شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
101

و اللباس و نحو ذلك و مادة افتراق الأول عن الثاني كصلاة الميت فانه واجب على وليه تعبدا مع سقوطه عنه بفعل الغير و مادة افتراق الثاني عن الأول كرد السلام فانه واجب توصلي بالمعنى الأول و لا يسقط بفعل الغير و لا من دون إرادة و اختيار فتدبر و محل النزاع إنما هو بالمعنى الأول‏

(ثانيتها)

(أن التقرب المعتبر في التعبدي)

يمكن أن يتحقق بقصد امتثال الأمر الذي تعلق به و اتيانه بداعي أمره و يمكن أن يتحقق باتيان الفعل للّه تعالى لكونه أهلا و مستحقا له من دون ضميمة شي‏ء آخر اليه و أن يتحقق باتيان الفعل بداعي حسنه و محبوبيته و كونه ذا مصلحة و أن يتحقق باتيان الفعل لكونه ذا عنوان يكون مطمح نظر المكلف ذاك العنوان بنفسه لا من حيث كونه كاشفا عما هو الغرض أو محققا له كان يأتي بالصلاة باعتبار كونها هيئة خضوع و خشوع‏

(فان كان)

ذاك التقرب‏

(بمعنى قصد الامتثال و الاتيان بالواجب بداعي أمره كان مما يعتبر في الطاعة عقلا)

و يعد من كيفيات طريق الاطاعة

(لا مما أخذ في نفس العبادة شرعا)

شطرا أو شرطا و بعبارة اخرى الانقسام الى التعبدية و التوصلية بهذا المعني ليس من الانقسامات الأولية الطارية للمأمور به بالنظر الى نفس ذاته من دون ملاحظة شي‏ء آخر بل من الانقسامات الثانوية الطارية عليه بملاحظة التكليف المتعلق به و مثل هذه القيود لا يمكن أن تؤخذ في ناحية المأمور به‏

(و ذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشي‏ء في متعلق ذلك الأمر مطلقا شطرا أو شرطا)

للزوم تقدم الشي‏ء على نفسه و توضيحه أن الوجوب المستفاد من الهيئة أو غيرها حكم و المادة التي تعلق بها الهيئة أو طولب من العبد كالصلاة مثلا موضوع لهذا الحكم و الموضوع مقدم على الحكم طبعا و ان كان قد يقارنه زمانا و قد يتأخر عنه لفظا و من البديهى أن قصد امتثال الأمر المتعلق بالصلاة تعلق الحكم بالموضوع إنما يتحقق بعد تعلق أمر الشارع و طلبه لها لعدم إمكان قصد امتثال أمر الشارع و الحال أنه ما أمر بعد فقصد امتثال الأمر إنما يجي‏ء و يتولد من بعد الأمر الذي هو بعد الصلاة طبعا و ما من شأنه التأخر عن الحكم المتأخر عن الموضوع لو اخذ في ناحية الموضوع شطرا أو شرطا للزم تقدمه على نفسه بمرتبتين‏

(فما لم يكن نفس الصلاة متعلقة للامر لا يكاد يمكن اتيانها بقصد امتثال أمرها)

فقصد امتثال الأمر موقوف على الأمر و الأمر موقوف على تحقق الموضوع و المفروض عدم تحقق الموضوع على تقدير اعتبار قصد القربة بالمعنى المذكور فيه شطرا أو شرطا على نحو ساير الأجزاء و الشرائط إلا بالأمر و هل هذا إلا الدور المستلزم لتقدم الشي‏ء على نفسه‏

(و توهم إمكان تعلق الأمر بفعل الصلاة)

مقيدا

(بداعي الأمر و إمكان الاتيان بها بهذا الداعي ضرورة إمكان تصور الامر بها مقيدة و التمكن من اتيانها كذلك)

أي مقيدة

(بعد تعلق الامر بها)

خارجا يعني يمكن أن يتصور المولى أولا الصلاة المقيدة بداعي‏

102

امتثال الامر بها أي المقيدة بهذا المفهوم و التصور أمر خفيف المئونة فكما أنه في مقام أمره و طلبه كان يتصور موضوع حكمه بسائر أجزائه و شرائطه كذلك هذا الشرط ثم يأمر بفعل الصلاة ذاتها المقيدة بداعي الامتثال و يتمكن المكلف من اتيان الصلاة المقيدة المذكورة بقصد أمرها حين ما أراد الاتيان‏

(و المعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحة الامر إنما هو في حال الامتثال لا حال الامر واضح الفساد ضرورة انه و ان كان تصورها كذلك)

أي مقيدة بمفهوم امتثال أمرها

(بمكان من الامكان)

ضرورة عدم توقف تصور مفهوم قصد امتثال الامر على تحقق الامر و إنما المتوقف عليه مصداقه أي القصد المتحقق في الخارج من القاصدين‏

(إلا أنه لا يكاد يمكن الاتيان بها)

أي بالصلاة ذاتها

(بداعى أمرها لعدم الامر بها)

أي بالصلاة ذاتها بعد فرض كون الامر متعلقا بالصلاة المقيدة المذكورة

(فان الامر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعى الأمر)

فلا بد من أمر متقدم حتى يتحقق به موضوع الامر مع أنه ليس في البين إلا أمر واحد

(و لا يكاد يدعو الامر)

المذكور

(إلا الى ما تعلق به)

و هي الصلاة المقيدة بداعى الأمر لا نفس ذات الصلاة

(لا الى غيره)

أي نفس ذات الصلاة و بالجملة ما يأتي به المكلف في الخارج و هو نفس الصلاة ليست بمأمور بها حسب الفرض و ما هو مأمور به لم يمكن أن يؤتى به في الخارج بأمر واحد.

(فان قلت نعم و لكن نفس الصلاة)

التي يأتي بها المكلف‏

(أيضا صارت مأمورا بها بالأمر بها مقيدة)

فان الأمر بالمقيد يستلزم الأمر بالمطلق الذي فى ضمنه.

(قلت كلا)

أي ليس الأمر كذلك‏

(لأن ذات المقيد لا يكون مأمورا بها فان الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب أصلا فانه ليس إلا وجود واحد)

خاص‏

(واجب بالوجوب النفسي)

و هو وجود الكل‏

(كما ربما يأتي فى باب المقدمة)

توضيح ذلك نعم يمكن فى المركبات الخارجية ذلك من باب تعدد المطلوب كما سيأتي أيضا بيانه.

(ان قلت نعم لكنه اذا أخذ قصد الامتثال شرطا)

حتى يتصور القيد و المقيد و كون المقيد جزء تحليليا عقليا كالقيد

(و اما اذا أخذ شطرا فلا محالة نفس الفعل الذي تعلق الوجوب به مع هذا القصد يكون متعلقا للوجوب اذ المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر و يكون تعلقه بكل)

أي بكل جزء

(بعين تعلقه بالكل و يصح أن يؤتى به)

أي بالفعل نفسه‏

(بداعى ذلك الوجوب ضرورة صحة الاتيان بأجزاء الواجب بداعى وجوبه)

.

(قلت مع امتناع اعتباره)

أي قصد الامتثال‏

(كذلك)

أي جزء

(فانه يوجب تعلق الوجوب بأمر غير اختياري فان الفعل و ان كان بالارادة)

أي إرادة الفاعل له‏

(اختياريا إلا أن ارادته)

و قصده‏

(حيث لا يكون بارادة اخرى و إلا لتسلسلت)

الإرادات و القصود

103

و

(ليست باختيارية كما لا يخفى إنما يصح الاتيان بجزء الواجب بداعى وجوبه فى ضمن اتيانه)

أي اتيان الواجب بالأسر

(بهذا الداعى و لا يكاد يمكن الاتيان بالمركب من قصد الامتثال)

و غيره‏

(بداعى امتثال أمره)

أي بداعى امتثال الأمر المتعلق بنفس الجزء الذي هو ذات الصلاة حتى يصح الاتيان بنفس الفعل الذي هو جزء الواجب بداعى وجوبه فى ضمن اتيان الواجب و لو سلم إمكان الاتيان بالمركب من قصد الامتثال بداعى امتثال أمره فهو خارج عن الفرض لا يفيد بحال المعترض أصلا و أيضا يصير وجوبها حينئذ من باب المقدمة ضرورة أن الجزء مقدمة لوجوب الكل و وجوبها ممنوعة عند الأكثر و لو سلم وجوبها فانما يكون غيريا لا نفسيا و الكلام فى الوجوب النفسي مع أن مخالفته لا يستلزم عقابا غير العقاب المترتب على مخالفة ذى المقدمة و الحال أن ما نحن فيه ليس كذلك.

(ان قلت نعم لكن هذا كله اذا كان اعتباره فى المأمور به بأمر واحد و اما اذا كان بأمرين تعلق أحدهما بذات الفعل و ثانيهما باتيانه بداعى أمره فلا محذور أصلا كما لا يخفى فللآمر ان يتوسل بذلك فى الوصلة الى تمام غرضه و مقصده بلا منعة)

توضيحه أنه يمكن جعل التقرب بمعنى قصد امتثال الأمر معتبرا فى المأمور به و إمكان الاتيان بمعونة أمرين بأن يقال أن الغرض الأصلي من الصلاة مثلا لما كان الانتهاء عن الفحشاء و المنكر و الاتصاف بالأخلاق الحسنة يتولد من هذا الغرض غرض آخر كتهيئة المكلف و توطينه نفسه على الفعل فيدعوه هذا الغرض الى الأمر بالصلاة فهذا الامر متعلق بذات الصلاة ثم يأمر بداعى الغرض الاصلي بالصلاة مقيدا بداعى الامر الأول فيكون الامتثال بداعى الأمر جزء للمأمور به بهذا الامر الثاني.

(قلت مضافا الى القطع بأنه ليس فى العبادات إلا أمر واحد كغيرها من الواجبات و المستحبات)

التوصلية

(غاية الامر يدور مدار الامتثال وجودا و عدما فيها المثوبات و العقوبات بخلاف ما عداها)

من الواجبات و المستحبات‏

(فيدور فيه)

أي فيما عداها

(خصوص المثوبات)

مدار الامتثال‏

(و اما العقوبة)

فهى‏

(مترتبة على ترك الطاعة و مطلق الموافقة)

و قوله مطلق الموافقة بالجر عطف على الطاعة و بالجملة فليس العقوبة فيه دائرة مدار عدم الامتثال بل على الترك المطلق فلو وجد من المكلف لا بقصده الامتثال فلا عقوبة كما أنه قد يوجد بفعل انسان آخر و لا عقوبة كما فى تطهير اللباس بل و لا عقوبة اذا حصلت الطهارة باطارة الرياح اللباس و القائه فى الكر أو الجارى و حاصل هذا الجواب ان دعوى الامرين المذكورين خلاف العلم القطعى و الجواب الثاني‏

(ان الامر الاول ان كان يسقط بمجرد موافقته و لو لم يقصد به الامتثال كما هو)

أي السقوط بخصوص قصد الامتثال لا بمجرد الموافقة

(قضية الامر)

104

(الثاني فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الاول بدون قصد امتثاله)

إذ لم يبق به موضوع أصلا

(فلا يتوسل الآمر الى غرضه بهذه الحيلة و الوسيلة و ان لم يكد يسقط)

الامر الاول‏

(بذلك)

أي بمجرد موافقته‏

(فلا يكاد يكون له)

أي لعدم السقوط

(وجه إلا عدم حصول غرضه بذلك من أمره لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله و إلا)

أي و أن لا يستحيل سقوطه مع عدم حصول الغرض‏

(لما كان موجبا لحدوثه)

أي لحدوث الامر لعدم مناسبة و ارتباط بينهما على الفرض فلا بد أن يكون دائرا مدار الغرض وجودا و عدما فعدم سقوط الامر لا محالة يكون لعدم حصول الغرض‏

(و عليه)

أي و على أنه لو كان عند العقل عدم سقوط الامر لاجل عدم حصول الغرض‏

(فلا حاجة فى الوصول الى غرضه الى وسيلة تعدد الأمر لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد موافقة الأمر بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره هذا كله اذا كان التقرب المعتبر فى العبادة بمعنى قصد الامتثال و اما اذا كان الاتيان بالفعل بداعى حسنه و محبوبيته أو كونه ذا مصلحة)

على ما نسب الى الشيخ الانصاري من أنه جعل قصد الجهة و المصلحة في عرض قصد امتثال الأمر خلافا لصاحب الجواهر حيث اقتصر كون الشي‏ء قربيا و عبادة على قصد الأمر و جعل بقية الدواعى فى طول هذا الداعى لا فى عرضه‏

(أو له تعالى)

بمعنى أن جميع الدواعى القربية فى عرض واحد و الجامع هو كون العمل للّه تعالى كما هو المستفاد من قوله ع و كان عمله بنية صالحة يقصد بها ربه‏

(فاعتباره فى متعلق الامر و ان كان بمكان من الامكان)

لعدم لزوم محذور فيه أصلا و ان قيل باستحالته أيضا مستندا بأن الداعى لا بد و أن يكون له تقدم بالذات على الارادة المحركة نحو العمل فيستحيل كونه فى عرض العمل الذي يتعلق به الارادة التكوينية المفروض سبق الداعى عليها و تأخر العمل عنها فيستحيل وقوعه فى حيّز الارادة التشريعية أيضا بداهية أن متعلق الارادة التشريعية هو بعينه ما يوجده العبد فى الخارج و متعلق ارادته فما هو محال أخذه فيها فهو محال فى التشريعية أيضا فتأمل فيه‏

(إلا أنه غير معتبر فيه)

بالخصوص‏

(قطعا لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذى عرفت عدم إمكان أخذه فيه بديهة تأمل فيما ذكرنا فى المقام تعرف حقيقة المرام كي لا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام)

حيث ذهب بعضهم فى تصحيح المطلب الى تعدد الامر و بعضهم الى أن غاية ما دل عليه الدليل العقلي و النقلي هو التمكن من الفعل عند ايجاده لا التمكن فى زمان الامر به و المكلف قادر على اتيان العبادات بقصد الإطاعة و امتثال الامر فى زمان الفعل المتأخر عن زمان الامر و لا امتناع فى تأثير الامر فى القدرة على متعلقه فى زمان وجوده إذ لا دليل يقتضي استحالته و اما حديث كون الموضوع مقدما على المحمول فمحفوظ هاهنا أيضا و لا دور أصلا

105

لأن المقدم هو الفعل الذي يوجد بقصد القربة في الزمان المتأخر بحسب مقام التصور و هذا أمر معقول و ان توقف وجوده الخارجي على سبق الأمر نظير العلل الغائية للافعال الاختيارية حيث انها متقدمة تصورا و ان كانت متأخرة تحققا و بعضهم ذهبوا الى أن معنى القربة هو خصوص قصد كون الفعل ذا مصلحة أو ذا عنوان يكون بذاك العنوان مأمورا به او كونه للّه تعالى‏

(ثالثتها)

(انه اذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلا فلا مجال للاستدلال باطلاقه و لو كان مسوقا في مقام البيان على عدم اعتباره كما هو أوضح من أن يخفى)

ضرورة أن الخصوصية المذكورة ليست من قيود المأمور به حتى تدفع باطلاقه فيما كان له إطلاق و تمت مقدمات الحكمة بل هي من قيود الاطاعة و من الكيفيات المعتبرة في مقام الامتثال و سقوط الغرض فليس المقام من موارد الشك في الأقل و الأكثر

(فلا يكاد يصح التمسك به)

أي بالاطلاق‏

(إلا فيما يمكن اعتباره)

قيدا

(فيه)

و بالجملة ليس تقابل الاطلاق مع التقييد تقابل السلب و الايجاب بل تقابل العدم و الملكة فالاطلاق عدم تقييد شي‏ء بشي‏ء يصح أن يعتبر فيه تقييدا و المسألة ليست من هذا القبيل فان انقسام المتعلق الى ما يؤتى بقصد القربة و عدمه يتوقف على الأمر فليس هذا الانقسام في مرتبة سابقة عليه و هي مرتبة ذات المأمور به الذي هو موضوع للامر

(فانقدح بذلك أنه لا وجه لاستظهار التوصلية من إطلاق الصيغة بمادتها و لا لاستظهار عدم اعتبار مثل)

قصد

(الوجه مما هو ناش من قبل الأمر)

كقصد الوجوب و الندب‏

(من إطلاق المادة في العبادات لو شك في اعتباره فيها نعم)

يمكن التمسك باطلاق المقام على ذلك و قد يسمى ذلك بنتيجة (*) الاطلاق بأن يقال‏

(اذا كان الآمر في المقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه و ان لم يكن له دخل في متعلق أمره و معه سكت في المقام و لم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه و إلا لكان سكوته نقضا له و خلاف الحكمة فلا بد عند الشك و عدم إحراز هذا المقام)

أي كون المتكلم في مقام البيان‏

(من الرجوع الى ما يقتضيه الأصل)

العملي‏

____________

(*) كما ان مقابلها يسمى بنتيجة التقييد و ذلك إنما هو لاستحالة الاهمال في نفس الأمر فان الملاك المقتضى لتشريع الحكم اما أن يكون ثابتا في كل من حالتي العلم و الجهل فلا بد من نتيجة الاطلاق و اما أن يكون في حالة العلم فقط فلا بد من نتيجة التقييد و لما لم يمكن أن يكون الجعل الاولى متكفلا لبيان ذلك فلا بد من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الاطلاق أو التقييد و هو المصطلح عليه بمتمم الجعل فاستكشاف كل واحدة من النتيجتين لا بد و أن يكون من دليل آخر و حيث لم يوجد دليل آخر فلا بد من الرجوع الى الأصل كما ذكره المصنف.

منه دام ظله‏

106

(و يستقل به العقل فاعلم انه لا مجال هاهنا إلا لأصالة الاشتغال و لو قيل باصالة البراءة فيما اذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين و ذلك لأن الشك هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها فلا يكون العقاب مع الشك و عدم إحراز الخروج عقابا بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان ضرورة انه بالعلم بالتكليف يصح المؤاخذة على المخالفة و عدم الخروج عن العهدة لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد القربة و هكذا الحال في كل ما شك دخله في الطاعة و الخروج به عن العهدة مما لا يمكن اعتباره في المأمور به)

بل لو كان معتبرا لكان اعتباره من طرف أمر المولى لكونه مترشحا منه‏

(كالوجه و التميز نعم يمكن أن يقال)

ان في المقام تفصيلا و هو

(ان كلما ربما يحتمل بدوا دخله في الامتثال ان كان مما يغفل عنه غالبا للعامة كان على الآمر بيانه و نصب قرينة على دخله واقعا و إلا لأخل بما هو همه و غرضه أما اذا لم ينصب دلالة على دخله كشف عن عدم دخله)

فتكون مقدمات الحكمة هنا تامة في التمسك باطلاق المقام كما في رواية حماد المبينة للاجزاء الساكتة عن بيان المشكوك في جزئيته‏

(و بذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه و التميز في الاطاعة بالعبادة حيث لا عين و لا أثر منهما في الأخبار و الآثار و كانا مما يغفل عنه العامة و ان احتمل اعتباره بعض الخاصة فتدبر جيدا)

بخلاف القربة و أمثالها من الامور التي لا يكون بهذا المقدار من الخفاء بل لا يبعد كونها من الامور الارتكازية التي يكتفي الآمر بركزها في الأذهان عن البيان حيث أن عدم نصب القرينة و لو في مقام البيان لا يكفي في عدم اعتبارها لقوة احتمال اكتفاء المتكلم بارتكازها في أذهان العامة في مقام الاطاعة

(ثم لا أظنك أن تتوهم و تقول ان أدلة البراءة الشرعية)

كحديث الرفع و نحوه‏

(مقتضية لعدم الاعتبار و ان كان قضية الاشتغال عقلا)

كما علمت‏

(هو الاعتبار لوضوح انه لا بد في عمومها)

أي عموم أدلة البراءة الشرعية للمقام‏

(من شي‏ء قابل للوضع و الرفع شرعا و ليس هاهنا فان دخل قصد القربة و نحوها في)

تحصيل‏

(الغرض ليس بشرعي بل واقعي)

لما عرفت من كون المأمور به معلوما بجميع أجزائه و شرائطه و عدم جعل قصد القربة بالمعنى المذكور منه شطرا و لا شرطا و كونه مما يعتبر في طريق الامتثال عقلا فلا يكون متعلقا لوضع الشارع و رفعه‏

(و دخل الجزء و الشرط فيه)

أي في الكل الذي قد أمر به‏

(و ان كان كذلك)

أي واقعي عقلي و ليس بشرعي‏

(إلا أنهما قابلان للوضع و الرفع شرعا)

تبعا لمنشإ انتزاعهما كما سيأتي توضيحه‏

(فبدليل الرفع و لو كان أصلا يكشف انه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه المشكوك)

كونه جزء او شرطا حتى‏

(يجب الخروج عن عهدته عقلا بخلاف المقام فانه علم بثبوت الأمر العقلي كما عرفت)

من أنه باتيان الشي‏ء بلا قصد القربة لا علم بسقوط الأمر و معه نقطع بسقوطه فيحكم العقل‏

107

باتيانه معه‏

(فافهم)

فان قلت قد ذكرت آنفا ان قصد التقرب بمعنى قصد كونه ذا حسن أو مصلحة أو محبوبية أو للّه تعالى مما يمكن أن يؤخذ في المأمور به فعلى هذا يصح أن يؤخذ قصد القربة فيه على الاجمال أي مجردا عن الخصوصيات بأن يقصر النظر على طبيعته و التي يؤتى بداعي الامتثال يكون فردا من تلك الطبيعة التي تعلق بها الأمر و يكون المكلف قادرا عليها زمان الفعل و يسرى حكم الطبيعة على هذا الفرد الذي يحدث بعد الأمر نظير سريان الحكم من قولنا كل خبري صادق على نفس تلك القضية قلت ان السريان إنما يتم بالنسبة الى ما يصير في الواقع فردا للطبيعة التي أخذت موضوعة كما في المثال و اما بالنسبة الى ما لا يكون كذلك كما في ما نحن فيه فلا إذ بمجرد تعلق الأمر بالصلاة المقيدة بطبيعة التقرب لا تصيّر الصلاة التي يؤتى بها بقصد الامتثال فردا لتلك الطبيعة إذ داعي الامتثال فى الخارج من المحققات لغرض المولى لا أنه جزء للمأمور به فلو فرض كونه جزء لزم أن لا يكون ما اتى به مجزيا إذا المكلف أتى بنفس ذات الصلاة بداعي الامتثال و لم يأت بالصلاة المقيدة بداعي الامتثال بداع آخر و الحال ان ما أتى به مجز بالاجماع و لو قيل بأن نفس ذاتها تكون تمام المأمور به للزم الخلف فان قلت هلّا تمسكت فى مقام اعتبار قصد الاطاعة بالأصل المذكور أ ليس يكفي فى تلك الأوامر الدالة على وجوب إطاعة اللّه و رسوله حيث انه لا يقصد الاطاعة إلا مع وقوع الفعل على وجه الامتثال، قلت كلا فان الاطاعة فيها محمولة على ترك المخالفة و العصيان فى أوامرهم و نواهيهم فهي كالمؤكدة لمضمون الأوامر و النواهي الخاصة الواردة من اللّه و رسوله فلا ارتباط له بوجوب الاتيان بالمأمور به بقصد امتثال أمره و ذلك لأن تلك الأدلة تعم امتثال الأوامر و النواهي و من البيّن ان النواهي يكون المقصود منها ترك المنهي عنه من غير تقييده بقصد الامتثال و كذا الأوامر المتعلقة بغير العبادات فلو حملت على الطاعة بالمعنى المبحوث عنه لزم تقييدها بالأكثر مضافا الى بعده عن سياقها فان سياقها وجوب إطاعتهم فى جميع ما يأمرون به و ينهون عنه و أيضا وجوب إطاعة النبي- ص- و الإمام فى الاتيان بما يأمرون به مما لم يقل به أحد و من البين ورودها على سياق واحد كما ورد مثل ذلك فى إطاعة الزوجة و العبد للزوج و السيد.

(المبحث السادس قضية إطلاق الصيغة)

اذا دار الأمر بين كون الوجوب المستفاد من اللفظ نفسيا أو غيريا و كذا بين كونه تعيينيا أو تخييريا أو كونه عينيا أو كفائيا ف

(قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب و تضييق دائرته فاذا كان فى مقام البيان و لم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه)

أي الوجوب‏

(مطلقا)

غير مقيد و لا مضيق سواء

(وجب هناك شي‏ء آخر)

حتى يكون هذا واجبا لأجله ليكون غيريا

(أولا)

حتى يكون نفسيا

(أتى بشي‏ء آخر)

حتى يكون تعيينيا

(أولا)

حتى يكون تخييريا

(أتى به آخر)

حتى يكون‏

108

عينيا

(أولا)

حتى يكون كفائيا

(كما هو واضح لا يخفى)

و بعبارة أوضح الوجوب اما يصير موضوعا و سببا لوجوب آخر أو يقع محمولا فعلى الأول كما اذا قيل اذا وجب قصر الصلاة وجب الافطار يكون الوجوب المسبب على نحو وجوب السبب ان نفسيا فنفسيا و ان غيريا فغيريا و هكذا لأن ما هو الموضوع و السبب لما كان المراد به هي الطبيعة ففي ضمن أي فرد من الأفراد يمكن تحققها و على الثاني اذا كان المقام مقام البيان و لم ينصب قرينة على التعيين فيحمل على النفسي التعييني العيني و إلا لزم الإغراء و اللغو و لا فرق فى ذلك بين كون الوجوب مفاد الهيئة أو مفاد المادة مثل هذا واجب ثم أن هذا الأمر لا يختص بما اذا كان المفاد هو الوجوب بل لو كان المفاد الندب بل مطلق الطلب لكان الأمر كذلك، نعم لو ثبت وجوب شي‏ء لا باللفظ بل بالعقل و الاجماع و دار أمره بين وجهين أو وجوه من المذكورات فالظاهر التوقف إذ لا ترجيح لأحدها فى ذاته و لا إطلاق ليؤخذ مقتضاه فالمرجع هو الاصل العملي فمع الدوران بين التعييني و التخييري أو العيني و الكفائى يؤخذ بأول الشقين كما قيل، لحصول اليقين بالبراءة باتيان ذلك الفعل دون غيره من شخص المكلف بخلاف ما اذا أتى به غيره و بين الوجوب المطلق و المشروط لا يحكم بالوجوب إلا مع حصول الشرط و بين الوجوب النفسي و الغيري لا يحكم بالوجوب عليه إلا على نحو الوجوب الغيري اقتصارا فيما خالف الاصل على القدر المتيقن لكن لا يجري عليه حكم الواجب الغيري من سقوطه بمجرد حصوله و لو بالمحرم قضية للاشتغال.

(المبحث السابع انه اختلف القائلون بظهور صيغة الامر فى الوجوب وضعا أو إطلاقا)

(فيما اذا وقع عقيب الحظر)

نحو قوله تعالى‏ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏

(أو فى مقام توهمه)

كما اذا كان السؤال عن جواز الفعل فأجاب ع بالامر به فضلا عن مقام ظنه‏

(على أقوال نسب الى المشهور ظهورها فى الاباحة و الى بعض العامة ظهورها فى الوجوب و الى بعض بتبعيته لما قبل النهي ان علق الامر بزوال علة النهي الى غير ذلك)

من التفصيل بين ما اذا علق النهي بارتفاع علته فيفيد الاباحة و بين ما لم يعلق عليه فيفيد الوجوب و التبعية لما قبل النهي مطلقا و الندب و التوقف كما نسب الى الغزالي‏

(و التحقيق أنه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال)

كما قد تشبث بها القائلون بالاقوال المذكورة

(فانه قلّ مورد منها يكون خاليا عن قرينة على الوجوب أو الاباحة أو التبعية و مع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها فى غير ما تكون ظاهرة فيه)

من الوجوب‏

(غاية الامر يكون)

عقيب الحظر

(موجبا لاجمالها غير ظاهرة فى واحد منها إلا بقرينة اخرى كما أشرنا)

الى وجودها فى موارد الاستعمالات و يؤيد الاجمال الاختلافات المذكورة فالمرجع هو الاصل العملي و كذا الكلام فى باب ورود النهي عن الشي‏ء عقيب وجوبه و كذا الامر بالشي‏ء بعد

109

الكراهة أو ظنها أو توهمها كما اذا كان السؤال عن مرجوحية الشي‏ء فأجاب ع بالأمر به.

(المبحث الثامن الحق ان صيغة الأمر مطلقا)

أي مجردة عن كل القرائن‏

(لا دلالة لها على المرة و لا التكرار)

لا بالوضع و لا بالانصراف‏

(فان المنصرف عنها ليس إلا طلب ايجاد الطبيعة المأمور بها)

من غير زيادة على ذلك‏

(فلا دلالة لها على أحدهما)

أي على كون الماهية مطلوبة في ضمن المرة أو التكرار

(لا بهيئتها و لا بمادتها و الاكتفاء)

في مقام الاطاعة

(بالمرة فانما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة كما لا يخفى)

لتحقق الطبيعة بالمرة قطعا و لا معنى للامتثال عقيب الامتثال و كون المراد من بعض الأوامر المرة كالحج و من بعضها التكرار كالصلاة و الصوم فانما هو من الخارج لا من نفس الصيغة و لا باقتضاء الطبيعة و يشهد بذلك اختلاف كيفية التكرار و كميته في الأمثلة المذكورة

(ثم لا يذهب عليك أن الاتفاق على أن المصدر المجرد عن اللام و التنوين لا يدل إلا على الماهية على ما حكاه السكاكي لا يوجب كون النزاع هاهنا في الهيئة كما في الفصول)

حيث قال رحمه اللّه في أول هذا الفصل الحق ان هيئة الأمر لا دلالة لها على المرة و لا التكرار و قال أيضا و إنما حررنا النزاع في الهيئة لنص جماعة عليه و لأن الأكثر حرروا النزاع في الصيغة و هي ظاهرة بل صريحة فيها و لأنه لا كلام لنا في أن المادة و هي المصدر المجرد عن اللام و التنوين لا تدل إلا على الماهية من حيث هي هي على ما حكى السكاكي وفاقهم عليه و خص نزاعهم في أن اسم الجنس هل يدل على الجنس من حيث هو أو على الفرد المنتشر بغير المصدر انتهى محل الحاجة

(فانه غفلة و ذهول عن)

أن‏

(كون المصدر كذلك لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدل إلا على الماهية ضرورة أن المصدر)

الذي هو صيغة برأسها و له مادة و هيئة

(ليست مادة لسائر المشتقات بل هو صيغة مثلها)

و فعلية في عرضها و كل فعلية بما هي فعلية آبية عن فعلية اخرى‏

(كيف و قد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر و ساير المشتقات بحسب المعنى)

إذ اللابشرطية مقومة لماهية معناها و البشرطلائية مقومة لماهية مفهومه‏

(فكيف بمعناه)

المباين‏

(يكون مادة لها فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادتها كما لا يخفى)

من غير لزوم خرق اتفاقهم.

(ان قلت فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام)

.

(قلت مع أنه محل الخلاف)

لذهاب الكوفيين الى أن الفعل أصل الكلام و بعضهم الى أن كلّا من المصدر و ساير الصيغ أصل برأسه و هو الحق‏

(معناه أن الذي وضع أولا بالوضع الشخصي ثم بملاحظته وضع نوعيا أو شخصيا ساير الصيغ التي تناسبه مما جمعه)

أي من الصيغ التي جمعها

(معه)

أي مع المصدر

(مادة لفظ متصورة في كل)

واحد

(منها)

أي من الصيغ‏

(و منه)

أي و من اللفظ الذي وضع أولا بالوضع الشخصي‏

(بصورة)

مخصوصة

110

الجار متعلق بقوله متصورة

(و معنى كذلك)

متعلق بقوله تناسبه و قوله كذلك أي معنى موجود في كل واحد من الصيغ و من اللفظ الذي وضع أولا

(هو المصدر أو الفعل فافهم)

و الحاصل أن المصدر هو اللفظ الذي وضع أولا بالوضع الشخصي لمعنى ثم بملاحظته وضع شخصيا أو نوعيا ساير الألفاظ التي لها هيئات خاصة اخرى غير هيئة المصدر لكن تناسبه فى المادة و المعنى‏

(ثم أن المراد بالمرة و التكرار هل هو الدفعة و الدفعات أو الفرد و الأفراد و التحقيق أن يقعا بكلا المعنيين محل النزاع و ان كان لفظها ظاهرا فى المعنى الأول و توهم انه لو اريد بالمرة الفرد لكان الأنسب بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتي من أن الأمر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد فيقال عند ذلك و على تقدير تعلقه بالفرد هل يقتضي التعلق بالفرد الواحد أو المتعدد أو لا يقتضي شيئا منهما و لم يحتج الى أفراد كل واحد منهما بالبحث كما فعلوه و اما لو اريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين كما لا يخفى)

فيصح حينئذ تعدد المبحث‏

(فاسد لعدم العلقة بينهما لو اريد بها الفرد أيضا فان الطلب على القول بالطبيعة إنما يتعلق بها باعتبار وجودها فى الخارج ضرورة أن الطبيعة من حيث هي ليست إلا هي لا مطلوبة و لا غير مطلوبة و بهذا الاعتبار كانت مرددة بين المرة و التكرار بكلا المعنيين فيصح النزاع فى دلالة الصيغة على المرة و التكرار بالمعنيين و عدمها اما بالمعنى الاول فواضح و اما بالمعنى الثاني فلوضوح ان المراد من الفرد أو الافراد وجود واحد أو وجودات و إنما عبر بالفرد لان وجود الطبيعة فى الخارج هو الفرد غاية الامر خصوصيته و تشخصه على القول بتعلق الامر بالطبائع يلازم المطلوب و خارج عنه بخلاف القول بتعلقه بالافراد فانه مما يقومه)

و سيتضح لك هذا المطلب فيما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

(تنبيه)

(لا إشكال بناء على القول بالمرة فى)

حصول‏

(الامتثال بها و انه لا مجال للاتيان بالمأمور به ثانيا على أن يكون)

هو

(أيضا)

مما

(به)

يحصل‏

(الامتثال فانه من الامتثال بعد الامتثال)

الغير المعقول‏

(و اما)

بناء

(على المختار من دلالته)

أي دلالة الامر

(على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرة و لا على التكرار فلا يخلو الحال اما أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة فى مقام البيان بل فى مقام الاهمال أو الاجمال فالمرجع هو الاصل)

أي اصالة التعيين و هو الاتيان بالمرة فقط بناء على أنه هو الاصل عند دوان الامر بينه و بين التخيير أو اصالة التخيير بناء على أن التعيين كلفة زائدة لا بيان من الشارع بالنسبة اليها فينفي بالاصل‏

(و اما أن يكون اطلاقها فى ذلك المقام فلا اشكال حينئذ فى الاكتفاء بالمرة فى الامتثال و إنما الاشكال في جواز أن لا يقتصر عليها)

بل يأتي بها مرة بعد اخرى و قد يتوهم الجواز

(فان لازم اطلاق الطبيعة المأمور بها هو الاتيان بها مرة أو مرارا لا لزوم الاقتصار على المرة كما)

111

(لا يخفى)

إذ الطبيعة لا بشرط تجتمع مع الف شرط

(و)

لكن‏

(التحقيق ان قضية الاطلاق إنما هو جواز الاتيان بها مرة في ضمن فرد أو أفراد)

متعددة كما في قول المولى لعبيده أنتم أحرار لوجه اللّه حيث أوجد الطبيعة في ضمن أفراد متعددة دفعة واحدة و ليس هو إلا كايجادها في ضمن فرد واحد

(فيكون إيجادها في ضمنها نحوا من الامتثال كايجادها في ضمن الواحد لا جواز الاتيان بها مرة أو مرات فانه مع الاتيان بها مرة لا محالة يحصل الامتثال و يسقط به الأمر فيما اذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرده فلا يبقى بعد مجال لاتيانه ثانيا بداعي امتثال آخر أو بداعي أن يكون الاتيانان امتثالا واحدا لما عرفت من حصول الموافقة باتيانها و سقوط الغرض معها و سقوط الأمر بسقوطه فلا يبقى مجال لامتثاله أصلا)

بعد الامتثال‏

(و اما اذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض كما اذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتى به و لم يشرب أو لم يتوضأ فعلا فلا يبعد صحة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر أحسن منه بل مطلقا)

و لو كان الأول أحسن منه‏

(كما كان له ذلك)

أي جواز الاتيان بذات البدل‏

(قبله)

أي قبل اتيان ذات المبدل‏

(على ما يأتي بيانه في الإجزاء)

في مسئلة الصلاة المعادة حيث ورد في الخبر أن اللّه تعالى يختار أفضلهما أو أحبهما فان اختيار إحداهما اما الاولى لكون تمام توجه العبد فيها نحو مولاه و لو كانت منفردة و اما الثانية المعادة جماعة لما ذكرنا مع مزية كونها جماعة يكشف عن كون المصلحة الملزمة في إحداهما فانه لو كانت قائمة بكل منهما أو بمجموعهما لكان يختارهما لا إحداهما.

(المبحث التاسع الحق انه لا دلالة للصيغة)

المجردة عن كل القرائن‏

(لا على الفور و لا على التراخي نعم قضية اطلاقها)

أي الصيغة

(جواز التراخي)

لا وجوبه لو كان في مقام البيان و اما في مقام الاجمال أو الاهمال فان علمنا من الخارج ان المراد هو أحدهما اجمالا اما الفور بحيث لو أخره لما كان مطلوبا و اما التأخير بحيث لو بادر لما كان مطلوبا فمقتضي الاحتياط هو الاتيان به فورا لاحتمال كون المطلوب هو الخاص أي الشي‏ء المقيد بالفورية بحيث لو أخر لما كان مطلوبا و الاتيان به متراخيا أيضا لاحتمال كون المطلوب مقيدا بخصوصية التراخي و ان لم نعلم من الخارج مراده أيضا بل احتملنا بدوا اعتبار الفورية على نهج القيدية لا على نهج تعدد المطلوب فالأصل عدم وجوب الفورية كما ان الأصل عدم وجوب التراخي‏

(و الدليل عليه تبادر طلب ايجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقييدها بأحدهما فلا بد في التقييد من دلالة اخرى كما ادّعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية)

من قوله تعالى‏ وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏، و قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏، بتقريب ان ما هو المأمور به في الآيتين هو المسارعة و الاستباق و الصيغة قد ثبت دلالتها على الوجوب فيجب المسارعة و الاستباق الى سبب المغفرة

112

و فعل الخيرات و أي سبب للمغفرة و أي خير أعظم من الواجبات فيكون جميع ما أوجب في الشرع بصيغة الأمر مما يجب المسارعة و الاستباق اليه و هذا معنى الفورية

(و فيه منع)

ظاهر

(ضرورة ان سياق آية

وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏

و كذا آية

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏

إنما هو البعث نحو المسارعة الى المغفرة و الاستباق الى الخير من دون استتباع تركهما للغضب و الشر)

حتى تدل على لزوم الفور

(ضرورة ان تركهما)

أي ترك المسارعة و الاستباق‏

(لو كان مستتبعا للغضب و الشر كان البعث بالتحذير عنهما)

أي عن التركين‏

(انسب كما لا يخفى)

لكونه نصا في المقصود حيث ان المناسب في مقام بيان اللطف الواجب ذكر العقاب المتوعد على تركه مقتصرا عليه أو مع ذكر الثواب الموعود على فعله كالصلاة دون الاقتصار على ذكر الثواب المقرر عند بيان المستحبات‏

(فافهم)

و الحاصل انه قد استدل على كون الآيتين للندب بالسياق لا بما ذكر في المعالم من انه لو حمل على الوجوب يلزم المنافاة بين مدلول الصيغة و مفاد المادة هذا

(مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات و في كثير من الواجبات بل)

في‏

(اكثرها)

لو حملت الصيغة على الوجوب اما لزوم التخصيص فلأنه لا معنى لوجوب المسارعة الى المندوبات و في الواجبات الموسعة و اما كونه من قبيل تخصيص الأكثر فلوضوح كون المستحبات في نفسها اضعاف الواجبات فضلا عن انضمام الواجبات الموسعة اليها

(فلا بد من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب و لا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة و الاستباق)

لتحصيل درجة الكمال مع ملاحظة كون الانسان في كل آن معرضا للفناء

(و كان ما ورد من الآيات و الروايات في مقام البعث نحوه)

أي نحو ما ذكرنا من المسارعة و الاستباق‏

(إرشادا الى ذلك)

أى الى حكم العقل‏

(كالآيات و الروايات الواردة في البعث على أصل الطاعة)

من مثل قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏

(فيكون الامر فيها)

اى في الآيات و الروايات في مقام البعث نحوه‏

(لما يترتب على المادة بنفسها و لو لم يكن هناك امر بها)

اى بالمادة ان واجبا فواجبا و ان ندبا فندبا

(كما هو الشأن في الاوامر الارشادية)

مثل قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏، فان الاطاعات الخاصة اى الصلاة و الصوم مثلا ان كانت واجبة فالاطاعة التي يستقل بها العقل واجبة و ان كانت مندوبة فمندوبة

(فافهم)

(تتمة بناء على القول بالفور فهل قضية الامر الاتيان فورا ففورا)

(بحيث لو عصى لوجب عليه الاتيان به فورا ايضا في الزمان الثاني اولا وجهان مبنيان على ان مفاد الصيغة على هذا القول هو وحدة المطلوب)

بأن يكون هو الشي‏ء الخاص‏

(او تعدده و لا يخفى انه لو قيل بدلالتها على الفورية لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته او تعدده فتدبر جيدا)

فمقتضى الاحتياط هو الاتيان به فورا فلو لم يأت به على الفور فعلى الفور هذا كله اذا قلنا

113

بكونه مستندا الى اللفظ و اما من قال بكونه من الأحكام العقلية التابعة لحكم الشرع بمعنى أن العقل يحكم بلزوم إطاعة المولى بالبدار اذا أمر بشي‏ء فلا يبعد الحكم بالاتيان فورا ففورا.

(الفصل الثالث)

[فى الإجزاء]

(الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء في الجملة بلا شبهة)

(و قبل الخوض في تفصيل المقام و بيان النقض و الابرام ينبغي تقديم امور)

:

(أحدها الظاهر ان المراد من وجهه في العنوان هو)

(النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذلك النهج شرعا)

من الكميات و الكيفيات و الأين و متى و الاضافة و غير ذلك‏

(و عقلا مثل ان يؤتى به بقصد التقرب في العبادة)

فيكون القيد على هذا المعنى تأسيسا مفيدا لمعنى لا يفهم من سابقه‏

(لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا فانه عليه يكون)

قيد

(على وجهه)

في العنوان‏

(قيدا توضيحيا و هو بعيد)

عند إمكان حمله على التأسيس‏

(مع انه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناء على المختار كما تقدم من أن قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلا لا من قيود المأمور به شرعا)

و ذلك لأن الاتيان بالمأمور به لا يكون إلا باتيانه على الكيفيات المعتبرة فيه شرعا و لكن اذا أتى المكلف به مع تفاوت يسير في بعض الامور الغير الرئيسة فالعرف يتسامحون في ذلك و يقولون انه أتى بالمأمور به فذكر هذا القيد لدفع توهم شمول العنوان لمثل هذه المسامحة

(و لا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب)

من الوجوب و الندب‏

(فانه مع عدم اعتباره عند المعظم و عدم اعتباره عند من اعتبره إلا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات)

فلا وجه لأخذه في العنوان الأعم‏

(لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار)

لكثرة الوجوه و الكيفيات المعتبرة فيه من تعيين الفرض و القضاء و الأداء فاختصاصه بالذكر بلا مخصص‏

(فلا بد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى و هو ما ذكرناه كما لا يخفى)

و لا الوجه المعتبر عند أهل الكلام من الحسن و المحبوبية أو وجه هذا الوجه من المصلحة الكامنة في ذات المأمور به فانه مع عدم اتصاف المأمور به به عند الجل يرد عليه ما أورده المصنف على الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب.

(ثانيها الظاهر ان المراد من الاقتضاء هاهنا)

(الاقتضاء بنحو العلية و التأثير)

بأن يكون الاتيان بالمأمور به واسطة فى الثبوت للإجزاء و علة لوجوده‏

(لا بنحو الكشف و الدلالة)

بأن يكون واسطة فى الاثبات و العلم فقط

(و لذا نسب)

الاجزاء

(الى الاتيان)

عند المحققين من المتأخرين‏

(لا الى الصيغة)

التي ليس من شأنها إلا الدلالة و الكاشفية كما نسبه المتقدمون اليها.

114

(ان قلت إن هذا إنما يكون كذلك)

أي المراد من الاقتضاء هو العلية لكن‏

(بالنسبة الى أمره)

أي الأمر المتعلق بالمأمور به‏

(و اما بالنسبة الى أمر آخر كالاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهرى بالنسبة الى الأمر الواقعي فالنزاع فى الحقيقة فى دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الاجزاء أو بنحو آخر لا يفيده)

فليس المراد هو الاقتضاء بنحو العلية على الاطلاق.

(قلت نعم لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما كان فى الاقتضاء بالمعنى المتقدم)

أى العلية

(غايته ان العمدة فى سبب الاختلاف فيهما إنما هو الخلاف فى دلالة دليلهما هل انه على نحو يستقل العقل بأن الاتيان به موجب للاجزاء و يؤثر فيه و عدم دلالته)

أى و عدم دلالة دليلهما

(و يكون النزاع فيه صغرويا أيضا)

كما انه كبروى‏

(بخلافه فى الاجزاء بالاضافة الى أمره فانه لا يكون إلا كبرويا لو كان هناك نزاع كما نقل عن بعض فافهم)

و بالجملة في مورد الاضطرارى أو الظاهرى تصير المسافة بعيدة و يحتاج الى مقدمة اخرى زيادة على المقدمات التي فى المقام الاول فان فى صورة الاجزاء بأمره يكون النزاع كبرويا و نحن نحتاج فى إثباتها فقط الى الدليل و اما فى صورة الاجزاء بالنسبة الى أمر آخر يكون صغرويا أيضا لأنا نحتاج أولا الى إثبات ان ذلك البدل كمبدله مقتض للاجزاء و كيف كان هذه المسألة عقلية لا لفظية كي يكون تشخيص مدلول اللفظ وضعا أو غيره مفيدا فيها فتعم المسألة ما لو كان الطلب مستفادا من إجماع و نحوه من الادلة الغير اللفظية.

(ثالثها الظاهر ان الاجزاء هاهنا بمعناه لغة و هو الكفاية)

(و ان كان يختلف ما يكفي عنه فان الاتيان بالمأمور به بالامر الواقعي يكفي فيسقط به التعبد به ثانيا)

مع قطع النظر عن اسقاط الاعادة و القضاء

(و بالامر الاضطرارى أو الظاهرى الجعلي)

يكفي‏

(فيسقط به القضاء)

و معلوم ان اختلاف ما عنه الكفاية لا يوجب اختلافا فى نفس الكفاية

(لا انه يكون هاهنا اصطلاحا بمعنى اسقاط التعبد أو القضاء فانه بعيد جدا)

عن المخاطبات العرفية و لم يثبت الاصطلاح، نعم المعنى المذكور لازم للمعنى اللغوى فمن فسره بالمعنى المذكور فكأنه بهذه الملاحظة من جهة ان هذا اللازم مهم فى نظر المفسر و قد عرفت نظير ذلك فى معنى الصحة فى مسئلة الصحيح و الاعم.

(رابعها الفرق بين هذه المسألة و مسئلة المرة و التكرار)

(لا يكاد يخفى فان البحث هاهنا فى أن الاتيان بما هو المأمور به يجزى عقلا)

أم لا

(بخلافه فى تلك المسألة فانه فى تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة الصيغة بنفسها أو بدلالة اخرى)

و بعبارة اخرى النزاع فى بحث المرة و التكرار صغروى و فى هذا البحث كبروى فانه بعد ثبوت كون الامر للمرة مثلا يمكن جريان‏

115

هذا البحث فيه بأن يقال اتيانه مرة هل يكون مجزيا أم لا و كذلك بعد إثبات كونه للتكرار بالصيغة أو بدلالة اخرى فيمكن للقائل بالمرة أن يقول بعدم الاجزاء

(نعم كان التكرار عملا موافقا لعدم الاجزاء لكنه لا بملاكه)

فان القائل بالتكرار يرى ان كل فرد يأتي به المكلف يكون نفس المأمور به لا انه بدله قائم مقامه، و بالجملة قد خفى هذا الفرق على بعضهم و توهم عدم الفرق بين المسألتين و ان من قال بالمرة قال بالاجزاء و من قال بالتكرار قال بعدم الاجزاء

(و هكذا الفرق بينها و بين تبعية القضاء للاداء فان البحث فى تلك المسألة فى دلالة الصيغة على التبعية و عدمها)

يعني ان الكلام فى تلك المسألة إنما هو فى تعيين المأمور به شرعا بحسب دلالة اللفظ على كون المطلوب متعددا فكأنه قال المولى افعل هذا فى هذا الوقت فان فانك فى هذا الوقت فأت به فى خارج الوقت قضاء أم على كون المطلوب أمرا واحدا

(بخلاف هذه المسألة فانه كما عرفت فى أن الاتيان بالمأمور به يجزى عقلا عن اتيانه ثانيا أداء أو قضاء أو لا يجزي)

فالنزاع هاهنا عقلي مع قطع النظر عن كون الاتيان الثاني على تقدير عدم الاجزاء خارج الوقت مضافا الى انك قد عرفت من البيان وجها آخر للفرق و هو ان النزاع فى بحث التبعية صغروى و هاهنا كبروى فيمكن للقائل بتعدد المطلوب هناك أن يقول بالإجزاء كما أن له أن لا يقول به و كذلك القائل بوحدة المطلوب هناك له اختيار أى الطرفين شاء و قد خفي الفرق المذكور على بعضهم و توهم عدم الفرق فان من قال بالتبعية قال بعدم الاجزاء و من قال بأمر جديد قال بالاجزاء

(فلا علقة بين المسألة و المسألتين أصلا اذا عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يستدعي)

(البحث و الكلام فى موضعين)

:

(الأول ان الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي أو بالأمر الاضطراري)

(أو الظاهري أيضا يجزى عن التعبد به ثانيا لاستقلال العقل بأنه لا مجال مع موافقة الأمر باتيان المأمور به على وجهه لاقتضائه التعبد به ثانيا)

إلا أن يكون المولى مجازفا متعسفا عن طريق الحق مجوزا لطلب تحصيل الحاصل و من تمسك من العامة لعدم الاجزاء بصحة قول المولى لعبده ما أتيت به ائت به ثانيا فهو خارج عن حريم النزاع فان الكلام إنما هو فيما لم يكن هناك أمر ثان و في المثال أمر ثان و المأتيّ به ثانيا مطلوب به لا بالأمر الأول‏

(نعم لا يبعد أن يقال ان يكون للعبد تبديل الامتثال و التعبد به ثانيا بدلا عن التعبد به أولا لا منضما اليه كما أشرنا اليه في المسألة السابقة و ذلك فيما علم ان مجرد امتثاله لا يكون علة تامة لحصول الغرض و ان كان وافيا به لو اكتفى به كما اذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد فان الأمر بحقيقته و ملاكه)

و هو الغرض الداعي اليه كرفع العطش في المثال‏

(لم يسقط بعد و لذا لو اهرق الماء و اطلع عليه العبد وجب عليه اتيانه ثانيا كما اذا لم يأت به أولا ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه)

116

(الداعي اليه و إلا لما أوجب حدوثه فحينئذ يكون له الاتيان بماء آخر موافق للامر كما كان له)

هذا الاتيان‏

(قبل اتيانه الأول بدلا عنه نعم فيما كان الاتيان علة تامة لحصول الغرض فلا يبقى موقع للتبديل كما اذا أمر باهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه بل لو لم يعلم انه من أي القبيل)

أي مما كان الاتيان علة تامة لحصول الغرض أو مما ليس كذلك‏

(فله التبديل باحتمال أن لا يكون علة تامة فله اليه)

أي الى التبديل‏

(سبيل و يؤيد ذلك بل يدل عليه ما ورد من الروايات في باب اعادة من صلى فرادى جماعة و ان اللّه تعالى يختار أحبهما اليه)

فالأمر الندبي بالاعادة ارشاد الى الغرض الأوفى و الغاية القصوى فلا مجال للتمسك بهذه الروايات للامتثال عقيب الامتثال و كذلك يصح للعبد الذي بلغ مرتبة الكمال أن يأتي به ثانيا رجاء أن يكون الثاني أو فى و أكمل من الأول و لذا كان الصالحون من السابقين يعيدون صلاة ستين أو سبعين سنة لأجل انها خير موضوع و ثبت أيضا بالدليل تبديل الصلاة منفردا بالصلاة جماعة و تبديل الصلاة مأموما بالصلاة إماما و اما مسئلة تكرار صلاة الآيات ما دامت الآيات باقية فليست من تبديل الامتثال بل من قبيل مطلوبية الوجود الثاني أو الثالث و هكذا بالأمر الاستحبابي.

(الموضع الثاني و فيه مقامان)

(المقام الأول في أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري هل يجزى عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي)

(ثانيا بعد رفع الاضطرار في الوقت اعادة و في خارجه قضاء أو لا يجزى و تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراري من الانحاء و بيان ما هو قضية كل منها)

أي من الأنحاء

(من الاجزاء و عدمه و اخرى في تعيين ما وقع عليه)

يعني تارة نتكلم بحسب مقام الثبوت و تارة بحسب مقام الاثبات‏

(فاعلم انه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار)

كالتقية و الخوف على النفس أو العرض أو المال‏

(كالتكليف الاختياري في حال الاختيار وافيا بتمام المصلحة و كافيا فيما هو المهم و الغرض و يمكن أن لا يكون وافيا به كذلك)

أي بتمام المصلحة

(بل يبقى منه شي‏ء أمكن استيفائه أو لا يمكن و ما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحب)

فهذه أربعة أقسام‏

(و لا يخفى انه ان كان وافيا به)

و هو أحد الأقسام الأربعة

(فيجزى فلا يبقى مجال أصلا للتدارك لا قضاء و لا اعادة و كذا لو لم يكن وافيا و لكن لا يمكن تداركه)

و هو ثاني الأقسام‏

(و لا يكاد يسوغ له البدار)

أي لا يصح للمولى أن يأمره بالبدار

(في هذه الصورة إلا لمصلحة كانت فيه)

أي في البدار و ذلك‏

(لما فيه)

أي في البدار

(من نقض الغرض و تفويت مقدار من المصلحة لو لا مراعاة ما هو فيه من الأهم)

و لو كان هو إدراك فضيلة أول الوقت فانه حينئذ يجوز البدار

(فافهم لا يقال عليه)

أي بناء على لزوم نقض الغرض‏

(فلا مجال لتشريعه و لو بشرط الانتظار لإمكان استيفاء الغرض)

117

التام‏

(بالقضاء فانه يقال هذا كذلك)

أي لا مجال للتشريع‏

(لو لا المزاحمة بمصلحة أصل الوقت و اما تسويغ البدار أو ايجاب الانتظار في الصورة الاولى)

الوافية بتمام الغرض‏

(فيدور مدار كون العمل لمجرد الاضطرار مطلقا)

ذا مصلحة فيجوز أو

(بشرط الانتظار أو مع اليأس عن طروّ الاختيار ذا مصلحة و وافيا بالغرض بتمامه)

فحينئذ لا يجوز البدار

(و ما يمكن تدارك ما بقى منه في الوقت و خارج الوقت فان كان الباقي مما يجب تداركه فلا يجزى)

لفرض إمكان تداركه مع لزومه‏

(فلا بد من ايجاب الاعادة أو القضاء و إلا)

أي و ان كان الباقي مما لا يجب تداركه‏

(فيجزى و لا مانع من البدار في الصورتين)

أي وجوب التدارك و عدمه‏

(غاية الأمر يتخير في الصورة الاولى)

أي وجوب تدارك الباقي‏

(بين البدار و الاتيان بعملين العمل الاضطراري في هذا الحال)

أي في حال الاضطرار

(و العمل الاختياري بعد رفع الاضطرار و)

بين‏

(الانتظار و الاقتصار باتيان ما هو تكليف المختار و في الصورة الثانية)

أي عدم وجوب التدارك‏

(البدار)

لعدم المحذور فيه أصلا

(و يستحب الاعادة)

استيفاء لتمام المصلحة الغير الملزمة

(بعد طروّ الاختيار هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الأنحاء)

بحسب مقام الثبوت و الامكان‏

(و اما ما وقع عليه)

بحسب مقام الاثبات و الدلالة أما نقلا

(فظاهر إطلاق دليله مثل قوله تعالى‏

فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً

و قوله ع التراب أحد الطهورين و يكفيك عشر سنين هو الاجزاء و عدم وجوب الاعادة أو القضاء و لا بد في ايجاب الاتيان به ثانيا من دلالة دليل بالخصوص و بالجملة فالمتبع هو الاطلاق لو كان و إلا فالأصل)

لو لم يكن دليل عقلي مستقل على الاجزاء

(و هو يقتضي البراءة من ايجاب الاعادة لكونه شكا في أصل التكليف)

بالاعادة

(و كذا عن ايجاب القضاء بطريق أولى)

لأن ما لا إعادة له في الوقت فاولى بأن لا قضاء له خارجه سواء كان بالأمر الأول أو بأمر جديد و اما عقلا فبأن يقال فيمن يرتفع عذره في الأثناء بعد ثبوت جواز البدار له أن جواز البدار اما أن يكون حكما واقعيا و اما أن يكون ظاهريا فعلى الأول يكشف عن أن هذا الفعل الناقص يكون وافيا بتمام المصلحة في هذا الحال و لو مع عدم دوام العذر بعد الامتثال و يدل عليه أيضا قيام الاجماع و الضرورة على عدم وجوب الفعلين الواقعيين على المكلف في يوم واحد فحينئذ تكون الاعادة من باب الامتثال بعد الامتثال و قياسه على بدل الحيلولة الغير المنافي لوجوب أداء أصل المال عند التمكن مع الفارق فان التعذر هناك أوجب تكليفا آخر بالبدل حتى لا يكون المالك مقطوع السلطنة بالكلية بخلاف ما هنا فان التعذر أوجب سقوط دخل المتعذر في تحصيل الغرض إذ لو لم يكن ساقطا لم يمكن الأمر بالفاقد حال الاضطرار و على الثاني فتندرج في مسئلة انكشاف الخلاف بعد الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهرى و ستعلمها و لا ربط له بما نحن فيه هذا

118

بالنسبة الى الاعادة و أما القضاء فلأنه تابع لفوت الفريضة في الوقت بملاكها و هو مستلزم لدخل المتعذر في الملاك و هو مستلزم لعدم الأمر بالفاقد في الوقت فالأمر بالفاقد و وجوب القضاء متنافيان‏

(نعم لو دل دليل على أن سببه)

أى سبب القضاء

(فوت الواقع و لو لم يكن هو)

أى الواقع‏

(فريضة)

فعلية

(كان القضاء واجبا عليه لتحقق سببه)

و هو فوت الواقع‏

(و ان أتى ب)

ما هو محصل‏

(الغرض لكنه مجرد الفرض)

لا دليل عليه فان الموجود في كتب الحديث ليس ما هو المشهور في الألسنة من قولهم اقض ما فات كما فات بل الموجود فيها قوله ع ما فاتتك من فريضة فاقضها كما فاتتك و من المعلوم عدم صدقه في المقام لأن الواقع ما كان فريضة حسب الفرض سيما بعد ملاحظة وروده في مقام بيان الكيفية.

(المقام الثاني فى اجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهرى و عدمه)

المراد بالأمر الظاهرى هاهنا هي الأحكام المستفادة من الامارات التي تحتاج فى اعتبارها الى الجعل فيشمل الامارات الاجتهادية و الاصول العملية و ليس المراد منه ما يقابل الأحكام المستفادة من الأدلة الاجتهادية الكاشفة عن الأحكام الواقعية التي لا دخل للعلم و الجهل فيها و ان كان للاحوال و الصفات الأخر مدخل فيها كالصحة و المرض و السفر و الحضر و نحو ذلك فيكون الحكم الظاهرى على هذا الاطلاق الثاني مختصة بموارد الاصول العملية من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب فكل حكم ثابت لشي‏ء باعتبار قيام إمارة عليه التي دلت الادلة القطعية على اعتبارها سواء كانت تلك الامارة دليلا اجتهاديا حكميا كاخبار الآحاد أو موضوعيا كالبينة و نحوها أم أصلا من الاصول الحكمية الكلية أو الموضوعية الخارجية و الأحكام الجزئية كاصالة الصحة و اليد و السوق و نحوها هو المراد بالحكم الظاهرى هاهنا و لذا قال المصنف قده‏

(و التحقيق أن ما كان منه يجرى فى تنقيح ما هو موضوع التكليف و تحقيق متعلقه و كان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل و استصحابهما فى وجه قوى)

و هو كونه حجة من باب التعبد

(و نحوها بالنسبة الى كل ما يشترط بالطهارة و الحلية يجزى فان دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط و مبينا لدائرة الشرط و انه أعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل بشرطه بل بالنسبة اليه يكون من قبيل ارتفاعه)

أى الحكم‏

(من حين ارتفاع الجهل)

لتبدل الموضوع بموضوع آخر اللهم إلا أن يقال ان دليل اعتبار الاصول مقيد بعدم انكشاف الخلاف و أنى لنا باثبات لك‏

(و هذا بخلاف ما كان منها بلسان انه ما هو الشرط واقعا كما هو لسان الامارات)

و الاستصحاب فى وجه غير قوى و هو كونه حجة من باب الظن‏

(فلا يجزى فان دليل حجيته حيث كان بلسان انه واجد لما هو شرطه الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف انه لم يكن كذلك بل كان لشرطه)

119

(فاقدا هذا)

أى عدم الاجزاء فيما كان بلسان انه ما هو الشرط واقعا

(على ما هو الأظهر الاقوى فى الطرق و الامارات من أن حجيتها ليست بنحو السببية)

بل على نحو الطريقية فانه حينئذ لا يتغير الواقع عما هو عليه بقيام الطريق على خلافه و ليس أمر الحجة المجعولة بأعظم من القطع الذى هو حجة منجعلة فكما ان فى صورة خطأ القطع لا يحكم بالاجزاء لبقاء الواقع بملاكه فكذلك فى صورة خطأ الحجة المجعولة

(و اما بناء عليها و ان العمل بسبب أداء امارة الى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له مع كونه فاقده فيجزى لو كان الفاقد معه)

أى مع كونه فاقدا

(فى هذا الحال)

أى فى حال قيام الامارة

(كالواجد فى كونه وافيا بتمام الغرض و لا يجزى لو لم يكن كذلك)

أى كالواجد فى كونه وافيا بتمام الغرض‏

(و يجب)

بعد ذلك‏

(الاتيان بالواجد لاستيفاء الباقي ان وجب)

الاستيفاء

(و إلا لاستحب الاتيان هذا)

كله‏

(مع إمكان استيفائه و إلا فلا مجال لاتيانه كما عرفت فى الامر الاضطرارى و لا يخفى ان قضية إطلاق دليل الحجية على هذا)

أى على السببية

(هو الاجتزاء بموافقته أيضا)

و ان كان بحسب مقام الثبوت على أحد الانحاء الاربعة المذكورة

(هذا)

كله‏

(فيما اذا احرز ان الحجية بنحو الكشف و الطريقية أو بنحو الموضوعية و السببية و اما اذا شك و لم يحرز انها على أى الوجهين فاصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للاعادة فى الوقت و استصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا فى الوقت لا يجدى و لا يثبت كون ما أتى به مسقطا إلا على القول بالاصل المثبت و قد علم اشتغال ذمته بما يشك فى فراغها عنه بذلك المأتي و هذا بخلاف ما علم انه مأمور به واقعا و شك فى انه يجزى عما هو المأمور به الواقعي الاولي كما فى الاوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناء على أن تكون الحجية على نحو السببية فقضية الاصل فيها كما أشرنا اليه عدم وجوب الاعادة للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا و اصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرارى و كشف الخلاف و اما القضاء فلا يجب بناء على انه بفرض جديد و كان الفوت المعلق عليه وجوبه لا يثبت باصالة عدم الإتيان إلا على القول بالأصل المثبت و إلا)

أى و إن لم يثبت انه بفرض جديد

(فهو واجب)

بعين ما ذكرناه فى الاداء

(كما لا يخفى على المتأمل فتأمل جيدا ثم ان هذا كله فيما يجرى فى متعلق التكليف من الامارات الشرعية و الاصول العملية)

أى الامارات و الاصول المتعلقة بالموضوعات بعد الفراغ عن ثبوت أصل التكليف‏

(و اما ما يجرى فى اثبات أصل التكليف كما اذا قام الطريق أو الاصل على وجوب صلاة الجمعة يومها فى زمان الغيبة فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر فى زمانها فلا وجه لاجزائها مطلقا)

سواء كان حجية الطرق و الاصول على نحو السببية أو الطريقية فان‏

(غاية الامر)

فى هذا

(ان تصير صلاة الجمعة فيها)

120

(أيضا ذات مصلحة لذلك)

أى لاجل تعلق الامارة بوجوبها فلو أتى المكلف بها فقد أتى بها و هي ذا مصلحة

(و لا ينافى هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة كما لا يخفى إلا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين فى يوم واحد)

فتأمل فى كلام المصنف حق التأمل كي تصل الى مغزاه و لا تكن ممن يعترض عليه و هو غافل عن حقيقة مرامه.

(تذنيبان)

(الأول لا ينبغي توهم الاجزاء فى القطع بالامر فى صورة)

انكشاف‏

(الخطأ فانه لا يكون موافقة للامر فيها و بقى الأمر بلا موافقة أصلا و هو أوضح من ان يخفى)

و إنما الثابت فيها هو المعذورية و عدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع لو لم يقصر فى المقدمات‏

(نعم ربما يكون ما قطع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة فى هذا الحال او على مقدار منها و لو فى غير هذا الحال غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي منها و معه لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعي و هكذا الحال فى الطرق فالاجزاء ليس لأجل اقتضاء امتثال الأمر القطعي او الطريقي للاجزاء بل إنما هو لخصوصية اتفاقية فى متعلقهما كما فى الاتمام و القصر و الاخفات و الجهر)

فلا يصح استدلال من توهم الاجزاء فيها بمثل الأخبار الواردة فى صحة الاتمام فى مورد القصر من قوله ع تمت صلاته و لا يعيد لما علمت من انه لأجل خصوصية اتفاقية فى المتعلق تقتضي ذلك كما ان العقل بملاحظة هذه الاخبار و الاخبار الدالة على عقاب الجاهل المقصر يستكشف ان معنى تمامية صلاة الجاهل المقصر لأجل كون صلاته وافية ببعض المصلحة الملزمة مع عدم إمكان استيفاء الباقي و إلا فلا معنى لعدم تجويز الإعادة و أما عقابه مع تمامية صلاته فلأجل فوت تتمة المصلحة لأجل كون جهله عن تقصير، فان قلت اذا كان المقطوع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة كالواجب الواقعي كما فرضته فيكون حينئذ فى عرض الواقع فهلّا جعله واجبا تخييريا، قلت كلا لأن اشتماله على المصلحة إنما يكون فى هذا الحال لا مطلقا حتى يتوهم التخيير و بالجملة توهم الاجزاء فى المسألة ليس فى محله فانه مع بقاء المصلحة الواقعية على ما هي عليه و عدم كون ما أتى به وافيا بمصلحته او ببعضها فغير معقول و تضييق دائرة الأمر الواقعي بمعنى ان كونه ذا مصلحة إنما هو فى صورة عدم قطع المكلف بخلافه و اما معه فلا اقتضاء له اصلا او هو يكون مقتضيا مؤثرا ما لم يمنع عنه مانع و لو كان هو القطع بالخلاف فذلك امر ممكن إلا انه لا دليل عليه و قد عرفت حال الأخبار التي تمسك بها فى المقام و ليس القطع كالظن طريقا مجعولا حتى يتوهم فيه الموضوعية و السببية كي يمكن القول فيه بالاجزاء حتى فى صورة الخطأ، فان قلت أ ليس لهذا المكلف الذى أتم صلاته فى مورد القصر ان يعيد صلاته بجماعة

121

إتماما مع بقائه على الخطأ أو قصرا بعد ما علم بخطائه و هذا يستكشف منه ان المصلحة الفائتة ممكن استيفائها و إلا لزم لغوية ندب الإعادة فلم لا يأمره بالاعادة و يعاقبه على فوت تتمة المصلحة كما ذكرت، قلت ذلك لا يدل على إمكان تتمة المصلحة الملزمة و إنما يدل على إمكان استيفاء المصلحة الغير الملزمة كفضيلة الجماعة و إلا فالمصلحة الملزمة الفائتة لا يمكن استيفائها أصلا، فان قلت في صورة انكشاف خطأ القطع يكون المأتي به ضد المأمور به الواقعي الذي يكون واجبا و ضد الواجب حرام و هو كيف يفي ببعض مصلحة الواقع أو تمامه، قلت ستعلم في بحث الضد انه ممنوع جدا بل الضد على ما هو عليه في الواقع من الحكم الشرعي فربما يكون واجبا كضده الآخر فلا بد حينئذ من ملاحظة الأهم منها و مع عدم إحراز الأهم فلا بد من التخيير

(الثاني لا يذهب عليك ان الاجزاء في بعض موارد الاصول و الطرق و الامارات)

(على ما عرفت تفصيله لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد فان الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ فيها)

أي في موارد الاصول و الطرق و الامارات‏

(فان الحكم المشترك بين العالم و الجاهل و الملتفت و الغافل ليس إلا الحكم الإنشائي المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الأحكام للموضوعات بعناوينها الأولية بحسب ما يكون فيها من المقتضيات و هو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الامارات و إنما المنفي فيها ليس إلا الحكم الفعلي البعثي و هو منفي في غير موارد الاصابة و إن لم نقل بالاجزاء)

لممانعة مقتضى الامارة و الأصل بمصلحتها الوافية بتمام المصلحة الواقعية أو بمقدار منها حيث لا يمكن استيفاء ما بقى منها المقتضيات الأولية عن اقتضائها و تأثيرها

(فلا فرق بين الاجزاء و عدمه إلا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الأمر الظاهري و عدم سقوطه بعد انكشاف عدم الاصابة)

حيث انه على القول بالاجزاء يسقط الواقع بالموافقة و على القول بعدم الاجزاء لا يسقط و لو مع الموافقة

(و سقوط التكليف بحصول غرضه أو بعدم إمكان تحصيله)

المتوقف على وجوده الاقتضائي‏

(غير التصويب المجمع على بطلانه و هو

(*)

خلو الواقعة عن الحكم غير ما أدت اليه الامارة كيف)

يكون الاجزاء تصويبا مجمعا على بطلانه‏

(و كان الجهل بها)

أي بالواقعة

(بخصوصيتها)

مع العلم بحكمها كما في الشبهة الموضوعية

(أو بحكمها)

كما في الشبهة الحكمية

(مأخوذا في موضوعها)

أى في موضوع الامارات ظرفا و الاصول شرطا و تقويما

(فلا بد من أن يكون الحكم الواقعي بمرتبته محفوظا فيها كما)

____________

(*) في هذا البيان نظر لان التصويب المجمع على بطلانه هو تعدد حكم اللّه على حسب تعدد آراء المجتهدين و معقده إجماع الامة على ان حكم اللّه واحد و بيان المصنف إنما هو شامل لتصويب المحال.

كذا قرر الاستاد الشارح دام ظله في أثناء البحث. محي الدين المامقاني‏

122

(لا يخفى)

فما يظهر من كلام خاتم المحققين استاد أساتيدنا العظام في رسالة الظن ان القول بالاجزاء في موارد الاصول و الطرق و الامارات حيثما كانت مجزية يستلزم التصويب المحال أو المجمع على بطلانه مستدلا بأن الاجزاء إنما يتصور اذا كان حجيتها بنحو السببية و الموضوعية بحيث تحدث المصلحة و لو لم يكن هناك في الواقع مصلحة أصلا فحينئذ يكون الحكم الواقعي تابعا لآراء المجتهدين فليس في محله فان التصويب المجمع على بطلانه هو خلو الواقعة عن الحكم و هو غير ما اذا اشتملت على الحكم و لكن المكلف لم يعلم به.

(فصل في مقدمة الواجب)

(و قبل الخوض في المقصود ينبغي رسم امور)

:

(الأول)

(الظاهر ان المهم المبحوث عنه في هذه المسألة البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته)

و من البديهي ان الملازمة المذكورة ليست من العوارض الذاتية لفعل المكلف كي يكون البحث عنها بحثا عن عوارض فعل المكلف حتى تصير المسألة فقهية بل هو بحث عن اقتضاء نفس التكليف و استتباعه الارادة الجازمة المتعلقة بمقدمات ذلك الشي‏ء

(فتكون مسئلة اصولية)

حيث ان نتيجتها و هو وجوبها او عدمه مما يقع فى طريق الاستنباط و يستلزم العلم بها العلم بكيفية العمل من حيث وجوب الاتيان بها و اباحته كما هو الشأن في سائر المسائل الاصولية و

(لا)

يكون البحث‏

(عن نفس وجوبها كما هو المتوهم من بعض العناوين كي تكون فرعية)

كوجوب الصلاة و الزكاة و نحوها

(و ذلك لوضوح ان البحث كذلك)

أي عن نفس وجوبها

(لا يناسب الاصول)

لكونه بحثا عن عوارض فعل المكلف فتكون فقهية لا اصولية

(و الاستطراد لا وجه له بعد إمكان ان يكون البحث على وجه يكون من المسائل الاصولية)

و هو الوجه الذي ذكره المصنف‏

(ثم الظاهر أيضا ان المسألة عقلية)

أي يكون البحث في حكم العقل بتلك الملازمة مطلقا و لو كان وجوب ذي المقدمة ناشئا من غير ناحية اللفظ كالاجماع و الضرورة

(و)

على هذا يكون‏

(الكلام في استقلال العقل بالملازمة و عدمه)

و ان كان هذا الحكم من العقل بعد ايجاب المولى ما هو ذو المقدمة فافهم‏

(لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث مضافا الى انه ذكرها في مباحث الألفاظ ضرورة انه اذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال فلا مجال لتحرير النزاع في الاثبات و الدلالة عليها باحدى الدلالات الثلاث كما لا يخفى)

ضرورة ان النزاع بحسب مقام الاثبات و الدلالة إنما هو بعد تسليم مقام الثبوت و النزاع في مقام الاثبات في الحقيقة مرجعه‏

123

الى ثبوت العلاقة الوضعية بين اللفظ و المعنى الثابت في موطنه على وجه يصلح اللفظ للمرآتية و الكشف عن ذلك المعنى و على ما فرضه المصنف ليس وجوب الشي‏ء في الواقع تارة على وجه يحكم العقل بثبوت الملازمة بينه و بين مقدماته و تارة على وجه لا يحكم ليتصور النزاع في ان اللفظ موضوع لأي نحو منها بل الوجوب المذكور أى الارادة الحتمية المتعلقة بالشي‏ء اما ملازم أو ملزوم لارادة مقدماته عقلا أو ليس بملازم أو ملزوم فافهم و لو قيل ان غرض صاحب المعالم انه يستكشف من انتفاء الدلالات عدم الملازمة بطريق الإن قلنا إنما يتم هذا الكلام اذا كان دعوى مدعي اللزوم خصوص اللزوم البيّن بالمعنى الاخص و اما اذا كانت مطلق اللزوم و لو البين بالمعنى الاعم فلا لان انتفاء الخاص لا يدل على انتفاء العام.

(الامر الثاني انه ربما يقسم المقدمة)

التي هي عبارة عن مطلق ما يتوقف عليه الشي‏ء بحسب اصطلاح الاصوليين‏

(الى تقسيمات)

مختلفة باعتبارات كذلك‏

(منها تقسيمها الى داخلية و هي الاجزاء المأخوذة فى الماهية المأمور بها)

بأن يكون القيد كالتقييد داخلا في المأمور به‏

(و خارجية و هي الامور الخارجة عن مهيته مما لا يكاد توجد بدونه)

كالشروط و المعدات و عدم المانع و المقتضى و العلة التامة

(و ربما يشكل)

و المستشكل هو الشيخ محمد تقي فى الحاشية

(فى كون الاجزاء مقدمة له و سابقة عليه بأن المركب ليس إلا نفس الاجزاء بأسرها)

و المقدمة مما يجب أن تكون مقدما بحسب الوجود على ذيها و لا يمكن ان يكون الشي‏ء مقدما على نفسه فلا يعقل ترشح الامر الغيرى على نفس الشي‏ء الذى كان متعلقا للامر النفسي و ليس نظر المستشكل إلا لزوم اجتماع المثلين فى موضوع واحد كي يجاب عنه بصيرورة الوجوب مؤكدا كما فى مقدمية عبادة واجبة كصلاة الظهر لواجب آخر لو كان فيه ملاك الوجوبين و ستعلم عدمه‏

(و الحل ان المقدمة هي نفس الاجزاء بالاسر)

أى لا مع الاجتماع المخصوص الذى به يحقق الكل‏

(و ذو المقدمة)

الذى هو الكل‏

(هو الاجزاء بشرط الاجتماع)

المخصوص‏

(فيحصل المغايرة بينهما)

فان الاجزاء لا بشرط الاجتماع المخصوص يغايرها بشرطه و يقدم عليه‏

(و بذلك ظهر انه لا بد في اعتبار الجزئية أخذ الشي‏ء بلا شرط كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع)

و ذلك لا ينافي ما قاله أهل المعقول من كون الأجزاء الخارجية كالهيولى و الصورة هي الماهية المأخوذة بشرط لا فان كون الشي‏ء كالصورة مثلا بشرط لا بالنسبة الى أمر خاص لا يستلزم كونه كذلك بالنسبة الى شي‏ء آخر و كذلك الحال بالنسبة الى اللابشرط فكون الجزء لا بشرط بالنسبة الى المركب من حيث الاجتماع المخصوص لا ينافي كونه بشرط لا بالنسبة الى كل ما يقارنه بحيث يكون كل ما يقارنه زائدا عليه و لا يكون معناه الأول مقولا على ذلك المجموع بل جزء منه و الى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله‏

(و كون الأجزاء الخارجية)

124

(كالهيولى و الصورة هي الماهية المأخوذة بشرط لا، لا ينافي ذلك فانه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الأجزاء الخارجية و التحليلية من الجنس و الفصل و ان الماهية اذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة و اذا أخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا)

و قوله‏

(لا بالاضافة الى المركب)

معناه انه لا يكون الجزء بشرط لا بالاضافة الى المركب و قد قالوا في توضيح ذلك ان من الكليات ما قد يتصور معناه فقط بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده و يكون كل ما يقارنه زائدا عليه و لا يكون معناه الأول مقولا على ذلك المجموع بل جزء منه، و منها ما يتصور معناه لا بشرط أن يكون وحده بل مع تجويز أن يقارنه غيره و لا يقارنه و يكون معناه الأول مقولا على المجموع حال المقارنة فالكلي يسمى بالاعتبار الأول مادة و بالاعتبار الثاني جنسا مثال ذلك الحيوان اذا أخذ بشرط أن لا يكون معه شي‏ء و ان اقترن به الناطق مثلا صار المجموع مركبا من الحيوان و الناطق و لا يقال له انه حيوان كان مادة و اذا أخذ لا بشرط أن يكون معه شي‏ء بل من حيث يحتمل أن يكون انسانا أو فرسا و إن يخصص بالناطق مثلا يحصل انسانا و يقال انه حيوان كان جنسا فصريح كلامهم ان بشرط لائية المادة و لا بشرطية الجنس ليسا بالنظر الى المركب بما هو مركب أي الملحوظ من اجتماع خاص‏

(فافهم ثم لا يخفى انه ينبغي خروج الاجزاء عن محل النزاع)

في المسألة

(كما صرح به بعض و ذلك لما عرفت من كون الاجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتا و إنما كانت المغايرة بينهما اعتبارية)

تصورية لا حقيقية بحسب الوجود بحيث يكون له ما بحذاء في الخارج‏

(فيكون)

الاجزاء بالاسر

(واجبة بعين وجوبه)

أي وجوب المأمور به الكل‏

(و مبعوثا اليها بنفس الأمر الباعث اليه)

و محل النزاع إنما يكون في شي‏ء يعرضه الوجوب و كان له مقدمة موجودة بوجود آخر خارجي غير وجود المأمور به بحيث لو ترشح عليه الوجوب من المأمور به لم يلزم محذور أصلا و الاجزاء بالأسر لما كان وجودها عين وجود الكل المأمور به‏

(فلا يكاد تكون واجبة بوجوب آخر)

ترشح من الكل‏

(لامتناع اجتماع المثلين)

في موضوع واحد كالضدين‏

(و لو قيل بكفاية تعدد الجهة و جواز اجتماع الأمر و النهي)

الضدين‏

(معه لعدم تعددها هاهنا)

المصحح للاجتماع فلو تعلق النهي بجزء من أجزاء العبادة أو بالأجزاء بالأسر لكان من قبيل النهي في العبادة لا من قبيل اجتماع الأمر و النهي و قوله‏

(لأن الواجب بالوجوب الغيري)

تعليل للزوم اجتماع المثلين‏

(لو كان إنما هو نفس الاجزاء)

فيلزم الاجتماع‏

(لا عنوان مقدمتيها و التوصل بها الى المركب المأمور به)

كما قد يتوهم‏

(ضرورة ان الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة لأنه المتوقف عليه)

للواجب‏

(لا عنوانها نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون)

أي ما كان مقدمة بالحمل الشائع و ما هو كذلك هنا هو نفس الكل المأمور به‏

125

(فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي و الغيري باعتبارين فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي و باعتبار كونه مما يتوسل به الى الكل واجب غيري اللهم إلا أن يريد ان فيه ملاك الوجوبين و ان كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه)

على الوجوب الغيري سبقا ذاتيا لا زمانيا ضرورة حكم العقل بلزوم تقدم المترشح منه على المترشح عليه كذلك‏

(فتأمل)

و قد ذكر المصنف في الهامش في وجه التأمل ما هذا لفظه وجهه انه لا يكون فيه ملاك الوجوب الغيري حيث انه لا وجود له غير وجوده و بدونه لا وجه لكونه مقدمة كي يجب بوجوبه أصلا كما لا يخفى و بالجملة لا يكاد يجدي تعدد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الاجزاء و الكل في هذا الباب و حصول ملاك الوجوب الغيري المترشح من وجوب ذى المقدمة عليها لو قيل بوجوبها فافهم انتهى، و حاصله انه لا غير هنا خارجا حتى يكون واجبا نفسيا و يترشح منه الوجوب على شي‏ء آخر يكون موقوفا عليه للواجب‏

(هذا كله في المقدمة الداخلية)

.

(و اما المقدمة الخارجية فهي ما كان خارجا عن المأمور به و كان له دخل في تحققه و لا يكاد يتحقق بدونه و قد ذكر لها أقسام و اطيل الكلام في تحديدها بالنقض و الابرام إلا أنه غير مهم في المقام)

(و منها تقسيمها الى العقلية و الشرعية و العادية)

(فالعقلية هي ما استحيل واقعا وجود ذى المقدمة بدونه)

كالمقدمات الخارجية المذكورة سابقا من الشرط و المعد و نحو ذلك‏

(و الشرعية على ما قيل ما استحيل وجوده بدونه شرعا و لكنه لا يخفى رجوع الشرعية الى العقلية ضرورة انه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا إلا اذا أخذ فيه شرطا أو قيدا و استحالة المشروط و المقيد بدون شرطه و قيده يكون عقليا)

مثلا اذا كان المطلوب شرعا شيئا خاصا كالصلاة عن طهارة فالعقل يستقل في الحكم بتوقف الصلاة على الطهارة ففي جميع الموارد خصوصية ذى المقدمة متوقفة على المقدمة بحكم العقل.

(و اما)

المقدمة

(العادية فان كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة بحيث يمكن تحقيق ذيها بدونها إلا أن العادة جرت على الاتيان به بواسطتها فهي و ان كانت غير راجعة الى العقلية إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع)

لأنه لم يكن في البين توقف واقعا

(و ان كان بمعنى ان التوقف عليها و ان كان فعلا واقعيا كنصب السلم و نحوه للصعود على السطح)

و نحوه‏

(إلا أنه)

أي التوقف فعلا

(لأجل عدم التمكن عادة من الطيران الممكن عقلا فهي أيضا راجعة الى العقلية ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا و ان كان طيرانه ممكنا ذاتا فافهم)

.

(و منها تقسيمها الى مقدمة الوجود و الى مقدمة الصحة و مقدمة الوجوب و مقدمة العلم)

126

(لا يخفى رجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود و لو على القول بكون الاسامي موضوعة للاعم ضرورة ان الكلام في مقدمة الواجب‏

(*)

لا في مقدمة المسمى بأحدها)

أي بأحد الاسامي‏

(كما لا يخفى)

فلا بد من ملاحظة الموصوف بهذه الصفات و تقسيمه ملاحظا فيه تلك الأوصاف و الذي يتوقف عليه وجود ذاك الموصوف بما هو موصوف هي مقدمة الوجود و ما يتوقف عليه صحته هي مقدمة الصحة و كذا الكلام في مقدمة الوجوب و مقدمة العلم فما يتوقف عليه الأمر به هي مقدمة الوجوب و ما يتوقف عليه العلم بوجوده و تحققه و هي مقدمة العلم و ليس للواجب المتحقق في الخارج كالصلاة الصادرة من المكلف في الخارج مقدمة خارجية مستقلة تكون مقدمة لصحته غير المقدمة الخارجية التي تكون مقدمة لوجوده بل الكل مقدمة لوجود الواجب‏

(و لا اشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع بديهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها)

لأن وجوب المشروط متوقف على وجودها فاذا وجدت لا يعقل وجوبه لامتناع طلب الحاصل‏

(و كذلك المقدمة العلمية)

خارجة عن محل النزاع بلا اشكال‏

(و ان استقل العقل بوجوبها إلا أنه)

أي وجوبها

(من باب وجوب الاطاعة إرشادا ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز لا مولويا من باب الملازمة و ترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذى المقدمة)

و لأجل هذا يمكن القول بوجوب المقدمة ترشحا مع عدم القول بوجوب مقدمة العلم من جهة انه لا يرى العلم الاجمالي منجزا بمعنى رعاية الموافقة القطعية و يمكن أن يكون بالعكس من ذلك لكون العلم الاجمالي منجزا عنده و لكن لا يرى وجوب المقدمة ترشحا.

(و منها تقسيمها الى المتقدم و المقارن و المتأخر)

(بحسب الوجود بالاضافة الى ذى المقدمة)

فالأول كالوضوء للصلاة و غسل الجنابة كذلك للصوم و الثاني كالرضاء و طيب النفس للمتعاقدين المقارن للعقد و الثالثة كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض و كالاجازة من المالك الحاصلة بعد عقد الفضولي عند من يرى صحته و مما يجب أن يعلم أن هذا التقسيم إنما هو بالنسبة الى المقدمة الخارجية التي قد عرفت انها امور خارجة عن حقيقة المطلوب موقوف هو عليها و الامور الخارجة المذكورة اما مانع عنه أو معد أو علة موجبة أو شرط لأن حصول ذلك الشي‏ء اما موقوف على عدمه فقط و هو المانع أو على وجوده فقط و هو اما العلة الموجبة ان كان وجوده جميع ما يتوقف عليه و اما الشرط ان لم يكن كذلك أو على وجوده ثم عدمه و هو المعد فاحفظ ذلك و لا تكن من المخلطين كي ينفعك في كثير من المقامات‏

(و حيث انها)

أي المقدمة

(كانت من أجزاء العلة و لا بد من تقدمها بجميع أجزائها على)

____________

(*) و الواجب لا يكون إلا الصحيح و ان كان المسمى اعم. منه دام ظله‏

127

(المعلول)

و لو تقدما ذاتيا

(اشكل الأمر في المقدمة المتأخرة كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض و الاجازة في صحة العقد على)

القول‏

(بالكشف كذلك)

أي عند بعض‏

(بل في الشرط أو المقتضى المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه كالعقد في الوصية و الصرف و السلم)

بالنسبة الى الموت و القبض و اجازة الوارث ما زاد على الثلث بل‏

(في كل عقد بالنسبة الى غالب أجزائه لتصرمها)

أي غالب الاجزاء

(حين تأثيره)

أي تأثير العقد

(مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه)

أي مقارنة الاجزاء مع الكل‏

(زمانا فليس اشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات كما اشتهر في الألسنة بل يعم الشرط و المقتضى المتقدمين المتصرمين حين الأثر)

و لا يتوهم انه يجوز بحسب الشرع ما لا يجوز بحسب العقل الصريح القطعي ضرورة ان الشارع الذى هو العقل المحض لا يجوّز المحال و كذلك لا يتوهم ان العقد بالنسبة الى القبض فيما يكون معتبرا فيه و كذلك الايجاب المتصرم حين القبول من قبيل المعد حينما وجد يؤثر أثره الاعدادى و لا استحالة في تصرم المعد حين وجود المعدّ لأن التحقيق ان العقد هو المقتضى للاثر لا انه معد لما هو المقتضى‏

(و التحقيق في دفع الاشكال أن يقال ان الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها لا يخلو اما أن يكون المتقدم و المتأخر شرطا للتكليف و الوضع أو)

شرطا لمتعلقه أي‏

(المأمور به اما الأول فكون أحدهما شرطا له ليس إلا أن للحاظه)

و تصوره و الاضافة اليه‏

(دخلا في تكليف الآمر كالشرط المقارن بعينه فكما ان اشتراطه بما يقارنه ليس إلا)

لأجل‏

(ان لتصوره دخلا في أمره بحيث لولاه لما كان يحصل له الداعي الى الأمر كذلك المتقدم أو المتأخر و بالجملة حيث كان الأمر)

الصادر من المولى‏

(من الأفعال الاختيارية)

له‏

(كان من مباديه بما هو كذلك)

أي بما هو اختيارى‏

(تصور الشي‏ء بأطرافه ليرغب في طلبه و الأمر به بحيث لولاه لما رغب فيه و لما أراده و اختاره فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه و إرادته شرطا لأجل دخل لحاظه في حصوله كان مقارنا له أو لم يكن كذلك)

بل‏

(متقدما أو متأخرا فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا كان فيهما كذلك)

أي في المتقدم و المتأخر لحاظه شرطا

(فلا اشكال و كذلك الحال فى شرائط الوضع مطلقا و لو كان مقارنا فان دخل شي‏ء فى الحكم به و صحة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه و بدونه لا يكاد يصح انتزاعه عنده فيكون دخل كل من المقارن و غيره)

من المتقدم و المتأخر

(بتصوره و لحاظه و هو)

أي اللحاظ فى الجميع‏

(مقارن فأين انخرام القاعدة العقلية فى غير المقارن فتأمل تعرف)

و ليعلم ان المراد من الأمر الانتزاعي المستفاد من قوله و صحة انتزاعه لدى الحاكم به هو كون الشي‏ء بحيث لا يكون له وجود نفسي و ان كان فى‏

128

الخارج عين الوجود فى الموضوع كالسواد و البياض بل ما كان له منشأ انتزاع بحيث يكون وجوده وجود منشأ الانتزاع سواء كانت الخصوصية التي بها يكون الشي‏ء منشأ الانتزاع بلا جعل جاعل و اعتبار معتبر فيه تلك الخصوصية كالفوقية المنتزعة من السقف باعتبار كونه بعيدا عن المركز و قريبا من المحيط أو بجعل من الجاعل و اعتبار من المعتبر سواء كان الجاعل هو العرف و العقلاء و أمضاه الشارع أو كان من تأسيسات الشارع فتندرج فيه حينئذ العلية و المعلولية المنتزعة من العلة و المعلول الخارجي التكويني و السببية و المسببية المنتزعة من العقد الذي هو سبب لحصول الملكية أو الزوجية مثلا فجميع الأحكام الشرعية داخلة فى الامور الانتزاعية بالمعنى الذى ذكرنا سواء كانت تكليفية أو وضعية فالمشاحة فى المقام بأن الاعتبارية مباينة للامور الانتزاعية فان الأول له تقرر فى وعاء الاعتبار كاعتبار السلطان سكة الدراهم و الدنانير و الثاني لا تقرر له فى وعاء الاعتبار كما لا تقرر له فى وعاء العين بل يكون وجوده بانتزاعه عن منشأ الانتزاع و إنما التقرر لنفس منشأ الانتزاع خالية عن التحصيل لكونها بعد أن سلم هذا الفرق و بعد كونهما مشتركين فيما ذكرنا مشاحة فى الاصطلاح ثم أن العضدى قد ذهب فى الشرح ان الحكم اذا نسب الى الحاكم سمي ايجابا و اذا نسب الى ما فيه الحكم سمي وجوبا و هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلذلك تريهم يجعلون أقسام الحكم الوجوب و الحرمة مثلا تارة و الايجاب و التحريم اخرى و من المقرر فى محله ان مقولي أن يفعل و أن ينفعل اعتباران مختلفان فى مقولة واحدة و أوضحنا ذلك فى الثمرات بما لا مزيد عليه فدواعي الايجاب هي بعينها دواعي الوجوب و أسبابه فما قيل إنا لا ننكر ان فى الدلوك و العقد خصوصية تكوينية مقتضية لتشريع الوجوب و إمضاء العقد و هو ليس بمحل الكلام و إنما الكلام فى سبب المجعول و الممضى أي الوجوب و الملكية و سببية الدلوك و العقد للوجوب و الملكية إنما ننتزع من ترتب الوجوب و الملكية على الدلوك و العقد إذ لو لا أخذ الدلوك و العقد موضوعا للوجوب و الملكية لم يكن الدلوك و العقد سببا لهما فدواعي الجعل متأخرة فى الوجود عن المجعول متقدمة عليه في اللحاظ و اما موضوعات التكاليف فهي متقدمة عليها في الوجود لأن نسبة الموضوع الى التكليف نسبة العلة الى المعلول و يستحيل تقدم الحكم عن الموضوع للزوم الخلف و المناقضة لعله مبني على الفرق الواقعي بين الايجاب و الوجوب و خلط بين جهتي القضية كما ستعلم و اما ابتناء حل اشكال الشرط المتأخر للتكليف و الوضع على الفرق بين القضية الحقيقية و الخارجية و ان الحقيقية لا تقتضى وجود الموضوع في الخارج و إنما الحكم فيها على موضوع مفروض الوجود فتقسيم الشرط الى المقارن و المتقدم و المتأخر و إرجاع جميع ذلك الى شرطية اللحاظ إنما هو من باب الخلط بين الخارجية و الحقيقية و ان الخارجية قد يكون الحكم فيها مطلقا غير معلق على شي‏ء

129

أصلا لعلم الآمر بوجود الشرائط و ان كان علمه خطأ غير مطابق للواقع و تارة يكون مشروطا بشي‏ء لعدم علمه بوجوده كقول المولى اسقني ان كنت قادرا و يستحيل هنا الأمر المطلق و ان كانت الشرائط موجودة في الواقع فالمدار هو وجود العلم لا نفس وجود الشرط واقعا فشطط من الكلام و خلط بين جهتي القضية و غفلة عن مراد المنطقيين من قولهم ان القضية الحقيقية لا تقتضي وجود الموضوع في الخارج، توضيح ذلك ان لكل قضية ظرفين أحدهما ظرف انعقاد القضية و هو ظرف تفكيك العقل كل واحد من الموضوع و المحمول و النسبة عن الآخر و ملاحظة كل واحد منهما ليحكم و يذعن بالنسبة بين الموضوع و المحمول بأنه هو هو أو هو ليس هو، و الثاني ظرف المطابق بالفتح و المصداق و الخارج عن ظرف الانعقاد ففي ظرف الانعقاد لا بد في كل قضية من وجود الموضوع حتى السالبة ضرورة استحالة تحقق الحكم من الحاكم و هو الذهن بدون المحكوم عليه و إنما الفرق المعروف بين الموجبة و السالبة بأن الاولى تقتضي وجود الموضوع دون الثانية فانما هو بحسب ظرف المطابق بالفتح و المصداق بمعنى ان صدق الموجبة يقتضي وجود الموضوع بخلاف السالبة فانها أعم مصداقا فاذا اقتضت الموجبة وجود الموضوع في الخارج محققا تسمى خارجية و ان اقتضت وجوده في الخارج مقدرا فحقيقية و هذا أمر بيّن لمن راجع كتب المنطق اذا تذكرت ذلك فنقول ان كلام المصنف إنما هو في شرط الحكم تكليفا كان أو وضعا و الحكم من الحاكم إنما يتصور اذا لاحظ الموضوع بجميع خصوصياته و قيوده ليحصل له الرغبة فيه و ليريده أو ينهى عنه سواء كان في مقام الوجود و ظرف المطابق مقارنا أو متقدما أو متأخرا فعدم اقتضاء الحقيقية وجود الموضوع في الخارج لا ينافي اقتضائها وجوده في مقام الحكم و ظرف الانعقاد فافهم ذلك و مما ذكرنا تعلم ان ما ذكروه في مقام توهم دورية الشكل الأول و دفعه بالعلم الاجمالي و التفصيلي ليس بخلط أصلا فتدبر.

(و اما الثاني فكون الشي‏ء شرطا للمأمور به ليس‏

(*)

إلا أن ما يحصل لذات المأمور به بالاضافة اليه وجه ما و عنوان ما به يكون حسنا أو متعلقا للغرض بحيث لولاها لما كان كذلك و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الاضافات مما لا شبهة فيه و لا شك يعتريه و الاضافة كما تكون الى المقارن تكون الى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى على المتأمل فكما تكون إضافة شي‏ء الى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا و متعلقا للغرض كذلك إضافته الى متأخر أو متقدم بديهة ان الاضافة الى أحدهما ربما يوجب ذلك أيضا فلو لا حدوث المتأخر في محله لما كانت‏

____________

(*) لا يخفى ان العبارة مخالفة للنسخ المطبوعة اخترناها لصحتها. محي الدين المامقاني‏

130

للمتقدم تلك الاضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه و الأمر به كما هو الحال في المقارن أيضا و لذلك اطلق عليه الشرط مثله بلا انخرام للقاعدة أصلا لأن المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلا طرف الاضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن و قد حقق في محله انه)

يصح ان يكون‏

(بالوجوه و الاعتبارات و من الواضح انها)

أي الوجوه و الاعتبارات‏

(تكون بالاضافات فمنشأ توهم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخر و قد عرفت ان إطلاقه)

أي الشرط

(عليه)

أي على المتأخر

(فيه)

أي فيما كان شرطا للمأمور به‏

(كاطلاقه على المقارن إنما يكون لأجل كونه طرفا للاضافة الموجبة للوجه الذي يكون بذلك الوجه مرغوبا و مطلوبا كما كان في الحكم لأجل دخل تصوره فيه كدخل تصور سائر الأطراف و الحدود التي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف أو لما صح عنده الوضع)

مثلا اذا فرض اشتراط صوم المستحاضة بالاستحاضة الكبرى بغسل الليلة الآتية يكون دخل الغسل حينئذ في الصوم عبارة عن أنه بملاحظة الغسل المزبور يحصل لصومها خصوصية بها يصير ذا مصلحة مقتضية لايجابه عليها بهذه الخصوصية فيأمر بذلك الخاص فيجب عليها الصوم في النهار و الغسل في الليلة الآتية و كذلك العقد الخاص الذي انتزعت خصوصيته من ملاحظة رضاء لاحق كالرضاء المقارن فان دخل الرضاء المقارن ليس إلا ان بملاحظته جعل المولى العقد سببا، كذلك الرضاء اللاحق فلو لحقه الرضاء فيما بعد صح العقد بخلاف ما لم تلحقه فانه لم يأت بما هو السبب و ما أتى به لم يوافق ما جعل سببا فيحكم بفساده‏

(و هذه خلاصة ما بسطنا من المقال في دفع هذا الاشكال في بعض فوائدنا و لم يسبقني اليه أحد فيما اعلم فافهم و اغتنم)

و ان سبقه بعض بالجواب بأن الشرط في هذه الموارد ليس المتقدم و المتأخر بالوجود الكوني الزماني بل بالوجود الدهري المثالي و لا تقدم و لا تأخر هناك فان المتفرقات في سلسلة الزمان مجتمعات في وعاء الدهر فلا تزاحم و لا تقدم و لا تأخر و ليس عند ربك صباح و لا مساء نسبه المصنف الى استاده قده و بعضهم بأن الشرط ليس بمتأخر بل المتأخر بوصف تأخره جعل شرطا و معه لا تأخر للشرط فيها إذ الفرض انه بدونه ليس بشرط و كذلك الحال فيما جعل المتقدم المتصرم شرطا نسب ذلك الى الشيخ الأنصاري ره على ما في التقريرات و بعضهم بأن الشرط في أمثال هذه الموارد إنما هو الوجود في الجملة سواء كان سابقا أو مقارنا أو لاحقا نسب ذلك الى النراقي في مسئلة الاجازة في الفضولي و هو قريب مما سبقه و منهم من قال بأن الشرط هو الحالة النفسانية الحاصلة حين العقد مثلا و الرضاء القولي كاشف عنه و منهم من قال ان الشرط لو كان هو الأمر المتأخر لاستحال تقدم المشروط عليه و اما لو كان نظير عنوان التعقب بحيث يكون نفس هذا العنوان هو الشرط حقيقة لا أن يكون مرآة لشرطية الأمر المتأخر فلا محذور فيه و منهم من تصرف في الشرط

131

بأنه في الشرع عبارة عن المعرف و المعرف يجوز تأخره و الكل كما ترى أما الأول فقد زيّفه المصنف في الفوائد بأنه و ان كان لطيفا في نفسه إلا أنه لا يكاد يكون شرطا للزماني إلا الزماني مضافا الى وضوح أن الشرط في الموارد حسب دليله إنما هو الشي‏ء بوجوده الكوني ضرورة ان اجازة المالك في الفضولي و الأغسال الليلية في صوم المستحاضة مثلا بما هي اجازة و أغسال خاصة تكون شرطا و هي كذلك ليست إلا زمانية لأنها بوجوده الدهري لا تكون محدودة بهذه الحدود بل بحدود أخر يجتمع الشرط و المشروط فيها لسعة حيطة ذلك الوجود و كمال بساطته و وفور حظه و بهذا المعنى يكون الدهر مجمع المتفرقات الزمانية و اما الثاني فقد زيّفه أيضا بأن محذور وجود المشروط بدون الشرط في المقامين على حاله و مجرد أخذ التقدم أو التأخر في الشرط لا يدفع به غائلة عدم مقارنة المشروط و شرطه من لزوم وجود الشي‏ء بلا علته التامة إلا على الخلف مع عدم اعتبار التأخر في بعضها كما لا يخفى كما انه قد زيف الثالث أيضا بما زيف به الثاني فان محذور وجود الشي‏ء بدون علته التامة لا يدفع بجعل الشرط هو الوجود في الجملة ضرورة أن الاشكال هو أنه كيف يصح الحكم بصحة الفضولي مع عدم تحقق شرطه و اما الرابع فان كان المراد منه ان العقد مشروط بالرضاء المقارن الأعم من الفعلي و التقديري بمعنى كون المالك راضيا على فرض التفاته اليه و الى مصلحته و ان لم يكن بالفعل راضيا بل كان كارها من جهة غفلته أو جهله بالمصلحة كما ذهب اليه بعض العلماء فوجه تزييفه أن لازمه جواز التصرف مع العلم بالمصلحة للمالك و ان لم يعلم بها و لم يجز الى الأبد و لا أظن أن يلتزم به أحد كما أن لازمه أيضا لزوم الهرج و المرج لو كان الرضاء التقديري كافيا لجواز التصرف مضافا الى أن المالك قد يكون على فرض الالتفات لا يرضى بالعقد إلا بعد حين فكيف يقال انه كان راضيا حين البيع إذ كثيرا ما ينقلب السخط الى الرضا و ان كان المراد منه انه مشروط بشرط واقعي لا نعرفه و يكون ذلك الشرط ملازما للاجازة الاستقبالية فوجه تزييفه انه رجم بالغيب و دعوى بلا دليل بل ظاهر الأدلة على خلافه بل صريحها لصراحتها في شرطية نفس الرضا و ان كان المراد منه انه لا يكون هناك شرط للعقد أصلا لا الرضا و لا الاجازة و لا شي‏ء آخر بل الشارع رتب الأثر على هذا القسم من العقد لا على القسم الآخر فالعقد الذي يتعقبه الرضاء في علم اللّه صحيح من أول الأمر لا لحصول الرضا بل لجعل الشارع و الذي لا يتعقبه لم يجعل مؤثرا و لعل هذا هو مراد صاحب الجواهر حيث قال: و حاصل الكلام ان الوجه في الكشف أحد امور الأول انه من قبيل الأوضاع الشرعية على معنى أن الشارع قد جعل نقل المال في الزمان السابق عند حصول الرضاء في المستقبل فوجه تزييفه هو أنه خلاف ظاهر الأدلة بل صريحها و في الجواهر انه مستلزم لمخالفة كثيرة من القواعد و لعل مراده قاعدة

132

تسلط الناس على أموالهم و قاعدة عدم حل التصرف في مال الغير بدون طيب نفسه و قاعدة شرطية الرضاء في العقود و اما الخامس فوجه تزييفه هو انه خلاف ظاهر الأدلة حيث ان الدليل قد دل على شرطية نفس الاجازة و الرضاء دون عنوان التعقب و اما السادس فلأنا لا نعني بالشرط إلا ما انيط بعدمه عدم المشروط فمع تحقق هذا المعنى في المقام لا وجه لصرف ظاهر الأدلة و المصنف قد زيفه في الفوائد بأن الامور الانتزاعية حيث لا واقعية و لا تحقق لها إلا بواقعية ما ينتزع عنها كانت بنفسها غير قابلة للمداخلة في التأثير بل لا بد أن يكون مداخلتها بمنشإ انتزاعها و المفروض عدم مقارنته‏

(و لا يخفى انها بجميع أقسامها)

متقدمة أو متأخرة أو مقارنة

(داخلة في محل النزاع و بناء على الملازمة)

بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته ف

(يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن و السابق إذ بدونه لا يكاد يحصل الموافقة و يكون سقوط الأمر باتيان المشروط به مراعى باتيانه فلو لا اغتسالها في الليل على القول بالاشتراط لما صح الصوم في اليوم.)

(الأمر الثالث في تقسيمات الواجب)

(منها تقسيمه الى المطلق و المشروط)

(و قد ذكر لكل منهما تعريفات و حدود يختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود)

فبعضهم‏ (*) عرّف المشروط بأنه ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده و المطلق بما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده و بعضهم المشروط بأنه ما يتوقف وجوبه على شي‏ء سواء توقف عليه وجوده كالعقل بالنسبة الى العبادات الشرعية أو لم يتوقف عليه كالبلوغ بالنسبة اليها بناء على القول بشرعية عبادات الصبي و المطلق بما يتوقف وجوده عليه من دون أن يتوقف وجوبه عليه و بعضهم‏ (**) المشروط بما يتوقف وجوبه بعد حصول شرائط التكليف من البلوغ و العلم و القدرة و العقل على شي‏ء كالحج، و المطلق بما لا يتوقف وجوبه بعد حصول شرائط التكليف على شي‏ء كالمعرفة

(و ربما اطيل الكلام بالنقض و الابرام في النقض على الطرد و العكس مع انها كما لا يخفى تعريفات لفظية لشرح الاسم و ليست بالحد و لا بالرسم و الظاهر انه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق و المشروط بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي كما أن الظاهر ان وصفي الاطلاق و الاشتراط)

عند العرف‏

(وصفان اضافيان لا حقيقيان و إلا لم يكد يوجد واجب مطلق ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الامور لا أقل من الشرائط العامة كالبلوغ و العقل فالحري أن يقال ان الواجب مع كل شي‏ء يلاحظ معه ان كان وجوبه غير مشروط به فهو مطلق بالاضافة اليه و إلا مشروط كذلك)

أي بالقياس اليه‏

(و ان كانا بالقياس الى شي‏ء)

____________

(*) كالتفتازاني و السيد الشريف.

(**) و هو عميد الدين في شرح التهذيب. منه دام ظله‏

133

(آخر كانا بالعكس)

بأن كان الأول مشروطا بالنسبة اليه و الثاني مطلقا كذلك‏

(ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا اليه ان نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط بحيث لا وجوب حقيقة و لا طلب واقعا قبل حصول الشرط كما هو ظاهر الخطاب التعليقي ضرورة أن الظاهر خطاب إن جاءك زيد فاكرمه كون الشرط من قيود الهيئة و ان طلب الإكرام و ايجابه معلق على المجي‏ء)

و مسئلة مفهوم الشرط مبنية على هذا الظاهر حيث انه اذا كان قيد الحكم فبانتفائه ينتفي الحكم‏

(لا أن الواجب فيه يكون مقيدا به بحيث يكون الطلب و الايجاب في الخطاب فعليا و مطلقا و إنما الواجب يكون خاصا و مقيدا و هو الاكرام على تقدير المجي‏ء فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة كما نسب ذلك الى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه مدعيا امتناع كون الشرط من قيود المادة لا الهيئة واقعا و لزوم كونه من قيود المادة لبا مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية انه من قيود الهيئة ظاهرا)

و عليه بناء المشهور

(اما امتناع كونه من قيود الهيئة فلأنه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة حتى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه فكلما يحتمل رجوعه الى الطلب الذي يدل عليه الهيئة)

و يكون معنى حرفيا و جزئيا حقيقيا غير قابل للتقييد

(فهو عند التحقيق راجع الى نفس المادة و اما لزوم كونه من قيود المادة)

لبا

(فلأن العاقل اذا توجه الى شي‏ء و التفت اليه فاما أن يتعلق به طلبه أو لا يتعلق به طلبه أصلا لا كلام على الثاني و على الأول فاما أن يكون ذاك الشي‏ء موردا لطلبه و أمره مطلقا على اختلاف طواريه أو على تقدير خاص و ذلك التقدير تارة يكون من الامور الاختيارية و اخرى لا تكون كذلك و ما كان من الامور الاختيارية قد تكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف)

كما اذا قال المولى ان أفطرت في شهر رمضان فكفّر كذا أو إن جامعت فكفّر كذا او اذا قصرت أفطرت و اذا أفطرت قصرت‏

(و قد لا يكون كذلك)

كما اذا قال ان استطعت بالكسب حج‏

(على اختلاف الأغراض الداعية الى طلبه و الأمر به من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و القول بعدم التبعية كما لا يخفى هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت و لا يخفى ما فيه أما حديث عدم الاطلاق في مفاد الهيئة فقد حققنا سابقا ان كل واحد من الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها و إنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء و إنما الفرق بينهما انها وضعت ليستعمل و يقصد بها المعنى بما هو هو و الحروف وضعت ليستعمل و يقصد بها معانيها بما هي آلة و حالة لمعاني المتعلقات فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طواري المعنى بل من مشخصات الاستعمال كما لا يخفى على اولي الدراية و النهى فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لأن يقيد)

و قد أشرنا سابقا الى ما حققناه في الثمرات‏

134

من أن الامتياز بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي ذاتي و ان سنخ المعنى الاسمي مباين لسنخ المعنى الحرفي و ان حقيقة المعنى الحرفي هي الارتباط الخاص القائم بالمرتبطين بحيث لا يمكن إدراكه إلا بادراك متعلقه فلا يصح أن يقع محكوما عليه و لا به فلا إطلاق فيه أصلا و لا تقييد نعم يجري عليها جميع أحكام متعلقاتها عموما و خصوصا إطلاقا و تقييدا و نحو ذلك تبعا

(مع انه لو سلم انه فرد فانما يمنع من التقييد لو انشأ أولا غير مقيد لا ما اذا أنشأ من الأول مقيدا)

يعني ان التعليق لما كان من الخصوصيات المشخصة للفرد فيمكن أن يوجد الطلب بتلك الخصوصية من أول الأمر

(غاية الأمر قد دل عليه بدالين و هو غير انشائه أولا ثم تقييده ثانيا)

فالانشاء انشاء واحد خاص كما في الوصية و التدبير فملخص الجواب الثاني ان الخاص الذي هو مفاد الهيئة لم يقيد أصلا بل هو على حاله عند انشائه بالصيغة بلا حدوث تغير و انقلاب نعم هو انشاء مقيدا بمعنى ان المتكلم تصور الطلب بجميع خصوصياته المقصودة فأنشأه بالهيئة و دل عليه بالقرينة فيكون من قبيل تعدد الدال و المدلول لا انه انشاء أولا مطلقا ثم يقيد كي يرد عليه ان مفادها غير قابل له فالاطلاق و التقييد فيما كان وضعه وضع الحروف إنما هو بلحاظ المعاني المتصورة التي تستعمل فيها ألفاظها بما هي استعملت فيها فيطلق المعنى في مقام التصور أو يقيد ثم يستعمل فيه لفظه و ينشأ به لا انه يقيد ما استعمل فيه اللفظ و اطلق‏

(فافهم)

.

(فان قلت على ذلك)

أي على جواز كون مدلول الحروف انشاء أمر خاص‏

(يلزم تفكيك الانشاء عن المنشأ حيث لا طلب قبل حصول الشرط)

.

(قلت المنشأ اذا كان هو الطلب على تقدير حصوله فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب و بعث و إلا لتخلف عن انشائه و انشاء أمر على تقدير كالاخبار به)

أي يأمر على تقدير

(بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان)

لعدم الفرق بينهما إلا في ان الاخبار حكاية عن حصول الشي‏ء في موطنه و الانشاء تحقق الشي‏ء بنفس الانشاء فانشاء الطلب التعليقي بالهيئة كانشائه بالمادة نحو اطلب على تقدير الاستطاعة الحج أو كإخباره به كالمثال المذكور اذا لم يقصد به الانشاء

(فتأمل جيدا و اما حديث لزوم رجوع الشرط الى المادة لبا ففيه)

انه لو كان تمام الملاك في التكليف هو الارادة التي للواجب تعالى و هو العلم بالصلاح في الفعل على قول أو بالصلاح في الأمر به على قول آخر او بهما أيضا على اختلاف الموارد لكان ما ذكره تاما من أن الشي‏ء على تقدير التفات العاقل اليه اما أن يكون مطلوبا له أولا و لا يغير عما هو عليه و لكنه ليس كذلك فان الحكم ما لم يصل الى مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و لعل لاستعداد المكلف أو تسهيل الأمر عليه أو تقدير ما من التقادير مدخلا في ذلك فحينئذ نقول‏

(ان الشي‏ء اذا توجه اليه و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها كما يمكن‏

135

أن يبعث فعلا اليه و يطلبه حالا لعدم مانع عن طلبه كذلك يمكن أن يبعث اليه معلقا و يطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لأجل مانع عن الطلب و البعث فعلا قبل حصوله فلا يصح منه إلا الطلب و البعث معلقا بحصوله لا مطلقا و لو معلقا بذلك)

أي بحصول الشرط

(على التقدير)

أي على تقدير وجود المانع من الطلب و في بعض النسخ و لو متعلقا بذلك على التقدير فمعناه حينئذ و لو متعلقا بالشي‏ء على تقدير شرط متوقع الحصول و هذا المعنى هو المناسب لقوله‏

(فيصح منه طلب الاكرام بعد مجي‏ء زيد و لا يصح منه الطلب المطلق الحالي للاكرام المقيد بالمجي‏ء هذا)

أي إمكان تقييد الطلب لأجل مانع عن الطلب فعلا اما لعدم استعداد في المكلف أو لوجود موانع أخر لا نعلمها

(بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها)

أي فى نفس الأحكام‏

(فى غاية الوضوح)

ضرورة ان عروضها على موضوعاتها أو انتفائها عنها حينئذ بحسب اقتضاء علتها مع بقاء موضوعاتها بعينها كما هو الحال فى الأعراض الخارجية و موضوعاتها

(و اما بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد فى المأمور بها و المنهي عنها فكذلك)

و ان كان قد يتراءى بحسب بادى النظر كونه من قيود المادة لبا حينئذ نظرا الى أن تفاوت الأفعال بحسب المصلحة و المفسدة ليس إلا لتفاوتها بحسب الذات أو العوارض اللاحقة لها على اختلاف القول فى ذلك كما تقرر فى محله فلا يكون اتصافها بهما بسبب خارجي غير لاحق لها كما هو الحال فى حكم العقل بالحسن و القبح أيضا لكنه ليس كذلك واقعا

(ضرورة ان التبعية كذلك إنما تكون فى الأحكام الواقعية بما هي واقعية لا بما هي فعلية فان المنع عن فعلية تلك الأحكام)

اما لعدم استعداد المكلف أو تسهيل الأمر عليه أو موانع أخر

(غير عزيز كما فى موارد الاصول و الامارات على خلافها و فى بعض الأحكام فى أول البعثة)

للمماشاة و ارخاء العنان حتى يرغبوا اليه‏

(بل)

فى بعض الأحكام‏

(الى يوم قيام القائم عجل اللّه فرجه مع ان حلال محمد حلال الى يوم القيمة و حرامه حرام الى يوم القيمة و مع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الأحكام باقيا مر الليالي و الأيام الى أن يطلع شمس الهداية و يرتفع الظلام كما يظهر من الأخبار المروية عن الأئمة سلام اللّه عليهم أجمعين)

نعم ربما يطلق الحكم الفعلي على الواقعي فى مورد الامارات بمعنى انه لم يبق من ناحية الحكم و الحاكم شي‏ء منتظر و حالة مترقبة بل كمل و تم إلا أنه لما لم يكن من جانب المكلف علم و دراية جعلت الامارة فى حقه حجة و لو كان مؤديها على خلافه‏

(فان قلت فما فائدة الانشاء)

الطلبي‏

(اذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا)

و بعثا حاليا.

(قلت كفى فائدة له انه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط بلا حاجة الى خطاب آخر بحيث لولاه لما كان فعلا متمكنا من الخطاب هذا مع شمول الخطاب كذلك للايجاب فعلا بالنسبة الى الواجد للشرط فيكون بعثا فعليا بالاضافة اليه و تقديريا بالنسبة الى الفاقد له فافهم‏

136

و تأمل جيدا ثم الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط فى محل النزاع أيضا فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق)

كما عن بعضهم‏

(غاية الأمر يكون فى الاطلاق و الاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناء على وجوبها من باب الملازمة)

ضرورة أن ما يترشح عليه يكون من سنخ ما يكون فى المترشح منه فكما أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة كذلك وجوب تحصيل الرفقة و وجوب طي المسافة إلا أن يقوم دليل آخر على وجوبها على غير تلك الكيفية

(و اما الشرط المعلق عليه الايجاب فى ظاهر الخطاب فخروجه مما لا شبهة فيه و لا ارتياب اما على ما هو ظاهر المشهور و المنصور لكونه مقدمة وجوبية)

و قد عرفت انه يستحيل ترشح الوجوب عليه لامتناع تحصيل الحاصل‏

(و اما على المختار لشيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه فلأنه و ان كان من المقدمات الوجودية للواجب)

لا الوجوبية لعدم التعليق فى الوجوب‏

(إلا أنه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه فانه جعل الشي‏ء واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط فمعه كيف يترشح عليه الوجوب و يتعلق به الطلب و هل هو إلا طلب الحاصل نعم على مختاره قدس سره لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه لتعلق بها الطلب فى الحال على تقدير اتقان وجود الشرط فى الاستقبال و ذلك لأن ايجاب ذي المقدمة على ذلك حالي و الواجب إنما هو استقبالي كما يأتي فى الواجب المعلق فان الواجب المشروط على ما اختاره قده هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول من المعلق فلا تغفل)

فكما ان وجوب الحج فعلي و نفس الحج استقبالي معلق وجوده على الاستطاعة الاتفاقية، كذلك وجوب تحصيل الرفقة فعلي و وجود هذا الواجب معلق على الاستطاعة اللهم إلا أن يدل دليل على عدم كونها واجبة فيستكشف منه أن الواجب كما اخذ بالنسبة الى الشرط الذي علق عليه بحيث لا يترشح الوجوب منه عليه كذلك بالنسبة الى سائر المقدمات أو يدعى ان العرف و العادة يقضيان بأن مفاد القضية التعليقية هو وجوب الشي‏ء بحيث لا يسري منه الوجوب الى غير الشرط أيضا

(هذا فى غير المعرفة و التعلم من المقدمات و اما المعرفة و التعلم فلا يبعد القول بوجوبها حتى فى الواجب المشروط بالمعنى المختار قبل حصول شرطه)

أي شرط الواجب‏

(لكنه لا من باب الملازمة)

لأن الغرض عدم حصول الشرط فلا وجوب للمشروط على المختار حتى يترشح منه الوجوب على المعرفة و التعلم‏

(بل من باب استقلال العقل بتنجز الأحكام على الأنام بمجرد قيام احتمالها إلا مع الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل على التكليف فيستقل بعده بالبراءة و ان العقوبة على المخالفة بلا حجة و بيان و المؤاخذة عليها بلا برهان)

فافهم فلا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة الى الملتفت القادر على الاستعلام‏ (*)

____________

(*) بل يستكشف من إجماعهم على استحقاق الجاهل المقصر فى تعلم المسائل حتى المتعلقة-

137

و يشهد بذلك مضافا الى الوجدان ان اتفاق العقلاء على استحقاق العبد للعقاب فيما اذا خالف مولاه في واحد من أوامره و نواهيه قد شك فيه و لم ينفحص عنه أصلا كما يستقل العقل بتنجز التكاليف المعلومة بالاجمال و عدم قبح مؤاخذة الجاهل بالتفصيل المتمكن من الاحتياط فاحتمال الضرر بارتكاب الشبهة غير مندفع بما يؤمن معه من الضرر.

(تذنيب)

(لا يخفى ان إطلاق الواجب على الواجب المشروط بلحاظ حال حصول الشرط على)

نهج‏

(الحقيقة مطلقا)

أي على مذهب المشهور و على ما اختاره الشيخ الأنصاري قدس سره لأن المشتق حقيقة فيما تلبس بالمبدإ حال النسبة

(و اما)

إطلاقه عليه‏

(بلحاظ حال قبل حصوله)

أي حصول الشرط

(فكذلك على)

نهج‏

(الحقيقة على مختاره)

أي مختار الشيخ الأنصاري‏

(قدس سره في الواجب المشروط لأن الواجب و ان كان أمرا استقباليا عليه)

أي على مختار الشيخ الأنصاري قدس سره‏

(إلا أن تلبسه بالوجوب في الحال و مجاز على)

المشهور

(المختار)

للمصنف‏

(حيث لا تلبس بالوجوب عليه)

أي على المشهور المختار للمصنف‏

(قبله)

أي قبل حصول الشرط

(كما عن البهائي ره تصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط لعلاقة الأول)

لأنه يئول الى التلبس‏

(أو المشارفة)

و قد عرفت الفرق بينهما سابقا بأن علاقة الأول هو ما لوحظ المناسبة بين المسميين الحاصلين من تفاوت الشي‏ء في زمانين مع قطع النظر عن ملاحظة مناسبة الزمانين، و علاقة المشارفة هو ما لوحظ المناسبة بين الحالين بانصاف شي‏ء بحال في زمان مقارب لزمان الحال الآخر نحو من قتل قتيلا فله سلبه‏

(و اما الصيغة مع الشرط فهي حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره قدس سره في الطلب المطلق و على المختار في الطلب المقيد على نحو تعدد الدال و المدلول كما هو الحال في ما اذا اريد منها المطلق المقابل للمقيد لا المبهم المقسم)

للمطلق و المقيد

(فافهم)

.

(و منها تقسيمه الى المعلق و المنجز)

(قال في الفصول انه ينقسم باعتبار آخر الى ما يتعلق وجوبه بالمكلف و لا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له كالمعرفة و ليسمّ منجزا و الى ما يتعلق وجوبه به فيتوقف حصوله على أمر غير مقدور له و ليسم معلقا كالحج فان وجوبه يتعلق بالمكلف من أول زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجي‏ء وقته و هو)

____________

- بالتكاليف الموقتة و المشروطة ان المعرفة و التعلم و التفحص لم تؤخذ فى التكاليف على نحو لا يجب تحصيلها فلو حصل حينئذ فوت المعرفة و التعلم من جهة تقصير المكلف لم يكن معذورا فيها منه دام ظله‏

138

(غير مقدور له و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو ان التوقف هناك للوجوب و هنا للفعل انتهى كلامه رفع مقامه و لا يخفى ان شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى و جعل الشرط لزوما من قيود المادة ثبوتا)

و واقعا

(و إثباتا)

و دليلا

(حيث ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك أي إثباتا و ثبوتا على خلاف القواعد العربية و ظاهر المشهور كما يشهد به ما تقدم آنفا عن البهائي أنكر على الفصول هذا التقسيم ضرورة ان المعلق بما فسره)

صاحب الفصول‏

(يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك كما هو واضح حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول كان هو المعلق المقابل للمشروط و من هنا انقدح انه في الحقيقة إنما أنكر الواجب المشروط بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور و القواعد العربية لا الواجب المعلق بالتفسير المذكور و حيث قد عرفت بما لا مزيد عليه إمكان رجوع الشرط الى الهيئة كما هو ظاهر المشهور و ظاهر القواعد فلا يكون مجال لانكاره عليه نعم يمكن أن يقال انه لا وقع لهذا التقسيم لأنه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط و خصوصية كونه حاليا أو استقباليا لا يوجبه ما لم يوجب الاختلاف في)

الغرض‏

(المهم و إلا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات)

التي للواجب من الزمان و المكان و الوضع‏

(و لا اختلاف فيه)

أي في المهم‏

(فان ما رتبه)

صاحب الفصول‏

(عليه من وجوب المقدمة فعلا كما يأتي إنما هو من أثر إطلاق وجوبه و حاليته)

أى حالية الوجوب‏

(لا من استقبالية الواجب فافهم)

.

(ثم انه ربما حكى عن بعض أهل النظر من أهل العصر اشكال في الواجب المعلق و هو ان الطلب و الايجاب إنما يكون بازاء الارادة المحركة للعضلات نحو المراد فكما لا يكاد تكون الارادة منفكة عن المراد فليكن الايجاب غير منفك عما يتعلق به فكيف يتعلق بأمر استقبالي فلا يكاد يصح الطلب و البعث فعلا نحو أمر متأخر قلت فيه ان الارادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي كما تتعلق بأمر حالي و هو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلا عن فاضل ضرورة ان تحمل المشاق في تحصيل المقدمات فيما اذا كان المقصود بعيد المسافة و كثير المئونة ليس إلا لأجل تعلق إرادته به و كونه مريدا له قاصدا إياه لا يكاد يحمله على التحمل إلا ذلك و لعل الذى أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الارادة بالشوق المؤكد المحرك للعضلات نحو المراد و توهم ان تحريكها نحو المتأخر مما لا يكاد و قد غفل عن ان كونه محركا نحوه يختلف حسب اختلافه في كونه مما لا مئونة له كحركة نفس العضلات أو مما له مئونة و مقدمات قليلة أو كثيرة فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له و الجامع أن يكون نحو المقصود بل مرادهم من هذا الوصف فى تعريف الارادة بيان مرتبة الشوق الذى‏

139

يكون هو الارادة و ان لم يكن هناك فعلا تحريك لكون المراد و ما اشتاق اليه كمال الاشتياق أمرا استقباليا غير محتاج الى تهيئة مئونة أو تمهيد مقدمة ضرورة ان شوقه اليه ربما يكون أشد من الشوق المحرك فعلا نحو أمر حالي أو استقبالي محتاج الى ذلك هذا مع انه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث ضرورة ان البعث إنما يكون لاحداث الداعي للمكلف الى المكلف به بأن يتصوره بما يترتب عليه من المثوبة و على تركه من العقوبة و لا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث بزمان فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان و لا يتفاوت طوله و قصره فيما هو ملاك الاستحالة و الامكان فى نظر العقل الحاكم فى هذا الباب و لعمرى ما ذكرناه واضح لا سترة عليه و الاطناب إنما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة فى أذهان بعض الطلاب)

و ربما يمكن الاشتباه و الغلط من الحاكي لا من بعض أهل النظر من أهل العصر فلا بد من النظر فى كلامه لو كان مثبتا فى دفتر حتى يتكلم عليه.

(و ربما أشكل على المعلق أيضا بعدم القدرة على المكلف به)

. و هو الأمر الاستقبالي‏

(فى حال البعث مع انها من الشرائط العامة)

للتكليف‏

(و فيه ان الشرط هو القدرة على الواجب فى زمانه لا فى زمان الايجاب و التكليف غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخر و قد عرفت بما لا مزيد عليه انه كالمقارن)

فى كون لحاظه أو الاضافة اليه شرطا لا الملحوظ و المضاف اليه‏

(من غير انخرام القاعدة العقلية أصلا فراجع ثم لا وجه لتخصيص)

الواجب‏

(المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور بل ينبغي تعميمه الى أمر مقدور متأخر أخذ على نحو يكون موردا للتكليف و يرشح عليه الوجوب من الواجب أولا)

كالوضوء فى وقت الصلاة بالنسبة الى واجد الماء قبل الوقت و لكن قد علم انه لو لم يحفظ الماء لم يقدر على الوضوء فى الوقت فلم يقدر على الصلاة

(لعدم تفاوت فيما يهمه من وجوب تحصيل المقدمات التي لا يكاد يقدر عليها فى زمان الواجب على المعلق)

أى على القول بكون الواجب واجبا معلقا

(دون المشروط)

أى دون كونه واجبا مشروطا

(لثبوت الوجوب الحالي فيه)

أى فى المعلق‏

(فيترشح منه الوجوب على المقدمة بناء على الملازمة دونه)

أى دون الواجب المشروط

(لعدم ثبوته)

أى الوجوب‏

(فيه إلا بعد الشرط)

فلا وجوب فيه حتى يترشح منه الى المقدمة و هذا المهم موجود فى المعلق على المقدور المتأخر

(نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر و فرض وجوده)

فى ظرفه‏

(كان الوجوب المشروط به حاليا أيضا فيكون وجوب ساير المقدمات الوجودية للواجب أيضا حاليا و ليس الفرق بينه و بين المعلق حينئذ إلا كونه)

أى الوجوب‏

(مرتبطا بالشرط بخلافه)

أى المعلق حيث ان وجوبه لم يكن مرتبطا بالشرط

(و ان ارتبط به)

أى بالشرط نفس‏

(الواجب)

و وجوده.

140

(تنبيه)

(قد انقدح من مطاوى ما ذكرناه ان المناط فى فعلية وجوب المقدمة الوجودية و كونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها)

بناء على القول بالوجوب‏

(هو فعلية وجوب ذيها و لو كان أمرا استقباليا)

بحسب الوقوع‏

(كالصوم فى الغد و المناسك فى الموسم)

سواء

(كان وجوبه مشروطا بشرط موجود أخذ فيه و لو متأخرا أو)

كان وجوبه‏

(مطلقا)

غير مشروط بشرط أصلا

(منجزا كان)

هذا الواجب المطلق‏

(أو معلقا)

لكن‏

(فيما اذا لم تكن)

المقدمة

(مقدمة للوجوب أيضا)

كما انه مقدمة للوجود

(أو مأخوذة فى الواجب على نحو يستحيل أن يكون موردا للتكليف كما اذا أخذ عنوانا للمكلف كالمسافر و الحاضر و المستطيع الى غير ذلك)

من العناوين و قوله أو مأخوذة بالنصب عطف على قوله مقدمة و قوله‏

(أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله و تقدير وجوده بلا اختيار أو باختيار موردا للتكليف)

عطف على قوله أخذ أى كما اذا جعل الفعل المقيد الى آخره و هذا كما اذا قال المولى أوجبت عليك الحج على تقدير حصول الاستطاعة بالكسب في الأمر الاختياري أو بالارث مثلا في غيره و قوله‏

(ضرورة انه لو كان مقدمة الوجوب أيضا لا يكاد يكون هناك وجوب إلا بعد حصوله و بعد الحصول يكون وجوبه طلب المحال)

تعليل لقوله فيما اذا لم تكن مقدمة للوجوب أيضا و قوله‏

(كما انه اذا أخذ على أحد النحوين)

تعليل لقوله أو مأخوذة في الواجب الى آخره أي على نحو يستحيل أن يكون موردا للتكليف أو على نحو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله و تقدير وجوده موردا للتكليف‏

(يكون كذلك)

يعني لو كان هناك وجوب يلزم طلب الحاصل‏

(فلو لم يحصل لما كان الفعل موردا للتكليف و مع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به)

لكونه متعلقا بالحاصل و هو محال‏

(فافهم اذا عرفت ذلك فقد عرفت انه لا اشكال أصلا في لزوم الاتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب اذا لم يقدر عليه بعد زمانه فيما كان وجوبه حاليا مطلقا و لو كان مشروطا بشرط متأخر كان معلوم الوجود فيما بعد كما لا يخفى)

كما في مثال وجوب حفظ الماء بالنسبة الى الصلاة المشروطة بالوقت الذي يتحقق قطعا

(ضرورة فعلية وجوبه و تنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة و لا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها)

لفرض كون وجوبه حاليا و لو مشروطا بشرط متأخر

(و إنما اللازم الاتيان بها قبل الاتيان به)

و لا محذور فيه أصلا

(بل لزوم الاتيان بها عقلا و لو لم نقل بالملازمة)

الشرعية

(لا يحتاج الى مزيد بيان و مئونة برهان كالاتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل اتيانه)

فانه لو تركها يصير الواجب ممتنعا عليه باختياره ترك المقدمات و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا لا خطابا

(فانقدح بذلك انه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة)

أي وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها

141

(بالتعلق)

أي بالتشبث‏

(بالتعليق)

كما صنعه صاحب الفصول‏

(أو بما يرجع اليه من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط)

كما هو مختار الشيخ الأنصاري بل ببركة كون الوجوب فعليا تنحل أيضا

(فانقدح بذلك انه لا اشكال في الموارد التي تجب في الشريعة الاتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب كالغسل في الليل في شهر رمضان و غيره مما وجب عليه)

كالتيمم عند تعذر الماء

(للصوم في الغد إذ يكشف به)

أي بالوجوب الثابت للمقدمة

(بطريق الإن عن سبق وجوب الواجب و إنما المتأخر هو زمان اتيانه و لا محذور فيه أصلا و لو فرض العلم بعدم سبقه)

أي عدم سبق وجوب ذى المقدمة

(لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري)

كما قيل ان المسير الى الحج قبل الاستطاعة لا يقول بوجوبه أحد و لو علم بوجودها فيما بعد كما قيل انه لا إشكال عندهم ظاهرا في عدم حرمة الاجناب قبل وقت الصلاة و الصوم مع العلم بعدم التمكن من الغسل‏

(فلو نهض دليل على وجوبها)

مع العلم بعدم وجوب ذيها

(فلا محالة يكون وجوبها نفسيا و لو تهيأ ليتهيأ باتيانها و ليستعد لايجاب ذى المقدمة عليه فلا محذور أيضا)

كما ذهب اليه الأردبيلي و صاحب المدارك في مسئلة تعلم الأحكام و لو كان قبل البلوغ و دعوى ان البلوغ من الشرائط العامه إنما يتم في التكاليف الشرعية التي لم يستكشف بقاعدة عقلية مستقلة يستقل بوجوبها و اما فيها فلا و إلا يلزم الخلف أي عدم استقلال العقل كما في الاصول الاعتقادية فان العقل يستقل بوجوب تحصيلها قبل البلوغ ليكون مؤمنا أول زمان بلوغه.

(ان قلت لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفا عن سبق وجوب ذى المقدمة لزم وجوب جميع مقدماتها و لو موسعا و ليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكنه منها لو لم يبادر)

.

(قلت لا محيص عنه)

أي لا بد و ان يكون جميع مقدماته واجبا و لو موسعا و لا يمكن أن يكون على غير هذا النحو كيف و هذا قسم من البرهان الاني و هو الذي لم يخص باسم الدليل و هو البرهان الإني الذي لم يدل إلا على إنية الحكم و تحققه في الذهن دون الخارج و لم تكن الواسطة معلولا للحكم كما انه ليس بعلة أيضا بل يكونان معلولين لثالث حيث ان وجوب المقدمة المزبورة و ان كان كاشفا و واسطة للتصديق و الحكم بوجوب ذيها إلا أن وجوب ذيها لمّ على وجوب سائر المقدمات فيكون وجوب المقدمة المزبورة و وجوب سائر المقدمات كلاهما معلولي علة ثالثة في الخارج و نفس الأمر و هو وجوب ذيها فتدبر

(إلا إذا أخذ في الواجب من قبل ساير المقدمات قدرة خاصة و هي القدرة عليه بعد مجي‏ء زمانه لا القدرة عليه في زمان من زمان وجوبه)

فانه حينئذ لا تجب قبل زمانه و ان ترتب على تركه فوت ذى المقدمة في طرفه كالوضوء بالنسبة الى الصلاة حيث ان المستفاد من ظاهر آية إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا الخ‏

142

تعليق وجوبه على القيام الى الصلاة و هو كناية عن تعليقه على دخول الوقت فالوقت له دخل في مصلحته اللزومية فلا يجب تحصيله و لا ابقائه قبل الوقت و ان علم بعدم تمكنه منه بعد الوقت و هذا بخلاف وجود الماء قبل الوقت فانه قد استكشف من الدليل الشرعي الدال على وجوب إبقائه قبل الوقت ان الشرط هي القدرة عليه و لو قبل الوقت‏

(فتدبر جيدا)

فمن تدبر و استحال عنده المعلق و المشروط بالشرط المتأخر المتحقق الوجود أو صعب عليه التصديق بذلك فلا بد أن يتمسك في الموارد التي تجب في الشريعة الاتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب بذيل قاعدة اخرى عقلية و هي قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار التي موردها هو الامتناع بالارادة و الاختيار لا الامتناع بعدم إرادة الواجب فان هذا الامتناع لا ينافي العقاب و الخطاب اتفاقا و بيانها ان القدرة على الواجب قد تكون شرطا عقلا من دون دخل في مصلحة الفعل و ملاكه و قد تكون شرطا شرعيا لها دخل في الملاك سواء اعتبرها الشارع على نحو الاطلاق أو على نهج خاص سواء كانت الخصوصية عبارة عن القدرة بعد حصول مقدمات الوجوب كالاستطاعة بالنسبة الى وجوب الحج حيث لا أثر للقدرة قبل الاستطاعة أو عن القدرة في زمان مجي‏ء الواجب ففي الأول أي القدرة بكون الشرط عقلا يجب تحصيل المقدمات من أول أزمنة الامكان لتحصيل القدرة كي لا يترك الواجب في طرفه و لا يفوت ملاكه فلأن الملاك حسب الفرض تام من دون دخل للقدرة فيه فتفويته و لو بتفويت أول مقدماته و لو قبل البلوغ تفويت له بالاختيار و هو لا ينافي الاختيار عقابا لا خطابا فبهذه القاعدة يستكشف وجوب المقدمة شرعا فيكون متمما للجعل الأول و في الثاني أيضا كذلك فان دخلها في الملاك على نحو الاطلاق شرعا لا يوجب تفاوتا في المهم فان الفرض ان الشرط شرعا هي القدرة على نحو الاطلاق و لو باعداد أول مقدماته و في الثالث فيجب فيه المقدمات المفوتة بعد شرط الوجوب لأنه لو ترك يلزم الامتناع بالاختيار بعد تمامية الملاك فلا مانع هنا عن العقاب بخلاف المفوتة قبل شرط الوجوب كالاستطاعة فلا يجب لعدم تمامية الملاك و في الرابع فلا وجوب للمقدمة قبل الوقت فلا تجرى فيه القاعدة حيث ان الفرض ان الفعل لا ملاك ملزم له إلا بعد القدرة عليه في زمانه و القدرة قبله كالمعدوم و لا يجب على المكلف أن يجعل الفعل ذا ملاك في ظرفه.

(تتمة)

(قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل و كونه موردا للتكليف و عدمه فان علم حال قيد)

انه واجب التحصيل كقيد الواجب المطلق أو انه ليس بواجب التحصيل كقيد الواجب المشروط

(فلا اشكال و ان دار أمره ثبوتا)

و واقعا

(بين أن يكون راجعا الى الهيئة بنحو الشرط المتأخر أو المقارن)

حتى يكون الوجوب الذى هو مفاد الهيئة مرتبطا به‏

(و أن يكون راجعا الى المادة على نهج يجب تحصيله أو لا يجب)

ليكون الوجوب‏

143

فعليا مطلقا في الصورة الاولى أو مشروطا كما في الثانية على مذاق الشيخ الأنصارى رحمه اللّه تعالى كقول المولى حج عن استطاعة أو حج على تقدير أن تتحصل الاستطاعة لك‏

(فان كان في مقام الاثبات ما يعين حاله و انه راجع الى أيهما من القواعد العربية فهو و إلا فالمرجع هو الاصول العملية)

فلو شك في كون القيد شرطا للوجوب بنحو التقدم أو التأخر فاصالة البراءة تقتضي أن يكون قيدا بنحو التقدم فما دام لم يحصل الشرط لا وجوب أصلا فانه لو كان بنحو الشرط المتأخر يصير الوجوب فعليا و الأصل عدمه و كذا اذا كان الدوران بين الواجب المشروط بالشرط المتقدم و بين الواجب المعلق إذ المعلق يقتضى الوجوب فعلا و الأصل عدمه و لو دار الأمر بين المشروط بالشرط المتأخر و بين المعلق فالأصل يقتضي الحمل على المشروط بالشرط المتأخر إذ المعلق و إن اقتضى الوجوب الفعلي كالمشروط بالشرط المتأخر إلا أن المعلق يقتضي تضييق دائرة الواجب و الأصل عدمه و بالجملة نتيجة البراءة هو تقييد الوجوب لا الواجب‏

(و ربما قيل في الدوران بين الرجوع الى الهيئة أو المادة بترجيح الاطلاق في طرف الهيئة و تقييد المادة)

بحسب الاصول اللفظية

(بوجهين)

.

(أحدهما ان إطلاق الهيئة يكون شموليا كما في شمول العام لأفراده فان وجوب الاكرام)

مثلا

(على تقدير الاطلاق يشمل جميع التقادير التي يمكن أن يكون تقديرا له)

في آن واحد

(و إطلاق المادة يكون بدليا غير شامل لفردين في حالة واحدة)

فيكون التقييد الصق به لضعفه و قوة إطلاق الهيئة و إنما قيد جميع التقادير بقوله التي يمكن أن يكون تقديرا له ليحترز عن بعض التقادير التي لا يمكن أن تكون تقديرا له كتقدير نقيضه أي عدم وجوب إكرامه أو ضده كوجوب إهانته أو مثله.

(ثانيهما ان تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الاطلاق في المادة و يرتفع به مورده)

لاستحالة انفكاك تقييد المادة وجودا عن تقييد الهيئة بمعنى ان ما هو شرط الوجوب اذا أخذ مفروض الوجود حين الخطاب فلا بد و أن يتأخر الواجب عنه أيضا كالاستطاعة لا بمعنى ان ما هو شرط الوجوب يكون من قيود المأمور به كي يرد عليه أن شرط الوجوب لا يمكن تعلق التكليف به بخلاف قيد المأمور به و لا بمعنى ان ما هو شرط الوجوب لا بد و أن يقع المأمور به حين تحققه بديهة إمكان كون شرط وجوب إكرام زيد يوم الجمعة مجيئه قبله بمدة

(بخلاف العكس)

لجواز التفكيك بأن يكون الهيئة مطلقة متعلقة بمادة مقيدة كأن يطلب المولى فعلا إكرام زيد مقيدا بقدوم المسافر غدا

(و كلما دار الأمر بين تقييدين كذلك)

أي تقييد يستلزم بطلان محل الاطلاق في آخر كتقييد الهيئة و تقييد لا يستلزمه كتقييد المادة

(كان التقييد الذي لا يوجب بطلان)

إطلاق‏

(الآخر أولى)

لأن التقييد خلاف الأصل و لو لم يقل بكونه مجازا

144

كما هو التحقيق فالتقليل فيه أولى‏

(اما الصغرى)

أي استلزام تقييد الهيئة بطلان محل الاطلاق في المادة

(فلأجل انه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة و بيان لإطلاق المادة لأنها لا محالة لا تنفك عن وجود قيد الهيئة بخلاف تقييد المادة فان محل الحاجة الى إطلاق الهيئة على حاله فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد و عدمه و اما الكبرى)

أي أولوية التقليل في التقييد

(فلأن التقييد و ان لم يكن مجازا إلا أنه على خلاف الأصل و لا فرق في الحقيقة بين تقييد الاطلاق و بين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الأثر و بطلان العمل به)

و ما نحن فيه من هذا القبيل‏

(و ما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرري بحث الاستاد العلامة أعلى اللّه مقامه)

و ليعلم ان كلام المقرر لا دلالة فيه بل لا اشعار بأن محل الكلام هو القيد المشكوك المنفصل و الوجهان المذكوران أيضا لا اختصاص لهما بالمنفصل و المصنف قد فهم عدم الاختصاص و لذا فصل بين القيد المتصل و المنفصل فرد الترجيح في المتصل و قبله في المنفصل فما قيل من أن محط نظر العلامة الأنصاري ليس في القيد المتصل معللا بأن الكلام لو كان مكتنفا بما يمكن أن يكون قرينة فيسقط عن الظهور رأسا فيمكن أن يجاب عنه بأنه اذا لم يكن هناك ما يرجح أحد طرفي الترديد على الآخر و الفرض ان الوجهين مرجح فلا نقطع بتمحض كلامه ره في القرينة المنفصلة و غرضه ره بيان المعارضة بين الظهورين و تقديم أحدهما على الآخر بمرجح‏

(و أنت خبير بما فيهما)

.

(اما في الأول فلأن مفاد إطلاق الهيئة و ان كان شموليا بخلاف المادة)

فان إطلاقها بدلي‏

(إلا أنه لا يوجب ترجيحه)

أي ترجيح إطلاق الهيئة

(على إطلاقها)

أي إطلاق المادة

(لأنه أيضا كان بالاطلاق و مقدمات الحكمة)

لا بالوضع‏

(غاية الأمر انها تارة يقتضي العموم الشمولي)

كما فى أحل اللّه البيع الوارد فى مقام الامتنان‏

(و اخرى البدلي)

نحو جئني برجل أو بفقير

(كما ربما يقتضي التعيين أحيانا كما لا يخفى)

كما علمت فى إطلاق صيغة الأمر حيث انها تقتضي الوجوب النفسي التعييني العيني‏

(و ترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنما هو لأجل كون دلالته بالوضع لا لكونه شموليا بخلاف المطلق فانه بالحكمة فيكون العام أظهر منه فيقدم عليه فلو فرض انهما فى ذلك على العكس فكان عام بالوضع دل على العموم البدلي)

نحو اكرم أى رجل‏

(و مطلق باطلاقه دل على الشمولي)

نحو أحل اللّه البيع‏

(لكان العام)

البدلي بالوضع‏

(يقدم بلا كلام)

على المطلق الشمولي.

(و اما فى الثاني فلأن التقييد و ان كان خلاف الأصل إلا أن العمل الذى يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة و انتفاء بعض مقدماته لا يكون على خلاف الأصل أصلا إذ معه لا يكون هناك إطلاق كي يكون بطلان العمل به فى الحقيقة مثل التقييد الذى يكون على خلاف الأصل‏

145

و بالجملة لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة و مع انتفاء المقدمات)

و لو بانتفاء بعضها

(لا يكاد ينعقد له هناك ظهور)

حتى‏

(كان ذلك العمل المشارك مع التقييد في الأثر و بطلان العمل باطلاق المطلق مشاركا معه في خلاف الأصل أيضا و كأنه توهم ان إطلاق المطلق كعموم العام ثابت و رفع اليد عن العمل به تارة لأجل التقييد و اخرى بالعمل المبطل للعمل به و هو)

توهم‏

(فاسد لأنه لا يكون إطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات نعم اذا كان التقييد بمنفصل و دار الأمر بين الرجوع الى المادة أو الهيئة كان لهذا التوهم مجال حيث انعقد للمطلق إطلاق و قد استقر له ظهور و لو بقرينة الحكمة فتأمل)

فملخص مرامه على ما أفادنا في مجلس البحث ان الاطلاق المزبور فيما اذا كان القيد المشكوك رجوعه الى الهيئة أو المادة متصلا كالعموم الوضعي المخصص بالمتصل المشكوك حيث انه كما تكون تلك القرينة مانعة عن انعقاد الظهور رأسا فكذلك الاطلاق المزبور فيكون الكلام مجملا نعم في القيد المنفصل مع إحراز كون المتكلم في مقام البيان ضربا للقانون يجري هذين الوجهين اللهم إلا أن يرتب الحكم على الموضوع المطلق كأن يقال الحج مطلقا واجب ثم أتى في كلام منفصل عنه بقيد الاستطاعة و شككت في كونه قيدا للمادة أو للهيئة فانه لا يجرى حينئذ الوجه الثاني أيضا لأن الفرض أخذ المادة مطلقة نعم اللازم العقلي لتقيد الهيئة تقييد المادة بالمعنى الذى ذكرناه آنفا فيلزم تضييق دائرة الواجب بحسب الوجود عقلا بتقييد الوجوب و أين هذا من التقييد لما يكون مطلقا بحسب اللفظ كما هو مفروض المستدل‏

(و منها تقسيمه الى النفسي و الغيري)

(و حيث كان طلب شي‏ء و ايجابه لا يكاد يكون بلا داع فان كان الداعي فيه هو التوصل به الى واجب لا يكاد التوصل بدونه اليه لتوقفه عليه فالواجب غيري و إلا فهو نفسي سواء كان الداعي)

الى ايجاب الواجب النفسي‏

(محبوبية الواجب بنفسه كالمعرفة باللّه أو محبوبيته بما له من الفائدة المترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات و التوصليات هذا)

ما ذكره المشهور في وجه هذا التقسيم و في تعريف كل واحد من القسمين و حاصله أن النفسي ما لم يكن وجوبه لأجل الوصلة الى واجب آخر و الغيري ما كان كذلك و أورد عليهم بما ذكره المصنف بقوله‏

(لكنه لا يخفى أن الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك أي بما له من الفائدة المترتبة عليه كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريا)

لا نفسيا

(فانه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازما لما دعي الى ايجاب ذي الفائدة)

فيلزم على هذا أن يكون جلّ الواجبات النفسية غيرية.

(فان قلت نعم و ان كان وجودها)

أي الفائدة

(محبوبا لزوما إلا أنه حيث كانت من الخواص المترتبة على الأفعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف لما كاد يتعلق بها الايجاب)

146

فلا يلزم كون الواجبات النفسية غيرية لعدم وجوب الغير لعدم كونه مقدورا للعباد.

(قلت بل هي داخلة تحت القدرة لدخول أسبابها تحتها و القدرة على السبب قدرة على المسبب و هو واضح و إلا لما صح وقوع مثل التطهير و التمليك و التزويج و الطلاق و العتاق الى غير ذلك من المسببات موردا لحكم من الأحكام التكليفية)

و اجيب عن هذا الاشكال بأن الأفعال بالاضافة الى ما يترتب عليها من الفوائد من قبيل المعدات التي يتوسط بينها و بين المعد امور آلهية غير اختيارية للمكلف فلا يمكن تعلق الارادة التشريعية بها لعدم إمكان تعلق الارادة التكوينية بها لعدم مقدوريتها و ما قيل من أن المقدور بالواسطة مقدور إنما يتم في الأفعال التوليدية لا في العلل المعدة و هذا الجواب غير مرضي به عند المصنف لمنع ثبوت كون الأفعال من قبيل المعدات المذكورة بل ظاهر الآيات و الأخبار كونها من قبيل المقتضيات التي يترتب عليها مقتضاها لو لا المانع الحاصل من قبل العباد من مثل قوله تعالى‏ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، و قوله (عليه السلام): الصوم جنة من النار، و يؤيده ما عن الأمالي و ثواب الأعمال عن الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: من قال سبحان اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنة فقال له رجل من قريش إن شجرتنا في الجنة لكثيرة قال نعم و لكن إياكم أن ترسلوا اليها نارا فتحرقوها ان اللّه عز و جل يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ و لذا عدل عن هذا الجواب الى جواب آخر بقوله‏

(فالأولى أن يقال أن الأثر المترتب عليه و ان كان لازما إلا أن ذا الأثر لما كان معنونا بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله بل و ذم تاركه صار متعلقا للايجاب بما هو كذلك و لا ينافيه كونه مقدمة لأمر مطلوب واقعا)

فان غاية ذلك أن يصير واجبا نفسيا مقدمة لواجب آخر كما قيل فى الصلاة بالنسبة الى الانتهاء عن الفحشاء و المنكر الذي هو أيضا واجب‏

(بخلاف الواجب الغيري لتمحض وجوبه في أنه لكونه مقدمة لواجب نفسي و هذا أيضا لا ينافي أن يكون معنونا بعنوان حسن في نفسه إلا أنه لا دخل له في ايجابه الغيري)

كما في الطهارات الثلاث بالنسبة الى الصلاة فانها واجبات غيرية بالنسبة اليها و ان كانت في حد نفسها معنونة بعنوان حسن كما سيأتي‏

(و لعله مراد من فسرهما بما امر به لنفسه)

أي لكونه معنونا في حد نفسه بعنوان حسن و ان كان فيه جهة الغيرية

(و ما امر به لأجل غيره)

و ان كان في نفسه معنونا بعنوان حسن لا دخل له في ايجابه الغيري‏

(فلا يتوجه عليه بأن جل الواجبات لو لا الكل يلزم أن يكون من الواجبات الغيرية فان المطلوب النفسي قلّ ما يوجد في الأوامر فان جلها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها فتأمل)

فانقدح مما ذكر أن الواجبات بحسب النفسية و الغيرية على ثلاثة أقسام بحسب مقام الثبوت، النفسي المحض كمعرفة اللّه فانه غاية الغايات و لا غاية له‏

147

أشرف منه أصلا و ان كان يترتب عليه فوائد لا تحصى، و الغيري المحض و لا محبوبية ذاتية فيه أصلا بل يمكن أن يكون مكروها في نفسه أو حراما كذلك و ما يكون فيه جهتين النفسية و الغيرية فمن جهة النفسية اما يكون مستحبا ملاكا و من جهة الغيرية واجبا و اما أن يكون واجبا من جهتهما لكن لإحداهما ملاكا و للاخرى فعلية فلا يلزم اجتماع المتضادين أو المثلين و انقدح أيضا أن النفسية و الغيرية كالاطلاق و الاشتراط وصفان اضافيان فكل شي‏ء اذا طلبه المولى لأجل المقدمية و التوصل فهو غيري و ان كان فيه جهة الحسن الذاتي فكل شي‏ء طلبه لأجل حسن في نفسه فهو نفسي و ان كان فيه جهة التوصلية للمصلحة الملزمة و اما بحسب مقام الاثبات فقد أشار اليه بقوله:

(ثم أنه لا إشكال فيما اذا علم بأحد القسمين و اما اذا شك في واجب أنه نفسي أو غيري فالتحقيق أن الهيئة و ان كانت موضوعة لما يعمهما)

فان المتبادر منها إطلاقا أو وضعا ليس إلا الطلب الحتمي المشترك‏

(إلا أن إطلاقها يقتضي كونه نفسيا فانه لو كان شرطا لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلم الحكيم)

اما بأن يقيد الواجب النفسي بقيد في مقام الطلب كقوله صلّ عن طهارة و اما أن يقيد وجوبه بوجوب ذي المقدمة كما في الآية اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا و حيث لا يوجد ما يصلح للبيان فيجب الأخذ بالاطلاق و حمل اللفظ على النفسي لكونه خفيف المئونة في مقام التعبير و الهيئة تمام القالب له عرفا بخلاف الغيري فانه له مئونة زائدة بأحد النحوين المزبورين هذا على تقدير تمامية مقدمات الحكمة و إلا فيحكم بالاجمال إلا أن يدعي الانصراف الى النفسي و ان كان بحسب الوضع للقدر المشترك‏

(و أما ما قيل)

و القائل هو صاحب التقريرات‏

(من أنه لا وجه للاستناد الى إطلاق الهيئة لدفع الشك المذكور بعد كون مفادها الأفراد التي لا يعقل فيها التقييد)

لما عرفت من أن الهيئة وضعها وضع الحروف فلا إطلاق للخاص حتى يقيد

(نعم لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب صح القول بالاطلاق)

لأنه كلي قابل لأن يقيد و أن لا يقيد

(لكنه)

بعيد

(بمراحل عن الواقع إذ لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الأمر و لا يعقل اتصاف المطلوب بالمطلوبية)

الواقعية

(بواسطة مفهوم الطلب فان الفعل يصير مرادا)

واقعا

(بواسطة تعلق واقع الارادة و حقيقتها لا بواسطة مفهومها و ذلك واضح لا يعتريه ريب ففيه أن مفاد الهيئة كما مرت الاشارة اليه ليس الأفراد بل هو مفهوم الطلب)

و لو من جهة تعلقه بالمادة المنتسبة

(كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف و لا يكاد يكون)

مفادها

(فردا للطلب الحقيقي و الذي يكون بالحمل الشائع)

الذي ملاكه الاتحاد في الوجود

(طلبا و إلا لما صح إنشائه بها ضرورة أنه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب)

الخارجية

(الخاصة نعم ربما يكون هو)

أي الطلب الحقيقي الحاصل من أسبابه‏

148

(السبب لانشائه كما يكون)

السبب‏

(غيره أحيانا)

كالامتحان و الاعتذار و نحوهما

(و اتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية و الارادة الحقيقية الداعية الى إيقاع طلبه و إنشاء إرادته بعثا نحو مطلوبه الحقيقي و تحريكا الى مراده الواقعي لا ينافي اتصافه بالطلب الانشائى أيضا و الوجود الانشائى لكل شي‏ء ليس إلا قصد حصول مفهومه بلفظه كان هناك طلب حقيقي)

و هو واضح‏

(أو لم يكن بل كان انشائه بسبب آخر)

كالامتحان كما في أمر ابراهيم بذبح الولد و كالتعجيز و التسخير و التهديد

(و لعل منشأ الخلط و الاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق فتوهم منه أن مفاد الصيغة يكون طلبا حقيقيا يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع و لعمري انه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق فالطلب الحقيقي)

الحاصل من أسبابه الخاصة

(اذا لم يكن قابلا للتقييد لا يقتضي أن لا يكون مفاد الهيئة قابلا له و ان تعارف تسميته بالطلب أيضا و عدم تقييده بالانشائى لوضوح إرادة خصوصه و أن الطلب الحقيقي لا يكاد ينشأ بها كما لا يخفى فانقدح بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط كما مر هاهنا بعض الكلام و قد تقدم في مسئلة اتحاد الطلب و الارادة ما يجدي في المقام)

و قد ذكرنا لك سابقا ان ما هو الحق في معاني الحروف قد ذكرناه في الثمرات و أنت تعلم ان كون مفاد الهيئة مفهوم الطلب لا يتوقف على عدم الفرق بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي فمن قال بكون معنى الحرف الخصوصيات لا يعني مصاديق الطلب بل الطلبات المفهومية الخاصة القائمة بغيرها و تعلم أيضا انه يمكن أن يلاحظ الطلب الخاص المفهومي المقيد بالشرط ثم انشائه غاية الأمر بتعدد الدال لا أنه ينشؤه أولا مطلقا ثم يقيده فصحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط لا يتوقف على ذلك أيضا فتفطن و اما الاشكال على المصنف بأن المفهوم الاسمي غير قابل للانشاء و ان المنشأ ليس إلا النسبة الايقاعية نعم انشاء النسبة مصداق الطلب فانه ليس إلا التصدي نحو المراد و الانشاء أيضا نحو من التصدي فالانشاء هو مصداق الطلب لا أن المنشأ هو مفهوم الطلب فالخلط بين المصداق و المفهوم من المصنف فلم أفهم له معنى محصلا

(هذا اذا كان هناك إطلاق و اما اذا لم يكن)

فالمرجع هي الاصول العملية

(فلا بد من الاتيان به فيما اذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطا له فعليا للعلم بوجوبه فعلا و ان لم يعلم جهة وجوبه)

أنها نفسه أو غيره كما اذا علم بوجوب الصلاة و بوجوب الطهارة مرددا بين كونه نفسيا أو غيريا فلا بد من الاتيان بها إذ على تقدير كونها واجبا نفسيا فواضح و على تقدير كون وجوبها غيريا لأجل واجب فعلي آخر لأجل انا نعلم بوجوب ذلك الغير أي الصلاة فعلا فنستكشف أن مقدمتها أيضا واجبة بناء على الملازمة و إلا لما قطع بوجوبه فعلا و هذا خلف‏

(و إلا فلا)

أي و إن لم يكن التكليف بما احتمل كونه شرطا له فعليا فلا يجب الاتيان به‏

(لصيرورة الشك فيه بدويا كما لا يخفى)

إذ على تقدير كون‏

149

وجوبه غيريا لا علم بوجوبه لعدم كون ما احتمل كونه شرطا له فعليا فيبقى احتمال الوجوب النفسي فاصالة البراءة عن الوجوب حينئذ محكمة اللهم إلا أن يبنى على التفكيك في التنجز في مبحث الأقل و الأكثر كما مال أو ذهب اليه الشيخ الأنصارى.

(تذنيبان)

(الأول لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي)

(و موافقته و استحقاق العقاب على عصيانه و مخالفته عقلا)

على ما هو المشهور عند الإمامية نعم ذهب المفيد و تبعه جماعة الى أن الثواب بالتفضل لا بالاستحقاق معللا بأن العبد إنما يعمل بوظيفته لئلا يكون ظالما على المولى و ليس في عمله أجيرا له كي يستحق من قبله شيئا و ما ورد من أن التائب من ذنب كمن لا ذنب له فانما هو من باب التفضل فان العبد لا بد و أن يكون في جميع آناته و حالاته مطيعا للمولى مسخرا له فالرجوع الى الطاعة و الندم عما صدر منه لازم له بحكم العقل لأنه لو لم يتب يكون ظالما لنفسه فعلا و هو غير موجب لسقوط معاصيه السابقة إلا أن يمن اللّه من فضله على من يشاء و بالجملة ترتب الثواب مما لا ريب فيه و لا خلاف عند الإمامية و ان كان في سببه أنه بالاستحقاق أو بالتفضل خلاف‏

(و اما استحقاقهما على امتثال الغيري و مخالفته ففيه اشكال)

و خلاف و ربما يتخيل‏ (*) ترتب العقاب مستقلا على مخالفته بزعم أنه من اللوازم العقلية أو الشرعية للمخالفة و أنه مقتضى إطلاق الاخبار الدالة على استحقاق العقاب للعصيان و هو فاسد لأنه لو ترتب العقاب على مخالفته بملاحظة ذاته مستقلا لوجب الاجتناب عن تركه من حيث أنه تركه فيلزم كونه واجبا مع قطع النظر عن غيره و هذا خلف و ربما يفصل‏ (**) بين الخطاب الأصلي فيستحق و التبعي فلا يستحق و ربما يفصل بين الثواب فلا يستحق و بين العقاب فيستحق و الحق عدم كل منهما مستقلا كما ذهب اليه المصنف بقوله‏

(و إن كان التحقيق عدم الاستحقاق على موافقته و مخالفته بما هو موافقة و مخالفة ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلا لعقاب واحد أو لثواب كذلك)

أي واحد

(فيما خالف الواجب و لم يأت بواحد من مقدماته على كثرتها أو وافقه و أتاه بما له من المقدمات)

و هذا الاستحقاق الواحد اذا نسب الى الغير كان من جهة فعله أو تركه بالذات و اذا نسب الى الواجب بالوجوب المقدمي كان من جهة أنه ينجر الى فعل ذلك الغير أو تركه فتكون نسبته اليه بالعرض و المجاز

(نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة)

لأنه بتركها يصير ممتنعا عليه امتثاله بالاختيار و هو

____________

(*) الذي تخيل ذلك هو صاحب المناهل و صاحب الاشارات.

(**) و المفصل هو المحقق القمي قدس سره. منه دام ظله‏

150

لا ينافي الاختيار

(و بزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له من باب أنه يصير حينئذ من أفضل الأعمال حيث صار أشقها)

عليه‏

(و عليه ينزل ما ورد في الأخبار من الثواب على المقدمات أو على التفضل)

لا الاستحقاق مستقلا

(فتأمل جيدا و ذلك لبديهة ان موافقة الامر الغيرى بما هو أمر)

غيرى‏

(لا بما هو شروع في إطاعة الامر النفسى لا يوجب قربا و لا مخالفته بما هو كذلك)

أى غيرى لا بما هو شروع في عصيان الامر النفسى‏

(بعدا و المثوبة و العقوبة إنما يكون من تبعات القرب)

الى جنابه تعالى‏

(و البعد)

عنه تعالى من غير فرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة تبعيا و هو واضح أو أصليا فان الاوامر الشرعية بالاجزاء و الشرائط اما ارشادية لبيان الجزئية أو الشرطية أو تكون أوامر نفسية مفصلة للامر المتعلق بالكل و المشروط فكأنها حصص من ذلك الامر الواحد النفسى و توهم تعدد الثواب من الآية الشريفة الدالة على ترتب الثواب على المسافرة و النفر في حضور النبي ص مقدمة للجهاد في غزوة تبوك مع أنه لم يترتب الجهاد على المسافرة فيها فاسد فان الثواب عليها إظهارا لجلالة النبي صلى اللّه عليه و آله لما كانت من أعظم العبادات في حد نفسها تكون من قبيل الثواب على الواجب النفسى فتدبر.

(اشكال و دفع)

(اما الاول)

(فهو انه اذا كان الامر الغيرى بما هو)

أمر غيرى‏

(لا إطاعة له و لا قرب في موافقته و لا مثوبة على امتثاله فكيف حال بعض المقدمات كالطهارات حيث لا شبهة في حصول الاطاعة و القرب و المثوبة بموافقة أمرها هذا مضافا)

الى اشكال آخر و هو

(أن الامر الغيرى لا شبهة في كونه توصليا)

لم يعتبر في صحته اتيانه بقصد القربة

(و قد اعتبر في صحتها)

أى في صحة الطهارات‏

(اتيانها بقصد القربة)

و حيث لا يصح اتيانها إلا على وجه قربى يستكشف انها لا تكون وصلة و مقدمة و لا أقل من عدم كفاية قصد أمرها الغيرى في اتيانها قريبا مع انه كاف بالاتفاق في الطهارات الثلاث و ان لم يكن كافيا في مثل صلاة الظهر بالنسبة الى العصر و في مثل الصوم بالنسبة الى الاعتكاف على ما قيل.

(و اما الثاني)

(فالتحقيق أن يقال ان المقدمة فيها بنفسها مستحبة و عبادة و غايتها انها)

أى العبادات‏

(إنما تكون متوقفة على احدى هذه العبادات)

يعني انا سلمنا جميع ما ذكرت في مقام الاشكال إلا ان الامر التوصلي في مصاديق الاشكال قد تعلق اتفاقا بما هي عبادة فى نفسها

(فلا بد ان يؤتى بها)

أى بتلك المقدمات العبادية

(عبادة و إلا فلم يؤت بما هو مقدمة لها فقصد القربة فيها انما هو لاجل كونها فى نفسها امورا عبادية و مستحبات نفسية لا لكونها)