دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الأولى)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
121 /
63

الدليل على أنّ الإطلاق يدل على الشمول:

هو قرينة الحكمة

و هي أنّ ظاهر حال المتكلم أنّه يكون في مقام بيان تمام مراده بكلامه،

فإذا أراد القيد فلا بد أن يذكره، فإذا لم يذكر القيد نعرف أنّ القيد غير داخل في مراده، و بهذا الاستدلال نستكشف الإطلاق من السكوت و عدم ذكر القيد.

4- أدوات العموم:

التعريف:

أداة العموم: هي الأداة التي تدخل على الكلمة و تفيد عموم الكلمة و شمولها، و هي موضوعة في اللغة لذلك.

مدخول الأداة:

هو اللفظ الذي تدخل عليه الأداة و تجعله عامّاً.

مثال:

كلّ في قولنا:

أَكْرِمْ كُلَّ جار

التدليل على العموم:

يتم بإحدى طريقتين:

64

أ- طريقة سلبية:

و هى الإطلاق أي ذكر الكلمة بدون قيد.

ب- طريقة إيجابية:

و هي استعمال أداة العموم، نحو: كلّ، جميع، كافة، و غيرها.

سؤال:

هل صيغة الجمع المعرف باللام من أدوات العموم أم لا؟

الجواب:

اختلف الأصوليون على رأين:

أ- إن صيغة الجمع المعرف باللام من أدوات العموم مثل «كلّ».

مثال:

أي جمع مثل «فقهاء» حيث يقول المتكلم «الفقهاء» ليدل على العموم.

ب- إن صيغة الجمع المعرف باللام ليست من أدوات العموم، و إنما نفهم العموم من‏ الإطلاق و تجرد الكلمة عن القيود، فلا فرق بين:

أكرم الفقهاء و أكرم الفقيه‏

حيث نفهم منهما الشمول بسبب الإطلاق.

65

5- أداة الشرط:

مثال:

إذا زالت الشَّمسُ فَصَلِ‏

إذا أحرمت للحج فلا تتطَيّبْ‏

ملاحظات:

أ- الجملة التي تدخل عليها أداة الشرط تسمى الجملة الشرطية.

ب- الجملة الشرطية تربط بين جملتين: جملة الشرط و جملة الجزاء.

بخلاف الجمل الاخرى فإنها تربط كلمة بأخرى مثل ربط الخبر بالمبتدإ في القضية الحملية.

ج--- تتحول كل من الجملتين بسبب الربط الشرطي من جملة تامة إلى جملة ناقصة، و تكون الجملة التامة هي الجملة الشرطية بكاملها.

المثال السابق:

الشرط: زوال الشمس، و الإحرام للحج.

المشروط: مدلول جملة «صَلِّ» «لا تتطيّب».

66

بما أن مدلول صيغة الأمر هو الوجوب.

بما أن مدلول صيغة النهي هو الحرمة.

إذن:

الحكم الشرعي مشروط بالزوال أو الإحرام، أي: الحكم الشرعي مُقَيَّد بهما.

بما أن المُقَيَّد ينتفي إذا انتفى قيده.

النتيجة:

أداة الشرط تدل على انتفاء الحكم الشرعي عند انتفاء الشرط.

المثال السابق:

تدل الجملة الشرطية على:

عدم وجوب الصلاة قبل الزوال‏

و عدم حرمة التطيب في حالة عدم الإحرام‏

المنطوق و المفهوم:

أ- المنطوق:

هو المدلول الإيجابي للجملة الشرطية، و هو ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط.

67

ب- المفهوم:

هو المدلول السلبي للجملة الشرطية، و هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و يسمى ب-- «مفهوم الشرط».

الجملة ذات المفهوم:

هي الجملة التي لها مدلول سلبي.

القاعدة العامة:

إن كلّ أداة لغوية تدل على تقييد الحكم و تحديده لها مدلول سلبي إذ تدل على انتفاء الحكم خارج نطاق الحدود التي تضعها للحكم.

تطبيقات للقاعدة العامة:

أ- أداة الشرط.

ب- أداة الغاية.

مثال:

صُمْ حتى تغيبَ الشمسُ‏

صُمْ: فعل أمر يدل على الوجوب‏

حتى: أداة غاية تضع حدّاً و غاية و قيداً للوجوب، فتدل على:

انتفاء وجوب الصوم بعد مغيب الشمس.

و هذا هو: مفهوم الغاية.

68

سؤال:

هل للوصف مفهوم أم لا؟

الجواب:

مثال:

العادل في قولنا: أكرم الفقير العادل إن العادل ليس قيداً للحكم، بل هو وصف و قيد للفقير الذي هو موضوع الحكم، و ما دام أن التقييد لا يعود إلى الحكم مباشرة فلا دلالة له على المفهوم، فالقيد في المثال لا يدل على أنه:

لا تكرم الفقير غير العادل‏

إذن:

لا يوجد مفهوم للوصف.

69

1- الدليل الشرعي‏

أ- الدليل الشرعي اللفظي‏

حجية الظهور

ملاحظة:

المهم في الدليل الشرعي تحديد المدلول التصديقي لنعرف ما ذا أراد الشارع به.

سؤال:

كيف نستطيع أن نعيّن مراد المتكلم من اللفظ؟

الجواب:

تعيين مراد المتكلم يتم عن طريق الاستعانة بظهورين:

أ- في مرحلة الدلالة التصورية:

و هنا يوجد ظهور اللفظ في معنى معين.

70

تعريف الظهور:

سرعة انسباق المعنى إلى تصور الإنسان عند سماع اللفظ من غيره من المعاني، فيكون هو أقرب المعاني إلى اللفظ لغة.

ب- في مرحلة الدلالة التصديقية:

و هنا يوجد ظهور حال المتكلم في أن ما يريد مطابق لظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصورية أي أنه:

يريد أقرب المعاني إلى اللفظ لغة.

و هذا يسمى ب--:

ظهور التطابق بين مقام الإثبات (المدلول التصديقي) و مقام الثبوت (المدلول التصوري).

الظهور حجة:

المقرر في علم الأصول أن:

ظهورُ حال المتكلم في إرادة أقرب المعاني إلى اللفظ حجة.

معنى حجية الظهور:

اتخاذ الظهور أساساً لتفسير الدليل اللفظي.

أصالة الظهور:

يطلق على حجية الظهور «أصالة الظهور» لأنها تجعل الظهور

71

هو الأصل لتفسير الدليل اللفظي.

دليل حجية الظهور:

يتكون من مقدمتين:

المقدمة الأولى:

سيرة الصحابة و أصحاب الأئمة (عليهم السلام) قائمة على العمل بظواهر الكتاب و السنة.

المقدمة الثانية:

سكوت و عدم ردع المعصوم (عليه السلام) عن العمل بظواهر الكتاب و السنة مما يدل على صحّتها شرعاً.

و بذلك يثبت إمضاء الشارع للسيرة القائمة على العمل بالظهور، و هو معنى حجية الظهور شرعاً.

ملاحظة:

سيأتي فيما بعد أن السيرة العقلائية دليل كان على حجية الظهور.

تطبيقات حجية الظهور على الأدلة اللفظية:

الحالة الأولى:

أن يكون للفظ معنى واحد:

يعتبر الدليل صريحاً و نصّاً في معناه حيث إن المتكلم أراد

72

هذا المعنى لأن ظاهر حاله يدل على هذا.

الحالة الثانية:

أن يكون للفظ معان متعددة متكافئة في علاقتها باللفظ:

يعتبر الدليل مُجْمَلًا حيث لا يمكن تعيين مراد المتكلم من اللفظ إذ لا

يوجد معنى أقرب إلى اللفظ، و مثاله: اللفظ المشترك.

الحالة الثالثة:

أن يكون للفظ معان متعددة و أحدها أقرب إلى اللفظ من سائر معانيه:

مثال:

كلمة «البحر» التي لها معنيان:

معنى حقيقي قريب: هو البحر من الماء.

و معنى مجازي بعيد: هو البحر من العلم.

إذا قال الآمر: اذهب إلى البحر في كل يوم، فما ذا يريد المتكلم: المعنى الحقيقي أو المجازي؟

علينا هنا:

أن ندرس «السِّياق» الذي جاءت فيه كلمة البحر.

تعريف السِّياق:

هو كلّ ما يكشف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى، و الدوال على نوعين:

73

أ- قرينة لفظية:

و هي الكلمات الأخرى في العبارة.

ب- قرينة حالية:

و هي الظروف و الملابسات التي قيلت فيها العبارة.

تحديد معنى اللفظ:

أ- إذا لم نجد في السياق ما يدل على خلاف المعنى الظاهر نفسر «البحر» على أساس‏ المعنى اللغوي الأقرب و هو: البحر من الماء.

ب- إذا وجدنا في السياق «قرينة لفظية أو حالية» دلت على خلاف المعنى الظاهر نفسر «البحر» على أساس المعنى اللغوي البعيد، و هو: البحر من العلم إذا قال الآمر: اذهب إلى البحر في كل يوم و استمع إلى حديثه في اهتمام.

و يطلق على كلمة «حديثه» في المثال اسم «القرينة» لأنها دلت على الصورة الكاملة للسياق و أبطلت ظهور كلمة «البحر».

القرينة المتصلة و المنفصلة:

1- القرينة المتصلة:

هي كل ما يتصل بكلمة أخرى فيبطل ظهورها و يوجه المعنى للسياق الوجهة التي تنسجم معه.

74

ذي القرينة:

هو الكلمة التي يبطل ظهورها بسبب القرينة.

مثال:

اذهب إلى البحر و استمع إلى حديثه‏

القرينة المتصلة: حديثه‏

ذي القرينة: البحر.

مثال آخر:

الاستثناء من العام‏

أَكْرِمْ كلّ فقير إلّا الفساق‏

كلّ: ظاهرة في العموم لغة.

الفساق: تتنافى مع العموم.

إذن: أداة الاستثناء قرينة متصلة على المعنى العام للسياق، و المعنى هنا:

أكرم الفقير العادل‏

و لا تكرم الفقير الفاسق‏

2- القرينة المنفصلة:

هي كل ما لا يتصل بكلمة أخرى و لكنه يبطل ظهورها و يوجه المعنى العام للسياق الوجهة التي تنسجم معه.

75

مثال:

يقول الآمر: أكرم كلّ فقير

ثم يقول في حديث آخر بعد ساعة:

لا تكرم فساق الفقراء

فهذا النهي قرينة منفصلة على أنه لا يريد إكرام كل الفقراء، و إنما يريد إكرام الفقراء العدول فقط.

قاعدة أصولية:

ظهورُ القرينة مقدَّمٌ على ظهور ذي القرينة سواء كانت القرينة متصلة أم منفصلة.

76

1- الدليل الشرعي‏

أ- الدليل الشرعي اللفظي‏

إثبات الصدور

طرق اثبات صدور الدليل الشرعي من العصوم (عليه السلام):

الطريق الأول: التواتر:

التواتر: يحصل إذا نقل الكلام عدد كبير من الرواة.

كيفية حصول اليقين من التواتر:

كل خبر من هذا العدد الكبير يشكل احتمالًا للقضية و قرينة لإثباتها، و بتراكم الاحتمالات و القرائن يحصل اليقين بصدور الكلام.

حجية التواتر:

قائمة على اساس إفادته للعلم و اليقين، و لا تحتاج حجيته إلى جعل و تعبد شرعي.

77

الطريق الثاني: الإجماع و الشهرة:

تعريف الإجماع:

هو اتفاق جميع الفقهاء على فتوى.

تعريف الشهرة:

هي اتفاق أكثر الفقهاء على فتوى.

كيفية الاستدلال بهما:

الإجماع و الشهرة طريقان لاكتشاف وجود الدليل اللفظي.

حجية الإجماع و الشهرة:

الإجماع و الشهرة حجة إذا حصل العلم و اليقين بالدليل الشرعي بسببهما، و يجب الأخذ بهما في عملية الاستنباط، و يحصل العلم عن طريق تراكم الاحتمالات و القرائن على وجود دليل لفظي مسبق.

و إذا لم يحصل العلم بسببهما فلا اعتبار لهما لأنهما لا يفيدان إلّا الظن، و لا دليل على حجية هذا الظن، و الأصل في الظن عدم الحجية.

الطريق الثالث: سيرة المتشرعة:

التعريف:

سيرة المتشرعة: هي السلوك العام للمتدينين في عصر

78

المعصومين (عليهم السلام).

كيفية الاستدلال:

السلوك العام الذي يتبعه المتدينون في عصر التشريع من المؤكد أنه لم ينشأ من خطأ أو غفلة أو تسامح، فالسلوك العام لا بد أن يكون مستنداً إلى بيان شرعي، و إذا تراكمت الاحتمالات و تجمعت القرائن و أدت إلى الجزم و اليقين بالبيان الشرعي فتكون سيرة المتشرعة حجة و إلّا فلا.

ملاحظة:

هذه الطرق الثلاث مبنية على تراكم الاحتمالات و تجمع القرائن.

الطريق الرابع: خبر الواحد الثقة:

تعريف خبر الواحد:

هو كل خبر لا يفيد العلم و اليقين.

حجية خبر الواحد:

إذا كان المخبر ثقة كان خبره حجة و إلّا فلا.

ثبوت الحجية:

هذه الحجية ثابتة شرعاً لا عقلًا لأنها لا تقوم على أساس حصول القطع، بل على أساس أمر الشارع باتباع خبر الثقة، و ذلك‏

79

من عدة أدلة تأتي في الحلقة الثانية.

أدلة حجية خبر الثقة:

1- آية النبأ:

قوله تعالى: «يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا» (الحجرات/ 6)

كيفية الاستدلال بالآية:

الجملة الشرطية: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا

المنطوق: وجوب التبين عند مجي‏ء الفاسق بالنبإ

المفهوم: عدم وجوب التبين عند مجي‏ء غير الفاسق بالنبإ

إذن:

يستفاد من الآية حجية خبر العادل الثقة.

2- سيرة المتشرعة و سيرة العقلاء:

العقلاء و المتشرعة يتكلون على خبر الثقة، و نستكشف من سيرة

المتشرعة و الرواة أن حجيته متلقاة من الشارع.

80

- الدليل الشرعي‏

ب- الدليل الشرعي غير اللفظي‏

التعريف:

الدليل الشرعي غير اللفظي:

هو كل ما يصدر من المعصوم مما له دلالة على الحكم الشرعي و ليس من نوع الكلام، و يشمل فعل المعصوم و تقريره.

فعل المعصوم:

أ- إذا أتى المعصوم بفعل دلّ على جوازه.

ب- إذا ترك المعصوم فعلًا دلّ على عدم وجوبه.

ج--- إن أوقع المعصوم الفعل بعنوان كونه طاعة لله تعالى دلّ على المطلوبية.

ملاحظة:

يثبت صدور تصرف المعصوم بنفس طرق ثبوت الدليل الشرعي اللفظي.

81

تقرير المعصوم:

هو سكوت و عدم ردع المعصوم عن تصرف يواجهه، و هو يدل على الإمضاء و الارتضاء.

أنواع التصرف الذي يواجهه المعصوم:

أ- تصرف شخصي فردي:

مثال:

توضأ إنسان أمام الإمام (عليه السلام) فمسح منكوساً و سكت الإمام.

ب- تصرف نوعي أو السيرة العقلائية:

هي عبارة عن ميل عام عند العقلاء نحو سلوك معين دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل، فهذا السلوك لا يكون نتيجة لبيان شرعي، بل نتيجة عوامل و مؤثرات أخرى تتكيّف وفقاً لها ميول العقلاء و تصرفاتهم.

مثال:

الأخذ بظهور كلام المتكلم.

الأخذ بخبر الثقة.

اعتبار الحيازة سبباً لتملك المباحات الأولية.

82

الفرق بين سيرة المتشرعة و السيرة العقلائية:

سيرة المتشرعة:

تكشف عن الدليل الشرعي كشف المعلول عن العلّة، فهي طريق من طرق كشف الدليل الشرعي لأنها تكون عادة وليدة البيان الشرعي.

السيرة العقلائية:

لا تكشف عن الدليل الشرعي كشف المعلول عن العلة، لان الدين ليس من عوامل‏ تكوين ميل العقلاء، و إنما تدل على الحكم الشرعي عن طريق دلالة التقرير.

ملاحظة:

كان دليل حجية الظهور كما ذكر سابقاً سيرة المتشرعة، و الدليل الثاني هو السيرة العقلائية، فالعقلاء يأخذون بظهور كلام المتكلم، و لم يردع المعصوم (عليه السلام) مع معاصرته لها، و عدم ردعه يكشف عن الرضا بذلك السلوك و إمضائه شرعاً.

83

2- الدليل العقلي‏

دراسة العلاقات العقلية:

1- العلاقات العقلية بين الأشياء في عالم التكوين:

يدرس العقل العلاقات بين الأشياء التكوينية و يكشف وجود الشي‏ء أو عدمه، و من هذه العلاقات:

أ- علاقة التضاد:

مثال:

يدرك العقل علاقة التضاد بين السواد و البياض، فيستطيع أن يثبت عدم السواد في جسم إذا عرف أنّه أبيض بسبب استحالة اجتماع المتضادين في جسم واحد.

ب- علاقة التلازم بين السبب و المسبَّب:

مثال: يدرك العقل علاقة التلازم بين النار و الحرارة، فيستطيع‏

84

أن يثبت وجود الحرارة إذا عرف بوجود النار بسبب استحالة الانفكاك بين السبب و المسبَّب.

ج--- علاقة التقدم و التأخر في الدرجة بين السبب و المسبَّب:

مثال:

يدرك العقل علاقة التقدم و التأخر بين حركة اليد و حركة المفتاح لا من ناحية زمنية لأنهما تقعان في زمان واحد، بل من ناحية تسلسل الوجود، و يسمى هذا التأخير ب-- «التأخر الرتبي»، لذلك نقول: «حركت يدي فتحرك المفتاح» حيث نستعمل حرف الفاء الذي يدل على تأخر حركة المفتاح، و يستطيع العقل هنا أن يكتشف عدم وجود حركة المفتاح قبل حركة اليد لأن تقدم المتأخر يناقض كونه متأخراً.

2- العلاقات العقلية بين الأحكام في عالم التشريع:

يدرك العقل العلاقات بين الأحكام الشرعية فيستطيع الكشف عن وجود حكم أو عدمه.

مثال:

التضاد بين الوجوب و الحرمة:

يدرك العقل علاقة التضاد بينهما فيستخدمها لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنه حرام.

85

من وظائف علم الأصول:

دراسة العلاقات في عالم الأحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لأن تكون عناصر مشتركة في عملية الاستنباط.

تقسيم البحث:

أقسام العلاقات في العالم التشريعي:

1- العلاقات بين الأحكام.

2- العلاقات بين الحكم و موضوعه.

3- العلاقات بين الحكم و مُتَعَلَّقه.

4- العلاقات بين الحكم و مقدماته.

5- العلاقات في داخل الحكم الواحد.

6- العلاقات بين الحكم و أشياء خارجة عن العالم التشريعي. هذا القسم يؤجل إلى الحلقة المقبلة.

العلاقات القائمة بين نفس الأحكام‏

علاقة التضاد بين الوجوب و الحرمة:

الحالة الأولى: الفعلان المتعددان:

ليس من المستحيل أن يأتي المكلف بفعلين في وقت واحد أحدهما واجب و الآخر حرام.

86

مثال:

يشرب المكلف الماء النجس، و يدفع الزكاة إلى الفقير في نفس الوقت.

الحالة الثانية: الفعل الواحد:

لا يمكن أن يتصف الفعل الواحد بالوجوب و الحرمة معاً لأن العلاقة بينهما هي التضاد.

مثال:

دفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون- و هو واجب- حراماً في نفس الوقت.

الحالة الثالثة: الفعل الواحد بالذات و الوجود المتعدد بالوصف و العنوان:

و هذه الحالة هي المهمة في بحث الأصوليين.

مثال: الوضوء بماء مغصوب‏

من حيث الوجود: هو شي‏ء واحد.

من حيث العنوان: هو شيئان: وضوء و غصب.

سؤال:

فهل يلحق بالفعل الواحد أو بالفعلين؟

87

الجواب:

يوجد قولان للأصوليين:

القول الأوّل: امتناع اجتماع الأمر و النهي:

تلحق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية، و لا يكفي تعدد العنوان، لذلك لا يمكن أن توصف بالوجوب و الحرمة في نفس الوقت.

دليل القول الأول:

الأحكام و إن كانت تتعلق بالعناوين و الصور الذهنية، لكنها تتعلق بالصور بما هي معبرة و حاكية عن الواقع الخارجي و مرآة له، لأن المولى لا يريد الصورة بما هي صورة، و الواقع الخارجي واحد، فيستحيل أن يجتمع عليه‏

الوجوب و الحرمة في نفس الوقت.

القول الثاني: جواز اجتماع الأمر و النهي:

تلحق العملية بالفعلين المتعددين لأنها متعددة بالوصف و العنوان، فيوجد حكمان هنا: الوجوب لوصف، و الحرمة للوصف الآخر.

دليل القول الثاني:

الأحكام تتعلق بالعناوين و الصور الذهنية لا بالواقع الخارجي مباشرة لأن الأحكام أشياء اعتبارية تقوم في نفس الحاكم.

88

النتيجة:

إن تعدد العناوين و إن كان ناتجاً عن تعدد الواقع الخارجي و كاشفاً عن تكثر الوجود جاز أن يتعلق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر، و إن كان مجرد تعدد في عالم العناوين و الصور الذي هو الذهن فلا يسوغ ذلك.

هل تسلتزم الحرمة البطلان؟

1- عدم استلزام الحرمة البطلان في المعاملات:

معنى صحة العقد:

هي أن يترتب عليه أثره الذي اتفق عليه المتعاقدان.

مثال:

صحة البيع تعني نقل الثمن و المثمن.

ملاحظة:

لا يمكن أن يكون العقد صحيحاً و باطلًا في وقت واحد لأن بينهما علاقة التضاد.

سؤال:

هل يمكن أن يكون العقد صحيحاً و حراماً في وقت واحد؟

89

الجواب:

نعم، يمكن ذلك لأنه لا تضاد بين الصحة و الحرمة و لا تلازم بين الفساد و الحرمة، و لا تنافي بين كون البيع مبغوضاً للشارع و بين ترتب الأثر في حالة صدوره من المكلف.

مثال شرعي:

الظهار فإنه حرام شرعاً، و لكنه لو وقع لترتب عليه أثره.

مثال عرفي:

يبغض شخص زيارة فلان، و لكن لو زاره لترتب الأثر و قام بضيافته.

النتيجة:

النهي عن المعاملة لا يقتضي فسادها خلافاً لبعض الأصوليين القائلين بأن النهي عن المعاملة يقتضي بطلانها.

2- استلزام الحرمة البطلان في العبادات:

التحريم يقتضي بطلان العبادة لأن العبادة المحرمة لا يمكن قصد التقرب بها لأن التقرب بالمبغوض و المعصية غير ممكن فتقع باطلة، فالعبادة لا تقع صحيحة إلّا إذا أتى بها المكلف على وجه قربي.

90

العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه‏

الجعل و الفعلية:

1- جعل الحكم:

هو ثبوت الحكم في الشريعة أي تشريعه من قبل الله تعالى.

مثال:

ثبوت وجوب الحج في الشريعة بقوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلًا (1) (آل عمران/ 97)

فالحج من واجبات الإسلام حتى لو لم يوجد مستطيع واحد.

2- فعلية الحكم أو المجعول:

هي ثبوت الحكم فعلًا على المكلف.

مثال:

إذا استطاع أحد المسلمين الذهاب إلى الحج اتجه الوجوب إليه و ثبت بالنسبة إليه دون غيره، فالحكم صار فعلياً في حقه.

موضوع الحكم:

التعريف:

موضوع الحكم: هو مجموع الأشياء التي تتوقف عليها فعلية

____________

(1) آل عمران 97

91

الحكم.

مثال:

وجود المكلف المستطيع موضوع لوجوب الحج.

وجود الهلال و عدم السفر و عدم المرض عناصر موضوع وجوب الصوم.

العلاقة بين الحكم و الموضوع:

فعلية الحكم تتوقف على فعلية الموضوع‏

أي: وجود الحكم فعلًا يتوقف على وجود موضوعه فعلًا.

فالحكم يكون متأخراً رتبة عن الموضوع كما يتأخر المسبَّب عن سببه في الرتبة كالحرارة و النار.

من نتائج هذه العلاقة:

1- لا يمكن أن يكون موضوع الحكم مسبَّباً عن الحكم.

مثال:

بما أن العلم بالحكم مسبَّب عن الحكم لأن العلم بالشي‏ء فرع الشي‏ء المعلوم.

إذن: فلا يمكن أن يكون العلم بالحكم موضوعاً للحكم لأنه يؤدي إلى الدور.

فيمتنع أن يقول الشارع:

أحكم بهذا الحكم على من يعلم بثبوته.

92

2- لا يمكن أن يكون الحكم داعياً إلى إيجاد موضوعه و محركاً للمكلف نحوه.

مثال:

وجوب الحج على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلف أن يكتسب ليحصل على الاستطاعة.

وجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر و لا مريض لا يمكن أن يفرض‏

على المكلف أن لا يسافر.

سبب ذلك:

إنّ الحكم لا يوجد إلّا بعد وجود موضوعه، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكي‏ يكون داعياً إلى إيجاد موضوعه.

قاعدة أصولية:

إن كل حكم يستحيل أن يكون محرِّكاً نحو أي عنصر من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه.

العلاقات القائمة بين الحكم و متعلقه‏

تعريف متعلَّق الحكم:

هو الفعل الذي يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الحكم إليه.

مثال:

قول الشارع: يجب الصوم‏

93

متعلق الحكم: الصوم‏

العلاقة بين الحكم و المتعلَّق:

الحكم سبب لإيجاد المتعلَّق وداع للمكلف نحوه.

قاعدة أصولية:

إن كل حكم يستحيل أن يحرِّك نحو موضوعه، بل يقتصر تأثيره و تحريكه على المتعلق.

العلاقات القائمة بين الحكم و المقدمات‏

أقسام المقدمات:

المقدمات التي يتوقف عليها وجود الواجب على قسمين:

1- مقدمات الوجوب.

2- مقدمات المتعلَّق (الواجب).

1- مقدمات الوجوب:

التعريف:

هي المقدمات التي تدخل في تكون موضوع الوجوب.

مثال:

صوم شهر رمضان يتوقف على نية الإقامة.

94

حجة الإسلام تتوقف على الاستطاعة.

ملاحظات:

أ- وجود الوجوب يتوقف على وجود كل مقدمة تدخل في تكوين موضوع الوجوب لأن وجود الحكم الشرعي يتوقف على وجود موضوعه.

مثال:

الاستطاعة مقدمة لحجة الإسلام‏

و التكسب مقدمة للاستطاعة

و ذهاب الشخص إلى محله في السوق مقدمة للتكسب‏

فلا وجود للحج قبل الاستطاعة و قبل الأمور التي تتوقف عليها

الاستطاعة.

ب- توجد سلسلة لمقدمات الوجوب كما في المثال، و هي الاستطاعة و التكسب و الذاهب إلى السوق، و موقف الوجوب من هذه المقدمات سلبي دائماً لأن الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى إيجاد موضوعه.

2- مقدمات المتعلَّق (الواجب):

التعريف:

هي المقدمات التي يتوقف عليها وجود المتعلَّق.

95

مثال:

أداء الحج يتوقف على السفر

الصلاة تتوقف على الوضوء

الجهاد يتوقف على التسلح‏

ملاحظات:

أ- الحكم يوجد قبل وجود مقدمات المتعلَّق لأنها لا تدخل في موضوع الحكم.

مثال:

وجوب الصلاة يتجه إلى المكلف قبل أن يتوضأ، فوجوب الصلاة لا يتوقف على الوضوء.

أمّا الصلاة و هو الواجب و المتعلَّق فيتوقف على الوضوء، و الوضوء يتوقف على تحضير الماء، و تحضير الماء يتوقف على فتح خزان الماء.

ب- سلسلة مقدمات المتعلَّق كما في المثال يكون المكلف مسئولًا عن‏

إيجادها.

مثال:

المكلف بالصلاة مسئول عن الوضوء لكي يصلي.

المكلف بالحج مسئول عن السفر لكي يحج.

96

المكلف بالجهاد مسئول عن التسلح لكي يجاهد.

ج--- ما هو نوع المسئولية في مقدمات المتعلق؟

قدم الأصوليون تفسيران:

التفسير الأول:

الواجب شرعاً على المكلف هو الصلاة فقط، أما الوضوء و غيره من المقدمات فإن المكلف مسئول عن إيجادها عقلًا لأن امتثال الواجب لا يتأتى إلّا بإيجاد تلك المقدمات.

التفسير الثاني:

الوضوء واجب شرعاً لأنه مقدمة للواجب، و مقدمة الواجب واجبة شرعاً حيث يوجد واجبان:

أ- الواجب النفسي:

هو الذي يكون واجباً لأجل نفسه، كالصلاة.

ب- الواجب الغيري:

هو الذي يكون واجباً لأجل غيره، أي لأجل ذي المقدمة، كالوضوء.

سبب التفسير الثاني:

وجود علاقة تلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فكلما حكم‏

الشارع بوجوب فعل حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب‏

97

مقدماته.

إشكال الشهيد على التفسير الثاني:

حكم الشارع بوجوب المقدمة لغو، فيستحيل ثبوته.

توضيح الإشكال:

إن أراد الشارع بوجوب المقدمة إلزام المكلف بها فهذا حاصل بدون وجوبها، فالعقل يدرك مسئولية المكلف تجاه المقدمة لأن الفعل المتوقف عليها واجب.

العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد

قد يتعلق الوجوب بفعل بسيط أو بفعل مركب.

تعلق الوجوب بفعل بسيط:

و ذلك إذا تعلق الوجوب بشي‏ء واحد، مثل: وجوب السجود على كل من سمع آية السجدة.

تعلق الوجوب بفعل مركب:

و ذلك إذا تعلق الوجوب بعملية تتألف من أجزاء و أفعال متعددة.

مثال:

الصلاة تتألف من القراءة و السجود و الركوع و القيام و التشهد ...

98

. الوجوب الاستقلالي:

هو وجوب الفعل المركب.

الوجوب الضمني:

هو وجوب كل جزء من العملية المركبة، و وجوب الجزء ليس حكماً مستقلًا، بل هو جزء ضمن الوجوب الاستقلالي، و وجوب كل جزء مرتبط بوجوب الأجزاء الأخرى لأن الوجوبات الضمنية تشكل بمجموعها وجوباً واحداً استقلالياً.

ثمرة الوجوب الاستقلالي:

هي سقوط الوجوب الاستقلالي عند التعذر دون أن يؤدي إلى سقوط الوجوبات الاستقلالية الأخرى لعدم ارتباطها به.

مثال:

وجوب الوضوء بوجوب استقلالي، و وجوب الدعاء بوجوب استقلالي آخر.

ثمرة الوجوب الضمني:

هي قيام علاقة التلازم بين الوجوبات الضمنية داخل إطار الحكم الواحد، فإذا سقط واحد منها سقط الباقي.

مثال:

إذا سقط الوجوب الضمني بغسل الوجه- لمرض مثلًا-

99

سقطت الوجوبات الضمنية الأخرى في الوضوء من غسل اليد اليمنى و اليسرى و مسح الرأس و القدمين، و بالتالي يسقط الوجوب الاستقلالي و هو الوضوء.

إشكال:

الأخرس عاجز عن القراءة فيكلف بالصلاة بدون قراءة مع أن ذلك يجب أن يؤدي إلى سقوط الصلاة.

رد الإشكال:

وجوب الصلاة سقط هنا لتعذر القراءة و جاء وجوب آخر و خطاب جديد بالصلاة الصامتة.

100

النوع الثاني الأصول العملية

تمهيد:

في الأصول العملية تدرس العناصر المشتركة في حالة عدم حصول الفقيه على دليل يدل على الحكم الشرعي و بقاء الحكم مجهولًا، فيحاول الفقيه تحديد الموقف العملي تجاه الحكم المشكوك بدلًا عن اكتشاف نفس الحكم، فيسأل: هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول أو لا؟

1- القاعدة العملية الأساسية

مقدمة:

ما هو المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع؟ و هل يفرض هذا المصدر علينا الاحتياط في حالة الشك و عدم وجود دليل على‏

101

الحرمة أو لا؟

الجواب:

المصدر هو العقل لأن الإنسان يدرك بعقله أن لله سبحانه حق الطاعة على عبيده.

سؤال:

ما هي حدود حق الطاعة الذي يدركه العقل؟ هل يشمل التكاليف المعلومة فقط أو يشمل التكاليف المحتملة أيضاً بمعنى ترك الانسان لما يحتمل حرمته و فعل ما يحتمل وجوبه، أي أنه يحتاط.

رأي الشهيد: أصالة الاحتياط العقلي:

الأصل في كل تكليف محتمل هو الاحتياط، فالعقل يدرك أن حق الطاعة للمولى على الإنسان يكون في التكاليف المعلومة و التكاليف المحتملة إلّا إذا ثبت بالدليل أن الشارع يرضى بترك الاحتياط.

و يسمى وجوب الاحتياط العقلي بأصالة الاحتياط أو أصالة الاشتغال أي اشتغال ذمة الإنسان بالتكليف المحتمل.

إذن:

القاعدة العملية الأساسية عند الشهيد هي: أصالة الاحتياط.

102

أصالة البراءة العقلية أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

يقول كثير من الأصوليين بهذه القاعدة و يقولون بأنّ العقل يحكم بأن الأصل هو عدم مسئولية المكلف عن التكاليف المشكوكة حيث إن العقل يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلف للتكليف الذي لم يصل إليه، لذلك لا يجب على الاحتياط.

دليل قاعة قبح العقاب:

هو سيرة العقلاء حيث إن المولى العرفي لا يدين المكلف في حالة الشك و عدم قيام الدليل.

رد الشهيد:

أ- قبل هذا يجب أن نعرف حدود حق الطاعة الثابت لله تعالى، فإذا كان يشمل التكاليف المشكوكة فلا يكون عقاب المكلف إذا خالفها قبيحاً.

ب- لا ملازمة بين حق الطاعة في الموالي العرفيين الذي يختص بالتكاليف المعلومة، و بين حق الطاعة لله تعالى و الذي يشمل التكاليف المحتملة أيضاً.

النتيجة النهائية:

القاعدة الأولية عند الشهيد هي أصالة الاحتياط العقلي، و عند باقي الأصوليين أصالة البراءة العقلية.

103

2- القاعدة العملية الثانوية

انقلاب القاعدة الأساسية:

انقلبت القاعدة العملية الأساسية بحكم الشارع إلى قاعدة عملية ثانوية هي: أصالة البراءة الشرعية القائلة بعدم وجوب الاحتياط.

دليل البراءة الشرعية:

ورد بيان شرعي أن الشارع لا يهتم بالتكاليف المحتملة، بل يرضى بترك الاحتياط، من هذه الأدلة:

أ- قول النبي (صلى الله عليه و آله): «رفع عن أمتي ما لا يعلمون».

ب- قوله تعالى: «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (1) الإسراء/ 15

تدل الآية على أنّه لا عقاب بدون بيان لأن الرسول مثال للبيان و الدليل.

موارد البراءة الشرعية:

1- الشبهة الحكمية:

هي الشك في الجعل حيث يشك المكلف في التكليف و يكون منشأ الشك عدم وضوح أصل جعل الشارع للتكليف سواء كانت‏

____________

(1) الاسراء 15

104

الشبهة وجوبية عند الشك في الوجوب أم تحريمية عند الشك في الحرمة.

مثال:

الشك في وجوب صلاة العيد أو حرمة التدخين.

2- الشبهة الموضوعية:

هي الشك في المجعول حيث يشك المكلف في التكليف و يكون منشأ الشك عدم العلم بتحقق موضوع التكليف.

مثال:

الشك في وجوب الحج لعدم العلم بتوفر الاستطاعة مع وجود العلم بجعل الشارع وجوب الحج على المستطيع.

ملاحظة:

تشمل البراءة الشرعية هذين الموردين لأن النص النبوي مطلق غير مقيد بمورد خاص.

3- قاعدة منجزية العلم الإجمالي‏

تمهيد:

توجد لدينا ثلاث حالات:

الحالة الأولى: العلم التفصيلي:

لا يوجد عندك تردّد أو غموض.

105

مثال عرفي:

تعلم أن أخاك الأكبر قد سافر إلى مكة.

مثال شرعي من الشبهة الحكمية:

وجوب صلاة الصبح معلوم تفصيلًا.

مثال شرعي من الشبهة الموضوعية:

تعلم تفصيلًا بوقوع قطرة دم في هذا الإناء.

الحالة الثانية: العلم الإجمالي:

يوجد في نفسك عنصران مزدوجان:

عنصر وضوح، و عنصر خفاء.

مثال عرفي:

تعلم أن أحد أخويك: الأصغر أو الأكبر قد سافر فعلًا إلى مكة، و تشك في أنه أي منهما هو الذي سافر فعلًا.

مثال شرعي من الشبهة الحكمية:

لديك علم إجمالي بوجوب أحد صلاتين في يوم الجمعة: صلاة الظهور أو صلاة الجمعة.

مثال شرعي من الشبهة الموضوعية:

تعلم إجمالًا بوقوع قطرة في أحد الإناءين اللذين أمامك.

أطراف العلم الإجمالي:

في المثال السابق أطراف العلم الإجمالي: سفر الأخ الأكبر

106

و سفر الأخ الأصغر أو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة.

و أفضل صيغة لغوية للعلم الإجمالي هي أن تستعمل صيغة «إما و إما» فتقول: سافر إمام أخي الأكبر و إما أخي الأصغر.

الحالة الثالثة: الشك الابتدائي أو البدوي أو الساذج:

هو شك محض غير ممتزج بعلم.

مثال عرفي:

تشك في سفر أخويك و لا تعلم أنه هل سافر منهما إلى مكة أو لا.

مثال شرعي من الشبهة الحكمية:

وجوب صلاة العيد مشكوك ابتدائي غير مقترن بالعلم الإجمالي.

مثال شرعي من الشبهة الموضوعية:

تشك في أصل وقوع قطرة دم في إناء.

ملاحظة:

القاعدة العملية الثانوية أصالة البراءة الشرعية تطبق في الحالة الثالثة حالة الشك البدوي الذي لم يقترن بالعلم الإجمالي.

سؤال:

هل تجري القاعدة العملية الثانوية في الحالة الثانية حالة العلم‏

107

الإجمالي كما تجري في حالة الشك البدوي؟

منجزية العلم الإجمالي:

العلم الإجمالي مكوّن من:

علم بأحد الأمرين و شك في هذا و شك في ذاك.

مثال:

نعلم بوجوب أحد الأمرين: صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، و نشك في وجوب الظهر كما نشك في وجوب الجمعة.

قاعدة حجية القطع:

تشمل القاعدة العلم الإجمالي، فلا يسمح العقل بترك الأمرين معاً- الظهر و الجمعة- لأنه يؤدي إلى مخالفة العلم بوجوب أحد الأمرين، و العلم حجة عقلًا سواء كان إجمالياً أم تفصيلياً.

رأي الأصوليين:

عدم إمكان انتزاع الحجية من العلم الإجمالي، و استحالة ترخيص الشارع في مخالفته بترك الأمرين معاً، و عدم إمكان تطبيق أصالة البراءة الشرعية على أطراف العلم الإجمالي و إن كانت مشكوكة لأن شمولها للأطراف يؤدي إلى براءة الذمة منها جميعاً، و هذا يتعارض مع حجية القطع بوجوب أحدها.

108

شمول أصالة البراءة لأحد الأطراف ترجيح بلا مرجح:

لأن صلة أصالة البراءة بالأطراف واحدة، و بالتالي يظل كل طرف مندرجاً

ضمن أصالة الاحتياط العقلي.

الموافقة القطعية:

و النتيجة أن الجواب عقلًا في موارد العلم الإجمالي هو الإتيان بكل الأطراف- كالظهر و الجمعة في المثال- و يطلق على الإتيان بالطرفين معا اسم: «الموافقة القطعية» لأن المكلف عند إتيانه بهما معاً يقطع بأنه وافق تكليف المولى.

المخالفة القطعية:

تطلق على ترك الطرفين معاً لأن المكلف يقطع بأنه خالف تكليف المولى.

الموافقة الاحتمالية أو المخالفة الاحتمالية:

تطلق على الإتيان بأحد الطرفين و ترك الآخر لأن المكلف يحتمل أنه وافق تكليف المولى و يحتمل أنه خالفه.

انحلال العلم الإجمالي:

إذا كان لديك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، ثم اكتشفت صدفة نجاسة في أحد الكأسين، فينحل علمك‏

109

الإجمالي إلى علم تفصيلي بأحد الطرفين و شك بدوي في الطرف الآخر، فتجري في العلم التفصيلي قاعدة حجية القطع، و تجري في الشك البدوي أصالة البراءة الشرعية أي القاعدة العملية الثانوية.

موارد التردّد:

قد يخفى أحياناً نوع الشك، فلا يعلم أنّه من الشك الابتدائي‏

لتجري أصالة البراءة الشرعية، أو من الشك الناتج من العلم الإجمالي لتجري أصالة الاحتياط العقلي، و من هذه الموارد:

مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر:

مثال:

يتعلق وجوب شرعي بعملية مركبة من أجزاء كالصلاة، و نعلم باشتمالها على تسعة أجزاء معينة و نشك في اشتمالها على جزء عاشر و لا يوجد دليل يثبت أو ينفي.

آراء الأصوليين في هذه المسألة:

يوجد اتجاهان فيها:

الاتجاه الأول:

وجوب الاحتياط العقلي لأن الشك في العاشر مقترن بالعلم الإجمالي حيث يوجد علم بأن الشارع أوجب مركباً، و يشك أن‏

110

المركبة تسعة أو عشرة.

الاتجاه الثاني:

تطبق القاعدة العملية الثانوية أي أصالة البراءة الشرعية على الجزء العاشر لأن العلم الإجمالي ينحل إلى علم تفصيلي بوجوب التسعة و شك ابتدائي بوجوب العاشر.

رأي الشهيد:

القول بالبراءة عن غير الأجزاء المعلومة المشكوك دخولها ضمن نطاق الوجوب.

4- الاستصحاب‏

معنى الاستصحاب:

حكم الشارع على المكلف بالالتزام عمليّاً بكل شي‏ء كان على يقين منه ثمّ شكّ في بقائه.

معنى الالتزام علميّاً:

ترتيب آثار الحالة السابقة من الناحية العملية.

مثال:

الماء طاهر، فإذا أصابه شي‏ء متنجس نشك في بقاء طهارته، فالاستصحاب يحكم على المكلف بالالتزام عمليّاً بطهارة الماء.

111

ملاحظة:

إذا كانت الحالة السابقة هي الوجوب ثمّ شككنا بهذا الوجوب، فالاستصحاب يقول بأن نتصرف فعلًا كما إذا كان الوجوب باقياً.

دليل الاستصحاب:

صحيحة زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:

«و لا ينقض اليقين بالشك»

الخلاصة:

كل حالة من الشك البدوي يوجد فيها القطع بشي‏ء أو لا، و الشك في بقائه ثانياً يجري فيها الاستصحاب.

شروط الاستصحاب:

1- الحالة السابقة المتيقّنة:

أنواع الاستصحاب:

أ- الاستصحاب الحكمي في الشبهة الحكمية:

أي استصحاب الحكم الشرعي المتيقن سابقاً في الشبهة الحكمية حيث نعلم بجعل الشارع لحكم عام و ثبوته في العالم التشريعي، و لكن لا ندري حدوده و مدى امتداده فنستصحب الحكم السابق.

112

مثال:

استصحاب بقاء طهارة الماء بعد إصابة المتنجس له و الشك في طهارته.

ب- الاستصحاب الموضوعي في الشبهة الموضوعية:

أي استصحاب الموضوع المتيقن سابقاً لحكم شرعي في الشبهة الموضوعية حيث نعلم بوجود شي‏ء من أشياء العالم التكويني و لا ندري باستمراره.

مثال:

استصحاب عدالة الإمام حين الشك في طرو فسقه، و الحكم الشرعي هو جواز الائتمام.

و استصحاب نجاسة الثوب عند الشك في طرو المطهر عليه، و الحكم الشرعي هو عدم جواز الصلاة.

رأيى لأحد المنكرين للاستصحاب الحكمي:

يوجد اتجاه ينكر جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية و يخصه بالشبهة الموضوعية.

دليل هذا الرأي:

المتيقن من صحيحة زرارة هو الاستصحاب في الشبهة الموضوعية حيث كان الشك في الصحيحة الشك في طرو النوم‏