دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
355

الثالث (1): أنه قد عرفت أنه مع فعلية التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن تكون‏

____________

2- المرجع عند الشك في خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء هو: أصل البراءة لا إطلاق الدليل.

[التنبيه الثالث في الشبهة غير المحصورة]

(1) الغرض من عقد هذا التنبيه: بيان أمرين:

الأول: أن ما قيل من كثرة الأطراف بنفسها مانعة عن فعلية التكليف و عن تنجيز العلم الإجمالي فيها مما لا أصل له و لا دليل عليه، و ضمير «أنه» الأول كالثاني للشأن.

الثاني: أن مرجع الشك في عروض ما يوجب ارتفاع فعلية التكليف هل هو إطلاق الدليل أم أصالة البراءة؟

و خلاصة ما أفاده المصنف «(قدس سره)» في الأمر الأول: هو عدم الفرق بين الشبهتين مع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال. و عرفت سابقا: أن المدار في تنجيز العلم الإجمالي للتكليف إنما هو فعلية التكليف من جميع الجهات لا قلة أطرافها، فلو كان التكليف المعلوم بالإجمال فعليا تنجز بالعلم الإجمالي، من دون تفاوت بين أن تكون الأطراف محصورة أو غير محصورة، فلا ينبغي حينئذ عقد مقامين للشبهة الموضوعية التحريمية أحدهما: للمحصورة و الآخر لغير المحصورة كما و صنعه الشيخ، و اختار في الثاني منهما عدم وجوب الاحتياط، و استدل عليه بوجوه ستة أولها الإجماع، راجع «دروس في الرسائل، ج 3، ص 275».

و كيف كان؛ فالمدار في تنجيز العلم الإجمالي عند المصنف إنما هو فعلية التكليف لا قلة الأطراف كما يقول الشيخ «(قدس سره)».

نعم؛ ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر أو ضرر أو غيرهما مما لا يكون التكليف معه فعليا، فلا يجب حينئذ الاحتياط؛ لكن يمكن طروء هذه الموانع في الشبهة المحصورة أيضا، فلا خصوصية لعدم انحصار أطراف الشبهة في عدم وجوب الاحتياط.

و لذا يقول المصنف: بعدم تفاوت بين الشبهتين مع فعلية التكليف بمعنى: أنه يجب الاحتياط فيهما معها.

و لكن الشيخ «(قدس سره)» بحث عنها مفصلا، و ذهب إلى عدم وجوب الاحتياط فيها من ناحية كثرة الأطراف، و تبعه غيره من الأعلام، فالمسألة حينئذ ذات قولين على الأقل. هذا تمام الكلام في الأمر الأول.

و أما الأمر الثاني الذي أشار إليه بقوله: «و لو شك في عروض الموجب» فتوضيحه‏

356

أطرافه محصورة، و أن تكون غير محصورة (1).

نعم؛ ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعية باجتناب كلها (2)، أو ارتكابه (3)، أو ضرر (4) فيها أو غيرهما (5) مما لا يكون ...

____________

يتوقف على مقدمة و هي: أن في المسألة صورتين:

الأولى: أن يكون دليل التكليف المعلوم بالإجمال لفظيا مطلقا كقوله: «اجتنب عن المغصوب»، و يستلزم الاجتناب عن الجميع ضررا ماليا، و يكون الشك في جريان نفي الضرر هنا من جهة عدم العلم بحدود مفهومه و قيوده، فإن كان المقام من موارد الضرر المنفي في الشريعة المقدسة كانت القاعدة حاكمة و موجبة لسقوط العلم الإجمالي حينئذ عن التأثير، و إن لم يكن من موارده أو شك في كونه من موارده كان المعلوم فعليا منجزا.

الثانية: أن يكون دليل الحكم المعلوم إجمالا لبيا كالإجماع أو لفظيا مجملا و اشتبه المحرم بين أطراف غير محصورة، و شك في استلزام الاجتناب عن الجميع لعروض مانع عن التكليف من العسر و الحرج و نحوهما.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المرجع في الصورة الأولى هي قاعدة الاشتغال، و هي لزوم الاجتناب عن جميع الأطراف إلا ما علم كونه مستلزما للضرر أو الحرج أو نحوهما.

و المرجع في الثانية أصالة البراءة للشك في التكليف الفعلي مع احتمال ارتفاعه بالمانع.

و الفرق بين الصورتين: أن الدليل إذا كان لبيا كما في الصورة الثانية لا يجب الأخذ إلا بالمتيقن منه، و هو ما علم ثبوته، و عدم عروض شي‏ء من الموانع حتى ما يشك في مانعيته. هذا بخلاف الدليل اللفظي كما في الصورة الأولى، فإن إطلاقه محكم و به يدفع احتمال قيدية المشكوك و يثبت به الحكم.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) سيأتي بيان بعض ما قيل في تحديد عدم الحصر.

(2) هذا في الشبهة التحريمية، كما إذا تردد إناء الخمر بين ألفي إناء مثلا.

(3) أي: ارتكاب كل الأطراف، و هذا في الشبهة الوجوبية؛ كما إذا تردد زيد العالم الواجب إكرامه بين ألفي شخص مثلا.

(4) بالجر عطف على «عسر»، و ضمير «فيها» راجع على «موافقته» أي: موجبة لضرر في الموافقة القطعية.

(5) أي: غير العسر و الضرر من موانع فعلية التكليف؛ كخروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء.

357

معه (1) التكليف فعليا بعثا أو زجرا فعلا، و ليس (2) بموجبة لذلك (3) في غيره، كما أن نفسها (4) ربما تكون موجبة لذلك (5) و لو كانت (6) قليلة في مورد آخر (7).

فلا بد (8) من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال أنه (9)

____________

(1) الضمير راجع على الموصول في «مما» المراد به مانع فعلية التكليف غير العسر و الضرر، و «بعثا، أو زجرا» قيدان للتكليف.

(2) عطف على «موجبة» و في بعض النسخ «و ليست» يعني: أن كثرة الأطراف قد تكون موجبة لأحد موانع الفعلية في مورد، و لا تكون موجبة في غير ذلك المورد، فلا تلازم بين كثرة الأطراف و بين وجود بعض موانع الفعلية، و الأولى أن يقال: «و غير موجبة لذلك في غيره».

(3) يعني: لا تكون كثرة الأطراف موجبة للعسر في غير ذلك المورد، مثلا لو اشتبهت حبة من الحنطة النجسة في ألف حبة لا يوجب الاجتناب عن الألف عسرا.

(4) أي: نفس الموافقة القطعية ربما تكون موجبة لذلك العسر.

(5) يعني: لأحد موانع الفعلية، و لو كانت الأطراف قليلة، بمعنى: أنه قد يتفق عروض أحد موانع الفعلية في صورة قلة الأطراف أيضا، كما إذا اشتبه الماء المطلق بين إناءين مثلا، و كانت الموافقة القطعية بالتوضؤ بهما معا موجبة للعسر أو الضرر.

(6) كلمة لو وصلية، فالمعنى و لو كانت الأطراف قليلة في مورد آخر، يعني: غير المورد الذي أوجبت فيه كثرة الأطراف عروض بعض الموانع عن فعلية التكليف.

(7) كما لو كانت المخابز في البلد خمسين و علمنا بنجاسة أحدها، فإنّ الاجتناب عن الجميع مقدمة للموافقة القطعية موجب للعسر، و بهذا تبين: أن ليس للعسر الذي هو مناط لسقوط التكليف ميزان خاص، فقد تكون الأطراف كثيرة و لا يوجب الاجتناب عسرا، و قد تكون الأطراف قليلة و يوجب الاجتناب عسرا، فليس المناط هو المحصورة و غير المحصورة و إنما المناط هو العسر و الضرر و الخروج عن محل الابتلاء كما تقدم.

(8) الظاهر عدم الحاجة إليه، إذ المستفاد من كلامه: أن التكليف من البعث أو الزجر لا يكون فعليا مع أحد هذه الموانع، فقوله: «فعلا» مستدرك فحق العبارة أن تكون هكذا:

مما لا يكون معه التكليف البعثي أو الزجري فعليا. الأولى أن تكون العبارة هكذا: فلا بد من ملاحظة أنه يكون في هذا المورد ذلك الموجب لرفع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال أو لا يكون عن فعلية التكليف، كما في هامش «منتهى الدراية، ج 6، ص 112».

(9) أي: الموجب، و الأولى أن يقال: «و أنه يكون»، و «يكون» في المواضع الثلاثة

358

يكون أو لا يكون في هذا المورد، أو يكون (1) مع كثرة أطرافه، و ملاحظة (2) أنه مع أية مرتبة من كثرتها كما لا يخفى.

و لو شك (3) في عروض الموجب فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان (4)؛ و إلا (5) فالبراءة لأجل الشك في التكليف الفعلي.

هذا (6) هو حق القول في المقام.

____________

تامة، يعني: هل يوجد المانع الفعلية في ذلك المورد مطلقا أي: من غير فرق بين قلة الأطراف و كثرتها، أم يوجد المانع مع كثرة الأطراف فقط.

(1) هذا عدل لقوله: «أنه يكون ...».

(2) أي: مع ملاحظة أن الموجب لرفع فعلية التكليف يوجد مع أية مرتبة من مراتب الكثرة و لا يوجد مع أية منها؛ إذ يمكن أن يكون ذلك الموجب مع بعض المراتب لا جميعها، و ضمير «أنه» راجع على الموجب، و ضمير «أطرافه» راجع على «المعلوم بالإجمال»، و ضمير «كثرتها» راجع على الأطراف.

(3) هذا هو الأمر الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه في بداية هذا التنبيه، و هو بيان حكم الشك في ارتفاع فعلية التكليف من جهة الشك في طروء الرافع لها مثل الضرر و العسر مثلا.

توضيح ذلك: أنه بناء على ما تقدم من منجزية العلم الإجمالي بفعلية التكليف في الشبهة غير المحصورة أيضا، فإذا شك في أن الاجتناب عن جميع الأطراف هل يستلزم الضرر المنفي أو العسر و الحرج الشديدين حتى يرتفع التكليف به أم لا؟ ففي المسألة صورتان، و قد تقدم توضيح المسألة بكلتا صورتيها، فلا حاجة إلى التكرار و الإعادة.

و أضربنا عن تطويل الكلام في المقام رعاية للاختصار.

(4) أي: لو ثبت إطلاق، ف «كان» هنا تامة. يعني: فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان إطلاق في المقام، فيقال أن قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ مطلق و لا يعلم وجود عسر في المقام رافع لهذا التكليف فالمرجع هو الإطلاق.

(5) أي: و إن لم يكن إطلاق في البين، كما إذا كان الدليل لبيا أو لفظيا مجملا، فالمرجع أصالة البراءة؛ لكون الشك في التكليف.

(6) أي: التفصيل في رعاية المعلوم بالإجمال و عدمها بين ما إذا ثبت بدليل لفظي مطلق، و بين ما إذا ثبت بغيره من إجماع و غيره، فالمرجع هو لزوم الاحتياط على الأول،

359

و ما قيل (1) في ضبط المحصور و غيره لا يخلو من الجزاف.

____________

و أصالة البراءة في الثاني. و هكذا التفصيل بين كون التكليف فعليا من جميع الجهات و بين عدم كونه كذلك حيث يجب الاحتياط على الأول، من دون فرق بين الشبهة المحصورة و بين الغير المحصورة، و لا يجب الاحتياط على الثاني كذلك.

(1) في تعريف الشبهة غير المحصورة لا يخلو من الجزاف؛ إذ لا دليل على شي‏ء من التعريفات المذكورة، مضافا إلى ورود الإشكال فيها.

توضيح ذلك: أنه قد عرفت الشبهة غير المحصورة بوجوه:

منها: أن غير المحصورة ما يعسر عده.

و فيه أولا: أنه إحالة إلى أمر غير منضبط؛ لاختلاف الأشخاص و الأزمان في تحقق العسر بالعد.

و ثانيا: أن العسر قد يعد بالنسبة إلى بعض الأشياء من الشبهة غير المحصورة؛ كتردد شاة محرمة بالغصب أو غيره بين عشرة آلاف شاة، و قد لا يعد من الشبهة غير المحصورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، كتردد حبة واحدة متنجسة من الحنطة مثلا بين مائة ألف حبة، فإن العسر مع تحققه في كليهما لا يوجب كون المثال الثاني من الشبهة غير المحصورة.

و ثالثا: أن التحديد بالعسر ناظر إلى ما يرفع الحكم، و من المعلوم: أن المناط حينئذ هو لحاظ ذلك العنوان الرافع بالنسبة إلى عمل المكلف، فالعسر يرفع الفعل العسري أو الترك كذلك. و أما عسر العد مع عدم العسر في الفعل أو الترك فلا تصلح لرفع الحكم حتى يناط به حد الشبهة غير المحصورة.

و منها: أن الشبهة غير المحصورة ما تعسر موافقتها القطعية.

و فيه أولا: أنه تعريف باللازم الأعم؛ لعدم اختصاص العسر المزبور بالشبهة غير المحصورة، إذ قد يتفق ذلك في المحصورة أيضا.

ثانيا: أن عسر الامتثال اليقيني لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي حتى يرفع التكليف رأسا كما هو المقصود في غير المحصورة؛ بل يوجب التنزل إلى الإطاعة الاحتياطية الناقصة.

ثالثا: أنه لا انضباط لاختلافه بحسب الأشخاص و الأزمان، فالإحالة إليه إحالة إلى أمر مجهول.

و منها: أن الضابط هو الصدق العرفي، فما صدق عليه عرفا أنه غير محصور ترتب عليه حكمه.

360

و فيه أولا: أن الرجوع إلى العرف في تشخيص المفاهيم إنما يكون في الألفاظ الواقعة في الأدلة الشرعية لترتيب ما لها من الأحكام عليها، و من المعلوم: أن لفظ «غير المحصورة» لم يقع في شي‏ء من تلك الأدلة حتى يرجع في تشخيص مفهومه إلى العرف، بل هو اصطلاح مستحدث من الأصوليين.

و ثانيا: أن الرجوع إلى العرف لا يوجب تميز ضابط غير المحصور عن المحصور؛ إذ ليس له معنى متأصل عندهم، بل هو من الأمور الإضافية التي تختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان، فلا جدوى في الرجوع إليهم في تعيين ما هم فيه مختلفون.

و هناك تعريفات كثيرة للشبهة غير المحصورة تركنا ذكرها رعاية للاختصار.

فالمتحصل: أن ما ذكر لها من الضوابط و التعريفات لا يخلو من الجزاف؛ لما عرفت من عدم دليل على شي‏ء منها، مضافا إلى ما ورد من الإشكال على كل واحد منها.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- الغرض من عقد هذا التنبيه بيان أمرين:

الأول: أن ما قيل من كون كثرة الأطراف مانعة عن فعلية التكليف و عن تنجيز العلم الإجمالي فيها مما لا أصل له و لا دليل عليه.

الثاني: أن مرجع الشك في عروض ما يوجب ارتفاع فعلية التكليف هل هو إطلاق الدليل أم أصالة البراءة؟

2- خلاصة بيان الأمر الأول هو: عدم الفرق بين الشبهتين في وجوب الاحتياط مع فعلية التكليف المعلوم بالإجمال؛ بل المدار في تنجيز العلم الإجمالي هو فعلية التكليف من جميع الجهات لا قلة الأطراف، فلا ينبغي حينئذ عقد مقامين أحدهما للشبهة المحصورة و الآخر لغير المحصورة كما صنعه الشيخ «(قدس سره)» نعم؛ ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر أو ضرر أو غيرهما مما لا يكون التكليف معه فعليا، فلا يجب حينئذ الاحتياط؛ لكن يمكن طروء هذه الموانع للشبهة المحصورة أيضا فلا خصوصية لعدم انحصار أطراف الشبهة في عدم وجوب الاحتياط.

و لكن الشيخ «(قدس سره)» قال بعدم وجوب الاحتياط في غير المحصورة، و تبعه غيره من الأعلام، فالمسألة ذات قولين.

361

3- و أما خلاصة بيان الأمر الثاني:- و هو بيان حكم الشك في عروض ما يوجب ارتفاع فعلية التكليف من العسر و نحوه-.

فتوضيحه يتوقف على مقدمة و هي: أن دليل التكليف المعلوم إجمالا على قسمين:

الأول: أن يكون لفظيا مطلقا نحو: «اجتنب عن المغصوب»، و كان الاجتناب عن جميع الأطراف مستلزما لضرر مالي، و يكون الشك في جريان نفي الضرر هنا من جهة عدم العلم بحدود مفهومه و قيوده.

فإن كان المقام من موارد الضرر المنفي في الشريعة: كانت القاعدة حاكمة و موجبة لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير.

و إن لم يكن من موارده، أو شك في كونه من موارده: كان المعلوم بالإجمال فعليا منجزا.

القسم الثاني: أن يكون الدليل لبّيا كالإجماع أو مجملا و اشتبه الحرام بين أطراف غير محصورة، و شك في استلزام الاجتناب عن الجميع لعروض مانع عن التكليف من العسر و الحرج و نحوهما.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المرجع في القسم الأول هي قاعدة الاشتغال، فيجب الاجتناب عن جميع الأطراف، و في القسم الثاني أصل البراءة للشك في التكليف الفعلي.

4- و ما قيل في ضبط المحصور و غيره لا يخلو عن الجزاف؛ إذ لا دليل على شي‏ء من الضوابط المذكورة للحصر و عدمه، مضافا إلى ما ورد من الإشكال على كثير منها كما يظهر من مراجعة الكتب المبسوطة.

5- نظريات المصنف «(قدس سره)»:

1- عدم الفرق بين الشبهة المحصورة و غير المحصورة في وجوب الاحتياط إذا كان التكليف المعلوم بالإجمال فعليا من جميع الجهات.

2- الملاك في وجوب الاحتياط هو: فعلية التكليف لا الحصر، و قلة أطراف العلم الإجمالي.

3- المرجع عند الشك في عروض ما يوجب ارتفاع فعلية التكليف هو: إطلاق الدليل إن كان و إلا فأصل البراءة.

4- عدم صحة ما ذكر م الضوابط للشبهة غير المحصورة.

362

الرابع (1): أنه إنما يجب عقلا رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف، مما يتوقف‏

____________

[التنبيه الرابع في حكم ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي‏]

(1) الغرض من عقد هذا التنبيه هو: بيان حكم ملاقي بعض أطراف الشبهة التي تنجز فيها التكليف، سواء كانت محصورة أم غيرها، و إن اشتهر في الألسنة و الكتب:

جعل العنوان ملاقي الشبهة المحصورة.

قال في العروة: «ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة» (1). إلا إن هذا الاشتهار مبني على مذاق القوم الذين جعلوا مدار تنجيز العلم الإجمالي على حصر الأطراف، دون المصنف «(قدس سره)» الذي جعل مداره على فعلية التكليف كما عرفت في التنبيه الثالث، فعلى هذا المسلك يتعين جعل العنوان ملاقي بعض أطراف الشبهة التي تنجز فيها التكليف؛ محصورة كانت أم غيرها.

و كيف كان؛ فينبغي قبل الخوض في البحث بيان ما هو محل الكلام في هذا التنبيه فيقال: إن الكلام إنما هو فيما إذا كانت الملاقاة مختصة ببعض الأطراف لا جميعها؛ إذ لو فرضنا أن شيئا لا في جميع الأطراف فهو معلوم النجاسة تفصيلا و خارج عن محل الكلام، و كذا لو فرضنا شيئين لاقى أحدهما طرفا من العلم الإجمالي و الآخر لاقى الطرف الآخر، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن كلا الملاقيين، كوجوب الاجتناب عن نفس الطرفين. فهذا الغرض أيضا خارج عن محل الكلام.

هذا تمام الكلام في بيان ما هو محل الكلام و النزاع.

و كيف كان؛ فقد وقع الخلاف في حكم ملاقي بعض المشتبهين بالنجس، بمعنى: أنه هل يحكم بتنجس ملاقيه مطلقا أم لا يحكم بتنجسه مطلقا، أم فيه تفصيل؟ وجوه؛ بل أقوال:

الأول: ما حكي عن العلامة في المنتهى و ابن زهرة في الغنية من تنجس الملاقي و وجوب الاحتياط مطلقا.

الثاني: ما ذهب إليه المشهور من عدم تنجس ملاقي النجس مطلقا.

الثالث: ما أفاده المصنف في الكفاية من التفصيل بين صور ثلاث.

هذا بيان مجمل الوجوه و الأقوال في المسألة. و أما وجه هذه الأقوال فيقال: إن القول الأول و الثاني مبنيان على أن وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس هل هو من شئون الحكم و هو وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- من جهة الملازمة عرفا، بين وجوب‏

____________

(1) العروة الوثقى 1: 114/ المسألة 154.

363

على اجتنابه (1) أو ارتكابه (2) حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين في‏

____________

الاجتناب عن النجس، و بين وجوب الاجتناب عن ملاقيه، أو من جهة تحقق الموضوع و هو التنجس بالملاقاة.

فعلى الأول: يجب الاجتناب عن ملاقي أحد الطرفين؛ و ذلك لتحقق الحكم بوجوب الاجتناب في الملاقى- بالفتح- و المفروض: أن الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- من شئون الحكم بوجوبه عن الملاقى- بالفتح- و الملازمة بينهما و على الثاني لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- و ذلك لعدم العلم لملاقاته للجنس؛ لأن المفروض:

أن الحكم بوجوب الاجتناب في الملاقي تابع لتحقق نجاسته بالملاقاة مع النجس و هي مشكوكة، فتجري فيه أصالة الطهارة و الحلية.

(1) إشارة إلى الشبهة التحريمية.

(2) إشارة إلى الشبهة الوجوبية. و الضمير في «غيرها» راجع على الأطراف.

و أما توضيح ما أفاده المصنف «(قدس سره)» من التفصيل بين صور ثلاث فيتوقف على مقدمة و هي: بيان تلك الصور الثلاث:

فالصورة الأولى: هي ما إذا تقدم العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين، و تأخرت الملاقاة و العلم بها.

و الصورة الثانية: هي ما إذا لاقى ثوب المكلف الإناء الأحمر، ثم غفل المكلف عن هذه الملاقاة إلى أن علم إجمالا بنجاسة ثوبه أو الإناء الأبيض، فوجب الاجتناب عن الثوب و الإناء الأبيض بهذا العلم الإجمالي، ثم ارتفعت الغفلة و علم بالملاقاة سابقا، ثم علم إجمالا بالعلم الإجمالي الثاني بنجاسة الإناء الأحمر أو الإناء الأبيض. هذا هو المورد الأول لهذه الصورة، و هناك مورد ثان و هو: ما إذا لاقى ثوب المكلف أحد الإناءين، ثم علم إجمالا بنجاسة أحدهما، و قد خرج الملاقى- بالفتح- عن مورد الابتلاء حين العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين.

الصورة الثالثة: هي ما إذا لاقى ثوب المكلف أحد الإناءين، ثم علم إجمالا بنجاسة أحدهما مع فرض كلا الإناءين موردا لابتلاء المكلف. و بعبارة أخرى: الصورة الثالثة هي حصول العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين بعد العلم بملاقاة الثوب بأحدهما.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن هذه الصور الثلاث تختلف حكما، بمعنى: أنه لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- في الصورة الأولى؛ بل يجب الاجتناب عن‏

364

الملاقى- بالفتح- فقط. و يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى- بالفتح- في الصورة الثانية.

و يجب الاجتناب عنهما معا في الصورة الثالثة.

و أما وجه كل واحدة من هذه الصور الثلاث فيتوقف بيانه على مقدمة: و هي بيان أمور:

1- أن هناك خطابات عديدة في الشرع نحو: «اجتنب عن النجس» و «اجتنب عن المتنجس» و «اجتنب عن ملاقي النجس» و «اجتنب عن ملاقي المتنجس» و «اجتنب عن ملاقي جميع أطراف العلم الإجمالي بالنجس».

2- التكليف المنجز- سواء كان تنجزه بالعلم التفصيلي أو الإجمالي- لا يتنجز ثانيا.

3- أن تنجز التكليف بالعلم الإجمالي إنما هو بتعارض الأصول في أطراف العلم الإجمالي مثلا: أصالة الطهارة أو استصحابها في كل طرف معارض بأصالة الطهارة أو استصحابها في الطرف الآخر، فعلى فرض تنجز التكليف في أحد الطرفين أو خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء، ينتفي التعارض بين الأصول؛ إذ لا يجري الأصل في طرف المنجز أو الخارج عن مورد الابتلاء، و يجري في الطرف الآخر بلا معارض أصلا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا يجب الاجتناب عن ملاقي بعض الأطراف في الصورة الأولى؛ إذ لا يعلم أنه اجتناب عن ملاقي النجس أو المتنجس- كما هو مقتضى الأمر الأولي في المقدمة- لاحتمال أن يكون النجس أو المتنجس هو الطرف الآخر غير الطرف الملاقى- بالفتح- فيجب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- فقط- لكونه من أطراف العلم الإجمالي، دون الملاقي- بالكسر- لعدم العلم بكونه ملاقيا للنجس.

و أما الصورة الثانية: فلها موردان، و حكم كلا الموردين هو وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى- بالفتح-.

و المورد الأول: هو ما إذا لاقى ثوب المكلف بالإناء الأحمر مثلا، ثم حدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي- بالكسر- و هو الثوب أو الإناء الأبيض حين كون المكلف غافلا عن ملاقاة الثوب مع الإناء الأحمر، فتنجز التكليف بوجوب الاجتناب عن الثوب- و هو الملاقي- و عن الإناء الأبيض بهذا العلم الإجمالي، ثم علم إجمالا بنجاسة الإناء الأحمر أو الإناء الأبيض.

و هذا العلم الإجمالي الثاني لا يؤثر في وجوب الاجتناب عن الإناء الأبيض لما في‏

365

البين دون غيرها و إن كان حاله حال بعضها (1) في كونه محكوما بحكم (2) واقعا.

و منه (3) ينقدح الحال في مسألة ملاقاة شي‏ء مع أحد أطراف النجس المعلوم‏

____________

المقدمة من أن المنجز لا يتنجز؛ إذ وجوب الاجتناب فيه قد تنجز بالعلم الإجمالي الأول، فلا يجري فيه الأصل و يجري الأصل في جانب الإناء الأحمر بلا معارض، فلا يجب الاجتناب عنه و هو- الملاقى- بالفتح- على الفرض، فالنتيجة هي: وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- و هو الثوب دون الملاقى- بالفتح- و هو الإناء الأحمر.

و المورد الثاني هو ما إذا علم بملاقاة ثوب المكلف بالإناء الأحمر مثلا، ثم حدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى- و هو الإناء الأحمر- أو الطرف الآخر و هو الإناء الأبيض حين خروج الإناء الأحمر عن مورد الابتلاء، فيجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- و هو الثوب دون الملاقى- بالفتح- و هو الإناء الأحمر؛ لكونه خارجا عن مورد الابتلاء، و قد عرفت في المقدمة اعتبار الدخول في مورد الابتلاء في تنجز التكليف بالعلم الإجمالي.

فحاصل الكلام في الصورة الثانية هو: وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- في الموردين دون الملاقى- بالفتح-.

و الصورة الثالثة: هي ما إذا علم بملاقاة ثوب المكلف بالإناء الأحمر، ثم علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين أعني: الأحمر أو الأبيض، فيجب الاجتناب عن الملاقي و الملاقى معا، و ذلك لكون العلم الإجمالي متعلقا بالأطراف الثلاثة دفعة واحدة؛ إذ تصبح حينئذ جميع الأطراف- و هي الملاقي و الملاقى و الطرف الآخر- من أطراف العلم الإجمالي، فيجب الاجتناب عن الجميع. هذا هو معنى وجوب الاجتناب عنهما معا. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام المصنف في المقام.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: بعض الأطراف، و ضميرا «حاله، كونه» راجعان على «غيرها».

(2) الصواب «بحكمه» باتصال الضمير به، يعني: و إن كان حال ذلك الغير المغاير للأطراف- و هو الملاقي- حال بعض الأطراف و هو الملاقى بحسب الواقع من حيث الطهارة أو النجاسة.

(3) أي: و مما ذكرناه- من اختصاص حكم العقل بلزوم الاجتناب من باب المقدمة العقلية بخصوص الأطراف دون غيرها كالملاقي لبعضها- ظهر: أنه يجب التفصيل في حكم الملاقي لبعض أطراف النجس المعلوم إجمالا بالاجتناب تارة عن الملاقي دون ملاقيه، و أخرى بالعكس، و ثالثة عن كليهما، فالصور ثلاث، و قد عرفت بيانها تفصيلا.

366

بالإجمال، و أنه (1) تارة: يجب الاجتناب عن الملاقى (2) دون ملاقيه، فيما كانت الملاقاة بعد العلم إجمالا بالنجس بينها (3)، ...

____________

(1) عطف تفسيري للحال و الضمير للشأن.

(2) بالفتح كالإناء الأحمر في المثال المذكور في مقام توضيح كلام المصنف «(قدس سره)». قوله: «فيما» متعلق ب «يجب».

(3) أي: بين الأطراف، و هذا بيان للصورة الأولى، و قد عرفت حالها و نزيدها توضيحا، فنقول: إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين المفروض أحدهما أحمر و الآخر أبيض، ثم علم بملاقاة ثوب للأحمر مثلا، وجب الاجتناب عقلا عن خصوص الطرفين دون الثوب الملاقي لأحدهما؛ لعدم كون الاجتناب عنه مقدمة علمية لامتثال خطاب «اجتنب عن النجس» المعلوم إجمالا المردد بين الإناءين. و احتمال نجاسة الملاقي و إن كان موجودا؛ إلا إنه على تقدير نجاسته يتوقف وجوب الاجتناب عنه على خطاب آخر غير الخطاب المعلوم بالإجمال و هو «اجتنب عن ملاقي النجس»، و لما كانت ملاقاة النجس مشكوكة لأنه لاقى محتمل النجاسة و لم يلاق النجس المعلوم فتوجه خطاب آخر أعني:

«اجتنب عن الملاقي للنجس» إلى المكلف غير معلوم، و مقتضى الأصل الموضوعي أعني:

استصحاب عدم الملاقاة للنجس أو الأصل الحكمي كاستصحاب الطهارة أو قاعدتها هو عدم وجوب الاجتناب عنه لسلامة أصله من التعارض و الحكومة، فإن الشك في نجاسته و إن كان ناشئا من الشك في نجاسة الملاقي و مسببا عنه، و مقتضى حكومة الأصل السببي على المسببي عدم جريان الأصل فيه؛ إلا إن سقوط أصل الملاقى بالمعارضة مع أصل طرفه أوجب سلامة الأصل و جريانه في ملاقيه بلا مانع من التعارض و الحكومة.

لا يقال: إنه يحدث بالملاقاة علم إجمالي آخر طرفاه الملاقي- بالكسر- و هو الثوب في المثال المذكور و عدل الملاقى- بالفتح- و هو الإناء الأبيض، و هو يوجب الاجتناب عن الملاقي أعني: الثوب أيضا، و لا يجري الأصل النافي فيه للتعارض، كما لا يجري في الأصلين.

فإنه يقال: إن هذا العلم الإجمالي و إن كان يحدث حينئذ قطعا؛ لكنه غير مؤثر في توجيه الخطاب بالملاقي، لتنجز أحد طرفيه- أعني به عدل الملاقى- بمنجز سابق و هو العلم الإجمالي الأول الدائر بين الأصلين، فلا أثر للعلم الإجمالي الثاني في تنجزه من جديد؛ لعدم تنجز المنجز ثانيا.

هذا مجمل الكلام حول عدم تنجز التكليف بالعلم الإجمالي الثاني بالنسبة إلى الملاقي.

367

فإنه (1) إذا اجتنب عنه و طرفه (2) اجتنب عن النجس في البين قطعا، و لو (3) لم يجتنب عما يلاقيه، فإنه (4) على تقدير نجاسته لنجاسته (5) كان فردا آخر من النجس قد شك في وجوده كشي‏ء آخر شك في نجاسته بسبب آخر (6).

و منه (7) ظهر: أنه لا مجال لتوهم أن ...

____________

(1) هذا تعليل لوجوب الاجتناب عن الملاقى دون ملاقيه، و قد عرفت توضيحه مفصلا. و ضمير «فإنه» إما راجع على المكلف، و إما للشأن.

(2) بالجر عطف على ضمير «عنه» و ضمير «عنه» راجعان على الملاقى.

و المراد بقوله: «عن النجس» هو النجس المعلوم إجمالا.

(3) كلمة «لو» وصلية، يعني: حتى إذا لم يجتنب عن الملاقي، و لكن اجتنب عن الملاقى و طرفه؛ لما عرفت: من أن ملاقيه على تقدير نجاسته فرد آخر للنجس، و ليس مما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال حتى يشمله خطابه و يتوقف امتثاله على اجتناب ما يلاقي بعض الأطراف.

(4) تعليل لتحقق امتثال خطاب «اجتنب عن النجس» بمجرد الاجتناب عن الأصلين، من دون توقفه على الاجتناب عن الملاقي.

(5) أي: لنجاسة الملاقى، و ضميرا «فإنه، نجاسته» راجعان على الملاقي، و قوله:

«كان» خبر «فإنه».

(6) يعني: كشي‏ء آخر لا علاقة له بالطرفين و لا بالملاقي، حيث لا يجب الاجتناب عنه فيما إذا شك في نجاسته بسبب آخر غير ملاقاته ببعض أطراف العلم الإجمالي؛ كما إذا شك- بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين بالبول مثلا- في نجاسة العباءة بالدم أو غيره، فإن من الواضح عدم توقف اليقين بامتثال «اجتنب عن النجس» المردد بين الإناءين على اجتناب العباءة؛ لتعدد الخطاب.

هذا كله بناء على أن يكون الاجتناب عن الملاقي للنجس للتعبد و كونه موضوعا آخر. و أما بناء على السراية فسيأتي فانتظر.

(7) أي: و من كون الملاقي لبعض الأطراف على تقدير نجاسته بإصابته للنجس واقعا فردا آخر للنجس، لا علاقة له بأطراف المعلوم بالإجمال حتى يتوقف امتثاله على اجتنابه أيضا ظهر: أنه لا وجه لتوهم اقتضاء نفس دليل وجوب الاجتناب عن النجس لوجوب الاجتناب عن ملاقيه، بدعوى: أن الملاقي من شئون الملاقى.

و هذا الكلام من المصنف إشارة إلى القول بوجوب الاجتناب عن ملاقي النجس‏

368

المعلوم بالعلم الإجمالي «و لذا استدل السيد أبو المكارم في الغنية (1) على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (2). و يدل عليه أيضا ما في بعض الأخبار من الاستدلال على حرمة الطعام الذي ماتت فيه فارة بأن الله سبحانه حرم الميتة، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه ...» (3).

و كيف كان؛ فلا بد أوّلا من بيان ما استدل به على توهم وجوب الاجتناب عن الملاقي، و ثانيا من الجواب عن الاستدلال عليه.

و حاصل الاستدلال على التوهم هو: دعوى الملازمة بين المتلاقيين في الحكم، و قد قيل في وجه ذلك أمران:

أحدهما: ظهور الآية المباركة في الملازمة بين وجوب هجر عين النجس و الاجتناب عنه، و بين وجوب هجر ما يلاقيه، و لو لا هذا الظهور لم يتجه استدلال السيد أبي المكارم «(قدس سره)»- على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة و وجوب الاجتناب عنه- بالآية الشريفة.

وجه الظهور: لزوم هجر النجس بتمام شئونه و توابعه، و من توابعه ملاقيه فيجب هجره أيضا.

ثانيهما: رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر «(عليه السلام)» قال «أتاه رجل فقال: وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال: فقال أبو جعفر «(عليه السلام)»: لا تأكله، فقال له الرجل: الفارة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال «(عليه السلام)»: إنك لم تستخف بالفارة و إنما استخففت بدينك، إن الله حرّم الميتة من كل شي‏ء» (4).

و تقريب دلالتها على المدعى- أعني به: كون نجاسته الملاقي للميتة عين نجاسة الميتة و حرمته عين حرمتها- هو: أن الإمام «(عليه السلام)» علل حرمة أكل السمن الملاقي للميتة بقوله: «إن الله حرم الميتة من كل شي‏ء»، فلو لا أن وجوب الاجتناب عن الشي‏ء مستلزم لوجوب الاجتناب عن ملاقيه أيضا لم يكن لهذا التعليل وجه، ضرورة: أن أكل الطعام‏

____________

(1) غنية النزوع: 42.

(2) المدثر: 5.

(3) فرائد الأصول 2: 239.

(4) تهذيب الأحكام 1: 420/ 1327، الاستبصار 1: 24/ 60.

369

قضية (1) تنجز الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب عنه أيضا (2).

ضرورة (3): أن العلم به إنما يوجب تنجز الاجتناب عنه (4) لا تنجز الاجتناب عن‏

____________

الملاقي للميتة ليس استخفافا بتحريم الميتة؛ بل هو استخفاف بحرمة أكل ملاقي الميتة الثابت بدليل آخر، فالتعليل بحرمة الميتة لا يتجه إلا بكون حرمة ملاقي الميتة هي حرمة نفس الميتة.

و المتحصل: أن مقتضى هذا الأمر و الوجه هو نجاسة الملاقي. و عليه فلا بد من الاجتناب عن ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة.

هذا تمام الكلام في توضيح الاستدلال على توهم وجوب الاجتناب عن الملاقي.

فأما الجواب عن الاستدلال المذكور: فلمنع كلا الأمرين:

فأما الأمر الأول: فلأن الأمر بالهجر تعلق بعين الرجز، لا بما هو أعم من العين و الملاقي.

و أما الأمر الثاني: فلضعف الرواية سندا و دلالة.

و أما الأول: فبعمرو بن شمر، حيث أن النجاشي‏ (1) ضعّفه بقوله: «ضعيف جدا».

و أما الثاني: فبأن ظاهرها الملازمة بين حرمة الشي‏ء سواء كان نجسا أم طاهرا و بين حرمة ملاقيه؛ لأن الميتة المحرمة لا تختص بالنجسة و هي ميتة الحيوان الذي له نفس سائله، و ليس هذا هو المدعى الذي استدل عليه بهذه الرواية؛ بل المدعى هو الملازمة بين نجاسة الشي‏ء و نجاسة ملاقيه، فالاستدلال بها على المطلوب منوط باختصاص الحرام بما إذا كان نجسا، و أما إذا كان طاهرا- كميتة الحيوان الذي ليس له دم سائل- فلا يكون ملاقيه حراما و واجب الاجتناب، و هذا خارج عن طريق الاستدلال بالرواية.

و عليه: فبعد قصور الدليل عن إثبات نجاسة الملاقي تعيّن الالتزام بمذهب المشهور من كون نجاسة الملاقي و وجوب الاجتناب عنه لأجل التعبّد الخاص، لا لتبعيته للملاقى أو بمذهب المصنف من التفصيل بين الصور الثلاث كما عرفت توضيح ذلك.

(1) أي: أن مقتضى مثل: «و الرجز فاهجر» هو الاجتناب عن النجس المعلوم إجمالا بين الطرفين، و عن الملاقي لأحدهما، فضمير «عنه» راجع على الملاقي.

(2) يعني: كما يجب الاجتناب عن الملاقى.

(3) تعليل لقوله: «لا مجال» و حاصله: منع الاقتضاء المزبور، لما عرفت من بطلان مبنى هذا القول.

(4) هذا الضمير و ضمير «به» راجعان على النجس.

____________

(1) رجال النجاشي: 287/ 765، خلاصة الأقوال: 378/ 6.

370

فرد آخر (1) لم يعلم حدوثه؛ و إن احتمل.

و أخرى (2): يجب الاجتناب عما لاقاه دونه فيما لو علم إجمالا نجاسته (3) أو نجاسة شي‏ء آخر، ثم حدث العلم بالملاقاة و العلم (4) بنجاسة الملاقي أو ذاك الشي‏ء (5) أيضا (6)، فإن (7) حال الملاقي في هذه الصورة بعينها بعين ما لاقاه في الصورة السابقة

____________

(1) و هو الملاقي، و «لم يعلم» صفة ل «فرد آخر» يعني: لم يعلم بعلم إجمالي منجز، و إلا فكون الملاقي موردا لعلم إجمالي آخر حادث بينه و بني طرف الملاقى غير قابل للإنكار؛ لكنه لا أثر له بعد تنجز العلم الإجمالي الأول الحاصل بين الملاقى و طرفه. و قد عرفت: أن من شرائط مجزية العلم الإجمالي عدم سبق تنجز التكليف إلى بعض الأطراف بمنجّز شرعي أو عقلي. و ضمير «حدوثه» راجع على فرد آخر و ضمير «احتمل» راجع على حدوثه.

و قد تحصل مما أفاده المصنف في الصورة الأولى و هي الاجتناب عن الملاقى: أن الملاقي على تقدير تنجسه بالملاقاة موضوع آخر لخطاب وجوب الاجتناب، و مخالفة هذا الخطاب و موافقته أجنبيتان عن إطاعة خطاب الملاقى و عصيانه كما عرفت مفصلا.

(2) عطف على قوله: «تارة»، و إشارة إلى الصورة الثانية و هو وجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى، و اقتصر المصنف في الفوائد على ذكر المورد الثاني المذكور هنا، و لم يتعرض للمورد الأول، و لما كان حكمه بلزوم الاجتناب عن الملاقي دون الملاقي مستبعدا في بادئ النظر، إذ الملاقي هو المنشأ لاحتمال نجاسة الملاقي و وجوب الاجتناب عنه، فالحكم به في الملاقي دون الملاقى كأنه من قبيل زيادة الفرع على الأصل، كان اللازم بيان مقصود المصنف «(قدس سره)»، كما هو حقه حتى يظهر حال بعض الإشكالات التي توجهت عليه، و قد ذكر «(قدس سره)» لهذه الصورة الثانية موردين، و تقدم الكلام فيها فلا حاجة إلى تكرارهما، و قد أضربنا عن تطويل الكلام في المقام رعاية للاختصار.

(3) الضمير راجع على الموصول في «عما لاقاه» المراد به الملاقي، و ضمير «دونه» راجع على الملاقي.

(4) هذا هو العلم الإجمالي الثاني الذي في المثال السابق بين الإناء الأحمر و الأبيض فاقدا لشرائط التنجيز.

(5) المراد به عدل الملاقي و هو الإناء الأبيض في المثال المتقدم، و فرضنا أن الملاقى هو الإناء الأحمر و الملاقي هو الثوب.

(6) يعني: كما حصل العلم الإجمالي أولا بين الملاقي و طرفه أي: الإناء الأبيض.

(7) تعليل لقوله: «يجب الاجتناب عما لاقاه دونه» و الوجه في كون الملاقى في هذه‏

371

في عدم كونه طرفا للعلم الإجمالي (1)، و أنه (2) فرد آخر على تقدير نجاسته واقعا غير معلوم النجاسة أصلا، لا إجمالا و لا تفصيلا (3). و كذا (4) لو علم بالملاقاة، ثم حدث‏

____________

الصورة كالملاقي في الصورة السابقة في عدم الاجتناب عنه ما تقدم من تنجّز وجوب الاجتناب عن طرفه و هو الإناء الأبيض بالعلم الإجمالي الأول الحادث سابقا بينه و بين الملاقي أعني: الثوب، فيكون العلم الإجمالي الثاني الحادث لاحقا بين الملاقى أي:

الأحمر و طرفه أي: الأبيض فاقدا لصفة التنجيز بالنسبة إليهما، فلا يجب الاجتناب عنهما بلحاظ هذا العلم، و إنما يجب الاجتناب عن الإناء الأبيض باعتبار كونه طرفا للعلم الإجمالي الأوّل المنجّز.

(1) أي: العلم الإجمالي المنجّز.

(2) عطف على «عدم»، و ضميره و ضمير «كونه» راجعان على الملاقى.

(3) أما تفصيلا: فواضح، و أما إجمالا: فلما عرفت من عدم كون الملاقى طرفا لعلم إجمالي منجّز.

(4) يعني: يجب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى، و هو إشارة إلى المورد الثاني من الصورة الثانية، و هي ما يجب فيه الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى و هو حصول العلم بالملاقاة، ثم العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو طرف الملاقي، و خروج الملاقى عن محل الابتلاء، و صيرورته مبتلى به ثانيا، توضيحه: أن إذا علمنا- في المثال السابق- بنجاسة الثوب أو الإناء الأحمر ثم بملاقاة الثوب للإناء الأحمر في الساعة الأولى، و خرج الإناء الأحمر الملاقى عن محل الابتلاء، ثم علمنا في الساعة الثانية بنجاسة الثوب الملاقي أو الإناء الأبيض، ثم صار الأبيض مبتلى به ثانيا وجب الاجتناب عن الثوب الملاقي و الإناء الأبيض دون الإناء الأحمر الملاقى.

و الوجه في ذلك: أما وجوب الاجتناب عن الثوب و الإناء الأبيض فلتنجز العلم الإجمالي الثاني الحاصل في الساعة الثانية بين نجاسته و نجاسة الإناء الأبيض، فيكون الاجتناب عن كل منهما مقدمة علمية لامتثال خطاب «اجتنب عن النجس» المردد بينهما. و أما عدم وجوب الاجتناب عن الملاقى- أي: الإناء الأحمر- فلعدم توجه تكليف اليد، لعدم كونه طرفا لعلم إجمالي منجز، أما بالنسبة إلى العلم الإجمالي الأول الذي كان بينه و بين الثوب فلخروجه عن محل الابتلاء، و قد عرفت في التنبيه الثاني: أن الخروج عن محل الابتلاء مانع عن فعلية التكليف، و أن من شروط تنجز العلم الإجمالي الابتلاء بجميع الأطراف، و أما بالنسبة إلى العلم الثاني الحاصل في الساعة الثانية بين‏

372

العلم الإجمالي، و لكن كان الملاقى خارجا عن محل الابتلاء في حالة حدوثه (1)، و صار مبتلى به بعده. و ثالثة: يجب الاجتناب عنهما (2) فيما لو حصل العلم الإجمالي‏

____________

ملاقيه- أعني: و بين الإناء الأبيض فهو و إن كان منجزا، لكنه- أي: الملاقى ليس طرفا له.

و أما بالنسبة إلى العلم الإجمالي الأول- بعد صيرورته مبتلى به ثانيا- فلأن تنجز العلم الإجمالي الثاني يكون مانعا عن تنجزه، لما عرفت سابقا من: أن المنجّز لا يتنجز ثانيا، و لا يحدث بضمه- بعد الابتلاء به ثانيا- إلى الأبيض فردا آخر من المشبه يكون الاجتناب عنه مقدمة علمية لامتثال علم إجمالي منجز، لاحتمال أن يكون النجس الواقعي هو الإناء الأبيض، فلا يعلم حدوث خطاب ب «اجتنب عن النجس» مردد بينه و بين الإناء الأبيض حتى يكون الاجتناب عنه مقدمة علمية لامتثاله.

فالمتحصل: أن العلم الإجمالي في هذا المورد الثاني من الصورة الثانية غير منجز بالنسبة إلى الملاقى، كما كان كذلك في المورد الأول منها، و كالملاقي في الصورة الأولى.

فإن قلت: العلم الإجمالي بوجود النجس بين الملاقى و الطرف قد حصل حسب الفرض، و هو يقتضي تنجز وجوب الاجتناب عنهما فعلا بشرط الابتلاء بهما، فإذا حصل الشرط و دخل الملاقى في الابتلاء فقد أثر العلم أثره، و إلا لزم انفكاك العلة التامة- و هو العلم الإجمالي بوجود النجس عن معلولها و هو التنجيز، أو عدم كون العلم بوجود النجس المبتلى علّته، و هو خلف.

قلت: التكليف بوجوب الاجتناب عن النجس الواقعي المردد بين الملاقي- الثوب- و طرفه قبل الابتلاء بالملاقى- و هو الإناء الأحمر- منجز يجب الاجتناب عن طرفيه من باب المقدمة العلمية، و بعد الابتلاء بالملاقي لم يعلم حدوث تكليف آخر بالاجتناب عن الملاقي أو الطرف حتى ينتجز بحصول شرط التنجيز و هو الابتلاء، لفرض قصور هذا العلم عن التأثير بعد تنجّز حكم الطرف بالعلم الأول، فلا مقتضى لتنجيز العلم الثاني الحاصل بين الملاقى المبتلى به و طرفه، فضلا عن يكون علّة تامّة له حتى يجب الاجتناب عن الملاقي من باب المقدمة العلمية. و تركنا ما في المقام من التطويل في الكلام رعاية للاختصار.

(1) أي: حدوث العلم الإجمالي، و ضمير «بعده» راجع على حدوثه، و اسم «صار» ضمير راجع على الملاقى.

(2) أي: عن الملاقى و الملاقي. و قوله: «و ثالثة» إشارة إلى الصورة الثالثة التي حكم المصنف «(قدس سره)» فيها بوجوب الاجتناب عن المتلاقيين و الطرف، و هو فيما إذا كانت‏

373

بعد العلم بالملاقاة، ضرورة (1): أنه حينئذ (2) نعلم إجمالا إما بنجاسة الملاقى و الملاقي، أو بنجاسة شي‏ء آخر كما لا يخفى، فيتنجز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين، و هو الواحد (3) أو الاثنان (4).

____________

الملاقاة قبل العلم الإجمالي بوجود النجس بين الملاقى و طرفه، كما إذا علم أولا بملاقاة ثوب للإناء الأحمر، ثم علم إجمالا بإصابة النجس- قبل الملاقاة- لأحد الإناءين الأحمر و الأبيض، فيجب الاجتناب عن الجميع، للعلم بتعلق خطاب الاجتناب إما عن الملاقي و الملاقى و هما الثوب و الإناء الأحمر، و إما عن الإناء الأبيض الذي هو طرف الملاقى، فيجب الاجتناب عن كل واحد من الثلاثة مقدمة لحصول العلم بموافقة خطاب «اجتنب عن النجس أو المتنجس» المفروض تنجزه بهذا العلم الإجمالي.

فالمقام نظير العلم الإجمالي بإصابة النجس لإناء كبير أو لإناءين صغيرين في كونه موجبا لوجوب الاجتناب عن الثلاثة.

و عليه فتقدم العلم بالملاقاة على العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي و طرفه يجعل المتلاقيين معا طرفا من أطراف العلم الإجمالي، و المفروض عدم وجود المانع من منجّزية هذا العلم؛ لعدم تنجز التكليف قبله بمنجز آخر في بعض الأطراف حتى لا يؤثر هذا العلم الذي له أطراف ثلاثة في التنجيز.

و هذا بخلاف الصورتين المتقدمتين، فإنه قد سبق التنجز إلى الملاقي و الطرف في الصورة الأولى، و إلى الملاقي و الطرف في الصورة الثانية.

و بالجملة: فالعلم الإجمالي هنا بالنسبة إلى الجميع من المتلاقيين و الطرف منجز بلا إشكال.

(1) تعليل لوجوب الاجتناب عن المتلاقيين و طرف الملاقى، و قد عرفته.

(2) يعني: حين حدوث العلم بالملاقاة الحاصل قبل العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما.

(3) كالإناء الأبيض في المثال، و ضمير «هو» راجع على «النجس».

(4) و هما المتلاقيان، كالثوب و الإناء الأحمر في المثال المذكور.

لكن هذا إذا كان الملاقي- بالكسر- في حال العلم محلا للابتلاء، أما لو لم يكن كما لو لاقى الأحمر إناء فعلمت في حال كون ذلك الإناء خارجا عن محل الابتلاء بنجاسة الواحد أو الاثنين، ثم صار محلا للابتلاء وجب الاجتناب عن الإناءين الأحمر و الأبيض دون ذلك الملاقي- بالكسر- لما تقدم في الصورة الثانية القائلة بوجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقى- بالفتح.

374

و الكلام في المقام يحتاج إلى بسط خارج عن وضع هذا المختصر، فتركنا ما في المقام من بسط الكلام رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- بيان ما هو محل الكلام في هذا التنبيه فيقال: إن الكلام إنما هو فيما إذا كانت الملاقاة مختصة ببعض الأطراف؛ لأن ملاقي جميع الأطراف معلوم النجاسة، فيكون خارجا عن محل النزاع، و كذا فرض الملاقيين بأن يكون لكل طرف ملاق حيث لا إشكال حينئذ في وجوب الاجتناب عن كلا الملاقيين كوجوب الاجتناب عن نفس الطرفين، فهذا الفرض أيضا خارج عن محل الكلام.

2- قد وقع الخلاف في حكم ملاقي بعض أطراف المشتبهين بالنجس.

فهناك وجوه؛ بل أقوال:

الأول: ما حكي عن العلامة في المنتهى و ابن زهرة في الغنية من تنجّس الملاقي و وجوب الاحتياط مطلقا.

الثاني: ما عن المشهور من عدم تنجّس ملاقي النجس مطلقا.

الثالث: ما هو مختار المصنف «(قدس سره)» من التفصيل بين صور ثلاث.

ثم القول الأوّل و الثاني مبنيان على أن وجوب الاجتناب عن النجس هل هو من شئون الحكم و هو وجوب الاجتناب عن الملاقى أو من جهة تحقق الموضوع و هو التنجّس بالملاقاة؟ فعلى الأول: يجب الاجتناب عن ملاقي أحد الطرفين لتحقق الحكم بوجوب الاجتناب في الملاقى.

و على الثاني: لا يجب الاجتناب عن الملاقي؛ و ذلك لعدم العلم بالملاقاة للنجس؛ لأن المفروض: أن الحكم بوجوب الاجتناب في الملاقي تابع لتحقق نجاسته بالملاقاة مع النجس و هي مشكوكة، فتجرى فيه أصالة الطهارة و الحلية.

3- أما الاستدلال على القول بوجوب الاجتناب عن الملاقي فلوجهين:

أحدهما: ظهور الآية المباركة- أعني: قوله تعالى: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ- في الملازمة بين هجر عين النجس و هجر ما يلاقيه.

وجه الظهور: لزوم هجر النجس بتمام شئونه و توابعه، و من توابعه ملاقيه فيجب هجره أيضا.

375

ثانيهما: رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر «(عليه السلام)» حيث فيها قوله «(عليه السلام)»: «إن الله حرم الميتة من كل شي‏ء»، بتقريب: أن الإمام «(عليه السلام)» علل حرمة أكل السمن الملاقي للميتة بقوله: «إن الله حرم الميتة من كل شي‏ء» فلو لا وجوب كون الاجتناب عن الشي‏ء مستلزما لوجوب الاجتناب عن ملاقيه أيضا لم يكن لهذا التعليل وجه، فالتعليل بحرمة الميتة لا يتجه إلا بكون حرمة ملاقي الميتة هي حرمة نفس الميتة.

و عليه: فلا بد من الاجتناب عن ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة.

الجواب عن الاستدلال المذكور: هو المنع عن كلا الوجهين:

أمّا الاستدلال بالآية المباركة: فلأن الأمر بالهجر تعلق بعين الرجز لا بما هو أعم من العين و الملاقي.

4- توضيح ما هو مختار المصنف «(قدس سره)» من التفصيل يتوقف على مقدمة و هي: بيان صور ثلاث:

الأولى: هي ما إذا تقدم العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين و تأخرت الملاقاة و العلم بها، ففي هذه الصورة يجب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقي.

الثانية: هي ما إذا لاقى ثوب الإناء الأحمر، ثم غفل المكلف عن هذه الملاقاة إلى أن علم إجمالا بنجاسة الثوب أو الإناء الأبيض، ثم ارتفعت الغفلة و علم بالملاقاة سابقا، ثم علم إجمالا بالعلم الإجمالي الثاني بنجاسة الإناء الأحمر أو الأبيض، فوجب الاجتناب عن الملاقي- الثوب- و الإناء الأبيض دون الملاقى و هو الإناء الأحمر. هذا هو المورد الأول.

و المورد الثاني: هو ما إذا لاقى ثوب أحد الإناءين ثم علم إجمالا بنجاسته أحدهما، و قد خرج الملاقى- بالفتح- عن محل الابتلاء حين العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين، فوجب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى في هذين الموردين.

الثالثة: هي ما إذا لاقى ثوب أحد الإناءين، ثم علم إجمالا بنجاسته أحدهما مع فرض كلا الإناءين محل الابتلاء، فيجب الاجتناب عن الملاقي و الملاقى معا.

5- رأي المصنف «(قدس سره)»:

هو التفصيل بين الصور الثلاث:

1- وجوب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقي في الصورة الأولى.

2- وجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى في الصورة الثانية.

3- وجوب الاجتناب عنهما معا في الصورة الثالثة.

376

المقام الثاني (1):

في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، و الحق أن العلم الإجمالي بثبوت‏

____________

[المقام الثانى الأقل و الأكثر الارتباطيان‏]

(1) يعني: من الشك في المكلف به، فإن المقام الأول منه كان في دوران الأمر بين المتباينين، و المقام الثاني منه يكون في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان ما هو محل الكلام في المقام.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: بيان أمور:

الأول: بيان الفرق بين المتباينين و الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و حاصل الفرق بينهما: أن المتباينين ما لا ينطبق أحد طرفي الترديد على الطرف الآخر كالظهر و الجمعة و الصوم و الإطعام إذا تردد المكلف به بينهما، و يتحقق الاحتياط بالجمع بينهما.

و أما الأقل و الأكثر: فطرفا الترديد يمكن اجتماعهما بالإتيان بالأكثر، فيتحقق الاحتياط بالإتيان بالأكثر.

الثاني: هو بيان الفرق بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و الأقل و الأكثر الاستقلاليين.

و حاصل الفرق بينهما: أن المركب الارتباطي يتألف من أشياء يكون بين الأوامر المتعلقة بها ملازمة ثبوتا و سقوطا؛ كتلازم الأغراض و الملاكات الداعية إلى تلك الأوامر التي هي أمر واحد حقيقة منبسط على تلك الأشياء. و المركب الاستقلالي يتألف من أشياء يتعلق بها أوامر لا ملازمة بينها ثبوتا و سقوطا؛ بل يكون لكل منها إطاعة مستقلة.

و عليه: فالحكم في المركب الارتباطي واحد و في الاستقلالي متعدد، فأمر التكبير و غيرها من أجزاء الصلاة- التي هي من المركبات الارتباطية- لا يسقط إلا مع سقوط أوامر سائر أجزائها من الركوع و السجود و القراءة و التشهد و التسليم و غيرها من الأجزاء.

و لأجل هذا الارتباط: عدّ المقام من صور الشك في المكلف به، فلو علم إجمالا بوجوب الصلاة و تردد متعلقه بين تسعة أجزاء و عشرة، فإن مقتضى الارتباطية عدم سقوط أمر الصلاة لو أتى بها مجردة عن مشكوك الجزئية على تقدير جزئيته واقعا.

و هذا بخلاف الاستقلاليين، فإن وجود الأكثر- على تقدير وجوبه واقعا- غير معتبر في صحة الأقل و سقوط أمره، فإن الأمر بالأقل نفسي استقلالي أيضا، و يترتب الغرض عليه مطلقا و لو مع عدم تحقق الأكثر؛ نظير الدين و قضاء الفوائت و قضاء صوم رمضان إذا ترددت بين الأقل و الأكثر، فإن أداء الأقل من الدين و قضاء الفوائت و قضاء صوم‏

377

شهر رمضان يوجب سقوط أوامرها و إن كان الأكثر واجبا واقعا، و لزم امتثاله أيضا، حيث إن وجوبه استقلالي كوجوب الأقل، فلا يعتبر في سقوطه إطاعة الأمر بالأكثر.

و الحاصل: أن وحدة التكليف في الارتباطيين و تعدده في الاستقلاليين المستلزم لتعدد الإطاعة و العصيان هو الفارق بينهما.

الثالث: أن نزاع الأقل و الأكثر الارتباطيين كما يجري في الشبهات الوجوبية مثل الصلاة كذلك يتصور في الشبهات التحريمية، و يمكن التمثيل له بحرمة تصوير تمام الجسم من ذوات الأرواح، فإن الأقل منهما و هو تصوير بعضه مشكوك الحرمة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل الكلام في هذا المقام الثاني هو دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في الشبهات الوجوبية، و أما دوران الأمر بين الاستقلاليين فهو خارج عن محل الكلام؛ لرجوع الشك فيه إلى الشك في أصل التكليف، فتجري فيه البراءة بلا خلاف و إشكال، و كذا دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في الشبهات التحريمية خارج عن محل النزاع للعلم بحرمة الأكثر، فلا بد من تركه.

و كيف كان فمحل الكلام هو دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في الشبهات الوجوبية.

و فيه ثلاثة أقوال:

الأول: ما اختاره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» من جريان البراءة العقلية و النقلية في الأكثر حيث قال: «فالمختار جريان أصل البراءة، و لنا على ذلك حكم العقل و ما ورد من النقل». «دروس في الرسائل، ج 3، ص 402».

الثاني: عدم جريان شي‏ء منهما؛ بل الحكم هو وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر و هو المنسوب إلى المحقق السبزواري على ما حكاه عنه الشيخ بقوله: «بل الإنصاف أنه لم أعثر في كلمات من تقدم على المحقق السبزواري على من يلتزم بوجوب الاحتياط في الأجزاء و الشرائط». «دروس في الرسائل، ج 3، ص 402».

الثالث: التفصيل بين البراءة العقلية و الشرعية، بجريان الثانية دون الأولى، فلا بد من الاحتياط عقلا، و هذا هو مختار المصنف في كفاية الأصول. هذا تمام الكلام في تحرير محل النزاع و مجمل الأقوال في المقام.

و كيف كان؛ فللمصنف دعويان:

الدعوى الأولى: عدم جريان البراءة العقلية.

378

الدعوى الثانية: جريان البراءة الشرعية.

و الدعوى الأولى مبنية على عدم انحلال العلم الإجمالي بالتكليف إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي؛ لأن أساس القول بالبراءة على الالتزام بانحلال العلم الإجمالي و عدم تأثيره.

و المصنف أنكر الانحلال و قال باستحالته بوجهين:

الأول: أن الانحلال يستلزم الخلف.

و الثاني: أنه يستلزم التناقض حيث يلزم من فرض الانحلال عدم الانحلال و كلاهما محال.

و أما استلزامه الخلف: فلأن المفروض توقف الانحلال على تنجّز وجوب الأقل على كل تقدير، سواء كان الواجب الواقعي هو الأقل أو الأكثر مع إنه ليس كذلك، فإن الواجب الواقعي لو كان هو الأكثر لم يكن وجوب الأقل منجزا؛ إذ وجوب الأقل حينئذ يكون مقدميا و من باب تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذي المقدمة في التنجز، و المفروض:

عدم تنجز وجوب ذي المقدمة و هو الأكثر لجريان البراءة فيه على الفرض، فليس وجوب الأقل ثابتا على كل تقدير، مع أن المعتبر في الانحلال وجوبه كذلك، و هذا خلاف الفرض.

و أما لزوم محذور عدم الانحلال من الانحلال فتوضيحه: أن انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي موقوف على العلم بوجوب الأقل تفصيلا، و هذا العلم التفصيلي موقوف على تنجز وجوب الأقل مطلقا نفسيا كان أو غيريا، و تنجز وجوبه الغيري يقتضي تنجز وجوب الأكثر نفسيا حتى يترشح منه الوجوب على الأقل و يصير واجبا غيريا.

و لا يخفى أن تنجز وجوب الأكثر يقتضي عدم الانحلال، فيلزم من الانحلال عدم الانحلال و هو محال.

هذا تمام الكلام في الوجه الأول الذي استدل به المصنف على لزوم الاحتياط عقلا.

و أما الوجه الثاني على وجوب الاحتياط عقلا: فقد أشار إليه بقوله: «مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر».

و توضيح الاستدلال بالوجه الثاني على وجوب الاحتياط عقلا يتوقف على مقدمة و هي: أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و الأغراض على مذهب العدلية.

379

التكليف بينهما (1) أيضا (2) يوجب الاحتياط عقلا بإتيان الأكثر (3)؛ لتنجزه به (4) حيث (5) تعلق بثبوته فعلا.

و توهم انحلاله (6) إلى العلم بوجوب الأقل تفصيلا و الشك في وجوب الأكثر

____________

فلا بد من تحصيل غرض المولى بحكم العقل، فيجب الإتيان بما يحققه و يحصل به الغرض.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المقام من صغريات الشك في المحصل و هو مجرى الاحتياط بالاتفاق، فيجب الإتيان بالأكثر للزوم تحصيل الغرض، و هو لا يحصل إلا بإتيان الأكثر و هذا معنى الاحتياط في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح استدلال المصنف على وجوب الاحتياط عقلا في المقام، و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، و هذا شروع في الاستدلال على مختاره من لزوم الاحتياط عقلا، و أما جريان البراءة شرعا فسيأتي بعد الفراغ من الاستدلال على وجوب الاحتياط عقلا بالوجهين، و قد عرفت توضيحهما على وجوب الاحتياط عقلا فلا حاجة إلى التكرار و الإعادة.

(2) أي: كما أن العلم بثبوت التكليف بين المتباينين يوجب الاحتياط.

(3) قيل: إن مفروض الكلام هو: ما إذا لم يكن الزائد المحتمل وجوبه من الأركان التي يبطل الكل بتركه مطلقا عمدا أو سهوا أو نسيانا كالركوع في الصلاة؛ بل مثل السورة فيها، لكنه لا يخلو من التأمل؛ إذ لا فرق في جريان البراءة على القول به بين كون مجراها محتمل الركنية أو غيره كما هو مقتضى إطلاق دليلها.

(4) أي: لتنجز التكليف بالأكثر بالعلم الإجمالي.

(5) تعليل لقوله: «لتنجزه» و حاصله: أن علة تنجز التكليف الموجب للاحتياط عقلا هي كون العلم الإجمالي هنا واجدا لشرط التنجيز و هو العلم بالتكليف الفعلي، فلا محيص حينئذ من تحصيل العلم بالفراغ بإتيان الأكثر.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(6) أي: انحلال العلم الإجمالي. هذا إشارة إلى كلام الشيخ الأنصاري القائل بالانحلال و جريان البراءة العقلية و النقلية في المقام، و استدل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان‏

380

بدوا، ضرورة (1): لزوم الإتيان بالأقل لنفسه شرعا أو لغيره كذلك (2) أو عقلا،

____________

و بأحاديث البراءة، و ذكرنا أن القول بالبراءة يكون مبنيا على انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بالنسبة إلى الأقل، و الشك البدوي بالنسبة إلى الأكثر، فالشيخ يقول بانحلال العلم الإجمالي و صيرورة الشبهة بدوية بالنسبة إلى الأكثر.

«و توهم انحلاله» إشارة إلى قول الشيخ الأنصاري، ثم حكم المصنف بفساد هذا التوهم بقوله: «فاسد» و قد عرفت: فساد الانحلال بالوجهين اللذين تقدم توضيحهما.

و أما توهم الانحلال المستلزم للبراءة بالنسبة إلى الأكثر فتوضيحه: أن العلم الإجمالي بالوجوب النفسي المردد بين الأقل و الأكثر ينحل بوجوب الأقل تفصيلا إما بوجوب نفسي لو كان هو المأمور به، و إما بوجوب غيري لو كان المأمور به هو الأكثر، فاجتمع علمان في الأقل أحدهما العلم التفصيلي بتعلق إلزام المولى، و ثانيهما العلم الإجمالي بوجهه، و هو تردده بين النفسي و الغيري، و المعتبر في الانحلال هو العلم التفصيلي بالإلزام في أحد الطرفين و إن لم يعلم وجهه، إذ الموضوع لحكم العقل باشتغال الذمة هو العلم بذات الوجوب، و أما العلم بخصوصيته فلا يعتبر فيه.

و عليه: فالتكليف بالنسبة إلى الأقل منجز، و يترتب العقاب على مخالفته؛ لكونه مخالفة لما هو واجب على كل تقدير.

فترك الواجب إذا كان من ناحية الأقل ترتب عليه استحقاق العقوبة، بخلاف ما إذا كان تركه من ناحية الأكثر، فإنه لا يترتب عليه استحقاق المؤاخذة؛ لعدم تنجز وجوبه، فالتكليف بالنسبة إليه بلا بيان و هو مجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان. هذا بحسب حكم العقل. يعني: ما تقدم من الاحتياط بلزوم إتيان الأكثر كان راجعا إلى إثبات أحد جزءي المدعى، و هو جريان قاعدة الاشتغال في الأقل و الأكثر الارتباطيين، و عدم جريان البراءة العقلية فيهما.

و أما إثبات جزئه الآخر و هو جريان البراءة النقلية فيهما فخلاصته: أن البراءة الشرعية تجري في جزئية ما شك في جزئيته؛ لشمول حديث الرفع لها، فترتفع به، و يتعين الواجب في الأقل.

(1) تعليل لقوله: «انحلاله» و بيان له، و قد عرفت توضيحه.

(2) أي: شرعا، و قوله: «لغيره» معطوف على «لنفسه» و ضميراهما راجعان على «الأقل». ثم إن هذا الوجوب الشرعي مبني على كون وجوب المقدمة شرعيا كما قيل‏

381

و معه (1) لا يوجب تنجزه لو كان متعلقا بالأكثر فاسد (2) قطعا؛ لاستلزامه الانحلال‏

____________

لقاعدة الملازمة أو غيرها، و قوله: «عقلا» قيد أيضا ل «غيره» أي: بناء على كون وجوب المقدمة غيريا عقليا.

(1) أي: و مع الانحلال لا يوجب العلم الإجمالي تنجز التكليف على تقدير تعلقه بالأكثر، فضمير «يوجب» راجع على العلم الإجمالي، و ضميرا «تنجزه، كان» راجعان على التكليف.

(2) خبر «و توهم» ورد لكلام الشيخ الأعظم «(قدس سره)»، و قد أجاب عنه بوجهين:

أحدهما: استلزام الانحلال للمحال و هو الخلف و ما يترتب عليه المحال محال أيضا.

و ثانيهما: التناقض، و قد عرفت توضيح هذين الوجهين.

و أما توضيح الوجه الأول- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 196»- فمنوط بالإشارة إلى أمور:

الأول: أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها في الإطلاق و الاشتراط و الفعلية و التنجز؛ لأن وجوبها سواء كان بحكم الشرع أم العقل وجوب ترشّحي متفرع في مقام الثبوت على وجوب ذي المقدمة، فيقال: وجب ذو المقدمة فوجبت مقدمته، فلا بد من تنجز حكم ذي المقدمة حتى يتنجز حكم المقدمة، و هذا واضح.

الثاني: أن الخلف محال، مثلا: إذا فرض اشتراط جواز التقليد بعدالة المجتهد، ثم بني على جواز تقليد الفاسق، لزم أن لا يكون ما فرض شرطا له بشرط، و هذا محال للزوم التناقض و هو دخل العدالة و عدمه في جواز التقليد.

الثالث: أن يكون وجوب الأقل غيريا على تقدير وجوب الأكثر نفسيا، بناء على ما قيل من تصوير المقدمات الداخلية.

الرابع: يعتبر في انحلال العلم الإجمالي بالتكليف تنجز الطلب في بعض الأطراف على كل تقدير، حتى يتبدل العلم الإجمالي به بعلم تفصيلي بالتكليف في ذلك الطرف، و شك بدوي في الآخر، و حينئذ: يستقل العقل باشتغال الذمة بالتكليف فيما تنجز فيه و البراءة عما لم يتنجز فيه، فالعلم بوجوب الأقل نفسيا أو غيريا إنما ينحل إذا كان وجوبه المعلوم بالتفصيل منجزا على كل تقدير؛ إذ لو لم يكن كذلك بأن كان منجزا على تقدير وجوبه النفسي، و غير منجز على تقدير وجوبه الغيري؛ لجريان البراءة عن الأكثر المستلزم لعدم تنجز وجوب الأقل غيريا و مقدميا، لما أمكن دعوى اشتغال الذمة به قطعا حتى يرتفع الترديد المقوم للعلم الإجمالي؛ إذ الموجب لاشتغال الذمة هو

382

المحال، بداهة (1): توقف لزوم الأقل فعلا إما لنفسه أو لغيره (2) على تنجز التكليف‏

____________

التكليف الفعلي المنجز لا الفعلي و لو لم يبلغ مرتبة التنجز، فإذا لم يتنجز وجوب الأكثر لم يتنجز وجوب الأقل الذي هو مقدمة له، و حينئذ فلم يعلم اشتغال الذمة بهذا الأقل على تقدير وجوبه الغيري، و المفروض: أن الانحلال متوقف على القطع بالاشتغال بأحد الطرفين بالخصوص على كل تقدير؛ و إلا فلا مجال له، لتبعية النتيجة لأخسّ المقدمتين كما في علم الميزان.

إذا عرفت هذه الأمور، فاعلم: أن دعوى انحلال العلم الإجمالي هنا في غير محلها؛ لأنه خلاف الفرض؛ إذ المفروض: توقف الانحلال على تنجز وجوب الأقل على كل تقدير- بمقتضى المقدمة الرابعة- سواء كان الواجب الواقعي هو الأقل أم الأكثر، مع أنه ليس كذلك، فإن الواجب لو كان هو الأكثر لم يكن وجوب الأقل منجزا؛ لتعبية وجوب المقدمة لوجوب ذيها كما عرفت في الأمر الأول، و المفروض: عدم تنجز وجوب ذيها و هو الأكثر، فيكون تنجز الأقل مختصا بتقدير تعلق الوجوب به لا بالأكثر، مع أن المعتبر في الانحلال تنجز الأقل على كل تقدير، ففي الحقيقة يكون لتنجز الأكثر دخل في الانحلال حتى يكون وجوب الأقل منجزا على كل من تقديري وجوبه النفسي و المقدمي، و ليس له دخل؛ لأن دخله مانع من الانحلال و هذا هو الخلف المحال.

و إن شئت فقل: إن الانحلال الموجب لعدم تنجز وجوب الأكثر موقوف على العلم التفصيلي بوجوب الأقل فعلا، و هذا العلم يتوقف على تنجز وجوب الأقل على كل حال؛ سواء كان الوجوب متعلقا بالأقل أم بالأكثر، و قد فرض عدم تنجز وجوب الأكثر بالانحلال لجريان البراءة فيه.

فدعوى: تنجز وجوب الأقل على كل تقدير تنافي عدم تنجز وجوب الأكثر، فالذي يكون دخيلا في الانحلال هو تنجز الوجوب المتعلق بالأقل فقط، و هو خلاف ما فرضناه من دخل تنجز وجوبه مطلقا؛ و لو كان الواجب هو الأكثر. هذا تقريب إشكال الخلف.

و أما إشكال التناقض: فقد يأتي في كلام المصنف حيث قال: «مع أنه يلزم من وجوده عدمه». و خلاصته: أنه يلزم من وجود الانحلال عدمه، و ما يلزم من وجوده عدمه محال؛ لأنه من التناقض فالانحلال محال، و قد عرفت توضيح ذلك فلا حاجة إلى ذكره ثانيا على نحو التفصيل.

(1) بيان لاستلزام الانحلال المحال و هو الخلف، و قد عرفته بقولنا: «إذا عرفت هذه الأمور فاعلم أن دعوى انحلال العلم الإجمالي ...».

(2) هذا و «لنفسه» قيدان ل «لزوم» المقيد بقوله: «فعلا». و «على تنجز» متعلق‏

383

مطلقا؛ و لو كان (1) متعلقا بالأكثر، فلو كان لزومه (2) كذلك مستلزما لعدم تنجزه (3)؛ إلا إذا كان متعلقا بالأقل كان (4) خلفا، مع (5) أنه يلزم من وجوده عدمه لاستلزامه (6)

____________

ب «توقف» يعني: بداهة توقف وجوبه الفعلي النفسي أو الغيري على تنجز التكليف ... الخ.

(1) بيان للإطلاق.

(2) أي: «فلو كان لزوم الأقل مطلقا- و لو كان متعلقا بالأكثر- مستلزما لعدم تنجزه ...» الخ.

(3) أي: لعدم تنجز التكليف كما ادعاه الشيخ «(قدس سره)» في تقريب الانحلال.

(4) جواب «فلو كان»، و قد عرفت تقريب الخلف.

(5) هذا هو الوجه الثاني من الإشكال على الانحلال و هو التناقض، و محصله: أنه يلزم من وجود الانحلال عدمه و ما يلزم من وجوده عدمه محال؛ لأنه من التناقض فالانحلال محال، توضيحه: أن انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، و الشك البدوي منوط بالعلم بوجوب الأقل تفصيلا، و هذا العلم التفصيلي موقوف على تنجز وجوب الأقل مطلقا نفسيا كان أو غيريا، و تنجز وجوبه الغيري يقتضي تنجز وجوب الأكثر نفسيا حتى يترشح منه على الأقل و يصير واجبا غيريا؛ لما مر من تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها في أصل الوجوب و التنجز، مع اقتضاء الانحلال لعدم تنجز التكليف بالأكثر نفسيا المستلزم لعدم تنجز وجوب الأقل غيريا، فإذا لم يكن وجوب الأكثر منجزا- لجريان قاعدة القبح فيه- فلا يتنجز وجوب الأقل أيضا، فيمتنع الانحلال.

و إن شئت فقل: إن لازم الانحلال عدم تنجز وجوب الأكثر على تقدير تعلق الوجوب به، و لازم عدم تنجزه عدم الانحلال؛ لإناطة الانحلال بتنجز وجوب الأقل مطلقا و لو كان الواجب هو الأكثر، فإذا كان تنجز وجوب الأقل في صورة واحدة و هي وجوب الأقل نفسيا، فلا ينحل العلم الإجمالي بالتفصيلي؛ لعدم حصول العلم التفصيلي حينئذ بوجوب الأقل على كل حال؛ بل يبقى العلم الإجمالي على حاله، و مقتضاه:

وجوب الاحتياط عقلا بإتيان الأكثر تفريغا للذمة عن الواجب النفسي المعلوم.

و عليه: فوجوب الأقل ثابت على كل حال، و غير ثابت كذلك، و ليس هذا إلا التناقض، فملاك هذا الإشكال هو التناقض، كما أن ملاك الإشكال الأول هو الخلف.

(6) هذه الضمائر غير ضمير «أنه» الذي هو للشأن راجعة على الانحلال، و قد عرفت وجه الاستلزام؛ إذ معنى الانحلال هو تنجز التكليف في بعض الأطراف بالخصوص، و صيرورة غيره مشكوكا فيه بالشك البدوي، و كون التكليف فيه غير منجز على تقدير تعلقه به.

384

عدم تنجز التكليف على كل حال (1) المستلزم (2) لعدم لزوم الأقل مطلقا (3) المستلزم (4) لعدم الانحلال، و ما (5) يلزم من وجوده عدمه محال.

نعم (6)؛ إنما ينحل إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة، فإن وجوبه حينئذ (7) يكون‏

____________

(1) أي: سواء كان وجوب الأقل نفسيا أم غيريا.

(2) صفة لقوله: «عدم» و الوجه في الاستلزام ما عرفت من: أنه على تقدير عدم تنجز وجوب الأكثر نفسيا استقلاليا ينتفي تنجز وجوب الأقل غيريا؛ لتبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها في التنجز و عدمه، فيصير الأقل منجزا في صورة واحدة، و هو وجوبه نفسيا لا مطلقا و لو كان غيريا.

(3) أي: و لو كان متعلقا بالأكثر؛ لأن وجوب الأقل حينئذ غيري و ليس بمنجز؛ لعدم تنجز وجوب الأكثر.

(4) بالكسر نعت لقوله: «لعدم»، و الوجه في هذا الاستلزام أيضا واضح؛ إذ لا بد من تنجز وجوب الأقل على كل تقدير حتى ينحل به العلم الإجمالي، و المفروض: عدم تنجزه كذلك كما مر غير مرة.

(5) أي: الانحلال المستلزم للمحال محال أيضا، و هذا هو التناقض، و ضميرا «وجوده، عدمه» راجعان على الموصول المراد به الانحلال.

(6) استدراك على عدم انحلال العلم الإجمالي بالأقل و الأكثر الارتباطيين، و هذا الاستدراك خارج موضوعا عن محل البحث كما سينبه عليه المصنف.

و حاصله: أن الأقل و الأكثر إذا كانا استقلاليين، و علم إجمالا بمطلوبية أحدهما فلا مانع عقلا من انحلاله، فإن المصلحة الملزمة في الأقل تقتضي وجوبه النفسي الاستقلالي؛ لامكان وجود مصلحتين ملزمتين تقوم إحداهما بالأقل و الأخرى بالأكثر، فلو اقتصر على الأقل ترتبت عليه مصلحته، و جرت البراءة عن وجوب الأكثر؛ كتردد الدين بين الدرهم و الدرهمين.

هذا إذا لم يتوقف استيفاء مصلحة الأقل على استيفاء مصلحة أخرى؛ و إلا فمع التوقف أو التلازم لا يستقيم جريان البراءة عن الأكثر الموقوف جريانها على انحلال العلم الإجمالي؛ لتلازم أوامر الأجزاء حينئذ ثبوتا و سقوطا، الموجب لاندراجه في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

(7) أي: فإن وجوب الأقل حين كونه ذا مصلحة نفسية مستقلة- و إن كانت بالنسبة إلى مصلحة الأكثر ضعيفة- يكون معلوما له.

385

معلوما له، و إنما كان الترديد لاحتمال أن يكون الأكثر ذا مصلحتين (1) أو مصلحة أقوى (2) من مصلحة الأقل، فالعقل في مثله و إن استقل بالبراءة (3) بلا كلام، إلا إنه خارج (4) عما هو محل النقض و الإبرام في المقام، هذا (5) مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر.

بناء (6) على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهي عنها، و كون (7) الواجبات الشرعية ألطافا في‏

____________

(1) يعني: غير متلازمتين، و إلا فيجري عليهما حكم الارتباطية؛ لعدم قيام المصلحة بالأقل على فرض كون واجد الملاك واقعا هو الأكثر كما أشرنا إليه.

(2) بلا ملازمة بين مراتب المصلحة المترتبة على الأقل و الأكثر؛ بحيث يمكن استيفاء مصلحة الأقل بدون مصلحة الأكثر.

(3) للشك في تعلق خطاب نفسي آخر بالأكثر غير ما تعلق قطعا بالأقل.

(4) أي: خروجا موضوعيا؛ لأن محل الكلام هو الأقل و الأكثر الارتباطيان، و ليس هذا منهما؛ بل من الاستقلاليين اللذين لا إشكال في استقلال العقل بالبراءة فيهما لكون العلم الإجمالي فيهما صوريا لا حقيقيا؛ لأنه من أول الأمر يعلم تفصيلا بوجوب الأقل و يشك في وجوب الأكثر، فالتعبير بالانحلال فيهما مسامحة.

(5) أي: ما ذكرناه من لزوم الإتيان بالأكثر عقلا في الارتباطيين؛ لعدم انحلال العلم الإجمالي بالتكليف الدائر بين الأقل و الأكثر.

و محصل هذا الوجه: هو اقتضاء الغرض الداعي إلى التشريع؛ لوجوب الاحتياط بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها كما عليه مشهور العدلية، فإذا علم المكلف بأمر المولى المتعلق إما بالأقل و إما بالأكثر فقد علم بالغرض الملزم الوحداني المترتب عليه؛ لاستلزام العلم بالمعلول للعلم بالعلة، فيجب عقلا تحصيل العلم باستيفاء ذلك الغرض، و الاقتصار على فعل الأقل لا يوجب العلم باستيفائه؛ للشك في كونه محصلا له، فلا يجوز الاكتفاء به عقلا، بل لا بد في إحراز الغرض اللازم الاستيفاء من الإتيان بالأكثر؛ لكونه محصلا له قطعا.

و بالجملة: فالمقام من صغريات الشك في المحصل و هو مجرى قاعدة الاشتغال.

(6) و أما بناء على حصول الغرض بنفس الأمر لا بفعل المأمور به و ترك المنهي عنه، فلا موجب للاحتياط حينئذ؛ للعلم بحصول الغرض بمجرد إنشاء الأمر.

(7) بالجر عطف على قوله: «تبعية». و حاصله: أن الواجبات الشرعية تقرب العباد

386

إلى الواجبات العقلية، و هي القرب إليه «جل و علا»، فإن التنزه عن القبائح تخلية للنفس عن الرذائل، و فعل الواجبات تكملة و تحلية لها بالفضائل كما يرشد إليه قوله تعالى:

أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، و إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ فالواجب تحصيل اللطف، و هو يتوقف على الإتيان بالأكثر لأنه محصل له قطعا بخلاف الأقل، فإنه يشك معه في تحقق تلك الواجبات العقلية، فلا وجه للاقتصار عليه.

و بعبارة أخرى: أن قوله: «مع أن الغرض الداعي» إشارة إلى الوجه الثاني من المصنف على وجوب الاحتياط عقلا في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن في كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد أقوالا:

الأول: أن مشهور العدلية يقولون: إنها تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، بمعنى:

أن في الصلاة مصلحة ملزمة، و في شرب الخمر مفسدة ملزمة، فوجوب الصلاة تابعة للمصلحة فيها، و حرمة شرب الخمر تابعة للمفسدة فيه.

الثاني: أن بعض العدلية يقول: بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد فيها لا في متعلقاتها، بمعنى: أن أمر الشارع فيه مصلحة، و كذلك نهيه نظير الأوامر الامتحانية.

الثالث: قول الأشاعرة حيث يقولون بعدم كون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد أصلا، ثم هناك خلاف آخر في علم الكلام، حيث إن العدلية يقولون: بأن أفعال الله معللة بأغراض، و الأشاعرة ينكرون ذلك.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الأصوليين من العدلية يقولون بوجوب الاحتياط عقلا في موردين:

الأول: في الشك في محصل عنوان المأمور به نحو عنوان الصلاة مثلا، فإذا شك في تحقق عنوان الصلاة المأمور بها عند ترددها بين الأقل و هو تسعة أجزاء، و بين الأكثر و هو عشرة أجزاء مع العلم بتحقق عنوان الصلاة المأمور بها بالأكثر و هو الإتيان بعشرة أجزاء، فيجب الإتيان بالأكثر احتياطا لتحصيل عنوان المأمور به.

الثاني: في الشك في محصل غرض المولى، فإذا شك المكلف في محصل غرض المولى هل هو الأقل أو الأكثر، مع علمه بأن الإتيان بالأكثر محصل للغرض قطعا، فيجب عليه الإتيان بالأكثر احتياطا للعلم بتحصيل غرض المولى.

387

الواجبات العقلية (1)، و قد مر (2) اعتبار موافقة الغرض و حصوله (3) عقلا في إطاعة

____________

فالمتحصل: أن الشك في المحصل مجرى الاحتياط، سواء كان الشك في محصل عنوان المأمور به أو في محصل غرض المولى الحاصل بإتيان الأكثر؛ لأن الغرض أو المصلحة في المأمور به علة لأمر الشارع، فلا يسقط الأمر إلا بتحققهما، و لا يعلم بتحققهما إلا بإتيان الأكثر، فيجب احتياطا الإتيان بالأكثر حتى يعلم بتحققهما.

(1) توضيح «كون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية» يتوقف على مقدمة و هي: بيان ما هو المراد من الكلمات الثلاث، فيقال: إن المراد من الواجبات الشرعية واضح، و هو الصوم و الصلاة و نحوهما. و المراد من الواجبات العقلية هي: الأمور الاعتقادية نحو معرفة الحق تعالى بما له من صفات الكمال و الجلال حتى يحصل القرب بين الواجب تعالى و بين العباد.

و المراد من الألطاف جمع اللطف: ما يكون معه العبد أقرب إلى الطاعة و أبعد من المعصية. هذا معنى اللطف في اصطلاح المتكلمين.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك معنى قوله «(قدس سره)»: الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية؛ إذ بالواجب الشرعي يكون العبد أقرب إلى الطاعة و أبعد من المعصية، فيحصل له القرب إلى الله بالطاعة و ترك المعصية بعد العلم بالواجب و صفاته «سبحانه تعالى».

فيكون الواجب الشرعي مقربا إلى الواجب العقلي و هو القرب إليه تعالى بالطاعة.

(2) حيث قال في بحث التعبدي و التوصلي في مقام الفرق بينهما: «بخلاف التعبدي، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك؛ بل لا بد في سقوطه و حصول غرضه من الإتيان به متقربا به منه تعالى».

و معنى كلامه هنا: أن الغرض لا يسقط في التعبديات، إلا مع قصد الإطاعة، و الإطاعة فيها يتوقف على قصد أمرها، فما لم يقصد أمرها لم يسقط الغرض الباعث على الأمر.

(3) أي: و حصول الغرض «عقلا في إطاعة الأمر و سقوطه»، فإن العقلاء يلومون العبد التارك للغرض و إن أتى بالمأمور به، فلو أمر المولى عبده أن يسد باب البيت و علمنا أن غرضه عدم ضياع ولده، ثم أطاع العبد بسد الباب؛ لكن الولد ألقى بنفسه من السطح في الشارع مما يسبب ضياعه فأهمله العبد، كان ملوما عند العقلاء إذا لم ينقذه من الضياع و إن اعتذر بأنه أطاع الأمر، و أن المولى لم يقل له بأكثر من ذلك.

388

الأمر و سقوطه، فلا بد من إحرازه (1) في إحرازها كما لا يخفى.

و لا وجه (2) للتفصي عنه تارة: بعدم ابتناء مسألة البراءة و الاحتياط على ما ذهب‏

____________

(1) أي: إحراز الغرض في إحراز الإطاعة. و حاصله: أن علة الأمر حدوثا و بقاء هو الغرض، فسقوط الأمر موقوف على سقوط الغرض، و من المعلوم: عدم حصول العلم بتحقق الغرض إلا بالإتيان بالأكثر. و ضمير «إحرازها» راجع على «إطاعة».

و كيف كان؛ فما ذكرنا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح الوجه الثاني على وجوب الاحتياط عقلا.

(2) يعني: لا وجه للتفصي عن الاستدلال بالغرض. و هذا إشارة إلى ما أجاب به الشيخ عن الاستدلال لوجوب الأكثر بدليل لزوم تحصيل الغرض، و قد أجاب الشيخ عن الاستدلال المذكور بوجهين:

الأول: ما أشار إليه بقوله: «تارة: بعدم ابتناء مسألة البراءة ...» الخ.

و الثاني: ما أشار إليه بقوله: «و أخرى: بأن حصول المصلحة ...» الخ.

و حاصل الكلام في المقام: أن الشيخ «(قدس سره)» قد أجاب عن برهان الغرض الموجب للاحتياط بفعل الأكثر بوجهين:

الأول: أن الالتزام بوجود الغرض مبني على مذهب مشهور العدلية من تبعية الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد في متعلقاتهما و هي أفعال المكلفين، و من المعلوم: أن مسألة البراءة و الاحتياط ليست مبنية على ذلك؛ بل تجري على مذهب بعض العدلية أيضا المكتفي بوجود المصلحة في نفس الأمر الذي هو فعل المولى، و على مذهب الأشعري من عدم التبعية أصلا و لو في نفس الأمر، فيمكن المصير إلى أحد هذين المذهبين، و من المعلوم:

عدم وجود غرض حينئذ حتى يجب إحرازه في إحراز سقوط الأمر المنوط بإتيان الأكثر.

الثاني: أن الغرض بعد تسليم كونه في فعل العبد- كما هو مقتضى مذهب المشهور من العدلية- و إن كان موردا لقاعدة الاشتغال؛ لما اشتهر من عدم جريان البراءة في الشك في المحصل؛ إلا إنه يكون فيما يمكن تحصيل العلم بوجود الغرض، و أمّا فيما لا يمكن للعبد إحرازه فلا، كالمقام، ضرورة: أن حصول المصلحة في العبادات و إن كان منوطا بقصد الإطاعة؛ لكنه يحتمل عدم حصولها بمجرد ذلك، لاحتمال دخل قصد وجه أجزاء العبادة من الوجوب و الندب في تحققها أيضا. و من المعلوم: أن هذا القصد موقوف على معرفة وجه الأجزاء من الوجوب و الندب، و مع الجهل به لا يتمشى قصد الوجه، فلا يحصل العلم بالغرض.

389

إليه مشهور العدلية، و جريانها على ما ذهب إليه الأشاعرة المنكرين (1) لذلك، أو بعض العدلية المكتفين (2) بكون المصلحة في نفس الأمر (3) دون المأمور به.

و أخرى (4): بأن حصول المصلحة و اللطف في العبادات لا يكاد يكون إلا بإتيانها على وجه الامتثال، و حينئذ (5): كان لاحتمال اعتبار معرفة أجزائها تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه مجال (6)، و معه (7) لا يكاد يقطع بحصول اللطف و المصلحة الداعية

____________

و بالجملة: فمرجع هذا الوجه إلى عدم القدرة على تحصيل العلم بوجود الغرض في العبادات، فلا يجب إحرازه، فمن ناحية الغرض لا يبقى وجه لوجوب الاحتياط بإتيان الأكثر، و حينئذ فلا يبقى في البين إلا التخلص عن تبعة التكليف المنجز بالعلم الإجمالي، و البيان المسوّغ للمؤاخذة على المخالفة منحصر بالأقل دون الأكثر، فلو كان هو الواجب فالمؤاخذة عليه تكون بلا حجة و بيان، و هو قبيح بالوجدان، فلا ملزم بإتيان الأكثر احتياطا.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح الوجه الأول من جواب الشيخ عن الاستدلال بالغرض على وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «و جريانها» عطف على «عدم ابتناء»، و الضمير راجع على «مسألة البراءة» و «على ما ذهب» متعلق ب «ابتناء».

(1) أي: المنكرون لما ذهب إليه العدلية من قيام الملاكات بالمتعلقات.

(2) الصواب «المكتفى» لكونه صفة ل «بعض» كما أن الصواب «المنكرون».

(3) لا في فعل العبد الذي هو المأمور به حتى يلزم إحرازه؛ بل الغرض قائم بفعل المولى و هو الأمر.

(4) هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين اللذين أجاب بهما الشيخ «(قدس سره)» عن الاستدلال ببرهان الغرض على وجوب الاحتياط، و قد عرفت توضيح هذا الوجه، فلا حاجة إلى التكرار و الإعادة.

(5) أي: و حين عدم حصول المصلحة إلا بإتيان العبادة على وجه الامتثال. و ضمير «بإتيانها» راجع على «العبادات».

(6) اسم «كان»، و «لاحتمال» خبره و ضمير «أجزائها» راجع على «العبادات»، و ضمير «بها» راجع على «أجزائها».

(7) أي: و مع احتمال اعتبار معرفة الأجزاء لا يكاد يحصل القطع بحصول المصلحة

390

إلى الأمر، فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته بإتيان (1) ما علم تعلقه (2) به، فإنه (3) واجب عقلا و إن لم يكن في المأمور به مصلحة و لطف رأسا؛ لتنجزه بالعلم به (4) إجمالا. و أما الزائد عليه (5) لو كان فلا تبعة على مخالفته من جهته (6)، فإن العقوبة عليه بلا بيان.

و ذلك (7) ضرورة: أن حكم العقل بالبراءة على مذهب الأشعري ...

____________

بدون قصد وجه الأجزاء، و لا يتمشى هذا القصد مع فرض عدم معرفة وجه الأجزاء، فلا يمكن إثبات وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر من ناحية لزوم تحصيل الغرض.

(1) متعلق ب «التخلص»، و ضمير «مخالفته» راجع على الأمر.

(2) أي: تعلق الأمر، و ضمير «به» راجع على الموصول في «ما علم» المراد به فعل العبد؛ لأنه المتعلق للأمر كالصلاة و الصوم و غيرهما من أفعاله. و المراد ب «ما علم» هو الأقل، و حاصله: أنه بعد عدم إمكان تحصيل الغرض بإتيان الأكثر لا يبقى في البين إلا التخلص عن تبعة مخالفة التكليف، و هو يحصل بفعل الأقل؛ لأنه المنجز بالعلم الإجمالي.

(3) أي: فإن الإتيان بالأقل المعلوم تعلق الأمر به واجب عقلا؛ لكونه إطاعة تجب بحكم العقل، فإن وجوب الإطاعة حكم عقلي، و أمرها الشرعي أمر إرشادي كما هو واضح.

(4) هذا الضمير و ضمير «لتنجزه» راجعان على الأمر، و قوله: «لتنجزه» متعلق بقوله:

«واجب عقلا»، يعني: يجب عقلا الإتيان بمتعلق الأمر- و هو الأقل- لتنجزه بالعلم به إجمالا.

(5) أي: على ما علم تعلق الأمر به و هو الأقل، و المراد بالزائد هو الأكثر.

(6) أي: فلا تبعة على مخالفة الأمر من جهة الزائد؛ لعدم تنجز أمره على تقدير وجوده واقعا، فالعقوبة عليه بلا بيان.

(7) تعليل لقوله: «و لا وجه للتفصي عنه»، و شروع في الإشكال على كلا الجوابين اللذين أجاب بهما الشيخ «(قدس سره)» عن الاستدلال بالعلم بالغرض.

و ملخص إشكال المصنف على الجواب الأول هو: أن إنكار أصل الغرض بناء على مذهب الأشعري لا يجدي في التخلص عن برهان الغرض على مذهب غيره، نعم هو يجدي من يلتزم بذلك المذهب الفاسد.

و ما أفاده الشيخ من إمكان كون الغرض في نفس الأمر كما عليه بعض العدلية لا في‏

391

لا يجدي (1) من ذهب إلى ما عليه المشهور من العدلية؛ بل (2) من ذهب إلى ما عليه غير المشهور؛ لاحتمال أن يكون الداعي إلى الأمر و مصلحته (3) على هذا المذهب (4) أيضا (5) هو (6) ما في الواجبات من المصلحة، و كونها (7) ألطافا، فافهم (8).

____________

المأمور به- حتى يكون الغرض مشكوك الحصول بالإتيان بالأقل و يوجب ذلك فعل الأكثر- يرد عليه: أن مقصود ذلك البعض من العدلية القائل بتبعية الأمر لمصلحة في نفسه هو ردّ من التزم بوجوب كون المصلحة في المأمور به بأنه يجوز أن تكون المصلحة في نفس الأمر، لا أنه يجب أن تكون في المأمور به، و على هذا فيحتمل أن تكون في المأمور به، و مع هذا الاحتمال لا يمكن الاقتصار على الأقل؛ لعدم العلم بحصول الغرض منه.

(1) لفرض قيام الملاكات بنفس المتعلقات الموجب للاحتياط بإتيان الأكثر.

(2) عطف على «مذهب»، و هو منصوب محلا لكونه مفعولا به ل «لا يجدي» يعني: و لا يجدي هذا التفصي على مذهب غير المشهور أيضا القائل بقيام المصلحة بنفس الأمر، وجه عدم الإجداء ما عرفت آنفا من أن غرض ذلك البعض جواز قيامها بالأمر؛ لا منع قيامها بالمأمور به، و مع احتمال قيامها بالمتعلقات يقضي العقل بالاحتياط بفعل الأكثر.

(3) عطف على الداعي، و ضميره راجع على الأمر، و قوله: «لاحتمال» تعليل لعدم إجداء حكم العقل بالبراءة على مذهب غير المشهور من العدلية، و قد مر توضيحه بقولنا:

«و مع احتمال قيامها بالمتعلقات ...» الخ.

و الأولى إضافة كلمة «أيضا» بعد قوله «غير المشهور» كما لا يخفى وجهه.

(4) يعني: مذهب غير المشهور من العدلية.

(5) يعني: كمذهب مشهور العدلية.

(6) أي: الداعي إلى الأمر.

(7) عطف على «المصلحة»، يعني: أن الداعي إلى الأمر هو ما في الواجبات من المصلحة، و من كون الواجبات ألطافا، فقوله: «من المصلحة» بيان للموصول في «ما في الواجبات».

(8) لعله إشارة إلى احتمال أن من ذهب إلى ما عليه غير المشهور لا يقول بالمصلحة إلا في الأمر فقط من غير أن يحتملها في المأمور به، و عليه فكما أن العقل يحكم بالبراءة على مذهب الأشعري المنكر للمصلحة و الغرض، فكذلك يحكم على مذهب بعض العدلية القائل بوجود المصلحة في الأمر دون المأمور به.

392

و حصول اللطف (1) و المصلحة في العبادة و إن كان يتوقف على الإتيان بها على وجه الامتثال؛ إلا إنه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الأجزاء و إتيانها على وجهها،

____________

أو إشارة إلى أن مجرد الاحتمال لا يكفي في لزوم الإتيان بالأكثر؛ لأن الشك حينئذ في الاشتغال لا في الامتثال؛ إذ الشك الشخصي في أن للمولى غرضا في المأمور به، فالمجرى البراءة لا الاحتياط.

أو إشارة إلى أنه بعد احتمال كون الغرض الداعي إلى الأمر على مذهب بعض العدلية هو المصلحة في نفس الأمر لا المأمور به، فلا يكون هنا علم بغرض قائم بفعل حتى يجب عليه إحرازه؛ إذ لو كان قائما بنفس الأمر فليس مقدورا للعبد؛ لعدم كون الأمر فعل العبد؛ و مع احتمال قيام الغرض بالأمر لا ملزم بالاحتياط بفعل الأكثر لا عقلا و لا نقلا.

(1) هذا شروع في الإشكال على الوجه الثاني من جواب الشيخ «(قدس سره)» من تعذر استيفاء الغرض في العبادات؛ لاحتمال دخل قصد وجه أجزائها في تحققه، فيصير الشك في حصول الغرض الداعي إلى الأمر بدون قصد الوجه شكا في المحصل الذي يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال لا البراءة، لكن يتعذر الاحتياط هنا؛ لعدم المعرفة بوجه الأجزاء حتى يقصد، فلا يبقى إلا الإتيان بما قام عليه البيان، و هو الأقل تخلصا عن تبعة مخالفته.

و المصنف أورد عليه بوجوه:

الأول: ما أشار إليه بقوله: «إلا إنه لا مجال ...»، و بيانه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 215»- أن حصول المصلحة في العبادات و إن كان منوطا بقصد الامتثال؛ لكنه لا يتوقف على قصد وجه الأجزاء؛ إذ لا منشأ لاحتمال اعتباره فيها، فإنه مع هذا الاحتمال يخرج المقام- أعني: الأقل و الأكثر الارتباطيين- عن الشك في المكلف به الذي يمكن معه الاحتياط، و يندرج فيما يتعذر فيه الاحتياط، مع أن من الواضح كون الارتباطيين كالمتباينين في إمكان الاحتياط بالإتيان بكلا الطرفين، كما لو دار أمر العبادة بين القصر و التمام، فإنه لو اعتبر في صحة الامتثال الجزم بالوجه لما أمكن فيها الاحتياط؛ لعدم العلم بجزئية ما زاد على المتيقن- و هو الأقل- حتى يقصد المكلف وجوبه، إلا مع التشريع المحرم، فيترتب على اعتبار هذا القصد احتياطا خلاف الاحتياط لعدم التمكن منه، مع أن البحث في المقام و في المتباينين ليس في إمكان الاحتياط؛ بل في لزومه و عدم لزومه بعد الفراغ عن إمكانه كما هو واضح.

393

كيف؟ (1) و لا إشكال في إمكان الاحتياط هاهنا (2) كما في المتباينين، و لا يكاد (3) يمكن مع اعتباره، هذا مع (4) وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه ...

____________

فحاصل الوجه الأول: أنه لا دليل على اعتبار قصد وجه الأجزاء في العبادة، حتى يتم كلام الشيخ من عدم إمكان الاحتياط بإتيان الأكثر؛ بل الدليل على خلافه موجود، و هو كون المقام كالمتباينين في إمكان الاحتياط كما عرفت.

(1) يعني: كيف يكون لهذا الاحتمال مجال مع أنه لا إشكال في إمكان الاحتياط هنا كالمتباينين؟ و لا يكاد يمكن الاحتياط مع اعتبار إتيان الأجزاء على وجهها. و الضمير في «إتيانها، وجهها» راجع على الأجزاء و «إتيانها» عطف على «معرفة».

(2) يعني: في الأقل و الأكثر الارتباطيين، و الحاصل: أن الاتفاق على حسن الاحتياط هنا يأبى عن اشتراط إتيان الأجزاء على وجهها.

(3) يعني: و لا يكاد يمكن الاحتياط مع اعتبار إتيان الأجزاء على وجهها، و من المسلم إمكان الاحتياط فيها فهو دليل على عدم اعتبار قصد الوجه فيها.

(4) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه التي أوردها المصنف على الشيخ.

و محصله: أنه على تقدير اعتبار الجزم بالنية في العبادة ليس المقصود منه اعتباره في كل واحد من الأجزاء؛ بل المقصود منه اعتباره في العبادة في الجملة، و هذا المقدار يمكن تحققه بالاحتياط بإتيان الأكثر بقصد وجوبه النفسي في الجملة بما اشتمل على الأجزاء و الشرائط.

بيانه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 217»- أن القائل بلزوم الإتيان بالعبادة على وجهها من الوجوب و الاستحباب- كما حكي عن العلامة «(قدس سره)»- إنما يدعي لزوم فعل العبادة الواجبة بقصد وجوبها النفسي، و من المعلوم: أن الاحتياط بفعل الأكثر بقصد مطلوبيته النفسية بمكان من الإمكان، و ليس مقصوده لزوم قصد الوجوب في كل واحد من الأجزاء، إما بالوجوب الغيري المقدمي- كما تضمنه كلام الشيخ «(قدس سره)» من وجوب الأجزاء ترشحيا غيريا، و إما بالوجوب النفسي الضمني الثابت للأجزاء بواسطة اتصاف الكل بالوجوب؛ لوقوعه تحت الطلب حتى يتعذر الاحتياط بفعل الأكثر، لعدم الجزم بوجوب تمام الأجزاء.

و مع عدم اعتبار قصد وجوب كل واحد من الأجزاء و استحبابه، فللمكلف إيقاع العبادة بنيّة وجوبها النفسي في الجملة أي: بلا تعيين أن فرد الواجب تمام المأتي به أو بعضه كالصلاة المشتملة على السورة مع عدم وجوبها في الصلاة، فتكون السورة

394

كذلك (1)، و المراد (2) بالوجه في كلام من صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه و وجوب (3) اقترانه به: هو وجه نفسه من وجوبه النفسي، لا وجه أجزائه من وجوبها الغيري (4) أو وجوبها العرضي (5)، ...

____________

كالإتيان بالفريضة في المسجد من مشخصات طبيعة الصلاة و خارجة عن ماهيتها و حقيقتها. فلو كان الأكثر هو الواجب فقد أتى به لاشتمال المأتي به على السورة المشكوكة جزئيتها للعبادة، و لو كان الأقل هو المأمور به فقد أتى به أيضا، و احتمال اشتماله على ما ليس بواجب- و هو السورة- مثلا غير قادح في قصد الوجوب النفسي لطبيعة الصلاة و إن لم يقصد وجوب خصوص الجزء المشكوك فيه، فإن السورة حينئذ كسائر المشخصات الفردية التي ليست دخيلة في مطلوبية الطبيعة، و لا تضر في صدقها على الفرد المتشخص بها للقطع بعدم كونها من الموانع.

نعم؛ لو كان مشكوك الجزئية محتمل المانعية أيضا لكان منافيا لقصد وجوب الفعل المشتمل عليه؛ إلا إن المفروض: أن السورة يدور أمرها بين كونها جزءا للطبيعة، و بين كونها من مشخصات الماهية التي تكون الطبيعة صادقة في صورتي وجود السورة و عدمها، و ليست كالمانع في الإخلال بقصد الوجوب النفسي للصلاة إجمالا، و عليه:

فيكون الأكثر محصلا للغرض من المأمور به.

(1) أي: قصد الوجه في كل واحد من الأجزاء.

(2) الأولى أن يقال: «إذ المراد» لأنه تعليل لوضوح الفساد و ليس وجها آخر. و قصد الوجه لو قيل باعتباره إنما يكون مورده هو الوجوب النفسي المتعلق بعنوان المركب كالصلاة؛ لا الوجوب الغيري أو العرضي لأجزائها.

(3) عطف على «وجوب»، و ضمائر «اقترانه، نفسه، وجوبه» راجعة على الواجب، و ضمير «به» راجع على الوجه.

(4) صفة ل «وجوبها». و هذا إشارة إلى ما قيل في وجوب المقدمة من كونه غيريا، يعني: أن وجوب الأجزاء ليس لمصلحة في نفسها حتى يكون نفسيا؛ بل المصلحة في المركب، فيكون كل واحد من الأجزاء واجبا غيريا، لكونها مقدمة لتحقق الكل، و ضمير «وجوبها» راجع على «أجزائه».

(5) يعني: الوجوب النفسي من الأمر بالكل على كل واحد من الأجزاء، و تسميته بالعرضي إنما هي لأجل كون المتصف بالوجوب أولا و بالذات هو الكل؛ لتعلق الطلب به بقوله: «صلّ»، و وجوب الجزء يكون ثانيا و بالعرض، و ليس المراد بالعرضي ما يساوق‏

395

و إتيان (1) الواجب مقترنا بوجهه غاية و وصفا بإتيان (2) الأكثر بمكان من الإمكان؛ لانطباق (3) الواجب عليه و لو كان (4) هو الأقل، فيتأتى من المكلف معه قصد الوجه (5) و احتمال اشتماله (6) على ما ليس من أجزائه ليس (7) بضائر إذا قصد وجوب المأتي به‏

____________

الوساطة في العروض الذي يصح معه سلب المحمول حقيقة عن الموضوع؛ كما في جالس السفينة المتحركة. و ضمير «وجوبها» راجع على «أجزائه».

(1) مبتدأ خبره قوله: «بمكان من الإمكان».

و غرضه: إثبات إمكان الإتيان بالأكثر بقصد الوجه بعد وضوح: أن قصده على تقدير اعتباره يكون في نفس الواجب لا في أجزائه؛ إذ من المعلوم: أن إتيان صلاة الظهر مثلا بفعل الأكثر بقصد الوجه بمكان من الإمكان؛ لأن المشكوك فيه إن كان مرددا بين كونه جزءا للماهية و جزءا للفرد انطبق طبيعي الواجب على تمام الأجزاء، و إن كان مرددا بين كونه جزءا للماهية أو الفرد و بين كونه مقارنا- إما للغويته أو وجوبه نفسيا أو استحبابه كذلك من قبيل الواجب في الواجب أو المستحب كذلك- انطبق الطبيعي المأمور به إما على تمامه بناء على جزئيته، و إما على ما عدا المشكوك من سائر الأجزاء بناء على عدم جزئيته.

الفرق بين جعل الوجه غاية و بين جعله و صفا: أن في الأول أن ينوي: «أصلي صلاة الظهر لوجوبها»، و في الثاني يقول: «أصلي صلاة الظهر الواجبة» بدل «لوجوبها».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(2) متعلق ب «إتيان الواجب».

(3) تعليل لقوله: «بمكان من الإمكان»، و ضمير «عليه» راجع على الأكثر.

(4) أي: و لو كان الواجب بحسب الواقع هو الأقل.

(5) يعني: فيتأتى من المكلف مع هذا النحو من الإتيان قصد الوجه.

(6) أي اشتمال الأكثر، هذا إشارة إلى إشكال و دفعه.

أما الإشكال فهو: أنه قد يستشكل فيما أفاده من إمكان إتيان الواجب مقترنا بوجه نفسه بإتيان الأكثر بما محصله: عدم إمكان ذلك؛ لاحتمال اشتمال الأكثر على ما ليس جزءا له، و معه كيف يمكن قصد الوجه بإتيان الأكثر؟

و أما الدفع فملخصه: أن الاحتمال المزبور لا يقدح في تمشي قصد الوجه بإتيان الواجب إجمالا و إنما يقدح في قصد الوجوب بالنسبة إلى كل جزء من أجزاء الواجب.

(7) خبر «و احتمال»، و هو إشارة إلى دفع الإشكال، و قد عرفت توضيح ذلك.

396

على إجماله (1) بلا تمييز ما له دخل في الواجب من أجزائه، لا سيما (2) إذا دار الزائد بين كونه جزءا لماهيته و جزءا لفرده، حيث (3) ينطبق الواجب على المأتي به حينئذ (4) بتمامه و كماله؛ لأن الطبيعي (5) يصدق على الفرد بمشخصاته (6).

نعم (7)؛ لو دار بين كونه (8) جزءا أو مقارنا لما كان (9) منطبقا عليه بتمامه لو لم‏

____________

(1) أي: بلا تعيين أنه الأقل أو الأكثر، و «من أجزائه» بيان ل «ما له دخل».

(2) وجه الخصوصية: أنه جزء قطعا، غاية الأمر: أنه يشك في كونه جزءا للماهية إن كان واجبا، أو جزءا للفرد إن كان مستحبا، و ذلك كالسورة مثلا بالنسبة إلى الصلاة، إذا فرض دورانها بين جزئيتها للماهية إن كانت واجبة، و للفرد إن كانت مستحبة، فعلى تقدير جزئيتها للماهية: فالواجب هو الأكثر، و على تقدير جزئيتها للفرد و كونها من مشخصاته: فالواجب هو الأقل، فالسورة كالاستعاذة حينئذ.

و عليه: فالمراد بجزء الماهية ما تنتفي بانتفائه الماهية كالأجزاء الواجبة، و بجزء الفرد ما ينتفي بانتفائه الفرد كالأجزاء المستحبة و إن لم تنتف الماهية، فالصلاة تصدق مثلا على الواجدة للاستعاذة و الفاقدة لها؛ لعدم كونها من مقومات الطبيعة، بخلاف الأجزاء الواجبة، فإن الفاقد لها لا يكون مصداقا للماهية.

(3) تعليل لقوله: «لا سيما»، و قد عرفت وجه الخصوصية، و أنه لا يكون الزائد لغوا على كل حال، بل هو إما جزء الفرد و إما جزء الماهية.

(4) أي: حين دوران الزائد بين الجزئية للماهية و للفرد.

(5) تعليل لقوله: «حيث ينطبق».

(6) فإن طبيعي الإنسان يصدق على زيد مع أن له مشخصات فردية؛ لكن الصدق باعتبار أنه فرد للحيوان الناطق، و كذا الصلاة جماعة في المسجد من مشخصات الفرد، و يصدق الطبيعي عليه.

(7) استدراك على قوله: «لأن الطبيعي يصدق». و حاصل الاستدراك: أنه إذا دار أمر المشكوك فيه بين كونه جزءا مطلقا- للماهية أو الفرد- و بين كونه خارجا و أجنبيا عن العبادة لم ينطبق الطبيعي عليه بتمامه؛ إذ المشكوك فيه على تقدير عدم جزئيته خارج عن صميم الفعل العبادي و إن لم يكن منافيا له، و إنما هو لغو، و لكن ينطبق الواجب على المأتي به في الجملة، أي: على أجزائه المعلومة، و هو كاف في صحة العبادة.

(8) هذا الضمير و المستتر في «دار» راجعان على المشكوك فيه، و مع احتمال مقارنته لا جزئيته لا وجه لقصد الوجوب به بالخصوص.

(9) جواب «لو دار». و اسم «كان» ضمير راجع على الطبيعي.

397

يكن جزءا (1)، لكنه (2) غير ضائر؛ لانطباقه عليه أيضا (3) فيما لم يكن ذاك الزائد جزءا، غايته لا بتمامه (4) بل بسائر أجزائه. هذا مضافا (5) إلى أن اعتبار قصد الوجه من رأس (6) مما يقطع بخلافه.

مع أن (7) الكلام في هذه المسألة لا يختص بما لا بد أن يؤتى به على وجه الامتثال من (8) العبادات.

____________

(1) لا للماهية و لا للفرد، و ضمير «عليه» راجع على الفرد المأتي به.

(2) أي: لكن عدم الانطباق على المأتي به بتمامه لو لم يكن المشكوك فيه جزءا غير ضائر لانطباق الكلي على المأتي به إجمالا.

(3) أي: كانطباق الكلي على المأتي به في صورة دوران الجزء بين جزئيته للماهية و الفرد.

(4) أي: لا ينطبق الطبيعي على تمام المأتي به؛ بل على ما عدا ذلك الزائد من الأجزاء المعلومة.

(5) هذا هو الوجه الثالث من وجوه الإشكال و المناقشة في كلام الشيخ «(قدس سره)».

و حاصله: القطع بعدم دخل قصد الوجه أصلا لا في نفس الواجب و لا في أجزائه، و ما تقدم في الوجه الأول كان ناظرا إلى عدم الدليل على اعتبار قصد الوجه في خصوص الأجزاء.

(6) أي: لا في الواجب و لا في أجزائه، و ذلك لما تقدم منه في مباحث القطع من أنه ليس منه في الأخبار عين و لا أثر، و في مثله مما يغفل عنه غالبا لا بد من التنبيه عليه حتى لا يلزم الإخلال بالغرض.

(7) هذا هو الوجه الرابع من وجوه الإشكال، و حاصله: أن ما تقدم في كلام الشيخ أخص من المدعى؛ إذ المدعى و هو جريان البراءة في الأقل و الأكثر الارتباطيين لا يختص بالعبادات التي يعتبر فيها الإتيان بها على وجه قربي؛ بل يعم التوصليات، لاشتمالها أيضا على المصالح و من المعلوم: عدم اعتبار قصد الوجه في ترتبها على تلك الواجبات، فيتوقف استيفاء الغرض فيها على فعل الأكثر، مع عدم لزوم قصد الامتثال فيها فضلا عن قصد الوجه، و حديث قصد الوجه مختص بالعبادات كما لا يخفى.

(8) بيان للموصول في «بما لا بد أن يؤتى به ...»، و ضمير «به» راجع على «ما» الموصول.

398

مع أنه (1) لو قيل باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردد و الاحتمال، فلا وجه معه للزوم مراعاة الأمر المعلوم أصلا و لو (2) بإتيان الأقل لو لم‏

____________

(1) هذا هو الوجه الخامس من الإشكالات، و هو إشكال على كلام الشيخ الذي حكاه المصنف عنه بقوله: «فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته بإتيان ما علم تعلقه به ...».

و توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 223»- أن قصد الوجه الذي يتوقف عليه حصول الغرض الداعي إلى الأمر لا يخلو إما أن يكون شرطا في حصوله مطلقا حتى مع تعذر الإتيان به من جهة تردد المأمور به بين الأقل و الأكثر المانع من تحقق قصد الوجوب، و إما أن يكون مقيدا بصورة التمكن منه.

فعلى الأول: يلزم سقوط التكليف من أصله؛ لتعذر شرطه الناشئ من الجهل بوجوب كل جزء، و سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز رأسا حتى بالنسبة إلى الأقل؛ لفرض عدم حصول الغرض لا به و لا بالأكثر، فلا عقاب على تركه حتى يجب التخلص منه بفعل الأقل كما أفاده الشيخ «(قدس سره)».

و على الثاني: يلزم سقوط قصد الوجه عن الاعتبار، و عدم توقف حصول الغرض عليه، و لا بد حينئذ من تحصيل الغرض. و العلم بحصوله منوط بإتيان الأكثر، فيجب عقلا فعله، بداهة: عدم إحراز تحقق المصلحة و الملاك بالأقل، و لا مؤمّن من تبعة التكليف المعلوم إجمالا، فيحتاط المكلف بفعل كل ما يحتمل دخله في حصول الغرض، نظير الشك في المحصل.

قوله: «على وجه» متعلق ب «قصد الوجه»، و ضمير «ينافيه» راجع على قصد الوجه، يعني: إذا كان قصد الوجه المعتبر منوطا بتمييز وجه كل جزء من الأجزاء من الوجوب و الاستحباب، فلا محالة لا يتمشى قصده مع احتمال الجزئية و ترددها؛ لعدم إمكان تمييز الوجه حينئذ حتى يقصد.

قوله: «فلا وجه معه ...» جواب لو و «للزوم» متعلق ب «فلا وجه»، و ضمير «معه» راجع على التردد و الاحتمال.

(2) وصلية، و وجه عدم حصول الغرض هو: توقف حصوله على قصد الوجه الموقوف على التمييز، و مع عدم قصد الوجه لا يحصل الغرض؛ لتوقفه على ما ليس بمقدور للعبد أعني: تمييز وجه المشكوك فيه.

و وجه عدم مراعاة الأمر المعلوم إجمالا و لو بإتيان الأقل الذي التزم الشيخ «قدس‏

399

يحصل الغرض، و للزم (1) الاحتياط بإتيان الأكثر مع حصوله؛ ليحصل (2) القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال، لاحتمال بقائه (3) مع الأقل بسبب بقاء غرضه، فافهم (4).

____________

سره» بفعله تخلصا عن العقاب هو: ما أوضحناه بقولنا: «فعلى الأول يلزم سقوط التكليف من أصله ...» الخ.

(1) عطف على قوله: «فلا وجه معه» يعني: لو قيل باعتبار قصد الوجه على هذا النحو، فإن لم يحصل الغرض سقط العلم الإجمالي عن التأثير حتى بالنسبة إلى الأقل، فلا يجب الإتيان به أيضا، و إن حصل الغرض لزم الإتيان بالأكثر؛ لتوقف يقين الفراغ بعد العلم بالاشتغال عليه؛ إذ مع الاقتصار على الأقل لا يحصل العلم بالفراغ؛ لاحتمال بقاء الأمر بسبب احتمال بقاء غرضه، فلا بد من الإتيان بالأكثر حتى يحصل العلم بتحقق الغرض.

(2) يعني: أنه بعد فرض إمكان تحصيل الغرض يجب الإتيان بالأكثر، لكون المقام من صغريات قاعدة الاشتغال؛ للشك في الفراغ مع الاقتصار على الأقل، و ضمير «حصوله» راجع على «الغرض».

(3) أي: لاحتمال بقاء الأمر مع الإتيان بالأقل بسبب بقاء غرضه و ضمير «غرضه» راجع على الأمر.

(4) لعله إشارة إلى: أن حصول الغرض بالأكثر الموجب للاحتياط بإتيانه خلاف الفرض؛ إذ المفروض: اعتبار قصد الوجه المنوط بمعرفة وجه الأجزاء تفصيلا في العبادة، و مقتضى توقف الغرض على قصد الوجه بهذا النحو هو: عدم إمكان إحرازه لا بالأقل و لا بالأكثر، فلا موجب للإتيان بالأكثر أيضا كما لا يخفى.

أو إشارة إلى: أن الشيخ «(قدس سره)» لم يجزم باعتبار قصد الوجه حتى لا يمكن تحصيل الغرض، و يوجب ذلك سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز مطلقا حتى بالنسبة إلى إتيان الأقل؛ بل احتمله، حيث قال: «فيحتمل أن يكون اللطف منحصرا في امتثاله التفصيلي مع معرفة وجه الفعل ...» الخ.

و من الواضح: أن الاحتمال لا يوجب شيئا من القطع بعدم حصول الغرض، و لا القطع بسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز. و عليه: فيبقى المجال لمراعاة التكليف المعلوم بالإجمال و لو بإتيان الأقل تخلصا عن تبعة مخالفة الأمر المعلوم إجمالا كما أفاده الشيخ «(قدس سره)»، فلا يرد عليه خامس الإشكالات.

400

هذا (1) بحسب حكم العقل.

و أما النقل (2): فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئية ما شك في جزئيته، فبمثله يرتفع الإجمال و التردد عما تردد أمره بين الأقل و الأكثر و يعيّنه في الأول.

____________

(1) يعني: ما تقدم من الاحتياط بلزوم إتيان الأكثر كان راجعا إلى إثبات أحد جزءي المدعى، و هو جريان قاعدة الاشتغال في الأقل و الأكثر الارتباطيين، و عدم جريان البراءة العقلية فيهما. و أما إثبات جزئه الآخر و هو جريان البراءة النقلية فيهما، فمحصله:

أن البراءة الشرعية تجري في جزئية ما شك في جزئيته؛ لشمول حديث الرفع لها، فترتفع به، و يتعين الواجب في الأقل.

في عدم وجوب الاحتياط شرعا

(2) يعني: و أما النقل فهو يقضي برفع جزئية ما شك في جزئيته.

و بعبارة واضحة: أن جميع ما تقدم من أول البحث إلى هنا كان بيانا لعدم جريان البراءة العقلية. و أما البراءة النقلية فهي تجري عن جزئية ما شك في جزئيته، و هذا هو التفصيل الذي اختاره المصنف، حيث اختار التفصيل بين البراءة العقلية فلا تجري، و البراءة الشرعية فتجري.

فقوله: «و أما النقل» فإشارة إلى الجزء الأخير من تفصيله. و هذا التفصيل اعتراض من المصنف على الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» حيث قال بجريان البراءة عقلية كانت أم نقلية.

و توضيح ما أفاده الشيخ «(قدس سره)» في البراءة الشرعية هو: جريان حديث الرفع و الحجب و نحوهما في وجوب الجزء المشكوك وجوبه، و أن وجوب الأكثر مما حجب علمه فهو موضوع عن العباد، و لا يعارضه أصالة البراءة عن وجوب الأقل؛ للعلم بوجوبه المردد بين النفسي و الغيري.

و كيف كان؛ فالمقتضي للبراءة الشرعية موجود، و هو كون المرفوع مجعولا شرعيا مجهولا و في رفعه منّة، و المانع مفقود، فإن المانع إما هو العلم الإجمالي بالتكليف المردد بين الأقل و الأكثر، و إما هو معارضة الأصل مع أصالة عدم وجوب الأقل.

أما الأول: فلارتفاعه؛ لأن هذه الأخبار حاكمة عليه و موجبة لانحلاله، لأن الشارع أخبر بنفي العقاب على ترك الأكثر المشكوك لو كان هو الواجب واقعا، و معه لا يحكم العقل بلزوم رعاية احتمال التكليف الإلزامي في الأكثر من باب المقدمة العلمية.

401

و أما الثاني: فلعدم كون الأقل موردا للأصل؛ للعلم بوجوبه تفصيلا

المتحصل: هو جريان البراءة مطلقا.

ثم تعرض الشيخ لكلام صاحب الفصول الذي منع من جريان البراءة في التكليف، و حكم بجريانها في الحكم الوضعي، قال: «و التحقيق التمسك بهذه الأخبار على نفي الحكم الوضعي و هي الجزئية و الشرطية» (1). و ناقش الشيخ فيه بوجوه، قال في جملتها:

«و منع كون الجزئية أمرا مجعولا شرعيا غير الحكم التكليفي، و هو إيجاب المركب المشتمل على ذلك الجزء». هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام الشيخ «(قدس سره)».

و المصنف أورد على الشيخ بوجهين من الإشكال تعرض لأحدهما في المتن و للآخر في حاشية الرسائل.

و أما توضيح ما في المتن حيث يكون إشكالا من المصنف على كلام الشيخ ردا لصاحب الفصول حيث قال: بأن أخبار البراءة تدل على نفي الحكم الوضعي كالجزئية و الشرطية دون الحكم التكليفي حيث قال: «و التحقيق التمسك بهذه الأخبار على نفي الحكم الوضعي و هي الجزئية و الشرطية» فقال الشيخ «(قدس سره)» ردا عليه بوجوه منها:

ما لفظه: «و منع كون الجزئية أمرا مجعولا شرعيا غير الحكم التكليفي و هو إيجاب المركب المشتمل على ذلك الجزء» (2)، فلا بد أولا من توضيح إشكال الشيخ على صاحب الفصول. و ثانيا من توضيح إشكال المصنف على الشيخ «(قدس سرهما)».

و أما توضيح إشكال الشيخ على صاحب الفصول فيتوقف على مقدمة و هي: أن أدلة البراءة تنفي و ترفع ما يكون وضعه بيد الشارع، و كل ما يكون وضعه بيد الشارع كان قابلا للرفع بأخبار البراءة؛ و إلا فلا.

إذا عرفت هذه المقدمة فيقال في تقريب إشكال الشيخ على صاحب الفصول: إن الجزئية ليست مجعولة شرعا، فلا تكون قابلة للرفع بأدلة البراءة، و المجعول شرعا هو الحكم التكليفي كالوجوب و الحرمة و نحوهما.

و أخبار البراءة تنفي ما يكون مجعولا شرعا، فمجراها مختص بالحكم التكليفي، و الجزئية ليست من الأحكام التكليفية فلا تجري فيها البراءة الشرعية.

____________

(1) فرائد الأصول 2: 330.

(2) فرائد الأصول 2: 333.

402

فما ذكره صاحب الفصول من جريانها في الجزئية لا يرجع إلى محصل صحيح.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح إشكال الشيخ على صاحب الفصول.

و أما توضيح إشكال المصنف على الشيخ: فأيضا يتوقف على مقدمة و هي:

أن المجعول على قسمين:

الأول: أن يكون الشي‏ء مجعولا بالأصالة و على نحو الاستقلال كالحكم التكليفي.

الثاني: أن يكون مجعولا بتبع الجعل الشرعي لمنشا انتزاعه كجزئية السورة للمأمور به، حيث تكون مجعولة بتبع جعل وجوب المركب من الأجزاء.

إذا عرفت هذه المقدمة فيقال في توضيح إشكال المصنف على الشيخ إن أدلة البراءة تشمل كلا القسمين. و لا تختص بالقسم الأول لعدم الدليل على اختصاص مجراها بما هو مجعول بالأصالة و الاستقلال، بل يشمل المجعول الانتزاعي و التبعي أيضا، فما أفاده صاحب الفصول من أن أدلة البراءة ترفع جزئية ما شك في جزئيته كالسورة مثلا في محله؛ لأن جزئيتها و إن لم تكن مجعولة بالأصالة بعنوان أنها جزء، و لكنها مجعولة تبعا و بلحاظ منشأ انتزاعها حيث إنه إذا أمر الشارع بمركب من الأجزاء و تكون منها السورة مثلا، يتنزع العقل من ذلك جزئية السورة، فإذا شك في جزئيتها للمركب ترفع بالأصل و لو برفع الأمر عن الأكثر و هو منشأ انتزاعها. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح إشكال المصنف على الشيخ «(قدس سرهما)».

و أما ما في حاشية الرسائل فهذا لفظه: «يمكن أن يقال: إن وجوب واحد من الأقل و الأكثر نفسيا مما لم يحجب علمه عنا و لسنا في سعة منه كما هو قضية العلم به بحكم العقل أيضا حسب الفرض، و هذا ينافي الحكم على الأكثر على التعيين بأنه موضوع عنا و نحن في سعته، فإن نفي الوضع و السعة عما علم إجمالا وجوبه مع العلم تفصيلا بوجوب أحد طرفيه يستدعي نفيهما عنه، و لو كان هو الطرف الآخر، فلا بد إما من الحكم بعدم شمول هذه الأخبار لمثل المقام مما علم إجمالا وجوب شي‏ء إجمالا، و إما من الحكم بأن الأكثر ليس مما حجب علمه، فإنه يعلم الإتيان به بحكم العقل مقدمة للعلم بإتيان ما لسنا بسعته ...». فما ذكر الشيخ من البراءة الشرعية عن الأكثر مما ليس في محله. و في المقام مناقشة تركناها رعاية للاختصار.

و لكن المصنف عدل عن جريان الأصل في التكليف- كما في كلام الشيخ- إلى‏

403

لا يقال (1): إن جزئية السورة المجهولة- مثلا- ليست بمجعولة و ليس لها أثر

____________

جريانه في الوضع و هو الجزئية- كما في كلام صاحب الفصول-.

في وجه عدول المصنف عن البراءة عن الحكم التكليفي إلى الوضعي‏

و أما توضيح وجه العدول: فيتوقف على مقدمة و هي: أن الأصل السببي دائما يتقدم على الأصل المسببي من باب الحكومة، بمعنى: أن الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الأصل في الحكم التكليفي في الشك في الجزئية مسببي، و الأصل في الجزئية سببي؛ لأن الجزئية موضوع للحكم بوجوب الجزء، فلا تصل النوبة إلى الأصل في نفي وجوب شي‏ء بعد الأصل لنفي جزئية ذلك الشي‏ء؛ لما عرفت من: أن الأصل في جانب الموضوع يكون سببيا، و في جانب الحكم مسببيا، فلا يجري الأصل في جانب الحكم مع وجود الأصل في جانب الموضوع، و لازم ذلك عدم جريان الأصل في جانب الوجوب عند جريان الأصل في نفي الجزئية.

(1) هذا إشكال على جريان البراءة الشرعية في وجوب الأكثر المشكوك فيه بالتقريب الذي ذكره المصنف من جريانها في الوضع و هو الجزئية.

و هذا ناظر إلى ما تقدم نقله من كلام الشيخ في جواب صاحب الفصول «قدهما».

و توضيح الإشكال: أن البراءة إنما تجري فيما إذا كان المجهول أثرا شرعيا؛ لأن مجرى البراءة- على ما قرر في محله- لا بد و أن يكون مما تناله يد الوضع و الرفع التشريعيين، و المفروض: أن الجزئية ليست أثرا شرعيا كحرمة شرب التتن و وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و لا مما يترتب عليها أثر شرعي. و عليه: فلا مجال لجريان البراءة في الجزئية؛ بل لا بد من إجرائها في التكليف مثل: وجوب الجزء المشكوك فيه أو وجوب الأكثر.

و دعوى: أن الجزئية مما يترتب عليه أثر شرعي و هو وجوب الإعادة- على تقدير كون الواجب الواقعي هو الأكثر- فالبراءة تجري في الجزئية بلحاظ أثرها و هو وجوب الإعادة، مدفوعة:

أولا: بأن وجوب الإعادة أثر لبقاء الأمر الأول أي: الأمر بالأكثر، لا جزئية السورة؛ لأن الأمر بنفسه- ما لم يمتثل- يقتضي الإعادة عقلا دون الجزئية، فالإعادة أثر لبقاء الأمر الأول، لا أثر للجزئية.

و ثانيا: بأن وجوب الإعادة لا يرتفع بمثل حديث الرفع لكونه عقليا من باب وجوب الإطاعة عقلا.

404

مجعول، و المرفوع (1) بحديث الرفع إنما هو المجعول بنفسه أو أثره، و وجوب (2) الإعادة إنما (3) هو أثر بقاء الأمر الأول بعد العلم مع (4) أنه عقلي، و ليس إلا من باب وجوب الإطاعة عقلا.

لأنه يقال (5): إن الجزئية و إن كانت غير مجعولة بنفسها، إلا إنها مجعولة بمنشإ انتزاعها، و هذا (6) كاف في صحة رفعها.

لا يقال (7): إنما يكون ارتفاع الأمر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه و هو الأمر

____________

و بالجملة: فلا مجال للبراءة في جزئية المشكوك فيه، لعدم كونها أثرا شرعيا و لا مما له أثر شرعي.

(1) الواو للحال، يعني: و الحال أنه يعتبر أن يكون المرفوع بحديث الرفع حكما أو موضوعا لحكم شرعي، فالمراد ب «بنفسه» الحكم و ب «أثره» الموضوع للحكم.

(2) هذا تقريب توهم ترتب الأثر على جريان الحديث في الجزئية. و قد تقدم توضيح هذا التوهم مع جوابه بقولنا: «و دعوى أن الجزئية ...».

(3) هذا إشارة إلى الجواب الأول عن الدعوى المذكورة.

(4) أي: مع أن وجوب الإعادة عقلي، و هذا إشارة إلى الجواب الثاني عن تلك الدعوى المذكورة. و قد تقدم بقولنا: «و ثانيا بأن وجوب الإعادة لا يرتفع ...» الخ.

و ضمير «ليس» راجع على وجوب الإعادة.

(5) هذا دفع الإشكال و إيراد على كلام الشيخ «(قدس سره)».

و محصله: أن الجزئية و إن لم تكن مجعولة لكونها أمرا انتزاعيا، إلا أن منشأ انتزاعها و هو الأمر مجعول شرعي، و هذا يكفي في جريان البراءة فيها، إذ المهم كون مجرى الأصل مما تناله يد التشريع وضعا و رفعا و لو بالواسطة، سواء كان مجعولا بالاستقلال كالأحكام التكليفية المستقلة كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، أم بالتبع كالأحكام الوضعية نظير الجزئية و الشرطية و نحوهما، فمجرد تبعية الوضع للتكليف لا يمنع من شمول الحديث له، لإمكان رفعه برفع منشأ الانتزاع، و هو تعلق الأمر النفسي بالأكثر، و ضمائر «بنفسها، أنها، انتزاعها» راجعة على الجزئية.

(6) أي: الجعل التبعي للجزئية كاف في صحة جريان البراءة فيها. و ضمير «رفعها» راجع على الجزئية.

(7) هذا إشكال على كون الرفع بلحاظ الأمر الذي هو منشأ انتزاع الجزئية مثل قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* المشكوك تعلقه بالسورة مثلا.