شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
151

(مطلوبات غيرية و الاكتفاء بقصد أمرها الغيرى)

فيما يكتفي به اتفاقا كما فى الطهارات مع انه فى العبادات من قصد جهة النفسية

(فانما هو لاجل انه)

أى الامر الغيرى‏

(لا يدعو)

إلّا

(الى ما هو كذلك)

أى عبادة

(فى نفسه حيث انه)

أى الامر الغيرى‏

(لا يدعو إلّا الى ما هو المقدمة)

و قد اتفقت هنا كونها عبادة فيتحقق قصد الأمر النفسي ضمنا

(فافهم)

و غرضه من قوله و الاكتفاء بقصد امرها الى آخره دفع الاشكال الثاني الذى اورده صاحب التقريرات على هذا الجواب بقوله: و اما ثانيا فلأن ذلك غير مجد فيما نحن بصدده اذ لا اشكال فى صحة قصد القربة فيما هو المطلوب النفسى و الكلام انما هو فى قصد التعبد بالمقدمة من حيث انها مقدمة فالوضوء لاجل الصلاة لا بد و ان يكون على وجه القربة بواسطة الامر المقدمي انتهى محل الحاجة من كلامه و حاصل رده عليه ان الاكتفاء المزبور من جهة انه يتضمن قصد جهة النفسية و هذا الجواب قد استفيد مما هو معلوم من طريقة الفقهاء و هو ترتب الثواب على الطهارات و ان انحصر الداعي فى ايجادها امرها المقدمي بحيث لو لم يعلم المكلف باستحبابه النفسى يكون كافيا

(و قد تفصى عن الاشكال بوجهين آخرين)

.

(أحدهما)

(ما ملخصه أن الحركات الخاصة)

كغسلات الوضوء و مسحاته‏

(ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود منها من العنوان الذى يكون بذاك العنوان مقدمة و موقوفا عليها فلا بد فى اتيانها بذاك العنوان من قصد امرها لكونه لا يدعو إلّا الى ما هو الموقوف عليه فيكون عنوانا اجماليا و مرآة لها فاتيان الطهارات عبادة و اطاعة لامرها ليس لاجل ان امرها المقدمي يقضى بالاتيان كذلك بل انما كان لاجل احراز نفس العنوان الذى يكون بذاك العنوان موقوفا عليها و فيه مضافا الى ان ذلك لا يقتضى الاتيان بها كذلك)

يعني انا و ان سلمنا ان تلك الافعال الخاصة مقيدا بعنوان خاص لا سبيل لنا اليه جعلت مقدمة الا ان ذلك لا يستلزم قصد امرها غاية

(لإمكان الاشارة الى عناوينها التي تكون بتلك العناوين موقوفا عليها بنحو آخر)

غير قصد الامتثال الامر الغيرى بل‏

(و لو بقصد امرها)

الغيرى‏

(وصفا لا غاية و داعيا)

بأن ينوى ما هو المأمور به بأى عنوان كان‏

(بل كان الداعي الى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأمورا بها شيئا آخر غير امرها أنه غير واف بدفع الاشكال تترتب المثوبة عليها كما لا يخفى)

ضرورة ان الامر الغيرى بأى عنوان تصور لا مثوبة على امتثاله.

(ثانيهما)

(ما محصله ان لزوم وقوع الطهارات عبادة انما يكون لاجل ان الغرض من الامر النفسى بغاياتها كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرب بموافقته كذلك لا يحصل ما لم يؤت بها)

أى بالمقدمة

(كذلك)

أى قربيا

(لا باقتضاء أمرها الغيرى و بالجملة وجه لزوم اتيانها عبادة انما هو لاجل ان الغرض فى الغايات لا يحصل الا باتيان خصوص الطهارات من بين مقدماتها)

152

(أيضا بقصد الاطاعة)

و توضيحه ان المستفاد من الأدلة ان المأمور به هي الصلاة التي هي مركبة من أجزاء مشروطة بالطهارة فهي عبادة مركبة من أجزاء و شرائط فكما يجب أن يأتى بكل جزء منه بقصد التقرب فكذلك يجب الاتيان بهذا الشرط لأجل الامر بالصلاة المقيدة به غاية الامر ان الاجزاء يكفي فيها القصد الاجمالي الحاصل من قصد التقرب بالصلاة التي هو الكل و اما بعض القيود الخارجة يحتاج الى قصد القربة بها تفصيلا تحقيقا للشرطية

(و فيه أيضا انه)

و إن كان وافيا بدفع اشكال قصد التقرب بالمقدمة الخارجية كالمقدمة الداخلية أي الاجزاء بما حاصله انبساط الامر النفسى المتعلق بالكل المقيد بقيد على القيد أيضا كانبساطه على الاجزاء إلا انه‏

(غير واف بدفع اشكال ترتب المثوبة عليها)

كما عرفت مضافا الى عدم الاعتداد بالجوابين عند من اعتبر خصوص قصد الوجه أى قصد وجه الامر الذى تعلق بنفسها و لا يكفي بقصد وجه العناوين الأخر و لا بقصد الوجه الذى جاء من ناحية الغير في عبادية العبادة اللهم إلا ان يقال انه اذا لم يكن للعبادة وجه إلا المطلوبية للغير فلا بد من قصده و هو كما ترى، اعلم ان الجوابين موافق لما أفاده بعض مقررى بحث الشيخ الانصارى قدس سره إلا انه قد أجاب بهما عن الاشكال الذى اشار اليه المصنف بقوله مضافا الى أن الامر الغيرى الخ و لم يجعلهما جوابا عن اشكال ترتب المثوبة على موافقة الأمر الغيرى كي يتوجه عليه انهما غير وافيين بدفع اشكال ترتب المثوبة و ان كنت في ريب من ذلك فراجع كي ينكشف لك حقيقة المطلب اللهم إلا ان يقال ان نظر المصنف الاشارة الى مقدار كفاية الجوابين لو تما فى مقام التفصى عن الاشكالات الواردة في المقام بحسب الواقع لا بحسب نظر بعض مقررى البحث‏

(و اما ما ربما قيل في تصحيح اعتبار قصد الاطاعة في العبادات من الالتزام بأمرين)

.

(أحدهما كان متعلقا بذات العمل و الثاني باتيانه بداعي امتثال الأول)

و قد أشرنا في بحث تأسيس الأصل فى الشك فى التوصيلية و التعبدية ان القائل بوجود أمرين فى العبادات يلتزم باحتيال الآمر فى اعتبار قصد الامتثال فى نفس المأمور به على حد ساير الاجزاء و الشرائط المعتبرة فيها بأن يأمر أولا توطئة و تهيئة ليتهيأ المكلف ثم يأمر باتيانه بداعي الامر الاول و فى مسئلة الطهارات قد توهم ان اعتبار الأمرين كاف فى دفع الاشكال حيث ان اعتبار قصد الامتثال إنما جاء من قبل الأمر بالطهارات بقصد امتثال أمرها الأول لا من جهة كونها مقدمة فلا اشكال حينئذ و لكنه غفلة عن أن اعتبار الأمرين‏

(لا يكاد يجرى فى تصحيح اعتبارها)

أى قصد القربة

(فى الطهارات إذ لو لم تكن بنفسها مقدمة لغاياتها لا يكاد يتعلق بها أمر من قبل الأمر بالغايات فمن أين يجي‏ء طلب آخر من سنخ الطلب الغيرى متعلق بذاتها ليتمكن به من المقدمة فى الخارج)

توضيحه ان اعتبار الأمرين لو سلم فانما يعقل فى الواجب النفسى‏

153

و اما فى الغيرى فمستحيل لأن الوجوب المقدمي انما يترشح من المأمور به الى المقدمة و من البين انه وجوب واحد فمن أين يحصل الوجوب الآخر الترشحي و لو قلت بترشح الوجوبين على شيئين نفس ذات الشي‏ء و الذات باعتبار امتثال أمره قلنا هذا يستلزم أن يكون مقدمية الشيئين بالنسبة الى المأمور به فى عرض واحد و مرتبة واحدة فلا ترتب بينهما و هذا خلف و لو قلت ان الأمر الأول نفسى لا غيري قلنا فقد رجع الجواب الى الجواب الأول التحقيقي من صيرورة العبادة مقدمة لعبادة و لو قلت انه نفسي توطيني قلنا انه مع بعده بل القطع بعدمه لا يصحح ترتب الثواب فان الأمر الثاني غيري لا يترتب على إطاعته مثوبة غير المثوبة على إطاعة ذي المقدمة و الأول توطيني بالفرض و لا مثوبة عليه أيضا إلا ثواب التوطين فافهم هذا

(مع أن في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على ما عرفته مفصلا سابقا)

في بحث الشك في التوصلية و التعبدية

(فتدبر)

.

(الثاني)

(انه قد انقدح مما هو التحقيق في وجه اعتبار قصد القربة في الطهارات صحتها و لو لم يؤت بها بقصد التوصل بها الى غاية من غاياتها)

فضلا عما اذا أتى بها بقصد التوصل الى غاية كالصلاة ثم بدا له بعد فعل الطهارة و ذلك لأنها في حد أنفسها مستحبات ذاتية و عبادات نفسية استكشف ذلك من الأخبار من أن الوضوء نور و الغسل أنقى و قوله التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين و قوله رب الماء و رب الصعيد واحد

(نعم لو كان المصحح لاعتبار قصد القربة فيها أمرها الغيري لكان قصد الغاية مما لا بد منه في وقوعها صحيحة)

في الخارج لا في أصل وجوبها كما ستعلم‏

(فان الأمر الغيري لا يكاد يمتثل إلا اذا قصد التوصل الى الغير حيث لا يكاد يصير داعيا إلا مع هذا القصد بل في الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدمة عبادة و لو لم يقصد أمرها بل و لو لم نقل بتعلق الطلب بها أصلا)

إذ كما أن الوجوب فيها ظل و تبع لوجوب الغير كذلك امتثالها ظل و تبع لامتثاله فلا يعقل امتثال أمرها الغيري إلا اذا قصد امتثال الغير و ان بدا له بعد الاتيان بالمقدمة عن ذيها إذ الشي‏ء لا ينقلب عما وقع عليه فالبداء بعد الطهارة بقصد التوصل الى الصلاة لا يغيرها عما هو عليه فتكون عبادة مع عدم الايصال الخارجي الى الصلاة أيضا

(و هذا هو السر في اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة عبادة لا ما توهم)

المتوهم هو صاحب التقريرات‏

(من أن المقدمة إنما تكون مأمورا بها بعنوان المقدمية فلا بد عند إرادة الامتثال بالمقدمة من قصد هذا العنوان و قصدها كذلك)

أي بعنوان المقدمية

(لا يكاد يكون بدون قصد التوصل الى ذى المقدمة بها)

أي بالمقدمة

(فانه فاسد جدا ضرورة أن عنوان المقدمية ليس بموقوف عليه الواجب و لا)

تكون‏

(بالحمل الشائع مقدمة له و إنما كان المقدمة هو نفس المعنونات بعناوينها الأولية و)

عنوان‏

(المقدمية إنما تكون علة)

154

(لوجوبها)

لا موضوعا و معروضا له كما مرت الاشارة اليه.

(الأمر الرابع)

[فى تبعية المقدمة لذى المقدمة]

(لا شبهة في أن وجوب المقدمة بناء على الملازمة تتبع في الاطلاق و الاشتراط وجوب ذى المقدمة كما أشرنا اليه في مطاوي كلماتنا و لا يكون مشروطا بارادته)

أي إرادة ذى المقدمة

(كما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم ره في بحث الضد حيث قال: و أيضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما ينهض دليلا على الوجوب في حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر)

بتقريب أن وجوب المقدمة لما كان لمحض التوصل نظرا الى انحصار حكمة الوجوب في التوصل بها الى ذيها فعند وجود الصارف و عدم الداعي الى المأمور به لا دليل على وجوبها

(و أنت خبير بأن نهوضها)

أي الحجة

(على التبعية)

في الاطلاق و الاشتراط

(واضح لا يكاد يخفى)

فان تمام السبب و العلة في الرشح هو كون المقدمة مما يتوقف عليها الواجب بحيث لولاها لاستحال حصوله من غير فرق بين الواجب المطلق و بين الواجب المشروط فالمقدمات كلها سواء كانت من مقدمات الواجب المطلق أو من مقدمات الواجب المشروط داخلة فى حريم النزاع إلا في مقدمة الواجب المشروط التي يتوقف وجوبه على وجودها كالاستطاعة بالنسبة الى الحج و إلا يلزم طلب الحاصل كما علمت سابقا فاذا ثبت أن الوجوب على القول بالملازمة وجوب ترشحي من الواجب عليها فلا بد أن يكون وجوبها من سنخ وجوبه في الاطلاق و الاشتراط فلو كان وجوب الواجب مشروطا بارادة الواجب فحينئذ على القول بالملازمة يكون وجوب المقدمة أيضا مشروطا بها إلا أنه لا يعقل اشتراط وجوب شي‏ء من الواجبات بارادة العبد له لاستلزامه اباحة الواجب و هذا خلف فلا يعقل اشتراط وجوب المقدمة بارادته و هذا معنى قول المصنف‏

(و ان كان نهوضها على أصل الملازمة لم يكن بهذه المثابة)

من الوضوح‏

(كما لا يخفى)

و ستطلع عليه فى مقام تزييف أدلة القائلين بالملازمة فلا تنهض حجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها على الملازمة فى حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها فكأن صاحب المعالم ره قاس الوجوب الشرعي بالالزام العقلي بمعنى الأبدية التي لا اختصاص له بمقدمة الواجب ضرورة حصوله فى مقدمة الحرام أيضا فضلا عن غيره حيث ان كل من يريد ارتكاب فعل و لو كان محرما يلزمه عقله بتحصيل مقدماته و بطلانه واضح فان الايجاب الشرعي المولوى الذى يلتزم به القائل بوجوب المقدمة لا يعقل تعليقه على مشية المكلف و عزمه على عدم عصيانه لاستلزامه إباحة الواجب فان قلت ان مراده ره ان الواجب و ان كان مطلقا ليس مشروطا بارادته إلا أن المقدمة وجوبها مشروط بارادته قلنا هذا تفكيك غير معقول حيث ان وجوبها يترشح من وجوب ذيها و الفرض انه مطلق فكيف يصير فى المقدمة مشروطا و ان قلت ان مراده ره ان‏

155

وجوبها مشروط بكون العبد فى طريق الامتثال بحيث يكون الواجب هو عنوان المقدمة لا ذاتها قلت ان العنوان علة لعروض الوجوب على نصب السلم مثلا لا أنه معروض الوجوب و موضوعه مضافا الى انه أيضا تفكيك غير معقول، و بالجملة اذا تحقق ان تمام الملاك فى الرشح على القول بالملازمة هو التوقف فقط فضم بعضهم إرادة الواجب أو قصد التوصل أو نفس ترتب الواجب عليها يكون كضم الحجر بجنب الانسان كضم بعضهم هذه المذكورات فى مقام وقوع المقدمة فى الخارج على صفة الوجوب و قد بيّن المصنف تفصيلا فساد هذه المذاهب بقوله‏

(و هل يعتبر فى وقوعها على صفة الوجوب أن يكون الاتيان بها بداعي التوصل بها الى ذى المقدمة كما يظهر مما نسبه الى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه بعض أفاضل مقررى بحثه أو ترتب ذى المقدمة عليها بحيث لو لم يترتب عليها يكشف عن عدم وقوعها على صفة الوجوب كما زعمه صاحب الفصول ره أو لا يعتبر فى وقوعها كذلك شي‏ء منهما)

و الفرق بين هذين القولين و قول صاحب المعالم هو أنه ره يقول باشتراط نفس وجوب المقدمة على إرادة المكلف للواجب و هذان يقولان بكون الواجب أمرا مقيدا و مشروطا و نفس الوجوب مطلق و لا يرد عليهما حينئذ ان قصد الايصال أو نفس الايصال إنما هو فى مرتبة الامتثال باتيان الواجب فكيف يعقل أن تتصف المقدمية بالوجوب بعدهما كما يرد على صاحب المعالم ذلك حيث ان الارادة إنما هي فى مرتبة الاطاعة و الامتثال لا فى مرتبة البعث و الايجاب فكيف يعقل أن يكون وجوب المقدمة مشروطا بها و كيف كان‏

(الظاهر عدم الاعتبار)

.

(اما عدم اعتبار قصد التوصل)

فى معروض الوجوب و موضوعه‏

(فلأجل ان الواجب لم يكن بحكم العقل إلا لأجل المقدمية و التوقف و عدم دخل قصد التوصل فيه واضح و لذا اعترف بالأجزاء بما لم يقصد به ذلك فى غير المقدمات العبادية لحصول ذات الواجب فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصل من المقدمة بلا مخصص فافهم)

بديهة أن ما لا يكون له دخل فى ملاك الوجوب يستحيل أن يؤخذ قيدا فى الواجب‏

(نعم انما اعتبر ذلك فى)

مقام‏

(الامتثال)

كما يظهر من بعض عبارات بعض أفاضل مقررى بحثه انه هو مراد الشيخ‏

(لما عرفت من أنه لا يكاد يكون الآتي بها بدونه ممتثلا لأمرها و آخذا فى امتثال الأمر بذيها فيثاب بثواب أشق الأعمال)

ضرورة تقوم الأمر الغيرى فى حد ذاته بالغير فلا يكون بنفسه داعيا بل صيرورته داعيا بعين كون الأمر بالغير داعيا مثلا اذا أمر المولى عبده باتيان الماء لرفع العطش فجاء به لسقي الدابة أو البستان لا يعد هذا العبد ممتثلا لأمر المولى عند العقلاء كافة

(ف)

على ما ذكر من عدم اعتبار قصد التوصل‏

(يقع الفعل المقدمي على صفة الوجوب و لو لم يقصد به التوصل كسائر الواجبات التوصلية لا)

انه يقع‏

(على حكمه السابق)

156

(الثابت له)

من الحرمة أو الاباحة أو غيرهما

(لو لا عروض صفة توقف الواجب الفعلي المنجز عليه)

كما انه يفهم من بعض عبارات بعض أفاضل مقرري بحثه أن مراد الشيخ أنه في مقام المزاحمة بين الحكم الذاتي الثابت للشي‏ء بعنوانه الأولي و بين الحكم العارض له بعروض صفة توقف الواجب الفعلي المنجز عليه لا بد من اعتبار قصد التوصل و لو لم يقصد التوصل يقع الأمر المقدمي على حكمه السابق الثابت له بعنوانه الأولي بتقريب ان المقدمة لو كانت محرمة بعنوانها الأولي و توقف عليها واجب فرفع الحرمة يتوقف على قصد التوصل و اما بدونه فلا مقتضى لرفعها فتبقى بحالها و لا يلزم مثل ذلك في المقدمة المباحة فان الاباحة ناشئة من الاقتضاء فلا يزاحم بها الوجوب الناشى من اللااقتضاء

(فيقع الدخول في ملك الغير)

على مذاق المصنف‏

(واجبا اذا كان مقدمة لانقاذ غريق أو إطفاء حريق واجب فعلي لا حراما و ان لم يلتفت الى التوقف و المقدمية غاية الأمر يكون حينئذ)

أي حين عدم الالتفات الى التوقف‏

(متجريا فيه)

أي في الدخول لاعتقاد حرمته لكونه غصبا فارتكبه و هو واضح ضرورة أن المزاحمة إنما تكون بين وجوب ذى المقدمة الموقوف على المقدمة المحرمة و حرمتها و لو لم نقل بوجوب المقدمة أصلا فقصد التوصل أجنبي عن ذلك‏

(كما أنه مع الالتفات يتجرى بالنسبة الى ذى المقدمة فيما)

اذا

(لم يقصد التوصل)

به‏

(اليه)

أى الى الواجب‏

(أصلا)

و لو لاعتقاد أن الغريق لا احترام له أصلا كي ينقذه‏

(و اما اذا)

التفت و

(قصده)

أي قصد التوصل به اليه‏

(و لكنه لم يأت بها)

أي بالمقدمة المذكورة

(بهذا الداعي بل بداع آخر)

كرفع العطش‏

(و)

لكن‏

(أكده)

و قواه‏

(ب)

ضم‏

(قصد التوصل فلا يكون متجريا أصلا)

لا في المقدمة و لا في ذيها

(و بالجملة يكون التوصل بها الى ذى المقدمة من الفوائد المترتبة على المقدمة الواجبة لا أن يكون قصده قيدا و شرطا لوقوعها على صفة الوجوب لثبوت ملاك الوجوب في نفسها بلا دخل له فيه)

أي لقصد التوصل في وقوعه على صفة الوجوب‏

(أصلا و إلا لما حصل ذات الواجب و لما سقط الوجوب به كما لا يخفى و لا يقاس)

ما نحن فيه‏

(على ما اذا أتى بالفرد المحرّم منها حيث يسقط به الوجوب مع أنه ليس بواجب و ذلك لأن الفرد المحرم)

كركوب الدابة المغصوبة للحج‏

(إنما يسقط به الوجوب لكونه كغيره)

في أنه فرد من أفراد المقدمة تام في فرديته و

(في حصول الغرض به بلا تفاوت أصلا إلا أنه لأجل وقوعه على صفة الحرمة لا يكاد يقع على صفة الوجوب و هذا بخلاف)

ما

(هاهنا فانه)

أي ما لا يقصد به التوصل‏

(ان كان كغيره مما يقصد به التوصل في حصول الغرض فلا بد أن يقع على صفة الوجوب مثله)

أى مثل ما يقصد به التوصل‏

(لثبوت المقتضى فيه بلا مانع)

من حرمة و نحوها

(و إلا لما كان يسقط به الوجوب ضرورة و التالي باطل بديهة فيكشف هذا عن عدم)

157

(اعتبار قصده في الوقوع على صفة الوجوب قطعا و انتظر لذلك تتمة توضيح)

ثم ان بعض أفاضل مقرري بحث الشيخ الأنصارى ذكر فروعا لهذه المسألة منها عدم صحة صلاة من كان مكلفا بالصلاة الى أربع جوانب لو صلى الى إحداها غير قاصد للاتيان بها الى باقي الجوانب و فيه أن محل الكلام إنما هو اعتبار قصد التوصل و عدمه في المقدمات الوجودية للواجب لا المقدمة العلمية التي يكون اعتبارها في مقام الامتثال بحكم العقل و منها ما اذا كان على المكلف فائتة فتوضأ قبل الوقت من دون قصد أدائها أو قصد احدى الغايات المترتبة عليه فيما اذا جوزنا قصدها في وقت التكليف به واجبا كما هو المفروض فانه على اعتبار قصد التوصل لا يجوز الاتيان بالغايات المشروطة بالطهارة به ثم أورد عليه بأن الوضوء حقيقة واحدة لا حقايق متعددة حسب تعدد الغايات فلو أتى به لأي غاية مشروعة يترتب عليه صحة اتيان كل ما هو مشروط بالطهارة و لا يكون لاعتبار قصد التوصل ثمرة في المقام نعم يتم ذلك في الأغسال فانها ماهيات متعددة و ان اشتركت في اسم واحد و فيه أن التعدد في الأغسال إنما هو باعتبار موجباتها كالحيض و الجنابة و مس الميت لا باعتبار الغايات المترتبة عليها و لم يلتزم أحد به من هذه الجهة

(و العجب أنه)

أي الشيخ الأنصارى قده‏

(شدد النكير على القول بالمقدمة الموصلة و اعتبار ترتب ذى المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب)

الذى هو مختار صاحب الفصول ره‏

(على ما حرره بعض مقرري بحثه)

الجار متعلق بقوله شدد النكير

(بما يتوجه على اعتبار قصد التوصل في وقوعها كذلك)

أي على صفة الوجوب‏

(فراجع تمام كلامه زيد في علو مقامه و تأمل في نقضه و ابرامه)

و سيشير المصنف الى بعضها.

(و اما عدم اعتبار ترتب ذى المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب فلأنه لا يكاد يعتبر في الواجب إلا ما له دخل في غرضه الداعي الى ايجابه و الباعث على طلبه)

و إلا يلزم الجزاف‏

(و ليس الغرض من المقدمة إلا حصول ما لولاه لما أمكن حصول ذى المقدمة ضرورة أنه لا يكاد يكون الغرض إلا ما يترتب عليه من فائدته و أثره)

و إلا يلزم أن بكون كل شي‏ء غرضا من كل شي‏ء و هو باطل بالضرورة

(و لا يترتب على المقدمة إلا ذلك)

أى التمكن من قبلها على تحصيل ذى المقدمة و ليس في ذاتها أثر بالنسبة الى الواجب غير ذلك‏

(و لا تفاوت فيه)

أى في هذا الغرض الذى لا يكون في ذات المقدمة إلا هو

(بين ما يترتب عليه الواجب و ما لا يترتب عليه أصلا و انه)

أى الغرض الذى هو التمكن و الاقتدار من جهة المقدمة على الواجب‏

(لا محالة يترتب عليهما)

أى على المقدمة التي يترتب عليها الواجب و التي لا يترتب عليها

(كما لا يخفى و اما ترتب الواجب فلا يعقل أن يكون الغرض الداعي الى ايجابها)

أى المقدمة

(و الباعث على طلبها فانه ليس بأثر تمام المقدمات فضلا عن إحداها فى)

158

(غالب الواجبات فان الواجب إلا ما قل في الشرعيات و العرفيات فعل اختيارى يختار المكلف تارة اتيانه بعد وجود تمام مقدماته و اخرى عدم اتيانه)

فقد حصل في الصورة الاولى الجزء الأخير للعلة التامة و هو الاختيار فوجد الواجب و لم يحصل في الثانية فما وجد و الاختيار ليس من المقدمات التي يمكن أن يترشح الوجوب عليه لعدم كونه بالاختيار

(فكيف يكون اختيار اتيانه غرضا من ايجاب كل واحدة من مقدماته مع عدم ترتبه على تمامها فضلا عن كل واحدة منها نعم فيما كان الواجب من الأفعال التسبيبية و التوليدية كان مترتبا لا محالة على تمام مقدماته لعدم تخلف المعلول عن علته)

كفرى الأوداج بشرائطه لحصول التذكية فالترتب ليس من آثار طبيعة المقدمية بل من آثار خصوصية فيها و هي العلية التامة

(و من هنا انقدح أن القول بالمقدمة الموصلة يستلزم إنكار وجوب المقدمة في غالب الواجبات و القول)

عطف على الانكار أى يستلزم القول‏

(بوجوب خصوص العلة التامة في خصوص الواجبات التوليدية)

مع أنه ره صرح بوجوب تمام أقسام المقدمة عند ايصالها الى الواجب.

(فان قلت ما من واجب إلا و له علة تامة ضرورة استحالة وجود الممكن بدونها)

فاذا وجدت يترتب عليها المعلول لا محالة

(فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص)

.

(قلت نعم و ان استحال صدور الممكن بلا علة إلا أن مبادى اختيار الفعل الاختيارى من أجزاء علته و هي لا يكاد تتصف بالوجوب لعدم كونها بالاختيار و إلا لتسلسل كما هو واضح لمن تأمل و لأنه لو كان معتبرا فيه الترتب لما كان الطلب يسقط بمجرد الاتيان بها من دون انتظار لترتب الواجب عليها بحيث لا يبقى في البين إلا طلبه و ايجابه كما اذا لم تكن هذه بمقدمة أو كانت حاصلة من الأول قبل ايجابه مع أن الطلب لا يكاد يسقط إلا بالموافقة أو بالعصيان و المخالفة أو بارتفاع موضوع التكليف كما في سقوط الأمر بالكفن و الدفن بسبب غرق الميت أحيانا أو حرقه و لا يكون الاتيان بها بالضرورة من هذه الامور)

المسقطة للتكليف‏

(غير الموافقة)

.

(ان قلت كما يسقط الأمر بتلك الامور كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به فيما يحصل به الغرض منه كسقوط التوصليات بفعل الغير أو المحرمات)

.

(قلت نعم لكن لا محيص عن أن يكون ما يحصل به الغرض من الفعل الاختيارى للمكلف متعلقا للطلب فيما لم يكن فيه مانع و هو كونه بالفعل محرما ضرورة انه لا يكون بينهما تفاوت أصلا فكيف يكون أحدهما متعلقا له فعلا دون الآخر)

.

(و قد استدل صاحب الفصول على ما ذهب اليه بوجوه حيث قال بعد بيان أن التوصل بها الى الواجب من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب ما هذا لفظه و الذى يدلك‏

159

على هذا يعني الاشتراط بالتوصل ان وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور و أيضا لا يأبى العقل أن يقول الآمر الحكيم اريد الحج و اريد المسير الذي يتوصل به الى فعل الواجب دون ما لم يتوصل به اليه بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بمثل ذلك كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها اليه و ذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه و وجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها اليه و أيضا حيث أن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها الى الواجب و حصوله فلا جرم يكون التوصل بها اليه و حصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون مطلوبة اذا انفكت عنه و صريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لمجرد حصول شي‏ء آخر لا يريده إذا وقع مجردا عنه و يلزم منه أن يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطا بحصوله انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه و قد عرفت بما لا مزيد عليه أن العقل الحاكم بالملازمة دل على وجوب مطلق المقدمة لا خصوص ما اذا ترتب عليه الواجب فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه كما اذا كان بعض مصاديقه محكوما فعلا بالحرمة لثبوت مناط الوجوب حينئذ)

أي حين عدم المانع عن الوجوب‏

(في مطلقها و عدم اختصاصه بالمقيد بذلك)

أي بما ترتب عليه الواجب‏

(منها)

أي من المقدمات‏

(و قد انقدح منه أنه ليس للآمر الحكيم الغير المجازف بالقول التصريح بذلك و أن دعوى الضرورة قاضية بجوازه مجازفة كيف يكون ذا)

التصريح‏

(مع ثبوت الملاك في الصورتين بلا تفاوت أصلا كما عرفت نعم إنما يكون تفاوت بينهما في حصول المطلوب النفسي في إحداهما و عدم حصوله في الاخرى من دون دخل لها في ذلك أصلا بل كان بحسن اختيار المكلف و سوء اختياره و جاز للآمر أن يصرح بحصول هذا المطلوب في إحداهما و عدم حصوله في الاخرى بل حيث أن الملحوظ بالذات هو هذا المطلوب و إنما كان الواجب الغيري ملحوظا إجمالا بتبعه كما يأتي أن وجوب المقدمة على الملازمة تبعي جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسي التصريح بعدم حصول المطلوب أصلا لعدم الالتفات الى ما حصل من المقدمة فضلا عن كونها مطلوبة كما جاز التصريح بحصول الغيري مع عدم فائدته لو التفت اليها كما لا يخفى فافهم)

.

(ان قلت لعل التفاوت بينهما في صحة اتصاف إحداهما بعنوان الموصلية دون الاخرى أوجب التفات بينهما في المطلوبية و عدمها و جواز التصريح بهما و ان لم يكن بينهما تفاوت في الأثر كما مر)

.

(قلت إنما يوجب ذلك تفاوتا فيهما لو كان ذلك لأجل تفاوت في ناحية المقدمة لا فيما اذا لم يكن)

التفاوت‏

(في ناحيتها أصلا كما هاهنا ضرورة أن)

عنوان‏

(الموصلية)

ليس له دخل في المقدمية و ليس من الصفات التي تنوع المقدمة و يقسمها الى قسمين في الخارج كالأسودية و الأبيضية للانسان‏

(و إنما)

هي صفة انتزاعية

(تنتزع من وجود الواجب و ترتبه عليها من)

160

(دون اختلاف في ناحيتها و كونها)

أي و ضرورة كونها

(في الصورتين على نحو واحد و خصوصية واحدة ضرورة أن الاتيان بالواجب بعد الاتيان بها بالاختيار تارة و عدم الاتيان به كذلك)

أي بعد الاتيان بها بالاختيار تارة

(اخرى لا يوجب تفاوتا فيها)

من حيث ملاك مقدميتها

(كما لا يخفى و أما ما أفاده قده)

في الاستدلال الثالث‏

(من أن مطلوبية المقدمة حيث كانت لمجرد التوصل بها فلا جرم يكون التوصل بها الى الواجب معتبرا فيها ففيه أنه إنما كانت مطلوبيتها لأجل عدم التمكن من التوصل بدونها لا لأجل التوصل بها)

فعلا اليه كالسبب الذي يتوصل به فعلا الى المسبب قهرا و بلا اختيار

(لما عرفت من أنه)

أي التوصل فعلا

(ليس من آثارها بل مما يترتب عليها أحيانا ب)

توسيط

(الاختيار بمقدمات اخرى و هي مبادى اختياره و لا يكاد يكون مثل ذا)

أي مثل التوصل الفعلي الذي يكون الاختيار الذى لا بالاختيار جزءا أخيرا من العلة التامة

(غاية لمطلوبيتها و داعيا الى ايجابها)

إذ علمت آنفا أن ما لا يكون أثر الشي‏ء لا يمكن أن يكون غاية له‏

(و صريح الوجدان إنما يقضي بأن ما اريد لأجل غاية و تجرد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ما له دخل في حصولها يقع على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية كيف و إلا)

أي كيف و إن لم يك كذلك بل كان التجرد عن الغاية مغيرا له عما هو عليه من المطلوبية الغيرية

(يلزم أن يكون وجود الغاية من قيوده)

أي من قيود ما اريد لأجل غاية

(و مقدمة لوقوعه على نحو تكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو)

أي بالوجوب الغيرى‏

(و وجوبه)

أى وجوب الواجب النفسي الذى هو غاية للمقدمة التي اريدت لأجله‏

(و هو كما ترى)

أى كون الغاية من قيود المقدمة و مقدمة لوقوع المقدمة على نحو تكون الملازمة بين وجوبها الغيرى و وجوبها النفسي أمر مستحيل لاستلزامه الدور فان الواجب النفسي الذى هو الغاية اذا صار من قيود المقدمة يصير مقدمة للمقدمة واجبا بوجوب مترشح من المقدمة عليه و الحال أن وجوب المقدمة ناش من وجوب ذى المقدمة فلو نشأ وجوب ذى المقدمة من وجوبها لزم الدور و الى هذا أشار بقوله‏

(ضرورة أن الغاية لا تكاد تكون قيدا لذى الغاية بحيث كان تخلفها موجبا لعدم وقوع ذى الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية و إلا يلزم أن تكون)

الغاية

(مطلوبة بطلبه)

أى بطلب ذى الغاية

(كسائر قيوده)

و هذا مستحيل جدا

(فلا يكون وقوعه بهذه الصفة)

أى بالوجوب‏

(منوطا بحصولها)

أى الغاية

(كما أفاده)

صاحب الفصول‏

(و لعل منشأ توهمه خلطه بين الجهة التقييدية)

المقصودة جزء لموضوع من حيث أنه موضوع‏

(و بين)

الجهة

(التعليلية)

المقصودة لتعليل الحكم لا أنه جزء الموضوع ضرورة خروج العلة عن المعلول فجعل ما هو علة لوجوب المقدمة أى التوصل من قيود المقدمة و جزء لموضوع حكم عليه بالوجوب و بالجملة التوصل‏

161

المعتبر فى ناحية المقدمة هو التوصل الشأني بمعنى أنه لو انضم الى تلك المقدمة سائر ما له دخل فى وجود ذى المقدمة بحيث تمت العلة لتحقق ذوها و أن استحالة وجوده من طرف عدم المقدمة منتفية بوجودها فعلى هذا يكون التخلف عن مثل هذه المقدمة جائزا و لا يصير ذلك منشأ لعدم مطلوبيته‏

(هذا مع ما عرفت من عدم التخلف هاهنا)

أصلا

(و ان الغاية إنما هو حصول ما لولاه لما تمكن من التوصل الى المطلوب النفسي فافهم و اغتنم)

و هو غير متخلف و ما تخلف من عدم ترتب ذى المقدمة عليها لما لم يكن لأجل قصور فى ناحية المقدمة بل لأجل عدم تحقق العلة التامة لوجوده فليس بغاية

(ثم انه لا شهادة على الاعتبار)

أى على اعتبار الترتب‏

(فى صحة منع المولى عن مقدماته بانحائها إلا فيما اذا ترتب عليه الواجب لو سلم أصلا ضرورة انه و ان لم يكن الواجب منها حينئذ)

أى حين منع المولى عن جميع المقدمات إلا ما يترتب عليه الواجب‏

(غير الموصلة)

منها

(إلا أنه)

أى اختصاص الواجب‏

(ليس لأجل اختصاص الوجوب بها)

أى بتلك المقدمة

(فى باب المقدمة)

أى من حيث المقدمية

(بل لأجل المنع عن غيرها المانع عن الاتصاف بالوجوب هاهنا كما لا يخفى)

لأجل المضادة بين الحرمة و الوجوب‏

(مع أن فى صحة المنع عنه كذلك نظرا)

يعني لا يصح من المولى ان يمنع عن سائر المقدمات الغير الموصلة بأن يقول اريد الحج و اريد المسير الذى يترتب عليه الحج دون المسير الذى لا يترتب الحج عليه‏

(وجهه انه يلزم أن لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة و عصيانا لعدم التمكن شرعا منه)

أي من الواجب‏

(لاختصاص جواز مقدمته)

شرعا

(بصورة الاتيان به و بالجملة يلزم أن يكون الايجاب)

أي ايجاب ذى المقدمة

(مختصا بصورة الاتيان لاختصاص جواز المقدمة بها و هو محال)

أي كون الايجاب مختصا بصورة الاتيان محال‏

(فانه يكون من طلب الحاصل المحال فتدبر جيدا)

و قوله و بالجملة يلزم الخ بيان لقوله لعدم التمكن شرعا منه لأنه كان هنا مظنة سؤال و هو أن المقدمة الخاصة و هي الموصلة مقدورة للمكلف للقدرة على ايجاد قيده و هو الايصال و المفروض جوازها شرعا فلا يلزم حينئذ أن لا يكون ترك الواجب النفسي مخالفة و عصيانا، فملخص السؤال هو انه يكفي في القدرة على الواجب جواز المقدمة في الجملة و هو موجود فيما نحن فيه فدفعه المصنف بقوله و بالجملة الخ و كتب في الهامش في توضيحه ما هذا لفظه حيث كان الايجاب فعلا متوقفا على جواز المقدمة شرعا و جوازها كذلك كان متوقفا على ايصالها المتوقف على الاتيان بذى المقدمة بديهة فلا محيص إلا عن كون ايجابه على تقدير الاتيان به و هو من طلب الحاصل الباطل انتهى و تقريره انه على تقدير محرمية جميع أفراد مقدمات الواجب إلا المقدمة الموصلة فاما ان لا يأتي المكلف بالواجب فحينئذ تكون المقدمة محرمة حسب الفرض فيمتنع الواجب شرعا بامتناع مقدمته شرعا فلا يكون واجبا و اما

162

أن يأتي المكلف به فحينئذ و ان كانت المقدمة غير محرمة إلا أنه لا يصح للمولى طلب ذى المقدمة كي يترشح منه الوجوب على المقدمة ضرورة أنه طلب الحاصل فكأنه قال المولى على تقدير كونك على السطح ليصير نصب السلم مقدورا لك شرعا فكن على السطح فوجه عدم التمكن شرعا من الواجب هو لزوم طلب الحاصل و تحصيله عند صيرورة المقدمة جائزة شرعا فتأمل.

(بقي شي‏ء و هو أن ثمرة القول بالمقدمة الموصلة هو تصحيح العبادة التي يتوقف على تركها فعل الواجب بناء على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده)

كالصلاة بالنسبة الى إزالة النجاسة عن المسجد

(فان تركها)

أي ترك العبادة

(على هذا القول لا يكون مطلقا واجبا ليكون فعلها محرما فتكون فاسدة بل فيما يترتب عليه)

فعل‏

(الضد الواجب)

كترك الصلاة الذى يترتب عليه الازالة

(و مع الاتيان بها لا يكون هناك ترتب)

أي و مع الاتيان بالعبادة لا يكون هناك ترتب الازالة

(فلا يكون تركها)

أى ترك الصلاة

(مع ذلك)

أى مع عدم ترتب الازالة

(واجبا فلا يكون فعلها منهيا عنه فلا تكون فاسدة)

.

(و ربما أورد)

في التقريرات‏

(على تفريع هذه الثمرة بما حاصله ان فعل الضد)

كالصلاة

(و ان لم يكن نقيضا)

صريحا

(للترك الواجب مقدمة)

أى ترك الصلاة

(بناء على المقدمة الموصلة)

فان نقيض كل شي‏ء رفعه فنقيض الترك الواجب إنما هو ترك هذا الترك‏

(إلا أنه)

أى فعل الضد

(لازم لما هو من افراد النقيض حيث ان نقيض ذاك الترك الخاص)

حقيقة

(رفعه و هو)

أى الرفع‏

(أعم من الفعل و الترك الآخر المجرد)

فان نقيض الأخص أعم‏

(و هذا)

أى كون الشي‏ء لازما للنقيض‏

(يكفي في اثبات الحرمة)

و ليس يلزم في اثبات الحرمة كونه نقيضا صريحا

(و إلا لم يكن الفعل المطلق محرما فيما اذا كان الترك المطلق واجبا لأن الفعل ايضا ليس نقيضا للترك لأنه)

أى الفعل‏

(أمر وجودى و نقيض الترك إنما هو رفعه و رفع الترك إنما يلازم الفعل مصداقا و ليس عينه فكما ان هذه الملازمة تكفي في اثبات الحرمة لمطلق الفعل فكذلك تكفي في المقام غاية الأمر ان ما هو النقيض فى مطلق الترك إنما ينحصر مصداقه فى الفعل فقط و اما النقيض للترك الخاص فله فردان و ذلك لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده كما لا يخفى)

.

(قلت و أنت خبير بما بينهما من الفرق فان الفعل فى الأول)

أى فى مقابلة الترك المقيد

(لا يكون إلا مقارنا لما هو النقيض من رفع الترك المجامع معه)

أى مع الفعل‏

(تارة و مع الترك المجرد اخرى)

فليس الفعل عين نقيض الترك المقيد مفهوما و لا متحدا معه عينا و خارجا

(و لا يكاد يسرى حرمة الشي‏ء الى ما يلازمه فضلا عما يقارنه أحيانا)

كما فيما نحن فيه‏

(نعم لا بد أن لا يكون الملازم محكوما فعلا بحكم آخر على خلاف حكمه لا أن يكون محكوما بحكمه)

163

فيما تكون الملازمة متحققة و سيأتي توضيحه في بحث الضد

(و هذا بخلاف الفعل فى الثاني)

أى فى مقابل مطلق الترك كالقيام فى مقابل عدم القيام‏

(فانه بنفسه يعاند الترك المطلق و ينافيه)

بذاته عينا و خارجا

(لا ملازم لمعانده و منافيه فلو لم يكن)

الفعل‏

(عين ما يناقضه)

أى ما يناقض الترك‏

(بحسب الاصطلاح مفهوما)

بملاحظة انهم اصطلحوا على ان نقيض كل شي‏ء رفعه فنقيض الترك ترك الترك و هو مفهوم أعم من مفهوم الفعل‏

(لكنه متحد معه عينا و خارجا)

فترك الترك عنوان و مرآة للفعل الموجود فى الخارج الذى هو النقيض بالحقيقة

(فاذا كان الترك واجبا فلا محالة يكون الفعل منهيا عنه قطعا)

ضرورة ان محبوبية الشي‏ء لزوما يستلزم مبغوضية تركه و كذا العكس‏

(فتدبر جيدا)

و قوله فلو لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح إشارة الى ما ذكره بعض المحققين من أن الرفع المأخوذ فى تعريف النقيض فى قولهم نقيض كل شي‏ء رفعه هو القدر المشترك بين المصدر المبني للفاعل و المصدر المبني للمفعول أى الرفع بالمعنى الأعم من الرافعية و المرفوعية فعلى هذا كما يكون السلب نقيضا للايجاب لكونه رفعا له كذلك الايجاب نقيض للسلب حقيقة لكونه مرفوعا به و لكن أغمض المصنف عن هذا و سلم عدم كون الثبوت نقيضا للسلب اصطلاحا مفهوما حقيقة و لكنه يكفي فى صحة الرفع من الجانبين كون احد الطرفين نقيضا للآخر بالذات و الآخر نقيضا له بالعرض لأنه يصدق على طرف الثبوت نقيض النقيض و رفع الرفع و هذا معنى قوله لكنه متحد معه عينا و خارجا.

(و منها تقسيمه الى الأصلي و التبعي)

المناسب تقديم هذا البحث على الأمر الرابع كما لا يخفى و لعله اشتباه من الناسخ و الأمر سهل‏

(و الظاهر أن يكون هذا التقسيم بلحاظ الاصالة و التبعية فى الواقع و مقام الثبوت حيث يكون الشي‏ء)

فى الواقع و نفس الأمر

(تارة متعلقا للارادة و الطلب مستقلا للالتفات اليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه كان طلبه نفسيا او غيريا و اخرى متعلقا للارادة تبعا لارادة غيره لأجل كون إرادته لازما لارادته)

نحوا من انحاء اللزوم‏

(من دون التفات اليه بما يوجب ارادته لا بلحاظ الاصالة و التبعية فى مقام الدلالة و الاثبات فانه يكون فى هذا المقام أيضا تارة مقصودا بالافادة و اخرى غير مقصود بها على حدة إلا أنه لازم الخطاب كما فى دلالة الاشارة و نحوها و على ذلك)

أي على كون التقسيم المزبور بلحاظ الواقع و مقام الثبوت‏

(فلا شبهة فى انقسام الواجب الغيرى اليهما و اتصافه بالاصالة و التبعية كليهما حيث يكون متعلقا للارادة على حدة عند الالتفات اليه بما هو مقدمة)

كما اذا قال المولى انصب السلم و اصعد الى السطح و كن عليه‏

(و اخرى لا يكون متعلقا لها كذلك عند عدم الالتفات اليه كذلك فانه يكون لا محالة مرادا تبعا لارادة ذى المقدمة على الملازمة كما لا شبهة فى اتصاف النفسي أيضا بالاصالة و لكنه لا يتصف بالتبعية ضرورة انه لا يكاد

164

يتعلق به الطلب النفسي ما لم يكن فيه المصلحة النفسية و معها يتعلق الطلب بها مستقلا و لو لم يكن هناك شي‏ء آخر مطلوب أصلا كما لا يخفى نعم لو كان الاتصاف بهما بلحاظ الدلالة اتصف النفسي بهما أيضا ضرورة أنه قد يكون غير مقصود بالافادة بل افيد بتبع غيره المقصود بها لكن الظاهر كما مر أن الاتصاف بهما إنما هو فى نفسه لا بلحاظ حال الدلالة عليه و إلا لما اتصف بواحد منهما اذا لم يكن بعد مفاد دليل و هو كما ترى)

اللهم إلا أن يجعل المقسم مطلق الواجب بأن يقال مطلق الواجب اما اصلي كجميع الواجبات النفسية و بعض الواجبات الغيرية و اما تبعي كبعضها الآخر فتأمل‏

(ثم انه اذا كان الواجب التبعي ما لم يتعلق به إرادة مستقلة فاذا شك فى واجب أنه واجب أصلي أو تبعي فباصالة عدم تعلق إرادة مستقلة به يثبت أنه تبعي و يترتب عليه آثاره اذا فرض له آثار شرعي كسائر الموضوعات المتقومة بامور عدمية نعم لو كان التبعي أمرا وجوديا خاصا)

بسيطا

(غير متقوم بعدمي)

و غير ملتئم من مقيد و قيد حتى يكون أحد أجزائه موجودا بالوجدان و جزئه الآخر و هو القيد العدمي محرزا بالأصل‏

(و ان كان يلزمه)

أي الأمر الخاص البسيط امور عدمية كأن يقال الواجب التبعي هو خصوص ما تعلقت الارادة به تبعا و لا يكفي فيه مجرد عدم الالتفات اليه‏

(لما كان يثبت بها)

أي باصالة العدم‏

(إلا على القول بالأصل المثبت كما هو واضح)

بل إنما يثبت بها الآثار الشرعية المترتبة على نفس عدم الارادة لو كانت‏

(فافهم)

.

(تذنيب)

(فى بيان الثمرة و هي فى المسألة الاصولية كما عرفت سابقا ليست إلا أن تكون نتيجتها صالحة للوقوع فى طريق الاجتهاد و استنباط حكم فرعي)

بأن يجعل كبرى القياس‏

(كما لو قيل بالملازمة فى المسألة فانه)

يحصل حينئذ كبرى كلية و

(بضميمة مقدمة)

وجدانية و هو

(كون شي‏ء مقدمة لواجب)

بأن يقال هذا الشي‏ء مقدمة لهذا الواجب و كل مقدمة كذلك فهي واجبة

(يستنتج أنه واجب)

و لو قيل بعدم الملازمة يستنتج عدمها

(و منه قد انقدح انه ليس منها)

أي من الثمرة لمثل هذه المسألة الاصولية

(مثل برّ النذر باتيان مقدمة واجب عند نذر الواجب و حصول الفسق بترك واجب واحد بمقدماته اذا كانت له مقدمات كثيرة لصدق الاصرار على الحرام بذلك و عدم جواز أخذ الاجرة على المقدمة)

بناء على حرمة أخذها على الواجبات مطلقا لأن هذه كلها مسائل فقهية و لها ارتباط بعمل المكلف بلا واسطة و ليس فيها استنباط الحكم عن أدلته بل تطبيق الحكم المستنبط على موارده‏

(مع)

ما فى الثمرة الاولى من منع الملازمة و فى الأخيرتين من المنع راسا أما اولى ف

(ان البرّ و عدمه يتبعان قصد)

165

(الناذر فلا برّ باتيان المقدمة لو قصد الوجوب النفسي كما هو المنصرف عند إطلاقه)

بأن يقال ان الظاهر ان الناذر علق الحكم على الماهية مع قطع النظر عن جميع ما عداها

(و لو قيل بالملازمة و ربما يحصل البر به لو قصد ما يعم المقدمة و لو قيل بعدمها)

أي بعدم الملازمة كما اذا قصد الواجب و لو عقلا

(و)

اما الثانية فلأنه‏

(لا يكاد يحصل الاصرار على الحرام بترك الواجب و لو كانت له مقدمات عديدة لحصول العصيان بترك أول مقدمة لا يتمكن معه)

أي مع تركه‏

(من الواجب و لا يكون ترك ساير المقدمات بحرام أصلا لسقوط التكليف حينئذ)

فلا وجوب نفسيا حتى يترشح على سائر المقدمات حتى تكون تروكها تروكا للواجبات كي يحصل الاصرار

(كما هو واضح لا يخفى)

مضافا الى أن ترك الواجب ان كان من الكبائر فالفسق من جهة تركه و لو لم نقل بالملازمة و ان لم يكن من الكبائر فلا يكون ترك المقدمات سببا لحصول الفسق و لو قلنا بالملازمة لما قد علمت سابقا من أن الاطاعة و المعصية إنما يدوران مدار الأمر النفسي و لا تكون مخالفة الأمر الغيري بما هي هي معصية أصلا فضلا عن كونها إصرارا

(و)

اما الثالثة فلأن‏

(أخذ الاجرة على الواجب لا بأس به اذا لم يكن ايجابه على المكلف مجانا و بلا عوض)

بأن يكون العمل مملو كاللّه تعالى أو لغيره و الواجب على المكلف هو المعنى الاسم المصدري كدفن الميت فان المستفاد من الأخبار ان المؤمن قد ملك على أخيه المؤمن امورا منها الدفن و ما يتعلق به فمملوكية العمل الواجب للاخ المؤمن مجانا مانع عن أخذ الاجرة

(بل كان وجوده المطلق)

المشترك بين المجان و غيره‏

(مطلوبا كالصناعات الواجبة كفاية التي لا تكاد ينتظم بدونها البلاد و يختل لولاه معاش العباد بل ربما يجب أخذ الاجرة عليها لذلك أي لزوم الاختلال و عدم الانتظام لو لا أخذها هذا، فى الواجبات التوصلية)

التي كان الواجب فيها هو المعنى المصدري مع بقاء العمل أو المال على المملوكية و الأول كالصناعات المزبورة و الثاني كما اذا كان نفس بيع الشي‏ء بالمعنى المصدري واجبا كبيع العبد المسلم تحت يد المولى الكافر واضح لا سترة فيه‏

(و اما الواجبات التعبدية فيمكن أن يقال بجواز أخذ الاجرة على اتيانها بداعي امتثالها لا على نفس الاتيان كي ينافى عباديتها فيكون من قبيل الداعي الى الداعي)

كالاتيان بالصلاة القربى لطلب الولد أو الاستسقاء أو الحوائج الأخر المشروعة

(غاية الأمر يعتبر فيها)

أي فى العبادات الاستيجارية

(كغيرها)

من سائر موارد الاستيجار

(أن يكون فيها منفعة عائدة الى المستأجر كي لا تكون المعاملة سفهية و أخذ الاجرة)

عليها

(أكلا بالباطل)

نعم لو دل الدليل على عدم صلاحية شي‏ء مخصوص لان يكون داعيا بنحو من الأنحاء فحينئذ يكون وجوده مانعا عن الصحة كما أنه يظهر من الأخبار أنه لا يجوز دخول الرياء فى العبادة مطلقا و لو بنحو الداعي على الداعي و دعوى أنه لا يتصور توسط قصد الامتثال‏

166

الذى هو ملاك الصحة مع كون الغرض أخذ الاجرة مدفوعة بمنع ذلك ضرورة ان المكلف اذا رأى أنه لا يملك العوض إلا باتيان العمل صحيحا و هو موقوف على قصد الامتثال يقصده لا محالة كما اذا علم أن دخول الجنة أو الاحتراز عن النار موقوف على ذلك يقصده قطعا أ لا ترى ان المضطر الى بيع داره لحاجة خاصة يبيعها عن قصد و جدّ كي يملك الثمن و ان كان كارها للبيع فى حد نفسه إلا اذا كان غرضه استنقاذ الثمن عدوانا ففي المقام أيضا كذلك و لا فرق بينه و بين سائر الأغراض الدنيوية أو الاخروية و كذلك لا فرق بين أن يكون قصد القربة من قيود المأمور به أو من الامور المعتبرة فى طريق الامتثال إذ على التقديرين يكون العمل المأخوذ عليه الأجر هو الفعل المأتي به بهذا القصد فيكون داعي استحقاق الاجرة فى طول داعي أصل العبادة.

أقول هذا الجواب و ان استقر عليه رأي المصنف لكن فى النفس بعد منه شي‏ء حيث ان ترتب الدواعي إنما يكون فى الامور المتعددة فى الخارج المترتبة بعضها على بعض بحسب طباعها دائما أو غالبا و أما فيما عدا ذلك فلا، توضيحه انه اذا قال المولى لعبده أكرم زيدا لمحض علمه فاكرام العبد له الذي هو فعل واحد و إن كان يقع فى الخارج على أنحاء أربعة الإكرام للعلم فقط أو لداع آخر غيره فقط كأخذ درهم أو دينار أو لداع مركب من الأمرين المذكورين أو من أحدهما و ثالث أو من غيرهما من الدواعي المركبة او لا لداع يدعو اليه بل يقع عنه جزافا و اقتراحا و لكن الامتثال إنما يتحقق فى الصورة الاولى فقط دون الصور الثلاثة الأخيرة و دعوى أن اكرامه بداعي العلم المحض يمكن أن يقع بداعي أخذ الدراهم فيكون امتثالا كالصورة الاولى فاسدة لأنها اما خلف و اما غير حاسم لمادة الاشكال فانه يقال عليها ان محض علم زيد اما مستقل فى كونه داعيا الى اكرامه فيكون اعتبار داع آخر خلاف الفرض و اما غير مستقل بل لا بد من انضمام أخذ الدرهم اليه حتى يتم الداعي فهذا هو الاشكال الوارد فى المقام نعم فى الأفعال المتعددة المترتبة فى الخارج يتصور ذلك كما اذا قيل ان زيدا يتجر و يكتسب ليربح اشترى دارا ليسكن ليستريح أو انه يشتري الدواء ليشربه ليحصل الاسهال ليتخلص عن المرض ضرورة ان الامور المتعددة المترتبة فى الوجود الخارجي المتقدمة بحسب التصور يصح أن يقع بعضها داعيا الى بعض آخر حتى ينتهي الى المطلوب بالذات كصلاة الفريضة لدخول الجنة للخلود فى نعمها فكان لكل أمر واحد داع واحد حتى يصل الى المطلوب الأقصى و الغاية الاسنى و أما فى غير ذلك كالفعل الواحد فلا يتصور له دواع متعددة إلا بنحو الشركة و هو مناط الاشكال و بتقريب آخر ان ترتب الدواعي إنما يكون بين أشياء كان هناك علاقة لزومية بحيث يترتب بعضها على بعض فى الخارج اما دائما أو غالبا و اما اذا لم يكن كذلك بل‏

167

كان الترتب بجعل و اختراع كما فى المقام فلا يصح للزوم الدور حيث انه لا ملازمة بين الصلاة و استحقاق الاجرة لمكان التفكيك كما فى صورة التبرع عن الغير و إنما تحصل الملازمة بعد تحقق الاجارة لأجل الصلاة الصحيحة فالترتب متوقف على الاجارة و هي متوقفة على الترتب و طولية الدواعي حسب الفرض و هذا دور صريح فالذى يترجح فى النظر هو أن الاشكال إنما يرد على زعم كون العبادة متوقفة على قصد امتثال الأمر كما هو المشهور بينهم فى الفرق بين العبادة و المعاملة و ليس كذلك بل هو اشتباه حصل عن الخلط بين معنى الإطاعة و العبادة فان لفظ العبادة لم يثبت كونه حقيقة شرعية أو متشرعة فى معنى خاص بل الظاهر المستفاد من الكتاب و السنة و غيرهما بقائه على معناه اللغوى و هو التذلل و التخشع و مما يدل على ذلك أنه تعالى نهى عن السجود بقصد تعظيم غيره مع انه اذا أتى به بعينه بقصد تعظيمه له تعالى يكون محبوبا و عبادة له تعالى نعم يعتبر فى معنى الاطاعة قصد الامتثال فلو لم يقصده لم تحصل و ان حصل غرض المولى فعلى هذا ينحل الاشكال فان المستأجر إنما يأتي بالعبادة أى بما يكون خضوعا له بداعي أخذ الاجرة و كذا ينحل الاشكال فى العبادات المحرمة بأنه مع كونها عبادة كيف تكون محرمة ضرورة أن الصلاة التي حرمت على الحائض هي الأفعال المعهودة تعظيما له تعالى اذا أتت بها بعينها تمرينا لولدها و تعليما إياه و كذا ينحل الاشكال فى العبادات المكروهة فان كراهتها من جهة اتيانها بقصد التعظيم و كذا ينحل الاشكال فى العبادات التي يؤتى بها قهرا بالتهديد على النفس أو المال و الوعيد حيث أنه يأتى بها بقصد التعظيم و هذا يكفي فى كونها عبادة و لا ينحصر عبادية الشي‏ء فيما اذا أتى به بقصد امتثال أمره و كذلك قد علم مما ذكرنا صحة انقسام العبادات الى الأربعة بل الخمسة بزيادة العبادات المباحة كما نسب الى المحقق فى المعتبر من كون عبادة المرأة فى أيام الاستظهار مباحة قبالا لمن ذهب الى وجوبها أو استحبابها هذا كله بالنسبة الى الامور التي يقصد التعظيم يتبين كونها عبادة و اما الامور التي لا يتبين منها ذلك بعد ضم قصد التعظيم أيضا كالصوم و الهرولة و رمي الجمرات فنقول حينئذ انها من محققات العبادة و امارات تحققها و هي تختلف باختلاف طبائع الامم و عاداتهم بحسب الأدوار و الأكوار و منه رفع القلنسوة من الرأس عند النصارى فان مقصودهم هو التعظيم و هذا الفعل إمارة عليه و مبيّن له فليكن هذا على ذكر منك لعله ينفعك فى المقامات المتعددة ثم ان هذا كله فى الواجبات النفسية، و اما الغيرية فتتبع ذى المقدمة فى جميع ذلك قيل بوجوبها شرعا أم لا فلا مانع فيها فى نفسها من أخذ الاجرة عليها

(و ربما يجعل الثمرة)

الجاعل هو الوحيد البهبهاني‏

(اجتماع الوجوب و الحرمة اذا قيل بالملازمة فيما اذا كانت المقدمة محرمة فيبني على جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه بخلاف ما لو قيل بعدمها)

أي بعدم الملازمة فانه لا يلزم الاجتماع فيما اذا كانت‏

168

محرمة و لو قلنا بجواز الاجتماع فملخص الثمرة هو لزوم الاجتماع فى المقدمة المحرمة على القول بالملازمة دون القول بعدمها فليس هناك حينئذ إلا الحرمة فقط

(و فيه أو لا أنه لا يكون من باب الاجتماع)

الذى هو عبارة عن واحد ذا جهتين منطبقتين عليه قد حكم على كل جهة بحكم معاند لحكم جهة اخرى‏

(كي تكون مبنية عليه)

أي على جواز الاجتماع‏

(لما أشرنا اليه غير مرة ان الواجب ما هو بالحمل الشائع مقدمة)

الذى به يخرج الواجب عن الامتناع و يصير ممكن الوجود أي متعلقا لقدرة المكلف‏

(لا عنوان المقدمة)

الذى هو مقدمة بالحمل الأولي الذاتي فلا تعدد من حيث الجهة فى المسير الى الحج مثلا حتى يكون باحداهما واجبا و بالاخرى محرما و إنما يكون هناك سير واحد حرام عرض له عنوان المقدمية الذى هو حيثية تعليلية لا تقييدية مكثرة للموضوع و إلا فذات السير مع قطع النظر عن هذه الجهة التعليلية ليس فى ذاته ما يقتضي وجوبه حسب الفرض و إلا يلزم أن يكون واجبا نفسيا و هذا خلف‏

(فيكون على الملازمة من باب النهي فى العبادة و المعاملة)

أي لو صارت واجبة تكون واجبة من الجهة التي تكون منهيا عنها لوحدة الجهة نظير صلّ و لا تصل فى الحمام لا من قبيل صل و لا تغصب فلا يرد على المصنف انه من باب الاجتماع لا من باب النهي في المعاملة و العبادة فان الحج مثلا اذا كان واجبا فيكون السير لا محالة أيضا واجبا بالوجوب المقدمي فانه اذا سار فى المكان المغصوب فينطبق عليه عنوانان عنوان السير الواجب مقدمة و عنوان الغصب فيكون من باب الاجتماع كما فى كل مورد اجتمع فيه الأمر و النهي و ذلك لأنا سلمنا ان السير فى المكان المغصوب فينطبق لا نسلم انه فى حد ذاته واجب لوجود ملاكه فى ذاته و إلا يلزم أن يكون واجبا نفسيا فلو صار واجبا فلا محالة وجوبه مستند الى عروض عنوان المقدمية للحج له فيلزم حينئذ ما ذكره المصنف من كونه من باب النهي فى العبادة و المعاملة نعم اذا كانت المقدمة عبادة فحينئذ يمكن أن يقال بتعدد الجهتين فيها كالصلاة و الغصبية المجتمعتين فى الحركات و السكنات المخصوصة و بالجملة بناء على مختار المصنف من استحالة الاجتماع من بنى جواز الاجتماع فى المسألة على جواز اجتماع الأمر و النهي فقد وقع فى شبهتين الاولى شبهة تعدد العنوان بتعدد المعنون و الثانية ان تعدد كل عنوان مجد فى الاجتماع و اما فى مسئلة جواز اجتماع الأمر و النهي فلما كان تعدد المعنون محفوظا يكون الاشتباه فى أمر واحد و هو ان تعدد الجهة مطلقا مجد و لو كانت تعليلية

(و ثانيا ان الاجتماع و عدمه لا دخل له فى التوصل بالمقدمة المحرمة و عدمه أصلا فانه يمكن التوصل بها ان كانت توصلية و لو لم نقل بجواز الاجتماع)

لمكان حصول الغرض‏

(و عدم جواز التوصل بها)

أي بالمقدمة المحرمة

(ان كانت تعبدية على القول بالامتناع)

سواء

(قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه)

إلا اذا قلنا بكفاية الملاك فى صحة العبادة و لو لم‏

169

يؤمر بها

(و جواز التوصل بها على القول بالجواز كذلك أي قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه و بالجملة لا يتفاوت الحال فى جواز التوصل بها و عدم جوازه أصلا بين أن يقال بالوجوب أو يقال بعدمه)

و لقد كان أصل النسخة هكذا و ثانيا لا يكاد يلزم الاجتماع أصلا لاختصاص الوجوب بغير المحرم فى غير صورة الانحصار به و فيها اما لا وجوب للمقدمة لعدم وجوب ذى المقدمة لأجل المزاحمة و اما لا حرمة لها لذلك كما لا يخفى، و ثالثا ان الاجتماع و عدمه الخ إلا أنه قد شطب عليها فى الدورة الأخيرة من القراءة و البحث و هو كذلك ضرورة ان اختصاص الوجوب بغير المحرم فى غير صورة الانحصار به ممنوع على تقدير جواز الاجتماع‏

(كما لا يخفى)

(فى تأسيس الأصل فى المسألة)

.

(اعلم انه لا أصل فى محل البحث فى المسألة اذا شك)

فى الملازمة التي قلنا هي المسألة الاصولية و تقع نتيجتها فى طريق الاستنباط

(فان الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذى المقدمة و عدمها)

أي عدم الملازمة

(ليست لها حالة سابقة بل تكون الملازمة أو عدمها أزلية)

أي لا انفكاك بين أحدهما و بين وجوب ذى المقدمة فان وجوبه إذا وجد اما وجد مع الملازمة أو مع عدمها

(نعم نفس وجوب المقدمة)

التي هي من المسائل الفرعية تكون مسبوقا بالعدم‏

(حيث يكون حادثا بحدوث وجوب ذى المقدمة فالأصل عدم وجوبه و توهم عدم جريانه)

أى استصحاب العدم‏

(لكون وجوبها)

أى وجوب المقدمة

(بناء على الملازمة من قبيل لوازم الماهية)

مع قطع النظر عن أحد الوجودين الخارجى و الذهني‏

(غير مجعولة)

للشارع و لا لغيره بل المجعول هو الملزوم فقط و هو وجوب ذى المقدمة و وجوب مقدمته حاصل بنفس جعل وجوب ذيها

(و لا أثر آخر مجعول مترتب عليه)

كي يستصحب عدم وجوب المقدمة لأجل ذاك الأثر

(و لو كان لم يكن)

ذاك الأثر المجعول لعدم المقدمة

(بمهم هاهنا)

كبرّ النذر و اخويه على ما عرفت بل المهم هو نفس وجوبها أو عدمه‏

(مدفوع بأنه)

أى وجوب المقدمة الذى هو من قبيل لوازم الماهية

(و ان كان غير مجعول بالذات)

أى جعلا مستقلا

(لا بالجعل البسيط الذى هو مفاد كان التامة)

أى وجود الشي‏ء

(و لا بالجعل التأليفي الذى هو مفاد كان الناقصة)

أى وجود الشي‏ء شيئا ككان زيد قائما

(إلا انه مجعول بالعرض)

أى بعرض وجوب ذيها

(و بتبع جعل وجوب ذى المقدمة و هو كاف فى جريان الأصل)

كما انه لا وقع لتوهم عدم جريان الأصل المذكور لأجل عدم اثر عملي مترتب عليه فانه لا بد من اتيانها بحكم العقل سواء استصحب عدم وجوبها أم لا و ذلك لأن المراد بالأثر العملي فى باب الاستصحاب هو ما يقابل الأثر العقلي و العادى، و بعبارة اخرى كل ما هو قابل لجعل الشارع و الوجوب الشرعي المولوى و عدمه للمقدمة مما يكون قابلا للجعل الشرعي‏

170

بنحو ما كما علمته‏

(و لزوم التفكيك بين الوجوبين)

أى بين وجوب ذى المقدمة و وجوب المقدمة

(مع الشك لا محالة لأصالة عدم وجوب المقدمة مع وجوب ذى المقدمة)

مع أن العقل لا يفكك بينهما

(لا ينافى الملازمة بين)

الوجوبين‏

(الواقعيين)

كما هو وعاء حكم العقل‏

(و إنما ينافى الملازمة بين الفعليين)

و هو ليس بمستحيل كما فى مسئلة الوضوء بمائع مردد بين الماء و البول مع الغفلة حيث ان الأصل طهارة بدنه و بقاء حدثه مع الملازمة الواقعية بين الطهارة و ارتفاع الحدث‏

(نعم لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتى فى مرتبة الفعلية لما صح التمسك بالأصل)

لأن الظاهر يدفع بالقاطع حيث انه بناء على الملازمة المطلقة حتى فى مرتبة الفعلية اذا علمنا بوجوب ذى المقدمة فعلا فقد علمنا بطريق اللم وجوب المقدمة فعلا فالشك البدوي فى وجوب المقدمة فعلا يرتفع ببركة العلم بوجوب ذى المقدمة فعلا بناء على الملازمة المطلقة فلا مجرى لأصالة عدم وجوب المقدمة فعلا.

ثم انك قد علمت من مطاوي الأبحاث المذكورة فى المسألة ان محل الكلام ليس هو الوجوب العقلي بمعنى انه لا بد عند العقل من اتيان المقدمة فان انكاره مساوق لانكار المقدمية و اثباته مساوق لاثباتها و ليس المراد الوجوب العرضي بمعنى اسناد الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة أولا و بالذات و الى المقدمة ثانيا و بالعرض ضرورة عدم انكار أحد ذلك أيضا فلا بد أن يكون المراد هو الوجوب الاستقلالي المترشح من ذى المقدمة عليها كما اختاره المحقق القمي ره أو الوجوب التبعي المترشح منه و الفرق بينهما هو ان ما اختاره المحقق القمي دائر مدار الالتفات الى الى المقدمية بخلاف الثاني فانه ليس دائرا مداره بل يجتمع مع القطع بعدم المقدمية و هو الذي يظهر من كلام المصنف‏

(اذا عرفت ما ذكرنا فقد تصدى غير واحد من الأفاضل لاقامة البرهان على الملازمة و ما أتى منهم)

ببرهان‏

(واحد خال عن الخلل)

كما يظهر لمن راجع مظانه‏

(و الاولى إحالة ذلك الى الوجدان حيث انه أقوى شاهد على ان الانسان اذا أراد شيئا له مقدمات أراد تلك المقدمات لو التفت اليها بحيث ربما يجعلها فى قالب الطلب مثله)

أي مثل الشي‏ء المراد

(و يقول مولويا ادخل السوق و اشتر اللحم مثلا بديهة ان الطلب المنشأ بخطاب ادخل مثل المنشأ بخطاب اشتر فى كونه بعثا مولويا و انه حيث تعلقت إرادته بايجاد عبده الاشتراء ترشحت منها له إرادة اخرى بدخول السوق بعد الالتفات اليه و انه يكون مقدمة له كما لا يخفى)

و لا يوجد عند الوجدان فرق بينهما بأن يقال ان أحدهما مولوي و الآخر إرشادي بل يكون الأمر بدخول السوق كالأمر بالاشتراء مستقلا اذا كان فيه مصلحة التوصل‏

(و يؤيد الوجدان بل يكون من أوضح البرهان وجود الأوامر فى الشرعيات و العرفيات لوضوح انه لا يكاد يتعلق بمقدمة أمر غيري إلا اذا كان فيها مناطه)

أي مناط الأمر الغيري‏

171

و هو التوقف‏

(و اذا كان فيها)

أي فى الأوامر الغيرية فى الشرعيات و العرفيات‏

(كان فى مثلها)

مما لم يرد فيها أمر شرعا و لا عرفا

(فيصح تعلقه به أيضا لتحقق ملاكه و مناطه)

فكما ان الشخص اذا أراد بطبعه ايجاد فعل كانت له مقدمات تنبعث من نفسه من إرادة ذلك الفعل إرادة مقدماته و من محبوبيته محبوبيتها كذلك الشارع اذا أراد شيئا كذلك من المكلف بالارادة التشريعية فلو كابر المتعصب المتصلف فى هذا الأمر و قال ان الوجدان لا يحكم بذلك أصلا أو قال انه يحكم فى الارادة المتعلقة بالتكوينيات دون المتعلقة بالتشريعيات فليس لنا شي‏ء من قاطع البرهان نعتمد عليه‏

(و التفصيل بين السبب و غيره و الشرط الشرعي و غيره سيأتى بطلانه و انه لا تفاوت فى باب الملازمة بين مقدمة و مقدمة و لا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالاصل لغيره مما ذكره الافاضل من الاستدلالات و هو ما ذكره أبو الحسن البصري و هو انه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها و حينئذ فان بقى الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق و إلا خرج الواجب المطلق عن كونه واجبا و فيه بعد اصلاحه بارادة عدم المنع الشرعى من التالي فى الشرطية الاولى)

القائلة انه لو لم تجب المقدمة لجاز تركها و هو جواز الترك‏

(لا الاباحة الشرعية و إلا كانت الملازمة واضحة البطلان)

لجواز أن يحيل الشارع حكمها بما هي مقدمة الى العقل من دون أن يصرح لها بحكم من الاحكام و لا يلزم من ذلك خلو الشي‏ء عن الاحكام الخمسة التكليفية لثبوت واحد منها لها من حيث ذاتها فى نفس الامر و انما الكلام فى حكمها من حيث المقدمية

(و ارادة الترك)

أى و بعد اصلاحه بارادة الترك‏

(عما اضيف اليه الظرف لا نفس الجواز)

يعني يكون المراد من قول المستدل و حينئذ حين كان جائز الترك و ترك أيضا فى الخارج و لم يكن المراد منه حين كان جائز الترك‏

(و إلا فمجرد الجواز بدون الترك لا يكاد يوهم صدق القضية الشرطية الثانية)

ضرورة ان أحد المحذورين انما يترتب على ترك المقدمة فى الخارج لا على مجرد جوازه و ان أتى بها فى الخارج و قوله‏

(ما لا يخفى)

مبتدا خبره ما تقدم من قوله و فيه بعد إصلاحه‏

(فان الترك بمجرد عدم المنع شرعا لا يوجب صدق أحد الشرطيتين و لا يلزم أحد المحذورين فانه و ان لم يبق له)

أى لذى المقدمة

(وجوب معه)

أى مع ترك المقدمة

(إلا انه كان ذلك)

أى عدم بقاء الوجوب له‏

(بالعصيان)

ضرورة انه من المسقطات للامر و ليس عدم بقاء الوجوب له بسبب مجرد الترك مع عدم المنع شرعا

(لكونه متمكنا)

مع هذا الترك‏

(من الاطاعة و الاتيان و)

لكنه‏

(قد اختار تركه بترك مقدمته بسوء اختياره مع حكم العقل بلزوم اتيانها ارشادا الى ما فى تركها من العصيان)

لذى المقدمة

(المستتبع للعقاب)

و بالجملة فكما ان الامر يسقط بالاطاعة و ليس فى ذلك خروج الواجب عن كونه واجبا كذلك العصيان مسقط و ليس فى ذلك خروج‏

172

أصلا

(نعم لو كان المرد بالجواز)

فى تالي الشرطية الاولى‏

(جواز الترك شرعا و عقلا يلزم أحد المحذورين)

قطعا

(إلا أن الملازمة على هذا فى الشرطية الاولى ممنوعة بديهة انه لو لم يجب شرعا لا يلزم أن يكون جائز شرعا و عقلا لإمكان ان لا يكون محكوما بحكم شرعا و ان كان واجبا عقلا إرشادا و هذا واضح و اما التفصيل بين السبب و غيره فقد استدل على وجوب السبب بأن التكليف لا يكاد يتعلق إلا بالمقدور و المقدور لا يكون إلا هو السبب و انما المسبب من آثاره المترتبة عليه قهرا و لا يكون من افعال المكلف و حركاته و سكناته فلا بد من صرف الامر المتوجه اليه عنه الى سببه و لا يخفى ما فيه من انه ليس بدليل على التفصيل بل على ان الامر النفسي انما يكون متعلقا بالسبب دون المسبب)

فليس فى المقام على مقتضى هذا البرهان إلا تكليف واحد متعلق بالسبب و أين هذا من الوجوب الترشحي الثابت للمقدمة من ناحية وجوب ذى المقدمة

(مع وضوح فساده ضرورة ان المسبب مقدور المكلف و هو متمكن عنه بواسطة السبب و لا يعتبر فى التكليف ازيد من القدرة كانت بلا واسطة او معها كما لا يخفى)

و اما المقدمة الغير السببية فلا وجوب لها لعدم الدليل عليه و انت قد علمت ان الوجدان كاف لذلك و لا يحتاج الى البرهان.

(و اما التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره فقد استدل على الوجوب فى الاول بأنه لو لا وجوبه شرعا لما كان شرطا حيث انه ليس مما لا بد منه عقلا او عادة)

فالوجوب الشرعي دليل على شرطيته و من البيّن انتفاء المدلول عند انتفاء الدليل‏

(و فيه مضافا الى ما عرفت)

فى تقسيم المقدمات‏

(من رجوع الشرط الشرعي الى العقلي)

فلو اعترف هذا المفصل بكون الشرط الشرعي واجبا فقد اعترف بوجوب كل المقدمات الشرطية لوحدة ملاك الوجوب فى الكل‏

(انه لا يكاد يتعلق الامر الغيرى إلا بما هو مقدمة الواجب فلو كان مقدميته متوقفة على تعلقه)

اى الوجوب بها

(لدار و الشرطية و إن كانت منتزعة عن التكليف)

دائما و ليس هو فى حد ذاته امرا متحققا

(إلا انه)

منتزع عن شي‏ء خاص و هو

(التكليف النفسي المتعلق بما قيد بالشرط)

اى بأمر خاص يكون له دخل فى الغرض المطلوب فيتعلق الأمر به لا أن تعلق الأمر به و لو عن الغير صار سببا لصيرورته شرطا و قوله‏

(لا عن الغيري)

معناه أن الشرطية ليست منتزعة عن التكليف الغيري حتى يلزم الدور علينا أيضا كما ألزمناه على المفصل المذكور مثلا انتزاع الشرطية إنما يكون عن قول الشارع صلّ عن طهارة و هو التكليف النفسي نعم يصح أن يجعل تعلق الأمر به دليلا إنيا على كونه شرطا فقد اشتبه على هذا المستدل مقام الثبوت بمقام الاثبات و تخيل ان الأمر دليل لميّ على الشرطية بحسب نفس الأمر فافهم.

(تتمة)

(لا شبهة فى أن مقدمة المستحب)

مستحبة

(كمقدمة الواجب)

فى وجوبها به‏

173

(فتكون مستحبة)

باستحباب ذيها

(لو قيل بالملازمة)

إذ الحاكم بالملازمة و هو العقل لا يفرق بين الطلب الوجوبي و الاستحبابي لوجود ما هو ملاك الترشح و هو التوقف فى الوجوبي و الاستحبابي‏

(و اما مقدمة الحرام و المكروه فلا يكاد يتصف بالحرمة أو الكراهة إذ منها)

أي من المقدمات للحرام و المكروه‏

(ما يتمكن)

المكلف‏

(معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا كما كان متمكنا قبله)

أي قبل الاتيان بتلك المقدمة

(فلا دخل له)

أي لما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختيارا

(أصلا فى حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتهما)

و السر فى ذلك‏ (*) أن وجود المعلول عند تركب العلة من امور عديدة مستند الى وجود جميع أجزاء العلة و اما عدم المعلول فاما بارتفاع جميع الأجزاء دفعة و اما بارتفاع بعضه ضرورة ان عدم المركب انما يتحقق بأحد هذين فعدم الشي‏ء الممكن دائما مستند الى أحد هذين من غير فرق فى ذلك بين الأفعال الاختيارية و غيرها غاية الأمر انه فى الاختيارية انما يكون الجزء المعدوم من أجزاء علة الوجود هو إرادة تلك الأفعال الاختيارية اما لأجل معارض مساو لما هو الداعي الى الفعل فيصير الفاعل مترددا متحيرا فى الفعل أو أقوى منه فيرجح العدم و هذا هو المراد من قولهم ان ترك الحرام دائما مستند الى وجود الصارف عن الحرام و لا يعقل أن يتقدم على ذلك عدم جزء آخر اذا كان ذلك الجزء من الامور الاختيارية ضرورة ان عدم ذلك الجزء لا يكون إلا بوجود الصارف عن ذلك الجزء أو عدم إرادته اللازم أو الملزوم أو الملازم لعدم إرادة المعلول اما للغفلة عنه أو لترجيح عدمه لمعارض أقوى فاسبق الأجزاء بالعدم فى الأفعال الاختيارية التي لها دخل فى وجود المعلول هي الارادة المجامع عدمها مع الصارف تارة و المفارق عنه اخرى فسبب الترك فى الحرام و المكروه منحصر فى الصارف و ما يحذو حذوه من عدم إرادة الحرام و أما سائر المقدمات التي لها دخل فى وجود الحرام فلا يستند الى تركها ترك الحرام بل يمتنع استناد الترك اليها لاستناده حقيقة الى ما هو أسبق منها فى العدم فلا يكون ترك سائر المقدمات مقدمة لترك الحرام فلا وجه لوجوب تركها كي يحرم فعلها و هذا هو المراد من قول المصنف إذ منها ما يتمكن معه من ترك‏

____________

(*) و لا لأجل هذا السر قال الحكماء و المتكلمون ان التقدم بحسب الوجود تقدم بالطبع فان وجود المركب يتوقف على وجود كل جزء من أجزائه و التقدم بحسب العدم تقدم بالعلية بشرط السبق بمعنى ان عدم أي جزء سبق لا يحتاج انعدام المركب الى عدم جزء آخر فالسابق لو كان عدم جزء واحد كان هو العلة و لو كان عدمي جزءين معا لم يكن شي‏ء منهما علة تامة لعدم السبق بل كلاهما معا علة تامة.

منه دام ظله‏

174

الحرام و المكروه الخ و ليس الغرض أن مقدمة الحرام مع فرض كونها فى الواقع مقدمة لم يترشح عليه الطلب فافهم، فان قلت كثيرا ما نجد فى أنفسنا توقف ترك الحرام على فعل وجودي بحيث لو لم نشتغل به لارتكبنا الحرام فيكون ذلك الفعل مما يتوقف عليه الترك لتوقفه على بقاء الصارف المتوقف على هذا الفعل فلا يكون سبب الترك منحصرا فى الصارف عن الحرام فحينئذ يجب ذلك الفعل فيحرم تركه و قد يمثل لذلك بما اذا كان شاب أعزب فى مكان عند زانية جميلة لو لم يخرج عن المكان لارتكب الزناء، قلت لا نسلم انه يجب عليه الخروج فى هذه الصورة و انما المسلم هو حرمة البقاء فى المكان و ليس أحدهما عين الآخر ضرورة ان مقدمة إرادة الحرام هنا هو البقاء فى المكان المذكور عندها فمقدمة نقيضها ما هو نقيض لمقدمتها و هو ترك البقاء المذكور و كون الخروج مقدمة إنما يتم اذا فرض انه عين ترك البقاء أو مقدمة سببية له و كلاهما ممنوعان إذ ليس الخروج بالاضافة الى الترك للبقاء إلا كالحركة بالنسبة الى ترك السكون فكما انها ليست عين ترك السكون و لا علة له إلا على القول بالتمانع و كون عدم المانع من مقدمات وجود الممنوع و سيأتي فى مسئلة الضد بطلانه فكذلك الخروج بالنسبة الى البقاء

(نعم ما لم يتمكن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوب الترك و يترشح من طلب تركهما)

أي الحرام و المكروه‏

(طلب ترك خصوص هذه المقدمة)

غرضه ان المقدمات السببية أو الجزء الأخير من العلة التامة يترشح الحرمة عليها فان لها دخلا في حصول الحرام و المكروه فيكون مناط الحرمة أو الكراهة موجودا فيها

(فلو لم يكن للحرام مقدمة لا تبقى معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته)

لما علمت انه بتوسيط الاختيار يخرج سائر المقدمات عن المقدمية للحرام لأسبقية عدم إرادة الحرام أو عدم إرادة جزء من أجزاء العلة التامة له على سائر المقدمات فيستند ترك الحرام اليه لا الى تركها.

(لا يقال كيف يمكن)

هذا الفرض‏

(و لا يكاد يكون فعل إلا عن مقدمة لا محالة معها يوجد ضرورة أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد)

فلا محالة تنتهي سلسلة مقدمات وجود الشي‏ء الى سبب يترتب عليه على سبيل القطع و البت فحينئذ يكون كل مقدمة للمحرم محرمة.

(فانه يقال نعم لا محالة تكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام لكنه لا يلزم أن يكون ذلك من المقدمات الاختيارية)

حتى يصح أن يترشح عليه الحرمة

(بل من المقدمات الغير الاختيارية كمبادئ الاختيار الذي لا يكون بالاختيار و إلا لتسلسل فلا تغفل و تأمل)

فاذا لم يكن بالاختيار فلا يصح أن يكون متعلقا للتكليف أصلا فملخص الكلام فى المقام انه فى صورة وجود الصارف عن الحرام لا وجه لحرمة المقدمة إلا اذا علم من حاله انه لو ارتكبها يصير مقهورا فى الوقوع فى الحرام كما اذا كان له صارف عن شرب الخمر لكنه علم انه لو دخل دار

175

كذا لقهر على شربها و فى صورة عدم الصارف فهي محرمة لو كان عنوانها و عنوان المحرم صادقين على شي‏ء واحد بناء على امتناع الاجتماع كإجزاء ماء الوضوء على أعضائه الصادق عليه انه عين التصرف فى الهواء المغصوب أو الأرض المغصوبة لأنه صب الماء عليها و اما اذا كانا متفارقين فكذلك اذا كان علة تامة للحرام كإجرائه على الأعضاء فى مكان مباح يلزم منه جريانه فى الأرض المغصوبة قهرا و بلا اختيار نعم فيما لم يكن علة تامة له كما اذا كان المتوضئ متمكنا من السد و المنع عن جريانه فى المغصوب إلا أنه لا صارف له عن الحرام و ليس من عزمه عدم ترتب الحرام لا وجه لحرمتها من باب الترشح فان امتثال الحرام هنا لا يتوقف على ترك الوضوء لتمكن المكلف من امتثال الحرام بعد الوضوء أيضا فعصيانه بعد الوضوء بالاختيار لا يكون موجبا لحرمة الوضوء رشحا غاية الأمر انه على تقدير تركه يترك الحرام لا أن امتثال الحرام يتوقف على تركها فافهم و اما من باب التجري فهو خارج عن محل البحث.

(فصل الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا)

(فيه أقوال و تحقيق الحال يستدعي رسم امور)

:

(الأول الاقتضاء فى العنوان)

ليس بحسب خصوص مقام الاثبات و الدلالة بل يعم مقام الثبوت و الواقع ففي الحقيقة يكون البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضده و لو لم يكن فى البين لفظ دال على الوجوب بل إجماع أو ضرورة

(أعم من أن يكون)

الاقتضاء

(بنحو العينية)

مصداقا لا مفهوما

(أو الجزئية أو اللزوم من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين و طلب ترك الآخر أو المقدمية)

أي مقدمية الترك‏

(على ما سيظهر كما أن المراد بالضد هاهنا هو مطلق المعاند و المنافى وجوديا كان أو عدميا)

لا ما هو المصطلح عند أهل المعقول من أن الضد هو الأمر الوجودي الذي لا يجتمع مع ضده فى موضوع واحد من جهة واحدة و ذلك لأن الأقوال فى المسألة مختلفة فمنهم من ذهب الى أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن الضد و أراد الضد العام بمعنى الترك و قال ان قول المولى صلّ هو عين طلب ترك ترك الصلاة و بعضهم الى أن النهي عن الضد جزء للامر بالشي‏ء و أراد بالضد ما ذكرناه و بعضهم الى أنه لازم له اما من باب المقدمية أو من باب امتناع اختلاف المتلازمين فى الحكم و بعضهم فسر الضد بالضد العام كما أشرنا اليه و بعضهم بالضد الخاص و بعضهم أطلقوه و ما فسروه بشي‏ء مع أن الكل عنونوا المسألة بعنوان واحد و هو أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن الضد أم لا فيستكشف من وحدة العنوان أن المراد من الاقتضاء و الضد هو ما ذكرناه من الأمرين‏

176

أما الأول فلأن القول بالعينية أو الجزئية ناظر الى مقام الاثبات و مقام كيفية دلالة اللفظ مع الفراغ عن ثبوت الاقتضاء واقعا و القول الأخير سيما على الوجه الأخير ناظر الى مقام الثبوت و الواقع بل هو ظاهر فيه و اما الثاني فواضح إذ مع وجود تفسير الضد بالترك كيف يمكن أن يراد به خصوص ما هو المصطلح.

(الثاني ان الجهة المبحوث عنها فى المسألة)

(و إن كانت انه هل يكون للامر اقتضاء بنحو من الانحاء المذكورة إلا أنه لما كان عمدة القائلين بالاقتضاء فى الضد الخاص إنما ذهبوا اليه لاجل توهم مقدمية ترك الضد كان المهم صرف عنان الكلام فى المقام الى بيان الحال و تحقيق المقال فى المقدمية و عدمها فنقول و على اللّه الاتكال ان توهم توقف الشي‏ء على ترك ضده ليس إلا من جهة المضادة و المعاندة بين الوجودين)

كالسواد و البياض‏

(و قضيتها)

أي المضادة

(الممانعة بينهما)

أي بين الوجودين‏

(و من الواضحات ان عدم المانع من المقدمات)

أي من مقدمات وجود الممنوع فمنشأ التوهم أمران التمانع بين الضدين و كون عدم المانع من مقدمات وجود الممنوع‏

(و هو توهم فاسد)

وجه الفساد عند بعضهم هو منع وجوب المقدمة مع تسليم المقدمية كما عن العضدى و الحاجبي حيث أجابا عن الاستدلال بمنع وجوب المقدمة الظاهر فى تسليم المقدمية كما أجابا عن استدلال الكعبي على نفي المباح بأن ترك الحرام واجب و لا يتم إلا باتيان أحد أضداده الوجودية فيكون واجبا بمنع وجوب المقدمة أيضا و بعضهم بمنع مقدمة العدم مع تسليمه مقدمية وجود أحدهما لعدم الآخر و منهم من فصل بين ما اذا كان الضد موجودا فقال بمقدمية عدم هذا الضد لوجود الآخر لا مطلقا كالمحقق الخوانساري و وجه الفساد عند المصنف هو ممنوعية المقدمة الاولى من الاستدلال أى التمانع و إنكار المقدمية رأسا

(و ذلك لان المعاندة و المنافرة بين الشيئين لا يقتضي إلا عدم اجتماعهما فى التحقق و حيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين)

كالسواد

(و ما هو نقيض الآخر و بديله)

كاللابياض‏

(بل بينهما كمال الملاءمة كان أحد العينين مع نقيض الآخر و ما هو بديله فى مرتبة واحدة من دون أن يكون فى البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى)

فالمانع هو ما يستند اليه عدم الممنوع بحيث يصدق عليه قولنا ما يلزم من وجوده العدم بأن يكون كلمة من نشويّه أى ينشأ و يتسبب من وجوده العدم فلا بد أن يكون فى مرتبة المقتضى مع بقية الشرائط كي يستند العدم اليه و هو منتف في باب الضدين فانهما قد يكونان معدومين فيوجد أحدهما دون الآخر و لا يعقل استناد العدم السابق الى وجود الضد الموجود الحادث ضرورة استحالة تقدم الأثر على المؤثر فلا بد و ان يكون له مستند آخر و هو ليس إلا انتفاء علة وجوده أو انتفاء جزء من أجزائها و هو بعينه مستند العدم اللاحق فيما اذا كان السواد موجودا مثلا ثم يتحقق‏

177

البياض و يعدم السواد للقطع بأن السبق و اللحوق لا يوجبان الفرق بين العدمين بأن يكون مستند العدم السابق عدم العلة و مستند اللاحق وجود المانع و قوله‏

(فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما فى ثبوت الآخر كذلك فى المتضادين)

يمكن أن يكون توضيحا للبرهان السابق بالتنظير و هو واضح و يمكن أن يكون اشارة الى برهان آخر على عدم التمانع توضيحه ان حال المتضادين ليس بأزيد من حال المتناقضين من حيث التقابل فان أكمل أنحائه هو تقابل السلب و الايجاب المعبر عنه بالتناقض و هو تقابل بالذات و سائر أنحاء التقابل راجع اليه فان تقابل السواد مع البياض من جهة أن السواد فى قوة اللابياض و هو مقابل للبياض بالذات فالسواد مقابل له بالعرض و هكذا فى التضايف و العدم و الملكة، و المقابلة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم عدم أحدهما على الآخر فضلا عن غيرهما لجواز كونهما فى مرتبة واحدة كأن يكونان معلولي علة واحدة بل نقول أنه لا بد فى حصول التناقض من حفظ المرتبة و إلا فلا مناقضة أصلا ضرورة أنه يصدق على زيد مثلا فى آن واحد أنه قائم بالقيام الذي صدر منه و ليس بقائم بالقيام الذي صدر عن علة متقدمة عليه فالتضاد لا بد و أن يكون بين أمرين وجوديين كذلك فلا بد و أن يكون وجود أحدهما مع بديل الآخر الملائم له فى تلك المرتبة أيضا و إلا لم يكن بديلا له فلا يجوز أن يكون ذلك البديل فى السلسلة الطولية المتقدمة عليه كما أن قوله‏

(كيف و لو اقتضى التضاد توقف وجود شي‏ء على عدم ضده توقف الشي‏ء على عدم مانعه لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشي‏ء توقف عدم الشي‏ء على مانعه بديهة ثبوت المانعية فى الطرفين و كون المطاردة من الجانبين و هو دور واضح)

إشارة الى برهان آخر تقريره أنه لو كان عدم أحدهما مقدمة لوجود الآخر بسبب التمانع و التضاد بين العينين لكان وجود أحدهما أيضا مقدمة لعدم الآخر لمكان ملاك المقدمية و هو التضاد و التمانع بل هو أولى بالمقدمية فان توقف فعل المأمور به على ترك الضد من قبيل توقف المشروط على الشرط من حيث أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط و لكن لا يلزم من وجوده وجوده فان ترك الضد قد يتحقق و لا يتحقق الضد الآخر لأجل وجود الصارف عنه و توقف ترك الضد على فعل المأمور به من قبيل توقف المسبب على السبب حيث انه مستلزم له ضرورة استلزام فعل المأمور به لترك الضد الخاص و التوقف على المقدمة السببية أولى و أوضح و هذا هو الدور

(و ما قيل فى التفصي عن هذا الدور)

القائل هو المحقق الخونساري‏

(بأن هذا التوقف من طرف الوجود فعلي)

يعني وجود أحد الضدين يتوقف فعلا على عدم الضد الآخر

(بخلاف التوقف من طرف العدم)

فانه ليس بفعلي بل شأني لجواز أن لا يوجد مقتض لوجوده و لا أقل من عدم إرادة المكلف فعل الضد فعدم الضد حينئذ مستند الى عدم المقتضى لا الى المانع الذي‏

178

هو وجود الضد الآخر و اليه أشار المصنف بقوله‏

(فانه يتوقف على فرض ثبوت المقتضى له مع شراشر شرائطه غير عدم وجود ضده)

أي عدم الضد انما يتوقف فعلا على وجود الضد الآخر على فرض ثبوت المقتضى لوجود الضد مع ثبوت جميع الشرائط غير عدم وجود ضده‏

(و لعله)

أي ثبوت المقتضى مع شراشر شرائطه غير عدم وجود ضده‏

(كان محالا لأجل انتهاء عدم وجود أحد الضدين مع وجود الآخر الى عدم تعلق الارادة الأزلية به و تعلقها بالآخر حسبما اقتضته الحكمة البالغة فيكون العدم دائما مستندا الى عدم المقتضى فلا يكاد يكون مستندا الى وجود المانع)

و هو وجود الضد الآخر

(كي يلزم الدور)

.

(ان قلت هذا)

أي التغاير بالشأنية و الفعلية

(اذا لوحظا)

أي لوحظ وجود أحد الضدين و عدم الضد الآخر

(منتهيين الى إرادة شخص واحد و اما اذا كان كل منهما متعلقا لإرادة شخص فأراد مثلا أحد الشخصين حركة شي‏ء و أراد الآخر سكونه فيكون المقتضى لكل منهما حينئذ موجودا فالعدم لا محالة يكون فعلا مستندا الى وجود المانع)

فيلزم الدور حينئذ.

(قلت هاهنا)

أي فى المقام الذى يكون كل منهما متعلقا لارادة شخص‏

(أيضا مستند)

عدم أحدهما

(الى عدم قدرة المغلوب منهما فى إرادته)

بالنسبة الى إرادة الآخر القوي الغالب‏

(و هي)

أى القدرة

(مما لا بد منه فى وجود المراد و لا يكاد يكون)

أى يتحقق المراد

(بمجرد الارادة بدونها)

أى بدون القدرة

(لا الى وجود لضد)

أى لا أن عدم أحدهما مستند الى وجود الضد

(لكونه)

أى وجود الضد

(مسبوقا بعدم قدرته)

على ايجاد مراده أى الضد الآخر

(كما لا يخفى غير سديد)

خبر لقوله و ما قيل فى التفصى‏

(فانه و ان كان قد ارتفع به)

أى بالتفاوت بالفعلية و الشأنية

(الدور إلا أن غائلة لزوم توقف الشي‏ء على ما يصلح أن يتوقف عليه على حالها)

باق إذ العقل كما يحكم باستحالة توقف الشي‏ء على ما يتوقف فعلا عليه كذلك يحكم باستحالة توقف الشي‏ء على ما يصلح أن يتوقف عليه‏

(لاستحالة أن يكون الشي‏ء الصالح لأن يكون موقوفا عليه)

أى على الشي‏ء اريد بالضمير الراجع الى الشي‏ء شي‏ء آخر على سبيل الاستخدام‏

(موقوفا عليه)

الجار هنا نائب فاعل لقوله موقوفا

(ضرورة انه لو كان فى مرتبة يصلح لأن يستند اليه)

و يصح أن يكون موقوفا عليه و متقدما

(لما كاد يصح أن يستند فعلا اليه)

و يكون متأخرا و هو محال فانه عبارة اخرى عن كون الشي‏ء المتأخر صالحا لأن يتقدم على ما هو متقدم عليه و هذا اعتراف بامكان الدور فافهم. و لما كان هنا مظنة سؤال و هو انه قد قرر فى محله ان صدق القضية الشرطية انما هو بصدق الربط بين المقدم و التالي لا بصدق الطرفين و لهذا قد تتركب من كاذبتين نحو قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا اذا عرفت هذا فنقول يصدق هاهنا انه لو كان المقتضي لوجود أحد الضدين موجودا

179

بشراشر شرائطه غير عدم وجود ضده لكان عدمه حينئذ لا محالة مستندا الى وجود الآخر لكنه لا يستلزم صدق التالي و هو كون وجود الضد مما يصلح أن يكون موقوفا عليه كي يلزم غائلة لزوم توقف الشي‏ء على ما يصلح ان يتوقف عليه لعدم استلزام صدق الربط صدق التالي فأجاب عنه بقوله‏

(و المنع عن صلوحه لذلك بدعوى ان قضية كون العدم مستندا الى وجود الضد لو كان مجتمعا مع وجود المقتضي و ان كانت صادقة إلا ان صدقها لا يقتضي كون الضد صالحا لذلك لعدم اقتضاء صدق الشرطية صدق طرفيها مساوق لمنع مانعية الضد و هو يوجب رفع التوقف رأسا من البين ضرورة انه لا منشأ لتوهم توقف احد الضدين على عدم الآخر إلا توهم مانعية الضد كما اشرنا اليه و صلوحه لها)

توضيح الجواب ان ما ذكرته من عدم توقف صدق الشرطية على صدق المقدم و لا على صدق التالي بل على صدق الربط مسلم بحسب طبيعة القضية الشرطية من حيث هي هي إلا ان خصوصية المقام اقتضت صدق التالي لا ان القضية الشرطية بطبعها اقتضت ذلك فانه لو لم يكن الضد صالحا للمانعية عن وجود الضد الآخر مع تحقق المقتضي المذكور يلزم ان لا يكون الضد مانعا فان عدم اللازم يكشف عن عدم الملزوم و اذا لم يكن مانعا فلا توقف اصلا لا من طرف الوجود و لا من طرف العدم و هذا خلف و قد علق المصنف فى هذا المقام تعليقا هذا لفظه مع ان حديث عدم اقتضاء صدق الشرطية لصدق طرفيها و ان كان صحيحا إلا ان الشرطية هنا غير صحيحة فان وجود المقتضى للضد لا يستلزم بوجه استناد عدمه الى ضده و لا يكون الاستناد مترتبا على وجوده ضرورة ان المقتضى لا يكاد يقتضي وجود ما يمنع عما يقتضيه اصلا كما لا يخفى فليكن المقتضى لاسناد عدم الضد الى وجود ضده فعلا عند ثبوت مقتضى وجوده هي الخصوصية التي فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه كما هو الحال فى كل مانع و ليست فى الضد تلك الخصوصية كيف و قد عرفت انه لا يكاد يكون مانعا إلا على وجه دائر نعم انما المانع عن الضد هو العلة التامة لضده لاقتضائها ما يعانده و ينافيه فيكون عدمه كوجود ضده مستندا اليها فافهم انتهى كلامه، حاصله ان الجواب المذكور فى المتن مبني على تسليم الربط و الملازمة المستفادة من الشرطية المذكورة و الاغماض عما فيه، و لنا ايضا ان نمنع صدق الربط فى الشرطية القائلة بأنه لو كان وجود المقتضى لأحد الضدين ثابتا لكان وجود الضد الآخر مانعا عنه بأن نقول ان كون وجود الضد الآخر مانعا ليس من آثار وجود المقتضى لأحد الضدين و مترتبا عليه و انما المقتضي من شأنه و آثاره طلب وجود المقتضى بالفتح و استدعائه له و المانعية انما جاءت من قبل العلة التامة للضد الآخر لاقتضائها الضد الآخر الذى يعاند و ينافى الضد فلا تكون هذه الشرطية صادقة و قوله:

(ان قلت التمانع بين الضدين كالنار على المنار بل كالشمس فى رابعة النهار و كذا كون)

180

(عدم المانع مما يتوقف عليه مما لا يقبل الانكار فليس ما ذكر إلا شبهة فى مقابل البديهة)

اشكال على منع التمانع بين المتضادين.

(قلت التمانع بمعنى التنافى و التعاند الموجب لاستحالة الاجتماع مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه)

يعني ان القدر الضرورى هو كون احد الوجودين مانعا عن الآخر الذى فى عرضه و مرتبته المقتضي لكون بديله ايضا فى مرتبته‏

(إلا انه لا يقتضي إلا امتناع الاجتماع و عدم وجود أحدهما إلا مع عدم الآخر الذى هو بديل وجوده المعاند له فيكون فى مرتبته لا مقدما عليه و لو طبعا و المانع الذى يكون موقوفا عليه الوجود هو ما كان ينافى و يزاحم المقتضى فى تأثيره لا ما يعاند الشي‏ء و يزاحمه فى وجوده نعم العلة التامة لأحد الضدين ربما يكون مانعا عن الآخر و مزاحما لمقتضيه)

بالكسر

(فى تأثيره مثلا يكون شدة الشفقة على الولد الغريق و كثرة المحبة له يمنع عن ان يؤثر ما فى الأخ الغريق من المحبة و الشفقة لارادة إنقاذه مع المزاحمة فينقذ الولد دونه فتأمل جيدا و مما ذكرنا)

فى تحقيق معنى الممانعة و عدم كون عدم الضد من مقدمات وجود الضد الآخر

(ظهر انه لا فرق بين الضد الموجود و المعدوم فى ان عدمه)

أى عدم الضد

(الملائم للشي‏ء المناقض لوجوده المعاند لذلك لا بد ان يجامع معه من غير مقتض لسبقه)

بمقتضى الدليل الأول‏

(بل قد عرفت ما يقتضي عدم سبقه)

بمقتضى الدليل الثاني‏

(فانقدح بذلك ما فى تفصيل بعض الأعلام)

و هو المحقق الخوانساري‏

(حيث قال بالتوقف)

أى توقف وجود احد الضدين‏

(على رفع الضد الموجود و عدم التوقف على عدم الضد المعدوم)

و هو فى الحقيقة تفصيل بين الرفع و الدفع فاعترف بالتوقف فى صورة الرفع دون الدفع و بذلك لعله يرتفع الدور الذى يلزم فى مقدمية عدم الضد لوجود الضد الآخر فانا اذا فرضنا وجود السواد فى محل كان وجود البياض موقوفا على رفعه لمكان التضاد و اما وجود السواد فى ذلك المحل لم يكن موقوفا على عدم البياض لأن هذا العدم سابق على علة السواد المقارن معها فلا توقف من الطرف الآخر فلا دور و ذلك لما قد علمت مما حققناه آنفا من ان مستند عدم احد الضدين ليس إلا انتفاء علة وجوده او انتفاء جزئها و السبق و اللحوق لا يوجبان الفرق بأن يصير مستند العدم السابق عدم العلة و مستند اللاحق وجود المانع و قد يقال فى بيان هذا التفصيل ان الموضوع اذا حل فيه احد الضدين فلا يكون قابلا لحلول الضد الآخر إلا بعد ارتفاعه فحينئذ يكون وجوده متوقفا على عدم الضد الموجود بخلاف ما اذا لم يكن واحد منهما موجودا و كان المحل خاليا عن كل واحد منهما فان قابليته لحلول كل منهما متحقق من غير توقف على شي‏ء فاذا وجد المقتضى لاحدهما فلا محالة يصير موجودا و الجواب عنه أنه إنما يتم على مذهب من قال إن الحادث فى بقائه غير محتاج إلى المؤثر و المحقق الخونساري‏

181

لا يرى ذلك بل ذهب إلى استحالته فلا يصح هذا التقريب توضيحه ان البياض مثلا إذا وجد و بنينا على أن الحادث فى بقائه لا يحتاج إلى المؤثر فلا محالة يكون وجود السواد متوقفا على ارتفاعه و اما إذا بنينا على استحالة ذلك ضرورة ان مناط الافتقار إلى المؤثر هو الامكان و هو مشترك بين الحدوث و البقاء فلا محالة ان المحل كما يكون قابلا لبقاء الضد الموجود فى الآن الثانى فكذلك قابل لعروض الضد الآخر فكل منهما مفتقر إلى المقتضي فى الآن الثانى و إذا فرض وجود المقتضي للبياض يستحيل وجود المقتضي للسواد فيكون معدوما و بالجملة حال البقاء بعد تسليم احتياجه إلى المؤثر حال الحدوث فكما أن العدم فى الحدوث ليس مقدمة فليس مقدمة فى مقام البقاء أيضا

(فتأمل فى أطراف ما ذكرناه فانه دقيق و بذلك حقيق فقد ظهر عدم حرمة الضد من جهة المقدمية)

التي هي مبنى أحد الاستدلالين فى الباب‏

(و اما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين فى الوجود فى الحكم)

التي هي مبنى استدلالهم الآخر

(فغايته أن لا يكون أحدهما فعلا محكوما بغير ما حكم الآخر به لا أن يكون محكوما بحكمه)

لجواز خلو الواقعة عن الحكم‏

(و عدم)

جواز

(خلو الواقعة عن الحكم)

و هو اما حكم الضد فهو المطلوب و اما غيره فيجي‏ء الاختلاف المذكور

(فهو انما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضا بل على ما هو عليه لو لا الابتلاء بالمضادة للواجب الفعلي من الحكم الواقعي)

فربما يكون الضد محبوبا عند المولى إلا أن محبوبية الضد الآخر عنده و بعثه اليه يمنعه أن يبعث اليه أيضا و ذلك لا يستلزم كونه مبغوضا عنده حتى ينتهي عنه و ان كنت فى ريب من ذلك فوازن بين بعث المولى و بين انبعاث من نفسك نحو الضد فانك تجد فى نفسك ان انبعاث نفسك نحو الضد ربما لا يستلزم مبغوضية الضد الآخر بل ربما يكون محبوبا أيضا لكن المضادة قد منعت عن انبعاثها اليه فلو لا هذه المضادة لكانت تنبعث اليه أيضا.

(الأمر الثالث انه قيل بدلالة الأمر بالشي‏ء بالتضمن على النهي عن الضد العام)

(بمعنى الترك حيث انه يدل على الوجوب المركب من)

جنس و هو

(طلب الفعل)

و فصل‏

(و)

هو

(المنع عن الترك و التحقيق انه لا يكون الوجوب إلا طلبا بسيطا و مرتبة وحيدة أكيدة من الطلب لا مركبا من طلبين)

طلب الفعل و طلب المنع من الترك مدلولا تضمنيا

(نعم فى مقام تحديد تلك المرتبة)

الوحيدة الأكيدة

(و تعيينها ربما يقال الوجوب يكون عبارة عن طلب الفعل مع المنع من الترك و يتخيل منه انه يذكر له حدا)

تاما مركبا من الجنس و الفصل‏

(فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب و مقوماته)

لما قد علمت من بساطة الكيفية القائمة بالنفس‏

(بل من خواصه و لوازمه بمعنى انه لو التفت الآمر الى الترك لما كان راضيا به لا محالة و كان يبغضه البتة و من هنا)

أي و من إبطال الدلالة التضمنية

(انقدح انه لا وجه لدعوى)

182

(العينية ضرورة ان اللزوم يقتضي الاثنينية)

مقام الملزوم و مقام اللازم‏

(لا الاتحاد و العينية)

و محال أن يكون اللازم فى مرتبة الملزوم‏

(نعم لا بأس بها)

أي بالعينية

(بأن يكون المراد بها أن يكون هناك طلب واحد و هو كما يكون حقيقة منسوبا الى الوجود و بعثا اليه كذلك يصح أن ينسب إلى الترك بالعرض و المجاز و يكون زجرا و ردعا عنه فافهم)

و هذا غير ما يكون الخصم بصدده و الوجدان يشهد بصدق مقالة المصنف حيث ان الانسان اذا راجع وجدانه حين الأمر بشي‏ء لا يجد من نفسه إلا شيئا واحدا و هو الشوق المؤكد نحو الفعل و لم يجد من نفسه زجرا و طردا عن تركه ابتداء.

(الأمر الرابع تظهر الثمرة فى ان نتيجة المسألة)

(و هي النهي عن الضد بناء على الاقتضاء بضميمة ان النهي فى العبادات يقتضي الفساد ينتج فساده)

أي فساد الضد

(اذا كان عبادة)

كالصلاة بالنسبة الى إزالة النجاسة عن المسجد

(و عن البهائي ره انه أنكر الثمرة بدعوى انه لا يحتاج فى استنتاج الفساد الى النهي عن الضد بل يكفي عدم الأمر به لاحتياج العبادة الى الأمر)

و لا أمر فى صورة الأمر بالضد الآخر فيقع الضد فاسدا

(و فيه انه)

قد ظهر مما ذكرنا سابقا انه ربما يكون كلّا من الضدين محبوبا و مطلوبا لكن عند طلب أحدهما لا يطلب الآخر و لا يبعث اليه لكون الضد المأمور به ممانعا عنه.

و مجرد ذلك لا يوجب مبغوضيته فهو على ما هو عليه من الرجحان و

(يكفي مجرد الرجحان و المحبوبية للمولى كي يصح ان يتقرب به منه كما لا يخفى و الضد بناء على عدم حرمته يكون كذلك فان المزاحمة على هذا لا يوجب إلا ارتفاع الأمر المتعلق به فعلا مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة كما هو مذهب العدلية أو غيرها)

أي غير المصلحة

(أي شي‏ء كان كما هو مذهب الأشاعرة)

النافين للمصالح و المفاسد الكامنة فى ذات المأمور به و المنهي عنه‏

(و عدم حدوث ما يوجب مبغوضيته و خروجه عن قابلية التقرب به كما حدث)

الخروج عن قابلية التقرب‏

(بناء على الاقتضاء)

نعم لو انحصر صحة التقرب به فى وجود الأمر فعلا بأن يكون معنى التقرب هو خصوص قصد امتثال الأمر أمكن أن يقال بمقالة البهائي ره و أنى لنا باثباته و قد سبق انه لا دليل على اعتبار قصد امتثال الأمر فى امتثال المأمور به العبادي و انما المعتبر هو قصد التقرب به اليه تعالى‏

(ثم انه تصدى جماعة من الأفاضل)

منهم المحقق الثاني و كاشف الغطاء

(لتصحيح الأمر بالضد بنحو الترتب على العصيان و عدم إطاعة الأمر بالشي‏ء بنحو الشرط المتأخر أو البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدم أو المقارن)

كان يقول أزل النجاسة عن المسجد فان عصيت أو عزمت على المعصية فصلّ‏

(بدعوى انه لا مانع عقلا عن تعلق الأمر بالضدين كذلك أى بأن يكون الامر بالاهم مطلقا و الامر بغيره معلقا على عصيان)

183

(ذاك الامر أو البناء و العزم عليه بل هو واقع كثيرا عرفا)

قال فى كشف الغطاء فى مقدمات الكتاب فى مسئلة الضد و تعلق الامر بالضدين ابتداء غير ممكن للزوم التكليف بالمحال و لو أتى بفرد من الموسع فى وقت المضيق الذى لم يقم فيه دليل التخصيص صح اما ما قام فيه دليل كرمضان لصومه و وقت صلاة الفرائض اليومية مع الضيق لغيرها من الصلوات على الأقوى بطل و لو تضيقا معا بالعارض تخير مع المساواة و قدم الراجح مع الترجيح بحقيقة المخلوق أو شدة الطلب و يرجع الاول الى الثاني لان انحصار المقدمة بالحرام قبل شغل الذمة لا ينافى فى الصحة و ان استلزم المعصية و أى مانع من أن يقول الآمر المطاع لمأموره اذا عزمت على معصيتي فى ترك كذا فافعل كذا كما هو أقوى الوجوه فى حكم جاهل الجهر و الاخفات و القصر و الاتمام فاستفادته من مقتضى الخطاب لا من دخوله تحت الخطاب فالقول بالاقتضاء و عدم الفساد أقرب الى الصواب انتهى محل الحاجة، و قوله و تعلق الأمر بالضدين ابتداء غير ممكن أي من غير اعتبار العزم على المعصية بالنسبة الى أحدهما و إلا يلزم مناقضة لكلامه قده أخيرا و معنى قوله فاستفادته من مقتضى الخطاب لا من دخوله تحت الخطاب هو ان الترتب المذكور مقتضى الجمع بين الخطابين المطلقين لا أن الخطابات بالضدين وردت على الوجه المذكور و توضيحه ان مقتضى إطلاق كل من الخطابين هو مطلوبية متعلقه سواء كان مع طلب ضده أم لا فمقتضى إطلاقهما كذلك وجوب كل منهما كذلك و لما كان هذا ممتنعا عند العقل فلا بد من سقوط الاطلاقين اذا لم يكن أهم و مهم فى البين و يثبت التخيير و اما اذا كان فى البين أهم و مهم فالعقل بملاحظة ان مطلوبية المهم لم يكن فى مرتبة مطلوبية الأهم يحكم بتقييد الأمر المطلق بالمهم بعصيان الأهم و تركه أو بعزمه فلا يكون المهم مطلوبا مع اتيان الأهم و اما عدم مطلوبية المهم مطلقا فلا دليل عليه بل سقوطه مطلقا بلا موجب محال فلا بد من الاقتصار فى السقوط على القدر الثابت من العقل و هو ما ذكر فتبين مما ذكرنا ان حاصل استدلالهم على جواز الترتب مضافا الى وقوعه كثيرا فى الشرعيات و العرفيات هو ان طلب الضدين انما هو من لوازم إطلاق الخطابين لأنفسهما و هذا المحذور مندفع بسقوط أحدهما و لا يلزم سقوط أصل الخطاب بأحدهما و حيث ان المفروض فى المقام هو التفاوت بالأهمية و المهمية فيبقى الأهم على إطلاقه و يكون الساقط هو إطلاق خطاب المهم فتكون النتيجة هو اشتراط خطاب المهم بعصيان خطاب الأهم أو بعزمه فيكون وقوع المتعلقين على صفة المطلوبية على نهج المنفصلة (*) الحقيقة فان‏

____________

(*) كالوجوب التخييري حيث انه نحو وجود ضعيف للوجوب ثابت لكل من العدلين فى حال عدم نفسه و عدم العدل الآخر و لا يكون قويا كالتعييني حيث انه ثابت فى حال عدم الواجب و عدم ضده و وجود ضده فكما ثبت فعلية الوجوب لكل واحد من العدلين فى التخييري-

184

الأمر بالأهم اذا امتثل يستحيل وقوع المهم على صفة المطلوبية و على تقدير العصيان يستحيل اتصاف الأهم بها فيستحيل وقوعهما معا على صفة المطلوبية فلا يلزم حينئذ محذور طلب المتضادين هذا غاية تهذيب الكلام فى المقام.

(قلت ما هو ملاك استحالة طلب الضدين فى عرض واحد آت فى طلبهما كذلك فانه و ان لم يكن فى مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما إلا أنه كان فى مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما بديهة فعلية الأمر بالأهم فى هذه المرتبة و عدم سقوطه بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها)

عطف على قوله المعصية أي و عدم سقوطه بمجرد العزم على المعصية

(مع فعلية الامر بغيره أيضا لتحقق ما هو شرط فعليته فرضا)

و هو عصيان الامر بالازالة بفعل الضد الذي هو الصلاة أو عزمه، توضيحه ان مقتضى صريح كلامهم كون الشرط فى تعلق الامر بغير الاهم هو العزم على معصية الامر النفسي المتعلق بالاهم على نحو الشرط المتقدم أو المقارن أو المعصية التي يكون ظرف تحققها الزمان المستقبل على نحو الشرط المتأخر و من المعلوم بقاء الامر و عدم ارتفاعه مع العزم على المعصية لاستحالة اناطة التكليف الالزامي على إرادة المكلف و عزمه مع ان الامر بالاهم انما يقتضي عدم عصيانه لا عدم العزم على عصيانه و هو واضح فالمسلم بينهم سقوطه بنفس تحقق المعصية كسقوطه بتحقق الاطاعة أو بارتفاع الموضوع فمخالفة الامر بالاهم لا يتحقق إلا بالشروع فى غير الاهم و الفرض ان الشروع فيه على وجه الاطاعة و الامتثال الذي هو فرع تحقق الامر به لا يمكن إلا بعد تحقق مخالفة الامر بالاهم قبله لان الفرض عدم تعلق الامر بغير الاهم إلا بعد تحقق مخالفته و ليس هاهنا زمان يفرض فيه المخالفة للاهم حتى يتحقق فيه الامر بغير الاهم ليتمكن من الشروع فيه على وجه الاطاعة فيكون الطلبان فى زمان واحد فى مرتبة واحدة و هي مرتبة التكليف بغير الاهم و هذا هو التكليف بالمحال و دعوى تقدم العصيان على خطاب المهم و امتثاله ذاتا و التقدم الزماني ليس بشرط فمما لا يلتزم بهما فى المقام عاقل فضلا عن فاضل فان التقدم الذاتى انما يتصور بين موجودين متميزين فى الخارج المعين فى الزمان كحركة اليد و حركة المفتاح لا فى موجود واحد ينتزع منه عنوان آخر كالصلاة التي انما ينتزع منها عنوان العصيان و ليسا موجودين في الخارج المعين في الزمان و لكن العقل يحكم بتقدم أحدهما على الآخر واقعا و ان اتحدا زمانا فانه يحكم بأنه حركت اليد فحرك المفتاح و لا يحكم بأنه حرك المفتاح فحركت اليد ثم ان تقدم الخطاب على امتثاله ذاتا أمر عجيب فان التقدم الذي يكون ذاتيا انما يكون في المعلولات المترتبة على عللها قهرا إلا في‏

____________

- و لا يلزم منه محال فكذلك فى الواجب المطلق كالإزالة و واجب مشروط بعدمها كالصلاة فى آن واحد. منه دام ظله‏

185

مثل الخطاب و الامتثال الذي هو موقوف على إرادة المكلف اتيان متعلق الامر فتأمل في المقام فانه حقيق به‏

(لا يقال نعم)

يعني سلمنا لزوم طلب الضدين في هذه المرتبة

(و لكنه بسوء اختيار المكلف حيث يعصى فيما بعد بالاختيار فلولاه)

أي لو لا عصيانه فيما بعد بسوء الاختيار

(لما كان متوجها اليه إلا الطلب بالأهم و لا برهان على امتناع الاجتماع اذا كان بسوء الاختيار)

و انما الممتنع هو توجيه التكليف بالمتضادين اذا لم يكن توسيط اختيار المكلف فى البين بأن لا يكون له مناص و هنا ليس كذلك لأن له مناص باتيان الأهم‏

(فانه يقال استحالة طلب الضدين ليس إلا لأجل استحالة طلب المحال و استحالة طلبه من الحكيم الملتفت الى محاليته لا يختص بحال)

كعدم سوء الاختيار

(دون حال)

كسوء الاختيار و لا يرفع الاستحالة التعليق على الفعل الاختياري‏

(و إلا لصح فيما علق على أمر اختياري فى عرض واحد بلا حاجة فى تصحيحه الى الترتب مع انه محال بلا ريب و لا اشكال)

و المولى الغافل عن المضادة و ان كان يمكن ان ينقدح فى نفسه بعثان و تحريكان إلا أنه حينئذ يكون أحدهما لغوا لوجود المانع عن ترتب أثره عليه و لذا لو التفت الى المضادة لارتدع عن أحدهما و حديث الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار أجنبي عن المقام فان معناه ان المكلف فى صورة تنجز التكليف عليه لو صيّره محالا على نفسه و لو بترك مقدمة من مقدماته عمدا لا يسقط عنه العقاب و ليس معناه ان كون الشي‏ء اختياريا على المكلف فى زمان يصحح أمر المولى به و ان كان فعلا محالا عليه.

(ان قلت فرق بين الاجتماع فى عرض واحد و الاجتماع كذلك)

أي مرتبا بالترتب المذكور

(فان الطلب فى كل منهما فى الأول يطارد الآخر)

فلا يمكن من الآمر إرادة الجمع بينهما

(بخلافه فى الثاني فان الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم فانه يكون على تقدير عدم الاتيان بالأهم فلا يكاد يريد)

المولى‏

(غيره)

أي غير الأهم‏

(على تقدير اتيانه و عدم عصيان أمره)

فكان الجمع بينهما فرضا محالا موجبا للتفريق بين التكليفين لانتفاء ما علق عليه الثاني منهما فلا يريده و الحاصل انه انما يراد الجمع لو لم يلزم من فرضه انتفاء الأمر بأحدهما كما فيما اذا لم يكن بين التكليفين ترتب.

(قلت ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم و هل يكون طرده له إلا من جهة فعليته و مضادة متعلقه للاهم و المفروض فعليته و مضادة متعلقه له و عدم إرادة غير الأهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه)

أي عدم طرد طلب غير الأهم لطلب الأهم‏

(مع تحققه)

أي تحقق طلب غير الأهم‏

(على تقدير عدم الاتيان به)

أي بالأهم‏

(و عصيان أمره فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين)

فالمطاردة فى مرتبة الأمر بغير الأهم متحققة و كيف لا يلزم و الأهم منهما مراد على كل حال و الآخر صار

186

بسبب تنجز أمره حين عزمه على عصيان الأمر بالأهم أو عصيانه على نحو الشرط المتأخر مرادا أيضا و ما ذكرنا من عدم وقوعهما مرادا لو فرض محالا جمعهما كان اشكالا آخر يختص به مسئلة الأمر بالضدين على نحو الترتب و حاصله عدم وقوعهما على نحو الاطاعة لأمرهما مع تنجزه و فعلية التكليف بهما

(مع انه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم)

كما هو مسلم عند المعترض فى الاستحالة لو سلمنا عدم الطرد من طرف غير الأهم و ليست الاستحالة مبتنية على المطاردة من الطرفين كما توهمه المعترض‏

(فانه)

أي الأمر بالأهم‏

(على هذا الحال)

أي حال عصيان الامر بسوء الاختيار، و بعبارة اخرى حال الترتب‏

(يكون طاردا لطلب الضد)

أي لطلب غير الاهم‏

(كما كان)

طاردا له‏

(فى غير هذا الحال)

أي ابتداء و فى عرض واحد

(فلا يكون له)

أي لطلب غير الاهم‏

(معه)

أي مع طلب الاهم‏

(أصلا محال)

لامتناع طلب الضدين مطلقا ابتداء او ترتبا.

(ان قلت فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين فى العرفيات)

كما تمسك به الخصم و ادعى ان وقوعه فوق حد الاحصاء فلو لا جوازه عقلا فكيف يصدر منهم من غير نكير من احد

(قلت)

ما يتراءى انه من هذا القبيل ليس منه بحسب الحقيقة بعد حكم العقل باستحالته فحينئذ

(لا يخلو اما أن يكون الامر بغير الاهم بعد التجاوز عن الامر به و طلبه حقيقة)

تفضلا على المكلف و توسعا عليه‏

(و اما أن يكون الامر به ارشادا الى محبوبيته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة و الغرض لو لا المزاحمة و ان الاتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الامر بالاهم لا انه أمر مولوي فعلي كالامر به)

أي بالاهم و يدل على ذلك عدم حكمهم باستحقاق من ترك الضدين لعقابين بل لعقاب واحد و لا معنى لتنجز الخطاب إلا استحقاق العقاب على مخالفته و اما مبنى على الغفلة عن المضادة فينقدح فى نفسه بعثان نحو الضدين إلا أن أحدهما لغو لا يترتب عليه أثر و ربما يرجع عنه لو التفت الى المضادة

(فافهم و تأمل جيدا ثم انه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق فى صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين)

مستقلتين على ترك الفعلين فى زمان واحد

(ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد)

و ان شئت فاجعل استحالة ذلك دليلا على بطلان الترتب فان بطلان اللازم يكشف عن بطلان الملزوم كما أشرنا اليه آنفا

(و لذا كان سيدنا الاستاذ)

الحجة الميرزا محمد حسن الشيرازى قده‏

(لا يلتزم به على ما ببلالي و كنا نورد به على الترتب و كان)

قدس سره‏

(بصدد تصحيحه)

و لا معنى لتنجز الخطاب إلا استحقاق العقاب على مخالفته و يمكن أن يكون وجه عدم الالتزام منع كون العصيان مطلقا علة تامة لاستحقاق العقاب لجواز القول بأنه عند ترك المكلف الاتيان بالضدين لا يعاقب إلا

187

على ترك الأهم مع ان المقصود من القول بالترتب ليس إلا تصحيح الضد العبادى فى قبال الشيخ البهائى ره و لكنه كما ترى و لكن قد نقل عن بعض أهل العصر انه لا بأس بالالتزام بذلك بعد صحة الترتب و وجود الامرين كما انه كذلك قطعا فى صورة عدم المزاحمة كما فى صوم يوم الجمعة و كتابة القرآن فيه مستدلا بأن العقاب لو كان على ترك الجمع لتم ما ذكر من انه عقاب على غير المقدور لكنه ليس كذلك فان الطلب انما تعلق بذات الضدين فكيف يعاقب بترك الجمع الذى لم يكن مكلفا به بل العقاب انما هو على الجمع فى الترك بمعنى انه يعاقب على ترك كل منهما فى حال ترك الآخر و لا ريب ان ترك كل من الواجبين حال ترك الآخر مقدور فيعاقب عليه فالعقاب فى الحقيقة على الجمع بين العصيانين لا على ترك الجمع بين الامتثالين و هذا أيضا كما ترى لان نسبة القدرة الى طرفى الوجود و العدم مساوية فلو لم يكن الجمع مقدورا لم يكن تركه مقدورا إذ تأثير صفة القدرة فى الترك فقط وجوب لا قدرة و قد يقال ان تعدد العقاب تابع لتعدد المناط فانه ان كان فى كل واحد من الاهم و المهم مناط غير مناط الآخر فلا محالة يكون تركهما موجبا لتعدد العقاب كما فى الواجب التخييرى على قول و ان كان واحدا مشتركا بينهما يكون العقاب واحدا و هو العقاب على الجامع المشترك كما فى الواجب التخييرى على قول آخر و هذا أيضا كما ترى ثم انه لا يكاد بنقضي تعجبي من كاشف الغطاء حيث جعل حكم جاهل الجهر و الاخفات و القصر و الاتمام من فروع الترتب مع انه لا ارتباط بينهما أصلا ضرورة عدم إمكان جعل الامر بالتمام فى حق الجاهل بالقصر مترتبا على العزم على معصية الخطاب بالقصر حيث انه يوجب رفع موضوع الخطاب و هو الجاهل بوجوب القصر و لم يقل أحد بصحة التمام مع علم المسافر بوجوب القصر اذا عزم على عصيان الخطاب بالقصر بل هو خلاف صريح اخباره ففي صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) فيمن صلى أربعا فى السفر أ يعيد أم لا قال (عليه السلام) ان قرئت عليه آية التقصير و صلى أربعا أعاد و ان لم تكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه و فى بعض صحاح زرارة زيادة قوله و فسرت له عقيب قوله ان قرئت عليه آية التقصير و فى صحيحة اخرى لزرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغى أن يجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال (عليه السلام) أى ذلك فعل متعمدا فقد نقص صلاته و عليه الاعادة و ان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شي‏ء عليه فقد تمت صلاته و دعوى ان الجاهل العازم على التمام مثلا عازم على ترك القصر و معصية الامر به اذا كان مقصرا فى نفس الامر و ان لم يكن ملتفتا الى كون عزمه ترك القصر عزما على معصية الامر المتعلق به من حيث اعتقاده بعدم وجوبه و هذا المقدار كاف فى تحقق شرط الامر بالتمام، مدفوعة بعد تسليم تحقق العزم على‏

188

معصية الأمر بالقصر فى حق المعتقد بعدم وجوبه بأن العنوان المأخوذ فى موضوع الأمر لا بد و أن يكون قابلا لأن يتحقق فى حق المكلف مع التفاته اليه و ان لم يكن الالتفات الفعلي شرطا و العزم على عصيان القصر لا يكون قابلا لذلك من جهة ان الالتفات اليه يوجب رفع جهل المكلف و يدخله فى زمرة العالم بالتكليف و قد يقرر الترتب فى المسألتين بأن الجاهل حالة جهله مأمور بالتعلم و على تقدير العصيان به مأمور بما يعتقد من الجهر و الاخفات أو التمام فى موضع القصر كما ان الانسان مكلف بالصلاة على تقدير عصيان الأمر بالازالة و فيه ما لا يخفى‏

(فقد ظهر مما ذكرنا انه لا وجه لصحة العبادة مع مضادتها لما هو أهم منها إلا ملاك الأمر)

و لذا يحكم بالصحة فيما اختاره المكلف فى بعض صور تزاحم الواجب مع المستحب و فى تمام صور تزاحم المستحبات من دون ملاحظة الأهم و المهم و من دون ملاحظة العزم على ترك الأهم و ذلك يكشف عن عدم الترتب المذكور حيث انه بناء عليه لا أمر بغير الأهم من دون عزم على ترك الأهم‏

(نعم فيما اذا كانت موسعة)

كالصلاة

(و كانت مزاحمة بالأهم ببعض الوقت)

كالإزالة التي مدتها نصف ساعة

(لا فى تمامه يمكن أن يقال انه حيث كان الأمر بها على حاله و ان صارت مضيقة بخروج ما يزاحمه الأهم من أفرادها من تحتها)

عقلا حيث انه بملاحظة المزاحم الأهم يجعل دائرة المأمور به مضيقة

(أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذلك الأمر فانه)

أي ما زوحم منها

(و ان كان خارجا عن تحتها بما هي مأمور بها)

عقلا

(إلا انه)

أي ما زوحم منها

(لما كان وافيا بغرضها كالباقي تحتها كان عقلا مثله)

أي مثل الباقي تحتها

(فى الاتيان به فى مقام الامتثال و الاتيان به بداعي ذاك الأمر بلا تفاوت فى نظره بينهما أصلا و دعوى ان الأمر لا يكاد يدعو إلا الى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور بها و ما زوحم منها بالأهم و ان كان من أفراد الطبيعة لكنه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها)

فكيف يحصل الامتثال بها

(فاسدة فانه انما يوجب ذلك)

أي عدم كون الأمر داعيا الى ما زوحم منها بخروجه عنها

(اذا كان خروجه عنها بما هي كذلك تخصيصا)

حيث ان التخصيص و هو الخروج الحكمي إنما هو لقصور فى الفرد الخارج‏

(لا مزاحمة فانه معها)

أي مع المزاحمة

(و ان كان لا تعمه الطبيعة المأمور بها إلا أنه ليس لقصور فيه)

بل هو تام فى فرديته للطبيعة و محصليته للغرض‏

(بل لعدم إمكان تعلق الأمر بما يعمه عقلا و على كل حال فالعقل لا يرى تفاوتا فى مقام الامتثال و إطاعة الأمر بها بين هذا الفرد و سائر الأفراد أصلا هذا على القول بكون الأوامر متعلقة بالطبائع و اما بناء على تعلقها بالأفراد فكذلك و ان كان جريانه)

أي جريان المطلب المذكور بناء

(عليه)

أي على القول بتعلقها بالأفراد

(أخفى كما لا يخفى)

حيث انه بناء عليه لا يكون مأمورا به لا بنفسه و لا بالطبيعة الكلية المتحققة فى ضمنه كي يتحقق‏

189

امتثال الأمر به أو امتثال الأمر بالطبيعة باتحادها فى ضمن أية خصوصية كانت حتى هذه الخصوصية إلا أنه لا حاجة هنا أي فى باب التزاحم الى الأمر فان الصحة عقلا انما جاءت من قبل كون هذا الفرد المزاحم بما هو الأهم كسائر الأفراد من جهة محصليته لتمام الغرض و انطباق الغرض عليه قهرا فكان هاهنا حكم وضعي و من جهته لا تقييد و حكم تكليفي و هو الطلب و التقييد انما هو من جهته عقلا و معناه عدم رخصة الشارع فى اتيانه أو نهيه عنه لا بالنسبة الى مقام الصحة و الكفاية الذي هو لازم انطباق الغرض قهرا و من المعلوم البديهي ان الإجزاء أمر عقلي أو نقول ان معنى تعلق الأمر بالفرد ان المطلوب هو الحصة من الطبيعة فى الخارج فى ضمن فرد ما و لا ريب ان نسبة فرد ما الى خصوص الأفراد مثل نسبة الطبيعة الى الأفراد و حينئذ نقول ان المطلوب هو أحد الأفراد على سبيل البدلية و معنى البدلية حصول الامتثال بكل فرد لانطباق فرد ما عليه‏

(فتأمل ثم لا يخفى انه بناء على إمكان الترتب و صحته لا بد من الالتزام بوقوعه من دون انتظار دليل آخر عليه و ذلك لوضوح ان المزاحمة على صحة الترتب لا تقتضي عقلا إلا امتناع الاجتماع فى عرض واحد لا كذلك)

أي لا بنحو الترتب‏

(فلو قيل بلزوم الأمر فى صحة العبادة و لم يكن فى الملاك كفاية كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة لثبوت الأمر بها فى هذا الحال كما اذا لم يكن هناك مضادة)

و قد اكتفينا بهذا المقدار فى الكتاب لأنه به يحصل ما هو الغرض من شرح كلام المصنف و تبيين مرامه، و تشييد المطلب بأركانه فى الثمرات فراجع.

(فصل لا يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه)

(خلافا لما نسب الى أكثر مخالفينا ضرورة انه لا يكاد يكون الشي‏ء)

أي يوجد

(مع عدم علته كما هو المفروض هاهنا فان الشرط من أجزائها و انحلال المركب بانحلال بعض أجزائه مما لا يخفى)

فمرجع الجواز الى جواز وجود المعلول بدون علته و هو محال فانه بحسب ذاته أن يكون ليس، و من طرف وجود علته أن يكون أيس هذا بالنسبة الى ما هو شرط الأمر نفسه و اما بالنسبة الى ما هو شرط المأمور به فكذلك أيضا لأن مرجع شرطية شي‏ء للمأمور به الى كونه شرطا للامر فانه بانتفاء ما هو شرط للمأمور به عقلا أو شرعا يصير المأمور به المشروط به غير مقدور على المكلف و من البيّن ان القدرة على المكلف به شرط لصحة الأمر فتفطن‏

(و كون الجواز فى العنوان بمعنى الامكان الذاتي)

دون الامكان الوقوعي كما ذهب اليه صاحب الفصول و ان كان يرفع الاستحالة المذكورة فان الامكان الذاتي وصف ثابت للماهية الممكنة سواء وجد علة وجوده أم لا لكنه‏

190

(بعيد عن محل الخلاف بين الأعلام)

فان التأمل و التعمق فيه يعطي ان نظرهم الى الامكان الوقوعي و استدلال الطرفين أيضا ناظر الى ذلك‏

(نعم لو كان المراد من لفظ الأمر)

فى العنوان‏

(الأمر ببعض مراتبه و بالضمير الراجع اليه بعض مراتبه الآخر بأن يكون النزاع فى ان أمر الآمر يجوز انشاء مع علمه بانتفاء شرطه بمرتبة فعليته)

و بعثه‏

(و بعبارة اخرى كان النزاع فى جواز انشائه مع العلم بعدم بلوغه الى مرتبة الفعلية لعدم شرطه لكان جائزا و فى وقوعه فى الشرعيات و العرفيات غنى و كفاية و لا يحتاج معه الى مزيد بيان أو مئونة برهان و قد عرفت سابقا ان داعي انشاء الطلب لا ينحصر بالبعث و التحريك جدا حقيقة بل قد يكون صوريا امتحانا و ربما يكون غير ذلك)

و وجود الأوامر الظاهرية مع ثبوت الأمر الواقعي فى موارده مما لا سبيل الى إنكاره و من أنكره فقد كابر مقتضى حسه و وجدانه‏

(و منع كونه أمرا اذا لم يكن بداعي البعث جدا واقعا و ان كان فى محله إلا أن إطلاق الأمر عليه اذا كانت هناك قرينة على انه بداع آخر غير البعث توسعا مما لا بأس به أصلا كما لا يخفى و قد ظهر بذلك حال ما ذكره الاعلام فى المقام من النقض و الابرام)

من التشويش و الاضطراب و الخلط بين مراتب الامر و الاشتباه بين شرط الوجود و شرط الوجوب‏

(و ربما يقع به)

أي بما ذكرناه فى ذيل نعم الى آخره‏

(التصالح بين الجانبين و يرتفع النزاع من البين)

فمن يقول بعدم الجواز ربما يكون نظره الى الواقع و نفس الامر بحسب الدقة و التعمق و يقول ان المرتبة التي تحقق أمره فقد تحقق جميع شرائطه أولا ثم أمر بها و المرتبة الاخرى التي تكون شرائطها مفقودة لم يتوجه الامر اليها أصلا فالامر المحقق لا يكون شرطه منتفيا و ما انتفى شرطه لم يتحقق أمر به و من قال بالجواز يكون نظره الى العرف و مسامحاتهم حيث ان جميع المراتب لما كانت مراتب متصلة بشي‏ء واحد خارجي صح أن يقال ان شرط كل مرتبة منه شرط له فلا نزاع لبيا فى البين‏

(فتأمل جيدا)

.

(فصل الحق ان الاوامر و النواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الافراد)

(و لا يخفى ان المراد ان متعلق الطلب فى الاوامر هو صرف الايجاد كما ان متعلقه فى النواهي هو محض الترك و متعلقهما)

أي متعلق الامر الذي هو عبارة عن طلب الايجاد و الوجود و متعلق النهي الذي هو عبارة عن طلب الترك و العدم‏

(هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود و المقيدة بقيود تكون بها موافقة للغرض و المقصود من دون تعلق غرض باحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكنا لما كان ذلك مما يضر بالمقصود أصلا كما هو الحال فى القضية الطبيعية فى)

191

(غير الاحكام)

كقولنا الانسان نوع‏

(بل فى المحصورات على ما حقق فى غير المقام)

من أن المحمول فيها ثابت لطبيعة الموضوع كالطبيعية إلا أنه فى المحصورات جعلت الطبيعة آلة للحاظ الافراد بحيث يسري الحكم منها الى الافراد بخلاف الطبيعية حيث انها لوحظت مستقلة و من حيث هي هي بحيث لا يسري الحكم منها الى الافراد و ذلك لان أفراد الطبيعة غير متناهية فلا يمكن إحاطة الذهن بها و تصورها عند الحكم عليها و الحال ان تصور الموضوع شرط فى مقام الحكم و التصور الاجمالي لها و ان كان يمكن إلا أنه انما يكون بلحاظ قدر مشترك بين جميعها و هذا هو الطبيعي المتصور فى مقام الحكم‏

(و فى مراجعة الوجدان للانسان غنى و كفاية عن إقامة البرهان على ذلك حيث يرى اذا راجعه انه لا غرض له فى مطلوباته إلا نفس الطبائع)

بأي وجود تحققت‏

(و لا نظر له إلا اليها من دون نظر الى خصوصياتها الخارجية و عوارضها العينية و ان نفس وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب و ان كان ذلك الوجود لا يكاد ينفك فى الخارج عن الخصوصية فانقدح بذلك ان المراد بتعلق الاوامر بالطبائع دون الافراد انها بوجودها السعي بما هو وجودها قبالا لخصوص الوجود متعلقة للطلب لا انها بما هي هي كانت متعلقة له كما ربما يتوهم)

أي يتوهم من ظاهر قول القائلين بتعلق الأحكام بالطبائع‏

(فانها كذلك)

أي بما هي هي‏

(ليست إلا هي)

أي لا مطلوبة و لا لا مطلوبة

(نعم هي كذلك)

أي بما هي هي‏

(تكون متعلقة للامر فانه طلب الوجود)

فيصح تعلقه بالماهية من حيث هي هي و ما ذكره المصنف منطبق على التقريرين فى الباب إذ ربما تقرر هذه المسألة بالنسبة الى اللفظ و انه هل هو موضوع لطلب الطبائع أو الافراد فتكون المسألة لغوية فيختار انه موضوع لطلب الطبيعة و ظاهرة فيه للتبادر

(فافهم)

و ربما تقرر عقلية بمعنى انه هل يعقل تعلق الطلب بالطبائع حتى تبقى الظواهر على ظاهرها أم لا بل يجب تعلقه بالافراد فيتصرف فيها بالحمل على المجاز أو يجعل من باب إطلاق الكلي على الفرد و تعدد الدال و المدلول و ربما يقرر بناء على كونها عقلية هكذا انه هل العقل يحكم بوجوب كون المتعلق كليا أم لا و كيف كان يختار انه يعقل تعلقهما بها أو يحكم العقل بوجوب تعلقهما بها و لو فى بعض المقامات.

(دفع وهم)

صدر عن صاحب الفصول- ره- حيث فصل بين متعلق الامر و متعلق الطلب فجعل الاول كليا و الثاني الافراد على بعض الوجوه الذي قد اختاره و ملخص ما ذكره انه لا بد من اعتبار الوجود فى الامر و العدم فى النهي حيث انه لا معنى لطلب نفس الطبية مع قطع النظر عن الوجود لعدم الحسن فيها إلا من حيث الوجود و إلا لزم كفاية تصورها فى مقام الامتثال‏

192

و هو باطل بديهة فعلى هذا اما أن يكون الوجود الذي لا بد من اعتباره فى الامر مدلولا لهيئة الامر بمعنى ان الامر بهيئته دل على طلب الايجاد و اما أن يكون مدلولا لمادته بمعنى ان الامر دل على طلب الماهية المقيدة بالوجود الخارجي أو الماهية الخارجية و الفرق بين الماهية المقيدة بالوجود الخارجي و الماهية الخارجية بالاجمال و التفصيل فى ظرف لحاظ القيد و المقيد فعلى الاول أى كون الوجود مدلولا للهيئة يكون متعلق الامر الذى هو بمعنى طلب ايجاد الماهية الكلية لا الفرد و إلا يلزم تحصيل الحاصل حيث ان فردية الطبيعة انما هي بانضمام الوجود اليها فانها فى حد نفسها كلي و لا يحصل من انضمام كلي الى آخر إلا كلي ثالث و لو جعل المتعلق ما يكون فردا بعد انضمام الوجود فهو التزام فى الحقيقة بتعلقه بنفس الطبيعة لان المفروض انه لم يصر فردا بعد و انما يصير فردا بالوجود و اما متعلق الطلب فالمفروض انه هو الايجاد حيث قلنا ان الامر طلب الايجاد و الطلب حينئذ جزء لمدلول هيئة الامر مضافا الى جزئه الآخر و هو الايجاد الذى هو عين الوجود و التغاير بالاعتبار و الوجودات متباينة الحقائق و لا جامع حقيقي لها حتى يقال تعلق الطلب بكلي الوجود، نعم مفهوم الوجود أمر مشترك بين الوجودات لكنه أمر اعتبارى انتزاعي لا يكون له ما بحذاء فى الخارج فليس موردا للمصلحة و المفسدة حتى يصح أن يتعلق الطلب به بل يجعل آلة لملاحظة الوجودات الخارجية و يعلق الطلب عليها و على الثاني أى كون الوجود ملحوظا فى طرف المادة يكون معنى الهيئة عين الطلب و يكون متعلقهما أى الامر و الطلب هو الطبيعة المقيدة بدخول التقييد بما هو تقييد و خروج القيد و حينئذ فان قلنا ان الفرد عبارة عن ذلك كان المتعلق لهما هو الفرد و ان قلنا ان الفرد هو الطبيعة المقيدة مع دخول التقييد و القيد جميعا فمتعلقهما ليس بفرد لان المفروض خروج القيد فى المتعلق و دخوله فى الفرد و لا بطبيعة لان المفروض اعتبارها مقيدة بالوجود الخارجي فيكون أمرا ثالثا غير الكلي و الفرد و حيث ان التحقيق ان الامر طلب الايجاد بمعنى ان الايجاد معتبر فى المعنى الهيئي للامر فيختلف متعلق الطلب و الامر انتهى كلامه ملخصا و لا يخفى ان فى كلامه قده مواقع للنظر يظهر للمتأمل إلا أن المصنف قده أورد عليه بما هو المهم فى المقام و هو عدم لزوم تحصيل الحاصل بناء على كون متعلق الامر الافراد لا الطبيعة اذا كان معنى الامر طلب الايجاد فقال‏

(لا يخفى ان كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلقا للطلب انما يكون بمعنى ان الطالب يريد صدور الوجود من العبد و جعله بسيطا الذى هو مفاد كان التامة و افاضته)

فحينئذ يكون من قبيل تحصيل الحاصل بنفس ذلك التحصيل و هو ليس بمستحيل‏

(لا أنه يريد ما هو صادر و ثابت فى الخارج كي يلزم طلب الحاصل)

و تحصيل ما هو حاصل قبل ذاك التحصيل الذى استحالته بديهية

(كما توهم)

صاحب الفصول‏

(و لا)

يريد الطالب‏

(جعل)

193

(الطلب متعلقا بنفس الطبيعة و قد جعل وجودها غاية لطلبها و قد عرفت ان الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي لا يعقل أن يتعلق بها الطلب ليوجد)

فى الأوامر

(أو يترك)

فى النواهي‏

(و انه لا بد فى تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها فيلاحظ وجودها فيطلبه و يبعث اليه كي يكون)

أى يوجد

(و يصدر منه هذا بناء على اصالة الوجود و أمّا بناء على اصالة الماهية فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضا بل بما هي بنفسها فى الخارج فيطلبها كذلك)

أى بما هي بنفسها

(لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات و الاعيان الثابتات لا بوجودها كما كان الامر بالعكس على اصالة الوجود و كيف كان فيلحظ الآمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية)

بناء على اصالة الماهية

(أو الوجود)

بناء على اصالته‏

(فيطلبه و يبعث نحوه ليصدر منه و يكون ما لم يكن فافهم و تأمل جيدا)

فعلى هذا يظهر ضعف ما ذكره البعض من أن النزاع فى المقام مبتن على أن الكلي الطبيعي هل هو موجود فى الخارج أم لا و ذلك لما قد علمت من جريان النزاع على تقدير اعتبارية الماهية و اصالة الوجود أيضا و معلوم ان الوجود ليس بكلي و لا جزئي لان الكلية و الجزئية من المعقولات الثانية التي تعرض المفاهيم الحاصلة فى الذهن و الوجود بناء على اصالته أمر فى قبال الذهن حيثية ذاته حيثيته الخارجية و الذى يحصل فى الذهن هو مفهوم الوجود و هو عارض للوجود المتأصل فملخص الكلام فى المقام انه لا يتفاوت الامر فى مقام الطلب بين تعلقه بالطبيعة أو بالفرد فى أن الطالب يريد من العبد جعل متعلق الطلب جعلا بسيطا لا مركبا سواء كان الوجود هو الاصل فى التحقق أو الماهية و قد اكتفينا بهذا المقدار هنا اعتمادا على ما حققناه فى الثمرات و أقمنا البرهان على ما اختاره المصنف و ما اكتفينا باحالة الامر الى الوجدان.

(فصل اذا نسخ الوجوب)

بأن رفع نفس الوجوب أو جزئه الاخص و هو المنع من الترك لا الجزء الاعم أى الاذن فى الفعل و لا كلا الجزءين فانه لا ريب و لا خلاف فى ارتفاع الجواز فى الصورتين الاخيرتين و إنما الخلاف فى الصورتين الاوليين فى انه هل يرتفع الجواز أيضا برفع نفس الوجوب أو برفع جزئه الاخص أم لا و المصنف قد اختار عدم البقاء لعدم دليل اجتهادى و لا فقاهتي يدل على ذلك و اليه أشار بقوله‏

(فلا دلالة لدليل الناسخ و لا)

لدليل‏

(المنسوخ على بقاء الجواز بالمعنى الاعم)

الذى هو جنس للاحكام الاربعة غير الحرمة

(و لا بالمعنى الاخص)

أى الاباحة التي هى احدى الاحكام الخمسة

(كما لا دلالة لهما)

أى لدليل الناسخ و المنسوخ‏

(على ثبوت غيره من الاحكام)

كما لا دلالة لمجموعهما من حيث المجموع على ذلك‏

194

أصلا

(ضرورة ان ثبوت كل واحد من الاحكام الاربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعا ممكن و لا دلالة لواحد من دليلي الناسخ و المنسوخ باحدى الدلالات على تعيين واحد منها كما هو أوضح من أن يخفى فلا بد للتعيين من دليل آخر)

و ليس هذا بحسب الدليل الاجتهادى و ظهر من هذا ان رجوع الحكم السابق المرفوع بالامر كما ذهب اليه بعض لا دليل عليه و اما بحسب الدليل الفقاهتي فقد يتوهم ان مقتضاه أى الاستصحاب هو بقاء الجواز فأشار المصنف الى فساده بقوله‏

(و لا مجال لاستصحاب الجواز إلا بناء على جريانه فى القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي و هو ما اذا شك فى حدوث فرد كلي مقارنا لارتفاع فرده الآخر و قد حققنا فى محله انه لا يجرى الاستصحاب فيه ما لم يكن الحادث المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة المتصلة بالمرتفع بحيث عدّ عرفا لو كان انه باق لا أنه أمر حادث غيره)

كمراتب السواد أو البياض المتفاوتة شدة و ضعفا مع وحدة القدر المشترك بينها

(و من المعلوم ان كل واحد من الاحكام مع الآخر عقلا و عرفا من المباينات و المتضادات)

فلا موضوع باق فى البين عند العرف و العقل فلا استصحاب قطعا

(غير الوجوب و الاستحباب فانه و ان كان بينهما التفاوت بالمرتبة و الشدة و الضعف عقلا إلا انهما متباينان عرفا فلا مجال للاستصحاب اذا شك فى تبدل أحدهما بالآخر فان حكم العرف و نظره يكون متبعا فى هذا الباب)

.

(فصل اذا تعلق الامر بأحد الشيئين أو الاشياء)

كما فى الواجب التخييرى فقد يستشكل هناك فى متعلق الوجوب حيث ان حقيقة الوجوب متقومة بالمنع من الترك و الواجب التخييري يجوز تركه فى الجملة كما انه يستشكل فى الكفائي و الموسع حيث انه يجوز تركه لبعض المكلفين فى الاول و فى بعض من الزمان فى الثاني، و توضيح الاشكال فى المسألة ان متعلق الوجوب اما كل واحد واحد من الافعال المعينة أو المجموع بما هو مجموع أو واحد معين منها أو غير معين و الكل باطل أما الاولان فللزوم عدم حصول الامتثال باتيان واحد منها و هو باطل إجماعا و اما الثالث فلاختصاص الوجوب حينئذ بذلك الفعل فيتعين الاتيان به دون غيره و اما الرابع فللزوم عدم حصول الامتثال بكل واحد من تلك الافعال و ابهام المتعلق حسب الفرض فما أتى به لا يكون مأمورا به و ما أمر به لم يؤت به فلا محيص عن هذا الاشكال إلا بتعيين متعلق الوجوب بحيث ترتفع المنافاة التي يتراءى بين الوجوب و جواز الترك فذهب أصحابنا الامامية و المحققون من المعتزلة الى أن الواجب هو كل واحد واحد من الافعال و لكن على سبيل التخيير بمعنى كون الفعل مطلوبا للمولى بحيث لا يرضى بتركه و ترك بدله و حقيقة الوجوب‏

195

هى مطلوبية الفعل على سبيل اللزوم فى الجملة فلو أمر المولى بأفعال عديدة على سبيل التخيير فقد أراد حصول كل واحد منها على وجه المنع من ترك الجميع فالمنع من الترك حاصل هنا كما في الوجوب التعييني لان المنع من الترك في الواجبات هو نقيض عدم المنع من الترك في المندوبات و هو سلب كلي و نقيضه هو المنع من الترك على سبيل الايجاب الجزئي المتحقق في الواجبات العينية مع المنع من ترك شخص الواجب و في الواجبات التخييرية مع المنع من ترك شخصه و بدله و ذهب الاشاعرة الى أن الواجب هو أحدها لا بعينه و هنا قولان آخران نسب الى طائفتين من المعتزلة أحدهما وجوب الكل مع سقوط الباقي بفعل أحدها و ثانيهما هو وجوب أحدهما المعين عند اللّه المستكشف باختيار المكلف أحدها و الى جميع ذلك أشار المصنف بقوله‏

(ففي وجوب كل واحد على التخيير بمعنى عدم جواز تركه إلا الى بدل أو وجوب الواحد لا بعينه أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما أو وجوب المعين عند اللّه أقوال)

مذكورة مع أدلتها في الكتب المفصلة

(و التحقيق)

اللائق بالمقام هو

(أن يقال)

بعد القطع بأن المولى الحكيم لا يصدر عنه أمر و لا نهي جزافا و اقتراحا بل لا بد و أن يكون في البين غرض يكون تحصيله هو الداعى له الى أحدهما

(انه ان كان الامر بأحد الشيئين)

أو الاشياء

(بملاك انه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما)

أو منها

(بحيث اذا أتى بأحدهما)

أو أحدها

(حصل به تمام الغرض و لذا يسقط به الامر كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما)

أو بينها

(و كان التخيير بينهما بحسب الواقع عقليا لا شرعيا)

فمتعلق التكليف أولا و بالذات هو الجامع بين الخصوصيات و انما الاتيان بالخصوصيات انما يكون مجزيا لاشتمالها على ذاك الجامع الذى يكون في الحقيقة متعلق التكليف‏

(و ذلك لوضوح ان الواحد)

و هو هنا الغرض و المصلحة المترتبة على الفعل‏

(لا يكاد يصدر من اثنين)

و هما هنا الفعلين كالعتق و الاطعام‏

(بما هما اثنان ما لم يكن بينهما جامع في البين لاعتبار نحو من السنخية بين العلة و المعلول)

بتلك السنخية تأبى العلة عن كل شي‏ء إلا عن ترتب المعلول عليها و يأبى المعلول عن كل شي‏ء إلا عن ترتبه على العلة و إلا لصح صدور كل شي‏ء عن كل شي‏ء

(و عليه)

أى على هذا التقدير

(فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعى)

ليس لأجل خصوصيتهما بل‏

(لبيان ان الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين)

أى للارشاد الى أن تلك الامور المتعددة مشتملة على الجامع الذى به يحصل الغرض فالعقل بملاحظة هذا الحكم القطعى أى امتناع صدور الاثنين بما هما اثنان عن واحد يجعل هذا التخيير تخييرا عقليا بين أفراد ذاك الجامع بحسب الغرض و الملاك كما انه بملاحظة الجامع بحسب الخطاب كقولنا اكرم انسانا يخير العقل بين أفراده‏

(و ان كان)

الامر بأحد الشيئين أو الاشياء

(بملاك انه يكون في كل واحد منهما)

أو منها

(غرض)

196

غير الغرض المترتب على الآخر لكنه اتفق انه‏

(لا يكاد يحصل)

أى الغرض في واحد

(مع حصول الغرض فى الآخر باتيانه)

اما لعدم إمكان استيفائه أو لعدم بقائه على صفة اللزوم و اما لأجل المضادة بين الفعلين المحصلين للغرضين بحسب الوجود و ان لم يكن بين الأغراض مضادة بحسب أصل الوجود أو بحسب وصف لزوم الاستيفاء فلو لم تكن بين الفعلين منافرة لأمر المولى بكليهما لأجل استيفاء كلا الغرضين كما فى الواجبين المتزاحمين‏

(كان كل واحد واجبا بنحو من الوجوب)

يسمى بالوجوب التخييري‏

(يستكشف عنه)

أي عن هذا الطور من الوجوب‏

(تبعاته)

و لوازمه‏

(من عدم جواز تركه إلا)

اذا انتقل‏

(الى)

فعل‏

(الآخر و ترتب الثواب على فعل الواحد منهما و العقاب على تركهما)

فلا غرو حينئذ أن يقال بوجوب كل واحد بالوجوب التخييري الشرعي المولوي بتقريب انه لما كان الغرض المترتب على كل واحد مطلوبا له و لا يمكنه الأمر بكل واحد على التعيين لما علمته من التنافر بين الغرضين أو الفعلين و لا بأحدهما المعين للزوم الترجيح بلا مرجح فتعين الحكم بوجوب أحدهما تخييرا

(فلا وجه فى مثله)

أي فى مثل ما يمكن التكليف بواقع أحدهما بملاك يكون فى كل واحد منهما

(للقول بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مفهوما كما هو واضح)

ضرورة أن توسيط الأمر الانتزاعي حينئذ يكون لغوا غير محتاج اليه و للمصنف هنا تعليق هذا لفظه فانه و ان كان مما يصح أن يتعلق به بعض الصفات الحقيقية ذات الاضافة كالعلم فضلا عن الصفات الاعتبارية المحضة كالوجوب و الحرمة و غيرهما مما كان من الخارج المحمول الذي ليس بحذائه فى الخارج شي‏ء غير ما هو منشأ انتزاعه إلا أنه لا يكاد يصح البعث حقيقة اليه و التحريك نحوه كما لا يكاد يتحقق الداعي لارادته و العزم عليه ما لم يكن آئلا الى إرادة الجامع و التحرك نحوه فتأمل جيدا انتهى الغرض من هذا التعليق هو دفع توهم ما ربما يختلج بالبال و هو انه لا غرو فى كون الواجب هو أحدهما لا بعينه مفهوما حين ما فرض كون كل واحد محصلا لغرض غير ما هو الغرض المترتب على الآخر بأن يقال أن المقتضي للبعث الى كل واحد على نهج التعيين قاصر فى اقتضائه كذلك لعدم الترجيح حينئذ بل انما يقتضي ايجاب أحدهما لا بعينه أو المقتضي تام فى اقتضائه كذلك إلا أن المانع عن ايجاب كل واحد كذلك موجود و ليس بالنسبة الى ايجاب أحدهما لا بعينه موجودا ففي كل واحد من الفرضين لا بد و أن يكون الواجب هو أحدهما المردد مفهوما، و دعوى ان الوجوب صفة معينة فلا يعقل تعلقه بأمر مبهم بحسب الواقع فضعيفة جدا حيث ان العلم مع كونه من الصفات الحقيقية ذات الاضافة يصح تعلقه بأمر مردد كما فى العلم الاجمالي فتعلق الوجوب و الحرمة و غيرهما من الصفات الاضافية المحضة بأمر مردد فبالطريق الاولى اما لأجل قصور المقتضي أو لوجود المانع و لذا لو سئل من الآمر ان الوجوب‏

197

بأيهما كان متعلقا لصح الجواب بأنه متعلق بأحدهما المردد و ليس هذا مستلزما لتجويز الجهل على الحكيم تعالى المستحيل فى حقه لأن واقعة هو هذا، نعم الصفات الحقيقية المحضة لا تصح تعلقها بالمردد و ليست الارادة منها و امتثال المردد يحصل باتيان المكلف بواحد نظير ما لو كان غريقان أحدهما ابن المولى و لا يعلمه تعينا فأمر عبده بانقاذ واحد منهما فأيهما أنقذه العبد فقد امتثل لأن أمر المولى لا يقتضي أزيد من ذلك و اما دفعه فهو ان مجرد إمكان هذا النحو من الملاك لا يقتضي تحقق داع فى نفس المولى كي يبعث العبد و يحرك نفسه نحو الأمر المردد و كذلك لا يقتضي تحقق داع فى نفس المكلف لارادته و العزم عليه و الانبعاث نحوه حيث ان معنى البعث الى المردد احداث المولى داعيا فى نفس العبد ليأتي بالمردد بما هو مردد و ما يأتي به العبد لا يكون إلا معينا فان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد فى الخارج فما أمر به لا يمكن أن يؤتى به و ما أتى به لم يكن مأمورا به اللهم إلا اذا أرجع الأمر الى الجامع و مما ذكرنا ظهر وجه الاستثناء بقوله‏

(إلا أن يرجع الى ما ذكرناه فيما اذا كان الأمر بأحدهما)

أي لا بعينه مفهوما

(بالملاك الأول من أن الواجب هو الواحد الجامع بينهما)

و قوله‏

(و لا أحدهما)

أي و لا وجه فى مثله للقول بوجوب أحدهما

(معينا مع كون كل منهما مثل الآخر فى انه واف بالغرض)

للزوم الترجيح بلا مرجح‏

(و لا كل واحد منهما معينا مع السقوط)

أي سقوط الباقي عن الوجوب‏

(بفعل أحدهما)

أو أحدها

(بداهة عدم السقوط مع إمكان استيفاء ما فى كل منهما من الغرض و عدم جواز الايجاب كذلك مع عدم إمكانه)

كما عرفت تحقيقه‏

(فتدبر)

اللهم إلا أن يوجه هذا القول بأن مراد القائل به هو أن الغرضين متزاحمان لا يمكن جمعهما فى الوجود الخارجي فيكون الأمر بكل منهما مشروطا بعدم اتيان الآخر فحينئذ يتوجه عليه انه خلاف ظاهر الدليل لعدم عين و لا أثر من التعليق فى ظاهر الخطاب مضافا الى أن التزاحم هنا انما يكون فى الغرض و الملاك و ليس تزاحم بين الفعلين أصلا و الملاك المزاحم لا يصلح لأن يكون داعيا فلا محالة يكون أحدهما على البدل ملاكا فعليا و قابلا لأن يكون داعيا فيورث خطابا واحدا بأحد الشيئين لا خطابين مشروطين.

(بقي الكلام فى أنه هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقل و الأكثر أو لا)

(ربما يقال بأنه محال)

و انما الممكن هو التخيير بين المتباينين نحوا من التباين‏

(فان الأقل اذا وجد)

على تقدير جواز التخيير بين الأقل و الأكثر

(كان من الواجب لا محالة)

أي كان من محققات الواجب و مصاديقه‏

(و لو كان فى ضمن الأكثر لحصول الغرض به)

الداعي الى الايجاب‏

(و كان الزائد عليه من اجزاء الأكثر زائدا على الواجب)

لسقوط الأمر باتيان الأقل فليس التخيير بينهما من الامور المعقولة

(لكنه ليس كذلك فانه اذا فرض ان المحصل للغرض فيما اذا)

198

(وجد الأكثر هو الأكثر)

أي الأقل بشرط شي‏ء و هو الزيادة

(لا الأقل الذي فى ضمنه)

أي الأقل لا بشرط و قوله‏

(بمعنى أن يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل فى حصوله و ان كان الأقل لو لم يكن فى ضمنه كان وافيا به أيضا)

تفسير لقوله ان المحصل للغرض فيما اذا وجد الأكثر هو الأكثر و المراد بقوله و ان كان الأقل لو لم يكن فى ضمنه كان كافيا به أيضا ان الأقل اذا كان بشرط لا أي بشرط عدم الانضمام الى الزيادة كان عدلا للاكثر الذي هو الأقل بشرط شي‏ء فى كفايته فى حصول الغرض‏

(فلا محيص حينئذ عن التخيير بينهما إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص فان الأكثر بحده)

أي بوصف الأكثرية حينئذ

(يكون مثله)

أي مثل الأقل بحد الأقلية

(على الفرض مثل أن يكون الغرض الحاصل من رسم الخط مترتبا على الطويل اذا رسم بما له من الحد)

أي الطول‏

(لا على القصير فى ضمنه)

فقط

(و معه كيف يجوز تخصيصه)

أي تخصيص الوجوب‏

(بما لا يعمه)

أي الأكثر

(و من الواضح كون هذا الفرض بمكان من الامكان)

و الحاصل ان الغرض مما يمكن أن يحصل بما هو بشرط شي‏ء و بما هو بشرط لا فلا بد حينئذ من القول بالوجوب التخييري إذ التعيني حينئذ ترجيح بلا مرجح و حصول الغرض بالأقل بشرط الاقتصار عليه لا يستلزم حصوله به لو كان فى ضمن الأكثر فان ما هو بشرط لا مغاير لما هو بشرط شي‏ء.

(فان قلت هبه فيما اذا كان للاكثر وجود واحد لم يكن للاقل فى ضمنه وجود على حدة)

أي فى الأكثر الدفعي الوجود

(كالخلط الطويل الذي رسم دفعة بلا تخلل سكون فى البين)

و كنزح أربعين دلوا مشدودة بحبل واحد دفعة فى مسئلة التخيير بين الثلاثين و الأربعين فى منزوحات البئر و كإعطاء الصدقة بدراهم كثيرة دفعة واحدة و عتق عبيد كثيرة بايقاع واحد مثل قول المولى أنتم أحرار لوجه اللّه‏

(لكنه ممنوع فيما كان له)

أي للاقل‏

(فى ضمنه)

أي الأكثر

(وجود)

أي فى الامور التدريجية الوجود بأن يوجد الأقل أولا ثم يوجد الأكثر

(كتسبيحة فى ضمن تسبيحات ثلاث أو خط طويل رسم مع تخلل العدم فى رسمه)

و التخيير بين القصر و الاتمام فى الأماكن الأربعة على القول به‏

(فان الأقل قد وجد بحده و به يحصل الغرض على الفرض و معه لا محالة يكون الزائد عليه مما لا دخل له فى حصوله فيكون زائدا على الواجب لا من اجزائه)

.

(قلت لا يكاد يختلف الحال بذلك)

أى بحسب تدريجية الوجود و دفعيته‏

(فانه مع الفرض)

المذكور سابقا من إمكان تحصيل الغرض اما بأمر هو بشرط شي‏ء و اما بأمر هو بشرط لا

(لا يكاد يترتب الغرض على الأقل فى ضمن الأكثر)

أى على الأقل لا بشرط بل على بشرط شي‏ء

(و انما يترتب عليه)

أى على الأقل‏

(بشرط عدم الانضمام)

أى عدم انضمام الزائد اليه‏

199

(و معه)

أى و مع الانضمام‏

(كان مترتبا على الأكثر بالتمام)

الذى هو بشرط شي‏ء

(و بالجملة اذا كان كل واحد من الأقل و الأكثر بحده)

الأقلية و الأكثرية

(مما يترتب عليه الغرض فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما و كان التخيير بينهما عقليا ان كان هناك غرض واحد و تخييرا شرعيا فيما كان هناك غرضان على ما عرفت)

سواء كان الأكثر دفعي الحصول أو تدريجي الحصول و سواء كان فى التعبديات كالقصر و الاتمام أو التوصليات كالنزح المردد بين ثلاثين دلوا أو أربعين، أما فى الدفعي فواضح باعتراف الخصم أيضا و اما فى التدريجي ففي الاتصالي منه كرسم الخط المردد بين الذراع و الذراعين فان الخط الطويل لما كان متصلا واحدا و الاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية فيكون مصداقا واحدا و فردا مستقلا من طبيعة الخط المأمور بها لا أنه مشتمل على الطبيعة و أمر أجنبي خارج عنها و اما فى الانفصالي منه كذكر الركوع المردد بين الواحد و الثلاثة فلأن طبيعة الذكر قد لوحظت مطلقا و لا بشرط بحيث يصدق على فرد يكون بشرط لا كالواحد و على فرد بشرط شي‏ء كالثلاثة

(نعم لو كان الغرض مترتبا على الأقل)

فقط

(من دون دخل للزائد)

فى الغرض‏

(لما كان الأكثر مثل الأقل و عدلا له)

فى الوجوب‏

(بل كان فيه اجتماع الوجوب و غيره مستحبا كان)

الغير

(أو غيره)

من المكروه و المحرم و المباح‏

(حسب اختلاف الموارد)

كالتكبيرات الست الافتتاحية المجامعة مع التكبيرة الواجبة و اذكار الركوع و السجود أو التسبيحة فى الركعتين الأخيرتين على القول بأن المطلوب لزوما هو الأقل، و الزائد مطلوب استحبابا، و كالقران بين السورتين على القولين فيه من التحريم و الكراهة و أمثال ذلك‏

(فتدبر جيدا)

(فصل فى الوجوب الكفائي)

و ان كان لا خلاف بين المسلمين فى وقوعه فى الشريعة إلا أنه قد يقع الاشكال فيه فى المكلف الذى يتعلق به الوجوب حيث انهم اتفقوا على ان حكم الكفائى هو عصيان الكل بالترك و أداء الواجب بفعل البعض و الاول قاض بوجوبه على الجميع و إلا فلا وجه لعصيان الكل بالترك و الثاني قاض بوجوبه على البعض و جواز تركه من الباقين و إلا فلا معنى لتأديته بفعل البعض و قد نقل فيه أقوال ثلاثة أحدها تعلق الوجوب بالجميع و سقوطه من الباقين بفعل البعض و عليه جميع الامامية و اكثر العامة، و ثانيها تعلقه بالبعض ممن يكتفي به فى أداء الفعل نظير ما ذكر فى الواجب التخييرى من تعلقه بواحد لا بعينه إلا أن الابهام هناك فى المكلف به و هنا فى المكلف و قد نسب ذلك الى الرازى و البيضاوى و الشافعية و ثالثها تعلقه بالمجموع من حيث هو مجموع فمع الترك يلزم عصيان المجموع بالذات و عصيان كل واحد

200

واحد بالعرض و مع اتيان البعض يصدق صدوره من المجموع فيسقط الوجوب و نسب هذا الى قطب الدين الشيرازى و التفصيل مذكور فى المطولات و اختار المصنف القول الأول و قال‏

(و التحقيق انه سنخ من الوجوب و له تعلق بكل واحد بحيث لو أخلّ بامتثاله الكل لعوقبوا على مخالفته جميعا و ان سقط عنهم لو أتى به بعضهم و ذلك لانه قضية ما اذا كان هناك غرض واحد يحصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض)

نظير ما حققناه فى الواجب التخييرى فان المكلفين فى الكفائى بمنزلة المكلف به فى التخييرى فكما ان المكلف فى التخييرى لو أتى بواحد من الواجبات يسقط الامر فكذلك فى الكفائى لو أتى أحد المكلفين بالواجب يسقط الامر من الباقين حيث ان الغرض المطلوب أمر واحد يحصل بفعل واحد صادر عن الكل أو عن البعض فاللازم حينئذ هو ايجابه على الكل مع سقوطه عنهم بفعل البعض و غيره بأن أوجبه على كل واحد واحد على نهج الواجب التعييني أو على البعض كذلك كان تخصيصا بلا مخصص فحاصل توجيه المصنف ان الخطاب متعلق بكل واحد ممن يكتفى به عينا إلا أن خطاب كل واحد منهم مشروط بعدم فعل الآخر ففي الحقيقة هنا خطابات متعددة حسب تعدد المكلفين مشروطة بعدم تحقق الفعل من الآخر و يمكن ان يؤجّه ايضا بأن الغرض من المأمور به هنا يحصل بمجرد صدوره من طبيعة المكلف بوجوده السعي لا على وجودها السارية فى كل فرد من افرادها كما في صلاة الظهر مثلا فانه على الثاني يكون الوجوب عينيا لا يسقط بفعل البعض عن الباقين بل يتعدد الوجوب حسب تعدد المكلفين و فعل كل واحد يسقط الوجوب عنه فقط لا عن غيره بخلاف الاول فان موضوع التكليف هو صرف طبيعة المكلف بوجوده السعي و هو يصدق لو فعله شخص واحد فبامتثاله يسقط الغرض فلا يبقى مجال لامتثال الباقين‏

(كما ان الظاهر هو امتثال الجميع لو أتوا به دفعة و استحقاقهم للمثوبة و سقوط الغرض بفعل الكل كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد)

من غير فرق بين التوجهين فى ذلك اما على توجيه المصنف فواضح، و اما على التوجيه الأخير فلصدق صرف طبيعة الوجود على الكل كما انه عند ترك الجميع ذلك المأمور به فالعقاب على الجميع من غير فرق بين التوجيهين أيضا، اما على توجيه المصنف فواضح، و اما على التوجيه الأخير فلتحقق مناط العقاب في الكل‏

(فصل)

في الواجب الموقت و الموسّع‏

(لا يخفى انه و ان كان الزمان مما لا بد منه عقلا في الواجب)

و لو بطرفه المسمى بالآن حدوثا و ان كان بقائه في الزمان كالوصولات الى حدود المواقيت و المشاعر بالنسبة الى احكامها

(إلا أنه تارة)

يكون الزمان المعتبر فيه عقلا

(مما له دخل)