دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
405

الأول (1)، و لا دليل (2) آخر على أمر آخر (3) بالخالي عنه (4).

لأنه يقال: نعم (5)؛ و إن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه؛ إلا إن نسبة حديث‏

____________

توضيح هذا الإشكال- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 234»- هو: أنه بعد جريان أصالة البراءة في الأمر بالأكثر- الذي هو منشأ انتزاع الجزئية- لا يبقى أمر يتعلق بالأقل، و المفروض: عدم دليل آخر يدل على كون الواجب هو الأقل، و أصالة البراءة أيضا لا تثبته إلا على القول بحجية الأصول المثبتة، فلا وجه حينئذ لما أفيد قبيل هذا من «أن عموم حديث الرفع يرفع الإجمال و التردد عن الواجب المردد بين الأقل و الأكثر و يعينه في الأقل»؛ و ذلك لبداهة: ارتفاع الأمر بأصل البراءة و لا أمر آخر يدل على كون الواجب هو الأقل الخالي عما شك في جزئيته.

فالنتيجة: أن البراءة الشرعية لا تجري حتى يثبت أن الواجب هو الأقل و ينحل به العلم الإجمالي؛ بل يجب الاحتياط عقلا بإتيان الأكثر.

(1) و هو الأمر المتعلق بالأكثر المفروض ارتفاعه بحديث الرفع.

(2) أي: و الحال أنه لا دليل آخر على تعلق طلب آخر بالأقل.

(3) يعني: غير الأمر الأول المتعلق بالأكثر المرتفع بحديث الرفع.

(4) أي: بالخالي عما شك في جزئيته، و المراد بالخالي عن المشكوك: هو الأقل.

(5) أي: و إن لم يكن دليل آخر على وجوب الأقل بعد نفي الأكثر بالبراءة؛ إلا إنه يمكن إثبات وجوب الأقل بطريق آخر سيأتي بيانه.

و هذا جواب الإشكال و محصله:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 235»- أن الوجه في ثبوت الأمر بالأقل ليس هو البراءة الشرعية حتى يقال: إن الأصل لا يثبت اللوازم؛ بل الوجه في ذلك هو: الجمع بين أدلة الأجزاء و بين أدلة البراءة الشرعية، حيث إن وجوب الأقل معلوم بنفس أدلة الأجزاء، و وجوب الأكثر منفي بالبراءة الشرعية، فيكون مثل حديث الرفع بمنزلة الاستثناء و تقييد إطلاقها لحالتي العلم و الجهل بجزئية الأجزاء، فإذا فرض جزئية السورة مثلا للصلاة واقعا كان مثل حديث الرفع نافيا لجزئيتها في حال الجهل بها، فكأن الشارع قال: «يجب في الصلاة التكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهد مطلقا علم بها المكلف أم لا، و تجب السورة إذا علم بجزئيتها». و هذا التحديد نشأ من حكومة حديث الرفع على أدلة الأجزاء و الشرائط حكومة ظاهرية موجبة لاختصاص الجزئية بحال العلم بها على نحو لا يلزم التصويب؛ كما مر في بحث أصل البراءة، كما أن إطلاق دليل الجزئية لحالتي التذكر و النسيان يتقيد بفقرة «رفع النسيان» بصورة التذكر.

406

الرفع الناظر (1) إلى الأدلة على بيان الأجزاء إليها نسبة (2) الاستثناء، و هو (3) معها يكون دالا «دالة» على جزئيتها إلا مع الجهل بها كما لا يخفى. فتدبر جيدا.

____________

و بالجملة: فوجوب الأقل مستند إلى أدلة الأجزاء لا إلى حديث الرفع حتى يتوهم أن إثبات ذلك به يتوقف على القول بالأصل المثبت، و الحديث ينفي خصوص الوجوب الضمني المتعلق بما شك في جزئيته، و لا ينفي تمام الوجوب على تقدير ثبوته للأكثر.

و ضميرا «ارتفاعه، انتزاعه» راجعان على الأمر الانتزاعي، و هذا كارتفاع جزئية السورة بارتفاع منشأ انتزاعه، و هو الأمر الضمني المتعلق بها.

(1) صفة ل «حديث الرفع»، و إشارة إلى الحكومة التي أشرنا إليها بقولنا: «و هذا التحديد نشأ من حكومة حديث الرفع ...» الخ. و ضمير «إليها» راجع على «الأدلة».

(2) خبر «أن نسبة» فكأنه قيل: «السورة مثلا واجبة في الصلاة إلا مع الجهل بجزئيتها»، و هذا الاستثناء مفاد حديث الرفع، فبعد انضمامه إلى أدلة الأجزاء يستفاد وجوب الأقل و عدم جزئية مشكوك الجزئية و إن كان جزءا واقعا.

(3) يعني: و حديث الرفع مع أدلة الأجزاء يكون دالا على جزئية الأجزاء إلا مع الجهل بجزئيتها، و هذا محصل الجمع بين أدلة الأجزاء و حديث الرفع الذي جعل كالاستثناء بالنسبة إليها. و ضمير «هو» راجع على «حديث الرفع»، و ضمير «معها» راجع على «الأدلة»، و ضمير جزئيتها راجع على «الأجزاء»، و ضمير «بها» إلى «جزئيتها».

و هنا تطويل الكلام بالنقض و الإبرام تركناه رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- بيان محل الكلام في المقام يتوقف على أمور:

الأول: الفرق بين المتباينين و الأقل و الأكثر الارتباطيين: أن المتباينين ما لا ينطبق أحد طرفي الترديد على الطرف الآخر، بخلاف الأقل و الأكثر، فطرفا الترديد يمكن اجتماعهما بإتيان الأكثر.

الثاني: الفرق بين الارتباطيين و الاستقلاليين: أن الأمر بالمركب يسقط بمقدار الأقل إذا أتى به؛ كتردد ما في الذمة من الدين بين خمسة آلاف ليرة سورية و بين عشرة آلاف، فإذا دفع الخمسة يسقط الدين مقدار الخمسة لو كان الدين عشرة. هذا بخلاف الارتباطيين كالصلاة المرددة بين التسعة الأجزاء و عشرة الأجزاء، فإذا أتى بالتسعة الأجزاء و كان الواجب العشرة الأجزاء تقع الصلاة باطلة.

407

الثالث: أن نزع الأقل و الأكثر الارتباطيين لا يختص بالشبهات التحريمية؛ بل يجري في الشبهات الوجوبية أيضا.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة فاعلم: أن محل الكلام هو دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين في الشبهات الوجوبية.

2- الأقوال فيه ثلاثة:

الأول: ما اختاره الشيخ الأنصاري من جريان البراءة العقلية و الشرعية في الأكثر.

الثاني: عدم جريان شي‏ء منهما؛ بل الحكم هو وجوب الاحتياط بإتيان الأكثر كما نسب إلى المحقق السبزواري.

الثالث: التفصيل بين البراءة العقلية و الشرعية بجريان الثانية دون الأولى، فلا بد من الاحتياط عقلا. هذا هو مختار المصنف «(قدس سره)».

فللمصنف دعويان:

الأولى: عدم جريان البراءة العقلية.

الثانية: جريان البراءة الشرعية.

ثم الدعوى الأولى مبنية على عدم انحلال العلم الإجمالي بالتكليف إلى العلم التفصيلي و الشك البدوي؛ لأن أساس القول بالبراءة على الالتزام بالانحلال، و المصنف أنكر الانحلال و قال باستحالته بوجهين:

الأول: أن الانحلال يستلزم الخلف.

الثاني: أنه يستلزم التناقض، كما عرفت تفصيل ذلك.

3- و أما توهم الانحلال- كما عن الشيخ «(قدس سره)»- فتوضيحه: أن العلم الإجمالي بالوجوب النفسي المردد بين الأقل و الأكثر ينحل إلى وجوب الأقل تفصيلا و الشك في وجوب الأكثر فتجري البراءة بالنسبة إلى وجوب الأكثر مطلقا؛ لأنه شك في أصل التكليف الزائد.

و قد أجاب المصنف عن هذا التوهم بعدم الانحلال؛ لما عرفت من: أن البراءة مبنية على الانحلال و هو محال؛ لكونه مستلزما للخلف و التناقض.

نعم؛ ينحل العلم الإجمالي في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين فتجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر؛ لكون الشك فيه شكا في أصل التكليف.

408

4- استدلال المصنف على التفصيل بوجهين:

أحدهما: عدم انحلال العلم الإجمالي؛ بل إنه محال لما عرفت: من المحذور العقلي.

هذا هو الدليل على وجوب الاحتياط عقلا.

و ثانيهما: أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يحصل إلا بالأكثر فيجب الإتيان به تحصيلا للغرض، فالمقام يكون من صغريات الشك في المحصل و هو مجرى قاعدة الاشتغال.

5- جواب الشيخ «(قدس سره)» عن الاستدلال لوجوب الأكثر بدليل لزوم تحصيل الغرض بوجهين:

الأول: الالتزام بالغرض مبني على مذهب مشهور العدلية من تبعية الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد في متعلقاتهما، و مسألة البراءة و الاحتياط ليست مبنية على ذلك؛ بل تجري على مذهب بعض العدلية المكتفي بوجود المصلحة في نفس الأمر، و على مذهب الأشعري القائل بعدم التبعية أصلا، فيمكن المصير إلى أحد هذين القولين، فليس غرض في متعلق الأمر حتى يجب تحصيله بإتيان الأكثر.

الثاني: أن الغرض و إن كان موردا لقاعدة الاشتغال على مذهب مشهور العدلية؛ إلا إنه فيما يمكن تحصيل العلم بوجوب الغرض و لا يمكن تحصيل العلم بوجود الغرض، و ذلك لاحتمال دخل قصد وجه الأجزاء في تحقق الإطاعة، و هذا القصد يتوقف على معرفة وجه الأجزاء، و مع الجهل به- كما هو المفروض- لا يتمشى قصد الوجه، فلا يحصل العلم بالغرض، فلا وجه لوجوب الأكثر احتياطا من ناحية تحصيل الغرض؛ لعدم إمكانه و لازم ذلك هو: إتيان الأقل تخلصا عن تبعة التكليف المنجز بالعلم الإجمالي دون الأكثر، فلا ملزم بإتيان الأكثر احتياطا.

هذا تمام الكلام في جواب الشيخ عن الاستدلال لوجوب الأكثر بدليل لزوم تحصيل الغرض بالوجهين المذكورين؛ إلا إن هذا الجواب من الشيخ مدفوع: بأن إنكار أصل الغرض على مذهب الأشعري لا يجدي من يلتزم في التخلص عن برهان الغرض على مذهب غيره.

و أما ما أفاده الشيخ من إمكان كون الغرض في نفس الأمر- كما هو مذهب بعض العدلية- فمردود: بأن مقصود ذلك البعض من العدلية القائل بتبعية الأمر لمصلحة في نفسه هو ردّ من التزم بوجوب كون المصلحة في المأمور به بأنه يجوز أن تكون المصلحة في نفس الأمر؛ لا إنه يجب أن تكون في المأمور به، فيحتمل أن تكون في نفس الأمر،

409

و مع هذا الاحتمال لا يمكن الاقتصار على الأقل لعدم العلم بحصول الغرض منه.

«فافهم» لعله إشارة إلى أن من ذهب إلى ما عليه غير المشهور لا يقول بالمصلحة إلا في الأمر فقط من غير أن يحتملها في المأمور به و عليه: فكما أن العقل يحكم بالبراءة على مذهب الأشعري المنكر للمصلحة و الغرض، فكذلك يحكم على مذهب بعض العدلية القائل بوجود المصلحة في الأمر دون المأمور به.

6- الإشكال على ما أفاده الشيخ: من تعذر استيفاء الغرض في العبادات بعد احتمال دخل قصد وجه أجزائها في تحققه، فيصير الشك في حصول الغرض الداعي إلى الأمر بدون قصد الوجه شكا في المحصل الذي يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال لا البراءة؛ لكن يتعذر الاحتياط هنا لعدم المعرفة بوجه الأجزاء حتى يقصد، فلا يبقى إلا الإتيان بما قام عليه البيان و هو الأقل تخلصا عن تبعة مخالفته.

7- و المصنف أورد عليه بوجوه:

الأول: أن حصول المصلحة في العبادات و إن كان بقصد الامتثال؛ لكن لا يتوقف على قصد وجه الأجزاء؛ إذ مع هذا الاحتمال يتعذر الاحتياط، و يندرج المقام فيما يتعذر فيه الاحتياط، فيخرج عن محل الكلام و هو إمكان الاحتياط كالمتباينين.

فحاصل هذا الوجه: أنه لا دليل على اعتبار قصد الوجه في أجزاء العبادات حتى يتم كلام الشيخ بعدم إمكان الاحتياط بإتيان الأكثر؛ بل الدليل على خلافه، و هو كون المقام كالمتباينين في إمكان الاحتياط.

الثاني: أنه على تقدير اعتبار الجزم بالنيّة في العبادة ليس المقصود منه اعتباره في كل واحد من الأجزاء؛ بل المقصود منه اعتباره في العبادة في الجملة. و هذا المقدار يمكن تحققه بالاحتياط بإتيان الأكثر بقصد وجوبه النفسي في الجملة. و من المعلوم: أن الاحتياط بفعل الأكثر بقصد مطلوبيته النفسية بمكان من الإمكان، و ليس المقصود لزوم قصد الوجوب في كل واحد من الأجزاء كي يكون متعذرا مع عدم معرفة الأجزاء، و مع عدم اعتبار قصد وجوب كل واحد من الأجزاء فللمكلف إيقاع العبادة بنية وجوبها النفسي في الجملة أي: بلا تعيين أن فرد الواجب تمام المأمور به أو بعضه.

الثالث: أن القطع بعدم دخل قصد الوجه أصلا.

«فافهم» لعله إشارة إلى أن حصول الغرض بالأكثر الموجب للاحتياط بإتيانه خلاف الغرض، إذ المفروض: اعتبار قصد الوجه المنوط بمعرفة الأجزاء تفصيلا في العبادات،

410

و مقتضى توقف الغرض على قصد الوجه بهذا النحو هو: عدم إمكان إحرازه لا بالأقل و لا بالأكثر، فلا موجب للإتيان بالأكثر أيضا.

8- أما عدم وجوب الاحتياط شرعا: فلجريان حديث الرفع و الحجب و نحوهما في وجوب الجزء المشكوك وجوبه، و أن وجوب الأكثر مما حجب علمه فهو موضوع عن العباد، و لا يعارضه أصل البراءة عن وجوب الأقل؛ للعلم بوجوبه المردد بين النفسي و الغيري.

و كيف كان؛ فالمقتضي للبراءة الشرعية موجود، و هو كون المرفوع مجعولا شرعيا مجهولا و في رفعه منّة. و المانع مفقود، فإن المانع إما العلم الإجمالي بالتكليف المردد بين الأقل و الأكثر و إما معارضة الأصل مع أصالة عدم وجوب الأقل، و كلا الأمرين مفقود.

أما العلم الإجمالي: فلارتفاعه بأخبار البراءة لأنها حاكمة عليه و موجبة لانحلاله.

و أما التعارض: فلعدم كون الأقل موردا للأصل للعلم بوجوبه تفصيلا مع جريان الأصل في الأكثر فقط.

9- و أما إشكال الشيخ على صاحب الفصول:- حيث قال بجريان البراءة في الحكم الوضعي و هو الجزئية- فلأن الجزئية غير مجعولة فلا ترتفع بأدلة البراءة.

ثم أورد المصنف على الشيخ: بأن الجزئية و إن لم تكن مجعولة بالأصالة و الاستقلال، إلا إنها مجعولة بتبع الحكم التكليفي، و هذا المقدار يكفي في جريان البراءة، فما أفاده صاحب الفصول من أن أدلة البراءة ترفع جزئية ما شك في جزئيته صحيح و في محله.

10- أما وجه عدول المصنف عن البراءة في الحكم التكليفي إلى البراءة في الحكم الوضعي: فلأن الأصل في جانب الحكم الوضعي كالجزئية يكون سببيا، و في جانب الحكم التكليفي يكون مسببيا، و من المعلوم: أن الأصل السببي يتقدم على الأصل المسببي من باب الحكومة، فلا يجري الأصل المسببي مع جريان الأصل السببي.

11- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- التفصيل بين البراءة العقلية و الشرعية، حيث قال بجريان الثانية دون الأولى؛ بل حكم العقل هو وجوب الاحتياط.

2- ثم البراءة تجري في الجزئية و هو الحكم الوضعي لا في نفي وجوب الجزء و هو الحكم التكليفي.

411

الأجزاء التحليلية

بعد ما فرغ المصنف عن حكم الأجزاء الخارجية من حيث جريان البراءة و عدم جريانها فيها، شرع في حكم الأجزاء التحليلية.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان ما هو محل الكلام في الأمر الأول.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الأجزاء على قسمين:

1- الخارجية. 2- التحليلية العقلية.

و الفرق بينهما: أن الأولى لا تحتاج إلى دقة فكر و تأمل عقل، نظير الأمر بالصلاة مع السورة مثلا، فإن نفس قول القائل: «صل مع السورة» يدل على التركيب و كاشف عنه، و أما الثانية: فهي تحتاج إلى تأمل عقل و إعمال فكر، نظير الأنواع و الأجناس كالإنسان و الحيوان، حيث كل واحد منهما يحلل بالدقة العقلية إلى الأجزاء؛ كتحليل الإنسان إلى حيوان ناطق، و تحليل الحيوان إلى جسم نام متحرك بالإرادة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل الكلام هو المركب من الأجزاء التحليلية، كما أن المراد بالمركب في المباحث المتقدمة هو المركب من الأجزاء الخارجية.

و قد تقدم: أن المصنف قال في الأجزاء الخارجية بالتفصيل بين حكم العقل و الشرع بمعنى: أن مقتضى حكم العقل هو الاحتياط دون البراءة، و مقتضى حكم الشرع هو البراءة. و قد تقدم وجه ذلك تفصيلا.

ثم يقول المصنف في المقام: إنه قد ظهر- مما مر من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في المركب من الأجزاء الخارجية، حيث قلنا بالاحتياط عقلا و البراءة شرعا- حال دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء كقوله «صل مع الطهارة»، «و مطلقه» أي: الخالي من الشرط؛ كأن شككنا في أن الواجب مثلا هل هو الصلاة أو الصلاة حال الطهارة، و دوران الأمر بين العام و الخاص؛ كأن شككنا في أن الواجب هو الإتيان بالإنسان أو بالحيوان في قول المولى: «ائتني بشي‏ء»، و نعلم إجمالا بأن المراد بالشي‏ء هو الحيوان، و لكن لا نعلم بأن المراد هو الجنس أو النوع كالإنسان. و يقول المصنف: إنه لا مجال هاهنا للبراءة عقلا؛ «بل كان الأمر فيهما أظهر» يعني: بل كان الاشتغال في المطلق و المقيد و العام و الخاص «أظهر، فإن الانحلال المتوهم في الأقل و الأكثر» باليقين التفصيلي بالنسبة إلى الأقل، و الشك البدوي بالنسبة إلى الزائد الذي هو مجرى البراءة «لا يكاد يتوهم هاهنا بداهة:

412

أن الأجزاء التحليلية» كالحيوان و الرقبة في المثالين «لا تكاد تتصف باللزوم من باب المقدمة عقلا».

فالمتحصل: أن الأجزاء الخارجية قابلة للاتصاف بالأقل و الأكثر، و لازم ذلك هو:

الانحلال إلى اليقين التفصيلي بالنسبة إلى الأقل، و الشك البدوي بالنسبة إلى الزائد.

هذا بخلاف الأجزاء التحليلية، حيث لا تقبل الاتصاف بالأقل و الأكثر، بل المطلق و المقيد و العام و الخاص من الأمور المتباينة؛ إذ المطلق اعتبر لا بشرط و المقيد اعتبر بشرط شي‏ء فهما متباينان، و كذلك العام و الخاص فهما أيضا متباينان.

و مقتضى القاعدة في دوران الأمر بين المتباينين هو: الاحتياط عقلا و شرعا، و لازم ذلك هو: الإتيان بالمقيد و الخاص.

فحاصل كلام المصنف في الأمر الأول هو: عدم جريان البراءة العقلية في الشك في الشرط و العام و الخاص؛ بل عدم جريان البراءة العقلية هنا أولى من عدم جريانها فيما تقدم من الشك في الجزئية في الأجزاء الخارجية، و ذلك لعدم توهم انحلال العلم الإجمالي هنا و توهمه في الشك في الجزئية في الأجزاء الخارجية.

و كيف كان؛ فقبل توضيح مرامه ينبغي التعرض لما أفاده الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» هنا لأن كلام المصنف ناظر إليه و إشكال عليه.

فنقول: إن حاصل كلام الشيخ في المقام: أنه قسم الأجزاء الذهنية إلى قسمين:

الأول: ما يكون ناشئا و منتزعا من فعل خارجي مغاير للمقيد في الوجود الخارجي بحيث لا وجود له؛ بل الوجود يكون لمنشا انتزاعه؛ كتقيد الصلاة بالطهارة المعنوية المنتزعة من الوضوء و الأفعال الخارجية، حيث إن الوضوء و لو كان له وجود مغاير لوجود المأمور به أي: الصلاة، و يكون منشأ لانتزاع الطهارة المعنوية منه؛ و لكن الطهارة المعنوية لا وجود لها في الخارج.

و الثاني: ما يكون متحدا مع المقيد في الوجود الخارجي كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة مثلا.

و بعبارة أخرى: الثاني: عبارة عن خصوصية تتحقق في المأمور به، و يكون لها الوجود، غاية الأمر: لا تتحقق و لا توجد تلك الخصوصية إلا بتحقق المأمور به كالإيمان في الرقبة مثلا، ثم حكم بجريان البراءة العقلية و النقلية في القسم الأول، و أنه لو شك في وجوب الوضوء و تقيد الصلاة بالطهارة المنتزعة منه ينحل التكليف إلى معلوم تفصيلي‏

413

و هو الصلاة المركبة من الأجزاء المعلومة، و شك بدوي في الطهارة و تقيد الصلاة بها فيدفع بالأصل.

و كذا في القسم الثاني و إن استشكل فيه أولا بعدم انحلال التكليف بواسطة عدم تعدد الوجود؛ إلا إنه حكم أخيرا بجريان البراءة فيه أيضا، و أنه لو شك في اعتبار الإيمان و لزوم تحصيل وجوده في الرقبة يدفع وجوب تحصيله بالأصل. راجع «دروس في الرسائل، ج 3، ص 498».

و لكن المصنف قسم الأجزاء الذهنية إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما يكون من قبيل القيود و الشروط.

الثاني: الخصوصية التي لا تتحقق إلا بتحقق المأمور به كما عرفت.

الثالث: العام و الخاص كالحيوان و الإنسان، و أن الأمر تعلق بالحيوان أو الإنسان مثلا.

ثم أورد المصنف على الشيخ الأنصاري بما حاصله: من الحكم بعدم جريان البراءة العقلية في الكل و ذلك لعدم انحلال العلم الإجمالي في الأجزاء التحليلية بالطريق الأولى.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: الفرق بين الأجزاء الخارجية و الأجزاء التحليلية و هو: أن الأجزاء الخارجية لكون وجوداتها المستقلة يمكن أن تتصف بالوجوب مطلقا نفسيا أو غيريا، فيدعى العلم التفصيلي بوجوبها كذلك الموجب لانحلال العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر إلى علم تفصيلي بوجوب الأقل و شك بدوي في وجوب الأكثر.

و هذا بخلاف الأجزاء التحليلية التي لا يميزها إلا العقل، و لا ميّز لها في الخارج أصلا، و يعد واجد الجزء التحليلي و فاقده من المتباينين لا من الأقل و الأكثر؛ إذ كون الأقل معلوما مبني على تصور وجود له غير وجود الأكثر، و في الجزء التحليلي لا وجود للأقل في الخارج في قبال الأكثر، فلا ينحل التكليف إلى معلوم تفصيلي و شك بدوي حتى يكون مجرى البراءة، فلا تجري البراءة إذ جريان البراءة مبني على الانحلال، و يشترط في الانحلال: أن يكون في البين وجود معلوم الوجوب- أي: الأقل- و وجود آخر مشكوك الوجوب مغاير للمعلوم أي: الزائد.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن قياس الأجزاء التحليلية بالأجزاء الخارجية مع الفارق، لوضوح: أن كل واحد من الأجزاء الخارجية كالتكبيرة و القراءة و السجود

414

و نحوها لما كان موجودا مستقلا أمكن اتصافه بالوجوب، و يقال: إن هذه الأشياء واجبة قطعا و الزائد عليها مشكوك الوجوب، فتجري فيه البراءة، هذا بخلاف ذات المشروط للأقل في المقام أي: الصلاة؛ لعدم وجود مغاير لها في قبال وجود الأكثر حيث إنها مع الطهارة المعنوية موجودة بوجود واحد في عالم الخارج.

و بخلاف ذات المقيد كالرقبة أو ذات العام كالحيوان فإن شيئا منهما لا يتصف بالوجوب حتى يقال وجوب ذاتهما معلوم تفصيلا إما نفسيا أو غيريا؛ و ذلك لعدم وجود مغاير للحيوان و الرقبة مع الناطق و الإيمان في الخارج، فلا تتصف الأجزاء التحليلية باللزوم و الوجوب من باب المقدمة عقلا، فلا يتصور فيها الانحلال، فلا تجري البراءة العقلية فيها فدوران الأمر بين المطلق و المقيد أو المشروط و بين العام و الخاص من دوران الأمر بين المتباينين لا بد من الاحتياط بالإتيان بالصلاة مع الطهارة، و بالرقبة مع الإيمان، و بالحيوان الناطق.

و أما البراءة النقلية: فلا تجري إلا بالنسبة إلى ما يكون أمر وضعه و رفعه بيد الشارع، فتجري في دوران الأمر بين المشروط و مطلقه؛ لأن الشرط ينتزع من أمر الشارع، فلا مانع من نفيه بحديث الرفع عند الشك فيه.

و هذا بخلاف دوران الأمر بين العام و الخاص كالحيوان و الناطق، فإن خصوصية الإنسان منتزعة عن ذات المأمور به لا من أمر خارج عنه حتى ينتفي بالأصل، و حينئذ فيكونان من قبيل المتباينين.

و الاشتغال يقتضي الإتيان بالخاص تحصيلا للفراغ اليقيني.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «مما مر» يعني: في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين بالنسبة إلى الأجزاء الخارجية من امتناع الانحلال عقلا لوجهين من الخلف و الاستحالة. و وجه ظهور حكم المقام مما مر هو: وحدة المناط في استحالة انحلال العلم الإجمالي.

قوله «حال دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء و مطلقه»؛ كالشك في شرطية الإقامة للصلاة مع خروج ذاتها عنها، و إنما اعتبر التقيد بها في ماهيتها، و كلام المصنف يشمل المطلق و المشروط و المطلق و المقيد، لدخل التقيد في كل منهما في الواجب و إن كان منشأ التقيد في المشروط موجودا خارجيا كالطهارة، و في المقيد أمرا متحدا معه كالإيمان.

415

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول: أنه ظهر مما مرّ: حال دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء و مطلقه، و بين الخاص كالإنسان و عامه كالحيوان (1)، و أنه (2) لا مجال هاهنا للبراءة عقلا (3)؛ بل كان الأمر فيهما (4) أظهر، فإن (5) الانحلال المتوهم في الأقل و الأكثر لا يكاد يتوهم هاهنا، بداهة: أن (6) الأجزاء التحليلية (7) لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة

____________

[تنبيهات‏]

[التنبيه الاول: الشك فى الشرطية و الخصوصية ...]

(1) المراد بالعام و الخاص هنا هو: العام المنطقي كالحيوان و الخاص المنطقي كالإنسان كما مثل بهما في المتن، و هذا إشارة إلى موارد الدوران بين التعيين و التخيير كما إذا أمر المولى بإطعام حيوان و شك في دخل خصوصية الإنسانية فيه.

و الوجه في كونه مثالا للتعيين و التخيير هو: أن الحيوان حيث لا تحقق له خارجا و ذهنا بدون فصل من فصوله، لأنه علة لوجود ماهية الجنس، و لذا لا يكون عروض الوجود لها كعروض الأعراض لموضوعاتها؛ بل عروضه لها مجرد التصور مع اتحادهما هوية، و أن الوجود لها من قبيل الخارج المحمول، فمرجع الشك فيه إلى أنه أمر بإطعام حيوان مخيرا بين فصوله، أو معينا في فصل الناطقية مثلا، و قد يمثل شرعا بدوران مطلوبية مطلق الذكر في الركوع و السجود أو خصوص التسبيحة.

(2) عطف تفسيري لقوله: «حال دوران»، و ضمير «أنه» للشأن.

(3) و أما نقلا: فسيأتي الكلام فيه، و المراد بقوله: «هاهنا» الأجزاء التحليلية.

(4) يعني: في المطلق و مشروطه و العام و خاصه، و وجه أظهرية المقام من الواجب المردد بين الأقل و الأكثر في الأجزاء الخارجية هو: توقف الانحلال أولا: على الالتزام بوجوب المقدمة غيريا، و ثانيا: على تعميم المقدمة لما يكون مستقلا في الوجود كالسورة، و لما لا يكون كذلك و هو التقيد و لو فرض تسليم الأمر الأول لكن الثاني ممنوع.

(5) تعليل للإضراب المدلول عليه بكلمة «بل كان» فهو تعليل للأظهرية.

(6) تعليل لفساد توهم الانحلال هنا.

(7) قد يطلق الجزء التحليلي و يراد منه الجزء المقوم كالفصل للنوع.

و قد يطلق و يراد به كل ما يقابل الجزء الخارجي، فيعم موارد الدوران بين الجنس و الفصل، و بين المطلق و المشروط، و بين المطلق و المقيد. و غرضه هنا: كل ما يكون في قبال الجزء الخارجي، و ذلك بقرينة قوله: «بين المشروط بشي‏ء و مطلقه» حيث إن التقيد جزء ذهني.

416

عقلا (1)، فالصلاة مثلا (2) في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها، و في ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها (3) و خصوصيتها تكون متباينة (4) للمأمور بها كما لا يخفى.

نعم (5)؛ لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الأمر بين المشروط

____________

(1) قيد للمقدمة، يعني: أن الأجزاء التحليلية ليست مقدمة عقلا حتى يعلم بوجوبها تفصيلا كي ينحل به العلم الإجمالي.

(2) غرضه: بيان وجه عدم اتصاف الجزء التحليلي باللزوم، و حاصله: أن الصلاة الفاقدة للطهارة مثلا مباينة للصلاة المأمور بها التي هي المشروطة بالطهارة، و ليست جزءا من الصلاة المأمور بها حتى يعلم وجوبها تفصيلا، و المفروض: أنه على تقدير الانحلال لا بد أن يكون الأقل معلوم الوجوب تفصيلا و موجودا بوجود على حدة، كما هو الحال في المركب الخارجي، سواء كان الزائد عليه واجبا أم لا. كما عرفت في الصلاة المؤلفة من عشرة أجزاء مثلا، فإنها لا تتغير بلحوق الجزء المشكوك فيه و عدمه، و هذا بخلاف الصلاة الفاقدة للشرط أو الخصوصية فإنها مباينة للمأمور به، و ليست جزءا منه أصلا حتى يكون الفاقد مقدمة عقلية للواجد، و مع عدم كون الفاقد جزءا للمأمور به لا مجال لدعوى انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل.

قوله: «أو الخاصة» عطف على «المشروطة»، و ذلك كالصلاة المقصورة المباينة للتامة، و ليست مقدمة لها حتى تجب بوجوب غيري مقدمي، فضابط الانحلال مفقود؛ لعدم العلم التفصيلي بشي‏ء واحد مع تعلق العلم الإجمالي بالمتباينين، و ضمير «وجودها» راجع على المشروطة أو الخاصة، فلا تعدد في الوجود بأن تكون ذات الصلاة غير الصلاة الخاصة كي تتحقق المقدمية، و يدعى العلم بوجوبها تفصيلا.

(3) كالفاقدة للطهارة مثلا، و فاقدة الخصوصية كصلاة الفجر الفاقدة لخصوصية صلاة الآيات إذا كانت هي الواجبة.

(4) بحيث لا مقدمية بينهما؛ لعدم وقوع الصلاة الفاقدة للطهارة في صراط تحقق الصلاة عن طهارة حتى تجب بوجوب غيري، فالمراد بالمتباينين هنا: عدم مقدمية أحدهما للآخر لا مجرد المباينة، لمغايرة كل مقدمة لذيها وجودا.

و قوله: «تكون» خبر للصلاة المقدرة قبل قوله: «و في ضمن».

(5) غرضه: إبداء الفرق بين المشروط و مطلقه، و بين الخاص و غيره بجريان البراءة النقلية في الأول و عدمه في الثاني، و حاصله: أن الشرط ينتزع من أمر الشارع كقوله:

417

و غيره، دون دوران الأمر بين الخاص و غيره؛ للدلالة (1) مثل (2) حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته. و ليس كذلك (3) خصوصية الخاص، فإنها نما تكون منتزعة عن نفس الخاص (4) فيكون الدوران بينه (5) و بين غيره من قبيل الدوران بين المتباينين (6)، فتأمل جيدا.

____________

«أعتق رقبة مؤمنة»، فإن شرطية الإيمان تكون بأمر الشارع، و لا مانع من نفيه بحديث الرفع عند الشك فيه، و هذا بخلاف خصوصية الإنسان، فإنها منتزعة عن ذات المأمور به لا من أمر خارج عنه حتى ينفى بالأصل، و حينئذ: يدور الأمر بين وجوب الخاص و وجوب العام، فيكونان من قبيل المتباينين، و الاشتغال يقتضي الإتيان بالخاص تحصيلا للفراغ اليقيني. و ضمير «غيره» راجع على الخاص، و المراد بالغير العام.

(1) تعليل لقوله: «لا بأس»، و قد عرفت توضيحه.

(2) التعبير بالمثل لأجل دلالة سائر أخبار البراءة أيضا على نفي الشرطية.

(3) أي: و ليست خصوصية الخاص موردا للبراءة النقلية، «فإنها إنما تكون منتزعة عن نفس الخاص».

(4) أي: لا بجعل الشارع، و الفرق: أنه يتعلق التكليف بالخاص و تنتزع الخصوصية منها، بخلاف المشروط، لتعلق الأمر بكل من الشرط و المشروط.

(5) أي: بين الخاص كالإنسان، و بين غيره من الخاص الآخر كالفرس، و قوله «فيكون» تفريع على الفرق بين المقامين.

(6) في لزوم الاحتياط عقلا، لكن بالإتيان بالخاص لا بالجمع بين الأطراف كما كان في المتباينين حقيقة.

و في هامش منتهى الدراية ما لا يخلو ذكره عن فائدة علمية حيث قال: «الحق جريان البراءة عقلا و نقلا في الأقل و الأكثر مطلقا، سواء كانا من قبيل الجزء و الكل كتردد أجزاء الصلاة بين ثمانية و عشرة مثلا، أم من قبيل الشرط و المشروط بأقسامه من كون منشأ انتزاع الشرطية شيئا خارجا عن المشروط مباينا له في الوجود كالوضوء للصلاة، و كون منشئه أمرا داخلا في المشروط متحدا معه في الوجود كالإيمان و العدالة بالنسبة إلى الرقبة و الشاهد مثلا، أم كان الأقل و الأكثر من قبيل الجنس و النوع كالحيوان و الإنسان.

و الوجه في جريان البراءة في مطلق الأقل و الأكثر الارتباطيين و لو كانت أجزاؤهما تحليلية هو: اجتماع أركان البراءة فيهما، فإن أركانها من قابلية موردها للوضع و الرفع‏

418

تشريعا، و من تعلق الجهل به، و من كون رفعه منة على العباد موجودة في جميع أقسام الأقل و الأكثر، ضرورة: أن الشك في شرطية شي‏ء للمركب سواء كان منشأ انتزاعها موجودا مغايرا للمشروط كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، أم متحدا معه في الوجود كالعدالة بالنسبة إلى الشاهد مثلا يرجع إلى الشك في جعل الشارع، بداهة: أن الشرطية مما تناله يد التشريع، فتجري فيها البراءة، فإذا أمر الشارع بعتق رقبة و شككنا في اعتبار خصوصية الإيمان فيها، و لم يكن لدليله إطلاق جرت فيه البراءة.

و كذا إذا أمر المولى بإطعام حيوان و شككنا في أنه اعتبر ناطقيته أولا، فلا مانع من جريان البراءة في اعتبار الناطقية فيه؛ لأن اعتبارها مما تناله يد التشريع، فيصح أن يقال:

إطعام الحيوان معلوم الوجوب، و تقيده بالناطقية مشكوك فيه، فتجري فيه البراءة.

و كذا يصح أن يقال: إن عتق الرقبة معلوم الوجوب، و تقيدها بالإيمان مشكوك فيه، فينفى بالبراءة، و لا يعتبر في الانحلال و جريان أصل البراءة إلا المعلوم التفصيلي و الشك البدوي، و أما اعتبار كون الشي‏ء المعلوم وجوبه تفصيلا موجودا كأجزاء المركب الخارجي كالصلاة، فلا دليل عليه لا عقلا و لا نقلا، و إنما المعتبر فيه هو كونه قابلا لتعلق الحكم الشرعي به، و ذلك حاصل، لإمكان إيجاب عتق مطلق الرقبة و إطعام مطلق الحيوان بدون تقيد الرقبة بالإيمان، و تقيد الحيوان بفصل خاص من فصوله و إن توقف وجوده على أحد فصوله، إلا إنه يمكن لحاظه موضوعا بدون اعتبار فصل خاص من فصوله، فيكون المطلوب حينئذ مطلق وجود الحيوان من دون دخل فصل خاص في موضوعيته.

و عليه: فتجري البراءة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير، ففي مثال إطعام الحيوان إذا شك في اعتبار خصوصية الإنسان كان من صغريات التعيين و التخيير؛ لأنه يجب إطعام الإنسان إما تخييرا إن كان الواجب إطعام مطلق الحيوان، و إما تعيينا إن كان الواجب إطعام الحيوان، و كونه خصوص فيصح أن يقال: إن المعلوم وجوبه تفصيلا هو إطعام الحيوان، و كونه خصوص الإنسان مشكوك فيه، و لم يقم بيان على اعتباره، فتجري فيه البراءة العقلية، و كذا النقلية؛ للجهل باعتبار الخصوصية الموجب لجريان البراءة الشرعية فيه.

نعم؛ إذا علم إجمالا بتقيد الجنس كالحيوان بنوع خاص، و تردد بين نوعين أو أنواع دخل في دوران الأمر بين المتباينين، لتباين الحصص الجنسية بالفصول المحصلة لها، فإن‏

419

الإنسان مباين لسائر أنواع الحيوان من الفرس و البقر و غيرهما، فلا بد من الاحتياط و لا مجال لجريان البراءة فيها، فإنها متعارضة في الأنواع، و المفروض: أن الواجب إطعام نوع خاص لا مطلق الحيوان حتى يقال: إن وجوب إطعامه معلوم تفصيلا و خصوصية النوع مشكوكة، حيث إن دخل نوع خاص معلوم إجمالا، فلا تجري فيه البراءة، كسائر أقسام المتباينين بل يجب فيه الاحتياط.

و بالجملة: فلا فرق في جريان البراءة عقلا و نقلا بين أقسام الأقل و الأكثر من الأجزاء الخارجية و التحليلية؛ إذ المناط في جريانها عدم البيان و قابلية المورد للجعل الشرعي، و المفروض: وجودهما في جميع أقسام الأقل و الأكثر. انتهى ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 267».

و مما ذكره ظهر: ضعف ما في المتن من عدم جريان البراءة مطلقا إلا في المطلق و المشروط، حيث إنه أجرى فيه البراءة الشرعية دون العقلية.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- الفرق بين الأجزاء الخارجية و التحليلية: أن الأولى لا تحتاج إلى دقة فكر نظير الأمر بالصلاة مع السورة.

و أما الثانية: فتحتاج إلى إعمال فكر نظير الأنواع و الأجناس، و محل الكلام هنا هو:

المركب من الأجزاء التحليلية، كما أن المراد بالمركب في المباحث المتقدمة هو: المركب من الأجزاء الخارجية.

و كذا الفرق بينهما من حيث جريان البراءة و عدم جريانها، حيث قال المصنف في الأجزاء الخارجية بالاحتياط عقلا و البراءة شرعا، و يقول هنا بعدم جريان البراءة العقلية بالطريق الأولى، و ذلك لعدم توهم انحلال العلم الإجمالي هنا و توهمه هناك، و تجري البراءة النقلية في الشك في الشرطية دون دوران الأمر بين العام و الخاص أو المطلق و المقيد.

2- أن كلام المصنف في هذا الأمر الأول ناظر إلى كلام الشيخ الأنصاري و إشكال عليه، فينبغي عرض ما أفاده الشيخ أولا كي يتضح ما أورده المصنف عليه.

420

و حاصل ما أفاده الشيخ في المقام: أنه قسم الأجزاء الذهنية إلى قسمين:

الأول: ما يكون ناشئا و منتزعا عن فعل خارجي مغاير للمقيد و المشروط في الوجود الخارجي؛ كتقيد الصلاة بالطهارة المعنوية المنتزعة من الوضوء، و للوضوء وجود في الخارج و ليس للطهارة المعنوية المنتزعة عنه وجود في الخارج.

الثاني: ما يكون متحدا مع المقيد في الوجود الخارجي كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة مثلا. ثم حكم الشيخ «(قدس سره)» بجريان البراءة العقلية و النقلية في كلا القسمين؛ و إن استشكل في القسم الثاني في البداية.

ثم أورد المصنف على الشيخ، حيث حكم بعدم جريان البراءة العقلية في كلا القسمين، و ذلك لعدم انحلال العلم الإجمالي في الأجزاء التحليلية بطريق أولى.

3- أن قياس الأجزاء التحليلية بالأجزاء الخارجية على ما يظهر من الشيخ قياس مع الفارق، فيكون باطلا.

و حاصل الفرق: أن كل واحد من الأجزاء الخارجية لما كان موجودا مستقلا أمكن اتصافه بالوجوب و يقال: هذا واجب قطعا و الزائد عليه مشكوك الوجوب، فتجري البراءة.

و هذا بخلاف ذات المشروط كالصلاة في المقام حيث إنها مع الطهارة المعنوية موجودة بوجود واحد في عالم الخارج، فليس هنا ما هو معلوم الوجوب و ما هو مشكوكه، و كذا الأمر في المطلق و المقيد و العام و الخاص، فإن شيئا منهما لا يتصف بالوجوب حتى يقال: إن وجوب ذاتهما معلوم تفصيلا، و وجوب القيد و الخاص مشكوك حتى تجري فيه البراءة العقلية.

و أما البراءة النقلية: فتجري في الشرط؛ لأنه منتزع من أمر الشارع، فلا مانع من نفيه بحديث الرفع.

4- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- وجوب الاحتياط مطلقا في دوران الأمر بين العام و الخاص.

2- وجوب الاحتياط مطلقا في دوران الأمر بين المطلق و المقيد.

3- وجوب الاحتياط عقلا و البراءة شرعا في دوران الأمر بين المشروط و مطلقه.

421

الثاني (1): أنه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شي‏ء أو شرطيته في‏

____________

[الثانى‏] الشك في إطلاق الجزء و الشرط لحال النسيان‏

(1) الغرض من عقد هذا الأمر: بيان حكم الجزء أو الشرط المتروك نسيانا، كقراءة السورة و الطهارة في الصلاة، فيقع البحث في أن النسيان هل يوجب ارتفاع الجزئية أو الشرطية أم لا فيما لا يكون لدليليهما إطلاق يشمل حال النسيان؟

و قبل الخوض في البحث، ينبغي بيان ما هو محل الكلام في المقام.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الشك قد يكون في أصل جزئية شي‏ء أو شرطيته، و هذا خارج عن محل الكلام، و قد تقدم تفصيل البحث عنه.

و قد يكون الشك في عموم جزئية شي‏ء أو شرطيته لحال النسيان بعد العلم بأصل الجزئية أو الشرطية. و هنا احتمالات:

الأول: هو العلم باختصاص الجزئية و الشرطية بحال الذكر و الالتفات، و لازم ذلك:

عدم وجوب الإعادة عند ترك الجزء أو الشرط نسيانا.

الثاني: هو العلم بالجزئية أو الشرطية في جميع الأحوال حتى حال السهو و النسيان، و لازم ذلك: وجوب الإعادة لبطلان الصلاة لأجل نقصان الجزء أو الشرط.

الثالث: هو الشك في اختصاصهما بحال الذكر و الالتفات أو عدم الاختصاص بهما؛ بل كون الجزئية و الشرطية في جميع الأحوال. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل الكلام هو هذا الاحتمال الثالث، فيقع الكلام في أنه إذا نقص جزء من أجزاء العبادة سهوا و نسيانا، فهل الأصل بطلانها أم لا؟ فاختار الشيخ «أعلى الله مقامه» بطلانها لعموم جزئية الجزء و شمولها لحالتي الذكر و النسيان جميعا، ثم أشكل على نفسه بما ملخصه: أن عموم جزئية الجزء لحال النسيان إنما يتم إذا أثبتت الجزئية بدليل لفظي مثل قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1)، دون ما إذا ثبتت بدليل لبي لا إطلاق له، كما إذا قام الإجماع على جزئية شي‏ء في الجملة، و احتمل اختصاصها بحال الذكر فقط. و حينئذ: فمرجع الشك إلى الشك في الجزئية في حال النسيان، فيرجع فيها إلى‏

____________

(1) الرواية عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر «(عليه السلام)» نصها هكذا: (سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته، قال: «لا صلاة له إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات». الكافي 3:

317/ 28، تهذيب الأحكام 2: 146/ 573، الاستبصار 1: 31/ 1152، أو قوله لسماعة:

«فليقرأها ما دام لم يركع، فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها»، تهذيب الأحكام 2: 147/ 674. أو عنه «(صلى اللّه عليه و آله)»: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». مسند أحمد 5: 314، صحيح البخاري 1: 184.

422

البراءة أو الاحتياط على الخلاف المتقدم في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

ثم أجاب عنه بما ملخصه: أنه إن أريد من عدم جزئيته ما ثبتت جزئيته في الجملة و من ارتفاعها بحديث الرفع في حق الناس إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء المنسي عليه فهو غير قابل لتوجيه الخطاب إليه؛ إذ بمجرد أن خوطب بعنوان الناسي يتذكر و ينقلب الموضوع. و إن أريد منه إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعية، فهو حسن و لكن الأصل عدمه بالاتفاق و هذا معنى بطلان العبادة الفاقدة للجزء نسيانا، بمعنى: عدم كونها مأمورا بها. انتهى «عناية الأصول، ج 4، ص 231».

و أما المصنف «(قدس سره)»: فيرى المسألة أيضا من صغريات الأقل و الأكثر الارتباطيين، و من جزئيات الشك في الجزئية أو الشرطية، فلا تجري فيها البراءة العقلية، و تجري فيها البراءة الشرعية على مسلكه المتقدم في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و ظاهر قوله: «إن الأصل فيما إذا شك في جزئية شي‏ء ...» الخ. أن كلامه مفروض فيما إذا لم يكن دليل الجزء أو الشرط لفظيا له عموم يشمل حالتي الذكر و النسيان جميعا كي يمنع عن البراءة.

ثم إن ارتباط هذه التنبيه بمباحث الأقل و الأكثر الارتباطيين إنما هو من جهة العلم بتعلق التكليف بالجزء أو الشرط إجمالا، و الجهل بإطلاقه لحالتي الذكر و النسيان، أو اختصاصه بحال الالتفات فقط، و المباحث المتقدمة كانت في مرجعية الأصل عند الشك في أصل الجزئية و الشرطية، و هنا في سعة دائرة المجعول و ضيقها بعد العلم بأصله، للعلم بانبساط الوجوب الضمني على ذكر الركوع و السجود مثلا، و الشك لأجل إجمال النص و نحوه في إطلاق المأمور به و تقييده، و بهذا يندرج الكلام هنا في كبرى الأقل و الأكثر، أما في الأجزاء الخارجية: فللشك في الجزئية حال النسيان، و أما في الأجزاء التحليلية: فمن جهة الشك في إطلاق المجعول و تقيده.

و كيف كان؛ فتنقيح الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:

الأول: فيما يقتضيه الأصل العملي،

الثاني: فيما يقتضيه الدليل الاجتهادي،

الثالث: في صحة العمل الخالي عن المنسي الملزوم لوجوبه، و كونه مأمورا به.

و أما الأول فحاصله: أن مقتضى قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «رفع ما لا يعلمون»، و حديث الحجب و نحوهما هو جريان البراءة الشرعية عند الشك في الجزئية

423

حال نسيانه عقلا و نقلا، ما ذكر (1) في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية (2)، فلو لا

____________

و الشرطية دون البراءة العقلية؛ لما تقدم في الشك في أصل الجزئية و الشرطية من جريان البراءة النقلية فيه دون العقلية؛ لعدم الانحلال و بقاء العلم الإجمالي الموجب للاشتغال على التفصيل المتقدم هناك، فإن المقام من صغريات تلك المسألة، فلو لا البراءة الشرعية كان مقتضى قاعدة الاشتغال إعادة المأمور به الناقص، و الإتيان به بجميع ما دخل فيه من الأجزاء و الشرائط.

و قوله: «إن الأصل فيما إذا شك ...» الخ. إشارة إلى الأمر الأول، و المراد به بقرينة قوله: «ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية» هو أصل البراءة، لكن لا يلائمه.

قوله: «و لا تعاد في الصلاة» فإن عطف ذلك على «حديث الرفع» عطف الدليل الاجتهادي على الأصل العملي المستلزم لكونهما في رتبة واحدة، مع أنه ليس كذلك، ضرورة: تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي من باب الورود أو الحكومة، و حينئذ:

فلا بد و أن يراد بالأصل ما هو أعم من الأصل العملي و المتصيد من الدليل الاجتهادي.

قوله: «في حال نسيانه» يعني: بعد العلم بجزئيته أو شرطيته في غير حال النسيان، و إنما الشك فيهما نشأ من نسيان الجزء أو الشرط لا نسيان الجزئية أو الشرطية حتى يندرج في نسيان الحكم المدرج له في الجهل الطارئ بالحكم.

و ضميرا «شرطيته، نسيانه» راجعان على الشي‏ء، و «في حال» قيد ل «جزئية شي‏ء أو شرطيته».

قوله: «عقلا و نقلا» قيد لقوله: «الأصل»، و المراد بقوله: «عقلا» هو قاعدة الاشتغال كما مر آنفا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) خبر «أن» في قوله: «أن الأصل»، و الوجه في كون الشك في جزئية المنسي كالشك في أصل الجزئية هو: اندراجه في كبرى الشك في الأقل و الأكثر، حيث إنه مع عدم إطلاق يدل على جزئية المنسي حال النسيان يشك في جزئيته في هذا الحال، فإن كان جزءا فالواجب هو الأكثر، و إلا فالأقل.

(2) كما لو شك بأن السورة جزء أم لا، أو الطهارة في سجدة السهو شرط أم لا، فإن مقتضى الأصل الاحتياط، فإن حال الجزء و الشرط المشكوكين في بعض الأحوال- كحال النسيان- حالهما في جميع الأحوال. هذا من جهة العقل.

و أما من جهة النقل: فأدلة البراءة و ما أشبهها محكمة.

424

مثل حديث الرفع (1) مطلقا (2) و «لا تعاد» في الصلاة (3) يحكم عقلا بلزوم إعادة ما أخل بجزئه أو شرطه نسيانا، كما هو (4) الحال فيما ثبت شرعا جزئيته أو شرطيته مطلقا (5) نصا أو إجماعا (6).

ثم لا يذهب عليك (7): أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا ...

____________

(1) المراد به «ما لا يعلمون»؛ لأن رفع النسيان داخل فيما يذكره من قوله: «يمكن تخصيصها بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية»، فحديث الرفع- حيث إن نسبته إلى أدلة الأجزاء و الشرائط كالاستثناء على ما تقدم بيانه- يدل على صحة العمل الفاقد للجزء أو الشرط المنسي.

(2) يعني: في الصلاة و غيرها.

(3) يعني: و حديث «لا تعاد الصلاة إلا من خمس» (1) المروي عن الباقر «(عليه السلام)» في خصوص باب الصلاة، و قد مر آنفا: أن الأنسب ذكر «لا تعاد» في عداد الأدلة الاجتهادية.

قوله: «يحكم عقلا ...» الخ جواب «فلو لا»، و المراد بحكم العقل هو: قاعدة الاشتغال الثابتة بالعلم الإجمالي الذي لم ينحل على مذهب المصنف «(قدس سره)». كما تقدم، و ضميرا «بجزئه، شرطه» راجعان على «ما» الموصول.

(4) يعني: كما أن وجوب الإعادة ثابت في الجزء أو الشرط الذي دل الدليل على جزئيته أو شرطيته في جميع الحالات التي منها النسيان، غاية الأمر: أن وجوب الإعادة حينئذ مستند إلى نفس دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية، و في صورة الشك إلى قاعدة الاشتغال لو لم تجر أصالة البراءة.

(5) يعني: و لو في حال النسيان.

(6) الأول: كالخمسة المستثناة في حديث «لا تعاد» المعبر عنها بالأركان.

و الثاني: كتكبيرة الإحرام، فإن اعتبارها إنما هو بالإجماع الذي يعم معقده جميع الحالات التي منها النسيان دون الروايات؛ لعدم نهوضها على ذلك كما لا يخفى على من راجعها.

(7) هذا إشارة إلى الأمر الثاني، و هو إمكان إقامة الدليل الاجتهادي على نفي الجزئية أو الشرطية في حال نسيان الجزء أو الشرط؛ بحيث ينقسم المكلف بحسب‏

____________

(1) الخصال: 284/ 35، الفقيه 1: 278/ 857، تهذيب الأحكام 2: 152/ 597، الوسائل 1: 371/ 980.

425

الحال (1) بمثل حديث الرفع، كذلك يمكن تخصيصها (2) بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية، كما إذا وجه الخطاب (3) على نحو يعم الذاكر و الناسي ...

____________

الالتفات و النسيان إلى قسمين: الذاكر و الناسي، و يصير الواجب بتمام أجزائه و شرائطه واجبا على الذاكر، و بما عدا الجزء أو الشرط المنسي منه واجبا على الناشئ خلافا للشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، حيث منع عن تنويع المكلف و جعله قسمين ذاكرا و ناسيا، نظرا إلى أن الغرض من الخطابات لمّا كان هو البعث و الزجر المعلوم ترتبهما على إحراز المكلف انطباق العنوان المأخوذ في حيز الخطاب على نفسه؛ إذ الغافل عن الاستطاعة مثلا لا ينبعث عن إيجاب الحج على المستطيع أصلا، و من المعلوم: امتناع خطاب الناسي بهذا العنوان، ضرورة: أن توجيه هذا الخطاب إليه يخرجه عن عنوان الناسي و يجعله ذاكرا، فلا بد للناسي في الشك في الجزئية أو الشرطية من الإتيان بالواجب بتمامه، من دون فرق في إطلاق الجزئية و الشرطية بين الذاكر و الناسي، و التفكيك بينهما لا وجه له أصلا.

(1) أي: حال النسيان بحديث الرفع و مثله من سائر أدلة البراءة النقلية.

(2) أي: تخصيص الجزئية أو الشرطية بهذا الحال أي: حال النسيان بحسب الأدلة الاجتهادية، بنحو لا يلزم محذورا أصلا؛ إذ لا يتوقف تنويع المكلف بالذاكر و الناسي على جعل الناسي موضوعا للخطاب حتى يمتنع ذلك لانقلابه بالذاكر كما أفاده الشيخ «(قدس سره)».

و لذا حكم بجزئية شي‏ء حال النسيان إن لم يكن لدليلها إطلاق يشمل تلك الحالة، و إن كان له إطلاق فهو دليل عليها و موجب لبطلان العبادة الفاقدة للجزء المنسي‏ (1).

و الحاصل: أنه «(قدس سره)» يقول بأصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا (2)، إما لإطلاق دليل الجزئية، و إما لامتناع خطاب الناسي بما عدا المنسي، و الحكم بالصحة منوط بدليل عام أو خاص يدل على الصحة.

(3) هذا جواب المصنف عن إشكال الشيخ «(قدس سره)»: و قد أجاب عنه في المتن بوجهين:

أحدهما: و هو الذي أشار إليه بقوله: «كما إذا وجه الخطاب ...» الخ أن يجعل عنوان عام يشمل الذاكر و الناسي كعنوان «المكلف» و يخاطب بما عدا المنسي من الأجزاء، ثم يكلف الملتفت بالمنسي، فالذاكر الآتي بتمام المأمور به آت بوظيفته، و الناسي الآتي‏

____________

(1) منتهى الدراية: 6: 276.

(2) فرائد الأصول: 2: 362.

426

بالخالي (1) عما شك في دخله مطلقا (2)، و قد دل دليل آخر (3) على دخله في حق الذاكر، أو وجه (4) إلى الناسي خطاب يخصه (5) بوجوب (6) الخالي بعنوان آخر عام أو خاص؛ لا بعنوان الناسي كي (7) يلزم استحالة إيجاب ذلك (8) عليه بهذا العنوان؛ لخروجه (9) عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة، كما توهم لذلك (10) استحالة

____________

بالناقص آت أيضا بوظيفته، من دون توجه خطاب إليه بعنوان الناسي حتى يلزم محذور الانقلاب، و الخروج عن حيز الخطاب المتوجه إليه.

و بالجملة: فهذا الوجه يدفع استحالة تكليف الناسي بما عدا المنسي.

ثانيهما: أن يكلف الملتفت بتمام المأمور به و الناسي بما عدا المنسي؛ لكن لا بعنوان الناسي حتى يلزم الانقلاب إلى الذاكر بمجرد توجيه الخطاب إليه، بل بعنوان آخر عام ملازم لجميع مصاديقه كالبلغمي أو قليل الحافظة أو كثير النوم، أو نحو ذلك أو بعنوان خاص كأخذ العناوين المختصة بأفراد الناسي كقوله: «يا زيد و يا عمرو و يا بكر» إذا كان أحدهم ناسيا للسورة، و الآخر لذكر الركوع، و الثالث لذكر السجود مثلا.

(1) متعلق ب «الخطاب»، و «على نحو» متعلق ب «وجه»، كأنه قيل: «إذا وجه الخطاب بالخالي على نحو يعم الذاكر و الناسي».

(2) يعني: حتى في حق الناسي، و ضمير «دخله» راجع على «ما» الموصول.

(3) يعني: غير ما دل على كون ما عدا المنسي مأمورا به للذاكر و الناسى و ضمير «دخله» راجع على الموصول في «عما شك».

(4) هذا إشارة إلى الوجه الثاني المتقدم بقولنا: «ثانيهما: أن يكلف الملتفت بتمام المأمور به».

(5) أي: يخص الناسي في مقابل الوجه الأول الذي كان الخطاب فيه شاملا له و للذاكر.

(6) هذا «و بعنوان» متعلقان ب «خطاب».

(7) تعليل لعدم صحة توجيه الخطاب بعنوان الناسي، و قد تقدم بيانه.

(8) أي: الخالي عن المنسي، و ضمير «عليه» راجع على الناسي، و هو المراد أيضا بقوله: «بهذا العنوان».

(9) تعليل للاستحالة، و ضمير «لخروجه» راجع على الناسي، و ضمير «عنه» راجع على عنوان الناسي، و ضمير «إليه» راجع على الناسي.

(10) أي: لاستحالة خطاب الناسي بعنوان النسيان، و هذا إشارة إلى كلام الشيخ‏

427

تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر، و إيجاب (1) العمل الخالي عن المنسي على الناسي، فلا تغفل (2).

____________

«(قدس سره)»، و قد تقدم توضيحه، و ملخصه: أن تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر بالدليل الاجتهادي على النحو المذكور ممتنع، و لذا ذهب هو «(قدس سره)» إلى استحالته-، و تعبير المصنف بالتوهم إنما هو لأجل عدم التلازم بين التخصيص المزبور و استحالته بالدليل الاجتهادي، و عدم المانع من التخصيص بالدليل كما أفاده بأحد الوجهين المتقدمين في المتن.

(1) عطف على «تخصيص» و مفسر له، و إشارة إلى الأمر الثالث و هو كون الخالي عن المنسي واجبا حتى يلزمه الصحة و عدم وجوب الإعادة، و هو مسألة فقهية و تفصيلها يطلب في الفقه، و محصله: أن مقتضى حديث «لا تعاد الصلاة إلا من خمس»، و النصوص الخاصة وجوب الأركان مطلقا حتى في حق الناسي، فنسيان شي‏ء منها يوجب الإعادة في الوقت و خارجه. و أما غيرها: فنسيانه لا يوجب الإعادة لا في وقت و لا في خارجه.

(2) عن إمكان قيام الدليل الاجتهادي بأحد الوجهين المتقدمين في المتن على عدم جزئية المنسي لئلا تقول بالاستحالة كما قال بها الشيخ و النراقي في محكى العوائد.

لا يقال: إنه يمكن توجيه الخطاب إلى كلي الناسي على نحو القضية الحقيقية كإيجاب الحج على المستطيع كذلك و إن لم يصح توجيهه إلى الناسي الخارجي، لانقلابه إلى الذاكر، فما أفاده الشيخ من الاستحالة يختص بمخاطبة الناسي الخارجي الشخصي دون الكلي.

فإنه يقال: إن كل خطاب لا يمكن الانبعاث عنه أصلا و لو في زمان من الأزمنة لغو، و من المعلوم: أن المقام كذلك، ضرورة: أن أفراد طبيعة الناسي يمتنع أن يطبقوا هذه الطبيعة عليهم و يرون أنفسهم مأمورين بالأمر الموجه إلى عنوان الناسي، بداهة: أن إحراز انطباقه عليهم يوجب الانقلاب إلى الذاكر بحيث يمتنع انبعاثهم عن الأمر الموجه إلى كلي الناسي، و ليس كإيجاب الحج على كلي المستطيع؛ لانبعاث أفراد المستطيع خارجا عن إيجاب الحج على هذا الكلي.

فقياس المقام بمثل إيجاب الحج على المستطيع في غير محله، و من البديهي: امتناع صدور اللغو عن الحكيم.

فالمتحصل: أن خطاب الناسي بعنوانه كليا و جزئيا غير سديد، و محذور الاستحالة لا

428

يندفع بجعله موضوعا للخطاب و لو على نحو القضية الحقيقية فتدبر. و هنا كلام طويل أضربنا عنه رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- محل الكلام: ما إذا شك في جزئية شي‏ء أو شرطيته في جميع الحالات حتى حال السهو و النسيان، أو اختصاصهما بحال الذكر و الالتفات، فيقع الكلام فيما إذا نقص جزء من أجزاء العبادة سهوا و نسيانا فهل الأصل بطلانها أم لا؟ فاختار الشيخ «(قدس سره)» بطلانها لعموم جزئية الجزء لحالتي الذكر و النسيان جميعا.

ثم أشكل على نفسه: بأن عموم جزئية الجزء لحال النسيان إنما يتم إذا ثبتت الجزئية بدليل لفظي، دون ما إذا ثبتت بدليل لبي، كما إذا قام الإجماع على جزئية شي‏ء في الجملة، و احتمل اختصاصها بحال الذكر فقط.

و حينئذ: فمرجع الشك إلى الشك في الجزئية في حال النسيان، فيرجع فيها إلى البراءة أو الاحتياط على الخلاف المتقدم في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

ثم أجاب عنه بما حاصله: أنه إن أريد من عدم جزئية ما ثبتت جزئيته في الجملة إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء المنسي عليه: فهو غير قابل لتوجيه الخطاب إليه؛ إذ بمجرد الخطاب بعنوان الناسي يتذكر و ينقلب الموضوع. و إن أريد منه إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعية، فهو حسن و لكن الأصل عدمه بالاتفاق.

و هذا معنى بطلان العبادة الفاقدة للجزء نسيانا بمعنى عدم كونها مأمورا بها.

2- و أما المصنف «(قدس سره)»: فيرى المسألة من صغريات الأقل و الأكثر الارتباطيين و من جزئيات الشك في الجزئية أو الشرطية، فلا تجري فيها البراءة العقلية، و تجري فيها النقلية.

و ظاهر قوله: «إن الأصل فيما إذا شك في جزئية شي‏ء ...» الخ: أن كلامه مفروض فيما إذا لم يكن دليل الجزء أو الشرط لفظيا له عموم يشمل حالتي الذكر و النسيان جميعا كي يمنع عن البراءة.

3- ثم ارتباط هذا التنبيه بمباحث الأقل و الأكثر الارتباطيين إنما هو من جهة العلم‏

429

بتعلق التكليف بالجزاء أو الشرط إجمالا، و الجهل بإطلاقه لحالتي الذكر و النسيان، و المباحث المتقدمة كانت في مرجعية الأصل عند الشك في أصل الجزئية و الشرطية، و هنا في سعة دائرة المجعول و ضيقها بعد العلم بأصله، للعلم بانبساط الوجوب الضمني على ذكر الركوع و السجود مثلا. و الشك لأجل إجمال النص و نحوه في إطلاق المأمور به و تقييده، و بهذا يندرج الكلام هنا في كبرى الأقل و الأكثر الارتباطيين.

4- و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على أمور:

الأول: فيما يقتضيه الأصل العملي.

و الثاني: فيما يقتضيه الدليل الاجتهادي.

و الثالث: في صحة العمل الخالي عن الجزء المنسي.

و أما الأول فحاصله: أن مقتضى حديث الرفع و نحوه جريان البراءة الشرعية عند الشك في الجزئية و الشرطية، دون البراءة العقلية لعدم انحلال العلم الإجمالي، و لو لا البراءة الشرعية كان مقتضى قاعدة الاشتغال إعادة المأمور به الناقص و الإتيان بجميع ما له دخل فيه من الأجزاء و الشرائط.

5- جواب المصنف «(قدس سره)» عن الشيخ: القائل باستحالة خطاب الناسي للزوم انقلاب الناسي إلى الذاكر.

و قد أجاب المصنف عن هذا المحذور بوجهين:

أحدهما: أن يجعل عنوان عام يشمل الذاكر و الناسي كعنوان «المكلف»، و يخاطب بما عدا المنسي من الأجزاء، ثم يكلف الملتفت بالمنسي.

فهذا الوجه يدفع استحالة تكليف الناسي بما عدا المنسي.

ثانيهما: أن يكلف الملتفت بتمام المأمور به و الناسي بما عدا المنسي؛ لكن لا بعنوان الناسي حتى يلزم الانقلاب إلى الذاكر؛ بل بعنوان آخر عام كالبلغمي أو قليل الحافظة أو كثير النوم أو نحو ذلك، أو بعنوان خاص كقوله: «يا زيد و يا عمر و يا بكر» إذا كان أحدهم ناسيا للسورة، و الآخر ناسيا لذكر الركوع، و الثالث ناسيا لذكر السجود.

6- رأي المصنف «(قدس سره)»:

يرى المصنف هذه المسألة من صغريات مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، فلا تجري البراءة العقلية فيها و تجري النقلية؛ كما هو رأي المصنف في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

430

الثالث (1): أنه ظهر مما مر: حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا أو

____________

[الثالث‏] في زيادة الجزء عمدا أو سهوا

(1) الغرض من عقد هذا الأمر: بيان حكم زيادة الجزء عمدا أو سهوا، لكن الشيخ «(قدس سره)» عقد مسائل ثلاث لبيان حكم الإخلال بالجزء نقيصة و زيادة:

أحدها: لنقيصة الجزء سهوا.

ثانيها: لزيادة الجزء عمدا.

ثالثها: لزيادة الجزء سهوا.

و المصنف تعرض لنقيصة الجزء سهوا في التنبيه المتقدم. و جمع بين الزيادة العمدية و السهوية للجزء في هذا التنبيه الثالث، و الشك في الأمر السابق كان في دخل الوجود و عدمه، و في هذا الأمر يكون الشك في دخل العدم شرطا أو شطرا.

و كيف كان؛ فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: في إمكان زيادة الجزء عمدا أو سهوا، و اعتبار القصد في تحققها في المركبات الاعتبارية.

المقام الثاني: في بيان حكم الزيادة العمدية و السهوية.

و أما الكلام في المقام الأول: فيقع من جهتين:

الأولى: في إمكان الزيادة حقيقة في المركبات الاعتبارية و عدم إمكانها.

و الثانية: في اعتبار قصد الزيادة في تحققها و عدمه.

و أما الجهة الأولى: فقد يقال فيها باستحالة تحقق الزيادة حقيقة و إن كانت متحققة بالمسامحة العرفية، نظرا إلى أن كل جزء أخذ في المركب إن كان مأخوذا على نحو لا بشرط و من غير تقييد بالوجود الواحد، فلا يعقل فيه تحقق الزيادة؛ إذ كل ما أتى بفرد من طبيعي ذلك الجزء كان مصداقا للمأمور به، سواء كان المأتي به فردا واحدا أو أكثر.

و إن كان مأخوذا بشرط لا عن الوجود الثاني: فالإتيان به مرة ثانية مستلزم لفقدان القيد المأخوذ في الجزء المستلزم للنقيصة لا محالة، و على كل حال: فلا يعقل تحقق الزيادة حقيقة.

و الجواب عن الإشكال المذكور: أن اعتبار اللاشرطية لا ينافي تحقق الزيادة، فإن أخذ بشي‏ء جزءا للمأمور به على نحو اللابشرط يتصور على وجهين:

أحدهما: أن يكون طبيعي ذلك الجزء مأخوذا في المركب، من دون نظر إلى وحدة الفرد و تعدده، و في مثل ذلك لا يمكن تحقق الزيادة كما مر.

431

و ثانيهما: أن يعتبر صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات جزءا للمركب، سواء انضم إليه وجود ثان أم لم ينضم، ففي مثل ذلك الانضمام و عدمه و إن كانا على حد سواء في عدم دخلهما في جزئية الوجود الأول الذي هو معنى أخذ لا بشرط؛ إلا إنه لا يقتضي كون الوجود الثاني أيضا مصداقا للمأمور به، و حينئذ: تتحقق الزيادة مع كون الجزء مأخوذا لا بشرط بهذا النحو، على أن عدم صدق الزيادة حقيقة و بالدقة العقلية لا يترتب عليه أثر بعد كون الأحكام تابعة للصدق العرفي، و من الضروري صدقها عرفا و لو مع أخذ الجزء بشرط لا كما هو ظاهر، و مما ذكرنا يظهر الحال في صحة صدق الزيادة إذا كان الزائد غير مسانخ للأجزاء المأمور بها. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

و أما الجهة الثانية: فالظاهر اعتبار القصد في تحقق عنوان الزيادة، و الوجه في ذلك:

أن المركب الاعتباري كالصلاة مركب من أمور متباينة مختلفة وجودا و ماهية، و الوحدة بينها متقومة بالقصد و الاعتبار، فلو أتى بشي‏ء بقصد ذلك العمل كان جزءا له و إلا فلا.

هذا في غير الركوع و السجود، و أما فيهما: فالظاهر تحقق الزيادة بنفس وجودهما و إن لم يكن الإتيان بهما بعنوان الصلاة؛ و ذلك لما دل على أن الإتيان بسجدة التلاوة زيادة في الفريضة، مع أن المفروض: عدم الإتيان بها بعنوان الصلاة، فبالتعبد الشرعي يجري على ذلك حكم الزيادة و إن لم يكن من الزيادة حقيقة. و يلحق بالسجدة الركوع بالأولوية القطعية.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الشك في بطلان العمل من جهة الزيادة العمدية أو السهوية يكون ناشئا من الشك في اعتبار عدمها في المأمور به لا محالة، و من الظاهر أنه ما لم يقم عليه دليل كان مقتضى الأصل الشرعي عدمه، فلا بأس بالزيادة العمدية فضلا عن السهوية.

و أما البراءة العقلية: فلا تجري بل يحكم العقل بالاحتياط كما عرفت هذا التفصيل من المصنف في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و لذا يقول: «الثالث: أنه ظهر مما مر حال زيادة الجزء ...» الخ.

أي: أنه قد ظهر مما مر في التنبيه الثاني «حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا»، بأن يكون من شرط الصلاة عدم قراءة السورة في الركعة الثالثة، كما أن من شرط الصلاة عدم الضحك و نحوه، «أو شطرا» بأن كان العدم جزءا من الواجب، فإنه كما أن الشي‏ء الوجودي قد يكون شرطا و قد يكون جزءا كذلك عدم الشي‏ء قد يكون‏

432

شطرا في الواجب (1)، مع عدم اعتباره (2) في جزئيته؛ و إلّا (3) لم يكن من زيادته، بل من نقصانه (4)، و ذلك (5) لاندراجه في الشك في دخل شي‏ء فيه جزءا أو شرطا،

____________

شرطا و قد يكون جزءا، و الفرق أن الصلاة لو كانت مركبة من وجودات و أعدام- كالحج- يكون الأمر العدمي جزءا، و لو كانت مركبة من وجودات و كان الأمر العدمي خارجا لكن أخذت الصلاة بشرط السكون به كان لعدم شرطا فتدبر (1).

(1) أي: شك في أن عدم الزيادة على الأجزاء و الشرائط المسلمة هل هو مأخوذ في الواجب بنحو الشرط أو الشطر؟

أما تصوير الشرطية في الشي‏ء بعدم شي‏ء آخر يكون فيه أو معه فواضح؛ لكن تصوير أخذ عدم الشي‏ء جزءا في شي‏ء آخر غير صحيح؛ لأن العدم ليس بمنشإ أثر حتى يصح أخذه جزءا لمركب ذي أثر؛ كما هو واضح.

(2) قيد لقوله: «زيادة الجزء»، توضيحه: أن اتصاف زيادة الجزء بكونها زيادة الجزء إنما هو في مورد لم يؤخذ في جزئية الجزء قيد الوحدة و كونه بشرط لا؛ إذ لو أخذ ذلك في جزئيته لم يصدق عليه زيادة الجزء، بل يندرج في نقص الجزء؛ إذ لو أخذ الجزء بشرط أن لا يتكرر فإنه إذا شرط عدم التكرر و تكرر لم يكن الفرض حينئذ من باب زيادة الجزء، بل من باب نقصان الجزء؛ لفرض أن الجزء أخذ بشرط لا، فإذا تكرر فقد فقد شرطه و المشروط عدم عند عدم شرطه.

و كيف كان؛ فإذا اعتبر في جزئية الركوع قيد الوحدة، و أتى به مرتين صدق عليه نقص الجزء؛ إذ لا فرق في عدم تحقق الركوع مثلا الذي هو جزء للصلاة بين تركه رأسا، و بين الإتيان به بدون شرطه، و هو عدم تكرره، فيصدق على كلا التقديرين أن الصلاة فاقدة للركوع المأمور به، فتكون باطلة من حيث النقيصة لا من حيث الزيادة.

(3) يعني: و إن اعتبر عدم زيادة الجزء في جزئيته لم تكن الزيادة من زيادة الجزء، بل تكون من نقصانه.

(4) هذا الضمير و ضمير «زيادته» راجعان على الجزء.

(5) تعليل لقوله: «ظهر مما مر حال زيادة الجزء»، و محصله: أن الشك في أخذ العدم شطرا أو شرطا في الواجب كالشك في أخذ الوجود شطرا أو شرطا فيه في جريان البراءة الشرعية فيه دون العقلية، فلو لا البراءة النقلية كان مقتضى الاحتياط العقلي بطلان الواجب و لزوم إعادته، فيصح العلم، للبراءة النقلية القاضية بعدم مانعية الزيادة، سواء أتى‏

____________

(1) الوصول إلى كفاية الأصول ج 4، ص 433.

433

فيصح لو أتى به مع الزيادة عمدا تشريعا أو جهلا قصورا أو تقصيرا، أو سهوا (1) و إن استقل العقل (2) لو لا النقل بلزوم (3) الاحتياط لقاعدة الاشتغال.

نعم (4)؛ لو كان عبادة و أتى به ...

____________

بالزيادة عمدا تشريعا، كما إذا علم بعدم جزئية الزيادة و مع ذلك قصد الجزئية تشريعا.

«أو جهلا» كما إذا اعتقد الجزئية للجهل القصوري أو التقصيري، فيأتي بالزيادة باعتقاد مشروعيتها.

(1) عطف على «عمدا»، و هذا إشارة إلى الزيادة السهوية التي عقد لها الشيخ مسألة على حدة.

فالمتحصل: أنه في جميع هذه الصور يصح الواجب.

و ضمير «اندراجه» راجع على الشك في اعتبار عدم الزيادة، و ضمير «فيه» راجع على «الواجب».

فالزيادة السهوية تندرج في الشك في شرطية عدمها، و الأصل فيه البراءة و صحة الواجب كما أفاده المصنف.

و أما الشيخ فيحكم بالبطلان لإلحاقه الزيادة السهوية بالنقيصة السهوية، لأن مرجعه إلى الإخلال بالشرط و هو عدم الزيادة.

(2) قيد لقوله: «فيصح» و إشارة إلى ما تقدم من جريان البراءة النقلية دون العقلية.

(3) متعلق ب «استقل» و قوله: «لقاعدة» متعلق ب «لزوم». و حاصله: أن مقتضى قاعدة الاشتغال بالمأمور به التام هو الاحتياط بالإعادة و عدم الاجتزاء بالمأتي به مع الشك في مانعية الزيادة؛ لكن البراءة النقلية الرافعة لمانعية الزيادة اقتضت صحة العبادة و عدم لزوم الاحتياط بإعادتها.

(4) استدراك على قوله: «فيصح»، و محصله: أن الواجب إن كان توصليا ففي جميع صور الزيادة يصح العمل، و لا تكون الزيادة من حيث هي موجبة للبطلان.

نعم؛ إذا كان الواجب عباديا فلا بد من ملاحظة أن الزيادة هل توجب فقدان قصد القربة فيه أم لا؟ فإن أوجبت ذلك أبطلت العبادة، و إلا فلا، و لذا أشار إلى بعض الصور التي يكون التشريع فيها منافيا لقصد القربة و مبطلا للعبادة، و هي ما إذا قصد كون الزيادة جزءا للواجب بحيث لو لم تكن جزءا لما أتى بالواجب.

و بعبارة أخرى: إن كان التشريع على وجه التقييد كان ذلك منافيا لقصد القربة فيبطل مطلقا، يعني: حتى في صورة الدخل واقعا، و ذلك لعدم انبعاثه عن أمر الشارع،

434

كذلك (1) على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه لكان باطلا مطلقا (2) أو في (3) صورة عدم دخله فيه؛ لعدم (4) قصد الامتثال في هذه الصورة (5)،

____________

أو يبطل في خصوص صورة عدم الدخل؛ لعدم قصد امتثال أمر الشارع، فالعقل بمقتضى قاعدة الاشتغال حاكم بلزوم الإعادة.

و الحاصل: أن التشريع إن كان على وجه التقييد أوجب البطلان لعدم قصد امتثال أمر الشارع، و إلا فلا.

(1) أي: بقصد جزئية الزائد مطلقا، سواء كان عمدا تشريعا أم شرعا للجهل قصورا أو تقصيرا أم سهوا. و الظاهر أن إطلاق هذا الكلام يشمل جميع الصور الثلاث التي ذكرها الشيخ «(قدس سره)» من قصد كون الزائد جزءا مستقلا، و من كون الزائد و المزيد عليه جزءا واحدا، و من إتيان الزائد بدلا عن المزيد عليه، ففي جميع هذه الصورة يحكم المصنف بالصحة إلا في صورة كون التشريع على وجه التقييد.

و الشيخ يذهب إلى البطلان في الصورة الأولى دون الأخيرتين، لرجوع الشك فيهما إلى الشك في شرطية عدم الزيادة، و أصالة البراءة تقتضي عدمها، بخلاف الصورة الأولى، حيث إن المأتي به المشتمل على الزيادة بقصد كونها جزءا مستقلا غير مأمور به، قال «(قدس سره)»: «فلا إشكال في فساد العبادة ... لأن ما أتى به و قصد الامتثال به و هو المجموع المشتمل على الزيادة غير مأمور به، و ما أمر به و هو ما عدا تلك الزيادة لم يقصد الامتثال به» (1).

قوله: «على نحو» متعلق ب «كذلك» و إشارة إلى كون التشريع على وجه التقييد، و هو المراد ب «على نحو».

(2) يعني: حتى في صورة الدخل، فضمائر «به، فيه، إليه، وجوبه» راجعة على الواجب، و «وجوبه» فاعل «يدعو»، و «لكان» جواب «لو كان».

(3) عطف على «مطلقا»، و ضمير «دخله» راجع على الزائد، و ضمير «فيه» راجع على الواجب.

(4) تعليل للبطلان، و حاصله: عدم الانبعاث عن الأمر الواقعي على ما هو عليه، و المفروض: أنه شرط التقرب، فقاعدة الاشتغال في صورة عدم الدخل واقعا تقضي بلزوم الإعادة؛ للشك في تحقق الإطاعة المقومة لعبادية العبادة.

(5) و هي صورة عدم الدخل واقعا، و الإتيان بالعمل المشتمل على الزائد على وجه‏

____________

(1) فرائد الأصول 2: 371.

435

مع استقلال العقل بلزوم الإعادة مع اشتباه الحال (1) لقاعدة الاشتغال. و أما لو أتى به (2) على نحو يدعوه إليه (3) ...

____________

التقييد، فمع عدم الدخل لا أمر واقعا حتى ينبعث عنه.

(1) يعني: مع الجهل بدخل الزيادة واقعا و عدمه، و من المعلوم: أنه مع هذا الجهل يشك في تحقق الامتثال الذي هو شرط صحة العبادة بل مقومها، و لذا يحكم العقل بلزوم الإعادة؛ لقاعدة الاشتغال الجارية في صورة الشك و اشتباه الحال. و أما مع القطع بعدم الدخل فالإعادة إنما هي للقطع بالبطلان، لا لقاعدة الاشتغال.

فكأن المصنف استدل بوجهين على بطلان العبادة مع التشريع:

الأول: الجزم بعدم امتثال الأمر الواقعي؛ لكونه قاصدا للأمر التشريعي.

الثاني: أنه مع التنزل و عدم دعوى القطع بالبطلان من جهة عدم قصد الامتثال، فلا أقل من بطلانها لأجل قاعدة الاشتغال الحاكمة بأن الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ كذلك، و من المعلوم: أنه يشك في حصول الامتثال بهذا العمل المشتمل على الزائد مع التقييد.

فالمتحصل: أن المصنف يقول بالصحة في جميع موارد الزيادة العمدية و السهوية؛ إلّا في العبادة التي يكون التشريع فيها مخلا بقصد القربة، و هو صورة التقييد، و الشيخ يقول بالبطلان في الزيادة السهوية مطلقا؛ لأن مرجعه إلى الإخلال بالشرط و هو عدم الزيادة.

و في الزيادة العمدية في خصوص الصورة الأولى، و هي ما أتى بالزيادة بقصد كونها جزءا مستقلا، دون الصورتين الأخيرتين، لرجوع الشك فيهما إلى الشك في شرطية عدم الزيادة، و مقتضى أصل البراءة عدمها و صحة الواجب، و بهذا ظهر موردا اختلاف نظر المصنف و الشيخ.

(2) هذا إشارة إلى التشريع الذي لا يبطل العبادة؛ لعدم منافاته لقصد القربة، و هو ما إذا كان التشريع في تطبيق المأمور به الخالي عن الزيادة على المأتي به المشتمل عليها، بدعوى: أنه المأمور به بأمر الشارع، فلا يتصرف في المأمور به و لا في الأمر؛ بل في التطبيق فقط ادعاء، فداعوية أمر الشارع حينئذ ليست مشروطة بدخل الزيادة في موضوع الأمر؛ بل الانبعاث عن أمره ثابت مطلقا سواء كانت الزيادة دخيلة في الواجب أم لا، و لا موجب للبطلان حينئذ، إذ لا خلل في الامتثال و لا تحكم في مقام العبودية كما كان في صورة التقييد.

(3) أي: إلى الواجب، و كذا ضمير «به» و الضمير المستتر في «يدعوه» راجع على‏

436

على أي حال كان (1) صحيحا و لو كان (2) مشرّعا في دخله الزائد فيه بنحو مع عدم علمه (3) بدخله، فإن تشريعه (4) في تطبيق المأتي مع المأمور به و هو (5) لا ينافي قصده الامتثال و التقرب (6) به على كل حال (7).

ثم إنه (8) ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة، ...

____________

«وجوبه» و الضمير البارز فيه راجع على فاعل «أتى» يعني: و أما لو أتى بالواجب لا على نحو التشريع التقييدي كالصورة السابقة، بل على نحو يدعوه الوجوب إلى فعل الواجب على أي حال أي: سواء كانت الزيادة دخيلة في الواجب أم لم تكن دخيلة فيه.

(1) جزاء «و أما»، و وجه الصحة في هذه الصورة ما عرفت من تحقق امتثال أمر الشارع، و عدم قدح التشريع في تطبيق المأمور به في داعوية الأمر.

(2) كلمة «لو» وصلية، يعني: و لو كان المكلف مشرّعا، و هذا بيان للفرد الخفي من الموردين اللذين تصح العبادة فيهما. و ضمير «دخله» راجع على المكلف، و ضمير «فيه» إلى الواجب.

(3) إذ مع علمه بدخل الزائد في موضوع الأمر لم يكن إدخال الزائد فيه تشريعا، و إن كان مخطئا في اعتقاده على تقدير عدم الدخل واقعا، فالتشريع منوط بالعلم بعدم دخل الزيادة في الواجب، أو عدم العلم بالدخل و عدمه، و ضمير «علمه» راجع على المكلف، و ضمير «دخله» إلى الزائد.

(4) تعليل لقوله: «كان صحيحا و لو كان مشرعا»، و قد عرفت تقريبه، و أن التشريع في التطبيق ليس تشريعا في نفس الأمر و لا في المأمور به، فلا ينافي داعوية الأمر المقومة للقربة. و قوله: «في تطبيق» خبر «فإن تشريعه».

(5) أي: التشريع في تطبيق المأمور به لا ينافي قصد الامتثال و التقرب بالأمر، إذ المفروض: أن التشريع ليس في نفس الأمر حتى يكون الأمر التشريعي داعيا له و منافيا لإطاعة أمر الشارع؛ بل الداعي للإطاعة هو أمر الشارع.

(6) عطف على الامتثال و ضمير «به» راجع على «وجوبه».

(7) يعني: سواء كان للزائد دخل واقعا أم لا، فإن هذا التشريع لا ينافي التقرب بأمر الشارع. و في المقام كلام طويل أضربنا عنه رعاية للاختصار.

(8) غرضه: الإشارة إلى ضعف ما قيل من إثبات صحة العبادة مع الزيادة باستصحاب الصحة لا بأصالة البراءة في الشك في مانعية الزيادة، بزعم أن الشك يكون في بقاء الصحة المعلومة حدوثا قبل فعل الزيادة المشكوكة بقاء بعد فعلها؛ للشك في‏

437

و هو (1) لا يخلو من كلام و نقض و إبرام خارج عما هو المهم في المقام (2)، و يأتي‏

____________

مانعية الزيادة، و هو مجرى استصحاب الصحة، لاجتماع أركانه، دون أصالة البراءة في مانعية الزيادة؛ لحكومته عليها.

و لا يخفى: أن مورد هذا الاستصحاب هو ما إذا نشأ احتمال البطلان في أثناء الصلاة بزيادة جزء تشريعا، و أما إذا قصد التشريع من أول الصلاة بحيث كان الداعي له الأمر التشريعي، فلا مجال حينئذ للاستصحاب؛ لانهدام ركنه الأول و هو اليقين السابق بالصحة؛ بل اليقين بعدمها ثابت، فالاستصحاب يجري فيما لو علم بالصحة قبل فعل الزيادة و نشأ الشك في البطلان في الأثناء.

إذا عرفت هذا، فاعلم: أن للاستصحاب تقريبات عديدة نذكر بعضها:

منها: أن المستصحب موافقة الأجزاء السابقة لأوامرها الضمنية.

و منها: بقاء الأجزاء السابقة على تأثيرها في المصلحة، بداهة: أن لكل جزء تأثيرا في المصلحة المترتبة على الكل.

و منها: كون الأجزاء السابقة بحيث لو انضم إليها سائر الأجزاء لالتأم الكل و منها غير ذلك.

راجع لمعرفة جميع تقريبات الاستصحاب: «دروس في الرسائل، ج 4، ص 33- 35».

(1) هذا إشارة إلى تضعيف الشيخ لهذا الاستصحاب، و حاصله: أن استصحاب صحة الأجزاء السابقة لا يجدي في صحة الأجزاء اللاحقة؛ لأن المستصحب إن كان هو الصحة بمعنى موافقة الأجزاء السابقة لأوامرها الضمنية فذلك قطعي البقاء، و لا شك فيها حتى يجري فيها الاستصحاب، حيث إن الشي‏ء لا يتغير عما وقع عليه. و هذه الصحة مع القطع بها فضلا عن استصحابها لا تنفع في صحة الأجزاء اللاحقة.

و كذا الحال إن كان المستصحب هو المعنى الثالث؛ للعلم ببقاء قابلية الأجزاء السابقة للانضمام و عدم الشك فيه، و إنما الشك في مانعية الزيادة، و الاستصحاب لا يرفع المانعية، فمع الزيادة لا يعلم بالتئام الكل بانضمام اللاحقة إلى السابقة.

و إن كان المستصحب هو المعنى الثاني، فلعدم اليقين السابق حتى يكون الشك في البقاء ليستصحب، ضرورة: أن الشك في البقاء يتصور فيما إذا كان مشكوك المانعية رافعا لأثر الأجزاء السابقة، و أما إذا احتمل كونه مانعا عن تأثيرها من أول الأمر كان الشك في الحدوث دون البقاء، و معه لا مجال للاستصحاب.

(2) إذ المهم في المقام هو إحراز صحة العبادة مع الزيادة، بحيث يسقط بها الأمر، و هي الصحة الفعلية التي لا تثبت بالاستصحاب.

438

تحقيقه في مبحث الاستصحاب (1) إن شاء الله تعالى.

____________

(1) لا يخفى: أن المصنف «(قدس سره)» لم يف بوعده و لم يتعرض لتحقيقه في مبحث الاستصحاب.

و كيف كان؛ فالأولى في تضعيف استصحاب الصحة أن يقال: إن أقصى ما صح أن يدعى في تقريب استصحاب الصحة هو: أن المراد منه استصحاب صحة الأجزاء السابقة بمعنى: أنها قبل الزيادة كانت بحيث لو انضم إليها الأجزاء اللاحقة التأمت معها و حصل الكل بالمجموع، و بعد الزيادة يقع الشك في بقائها على هذه الصفة فتستصحب، و حينئذ: يرد عليه: أنه لو كان المراد من ذلك أن الأجزاء السابقة كانت بحيث لو انضم إليها تمام ما يعتبر في الواجب من الأجزاء و الشرائط التأم معها و حصل الكل بالمجموع، فهذا حق، و لكن لم يعلم حينئذ انضمام التآم؛ إليها إذ من المحتمل أن يكون من الشرائط عدم الزيادة و لم ينضم إليها إذ المفروض تحقق الزيادة.

و إن كان المراد منه: أن الأجزاء السابقة كانت بحيث لو انضم إليها بقية الأجزاء المعلومة دون المشكوكة لالتأم معها، و حصل الكل بالمجموع، فهذا ممنوع جدا إذ لم يكن لنا يقين كذلك كي تستصح الصحة بهذا المعنى. و هذا واضح. و أضربنا عن طول الكلام في المقام رعاية للاختصار.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- الكلام في مقامين: المقام الأول: في إمكان تحقق الزيادة عمدا أو سهوا و اعتبار القصد في تحققها.

المقام الثاني: في بيان الزيادة العمدية و السهوية.

الكلام في المقام الأول يقع من جهتين:

الأولى: إمكان تحقق الزيادة.

الثانية: اعتبار قصد الزيادة في تحققها.

و أما الجهة الأولى: فقد يقال فيها باستحالة الزيادة حقيقة؛ لأن الجزء المأخوذ في المركب إما مأخوذ على نحو لا بشرط أو على نحو بشرط لا، و لا يعقل تحقق الزيادة على كلا التقديرين؛ إذ على الأول: كل ما أتى به مصداق للمأمور به، سواء كان المأتي به واحدا أو أكثر.

439

و على الثاني: فالإتيان به مرة ثانية مستلزم لفقدان القيد المأخوذ في الجزء المستلزم للنقيصة لا محالة.

و الجواب عنه: أن اعتبار اللابشرطية لا ينافي تحقق الزيادة، فإن أخذ شي‏ء جزءا للمركب لا بشرط يتصور على وجهين:

أحدهما: أن يكون طبيعي ذلك الجزء مأخوذا في المركب، من دون نظر إلى وحدة الفرد و تعدده، و في مثل ذلك لا يمكن تحقق الزيادة كما مر.

و ثانيهما: أن يعتبر صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات جزءا، و لا بشرط بهذا المعنى لا يقتضي كون الوجود الثاني أيضا مصداقا للمأمور به، و حينئذ: تتحقق الزيادة مع كون الجزء مأخوذا لا بشرط بهذا المعنى. هذا مضافا إلى: أن الملاك في صدق الزيادة هو نظر العرف لا الدقة العقلية، و من الضروري صدقها عرفا و لو مع أخذ الجزء بشرط لا.

و أما الجهة الثانية: فالظاهر اعتبار القصد في تحقق الزيادة؛ إذ تحقق أجزاء المركبات الاعتبارية متقوم بالقصد.

2- و أما حكم الزيادة: فهي صحة العبادة معها بمقتضى البراءة الشرعية؛ لأن الشك في بطلان العمل من جهة الزيادة العمدية أو السهوية يكون ناشئا من الشك في اعتبار عدمها في المأمور به لا محالة، و من الظاهر: أنه لو لم يقم عليه دليل كان مقتضى الأصل عدمه، فلا بأس بالزيادة العمدة فضلا عن السهوية. و أما البراءة العقلية فلا تجري بل يحكم العقل بالاحتياط.

فالمتحصل: أن الشك في أخذ العدم شرطا أو شطرا في الواجب كالشك في أخذ الوجود شرطا أو شطرا فيه في جريان البراءة الشرعية فيه دون البراءة العقلية، فيصح العمل للبراءة النقلية القاضية بعدم مانعية الزيادة، سواء أتى بها عمدا تشريعا أو جهلا أو سهوا. فيصح العمل في جميع هذه الصور.

نعم؛ إذا كان الواجب عباديا فلا بد من ملاحظة أن الزيادة هل توجب فقدان قصد القربة فيه أم لا؟ فإن أوجبت ذلك أبطلت العبادة و إلا فلا.

و التشريع إذا كان على نحو التقييد كان ذلك منافيا لقصد القربة فيبطل العمل‏

440

العبادي مطلقا أي: حتى في صورة دخل الزيادة في المأمور به واقعا؛ لعدم امتثال أمر الشارع.

3- كأن المصنف استدل بوجهين على بطلان العبادة مع التشريع:

الأول: الجزم بعدم امتثال الأمر الواقعي لكونه قاصدا للأمر التشريعي.

الثاني: أنه مع التنزل و عدم دعوى القطع بالبطلان من جهة عدم قصد الامتثال، فلا أقل من بطلانها لأجل قاعدة الاشتغال الحاكمة بأن الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ كذلك، و من المعلوم: أنه يشك في حصول الامتثال بهذا العمل المشتمل على الزائد مع التقييد.

فالمتحصل: أن المصنف يقول بالصحة في جميع موارد الزيادة العمدية و السهوية إلا في العبادة التي يكون التشريع فيها مخلا بقصد القربة و هو صورة التقييد.

4- التمسك باستصحاب الصحة لإثبات الصحة لا بأصالة البراءة في الشك في مانعية الزيادة.

بزعم أن الشك يكون في بقاء الصحة المعلومة حدوثا قبل فعل الزيادة و هو مجرى استصحاب الصحة، و لا يخفى: أن مورد هذا الاستصحاب هو ما إذا نشأ احتمال البطلان في أثناء الصلاة بزيادة الجزء تشريعا.

و أما إذا قصد التشريع من أول الأمر و أول الصلاة؛ بحيث كان الداعي له الأمر التشريعي، فلا مجال حينئذ للاستصحاب لانهدام ركنه الأول و هو اليقين السابق بالصحة، بل اليقين بعدمها ثابت. فالاستصحاب يجري فيما لو علم بالصحة قبل فعل الزيادة و نشأ الشك في البطلان في الأثناء.

و يرد على التمسك بالاستصحاب بما حاصله: أنه إن كان المراد منه استصحاب الصحة الفعلية الكلية فلا يكون لذلك حالة سابقة، و إن كان المراد منه الصحة التأهلية فغير مفيد؛ لأنه لا يثبت عدم مانعية الزيادة.

5- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- جريان البراءة الشرعية لنفي مانعية الزيادة.

2- مقتضى حكم العقل هو الاحتياط بإتيان العمل بدون الزيادة.

441

الرابع (1): أنه لو علم بجزئية شي‏ء أو شرطيته في الجملة (2)، و دار الأمر بين أن‏

____________

[الرابع‏] في تعذر الجزء أو الشرط

(1) الغرض من عقد هذا الأمر: بيان حال الجزء و الشرط من حيث الركنية و عدمها.

و قبل البحث لا بد من بيان ما هو محل الكلام في المقام.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي بيان صور لهذه المسألة

الأولى: أن يكون لكل من دليلي المركب و الجزء إطلاق.

الثانية: أن يكون لخصوص دليل المركب إطلاق دون دليل الجزء كقوله: «الصلاة لا تترك بحال» و نفرض عدم إطلاق لدليل الجزء و الشرط.

الثالثة: عكس هذه الصورة كما إذا قيس قوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» و «لا صلاة إلّا بطهور» (1) إلى قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (2)».

الرابعة: أن لا يكون لأحدهما إطلاق.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مورد البحث هو الصورة الرابعة، لأن حكم الصور الثلاثة المتقدمة واضح؛ لأنه في الصورة الأولى يقدم إطلاق دليل الجزء على إطلاق دليل المركب لكونه أخص منه و في الصورة الثانية يؤخذ بإطلاق دليل المركب و يحكم بالإتيان بالباقي، عكس الصورة الثالثة، فيؤخذ فيها بإطلاق دليل الجزء و يحكم بكونه مقوّما و ركنا.

و إنما الكلام في الصورة الرابعة حيث يدور أمرها بين أن يكون الجزء جزءا و الشرط شرطا مطلقا حتى في حال العجز عنه كي يسقط بتعذره أمر سائر الأجزاء أو في خصوص حال التمكن منه حتى لا يسقط بتعذره أمر الكل، و المرجع هو الأصل العملي من البراءة العقلية فإن العقاب على ترك الباقي الناقص الفاقد للجزء و الشرط بلا بيان فيكون قبيحا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(2) كما إذا لم يكن الدليل الجزء أو الشرط و لدليل المأمور به إطلاق كما عرفت.

____________

(1) المحاسن 1: 78/ ذيل ح 1، الفقيه 1: 33/ 67، تهذيب الأحكام 1: 50/ 144، الوسائل 1: 315/ 829.

(2) البقرة: 43، 83، 110، الخ.

442

يكون جزءا أو شرطا مطلقا و لو (1) في حال العجز عنه، و بين (2) أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكن منه، فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأول (3)؛ لعدم (4) القدرة حينئذ على المأمور به لا على الثاني (5)، فيبقى متعلقا (6) بالباقي و لم يكن (7) هناك ما يعين أحد الأمرين من (8) إطلاق دليل اعتباره جزءا أو شرطا، أو إطلاق (9) دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله (10) ...

____________

(1) بيان للإطلاق، و ضمير «عنه» راجع على «شي‏ء».

(2) عطف على «بين».

(3) و هو الجزئية المطلقة أو الشرطية كذلك، و الفاء في «فيسقط» للتفريع، يعني: أن ثمرة إطلاق الجزئية أو الشرطية هي سقوط الأمر بالكل، لانتفاء القدرة- التي هي شرط التكليف- على فعل المأمور به بتمامه، و ضميرا «منه، عنه» راجعان على «شي‏ء» و المراد «بالأمر» هو الأمر بالكل، كأمر الصلاة، و الباء في «بالعجز» للسببية، يعني: أن العجز عن الجزء أو الشرط صار سببا لعدم القدرة على إتيان المأمور به، فلا محالة يسقط الأمر عن الكل.

(4) تعليل لسقوط الأمر بالكل بسبب العجز عن الجزء أو الشرط يعني: أن عدم القدرة على المأمور به الناشئ عن العجز المزبور صار علة لسقوط الأمر.

و قوله: «حينئذ» يعني: حين العجز عما علم دخله إجمالا في المأمور به.

(5) و هو اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال التمكن، فيبقى الأمر متعلقا بما عدا الجزء أو الشرط غير المقدور.

(6) هذا هو الصواب، و ما في بعض النسخ من «معلقا» فلعله من سهو الناسخ، و ذلك لأن ظاهر قوله: «معلقا» هو عدم الجزء ببقاء الأمر بالباقي، و هذا خلاف لازم ما فرضه من دخل التمكن في الشرط و الجزء.

(7) عطف على قوله: «علم»، و ضمير «فيبقى» راجع على «الأمر».

(8) بيان ل «ما» الموصول و المراد بالأمرين: هو الجزئية أو الشرطية المطلقة أو المقيدة بحال التمكن.

(9) عطف على «إطلاق دليل» و لازم إطلاق المأمور به و إجمال دليل الجزء و الشرط هو وجوب الفاقد للمتعذر، لكونه مطلوبا سواء تمكن من المتعذر أم لا، فقوله: «مع إجمال» قيد لإطلاق دليل المأمور به، إذ لو كان لدليل الجزء إطلاق أيضا قدم على إطلاق دليل المأمور به لحكومته عليه.

(10) أي: إهمال الدليل، و ضميرا «اعتباره» في الموردين راجعان على «شي‏ء» و المراد

443

لاستقل (1) العقل بالبراءة عن الباقي، فإن العقاب على تركه بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان.

لا يقال: نعم (2)؛ و لكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه.

____________

بالإجمال: هو قصور الخطاب عن إفادة الإطلاق في مقام الإثبات، لعدم ظهوره الناشئ عن إجماله؛ لا اشتراك اللفظ أو غيره، و المراد بالإهمال: هو عدم كون المولى في مقام البيان الذي هو من مقدمات الإطلاق.

(1) جواب «لو» في قوله: «لو علم بجزئية شي‏ء ...» الخ.

و محصل ما أفاده المصنف «(قدس سره)» من أول الأمر الرابع إلى هنا هو: أنه مع الشك في كون الجزء أو الشرط دخيلا في حالتي التمكن و العجز معا أو في خصوص حال التمكن، و عدم دليل اجتهادي يعين إحدى الكفتين تجري البراءة العقلية عن وجوب الباقي إذا تعذر بعض أجزاء الواجب أو شرائطه لأن العقاب على ترك الباقي بلا بيان.

(2) هذا استدراك على قوله: «لاستقل العقل» و إشكال عليه.

و غرض المستشكل: أن البراءة العقلية و إن كانت جارية في وجوب الباقي، و رافعة للعقاب على تركه، إلا إنه لا مانع من جريان البراءة الشرعية الثابتة بحديث الرفع و نحوه في نفي الجزئية أو الشرطية في حال التعذر و البناء على وجوب الباقي بها، حيث إن حديث الرفع يضيق دائرة الجزئية أو الشرطية و يخصصها بحال التمكن، فلا يكون للجزء أو الشرط المتعذر دخل في الواجب حتى يقيد الباقي به، و يلتزم بسقوطه، بل الباقي مطلق بالنسبة إلى المتعذر، فيجب الإتيان به، فوزان التعذر وزان النسيان، فكما يثبت بحديث الرفع وجوب ما عدا الجزء أو الشرط، المنسي فكذلك يثبت به وجوب ما عدا المتعذر من الجزء أو الشرط فقوله: «نعم» تصديق لجريان البراءة العقلية؛ و لكن البراءة الشرعية تثبت وجوب الباقي، لأن الشك في بقائه نشأ عن الشك في اعتبار المتعذر مطلقا حتى في حال التعذر، و حديث الرفع يرفع اعتباره كذلك و مقتضاه بقاء وجوب الباقي و عدم تقيده بالمتعذر. و عليه: فالمراد بحديث الرفع هنا: جملة «ما لا يعلمون» لفرض الجهل بكيفية دخل الجزء و الشرط في المأمور به. و ضمير «منه» راجع على «شي‏ء» و المراد به:

الجزء أو الشرط.

444

فإنه يقال (1): إنه لا مجال هاهنا (2) لمثله، بداهة (3): أنه ورد في مقام الامتنان فيختص (4) بما يوجب نفي لتكليف لا إثباته (5).

____________

(1) هذا دفع الإشكال المزبور، و محصله: عدم جريان البراءة الشرعية في نفي الجزئية أو الشرطية في حال التعذر، بداهة أن من شرائط جريانها حصول الامتنان، و هو مفقود في تعذر الجزء أو الشرط، لأن لازم اعتبارهما في خصوص حال التمكن وجوب سائر الأجزاء عند تعذرهما، و هذا ينافي الامتنان المعتبر في جريان البراءة الشرعية، فلا يقاس التعذر بحال نسيان الجزء أو الشرط الذي تجري فيه البراءة الشرعية، و ذلك لأن في جريانها هناك كمال الامتنان، لاقتضائها نفي الإعادة بعد الالتفات و التذكر، ففرق بين بين النسيان و التعذر، لوجود الامتنان في جريان البراءة في الأول دون الثاني.

(2) يعني: في تعذر الجزء أو الشرط، و غرضه: بيان الفرق بين التعذر و بين النسيان و قد عرفت الفارق بينهما، و ضمير «أنه» للشأن، و ضمير «لمثله» راجع على «حديث الرفع».

(3) تعليل لقوله: لا مجال، و قد مرّ توضيحه: بقولنا بداهة: أن من شرائط جريانها حصول الامتنان و هو مفقود، و ضمير «أنه» راجع على «مثله».

(4) يعني: فيختص مثل حديث الرفع بنفي التكليف بقرينة قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «عن أمتي»، و ضمير «أنه» راجع على «مثل حديث الرفع».

(5) أي: إثبات التكليف كالمقام، فإن لازم اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال التعذر بأصالة البراءة وجوب الباقي، و هو ينافي الامتنان؛ لأنه إثبات للتكليف، مع أن البراءة رافعة له.

فحاصل مرام المصنف «(قدس سره)» هو: أن البراءة العقلية تجري في نفي وجوب الباقي، و عدم العقاب على تركه، و لا تجري البراءة الشرعية في نفي الجزئية أو الشرطية لأنها تقتضي وجوب الباقي و هو خلاف الامتنان.

و كيف كان؛ ففي المسألة قولان: قول بعدم وجوب الباقي بالبراءة العقلية و هو مختار المصنف «(قدس سره)»، و قول بوجوب الباقي.

و قد استدل عليه بوجوه: منها الاستصحاب كما أشار إليه المصنف بقوله: «نعم؛ ربما يقال: بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي ...» الخ. و يمكن تقريب الاستصحاب بوجهين: على ما هو ظاهر كلام المصنف «(قدس سره)»، أحدهما: أن يستصحب الوجوب الكلي الجامع بين الضمني و الاستقلالي المتعلق بغير المتعذر من‏

445

نعم؛ ربما يقال: بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر أيضا.

و لكنه (1) لا يكاد يصح إلا بناء على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلي،

____________

الأجزاء و الشرائط، فإن وجوبها الضمني قبل طروء التعذر في ضمن وجوب المركب كان ثابتا و نشك في ارتفاع أصل الوجوب بارتفاعه، فتمسك بالاستصحاب في الحكم ببقائه.

و بعبارة أخرى أن يقال: إن الصلاة كانت واجبة مع السورة و الاستقبال و الستر مثلا و يشك في حدوث الوجوب لها مقارنا لتعذر بعض أجزائها أو شرائطها، فيستصحب طبيعي الوجوب الجامع بين الغيري المرتفع بتعذر البعض، و النفسي المحتمل حدوثه للباقي مقارنا لارتفاع الوجوب الغيري. هذا ثاني وجوه ثالث أقسام استصحاب الكلي؛ كاستصحاب كلي الاستصحاب مثلا فيما إذا وجد في ضمن زيد و علم بارتفاعه و شك في وجود عمرو مقارنا لارتفاعه.

و المراد من بعض الصور: ما إذا علم بوجوب الباقي قبل طروء التعذر، كما إذا تعذر بعض الأجزاء بعد توجه الخطاب و تعلق الأمر بالكل؛ إذ لو كان التعذر قبل ذلك لم يكن هناك يقين بوجوب الباقي حتى يستصحب؛ بل الشك حينئذ يكون في أصل الحدوث لا في البقاء، و من المعلوم: أن المعتبر في الاستصحاب هو الشك في البقاء دون الحدوث.

قوله: «أيضا» يعني: كوجوب الباقي قبل التعذر.

و ثانيهما: كون المستصحب خصوص الوجوب النفسي القائم بالكل بدعوى: بقاء الموضوع بالمسامحة العرفية، و جعل المتعذر من الجزء أو الشرط من قبيل حالات الموضوع لا من مقوّماته، فيقال: «هذا الباقي كان واجبا نفسيا سابقا، و الآن كما كان»، نظير المثال المعروف و هو استصحاب كرّية ماء أو قلته فيما إذا أخذ منه مقدار أو زيد عليه، فيقال: «إن هذا الماء كان كرّا أو قليلا و الآن كما كان»، مع وضوح: أن هذا الماء بالدقة العقلية و مع الغض عما زيد عليه أو نقص عنه لم يكن كرّا أو قليلا؛ لكنه بالمسامحة العرفية كذلك. هذا تمام الكلام في إثبات وجوب الباقي بالاستصحاب.

(1) أي: الاستصحاب، و يمكن أن يكون الضمير للشأن.

و كيف كان؛ فغرضه «(قدس سره)»: هو الإشكال على أول تقريبي الاستصحاب و حاصله: أن الاستصحاب بالتقريب الأول يكون من القسم الثالث من استصحاب الكلي، و هو ليس بحجة كما يأتي في باب الاستصحاب.

446

أو على (1) المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب، و كان ما تعذر مما يسامح به عرفا؛ بحيث (2) يصدق مع تعذره بقاء الوجوب لو قيل بوجوب الباقي، و ارتفاعه (3) لو قيل بعدم وجوبه، و يأتي (4) تحقيق الكلام في غير المقام (5).

____________

(1) عطف على «على صحة ...» الخ، و إشارة إلى التقريب الثاني من الاستصحاب، و غرضه: التنبيه على أن صحة الاستصحاب على التقريب الثاني منوطة بالمسامحة العرفية في تعيين موضوع الاستصحاب؛ بأن لا يكون المتعذر جزءا أو شرطا من مقوّمات الموضوع؛ بل من حالاته المتبادلة حتى يصح أن يقال: إن الفاقد هو الواجد عرفا ليجري فيه الاستصحاب، فلو كان المفقود قادحا في صدق اتحاد الفاقد مع الواجد عرفا، كما إذا كان المفقود معظم الأجزاء لم يجر الاستصحاب؛ لعدم صدق الشك في البقاء حينئذ. و مختار المصنف جواز المسامحة العرفية في الموضوع.

(2) متعلق ب «يسامح» و بيان لمقدار التسامح، يعني: أن تكون المسامحة العرفية بمثابة يصدق على الفاقد للمتعذر أنه الموضوع السابق، كما إذا لم يكن المتعذر معظم الأجزاء و الشرائط حتى يكون وجوبه بقاء ذلك الوجوب لا وجوبا حادثا لموضوع جديد، و عدم وجوبه ارتفاعا له عن ذلك الموضوع؛ إذ مع عدم صدق الموضوع لا يعدّ رفع الحكم رفعا عنه و نقضا لليقين السابق؛ بل هو من باب عدم الموضوع.

و الحاصل: أنه لا بد في صحة الاستصحاب من صدق النقض على نفي الحكم و الإبقاء على إثباته، و هذا الصدق منوط بوحدة الموضوع، نظير استصحاب عدالة زيد، فإن موضوعها لا ينثلم بالمرض و الصحة و الفقر و الغنى، فإذا شك في عدالته فلا مانع من استصحابها مع عروض هذه العوارض؛ لأنها من الحالات المتبادلة التي لا يتغير بها الموضوع أعني: زيدا. و ضمير «تعذره» راجع على ما شك في كيفية دخله من الجزء و الشرط.

(3) عطف على «بقاء» الذي هو فاعل «يصدق»، و ضمير «ارتفاعه» راجع على «الوجوب»، و ضمير «وجوبه» راجع على «الباقي». و «لو قيل» قيد لبقاء الوجوب.

(4) بعد التنبيه الرابع عشر من تنبيهات الاستصحاب، و قد اختار هناك كون المرجع في تعيين الموضوع هو نظر العرف دون غيره من العقل و دليل الحكم، و ضمير «منه» راجع على «تعيين».

(5) أي: في غير هذا المقام المبحوث عنه فعلا، و هو أواخر الاستصحاب حيث إنه يبحث هناك عن تعيين الموضوع في الاستصحاب. هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية في المسألة.

447

كما أن وجوب الباقي في الجملة (1) ربما قيل بكونه مقتضى ما يستفاد من قوله‏

____________

و أما حكمها القواعد الثانوية و الأدلة الاجتهادية: فقد ادعى ثبوت الأخبار الدالة على وجوب الباقي عند تعذر بعض الأجزاء، و المستفاد من هذه الأخبار: قاعدة يصطلح عليها ب «قاعدة الميسور».

قاعدة الميسور

(1) أي: في خصوص ما يعد فاقد الجزء أو الشرط ميسورا للواجد لا مطلقا، كما هو مفاد قوله «(عليه السلام)»: «الميسور لا يسقط بالمعسور»، أو في خصوص الجزء دون الشرط كما هو مقتضى الخبر الأول و الثالث المذكورين في المتن.

و كيف كان؛ فغرض المصنف «(قدس سره)»- بعد أن اختار هو عدم وجوب الباقي للبراءة العقلية-: الإشارة إلى أدلة القائلين بوجوب الباقي، و هي الاستصحاب الذي تقدم تقريبه بالوجهين، و قاعدة الميسور التي تعرض لها بقوله: «مقتضى ما يستفاد»، و الفرق بينها و بين الاستصحاب هو: أن القاعدة دليل اجتهادي و معها لا تصل النوبة إلى الأصل العملي أعني: الاستصحاب، كما لا تجري معها البراءة العقلية في وجوب الباقي لورود قاعدة الميسور عليها، حيث إنها بيان رافع لعدم البيان الذي هو موضوع حكم العقل بقبح المؤاخذة بلا بيان.

و كيف كان؛ فقد يستدل على وجوب الباقي تحت عنوان قاعدة الميسور المستفادة من الأخبار، و هذه الأخبار ثلاثة مروية في غوالي اللئالي:

الأول: النبوي الشريف و هو قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «إذا أمرتكم بشي‏ء، فأتوا منه ما استطعتم».

و الثاني- العلوي الشريف و هو- قول علي «(عليه السلام)»: «الميسور لا يسقط بالمعسور».

و الثالث:- العلوي الشريف أيضا و هو-: قوله «(عليه السلام)»: «ما لا يدرك كله لا يترك كله».

فيقع الكلام في هذه الروايات واحدا بعد واحد. فنقول: إنه قد اشتهر نقل هذه الروايات بين الأصحاب و عملهم بها و استنادهم في فتاويهم إليها، و هذا يكفي في الوثوق بها و حجيتها و في عدم لزوم التفتيش عن سندها، فيقع الكلام في دلالتها فقط.

فيقع الكلام في دلالتها إجمالا قبل البحث فيها تفصيلا.

و أما دلالتها على ما هو المقصود إجمالا: فلأن المستفاد منها هو عدم سقوط

448

«(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم»

(*)

. و قوله:

«الميسور لا يسقط بالمعسور»

(**)

، و قوله: «ما لا يدرك كله لا يترك كله»

(***)

، و دلالة

____________

التكليف بتعذر بعض الأجزاء و الشرائط، بل يجب على المكلف الإتيان بما يتمكن منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما لا يتمكن المكلف من إتيان كله لا يجوز له ترك الكل، بل عليه الإتيان بما يتمكن منه. و كذلك النبوي ظاهر في وجوب إتيان ما يتمكن منه المكلف من بعض الأجزاء بعد عدم التمكن من الجميع؛ لأنه كلمة «من» في قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «فأتوا منه» ظاهرة في التبعيض إن لم تكن حقيقة فيه، و كلمة «ما» في قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «ما استطعتم» ظاهرة في الموصولة، فيدل النبوي على وجوب الإتيان بما هو المقدور من المركب. هذا مجمل الكلام في دلالة هذه الأخبار على المطلوب.

و أما تفصيل الكلام في دلالتها فنقول: إن المحتملات في الرواية الأولى- أعني:

النبوي الشريف- هي أربعة:

الأول: أن تكون كلمة «من» تبعيضية بحسب الأجزاء، و يكون المعنى: «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا من أجزائه ما استطعتم»، و هذا هو المطلوب في المقام.

الثاني: أن تكون كلمة «من» تبعيضية، و لكن بحسب الأفراد، و المعنى حينئذ: «فأتوا من أفراده ما استطعتم»، و هذا خارج عن البحث في ما نحن فيه و لا ينفعنا في المقصود؛ لأن الكلام في الميسور من الأجزاء لا الأفراد.

و يشهد لهذا الاحتمال: مورد الرواية؛ لأن سؤال السائل كان عن وجوب الحج في كل سنة، فكان سؤاله عن الأفراد لا عن الأجزاء.

الثالث: أن تكون كلمة «من» للتعدية بمعنى الباء، فيكون قوله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «فأتوا به» نظير قولك: أتى به، أو يأتون به، و المعنى حينئذ: «فأتوا بالعمل ما استطعتم»، و المقصود منه: تكرار العمل بقدر الاستطاعة، و تكون الرواية ناظرة حينئذ إلى الأفراد أيضا.

الرابع: أن تكون كلمة «من» بيانية، و كلمة «ما» موصولة، فيكون حاصل المعنى: أنه إذا أمرتكم بطبيعة فأتوا ما استطعتم من أفرادها، و هذه الاحتمالات متصورة في الرواية

____________

(*) بحار الأنوار 22: 31، مسند أحمد 2: 247، صحيح البخاري 8: 142.

(**) عوالي اللآلي 4: 58/ 205.

(***) عوالي اللآلي 4: 58/ 207.

449

الأول مبنية على كون كلمة «من» تبعيضية (1) ...

____________

الأولى؛ و لكن المفيد بالمقصود هو الاحتمال الأول فقط؛ و لكنه لا يناسب مورد الرواية، فهذه الرواية أجنبية عن المقام و لا تدل على ما هو المقصود.

و أما الرواية الثانية: و هي قوله «(عليه السلام)»: «الميسور لا يسقط بالمعسور» فتقريب الاستدلال بها و إن كان واضحا؛ و لكن يرد عليه:

أولا: بمثل ما أورد على الحديث الأول من أن كلمة «الميسور» مردّدة بين الميسور من الأفراد و الميسور من الأجزاء، فلا يمكن الاستدلال به لكونه مجملا و خارجا عن محل الكلام على أحد الاحتمالين.

و ثانيا: بأن المجموع من الأجزاء واجب بوجوب استقلالي، و الباقي من الأجزاء واجب بوجوب ضمني، و ليس الواجب بالوجوب الضمني ميسورا للواجب بالوجوب الاستقلالي، فيتعين أن يكون هذا الحديث مختصا بالميسور من الأفراد، و لا يشمل الميسور من الأجزاء.

و أما الرواية الثالثة: و هي قوله «(عليه السلام)»: «ما لا يدرك كله لا يترك كله» فيرد على الاستدلال بها:

أولا: أن كلمة «كل» مجملة لدورانها بين المجموع بحسب الأفراد و المجموع بحسب الأجزاء.

و ثانيا: إجمال قوله «عليه و آله السلام»: «لا يترك»، و دورانه بين إرادة الوجوب بالخصوص و إرادة الأعم من الوجوب و الندب، فلا يمكن الاستدلال؛ بها لأنه بناء على الاحتمال الثاني لا يستفاد منها وجوب الإتيان بالباقي. فالنتيجة هي: عدم تمامية الاستدلال بهذه الروايات على وجوب الباقي عند تعذر بعض الأجزاء.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في منتهى الدراية.

(1) غرضه: أن الاستدلال بالخبر الأول على قاعدة الميسور مبني على أمرين:

الأول: كون كلمة «من» تبعيضية؛ إذ لو كانت بيانية أو بمعنى الباء فمعنى الخبر حينئذ: وجوب الإتيان بنفس المأمور به الكلي بقدر الاستطاعة لا وجوب الإتيان ببعضه الميسور كما هو المقصود، فلا يشمل الخبر الكل و المركب الذي تعذر بعض أجزائه.

الثاني: كون التبعيض بحسب الأجزاء لا الأفراد؛ إذ مفاد الخبر حينئذ هو وجوب الإتيان بما تيسر من أفراد الطبيعة، فيدل على وجوب التكرار، و عدم كون المطلوب صرف الوجود، و لذا استدل به بعض المحققين كصاحب الحاشية في مبحث الأوامر على وجوب التكرار في قبال القول بالمرة و القول بالطبيعة. و من المعلوم: أنه أجنبي عن‏

450

لا بيانية (1) و لا بمعنى الباء، و ظهورها (2) في التبعيض و إن كان مما لا يكاد يخفى (3)؛ إلا إن (4) كونه بحسب الأجزاء غير واضح؛ ...

____________

المطلوب و هو وجوب ما تيسر من أجزاء المركب الذي تعذر بعض أجزائه.

(1) «المراد بها: كون مدخول «من» هو الجنس الذي يكون المبين- بالفتح- منه كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ و قوله: «أثوابى من قطن و خواتيمى من فضة» (1)، و هذا الضابط للبيانية لا ينطبق على المقام، ضرورة: أن مدخول «من» هنا ليس إلا نفس الشي‏ء المذكور قبله، حيث إن الضمير عين مرجعه. فكأنه قيل: «إذا أمرتكم بشي‏ء فأوجدوه ما استطعتم»، و هذا عبارة أخرى عن دخل القدرة في متعلق الخطاب، و أنه مع التمكن يجب فعل المأمور به و لا يجوز تركه، و هذا لا يدل على وجوب بعض المركب المأمور به إذا تعذر بعض أجزائه، لو لم يدل على وجوب تكرار الطبيعة المأمور بها كما مر آنفا» (2).

و حاصل الكلام في المقام: أن جعل «من» بمعنى الباء في كل مورد، و بيانية في خصوص هذا المورد خلاف الظاهر الذي لا يصار إليه بلا دليل، فالمتعين حينئذ: كون كلمة «من» تبعيضية لا بيانية و لا بمعنى الباء، و مع ذلك لا يدل الخبر الأول على اعتبار قاعدة الميسور في المقام؛ و ذلك لما عرفت: من احتمال الميسور بحسب الأفراد، و محل الكلام هو الميسور بحسب الأجزاء لا الأفراد.

(2) أي: كلمة «من» في التبعيض الذي هو عبارة عن صحة قيام كلمة «بعض» مقام كلمة «من»، و قد عرفت: تقريب هذا الظهور الذي هو أحد الوجهين اللذين يكون الاستدلال بالخبر الأول مبنيا عليهما.

(3) لما مر من عدم ثبوت استعمال «من» بمعنى الباء، و عدم انطباق ضابط البيانية أيضا عليه، فالمتعين كون «من» هنا للتبعيض، فهذا الوجه الأول ثابت.

(4) غرضه: الإشكال على كون التبعيض بحسب الأجزاء لا الأفراد.

و محصل الإشكال: أن التبعيض إن كان بلحاظ الجامع بين الأجزاء و الأفراد؛ بأن يراد بالشي‏ء ما هو أعم من الكل ذي الأجزاء كالصلاة و الحج و الكلي و ذي الأفراد كالعالم، أو بلحاظ خصوص الأجزاء، كان الخبر دليلا على المقصود و هو وجوب بعض أجزاء المركب مع تعذر بعضها الآخر.

____________

(1) الحج: 30.

(2) منتهى الدراية 6: 338.

451

لاحتمال (1) أن يكون بلحاظ الأفراد.

و لو سلم (2) فلا محيص عن أنه- هاهنا- بهذا اللحاظ (3) يراد، حيث (4) ورد جوابا عن السؤال عن تكرار الحج بعد أمره به، فقد روي: «أنه خطب رسول الله، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج»، فقام عكاشة و يروى سراقة بن مالك فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فاعرض عنه حتى أعاد مرتين أو ثلاثا، فقال: «ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم، و الله لو قلت نعم لوجب، و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتم، و إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه».

____________

و إن كان بلحاظ الأفراد أو مجملا: لم يصح الاستدلال بالخبر المزبور على المقصود.

و ضمير «كونه» راجع على «التبعيض».

(1) تعليل لقوله: غير واضح. و محصله: أن احتمال كون التبعيض بلحاظ الأفراد مانع عن الاستدلال بالخبر المزبور؛ لما مر من ابتنائه على كون التبعيض بلحاظ الأجزاء دون الأفراد، و مع هذا الاحتمال المصادم لظهور كون التبعيض بلحاظ الأجزاء يسقط الاستدلال. و اسم «يكون» ضمير راجع على التبعيض.

(2) يعني: و لو سلم ظهور كلمة «من» في التبعيض بلحاظ الأجزاء بحسب الاستعمالات المتعارفة، و لكنه بقرينة المورد لا بد هنا من إرادة التبعيض بحسب الأفراد، حيث إن هذا الخبر ورد جوابا عن السؤال عن تكرار الحج بعد أن خطب رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج»، فقام عكاشة إلى آخر ما ذكره في المتن، فلا محيص عن إرادة التبعيض هنا بحسب أفراد العام لا بحسب أجزاء الكل؛ إذ لا معنى لوجوب بعض أجزاء الحج في كل عام.

(3) أي: لحاظ الأفراد، و ضمير «أنه» راجع على التبعيض، و المشار إليه في «هاهنا» هو الخبر النبوي المذكور الوارد في الحج، و «يراد» خبر «أنه».

(4) تعليل لقوله: «فلا محيص»، و قد مر تقريبه بقولنا: «و لكنه بقرينة المورد لا بد هنا من إرادة التبعيض بحسب الأفراد.

فمحصل ما أفاده المصنف «(قدس سره)» في هذا الخبر: عدم تمامية الاستدلال به على وجوب الإتيان بالمركب الذي تعذر بعض أجزائه.

و المراد من الاستطاعة المذكورة في آخر الخبر هو: الاستطاعة العرفية لا العقلية، ضرورة: أن ترك إطاعة الأمر لعدم الاستطاعة العقلية لا يوجب الكفر كما هو قضية قوله‏

452

و من ذلك (1): ظهر الإشكال في دلالة الثاني أيضا (2)، حيث (3) لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها؛ لاحتمال (4) إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد العام بالمعسور منها (5).

____________

«(صلى اللّه عليه و آله و سلم)»: «و لو تركتم لكفرتم».

فمعناه: «أنه لو قتل: نعم، لوجب عليكم الحج في كل عام و كان ذلك عسرا عليكم، و لو تركتم و لو مع المشقة العرفية لكفرتم».

(1) أي: و من عدم ظهور الخبر الأول في التبعيض بحسب الأجزاء ظهر الإشكال في دلالة الخبر الثاني و هو: «الميسور لا يسقط بالمعسور».

و الإشكال عليه من وجهين:

أحدهما: أن الميسور أن يكون بحسب الأفراد لا بحسب الأجزاء، و المفروض: أن الاستدلال به منوط بإرادة الميسور من الأجزاء، و مع احتمال إرادة غيره لا يصلح للاستدلال به على المقام.

ثانيهما: أنه لا يدل على المطلوب و هو وجوب الأجزاء الميسورة بتعذر بعض الأجزاء أو الشرائط، حيث إن الميسور عام للواجبات و المستحبات، فإن دل الخبر على وجوب الميسور لزم خروج المستحبات التي تعذر بعض أجزائها أو شرائطها، فيدور الأمر بين تخصيص الميسور بالواجبات و إخراج المستحبات عنه، و هو مخالف لبنائهم على جريان قاعدة الميسور فيها أيضا، و بين التصرف في ظهور الأمر في الوجوب و حمله على مطلق الرجحان، فلا يدل حينئذ على وجوب الباقي الميسور و هو المطلوب في المقام، و الظاهر عدم أولوية أحد التصرفين من الآخر، فلا يصح الاستدلال به على وجوب الميسور؛ كعدم صحته بناء على أظهرية حمل الأمر على مطلق الرجحان و المطلوبية كما قيل من تخصيص الميسور بالواجبات.

(2) يعني: كالإشكال على الخبر الأول، و المراد بالثاني: هو خبر «الميسور لا يسقط بالمعسور».

(3) هذا تقريب الإشكال الأول المتقدم بقولنا: «أحدهما: أن الميسور يحتمل ...» الخ.

(4) تعليل لقوله: «حيث لم يظهر» و حاصله: أن هذا الاحتمال مصادم لاحتمال «الميسور من الأجزاء» بحيث يبطل الاستدلال على قاعدة الميسور، و الضمير المستتر في «يظهر» راجع على الثاني.

(5) هذا الضمير راجع على «أفراد»، و «من أفراد» متعلق «بالميسور»، و «بالمعسور» متعلق ب «سقوط».

453

هذا مضافا (1) إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوما (2)؛ لعدم (3) اختصاصه بالواجب، و لا مجال معه (4) لتوهم دلالته على أنه بنحو اللزوم؛ إلا (5) أن يكون المراد عدم سقوطه بما له من الحكم وجوبا كان أو ندبا بسبب سقوطه (6) عن المعسور؛ بأن‏

____________

(1) هذا إشارة إلى ثاني وجهي الإشكال المتقدم آنفا بقولنا: «ثانيهما: أنه لا يدل على المطلوب و هو وجوب الأجزاء الميسور ...» الخ.

(2) يعني: كما هو المطلوب، فلا يدل الخبر الثاني على وجوب الأجزاء الميسورة؛ لعدم اختصاصه بالواجبات؛ لما عرفت: من عموم «الميسور» لكل من الواجب و المستحب، و ضميرا «دلالته، اختصاصه» راجعان على «الثاني».

(3) تعليل لعدم دلالة الخبر الثاني على عدم سقوط الميسور لزوما، و قد عرفت تقريبه بقولنا: «لعدم اختصاصه بالواجبات لما عرفت من عموم ...» الخ.

(4) أي: مع عدم اختصاص الخبر الثاني بالواجب لا مجال لتوهم دلالته على أن عدم السقوط يكون بنحو اللزوم، و هذا من تتمة الإشكال، فالأولى أن يقال: «فلا مجال» لأنه نتيجة عدم اختصاصه بالواجب. و ضمير «دلالته» راجع على «الثاني»، و ضمير «أنه» راجع على «عدم السقوط».

(5) هذا دفع الإشكال الثاني المذكور بقوله: «مضافا إلى عدم دلالته»، و استدراك عليه.

و محصل الدفع: أن «لا يسقط» إن كان إنشاء لوجوب الميسور كانت المستحبات خارجة عن مورد قاعدة الميسور، و اختصت القاعدة بالواجب المتعذر بعض أجزائه؛ لكنه ليس كذلك، لظهور «لا يسقط» في حكايته عن عدم سقوط حكم الميسور من الوجوب أو الندب بسقوط حكم المعسور، فيشمل كلا من الواجب و المستحب المتعذر بعض أجزائهما أو شرائطهما، فلا تخرج المستحبات عن حيز قاعدة الميسور، و هذا ك «إبقاء ما كان» في الاستصحاب، فمعنى «لا تنقض اليقين بالشك» إبقاء المتيقن السابق، سواء كان حكما تكليفيا أم وضعيا أم موضوعا، و ليس معناه وجوب الإبقاء حتى يختص الاستصحاب بالواجبات.

و ثبوت حكم الميسور بلسان ثبوت موضوعه، و هو الميسور نظير نفي الموضوع المراد به نفي حكمه ك «لا ضرر» و نحوه من العناوين الثانوية الرافعة للحكم الأولي، فلزوم البيع مثلا منفي إن كان ضرريا.

(6) أي: سقوط الحكم عن المعسور. و ضميرا «سقوطه، له» راجعان على الميسور، و «من» بيان ل «ما» الموصول، و «بسبب متعلق ب «عدم سقوطه».

454

يكون (1) قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه، حيث (2) إن الظاهر من مثله هو ذلك (3)، كما إن الظاهر من مثل «لا ضرر و لا ضرار» هو نفي ما له من تكليف أو وضع لا (4) أنها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه و بقائه على عهدة المكلف كي لا يكون‏

____________

(1) هذا مبين لكون سقوط الميسور بماله من الحكم، و قد مر آنفا تقريبه بقولنا:

«و محصل الدفع أن لا يسقط ...» الخ. فقوله: «بحكمه» أي: بما للميسور من الحكم واجبا كان أم مستحبا.

(2) غرضه: الاستشهاد على كون قضية الميسور كناية عن عدم سقوط حكمه بأن الظاهر من مثل هذا الكلام النافي لموضوع أو المثبت له هو نفي الحكم عن الموضوع أو إثباته له، حيث إن نفي الموضوع أو إثباته شرعا لا يراد منه الرفع التكويني أو الإثبات كذلك؛ لمنافاة التكوين للتشريع، و من المعلوم: أن مورد الرفع و الوضع التشريعيين هو الحكم، فإثبات الموضوع شرعا أو نفيه كذلك لا معنى له إلا إثبات حكمه أو نفيه، نظير «لا ضرر»، فإن نفي الضرر الخارجي كذب، فالمراد به: نفي حكمه مطلقا تكليفيا كان أم وضعيا، و هذا التعبير عن ثبوت الحكم بلسان ثبوت موضوعه و نفيه بلسان نفي موضوعه شائع متعارف، و ضميرا «سقوطه، بحكمه» راجعان على الميسور، و ضمير «مثله» راجع على «الثاني» المراد به «الميسور لا يسقط بالمعسور»، و المراد ب «مثله»: كل ما هو بلسانه من إثبات الموضوع أو نفيه.

(3) أي: عدم سقوطه بحكمه، و حاصله: أن إثبات الموضوع و نفيه في الخطابات الشرعية كناية عن إثبات حكمه شرعا أو نفيه كذلك.

(4) يعني: لا أن قضية الميسور عبارة عن عدم سقوط الميسور بنفسه و بقائه على عهدة المكلف حتى تختص القاعدة بالواجبات و لا تشمل المستحبات؛ لاختصاص العهدة بالواجبات.

و الحاصل: أن الجمود على ظاهر إسناد عدم السقوط إلى نفس الميسور يقتضي أن يكون نفس الميسور ثابتا في الذمة، و حيث إنه لا عهدة في المستحبات فيختص بالواجبات، و لا يشمل المستحبات.

و لكن أورد عليه: بأن الظاهر من ثبوت الموضوع شرعا و نفيه كذلك هو ثبوت الحكم أو نفيه عنه، و عليه: فيدل «الميسور لا يسقط بالمعسور» على ثبوت حكمه مطلقا وجوبا كان أم مستحبا، فتجري قاعدة الميسور في المستحبات بلا عناية و تكلف، و ضمائر «سقوطه، بنفسه، بقائه» راجعة على الميسور.