شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
51

المفصل‏

(و ذلك)

أى عدم المحالية

(لعدم لزوم التطويل فيما اذا كان الاتكال على حال أو مقال أتى به لغرض آخر و منع كون الاجمال غير لائق بكلامه تعالى مع كونه)

أى الاجمال‏

(مما يتعلق به الغرض و إلا)

أى و إن لم يكن لائقا بكلامه‏

(لما وقع المشتبه في كلامه و قد اخبر في كتابه الكريم بوقوعه فيه قال اللّه تعالى‏

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏

و ربما توهم)

في مقابل القول بالامتناع‏

(وجوب وقوع الاشتراك في اللغات لأجل عدم تناهي المعاني و تناهي الألفاظ المركبات)

لتركبها من الحروف الهجائية و هي متناهية فما يتركب منها فهو متناه و ان كان كثيرا جدا بحيث يعسر عدّه‏

(فلا بد)

حينئذ في المعاني الغير المتناهية

(من الاشتراك فيها)

أي فى الألفاظ حتى يحصل الوفاء بالمعاني‏

(و هو)

أى التوهم‏

(فاسد لوضوح امتناع الاشتراك فى هذه المعاني)

على تقدير عدم تناهيها

(لاستدعائه)

أى الاشتراك حينئذ

(الاوضاع الغير المتناهية)

و الموجود فى زمان متناه لا يقدر على ذلك للزم الخلف‏

(و لو سلم)

إمكانه بادعاء ان الواضع هو اللّه تعالى‏

(لم يكد يجدي إلا فى مقدار متناه)

من المعاني لا فى جميعها لامتناع استعمال الالفاظ بحسب اوضاع غير متناهية فيصير الوضع فيما زاد على المقدار الممكن استعماله لغوا صرفا

(مضافا الى تناهي المعاني الكلية و جزئياتها و ان كانت غير متناهية إلا أن وضع الالفاظ بإزاء كلياتها يغني عن وضع اللفظ بإزائها)

أى الجزئيات الغير المتناهية

(كما لا يخفى)

فلا حاجة داعية الى الاشتراك‏

(مع أن)

افهام المتكلم للمعاني لا يلزم أن يكون بنحو الاستعمال الحقيقي لمكان‏

(المجاز)

و هو

(باب واسع)

فلا يثبت وجوب الاشتراك و لكن يمكن أن يقال ان غرض القائل هو ثبوت التفاوت بين الألفاظ و المعاني و عدم التسوية بينهما حيث أن ملاك وجوب الاشتراك هو التفاوت و زيادة المعاني و لو كانت متناهية على الالفاظ التي هي متناهية و ذكر عدم التناهي فى الدليل إنما هو لاجل انه فرد جلي من المفاوتة و عدم التسوية لا لاجل خصوصية فيه فحينئذ لا يرد عليه ما سوى الاشكال الاخير و اما هو فمبني على ثبوت العلاقة بين المعاني التي تقع بإزاء الالفاظ و بين المعاني التي تكون زائدا عليها عددا و هو لم يثبت لكن على هذا لا بد من إثبات المفاوتة بينهما بزيادة المعاني على الالفاظ و مجرد دعوى الزيادة لا فائدة لها أصلا

(فافهم)

.

الامر

(الثاني عشر)

(انه قد اختلفوا فى جواز استعمال اللفظ فى أكثر من معنى واحد على سبيل الانفراد و الاستقلال بأن يراد منه كل واحد كما اذا لم يستعمل إلا فيه)

اذا كان الجمع ممكنا بارادتهما فى إطلاق واحد و ان كانا متضادين أو متناقضين نحو رأيت الجون من صفات الجسم و القرء من صفات النساء دون ما لم يمكن إرادتهما مثل افعل بمعنى الايجاب و التهديد بالنسبة الى شي‏ء واحد و قولنا هذا الفرس جون و ليس محل النزاع استعماله فى المجموع من‏

52

حيث المجموع بأن يكون مناط الحكم هو الشخص الواحد الذى هو عبارة عن المجموع فانه لا نزاع فى عدم صحته حقيقة و كذلك فى جوازه مجازا مع تحقق شرائط إطلاق الجزء على الكل أو الكل على الجزء و النسبة بين هذه الصورة و محل النزاع عموم من وجه كالكل الافرادى و المجموعي إذ يجوز أن يكون لكل واحد حكم لا يوجد فى الآخر مع جواز اشتراكهما أيضا كما انه لا نزاع فى إطلاقه و إرادة المسمى فانه يجوز اتفاقا و إنما اختلافهم فى الصورة الاولى‏

(على أقوال)

مذكورة فى الكتب الاصولية المفصلة

(أظهرها عدم جواز الاستعمال فى الأكثر عقلا)

مطلقا

(و بيانه)

يحتاج الى تمهيد مقدمة و هي‏

(ان حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ)

بحسب النطق و جريه على اللسان‏

(علامة لإرادة المعنى)

كي يصح قصد المعاني المتعددة بقصود متعددة مترتبة في الوجود ثم جعل اللفظ علامة عليها

(بل جعله)

أي اللفظ

(وجها و عنوانا له بل)

جعله‏

(بوجه نفسه)

أي نفس المعنى‏

(كأنه)

أي المعنى‏

(هو الملقى)

الى المخاطب، و بالجملة الاستعمال عبارة عن إيجاد المعنى بهذا الوجود اللفظي و انشائه بهذه الصورة بحيث يكون اللفظ وجها من وجوهه‏ (*) و عنوانا و مرآة له بل اللفظ بعينه هو المعنى و متحد معه اتحاد الفاني في المفنى فيه و المرآة في المرئى بها

(و لذا يسري اليه)

أي الى اللفظ

(قبحه)

أي قبح المعنى‏

(و حسنه كما لا يخفى و)

اذا علمت هذه المقدمة فنقول انه على هذا

(لا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك)

اي وجها و عنوانا بل بوجه نفسه كأنه هو الملقى‏

(إلا لمعنى واحد ضرورة أن لحاظه هكذا في إرادة معنى ينافي)

و يعاند

(لحاظه كذلك في إرادة الآخر)

في آن واحد

(حيث أن لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى فانيا)

أي اللفظ

(فيه)

أي في المعنى‏

(فناء الوجه في ذى الوجه و العنوان في المعنون و معه)

أي لحاظ اللفظ كذلك‏

(كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك)

أي فانيا فيه اللفظ

(في استعمال واحد مع استلزامه)

أي استلزام استعمال اللفظ و إرادة معنى آخر معه‏

(للحاظ آخر غير لحاظه)

أولا

(كذلك في هذا الحال)

أي في استعمال واحد

(و بالجملة لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد لحاظه)

أي لحاظ اللفظ

(وجها للمعنيين و فانيا فى الاثنين إلا أن)

ينسلخ اللاحظ عن الفطرة و

(يكون اللاحظ أحول العينين)

نعم لو كان الاستعمال عبارة عن مجرد نصب علامة على المراد بأن أراد المتكلم المعنى أولا من غير ناحية اللفظ ثم جعل اللفظ علامة و قرينة على إرادته لكان هذا الاستعمال بوضوح من الإمكان سواء كان المعنيان حقيقيين أو مجازيين أو مختلفين فعلى الأول حقيقة و على الثاني مجاز و على الثالث حقيقة في الموضوع له و مجاز في غيره ضرورة عدم الغائلة في إرادة المعاني المتعددة بارادات متعددة ثم نصب العلامة

____________

(*) كالكتابة و الاشارة و التلفظ و الخط و النصب منه دام ظله‏

53

على تلك الإرادات المتعددة

(فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقا مفردا كان أو غيره في أكثر من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز)

أو كليهما و هذا البيان من المصنف دليل على ما اخترناه سابقا من كون الدلالة تابعة للارادة فتنبه‏

(و لو لا امتناعه)

أي امتناع الاستعمال من هذا الطريق الذي ذكرناه‏

(فلا وجه)

و لا طريق‏

(لعدم جوازه)

تطمئن به النفس و قد سلك جماعة غير هذا المسلك في إثبات الاستحالة اما مطلقا أو على نحو الحقيقة فقط في المفرد دون المثنى و المجموع أو في خصوص المفرد في الاثبات و النفي أو في خصوص الاثبات فقال بعضهم بالاستحالة في المفرد على نهج الحقيقة مستدلا باعتبار الوحدة في الموضوع له للتبادر و الاستعمال المذكور موجب لالغاء قيد الوحدة فيكون من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء و هو مجاز و أجاب عنه المصنف بقوله‏

(فان اعتبار الوحدة في الموضوع له واضح المنع بل)

الظاهر خلافه و ان اللفظ موضوع لنفس المعنى فحسب و الوحدة و عدمها من طواري الاستعمال و ما يتولد من قبله لا يمكن أن يكون جزء المستعمل فيه فذات المعنى لا بشرط الوحدة و لا عدمها هو الموضوع له و هو باق في الصورتين على حاله و قال بعضهم بالاستحالة في المفرد و المثنى و المجموع مطلقا و لو مجازا مستدلا بأن الأوضاع توقيفية لا يجوز التعدي عنها و اللفظ موضوع للمعنى في حال الوحدة مفردا كان أو مثنى أو مجموعا لا بشرط الوحدة و لا بشرط الاطلاق فلا يجوز التعدي عن هذا الحال و استعماله في الأكثر الذي ليس هو المعنى في حال الوحدة

(و)

أجاب عنه المصنف بأن‏

(كون الوضع في حال وحدة المعنى و توقيفيته لا تقتضي عدم الجواز بعد ما لم تكن الوحدة قيدا للوضع و لا للموضوع له كما لا يخفى)

إذ لا فرق بين كون اللفظ موضوعا للمعنى حال الوحدة و بين القول المحقق المعتبر من كون اللفظ موضوعا للمعنى اللابشرط المقسمي لا القسمي أصلا، ثم أن القائل بالاستحالة في المفرد حقيقة لا مجازا قد ذهب الى جوازه في التثنية و الجمع حقيقة مستدلا بأنهما في قوة تكرير المفرد بالعطف فكما أنه يجوز إرادة المعاني المتعددة من الألفاظ المفردة المتحدة المتعاطفة على أن يكون كل واحد منهما مستعملا في معنى بطريق الحقيقة فكذا ما هو في قوته و اما مستند المجاز في المفرد فقد ظهر من بيان الاستحالة على نحو الحقيقة فيه و أجاب عنه المصنف بقوله‏

(و لو تنزلنا عن ذلك)

أي عن مرحلة الاستعمال و قلنا بكون اللفظ المفرد موضوعا للمعنى بقيد الوحدة

(ف)

نقول أنه‏

(لا وجه للتفصيل بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية و الجمع و على نحو المجاز في المفرد مستدلا على كونه بنحو الحقيقة فيهما بكونهما بمنزلة تكرار اللفظ و بنحو المجاز فيه)

أي في المفرد

(بكونه موضوعا للمعنى بقيد الوحدة فاذا استعمل في الأكثر لزم إلغاء قيد الوحدة فيكون مستعملا في جزء المعنى بعلاقة الكل و الجزء فيكون مجازا و ذلك لوضوح أن الألفاظ لا تكون موضوعة إلا)

54

(لنفس المعاني بلا ملاحظة قيد الوحدة و إلا لما جاز الاستعمال في الأكثر لأن الأكثر ليس جزء المقيد بالوحدة بل يباينه مباينة الشي‏ء بشرط شي‏ء)

أي الكثرة

(و الشي‏ء بشرط لا)

أي الوحدة و التجرد عن الغير

(كما لا يخفى)

فلا علاقة في البين أصلا لا انها موجودة و هي علاقة الكل و الجزء هذا بالنسبة الى بطلان المجازية في المفرد و اما بالنسبة الى التفصيل بين المفرد و التثنية و الجمع فقد أشار اليه بقوله‏

(و التثنية و الجمع و ان كانا بمنزلة التكرار في اللفظ إلا أن الظاهر ان اللفظ فيهما كأنه كرر و اريد من كل لفظ فرد من أفراد معناه لا انه اريد منه معنى من معانيه فاذا قيل مثلا جئني بعينين اريد فردان من العين الجارية لا العين الجارية و العين الباكية)

و بالجملة لا بد في التثنية و الجمع اتحاد المعنى و تعدد مصاديقه و لا يكفي الاتحاد بمجرد اللفظ من دون معنى كلي صادق على المتعدد فيهما

(و التثنية و الجمع في الأعلام)

مع عدم معنى كذلك‏

(إنما هي بتأويل المفرد)

أي الملحوق بعلامتهما

(الى المسمى بها)

أي بالأعلام و هي المفردات الملحوقة بعلامة التثنية و الجمع فيحصل الاتحاد بحسب المعنى‏

(مع أنه لو قيل بعدم التأويل و كفاية الاتحاد في اللفظ في استعمالها حقيقة بحيث جاز إرادة عين جارية و عين باكية من تثنية العين حقيقة لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر لأن هيئتهما إنما تدل على إرادة المتعدد مما يراد من مفردهما فيكون استعمالهما و ارادة المتعدد من معانيه)

أي معاني المفرد منهما

(استعمالا لهما في معنى واحد كما اذا استعملا و اريد المتعدد من معنى واحد منهما كما لا يخفى)

و بالجملة استعمال لفظ العينين في فردين من الجارية كما لا يكون من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد كذلك استعماله و إرادة الجارية الواحدة و الباكية الواحدة لا يكون من ذلك الباب‏

(نعم لو اريد مثلا من العينين فردان من الجارية و فردان من الباكية كان من استعمال العينين في المعنيين إلا أن حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلا)

فان المناط المذكور في المفرد موجود فيهما أيضا

(فان فيه)

أي في استعمالهما كذلك‏

(إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضا ضرورة ان التثنية عنده)

مثلا

(إنما يكون لمعنيين أو لفردين بقيد الوحدة و الفرق بينهما و بين المفرد إنما يكون في أنه موضوع للطبيعة و هي موضوعة لفردين منها)

بقيد الوحدة

(أو معنيين)

كذلك‏

(كما هو أوضح من أن يخفى)

.

(وهم و دفع)

(لعلك تتوهم ان الأخبار الدالة على أن للقرآن بطونا سبعة أو سبعين تدل على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فضلا عن جوازه)

و إمكانه‏

(و لكنك غفلت عن أنه لا دلالة لها أصلا على أن إرادتها كان من باب إرادة المعنى من اللفظ)

و الحال انه هو المطلوب‏

(فلعله كان بارادتها في أنفسها حال الاستعمال فى المعنى لا)

إرادتها

(من اللفظ كما اذا استعمل فيها)

نظير ما قاله الفقهاء فى مسئلة أنه هل يجوز الجمع فى قراءة القرآن الواجب فى‏

55

الصلاة بين قصد القراءة و قصد الدعاء أم لا بعد اختيارهم عدم الجواز من أنه لا تنافى بين قراءة كلام الغير و الالتفات الى معناه بل انشاء المعنى و إرادته فى النفس من غير أن ينشأ بهذا الكلام بل جعل التكلم بكلام الغير كاشفا محضا عنه و إمارة صرفة له و حملوا على ذلك جميع ما ورد من الأخبار فى باب إظهار الخضوع و العبودية عند قراءة قوله تعالى‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ و طلب هداية الصراط المستقيم عند قراءة قوله تعالى فى الصلاة اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏ و ما ورد فى جملة من الأخبار ان فاتحة الكتاب نصفها للّه تعالى و نصفها للعبد و غير ذلك فان المراد منها كلها إرادة معنى القضايا المذكورة فى النفس لا باستعمال اللفظ فيها

(أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ)

بأن كان من قبيل لوازم المدلول كما فى دلالة الاشارة أو من لوازم الدال كما فى الدلالة الالتزامية بأن يكون لملزوم واحد و هو الموضوع له لوازم متعددة طولية أو عرضية

(و ان كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها)

أو كان المراد ان المستعمل فيه و ان كان معنى واحدا و هو الطبيعة الكلية النفس الأمرية إلا أن له مع ذلك مراتب متفاوتة حسب تعدد العوالم من الطبيعة و المثال و العقل و الآخرة بمراتبها مثلا لفظ الميزان عبارة عما يوزن و يقدر به الشي‏ء و يتميز به عن غيره سواء كان بالآلة المتداولة فى النشأة الاولى أو ولاية علي ع أو نفسه الولوية كما ورد فى بعض فقرات زياراته السلام على ميزان الأعمال فافهم ذلك فانه لطيف و فيه استغناء عن ارتكاب المجاز.

الأمر

(الثالث عشر انه اختلفوا فى أن المشتق)

كضارب و نحوه‏

(حقيقة فى خصوص ما نلبس بالمبدإ فى الحال)

أي حال النسبة لا حال التكلم و سيأتي بيانه‏

(أو فيما يعمه و ما انقضى عنه على أقوال بعد الاتفاق على كونه مجازا فيما)

لم يتلبس بعد و لكن‏

(يتلبس به فى الاستقبال و قبل الخوض فى المسألة و تفصيل الأقوال فيها و بيان الاستدلال عليها)

(ينبغي تقديم امور)

(أحدها ان المراد بالمشتق هنا)

أي فى هذا المبحث‏

(ليس مطلق المشتقات)

أي مطلق ما يقتطع من لفظ آخر و لو لم يجر على الذوات كما هو المراد فى مصطلح الصرف و النحو و المعاني و البيان فالمشتق فى هذه العلوم يشمل الماضي و المضارع و فعل الأمر و نحو ذلك مما لا يجري على الذوات‏

(بل خصوص ما يجري منها على الذوات مما يكون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة اتصافها بالمبدإ و اتحادها معه بنحو من الاتحاد كان بنحو الحلول)

نحو أسود و أبيض‏

(أو الانتزاع)

نحو الفوقية و الملكية و الزوجية

(أو الصدور و الايجاد)

كضارب و آكل و بالجملة خصوص المشتقات التي تكون عنوانا للذوات بملاحظة اتصافها بالمبدإ نحوا من الاتصاف‏

(كأسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة بل و صيغ المبالغة و أسماء الأزمنة و الأمكنة و الآلات كما هو)

أي كون المراد هو الخصوص‏

(ظاهر العنوانات)

فى كتب القوم‏

(و صريح بعض)

56

(المحققين)

- و توهم بعض اختصاص النزاع باسم الفاعل و ما هو بمعناه من الصفات المشبهة و ما يلحق بها و لم يعلم له وجه إلا اقتصار القوم فى هذا الباب على التمثيل باسم الفاعل و هو ضعيف جدا لأن المقصود هو المثال لا الانحصار و إلى هذا أشار المصنف بقوله‏

(مع عدم صلاحية ما يوجب اختصاص النزاع بالبعض إلا التمثيل به و هو غير صالح كما هو واضح فلا وجه لما زعمه بعض الأجلة من الاختصاص باسم الفاعل و ما هو بمعناه من الصفات المشبهة و ما يلحق بها)

كصيغ المبالغة و الأوصاف اللازمة التي تكون على هيئة فاعل كطاهر و قائم و جاء

(و خروج ساير الصفات و لعل منشأه توهم كون ما ذكره لكل منها)

أى من ساير الصفات الخارجة

(من المعنى مما اتفق عليه الكل و هو كما ترى)

قال المحشى الشيخ محمد تقي قده فى حاشيته على المعالم و ربما يقال بخروج اسم المفعول عن محل البحث و كذا الصفة المشبهة و اسم التفضيل لظهور الوضع للاعم فى الأول و لخصوص الحال فى الأخير انتهى، موضع الحاجة و هذا القائل كما ترى زعم ان الأعم فى الأول و خصوص الحال فى الثاني مما اتفق عليه الكل فلا يكون محل النزاع و قال صاحب الفصول فهل المراد به ما يعم بقية المشتقات من اسمي الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و ما بمعناها و أسماء الزمان و المكان و الآلة و صيغ المبالغة كما يدل عليه إطلاق عناوين كثير منهم كالحاجي و غيره أو يختص باسم الفاعل و ما بمعناه كما يدل عليه تمثيلهم به و احتجاج بعضهم باطلاق اسم الفاعل عليه دون إطلاق بقية الأسماء على البواقي مع إمكان التمسك به أيضا وجهان أظهرهما الثاني لعدم ملائمة جميع ما أورده فى المقام على الأول انتهى، و ربما يتوهم ان إطلاق المشتق حقيقة فيما كان المبدا من الملكات و الصناعات و الحرف دائر مدار تلك الملكة و الصنعة و الحرفة و اذا انتفت انتفى الاطلاق حقيقة و أشار المصنف الى ضعفه بقوله‏

(و اختلاف أنحاء التلبسات حسب تفاوت مبادئ المشتقات بحسب الفعلية)

كالحي‏

(و الشأنية)

كالشجرة المثمرة

(و الصناعة)

كالعطار

(و الملكة)

كالمجتهد و الشاعر

(حسب ما يشير اليه لا يوجب تفاوتا فيما هو المهم من محل النزاع هاهنا كما لا يخفى)

فان المتبع هو الدليل و اذا ساعد على المدعى يجب اتباعه بأى نحو كان المبدا

(ثم أنه لا يبعد أن يراد بالمشتق فى محل النزاع)

و إن لم يكن بمراد فى العلوم الأدبية

(مطلق ما كان مفهومه و معناه جاريا على الذات)

و منطبقا عليها و عنوانا لها

(و منتزعا عنها بملاحظة انصافها بعرض أو عرضى و لو كان جامدا كالزوج و الزوجة و الرق و الحر)

فعلى هذا يكون المشتق المبحوث عنه فى المقام فيه نوع أعمية من المشتق المبحوث عنه فى علم الصرف و الاشتقاق و نوع المبحوث منه ايضا حيث لا يشمل ما لا يجرى على الذات كالماضى و المضارع و الامر على ما علمت‏

(و إن أبيت الا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق)

باصطلاح الأدباء

(كما هو قضية الجمود على ظاهر)

57

(لفظه فهذا القسم من الجوامد أيضا محل النزاع)

لمكان الملاك‏

(كما يشهد به ما عن الايضاح في باب الرضاع في مسئلة من كانت له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته الصغيرة ما هذا لفظه تحرم المرضعة الاولى و الصغيرة مع الدخول بالكبيرتين و اما المرضعة الاخرى ففي تحريمها خلاف فاختار والدي المصنف رحمه اللّه و ابن ادريس تحريمها لأن هذه تصدق عليها ام زوجته لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه)

و يشهد به أيضا

(ما عن المسالك في هذه المسألة من ابتناء الحكم فيها على الخلاف في مسئلة المشتق فعليه)

أي فعلي هذا التعميم‏

(كل ما كان مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيات عرضا كان أو عرضيا)

المراد بالعرض ما كان حالّا في الموضوع موجودا فيه بحيث يفيد حملها على الموضوع ضميمة فيه و بعبارة اخرى المحمول بالضميمة كالأسود المحمول على جسم و المراد بالعرضي و هو الخارج المحمول و ان لم يفد ضميمة فى الموضوع‏

(كالزوجية و الرقية و الحرية و غيرها من الاعتبارات و الاضافات)

كالملكية و النيابة و الولاية كل ذلك‏

(كان محل النزاع و ان كان جامدا و هذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعا عن مقام الذات و الذاتيات)

كالحجرية و المدرية و الدارية و البيتية و الانسانية و نحو ذلك‏

(فانه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما اذا كانت الذات باقية بذاتياتها)

فالانسان مثلا إنما يطلق على زيد باعتبار ازدواج بدنه بل اتحاده مع ما هو حقيقة انسانيته و هو الروح فاذا فارق بدنه فلا يطلق عليه حقيقة بل يندرج حينئذ تحت مقولة الجماد و الجسم المطلق بل قد قيل بأن الاستعمال حينئذ من الأغلاط و لا يكون مجازا بعلاقة ما كان‏

(ثانيها قد عرفت انه لا وجه)

يعتد به‏

(لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على الذوات إلا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه)

أي النزاع‏

(في)

خصوص‏

(اسم الزمان لأن الذات فيه و هي الزمان)

من الامور الغير القارة

(و بنفسه ينقضي و ينصرم)

شيئا فشيئا بحيث يكون كل جزء سابق معدا لوجود الجزء اللاحق أي يجب أن يوجد و يعدم الجزء السابق حتى يوجد الجزء اللاحق، و بالجملة الزمان ليس له أجزاء مجتمعة في الوجود و ليس له ذات باقية في حالتين‏

(فكيف يمكن أن يقع النزاع في أن الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدإ في الحال أو فيما يعم المتلبس به فى المضي)

و الجواب ان هذا الاشكال إنما يتوجه اذا كان الخلاف فى كون المشتق حقيقة في خصوص المنقضي عنه المبدا أو مجازا و ليس كذلك كما هو واضح بل الخلاف إنما هو فى كونه حقيقة فى معنى يعم المنقضي عنه التلبس أو فى خصوص المتلبس فحينئذ لا يتوجه الاشكال فان انحصار المفهوم العام فى الخارج فى فرد خاص لأجل خصوصية خارجية لا يوجب انثلام عموم المفهوم و لا يستلزم أن يكون اللفظ موضوعا بإزاء ذلك الفرد دون العام كما ان انحصار مفهوم واجب الوجود فى الخارج‏

58

فى مصداق فارد و هو الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية المنزهة عن النقائص لا يوجب كون مفهوم واجب الوجود جزئيا حقيقيا بل مفهومه على ما كان عليه من الكلية و العموم المنطقي فالمقتل اسم الزمان موضوع لمفهوم زمان متلبس بالقتل و كون الزمان الخارجي من الامور الغير القارة اقتضى التلبس فى الحال فقط دون الاستقبال إذ لا ذات فعلا بحيث كان و انقضى عنه المبدا و هذا لا ينافى كون المفهوم فى حد مفهوميته عاما و اليه أشار المصنف بقوله‏

(و يمكن حل الاشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد كما فى المقام لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام و إلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصاره فيه تباك و تعالى)

بل ربما يكون المفهوم من حيث هو هو كليا و لا فرد له أصلا لا فى الخارج و لا فى الذهن كاللاموجود و اللاشي‏ء و اللاممكن بالامكان العام فافهم و ليعلم ان ما ذكره المصنف فيما وضع له لفظ الجلالة من ذهاب بعضهم الى كونه كليا أو جزئيا لا ينافى ما وقع فى كلام أهل المعقول من أن الإلهية أو وجوب الوجود و ساير الصفات الكمالية عين ذاته إذ ليس المراد ان ذاته تعالى عين مفهوم الإله أو مفهوم واجب الوجود أو ساير الصفات بل المراد ان ذاته تعالى بذاته مصداق هذه المفهومات كما هو شأن صدق الذاتيات لموضوع على نفس ذلك الموضوع حيث ان مصداق الحكم و مطابقة نفس ذات الموضوع و من المعلوم عند المحقق ان ذاته تعالى و حقيقته المقدسة خارجة من المقسم الى الكلي و الجزئي فان مهيته تعالى انيّته و وجوده و هو سنخ مباين لسنخ المفاهيم التي من شأنها الحصول فى المدارك و الأفهام.

(ثالثها ان من الواضح خروج الأفعال و المصادر المزيد فيها عن حريم النزاع)

و إنما خصها بالمزيد فيها لاختصاص الاشتقاق بها

(لكونها غير جارية على الذات ضرورة ان المصادر المزيد فيها)

كالمصدر

(المجرد فى الدلالة على ما يتصف به الذات)

نحوا من الاتصاف‏

(و يقوم بها)

نحوا من القيام سواء كان حلوليا أو صدوريا أو انتزاعيا

(كما لا يخفى و ان الأفعال إنما تدل على قيام المبادى بها قيام صدور او حلول)

أو انتزاع هذا فى الأخبار

(أو طلب فعلها أو تركها منها)

هذا فى الإنشاء

(على اختلافها)

أي اختلاف الأفعال بحسب الفعلية و الشأنية و الملكة و الصنعة و الحرفة و قد فهم من كلام المصنف هذا ان مدلول الأفعال هي المبادئ المنسوبة الى فواعلها نحوا من الانتساب و ليس الزمان جزء من مدلولها و لذا عقبه قده بقوله‏

(ازاحة شبهة)

(قد اشتهر فى السنة النحاة دلالة الفعل على الزمان حتى أخذوا الاقتران بها فى تعريفه)

و جعلوه مميزا له عن الاسم‏

(و هو اشتباه)

اما فى الانشاء المتوهم دلالته على الحال فل

(ضرورة عدم دلالة الأمر و النهي)

و نحو ذلك‏

(عليه)

أي على الزمان‏

(بل على)

59

(انشاء طلب الفعل أو الترك)

أو طلب الفهم‏

(غاية الأمر نفس الإنشاء بهما)

و نحوهما

(فى الحال كما هو الحال فى الأخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما)

من جهة ان الأخبار فى جميع ذلك فى الحال بمعنى كون حال المتكلم ظرفا للاخبار

(كما لا يخفى)

و بالجملة المسلّم كون زمان الحال ظرفا للانشاء و الاخبار في الأفعال المذكورة و مجرد هذا لا يكون دليلا على كون زمان الحال جزء لمدلولها و هو واضح‏

(بل يمكن منع دلالة غيرهما)

أي غير الأمر و النهي‏

(من الأفعال)

كالماضي و المضارع‏

(على الزمان)

مطلقا حالا كان أو ماضيا أو مستقبلا

(إلا بالاطلاق و الاسناد الى الزمانيات)

كدلالة أسماء الفاعلين و المفعولين عليه فانا نرى بالوجدان عدم التفاوت بين الأفعال المذكورة المستندة الى الامور المرتفعة افقها عن الزمان و بينها اذا كانت مستندة الى الزمانيات نحو علم اللّه و علم زيد و سمع اللّه و سمع زيد

(و إلا لزم القول بالمجاز و التجريد عن الاستناد)

أي تلك الأفعال‏

(الى غيرها)

أي غير الزمانيات‏

(من نفس الزمان)

نحو مضى الزمان و خلق اللّه الزمان أو الصباح أو المساء ضرورة أن الزمان لا يكون في زمان آخر

(و المجردات)

عن المادة نحو علم اللّه و سمع اللّه و هو بعيد ضرورة أن الاستناد اليهما لا يكون بتكلف و عناية و مراعاة علاقة كما لا يخفي على من راجع وجدانه و وجدان العرف فلا بد أن يكون حينئذ حقيقة فيما هو الأعم و إلا يلزم أن يكون الاستناد اليهما غلطا

(نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي و المضارع بحسب المعنى خصوصية اخرى)

غير خصوصية الأخبار الذي قد عرفت أنه في الجميع لا يكون إلا في الحال‏

(موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي في الماضي و في الحال أو الاستقبال في المضارع فيما كان الفاعل من الزمانيات)

فيكون دلالتهما على الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال من قبيل الدلالة الالتزامية لا التضمنية و لعل تلك الخصوصية في الماضي عبارة عن فراغ الفاعل عما اشتغل به و لازم ذلك هو المضي و في المضارع الحالي هو التلبس و الاشتغال و لازمه الحال و في المضارع الاستقبالي نحو سوف يضرب هو كونه بصدد الاشتغال و تهيئة مقدمات الفعل و لازمه الاستقبال‏

(و يؤيده)

أي عدم دلالة الفعل على الزمان الخاص ذهاب جلهم الى‏

(أن المضارع يكون مشتركا معنويا بين الحال و الاستقبال و لا معنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما لا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما كما أن الجملة الاسمية كزيد ضارب يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الأزمنة مع عدم دلالتها على واحد منها أصلا فكانت الجملة الفعلية مثلها)

فيكون دلالة كل من الجملتين على واحد من الأزمنة بالاطلاق‏

(و ربما يؤيد ذلك أن الزمان الماضي في فعله و زمان الحال أو الاستقبال في المضارع لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة لا محالة بل ربما يكون في الماضي مستقبلا حقيقة و في المضارع ماضيا كذلك)

أي بحسب الحقيقة

(و إنما)

60

(يكون ماضيا أو مستقبلا في فعلهما بالاضافة كما يظهر من مثل قوله يجيئني زيد بعد عام و قد ضرب قبله بأيام و قوله جاء زيد في شهر كذا و هو يضرب في ذلك الوقت أو فيما بعده)

و قوله‏

(مما مضى)

بيان لقوله في ذلك الوقت أو فيما بعده بأن ذلك الوقت أو ما بعد زمان ماض قطعا إلا أنه بالنسبة الى مجيئه في شهر كذا مستقبل‏

(فتأمل جيدا)

.

(ثم لا بأس بصرف عنان الكلام الى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه)

من الاسم و الفعل‏

(بما يناسب المقام لأجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام فاعلم انه اشتهر بين الأعلام أن الحرف ما دل على معنى في غيره و قد بيناه في الفوائد بما لا مزيد عليه إلا أنك قد عرفت فيما تقدم عدم الفرق فيما بينه و بين الاسم بحسب المعنى و انه فيهما ما)

أي معنى‏

(لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهومية و لا عدم الاستقلال بها و إنما الفرق هو أنه)

أي الحرف‏

(وضع ليستعمل و اريد منه معناه حالة لغيره و بما هو في الغير و وضع غيره)

أي الاسم و الفعل‏

(ليستعمل و اريد منه معناه بما هو هو و عليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية و عدم الاستقلال بها إنما اعتبر في جانب الاستعمال لا في المستعمل فيه ليكون بينهما تفاوتا بحسب المعنى فلفظ الابتداء لو استعمل في المعنى الآلي و لفظة من في المعنى الاستقلالي لما كان مجازا و استعمالا له في غير ما وضع له و ان كان لغير ما وضع له فالمعنى في كليهما في نفسه كلي طبيعي يصدق على كثيرين)

و المراد بالكلي الطبيعي هو نفس الطبيعة فقط لا بمعنى الطبيعة المعروضة للكلية بما هي معروضة لها كالجنس الطبيعي و الفصل الطبيعي و هكذا ساير الكليات و لا بمعنى الطبيعة المتحققة في الخارج من حيث انه يصح أن ينسلخ عنها هذه الأعراض و تحتفّ بها أعراض أخر فيصير شخصا آخر و هذه إطلاقات ثلاثة ثابتة عند أهل المعقول لكن المراد هنا هو الأول‏

(و مقيدا باللحاظ الاستقلالي أو الآلي)

بحيث يكون التقييد بما هو تقييد لا بما هو قيد داخلا و القيد خارجا

(كلي عقلي)

لأن المعنى مقيدا بهذا القيد لا موطن له إلا في العقل‏

(و ان كان)

المعنى‏

(بملاحظة أن لحاظه)

كذلك‏

(وجوده ذهنا كان جزئيا ذهنيا فان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد و ان كان بالوجود الذهني فافهم و تأمل فيما وقع في المقام من الأعلام من الخلط و الاشتباه)

بين ما يتولد من الاستعمال و بين ما هو متعلق لهذا الاستعمال أي المستعمل فيه‏

(و توهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصا بخلاف ما عداه فانه عام و ليت شعري ان كان قصد الآلية فيها)

أي في الحروف‏

(موجبا لكون المعنى جزئيا فلم لا يكون قصد الاستقلالية فيه)

أي في غير الحروف‏

(موجبا له و هل يكون ذلك)

أي عدم ايجاب قصد الاستقلالية لجزئية المعنى‏

(إلا لكون هذا القصد ليس مما يعتبر في الموضوع له و لا)

في‏

(المستعمل فيه بل في الاستعمال فلم لا يكون فيها كذلك كيف و إلا لزم أن يكون معاني المتعلقات غير منطبقة)

61

(على الجزئيات الخارجية لكونها على هذا كليات عقلية)

أي كليات متخصصة بالتخصيصات العقلية الموجبة لعدم وجودها إلا في العقل كالكلي العقلي بالمعنى المصطلح و ليس المراد أنها كليات عقلية بالمعنى المصطلح و هو واضح‏

(و الكلي العقلي لا موطن له إلا الذهن فالسير و الكوفة و البصرة في سرت من البصرة الى الكوفة لا يكاد يصدق على السير و البصرة و الكوفة)

الخارجي‏

(لتقييدها بما اعتبر فيه القصد فيصير عقلية فيستحيل انطباقها على الامور الخارجية ثم انه قد انقدح بما ذكرنا أن المعنى بما هو معنى اسمي و ملحوظ استقلالي أو بما هو معنى حرفي و ملحوظ آلي كلي عقلي في غير الأعلام الشخصية و فيها)

أي في الأعلام الشخصية

(جزئي كذلك)

أي عقلي لمكان اعتبار القصد فيها

(و بما هو هو)

يعني أن المعنى بما هو هو

(أي بلا أحد اللحاظين كلي طبيعي)

في غير الأعلام الشخصية

(و جزئي خارجي)

فيها

(و بما حققناه)

من لحاظ الاعتبارين‏

(يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي و الصدق على كثيرين)

أي الكلية

(و ان الجزئية باعتبار تقييد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آليا أو استقلاليا و كليته)

و الصدق على كثيرين‏

(بحسب لحاظ نفس المعنى و منه ظهر عدم اختصاص الاشكال)

أي كون الشي‏ء الواحد كليا و جزئيا

(و الدفع)

بلحاظ الاعتبارين‏

(بالحروف بل يعم غيره فتأمل في المقام فانه دقيق و مزال الأقدام للاعلام و قد سبق في بعض الامور الكلام)

المذكور هنا غير الإشكال و الدفع‏

(و الإعادة مع ذلك)

أي مع السبق‏

(لما فيها من الفائدة و الافادة فافهم)

و قد ذكرنا سابقا ان ما هو الحق الحقيق في معنى الحروف و امتيازه عن المعنى الاسمي قد تعرضنا له في الثمرات فراجع.

(رابعها أن اختلاف المشتقات في المبادئ)

أي بحسب المادة

(و كون المبدا في بعضها حرفة و صناعة)

كالبقال و العطار

(و في بعضها قوة و ملكة)

كالنجار و الصائغ و الشاعر و المجتهد

(و في بعضها فعليا)

كالمتحرك و الساكن‏

(لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا و لا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها)

أي من حيث الحقيقة و المجاز

(كما لا يخفى)

كما توهمه الفاضل التوني ره و فصل في المسألة تفصيلا و قال ان إطلاق المشتق باعتبار الماضي حقيقة ان كان اتصاف الذات بالمبدإ أكثريّا بحيث يكون عدم الاتصاف بالمبدإ مضمحلا في جنب الاتصاف و لم يكن الذات معرضا عن المبدا و راغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو به و سواء طرأ الضد الوجودي أم لا لأنهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب القرينة كالكاتب و الخياط و القارئ و المتعلم و المعلم و نحوها و لو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم و نحوه و القول بأن الألفاظ المذكورة و نحوها كلها موضوعة لملكات هذه الأفعال مما يأبى عنه الطبع السليم في أكثر الأمثلة و غير موافق لمعنى مباديها على ما فى كتب اللغة انتهى،

62

فان هذا التفصيل نشأ عن الغفلة من الفرق بين مفاد المادة أي المصادر و بين مفاد هيئة المشتق و توهم أن الاختلاف فى المادة هو الاختلاف فى الهيئة أو يستلزم اختلافها و أنت بعد ما تفطنت ان أوضاع مادة المشتقات مختلفة بالحالية و الملكية المطلقة أو المقيدة و ما هو محتمل‏ (*) لكل من الثلاث فقد دريت بأنه لا وجه لهذا التفصيل و الجزم بأن هيئة المشتق فى أصل المسألة حقيقة فى الماضي اذا كان الاستعمال أكثريا مطلقا بل المسلم كونها حقيقة فيما اذا تحققت الملكة و تلبس الذات بها

(فكيف كان)

اختلاف المبادئ بحسب الوضع لا يوجب اختلافا فى مدلول الهيئة

(غاية الأمر أنه يختلف التلبس به)

أي بالمبدإ

(فى المضى أو الحال)

بسبب اختلاف اوضاع المبادئ‏

(فيكون التلبس به فعليا لو أخذ حرفة أو ملكة و لو لم يتلبس به الى الحال أو انقضى عنه)

بعد التلبس كالمجتهد و النجار و الصائغ اذا لم يكن حال النطق متلبسا بواحد من هذه الثلاثة لأجل الانقضاء أو عدم التلبس بعد

(و يكون مما مضى)

اذا انقضى‏

(أو يأتي)

اذا لم يتلبس بعد و سوف يتلبس‏

(لو أخذ فعليا)

أي حالا كالضارب و الآكل و الشارب اذا انقضى عن الذات مبادئ هذه الامور أو لم يتلبس بعد

(فلا يتفاوت فيها)

أي فى دلالة الهيئة

(أنحاء التلبسات و أنواع التعلقات كما أشرنا اليه)

و ليعلم أن المراد بالملكة و الحال فى باب المشتق بحسب اصطلاح الاصوليين هو الاستعداد و الفعل و ان لم يكونا من مقولة الكيف المختص بذوات الأنفس الذي هو قسم من مقولة الكيف الذي هو من أحد المقولات التسعة للعرض كما هو مصطلح أهل المعقول ضرورة أن مثل الضرب و القيام و غيرهما من مبادئ أكثر المشتقات التي يطلقون عليها الحال من مقولة الفعل أو الانفعال لا الكيف المطلق فضلا عن أن يكون من المختصات بذوات الأنفس و من هنا ظهر وجه إطلاق المصنف الفعلي على ما يكون حالا ثم أن صاحب الملكة كالقارئ و المعلم و الخياط قد يتخذ هذه الملكة وسيلة لإمرار المعيشة و كسب المال فيسمى من هذه الجهة حرفة أو صنعة و قد يطلق عليه الملكة المقيدة و قد لا يتخذها كذلك فتسمى ملكة مطلقة و الظاهر عدم الفرق بين الحرفة و الصنعة و إن قيل به.

(خامسها أن المراد بالحال فى عنوان المسألة هو حال التلبس)

أي حالة الاتصاف الذي هو عبارة عن فعلية التلبس و فعلية الاتصاف التي لازمها أنها قد تكون حال التكلم و قد تكون حال الماضي و قد تكون حال الاستقبال من دون أن يدخل الزمان العام أو الخاص و لا التقييد به فى‏

____________

(*) قوله و ما هو محتمل كالكاتب فانه اذا اطلق على من شرع فى الكتابة قبل استمرار هذه الحالة له و صيرورتها عملا له فيراد منه الحال و بعد استمرارها ملكة مطلقة و بعد جعلها وسيلة لكسب المال صنعة و حرفة. منه دام ظله‏

63

الموضوع له‏

(لا حال النطق)

الذي هو المقابل للزمان الماضي و المستقبل‏

(ضرورة أن مثل كان زيد ضاربا أمس أو سيكون غدا ضاربا حقيقة اذا كان متلبسا بالضرب فى الأمس فى المثال الأول و متلبسا به فى الغد فى)

المثال‏

(الثاني فجرى المشتق حيث كان بلحاظ حال التلبس و ان مضى زمانه فى أحدهما)

أي أحد المثالين‏

(و لم يأت بعد فى الآخر كان حقيقة بلا خلاف و لا ينافيه)

أي كون الجري حقيقة فى المثالين بالاعتبار المذكور

(الاتفاق على أن مثل زيد ضارب غدا)

مما كان فيه قرينة على التلبس فيما بعد

(مجاز فان الظاهر أنه)

أي الاتفاق على كونه مجازا

(فيما اذا كان الجري فى الحال كما هو قضية الإطلاق و الغد إنما يكون لبيان زمان التلبس)

لا الجري‏

(فيكون الجري و الاتصاف فى الحال)

بحكم الاطلاق‏

(و التلبس فى الاستقبال)

فلا منافاة بين هذا الاتفاق و بين ما ذكرناه من أن زيد سيكون غدا ضاربا حقيقة فان الجرى هناك فى الاستقبال أيضا

(و من هنا)

أى و من الفرق بين زماني الجرى و التلبس‏

(ظهر الحال فى مثل زيد ضارب أمس و انه داخل فى محل الخلاف و الاشكال و لو كانت لفظة أمس و غد قرينة على تعيين زمان النسبة و الجرى أيضا كان المثالان حقيقة)

على المختار و على خلافه‏

(و بالجملة لا ينبغي الاشكال فى كون المشتق حقيقة فيما اذا جرى على الذات بلحاظ حال التلبس و لو كان فى المضي أو الاستقبال و إنما الخلاف فى كونه حقيقة في خصوصه أو فيما يعم فيما اذا جرى عليها فى الحال بعد ما انقضى عنه التلبس بعد الفراغ عن كونه مجازا فيما اذا جرى عليه فعلا بلحاظ حال التلبس فى الاستقبال و يؤيد ذلك)

أى كون المراد بالحال فى عنوان المسألة هو حال التلبس لا حال النطق‏

(اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان)

و جعلوه مما يمتاز به الاسم عن الفعل‏

(و منه)

أى من الاسم‏

(الصفات الجارية على الذوات و لا ينافيه)

أى عدم الدلالة على الزمان‏

(اشتراط العمل فى بعضها)

كاسم الفاعل و اسم المفعول بحيث لو دل واحد منهما على الزمان الماضي لما عمل فيشترط فى عمل كل واحد منهما

(بكونه بمعنى الحال و الاستقبال ضرورة أن المراد الدلالة على أحدهما)

أى أحد الزمانين من الحال و الاستقبال الطارية فى الاستعمال‏

(بقرينة)

و بدال آخر لا ما هو المعتبر فى الموضوع له‏

(و كيف لا)

يكون غير داخل فى الموضوع له‏

(و قد اتفقوا على كونه مجازا فى الاستقبال)

فالاتفاق المذكور كاشف عن طروّ الدلالة من الاستعمال‏

(لا يقال يمكن أن يكون المراد بالحال فى العنوان زمان الحال)

المقابل للزمانين‏

(كما هو الظاهر منه)

أى من لفظ الحال‏

(عند إطلاقه و ادعى)

أيضا

(أنه الظاهر فى المشتقات اما بدعوى الانسباق من الاطلاق أو بمعونة قرينة الحكمة)

باجراء مقدماتها من كون المتكلم بصدد البيان ظاهرا و انتفاء القدر المتيقن بحسب مقام التخاطب و انتفاء ما يدل على تعيين حال النسبة فيحمل على‏

64

الزمان المقابل للزمانين صونا لكلام الحكيم عن اللغوية و الزمان المخصوص المقابل للزمانين و ان كان نحوا من التعيين إلا أن اللفظ قالب له مفيد إياه بنفسه بخلاف حال النسبة فانه ليس اللفظ بنفسه قالبا له مفيدا إياه فلو كان المراد حال النسبة لكان اللازم إضافة لفظ الحال اليها

(لأنا نقول هذا الانسباق و ان كان مما لا ينكر إلا)

أنه ليس بمجد فيما هو المهم‏

(لأنهم فى هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق لا تعيين ما يراد بالقرينة منه)

فانه مما لا ينكر أصلا

(سادسها أنه لا أصل)

لفظي‏

(فى هذه المسألة يعوّل عليه عند الشك)

(و اصالة عدم ملاحظة الخصوصية)

أى خصوصية حال النسبة

(مع معارضتها باصالة عدم ملاحظة العموم)

بحيث يشمل حال الانقضاء أيضا

(لا دليل على اعتبارها فى تعيين الموضوع له)

فانها معتبرة عند العقلاء و العرف فيما اذا شك فى أصل المراد فى أنه هل هو الذات المتصفة بالمبدإ فى الحال أو الأعم و اما اذا كان المراد معلوما و كان الشك فى كيفية الارادة من جهة انها من حاق اللفظ أو من القرينة فلا اعتناء بها

(و اما ترجيح الاشتراك على الحقيقة و المجاز اذا دار الأمر بينهما لأجل الغلبة فممنوع لمنع الغلبة أولا و منع نهوض حجة على الترجيح بها)

أى بالغلبة

(ثانيا)

فانك قد علمت سابقا أنه ما دام لم تؤثر هذه الاعتبارات التي ذكرها القوم فى باب تعارض الأحوال فى ظهور اللفظ و لم يجعل اللفظ ظاهرا فى المعنى لا اعتداد بها أصلا مع أن لزوم المجاز ليس مما يوجب المدعى لكونه بابا واسعا لا غرو فى الالتزام به و قد قيل فى حقه انه أكثر من الحقيقة

(و اما الأصل العملي فيختلف فى الموارد فاصالة البراءة فى مثل أكرم كل عالم يقتضي عدم وجوب اكرام من انقضى عنه المبدا قبل الايجاب)

و الخطاب‏

(كما أن قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الإيجاب قبل الانقضاء)

فالمتبع هو الأصل العملي بحسب خصوصيات الموارد و مقتضيات المقام و فى مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم اذا انقضى مبدئهما قبل الايجاب و التحريم اصالة البراءة منهما معا و اما اذا كان الانقضاء بعدهما ففيما اذا كان انقضاء مبدا الخاص قبل العام يبني على الخلاف فى أن المورد من موارد العمل بالعام أو باستصحاب حكم المخصص و فى صورة العكس على أن استصحاب حكم العام كالعام فى وجوب الرجوع اليه عند زوال اليقين بالمخصص أو يفرق بينه و بين أصل العام فيرجع فى الأول الى حكم المخصص و فى الثاني الى العام و حكم ما انقضى مبدئهما معا فى آن واحد كحكم القسم الثاني و تحقيق الحق فى باب الاستصحاب فانتظر

(اذا عرفت ما تلونا عليك فاعلم ان الأقوال فى المسألة و ان كثرت إلا أنها حدثت بين المتأخرين بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين)

من خصوص المتلبس بالمبدإ حال النسبة أو الأعم منه و مما انقضى عنه المبدا

(لأجل توهم اختلاف المشتق باختلاف)

65

(مباديه فى المعنى)

من حيث الفعلية و الشأنية و الملكية المطلقة أو المقيدة و من حيث كونه ثبوتيا (*) أو حدوثيا قارا أو سيالا

(أو تفاوت ما يعتريه من الأحوال)

من حيث وقوعه محكوما عليه أو به أو من حيث‏ (**) طروّ الضد الوجودى على المحل أولا مما هو مذكور فى المطولات‏

(و قد مرت الاشارة الى أنه)

أى التفاوت فى المبادئ أو الحالات أى تفاوت كان‏

(لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده و يأتي له مزيد بيان فى أثناء الاستدلال على المختار و هو اعتبار التلبس فى الحال وفاقا لمتأخرى الأصحاب و الأشاعرة و خلافا لمتقدميهم و المعتزلة)

و بالجملة التفاوتات المذكورة لا توجب تفاوتا فى مدلول الهيئة الذى هو محل الكلام فى المقام‏

(و)

كيف كان‏

(يدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدإ فى الحال)

ضرورة أنه اذا اطلق الضارب و العالم و النجار لم يسبق الى الذهن من حاق اللفظ ما لم يكن متلبسا بمباديها حال النسبة

(و صحة السلب مطلقا عما انقضى عنه المبدا كالمتلبس به فى الاستقبال و ذلك لوضوح أن مثل القائم و الضارب و العالم و ما يرادفها من سائر اللغات لا يصدق على من لم يكن متلبسا بالمبادئ و ان كان متلبسا بها قبل الجرى و الانتساب و يصح سلبها عنه)

و

(كيف)

لا يصح السلب المذكور

(و ما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها فى الأذهان يصدق عليه ضرورة صدق القاعد عليه فى حال تلبسه بالقعود بعد ما انقضى تلبسه بالقيام مع وضوح التضاد بين القائم و القاعد بحسب ما ارتكز لهما من المعنى كما لا يخفى و قد يقرر هذا)

أى ما ذكر من المضادة الارتكازية

(وجها على حدة)

لثبوت المدعى من دون أن يجعل ضميمة لصحة السلب‏

(و يقال)

في تقريره‏

(لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ)

المتقابلة

(المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني)

في الأذهان‏

(فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لما كان بينهما مضادة بل مخالفة لتصادقهما فيما انقضى عنه المبدا و تلبس بالمبدإ الآخر)

و هذا حكم المخالفة لعدم إباء المتخالفين عن الاجتماع في موضوع واحد كالسواد و الحلاوة لا المضادة لأن من حكم المتضادين عدم اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة.

(و لا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الأجلة من المعاصرين من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط)

أي اشتراط التلبس و تقريره أنه لو اريد من المشتق ما تلبس بالمبدإ و لو وقتا ما لم يلزم تضاد لان التلبس بالوجود المطلق أعم من التلبس الفعلي فيمكن الاختلاف بحسب الزمان الموجب لعدم المنافاة مثلا يمكن أن يكون جسم واحد يصدق عليه مفهوم الأبيض بمعنى اتصاف الجسم بالبياض الذي وجد فانقضى حال النسبة و يصدق عليه مفهوم الأسود بمعنى‏

____________

(*) كما حكى عن التفتازاني فاخرج مثل المؤمن و الكافر و الابيض عن حريم النزاع.

(**) كما حكي عن جماعة منهم الشهيد الثاني. منه دام ظله‏

66

اتصافه بالسواد المتلبس به في تلك الحال فهذان المفهومان لا تضاد بينهما، نعم السواد و البياض متضادان قطعا و لا يلزم على هذا التقرير اجتماعهما و إنما لا يرد ما أورده بعض الأجلة

(لما عرفت من ارتكازه)

أي التضاد

(بينها)

أي بين المشتقات‏

(كما في مباديها)

و تلك المضادة الارتكازية تكشف عن اعتبار خصوص المتلبس فلا بد من رفع اليد عن توهم كونه حقيقة في الأعم إذ لو قلنا بها يلزم رفع اليد عن هذا الأمر الضروري الارتكازي‏ (*).

(ان قلت لعل ارتكازها لأجل الانسباق من الاطلاق)

أي انسباق خصوص المتلبس بالمبدإ من الاطلاق‏

(لا الاشتراط)

أي لا لأجل كون التلبس شرطا في صدق المشتق بحسب الوضع و بالجملة فملخص الاشكال ان ارتكاز المضادة لعل من الانسباق الاطلاقي لا من حاق اللفظ

(قلت لا يكاد يكون كذلك)

أي لأجل الانسباق الاطلاقي‏

(لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء لو لم يكن أكثر)

من استعماله في موارد التلبس فعلى هذا يلزم اما أن لا يكون انسباق إطلاقي أصلا لا في المتلبس و لا فيما انقضى عنه المبدا و هو المطلوب أو يكون الانسباق في كل منهما لفرض كونهما كفرسي رهان في وادي الاستعمال و هو يرفع المضادة لو كان حقيقة في الأعم و هي ارتكازية فافهم.

(ان قلت على هذا)

أي بناء على كثرة استعماله في مورد الانقضاء أو أكثريته‏

(يلزم أن يكون)

المشتق‏

(في الغالب أو الأغلب مجازا و هذا بعيد ربما لا يلائمه حكمة الوضع)

حيث أن الحكمة في مقام الوضع هو الاعراب عن المقاصد و الوضع لما لا يحتاج اليه إلا قليلا و تركه بالنسبة الى ما لا تنفك الحاجة عنه إلا قليلا ترجيح للمرجوح فلو كان موضوعا للاعم لم يلزم ذلك‏

(لا يقال)

في رد هذا الاشكال‏

(كيف)

يكون هذا بعيدا

(و قد قيل بأن أكثر المحاورات مجازات فان ذلك لو سلم فانما هو لأجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة الى المعنى الحقيقي الواحد)

لا أن استعمال لفظ واحد في معنى مجازى معين أكثر من استعماله في معنى حقيقي كذلك‏

(نعم ربما يتفق ذلك)

أى الكثرة

(بالنسبة الى معنى مجازى خاص لكثرة الحاجة الى التعبير عنه لكن أين هذا مما كان دائما كذلك)

أى كثيرا أو أكثر

(فافهم)

.

(قلت)

في دفع الاشكال‏

(مضافا الى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد بعد مساعدة الوجوه المتقدمة عليه)

من التبادر و صحة السلب و المضادة الارتكازية و ليس يستلزم محالا عقليا أو عاديا

(ان ذلك إنما يلزم لو لم يكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال التلبس مع انه بمكان من الامكان فيراد من جاء الضارب أو الشارب و قد انقضى عنه الضرب و الشرب الذى كان)

____________

(*) و بالجملة طريقة النظر و الاستدلال و السيرة المألوفة المستمرة بين المبرهنين هو استنتاج المجهول من المعلوم لا رفع اليد عن المعلوم لأجل أمر مجهول مشكوك. منه دام ظله‏

67

(ضاربا و شاربا قبل مجيئه حال التلبس بالمبدإ لا حينه)

أى لا الذى كان ضاربا و شاربا حين مجيئه‏

(بعد الانقضاء كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال و جعله معنونا بهذا العنوان)

أى الضارب و الشارب‏

(فعلا بمجرد تلبسه قبل مجيئه ضرورة أنه لو كان للاعم لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين)

فكذا لو كان لخصوص المتلبس بالمبدإ حال النسبة لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين لما قد عرفت من أن حال التلبس عام يشمل الحال و طرفيه‏

(و بالجملة كثرة الاستعمال في حال الانقضاء يمنع من دعوى انسباق خصوص حال التلبس من الاطلاق إذ مع عموم المعنى)

أى على تقدير الوضع للمعنى العام الشامل للمتلبس حال النسبة و المنقضي‏

(و قابلية كونه حقيقة في المورد و لو بالانطباق لا وجه لملاحظة حالة اخرى كما لا يخفى بخلاف ما اذا لم يكن له هذا العموم)

المصحح لحمل الاستعمال عليه بل كان اللفظ موضوعا لخصوص المتلبس بالمبدإ حال النسبة

(فان استعماله حينئذ مجازا بلحاظ حال الانقضاء و ان كان ممكنا إلا أنه بلحاظ حال التلبس على نحو الحقيقة بمكان من الامكان فلا وجه لاستعماله و جريه على الذات مجازا و بالعناية و ملاحظة العلاقة و هذا غير استعمال اللفظ فيما لا يصح استعماله فيه حقيقة)

فانه لا بد حينئذ من ارتكاب المجاز

(كما لا يخفى فافهم)

.

(ثم أنه ربما أورد على الاستدلال بصحة السلب بما حاصله أن اريد بصحة السلب صحته مطلقا فغير سديد)

إذ لا يصدق على زيد المنقضي عنه القيام أنه ليس بقائم لا في الماضي و لا في الحال و لا في الاستقبال بل يصدق عليه أنه قائم في الماضي‏

(و ان اريد)

بها صحة السلب‏

(مقيدا فغير مفيد لان علامة المجاز هي صحة السلب المطلق)

و فيما انقضى عنه المبدا إنما يصح السلب مقيدا بالحال و الاستقبال لا مطلقا و هذا لا يكون علامة المجاز و الجواب عنه أنه نشأ من الخلط و الاشتباه بين سلب المقيد بالاضافة و السلب عن المقيد مع وضوح الفرق بينهما كوضوح الفرق بين كل واحد منهما و بين السلب المقيد بالتوصيف و الاشكال إنما يرد اذا كان المراد هو الاول و توضيح ذلك أن الفرض في المقام لما كان تعيين ما هو المعنى الحقيقي للمشتقات فلا بد أن يلحظ أن ما هو معنى القائم مثلا هل يصح سلبه عن الذات المنقضي عنه المبدا حتى يكون مجازا فيه أم لا حتى يكون حقيقة فالتقييد بحال الانقضاء معتبر في ناحية الموضوع و اما المحمول فهو نفس معنى القائم الذى لا تقييد فيه أصلا فقد سلب معنى القائم سلبا مطلقا لا مقيدا عن الذات المقيدة بكونها منقضيا عنه المبدا فالمحمول و السلب كلاهما مطلقان لا تقييد فيهما أصلا و الموضوع مقيد و يمكن أن يقال أيضا أنه يصح سلب معنى القائم بقول مطلق عن الموضوع المطلق لكن ذاك السلب يكون بملاحظة الحال و الاستقبال فالموضوع و المحمول كلاهما مطلقان لكن السلب مقيد بكونه بملاحظة الحال و الاستقبال و على أى التقديرين‏

68

لا يلزم سلب أمر مقيد و الذى يضر بالعلامة المذكورة هو كون السلب متعلقا بأمر مقيد بأن كان المسلوب مقيدا كأن يقال زيد ليس بالقائم الآن و الاستقبال بل هو القائم فيما مضى و نحن نمنع ذلك لاحتمال كون القيد قيدا للسلب أو الموضوع و الى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله‏

(و فيه أنه ان اريد بالتقييد تقييد المسلوب الذى يكون سلبه أعم من سلب المطلق كما هو واضح)

إذ المحقق في محله ان نقيض الاخص أعم من نقيض الاعم كاللاإنسان بالنسبة الى اللاحيوان‏

(فصحة سلبه و ان لم يكن علامة على كون المطلق مجازا فيه)

أى في المنقضي‏

(إلا أن تقييده ممنوع و ان اريد تقييد السلب مع بقاء المسلوب على إطلاقه فغير ضائر بكونها علامة ضرورة صدق المطلق على أفراده على كل حال)

هذا بالنسبة الى الجواب الثاني و قوله‏

(مع إمكان منع تقييده أيضا بأن يلحظ حال الانقضاء فى طرف الذات الجارى عليها المشتق فيصح سلبه مطلقا بلحاظ هذا الحال كما لا يصح سلبه بلحاظ حال التلبس)

أى بلحاظ الموضوع مقيدا بحال التلبس هذا بالنسبة الى الجواب الاول‏

(فتدبر جيدا ثم لا يخفى أنه لا يتفاوت فى صحة السلب عما انقضى عنه المبدا بين كون المشتق لازما و بين كونه متعديا)

بتوهم أن اللازم لكونه لازما يلزمه التلبس فى مقام الحقيقة فلو انقضى يصح سلبه فيكون مجازا و اما المتعدى فلما كان من شأنه التعدى و عدم اللزوم فملاك الحقيقة فيه هو إيصاله الى المفعول فلا يصح سلبه عن الفاعل و لو انقضى عنه المبدا لتحقق الملاك و ذلك توهم فاسد

(لصحة سلب الضارب عمن يكون فعلا غير متلبس بالضرب و كان متلبسا به سابقا و اما إطلاقه عليه فى الحال فان كان بلحاظ حال التلبس فلا اشكال)

فى كونه حقيقة

(كما عرفت و ان كان بلحاظ الحال فهو و ان كان صحيحا إلا أنه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة لكون الاستعمال أعم منها كما لا يخفى)

فما فصله صاحب الفصول من الفرق بين كون المشتق لازما و بين كونه متعديا و خص المجازية فيما انقضى بما اذا كان لازما ضعيف جدا

(كما لا يتفاوت فى صحة السلب عنه)

أى عما انقضى‏

(بين تلبسه بضد المبدا و عدم تلبسه)

كما قد يتوهم اختصاص الحقيقة فيما انقضى بالنسبة الى الوصف الذى لا يتصف الذات بمجرد انقضائه بالضد و ذلك‏

(لما عرفت من وضوح صحته)

أى السلب‏

(مع عدم التلبس أيضا)

كالذى كان أسود و زال سواده و لما يتلبس بعد بالبياض بل كان أحمر أو أصفر او أشقر

(و ان كان معه)

أي مع التلبس بالضد

(أوضح و مما ذكرنا يظهر حال كثير من التفاصيل فلا نطيل بذكرها)

.

(حجة القول بعدم الاشتراط وجوه)

(الأول التبادر)

أي تبادر ما اتصف بالمبدإ حال الاتصاف و ما بعدها

(و قد عرفت)

بطلانه‏

(و ان المتبادر هو خصوص حال التلبس)

.

(الثاني عدم صحة السلب في)

مثل‏

(مضروب و مقتول عمن انقضى عنه المبدأ)

و ذلك‏

69

آية الحقيقة

(و فيه أن عدم صحته في مثلهما)

ليس لأجل أن المشتق موضوع للاعم بل‏

(إنما هو لأجل أنه اريد من المبدا معنى)

وسيع‏

(يكون التلبس به باقيا في الحال و لو مجازا)

بالتصرف العقلى في معنى المبدا بأن يراد الأثر الحاصل من احداث الفاعل ضرورة أنه لو اريد نفس الفعل الصادر عن الفاعل الواقع على الذات لصح السلب بلحاظ الحال بأن يقال ليس بمضروب و مقتول الآن بل في الماضي نعم لو لوحظ حال التلبس و الوقوع فلا يصح السلب‏

(و قد انقدح من بعض المقدمات)

السابقة

(انه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم في محل البحث و الكلام و مورد النقض و الإبرام اختلاف ما يراد من المبدا في)

جهة البحث‏

(و كونه حقيقة أو مجازا)

فالتصرف هنا إنما يكون في المبدا و هو لا يوجب التصرف في الهيئة التي هو محل الكلام‏

(و اما لو اريد منه)

أي من المبدا في مثل مضروب و مقتول‏

(نفس ما وقع على الذات مما صدر عن الفاعل فانما لا يصح السلب فيما لو كان بلحاظ حال التلبس و الوقوع كما عرفت لا بلحاظ الحال أيضا لوضوح صحة أن يقال انه ليس بمضروب الآن بل قد كان)

كما عرفت توضيحه.

(الثالث)

من الأدلة على عدم الاشتراط

(استدلال الامام ع تأسيا بالنبي ص)

(كما عن غير واحد من الأخبار بقوله تعالى:

لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏

، على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا لمنصب الإمامة و الخلافة تعريضا بمن تصدى لها ممن عبد الصنم مدة مديدة و من الواضح توقف ذلك)

الاستدلال‏

(على كون المشتق موضوعا للاعم و إلا لما صح التعريض لانقضاء تلبسهم بالظلم و عبادتهم الأصنام حين التصدي للخلافة)

و قد قرر الامام الرازي هذا الاستدلال في تفسيره بوجوه ثلاثة أحدها ان أبا بكر و عمر كانا كافرين فيقال كانا حال كفرهما ظالمين فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة انهما لا ينالان الامامة البتة و لا في شي‏ء من الأوقات فثبت انهما لا يصلحان للامامة، الثاني ان من كان مذنبا في الباطن كان من الظالمين فإذن ما لم نعرف انهما كانا من غير الظالمين المذنبين ظاهرا و باطنا وجب أن لا نحكم بامامتهما و ذلك إنما يثبت فيمن ثبت عصمته و لما لم يكونا معصومين بالاتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة، الثالث انهم كانوا مشركين و كل مشرك ظالم و الظالم لا ينال عهد الإمامة فوجب أن لا ينالوا عهد الامامة اما الأول فبالاتفاق و اما الثاني فلقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏، و اما الثالث فبهذه الآية ثم أورد كلا ما يستكشف منه ان مختاره هو أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس فلا يصح الاستدلال فانه قال لا يقال انهما كانا ظالمين حال كفرهما فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم أعم من أن وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه الى هذين القسمين و مورد القسمة شامل للاقسام و الذي يدل عليه نظرا الى الدلائل الشرعية أن‏

70

النائم يسمى مؤمنا و الايمان هو التصديق و التصديق غير حاصل حال كونه نائما فدل على أنه يسمى مؤمنا لايمان كان حاصلا من قبل و أيضا لو كان دوام حصول المشتق منه شرطا في صدق المشتق لوجب أن لا يكون المتكلم و الماشي و أمثالهما حقيقة في شي‏ء أصلا لأن أجزاء التكلم و المشي لا توجد معا لكن اللازم باطل بالانفاق فكذا الملزوم ثم أجاب عنهما بأن كل ما ذكرتموه معارض بما أنه لو حلف أحد أن لا يسلم على كافر فسلم على مؤمن في الحال و كان كافرا قبل سنين متطاولة فانه لا يحنث فدل على ما قلناه و لأن التائب من الكفر لا يسمى كافرا و التائب من المعصية لا يسمى عاصيا و كذا القول في نظائره انتهى محل الحاجة و اما المصنف قد أجاب عن هذا الاستدلال بأن استدلال الامام ع تأسيا بالنبي ص بهذه الآية على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا لمنصب الامام تام و ليس يتوقف على كون المشتق موضوعا للاعم بل على تقدير كونه موضوعا لخصوص المتلبس أيضا تام بقوله‏

(و الجواب منع التوقف على ذلك)

أي توقف الاستدلال على كون المشتق موضوعا للاعم‏

(بل يتم الاستدلال و لو كان)

المشتق‏

(موضوعا لخصوص المتلبس)

فانا و إن كنا مشاركين مع الخصم في أن المتقمصين للخلافة ما كانوا حين التقمص ظالمين أي عبدة للاصنام إلا أن الخصم يقول ان إجراء وصف الظالم إنما كان حين التقمص حقيقة لأجل كون الموضوع له هو الأعم فيشمل المنقضى عنه المبدا حين التقمص و نحن نقول انه إنما كان بحسب حال التلبس أي من تلبس بالظلم لا ينال عهدي و خلافتي لكونها من الامور العظيمة العزيزة لا ينالها إلا الأوحدي من الناس و هم الذين كانوا منزهين عن عبادة غير اللّه تعالى‏

(و توضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة و هي أن الأوصاف العنوانية التي تؤخذ في موضوعات الأحكام تكون على أقسام أحدها أن يكون أخذ العنوان لمجرد الاشارة الى ما هو في الحقيقة موضوع للحكم لمعهوديته بهذا العنوان من دون دخل لاتصافه به في الحكم أصلا)

أو لأجل أنه لم يخطر ببال الحاكم حين الحكم في ظرف انعقاد القضية من بين العناوين الثابتة لما هو في الحقيقة موضوع للحكم إلا هذا العنوان أو لأجل اختياره من بين العناوين الحاضرة اقتراحا أو لمرجح خطر بباله كقولنا كل كاتب حيوان‏

(و ثانيها أن يكون)

أخذ العنوان‏

(لأجل الاشارة الى عليّة المبدا للحكم مع كفاية مجرد صحة جري المشتق عليه و لو فيما مضى)

و بعبارة اخرى حدوث الوصف في آن يكفي في حدوث الحكم و بقائه و لا يناط بقاء الحكم ببقاء الوصف كقوله تعالى: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما

(و ثالثها أن يكون لذلك)

أي لأجل الاشارة الى عليّة المبدا للحكم‏

(مع عدم كفاية)

أي عدم كفاية مجرد صحة جري المشتق عليه و لو فيما مضى‏

(بل كان الحكم دائرا مدار صحة الجري عليه و اتصافه به حدوثا و بقاء)

كقولنا كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة

(اذا)

71

(عرفت هذا فنقول أن الاستدلال بهذا الوجه)

الثالث‏

(إنما يتم لو كان أخذ العنوان في الآية الشريفة على النحو الأخير ضرورة أنه لو لم يكن المشتق للاعم لما تم)

الاستدلال‏

(بعد عدم التلبس بالمبدإ ظاهرا حين التصدي)

للخلافة

(فلا بد أن يكون للاعم ليكون حين التصدي حقيقة من الظالمين و لو انقضى عنهم التلبس بالظلم و اما اذا كان)

أخذ العنوان في الآية الشريفة

(على النحو الثاني فلا)

يتم الاستدلال‏

(كما لا يخفى)

و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال‏

(و لا قرينة على أنه على النحو الأول)

المذكور في الجواب و هو النحو الثالث في المقدمة فتنبه‏

(لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني)

كيف و نحن نقول به‏

(فان الآية الشريفة في مقام بيان جلالة قدر الامامة و عظم خطرها و رفعة محلها و ان لها خصوصية من بين المناصب الإلهية و من المعلوم أن المناسب لذلك هو أن لا يكون المتقمص بها متلبسا بالظلم أصلا كما لا يخفى ان قلت نعم)

المناسب للمقام نظرا الى تلك القرينة ما ذكرت‏

(و لكن الظاهر أن الامام ع إنما استدل بما هو قضية ظاهر العنوان وضعا لا بقرينة المقام مجازا فلا بد أن يكون للاعم و إلا لما تم)

الاستدلال‏

(قلت لو سلم)

أن الظاهر أن الامام ع استدل بظاهر العنوان لكنه‏

(لم يكن يستلزم جري المشتق على النحو الثاني كونه مجازا بل يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبس كما عرفت فيكون معنى الآية و اللّه العالم من كان ظالما و لو آنا في زمان سابق لا ينال عهدي إياه أبدا و من الواضح ان إرادة هذا المعنى لا يستلزم الاستعمال لا بلحاظ حال التلبس)

حتى يثبت كونه حقيقة فيما انقضى‏

(و منه)

أي مما ذكرنا في رد الاستدلال الثالث‏

(انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه و المحكوم به باختيار عدم الاشتراط في الأول)

أي المحكوم عليه‏

(بآية حد السارق و السارقة و الزاني و الزانية و ذلك حيث ظهر أنه لا ينافي إرادة خصوص حال التلبس دلالتها)

أي الآية

(على ثبوت القطع و الجلد مطلقا و لو بعد انقضاء المبدا)

بأن يكون المعنى أن المتلبس بالسرقة و الزناء محكوم عليه في الحال بقطع اليد و الجلد مطلقا لا بهما في الحال‏

(مضافا الى وضوح بطلان تعدد الوضع)

في المشتق‏

(حسب وقوعه محكوما عليه و به كما لا يخفى)

للقطع بأنه بالمعنى الذي يقع محكوما عليه يقع محكوما به و بالعكس‏

(و من مطاوي ما ذكرنا هنا و في المقدمات ظهر حال ساير الأقوال و ما ذكر لها من الاستدلال و لا يسع المجال تفصيلها و من أراد الاطلاع عليها فعليه بالمطولات)

.

(بقي امور)

(الأول ان مفهوم المشتق على ما حققه الشريف في بعض حواشيه)

و هي تعليقه على شرح المطالع‏

(أمر بسيط منتزع عن الذات باعتبار تلبسها

(*)

بالمبدإ و اتصافها به غير مركب)

____________

(*) و بعبارة اخرى عنوان من عناوين الذات متحد معها في الوجود الخارجي و ليس الذات مأخوذا في مفهومه بحسب الوضع و لكن لما كان ذلك العنوان غير منفك عن-

72

(و قد أفاد في وجه ذلك أن مفهوم الشي‏ء لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلا و إلا لكان العرض العام داخلا في الفصل و لو اعتبر فيه ما صدق عليه الشي‏ء انقلب مادة الإمكان الخاص ضرورة فان الشي‏ء الذي له الضحك هو الانسان فثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري هذا ملخص ما أفاده الشريف على ما لخصه بعض الأعاظم)

و هو صاحب الفصول و توضيحه أنه لو كان المشتق بحسب المفهوم مركبا من الذات و المبدا لكان المراد من الذات اما الذات العام و الشيئية المطلقة أو الذات الخاص و الشيئية الخاصة أي الفرد و المصداق الخارجي فعلى الأول يلزم دخول العرض العام و هو الشي‏ء في الفصل مثلا لو كان مفهوم الناطق الذي هو فصل الانسان مركبا من الشي‏ء و النطق يلزم دخول الشي‏ء في حقيقة الناطق الذي هو فصل الانسان و وجه بطلان هذا اللازم هو لزوم عدم كون الفصل ذاتيا للنوع إذ على تقدير دخول العرض العام في مفهوم الفصل اما أن يكون جزئه الآخر ذاتيا أولا و على كلا التقديرين يكون الفصل خارجا لأن المركب من الداخل و الخارج خارج كما أن المركب من الخارجين خروجه ظاهر و أيضا يلزم دخول العرض العام في النوع بنفس دخول العرض العام في الفصل و على الثاني يلزم انقلاب القضية الممكنة الى الضرورية فان قولنا كل إنسان كاتب بالامكان قضية ممكنة في نفس الأمر فلو أخذ في مفهوم الكاتب الشي‏ء الخاص أي الانسان أو الشجر أو الحجر يلزم انقلاب جهة القضية التي هي الامكان الى الضرورة اما ضرورة الوجوب كما اذا كانت الذات الخاصة الانسان الذي هو نفس ذات الموضوع فان ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري و اما الى ضرورة العدم كما اذا كان الشجر أو الحجر الذي هو غير ذات الموضوع فان سلب الشي‏ء عن مباينه ضروري و أيضا يلزم دخول النوع في الفصل الذي هو يستلزم دخول نفسه في نفسه‏

(و قد أورد عليه في الفصول بأنه يمكن أن يختار الشق الأول)

أي اعتبار الشيئية العامة

(و يدفع الاشكال بأن كون الناطق مثلا فصلا مبني على عرف المنطقيين حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات و ذلك لا يوجب وضعه لغة كذلك)

و الحال ان الكلام في مفهوم المشتق لغة

(و فيه انه من المقطوع ان مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف)

من المنطقيين‏

(في معناه أصلا بل بما)

____________

- الذات في الوجود الخارجي فقد يتوهم كونها ماخوذا فيه و ليس كذلك ضرورة ان كون شي‏ء عنوانا لشي‏ء لا يقتضي كون المعنون داخلا في مفهوم العنوان لاستلزامه كون المعنون دائما اما جزء الذات أو عينها و هو باطل لجواز أن يكون أمرا خارجا عنها كما اذا جعل الكاتب أو الضاحك أو الماشي عنوانا للانسان غاية الأمر عدم انفكاك العنوان عنها و ذلك لا يستلزم كون هذه العناوين داخلا في موضوع له الانسان. و منه دام ظله‏

73

(له من المعنى كما لا يخفى و التحقيق)

على تقدير اختيار الشق الأول‏

(أن يقال أن مثل)

مفهوم‏

(الناطق ليس بفصل حقيقي بل لازم ما هو الفصل و أظهر خواصه و إنما يكون فصلا مشهوريا منطقيا يوضع مكانه)

أي مكان الفصل الحقيقي‏

(إذا لم يعلم نفسه)

لتعسره‏

(بل لا يكاد يعلم)

و يكون متعذرا علمه‏

(كما حقق في محله)

و على تقدير إمكان العلم به لا يمكن التعبير عنه بعد إدراكه فان الفصل الحقيقي لكل شي‏ء هو نحو وجوده الخاص به و الوجودات مجهولة الأسامي و إنما الأسماء جعلت بإزاء المهيات لإمكان حصولها في الأذهان بخلاف الوجود فان حقيقته انه في الأعيان و ما هذا كنهه لا يمكن أن يحصل في الأذهان و إلا يلزم الانقلاب و لذا قالوا ان إدراك الوجود إنما هو بشهوده و هو لا يحصل إلا للراسخين‏

(و لذا)

أي و لأجل ان الامور التي ادعى كونها فصولا ليست بفصول حقيقية

(ربما يجعل لازمان)

لفصل واحد

(مكانه اذا كانا متساوى النسبة اليه)

بحسب الواقع أو لم يعلم أقربية أحدهما اليه‏

(كالحساس و المتحرك بالارادة في)

تعريف‏

(الحيوان)

فلو كانت تلك المفاهيم فصولا حقيقية يلزم أن يكون لماهية واحدة فصلان قريبان في مرتبة واحدة و قد حقق في محله بطلانه بخلاف اللازم فانه يمكن أن يكون لملزوم واحد لوازم متعددة

(فعليه لا بأس بأخذ مفهوم الشي‏ء في مثل)

مفهوم‏

(الناطق فانه و ان كان عرضا عاما)

لكل الأشياء الخاصة الخارجية و من المعقولات الثانية التي لا تكون حقيقة شي‏ء من الأشياء الخارجية بحيث يكون العلم به علما بها كمفهوم العلم حيث أن العلم به لا يكون علما بشي‏ء من الأشياء الخارجية

(لا فصلا مقوما للانسان إلا أنه بعد تقييده بالنطق و اتصافه به كان من أظهر خواصه و بالجملة لا يلزم من أخذ مفهوم الشي‏ء في معنى المشتق إلا دخول العرض في الخاصة التي هي من العرضي لا في الفصل الحقيقي الذى هو من الذاتي فتدبر جيدا)

اللهم إلا أن يقال ان الفصل المنطقي عندهم يطلق على المفاهيم التي تنتزع من خصوص الفصل الحقيقي لكونها مثله في الامتياز و الاختصاص فعلى هذا يكون مراد السيد الشريف أن مفهوم الشي‏ء لو اعتبر فى المشتق يلزم أن لا يكون مفهوم الناطق فصلا بهذا المعنى الذى أشرنا اليه و تقييده بالنطق لا يفيده اختصاصا أزيد من الاختصاص الثابت للنطق فضم مفهوم الشي‏ء الذى هو من المفاهيم العامة فى مقام التعبير عن أظهر الخواص الى أى مفهوم كان يكون كضم الحجر بجنب الانسان‏

(ثم قال فى الفصول انه يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضا)

يعني ان المعتبر هو ما صدق عليه الشي‏ء

(و يجاب)

عن قضية الانقلاب‏

(بأن المحمول ليس)

مجرد

(مصداق الشي‏ء و الذات مطلقا)

حتى يلزم الانقلاب‏

(بل مقيدا بالوصف و ليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا انتهى)

كقولنا زيد كاتب بالامكان لأن معناه زيد زيد له الكتابة بالامكان و معلوم ان حمل زيد المقيد

74

بالكتابة على زيد ليس بضرورى فالمادة باقية على إمكانه‏

(و يمكن أن يقال)

فى رد كلام صاحب الفصول‏

(ان عدم كون ثبوت القيد ضروريا لا يضر بدعوى الانقلاب فان المحمول ان كان ذات المقيد و كان القيد خارجا و ان كان التقييد داخلا بما هو معنى حرفى)

أى بما هو تقييد و نسبة و آلة لملاحظة حال المقيد و القيد و إنما قيده بذلك لئلا يصح أن تعتبر ضميمة فى المحمول كي يبقى الاشكال بخلاف ما اذا لوحظ التقييد مستقلا فانه يمكن أن تعتبر ضميمة فى المحمول فيلزم الاشكال‏

(فالقضية لا محالة)

حين خروج القيد و دخول التقييد بما هو معنى حرفى‏

(يكون ضرورية ضرورة ضرورية ثبوت الانسان الذى يكون مقيدا بالنطق للانسان و ان كان)

المحمول هو

(المقيد به بما هو مقيد على أن يكون القيد داخلا)

لا ذات المقيد وحده‏

(فقضية الانسان ناطق ينحل فى الحقيقة الى قضيتين إحداهما قضية الانسان انسان و هي ضرورية و الاخرى قضية الانسان له النطق و هي ممكنة و ذلك لأن الأوصاف قبل العلم بها اخبار كما أن الاخبار بعد العلم بها أوصاف فعقد الحمل)

أى اتصاف ذات الموضوع بوصف المحمول‏

(ينحل الى القضية كما أن عقد الوضع)

أى اتصاف ذات الموضوع بوصف الموضوع‏

(ينحل الى قضية مطلقة عامة عند الشيخ و قضية ممكنة عند الفارابي فتأمل)

و يمكن أن يقال انا نختار ان المحمول هو المقيد بما هو مقيد و لازمه هو إثبات أمر واحد مقيد للموضوع و قضية الانحلال الى قضيتين خارجة عن الفرض لأنه يستلزم كون المحمول نفس ذات المقيد بعد خروج القيد و التقييد جميعا و كذلك حديث أن الأوصاف قبل العلم بها اخبار كما أن الاخبار بعد العلم بها أوصاف لا ربط له بالمقام بعد فرض ان الغرض إثبات أمر مقيد بما هو مقيد للموضوع فيصح حينئذ الالتزام بعدم خروج مادة القضية حينئذ عن الامكان لجواز عدم كون القيد ضروريا و لعل قوله فتأمل اشارة الى الاشكالين المذكورين و ليعلم أن ما هو المحكى عن العلمين هو أن عقد الوضع أى اتصاف ذات الموضوع بوصف الموضوع هل هو بالفعل كما ذهب اليه الشيخ أبو علي أو بالامكان كما ذهب اليه الفارابي و ذلك غير القضية المطلقة العامة و الممكنة لأن القضية تركيب تام خبرى و عقد الوضع تركيب ناقص تقييدى فتدبر

(لكنه قده تنظر فيما أفاد بقوله و فيه نظر لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا ان كانت مقيدة به واقعا صدق الايجاب بالضرورة و إلا صدق السلب بالضرورة مثلا لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن يصدق زيد الكاتب بالقوة أو بالفعل كاتب بالضرورة انتهى)

و لعله الى هذا النظر أشار من تنظر فيه بقوله على اعتبار المصداق كان المعنى الانسان انسان ممكن الضحك بالضرورة فتأمل انتهى و حاصله ان الامكان الذاتي عبارة عن كيفية خاصة من كيفيات نسبة المحمول الى الموضوع فى نفس الأمر و الواقع من حيث هي هي مع‏

75

قطع النظر عن الأشياء الأخر فالمحمول الممكن الثبوت للموضوع هو ما تساوى نسبة وجوده و عدمه الى الموضوع مع قطع النظر عن امور أخر غير ذاتي الموضوع و المحمول فمعنى إمكان ثبوت الكتابة للانسان هو أنه ليس فى ذات الانسان من حيث هي هي ما يقتضي ضرورة ثبوتها له و لا ضرورة سلبها عنه لكن الممكن مع ذلك محفوف بالوجوبين الوجوب السابق الذى يثبت له من ناحية العلة و من هنا يقولون ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد أى ما لم ينسد جميع أنحاء عدمه من طرف علته لم يوجد لبطلان ترجيح أحد المتساويين على الآخر و كذلك الأولوية الذاتية أو الغيرية الكافية أو الغير الكافية و الوجوب اللاحق و هو الضرورة بشرط المحمول فان الموضوع بشرط ثبوت المحمول له بحسب الواقع يمتنع ثبوت نقيضه له و هذا ليس من الانقلاب فى شي‏ء بل هو لازم فى كل قضية

(و لا يذهب عليك ان صدق الايجاب بالضرورة بشرط كونه)

أي الموضوع‏

(مقيدا به)

أي بالمحمول‏

(واقعا لا يصحح دعوى الانقلاب)

أي انقلاب مادة الإمكان‏

(الى الضرورة ضرورة صدق الايجاب بالضرورة بشرط المحمول في كل قضية و لو كانت ممكنة كما لا يكاد يضرّ بها)

أي بالممكنة

(صدق السلب كذلك)

أي بالضرورة

(بشرط عدم كونه مقيدا به واقعا لضرورة السلب بهذا الشرط)

أي بشرط عدم المحمول و هذا هو العدم اللاحق الذي أشاروا اليه بقولهم ان الممكن محفوف بالعدمين العدم و ضرورة السلب الذى يثبت له من ناحية عدم العلة بما هي علة و العدم اللاحق الذي يثبت له من ملاحظة نسبة العدم أي عدم الوجود أو عدم محمول خاص غير الوجود اليه‏

(و ذلك)

أي عدم التصحيح و عدم المضرة المذكورين‏

(لوضوح أن المناط في الجهات و مواد القضايا)

و عناصر العقود

(إنما هو بملاحظة أن نسبة هذا المحمول الى ذلك الموضوع موجّهة بأي جهة منها و مع أية منها في نفسها صادقة لا بملاحظة ثبوتها له واقعا و عدم ثبوتها له كذلك و إلا كانت الجهة منحصرة بالضرورة ضرورة صيرورة الايجاب أو السلب بلحاظ الثبوت و عدمه واقعا ضروريا و يكون من باب الضرورة بشرط المحمول)

كما ذهب الى انحصار الجهة في ذلك الشيخ الاشراق‏

(و بالجملة الدعوى هو انقلاب مادة الامكان بالضرورة فيما ليست مادته واقعا في نفسه و بلا شرط غير الامكان)

كما أن الوجوب و الامتناع اللذين من الجهات و عناصر العقود إنما يعتبران فيما مادته بحسب طباعه كذلك كما في قولنا الواجب موجود بالضرورة و شريك الباري ممتنع و الضرورة بشرط المحمول لا يوجب الانقلاب بل يجامعه قطعا و ليعلم أن صاحب الفصول قال بعد هذا الكلام الذي نقله المصنف و لا يذهب عليك أنه يمكن التمسك بالبيان المذكور على ابطال الوجه الأول أيضا لأن لحوق مفهوم الذات أو الشي‏ء لمصاديقهما أيضا ضروري و لا وجه لتخصيصه بالوجه الثاني انتهى فأشار المصنف الى رده بقوله‏

(و قد)

76

(انقدح بذلك)

أي بالفرق بين الضرورة الذاتية و الضرورة بشرط المحمول‏

(عدم نهوض ما أفاده رحمه اللّه)

أي الضرورة بشرط المحمول‏

(بابطال الوجه الأول)

أي بابطال اعتبار مفهوم الذات و الشي‏ء في مفهوم المشتق‏

(كما زعمه قدس سره فان لحوق مفهوم الشي‏ء و الذات لمصاديقهما إنما يكون ضروريا مع إطلاقهما)

أي غير مأخوذين مع قيد من القيود

(لا مطلقا)

و في جميع الأحوال‏

(و لو مع التقييد)

بقيد خاص كالنطق و الضحك و المشي و غير ذلك من المصادر فاذا قلنا زيد كاتب و أردنا شي‏ء له الكتابة فانما الضروري ثبوته لزيد هو الشيئية المطلقة لا الشيئية المقيدة بالكتابة لعدم ضرورية القيد و هو واضح‏

(إلا بشرط تقييد المصاديق به أيضا)

حتى تتحقق الضرورة بشرط المحمول مثلا لا يصدق زيد شي‏ء له الكتابة بالضرورة لكن يصدق زيد الشي‏ء له الكتابة بالقوة أو بالفعل شي‏ء له الكتابة كذلك بالضرورة

(و قد عرفت حال الشرط)

و انه لا يصحح الانقلاب بل يجامع الامكان الذاتي قطعا

(فافهم ثم انه لو جعل التالي في الشرطية الثانية)

و هي ما لو اريد مصداق الشي‏ء

(لزوم أخذ النوع في الفصل)

كما أشرنا اليه‏

(ضرورة أن مصداق الشي‏ء الذي له النطق هو الانسان كان أليق بالشرطية الاولى)

التي جعل تاليها لزوم أخذ العرض العام في الفصل‏

(بل كان أولى)

من جعل التالي في الشرطية الاولى دخول العرض العام في الفصل‏

(لفساده مطلقا و لو لم يكن مثل الناطق بفصل حقيقي ضرورة بطلان أخذ الشي‏ء في لازمه و خاصته)

أي في لازم الفصل و خاصته بخلاف التالي في الشرطية الاولى لابتناء فساده على كون الناطق فصلا حقيقيا كما عرفته‏

(فتأمل جيدا ثم انه يمكن أن يستدل على البساطة بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل زيد الكاتب و لزومه)

أى التكرار

(من التركب و أخذ الشي‏ء مصداقا أو مفهوما في مفهومه)

كما استدل بهذا الدليل المحقق الدواني لاثبات اتحاد العرض و العرضي أى الكتابة و الكاتب قال في حاشيته القديمة لا يدخل في مفهوم المشتق الموصوف لا عاما و لا خاصا لأنه لو دخل في مفهوم الأبيض مثلا الشي‏ء كان معنى قولك الثوب الأبيض الثوب الشي‏ء الأبيض و لو دخل فيه الثوب بخصوصه كان معناه الثوب الثوب الأبيض و كلاهما معلوم الانتفاء و اعترض عليه سيد المدققين بأنه لو دخل فيه الشي‏ء أو الثوب لم يكن معناه ما ذكره بل يصير معناه على الأول الثوب الشي‏ء له البياض و على الثاني الثوب الثوب له البياض، و وجه بعض المدققين كلام المحقق الدواني بأن المراد بالأبيض هنا الناعت وحده و هو الذى يعبّر عنه بالفارسية سفيد و كيف كان فملخص مرامه هو ما بيّنه المصنف انه يعلم بالبديهة انه ليس في توصيف الثوب بالأبيض تكرار الموصوف أصلا لا بطريق العموم و لا بنهج الخصوص مع انه لو كان الموصوف داخلا في مفهومه لزم التكرار.

77

(إرشاد)

(لا يخفى أن معنى البساطة بحسب المفهوم وحدته إدراكا و تصورا بحيث لا يتصور عند تصوره إلا شي‏ء واحد لا شيئان و ان انحل بتعمل العقل الى اثنين كانحلال مفهوم الحجر و الشجر الى شي‏ء له الحجرية و الشجرية مع وضوح بساطة مفهومهما)

فالبساطة في حاق الذهن و التركيب في ظرف التحليل فلا منافاة بين ما ذكرنا من البساطة و بين ما يذكره القوم من أن الضارب معناه شي‏ء له الضرب أو شي‏ء ثبت له الضرب و ان كان ببالي انه ذكر السيد الشريف في ذيل تعليقه المتقدم ان ذكر الشي‏ء في تفسير المشتقات بيان لمرجع الضمير المجرور في له المبدا الذى هو معنى المشتقات‏

(و بالجملة لا ينثلم بالانحلال الى الاثنينية بالتعمل العقلى وحدة المعنى و بساطة المفهوم كما لا يخفى و الى ذلك)

أى البساطة في حاق العقل و التركيب في ظرف التحليل العقلي‏

(يرجع الإجمال و التفصيل الفارقين بين الحد و المحدود مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتا فالعقل بالتعمل)

و التكلف‏

(يحلل النوع و يفصله الى جنس و فصل)

باعتبار مشاركات الأقل و الأكثر

(بعد ما كان أمرا واحدا إدراكا و شيئا فاردا تصورا فالتحليل يوجب فتق)

و تفصيل‏

(ما هو)

أى المحدود

(عليه من الجمع و الرتق)

و الاجمال و يمكن أيضا رفع المنافاة بأن يقال ان معنى المشتق بسيط مطلقا لكن اقيم مقامه ذلك المركب فكان هذا المعنى المركب ذاك المعنى البسيط منحلّا لا أن ذلك المعنى ينحل حقيقة اليه و بينهما فرق بيّن إذ على هذا الاحتمال يكون المعنى المركب من لوازم ذلك المعنى البسيط و تفسير الشي‏ء باللازم جائز.

(الثاني الفرق بين المشتق و مبدئه مفهوما)

بعد عدم اعتبار الذات في المشتق لا عاما و لا خاصا

(انه)

أى المشتق‏

(بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبس بالمبدإ و لا يعصى عن الجرى عليه لما هما عليه من نحو من الاتحاد)

فمفهوم الضارب البسيط يكون في حد ذاته معنى جاريا على الموصوف قد انتزع من الذات الظاهرة بهذه الصفة الذى يعبر عنه بالفارسية زننده و عن الأبيض سفيد

(بخلاف المبدا فانه بمعناه يأبى عن ذلك)

أى عن الجرى على الموصوف‏

(بل اذا قيس و نسب اليه كان غيره لا هو هو و ملاك الحمل و الجرى إنما هو نحو من الاتحاد و الهوهوية)

فمفهوم الضرب لما لم يكن منتزعا عن الذات الظاهرة بتلك الصفة بل انتزع من نفس تلك الخصوصية فحسب فلم يحمل على الذات إلا بعناية و تكلف من المبالغة و نحوها فعلى هذا التحقيق تكون المغايرة بينهما مغايرة واقعية لا اعتبارية بأن يكون هناك اعتباران معتوران على أمر واحد و معنى فارد

(و الى هذا)

أى الى الفرق الواقعي المذكور

(يرجع ما ذكره أهل المعقول من الفرق بينهما من أن المشتق يكون لا بشرط و المبدا يكون بشرط لا أى يكون مفهوم المشتق)

78

(غير آب عن الحمل و مفهوم المبدا يكون آبيا عنه)

و الحاصل أن اللابشرطية و البشرطلائية داخل في قوام ذاتي المشتق و المبدا لا ينفكان عنهما أصلا و ليس المراد أن المعنى الواحد الموجود بحسب نفس الأمر يختلف اعتباراته بحسب لحوق الطوارى و العوارض‏

(و صاحب الفصول حيث توهم أن مرادهم إنما هو بيان التفرقة بهذين الاعتبارين بلحاظ الطوارى و العوارض الخارجية مع حفظ مفهوم واحد)

نظير الطوارى العارضة المبحوثة في مبحث المطلق و المقيد

(أورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك لأجل امتناع حمل العلم و الحركة على الذات و ان اعتبرا لا بشرط)

بالنسبة الى كل القيود من الزمان و المكان و الوضع و الاضافة و نحو ذلك‏

(و غفل عن أن المراد ما ذكرنا كما يظهر منهم من بيان الفرق بين الجنس و الفصل و بين المادة و الصورة فراجع)

مع وضوح أن الجنس من الأجزاء الذهنية و المادة من الأجزاء الخارجية و كذا الفصل و الصورة و ممن صرح بأن الفرق بينهما بالذات لا بالاعتبار هو الشيخ الرئيس في كتاب الشفاء و ان خالفه المحقق الدواني و تبعه سيد المدققين.

(الثالث ملاك الحمل)

(كما أشرنا اليه هو الهوهوية و الاتحاد من وجه و المغايرة من وجه آخر)

سواء في ذلك الحمل الاولى الذاتي الذى ملاكه هو اتحاد الموضوع و المحمول بحسب الماهية كما في حمل الحد التام على المحدود أو الحمل الشائع الصناعي العرضي الذى ملاكه هو الاتحاد بحسب الوجود فقط المنقسم الى حمل المواطاة و حمل التركيب و الاشتقاق و قد بين أقسامه مستوفى في مقامه‏

(كما يكون بين المشتقات و الذوات و لا يعتبر معه)

أى مع وجود هذا الملاك‏

(ملاحظة التركيب بين المتغايرين و اعتبار كون مجموعهما بما هو كذلك واحدا بل يكون لحاظ ذلك مخلّا لاستلزامه المغايرة بالكلية و الجزئية)

و الجزء بما هو جزء آب عن الحمل على الكل و كذلك آب عن الحمل على الجزء الآخر و بالعكس‏

(و من الواضح ان ملاك الحمل لحاظ نحو من الاتحاد بين الموضوع و المحمول مع وضوح عدم لحاظ ذلك)

أى ما ذكره صاحب الفصول‏

(في التحديدات و ساير القضايا في طرف الموضوعات)

كما هو صريح كلامه رحمه اللّه و سننقله بعيد هذا و نبين وجه ورود اعتراض المصنف عليه‏

(بل لا يلحظ في طرفها إلا صرف نفس معانيها كما هو الحال في طرف المحمولات)

أى لا يلحظ إلا صرف معاني المحمولات و لا يلحظ التركيب بين المتغايرين و اعتبار كون مجموعهما بما هو كذلك واحدا

(و لا يكون حملها عليها إلا بملاحظة ما هما عليه من نحو الاتحاد مع ما هما عليه من المغايرة و لو بنحو من الاعتبار فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول تحقيقا للمقام)

حيث قال و تحقيق المقام ان حمل الشي‏ء يستدعي أن يكون بينهما مغايرة باعتبار الذهن في لحاظ الحمل و اتحاد باعتبار الظرف الذى يعتبر الحمل بالقياس اليه من ذهن أو خارج ثم التغاير قد يكون اعتباريا

79

و الاتحاد حقيقيا كقولك هذا زيد و الناطق حساس و قد يكون التغاير حقيقيا و الاتحاد اعتباريا و ذلك بتنزيل الأشياء المتغايرة منزلة شي‏ء واحد و ملاحظتها من حيث المجموع و الجملة فيلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية فيصح حمل كل جزء من الأجزاء المأخوذة لا بشرط عليه و حمل كل واحد منها على الآخر بالقياس اليه نظرا الى اتحادهما فيه كقولك الانسان جسم أو ناطق فان الانسان مركب في الخارج حقيقة من بدن و نفس لكن اللفظ إنما وضع بإزاء المجموع من حيث كونه شيئا واحدا و لو بالاعتبار فان أخذ الجزء ان بشرط لا كما هو مفاد لفظ البدن و النفس امتنع حمل أحدهما على الآخر و ان أخذ لا بشرط كما هو مفاد الجسم و الناطق صح حمل أحدهما على الآخر و حملهما على الانسان لتحقق الاتحاد المصحح للحمل فقد تحقق بما قررنا أن حمل أحد المتغايرين بالوجود على الآخر بالقياس الى ظرف التغاير لا يصح إلا بشروط ثلاثة أخذ المجموع من حيث المجموع و أخذ الأجزاء لا بشرط و اعتبار الحمل بالنسبة الى المجموع من حيث المجموع انتهى كلامه قده‏

(و فى كلامه موارد للنظر يظهر بالتأمل و إمعان النظر)

منها قوله ان حمل الشي‏ء على الشي‏ء الى قوله من ذهن أو خارج فان مناط الحمل و الصدق هو وحدة ما و اثنينية ما فرارا عن حمل الشي‏ء على نفسه الذى هو عديم الفائدة لكونه ضروريا و عن حمل المباين على المباين الذى هو مستحيل عقلا فالحمل ان كان شايعا صناعيا فلا بد أن يكون مفاده الاتحاد فى الوجود و التغاير فى المفهوم و المعنى و ان كان حملا أوليا ذاتيا فمفاده أن معنى الموضوع هو معنى المحمول ماهيّة لا أن يقتصر على مجرد الاتحاد فى الوجود فتخصيص المغايرة باعتبار الذهن فى لحاظ الحمل و الاتحاد باعتبار الظرف الذي يعتبر الحمل بالقياس اليه من ذهن أو خارج مما لا وجه له و لا برهان يدل عليه و منها قوله ثم التغاير قد يكون الى آخره فان ملاك الحمل في الحمل الشائع و هو الوجود اما أمر أصيل متحقق في الأعيان دائما على المذهب المختار و اما أمر اعتباري كذلك على القول باصالة الماهية و اعتبارية الوجود و كذلك الملاك في الحمل الاولى الذاتي و أيضا يرد عليه ما أورده المصنف من كون ملاحظة التركيب بين المتغايرين و اعتبار كون مجموعهما بما هو كذلك مخلّا بالحمل لاستلزامه المغايرة بين الموضوع و المحمول بالجزئية و الكلية ضرورة أن الموضوع مركب من مجموع الأجزاء على ما هو المفروض و المحمول كل جزء منها بنفسه مع أن في مقام التحديدات و ساير القضايا لم يلحظ في طرف الموضوعات إلا صرف معانيها و ذلك لأنه لو كان الملحوظ في طرف الموضوع أخذ المجموع من حيث المجموع واحدا لا ذات المجموع لما كان الحد التام فيما اذا حمل على المحدود مساويا له بحسب الأجزاء لزيادة المحدود عليه بجزء اعتباري و هو ملاحظة المجموع من حيث المجموع أمرا واحدا مضافا الى وضوح أن الموضوع في التحديدات و غيرها من القضايا ليس إلا نفس‏

80

معاني ألفاظها و من المعلوم أنها ليس إلا ذاتها لا مع لحاظ اتحادها و تركيبها مع محمولاتها كما في المحمولات و لم يلحظ في طرف شي‏ء منهما التركيب الخارجي نعم جهة الاتحاد قد يكون في جانب الموضوع كزيد هذا الكاتب و قد يكون فى جانب المحمول كهذا الكاتب زيد و قد يكون في جانبهما كقولنا الانسان حيوان فان الوجود الذي وجد به معنى الانسان هو الذي وجد به معنى الحيوان حقيقة و قد يكون خارجا عنهما بالحقيقة كهذا الكاتب هذا الضاحك فان جهة الاتحاد هو وجود الانسان لأنه أمر متحقق بالذات دون وجود مثل الكاتب و الضاحك لأنهما عرضي و العرضي غير موجود فى الخارج إلا بالعرض و مما ذكرنا فى هذين الأخيرين ظهر وجه الأولين فالاتحاد بين الانسان و الحيوان اتحاد بالذات و بين العرضيات اتحاد بالعرض و كذا بين الذاتي و العرضي.

(الرابع لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوما)

(و ان اتحدا عينا و خارجا)

سواء في ذلك كون المشتق بحسب المفهوم بسيطا أو مركبا

(فصدق الصفات)

الكمالية للمبدئ تعالى من‏

(مثل العالم و القادر)

و السميع و البصير و الحي و المريد

(و الرحيم و الكريم الى غير ذلك من صفات الكمال و الجلال عليه تعالى على ما ذهب اليه أهل الحق من عينية صفاته تعالى)

لذاته‏

(يكون على نحو الحقيقة فان المبدا فيها)

من مثل العلم و القدرة و السمع و البصر و نحو ذلك‏

(و ان كان عين ذاته خارجا إلا أنه غير ذاته تعالى مفهوما)

و السر في ذلك أن البرهان قد دل على أن الأوصاف الكمالية لا تصح أن تكون عارضا لذاته تعالى بحيث تكون الذات في مرتبة ذاته خلوا عن العلم و القدرة و إلا لزم الجهل و العجز في ذاته و ما يكون كذلك ليس يليق أن يكون أشرف الموجودات و مبدئها لإمكان وجود أشرف منه و هو ما يكون في حد ذاته عالما قادرا سميعا بصيرا و هذا لارتباط له بمقام المفاهيم و المعاني و أوضاع الألفاظ و لا يوجب تغييرا فيها و ليس هذا إلا مثل الأسود اذا اطلق تارة على السواد المجرد و تارة على الشي‏ء الأسود فان معناه في الجميع واحد و هو ما ثبت له السواد و ان كان مصداقه في أحد الموضعين نفس السواد و في الآخر مع شي‏ء آخر فمناط الأسودية تحقق السواد مطلقا أعم من أن يكون مجردا عن غيره أو مقرونا به‏

(و منه قد انقدح ما في الفصول من الالتزام بالنقل أو التجوز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى بناء على الحق من العينية لعدم المغايرة المعتبرة بالاتفاق)

بعد ثبوت العينية

(و ذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوما و لا اتفاق على اعتبار غيرها)

من المغايرة الواقعية

(ان لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره)

أي على عدم اعتبار غير المغايرة المفهومية

(كما لا يخفى و قد عرفت ثبوت المغايرة كذلك)

أي الاعتبارية

(بين الذات)

سواء اعتبر في مفهوم المشتق أو خارجا عنه‏

(و مبادى الصفات)

.

81

(الخامس أنه وقع الخلاف بعد الاتفاق على اعتبار المغايرة)

نحوا من المغايرة

(كما عرفت بين المبدا و ما يجري عليه المشتق في اعتبار قيام المبدا به في صدقه على نحو الحقيقة)

الجار الأول متعلق بقوله وقع الخلاف‏

(و قد استدل من قال بعدم الاعتبار بصدق الضارب و المؤلم مع قيام الضرب و الألم بالمضروب و المؤلم بالفتح)

و بصدق زيد محرق الخشب مع قيام الاحراق بالنار

(و التحقيق أنه لا ينبغي أن يرتاب من كان من اولي الالباب في أنه يعتبر في صدق المشتق على الذات و جريه عليها من التلبس بالمبدإ بنحو خاص على اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة)

من كونها قوة و ملكة و حالا الى غير ذلك‏

(و اختلاف الهيئات اخرى من القيام صدورا)

كضارب‏

(أو حلولا)

كميت‏

(أو وقوعا عليه)

كمضروب‏

(او فيه)

كمجلس اسم المكان أو الزمان‏

(أو انتزاعه)

عنه‏

(مفهوما)

لوجود ملاك الانتزاع‏

(مع اتحاده معه خارجا)

و لو بحكم البرهان‏

(كما في صفاته تعالى على ما أشرنا اليه آنفا او مع عدم تحقق إلا للمنتزع عنه)

عطف على قوله مع اتحاده معه خارجا

(كما في الاضافات و الاعتبارات التي لا تحقق لها و لا يكون بحذائها في الخارج شي‏ء و يكون من الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة)

حيث أن وجودها هو وجود المنتزع عنه بتلك الخصوصية كالابوة حيث أن وجودها هو وجود الأب بحيث خلق من مائه انسان آخر و يسمى هذا النحو من الوجود في اصطلاحهم بالوجود الرابط المقابل لوجود الجواهر الذي هو عبارة عن الوجود لا في الموضوع المسمى بالوجود المحمولي و المقابل أيضا لوجود ساير الأعراض التي حملها على موضوعاتها يفيد ضميمة فيها المسمى بالوجود الرابطي مع ياء النسبة و بالجملة لا بد من ملاحظة انحاء التلبسات لا خصوص تلبس خاص‏

(ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدا مغايرا له تعالى مفهوما)

لأن المفاهيم بما هي مفاهيم من شأنها المغايرة و البينونة

(و قائما به عينا لكنه بنحو من القيام)

الذي هو أشد و أكمل انحائه بحيث لا يتصور قيام أكمل منه‏

(لا)

القيام المشهوري‏

(بأن يكون هناك اثنينية و كان ما بحذائه)

أي ما بحذاء المبدا

(غير الذات)

بأن كان هناك في الخارج قائم و مقوم به‏

(بل بنحو الاتحاد و العينية و كان ما بحذائه عين الذات)

بالبرهان‏

(و عدم اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الامور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة اذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة و لو بتأمل و تعمّل من العقل و العرف إنما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها)

بل لا بد في هذا المقام من التحقيق و المداقة العقلية و مراعاة الواقع‏

(و بالجملة يكون مثل العالم و العادل و غيرهما من الصفات الجارية عليه تعالى و على غيره)

من الممكنات‏

(جارية عليهما بمفهوم واحد و معنى فارد)

و هو ذات تلبس بالمبدإ مثلا على القول بكون مفهوم المشتق مركبا

(و ان اختلفا فيما يعتبر في الجري من الاتحاد)

82

(و كيفية التلبس بالمبدإ حيث انه بنحو العينية فيه تعالى)

بالبرهان‏

(و بنحو الحلول أو الصدور في غيره فلا وجه لما التزم في الفصول من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليها من المعنى كما لا يخفى كيف و لو كانت بغير معانيها العامة)

للواجب و الممكن‏

(جارية عليه تعالى كانت صرف لقلقة اللسان و ألفاظا بلا معنى فان تلك المفاهيم العامة الجارية على غيره غير مفهوم و لا معلوم إلا بما يقابلها)

من الجهل و العجز بالنسبة الى العالم و القادر مثلا

(ففي مثل ما اذا قلنا انه تعالى عالم اما أن يعنى انه ينكشف لديه الشي‏ء)

مقابل الجاهل بمعنى من لا ينكشف عنده الشي‏ء

(فهو ذلك المعنى العام)

فلا نقل حينئذ

(أو أنه مصداق لما يقابل ذلك المعنى)

أي جاهل‏

(فتعالى عن ذلك‏

عُلُوًّا كَبِيراً

و اما أن لا يعني شي‏ء فيكون كما قلنا من كونها صرف اللقلقة و كونها بلا معنى كما لا يخفى و العجب انه جعل ذلك)

أي النقل‏

(علة لعدم صدقها في حق غيره تعالى و هو كما ترى ممنوع)

جدا لتحقق الصدق بمفهوم فارد

(و بالتأمل فيما ذكرنا ظهر الخلل فيما استدل من الجانبين)

أي القائلين باشتراط صدق المشتق على شي‏ء حقيقة بقيام مبدا الاشتقاق به من دون واسطة في العروض و عدمه‏

(و المحاكمة من الطرفين)

أي محاكمة صاحب الفصول حيث قال في ذيل مسئلة المشتق الثالث يشترط في صدق المشتق على شي‏ء حقيقة قيام مبدا الاشتقاق به من دون واسطة في العروض ان كان صفة كالضارب و الفاعل فان مبدئهما الضرب و القتل بمعنى الفاعل و هما تأثير و لا قيام له إلا بالمؤثر و كالقائم و القاعد و النائم فان مباديهما آثار و صفات و إنما قيامهما بالمتأثر و المتصف و اما اذا كان المبدا ذاتا فلا يعتبر فيه القيام كما في البقال و الحداد و إنما قلنا من دون واسطة في المقام احترازا عن القائم بواسطة فانه لا يصدق إلا مجازا كالشدة و السرعة القائمتين بالجسم بواسطة الحركة و اللون فانه يقال الحركة سريعة و اللون شديد و لا يقال الجسم سريع أو شديد و خالف في ذلك جماعة فلم يعتبروا قيام المبدا في صدق المشتق و استدلوا بصدق الضارب و المؤلم مع قيام الضرب و الألم بالمضروب و المؤلم و جعلوا من هذا الباب اطلاق المتكلم عليه تعالى حيث أن الكلام مخلوق في الهواء و قائم به و منشأ هذا الوهم عدم الفرق بين المصدر بمعنى الفاعل و بينه بمعنى المفعول فان الضرب و الإيلام بمعنى الفاعل تأثير و قيامهما بالفاعل كما انهما بمعنى المفعول أثر و قيامهما بالمفعول و كذا الكلام في المتكلم فانه بمعنى الفاعل عبارة عن إنشاء الكلام و لا قيام له إلا بالمتكلم كما انه بمعنى المفعول عبارة عن نفس الكلام و قيامه بجوهر الهواء و انتصر لهم بعض أفاضل المتأخرين بصدق العالم و القادر و نحوهما عليه تعالى مع عينية صفاته كما هو الحق و بصدق الخالق عليه تعالى مع عدم قيام الخلق به و كلا الوجهين ضعيف اما الأول فلأنه مشترك الورود إذ الظاهر إطباق الفريقين على أن المبدا لا بد و أن يكون مغايرا لذي المبدا و إنما اختلفوا في وجوب قيامه به و عدمه فالوجه‏

83

التزام وقوع النقل في تلك الألفاظ بالنسبة اليه تعالى و لذا لا يصدق في حق غيره و من هذا الباب إطلاق الموجود على الشي‏ء بناء على عينية الوجود و قد يتكلف فى إثبات صدق ذلك بأن مدلول المشتق و أجد المبدا و وجدان الشي‏ء لنفسه ضروري مستندا الى ذاته فهو اولى من وجدان غيره له فهو اولى بصدق الاسم و هو كما ترى إذ ليس مبنى العرف على مراعاة مثل هذه الامور الخفية، و اما الثاني فلأن الخلق ان اعتبر بمعنى الفاعل كان بمعنى الجعل و التأثير و لا نسلم عدم قيامه به تعالى بل هو قائم به تعالى لكن قياما صدوريا لا حلوليا كما فى العفو و العطاء و الرزق و ان اعتبر بمعنى المفعول فليس مبدا لصيغة الخالق فليس فى عدم قيامه به تعالى ما يخل بالمقصود و مما قررنا يظهر انه يلزم من قيام مبدا الاشتقاق بشي‏ء صدق المشتق منه عليه فعدم إطلاق السخي و نحوه عليه تعالى لما لمنع شرعي بناء على أن أسمائه تعالى توقيفية أو لعدم قيام المبدا به تعالى كما يظهر وجهه مما مرّ آنفا و سابقا انتهى كلامه قده‏

(و فيه مواقع للنظر)

منها قوله و اما اذا كان المبدا ذاتا فلا يعتبر فيه القيام كما فى البقال الخ لأنا لا نسلم ان مبدا الاشتقاق فى البقال و الحداد و أمثالهما كالمشمس هو البقل و الحديد و الشمس كيف و هو أمر جامد و المبدا لا بد و أن يكون معنى من شأنه السراية و التحول فى صور المشتقات و ما له جمود كالحديد لم يكن جاريا و لم يتصور له تحول و سريان و أيضا صدق المشتق و ان لم يستلزم قيام مبدا الاشتقاق إلا أنه يستلزم كون المبدا متحققا فيه لا أقل كالموجود الصادق على الوجود و الأسود على السواد و بالجملة المعيار فى صدق المشتق الأمر الدائر بين القيام و التحقق و ان لم يلزم واحدا بعينه و كلاهما منتف هنا بالضرورة و ما ذكر من الأمثلة لا اعتداد به لجواز أن يكون هذه الإطلاقات بنحو المجاز من باب التوسع لجواز أن يكون مصحح الاشتقاق و مسوغ الاطلاق مثل التحدد و التشمس و هو صيرورة الشي‏ء حديدا أو شمسا ادعاء ليكون من قبيل تحقق المبدا لا أن النسبة اليهما يكون مصحح الاشتقاق و مسوغ الاطلاق بل بادعاء أن للحديد نحوا من الحصول فى الصانع له و كأن المواظبة على استعمال الحديد و التشغل به صيّر الرجل ذا حصة من الحديد كيف و صورة الحديد قائمة بذهنه بنحو الغلبة كأنها ملكت باله و ملئت خياله لكون الحديد موضوع صناعته مع المواظبة و المزاولة عملا و خطورا و كذا البقال و المشمس إطلاقهما من باب التوسع بتخيل أن فى الشخص حصة من البقل كما صورناه فى الحداد و فى الماء حصة من الشمس و منها قوله فالوجه التزام وقوع النقل فى تلك الألفاظ الخ لما عرفت من المصنف من أنه لا وجه لهذا الالتزام بعد صحة الجري بالمعنى العام بالنسبة اليه تعالى و اما لزوم كونها لقلقة اللسان على تقدير النقل فهو محل تأمل فانه رحمه اللّه يجعل المنقول اليه هو مؤدى البرهان أي نفس المبدا فتدبر، و منها قوله و لهذا لا يصدق فى حق غيره تعالى كما عرفته من المصنف‏

84

أيضا، و منها قوله و من هذا الباب إطلاق الموجود على الشي‏ء بناء على عينية الوجود و قد عرفته مما أسلفنا لك، و منها قوله و هو كما ترى إذ ليس مبنى العرف الخ لما عرفته من المصنف أيضا من أن تطبيق المفاهيم المأخوذة من العرف على مصاديقها ليس بيد العرف، و منها قوله فى أول كلامه يشترط فى صدق المشتق على شي‏ء حقيقة قيام مبدا الاشتقاق به من دون واسطة فى العروض لما أشار اليه المصنف بقوله‏

(السادس)

الظاهر

(انه لا يعتبر فى صدق المشتق و جريه على الذات حقيقة التلبس بالمبدإ حقيقة و بلا واسطة فى العروض كما فى الماء الجاري بل يكفي التلبس به و لو مجازا و مع هذه الواسطة)

أي الواسطة فى العروض‏

(كما فى الميزاب الجاري فاسناد الجريان الى الميزاب و ان كان إسنادا الى غير ما هو له و بالمجاز إلا أنه)

مجاز

(فى الاسناد لا)

مجاز

(فى الكلمة فالمشتق فى مثل المثال)

أي لفظ الجاري فى الميزاب الجاري‏

(قد استعمل فى معناه الحقيقي)

أي ذات ثبت له الجري مثلا على القول بالتركيب‏

(و ان كان مبدؤه مسندا الى الميزاب بالاسناد المجازي و لا منافاة بينهما أصلا كما لا يخفى و لكن ظاهر الفصول بل صريحه اعتبار الاسناد الحقيقي فى صدق المشتق حقيقة)

حيث قال و إنما قلنا من دون واسطة فى المقام احترازا عن القائم بواسطة الخ‏

(و كأنه من باب الخلط بين المجاز فى الاسناد و المجاز فى الكلمة و هذا)

أي المجاز فى الكلمة لا المجاز فى الاسناد

(هاهنا)

أي فى بحث المشتق‏

(محل الكلام بين الأعلام و الحمد للّه و هو خير ختام)

.

(المقصد الاول فى الأوامر و فيه فصول)

الفصل‏

(الأول فيما يتعلق بمادة الأمر)

(من الجهات و هي عديدة)

.

الجهة

(الاولى انه قد ذكر للفظ الأمر معان متعددة)

(منها الطلب كما يقال امرت بكذا و منها الشأن كما يقال شغله أمر كذا و منها الفعل كما فى قوله تعالى‏

وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ

و منها الفعل العجيب كما فى قوله تعالى‏

وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا

و منها الشي‏ء كما تقول رأيت اليوم أمرا عجيبا و منها الحادثة و منها الغرض كما تقول جاء زيد لأمر كذا و لا يخفى ان عدّ بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم ضرورة أن الأمر في جاء زيد لأمر كذا ما استعمل في معنى الغرض بل اللام قد دل على)

مفهوم‏

(الغرض نعم يكون مدخوله مصداقه)

أي مدخول اللام مصداق الغرض‏

(فافهم و كذا الحال في قوله تعالى‏

وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا

يكون مصداقا للعجيب لا مستعملا في مفهومه و كذا الحال في الحادثة و الشأن و بذلك)

أي بالفرق بين المفهوم و المصداق‏

(ظهر ما في دعوى الفصول من كون لفظ الأمر حقيقة في المعنيين الأولين)

حيث‏

85

قال الحق أن لفظ الأمر مشترك بين الطلب المخصوص كما يقال أمره بكذا و بين الشأن كما يقال شغله أمر كذا لتبادر كل منهما من اللفظ عند الاطلاق مع مساعدة ظاهر كلام بعض اللغويين عليه‏

(و لا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة)

أي طلب كان بالصيغة المخصوصة به أو بغيرها

(و الشي‏ء)

سواء كان من الأعيان أو الصفات و الأفعال و يكون الحادثة و الغرض و غير ذلك من المذكورات من مصاديقه‏

(هذا بحسب العرف و اللغة و اما بحسب الاصطلاح فقد نقل الاتفاق على أنه حقيقة في القول المخصوص و مجاز في غيره و لا يخفى انه عليه لا يمكن منه الاشتقاق فان معناه حينئذ لا يكون معنى حدثيا مع أن الاشتقاقات منه ظاهرا تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم لا بالمعنى الآخر فتدبر و يمكن أن يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه)

أي نفس القول‏

(تعبيرا عنه)

أي عن الطلب‏

(بما يدل عليه)

فيكون مجازا من باب ذكر الدال و إرادة المدلول‏

(نعم القول المخصوص أي صيغة الأمر اذا أراد العالي بها الطلب يكون من مصاديق الأمر لكنه بما هو طلب مطلق أو مخصوص)

لا بما هو قول‏

(و كيف كان فالأمر سهل لو ثبت النقل)

عن العرف و اللغة

(و لا مشاحة في الاصطلاح و إنما المهم بيان ما هو معناه عرفا و لغة ليحمل عليه فيما اذا ورد بلا قرينة)

و نحن عند التفتيش و التصفح نجد انه‏

(قد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب و السنة و لا حجة انه على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة و المجاز و ما ذكر من الترجيح عند تعارض هذه الأحوال لو سلم و لم يعارض بمثله فلا دليل على الترجيح به)

ما لم يوجب ظهور اللفظ كما تقدم‏

(فلا بد مع التعارض من الرجوع الى الأصل في مقام العمل)

و هو يختلف حسب اختلاف المقامات و الأحوال‏

(نعم لو علم ظهوره في أحد معانيه و لو احتمل انه)

أي الظهور

(كان في مقام الانسباق من الاطلاق فليحمل عليه و ان لم يعلم انه حقيقة فيه بالخصوص أو فيما يعمّه)

لأن الظهور حجة مطلقا و لو كان بالقرينة كما في المجازات‏

(كما لا يبعد أن يكون كذلك)

أي ظاهرا

(في المعنى الأول)

أي الطلب.

(الجهة الثانية الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر)

يعني أن ملاك الأمر هو وجود جهة العلو في الآمر بأن يصدر الطلب من العالي بعنوان المولوية و السيادة

(فلا يكون الطلب من السافل و المساوي)

درجة

(أمرا و لو اطلق عليه كان بنحو من العناية كما أن الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء)

في كونه أمرا

(فيكون الطلب من العالي أمرا و لو كان)

في مقام طلبه‏

(مستخفضا بجناحه)

فلو اطلق عليه في هذه الصورة السؤال و الالتماس كان بضرب من العناية كما انه اذا صدر من العالي لا بعنوان الآمرية و المولوية بل بعنوان الشفاعة او الإرشاد لا يكون أمرا بل شفاعة و إرشادا

(و اما احتمال اعتبار أحدهما)

اما العلو الواقعي و لو استخفض‏

86

و اما الاستعلاء و لو لم يكن عاليا

(فضعيف)

لا دليل عليه‏

(و تقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه و توبيخه بمثل انك لم تأمره إنما هو على استعلائه لا على أمره حقيقة بعد استعلائه)

فلا يكون هذا التقبيح دليلا على كفاية الاستعلاء فقط في تحقق الآمرية

(و إنما يكون إطلاق الامر على طلبه)

في مقام توبيخه بأنك لم تأمره إنما هو

(بحسب ما هو قضية استعلائه)

لا بحسب الواقع فيكون اما مجازا في الكلمة أو في الاسناد لمناسبته صورة لما هو الامر حقيقة

(و كيف كان ففي صحة سلب الامر من طلب السافل و لو كان مستعليا كفاية)

في عدم كون إطلاق الامر على طلبه حقيقة.

(الجهة الثالثة لا يبعد كون لفظ الامر حقيقة في الوجوب)

(لانسباقه منه عند إطلاقه و يؤيده قوله تعالى‏

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏

الآية)

فان ترتب وجوب الحذر على مجرد مخالفة طبيعة أمره يكشف عن كونه للوجوب و إلا فمجرد مخالفة الطلب الغير الالزامي لا يقتضي وجوب الحذر

(و قوله ص لبريرة بعد قولها أ تأمرني يا رسول اللّه لا بل إنما أنا شافع الى غير ذلك)

من قوله الآخر صلى اللّه عليه و آله لو لا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك مع أنه قد طلب منهم مرارا متعددة

(و صحة الاحتجاج على العبد و مؤاخذته بمجرد مخالفة أمره و توبيخه على مجرد مخالفته كما في قوله تعالى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك)

و إنما جعلها مؤيدا لا استدلالا لانه يمكن أن يقال أن استعمال الامر في هذه الموارد في الايجاب لا يثبت الوضع له بخصوصه لكفاية ظهوره فيه عند الاطلاق بوجه يشبه بالانصراف و من سنخه و ان لم يكن منه حقيقة و من ذلك تعلم وجه عدم جزم المصنف بالمدعى و تعبيره بعدم البعد و قد ادعى بعضهم كونه مشتركا معنويا بين الايجاب و الندب متمسكا بصحة تقسيمه الى الايجاب و الندب فرده المصنف بقوله‏

(و تقسيمه الى الايجاب و الاستحباب إنما يكون قرينة على إرادة المعنى الاعم منه)

أي من لفظ الامر

(في مقام تقسيمه و صحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو الحقيقة كما لا يخفى و اما ما افيد)

في مقام دعوى الاشتراك المعنوي‏

(من أن الاستعمال فيهما ثابت فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم)

اما

(الاشتراك)

اللفظي لو كان موضوعا لكل واحد منهما

(أو المجاز)

لو كان موضوعا لاحدهما فلا بد من الاشتراك المعنوي حسما لمادة الاشتراك اللفظي و المجاز

(فهو غير مفيد لما مرت الاشارة اليه في الجهة الاولى و في تعارض الاحوال فراجع)

حتى تتذكر أن الملاك هو حصول الظهور و اما نفس تلك المرجحات الاعتبارية لا اعتداد بها بذاتها أصلا

(و الاستدلال)

أيضا على الاشتراك المعنوي‏

(بأن فعل المندوب طاعة و كل طاعة فهو فعل المأمور به)

فالمندوب فعل المأمور به‏

(فيه ما لا يخفى من منع الكبرى لو اريد من المأمور به معناه الحقيقي)

أي لا نسلم ان كل طاعة فهو فعل المأمور به‏

87

الحقيقي بل بعضها لصدق القضية المنفصلة التي هي في معنى تقسيم الطاعة الى فعل المأمور به الحقيقي و فعل المندوب‏

(و إلا لا يفيد المدعى)

أي و ان لم يرد من المأمور به معناه الحقيقي بل معنى عاما يشمله و غيره فلا يفيد المدعى أي ثبوت الاشتراك المعنوي.

(الجهة الرابعة الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الأمر)

لغة و عرفا عاما و خاصا

(ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعي)

الذي قد عرفت أن ملاكه الاتحاد بحسب الوجود أي الشوق المؤكد الحاصل في النفس عقيب حصول الداعي و يكون من الكيفيات القائمة بالنفس‏

(بل هو الطلب الايقاعي الانشائي الذي لا يكون بهذا الحمل)

الشائع‏

(طلبا مطلقا بل طلبا انشائيا سواء انشاء بصيغة افعل أو بمادة الطلب أو بمادة الأمر أو بغيرها)

و هذا أمر واضح لا ستر عليه أصلا لان ما هو من الكيفيات النفسانية لا يمكن أن يتحقق إلا بأسبابه الخاصة المنتهية الى وجودها و ليس التلفظ سببا لوجودها في ذهن اللافظ مع أنهم يقولون الانشاء هو القول الذي يقصد به إيجاد المعنى في نفس الامر لا الحكاية عن ثبوته و تحققه في موطنه من ذهن أو خارج كما أن الخبر هو القول الذى يقصد به تلك الحكاية و ما يمكن أن يوجد باللفظ هو هذا النحو من الطلب الذى هو خفيف المئونة يحصل بمجرد قصد تحققه باللفظ، نعم دواعي هذا الانشاء يختلف حسب اختلاف المقامات فربما يكون الداعي هو الطلب الحقيقي القائم بالنفس و ربما يكون غيره كالامتحان و التعجيز و التسخير الى غير ذلك‏

(و ان أبيت إلا عن كونه)

أى كون الأمر

(موضوعا)

لمطلق‏

(الطلب فلا أقل من كونه منصرفا الى الانشائى منه عند إطلاقه كما هو الحال في لفظ الطلب أيضا و ذلك)

أي الانصراف المذكور

(لكثرة الاستعمال في الطلب الانشائى)

و مما يدل على ما ذكر صحة سلب الأمر عن الكيفية القائمة بالنفس الموجودة بوجود سببها ما لم ينشأ المولى بصيغة افعل أو ما هو بمعناها ضرورة أنه عند الشوق المتأكد الموجود في نفس المولى و عدم انشائه بعد يصح أن يقال انه ليس بآمر و العبد ليس بمأمور و تلك الكيفية ليست بأمر

(كما أن الأمر)

أى الشأن و الحال‏

(فى لفظ الارادة على عكس لفظ الطلب و المنصرف عنها عند إطلاقها هو الارادة الحقيقة و اختلافهما فى ذلك)

أى اختلاف لفظي الطلب و الارادة فى طور الانصراف‏

(ألجأ بعض أصحابنا الى الميل الى ما ذهب اليه الأشاعرة من المغايرة بين الطلب و الارادة خلافا لقاطبة أهل الحق و المعتزلة من اتحادهما فلا بأس بصرف عنان الكلام الى بيان ما هو الحق فى المقام و ان حققناه فى بعض فوائدنا إلا أن الحوالة لما لم تكن عن المحذور خالية)

و لا أقل من عدم حضور تلك النسخة عند كل أحد

(و الاعادة ليست بلا فائدة و لا افادة)

أى لما لم تكن الاعادة خالية عن الفائدة و لا أقل من التذكر و الاخطار لمن لاحظ الفوائد و عن الافادة بالنسبة.

88

الى من لم يلاحظها و لم يكن ذهنه مسبوقا بها

(كان المناسب هو التعرض هاهنا أيضا فاعلم ان الحق كما عليه أهله)

أى العدلية

(وفاقا للمعتزلة و خلافا للاشاعرة هو اتحاد الطلب و الارادة بمعنى أن لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد و ما بإزاء أحدهما فى الخارج يكون ما بإزاء الآخر و الطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الارادة الانشائية و بالجملة هما متحدان مفهوما و انشاء و خارجا لا أن الطلب الانشائى الذى هو المنصرف اليه إطلاقه كما عرفت متحد مع الارادة الحقيقية التي تنصرف اليها إطلاقها أيضا ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس و أبين من الأمس فاذا عرفت المراد من حديث العينية و الاتحاد ففي مراجعة الوجدان عند طلب الشي‏ء و الأمر به حقيقة كفاية فلا يحتاج الى مزيد بيان و إقامة برهان فان الانسان)

اذا راجع وجدانه‏

(لا يجد غير الارادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها سوى ما هو مقدمة تحققها عند خطور الشي‏ء و الميل اليه و هيجان الرغبة اليه و التصديق بفائدته)

بعد تصورها المتقدم هذا التصور و التصديق على حصول الميل‏

(و هو)

أى ما هو مقدمة تحققها

(الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها)

أى لاجل الارادة

(و بالجملة لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة و الارادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب فلا محيص إلا عن اتحاد الارادة و الطلب و أن يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات فى إرادة فعله بالمباشرة أو المستتبع لامر عبيده به فيما لو أراد لا كذلك)

أى لا بالمباشرة

(مسمى بالطلب و الارادة كما يعبر به)

أى بالطلب‏

(تارة و بها)

أى بالارادة

(اخرى كما لا يخفى)

و من الغريب بعد تحرير النزاع على هذا النحو من أنه ليس فى النفس شي‏ء مغاير للارادة يكون مسمى بالطلب أن يستشكل عليه بأن مفهوم الطلب تصدى تحصيل شي‏ء فى الخارج فلا يقال طالب الضالة إلا لمن تصدى تحصيلها فى الخارج دون من يشتاق تحصيلها فقط و ان لم يكن بصدد تحصيلها فى الخارج و إطلاقه على الفعل النفساني بناء على ثبوت مرتبة اخرى غير الارادة من باب اخذ الغايات و ترك المبادى فانه أيضا يوجد بأعمال النفس و ان لم يكن محتاجا الى تعب و مشقة كما فى إطلاق الأكل على مجرد البلع من دون ازدراد فانه أيضا من هذا القبيل و الحاصل أن الطلب فى التشريعيات عبارة عن نفس إيجاد الصيغة فانه بها يتصدى الآمر لتحصيل مطلوبه فى الخارج و فى التكوينيات ليس هناك تصد أصلا بل بمجرد تحريك النفس يوجب المطلوب قهرا فليس هناك مطلوب منه حتى يتوقف المطلوب على إرادته فيكون إطلاق الطلب عليه من باب أخذ الغاية و ترك المبادى انتهى و ذلك لأن اللغويين قد صرحوا بهذا الاتحاد و فى المجمع طلبت الشي‏ء اطلبه أى أردته و ابتغيته فعلى هذا اما أن يكون التصدى المزبور الذى هو الابتغاء المذكور فى المجمع معنى آخر للطلب كما أن الحاجة معنى آخر له و فى الدعاء ليس‏

89

لي مطلب سواك أي ليس لي حاجة غيرك كما صرح به في المجمع أيضا و اما أن يكون مدلولا التزاميا للطلب فان من أراد شيئا و تشوق اليه شوقا مؤكدا يصير بصدد تحصيله في الخارج فيكون حينئذ إطلاق الطلب على التصدي من باب الإطلاق على الغاية

(و كذلك الحال في ساير الصيغ الانشائية و الجمل الخبرية فانه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس من التمنى و الترجي و العلم الى غير ذلك

)

من الصفات‏

(صفة اخرى كانت قائمة بالنفس و قد دل اللفظ عليها كما قيل

)

:

(إن الكلام لفي الفؤاد و إنما* * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا)

و الى هذا ينظر قول العلامة ره في محكي النهاية في مقام إثبات العينية انا لا نجد في الأوامر أمرا آخر مغايرا للارادة إذ ليس المفهوم منه إلا إرادة الفعل من المأمور

(و قد انقدح مما حققناه)

من ثبوت الطلب و الارادة الحقيقيين و الانشائيين‏

(ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع عدم الارادة كما في صورتي الاختبار)

و هو واضح‏

(و الاعتذار)

بأن الآمر قد يريد إظهار (*) عذره في عدم إطاعة المأمور فيأمر و لا يريد وقوعه منه لمنافاته لغرضه‏

(من الخلل)

و الفساد

(فانه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين لا طلب كذلك)

أي حقيقة

(فيهما و الذي يكون فيهما انما هو الطلب الانشائي الايقاعي الذي هو مدلول الصيغة أو المادة و لم يكن بيّنا و لا مبيّنا في الاستدلال مغايرته مع الارادة الانشائية و بالجملة الذي يتكفله الدليل ليس إلا الانفكاك بين الارادة الحقيقية و الطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما و هو مما لا محيص عن الالتزام به كما عرفت و لكنه لا يضر بدعوى الاتحاد أصلا لمكان هذه المغايرة و الانفكاك بين الطلب الحقيقي و الانشائي كما لا يخفى ثم أنه يمكن مما حققناه أن يقع الصلح بين الطرفين و لم يكن النزاع)

معنويا

(في البين بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوما و وجودا حقيقيا و انشائيا و يكون المراد بالمغايرة و الاثنينية هو اثنينية الانشائى من الطلب كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه و الحقيقي من الارادة كما هو المراد غالبا منهما حين إطلاقها فيرجع النزاع لفظيا فافهم.)

(دفع و وهم)

(لا يخفى أنه ليس غرض الأصحاب)

اي الإمامية

(و كذلك المعتزلة من نفى غير الصفات المشهورة)

أى نفى غير العلم في الكلام الخبرى و غير الارادة و الكراهة في الانشائى‏

____________

(*) كالمولى المعتذر من ضرب عبده بعصيانه فانه قد يأمره و هو لا يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه. منه دام ظله‏

90

(و انه ليس صفة اخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيا مدلولا للكلام اللفظي كما يقول به)

أى بالنفسي‏

(الأشاعرة ان هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام)

و انها هي النفسي فان الخلاف إنما هو في أن المدلول عليه بالكلام اللفظي هل هي صفة قائمة بنفس المتكلم غير هذه الصفات يسمى كلاما نفسيا فالأشاعرة تثبته و المعتزلة تنفيه لا في أن المدلول عليه به هو هذه الصفة أو صفة اخرى، نعم يمكن أن يقال إلزاما على الأشاعرة ان النفسي لو كان مدلولا عليه بالكلام اللفظي لا بد و أن تكون صفة قائمة بالنفس فلا بد و أن تكون احدى هذه الصفات حيث لا تجد في النفس صفة اخرى غيرها لا أن المدلول عليه عند المعتزلة و أصحابنا الإمامية هو إحدى هذه الصفات.

(فان قلت فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب و المعتزلة قلت اما الجمل الخبرية فهي دالة على ثبوت النسبة بين طرفيها أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج كالانسان نوع)

مثال لثبوت النسبة في الذهن لأن النوعية من المعقولات الثانية التي يكون عروضها و اتصافها كلاهما في الذهن‏

(أو كاتب)

مثال لثبوتها في الخارج عن ظرف الذهن فان كانت النسبة ثابتة فيهما فالقضية صادقة و إلا فكاذبة فتكون مدلولاتها ثبوت النسبة في موطنه و إدراك المتكلم لها و تصوره طرفيها إنما يكونان مما يتوقف عليه الإخبار فدلالته عليه تكون عقلية محضة كدلالته على وجود المخبر فافهم‏

(و اما الصيغ الانشائية فهي على ما حققناه في بعض فوائدنا موجدة لمعانيها في نفس الأمر أى قصد ثبوت معانيها و تحققها بها)

أى بالصيغ و بعبارة اخرى مدلول الصيغ الانشائية ثبوت معانيها في نفس الأمر على نهج الهليات البسيطة بالاثبات و الايجاد لا ثبوت شي‏ء لشي‏ء الذى هو مفاد الهليات المركبة تقريرا و حكاية

(و هذا نحو من الوجود و ربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه شرعا و عرفا آثار كما في صيغ العقود و الايقاعات)

حيث أن ملكية المشترى للمبيع قبل انشاء الملكية و البيع بصيغته لم يكن موجودا إلا بمجرد الفرض و بعده خرج عن مجرد الفرض و حصل له واقعية

(نعم لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب و الاستفهام و التمني و الترجي بالدلالة الالتزامية على ثبوت هذه الصفات حقيقية اما لأجل وضعها لإيقاعها فيما اذا كانت الداعي اليه)

أى الى الايقاع‏

(ثبوت هذه الصفات أو انصراف إطلاقها الى هذه الصورة فلو لم تكن هناك قرينة كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها لأجل قيام الطلب أو الاستفهام و غيرهما قائمة بالنفس وضعا أو إطلاقا)

و الحاصل انه لما كانت الارادة الحقيقية و التمني و الترجي الحقيقيين و كذا غيرها لا يمكن أن يحدث بواسطة اللفظ و إنما هي امور نفسانية توجد بأسبابها و إنما يصح أن يكون اللفظ كاشفا عنها و دليلا عليها فلا بد و أن يوجد بهذه الألفاظ مفاهيمها و الوجود الانشائى خفيف‏

91

المئونة يحصل بمجرد قصد تحققها بألفاظها و له آثار شرعا و عرفا تترتب عليه و كونه في بعض الأحيان لغوا صرفا كما في إنشاء الصبي و المجنون و المكره و بعض انشاءات السفيه لا يوجب خروجه عن الإنشائية كما ربما يقع الخبر لغوا و لا يخرج عن الخبرية و بديهي انه لا يخرج بذلك عن الكلامية و لا من الخبرية الى الانشائية أو بالعكس كما أنه معلوم ان هذا النحو من الوجود له مشخصات محفوفة به مانعة عن صدقه على كثيرين بحسب هذا النحو من الوجود إذ الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد في وعاء فلا يصدق هذا الانشاء الشخصي الصادر من المنشئ على إنشائه ذلك المعنى ثانيا و ثالثا و هكذا و على انشاء منشئ آخر هذا المعنى مع أن كل واحد منها انشاء حقيقة غاية الأمر انه لا يترتب على ما عدا الأول فائدة غير التأكيد في بعض الموارد و هذا لا يوجب خروجه عن الانشائية فيندفع بذلك ما قاله الشهيد ره في قواعده و قولنا في نفس الأمر ليخرج به العقد المكرر فانه قول صالح لإيجاد مدلوله ظاهرا و لا يسمى انشاء لعدم الايجاد فى نفس الأمر و ذلك لما عرفت من أن الوجود الانشائى خفيف المئونة يكفي فيه قصد حصول المدلول باللفظ و لو وقع لغوا فضلا عما اذا ترتب عليه أثر التأكيد و كأنه زعم أن الايجاد ثانيا تحصيل للحاصل و ليس كذلك فان الايجاد بكل شخص من اللفظ فرد من الايجاد غير الفرد الموجد بشخص لفظ آخر مثله فلا يكون من قبيل تحصيل الحاصل سابقا حتى يستحيل بل تحصيل الحاصل بنفس ذاك التحصيل.

(اشكال و دفع)

(اما الاشكال فهو انه يلزم بناء على اتحاد الطلب و الارادة فى تكليف الكفار بالايمان بل مطلق أهل العصيان فى العمل بالأركان اما أن لا يكون هناك تكليف جدى إن لم يكن هناك إرادة حيث أنه لا يكون حينئذ طلب حقيقي و اعتباره فى الطلب الجدى ربما يكون من البديهي و إن كان هناك إرادة ف)

يصح وجود التكليف الجدى إلا أنه يرد عليه انه‏

(كيف يتخلف عن المراد و لا يكاد يتخلف اذا أراد اللّه شيئا أن يقول له كن فيكون و اما الدفع فهو أن استحالة التخلف إنما تكون فى الارادة التكوينية و هو العلم بالنظام على النحو الكامل التام)

و المخاطب بهذا الخطاب التكويني و الايجادى لا يكون إلا ذوات المهيات الموجودة على نحو التفصيل و الكثرة فى مرتبة من مراتب‏ (*) العلم الإلهي المستعدة لسماع قول اللّه تعالى بآذانهم السميعة المطيعة لندائه لهم بالدخول فى دار الوجود فسمعوا نداء اللّه تعالى بقوله‏ كُنْ‏ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا فدخلوا فى دار رحمته و بلدة نعمته و لا مجال لعصيان هذا الأمر لأنه الدين الفطرى‏

____________

(*) قال اللّه تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏.

92

الإلهي يستحيل التمرد عنه و هذه سنة اللّه التى لا تبديل لها

(دون الإرادة التشريعية و هو العلم بالمصلحة في فعل المكلف)

و الرضاء بالفعل و محبوبيته و لكن تنحصر تلك المصلحة و الرضاء و المحبوبية في صدور الفعل باختيار المكلف و إرادته فهو تعالى يريد حصول الفعل منه باختياره و إرادته و هذه الارادة خارجة عن قدرة المريد لأن قهره على الارادة و الاختيار يوجب كونه مضطرا و قد فرضناه مختارا فصدور الفعل بالاختيار يستحيل عقلا أن تتعلق به قدرة الغير لاستلزامه اجتماع النقيضين و لهذا قد يتخلف حصول الفعل عن الارادة و هذا لا يستلزم العجز فيه تعالى كما لا يوجبه عدم قدرته على ساير المحالات إذ العجز عدم القدرة على الممكن لا على المحال و المخاطب بهذا الخطاب المراد بالارادة التشريعية لا يكون إلا ضربا من النفوس الانسانية حين وجودها العنصرى و كونها الدنياوي و بلوغها النفساني و كمالاتها البدني و هذا هو الأمر الذي أمر به عباده على ألسنة رسله و ألواح كتبه‏

(و ما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الارادة التشريعية)

بمعنى طلب الفعل من العبد

(لا التكوينية)

التي هي بمعنى التكوين و الانشاء المطلق أي الايجاد

(فاذا توافقتا فلا بد من الاطاعة و الايمان و اذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر و العصيان)

و من أراد أن يعرف و يصدق هذه القاعدة فليتأمل في أمر نفسه الناطقة التي خلقها اللّه تعالى مثالا له ذاتا و صفة و فعلا حيث انه تعالى قد خلق الأعضاء مسخرة لها لا تستطيع لها خلافا في أمرها و نهيها و تكوينها بلا وساطة لسان و لا جارحة و لا مخلوق غيرها فاذا امرت العين بالانفتاح انفتحت و اللسان بالكلام تكلم و الرجل بالحركة تحركت و اما أمرها بالواسطة من لسان أو غيره و كذا نهيها كذلك فقد يكون واقعا و قد يكون غير واقع و بالجملة كما أن ايمان الكافر ليس بمراد بالارادة التكوينية كذلك ليس بمأمور به بالأمر التكوينى و كما أنه مأمور به بالأمر التشريعي فكذلك مراد بالارادة التشريعية.

(فان قلت اذا كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان بارادته تعالى التي لا يكاد يتخلف عن المراد فلا يصح أن يتعلق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا)

المصحح للامر التشريعي.

(قلت إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلق الارادة بها مسبوقا بمقدماتها الاختيارية و إلا)

أي و إن كان تعلقها بها مسبوقا بها

(فلا بد من صدورها بالاختيار)

غرضه قده إنا لا نعني بالفعل الاختياري إلا ما يكون مسبوقا بالعلم و الارادة و ان كان مبادئ ذلك الاختيار لا بالاختيار كما أنه يجب أن يكون كذلك حسما لمادة التسلسل في الاختيارات و ليس الاختيار الذي في العبد بأزيد من الاختيار الذي يثبته أهل العدل للواجب تعالى فان اختياره تعالى في أفعاله هو كونها بعلمه و ارادته مع انهما فيه تعالى عين ذاته و ذاته لا يكون باختيار أحد حتى‏

93

باختيار ذاته فتوسيط علم العبد و ارادته بين الأسباب و كون الصلاح الجزئى لهذا الشخص الايمان و الاطاعة مصحح للأمر التشريعي و ان كان الصلاح الكلي كفره و فسقه فحاصل الجواب هو أن الارادة التكوينية تعلقت بكفر زيد مثلا بأسبابه الاختيارية له فكفر زيد في الخارج المسبوق بتصور زيد إياه و تصوره دواعيه و الميل و حصول الجزم و العزم عليه التي هي مقدمات صدور الأفعال بالاختيار مراد للّه تعالى فلا يخرج عن كونه اختياريا بتعلق ارادته تعالى التكوينية به و قوله‏

(و إلا لزم تخلف إرادته عن مراده تعالى عن ذلك‏

عُلُوًّا كَبِيراً

)

معناه أنه لو كان صدورها لا بالاختيار عند تعلق الارادة التكوينية بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية و بالجملة لو لم يكف في كون الشي‏ء اختياريا مسبوقيته بالعلم و الارادة لزم تخلف إرادته تعالى عن مراده لأن إرادته تعلقت بصدوره عن اختيار و هو صدر لا عن اختيار هذا خلف.

(ان قلت ان الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بارادتهما إلا أنهما منتهيان الى ما لا بالاختيار كيف و قد سبقهما)

أي الارادتين‏

(الارادة الأزلية و المشية الإلهية و معه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار)

.

(قلت العقاب إنما يتبع الكفر و العصيان التابعان للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما فان السعيد سعيد في بطن امه و الشقي شقي في بطن امه و الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة كما في الخبر و الذاتي لا يعلل فانقطع سؤال انه لم جعل السعيد سعيدا و الشقي شقيا فان السعيد سعيد بنفسه و الشقي كذلك إنما أوجدهما اللّه تعالى قلم اينجا رسيد سر بشكست قد انتهى الكلام في المقام الى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام و من اللّه الرشد و الهداية و به الاعتصام)

غرضه من هذا الجواب ان المؤاخذة و العقاب على فعل السيئات ليس لمنتقم غضبان يريد أن ينتقم من عدوه لازالة ألم الغيظ و التشفي عن حرقة لهب الغضب المستحيل في حق الحكيم تعالى بل النفس العاصية هي حمالة حطب نيرانها الى يوم تبلى السرائر تحترق حينئذ بنيران عقائدها الباطلة و شهواتها الكامنة و تلتدغ بحيات و عقارب منبعثة من سموم أخلاقها و سوء عاداتها فمن أساء عمله و أظلم جوهر نفسه و كدر مرآة فطرته و أخطأ في اعتقاده و احتجب عن مراده بحسب مقتضى أصل استعداده فقد ظلم نفسه بظلمة جوهره و بطلان استعداده فكان أهلا للشقاوة كما قال اللّه تعالى‏ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‏ و ذلك‏ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏ و قال أيضا وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ و بالجملة العقوبات و كذلك المثوبات ثمرات و لوازم و تبعات و عوارض لأمور موجودة فينا بالقوة تخرج يوم القيمة من القوة الى الفعل بل هي مطوية في نفوسنا في هذه النشأة مكمونة في مكامن الطبيعة و غشاوات المادة ان الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم نارا فاذا قامت القيمة و كشف الغطاء و نشرت الصحائف أظهرها اللّه بحيث يترتب‏

94

عليها المثوبة و العقوبة و تنبعث منها النعمة و النقمة و كثير من الآيات و الأخبار شاهدة على هذا المعنى لو تأملها المنصف الغير المتعسف‏ (*) و قوله التابعين للاختيار الناشئ من مقدماته فقد عرفت توضيحه آنفا من أنه يكفي في كون الفعل اختياريا علم الفاعل به و ارادته له بداهة ان العلم و الإرادة في الفرض المذكور هي العلة القريبة التي يسند العقل و العقلاء التأثير اليها لا الى العلل البعيدة و اما قوله الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما فان السعيد سعيد الخ فهو اشارة الى أن أمره تعالى للخلائق و إرادته للموجودات ليس أمر قسر و اجبار و إرادة قهر و اضطرار بل ما أمرهم إلا بما أحبوه و لا أراد بهم إلا ما عشقوه بحسب ذواتهم الأصلية و اختار لكل موجود ما اذا و كل أمره الى نفسه اختار ذلك كما فى الأخبار ان اللّه عز و جل خلق الصنائع و عرضها على بني آدم قبل أن يخلقهم بهذا الوجود الدنيوي فى بعض مواطن الغيوب فاختار كل لنفسه صناعة فلما أوجدهم اختار لهم ما اختاروا لأنفسهم و ذلك لأن اللّه غني عن العالمين و لا حاجة له تعالى الى وجودهم ليجبرهم عليه كما لا حاجة له تعالى الى عبادتهم فى الأمر التشريعي و إنما أمرهم بالأحكام الدينية لما رأى فيه صلاح حالهم فى النشأتين فأمرهم بالأمر التكويني أمر إذن لأنه مسبوق بسؤال الوجود فان قلت لا لسان للمعدوم حتى يسأل قلنا ان ذلك بعد ثبوت ماهياتهم فى مرتبة من مراتب العلم الإلهي و ثبوت ما هو بمنزلة لسانهم كما أشرنا اليه و قد أشار اليه المعصوم ع ان اللّه خلق الخلق فى ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره و تحقيق هذا المقام يحتاج الى مجال آخر و إنى مع كون بضاعتي مزجاة قد آثرت فى هذا المقام نوعا من التطويل وفاء بحق الشرح و دفعا لما ظنه بعض المعاصرين من كلام المصنف الجبر عصمنا اللّه من الزلل و ذلك لأن الجبر الحمل على خلاف الطبع و اعطاء اللّه تعالى كل شي‏ء مقتضى طباعه و جبلته ليس بجبر أصلا.

(وهم و دفع)

(لعلك تقول اذا كانت الارادة التشريعية منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل لزم بناء على أن تكون عين الطلب كون المنشأ بالصيغة فى الخطابات الإلهية هو العلم و هو بمكان من البطلان)

فان من الأشياء ما هو قابل للانشاء أى يصلح أن يوجد بالانشاء كالملكية و الزوجية و التحرير و الولاية و القضاء و القيمومة و نحو ذلك من الاعتبارات و منها ما ليس بقابل لذلك كالموجودات‏

____________

(*) و لا ينافى ما ذكره المصنف كون الحشر جسمانيا و كون الجنة و النار مخلوقتين كما ذهب اليه المحققون من الامامية منهم المحقق نصير الدين الطوسي قدس سره فى تجريد العقائد.

منه دام ظله‏

95

الحقيقة الخارجية مثلا لا يعقل أن يوجد الانسان بانشاء صر إنسانا أو هذا انسان أو اطلب هذا تشريعا و العلم و الارادة لما كانا من الموجودات الخارجية الثابتة للنفس فلا جرم كانا من قبيل الثاني أى مما لا يوجد بالانشاء التشريعي خصوصا فى حقه تعالى لأنهما فيه عين ذاته تعالى‏

(لكنك غفلت عن أن اتحاد الارادة مع العلم بالصلاح إنما يكون خارجا لا مفهوما و قد عرفت ان المنشأ ليس إلا المفهوم لا الطلب الخارجي)

غرضه انه لم يدّع أحد أن مفهوم الارادة عين مفهوم العلم بالصلاح بل الاتحاد و العينية إنما هو بحسب الوجود نظرا الى البراهين القطعية الدالة على أن صفاته الكمالية كلها عين ذاته المقدسة و ليس المنشأ بالصيغة الطلب الخارجي حتى يستشكل بما ذكر بل المنشأ بالصيغة هو مفهوم الطلب لداع يدعو اليه بحسب خصوصيات المقام و مفهومه غير مفهوم العلم و غير حقيقته‏

(و لا غرو أصلا فى اتحاد الارادة و العلم عينا و خارجا)

مع مغايرة مفهومهما

(بل لا محيص عنه فى جميع صفاته تعالى لرجوع الصفات الى ذاته المقدسة تبارك و تعالى)

ضرورة أنها لو كانت زائدة على ذاته لزم أن يستدعى فيضانها من ذاته على ذاته لجهة أشرف مما عليه واجب الوجود تعالى فيكون ذاته أشرف من ذاته إذ لو كفت جهة ذاته فى إفاضة العلم لكان ذاته بذاته ذا علم ليفيض من علمه علم آخر و التالي محال لأن جهة النقص يخالف جهة الكمال فكذا المقدم و لا يجوز افاضة العلم من غيره عليه تعالى قطعا للزوم كون معلوله أشرف منه و هذا أشد استحالة من الأول‏

(قال أمير المؤمنين ع كمال توحيده الاخلاص له و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه)

قد استشهد المصنف بهذا الكلام على عينية صفاته تعالى لذاته و نفي الصفات الزائدة منه تعالى مع أن ظاهره يوافق مذهب المعتزلة من نفي الصفات عنه تعالى و نيابة الذات عن الصفات فان فى كلامه ع قرينتين تدلان على أن المراد ليس نفي الصفات بالكلية و عدم تحققها فى حقه تعالى ليلزم التعطيل بل المراد نفي الصفات العارضة التي وجودها غير وجود ذات الموصوف و إلا فذاته بذاته مصداق لجميع النعوت الكمالية و الأوصاف الإلهية من دون قيام أمر زائد بذاته تعالى الذى فرض انه صفة كمالية له تعالى فعلمه و قدرته و إرادته و حياته و سمعه و بصره كلها موجودة بوجود ذاتها الاحدية مع أن مفهوماتها متغايرة و معانيها متخالفة فان كمال الحقيقة الوجودية فى جامعيتها للمعاني الكثيرة الكمالية مع وحدة الوجود و بساطته إحداهما انه (عليه السلام) صرّح باثبات الصفة له فى قوله ع ليس لصفته حد محدود و ثانيتهما قوله بشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة حيث انه إنما يدل على نفي الصفات العارضة فانها اذا كانت عارضة للموصوف كانت مغايرة له و كل متغايرين فى الوجود فكل منهما متميز عن الآخر بشي‏ء و مشارك له فى شي‏ء آخر ضرورة اشتراكهما فى الوجود و محال أن تكون جهة الامتياز عين جهة الاشتراك للزوم كون الواحد بما هو واحد كثيرا فلا بد حينئذ من‏

96

المغايرة بينهما فيلزم التركيب فى ذات الواجب و قد ثبت انه تعالى بسيط الحقيقة و الى هذا البرهان أشار ع بقوله فمن وصفه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزّاه إذ معناه ان من وصفه تعالى بصفة زائدة فقد قرنه بغيره فى الوجود و اذا قرنه بغيره فقد جعل له ثانيا فى الوجود و كل ما فرضه ثاني اثنين فقد جعله مركبا ذا جزءين بأحدهما يشاركه فى الوجود و بالآخر يباينه و اما قوله و كمال توحيده الاخلاص له فمنعاه الاخلاص له عن الزوائد و الثواني إذ لو كان فى الوجود غيره سواء كان صفة أو شيئا آخر لم يكن بسيطا حقيقيا لما عرفت آنفا قال بعض العلماء من كان فى قلبه مثقال خردلة سوى جلالك فهو مرض فالسالك ما دام ملتفتا عند ملاحظة جلال اللّه و عظمته الى شي‏ء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول جامع مع اللّه غيرا و يعد ذلك شركا خفيا فالتوحيد المطلق هو أن لا يعتبر مع اللّه غيره مطلقا و الكلام قد انجر الى ما هو خارج عن الفن الا أن شرح كلام المصنف قد جرّ الى ذلك و الكلام يجر الكلام و ما اظن انك بعد ما تأملت فى كلام المصنف بأطرافه تصغى الى قول من قال ان بعد الارادة الحقيقية لشي‏ء ما مرتبة اخرى فى النفس تسمى بالطلب و هو نفس الاختيار و تأثير النفس فى حركة العضلات و ذلك لاتفاق الطرفين على أن الارادة بعد أن تمت مقدماتها و حصلت للنفس لا بد و أن تنضم الى قدرة المريد التي هي هيئة القوى الفاعلة لتنبعث تلك القوة لتحريك الاعصاب و الاعضاء فتحصل الحركة فى الخارج فما دام لم تنضم الارادة الى تلك القدرة و لم تنبعث تلك القوة لتحريك الاعصاب و الاعضاء لم يحصل الفعل فى الخارج فلا معنى حينئذ لجعل هذا الامر المتفق عليه بين الطرفين محلّا للنزاع بينهم فتدبر.

(الفصل الثانى فيما يتعلق بصيغة الامر)

(و فيه مباحث:)

(الاول انه ربما يذكر للصيغة معان)

تبلغ الى نيف و عشرين‏

(قد استعملت فيها و قد عد منها التمني و الترجي)

نحو ألا يا أيها الليل الطويل ألا انجل حيث انه لما عد الليل الطويل مستحيل الانجلاء تمنى انجلائه‏

(و التهديد)

نحو اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ‏

(و الانذار)

و هو قريب من التهديد لانه ابلاغ فى مقام التخويف و بعضهم جعله قسما على حدة نحو قُلْ تَمَتَّعُوا

(و التسخير)

نحو كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ‏ لأن مخاطبتهم بذاك فى معرض تذليلهم‏

(و الاهانة)

نحو ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ‏

(و الاحتقار)

نحو بل‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏

(و التعجيز)

نحو فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏

(الى غير ذلك)

من الامتنان و الاكرام و الارشاد و التسوية و الدعاء و التكوين‏

(و هذا كما ترى ضرورة ان الصيغة ما استعملت فى واحد منها بل لم تستعمل إلا فى انشاء الطلب الا أن الداعي الى ذلك كما يكون تارة هو البعث و التحريك)

97

(نحو المطلوب الواقعي يكون اخرى أحد هذه الامور كما لا يخفى و)

قد قلنا آنفا ان اختلاف الدواعي لا يوجب اختلافا في مدلول اللفظ

(قصارى ما يمكن أن يدعى أن تكون الصيغة موضوعة لانشاء الطلب فيما اذا كان بداعي البعث و التحريك لا بداع آخر منها)

أي من الدواعي المذكورة

(فيكون انشاء الطلب بها بعثا حقيقة و انشائه بها تهديدا)

مثلا

(مجازا و هذا غير كونها مستعملة في التهديد و غيره فلا تغفل)

.

(ايقاظ)

(لا يخفى ان ما ذكرناه في صيغة الأمر)

من عدم استعمال اللفظ إلا في معنى واحد لكن بدواع مختلفة حسب اختلاف المقامات‏

(جار في سائر الصيغ الانشائية فكما يكون الداعي الى إنشاء التمني أو الترجي أو الاستفهام بصيغها تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة)

و قيامها بالنفس واقعا

(يكون الداعي غيرها اخرى فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها منها و استعمالها في غيرها اذا وقعت في كلامه تعالى لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك و تعالى مما لازمه الجهل أو العجز و انه لا وجه له فان المستحيل في حقه تعالى إنما هو الحقيقي منها لا الانشائي الايقاعي الذي يكون مجرد قصد حصوله بالصيغة كما عرفت)

مرارا

(ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الايقاعية الانشائية أيضا لا لإظهار ثبوتها حقيقة بل لأمر آخر حسب ما يقتضيه الحال من اظهار المحبة أو الانكار أو التقرير أو غير ذلك و منه ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام)

كما ذكره علماء الأدب‏

(ليس على ما ينبغي)

و يليق‏

(أيضا)

ثم على تقدير تسليم استعمال اللفظ في المعاني المتعددة في الموارد المذكورة فلا نسلم كونه حقيقة في جميعها لأن خصوصية بعضها كالتسخير و التعجيز و التسوية و نحو ذلك لا يستفاد من مجرد اللفظ بل من القرائن فيكون الاستعمال مجازيا فيها ثم ان سبب المجازية في بعضها هو الخروج عن مقتضى وضع الهيئة فقط كما في الاباحة و الاذن و الندب و التمني و الترجي و نحوها و في بعضها الخروج عن مقتضى وضع الهيئة و المادة معا كما في التهديد و الانذار و التهكم و نحوها فان مدلول الجملة الانشائية هو انشاء طلب الفعل من المأمور و قد استعملت في انشاء ما يتبعه و يلزمه بحسب المقام فاريد بالجملة احضار صورة الطلب بملاحظة وضع الهيئة و المادة لينتقل منه بملاحظة المقام الى ما يتبعه من التهديد و الانذار و غيرهما كما هو الحال في سائر المركبات المجازية ثم اعلم ان ما ذكره المصنف في المقام من كون الصيغة موضوعة للطلب الانشائى يمكن أن يكون جاريا على مجرى ظاهر كلام الاصوليين و علماء الأدب من كون صيغة الأمر موضوعة لطلب الفعل و يمكن أن يراد به بقرينة قوله في مبحث الوضع بعد تحقيق الفرق بين المعنى الاسمي و المعنى‏

98

الحرفي ثم لا يبعد أن يكون اختلاف الخبر و الانشاء أيضا كذلك فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه و الانشاء ليستعمل في قصد تحققه و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل انتهى ان صيغة الأمر موضوعة لاسناد الحدث المدلول عليه بالمادة الى الفاعل لغرض كونه مطلوبا كما أن الخبر موضوع لما ذكر لغرض الحكاية المذكورة و كذلك ما في المبحث الآتي من كون الصيغة حقيقة في الوجوب أو الندب الخ أيضا يمكن أن يكون المراد به ذلك بمعنى ان مدلول الصيغة هو اسناد الحدث المدلول عليه بالمادة الى الفاعل لغرض كونه مطلوبا على نحو اللزوم لأجل مصلحة لزومية هناك فالوجوب من طواري الاستعمال بحكم العقل بملاحظة انه من لوازم صدور الصيغة عن المولى فجعلهم مدلول الصيغة هو الطلب و وجوب المأمور به على المخاطب بيان لما هو حاصل بالأمر و بالجملة من طواري الاستعمال لا من دواخل المستعمل فيه بأن يكون مدلول الصيغة بحسب الوضع بحيث يستفاد الطلب و الوجوب منها استقلالا كاستفادته من قوله اطلب منك الفعل و أوجبت عليك الفعل فافهم ذلك.

(المبحث الثاني في أن الصيغة حقيقة في الوجوب)

(أو في الندب أو فيهما)

اشتراكا لفظيا

(أو في المشترك بينهما وجوه بل أقوال)

قد أنهاها بعضهم الى ثمانية هذه الأربعة المذكورة و الوقف و الاشتراك اللفظي بين الوجوب و الندب و الاباحة فقط و الاشتراك المعنوي بينها و الاشتراك اللفظي بين الوجوب و الندب و الاباحة و التهديد

(لا يبعد تبادر الوجوب)

منها

(عند استعمالها بلا قرينة و يؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال ارادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالته عليه)

أي على الندب‏

(بحال أو مقال و كثرة الاستعمال فيه في الكتاب و السنة و غيرهما لا يوجب نقله اليه أو حمله عليه لكثرة استعماله فى الوجوب أيضا مع أن الاستعمال و ان كثر فيه إلا أنه كان مع القرينة المصحوبة و كثرة الاستعمال كذلك)

أي مع القرينة

(فى المعنى المجازي لا يوجب صيرورته مشهورا فيه ليترجح أو يتوقف على الخلاف فى المجاز المشهور كيف و قد كثر استعمال العام فى الخاص بالمخصص المنفصل حتى قيل ما من عام إلا و قد خص و)

الحال انه‏

(لم ينثلم به ظهوره فى العموم حتى يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص)

نعم لو ثبت كثرة الاستعمال فى الندب من غير قرينة فلا يبعد الحمل حينئذ لكن اثبات مثل هذه الكثرة دونه خرط القتاد ثم ان هذا كله إنما يجري على ما هو ظاهر كلام القوم فتدبر.

(المبحث الثالث هل الجمل الخبرية التي تستعمل فى مقام الطلب)

(و البعث مثل يغتسل و يتوضأ و يعيد ظاهرة فى الوجوب أولا)

فانها موضوعة للاخبار و الفرض تعذر حملها عليه فيتعين استعمالها فى الإنشاء مجازا و هو هنا أيضا لا يصح‏

(لتعدد المجازات فيها)

لإمكان استعمالها فى‏

99

إنشاء الندب أو مطلق الطلب أو خصوص الوجوب فاذا تعذرت الحقيقة و تعددت المجازات لزم الوقف عند عدم الترجيح‏

(و ليس الوجوب بأقواها بعد تعذر حملها على معناها من الأخبار بثبوت النسبة و الحكاية عن وقوعها)

كي تندرج تحت قاعدة اذا تعذرت الحقيقة و تعددت المجازات فأقر بها متعينة فلا بد من الوقف‏

(الظاهر الأول)

لانسباقه منها انسباقا اطلاقيا

(بل يكون أظهر من الصيغة و لكنه لا يخفى انه ليست الجملة الخبرية الواقعة في ذلك المقام)

أي الطلب‏

(مستعملة في غير معناها بل تكون مستعملة فيه)

أي في معناها

(إلا أنه ليس بداعي الإعلام بل بداعي البعث بنحو آكد حيث انه اخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه اظهارا بأنه لا يرضى إلا بوقوعه فيكون آكد من البعث في الصيغة كما هو الحال في الصيغ الانشائية على ما عرفت من انها أبدا تستعمل في معانيها الايقاعية لكن بدواعى أخر كما مر)

فلا مجاز حتى يقرن بسائر المعاني المجازية و يحكم بالاجمال لعدم الاقوائية

(لا يقال كيف)

تكون تلك الجمل اخبارا بوقوع المطلوب‏

(و)

الحال انه‏

(يلزم الكذب كثيرا لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك)

أي بالطلب التشريعي المستفاد من الجمل الخبرية

(في الخارج تعالى اللّه و أوليائه عن ذلك علوا كبيرا فانه يقال إنما يلزم الكذب اذا أتى بها بداعي الاخبار و الاعلام لا لداعي البعث كيف)

كانت بداعي البعث مستلزما للكذب‏

(و إلا يلزم الكذب في غالب الكنايات فمثل زيد كثير الرماد او مهزول الفصيل)

أو جبان الكلب‏

(لا يكون كذبا إذا قيل كناية عن جوده و لو لم يكن له رماد أو فصيل)

أو كلب‏

(أصلا و إنما يكون كذبا اذا لم يكن بجواد)

و لم يقل بعنوان التهكم و الاستهزاء

(فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد ابلغ فانه مقال بمقتضى الحال هذا مع انه اذا أتى بها في مقام البيان فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب)

فرارا عن لزوم اللغوية

(فان تلك النكتة)

التي يصان بها الكلام عن الكذب‏

(ان لم تكن موجبة لظهورها)

أي الجملة

(فيه)

أي في الوجوب‏

(فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين محتملات ما هو بصدده فان شدة مناسبة الاخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لتعين إرادته اذا كان المتكلم بصدد البيان مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره)

أي على غير الوجوب‏

(فافهم)

طريق إرادة الطلب من الخبر و انه على وجه الكناية حيث اخبر عن وقوع الفعل فيما بعد بداعي البعث و إرادة لازمه و هو الطلب بناء على كون الكناية إرادة المعنى الحقيقي لينتقل منه الى لازمه و بالتأمل فيما ذكره المصنف هنا تعرف صدق ما قلناه آنفا من انه يمكن أن يكون المراد من قوله ان الصيغة موضوعة للطلب انها موضوعة لافادة اسناد المادة الى الفاعل على سبيل كونه مطلوبا فلا تغفل ثم انه ظهر مما ذكره المصنف حال النفي الوارد في مقام النهي من مثل لا يغتسل و لا يتوضأ و لا يعيد فانه أيضا كالنهي ينصرف الى التحريم عرفا

100

على الوجه الذي قد مرّ آنفا و عليه يجري الافهام العرفية.

(المبحث الرابع اذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب)

لمنع التبادر بأن يقال أنه إنما يكون دليلا على الوضع اذا كان مستندا الى نفس اللفظ دون ما اذا استند الى أمر آخر و الظاهر أن انصراف اللفظ الى الوجوب في المقام من جهة دلالة اللفظ على الطلب الظاهر حين إطلاقه في الوجوب من جهة كون الوجوب هو الفرد الكامل منه كما ادعى‏

(هل لا تكون ظاهرة فيه أيضا أو تكون قيل بظهورها فيه اما لغلبة الاستعمال فيه أو لغلبة وجوده أو أكمليته)

كما عرفت آنفا

(و الكل كما ترى)

اما الأول و الثاني‏

(ضرورة أن الاستعمال في الندب و كذا وجوده ليس بأقل لو لم يكن بأكثر و اما الأكملية)

لأجل أن الوجوب مرتبة شديدة من الطلب‏

(فغير موجبة للظهور إذ الظهور لا يكاد يكون إلا بشدة انس اللفظ بالمعنى بحيث يصير اللفظ وجها له)

أي للمعنى‏

(و مجرد الأكملية لا يوجبه كما لا يخفى نعم فيما اذا كان الآمر بصدد البيان فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب فان الندب كأنه محتاج الى مئونة بيان التحديد و التقييد بعدم المنع من الترك)

فكان كثير المئونة في مقام التعبير و لا تكون الصيغة باطلاقها قالبا له مفيدا إياه‏

(بخلاف الوجوب فانه لا تحديد فيه للطلب و لا تقييد)

فان اشتداد الطلب هو الطلب فكان خفيف المئونة في مقام التعبير بحيث تكون نفس الصيغة قالبة له مفيدة إياه‏

(فاطلاق اللفظ و عدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان كاف في بيانه فافهم)

ان مقدمات الحكمة هنا قد اقتضت التعيين لا العموم بقسميه و سيتضح لك هذا بعد ذلك.

(المبحث الخامس ان إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليا)

(فيجزى اتيانه مطلقا و لو بدون قصد القربة أولا)

إطلاق للصيغة من هذه الجهة

(فلا بد من الرجوع فيما شك في تعبديته و توصليته الى الأصل)

العملي و هل هي البراءة لكون الشك في الأصل في الأكثر و الأقل الارتباطيين أو هو الاشتغال لكون الشك في كيفية الامتثال لا في المأمور به‏

(لا بد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات)

:

(إحداها)

الوجوب من حيث اعتبار قصد القربة في متعلقه و عدمه ينقسم الى تعبدي و توصلي‏

(و الوجوب التوصلي هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب و يسقط بمجرد وجوده)

من دون مدخلية لشي‏ء آخر و ان أمكن التقرب به أيضا

(بخلاف التعبدي فان الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك بل لا بد في سقوطه و حصول غرضه من الاتيان به متقربا به منه تعالى)

و ان كان يستظهر من كلمات بعضهم إطلاق التوصلي على معنى يعم بعض التعبديات و هو ما يسقط الأمر بوجوده في الخارج و لو بفعل الغير و لو من دون إرادة و اختيار و لو بفعل محرم من المحرمات و بينهما عموم من وجه فمادة الاجتماع كوجوب ازالة الخبث من البدن‏