس كل حكم تحريمي أهم من كل حكم إيجابي؛ حتى يكون احتمال الحرمة دائما مقدما على احتمال الوجوب؛ بل لا بد من ملاحظة المصالح و المفاسد التي هي ملاكات الأحكام، فرب واجب يكون أهم من الحرام كحفظ النفس، فإنه مقدم على حرمة الغصب عند المزاحمة، فلذا يكون احتمال وجوبه- مهما كان ضعيفا- مقدما على احتمال حرمة الغصب مهما كان قويا، و كذا إذا دار الأمر بين كون شخص نبيا أو سابا للنبي، فإن وجوب حفظ النبي أهم قطعا من حرمة حفظ سابه حدا.

و ربّ حرام يكون أهم من واجب كالغصب و الوضوء، و عليه: فلا يقدم احتمال الحرمة مطلقا على احتمال الوجوب. هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «و لا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقا؛ لأجل أن دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة».

قوله: «مطلقا» قيد «لترجيح» يعني: سواء كانت الحرمة مشتملة على الشدة و الزيادة أم لا. «لأجل» متعلق «لترجيح» و علة له.

(1) تعليل لقوله: «لا وجه»، و جواب عن مفاد الدليل و هو إطلاق الأولوية و الترجيح.

و قد تقدم توضيحه.

(2) أي: فكيف يقدم احتمال الحرام على احتمال الوجوب مطلقا؟

(3) أي: مثل الواجب و الحرام المتزاحمين. و المراد بمثليهما: الوجوب و الحرمة في المقام.

و الحاصل: أن المناط في ترجيح أحد احتمال الوجوب و الحرمة على الآخر في صورة دوران الأمر بين المحذورين هو المناط في ترجيح أحد المحتملين على تقدير العلم بهما و تزاحمها، فكما لا يكون هناك أحدهما مقدما مطلقا على الآخر؛ بل يكون المقدم منهما ما له شدة طلب و زيادة اهتمام به، سواء كان هو الواجب أم الحرام، فكذلك هنا.

و لو تمت الأولوية المذكورة مطلقا و في جميع الموارد لكان أصغر المحرمات أعظم من ترك أهم الفرائض عند التزاحم، مع أن ترك الواجب سيّئ أيضا؛ بل عدّ ترك الصلاة من أكبر الكبائر.

310

و بالجملة: فكل ما يكون مرجحا في ظرف العلم بالواجب و الحرام يكون مرجحا أيضا في صورة احتمال الوجوب و الحرمة.

«فافهم» لعله إشارة إلى أن الخصم لا يقول بوجوب الأخذ بجانب الحرمة مطلقا؛ حتى في صورة الدوران بين الواجب الأهم أو محتمل الأهمية، و بين الحرام المهم؛ بل يقول في صورة التساوي بينهما، بدعوى: أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، أو إشارة إلى عدم وجه للفرق بين قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث حكم بعدم جريانها، و بين البراءة الشرعية، حيث حكم بشمولها للمقام.

إلى هنا كان الكلام في الشك في أصل التكليف، و من هنا يقع الكلام في الشك في المكلف به مع العلم بأصل التكليف.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- تحرير محل النزاع: و هو ما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته، و لم يحتمل غيرهما من الإباحة و لم يكن أحد الحكمين مسبوقا بالوجود حتى يستصحب، و ما لو كان كل من الوجوب و التحريم توصليا، أو كان أحدهما غير المعين تعبديا.

و أما لو كان كلاهما تعبديا، أو أحدهما المعين تعبديا: لكان خارجا عن محل النزاع؛ لعدم جريان الوجوه المذكورة فيه أولا، و لزوم المخالفة القطعية ثانيا؛ إذ محل الكلام ما إذا كان كل من المخالفة القطعية و الموافقة متعذرة: و مثال الشبهة الحكمية: ما إذا ساحق مقطوع الذكر زوجته ثم طلقها، فإن كانت المساحقة في حكم الدخول فطلاقها رجعي و إن لم تكن في حكم الدخول كان الطلاق بائنا.

فعلى الأول: تجب عليها الإجابة عند طلب الزوج الاستمتاع منها في العدة. و على الثاني: تحرم عليها الإجابة عند طلب الزوج الاستمتاع منها في العدة؛ لأن الاستمتاع حينئذ إنما يجوز بالعقد الجديد، فيدور حكم الإجابة بين الحرمة و الوجوب.

و مثالا الشبهة الموضوعية: ما إذا علم الزوج أنه حلف إما على وطء زوجته في هذه الليلة، أو على ترك وطئها في نفس الليلة، فيدور حكم الوطء في الليلة المعينة بين الحرمة و الوجوب.

311

2- في وجوه المسألة و بيان مختار المصنف منها:

الأول: الحكم بالبراءة عقلا و نقلا، نظير الشبهات البدوية؛ و ذلك لعموم أدلة الإباحة الشرعية، و حكم العقل بقبح المؤاخذة على كل من الفعل و الترك جميعا.

الثاني: وجوب الأخذ بأحدهما تعيينا؛ كالأخذ بالحرمة تعيينا لوجوه:

1- قاعدة الاحتياط، حيث يدور الأمر بين التعيين و التخيير.

2- الأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة، بناء على كون المراد منه هو عدم الدخول في الشبهة، و هو معنى تقديم جانب الحرمة على الوجوب.

3- وجوب الأخذ بجانب الحرمة؛ لأن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

الثالث: وجوب الأخذ بأحدهما تخييرا، أي: تخييرا شرعيا قياسا لما نحن فيه بتعارض الخبرين الجامعين لشرائط الحجية.

الرابع: التخيير بين الفعل و الترك عقلا، مع التوقف عن الحكم بشي‏ء رأسا لا ظاهرا و لا واقعا.

الخامس: التخيير بين الفعل و الترك عقلا مع الحكم عليه بالإباحة شرعا. و هذا هو مختار المصنف «(قدس سره)».

3- توهم: أن لزوم المخالفة الالتزامية القطعية مانع عن الرجوع إلى الإباحة شرعا، فإن العقل كما يستقل بوجوب إطاعة المولى عملا، كذلك يحكم بوجوب إطاعته التزاما، بمعنى: لزوم التدين و الالتزام القلبي بأحكامه. و من المعلوم: أن علم المكلف بعدم خلو الواقع عن أحد الحكمين الإلزاميين ينافي البناء على إباحة كل من الفعل و الترك ظاهرا؛ لاقتضاء هذه الإباحة الظاهرية جواز المخالفة الالتزامية، و هذا مما يمنع عنه العقل، فلا تجري أصالة الحل في المقام لمانع عقلي؛ مدفوع لوجهين:

أحدهما: عدم وجوب موافقة الأحكام التزاما.

و ثانيهما: هو كفاية الالتزام بالواقع بما هو عليه إجمالا على تقدير وجوب موافقة الأحكام التزاما.

و الالتزام التفصيلي بأحدهما لو لم يكن تشريعا محرما لم ينهض دليل على وجوبه قطعا.

4- قياس دوران الأمر بين المحذورين بتعارض الخبرين: بتقريب: أن الملاك في الحكم بالتخيير في مورد تعارض الخبرين هو نفي الثالث، أو اهتمام الشارع بالعمل‏

312

بالأحكام الشرعية و عدم إهمالها موجود في المقام باطل؛ لكونه مع الفارق.

و توضيح الفرق: أن التخيير بين الخبرين المتعارضين على القاعدة بناء على حجية الأخبار من باب السببية لأجل التزاحم بينهما، فيحكم العقل بالتخيير مع التكافؤ و من المعلوم: أن تزاحم الاحتمالين في المقام ليس كتزاحم الخبرين على السببية؛ كي يصح قياس المقام بتعارض الخبرين.

و أما على الطريقية: فأيضا يكون القياس مع الفارق، ضرورة: أن مقتضى القاعدة الأولية في تعارض الخبرين و إن كان هو التساقط لا التخيير؛ إلا أنه لما كان كل منهما واجدا لشرائط الحجية و لمناط الطريقية من الكشف نوعا عن الواقع، و احتمال الإصابة في خصوص كل واحد منهما لم يمكن الجمع بينهما في الحجية الفعلية لمكان التعارض، فجعل الشارع أحدهما حجة تخييرا مع التكافؤ و تعيينا مع الترجيح. و هذا بخلاف المقام؛ إذ ليس في شي‏ء من الاحتمالين اقتضاء الحجية كالخبرين المتعارضين حتى يجري حديث التخيير بين الخبرين في الاحتمالين المتعارضين، فلا مانع من طرح كلا الاحتمالين و إجراء الإباحة الظاهرية.

5- عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في المقام: لوجود البيان في المقام، و إنما يكون عدم تنجز التكليف لعدم تمكن المكلف من الموافقة القطعية، فلا يتمكن المكلف من الاحتياط بالجمع بين الفعل و الترك؛ إذ الجمع بينهما جمع بين النقيضين، فيكون مستحيلا.

و كيف كان؛ فقبح العقاب في المقام مسلّم لكنه ليس لأجل عدم البيان؛ بل لأجل عدم قدرة المكلف على الامتثال القطعي، فلا مجال لجريان قاعدة القبح لوجود البيان الإجمالي، و هو العلم بأصل الإلزام، و هو كاف في المنع عن جريانها.

6- مورد هذه الوجوه الخمسة هو: ما إذا لم يكن واحد من الوجوب و الحرمة على التعيين تعبديا، فتجري فيما إذا كانا توصليين، أو كان أحدهما غير المعين تعبديا. و لا تجري فيما إذا كان تعبديين، أو كان أحدهما المعين تعبديا. هذا تعريض من المصنف على الشيخ «(قدس سرهما)»، حيث اعتبر في جريان الوجوه المذكورة: كون كلا الحكمين توصليا؛ للزوم المخالفة القطعية لو كان كليهما أو أحدهما المعين تعبديا. إلا أن المصنف نظر إلى التخيير العقلي الجاري في جميع الصور الأربع، فلا وجه لإخراج بعض الصور عن مورد الوجوه المذكورة؛ كما صنعه الشيخ «(قدس سره)».

313

7- لا وجه لترجيح احتمال الحرمة: بدعوى: أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة؛ إذ ليس كل حكم تحريمي أهم من كل حكم إيجابي حتى يكون احتمال الحرمة دائما مقدما على احتمال الوجوب.

بل لا بد من ملاحظة المصالح و المفاسد التي هي ملاكات الأحكام الشرعية، فرب واجب يكون أهم من الحرام؛ كحفظ النفس، فإنه مقدم على حرمة الغصب عند المزاحمة.

و ربّ حرام يكون من أهم من واجب كالغصب و الوضوء.

و عليه: فلا يقدم احتمال الحرمة مطلق على احتمال الوجوب.

«فافهم»: لعله إشارة إلى عدم وجه للفرق بين قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث حكم بعدم جريانها في المقام، و بين البراءة الشرعية حيث حكم بجريانها و شمولها للمقام.

8- نظريات المصنف «(قدس سره)»:

1- هو التخيير عقلا مع الحكم بالإباحة شرعا.

2- عدم وجوب الموافقة الالتزامية.

3- مورد الوجوه و الأقوال هو: ما إذا لم يكن واحد من الوجوب و الحرمة على التعيين تعبديا.

4- حكم العقل بالتخيير إنما هو فيما لم يكن هناك ترجيح لأحد الاحتمالين؛ و إلا فيقدم ما له ترجيح و مزيّة.

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

فصل‏

لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من (1) الإيجاب و التحريم، فتارة

____________

[فصل‏] في أصالة الاشتغال‏

(1) بيان للتكليف يعني: أنه يعتبر في جريان قاعدة الاشتغال- التي هي من الأصول العملية الأربعة- العلم بنوع التكليف كالعلم بوجوب فعل مردد بين المتباينين كالظهر و الجمعة، أو بين الأقل و الأكثر الارتباطيين كتردد أجزاء الصلاة بين التسعة و العشرة، أو العلم بحرمة فعل مردد بين فعلين كشرب هذا الإناء أو ذاك الإناء؛ للعلم بإصابة بنجس بأحدهما إجمالا، و لا يكفي العلم بجنس التكليف- و هو الإلزام الدائر بين وجوب فعل و حرمة آخر- في جريان قاعدة الاحتياط، و ذلك- أي: اعتبار العلم بنوع التكليف و عدم كفاية العلم بجنسه في جريان أصالة الاشتغال.

و كيف كان؛ فلا بد من تحرير محل النزاع قبل الخوض في البحث فنقول: إن تحرير محل النزاع يتوقف على مقدمة و هي: بيان مجاري الأصول العملية فيقال: إن الأصول العملية على أربعة أقسام:

1- أصالة البراءة.

2- أصالة التخيير.

3- أصالة الاشتغال.

4- الاستصحاب.

و ملخص الفرق بين هذه الأصول العملية:

أن مجرى أصالة البراءة هو الشك في أصل التكليف بأن لا يكون التكليف الإلزامي معلوما لا جنسا و لا نوعا.

و مجرى أصالة التخيير هو: دوران الأمر بين المحذورين مع العلم الإجمالي بجنس التكليف أعني: الإلزام و عدم العلم بنوع التكليف من أنه الوجوب أو الحرمة.

و مجرى أصالة الاشتغال هو: الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي مع العلم بجنس التكليف؛ بل بنوعه و لا يعلم متعلق التكليف مع إمكان الاحتياط.

316

لتردده (1) بين المتباينين، و أخرى بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

____________

و مجرى الاستصحاب هو: ملاحظة الحالة السابقة.

إذ عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه قد تقدم الكلام في أصالة البراءة و أصالة التخيير، فيكون البحث فعلا في أصالة الاشتغال و مجراها- كما عرفت- هو الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي بأن يكون الشك في المكلف به و هو متعلق التكليف، مع العلم بأصل التكليف.

ثم الشك في المكلف به على قسمين:

إذا قد يكون الشك في المكلف به دائرا بين المتباينين؛ كما لو علم بوجوب صلاة يوم الجمعة و لم يدر أنها الجمعة أو الظهر، أو علم بحرمة وطء إحدى المرأتين لكونها أخته من الرضاعة.

و قد يكون دائرا بين الأقل و الأكثر، و هذا ينقسم إلى قسمين؛ لأن الأقل و الأكثر قد يكونان ارتباطيين؛ كما لو شك في كون السورة من أجزاء الصلاة أم لا، فيكون الشك في أن أجزاء الصلاة هل هي تسعة أو عشرة مثلا.

و قد يكونان غير ارتباطيين؛ كما لو شك في أن الدّين على ذمته عشر دنانير أو تسعة؛ لكن هذا القسم من الأقل و الأكثر حيث يؤول أمره إلى الشك في أصل التكليف، إذ الفرض أنه لا يعلم أنه مديون بدينار آخر فوق تلك الدنانير التسعة أم لا.

فهو ليس مربوطا بمحل الكلام.

و على هذا فيقع الكلام في مقامين: الأول: في دوران الأمر بين المتباينين. و الثاني: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

توضيح بعض العبارات.

(1) أي: تردد المكلف به «بين المتباينين» و هما ما ليس أحدهما داخلا في الآخر، ثم الشك في المكلف به قد يكون لتردده بين المتباينين ذاتا؛ كدوران الواجب بين الصوم و الصدقة، أو عرضا كدورانه بين القصر و التمام فيما إذا علم بوجوب أحدهما إجمالا فإن التباين بينهما إنما هو لكون الركعتين الأولتين ملحوظتين في الأول بشرط لا، و في الثاني بشرط شي‏ء، و لذا لا ينطبق أحدهما على الآخر، كما لا ينطبق أحد المتباينين ذاتا كالصوم و الصدقة على الآخر.

و الضابط في العلم الإجمالي المتعلق بالمتباينين هو: رجوعه إلى قضية منفصلة مانعة الخلو، فيقال في المثال المذكور: «الواجب إما الصوم و إما الصدقة»، و هذا يرجع إلى‏

317

فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: في دوران الأمر بين المتباينين (1). لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما

____________

[المقام الاول: فى دوران الامر بين المتباينين‏]

قضيتين شرطيتين يكون مقدم كل واحدة منها إحدى طرفي العلم الإجمالي، و تاليها نقيض الطرف الآخر، فيقال حينئذ: «إن كان الصوم واجبا فليست الصدقة واجبة» و بالعكس. و هذا بخلاف الأقل و الأكثر، فإنه لا يصح ذلك فيهما، فلا يقال: «إن كانت العشرة واجبة فليست التسعة واجبة» بداهة: أن التسعة بعض العشرة، فوجوب العشرة وجوب التسعة و زيادة، فوجوب التسعة قطعي سواء كان الأكثر واجبا أم لا.

و قد قيد المصنف الأقل و الأكثر بالارتباطيين؛ لأن المردد بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين خارج موضوعا عن الشك في المكلف به؛ إذ لا إجمال في المكلف به حقيقة، ضرورة: أنه يعلم من أول الأمر بتعلق التكليف بالأقل، و يشك بتعلقه بالزائد عليه.

(1) المراد بهما: أن لا يكون بينهما قدر متيقن، سواء كان تباينهما ذاتيا أم عرضيا كما مر آنفا، بخلاف الأقل و الأكثر، فإن بينهما قدرا متيقنا، و المراد بهما فعلا هو الارتباطيان اللذان تكون أوامر أجزائهما متلازمة الثبوت و السقوط؛ دون الأقل و الأكثر الاستقلاليين اللذين لا تكون أوامر أجزائهما كذلك كالدين المردد بين الأقل و الأكثر؛ لأن امتثال الأمر بالأقل ليس منوطا بامتثال الأمر بالأكثر على تقدير ثبوته واقعا.

و قبل الخوض في البحث في المقام الأول نذكر ما هو الفرق بين طريقة الشيخ و طريقة المصنف في بيان مسألة أصالة البراءة و أصالة التخيير و أصالة الاشتغال، فقد عقد الشيخ «(قدس سره)»، لكل من أصالة البراءة و أصالة التخيير و أصالة الاشتغال ثماني مسائل، أربع للشبهة التحريمية، و أربع للشبهة الوجوبية، و ذلك لأن منشأ الاشتباه في كل واحدة منها هي أربعة:

1- فقدان النص.

2- إجمال النص.

3- تعارض النصين.

4- الأمور الخارجية.

و الشبهة في الأخير تسمى بالموضوعية، و في الثلاثة الأولى تسمى بالحكمية.

ثم ما كان منشأ الاشتباه تعارض النصين خارج عن محل الكلام؛ إذ حكمه هو التخيير أو الترجيح على الخلاف الآتي في باب التعادل و التراجيح لا الاحتياط و الاشتغال كما هو محل الكلام في المقام.

318

مطلقا و لو (1) كانا فعل أمر و ترك آخر إن كان فعليا من جميع الجهات؛ بأن (2) يكون واجدا لما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي مع ما هو عليه من الإجمال و التردد

____________

و أما طريقة المصنف فإنه قد عقد لكل واحدة منها مسألة واحدة فقد عقد للمقام مسألة واحدة جمع فيها بين المسائل الثمان كما فعل ذلك في أصالة البراءة و أصالة التخيير.

و كيف كان؛ فالحق في تحرير الدوران بين المتباينين أن يقال: إن التكليف المعلوم بالإجمال المردد بين أمرين متباينين أو أكثر إن كان حرمة فالشبهة تحريمية، و إن كان وجوبا فالشبهة وجوبية، سواء كان منشأ الاشتباه فقدان النص أو إجماله، أو تعارض النصين أو الأمور الخارجية.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) بيان لقوله: «مطلقا»، و توضيحه: أن العلم بالتكليف يتصور على وجهين:

أحدهما: العلم بنوعه كالوجوب مع تردد متعلقه بين المتباينين كالظهر و الجمعة.

ثانيهما: العلم بجنس التكليف مع تردد نوعه بين نوعين و هما الوجوب و الحرمة؛ كالإلزام المردد بين فعل كالدعاء و حرمة آخر كشرب التتن.

و مقتضى العبارة اندراج العلم بجنس التكليف في الشك في المكلف به، فيصح أن يقال: «يجب فعل الدعاء عند رؤية الهلال أو يحرم شرب التتن»، و هذا تعريض بشيخنا الأعظم، حيث خص النزاع بالعلم بنوع التكليف، و جعل العلم بالجنس مجرى البراءة.

و هناك تطويل في الكلام أضربنا عنه رعاية للاختصار.

(2) هذا شروع في بيان منجزية العلم الإجمالي بالتكليف.

الأقوال المعروفة لا تتجاوز عن خمسة:

1- العلم الإجمالي غير مؤثر لا في وجوب الموافقة و لا في حرمة المخالفة، فتجوز المخالفة القطعية فضلا عن الاحتمالية، و نسب هذا القول إلى العلامة المجلسي.

2- أنه مؤثر في حرمة المخالفة و وجوب الموافقة على نحو المقتضي لا العلة التامة، و هو مختار المصنف «(قدس سره)» في باب مباحث القطع من الكتاب.

3- أنه مؤثر فيهما على نحو العلة التامة، و هو مختار المصنف في المقام.

4- أنه علة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية، و مقتض بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

5- أنه علة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية.

319

و أما بالنسبة إلى الموافقة كذلك فغير مؤثر أبدا؛ لا على نحو العلة التامة و لا على نحو المقتضي، و بذلك يمتاز عن القول الرابع، و نسب إلى المحقق القمي «(قدس سره)».

و كيف كان؛ فلا بد قبل تقريب كلام المصنف «(قدس سره)» من تمهيد مقدمة و هي:

أن للأحكام الشرعية مراتب:

1- مرتبة الاقتضاء و الشأنية، و هي عبارة عن ملاكات الأحكام كالمصالح و المفاسد على مذهب العدلية.

2- مرتبة الإنشاء و الجعل، و هي صدور الأوامر و النواهي من المولى مثلا.

3- مرتبة الفعلية، و هي بيان الأحكام بالبعث و الزجر، فتكون الأحكام فعلية قبل علم المكلفين بها.

4- مرتبة التنجز، و هي استحقاق العقوبة على المخالفة، و هي مرتبة وصول الأحكام إلى المكلفين و علمهم بها.

ثم مرتبة الفعلية مقولة بالتشكيك فهي على قسمين:

الأول: أن يكون التكليف و الحكم فعليا من جميع الجهات بمعنى: أن يكون الغرض الداعي إليه مهما بمثابة لا يرضي المولى- و هو الشارع- بفواته أصلا؛ بل تتعلق إرادته باستيفائه على كل تقدير، يعني سواء علم به المكلف لوصول الخطاب إليه و لو تصادفا، أم لم يعلم به و في مثله يكون على الحاكم إيصال التكليف إلى العبد و رفع موانع تنجزه إما برفع جهل العبد بجعله عالما بالحكم تكوينا، و إما بنصب طريق مصيب إليه و إما بتشريع إيجاب الاحتياط عليه؛ لمنجزية نفس الاحتمال، و حيث تنجز التكليف بأي سبب من أسبابه استحق العقوبة على المخالفة لقيام الحجة القاطعة للعذر عليه.

الثاني: أن لا يكون الغرض الداعي إلى الحكم مهما بنحو يريد من العبد استيفاءه على كل حال؛ بل يريده على تقدير وصول الخطاب به إليه تفصيلا و لو من باب الاتفاق، و حينئذ فالحكم الذي يدعو إليه هذا النحو من الغرض يكون واجدا لمرتبة ما من التحريك، و فعليته منوطة بالعلم به تفصيلا؛ بحيث يكون العلم التفصيلي به موجبا لتمامية فعليته أولا و لتنجزه ثانيا، و من المعلوم: أن إيصال الحكم الناشئ عن هذا النحو من الغرض الملزم و الخطاب المتكفل له إلى العبد ليس من وظيفة المولى؛ لما تقدم من أن إرادته لاستيفاء الغرض ليست على كل تقدير، بل إنما هي على تقدير وصول الخطاب إلى المكلف و لو من باب الاتفاق، فكما لا يجب حينئذ على الحاكم رفع موانع تنجزه،

320

فكذلك يجوز له إيجاد المانع من وصوله إلى المكلف بنصب طريق غير مصيب أو أصل مرخص؛ لعدم الفرق بين إبقاء المانع و إيجاده، إذ المفروض: عدم تعلق إرادة المولى باستيفاء هذا الغرض على كل تقدير.

فالمتحصل: أن التكليف في كل من القسمين واصل إلى مرتبة البعث و الزجر، و واجد لما هو قوام الحكم؛ لكن مراتب التحريك و الردع مختلفة كما عرفت، فيكون فعليا حتميا تارة كما في القسم الأول، و تعليقيا أخرى كما في القسم الثاني.

إذا عرفت هذه المقدمة و أن التكاليف الفعلية على قسمين، فاعلم: أن قوله: «إن كان فعليا من جميع الجهات ...» الخ. إشارة إلى القسم الأول منهما.

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 10»- أن العلم بما هو طريق للواقع لا يفرق فيه بين الإجمالي و التفصيلي في وجوب اتباعه و الجري على وفقه؛ لكن التكليف المعلوم بالإجمال إن كان من سنخ القسم الأول فهو يتنجز بالعلم الإجمالي؛ لوصول البعث أو الزجر إلى العبد الرافع لعذره الجهلي، فيستحق العقوبة على المخالفة و الإجمال في المتعلق غير مانع عن التنجيز بعد فرض ارتفاع عذره الجهلي، غاية الأمر:

حكم العقل بلزوم الاحتياط بالإتيان بجميع المحتملات كما سيأتي. و حينئذ: فالأدلة النافية للتكليف- بعد فرض شمولها لأطراف العلم الإجمالي- لا بد من تخصيصها؛ لقيام القرينة القطعية عليه، و هي استلزام شمولها للأطراف للترخيص في المعصية، ضرورة: أن المعلوم بالإجمال واجد للمرتبة الأكيدة من البعث و الزجر، و لا يرضى الحاكم بالمخالفة أصلا، و لازم الإذن في الاقتحام عدم لزوم موافقته على بعض التقادير، و هو كون الطرف المأذون فيه متعلقا للحكم و هذا هو التناقض المستحيل.

و إن كان التكليف من سنخ القسم الثاني فهو لا يتنجز بالعلم الإجمالي- لا القصور في العلم- بل لخلل في المعلوم، و هو عدم تحقق شرط تمامية فعليته أعني: العلم التفصيلي به، و لما كان التكليف في كل واحد من الأطراف مشكوكا فيه أمكن جعل الحكم الظاهري فيه لتحقق موضوعه- أعني: الشك في الحكم الواقعي- مع العلم الإجمالي بمرتبة من الفعلية. و عليه: فالمدار في التنجيز و عدمه على فعلية المعلوم لا على العلم من حيث التفصيلية و الإجمالية.

ثم إن إحراز كون الحكم المعلوم بالإجمال من القسم الأول أو الثاني منوط باستظهار الفقيه من أدلة الأحكام، فإن كان المورد من قبيل الدماء و الأعراض كان الحكم فعليا من‏

321

و الاحتمال، فلا محيص (1) عن تنجزه و صحة العقوبة على مخالفته، و حينئذ (2) لا محالة يكون ما دل بعمومه على الرفع (3) أو الوضع (4) أو السعة (5) أو الإباحة (6) مما يعم أطراف العلم (7) مخصصا (8) عقلا لأجل مناقضتها (9) معه.

____________

جميع الجهات، فالعلم الإجمالي بوجود دم محقون مردد بين شخصين أحدهما مؤمن متق و الآخر كافر حربي جائز القتل منجز للتكليف.

و من هذا القبيل: حكمهم بوجوب الفحص في بعض الشبهات الموضوعية الوجوبية كالاستطاعة المالية، و بلوغ المال الزكوي حد النصاب، فإنهم مع التزامهم بالبراءة في الشبهات الموضوعية حكموا بالاحتياط و وجوب الفحص في هذين الموردين. و إن كان كالخمر الدائر بين الإناءين أمكن إثبات حلية كل واحد من الأطراف بالأدلة المرخصة.

(1) جواب «إن كان»، و ضميرا «تنجزه، مخالفته» راجعان على التكليف.

و غرضه: أن فعلية التكليف من جميع الجهات توجب تنجزه و امتناع جعل الترخيص شرعا؛ لكون الترخيص مضادا للتكليف الفعلي و نقضا للغرض منه و هو جعل الداعي حقيقة من غير فرق فيهما بين العلم بالتكليف و الظن به و احتماله؛ لأن شمول أدلة الترخيص للأطراف يوجب العلم باجتماع الضدين في صورة العلم بالتكليف، و الظن باجتماعهما في صورة الظن به، و احتمال اجتماعهما في صور احتماله، و من المعلوم:

امتناع الجميع.

(2) أي: و حين كون التكليف فعليا من جميع الجهات لا محالة ... و الأولى اقتران «لا محالة» بالفاء فيقال «فلا محالة».

(3) نحو: «رفع ما لا يعلمون».

(4) نحو: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

(5) نحو: «الناس في سعة ما لا يعلمون».

(6) نحو: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه فتدعه».

(7) أي: العلم الإجمالي. قوله: «مما يعم» بيان للموصول في «ما دل»، و المراد بالعلم هو الإجمالي.

(8) بصيغة اسم المفعول خبر «يكون» يعني: أن أدلة البراءة الشرعية و إن كانت شاملة- بمقتضى إطلاقها- لأطراف العلم الإجمالي لكن لا بد من تخصيصها بالشبهات البدوية؛ لمحذور المناقضة المذكورة.

(9) أي: مناقضة الرفع و الوضع و السعة و الإباحة مع التكليف الفعلي من جميع‏

322

و إن لم يكن (1) فعليا كذلك (2)- و لو كان (3) بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله و صح العقاب على مخالفته (4)- ...

____________

الجهات. فقوله: «لأجل» تعليل لتخصيص ما دل بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الإباحة عقلا.

نعم لو قطعنا بعدم التكليف- كما في الشبهات البدوية بعد الفحص- تجري البراءة.

إن قلت: نحتمل التكليف في الشبهات البدوية فكيف تجري البراءة؟ و ذلك يستلزم احتمال المناقضة، و هو أيضا لا يجامع البراءة؛ لأنه من احتمال الجمع بين الضدين. و هو كالقطع به مستحيل.

قلت: لا يحتمل التكليف الفعلي في الشبهات البدوية بعد الفحص و اليأس.

(1) عطف على «إن كان فعليا» و الضمير المستتر فيه و في «لو كان» راجع على المعلوم بالإجمال.

(2) أي: فعليا من جميع الجهات، و هذا إشارة إلى القسم الثاني من التكليف الفعلي، و هو الفعلي التعليقي و قد تقدم توضيحه بقولنا: «الثاني أن لا يكون الغرض الداعي إلى الحكم مهما بنحو ...» الخ، يعني: أن فعليته التامة تتوقف على العلم به تفصيلا، فالعلم الإجمالي لا يوجب تنجزه قهرا؛ لكنه لا لقصور في العلم، بل لعدم بلوغ ملاكه بدون العلم التفصيلي حدا يقتضي لزوم إيصاله إلى المكلف بأي نحو كان، فالخلل في المعلوم لا في العلم.

و لما كان كل واحد من الأطراف مجرى للأصل النافي للتكليف؛ للشك في كون كل واحد منها متعلقا للحكم الفعلي، كان المقتضي لجريان أصل البراءة فيه موجودا و المانع عنه مفقودا، و معه يرتفع موضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة على ارتكاب كل واحد من الأطراف.

(3) للمعلوم بالإجمال الذي لا يكون فعليا من جميع الجهات فردان: أحدهما: أن لا يكون فعليا أصلا يعني: لا من جهة العلم و لا من سائر الجهات.

ثانيهما: أن لا يكون فعليا من جهة العلم فقط، فقوله: «و لو كان بحيث ...» الخ.

إشارة إلى الخفي منهما و هو الثاني.

(4) إذ لا يبقى مع العلم التفصيلي مرتبة الحكم الظاهري محفوظة فإن الحكم الظاهري في مرتبة الجهل بالواقع و العلم التفصيلي لا يبقى مجالا للجهل، و ذلك بخلاف أطراف العلم الإجمالي التي يكون مرتبة الحكم الظاهري في كل طرف منها محفوظة.

323

لم يكن (1) هناك مانع عقلا و لا شرعا.

____________

(1) جواب «و إن لم يكن» و ضميرا «امتثاله، مخالفته» راجعان على المعلوم بالإجمال.

أما عدم المانع العقلي: فلأن المانع هو قبح الترخيص في المعصية القطعية، و هو مختص بما إذا كان المعلوم بالإجمال حكما فعليا من جميع الجهات، و أما إذا لم يبلغ هذه المرتبة و لو لعدم العلم التفصيلي به، فلا مانع حينئذ من الإذن في ارتكاب تمام الأطراف.

و أما عدم المانع الشرعي: فلأن المتوهم من المانع شرعا في المقام هو لزوم محذور التناقض بين صدر أدلة الأصول و ذيلها إذا بنينا على شمولها لأطراف الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.

توضيح لزوم التناقض: أن مقتضى عموم قوله: «(عليه السلام)»: «كل شي‏ء لك حلال» حلية المشتبه بالشبهة البدوية، و كذا كل واحد من الأطراف في المقرونة، و مقتضى إطلاق ذيله- أعني: «حتى تعلم أنه حرام»- هو تنجز الحرمة بالعلم الإجمالي، لأن «تعلم» مطلق يشمل كلا من العلم التفصيلي و الإجمالي، فيلزم الحكم بالحلية لكل طرف بمقتضى الصدر، و الحكم بالحرمة بمقتضى الذيل.

و هذا الإشكال- و هو التناقض المذكور- تعرض له الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» في بحث تعارض الاستصحابين بالنسبة إلى بعض أخبار الاستصحاب المشتمل على الذيل.

قال الشيخ «(قدس سره)»: «فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كل منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك؛ لأنه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله» (1)؛ لكن هذا المحذور مفقود هنا، لاختصاصه بالأدلة المرخصة المشتملة على هذا الذيل.

و أما الفاقد له مثل حديث الرفع فلا تناقض فيه أصلا، فلا مانع من شموله للأطراف و إثبات الترخيص فيها، و الحاصل: أنه مع عدم وجود المحذور العقلي و الشرعي عن شمول أدلة الأصول النافية للأطراف لا مناص من الحكم بحليتها.

فالمتحصل: أن المصنف قال في مباحث القطع: بأن العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي علة تامة لوجوب الموافقة و حرمة المخالفة و قال في حاشيته على بحث القطع، إن العلم الإجمالي مقتض لوجوب الموافقة و حرمة المخالفة.

و قال هنا: بالتفصيل بين ما إذا كان التكليف فعليا من جميع الجهات، فكان العلم‏

____________

(1) فرائد الأصول 3: 410.

324

و من هنا (1) انقدح: أنه لا فرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي إلا إنه لا مجال (2) للحكم الظاهري مع التفصيلي، فإذا كان الحكم الواقعي فعليا من سائر الجهات (3) لا

____________

الإجمالي علة تامة لوجوب الموافقة و حرمة المخالفة.

و إن لم يكن التكليف فعليا من جميع الجهات لكان العلم الإجمالي مقتضيا لوجوب الموافقة و حرمة المخالفة، فالمراد بقوله: «و إن لم يكن فعليا» ليس نفي فعليته رأسا بأن يكون التكليف اقتضائيا أو إنشائيا؛ بل معناه نفي الفعلية من جميع الجهات؛ بأن يكون التكليف فعليا و لكن لا من جميع الجهات، فحينئذ يكون لترخيص الشارع مجالا لأجل التردد و الشك في كل واحد من أطراف العلم الإجمالي، فيختلف العلم الإجمالي عن العلم التفصيلي بمعنى إنه لا مجال لأصل البراءة في مورد العلم التفصيلي، هذا بخلاف العلم الإجمالي حيث يكون هناك مجال لأصل البراءة. هذا غاية ما يمكن أن يقال فيما أفاده المصنف من التفصيل في المقام.

(1) يعني: و من انقسام الفعلي إلى قسمين ظهر: عدم الفرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي في علية كل منهما للتنجيز إذا كان المعلوم فعليا من جميع الجهات.

و أما إذا لم يكن فعليا كذلك فيحصل الفرق بين العلمين، ضرورة: أن الفعلي بمرتبته الأولى يتنجز إذا علم به تفصيلا، و لا يبقى مجال للإذن في مخالفته؛ لعدم بقاء موضوع للحكم الظاهري- و هو الشك في الحكم الواقعي- لانكشافه تمام الانكشاف حسب الفرض.

و أما إذا علم به إجمالا فرتبة الحكم الظاهري محفوظة معه للشك في وجود التكليف في كل واحد من الأطراف، و به يتحقق موضوع الأصل النافي، فيجري بلا مانع.

فبالجملة: فالتفاوت في ناحية المعلوم لا في ناحية العلم؛ إذ لو كانت فعلية التكليف تامة من ناحية إرادة المولى و كراهته- بحيث لا يتوقف استحقاق العقوبة على مخالفته إلا على وصوله إلى المكلف بأي نحو من أنحاء الوصول- تنجز بالعلم الإجمالي أيضا. و إن لم تكن الفعلية تامة إلا بالعلم التفصيلي، لم يؤثر العلم الإجمالي في تنجيزه؛ لعدم حصول شرط فعليته التامة و هو العلم به تفصيلا، فموضوع الأصل المرخص باق مع العلم الإجمالي كما كان قبله.

(2) لما عرفت من عدم الشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري مع العلم التفصيلي.

و توضيح بعض العبارات كان غالبا طبقا لما في «منتهى الدراية».

(3) أي: من غير جهة العلم التفصيلي به؛ بل من جهة الملاك و إرادة المولى و كراهته،

325

محالة (1) يصير فعليا معه من جميع الجهات، و له (2) مجال مع الإجمالي، فيمكن أن لا يصير فعليا معه (3)؛ لإمكان جعل الظاهري في أطرافه (4) و إن كان (5) فعليا من غير هذه الجهة فافهم (6).

ثم إن الظاهر (7) أنه لو فرض أن المعلوم بالإجمال كان فعليا من جميع ...

____________

فإذا علم به تفصيلا صار فعليا من جميع الجهات، فيصير حتميا و لا يبقى معه مجال لحكم آخر.

(1) الأولى اقترانه بالفاء، لأنه جواب «فإذا كان» إلا أن يكون الجواب قوله: «يصير»؛ لكن ينبغي حينئذ تأخير «لا محالة» عنه لأنه من معمولات «يصير».

و الضمير في «معه» راجع على العلم التفصيلي حتى لا يبقى للحكم الظاهري مجال.

(2) أي: و للحكم الظاهري مجال مع العلم الإجمالي لوجود موضوعه و هو الشك معه، و الضمير المستتر في «يصير» في الموردين راجع على الحكم الواقعي.

(3) أي: مع العلم الإجمالي؛ إذ المفروض: وجود الجهل في كل طرف الذي هو مناط الحكم الظاهري، و قد أشار إلى وجه عدم فعلية الحكم مع العلم الإجمالي بقوله:

«لإمكان».

و حاصله: أن اقتران العلم الإجمالي بالشك أوجب إمكان جعل الحكم الظاهري في أطرافه، و هذا مفقود في العلم التفصيلي.

(4) أي: أطراف العلم الإجمالي.

(5) يعني: و إن كان الحكم الواقعي «فعليا من غير هذه الجهة» أي: من سائر الجهات بحيث لو علم به تفصيلا لتنجز و لم يكن فعليا من الجهة المضادة؛ لجعل الترخيص و الحكم الظاهري في أطرافه.

(6) لعله إشارة إلى عدم الفرق عقلا و شرعا بين العلمين في عدم صحة الترخيص؛ إذ فعلية الحكم لا تتوقف على العلم بنفس الحكم لا تفصيلا و لا إجمالا و إلا لزم دخل العلم فيه و هو خلاف الإجماع؛ بل الضرورة، فالحكم يصير فعليا بمجرد وجود موضوعه علم به المكلف أم لا.

و عليه: فجريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي لعدم كون الحكم فعليا من جميع الجهات لم يظهر له وجه وجيه؛ بل الحق بناء على منجزية العلم الإجمالي أنه لا تجري الأصول في أطرافه أصلا كالعلم التفصيلي.

(7) هذا الكلام من المصنف «(قدس سره)» تعريض بما اشتهر من التفصيل في وجوب‏

326

الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي بين الشبهة المحصورة بوجوبه فيها، و غير المحصورة بعدم وجوبه فيها، و يظهر هذا التفصيل من الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» أيضا.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: بيان ما هو المناط لوجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي.

و يظهر من كلام الشيخ «(قدس سره)» تبعا للمشهور: أن المناط لوجوب الاحتياط و عدم وجوبه فيها هو كون الشبهة محصورة أو غير محصورة، فيجب الاحتياط على الأول؛ لأن العلم الإجمالي منجز للتكليف الواقعي فيجب علينا امتثاله؛ لأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، و لا يحصل العلم بالبراءة إلا بالاحتياط و الإتيان بجميع الأطراف في الشبهة الوجوبية و ترك الجميع في الشبهة التحريمية.

هذا بخلاف ما إذا كانت الشبهة غير محصورة، حيث لا يؤثر العلم الإجمالي في تنجز التكليف الواقعي، فلا يجب الاحتياط.

و أما مناط وجوب الاحتياط عند المصنف «(قدس سره)» فهو كون التكليف فعليا من جميع الجهات، سواء كانت الشبهة محصورة أو غير محصورة،

و لا يجب الاحتياط لو لم يكن التكليف فعليا كذلك من دون فرق بين كون الشبهة محصورة أو غير محصورة.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك إشكال المصنف على هذا التفصيل.

و حاصل الإشكال: أن المعلوم إجمالا إن كان فعليا من جميع الجهات وجب الاحتياط في جميع الأطراف؛ و إن كانت غيره محصورة، و إن لم يكن فعليا كذلك لم يجب الاحتياط في شي‏ء منها؛ بل تجوز مخالفته القطعية و إن كانت الأطراف محصورة؛ إذ لا علم حينئذ بحكم فعلي من جميع الجهات حتى تجب موافقته و تحرم مخالفته.

و بالجملة فلا وجه لإناطة تنجيز العلم الإجمالي بحصر الأطراف تنجيزه بعدم حصرها؛ بل المدار في التنجيز و عدمه على الفعلية التامة و عدمها، فلا تفاوت بين حصر الأطراف و عدم حصرها.

نعم يكون بينهما تفاوت فيما أشار إليه بقوله: «و إنما التفاوت».

و حاصل التفاوت: أن الشبهة غير المحصورة تلازم غالبا جهة مانعة عن فعلية الحكم كالخروج عن الابتلاء، و الاضطرار المانع عن الفعلية؛ لكون الرفع فيه واقعيا لا ظاهريا، فتكون كثرة الأطراف ملازمة لما يمنع الفعلية التامة، فالتفاوت أيضا من ناحية المعلوم لا

327

الجهات (1) لوجب عقلا موافقته (2) مطلقا و لو كانت أطرافه غير محصورة، و إنما التفاوت بين المحصورة و غيرها هو: أن عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم مع كونه فعليا لولاه (3) من سائر الجهات.

و بالجملة: لا يكاد يرى العقل تفاوتا بين المحصورة و غيرها في التنجز و عدمه (4) فيما (5) كان المعلوم إجمالا فعليا يبعث (6) المولى نحوه فعلا أو يزجر عنه ...

____________

من جهة كثرة الأطراف، فإذا كانت الأطراف الكثيرة مورد الابتلاء، و لم يترتب الحرج المنفي شرعا على الاجتناب عن جميعها كان العلم الإجمالي منجزا؛ لتعلقه بتكليف فعلي، و عليه، فلا يدور عدم تنجيز العلم الإجمالي مدار عدم انحصار الأطراف كما سيأتي في التنبيه الثالث، فانتظر.

(1) أي: حتى الإرادة و الكراهة.

(2) أي: موافقة التكليف الفعلي بالاجتناب عن جميع أطرافه في الشبهة التحريمية «مطلقا»، أي: و لو كانت أطرافه غير محصورة.

(3) أي: لو لا ما يمنع، فالضمير راجع على الموصول في «ما يمنع» المراد به ما عدا سائر الجهات كالخروج عن الابتلاء، و ضمير «كونه» راجع على المعلوم بالإجمال، و «من سائر الجهات» متعلق ب «فعليا».

و توضيحه- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 24»-: أن الحكم الواقعي في غير المحصورة فعلي من سائر الجهات غير جهة مضادته للحكم الظاهري، فهو بحيث لو علم به تفصيلا لتنجز؛ لكن هذه الفعلية في كل طرف منوطة بعدم ما يمنع عنها بالنسبة إلى ذلك الطرف كخروجه عن مورد الابتلاء أو الاضطرار إلى ارتكابه أو نحوهما، فإنه لو لا خروج بعض الأطراف عن الابتلاء مثلا لكان الحكم الواقعي بالنسبة إليه فعليا من سائر الجهات غير جهة مضادته للحكم الظاهري، لكن هذا المانع أخرجه عن الفعلية من سائر الجهات غير جهة مضادته للحكم الظاهري أيضا، فعدم فعليته حينئذ ليس من جهة واحدة؛ بل من جهات عديدة، و لذا لو تعلق به العلم التفصيلي لم يتنجز أيضا.

(4) يعني: عدم التنجز، فإن كان العلم الإجمالي منجزا في المحصورة كان في غير المحصورة كذلك.

(5) متعلق ب «تفاوتا» و «ما» ظرف لكون المعلوم بالإجمال فعليا.

(6) إن كان التكليف المعلوم إجمالا هو الوجوب كالأمر المردد بين القصر و التمام في بعض الموارد «يبعث المولى نحوه فعلا» بأن يريده.

328

كذلك (1)، مع (2) ما هو عليه من كثرة أطرافه.

و الحاصل: أن اختلاف الأطراف في الحصر و عدمه لا يوجب (3) تفاوتا في ناحية العلم، و لو أوجب (4) تفاوتا فإنما هو في ناحية المعلوم في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر و عدمها (5) مع عدمه، فلا يكاد يختلف العلم الإجمالي باختلاف الأطراف قلة و كثرة في التنجيز (6) و عدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية و عدمها (7) ...

____________

(1) أي: فعلا بأن يكرهه.

(2) متعلق بكل من «يبعث، و يزجر»، و ضمير «هو» راجع على المعلوم بالإجمال، و ضمير «عليه» راجع على الموصول، و «من كثرة أطرافه» بيان له يعني مع كثرة أطراف المعلوم بالإجمال.

(3) بحيث يوجب تنجز العلم لو كانت الأطراف محصورة و عدمه إن لم تكن كذلك كما عليه المشهور؛ بل ادعي عليه الإجماع كما قال الشيخ.

و كيف كان؛ فاختلاف الأطراف في الحصر في عدد قليل و عدم الحصر في عدد قليل «لا يوجب تفاوتا في ناحية العلم»؛ بأن ينجز العلم في أحدهما فيجب الاجتناب عن جميع أطرافه، و لا ينجز في الآخر فلا يجب الاجتناب كما هو المستفاد من كلام الشيخ و المنسوب إلى جماعة آخرين.

(4) أي: و لو أوجب اختلاف الأطراف في الحصر و عدمه «تفاوتا فإنما هو في ناحية المعلوم»، أي: أن العلم الذي كشف عن الواقع- الذي هو معلوم- لا يوجب التفاوت، و إنما الواقع المكشوف بالعلم يوجب التفاوت، فإن كان الواقع فعليا- بأن أراده المولى أو كرهه- كان سببا للاحتياط في الأطراف كلها و لو كانت محصورة فالاختلاف لم يحدث من ناحية الأطراف قلة و كثرة و إنما حدث من ناحية الواقع «في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر». هذا بيان لقوله: «ناحية المعلوم» «مع الحصر» متعلق ب «فعلية البعث»، فلو كانت الأطراف محصورة كان الواقع فعليا فيجب الاحتياط فيها.

(5) أي: و عدم الفعلية مع عدم الحصر، يعني: أن الحكم فعلي مع الحصر و غير فعلي مع عدمه.

(6) متعلق ب «يختلف»، و «ما» في «ما لم يختلف» ظرف له.

(7) و عدم الفعلية بتفاوت الأطراف كثرة و قلة، يعني: أن التنجيز غير منوط بقلة الأطراف حتى تكون كثرتها مانعة عنه، بل المناط في التنجيز و عدمه هو فعلية المعلوم و عدمها، فكثرتها و قلتها إن أوجبتا اختلاف المعلوم في الفعلية و عدمها اختلف في التنجيز و إلا فلا كما مر آنفا.

329

بذلك (1)، و قد عرفت آنفا (2): أنه لا تفاوت بين التفصيلي و الإجمالي في ذلك (3) ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم (4) أيضا (5)، تأمل تعرف.

و قد انقدح (6): أنه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة مخالفتها، ضرورة: أن التكليف المعلوم إجمالا لو كان فعليا لوجبت موافقته قطعا؛

____________

(1) أي: بسبب القلة و الكثرة فإن أوجب كثرة الأطراف عدم إرادة المولى لم يجب الاحتياط؛ و إلا وجب و إن كانت الأطراف كثيرة جدا.

(2) أي: قوله: «و من هنا انقدح أنه لا فرق بين ...» الخ.

(3) أي: في التنجيز و عدمه.

(4) أي: من حيث الفعلية التامة و عدمها.

(5) الظاهر زيادة هذه الكلمة؛ إذ المدار في التنجيز و عدمه هو الفعلية التامة و عدمها، لا تفصيلية العلم و إجماله، و لا كثرة الأطراف و قلتها، و من المعلوم: ظهور «أيضا» في عدم انحصار مناط التنجيز في فعلية المعلوم فقط؛ بل للعلم دخل فيه أيضا، و هذا خلاف ما صرح به آنفا.

(6) و هذا الكلام من المصنف تعريض بكلام الشيخ «(قدس سره)»، حيث يظهر منه التفصيل بين وجوب الموافقة القطعية و حرمة مخالفتها و جعل العلم الإجمالي علة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، و مقتضيا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: بيان الأقوال في المسألة، فهناك أربعة أقوال:

1- أنه لا تأثير للعلم الإجمالي أصلا؛ بل حكمه حكم الشك فتجري البراءة في جميع أطرافه.

2- أنه كالعلم التفصيلي علة تامة بالنسبة إلى كل من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة كذلك.

3- أنه مقتض بالنسبة إلى كل من وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية، فيؤثر في كل منهما لو لا المانع.

4- أنه علة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، و مقتض بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

و هذا الأخير ما ذهب إليه الشيخ «(قدس سره)».

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المصنف اعترض على التفصيل الذي قال به الشيخ «(قدس سره)»، فإنه بعد أن حكم بلزوم الاجتناب عن كلا المشتبهين بحكم العقل قال:

330

و إلا (1) لم يحرم مخالفته كذلك أيضا (2) ...

____________

«نعم لو أذن الشارع في ارتكاب أحدهما مع جعل الآخر بدلا عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز ...».

و حاصل كلام الشيخ قبل إيراد المصنف عليه: أن للشارع التصرف في مرحلة الامتثال بأن يقنع بالموافقة الاحتمالية الحاصلة بترك أحد الطرفين، و الترخيص في ارتكاب الآخر لمصلحة تقتضيه، فإذن الشارع في ارتكاب الحرام الواقعي لا يقبح مع جعل الحلال الواقعي بدلا عنه إذا كان ما ارتكبه هو المحرم المعلوم بالإجمال، و تكون مصلحة الترخيص جابرة لمفسدة ارتكاب الحرام الواقعي. و عليه: فالامتثال التعبدي الحاصل باجتناب ما جعله الشارع بدلا عن الحرام الواقعي مؤمن من عقوبة المولى و رافع لموضوع حكم العقل بلزوم رعاية التكليف في كل واحد من المشتبهين، و من المعلوم: أن قناعة الشارع بالموافقة الاحتمالية مبنية على كون العلم الإجمالي مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية؛ لا علة تامة له، إذ لو كان علة له لم يتوجه الترخيص في بعض الأطراف. هذا ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في هذا المقام.

و حاصل ما أورد المصنف: أنه لا وجه للتفكيك- في علية العلم الإجمالي للتنجيز- بين حرمة المخالفة و وجوب الموافقة القطعيتين؛ بل إما أن يكون علة لكليهما فتجب الموافقة القطعية كما تحرم المخالفة القطعية، أو لا يكون علة لشي‏ء منهما، فلا تحرم المخالفة القطعية كما لا تجب الموافقة القطعية؛ إذ لو كان المعلوم بالإجمال إلزاما فعليا من جميع الجهات- بمعنى: كونه بالغا من الأهمية حدا لا يرضى معه المولى بمخالفته على كل تقدير كما عرفت توضيحه في بيان الفعلي من جميع الجهات- حرمت مخالفته و وجبت موافقته قطعا، و إن لم يكن إلزاما بالغا هذا الحد جازت مخالفته القطعية، و لم تجب موافقته كذلك؛ لفرض توقف فعليته التامة على العلم به تفصيلا، و المفروض عدم حصوله، و الحكم غير الفعلي الحتمي لا موافقة و لا مخالفة له و لا تشتغل الذمة به.

و المتحصل: أن تأثير العلم الإجمالي في كل من الموافقة و المخالفة على حد سواء، و المدار على المعلوم، فما أفاده الشيخ «(قدس سره)» من إمكان عدم وجوب الموافقة القطعية بناء على جعل البدل لا يخلو عن إشكال.

(1) أي: و إن لم يكن التكليف فعليا لم تحرم مخالفته القطعية.

(2) أي: كعدم وجوب موافقته القطعية، فقوله: «كذلك» أي قطعا. و هناك كلام طويل أضربنا عنه رعاية للاختصار.

331

و منه (1) ظهر: أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به إجمالا إما (2) من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه أو (3) من جهة الاضطرار إلى بعضها معينا أو مرددا، ...

____________

و خلاصة ما يظهر من الشيخ و جماعة آخرين: أنه يشترط في وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي: أن لا تكون الأطراف غير محصورة، و أن لا يكون بعضها خارجا عن محل الابتلاء، و أن لا يكون بعضها مضطرا إليه، و أن لا يكون تدريجيا، و لكن المصنف «(قدس سره)» على أن جامع هذه الشرائط عدم فعلية التكليف، فإن كان التكليف فعليا لم يفد شي‏ء من ذلك فإنه يرى دوران الأمر مدار الفعلية فقط، و لذا قال:

«و منه»، أي: مما تقدم من كون التنجز دائرا مدار فعلية الواقع و عدمها «ظهر أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به» أي: بالتكليف «إجمالا» لم تجب الموافقة و جازت المخالفة؛ لعدم الإرادة الفعلية للواقع.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) يعني: و مما ذكرنا من أن المناط في وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي هو فعلية التكليف المعلوم بالإجمال فعلية تامة أي: من جميع الجهات؛ لا كون الأطراف محصورة «ظهر ...» الخ.

و غرضه من هذا الكلام هو: الإشارة إلى بعض الجهات المانعة عن فعلية التكليف الموجبة لعدم وجوب الموافقة القطعية و عدم حرمة المخالفة كذلك مع العلم بالحكم إجمالا.

و قد ذكر في العبارة ثلاثا من الجهات المانعة.

(2) هذا إشارة إلى الجهة الأولى، و هي عدم الابتلاء، فإن الابتلاء بجميع الأطراف شرط في فعلية التكليف.

فلو علم إجمالا بنجاسة إناء مردد بين إنائه و إناء من لا يبتلى به عادة كأحد ملوك الدنيا، أو علم بحرمة امرأة معينة في بلده عليه بالرضاع و نحوه، أو امرأة أخرى في أقصى بلاد الدنيا مع عدم ابتلائه بها عادة لم يكن هذا العلم الإجمالي علما بتكليف فعلي؛ لاحتمال أن يكون متعلق التكليف ما هو خارج عن مورد الابتلاء و سيأتي تفصيله في التنبيه الثاني إن شاء الله تعالى فانتظر.

(3) عطف على «إما من جهة» و إشارة إلى الجهة الثانية و هي الاضطرار إلى بعض الأطراف معينا؛ كما إذا كان في أحد الإناءين المشتبهين ماء و في الآخر ماء الرمان، و اضطر إلى شرب ماء الرمان للتداوي مثلا، أو مرددا كالاضطرار إلى شرب ماء أحد

332

أو (1) من جهة تعلقه بموضوع يقطع بتحققه إجمالا في هذا الشهر كأيام حيض‏

____________

الإناءين المشتبهين لرفع العطش الحاصل بشرب أي واحد منهما، فإن الاضطرار بأي نحو كان مانع عن فعلية وجوب الاجتناب، و سيأتي تفصيل ذلك في التنبيه الأول إن شاء الله تعالى فانتظر.

في منجزية العلم الإجمالي في التدريجيات‏

(1) عطف أيضا على «إما من جهة»، و إشارة إلى الجهة الثالثة المعبر عنها بالعلم الإجمالي في التدريجيات، و هي عدم العلم بتحقق موضوع التكليف فعلا و إن علم تحققه إجمالا في الشهر مثلا، و علم تعلق التكليف به أيضا، فإن العلم بتحقق الموضوع فعلا شرط في فعلية التكليف و تنجزه.

بيان ذلك- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 38»-: أنه لا ريب في أنه إذا كان التكليف المعلوم بالإجمال فعليا من جميع الجهات- التي منها العلم الإجمالي بتحقق موضوعه- كان التكليف منجزا، و وجبت موافقته و حرمت مخالفته القطعيتان كما مر غير مرة، سواء كانت أطراف الشبهة دفعية- أي: موجودة في زمان واحد- كالخمر المردد بين الإناءين اللذين يتمكن المكلف من ارتكاب أيهما شاء، أم تدريجية أي:

موجودة شيئا فشيئا في أزمنة متعددة، فإن التدرج في وجود الأطراف لا يمنع عن فعلية التكليف و تنجزه؛ إذ كما يصح تعلقه بأمر حاصل و يكون منجزا كذلك يصح تعلقه بأمر مستقبل كما هو الحال في الواجب المعلق، و مثل له المصنف في فوائده: بما إذا علم المكلف وجوب فعل خاص عليه بالنذر أو الحلف في يوم معين، و تردد ذلك اليوم بين يومين؛ كما إذا علم أنه نذر صوم يوم معين و شك في أن ذلك اليوم هو يوم الخميس أو الجمعة، فإنه بمجرد انعقاد النذر أو حصول المعلق عليه- فيما إذا كان النذر معلقا على شي‏ء كصحة مريض أو قدوم مسافر- يصير وجوب الوفاء بالنذر حكما فعليا يجب الخروج عن عهدته بتكرار الفعل المنذور، فيجب عليه صوم كلا اليومين الخميس و الجمعة، فلو توقف الامتثال في طرفه على إيجاد مقدمات قبل حلول زمان الإطاعة وجب تحصيلها؛ لأن وجوب الوفاء غير معلق على شرط غير حاصل، بل هو منجز فعلا، و مجرد عدم حضور زمان الامتثال حين العلم الإجمالي لا يمنع من فعلية وجوب الصوم المنذور، و تنجز خطابه، و يشهد له صحة إيجاب الحج على المستطيع قبل الموسم، و وجوب تهيئة المقدمات الموجبة للكون في المواقف المشرفة في أيام ذي الحجة، و كذا وجوب الغسل على الجنب لصوم الغد، و هكذا.

333

المستحاضة مثلا لما (1) وجب موافقته بل جاز مخالفته (2)، و أنه (3) لو علم فعليته- و لو كان (4) بين أطراف تدريجية- لكان منجزا و وجب موافقته، فإن التدرج لا يمنع عن‏

____________

و أما إذا لم يكن التكليف المعلوم بالإجمال فعليا من جميع الجهات؛ لأجل عدم العلم بتحقق موضوعه فعلا لم يكن منجزا، فلا تجب موافقته؛ بل جازت مخالفته القطعية، كما إذا كانت المرأة مستمرة الدم من أول الشهر إلى آخره و علمت بأنها في أحد ثلاثة أيام من الشهر حائض، فإنه لا يجب عليها و لا على زوجها ترتيب أحكام الحيض في شي‏ء من أيام الشهر؛ إذ لا تكليف ما لم تصر الزوجة حائضا، و ليس قبل الحيض إلزام فعلي حتى تجب رعايته بترتيب الأحكام المختصة به في أيام الشهر.

فلها إجراء الأصل الموضوعي أعني: استصحاب الطهر من أول الشهر إلى أن تبقى ثلاثة أيام منه، ثم ترجع في الثلاثة الأخيرة إلى أصالة البراءة عن الأحكام الإلزامية للحائض، و لا مجال لاستصحاب عدم الحيض فيها؛ إذ مع انقضاء زمان يسير من هذه الثلاثة الأخيرة تعلم المرأة بانتقاض الطهر في تمام الشهر، إما في هذه الثلاثة و إما فيما انقضى من الأيام، فلا مجال للاستصحاب، فترجع حينئذ إلى الأصل المحكوم و هو أصالة الإباحة.

و عليه: فلهذه المرأة ترتيب جميع الأحكام التكليفية و الوضعية، فيجوز لها دخول المسجد كما يجوز لزوجها مباشرتها و طلاقها؛ لأن موضوع حرمة دخول المسجد و وجوب الاعتزال و فساد الطلاق هو الحائض، و المفروض: عدم إحرازه في شي‏ء من أيام الشهر، و حيث إنه لم يحرز الموضوع لم يكن الحكم المترتب عليه فعليا. فلا تجب موافقته و لا تحرم مخالفته.

و هناك كلام طويل متضمن لكون المصنف مخالفا للشيخ من حيث المبنى تركناه رعاية للاختصار.

(1) جواب «لو لم يعلم»، و ضمائر «موافقته، مخالفته، فعليته» راجعة على التكليف.

(2) كما عرفت في مثال المرأة المستمرة دما في أيام الشهر.

(3) عطف على «أنه لو لم يعلم»، و الضمير راجع على التكليف لو لم يكن للشأن.

(4) بأن يكون وجود بعض الأطراف مترتبا زمانا على وجود الآخر؛ كعلمه إجمالا بوجوب صوم أحد اليومين بالنذر، فإن مجرد التدريجية لا تمنع عن الفعلية؛ لصحة التكليف الفعلي بأمر استقبالي كصحته بأمر حالي، حيث يكون الوجوب حاليا و الواجب استقباليا، كما هو الحال في الواجب المطلق الفصولي كالحج حيث إنه يستقر

334

الفعلية، ضرورة: أنه كما يصح التكليف بأمر حالي كذلك يصح بأمر استقبالي كالحج في الموسم للمستطيع فافهم (1).

____________

وجوب الحج في ذمة المستطيع قبل حلول زمان الواجب و هو الموسم، و لذا يجب عليه المسير و تهيئة المقدمات التي يتمكن بها من إتيان المناسك في وقتها.

(1) لعله إشارة إلى أن صحة التكليف بأمر استقبالي- بحيث يكون التكليف فعليا غير مشروط بشي‏ء- محل الكلام؛ إذ القيود غير الاختيارية لا محالة تخرج عن حيز الطلب و يتقيد هو بها، و لذا بنى غير واحد من المتأخرين على استحالة الواجب المعلق خلافا لآخرين. أو إشارة إلى عدم صحة الواجب المعلق أصلا كما تقدم في بحث الواجب المعلق.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- أصالة الاشتغال، و مجراها هو الشك- في المكلف به مع العلم بنوع التكليف و إمكان الاحتياط.

ثم الشك في المكلف به على قسمين:

1- أن يكون المكلف به دائرا بين المتباينين؛ كدورانه يوم الجمعة بين الظهر و الجمعة مع العلم بوجوب صلاة فيه.

2- أن يكون دائرا بين الأقل و الأكثر الارتباطيين كما لو شك في كون الاستعاذة من أجزاء الصلاة أم لا بمعنى: أن أجزاء الصلاة هل هي تسعة أو عشرة؟

و على هذا فيقع الكلام في مقامين:

الأول: في دوران الأمر بين المتباينين.

الثاني: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

الكلام فعلا في المقام الأول أعني: دوران الأمر بين المتباينين و المراد بهما: أن لا يكون لهما قدر متيقن، سواء كان تباينهما ذاتا كدوران الواجب بين الصوم و الصدقة، أم عرضا كدورانه بين القصر و التمام فيما إذا علم بوجوب أحدهما إجمالا، فإن التباين بينهما باعتبار بشرط اللائية و بشرط الشيئية.

2- و الضابط في العلم الإجمالي المتعلق بالمتباينين: هو رجوعه إلى قضية منفصلة مانعة الخلو، فيقال في المثال المذكور. «الواجب إما الصوم و إما الصدقة»، و هذا يرجع إلى قضيتين شرطيتين يكون مقدم كل واحدة منهما إحدى طرفي العلم الإجمالي. و تاليها

335

نقيض الطرف الآخر. فيقال: حينئذ: «إن كان الصوم واجبا فليست الصدقة واجبة»، و بالعكس.

هذا بخلاف الأقل و الأكثر، فإنه لا يصح ذلك فيهما، فلا يقال: «إن كانت العشرة واجبة فليست التسعة واجبة» لوجوب التسعة على كل تقدير.

و قد قيد المصنف «(قدس سره)» الأقل و الأكثر بالارتباطيين؛ لأن المردد بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين خارج موضوعا عن الشك في المكلف به؛ بل هو شك في أصل التكليف بالنسبة إلى الزائد.

3- الأقوال المعروفة في المقام لا تتجاوز عن خمسة:

الأول: العلم الإجمالي غير مؤثر أصلا لا في وجوب الموافقة و لا في حرمة المخالفة فتجوز المخالفة القطعية فضلا عن الاحتمالية نسب هذا القول إلى العلامة المجلسي.

الثاني: أنه مؤثر في حرمة المخالفة و وجوب الموافقة على نحو المقتضي لا العلة التامة، و هو مختار المصنف في مبحث القطع من الكتاب.

الثالث: أنه مؤثر فيهما على نحو العلة التامة، و هو مختار المصنف في المقام.

الرابع: أنه علة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية و مقتض بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

الخامس: أنه علة تامة بالنسبة إلى المخالفة القطعية. و أما بالنسبة إلى الموافقة القطعية فغير مؤثر أصلا، و نسب هذا القول إلى المحقق القمي «(رحمه اللّه)».

4- المناط لوجوب الاحتياط و الموافقة القطعية عند المصنف «(قدس سره)» كون التكليف فعليا من جميع الجهات؛ لا كون الشبهة محصورة كما يظهر من الشيخ تبعا للمشهور.

و أما إذا لم يكن التكليف فعليا من جميع الجهات: فلا مانع عقلا و لا شرعا من جريان البراءة، و أما عدم المانع عقلا فلأن المانع عقلا هو قبح الترخيص في المعصية القطعية، و هو مختص بما إذا كان المعلوم بالإجمال حكما فعليا من جميع الجهات، و أما لو لم يبلغ هذه المرتبة و لو لأجل عدم العلم التفصيلي به فلا مانع حينئذ من الإذن في ارتكاب تمام الأطراف.

و أما عدم المانع شرعا: فلأن المتوهم من المانع شرعا في المقام هو لزوم محذور التناقض بين صدر أدلة الأصول و ذيلها إذا بنينا على شمولها لأطراف الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.

336

و لكن هذا المحذور مفقود فيما إذا لم يكن الدليل مغيّا بالعلم- نحو: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام»- مثل حديث الرفع و الحجب و نحوهما.

5- لا فرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي في علية كل منهما لتنجز التكليف فيما إذا كان التكليف فعليا من جميع الجهات.

و أما إذا لم يكن كذلك: فيحصل الفرق بين العلمين بمعنى: أن التكليف الفعلي يتنجز إذا علم به تفصيلا؛ إذ لا يبقى حينئذ مجال للإذن في مخالفته لعدم بقاء موضوع للحكم الظاهري و هو الشك في الحكم الواقعي.

و أما إذا علم به إجمالا فرتبة الحكم الظاهري محفوظة معه للشك في وجود التكليف في كل واحد من الأطراف، و به يتحقق موضوع الأصل النافي فيجري بلا مانع أصلا.

6- الجهات المانعة عن فعلية التكليف:

الأولى: عدم الابتلاء، فإن الابتلاء بجميع الأطراف شرط في فعلية التكليف.

الثانية: الاضطرار إلى بعض الأطراف معينا أو مرددا، فإن الاضطرار بأي نحو كان مانع عن فعلية التكليف.

الثالثة: هي كون أطراف العلم الإجمالي من التدريجيات.

«فافهم» لعله إشارة إلى عدم صحة الواجب المعلق أصلا كما تقدم. فكيف يستشهد به في المقام؟

7- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- أن العلم الإجمالي مؤثر على نحو العلة التامة بالنسبة إلى كل واحدة من الموافقة القطعية و المخالفة كذلك.

2- المناط لوجوب الاحتياط هو كون التكليف فعليا من جميع الجهات.

337

تنبيهات‏

الأول (1): أن الاضطرار كما يكون مانعا عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد معين، كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معين.

____________

[تنبيهات الاشتغال‏]

[التنبيه الاول مانعية الاضطرار عن تنجز التكليف بالعلم الإجمالي‏]

(1) و قبل الشروع في البحث في هذا التنبيه لا بد من بيان أمر به يتضح محل البحث، و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الأفعال الصادرة عن المكلفين تارة:

معنونة بعناوين أولية و ذاتية، و أخرى: معنونة بعناوين ثانوية و عرضية.

ثم الأدلة المثبتة للأحكام الشرعية أيضا على قسمين:

تارة: تكون مثبتة لها على الموضوعات بعناوينها الأولية نحو: الخمر حرام، و الميتة حرام، و الوضوء واجب، و الصوم واجب.

و أخرى: تكون مثبتة لها على الموضوعات بعناوينها الثانوية نحو: «رفع ما اضطروا إليه، و رفع ما استكرهوا عليه»، و «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام»، ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، و من المعلوم: أن هذه الأدلة حاكمة على الأدلة المثبتة للأحكام الشرعية على الموضوعات بعناوينها الأولية، فالاضطرار مانع عن فعلية حرمة الميتة مثلا، و محل البحث في هذا التنبيه الأول هو كون الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي مانعا عن تنجز التكليف المعلوم بالإجمال.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك: أن محل البحث في هذا التنبيه هو كون الاضطرار مانعا عن تنجز التكليف المعلوم بالعلم الإجمالي، ثم محل الكلام ما إذا كان الاضطرار رافعا لجميع الآثار للمعلوم بالإجمال؛ كما إذا علم بنجاسة أحد المائعين المضافين، ثم اضطر إلى شرب أحدهما، فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم بالإجمال ليس إلا الحرمة المرتفعة بالاضطرار، فيقع الكلام في أنه هل ينحل العلم الإجمالي بذلك أم لا؟

و أما إذا كان المرتفع بالاضطرار بعض الآثار؛ كما لو علم بنجاسة أحد الماءين المطلقين، ثم اضطر إلى شرب أحدهما لا على التعيين، فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم‏

338

هو حرمة الشرب و عدم جواز الوضوء به، و الاضطرار إنما يرفع الأول دون الثاني، فلا وجه لتوهم انحلال العلم الإجمالي و هو واضح، فلا يجوز الوضوء بشي‏ء منهما، فهذا خارج عن محل الكلام.

إذا عرفت ما هو محل البحث في هذا التنبيه الأول فاعلم: أن غرض المصنف من عقد هذه التنبيهات هو: بيان موانع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال.

ثم غرض المصنف من عقد هذا التنبيه هو: التعريض بما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في التنبيه الخامس من التنبيهات التي عقدها الشيخ «(قدس سره)» للشبهة التحريمية الموضوعية من الاشتغال. فلا بد من ذكر ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في التنبيه الخامس حتى يتضح ما أورده صاحب الكفاية عليه.

قال الشيخ: «الخامس: لو اضطر إلى ارتكاب بعض المحتملات: فإن كان بعضا معينا فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إن كان الاضطرار قبل العلم أو معه؛ لرجوعه إلى عدم تنجز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي؛ لاحتمال كون المحرم هو المضطر إليه».- إلى أن قال: «و إن كان بعده، فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر». دروس «في الرسائل، ج 3، ص 249».

و أما توضيح اعتراض المصنف عليه: فيتوقف على مقدمة و هي: بيان صور المسألة مع ما فيها من الخلاف بين الشيخ و المصنف.

و أما صورة المسألة فهي ست؛ و ذلك لأن الاضطرار يمكن أن يحصل قبل العلم الإجمالي، أو معه، أو بعده. و على جميع التقادير: إما أن يكون الاضطرار إلى واحد معين من أطراف الشبهة، أو إلى واحد غير معين منها.

و مثال الاضطرار إلى المعين هو: ما إذا كان أحد المشتبهين بالنجس ماء، و الآخر ماء الرمان مثلا، فاضطر إلى شرب ماء الرمان لمعالجة المرض. و مثال الاضطرار إلى الواحد غير المعين هو: ما إذا كان كلا المشتبهين بالنجس ماء و كان شرب أحدهما كافيا في رفع الاضطرار.

و كيف كان؛ فصور الاضطرار ستة فلا بد من حكمها عند المصنف و الشيخ «(قدس سرهما)».

فيقال: إنه لا خلاف و لا إشكال في رفع حرمة ما اضطر إليه بالاضطرار، فيجوز ارتكاب أحد المشتبهين معينا فيما إذا اضطر إليه معينا، أو مخيرا فيما إذا كان الاضطرار

339

إلى أحدهما لا بعينه، و إنما الخلاف في حكم ما بقي من أطراف الشبهة بعد ارتكاب المكلف الطرف المضطر إليه، فهل يجب الاجتناب عن الباقي مطلقا أو لا يجب كذلك أو فيه تفصيل؟

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مختار المصنف هو: الاحتمال الثاني، فإن الاضطرار عنده كما يكون مانعا عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد معين، كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معين، ضرورة: أنه مطلقا موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه تعيينا أو تخييرا، و هو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا.

و مختار الشيخ «(قدس سره)» هو: الاحتمال الثالث أعني: التفصيل.

و قد استدل الشيخ على التفصيل بوجهين:

أحدهما: إن وجوب الاحتياط و الاجتناب عن كلا المشتبهين إنما هو مع تنجز التكليف بالحرام على كل تقدير؛ بحيث لو علم تحريمه تفصيلا لوجب الاجتناب عنه، و هذا المناط مفقود في المقام، إذ على تقدير العلم التفصيلي بحرمة المضطر إليه لا يجب الاجتناب عنه لرفع التكليف بالاضطرار إليه، فيرجع الشك في الباقي إلى الشك في أصل التكليف، فلا مانع من الرجوع إلى أصل البراءة.

و ثانيهما: أن المناط في وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين هو تعارض الأصول فيهما، و هو مفقود هنا أيضا؛ و ذلك لأن الاضطرار يوجب سقوط الأصل في المضطر إليه، فيبقى الأصل في الباقي سليما عن المعارض، و لازمه: عدم وجوب الاجتناب عنه.

و هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح ما أفاده الشيخ في المقام.

فالمتحصل: أن الشيخ «(قدس سره)» أوجب الاجتناب عن الباقي في أربع صور من الصور الست، ثلاث منها هي صور كون الاضطرار إلى غير المعين، و الرابعة هي صورة كون الاضطرار إلى معين مع حصوله بعد العلم الإجمالي، و لم يوجب الاجتناب عن الباقي في اثنتين منها، و هما كون الاضطرار إلى معين مع حصوله قبل العلم الإجمالي أو معه، فيظهر من كلامه «(قدس سره)» تفصيلان تفصيل بين الاضطرار إلى المعين و غير المعين فيجب الاجتناب عن الباقي في الأول دون الثاني، و تفصيل بين الاضطرار بعد العلم الإجمالي و بين حصوله قبله أو معه فيجب الاجتناب عن الباقي في الأول دون الثاني و الثالث.

و يظهر من المصنف «(قدس سره)» في المتن: الإشكال على كلا التفصيلين، بتقريب: أن‏

340

ضرورة (1): أنه (2) مطلقا موجب لجواز ارتكاب (3) أحد الأطراف، أو تركه (4)

____________

الاضطرار من حدود التكليف بمعنى اشتراط فعلية التكليف بالاختيار و دورانه مداره حدوثا و بقاء، و عدم حصول العلم بالتكليف الفعلي المنجز في الاضطرار السابق على زمان العلم به و المقارن له واضح؛ كما يظهر من التزام الشيخ بالبراءة في سائر الأطراف في هاتين الصورتين، و كذا في الاضطرار اللاحق؛ لأن العلم بالتكليف الفعلي و إن كان ثابتا ظاهرا حال اختيار المكلف و قدرته على الامتثال؛ إلّا إن طروء الاضطرار يوجب انتفاء العلم بالتكليف الفعلي المنجز لاعتبار الاختيار في فعلية الحكم حدوثا و بقاء كما عرفت. و مع احتمال انطباق الحرام الواقعي على المضطر إليه لا مقتضى لوجوب الاجتناب عن سائر الأطراف كما في الاضطرار السابق و المقارن. و العلم الإجمالي و إن حصل في زمان الاختيار و استقل العقل بلزوم رعايته؛ إلّا إن طروء الاضطرار بعده أوجب اختصاص تنجيزه بزمان قبل عروض الاضطرار؛ لعدم بقاء العلم بالتكليف الفعلي المنجز على كل تقدير بعد عروضه، حيث إنه ترتفع به القضية المنفصلة الحقيقية المقومة للعلم الإجمالي، لمنافاة الترخيص الفعلي في المضطر إليه مع التكليف الإلزامي المحتمل وجوده؛ لأن احتمال جعل المتنافيين كالقطع به في الاستحالة.

و كيف كان؛ فالتكليف مشروط بالاختيار حدوثا و بقاء، فينتفي مع الاضطرار من دون فرق بين الصور الست أصلا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «كذلك يكون مانعا لو كان إلى غير معين» يعني: كذلك يكون الاضطرار مانعا عن العلم بفعلية التكليف لو كان الاضطرار إلى طرف غير معين من الأطراف. و هذا إشارة إلى أول تفصيلي الشيخ «(قدس سره)»، و هو متضمن للصورة الرابعة و الخامسة و السادسة.

(1) تعليل لقوله: «مانعا» و إشكال على هذا التفصيل و قد عرفت توضيحه.

(2) أي: الاضطرار مطلقا- سواء كان إلى معين أم إلى غير معين- موجب لجواز الارتكاب في الشبهة التحريمية؛ لما عرفت: من منافاة الترخيص الفعلي مع فعلية الحرمة على كل تقدير، فلا وجه للتفصيل بين المعين و غير المعين.

(3) هذا في الشبهة التحريمية؛ كالاضطرار إلى شرب أحد الماءين معينا أو مخيرا، مع العلم بنجاسة أحدهما لا على التعيين.

(4) عطف على «ارتكاب» هذا في الشبهة الوجوبية؛ كما إذا وجب عليه الإتيان‏

341

تعيينا أو تخييرا (1)، و هو (2) ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا (3).

و كذلك لا فرق (4) بين أن يكون الاضطرار كذلك سابقا على حدوث العلم أو لاحقا؛ و ذلك (5) لأن التكليف المعلوم بينها من أول ...

____________

بأربع صلوات عند اشتباه القبلة، و اضطر لضيق الوقت أو غيره إلى ترك إحداها معينة أو غير معينة. و ضمير «تركه»، راجع على «أحد».

(1) قيدان لجواز الارتكاب أو الترك تعيينا في الاضطرار إلى المعين؛ و تخييرا في الاضطرار إلى غير المعين.

(2) أي: جواز الارتكاب أو الترك. و هذا شاهد صدق على عدم الفرق- في ارتكاب بعض الأطراف بالاضطرار- بين كونه إلى طرف معين أو غير معين أي: الجامع، و ذلك لمنافاة إذن الشارع و ترخيصه لفعلية التكليف و تنجزه بالعلم الإجمالي كما مر توضيحه.

و الحاصل: أن الباقي مشكوك الحرمة بعد احتمال كون النجس هو الذي ارتكبه، فلا يكون الحكم فعليا.

(3) قيد ل «بحرمة المعلوم أو بوجوبه»، و ضمير «بينها» راجع على الأطراف.

(4) يعني: لا فرق في عدم تنجيز العلم الإجمالي و عدم وجوب الاحتياط.

هذا إشارة إلى التفصيلي الثاني للشيخ «(قدس سره)» و إشكال عليه، و حاصله: أنه لا فرق في عدم وجوب الاحتياط «بين أن يكون الاضطرار كذلك» أي: إلى أحد الأطراف «سابقا على حدوث العلم»؛ بأن اضطر إلى أحدهما ثم علم بأن أحدهما نجس، «أو لاحقا» بأن علم بنجاسة أحدهما ثم اضطر، أم مقارنا له، فإن الاضطرار اللاحق إن أوجب ارتفاع فعلية المعلوم فدافعيته لها في صورة المقارنة تكون بالأولوية و لعله «(قدس سره)» ترك ذكره لوضوحه فتدبر.

(5) بيان لوجه الإشكال على التفصيل الثاني، و حاصله: أن التكليف المعلوم بالإجمال ليس مطلقا، بل هو مقيد بعدم الاضطرار، فمع عروضه يشك في التكليف حدوثا إن كان الاضطرار سابقا على العلم أو مقارنا له، أو بقاء إن كان الاضطرار لاحقا، فالمورد من مجاري أصل البراءة.

و بعبارة أخرى: أن الشك إن كان في مرحلة الفراغ و سقوط ما في الذمة كان المرجع فيه قاعدة الاشتغال، و إن كان في مرحلة ثبوت التكليف و اشتغال الذمة به كان المرجع أصالة البراءة. و حيث إن الحكم الواقعي مقيد بعدم طروء الاضطرار، فمع طروئه لا علم‏

342

الأمر (1) كان محدودا بعدم عروض الاضطرار إلى متعلقه، فلو عرض على بعض أطرافه لما كان (2) التكليف به معلوما؛ لاحتمال (3) أن يكون هو المضطر إليه فيما كان الاضطرار إلى المعين، أو يكون (4) هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين.

لا يقال (5): الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلا كفقد ...

____________

بالتكليف حتى يكون الشك في مرحلة الاشتغال و الفراغ لتجري فيه قاعدة الاشتغال؛ بل الشك يكون في مقام الثبوت الذي هو مجرى البراءة.

(1) أي: من زمان تشريعه، فإن التكليف المعلوم إجمالا شرع مقيدا بعدم الاضطرار، و ضمير «بينها» راجع على الأطراف.

(2) جواب «فلو عرض» أي: فلو عرض الاضطرار إلى بعض أطراف العلم لما كان التكليف بالمتعلق معلوما بهذا العلم الإجمالي، و ضميرا «أطرافه، به» راجعان على متعلق التكليف.

(3) تعليل لقوله: «لما كان» يعني: لاحتمال أن يكون المتعلق هو ما عرضه الاضطرار، فلم يثبت تعلق التكليف به حدوثا أو بقاء حتى تجري فيه قاعدة الاشتغال، و ضمير «هو» راجع على «متعلقه».

(4) عطف على قوله: «يكون» يعني: أو لاحتمال أن يكون المتعلق هو ما اختاره المكلف من الأطراف في رفع اضطراره، فيما إذا كان الاضطرار إلى غير معين.

(5) هذا إشكال على ما أفاده بقوله: «و كذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار كذلك سابقا على حدوث العلم أو لاحقا»، و تأييد لتفصيل الشيخ «(قدس سره)» في الاضطرار إلى المعين بين الاضطرار السابق و اللاحق.

و توضيح الإشكال- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 61»-: أن الاضطرار يقاس بفقدان بعض الأطراف، فكما لا إشكال- في صورة فقدان بعض الأطراف- في وجوب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه، فكذلك لا ينبغي الإشكال في صورة الاضطرار إلى بعض الأطراف في وجوب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه، فيجب الاحتياط في سائر المحتملات خروجا عن عهدة التكليف المعلوم قبل عروض الاضطرار، فيندرج المقام في كبرى قاعدة الاشتغال لا البراءة؛ كما إذا علم إجمالا بحرمة شرب أحد الإناءين أو بوجوب تجهيز أحد الميتين عليه، فأريق ما في أحد الإناءين، أو افترس السبع أحد الجسدين أو أخذه السيل، فإنه لا ريب في وجوب الاجتناب عن ثاني الإناءين، و وجوب تجهيز الميت الآخر. و لو كان الفقدان قبل العلم الإجمالي- بأن أريق ما في أحد الإناءين‏

343

بعضها (1) فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار، فيجب الاجتناب عن الباقي (2) أو ارتكابه (3) خروجا (4) عن عهدة ما تنجز عليه قبل عروضه.

فإنه يقال (5): حيث إن فقد المكلف به ليس من حدود التكليف به و قيوده ...

____________

أو فقد أحد الميتين، ثم علم إجمالا بحرمة شرب هذا الماء الموجود أو ذاك الإناء المفقود، أو وجوب تجهيز هذا الميت الموجود أو ذاك المفقود- لم يلزم الاحتياط بالنسبة إلى باقي الأطراف. و عليه: فحال الاضطرار حال الفقدان في منعه عن تنجيز العلم الإجمالي إذا كان سابقا، و عدم منعه عنه إذا عرض بعد العلم، فالحق ما ذكره الشيخ «(قدس سره)» من التفصيل بين الاضطرار اللاحق و غيره.

(1) أي: الفقدان الطاري على العلم الإجمالي لا السابق عليه و لا المقارن له، و ضمير «بعضها» راجع على الأطراف.

(2) في الشبهة التحريمية، و ضمير «رعايته» راجع على الاحتياط.

(3) في الشبهة الوجوبية، كما إذا علم إجمالا بأن أحد الغريقين مما يجب إنقاذه و الآخر كافر حربي، فهلك أحدهما قبل الإنقاذ، فإن إنقاذ الآخر واجب لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه، و المفروض تنجز هذا الاحتمال بالعلم الإجمالي الحاصل قبل عروض الاضطرار.

(4) تعليل لقوله: «فيجب الاجتناب ...» الخ. و ضمير «عروضه» راجع على الاضطرار، و ضمير «عليه» راجع على «ما» الموصول المراد به وجوب الاجتناب.

(5) هذا دفع الإشكال. و حاصل الدفع: يتوقف على مقدمة و هي الفرق بين الاضطرار و الفقدان و حاصل الفرق: أن الأول: من قيود التكليف شرعا بحيث يكون كل حكم إلزامي مقيدا حقيقة بعدم الاضطرار، فمع طروئه يرتفع الحكم واقعا، إذ الاضطرار يزاحم الملاك الداعي إلى الحكم، فإن ملاك حرمة أكل مال الغير يؤثر في تشريع الحرمة إن لم يزاحم بمصلحة أهم كحفظ النفس، و لذا يجوز أكله في المخمصة بدون رضا مالكه فاشتراط التكليف بعدم الاضطرار إلى متعلقه إنما هو من اشتراط الملاك بعدم المزاحم له، و هذا بخلاف الفقدان، فإن الحكم لم يقيد في الأدلة الشرعية بعدمه؛ بل عدم الموضوع يوجب انتفاء الحكم عقلا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الحكم لما كان مقيدا بعدم الاضطرار شرعا لا يجب الاحتياط مع طروئه. هذا بخلاف الفقدان حيث إن الحكم لا يكون مقيدا بعدمه،

344

كان (1) التكليف المتعلق به مطلقا (2)، فإذا اشتغلت الذمة به كان قضية الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك (3)، و هذا بخلاف الاضطرار إلى تركه (4) فإنه (5) من حدود التكليف به و قيوده (6)، و لا يكون (7) الاشتغال به من الأول إلا مقيدا بعدم عروضه، فلا يقين باشتغال الذمة به (8) إلا إلى هذا الحد، فلا يجب رعايته فيما بعده (9)، و لا يكون (10) إلا من باب الاحتياط في الشبهة البدوية، فافهم و تأمل فإنه دقيق جدا.

____________

فيجب الاحتياط فيما بقي من الأطراف؛ لكون الشك في بقاء الحكم المطلق بعد العلم باشتغال الذمة به فيجب الإتيان بالباقي أو الاجتناب عنه تحصيلا للعلم بفراغ الذمة.

و عليه: فقياس الاضطرار اللاحق للعلم الإجمالي بفقدان بعض الأطراف بعد العلم قياس مع الفارق فيكون باطلا.

و المراد بالمكلف به هو: متعلق المتعلق، و هو الموضوع كالإناء في المثال أو الغريق في وجوب الإنقاذ.

(1) جواب «حيث»، و ضمير «به» راجع على المكلف به، و ضمير «قيود» راجع على التكليف.

(2) أي: غير مقيد شرعا بالفقدان، «و المتعلق» بكسر اللام، و ضمير «به» راجع على المكلف به.

(3) أي: يقينا، و ضمائر «عنه، به» في الموضعين راجعة على المكلف به.

(4) الأولى إضافة «أو ارتكابه» إليه؛ إذ الاضطرار إلى الترك إنما هو في الشبهة الوجوبية دون التحريمية، فلا بد من عطف «أو ارتكابه» على «تركه» حتى يعم كلا من الشبهة الوجوبية و التحريمية، حيث إن الاضطرار في الشبهة التحريمية يكون إلى ارتكاب بعض أطرافها لا إلى تركه.

(5) أي: فإن الاضطرار إلى ترك المكلف به من شرائط التكليف بترك المتعلق كشرب الحرام أو النجس، و من المعلوم: عدم بقاء المحدود بعد الحد.

(6) أي: من قيود التكليف شرعا، و إلا فقيدية بقاء الموضوع للحكم عقلا مما لا إشكال فيه، و ضمير «به» راجع على «تركه».

(7) هذه الجملة مفسرة لقوله: «من حدود التكليف».

(8) أي: بالمكلف به، و ضمير «عروضه» راجع على الاضطرار.

(9) أي: رعاية التكليف فيما بعد الاضطرار، و المراد بهذا الحد: الاضطرار.

(10) الضمير المستتر فيه راجع على ما يستفاد من قوله: «رعايته» يعني: و لا يكون‏

345

رعاية التكليف- بعد طروء الاضطرار- بالاحتياط في باقي الأطراف إلا من باب الاحتياط في الشبهة البدوية في عدم اللزوم؛ لأن العلم و إن حصل أولا لكنه بعد طروء الاضطرار تبدل بالشك، فلا يقين بالتكليف الفعلي حتى يجب الاحتياط في أطرافه.

و تركنا طول الكلام في المقام رعاية للاختصار.

قوله: «فافهم و تأمل» إشارة إلى دقة المطلب بقرينة قوله: «فإنه دقيق جدا» و بالتأمل حقيق.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- بيان ما هو محل البحث في هذا التنبيه الأول و هو: كون الاضطرار إلى بعض الاضطرار معينا أو غير معين، فيقع الكلام في أنه هل هو مانع عن تنجز التكليف المعلوم بالإجمال أم لا؟

ثم محل البحث ما إذا كان الاضطرار رافعا لجميع الآثار للمعلوم بالإجمال؛ كما إذا علم بنجاسة أحد المائعين المضافين، ثم اضطر إلى شرب أحدهما، فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم بالإجمال ليس إلا الحرمة المرتفعة بالاضطرار. هذا بخلاف ما إذا كان المرتفع بالاضطرار بعض الآثار؛ كما لو علم بنجاسة أحد الماءين المطلقين ثم اضطر إلى شرب أحدهما لا على التعيين، فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم هو حرمة الشرب و عدم جواز الوضوء به، و الاضطرار إنما يرفع الأول دون الثاني، فلا وجه لتوهم انحلال العلم الإجمالي بالاضطرار و هو واضح.

2- اعتراض المصنف على الشيخ «(قدس سرهما)»:

و هو يتوقف على بيان ما هو مختار الشيخ في المقام فيقال: إنه يظهر منه تفصيلان:

التفصيل الأول هو التفصيل بين الاضطرار إلى معين و إلى غير معين، حيث قال بعدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الباقي في الفرض الثاني مطلقا، يعني: سواء كان الاضطرار بعد العلم الإجمالي أو قبله أو معه.

ثم على الفرض الأول و هو الاضطرار إلى المعين قال: بوجوب الاحتياط لو كان الاضطرار بعد العلم الإجمالي، و عدم وجوبه فيما لو كان الاضطرار إلى المعين قبل العلم الإجمالي أو معه.

346

الثاني (1): أنه لما كان النهي عن الشي‏ء إنما هو لأجل أن يصير داعيا للمكلف نحو

____________

إذا عرفت ما ذهب إليه الشيخ من التفصيليين فاعلم: أن المصنف قد أورد على كلا التفصيليين بتقريب: أن الاضطرار من حدود التكليف فلا تكليف معه أصلا، سواء كان سابقا أو لاحقا أو مقارنا له؛ إذ التكليف مشروط بالاختيار حدوثا و بقاء فينتفي مع الاضطرار مطلقا.

3- إشكال قياس الاضطرار بفقدان بعض الأطراف، فكما يجب الاحتياط بالنسبة إلى الباقي في صورة فقد بعض الأطراف، كذلك يجب الاحتياط في صورة الاضطرار إلى بعض الاضطرار مدفوع بالفرق بين الاضطرار و الفقدان؛ لأن الأول من قيود التكليف و حدوده دون الثاني.

و عليه: فقياس الاضطرار اللاحق للعلم الإجمالي بفقدان بعض الأطراف بعد العلم الإجمالي قياس مع الفارق، فيكون باطلا.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو أن الاضطرار مطلقا مانع عن تنجز التكليف بالعلم الإجمالي.

[التنبيه الثانى في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء]

(1) الغرض من عقد هذا التنبيه: بيان شرط من شرائط فعلية الحكم، و هو كون المكلف به موردا لابتلاء المكلف، بمعنى: كونه مقدورا عاديا له.

و قد تعرض في هذا التنبيه لجهتين: إحداهما في اعتبار الابتلاء بالمتعلق في صحة توجيه الخطاب إلى المكلف.

و ثانيتهما: في حكم الشك في الابتلاء بعد الفراغ عن اعتباره.

و قد تعرض الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» لاعتبار هذا الأمر في خصوص التكاليف التحريمية، و هو أول من اعتبر هذا الشرط مضافا إلى الشرائط العامة الأربعة في كل تكليف كما في بعض الشروح.

و كيف كان؛ فيقع الكلام فعلا في الجهة الأولى و هو اعتبار الابتلاء بالمتعلق في صحة توجيه الخطاب إلى المكلف.

و توضيح الكلام: فيها يتوقف على مقدمة و هي: أنه لا شك في اعتبار القدرة على جميع أطراف العلم الإجمالي في منجزيته و استحقاق العقوبة على مخالفته، فيعتبر في صحة النهي عن الشي‏ء أو الأمر به كون المتعلق مقدورا، فلو كان بعض الأطراف غير مقدور للمكلف كان التكليف فيه ساقطا لا محالة؛ لقبح التكليف بغير المقدور، و هو في‏

347

سائر الأطراف مشكوك فيجري فيها الأصل النافي بلا معارض. و هذا واضح.

و إنما المقصود هنا بيان أن المعتبر في توجه الخطاب إلى المكلف هو إمكان الابتلاء عادة؛ إذ مع عدم إمكان الابتلاء عادة بجميع الأطراف على البدل لا يصح توجه النهي إليه.

إذا عرفت هذه المقدمة فيقال في توضيح الجهة الأولى: إن غرض الشارع من النهي عن فعل إنما هو إحداث المانع في نفس المكلف عن ارتكاب متعلق النهي الواصل إليه، بحيث يستند ترك المنهي عنه إلى النهي، و هذا يتحقق في موردين:

أحدهما: أن لا يكون للمكلف داع إلى الترك أصلا، و إنما حدث الداعي له إلى الترك بزجر الشارع و نهيه.

ثانيهما: أن يكون له داع إلى الترك، و لكن تتأكد إرادة تركه للمنهي عنه بواسطة النهي؛ إذ لو لا الزجر الشرعي ربما كانت وسوسة النفس تحمل المكلف على المخالفة، و توجد فيه حب الارتكاب له. إلّا إنه بعد العلم بخطاب الشارع و بما يترتب على مخالفته من استحقاق العقوبة يقوى داعيه إلى الترك، فيجتنب عن الحرام أو يقصد القربة بالترك، و لو لا نهي الشارع لما تمكن من قصد القربة لتوقفه على وصول الخطاب المولوي إليه.

و من المعلوم: أن داعوية النهي للترك تتوقف على إمكان تعلق إرادة العبد بكل من الفعل و الترك؛ بحيث يمكنه عادة اختيار أيهما شاء، و مع خروج متعلق النهي- كالخمر- عن معرضية الابتلاء به لا يتمكن عادة من الارتكاب، و مع عدم التمكن منه كذلك لا تنقدح الإرادة في نفس المكلف، و مع عدم انقداحها يكون نهي الشارع عن مبغوضه لغوا؛ لوضوح أن ترك الحرام يستند حينئذ إلى عدم المقتضى- و هو الإرادة- لعدم وجود المتعلق حتى يتمكن من إرادة ارتكابه لا إلى وجود المانع و هو زجر الشارع و نهيه، و قد تقرر أن عدم الشي‏ء لا يستند إلى وجود المانع؛ بل إلى عدم مقتضيه؛ لتقدمه الطبيعي على المانع.

و عليه: فالنهي عن فعل متروك بنفسه- مثل شرب الخمر الموجود في إناء الملك مع عدم قدرته عليه عادة- لغو؛ لعدم ترتب فائدته و هي إحداث الداعي النفساني إلى الترك عليه، و اللغو لا يصدر من الحكيم لمنافاته للحكمة؛ بل يكون من طلب الحاصل المحال في نفسه.

348

تركه لو لم يكن له داع آخر (1)، و لا يكاد يكون (2) ذلك إلا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به بحسبها فليس للنهي عنه موقع أصلا، ضرورة: أنه (3) بلا فائدة و لا طائل؛ بل يكون‏

____________

و بهذا يظهر وجه اشتراط تنجيز العلم الإجمالي بكون تمام الأطراف مورد الابتلاء، ضرورة: أنه يتوقف عليه حصول العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير بحيث يكون انطباق المعلوم بالإجمال على كل واحد من الأطراف موجبا لصحة توجيه الخطاب إلى المكلف، و مع خروج بعضها عن الابتلاء لا يحصل العلم كذلك، لاحتمال انطباق الحرام على الخارج عن الابتلاء المانع عن جريان الأصل فيه؛ لعدم ترتب أثر عملي عليه، فيجري فيما بقي من الأطراف بلا معارض.

قوله: «أن يصير داعيا للمكلف» إشارة إلى أول الموردين المتقدمين يعني: أن النهي يوجب أرجحية ترك متعلقه من فعله، لما يترتب على فعله من المؤاخذة، فيحدث بالنهي الداعي العقلي إلى تركه إن لم يكن له داع آخر.

(1) يعني: غير النهي، كعدم الرغبة النفسانية و الميل الطبعي إلى المنهي عنه. و هذا إشارة إلى ثاني الموردين المتقدمين، يعني: و أن كان له داع آخر إلى الترك كان النهي مؤكدا له و مصححا لنية التقرب بالترك إن أراد قربيته.

(2) أي: و لا يكاد يكون النهي داعيا «إلّا ...» و هذا شروع في الجهة الأولى من الجهتين اللتين عقد لهما هذا التنبيه و هي بيان أصل اعتبار الابتلاء بتمام الأطراف في منجزية العلم الإجمالي، و حاصله: أن الشي‏ء إذا كان بنفسه متروكا بحيث لا يبتلي به المكلف عادة حتى يحصل له داع إلى فعله فلا وجه للنهي عنه، لعدم صلاحيته لإيجاد الداعي إلى الترك، فيكون النهي لغوا، و اللغو مناف للحكمة فلا يصدر من الحكيم؛ بل النهي محال في نفسه، لكونه طلبا للحاصل المحال، ضرورة: أن الغرض من النهي- و هو عدم الوقوع في المفسدة- حاصل بنفس خروج المتعلق عن الابتلاء، فلا يعقل طلبه حينئذ. و ضميرا «به، عنه» راجعان على «ما» الموصول في «ما لا ابتلاء» المراد به المورد الخارج عن الابتلاء، و ضمير «بحسبها» راجع على العادة.

(3) أي: أن النهي عما لا ابتلاء به بحسب العادة بلا فائدة؛ لعدم ترتب الغرض من النهي و هو كونه داعيا إلى الترك عليه، و هذا إشارة إلى لغوية الخطاب بالخارج عن الابتلاء، و هي تستفاد من كلام الشيخ «(قدس سره)»، «و السر في ذلك أن غير المبتلى تارك للمنهي عنه بنفس عدم ابتلائه، فلا حاجة إلى نهيه».

349

من قبيل طلب الحاصل (1) كان (2) الابتلاء بجميع الأطراف مما لا بد منه في تأثير العلم، فإنه بدونه (3) لا علم بتكليف فعلي؛ لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به.

و منه (4) قد انقدح: أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر و انقداح (5) طلب تركه في نفس المولى فعلا هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد، مع اطلاعه على ما هو عليه من (6) الحال.

____________

(1) لحصول الغرض من النهي و هو ترك المفسدة بالترك الحاصل قهرا بنفس عدم الابتلاء، و معه يستحيل طلب الترك بالخطاب.

(2) جواب «لما» في قوله: «لما كان النهي عن الشي‏ء ...» الخ.

(3) أي: بدون الابتلاء بجميع الأطراف، و ضمير «فإنه» للشأن، و ضمير «منه» راجع على «ما» الموصول. و حاصله: أنه بدون الابتلاء بتمام الأطراف- بحيث يكون قادرا عادة بالمعنى المتقدم على ارتكاب أي واحد منها شاء- لا علم بتكليف فعلي؛ لاحتمال كون موضوعه ما هو خارج عن الابتلاء، و لذا لا يجب الاحتياط حينئذ في سائر الأطراف؛ لعدم دوران متعلق التكاليف الفعلي بينها بالخصوص مع احتمال كونه هو الطرف الخارج عن الابتلاء، فلا يكون التكليف الفعلي في الأطراف المبتلى بها محرزا حتى يجب فيها الاحتياط.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(4) يعني: و من كون النهي عن الشي‏ء لأجل إحداث الداعي إلى الترك ظهر ما هو الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر، و محصله: أن انقداح طلب الترك الفعلي في نفس المولى تابع لإمكان حصول الداعي إلى الفعل في نفس العبد، فإن أمكن للعبد إرادة شي‏ء جاز للمولى طلبه منه؛ إذ لا يريد إلا ما يمكن للعبد إرادته، لقبح التكليف بغير المقدور، و حينئذ: فإن علم العبد بتكليف مردد بين أمور، فإن أمكنه إرادة فعل كل واحد منها أمكن أيضا للمولى إرادته و طلب ذلك منه، و إلا فلا. و هذا مرادهم بقولهم: إن الإرادة الأمرية تابعة للإرادة المأمورية، أو الإرادة التشريعية تابعة للإرادة التكوينية، كما أن إرادة العبد في مقام الامتثال و انبعاثه تابعة لإرادة المولى و بعثه لأنها علّة لإرادة العبد كما ثبت في محله.

(5) عطف تفسيري ل «فعلية»، و الأولى إضافة «عنه» إلى كلمة «الزجر» و ضمير «هو» خبر «أن الملاك».

(6) بيان للموصول في «ما هو»، و ضمير «هو» راجع على الفعل المنهي عنه، و ضمير

350

و لو شك في ذلك (1) كان المرجع هو البراءة؛ ...

____________

«عليه» راجع على الموصول، و ضمير «اطلاعه» إلى المولى، يعني: أن المولى إذا اطلع على حال العبد من حيث كونه داخلا في الابتلاء أو خارجا عنه، فإن رأى صحة انقداح الداعي في نفس العبد إلى فعله صح له الزجر عنه و إلا فلا. هذا تمام الكلام في اعتبار الابتلاء و العلم به.

(1) يعني: في الابتلاء، و هذا شروع في الجهة الثانية من جهتي هذا التنبيه و هي بيان حكم الشك في الابتلاء، كما إذا علم إجمالا بأن دارا مغصوبة مرددة بين هذه الدار التي يريد المكلف شراءها و دارا أخرى في بلد آخر يشك المكلف في دخولها في محل الابتلاء و خروجها عنه، فهل يكون هذا العلم الإجمالي منجزا و إن مشكوك الابتلاء به محكوم بحكم ما هو معلوم الابتلاء به أم لا يكون منجزا، و أن مشكوك الابتلاء محكوم بحكم ما هو خارج عنه قطعا؟ فيه خلاف بين الشيخ و المصنف «(قدس سرهما)»، فذهب الشيخ إلى أنه بحكم ما هو مقطوع الابتلاء به، و تمسك لذلك بالأصل اللفظي أعني:

أصالة الإطلاق المقتضية لتنجز الخطاب بالمعلوم الإجمالي، و ذهب المصنف إلى أنه بحكم ما هو مقطوع الخروج عن محل الابتلاء، و أورد على الشيخ بما سيأتي، ثم جعل المرجع في الشك في الابتلاء أصالة البراءة.

و حاصل الكلام في الجهة الثانية: و هي بيان حكم الشك في الابتلاء، فإذا شك في كون بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء من جهة الشك في مفهومه و عدم تعين حدوده بناء على اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحة التكليف، فهل يرجع إلى إطلاقات أدلة التكليف و يحكم بالتنجيز في الطرف المشكوك كالمبتلى به، أو إلى أصالة البراءة؟

ذهب الشيخ «(قدس سره)» إلى الأول بدعوى: أن الإطلاقات هي المرجع ما لم يثبت التقييد، فلا مجال لجريان الأصل، فإن مقتضى الإطلاق هو العلم بالتكليف الفعلي، فلا يجري الأصل في أطرافه.

و ذهب المصنف «(قدس سره)» إلى الثاني بدعوى: أن التمسك بالإطلاق في مقام الإثبات إنما يصح فيما إذا أمكن الإطلاق في مقام الثبوت ليستكشف بالإطلاق في مقام الإثبات الإطلاق في مقام الثبوت، و مع الشك في إمكان الإطلاق ثبوتا لا أثر للإطلاق إثباتا، و المقام من هذا القبيل، فإنه بعد الالتزام باعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحة التكليف عقلا، كان الشك في دخول بعض الأطراف في محل الابتلاء من حيث‏

351

المفهوم شكا في إمكان الإطلاق بالنسبة إليه، و مع الشك في الإمكان ثبوتا لا ينفع الرجوع إلى الإطلاق في مقام الإثبات.

و كذا الحال عند الشك في أصل اعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحة التكليف، فإنه أيضا شك في الإمكان ثبوتا، فلا يمكن الرجوع إلى الإطلاق إثباتا.

و كيف كان؛ فلا بد من توضيح كل ما ذهب إليه الشيخ و المصنف «(قدس سرهما)».

فأما توضيح ما ذهب إليه الشيخ «(قدس سره)» فحاصله: أنه لا شك في فعلية التكليف و تنجزه مع العلم بمعرضية الأطراف للابتلاء بها، كما لا شك في عدم فعليته مع العلم بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.

و أما إذا شك في خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء من جهة الشك في مفهومه سعة و ضيقا، و عدم تعين حدوده لعدم الإحاطة بحقيقته العرفية، كان مقتضى إطلاق الهيئة مثل: «لا تشرب الخمر» فعلية التكليف في الطرف المبتلى به؛ إذ لو كان الطرف المشكوك فيه خارجا عن مورد الابتلاء كان الخطاب بالنسبة إليه مقيدا، فإنه بمنزلة قوله:

«لا تشرب الخمر إن ابتليت به»، و لو كان داخلا فيه لم يكن الحكم مقيدا به، و من المعلوم: أن المرجع في الشك في أصل التقييد و في التقييد الزائد هو إطلاق الخطاب؛ إذ الخارج عنه قطعا بملاحظة الاستهجان العرفي هو ما لا ابتلاء به أصلا.

و أما المشكوك خروجه عن الابتلاء فهو مما يشمله الإطلاق، و لا بد من الاحتياط، و معه لا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل العملي المحكوم من الاحتياط و البراءة. هذا محصل ما اختاره الشيخ «(قدس سره)».

و أما المصنف: فقد التزم بالرجوع إلى البراءة في مورد الشك؛ لأنه من الشك في التكليف الفعلي الذي هو مجرى الأصل النافي لإناطة فعلية الحكم بالابتلاء بالمتعلق، و مع الشك في الابتلاء به يشك في نفس الحكم.

و أصالة الإطلاق و إن كانت حاكمة أو واردة على الأصول العملية إلا إنه لا سبيل للتمسك بها هنا.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن القيد تارة: يكون مصححا للخطاب بحيث لا يصح الخطاب بدونه كالقدرة العقلية؛ لقبح التكليف بغير المقدور. و أخرى:

لا يكون كذلك؛ بل يصح الخطاب بدونه كما يصح تقييده به أيضا كالاستطاعة الشرعية بالنسبة إلى وجوب الحج؛ إذ يمكن توجيه الخطاب إلى المكلف القادر عقلا

352

لعدم (1) القطع بالاشتغال، لا إطلاق (2) الخطاب، ضرورة (3): إنه لا مجال للتشبث‏

____________

على الحج و إن لم يكن مستطيعا شرعا، كما يصح توجيه الخطاب إليه مقيدا بالاستطاعة أيضا، فإذا شك في دخل الاستطاعة الشرعية فمقتضى إطلاق وجوب الحج عدم دخلها فيه، نظير إطلاق الرقبة في قوله: «أعتق رقبة» في التمسك به عند الشك في تقيدها بالإيمان.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن التمسك بإطلاق الخطاب إنما يصح إذا كان ما شك في قيديته من قبيل القسم الثاني لصحة الإطلاق- بمعنى رفض القيد المشكوك اعتباره- حينئذ قطعا، و بالتمسك به ينتفي الشك في إطلاق الحكم ثبوتا؛ لكشف إطلاقه إنا في مقام الإثبات عن إطلاقه ثبوتا، فيثبت إطلاق الحكم واقعا بالنسبة إلى القيد الذي يكون من قبيل القسم الثاني كالاستطاعة.

و أما إذا كان القيد من قبيل القسم الأول و هو ما لا يصح الخطاب بدونه كالقدرة العقلية أو العادية التي منها الابتلاء، فلا معنى للتمسك بالإطلاق في مرحلة الإثبات؛ لعدم إمكان الإطلاق في مقام الثبوت بعد دخل القدرة في التكليف حتى يستكشف بالإطلاق في مقام الإثبات، فكل خطاب محفوف بمقيد عقلي- و هو كون متعلقه مقدورا عقلا و مبتلى به عادة- لا يمكن تشريع الخطاب بنحو الإطلاق من دون هذا القيد العقلي ثبوتا حتى تصل النوبة إلى الإطلاق إثباتا، و مع تقييد إطلاق الحكم بالقدرة العادية لا يبقى إطلاق في مثل قوله: «لا تشرب الخمر» حتى يتمسك به في الشك في الابتلاء.

فيرجع الشك حينئذ إلى الشك في أصل الحكم، و المرجع فيه أصالة البراءة.

و المتحصل: التمسك بالإطلاق منوط بإحراز صحة إطلاق الخطاب ثبوتا في مشكوك القيدية كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة، فلا يصح التمسك به إذا لم يصح الخطاب ثبوتا بدون ذلك القيد المشكوك فيه كالابتلاء فيما نحن فيه.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) هذا تعليل لجريان البراءة و محصله: عدم منجزية العلم الإجمالي المثبت للتكليف؛ ما لم يكن المعلوم حكما فعليا على كل تقدير، و ذلك منوط بالابتلاء بتمام الأطرف، و المفروض: عدم إحراز الابتلاء بجميعها، فيصير الحكم مشكوكا فيه فتجري فيه البراءة.

(2) كما يقول الشيخ على ما عرفت ذلك.

(3) تعليل لعدم صحة التمسك بإطلاق الخطاب، و قد عرفت توضيح ذلك.

353

به (1) إلا فيما إذا شك في التقييد بشي‏ء بعد (2) الفراغ عن صحة الإطلاق بدونه، لا (3) فيما شك في اعتباره في صحته (4)، تأمل لعلك تعرف إن شاء الله تعالى.

____________

(1) أي: بالإطلاق، و ضمير «إنه» للشأن، و «بشي‏ء» متعلق ب «التقييد»، و ضمير «بدونه» راجع على «التقييد بشي‏ء»، أو إلى الشي‏ء و ذلك كالابتلاء الذي يتقيد كل خطاب به.

(2) متعلق ب «شك»، و إشارة إلى القسم الثاني من قسمي دخل القيد في الخطاب كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة، فإنه يصح التمسك بإطلاق الرقبة إذا شك في تقيدها به.

(3) عطف على «فيما إذا شك» و إشارة إلى القسم الأول من قسمي القيد و هو ما اعتبر في صحة نفس الخطاب، يعني: أنه لا يصح التمسك بالإطلاق فيما شك في تحقق ما اعتبر في صحة الإطلاق بدونه كالابتلاء، فإنه لا يصح الخطاب بدونه.

(4) أي: صحة الإطلاق، فلا يمكن التثبت بالإطلاق، إذا كان الشك في قيد لا يصح الإطلاق بدونه كما فيما نحن فيه، فإن الابتلاء قيد لا يصح الإطلاق بدونه، فإنه إذا كان إناء الجار خارجا عن محل الابتلاء لا يصح أن يطلق المولى.

قوله: «اجتنب عن إناء زيد»، و إنما يصح أن يقول: «اجتنب عنه إن ابتليت به». و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- الغرض من عقد هذا التنبيه: هو بيان شرط من شرائط فعلية الحكم و هو كون المكلف به موردا لابتلاء المكلف.

و قد تعرض المصنف في هذا التنبيه لجهتين:

إحداهما: في اعتبار الابتلاء بالمتعلق في صحة توجيه الخطاب إلى المكلف.

ثانيتهما: في حكم الشك في الابتلاء بعد الفراغ عن اعتباره.

و الشيخ أول من اعتبر هذا الشرط، غاية الأمر: أنه تعرض لاعتبار هذا الشرط في خصوص التكاليف التحريمية.

2- الكلام في الجهة الأولى: أن غرض الشارع من النهي عن فعل هو إحداث المانع في نفس المكلف عن ارتكاب متعلق النهي الواصل إليه؛ بحيث يستند ترك المنهي عنه إلى النهي. و هذا يتحقق في موردين.

354

الأول: أن لا يكون للمكلف داع إلى الترك أصلا و إنما حدث الداعي له إليه بنهي الشارع عنه.

الثاني: أن يكون له داع إلى الترك و لكن لو لا نهي الشارع ربما كانت وسوسة النفس تحمل المكلف على المخالفة، فتتأكد إرادة ترك المنهي عنه بواسطة النهي فيجتنب عن الحرام.

و كيف كان؛ فالنهي عن فعل متروك بنفسه لغو؛ بل يكون من طلب الحاصل المحال، و بهذا يظهر وجه اشتراط تنجيز العلم الإجمالي بكون تمام الأطراف مورد الابتلاء.

و بالجملة: إن الشي‏ء إذا كان بنفسه متروكا بحيث لا يبتلي به المكلف عادة حتى يحصل له داع إلى فعله فلا وجه للنهي عنه لعدم صلاحية النهي لإيجاد الداعي إلى الترك، فيكون النهي لغوا، و اللغو مناف للحكمة فلا يصدر من الحكيم.

3- الكلام في الجهة الثانية: و هي بيان حكم الشك في الابتلاء، فإذا شك في كون بعض الأطراف خارجا عن مورد الابتلاء من جهة الشك في مفهومه بناء على اعتبار دخول جميع الأطراف في محل الابتلاء في صحة التكليف. فهل يرجع إلى إطلاقات أدلة التكليف فيحكم بالتنجيز في الطرف المبتلى به، أو إلى أصل البراءة؟

ذهب الشيخ «(قدس سره)» إلى الأول بدعوى: أن إطلاق الدليل هو المرجع ما لم يثبت التقييد، فإن مقتضى الإطلاق هو العلم بالتكليف الفعلي، فلا يجري الأصل في أطرافه.

و ذهب المصنف «(قدس سره)» إلى الثاني بدعوى: أن التمسك بالإطلاق في مقام الإثبات إنما هو فرع إمكان الإطلاق في مقام الثبوت، و مع الشك في إمكان الإطلاق ثبوتا لا أثر للإطلاق إثباتا كما هو الحال في المقام؛ لأن الشك في دخول بعض الأطراف في محل الابتلاء من حيث المفهوم يكون شكا في إمكان الإطلاق بالنسبة إليه. و مع الشك في الإمكان ثبوتا لا ينفع الرجوع إلى الإطلاق إثباتا؛ لأن التمسك بالإطلاق منوط بإحراز صحة إطلاق الخطاب ثبوتا في مشكوك القيدية كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة، فلا يصح التمسك به إذا لم يصح الخطاب ثبوتا بدون ذلك القيد المشكوك فيه كالابتلاء فيما نحن فيه.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- اعتبار دخول جميع الأطراف في محل الابتلاء في فعلية الحكم و تنجزه بالعلم الإجمالي.