شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
201

(فيه شرعا)

بحيث لا يجوز تقديمه و لا تأخيره‏

(فيكون)

الواجب حينئذ

(موقتا و اخرى لا دخل له فيه أصلا)

بالمعنى المذكور كالنذر المطلق و قضاء الفوائت على القول بالمواسعة كما هو المشهور

(فهو غير موقت)

و ان كان قد يراد من المكلف ايقاعه على وجه التعجيل كالحج بالنسبة الى عام الاستطاعة لا الى الموسم فيسمى فوريا و قد لا يكون كذلك و هو غير فورى‏

(و الموقت)

بعد بديهة استحالة كون زمان الفعل الواجب أنقص منه لكونه تكليفا بما لا يطاق‏

(اما أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره فمضيق)

كالصوم‏

(و اما أن يكون أوسع منه فموسع)

كالصلوات الخمس بالنسبة الى أوقاتها و لا اشكال فى الأول و ان كان قد يتوهم ان فيه اشكالا من جهة ان الانبعاث لا بد و أن يكون متأخرا عن البعث و لو آنا ما فاذا فرض تحقق وجوب الصوم المشروط بالفجر قبله فيلزم تقدم المشروط على شرطه و هو مستلزم لتقدم المعلول على علته و اذا فرض حين الفجر فلا بد و أن يتأخر الانبعاث آنا ما هذا خلف فلا بد و أن يلتزم بتقدير الوجوب قبل الفجر آنا ما حتى لا يلزم أحد المحذورين و لازمه إنكار وجود المضيّق و يتوهم ان له حلّا و هو ان المسلّم تقدم البعث على الانبعاث تقدما ذاتيا لا زمانيا فلا مانع من كون أول آن الفجر زمان الوجوب و الانبعاث كليهما فى العلل و المعلولات التكوينية لكنه فاسد أما الاشكال فلأن الالتزام بتقدير الوجوب قبل الفجر آنا ما بمعنى وقوع خطاب المولى فى ذاك الآن لا يستلزم إنكار وجود المضيق و هو واضح، و اما الجواب فلأن تقدم البعث على الانبعاث نحو الفعل تقدما ذاتيا مع توسيط الاختيار فى البين فمما يضحك منه الثكلى و انما الاشكال فى الثاني حيث انه يؤدي الى جواز ترك الواجب فى أول الوقت و فى أواسطه حتى يبقى من الوقت بمقدار الفعل و هو ينافى وجوبه فى كل جزء من أجزاء الوقت، فلذلك ذهب بعضهم الى اختصاص الوجوب فيما ظاهره التوسعة بأول الوقت و بعضهم بآخره، و التفصيل فى المطولات و المصنف اختار ما ذهب اليه المحققون من جوازه و وقوعه من غير اشكال فيه كي يلزم التأويل فيما ظاهره التوسعة و قال‏

(و لا يذهب عليك ان الموسع كلي كما كان له أفراد دفعية كان له أفراد تدريجية يكون التخيير بينها كالتخيير بين أفرادها الدفعية عقليا)

بمعنى ان الغرض اذا كان مترتبا على الطبيعة على وجه الاطلاق من دون أخذ خصوصية فيها فالواجب هو أداء تلك الطبيعة المطلقة فى أي جزء من أجزاء الزمان الذي عين له من غير تعيين جزء بالخصوص من تلك الاجزاء للزوم الترجيح من غير مرجح فخصوصية الاجزاء انما تكون معتبرة لكونها من وجود تلك الطبيعة فلا تكون متعلقة للخطاب كي يكون التخيير شرعيا و تلك الطبيعة لها أفراد تدريجية و أفراد دفعية فكما ان التخيير بين الأفراد الدفعية العرضية عقلي كذلك التخيير بين الأفراد التدريجية الطولية لاستواء نسبة الطبيعة المذكورة اليها كلها

(و لا)

202

(وجه لتوهم أن يكون التخيير بينها شرعيا)

كسائر موارد التخيير الشرعي غاية الأمر ان التخيير هناك بين الأفعال المختلفة بحسب الحقيقة و هاهنا بين الأفراد المتفقة الحقيقة المختلفة بحسب قطع الزمان‏

(ضرورة ان نسبتها)

أي نسبة الأفراد المختلفة بحسب قطع الزمان، و بعبارة اخرى الافراد التدريجية

(الى الواجب نسبة أفراد الطبائع اليها كما لا يخفى و وقوع الموسع فضلا عن إمكانه مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و لا اعتناء ببعض التسويلات كما يظهر من بعض المطولات)

و بالجملة فالتخيير فى المقام تخيير فى أداء الواجب لا فى أصله و هذا واضح بقى الكلام فى أن الموقت هل يفوت رأسا بفوات وقته أو يجب الاتيان به اذا فات فى الوقت اختيارا أو لعذر فنقول ان الموقت بحسب مقام الثبوت يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الفعل مقيدا بالوقت بحيث لو انتفى القيد و الحد لانتفى المقيد و المحدود و لا يمكن تحصيل الغرض بعد، ثانيهما أن يكون بحيث لو انتفى القيد لما انتفى المقيد بل ذات المقيد يصير مقيدا بقيد آخر يكون مطلوبا أيضا و يستكشف حينئذ ان المطلوب متعدد و اذا انتفى أحدهما فلا يلزم من ذلك انتفاء الآخر، و بعبارة اخرى المطلوب واحد بحسب سنخ طبيعته و أصل ذاته و له مراتب متعددة طولية بحسب المطلوبية بحيث يطلب أولا المرتبة الاعلى من تلك الطبيعة فان فاتت و لو بالعصيان فالمرتبة الادنى منها و هكذا فحينئذ يمكن أن يكون الغرض الداعي الى ايجابه غرضا واحدا يترتب على المرتبة الاعلى و على المراتب التالية لو فاتت السابقة و يمكن ان يكون الغرض مثل الفعل فى كونه ذا مراتب متفاوتة فى الكمال و النقص متحدة بحسب اصل الحقيقة مترتبة كل مرتبة منها على مرتبة من مراتب ذاك الفعل العليا على العليا و الوسطى على الوسطى و هكذا

(ثم انه)

بحسب مقام الاثبات و ان كان فيه اقوال ثلاثة ثالثها التفصيل بين كون القرينة على التوقيت متصلة فيسقط و بين كونها منفصلة فلا يسقط و المصنف قد اختار هذا القول فقال‏

(لا دلالة للامر بالموقت بوجه)

من وجوه الدلالة لا لغة و لا عرفا

(على الامر به فى خارج الوقت بعد فوته فى الوقت لو لم نقل بدلالته على عدم الامر به، نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل)

عن دليل أصل الوجوب‏

(لم يكن له)

أي لدليل المنفصل‏

(إطلاق على التقييد بالوقت)

أي إطلاق يدل على التوقيت بحسب جميع مراتب المطلوبات بأن دل على التقيد لمرتبة خاصة و عدم التقييد لمرتبة اخرى او كان من جهة المرتبة الاخرى مجملا و مهملا

(و كان لدليل الواجب إطلاق لكان قضية إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت و كون التقييد به بحسب تمام المطلوب)

و كماله‏

(لا)

بحسب‏

(أصله)

بجميع مراتبه‏

(و بالجملة التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب كذلك ربما يكون بنحو تعدد المطلوب بحيث كان أصل الفعل و لو فى خارج الوقت مطلوبا فى الجملة و ان لم يكن بتمام المطلوب إلا انه لا بد فى إثبات انه بهذا النحو من دلالة و لا)

203

(يكفي)

نفس‏

(الدليل على الوقت إلا فيما عرفت و مع عدم الدلالة فقضية اصالة البراءة عدم وجوبها فى خارج الوقت)

نعم لو قام دليل على وجوب القضاء فى خارج الوقت يمكن أن يقال ان هذا الدليل كاشف عن بقاء الامر الاول بنحو تعدد المطلوب لكن مجرد إمكان ذلك غير مفيد ما لم يثبت بالدليل لاحتمال كون هذا الدليل كاشفا عن كون القيد دخيلا فى الغرض فى حال الاختيار فقط بل قد قيل ان الامر بالقضاء امر جديد حادث بفوت الواجب الاول و لا ارتباط له بالكشف عن احد الامرين المذكورين فان ظاهر لفظ القضاء هو تدارك ما فات فى وقته و على كل واحد من الكشفين لا معنى للتدارك لان الفعل فى خارج الوقت مأمور به بنفس الامر الاول غاية الامر ان الملاك فى الكشف الاول هو كون ذات الفعل مطلوبا مستقلا و القيد مطلوبا مستقلا آخر فيكون هناك طلبان فى عرض واحد و فى الكشف الثاني هو وحدة الطلب و هو متعلق بالمقيد عند التمكن و بفاقد القيد عند عدمه‏

(و لا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت)

لارتفاع الموضوع و هو الوجوب الخاص أي المقيد بالوقت قطعا و ما قيل من بديهة جواز استصحاب الموقتات فلا ارتباط له بالمقام فانه انما يكون فيما اذا وجب شي‏ء فى الساعة المخصوصة من الايام كصلاة الظهر مثلا و شك فى وجوبها فى يوم من الايام فى تلك الساعة و اما اذا شك فى الوجوب فى زمان لا يكون من سنخه فلا، اللهم إلا ان يقال بمساعدة العرف على الحكم باتحاد ما هو في خارج الوقت مع ما هو في الوقت و هو كما ترى و يمكن القول بجريان استصحاب الكلي من قبيل القسم الثالث هنا فانا نشك عند زوال الفرد و هو الصلاة المقيدة بالوقت في حدوث فرد آخر للوجوب و هو المقيد بخارج الوقت فنستصحب الكلي و هو الوجوب باعتبار تعلقه بالطبيعة الكلية من الصلاة اللهم إلا ان يقال بعدم مساعدة العرف على الحكم باتحاد الزائل مع الحادث بل يريهما متباينين‏

(فتدبر جيدا)

.

(فصل الامر بالامر بالشي‏ء)

اختلفوا في ان الامر بالامر بالشي‏ء هل هو امر به ام لا على قولين: الاول نسب الى بعض المتأخرين من اصحابنا و الثاني نسب الى المحققين و ادلة الطرفين مدخولة كما يظهر من الرجوع الى المفصلات، و العمدة هو بيان مبنى القولين ثم تعيين ما هو المختار منهما، الظاهر ان مبنى المسألة هو الدلالة العرفية لا من جهة الوضع و لا من جهة الالتزام العقلي بمعنى ان العرف هل يفهم منه ان الواسطة مبلغ للحكم الذي انشأه الاول الى الثالث و طريق لثبوت الحكم عليه حتى يكون الثالث مأمورا من الاول او منشئ للحكم بالنسبة الى الثالث و لها موضوعية في ثبوت الحكم عليه فلا يكون مامورا من الاول لو بلغه أمر الاوّل من غير جهة تبليغ الواسطة

204

و اختار المصنف العدم من جهة انه بحسب مقام الثبوت يحتمل الأمرين و ليس فى مقام الاثبات ما يعين أحدهما فقال‏

(الأمر بالأمر بالشي‏ء أمر به لو كان الغرض حصوله)

أي حصول المأمور به فى الخارج‏

(و لم يكن له)

أي للآمر الأول‏

(غرض فى توسيط أمر الغير به إلا تبليغ أمره به كما هو المتعارف فى أمر الرسل بالأمر أو النهي و اما لو كان الغرض من ذلك يحصل بأمره)

أي بأمر الغير

(بذاك الشي‏ء من دون تعلق غرضه به)

أي بحصول المأمور به‏

(أو مع تعلق غرضه به لا مطلقا بل بعد تعلق أمره)

أي أمر الغير

(به فلا يكون أمرا بذاك الشي‏ء كما لا يخفى)

هذا بحسب مقام الثبوت‏

(و قد انقدح بذلك انه)

أي بحسب مقام الاثبات‏

(لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر على كونه أمرا به و لا بد فى الدلالة عليه من قرينة عليه)

و يمكن أن يقال ان غلبة الأمر بالأمر بالشي‏ء فى القسم الأول أي الطريقية و المبلغية و كون الغرض متعلقا بنفس الفعل بحكم الاستقراء صار منشأ لظهوره فيه فمقتضى الأصل هو الطريقية ما لم تكن هناك قرينة صارفة عنه و مما ذكرنا يظهر الحال فيما اذا أمر بنهي غيره عن شي‏ء فمن يقول بكون الأمر بالأمر أمرا يقول بأنه نهي و النافى هناك ينفيه هنا و لو نهاه عن النهي عن الشي‏ء فالظاهر عدم افادته النهي عنه بل لا يبعد القول بدلالته على عدم كون الفعل مبغوضا ممنوعا إلا أن يكون هناك قرينة على أن النهي قد تعلق بمجرد نهيه كما انه لو نهاه عن الأمر فلا يبعد القول بدلالته على جواز تركه إلا أن تكون هناك قرينة على أن النهي قد تعلق بمجرد أمره و ذلك لبديهة انه لا مانع عن النهي عن الحرام و الأمر بالواجب فالمنع منهما يكشف عن انتفاء التحريم و الوجوب فافهم ذلك.

(فصل اذا ورد أمر بشي‏ء بعد الأمر به قبل امتثاله)

و كان ذلك الشي‏ء قابلا للتعدد و التكرار عقلا أو شرعا

(فهل يوجب)

الأوامر المتعددة

(تكرار ذلك الشي‏ء)

حسب تكرار الأمر

(أو تأكيدا للامر الأول و البعث الحاصل به)

بحيث لو أتى به المكلف مرة كان ممتثلا ففيه وجهان بل يمكن أن يكون فيه قولان‏

(إذ قضية إطلاق المادة هو التأكيد فان الطلب تأسيسا لا يكاد يتعلق بطبيعة واحدة مرتين من دون أن يجي‏ء تقييد لها فى البين و لو كان بمثل مرة اخرى كي يكون متعلق كل منهما غير متعلق الآخر كما لا يخفى)

فان صرف الشي‏ء سواء كان طبيعة الطلب أو طبيعة المطلوب لا يتثنى و لا يتكرر ما لم ينضم اليها ما يكثرها نوعا أو صنفا أو شخصا

(و المنساق من إطلاق الهيئة و ان كان هو تأسيس الطلب لا تأكيده)

فهي باطلاقها تقتضي التكرار لو خليت و طبعها

(إلا أن الظاهر هو انسباق التأكيد عنها فيما كانت مسبوقة)

205

(بمثلها و لم يذكر هناك سبب)

كقوله صلّ صل‏

(أو ذكر سبب واحد)

كقوله اذا زالت الشمس صل صل أو اذا زالت الشمس صل اذا زالت الشمس صل و الحاصل انه لو حملنا الأمر بعد الأمر على التأسيس فلا بد من التصرف فى اللفظ بتقييد المادة فى الثاني بما يتصور معه التعدد بخلاف ما لو حملناه على التأكيد فانه لا حاجة حينئذ الى تصرف فى اللفظ أصلا و انما قيد المصنف العنوان بقوله قبل امتثاله كما انه قيدناه بكونه قابلا للتعدد عقلا أو شرعا لبديهة خروج الأمر بعد الأمر بعد الامتثال للامر الأول و ما ليس بقابل للتعدد عن محل النزاع لاتفاقهم على التأسيس فى الأول و عدم معقوليته فى الثاني و ليعلم ان المستفاد من تتبع كتب الاصول هو أن عنوان محل الكلام هو العنوان المذكور فى الكتاب بزيادة قيدين آخرين أحدهما عدم كون الثاني معطوفا على الأول، الثاني كونهما منكرين أو بمنزلتهما كقوله صل ركعتين صل ركعتين أو صم صم فالمحكي عن قوم منهم الصيرفي الاتحاد و عن الشيخ و ابن زهرة و الفاضلين و غيرهما البناء على تغاير التكليفين و نسب الى جماعة منهم العلامة فى النهاية و العضدي و الأزدي و أبو الحسين التوقف فان كان الأمر الثاني معطوفا على الأول و كانا منكّرين نحو صل ركعتين و صل ركعتين فالحكم فيه التأسيس و التعدد من غير ظهور خلاف فيه لظهور العطف فيه و رجحان التأسيس على التأكيد و كذا الحكم لو كانا معرفين أو كان الأول معرفا و الثاني منكرا و اما العكس ففيه أقوال الأول التأسيس ذهب اليه جماعة منهم ابن زهرة و العلامة و الآمدي و الرازي، الثاني التأكيد ذهب اليه بعض المتأخرين و ربما يستظهر ذلك من السيد العميدي، الثالث التوقف و هو المحكي عن المحقق و أبي الحسين البصري و العضدي و الاستاد المصنف أعرف بمحل النزاع و لأجل ذلك قلنا فى صدر البحث ففيه وجهان بل يمكن أن يكون فيه قولان.

(المقصد الثانى في النواهي)

(فصل الظاهر ان النهي بمادته و صيغته فى الدلالة على الطلب مثل الأمر)

(غير أن متعلق الطلب فى أحدهما الوجود و فى الآخر العدم فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت فيه أصلا)

فكما ان مادة الأمر للطلب الالزامي فكذلك مادة النهي و كما ان الظاهر اعتبار العلو في الأمر فكذلك هنا فكما ان العالي لو طلب شيئا خافضا جناحه فذلك لا يخرجه عن كونه أمرا فكذلك فى النهي و كما أن الآمر لو لم يكن عاليا و طلب استعلاء لا يكون آمرا إلا بالعناية و المجاز

206

فكذلك النهي و كما أن الهيئة للطلب الالزامي المتعلق بالطبيعة المطلقة الغير المقيدة بالمرة و التكرار و الفور و التراخي فكذلك النهي و كما أن سائر الخصوصيات كالتهكم و التعجيز و التهديد و غير ذلك انما يكون من قبيل الدواعي لا المعاني فكذلك هاهنا

(نعم يختص النهي بخلاف)

لا يجري فى الأمر

(و هو ان متعلق الطلب فيه هل هو الكف)

كما ذهب اليه الحاجي و العضدي و التحقيق انه هو الميل عن الفعل و الانصراف عنه عند تصور فعله و تركه إذ العاقل اذا تصور فعل الشي‏ء و تركه فلا محالة يميل الى أحد الجانبين فالكف هو ميله الى جانب الترك‏

(أو مجرد الترك و)

نفس‏

(أن لا يفعل)

و الفرق بينه و بين الكف المذكور هو انه مقارن للكف المذكور قطعا بخلاف الكف فانه لا يلزم مقارنة الترك لجواز أن لا يفعل و لا يخطر بباله الكف عنه‏

(و الظاهر هو الثاني)

إذ المتبادر من الصيغة فى محاورات العرف هو ذلك و لأن الذم و العقوبة انما يترتب على عصيان المكلف بايجاده الفعل الذي طلب منه تركه فلو كان المطلوب بالنهي هو الكف لزم أن لا يتعلق الذم و العقوبة على الفعل بل على ترك الكف عنه و من البين خلافه و القول بأن متعلقه هو الكف فانه فعل مقدور يصح تعلق التكليف به بخلاف نفس عدم الفعل فانه أزلي سابق على وجود المكلف فلا يكون مقدورا له فلا يصح تعلق الطلب به فقد أشار المصنف الى بطلانه بقوله‏

(و توهم ان الترك و مجرد ان لا يفعل خارج عن تحت الاختيار فلا يصح ان يتعلق به البعث و الطلب فاسد فان الترك أيضا يكون مقدورا و إلا لما كان الفعل مقدورا أو صادرا بالارادة و الاختيار)

لتساوى نسبة القدرة الى الوجود و العدم، غاية الأمر أن العدم خفيف المئونة يكفي فيه عدم حصول أسباب الوجود بخلاف الوجود للزوم استناده الى سبب وجودي فعدم الميل الى ايجاده عقيب تصوره يكفي فى عدم الفعل كعدم حصول الجزم عقيب حدوث الميل فلو كان متعلق النهي هو الكف لكونه من الامور الوجودية القائمة بالنفس لا بد حينئذ من حصول مقدمات وجود هذا الكف من الارادة و الاختيار و من البديهي انه لا يحتاج الى تلك المقدمات الوجودية فى مقام امتثال النهي بالوجدان‏

(و كون)

ذات‏

(العدم الأزلي لا بالاختيار لا يوجب أن يكون كذلك)

أي لا بالاختيار

(بحسب البقاء و الاستمرار الذي يكون بحسبه محلّا للتكليف)

فمقدورية الفعل انما تكون باقتدار الفاعل على قطع استمرار العدم بالتأثير فى الوجود فيكون العدم مقدورا بذلك المعنى أيضا أي بعدم التأثير فى الوجود و قد علمت ان عدم التأثير فى الوجود يكفي فى عدم الشي‏ء لا يقال ان ابقاء العدم على استمراره معناه إرادة عدم الفعل و هو عين كف النفس عن الفعل فالمطلوب بالنهي يصير حينئذ هو الكف لأنا نقول فرق واضح بينهما إذ فى صورة كون الكف مطلوبا تكون الارادة جزء متعلق النهي بخلاف ما اذا كان المطلوب عدم الفعل فان المولى حينئذ ينهى عن الفعل أي يطلب من المكلف‏

207

عدم الفعل ليريد المكلف ذاك العدم فيكون النهي حينئذ داعيا على إرادة العدم فارادة العدم تترتب على النهي و لا تكون جزء متعلقه‏

(ثم انه لا دلالة لصيغته على الدوام و التكرار كما لا دلالة لصيغة الأمر)

لما علمت من أنه لطلب ترك الطبيعة المطلقة

(و ان كان قضيتهما)

أي قضية الأمر و هو طلب الطبيعة و قضية النهي و هو طلب ترك الطبيعة

(عقلا يختلف و لو مع وحدة متعلقهما بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها و قيدها تعلق بها الأمر مرة و النهي اخرى ضرورة ان وجودها)

كما هو المطلوب فى الأوامر

(يكون بوجود فرد واحد و)

لكن‏

(عدمها لا يكاد يكون إلا بعدم الجميع كما لا يخفى و من ذلك يظهر ان الدوام و الاستمرار انما يكون فى النهي اذا كان متعلقه طبيعة)

واحدة

(مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال فانه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة)

المطلقة

(معدومة إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية)

العرضية

(و التدريجية)

الطولية بحسب الزمان دون ما اذا تركها فى وقت أو حال و أتى بها فى آخر لظهور صدق اتيانه حينئذ بالطبيعة و هو لا يجامع صدق تركه لها، غاية الأمر صدق تركها فى الزمان أو الحال المفروض و هو لا يستلزم صدق ترك الطبيعة مطلقا و اما اذا كان متعلقه طبيعة مقيدة بزمان أو حال كما اذا قال لا تضرب زيدا يوم الجمعة، أو اذا جاءك فان انعدام مثل هذه الطبيعة انما يكون بتركها فى ذلك الزمان أو الحال لا بتركها فى جميع الأزمنة و الأحوال‏

(و بالجملة قضية النهي ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له كانت مقيدة أو مطلقة و قضية تركها عقلا انما هو ترك جميع أفرادها)

ان مطلقة فمطلقة و ان مقيدة فمقيدة، و بالجملة ان الدوام و التكرار فى النهي إنما هو بقضاء العقل و ليس بحسب دلالة اللفظ إلا طلب ترك طبيعة المتعلق مطلقة كانت أو مقيدة

(ثم انه لا دلالة للنهي على إرادة)

المولى‏

(الترك لو خولف)

بايجاد الطبيعة المنهى عنها

(أو عدم إرادته)

بعد المخالفة كما انه لا دلالة للامر على إرادة الفعل لو خولف بالترك و عدم إرادته و ان كان بحسب مقام الثبوت يحتمل الوجهين‏

(بل لا بد فى تعيين ذلك من دلالة)

من ضرورة، أو إجماع أو غير ذلك مما يدل على انحلال الحكم على الطبيعة الى أحكام متعددة حسب تعدد أفرادها

(و لو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة)

أي إطلاق من جهة المطلوبية و لو بعد المخالفة

(و لا يكفي إطلاقها)

أي المتعلق و التأنيث باعتبار كونه مادة أو طبيعة

(من سائر الجهات)

ككونه لا بشرط بالنسبة الى المرة و التكرار أو الفور و التراخى و كذلك الكلام فى جانب الأمر و لما كان الاطلاق بحسب المقامات يختلف فرب مقام يستفاد من الاطلاق الاستغراق و رب مقام يستفاد العموم البدلي و رب مقام يقتضي الحمل على الخصوصية فلا بد من التحري و التصفح، و اما مسئلة النذر المتعلق بترك المباح اذا كان فيه رجحان ديني او دنيوي كما اذا نذر ان لا يشرب الماء فبمجرد تحقق العصيان فى‏

208

آن واحد يسقط الحكم و لا يحرم الشرب بعد تحقق الحنث إجماعا فلا ينافي ما ذكرنا من أن طلب ترك الطبيعة يستلزم عقلا ترك جميع افرادها و ذلك لأن الحرمة فى مسئلة النذر لم تنشأ عن مفسدة كائنة فى شرب الماء كي يشترك فى ذلك جميع الأفراد الدفعية و التدريجية بل انما نشأت عن مفسدة فى الحنث فاذا تحقق الحنث فلا مقتضى لبقاء الحكم بعده، نعم لو تعلق النذر بترك المحرمات كشرب الخمر او بترك المباحات فى كل آن بأن يجعل الزمان قيدا للموضوع يبقى الحكم بعد تحقق العصيان أيضا

(فتدبر جيدا)

.

(فصل اختلفوا فى جواز اجتماع الأمر و النهى فى واحد و امتناعه)

(على اقوال ثالثها جوازه عقلا و امتناعه عرفا)

(و قبل الخوض فى المقصود يقدم امور)

:

(الأول المراد بالواحد)

الذي جعل متعلق الاجتماع‏

(مطلق ما كان)

فى عالم الوجود

(ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين بأحدهما كان موردا للامر و بالآخر للنهي و ان كان كليا مقولا على كثيرين كالصلاة)

أي الحركة و السكون بقصد الصلاة

(فى المغصوب و انما ذكر هذا)

القيد فى العنوان‏

(لإخراج ما اذا تعدد متعلق الأمر و النهى و لم يجتمعا وجودا و لو جمعها واحد مفهوما كالسجود للّه تعالى و السجود للصنم مثلا لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعى كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية)

و الدليل على ذلك هو أن المانع من الاجتماع كما ستعرف يتشبث بذيل امتناع اجتماع الحكمين فى موضوع واحد لتضادهما فمثل الأمر و النهى المتعلق بعنوانين لم يجمعهما وجود خارج بالبديهة، ضرورة كون الموضوع متعددا وجودا و ان كان يصدق عليهما مفهوم واحد و لا فرق فيما ذكره المانع بين ان يكون الواحد المذكور امرا شخصيا او كليا كالصلاة فى المغصوب مكانا او لباسا فما ذكره بعض المحققين من ان المراد هو الواحد الشخصي ذو العنوانين قبالا للواحد بالنوع او الجنس تخصيص بلا مخصص.

(الثاني الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهى فى العبادات)

(هو ان الجهة المبحوث عنها فيها)

أى في هذه المسألة

(التي بها تمتاز المسائل)

اى تمتاز بعض مسائل علم عن بعض مسائله الآخر لا باعتبار آخر لإمكان اتحاد المسألتين من علم واحد بحسب الموضوع و المحمول‏

(هي ان تعدد الوجه و العنوان في الواحد)

هل‏

(يوجب تعدد متعلق الأمر و النهى بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد)

بأن يكون العنوانان بما هما امران مستقلان بحسب ملاحظة العقل موضوعين للحكمين من غير ان يسرى الحكم الى المعنون فيكون حال‏

209

العنوانين حينئذ كحال الموضوعين المتجاورين‏

(أو لا يوجبه بل يكون حاله حاله)

أي يكون حال الشي‏ء ذى العنوانين حال الشي‏ء ذى العنوان الواحد فى الاستحالة بأن يكون العنوانان مرآتين لملاحظة حال المعنون غير مستقلين فى اللحاظ منظورا بهما المعنون فحينئذ يكون الحكم على العنوان ساريا على المعنون بهما فيكون الموضوع للحكمين حينئذ أمرا واحدا حقيقة

(فالنزاع)

فيما نحن فيه‏

(فى سراية كل من الأمر و النهي الى متعلق الآخر لاتحاد متعلقهما وجودا و عدم سرايته لتعددهما وجها و هذا بخلاف الجهة المبحوث عنها فى المسألة الاخرى فان البحث فيها فى أن النهي فى العبادة يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجه اليها)

أي بعد الفراغ عن أن النهي تعلق بنفس ما تعلق به الأمر فالغرض فى المسألة الآتية هو استعلام ان النهي المتعلق بفرد من أفراد المأمور به هل يقتضي رفع الترخيص الوضعي المستفاد من من إطلاق الأمر و لهذا يجوز للقائل بالامتناع فى هذه المسألة أن يقول بالصحة عند ترجيح جانب الأمر

(نعم لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي فى مسئلة الاجتماع يكون مثل الصلاة فى الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة فانقدح ان الفرق بين المسألتين فى غاية الوضوح)

فانقدح مما ذكرنا انهم لو عنونوا البحث بأنه اذا تعلق أمر و نهى بشيئين متحدين فى الخارج فهل يوجب ذلك تعلق كل منهما بعين ما تعلق به الآخر حتى يسقط أحد الحكمين أم لا لكان أظهر و أوضح و ذلك لأن العنوان المعروف يوهم ان القائل بالجواز لا يعترف بتضاد الحكمين أو لا يرى استحالة اجتماعهما مع انه ليس كذلك بل مدعاه عدم لزوم الاجتماع من اتحاد متعلقي الحكم فى الوجود الخارجى‏

(و اما ما أفاده فى الفصول من الفرق بما هذه عبارته: ثم اعلم ان الفرق بين المقام و المقام المتقدم هو ان الأمر و النهى هل يجتمعان فى شي‏ء واحد أولا اما فى المعاملات فظاهر)

حيث انه لا يكون فى المعاملات فى حد ذاتها وجوب كي يتحقق مورد الاجتماع و ان كان بالعرض ممكن الاجتماع كما فى صورة النذر و شبهه و فى صورة الوجوب الغيري مع الحرام كما سيأتي من المصنف التصريح به‏

(و اما فى العبادات فهو ان النزاع هناك فيما اذا تعلق الأمر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة و ان كان بينهما عموم مطلق و هنا فيما اذا اتحدا حقيقة و تغايرتا بمجرد الاطلاق و التقييد بأن تعلق الأمر بالمطلق و النهي بالمقيد انتهى موضع الحاجة)

توضيحه أن النزاع فى مسئلة الاجتماع فيما اذا تعلق الأمر و النهي بطبيعتين متغايرتين فى الحقيقة سواء كان بينهما عموم من وجه كصلّ و لا تغصب أو عموم مطلق كما اذا أمر بالحركة و نهى عن التداني الى دار كذا و فى مسئلة النهي فى العبادات فيما اذا تعلق الأمر و النهي بالمتحدين بحسب الحقيقة المتغايرين بحسب الاطلاق و التقييد كقوله صل و لا تصل فى الحمام و أشار فى هذه التفرقة الى فساد الفرق الذى ذكره المحقق القمى قده من أن النسبة هاهنا بين الجهتين عموم من وجه‏

210

بخلاف مسئلة النهى فى العبادات فانه بينهما عموم و خصوص مطلق‏

(فاسد فان مجرد تعدد الموضوعات و تغايرها بحسب الذوات لا يوجب التمايز بين المسائل)

بحيث يوجب عقد فصلين للبحث عنهما

(ما لم يكن هناك اختلاف الجهات و معه)

أي و مع اختلاف الجهات‏

(لا حاجة أصلا الى تعددها)

أي تعدد الموضوعات فرب أشياء متغايرة ذاتا متحدة بحسب جهة البحث عدت مسألة واحدة كما يظهر لمن تأمل مسألة الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة، و رب شي‏ء واحد له جهات متعددة لا بد و ان يجعل بحسب كل جهة جهة مسئلة على حدة كمسألة الأمر للوجوب و مسئلة الأمر للفور و مسئلة الامر للمرة و هكذا

(بل لا بد من عقد مسألتين مع وحدة الموضوع و تعدد الجهة المبحوث عنها)

كما عرفت من الامثلة

(و عقد مسئلة واحدة فى صورة العكس كما لا يخفى)

كمسألة الاستثناء المتعقب للجمل فانه فى الحقيقة بحث عن حال القيد المتعقب للجمل استثناء كان أو صفة أو بدلا أو عطف بيان و أمثال ذلك‏

(و من هنا انقدح أيضا فساد الفرق بأن النزاع هنا فى جواز الاجتماع عقلا و هناك فى دلالة النهى لفظا فان مجرد ذلك)

الفرق‏

(لو لم يكن تعدد الجهة فى البين لا يوجب إلا تفصيلا فى المسألة الواحدة)

بأن يقال أما عقلا فيجوز أو لا يجوز و اما لفظا فكذا

(لا عقد مسألتين هذا مع عدم اختصاص النزاع فى تلك المسألة)

أي مسئلة الاجتماع‏

(بدلالة اللفظ كما سيظهر)

.

(الثالث)

انك قد علمت من مطاوى هذا الكتاب انه‏

يمكن أن تكون لمسألة واحدة موضوعا و محمولا و نسبة جهات متعددة تكون مندرجة تحت العلوم المتعددة حسب تعدد جهاتها كقولنا الامر للوجوب حيث انه تكون اصولية و لغوية فنقول فى هذه المسألة

(انه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع فى طريق الاستنباط)

بأن تصير كبرى لصغرى وجدانية بأن تجتمع فى شي‏ء واحد جهتان إحداهما كانت مأمورا بها و الاخرى منهيا عنها و يستنتج منهما صحة العبادة اذا اتي بالمجمع أو فسادها

(كانت المسألة من المسائل الاصولية لا من مباديها الأحكامية)

كما عن العضدى و تبعه الشيخ البهائى ره‏

(و لا التصديقية و لا من المسائل الكلامية و لا من المسائل الفرعية و ان كانت فيها جهاتها كما لا يخفى)

فاذا قطع المجتهد بحكم العقل أو ظن بالظن المعتبر (*) خاصا أو مطلقا باستحالة الاجتماع أو جوازه فقد علمت وجه كون هذا من المسائل الاصولية و اما كينونة سائر الجهات فيها فهو من حيث ان الوجوب الذى‏

____________

(*) كما قد يظن من قوله- ص- لا يطاع اللّه من حيث يعصى و قوله لو ان الناس اخذوا ما أمرهم اللّه به فأنفقوا فيما نهاهم عنه ما قبله منهم و لو أخذوا ما نهاهم اللّه عنه فأنفقوا فيما أمرهم به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق و ينفقوه فى حق.

منه دام ظله‏

211

هو حكم من الاحكام اذا ثبت انه مفاد الامر فالمناسب ذكر بعض أحكامها و أوصافها افادة لزيادة البصيرة فى معرفة الوجوب و من أحكامه جواز اجتماعه مع ما هو ضد له أو عدم جوازه يكون من المبادى‏ (*) الاحكامية نظير الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته كما اشير اليه فى بحث مقدمة الواجب و من حيث ان صحة الصلاة متفرعة على عدم التطارد و التنافر بين صدق جهتي الامر و النهى على شي‏ء واحد و تبيين ذلك متوقف على تحقيق مسئلة جواز الاجتماع و عدمه تكون من المبادى التصديقية و من حيث جواز صدور تكليف كذائى أى تكليف بالايجاب و التحريم فى شي‏ء واحد من المبدا تعالى تكون مسئلة كلامية لانه لا بد و أن يبحث فيه عن أحوال المبدا و المعاد أو لأن الامر و النهى قسمان من الموجود بما هو موجود فلا بد و أن يبحث فى علم الكلام عن جواز اجتماعهما و استحالته لانه حال من أحوالهما بناء على ان موضوع علم الكلام هو الموجود بما هو موجود و من حيث ان موضوع الحكمين هو فعل المكلف فيصح ان يبحث الفقيه عنه و يقول الصلاة فى المغصوب الذى اجتمع فيها الامر و النهى صحيحة أم لا تكون فقهية، و بالجملة لا استغراب في كون مسئلة واحدة مسائل لعلوم متعددة حسب تعدد الجهات إلا أنه ما دام يمكن أن يجعل من مسائل العلم الذى تذكر فيه بجهة من الجهات لا وجه لارتكاب الاستطراد و التبعية فيها و اليه أشار المصنف بقوله‏

(ضرورة ان مجرد ذلك لا يوجب كونها منها)

أى ان مجرد وجود الجهات التي بها لا تكون من مسائل العلم بل من مسائل علوم أخر لا يوجب كونها من مسائل العلوم الأخر

(اذا كانت فيها جهة اخرى يمكن عقدها معها من المسائل إذ لا مجال حينئذ لتوهم عقدها من غيرها في الاصول و ان عقدت كلامية في الكلام و صح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام و قد عرفت في أول الكتاب انه لا ضير في كون مسئلة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة كانت باحداهما من مسائل علم و بالآخر من آخر فتذكر)

اللهم إلا أن يدعى قصورها عن كونها مسئلة اصولية فان معيار الاصولية هو ترتب نتيجة فرعية على ضم صغرى وجدانية الى الكبرى المبحوث عنها في علم الاصول و ما نحن فيه ليس كذلك بالنسبة الى فساد العبادة ضرورة انه لا يترتب على عدم جواز الاجتماع بل لا بد من ادراج المجمع بعد الامتناع و سقوط أحد الحكمين في باب التعارض و اجراء أحكامه عليه كي ينتج نتيجة فقهية فحينئذ تكون المسألة من المبادى التصديقية لباب التعارض فتدبر.

(الرابع انه قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه ان المسألة عقلية)

حيث ان جواز الاجتماع‏

____________

(*) اى المقدمات الباحثة عن حال الاحكام و لوازمها.

منه دام ظله‏

212

و عدمه في الحقيقة من عوارض الوجوب و الحرمة سواء كانا مستفادين من اللفظ أم غيره كالاجماع و الضرورة

(و لا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع و الامتناع فيها)

أى في المسألة

(بما اذا كان الايجاب و التحريم باللفظ كما ربما يوهمه التعبير بالامر و النهى الظاهرين في الطلب بالقول إلا أنه لكون الدلالة عليها)

أى على الوجوب و التحريم‏

(غالبا بهما كما هو أوضح من أن يخفى)

و لعله لذلك ذكروها في مباحث الالفاظ و إلا فلا علاقة للمسألة بالالفاظ أصلا

(و ذهاب البعض الى)

التفصيل و

(الجواز عقلا و الامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ)

عرفا على عدم الجواز

(بل بدعوى ان الواحد بالنظر الدقيق العقلي اثنين)

فيجوز

(و انه بالنظر المسامحى العرفي واحد ذو وجهين)

فلا يجوز

(و إلا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي، غاية الامر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع)

فعلى قول المفصل لا ارتباط لهذه المسألة باللفظ أيضا مع أن هذا التفصيل في نفسه غير صحيح و ستسمع وجهه‏

(فتدبر جيدا)

.

(الخامس لا يخفى ان ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع)

و هو جواز اجتماع المتضادين في واحد بجهتين أو استحالته‏

(يعم جميع أقسام الايجاب و التحريم كما هو قضية إطلاق لفظ الامر و النهى)

و لا اختصاص له بقسم من أقسامه من العيني و الكفائي أو التعييني و التخييرى أو النفسي و الغيرى لعموم الملاك‏

(و دعوى الانصراف الى النفسيين التعينيين العينيين في مادتهما)

أى في مادة الامر و النهى كما في الفصول‏

(غير خالية عن الاعتساف و ان سلم في صيغتهما مع انه فيها)

أى الانصراف في الهيئة

(ممنوع)

لو كان المراد هو الانسباق الوضعى‏

(نعم لا يبعد دعوى الظهور و الانسباق من الاطلاق بمقدمات الحكمة)

على ما مر في بحث الاوامر

(الغير الجارية في المقام لما عرفت من عموم الملاك لجميع الاقسام)

و سيأتي ان الاطلاق انما يكون محكما فيما اذا لم يكن هناك بيان و لو بالعقل على خلاف مقتضى الاطلاق‏

(و كذا ما وقع في البين من النقض و الابرام)

مثل ما يقال من عدم تصوير اجتماع الوجوب و التحريم التخييريين لاجل عدم جواز الحرام التخييرى كما عن المعتزلة فغير خالية عن الاعتساف ضرورة إمكانه في بعض الموارد

(مثلا اذا أمر بالصلاة و الصوم تخييرا بينهما و كذلك اذا نهى عن التصرف في الدار و المجالسة مع الاغيار فصلى فيها مع مجالستهم كان حال الصلاة فيها حالها كما اذا أمر بها تعيينيا و نهى عن التصرف فيها كذلك في جريان النزاع في الجواز و الامتناع و مجي‏ء أدلة الطرفين و ما وقع من النقض و الابرام في البين فتفطن)

توضيح المقام على سبيل الاجمال هو انهم اختلفوا في جواز النهى عن شيئين على سبيل التخيير بأن يكون المحرم هو أحدهما أولا فالاشاعرة على الجواز و انه لا مانع منه كما ستعلم و لازمه تحقق المخالفة اذا أتى بهما و الامتثال‏

213

لو تركهما، أو أحدهما كما ان لازم الوجوب التخييرى تحقق المخالفة بتركهما و الامتثال باتيانهما دفعة أو اتيان أحدهما و المعتزلة على استحالته فان النهى حينئذ يرجع الى مفهوم أحدهما و هو يقتضي حرمتهما معا على سبيل التعيين لان الاتيان بكل منهما اتيان بمفهوم أحدهما فيكون حراما كما هو لازم كل نهى تعلق بالقدر المشترك بين أمرين أو امور، و الجواب منع كون الحرمة متعلقا في الحرام التخييرى بمفهوم أحدهما بل بكل منهما على سبيل التخيير كما في الواجب التخييرى و على تقدير تسليمه بمنع كون اللازم حرمة الجميع إذ قد عرفت ان النهى عن الطبيعة يقتضي عقلا عدم جميع أفرادها اذا كانت مطلقة غير مقيدة و تمام الكلام في محله.

(السادس ربما يؤخذ فى محل النزاع قيد المندوحة فى مقام الامتثال)

حيث صرحوا بان الجهتين إن كانتا متغايرتين بحسب الحقيقة و كانت للمكلف مندوحة عن الامتثال يجرى فيه النزاع اذ لو لم تكن مندوحة عن الامتثال فالامتناع مسلّم للزوم التكليف بالمحال فما لا مندوحة فيه كمن توسط أرضا مغصوبة خارج عن محل النزاع‏

(بل ربما قيل بان الاطلاق)

و عدم التقييد فى العنوان بالمندوحة

(إنما هو للاتكال على الوضوح اذ بدونها يلزم التكليف بالمحال و لكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها فيما هو المهم)

و الغرض الاصلى‏

(فى محل النزاع)

فان هاهنا مقامين الاول مقام دعوى امتناع الاجتماع معلّلا بأنه تكليف محال بالتوصيف لا بالاضافة أو الجواز بناء على أنه ليس تكليفا محالا، الثاني مقام انه هل يجوز التكليف بالمحال بطريق الاضافة لا التوصيف أو لا يجوز و المهم هنا انما هو المقام الأول بمعنى ان الاجتماع محال لأنه تكليف محال بطريق التوصيف و هو طلب المتضادين و كون الشي‏ء موجها بجهتين لا يدفع هذه الغائلة أو ليس بمحال لأن تعدد الجهة يجعل موضوع الحكمين متعددا و اعتبار المندوحة لا يجدي فى هذا المقام أصلا فانه بعد فرض اجداء تعدد الجهة فى رفع الغائلة يجوز الاجتماع و لو لم تكن مندوحة و لو فرض عدم اجدائه فلا يجوز الاجتماع و لو كانت فى البين مندوحة و إنما يجدي فى المقام الثاني بمعنى انه يدفع غائلة التكليف بالمحال و هي مسئلة اخرى مستقلة لا ارتباط لها بالمقام نعم لو كانت المسألة مبتنية على جواز التكليف بالمحال أو عدمه بمعنى انه كان المحذور اللازم من الاجتماع هو التكليف بالمحال فحينئذ لا بد من اعتبارها كما انه لا بد من اعتبار جميع ما شرط فى المقام من الشرائط العامة فلا خصوصية لاعتبار المندوحة و الى ما ذكرنا أشار بقوله‏

(من لزوم المحال و هو اجتماع الحكمين المتضادين و عدم الجدوى فى كون موردهما موجها بوجهين فى دفع غائلة اجتماع الضدين أو عدم لزومه و ان تعدد الجهة يجدى فى دفعها و لا تفاوت فى ذلك أصلا وجود المندوحة و عدمها و لزوم التكليف بالمحال بدونها)

أي بدون المندوحة

(محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع نعم لا بد من اعتبارها فى الحكم بالجواز فعلا لمن يرى التكليف بالمحال)

214

(محذورا و محالا كما ربما لا بد من اعتبار أمر آخر)

من البلوغ و العقل و كذلك سائر الشرائط المعتبرة فى الفعل‏

(فى الحكم به كذلك أيضا)

أي فى الحكم بالجواز فعلا

(و بالجملة لا وجه لاعتبارها إلا لأجل اعتبار القدرة على الامتثال و عدم لزوم التكليف بالمحال و لا دخل له بما هو المحذور فى المقام من التكليف المحال فافهم و اغتنم)

.

(السابع انه ربما يتوهم تارة ان النزاع فى الجواز و الامتناع)

(يبتني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع)

فمن قال بالجواز نظر الى تعدد متعلق الحكمين لأنه الطبيعتان المتعددتان بحسب الماهية و من قال بالامتناع نظر الى وحدتهما بحسب الوجود ضرورة إمكان انتزاع مهيات متعددة من وجود واحد خارجي كزيد حيث ينتزع منه مفهوم الماشي و الضاحك و الانسان و هكذا

(و اما الامتناع على القول بتعلقها بالأفراد فلا يكاد يخفى ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين على هذا القول)

و هو محال‏

(و)

يتوهم تارة

(اخرى ان القول بالجواز مبني على القول بالطبائع لتعدد متعلق الأمر و النهي ذاتا عليه)

أي على هذا القول‏

(و ان اتحدا وجودا و القول بالامتناع على القول بالأفراد لاتحاد متعلقها شخصا خارجا و كونه فردا واحدا و أنت خبير بفساد كلا التوهمين فان تعدد الوجه ان كان يجدي بحيث لا يضر معه الايجاد بحسب الوجود و الايجاد لكان يجدي و لو على القول بالأفراد فان الموجود الخارجي الموجه بوجهين يكون فردا لكل من الطبيعتين فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين لا يضر بكون المجمع اثنين بما هو فرد و مصداق لكل من الطبيعتين)

ضرورة عدم الفرق عند العقل بين شخص واحد ذى عنوانين بأحدهما كان مأمورا به و بالآخر كان منهيا عنه و بين طبيعتين كان يجمعهما بحسب الوجود معنونا بعنوان تينك الطبيعتين لأن الموضوع للحكمين فى الحقيقة هي الحيثية المكتنفة بهذا الوجود سواء كان هذا الوجود بجميع خصوصياته المكتنفة مطلوبا أو لسعته و احاطته بحيث كانت الطوارى من تبعات المطلوب و لوازمه‏

(و إلا)

أي و ان لم يكن تعدد الوجه يجدي كذلك‏

(لما كان يجدي أصلا حتى على القول بالطبائع كما لا يخفى لوحدة الطبيعتين وجودا و اتحادهما خارجا فكما ان وحدة الصلاة و الغصبية فى الصلاة فى الدار المغصوبة وجودا غير ضائر بتعددهما و كونهما طبيعتين كذلك وحدة ما وقع فى الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة فيكون مأمورا به و فردا للغصب فيكون منهيا عنه فهو على وحدته وجودا يكون اثنين لكونه مصداقا للطبيعتين فلا تغفل)

و بالجملة قد عرفت فى مسئلة تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد ان الحكم و الطلب لا يتعلق بالطبيعة المجردة عن الوجود بل انما يتعلق بها من حيث ايجاد المكلف إياها أو ابقائها على عدمها و هذا القدر مسلم بين الفريقين هناك إلا أن القائلين بتعلقها بالأفراد ذهبوا الى أن‏

215

وجود تلك الطبيعة بجميع قيودها و حدودها مطلوبة و القائلين بتعلقها بالطبائع ذهبوا الى أن وجودها السعي من دون نظر الى الحدود المكتنفة بها مطلوبة فحينئذ لا يعقل الفرق بين أن يكون الموجود ذا وجهين بحيث يكون بوجه فردا لماهية و بوجه آخر فردا لماهية اخرى أو يكون ذا وجهين يكون بأحدهما طبيعة مأمورا بها و بالاخرى طبيعة اخرى منهيا عنها فافهم و لعلك تقول انه بناء على تعلقها بالطبائع لما كان الاجتماع مأموريا فلا غائلة فيه بخلاف القول بتعلقها بالأفراد فان الاجتماع حينئذ آمري فلا يجوز لأنه تكليف محال بطريق التوصيف فاعلم انه على القول بالطبائع أيضا يكون الاجتماع آمريا فانك قد علمت ان متعلق الأمر حينئذ هو الوجود بسعته و احاطته بحيث تكون المشخصات و الطوارى من لوازم المطلوب و كذلك متعلق النهي فقول المولى صلّ أي أوجد طبيعة الصلاة حتى فى مورد الغصب، و قوله لا تغصب أي لا توجد الغصب مطلقا حتى الحركات و السكنات الصلاتية فالوجود الجامع للجهتين متعلق للتكليفين، غاية الأمر للمكلف ايجاد كل واحد من الطبيعتين فى مورد عدم الآخر و ذلك لا يخرج المجمع عن الاجتماع الآمري فالقائل بالاجتماع لا بد و أن يقول بكفاية الجهتين فى الموجود الواحد و القائل بالامتناع لا يكتفي بهذا المقدار من التعدد مع وحدة الوجود.

(الثامن)

فى تحقيق الفرق بين مسئلة جواز الاجتماع و عدمه و بين باب التعارض‏

اعلم انه يظهر من كلام بعض مقررى بحث الشيخ الأنصارى ره فى التقريرات فى بيان ثمرة النزاع انه بناء على الجواز لا تعارض بين دليلي الحكمين فى المجمع فتكون الصلاة فى الدار المغصوبة مثلا صحيحة و اما على القول بالامتناع يقع بينهما التعارض فلا بد من معاملة باب التعارض من تقديم الخاص على العام فى العموم و الخصوص المطلق و فى العموم من وجه لا بد من الرجوع الى المرجحات دلالة أو سندا أو المرجحات الداخلية كقلة أفراد أحد العامين من وجه فيما لو ساعد العرف و على تقدير عدم المرجح أو عدم الرجوع اليه فى العامين من وجه فلا بد من الرجوع الى الأصل و مقتضاه بعد تساقط العامين من وجه هو الحكم باباحة الكون المذكور و فساد الصلاة اما الأول فلعدم العلم بحرمته، و اما الثاني فللشك فى الامتثال و أشار المصنف الى تضعيفه بقوله‏

(انه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلا اذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب و التحريم مناط حكمه مطلقا حتى فى مورد التصادق و الاجتماع كي يحكم على)

القول‏

(بالجواز بكونه فعلا محكوما بحكمين و على الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى كما يأتي تفصيله، و اما اذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك)

أي مطلقا حتى فى مورد التصادق و الاجتماع‏

(فلا يكاد يكون من هذا الباب و لا يكون مورد الاجتماع محكوما إلا بحكم واحد منهما اذا كان له مناط أو حكم آخر غيرهما فيما)

216

(لم يكن)

مناط

(لواحد منهما قيل بالجواز أو الامتناع)

غرضه ان صيرورة الشي‏ء من باب الاجتماع يتوقف على وجود مناط الحكمين و مقتضيهما مطلقا حتى فى مورد الاجتماع كما اذا علم ان الصلاة مطلوبة مطلقا حتى فى مورد الغصب و الغصب مبغوض حتى فى مورد الصلاة فالقائل بالجواز يقول يكون المجمع فعلا محكوما بالحكمين و القائل بالامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين من الوجوب و التحريم أو بمقتضى مناط آخر غيرهما لو لم يكن أحدهما أقوى و لا يحكم هنا بالتخيير كما يحكم به عقلا فى الفردين المتزاحمين فى مقام الامتثال اذا لم يكن ترجيح لأحدهما و لا أهمية كما اذا كان غريقان أو حريقان متساويين من جميع الجهات لوضوح الفرق بين المقامين فان فى مقامنا هذا و ان كان المقتضى موجودا إلا انه اما لا أثر لشي‏ء منهما لمكان المعادلة و عدم رجحان لأحدهما على الآخر و اما لا أثر لواحد منهما لكونه أضعف من الآخر و مغلوبا عليه فيكون الأثر للاقوى فقط بخلاف ذاك المقام حيث ان المقتضى تام فى اقتضائه إلا أن المكلف لم يمكنه الجمع و لم يكن فى البين أهمية و لا ترجيح فيحكم العقل بالتخيير و بالجملة مسئلة الاجتماع نظير مسئلة التزاحم فى مجرد انه لا بد و أن يكون فى المجمع مناط الحكمين متحققا لا فى جميع الأحكام و لا دخل له بباب التعارض أصلا أما على القول بالجواز فواضح و اما على القول بالامتناع فلأن مناط التعارض هو تنافى الدليلين بحسب حكايتهما عن ثبوت المقتضى للحكم بحيث يقطع بكذب حكاية واحد منهما إجمالا عن وجود المناط للحكم المتكفل هو له و لا نعلم تفصيلا ان أيهما كاذب فى مقام حكايته و فى مسئلة الاجتماع نعلم بتحقق كلا المناطين‏

(هذا)

هو الفرق بينهما

(بحسب مقام الثبوت)

عند العدلية و المعتزلة القائلين بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد

(و اما بحسب مقام الدلالة و الاثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان اذا أحرز أن المناطين من قبيل الثاني)

أي اذا قطعنا من الاجماع أو غيره ان المناط لا يكون إلا واحدا كما يدعون الاجماع على عدم وجوب صلاتين عند زوال يوم الجمعة

(فلا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح)

لو قلنا بوجوبه‏

(أو التخيير)

بعد فقد الترجيح أو ابتداء لو قلنا بعدم وجوبه سواء قلنا بجواز الاجتماع أو امتناعه اما على الامتناع فواضح، و اما على الجواز فللعلم الاجمالي بكذب أحدهما و خروج ما تصادقا فيه من إطلاق أحدهما أو عمومه الموجب للتنافى بينهما من حيث الكشف و الدلالة

(و إلا)

أي و ان لم يحرز ان المناطين من قبيل الثاني بل يكونان متحققين‏

(فلا تعارض فى البين)

فلا يعمل حينئذ عمل المعارضة سواء قلنا بالجواز أو الامتناع اما على الجواز فواضح و اما على الامتناع فلأنه حينئذ ليس بينهما تناف بما هما دليلان حاكيان كما هو الملاك فى باب التعارض كي يقدم الاقوى سندا أو دلالة لأن الغرض انه قد علم بتحقق مناط الحكمين فيه بحيث لا تفاوت بينه و بين‏

217

سائر أفراد الصلاة، و كذا لا تفاوت بينه و بين سائر الغصب فى الاشتمال على مصلحة الصلاة و مفسدة الغصب و لذا يحكم على هذا القول بصحة المعاملات مطلقا و كذا العبادات فى الجملة على ما ستعلم تفصيلا و لو قلنا بالامتناع و ترجيح النهي و حينئذ كيف يكون من باب التعارض الذي لا يبقى معه مقتض للصحة على فرض ترجيح ما دل على النهي‏

(بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين)

اللذين كان كل منهما مؤثرا لو لا الابتلاء بمزاحمة المؤثر الآخر

(فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا لكونه أقوى مناطا فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلا بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات كما تأتي الاشارة اليها نعم لو كان كل منها)

أي من الروايتين‏

(متكفلا للحكم الفعلي)

أي ظاهرين فى فعلية مؤداهما مطلقا حتى فى صورة الاجتماع‏

(لوقع بينهما التعارض فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم نوفق بينهما بحمل إحداهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن)

و ذلك لأن المتزاحمين لا يمكن أن يكونا فعليين و اصلين الى مرتبة البعث و لا مضايقة من كون أحدهما اقتضائيا و الآخر فعليا.

(التاسع إذ قد عرفت ان المعتبر فى هذا الباب)

(أن يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها و المنهي عنها مشتملة على مناط الحكم مطلقا حتى فى حال الاجتماع فلو كان هناك ما دل على ذلك من إجماع أو غيره فلا اشكال و لو لم يكن إلا إطلاق دليلي الحكمين ففيه تفصيل و هو ان الاطلاق لو كان فى بيان الحكم)

الذاتي‏

(الاقتضائي لكان دليلا على ثبوت المقتضى)

للحكمين‏

(و المناط)

لهما

(فى مورد الاجتماع فيكون من هذا الباب)

فيعامل معه معاملة التزاحم و الاجتماع‏

(و لو كان بصدد الحكم الفعلي فلا اشكال فى استكشاف ثبوت المقتضى للحكمين على القول بالجواز إلا اذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين فيعامل معهما معاملة المتعارضين و اما على القول بالامتناع فالاطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين فى مورد الاجتماع أصلا)

فلا يتحقق كونه من باب الاجتماع‏

(فان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن أن يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضى له يمكن أن يكون لأجل انتفائه)

فيعامل معهما معاملة المتعارضين‏

(اللهم إلا أن يقال قضية التوفيق بينهما)

عرفا

(هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر)

فحينئذ ان أحرزنا كون أحد المقتضيين أهم فلنقدمه و ان لم نحرز فنعامل معهما معاملة التعارض‏

(و إلا)

أي و ان كان أحدهما أظهر

(فخصوص الظاهر منهما)

على الاقتضائي و الأظهر على الفعلي‏

(فتلخص انه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضى في الحكمين)

و لو إطلاق مادتي الأمر و النهي‏

(كان من مسئلة الاجتماع و كلما لم يكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقا اذا كانت هناك دلالة على انتفائه فى أحدهما بلا تعيين)

و قوله‏

(و لو على)

218

(الجواز)

بيان لقوله مطلقا

(و إلا)

أي و ان لم تكن هناك دلالة على انتفائه فى أحدهما بلا تعيين كما لا دلالة على ثبوت المقتضى لهما فى المجمع‏

(فعلى الامتناع)

أي فهو من باب التعارض على القول بالامتناع و اما على القول بالجواز فلا لعدم المنافاة بينهما حينئذ أصلا فتدبر و تثبت فى جميع ما ذكر فى الأمرين الثامن و التاسع و لا تعجل بالاعتراض على المصنف بأن ما ذكره فى الأمرين مما لا محصل له بأن مسئلة الاجتماع ليست مبتنية على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد فان الأشعري المنكر لذلك يتكلم فى إمكان الاجتماع و عدمه و ذلك لأن جريان النزاع المذكور على مذهب الأشعري لا يجدي من ذهب الى ما هو المشهور من العدلية من ابتناء الأحكام على المصالح و المفاسد و اعترض عليه أيضا بأن كون الحكم تارة اقتضائيا و اخرى فعليا مما لا وجه له فان الحكم قبل وجود موضوعه خارجا يكون انشائيا ثابتا لموضوعه المقدر وجوده و بعد وجود موضوعه يستحيل أن لا يكون الحكم فعليا و الجواب عنه انه انما يتم بالنظر الى مقام الثبوت و نفس الأمر و الواقع و كلام المصنف انما هو فى مرحلة الاثبات و دلالة الدليل و كونه فعليا بحسبها تارة و اقتضائيا اخرى و لو لأجل المعارضة أمر معقول لا ريب فيه أصلا، و اعترض عليه ثالثا بأن مجرد العلم الاجمالي بكذب أحد الدليلين لا يجعلهما من المتعارضين بل يكون موجبا لاشتباه الحجة باللاحجة و الجواب عنه انه لم يقل بأن مجرد ذلك يجعلهما متعارضين بل بعد اجتماع شرائط الحجية فى كل واحد منهما، و ببالي ان المصنف قد صرح بذلك فى تعليقاته على رسالة التعارض للشيخ الأنصاري قده و انه قال ان اشتباه الحجة باللاحجة انما هو فيما اذا اشتبه الخبر الصحيح بالضعيف لا فيما اذا كان شرائط الحجية فى كل منهما موجودا.

(العاشر)

فى بيان ثمرة النزاع و هو

(انه لا اشكال فى سقوط الأمر و حصول الامتثال باتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقا و لو فى العبادات و لو كان معصية للنهي أيضا)

فانه بناء على الجواز قد أتى المكلف بأمرين متجاورين أحدهما واجب و الآخر حرام نعم لو لم يلتفت المكلف حين الاتيان بالأمر العبادي الى الأمر و لم يأت به بداعي أمره لم يحصل الامتثال و لم يسقط الأمر لتعذر قصد القربة منه حينئذ و لعدم صدورها منه حسنا و ان كان فيها جهته نظير ضرب اليتيم ظلما و ايذاء و لكن حصل به التأدب خارجا

(و كذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر)

بمقتضى مرجحاته‏

(إلا أنه لا معصية عليه)

حينئذ

(و اما عليه)

أي على الامتناع‏

(و ترجيح جانب النهي)

بمقتضى مرجحاته‏

(فيسقط به)

أي بالاتيان بالمجمع‏

(الأمر به مطلقا)

و لو مع الالتفات الى الحرمة أو الجهل بها تقصيرا

(فى غير العبادات لحصول الغرض الموجب له)

للامر

(و اما فيها)

أي فى العبادات‏

(فلا)

يسقط الأمر

(مع الالتفات الى الحرمة أو بدونه)

أي بدون الالتفات‏

(تقصيرا فانه)

مع الالتفات الى‏

219

الحرمة لم يكن متمكنا من قصد القربة و هو

(و ان كان متمكنا مع عدم الالتفات من قصد القربة و قد قصدها إلا أنه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرب به فلا يقع مقربا و بدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للامر به عبادة كما لا يخفى و اما اذا لم يلتفت اليها)

أي الى الحرمة

(قصورا و قد قصد القربة باتيانه فالأمر يسقط بقصد التقرب بما يصلح لأن يتقرب لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسنا لأجل الجهل بحرمته قصورا فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط)

أي الأمر به‏

(قطعا و ان لم يكن امتثالا له)

أي للامر لعدم كونه مأمورا به على الفرض إلا أن المكلف قصد به القربة مع كونه صالحا لأن يتقرب به الى اللّه تعالى لاشتماله على ما يوافق الغرض مع أن صدوره منه لا يكون إلا من جهة كونه حسنا لأجل الجهل بحيث يمدحه العقلاء على فعله و ليس صدوره منه من جهة قبحه و ان كان حراما فى الواقع لكن المكلف لما كان معذورا هنا لم يكن النهي فى حقه فعليا

(بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا)

بعد الكسر و الانكسار بينهما يعني بناء على القول بتزاحم الجهات فى مقام تأثيرها فى الأحكام الواقعية بحيث كان الحكم الواقعي تابعا لما هو الغالب منها و لا موجب لتزاحمها فيه إلا اذا كانت متساوية، و لعلك تقول انه اذا كان للمأمور به أفراد متعددة بعضها مشتملة على صرف المصلحة و محوضة الكمال و بعضها على الجهتين من المصلحة و المفسدة فالمولى الحكيم لا يرضى إلا بما هو مشتمل على صرف المصلحة بمعنى ان العقل يحكم حكما قطعيا بتضيق دائرة المأمور به بحيث لا يشمل ذاك الفرد المشتمل على الجهتين نعم فيما لم تكن مندوحة بأن لا يتمكن المكلف إلا من فرد مشتمل على الجهتين فلا بأس فاعلم ان هذا انما يتم فيما اذا كانت الجهتان بعد الكسر و الانكسار باقيتين و اما لو لم تكونا كذلك بل تكون إحداهما غالبة بحيث اضمحلت الجهة الاخرى فلا فانه يبقى الشي‏ء حينئذ ذا جهة واحدة من مصلحة خالصة أو مفسدة كذلك فان كانت ملزمة فلا بد و أن يكون معادلا للمأمور به أو المنهي عنه فى الغرض وجوبا أو تحريما و ان لم تكن ملزمة فندبا أو كراهة و لعل منشأ هذا الوهم قياس المصالح و المفاسد الكامنة فى الأفعال بالأغراض النفسانية المتعلقة بأفعالنا الخارجية من كونها ذا مصلحة خالصة تارة و ذا مفسدة خالصة اخرى و ذا كلتيهما ثالثة و فساده واضح‏

(لا لما هو المؤثر منهما فعلا للحسن أو القبح لكونهما تابعين لما علم منهما كما حقق فى محله)

يعني بناء على القول بعدم تزاحم الواجبات إلا فى مقام فعلية الأحكام فصحة الصلاة فى صورة الجهل أو النسيان ليست لمجرد موافقتها للغرض بل لموافقتها للامر أيضا لعدم فعلية النهي المانع عن فعلية الأمر لأجل غلبة جهة المفسدة على جهة المصلحة فلو كان المكلف عالما بجهة المصلحة و جاهلا بجهة المفسدة فحينئذ يكون فى البين أمر محض و لا نهي فعليا أصلا فيتحقق امتثال الأمر أيضا

220

(مع انه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك)

أي مع كون الأحكام تابعة لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا

(فان العقل لا يرى تفاوتا بينه و بين سائر الأفراد فى الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها و ان لم تعمه)

أي و ان لم تعم الطبيعة هذا الفرد المبتلى بالمزاحم‏

(بما هي مأمور بها لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي و من هنا انقدح انه يجزي و لو قيل باعتبار قصد الامتثال فى صحة العبادة و عدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية كما يكون كذلك فى ضد الواجب)

كالصلاة التي هي ضد لإزالة النجاسة عن المسجد

(حيث لا يكون هناك)

أي فى مورد الأمر بالازالة مثلا

(أمر)

بالصلاة حتى‏

(يقصد أصلا و بالجملة مع الجهل قصورا بالحرمة موضوعا أو حكما يكون الاتيان بالمجمع امتثالا و بداعي الأمر بالطبيعة لا محالة غاية الامر انه لا يكون مما يسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات فى مقام تأثيرها للاحكام الواقعية و اما لو قيل بعدم التزاحم إلا فى مقام فعلية الاحكام لكان مما يسعه و امتثالا لامرها بلا كلام و قد انقدح بذلك الفرق بين ما اذا كان دليل الحرمة و الوجوب متعارضين و قدم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا حيث لا يكون معه مجال للصحة أصلا)

لمكان النهى فقط

(و بين ما اذا كان من باب الاجتماع و قيل بالامتناع و تقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحا فى غير مورد من موارد الجهل و النسيان لموافقته للغرض بل للامر و من هنا علم ان الثواب عليه من قبيل الثواب على الاطاعة لا الانقياد و مجرد اعتقاد الموافقة)

كي لا يوجب اعتقاد كونها مأمورا بها حسنا فيها و مثوبة عليها كما هو المحقق الثابت فى مسئلة التجري على ما سيأتي ان شاء اللّه تعالى و ذلك لما علمت من اشتمالها حقيقة على الجهة المحسنة و المفروض اتيانها بهذه الجهة مع الغفلة عما هي عليه أيضا من الجهة المقبحة الغالبة فى مقام تأثيرها الحكم إلا أن المؤثر منهما للحسن و القبح ليس إلا ما يلتفت اليه منهما بحيث كان الفعل الموجه به اختياريا و لا تأثير لغيره و من هنا يعلم ان مثل الصلاة فيها على القول بالجواز فيما لا يأتي فيه قصد القربة من المكلف ليس من باب التجري بل يكون واقعا مذموما عليها مع ما هي عليه من جهة الحسن الغالبة فى مقام التأثير فى الحكم الشرعي حيث لا تأثير له فى الحسن العقلي لعدم التفات الفاعل اليها

(و قد ظهر بما ذكرنا وجه حكم الاصحاب بصحة الصلاة فى الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع بل او الحكم اذا كان عن قصور مع ان الجل لو لا الكل قائلون بالامتناع و تقديم الحرمة و يحكمون بالبطلان فى غير موارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر اذا عرفت هذه الامور)

(فالحق هو القول بالامتناع كما ذهب اليه المشهور)

(و تحقيقه على وجه يتضح به فساد ما قيل أو يمكن أن يقال من وجوه الاستدلال لسائر الاقوال يتوقف على تمهيد مقدمات)

.

(إحداها انه لا ريب فى أن الاحكام الخمسة متضادة فى مقام فعليتها)

(و بلوغها الى مرتبة)

221

(البعث و الزجر ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامة بين البعث نحو واحد فى زمان و الزجر عنه فى ذاك الزمان و ان لم يكن بينهما مضادة ما لم تبلغ الى تلك المرتبة لعدم المنافاة و المعاندة بين وجوداتها الانشائية قبل البلوغ اليها كما لا يخفى فاستحالة اجتماع الامر و النهي فى واحد لا يكون من باب التكليف بالمحال)

أي التكليف الممكن نفسه المتعلق بالامر المحال كقول المولى طر الى السماء

(بل من جهة انه بنفسه محال فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضا)

نظير الفرض المحال و فرض المحال فان الاول ممتنع بخلاف الثاني كفرض شريك البارى فان نفس الفرض ممكن و المفروض محال و اما فرض صدق هذا المشار اليه بوصف الشخصية على كثيرين فنفسه محال فانه يلزم من الفرض خلافه فافهم.

(ثانيتها انه لا شبهة فى أن متعلق الاحكام)

الخمسة

(انما هو فعل المكلف)

(و ما هو فى الخارج يصدر عنه و ما هو فاعله و جاعله)

و يقوم به أيضا نحوا من القيام لكونه عرضا محتاجا فى وجوده الى الموضوع لكن الصدور و القيام يكونان من جهتين فان المكلف من جهة نفسه الناطقة التي هي تمام ذاته و مناط فعليته فاعل و جاعل و من حيث بدنه قابل و موضوع لتلك الافعال المحكومة بتلك الاحكام فلا يلزم كون الشي‏ء الواحد فاعلا و قابلا و لا فرق فى ذلك بين أن يكون الصادر منه بالذات هو وجود الشي‏ء بناء على اصالته فى الجعل أو مهيته بناء على اصالتها

(لا ما هو اسمه)

أى ليس متعلق الاحكام ما هو اسم للفعل الصادر منه‏

(و هو واضح و لا ما هو عنوانه مما قد انتزع عنه بحيث لو لا انتزاعه تصورا و اختراعه ذهنا لما كان بحذائه شي‏ء خارجا)

محمولا على شي‏ء آخر

(و يكون خارج المحمول كالملكية و الزوجية و الرقية و الحرية و المغصوبية الى غير ذلك من الاعتبارات و الاضافات ضرورة ان البعث ليس نحوه)

أى نحو كل واحد من الاسم فقط و العنوان المذكور

(و)

كذا

(الزجر لا يكون عنه و انما يؤخذ)

الاسم و العنوان‏

(فى متعلق الاحكام)

و موضوعها

(آلة للحاظ متعلقاتها)

و مرآة لها

(و الاشارة بها اليها بمقدار الغرض منها و الحاجة اليها لا بما هو هو و بنفسه و على استقلاله و حياله)

.

(ثالثتها انه لا يوجب)

مجرد

(تعدد الوجه و العنوان تعدد المعنون)

(و لا ينثلم به)

أى بتعدد الوجه و العنوان‏

(وحدته)

أى وحدة المعنون سواء كانت الوجوه و العناوين تقييدية أو تعليلية خلافا للمشهور من ان الحيثيات التعليلية غير موجبة لتكثر المحيث بخلاف الحيثيات التقييدية فانه موجبة للتكثر عندهم قطعا و ذلك‏

(فان المفاهيم المتعددة و العناوين المتكثرة ربما تنطبق على الواحد و تصدق على الفارد الذى لا كثرة فيه من جهة أصلا بل بسيط من جميع الجهات ليس فيه حيث غير حيث وجهة مغايرة لجهة أصلا كالواجب تبارك و تعالى فهو على)

222

(بساطته و وحدته واحديته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية و الجمالية له الأسماء الحسنى و الامثال العليا لكنها بأجمعها حاكية عن ذلك الواحد الفرد الاحد

)

:

(عباراتنا شتى و حسنك واحد‏* * * و كل الى ذاك الجمال يشير)

و العمدة فى هذه المسألة هو اتقان هذه المقدمة و قد اتقناها حق الاتقان فى الثمرات و بينا ان الحيثيات التقييدية ما لم تكن مستندة الى حيثيات تعليلية مستقلة متكثرة لا توجب تعدد المحيث و هذا هو السر فى عدم تعدد الذات الاحدية تبارك و تعالى مع اجتماع حيثيات تقييديه كثيرة فيه تبارك و تعالى و لا فرق فى هذه الجهة بينه تعالى و بين غيره.

(رابعتها انه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلا ماهية واحدة)

(و حقيقة فاردة لا يقع فى جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلا تلك الماهية)

و بالجملة كما ان الموجود الواحد لا يكون له إلا وجود واحد هو ما به تحققه بل نفس تحققه و لا يمكن أن يكون ملاك موجوديته وجودين فى آن واحد فى عرض واحد كذلك لا يكون له إلا ماهيّة واحدة بحيث لو سئل عنها بما هو لوجب أن تقع تلك الماهية فى الجواب و لا يصح وقوع غيرها فى الجواب أصلا و قد تقرر فى علم الميزان امتناع أن يكون لماهية واحدة جنسان قريبان فى مرتبة واحدة و كذلك فصلان قريبان و ان كان يمكن أن يكون لها أجناس متعددة مترتبة بعضها فوق بعض و كذلك فصول قريبة و بعيدة مترتبة و قد تقرر ان الوجودات هويات بسيطة و ان الماهية هي حد الوجود و الواحد البسيط لا يعقل له نهايات متعددة و حدود مختلفة و ان صح أن تنتزع منه مفاهيم متعددة لقوته و وفور كماله‏

(فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كل منهما ماهيّة و حقيقة و كانت عينه فى الخارج كما هو شأن الطبيعي و أفراده فيكون الواحد وجودا واحدا ماهيّة و ذاتا لا محالة فالمجمع و ان تصادق عليه متعلقا الأمر و النهي إلا أنه كما يكون واحدا وجودا يكون واحدا ماهيّة و ذاتا)

كالحركات و السكنات الخاصة المعنونة بعنوان الصلاة و الغصب لا تخرج عن حقيقة المقولة التي تصدق عليها ذاتا لأجل طروّ العنوانين بل ماهيّتها على ما هي عليها كما كانت و انما طرأ خصوصيات خارجة عن حقيقة تلك المقولة بها صارت معنونة بعناوين متعددة

(و لا يتفاوت فيه)

أى فى الشي‏ء الواحد لا يكون له إلا ماهيّة واحدة

(القول باصالة الوجود أو أصالة الماهية)

فكما ان الوجود المتحقق فى الخارج اصالة عند القائلين باصالته لا يكون إلا واحدا كذلك الماهية المتحققة فى الخارج اصالة عند القائلين بها لا يكون إلا ماهيّة واحدة

(و منه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز و الامتناع في المسألة على القولين في تلك المسألة كما توهم في الفصول)

بتخيل إمكان تصادق المهيات المتعددة في شي‏ء واحد

(كما ظهر عدم الابتناء على تعدد وجود الجنس و الفصل في الخارج و عدم تعدده)

بتخيل انه بناء

223

على التعدد يجوز الاجتماع‏

(ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل تصادق الجنس)

الذي هو المبهم‏

(و الفصل)

الذي هو المتحصل و بانتفاء كل واحد منهما يلزم انتفاء الماهية النوعية التي كانت مندرجة تحت مقولة من المقولات بل من قبيل تصادق العرضيات بمعنى الخارج المحمول على معروضاتها لا المحمول بالضميمة أيضا إذ حقيقة المعنون فى المثال المفروض هي الحركات و السكنات‏

(و ان مثل الحركة)

و كذا السكون‏

(فى دار من أي مقولة كانت لا تكاد تختلف حقيقتها و ماهيّتها و تتخلف ذاتياتها وقعت جزء للصلاة أولا كانت تلك الدار مغصوبة أولا)

و قد علق المصنف فى الهامش هنا ما هذا لفظه و قد عرفت ان صدق العناوين المتعددة لا تكاد تنثلم به وحدة المعنون لا ذاتا و لا وجودا غايته أن تكون له خصوصية بها يستحق الاتصاف بها و محدود بحدود موجبة لانطباقها عليه كما لا يخفى و حدوده و مخصصاته لا يوجب تعدده بوجه أصلا فتدبر جيدا انتهى.

(اذا عرفت ما مهدناه عرفت ان المجمع حيث كان واحدا وجودا و ذاتا كان تعلق الأمر و النهي به محالا و لو كان تعلقهما به بعنوانين لما عرفت من كون فعل المكلف بحقيقته و واقعيته الصادرة عنه متعلقا للاحكام لا بعناوينه الطارية عليه)

غرضه ان المجمع اذا كان واحدا وجودا و ماهيّة كما هو المفروض و المعلوم بالوجدان و ليس هنا تركيب انضمامي أصلا و انما الموجود هو تعدد العناوين التي تكون من قبيل خارج المحمول و هو لا يوجب تعدد المعنون بحكم المقدمة الثالثة مع كون الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بحقائق أفعال المكلفين لا بأساميها و عناوينها بحكم المقدمة الثانية فلو تعلق بذلك المجمع الواحد وجودا و ماهيّة بحكم المقدمة الرابعة حكمان من الأحكام الخمسة التي هي متضادات بحكم المقدمة الاولى يلزم اجتماع المتضادين فى موضوع واحد و أن يبعث المولى و يحرك المكلف نحو شي‏ء واحد كذلك مع زجره إياه و منعه له عنه فى زمان واحد و ذلك مستحيل ضرورة. من دون تفاوت بين القول بكون وجود الشي‏ء متعلقا للاحكام بناء على اصالته أو مهيته بناء على اصالتها إذ كما أن الوجود الخارجي لا يكون إلا واحدا كذلك الماهية بمعنى ما يقال فى جواب ما هو أى الحد التام للشي‏ء لا يكون إلا واحدا كما انه لا فرق فى الاستحالة بين تعلق الأحكام بالطبائع و بين تعلقه بالأفراد

(و ان غائلة اجتماع الضدين فيه لا يكاد يرتفع بكون الأحكام تتعلق بالطبائع لا الأفراد فان غاية تقريبه أن يقال ان الطبائع من حيث هي هي و ان كانت ليست إلا هي و لا تتعلق بها الأحكام الشرعية كالآثار العادية و العقلية)

و لذا لو سئل بطرفى النقيض بأن قيل هل الانسان من حيث هو انسان كاتب أو ليس بكاتب فالجواب السلب لكل شي‏ء بأن يقال ليس الانسان من حيث هو انسان بكاتب و لا بشي‏ء من الاشياء إلا نفس ذاته و لو سئل بطرفين لا يكونان متناقضين كأن يقال‏

224

هل الانسان كاتب أو ضاحك فلا يستحق الجواب أصلا لان السائل بعد وضع ثبوت أحد الامرين يطلب التعيين و الوضع المبنى عليه فاسد فلا يستحق الجواب الذى هو مقتضى سؤاله فلو اجيب بسلب طرفى الترديد لا يكون فى الحقيقة جوابا عن سؤاله بل تنبيها على فساد مبنى السؤال‏

(إلا أنها)

أى الطبائع‏

(مقيدة بالوجود بحيث يكون القيد خارجا و التقييد داخلا صالحة لتعلق الاحكام بها و متعلق الامر و النهي على هذا لا يكونان متحدين أصلا لا فى مقام تعلق البعث و الزجر و لا فى مقام عصيان النهي و إطاعة الامر باتيان المجمع بسوء الاختيار)

فيرتفع جميع ما يتصور مانعا من اجتماع الضدين من حيث الطلبين أو الارادتين أو المحبوبية و المبغوضية أو المصلحة و المفسدة و من التكليف المحال أو التكليف بالمحال‏

(اما فى المقام الاول فلتعددهما)

أى الطبيعتين‏

(بما هما متعلقان لهما)

أى للطلبين و البعث و الزجر بحيث لا دخل لاحدهما بالآخر

(و ان كانا)

أى المتعلقان‏

(متحدين فيما هو خارج عنهما)

أى عن المتعلقين‏

(بما هما كذلك)

أى متعلقين للبعث و الزجر يعني ان اتحادهما انما يكون بحسب الوجود الذى هو خارج عن ذاتى الطبيعتين عارض لهما حيث ان المكلف جمعهما فى مصداق واحد بسوء اختياره و هذا لا يضر بعدم نظر الشارع الى هذا الفرد أصلا فان هذا الجمع بسوء الاختيار مقتضى تعليق الحكم بالطبيعة حيث ان الاتيان به ليس من حيث انه مطلوب بل من حيث انطباق المطلوب عليه بحكم العقل و لا يتفاوت فى ذلك الانطباق القهرى بين كونه محرما أو مباحا

(و اما فى المقام الثاني فلسقوط احدهما بالاطاعة و الآخر بالعصيان بمجرد الاتيان ففي أى مقام اجتمع الحكمان فى واحد و أنت خبير بأنه لا يكاد يجدى بعد ما عرفت من تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون لا وجودا و لا ماهيّة و لا تنثلم به وحدته أصلا و ان المتعلق للاحكام هو المعنونات لا العنوانات و انها انما يؤخذ فى المتعلقات بما هي حاكيات كالعبارات لا بما هي على حيالها و استقلالها)

فهذا الفرد الخارجي أو الطبيعة التي تكون من مقولة كذا فى الواقع بما هو معنون بعنوان الصلاة و محكية به يكون مأمورا به و بما هو معنون بعنوان الغصب و محكي به يكون منهيا عنه لسراية الحكم من العنوان الى المعنون فيلزم ما سمعت من المحال‏

(كما ظهر مما حققنا انه لا يكاد يجدى أيضا كون فرد مقدمة لوجود الطبيعى المأمور به أو المنهي عنه و انه لا ضير فى كون المقدمة محرمة فى صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار)

كما ذهب اليه المحقق القمي لا يقال ان ذاك الفرد محرم غيرى من باب ترشح الحرمة من ذى المقدمة أى الغصب عليه و واجب كذلك من باب ترشح الوجوب عليه من الواجب أى الصلاة فيلزم اجتماع الضدين فى موضوع واحد أيضا لأنا نقول ان ذلك الفرد لما كان مقدمة سببية للغصب المحرم فتترشح الحرمة منه عليه فلا يصح حينئذ أن يأمر به الحكيم فلا تجتمع فيه الحرمة و الوجوب‏

225

من قبل المولى هذا غاية ما يقال فى توضيح مرامه ره‏

(و ذلك مضافا الى وضوح فساده و ان الفرد عين الطبيعي فى الخارج)

و ليس بينهما تغاير و تعدد إلا على مذهب الرجل الهمداني الذي يحكي عنه الشيخ الرئيس ان مذهبه هو ان الكلي الطبيعي بما هو كلي لا بما هو مشخص و فرد موجود فى الخارج و لكن الظاهر ان الرجل المزبور قائل بوجود الطبيعي بمعنى تمام الماهية و كمال الحقيقة لا العنوانات المنتزعة عن شي‏ء واحد، و بالجملة لا يتصور المقدمية بين الفرد و الطبيعة

(كيف و المقدمية تقتضي الاثنينية بحسب الوجود و لا تعدد)

يتصور بين الطبيعي و فرده فى الخارج‏

(كما هو واضح انه انما يجدي لو لم يكن المجمع واحدا ماهيّة و قد عرفت بما لا مزيد عليه انه بحسبها أيضا واحد)

و قد يقرر الجواز بناء على القول بتعلق الأحكام بالطبائع بأن الطبيعتين المتعلقتين للامر و النهي لم يجمعهما وجود خارجي و لو بسوء الاختيار كي يلزم الاجتماع فان محل الكلام فى المقام هو ما اذا ورد الأمر و النهي على طبيعتين متغايرتين بالعموم من وجه كانتا بأنفسهما فعلا للمكلف صادرا عنه فى الخارج و لا يعقل الاتحاد فى الطبيعتين كذلك إذ لا بد فى الاتحاد من كون أحد الكليين أعم و الآخر أخص كي يكون الأول جنسا و الآخر فصلا و قد تقرر فى محله انه لا اتحاد فى غيرهما و ان الفصل لا يكون أعم من وجه من الجنس أصلا، و أورد عليه بعض المحققين بأن مرادهم من عدم الاتحاد إلا فى الأعم و الأخص أي إلا فى الجنس و الفصل هو الاتحاد بحسب الذات لا الوجود الخارجي إذ الاتحاد فيه معلوم بالوجدان فى غيرهما أيضا فان زيد الأبيض مصداق للابيض و الانسان قطعا و ليس هناك مصداقان و وجودان فى الخارج و لذا صح حمل أحدهما على الآخر و من المعلوم ان المناط فيه الاتحاد فى الوجود الخارجى و اما الاتحاد بحسب الذات فلا بد فيه من كون أحد الشيئين جنسا و الآخر فصلا و لا يكفيه مجرد الأعمية و الأخصية و لذا لا يكون النوع و الجنس متحدا مع العرض الخاص بحسب الذات بل بحسب الوجود، و السر فى ذلك ان الاتحاد الذاتي لا بد و أن يكون بين المتحصل و اللامتحصل حتى يكون الأول فانيا فى الثاني كالجنس و الفصل و الهيولى و الصورة و اما العامان من وجه فيكون كل منهما متحصلا فى حد نفسه بحسب الماهية و الذات فلا يمكن الاتحاد بينهما لعدم إمكان فناء أحدهما فى الآخر بحسب الذات و كذا بالنسبة الى النوع و الجنس و العرض الخاص لأن النوع متحصل فلا يتحد مع العرض و ليس داخلا فى ذاته أيضا و الجنس و ان كان لا متحصلا إلا أن تحصله ليس بالعرض الخاص بل بالفصل فاتحاد الأنواع و الأجناس و الفصول مع الأعراض الخاصة و العامة انما هو فى الوجود فقط و الكلي الذي بينه و بين الآخر عموم من وجه يكون عرضا عاما بالنسبة اليه لا محالة، فتبين ان دعوى التغاير بحسب المصداق و الوجود الخارجى فى العامين من وجه فى غير محله، ثم قال: نعم لو

226

كان العامان من العناوين الثانوية و الأفعال التوليدية كالتأديب و التعظيم و الظلم و الإيذاء و نحوها كما اذا قال: أدب زيدا و لا تؤذه، فيما لو أمكن التأديب بغير الضرب فأدبه بالضرب يمكن أن يقال انهما موجودان فى الخارج بوجودين متغايرين و ذلك لأن وجود هذه العناوين انما هو بنحو من الاعتبار و ليست متحدة مع العناوين الأولية بل هي منشأ انتزاعها و اعتبارها فبالضرب الذى هو العنوان الأولي يتحقق التأديب و هو أمر آخر غير الضرب بل متولد منه و كذا الاحراق و الالقاء فى النار، و دعوى ان وجوب الاحراق عين وجوب الالقاء و هكذا كما ترى، و من المعلوم ان العلة غير متحدة فى الخارج مع المعلول و لا يلزم أن يكون الفعل الخارجى من قبيل الحركة و السكون حتى يقال ليس فى الخارج وراء الالقاء أو الضرب أو نحو ذلك حركة و سكون كيف و لازم ذلك إنكار كون العناوين الثانية من أفعال المكلفين و جعلها من آثار الأفعال و هو خلاف التحقيق بل لها نحو آخر من الوجود و هو الاعتبار المنتزع من الافعال الاولية و حينئذ فنقول ان اعتبار التأديب غير اعتبار الايذاء فى الخارج و ان كانا منتزعين من فعل واحد و هو الضرب و ملخصه انه بناء على تعلق الاحكام بالطبائع موضوع التكاليف هي طبيعة الافعال الصادة عن العباد إلا انها لا يجب أن تكون أفعالا بالمباشرة بل أعم منها و من الافعال التوليدية و التسبيبية المنتزعة من الافعال المباشرية فالغصب و الصلاة و ان لم يكونا من الافعال المباشرية إلا أنها أفعال توليدية من الحركات و السكنات المخصوصة فحينئذ يصح أن يكون متعلقا للاحكام ففي مورد الاجتماع يكون فى الحقيقة موضوع الحكم هو الأفعال المتعددة فلا يلزم اجتماع الحكمين المستحيل، و نظير ذلك مسئلة الحسن و القبح إذ التحقيق انهما ليسا بذاتيين للافعال دائما بل ربما يكون بالجهات و الاعتبارات الطارية على الافعال و كل ما بالعرض لا بد و أن ينتهي الى ما بالذات فما بالذات لهما هما الجهتان فجهة الظلم قبيحة بالذات و جهة التأديب حسنة بالذات فضرب اليتيم من جهة كونه تأديبا حسن و قبيح من جهة كونه إيذاء و فيه انا سلمنا ان الافعال التي تكون موضوعة للاحكام أعم من المباشرية و التوليدية إلا أن تلك العناوين المنتزعة عن المجمع ليست من الأفعال التوليدية التي تكون لها ما بحذاء فى الخارج كي يصلح أن تكون موضوعة للتكاليف بل من الاعتبارات التي هي خارجة عن ذات الموضوع محمولة عليها و ليست محمولات بالضمائم، و اما القياس بمسألة الحسن و القبح فليس فى محله فان معنى عدم كونهما ذاتيين انهما ليسا بجزء للماهية بمعنى ما يقال فى جواب ما هو و لا عينها كذلك و بالجملة معناه انهما ليسا بذاتيين فى باب الكليات الخمس و ذلك لا ينافى كونهما ذاتيين للوجود الخاص بالمعنى الذى يراد فى باب البرهان أي ما ينتزع عن ذات الشي‏ء من دون حيثية تقييدية مثلا الحركات و السكنات فى دار زيد من حيث ذاتها و ماهيّتها المندرجة تحت أيّة مقولة كانت ليست‏

227

بحسنة و لا بقبيحة فانها من هذه الجهة نظير سائر الحركات الواقعة فى نشأة الكون و من حيث خصوصيتها الوجودية قبيحة و ان لم ينتزع عنها مفهوم الغصبية بل و لو لم يوجد ذهن و لا اعتبار و الأحكام انما تثبت للمعنون و ان كانت بحسب الظاهر ثابتة للعناوين فانها من حيث هي مقدرات للمعنون و حاكيات عنه و مرآة له اعتبرت فى موضوعات الأحكام لا من حيث كونها مستقلات و قد عرفت ان الموجود الخارجي لا يكون له إلا وجود واحد و ماهيّة واحدة و تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون سيما اذا كانت اعتبارية انتزاعية فالمعنون واحد حقيقة ان كان فيه جهة الحسن فقط يصير متعلقا للامر و ان كان فيه جهة القبح يصير متعلقا للنهي فقط و ان كان فيه جهات متعددة فبعد الكسر و الانكسار لا يبقى إلا مناط لأحد الأحكام الخمسة فلو صار الشي‏ء بالعناوين المتعددة محكوما بأحكام مختلفة يلزم اجتماع المتضادات فى موضوع واحد و لا يمكن على الاجتماع الفرار عن هذه الغائلة أصلا إلا بتعدد الوجود، فتلخص مما ذكرنا ان القائل بالجواز قد اشتبه عليه العنوان بالمعنون و العارض بالمعروض و كذلك اشتبه عليه الأمر من طريق الكلي و الفرد و تخيل ان موضوع الحكم هو الكلي و ما يأتي به المكلف هو الفرد و هو مقدمة لوجود الكلي و كذلك اشتبه عليه الأمر من طريق الماهية و الوجود و تخيل انه على القول باصالة الماهية تكون المهيات المتأصلة المتعددة فى الخارج هي الموضوعة للاحكام فلا يلزم الاجتماع المستحيل و تمام السر فى التوهمات المزبورة هي الغفلة عن استهلاك العناوين و المهيات فى المعنونات و الوجودات و فنائها فيها و مرآتيتها لها و تخيل ان العناوين من حيث انها مستقلات فى الملاحظة ملحوظات بالذات فلا تغفل و كن من المتذكرين‏

(ثم انه قد استدل على الجواز بامور)

:

(منها انه لو لم يجز اجتماع الأمر و النهي لما وقع نظيره)

و الوقوع أقوى دليل على الجواز

(و قد وقع كما فى العبادات المكروهة كالصلاة فى مواضع التهمة و فى الحمام و الصيام فى السفر و فى بعض الأيام)

كيوم العاشور بل و فى العبادات المستحبة و المباحة كالصلاة فى المسجد او الدار حيث ان غائلة الاجتماع لا يختص بالوجوب و الحرمة بل تجرى فى الأحكام كلها لأنها بأسرها متضادات فقد اجتمع الوجوب و الكراهة فى الاولى أي الصلاة و فى الثانية أي مسئلة الصوم فى السفر و فى بعض الأيام الاستحباب و الكراهة و فى الثالث الوجوب و الاستحباب و فى الرابع الوجوب و الاباحة

(بيان الملازمة انه)

ليست الأمثلة المذكورة فى المتن من باب النهي فى العبادات قطعا و بالاتفاق من الخصم القائل بالامتناع لاعترافه بصحة الصلاة و الصوم و الحال هذه مع انها مما قام عليها الإجماع فلا محيص عن كونها من باب الاجتماع بأن يكون الأمر متعلقا بالطبيعة و النهي بالخصوصية مثل كونها فى الحمام و لو لم نعلم تلك الخصوصية فعلى هذا نقول‏

(لو لم يكن تعدد الجهة مجديا فى إمكان اجتماعهما لما جاز اجتماع حكمين آخرين فى مورد مع تعددها)

أي تعدد

228

الجهة

(لعدم اختصاصهما)

أي الوجوب و الحرمة

(من بين الأحكام بما يوجب الامتناع من التضاد بديهة تضادها بأسرها و التالي باطل لوقوع اجتماع الكراهة و الايجاب أو الاستحباب فى مثل الصلاة فى الحمام و الصيام فى السفر و فى العاشوراء و لو فى الحضر و اجتماع الوجوب و الاستحباب مع الاباحة أو الاستحباب فى مثل الصلاة فى المسجد أو الدار)

و هو أقوى دليل على الامكان‏

(و الجواب عنه اما إجمالا فبأنه لا بد من التصرف و التأويل فيما وقع فى الشريعة مما ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع)

و حكم الوجدان به‏

(ضرورة ان الظهور لا يصادم البرهان مع ان قضية ظهور تلك الموارد اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد و لا يقول الخصم بجوازه كذلك بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين و بوجهين فهو أيضا لا بد من التفصي عن اشكال الاجتماع فيها سيما اذا لم تكن هناك مندوحة كما فى العبادات المكروهة التي لا بدل لها)

كصوم يوم عاشوراء

(فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا كما لا يخفى و اما تفصيلا فقد اجيب عنه بوجوه يوجب ذكرها بما فيها من النقض و الابرام طول الكلام بما لا يسعه المقام فالأولى الاقتصار على ما هو التحقيق فى حسم مادة الاشكال فيقال و على اللّه الاتكال ان العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام)

:

(أحدها ما تعلق به النهي بعنوانه و ذاته و لا بدل له كصوم يوم العاشور و النوافل المبتدأة فى بعض الأوقات)

كعند طلوع الشمس و زوالها إلا يوم الجمعة و غروبها.

(ثانيها ما تعلق به النهي كذلك و يكون له البدل كالنهي عن الصلاة فى الحمام)

.

(ثالثها ما تعلق به النهي لا بذاته بل بما هو مجامع معه وجودا أو ملازم له خارجا كالصلاة فى مواضع التهمة بناء على كون النهي عنها لاجل اتحادها مع)

خصوصية اخرى مثل‏

(الكون فى مواضعها)

و ان لم نعلم بها تفصيلا

(اما القسم الاول فالنهى تننزيها عنه بعد الاجماع على انه يقع صحيحا و مع ذلك يكون تركه أرجح كما يظهر من مداومة الأئمة ع على الترك اما لاجل انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك)

كما ان فعله كذلك أيضا إذ من الممكن أن يكون فعل الشي‏ء و تركه معنونا بعنوان ذى مصلحة مقتضية للامر به فيكون مخيرا بين الفعل و الترك كل بعنوان كالاكل المندرج تحت اجابة الاخ المؤمن و تركه المندرج تحت عنوان الصوم فحيث لا يمكن الجمع بين المتناقضين لزم أن يتخير بينهما و لا يلزم من ذلك دخوله تحت حكم الاباحة و انما المباح هو الفعل و الترك المجردان عن انطباق عنوان ذى مصلحة عليهما حيث ان الافطار من دون اجابة المؤمن لا حسن فيه كما ان تركه بلا ملاحظة عنوان الصوم كذلك و اما مع الانطباق يصير نظير التخيير بين الفعل، و الترك المستفاد من حكم العقل فى انقاذ الغريقين فانه مخير بين فعل كل انقاذ و تركه حيث انه حسن من حيث انه مجامع لعنوان انقاذ الآخر لكن فرق‏

229

بينه و بين المقام فان فعل الانقاذ فى أحدهما ليس عين عدم الانقاذ فى الآخر فان وجود أحد الضدين ليس عين عدم الآخر و اما فيما نحن فيه فترك الصوم و فعل الاكل عين عنوان الاجابة و اليه أشار المصنف بقوله‏

(فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض و ان كان مصلحة الترك أكثر فهما حينئذ يكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهمية فى البين و إلا فيتعين الاهم و ان كان الآخر يقع صحيحا حيث انه كان راجحا موافقا للغرض كما هو الحال فى سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات و أرجحية الترك من الفعل لا يوجب حزازة و منقصة فيه)

أي فى الفعل‏

(أصلا كما يوجبها)

أي يوجب الحزازة

(ما اذا كان فيه)

أي فى الفعل‏

(مفسدة غالبة على مصلحته و لذا لا يقع صحيحا على الامتناع فان الحزازة و المنقصة فيه مانعة عن صلاحية التقرب به بخلاف المقام فانه على ما هو عليه من الرجحان و موافقة الغرض كما اذا لم يكن تركه راجحا بلا حدوث حزازة فيه أصلا)

و قد علق قده فى الهامش فى هذا المقام ما هذا لفظه: ربما يقال ان أرجحية الترك و ان لم يوجب منقصة و حزازة فى الفعل أصلا إلا انه يوجب المنع عنه فعلا و البعث الى الترك قطعا كما لا يخفى و لذا كان ضد الواجب بناء على كونه مقدمة له حراما و تفسد لو كان عبادة مع انه لا حزازة فى فعله و انما كان النهى عنه و طلب تركه لما فيه من المقدمية و هو على ما هو عليه من المصلحة فالمنع عنه لذلك كاف فى فساده لو كان عبادة، قلت يمكن أن يقال ان النهى التحريمى لذلك و ان كان كافيا فى ذلك بلا اشكال إلا أن النهى التنزيهى غير كاف إلا اذا كان عن حزازة فيه و ذلك لبديهة عدم قابلية الفعل للتقرب به منه تعالى مع المنع منه و عدم ترخيصه فى ارتكابه بخلاف التنزيهى عنه اذا كان لا لحزازة فيه بل لما فى الترك من المصلحة الراجحة حيث انه معه مرخوص فيه و هو على ما هو عليه من الرجحان و المحبوبية له تعالى و لذلك لم تفسد العبادة اذا كانت ضد المستحبة أهم اتفاقا فتأمل انتهى و قد ظهر مما ذكره في التعليق الجواب عما أورد على هذا التأويل و التأويل الآتي بأن الفعل و الترك اذا كان كل منهما مشتملا على مقدار من المصلحة فحيث ان الامر بكل من النقيضين غير معقول فلا محالة يكون المؤثر في نظر الشارع احدى المصلحتين على تقدير كونها أقوى من الاخرى أو تسقطان كلتاهما على تقدير التساوى فلا يعقل كون الفعل و الترك كلاهما مستحبين و أول موجب للتزاحم في الخطاب هو امتناع طلب النقيضين و اما التزاحم في الضدين لا ثالث لهما أو في المتلازمين دائما فانما هو من جهة رجوعه الى التلازم من جهة لزوم طلب النقيضين‏

(و اما لاجل ملازمة الترك لعنوان كذلك)

أي ذى مصلحة

(من دون انطباقه عليه فيكون)

حاله حينئذ

(كما اذا انطبق عليه من غير تفاوت إلا في ان الطلب المتعلق به حينئذ ليس بحقيقي بل بالعرض و المجاز و انما يكون في‏

230

الحقيقة متعلقا بما يلازمه من العنوان بخلاف صورة الانطباق لتعلقه به حقيقة كما في سائر المكروهات من غير فرق إلا أن منشأه فيها حزازة و منقصة في نفس الفعل و فيه رجحان في الترك من دون حزازة في الفعل أصلا غاية الامر كون الترك أرجح نعم يمكن ان يحمل النهى في كلا القسمين على الارشاد الى الترك الذى هو أرجح من الفعل أو ملازم لما هو الارجح و أكثر ثوابا لذلك و عليه يكون النهى على نحو الحقيقة)

ارشاديا

(لا العرض و المجاز)

مولويا

(فلا تغفل)

و بالجملة يكون النهى المتعلق بما لا بدل له باعتبار كون الترك سببا توليديا لعنوان راجح و ليس لاجل كون الفعل مكروها حقيقة فالنهى عن صوم الولد أو الزوجة أو الضيف بدون إذن الوالد أو الزوج أو المضيف من جهة ان ترك الصوم إطاعة للوالد أو الزوج و اجابة للمؤمن المضيف كالنهى عن صوم من دعي الى طعام و النهى عن صوم يوم عرفه من جهة ان تركه فيه داخل تحت عنوان الاحتياط على ما في الرواية عن أبي جعفر ع أكره أن أصومه يعني يوم عرفة أتخوف أن يكون عرفة يوم النحر و ليس بيوم صوم، و النهى عن صوم عاشوراء انما هو من جهة ان تركه فيه سبب توليدى لعنوان راجح كمخالفة بني امية فالمكلف مخير بين الفعل بعنوان الصوم و الترك بأحد العناوين التي قد ذكرنا بعضها، غاية الامر انه قد لا يعلم ذاك العنوان التوليدى الراجح فيقصده حينئذ اجمالا. ان قلت كيف يقصده و هو مجهول؟. قلت قصد الامر بالترك قصد له اجمالا. ان قلت لا حاجة الى الامر و النهى لان المكلف لا يخلو اما عن الفعل و اما عن الترك. قلت لعل الوجه أن يكون ذلك منه بداعى الامتثال‏

(و اما القسم الثاني)

و هو ما اذا تعلق النهى بذاته مع وجود البدل له‏

(فالنهى فيه)

تنزيها

(يمكن أن يكون لاجل ما ذكر في القسم الاول طابق النعل بالنعل كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها لاجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها كما في الصلاة في الحمام فان تشخصها بتشخص وقوعها فيه لا يناسب كونها معراجا ان لم يكن نفس الكون في الحمام بمكروه و لا حزازة فيه أصلا بل كان راجحا كما لا يخفى و ربما يحصل لها لأجل تخصصها بخصوصية شديدة الملاءمة معها مزية فيها كالصلاة في المسجد و الأمكنة الشريفة و ذلك لأن الطبيعة المأمور بها في حد نفسها اذا كان مع تشخص لا يكون له شدة الملاءمة و لا عدم الملاءمة لها مقدار من المصلحة و المزية كالصلاة في الدار مثلا و تزداد تلك المزية فيما كان بشخصه بما له شدة الملاءمة و تنقص فيما لم يكن له ملائمة)

و قد عرفت في القسم الاول ان نقصان ثواب فعل لا يوجب حزازة و منقصة في نفس الفعل و انما الموجب للحزازة و المنقصة المفسدة الموجودة في الفعل غالبة على مصلحته فتدبر

(و لذلك ينقص ثوابها تارة و يزيد اخرى و يكون النهى فيه لحدوث نقصان في مزيتها فيه ارشادا الى ما لا نقصان فيه من سائر الافراد و يكون أكثر ثوابا)

231

(منه)

و توضيحه على ما يستفاد من كلام الشيخ الانصارى هو أن المستفاد من إطلاق الامر المتعلق بالطبائع امور ثلاثة: ترخيص المكلف في ايجادها في ضمن أى فرد كان، و حصول الامتثال باتيان أى فرد بمعنى تسويتها في مقام الامتثال، و تسويتها في الاجر و الثواب فاذا فرض تعلق النهى بفرد منها فان كان تحريميا فهل يستفاد منه الفساد أم لا فالبحث عنه في مسئلة دلالة النهى على الفساد و ان لم يكن تحريميا فهو ناظر الى عدم استواء الافراد في الاجر و الثواب و الفرض ان فيما نحن فيه قد قام الاجماع على صحة العبادة في مورد النهى فالنواهي المذكورة ليست على حقائقها من رجحان الترك و مرجوحية الفعل لاجل مفسدة فيه غالبة على مصلحته بل هي ارشاد الى عدم تساوى الافراد في الثواب بحكم العرف و ليست خالية عن الطلب كي يلزم استعمال الانشاء في الاخبار بل هي للطلب الارشادى و لا يضر اجتماعه مع الوجوب لان المقصود منه بيان قلة الثواب فليس خاليا عن الطلب حقيقة

(و لعل هذا)

الذى ذكرنا من أقلية ثواب تلك الطبيعة المتشخصة بتشخص معين من ثواب نفس تلك الطبيعة اذا تشخصت بتشخص آخر و لا يحدث معه مزية لها و لا منقصة و كذا المراد بأكثرية الثواب‏

(مراد من قال ان الكراهة في العبادة تكون بمعنى انها تكون أقل ثوابا و لا يرد عليه)

كما في الفصول‏

(بلزوم اتصاف العبادة التي تكون أقل ثوابا من الاخرى بالكراهة و لزوم اتصاف ما لا مزية فيه و لا منقصة بالاستحباب لانه أكثر ثوابا مما فيه المنقصة لما عرفت من أن المراد من كونه أقل ثوابا انما هو بقياسه الى نفس الطبيعة المتشخصة بما لا يحدث معه مزية لها و لا منقصة من المشخصات و كذا كونه أكثر ثوابا)

فالمقيس عليه في الاقلية و الاكثرية دائما هو فرد مخصوص من تلك الطبيعة و هو الفرد الذى لا يحدث بسبب تشخصه مزية و لا منقصة لا طبيعة اخرى كما في الايراد الاول و لا مطلق الافراد من نفس تلك الطبيعة كما هو مبنى الايراد الثاني حيث جعل المقيس عليه هو الفرد الذى يحدث بسبب تشخصه منقصة مع انه ليس هو المقيس عليه‏

(و لا يخفى ان النهى في هذا القسم)

الثاني‏

(لا يصلح إلا للارشاد)

الى فرد آخر دائما لفرض كون الفرد المنهي مما له بدل‏

(بخلاف القسم الاول فانه يكون فيه مولويا و ان كان حمله على الارشاد)

أى الارشاد الى الترك الذى هو أرجح من الفعل لا الإرشاد الى فعل آخر من تلك الطبيعة لفرض عدم البدل للمنهى عنه هناك‏

(بمكان من الامكان)

كما علمت تحقيقه‏

(و اما القسم الثالث)

و هو ما اذا تعلق النهى لا بعنوانه و بذاته بل بعنوان مجامع معه في الوجود منطبق عليه أو ملازم‏

(فيمكن أن يكون النهى فيه عن العبادة المتحدة مع ذلك العنوان أو الملازمة له بالعرض و المجاز و كان المنهى عنه به حقيقة ذاك العنوان و يمكن أن يكون على الحقيقة ارشادا الى غيرها من سائر الافراد مما لا يكون متحدا معه أو ملازما له)

232

(إذ المفروض التمكن من استيفاء مزية العبادة بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان أصلا هذا)

الجواب يتم فى القسم الثالث الذى هو محل الكلام‏

(على القول بجواز الاجتماع)

إذ تعدد العنوان مطلقا كان مجديا حينئذ

(و اما على الامتناع فكذلك فى صورة الملازمة)

فان النهي فى الحقيقة قد تعلق بالامر الملازم للترك لا بنفس ما تعلق به الامر أو ارشادا الى الفرد الذى لا يكون ملازما له و لا يكون فيه حزازة و منقصة بواسطة العنوان الملازم‏

(و اما فى صورة الاتحاد)

أى اتحاد العنوان‏

(و ترجيح جانب الامر كما هو المفروض حيث انه صحت العبادة)

بالاجماع‏

(فيكون حال النهي فيه حاله فى القسم الثاني فيحمل على ما حمل عليه فيه طابق النعل بالنعل حيث انه بالدقة يرجع اليه إذ على الامتناع ليس الاتحاد مع العنوان الآخر إلا من مخصصاته و مشخصاته التي تختلف الطبيعة المأمور بها فى المزية زيادة و نقيصة بحسب اختلافها فى الملاءمة كما عرفت)

فحينئذ يمكن أن يكون النهى عنه على نحو الاقتضاء نظرا الى اتحاده بما فيه اقتضاء النهى و يمكن أن تكون على نحو الفعلية ارشاد الى أقلية ثوابه لحصول النقصان فى الطبيعة المأمور بها لاجل اتحادها مع عنوان فيه الحزازة فانها و ان كانت مغلوبة غير مؤثرة أثرها أى الكراهة إلا أنها يوجب ضعف الطبيعة المأمور بها عما كانت عليه من المصلحة و المزية و يتبعها فى ذلك الثواب فيكون أقل ثوابا مما تكون الطبيعة عليه لو خليت و طبعها فيصح أن ينهى عنها ارشادا و ذلك بخلاف القول بالجواز فى صورة الاتحاد لعدم المزاحمة بين الجهات حينئذ فيكون كل منها على ما هي عليه من التأثير فى موضوعه من المزية و الثواب و الحزازة و العقاب فان كان هناك ارشاد فانما يكون الى غيرها من سائر الافراد مما لا يكون متحدا معه و اما في صورة اتحاد العنوان و ترجيح جانب النهى فلا يكون من موارد الصحة كي يحتاج الى التأويل فهو خارج عن محل الكلام‏

(و قد انقدح بما ذكرنا انه لا مجال أصلا لتفسير الكراهة في العبادة بأقلية الثواب)

بالمعنى الذى ذكرناه‏

(في القسم الاول مطلقا)

سواء قلنا بجواز الاجتماع أو بامتناعه لعدم البدل و كون الطبيعة منحصرة في فرد

(و في هذا القسم على القول بالجواز)

لما عرفت من ان الاقلية و كذا الاكثرية انما يتم بقياس فرد من الطبيعة الى فرد آخر من تلك الطبيعة لا بقياس طبيعة الى طبيعة اخرى و لو كانت ملازمة لها في الوجود أو متحدة معها فيه كما توهمه في الفصول كما لا يخفى‏

(كما انقدح حال)

النقض بالعبادات التي كان‏

(اجتماع الوجوب و الاستحباب فيها و ان الامر الاستحبابي يكون على نحو الارشاد الى أفضل الافراد مطلقا)

أى سواء قلنا بالاجتماع أو بالامتناع‏

(على نحو الحقيقة)

و

(يكون مولويا اقتضائيا)

لا فعليا

(كذلك)

أى على نحو الحقيقة فيما اذا لم يكن ملاك الامر ملازما من حيث طبيعته لما هو مستحب و لم يكن متحدا مع المستحب بل كان فضله على سائر الافراد لشدة الملاءمة

233

بين الخصوصية المشخصة و بين الطبيعة المتشخصة بها

(و)

يكون‏

(فعليا بالعرض و المجاز)

لا حقيقة

(فيما كان ملاكه)

أي ملاك الأمر

(ملازمتها)

أي الطبيعة

(لما هو مستحب أو متحد معه على القول بالجواز)

هذا قيد لقوله أو متحد معه هذا كله فيما له بدل كالصلاة جماعة أو فى المسجد

(و لا يخفى انه لا يكاد يأتي القسم الأول)

أي ما لا بدل له‏

(هاهنا فان انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الذى لا بدل له انما يؤكد ايجابه)

و يوجب شدة مطالبة المولى له‏

(لا انه يوجب استحبابه)

أي تعلق طلب آخر مستقل غير ممنوع الترك به‏

(أصلا و لو بالعرض و المجاز)

لامتناع اجتماع الضدين فى موضوع واحد حقيقي و لو بعنوانين‏

(إلا على القول بالجواز)

و كفاية تعدد العنوان و لو فى مورد عدم المندوحة كما فيما نحن فيه حيث ان المفروض عدم التمكن من استيفاء مزية العبادة بفرد آخر لعدم البدل و كون الطبيعة منحصرة فى فرد

(و كذا فيما اذا لازم مثل هذا العنوان فانه لو لم يؤكد الايجاب لما يصحح الاستحباب)

الفعلي‏

(إلا اقتضائيا بالعرض و المجاز)

نعم يمكن تصوير الاستحباب الفعلي بأن يكون فى مورد بالخصوص العلة التامة للاستحباب موجودة مؤثرة فى استحبابه دائما لا ان يكون بمجرد الاقتضاء فانه حينئذ يكون مستحبا فعليا و يكون الوجوب اقتضائيا نظير الحلال و الحرام فى قوله ع: الا ما حلل حراما أو حرم حلالا، حيث ان المراد منه ما كان حراما دائميا متصفا بالحرمة على جميع التقادير

(فتفطن)

.

(و منها ان أهل العرف يعدون من أتى بالمأمور به فى ضمن الفرد المحرم مطيعا و عاصيا من وجهين فاذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون فى مكان خاص كما مثل به الحاجي و العضدي فلو خاطه فى ذاك المكان عدّ مطيعا لأمر الخياطة و عاصيا للنهي عن الكون فى ذلك المكان)

فالعرف و العقلاء اذا حكموا بما هم عقلاء بذلك فى الفرض المذكور فذلك يكشف عن جواز الاجتماع عقلا فلا يرد ان التمسك بالعرف فى المسألة العقلية لا وجه له‏

(و فيه مضافا الى المناقشة فى المثال بأنه ليس من باب الاجتماع ضرورة ان الكون المنهي عنه غير متحد مع الخياطة وجودا أصلا كما لا يخفى)

حيث ان الخياطة فعل الخياط و هو ادخال الخيط بتوسط الابرة في الثوب و اخراجه على كيفية مخصوصة و لا ربط له للكون في مكان خاص الذى هو من مقولة الأين أصلا و كذلك الخياطة بمعنى ما هو مسبب عن ذاك الفعل لا ربط للكون المذكور بها أصلا و لهذا بدّل بعضهم المثال بما اذا أمر المولى بمشي خمسين خطوة كل يوم و نهى عن التحرك نحو دار كذا فمشى الخمسين فيها أو قال خط هذا الثوب و لا تتصرف في المكان الخاص أي نوع من التصرف مع تعميم المكان الهواء أيضا فحينئذ يكون التصرف في الهواء المنهي عنه متحدا مع الخياطة التي هي عبارة عن هذا النحو من التصرف المأمور به‏

(المنع)

234

(إلا عن صدق أحدهما اما الاطاعة بمعنى الامتثال فيما غلب جانب الأمر أو العصيان فيما غلب جانب النهى لما عرفت من البرهان على الامتناع نعم لا بأس بصدق الاطاعة بمعنى حصول الغرض و العصيان في التوصليات و اما في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها إلا فيما صدر من المكلف فعلا غير محرم و غير مبغوض عليه كما تقدم بقي الكلام في حال)

القول بالجواز مستدلا بأن المبادى مأخوذة بعضها بالاضافة الى بعض بشرط لا و ان المبدا الموجود في المجمع متحد هوية مع الموجود في محل الافتراق فان الصلاة الموجودة في المجمع لا تنقص عن حقيقة الصلاة بشي‏ء كما ان الغصب الموجود فيه أيضا كذلك، و ان كون هوية واحدة مشتملة على الصلاة و الغصب باعتبار ان الحركة الواحدة جنس لهما مستحيل فان الأعراض بسائط خارجية و ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز و ليس فيها جهة مادة و صورة مضافا الى أن الجنس الواحد لا يمكن تفصّله بفصلين في عرض واحد كما ان كون الحركة الواحدة معروضة للصلاتية و الغصبية غير معقول فان قيام العرض بالعرض مستحيل فيكون نتيجة ذلك هو ان التركيب في المجمع انضمامي لا اتحادى و عليه فلا يكون مانعا عن كون أحدهما مأمورا به و الآخر منهيا عنه إذ المستحيل هو تواردهما على محل واحد و بعد كون التركيب انضماميا يكون متعلق أحدهما غير متعلق الآخر غاية الأمر كون كل من المأمور به و المنهى عنه مشخصا للآخر و المشخصات لا تدخل تحت الطلب انتهى، و هذا كما ترى كلام مختل النظام حيث لا يدرى منه ان الكلام في كلى اجتماع الأمر و النهى في واحد أو في مثل الصلاة في المغصوب و لعل القائل بالامتناع يجوّز الصلاة في المغصوب لو لا الدليل على البطلان لأنه لا يراه من المبحث و مسئلة كون الاعراض بسائط خارجية انما هو في العرض الذى يكون احدى المقولات التسع الذى هو المحمول بالضميمة لا الخارج المحمول الذى لا يفيد حملها ضميمة في الموضوع كالملكية و الغصبية و الزوجية و الحرية و كذا مسئلة قيام العرض بالعرض مع انه مسئلة خلافية قد جوزه بعضهم كقيام السرعة و البطؤ بالحركة و الشدة و الضعف باللون لا ربط له بالمقام فانها تقتضي امتناع قيام الغصبية بالحركة التي هي أيضا عرض و ان لم تجتمع مع الصلاتية فتدبر فيه لعلك تهدى الى مراده و اللّه الهادى الى الصواب‏

(التفصيل من بعض الأعلام)

و هو سلطان المحققين ره في حاشية المعالم و كذا السيد صاحب الرياض و المحقق الأردبيلي على ما قيل و هو

(القول بالجواز عقلا و الامتناع عرفا)

مستندا الى انه مقتضى الجمع بين أدلة المجوزين من عدم لزوم اجتماع الضدين و غيره من المحاذير و بين ما يظهر من العرف من فهم التعاند و التنافر بين الأمر و النهى في المجمع و الحكم بلزوم تخصيص أحدهما بالآخر لو ساعد عليه الدليل و إلا فالتساقط و الرجوع الى الأصل‏

(و فيه انه لا سبيل للعرف في الحكم بالجواز أو الامتناع إلا طريق)

235

(العقل)

فتفكيك حكم العرف عن العقل مستلزم لانتساب شي‏ء اليهم لا يرضون به‏

(فلا معنى لهذا التفصيل إلا ما أشرنا اليه من النظر المسامحي الغير المبني على التدقيق و التحقيق)

و بعبارة اخرى النظرة الاولى المعروف بأنها النظرة الحمقاء

(و أنت خبير بعدم العبرة به بعد الاطلاع على خلافه بالنظر الدقيق)

فهم بعد الاطلاع يرجعون عن الأول و لا يبقون عليه‏

(و قد عرفت فيما تقدم ان النزاع ليس فى خصوص مدلول صيغة الأمر و النهي)

بل فى الوجوب و الحرمة سواء استفيد من اللفظ أو الاجماع أو الضرورة

(فلا مجال لأن يتوهم أن العرف هو المحكم فى تعيين المداليل و لعله كان بين مدلوليهما حسب تعينه)

أي تعيين العرف‏

(تناف لا يجتمعان فى واحد و لو بعنوانين و ان كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب و الحرمة فى واحد بوجهين فتدبر)

(و ينبغي التنبيه على امور)

:

(الأول ان الاضطرار الى ارتكاب الحرام)

بأن لا يكون هناك مندوحة

(و ان كان يوجب ارتفاع حرمته و العقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه لو كان مؤثرا كما اذا لم يكن بحرام بلا كلام إلا أنه اذا لم يكن الاضطرار اليه بسوء الاختيار بأن يختار ما يؤدي اليه)

أي الى الاضطرار الى ارتكاب الحرام‏

(لا محالة)

و علل المصنف المنفى لا النفي بقوله‏

(فان الخطاب بالزجر عنه حينئذ)

أي حين إذ كان الاضطرار بسوء الاختيار

(و ان كان ساقطا)

لكونه لغوا حينئذ لا يصدر عن الحكيم‏

(إلا أنه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه و عصيانا لذلك الخطاب و مستحقا عليه العقاب لا يصلح لأن يتعلق به الايجاب و هذا فى الجملة مما لا شبهة فيه و لا ارتياب و انما الاشكال فيما اذا كان المضطر اليه بسوء اختياره مما ينحصر به التخلص عن محذور الحرام كالخروج عن الدار المغصوبة فيما اذا توسطها بالاختيار فى كونه منهيا عنه أو مأمورا به مع جريان حكم المعصية عليه أو بدونه فيه أقوال)

توضيح المقام انه فى صورة عدم المندوحة قد يكون الانحصار فى المحرم من أول الأمر فلا يجوز الاجتماع و قد يكون لا من أول الأمر و هو قد يكون لا بسوء اختيار المكلف كما لو انحصر اتفاقا الماء للوضوء أو الغسل فى الغصبي أو مكانه للصلاة فى الغصبى بأن حبس فى دار الغير أو كان فى مكان مباح لا يقدر على الصلاة إلا بالتصرف فى ملك الغير حال الصلاة أو توسط أرضا مغصوبة لا عن عمد فلا اشكال أيضا فى عدم الاجتماع فلا بد من رفع اليد عن أحد التكليفين و لو على القول بالجواز لما قد عرفت من أن تجويزهم ذلك انما كان مع المندوحة و تعدد المتعلق هنا غير مجد عندهم لمكان الانحصار فى المحرم فكان التمكن من الفرد المباح شرطا لتعلق الأمر بالطبيعة و مع عدمه لا يتعلق الأمر بها فلا يرد انه بناء على تعلق الأحكام بالطبائع لا فرق بين الانحصار و عدمه ففي غير المثال الأخير لا بد من رفع اليد عن أحد الطلبين بالرجوع الى مرجحات المقتضيات فى مزاحمة الواجب‏

236

للحرام فقد يرجح الأمر و قد يرجح النهي ثم مع تغليب جانب النهي لو أتى بالواجب مع عدم الأمر فهل يصح أو لا يصح فقد مر تحقيقه فى مسئلة الضد و اما فى المثال الأخير أي الخروج من حيث هو مع قطع النظر عن الصلاة فلا اشكال فى انه مأمور بالخروج و ليس منهيا عنه و قد يكون بسوء الاختيار كالمثال المذكور فى المتن فانه مضطر حينئذ الى ارتكاب أحد الحرامين من البقاء أو الخروج لكن الخروج يمتاز عن البقاء من حيث انطباق عنوان التخلص عن الحرام عليه دون البقاء فالخروج من حيث انحصار انطباق عنوان التخلص به صار محلّا للخلاف المذكور فى المتن‏

(هذا على الامتناع و اما على القول بالجواز فعن أبي هاشم‏

(*)

انه مأمور به و منهي عنه و اختاره الفاضل القمى ناسبا له الى أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء و الحق انه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار اليه و عصيان له بسوء الاختيار و لا يكاد يكون مأمورا به كما اذا لم يكن هناك توقف عليه أو بلا انحصار به و ذلك ضرورة انه حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا لا يكون عقلا معذورا فى مخالفته فيما اذا اضطر الى ارتكابه بسوء اختياره و يكون معاقبا عليه كما اذا كان ذلك بلا توقف عليه أو مع عدم الانحصار به و لا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به لكونه بسوء الاختيار)

حاصله ان التصرف الخروجى فرد من أفراد التصرف المقدور للمكلف فعله و تركه قبل الدخول فيكون منهيا عنه و الاضطرار الى ارتكابه لكونه بسوء اختياره لا يصير عذرا عقلا فيكون معاقبا على المخالفة و انحصار توقف التخلص عن الحرام عليه أيضا لا يجدي فى عدم عقابه لما ذكرنا من كون الاضطرار و الانحصار بسوء الاختيار و قد كتب المصنف فى الهامش ما هذا لفظه: لا يخفى انه لا توقف هنا حقيقة بديهة ان الخروج انما هو مقدمة للكون فى خارج الدار لا مقدمة لترك الكون فيها الواجب لكونه تركا للحرام، نعم بينهما ملازمة لأجل التضاد بين الكونين و وضوح الملازمة بين وجود الشي‏ء و عدم ضده فيجب الكون فى خارج الدار عرضا

____________

(*) قوله: و اما على الجواز فعن أبي هاشم اه. أقول: فى النسبة منع، وجهه ان صاحب الجواهر قال فى مسئلة الصلاة فى المكان المغصوب التي قد أفتى المحقق بصحة الصلاة فى ضيق الوقت فى حال الخروج لكن عن أبي هاشم ان الخروج أيضا تصرف فى المغصوب فيكون معصية فلا تصح الصلاة حينئذ و هو خارج سواء تضيق الوقت أم لا، و عن المنتهى ان هذا القول عندنا باطل، بل فى التحرير أطبق العقلاء كافة على تخطئة أبي هاشم انتهى محل الحاجة و هو كما ترى صريح فى أن أبي هاشم لم يقل بصحة الصلاة المزبورة و لو كان قائلا فى مسئلة الاجتماع بالجواز لأن القول بالجواز من الجهتين لا يستلزم صحة الصلاة لعدم تعدد الجهة عنده.

منه دام ظله‏

237

لوجوب ملازمه حقيقة فيجب مقدمته كذلك و هذا هو الوجه فى المماشاة و الجري على ان مثل الخروج يكون مقدمة لما هو الواجب من ترك الحرام فافهم انتهى هذا كله بالنسبة الى كونه منهيا عنه بالنهي السابق و اما كونه ساقطا فعلا لعدم تمكنه من الترك بل اللازم عليه بسوء اختياره الغصب اما بالبقاء فيها و اما بالحركة منها الى الخارج فلا معنى لتوجه النهي اليه فعلا لكونه عبثا و لغوا

(ان قلت كيف لا يجديه)

انحصار التخلص عن الحرام و الحال ان التخلص عن الغصب واجب‏

(و مقدمة الواجب)

و هو الخروج‏

(واجبة)

يعني ان النهي بالنسبة الى المقدار الذى اضطر المكلف اليه ساقط عقلا و اما بالنسبة الى الزائد عن القدر المضطر اليه فهو بعد باق لوجود التمكن منه فعلا و تركا المصحح لتوجه النهي بأن يقال لا تتصرف غدا و التخلص و الخروج عنها مقدمة لامتثال هذا التكليف المقدور امتثاله و مقدمة الواجب واجبة.

(قلت انما تجب المقدمة لو لم تكن محرمة و لذا لا يترشح الوجوب من الواجب إلا على ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما فى المقدمية)

كما سبق ذلك فى بحث المقدمة و غيرها

(و إطلاق الوجوب و اهمية الواجب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها)

أي بالمحرمة

(انما هو فيما اذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة)

كما فى انقاذ الغريق بحبل غصبى أو إطفاء الحريق بالدخول فى دار الغير

(و المفروض هاهنا و ان كان ذلك)

فان التخلص عن الغصب أهم من ترك الخروج الذي قد عرفت انه أي الخروج مقدمة محرمة

(إلا أنه كان بسوء الاختيار و معه لا يتغير عما هو عليه من الحرمة و المبغوضية)

و الدليل على أن إرادة المكلف و اختياره لا يوجب تغير الواقع عما هو عليه هو انه لو كان كذلك للزم أن يكون حرمة الخروج الذي هو تصرف فى مال الغير معلقا على إرادة المكلف بالخروج غير التخلص عن الحرام من العناوين الأخر كالشراء من المالك أو تحصيل الاذن منه أو الامور التي لا تكون مقدمة للتخلص كالبقاء فى المغصوب و عدم كون الخروج محرما لو اختار و أراد به التخلص عن الغصب و هو مع انه فى نفسه واضح الفساد مستلزم لخلاف الفرض الذى هو كون الاضطرار بسوء الاختيار فانه على فرض المعترض لا يكون اضطرار أصلا و اليه أشار بقوله‏

(و إلا لكان الحرمة معلقة على إرادة المكلف و اختياره لغيره و عدم حرمته مع اختياره له و هو كما ترى مع انه خلاف الفرض)

و قوله‏

(و ان الاضطرار يكون بسوء الاختيار)

بيان للفرض حيث ان معنى هذا الفرض أي كون الاضطرار بسوء الاختيار هو انه اذا اضطر الى الخروج الذى هو تصرف محرم فى نفسه بسوء اختياره الاقدام على الدخول و من البديهي منافاة هذا الفرض لكون الحرمة معلقة على الارادة إذ مع الارادة لا اضطرار أصلا و استدل للجواز بما حاصله ان الخروج و ان كان تصرفا فى الغصب إلا أنه معنون بعنوان‏

238

التخلص عن الغصب و هو واجب عقلا و شرعا و لا وجه لتعلق النهي به و لو سابقا حيث انه بهذا العنوان مطلوب من أول الأمر و لا ربط له بمسألة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار بل هو داخل فى وجوب رد مال الغير اليه، و الى هذا الاستدلال أشار المصنف بما هو فى صورة الاشكال على دليل المنع من قوله:

(ان قلت ان التصرف فى أرض الغير بدون اذنه بالدخول و البقاء حرام بلا اشكال و لا كلام و اما التصرف بالخروج الذى يترتب عليه رفع الظلم و يتوقف عليه التخلص عن التصرف الحرام فهو ليس بحرام فى حال من الحالات بل حاله مثل حال شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلاك فى الاتصاف بالوجوب فى جميع الأوقات و منه ظهر المنع عن كون جميع أنحاء التصرف فى أرض الغير مثلا حراما قبل الدخول و انه يتمكن من ترك الجميع حتى الخروج و ذلك لأنه لو لم يدخل لما كان متمكنا من الخروج و تركه و ترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس فى الحقيقة إلا ترك الدخول فمن لم يشرب الخمر لعدم وقوعه فى المهلكة التي يعالجها به مثلا لم يصدق عليه إلا أنه لم يقع فى المهلكة لا انه ما شرب الخمر فيها إلا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع كما لا يخفى و بالجملة لا يكون الخروج بملاحظة كونه مصداقا للتخلص عن الحرام أو سببا له إلا مطلوبا و يستحيل أن يتصف بغير المحبوبية و يحكم عليه بغير المطلوبية)

.

(قلت هذا غاية ما يمكن أن يقال فى تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلص مأمورا به و هو موافق لما أفاده شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه على ما فى تقريرات بعض الأجلة لكنه لا يخفى ان ما به التخلص عن فعل الحرام أو ترك الواجب انما يكون حسنا عقلا و مطلوبا شرعا بالفعل و ان كان قبيحا ذاتا اذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه و لم يقع بسوء اختياره)

بين أمرين لا محيص عن ارتكاب أحدهما

(اما فى الاقتحام فى ترك الواجب أو فعل الحرام)

و هو البقاء

(و اما فى الاقدام على ما هو قبيح و حرام لو لا به التخلص بلا كلام)

و هو الخروج‏

(كما هو)

أي الوقوع فى أحدهما بسوء الاختيار

(المفروض فى المقام ضرورة تمكنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره)

اللهم إلا أن يدعي اختصاص قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار بالممتنع عقلا كالحج يوم عرفة فمن ترك المسير بالاختيار أو حفظ النفس ممن القى نفسه من شاهق و هاهنا يكون الخروج بعد الدخول باقيا على ما هو عليه من المقدورية و لم يطرأ ما يوجب امتناعه و هو كما ترى‏

(و بالجملة كان قبل ذلك متمكنا من التصرف خروجا كما يتمكن منه دخولا غاية الأمر يتمكن منه)

أي من الدخول‏

(بلا واسطة و منه)

أي من الخروج‏

(بالواسطة)

أي بواسطة الدخول‏

(و مجرد عدم التمكن منه إلا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا كما هو الحال فى البقاء)

المتوقف على الدخول‏

(فكما يكون تركه)

239

أي ترك البقاء

(مطلوبا فى جميع الأوقات)

حتى قبل الدخول مع كونه متوقفا على الدخول‏

(فكذلك الخروج مع انه)

أي الخروج‏

(مثله)

أي مثل البقاء فى الفرعية على الدخول‏

(فكما لا تكون الفرعية مانعة عن مطلوبيته)

أي مطلوبية ترك البقاء

(قبله و بعده)

أي قبل الدخول و بعده‏

(كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيته)

أي مطلوبية ترك الخروج‏

(و ان كان العقل يحكم بلزومه)

أي الخروج المحرم شرعا

(ارشادا الى اختيار أقل المحذورين و أخف القبيحين)

فلا يرد على هذا ما قيل ان القاعدة مختصة بما اذا كان الفعل واجدا للملاك سواء وجدت المقدمة الاعدادية أم لا و ان كان الخطاب المتعلق بها مشروطا بمجي‏ء زمانها كما فى الحج على المشهور فان خطابه و ان كان مشروطا بمجي‏ء عرفة إلا أن تمامية ملاكه بعد الاستطاعة تدرجه تحت القاعدة ان ترك المسير بالاختيار فهو مستحق للعقاب و ان كان الفعل ممتنعا فى حقه و هذا بخلاف المقام فان التصرف الدخولي من المقدمات التي لها دخل فى تحقق القدرة على الخروج و موجب لتمامية الملاك فى طرف الخروج فان الداخل هو الذى يمكن توجه الخطاب بالخروج و عدمه به لا غير و اذا كان كذلك فلا محالة تكون تمامية الملاك به فيستحيل أن يكون المقام من صغريات القاعدة و ذلك لأن المقدور بالواسطة مقدور و لا يعتبر فى حسن التكليف عند العقل أزيد من المقدورية فى الجملة مع انه منقوض بالبقاء الذى يكون تركه مطلوبا فى جميع الأوقات، و تقرير الجواب الذى ذكره المصنف انه ان اريد بكون الخروج واجبا و مأمورا به بهذا العنوان من أول الأمر انه مطلوب على وجه الاطلاق نظير سائر الواجبات المطلقة ففيه ان لازمه كون الدخول واجبا فانه مقدمة للخروج الذى هو واجب مطلق و مقدمة الواجب المطلق واجب و هو بديهي الفساد و ان اريد انه مطلوب بشرط الدخول فهو و ان كان كذلك عقلا إرشادا الى اختيار أقل المحذورين إلا أنه لا مانع من النهي السابق إذ قبل الدخول كان جميع أنحاء التصرف فى مال الغير حراما حتى هذا التصرف و يمكنه الامتثال بترك الدخول، و لازم القول المذكور عدم كون الدخول حراما إلا من حيث نفسه فلو فرضنا عدم حرمة الخروج من حيث هو يلزم أن لا يكون الدخول محرما من حيث المقدمية للتصرف الخروجى و لا أظن أحدا يلتزم بذلك فمن علم انه اذا دخل دار زيد يجبر على شرب الخمر لا يجوز له الدخول و ان لم يكن الشرب حين صدوره منه متعلقا للخطاب فانه قبل الدخول مكلف بترك شرب الخمر حتى بعد الدخول و يصح تكليفه به و يكون الدخول حراما من باب المقدمة و ان كان ينقطع النهي بالدخول فكذا فى المقام‏

(و من هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا و تخلصا عن المهلكة و انه انما يكون مطلوبا على كل حال لو لم يكن الاضطرار اليه بسوء الاختيار و إلا فهو على ما هو عليه من الحرمة و ان كان العقل يلزمه ارشادا الى ما هو أهم و أولى بالرعاية من تركه لكون الغرض‏

240

فيه أعظم من ترك الاقتحام فيما يؤدي الى هلاك النفس أو شرب الخمر لئلا يقع فى أشد المحذورين.

منهما فيصدق انه تركها)

الفاء فصيحة

(و لو تركه ما لو فعله لأدى لا محالة الى أحدهما كسائر الأفعال التوليدية حيث يكون العمد اليها بالعمد الى أسبابها و اختيار تركها بعدم العمد الى الأسباب و هذا يكفي فى استحقاق العقاب على الشرب للعلاج و ان كان لازما عقلا للفرار عما هو أكثر عقوبة و لو سلم عدم الصدق)

أى و لو سلم انه لا يصدق انه ترك شرب الخمر فى المهلكة فى حق من لم يقع في المهلكة و كذلك لا يصدق انه ترك الخروج من الدار في حق من لم يتوسط الدار

(إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فهو غير ضائر بعد تمكنه من الترك و لو على نحو هذه السالبة و من الفعل بواسطة تمكنه مما هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة)

كالدخول في المثال لما نحن فيه و الشرب المؤدى الى أحد الأمرين في المثال الذى ذكره المعترض‏

(فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر و يتخلص بالخروج أو يختار ترك الدخول و الوقوع فيهما لئلا يحتاج الى التخلص و العلاج)

.

(فان قلت كيف يقع مثل الخروج و الشرب ممنوعا عنه شرعا و معاقبا عليه عقلا مع بقاء ما يتوقف عليه على وجوبه و وضوح سقوط الوجوب مع امتناع المقدمة المنحصرة و لو بسوء الاختيار و العقل قد استقل بأن الممنوع شرعا كالممتنع عادة أو عقلا)

حاصله ان القول بوجوب التخلص عن الغصب مثلا مع كون الخروج الذى هو مقدمة منحصرة له بالفرض محرما مما لا يجتمعان فلا بد اما من القول بسقوط ذى المقدمة عن الوجوب أو القول بكون الخروج واجبا.

(قلت أولا انما كان الممنوع)

شرعا

(كالممتنع)

عقلا و عادة

(اذا لم يحكم العقل بلزومه ارشادا الى ما هو أقل المحذورين و قد عرفت لزومه بحكمه فانه مع لزوم الاتيان بالمقدمة عقلا لا بأس في بقاء ذى المقدمة على وجوبه فانه حينئذ ليس من التكليف بالممتنع كما اذا كانت المقدمة ممتنعة و ثانيا لو سلم فالساقط انما هو الخطاب فعلا بالبعث و الايجاب لا لزوم اتيانه عقلا خروجا عن عهدة ما تنجز عليه سابقا ضرورة انه لو لم يأت به لوقع في المحذور الأشد و نقض الغرض الأهم حيث انه الآن كما كان عليه من الملاك و المحبوبية بلا حدوث قصور أو طرو فتور فيه أصلا و انما كان سقوط الخطاب لأجل المانع و الزام العقل به لذلك ارشادا كاف لا حاجة معه الى بقاء الخطاب بالبعث اليه و الايجاب له فعلا فتدبر جيدا)

و لا تصغ الى قول من ذهب الى ثبوت الفرق بين المقام و بين مقام الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار حيث قال ان ملاك القاعدة هو أن تكون المقدمة موجبة للقدرة على ذى المقدمة كي يكون المحل قابلا للخطاب كالمسير بالنسبة الى الحج لكن الاستحالة المنتهية الى الاختيار لا تكون‏

241

مسقطا للعقاب و اما فى المقام فالدخول موجب لسقوط الخطاب التحريمي إذ به يكون تركه غير مقدور على ما اختاروه، و بالجملة فما نحن فيه و مورد القاعدة متعاكسان إذ وجود المقدمة يعدم الخطاب و فى مورد القاعدة يكون موجدا له إذ صحة الخطاب لا يتوقف على وجود المقدمة فى الخارج و انما الموقوف عليه لصحة الخطاب كون متعلق الخطاب مقدورا للمكلف و لو بالواسطة سواء اوجد المقدمة أم لا و لا يفرق عند العقل فى ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بين أن يكون الامتناع مستندا الى نفس الاختيار أو الى فعل صدر عنه بالاختيار أو الى ترك صدر عنه بالاختيار و لا تصغ أيضا الى ما قيل من أن الخروج فيما نحن فيه واجب فى الجملة و لو كان بحكم العقل و ما كان كذلك لا يدخل تحت القاعدة قطعا إذ المورد لها ما اذا كان الفعل غير قابل لتعلق الخطاب به لامتناعه فانه لو كان قابلا له لم يكن هناك ما يوجب سقوط خطابه فتعلق الخطاب الوجوبي به مع كونه داخلا فى القاعدة مما لا يجتمعان فالالتزام بوجوبه مستلزم لخروجه عن القاعدة و ذلك لأن المورد أيضا غير قابل لتعلق الخطاب الشرعي به لامتناعه فيكون الخطاب لغوا و اما الوجوب العقلي انما هو ارشاد الى ما هو أقل قبحا و أخف محذورا و هذا غير مناف لسقوط الخطاب الشرعي فافهم ذلك‏

(و قد ظهر مما حققناه فساد القول بكونه مأمورا به)

و لا يكون منهيا عنه‏

(مع اجراء حكم المعصية عليه نظرا الى النهي السابق)

كما ذهب اليه الرازى و تبعه صاحب الفصول فانه مع توجه النهي اليه لأجل تمكنه من فعله و تركه كيف يصير مأمورا به‏

(مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب و الحرمة و لا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم و الايجاب)

بكون التحريم‏

(قبل الدخول و)

الوجوب‏

(بعده كما فى الفصول)

و ستعلم‏

(مع اتحاد زمان الفعل المتعلق لهما و انما المفيد اختلاف زمانه و لو مع اتحاد زمانهما و هذا أوضح من أن يخفى كيف و لازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصيانا للنهي السابق و إطاعة للامر اللاحق فعلا و مبغوضا و محبوبا كذلك بعنوان واحد و هذا مما لا يرضى به القائل بالجواز فضلا عن القائل بالامتناع)

حاصله ان العقل حاكم باستحالة تعلق الحكمين بموضوع واحد و لو كان زمان الايجاب و التحريم متعددا إذ العبرة فى الاستحالة و عدمها هو اتحاد زمان الوقوع و عدمه لا اتحاد زمان الايجاب و التحريم مع وحدة زمان الوقوع، و الاحكام انما نتعلق بالطبائع باعتبار وقوعها فى الخارج و قد توهم صاحب الفصول تصحيح تعلق الحكمين فى زمانين بموضوع واحد بالالتزام بالواجب التعليقي حيث استدل على ذلك بأن الغصب بجميع أنحائه مبغوض حتى فى حال الخروج فما دام يمكن النهي عنه يكون منهيا عنه و اذا لم يمكن ينقطع النهي عنه فقبل الدخول لما كان المكلف متمكنا من تركه بجميع أنحائه يكون مكلفا به و بعد الدخول يرتفع التمكن بمقدار ما يتوقف عليه التخلص‏

242

الواجب بحكم العقل و الشرع و هو مقدار الخروج المفروض انحصار التخلص فيه فلا يعقل بقاء إرادة الترك بالنسبة اليه فيكون للخروج باعتبار ما قبل الدخول و ما بعده حكمان متضادان أحدهما مطلق و هو النهي و الآخر مشروط بالدخول و هو الأمر و هما غير مجتمعين ليلزم الجمع بين الضدين بل يتصف بكل فى زمان و يلحقه حكمه من حيث استحقاق الثواب و العقاب باعتبار الحالين و لو كانت المبغوضية مضادة للمطلوبية و لو مع تعدد الزمان لزم امتناع البداء فى حقنا مع وضوح جوازه و انما لا يترتب هنا أثر الأول لرفع البداء له بخلاف المقام و لا يضر كون الشي‏ء الواحد طاعة و عصيانا لأن تنافيهما ليس من حيث نفسيهما بل باعتبار ما اضيفا اليه من الأمر و النهي و تنافيهما لا يكون إلا وحدة الزمان و أشار المصنف قده الى رده بقوله‏

(كما لا يجدي فى رفع هذه الغائلة كون النهي مطلقا و على كل حال و كون الأمر مشروطا بالدخول ضرورة منافاة حرمة شي‏ء كذلك مع وجوبه فى بعض الأحوال)

فالوجوب التعليقي انما هو فيما اذا كان الحكم مستمرا الى زمان الامتثال نظير وجوب الحج لا أن يكون الحكم ساقطا حال العمل و يعرض له حكم آخر كما فى المقام حيث ان الحكم التحريمى سقط بالدخول و لا يكون الخروج إلا متصفا بالوجوب فما أفاده صاحب الفصول لا يخلو عن تناقض اللهم إلا أن يقال ان المراد من الاطلاق هو عدم الاشتراط بالدخول و انه متوجه اليه قبل الدخول لا أنه يبقى ما بعد الدخول أيضا حتى ينافى الأمر و المراد من جميع أنحائه هو جميع أفراد الغصب من الدخول و البقاء و الخروج لا جميع التقادير و الأزمنة فالذى يرد عليه هو لزوم اجتماع المتضادين فى فعل واحد شخصي و لو كان الخطاب بهما فى زمانين مع عدم الانقلاب و عدم التجاوز عن الحكم الأول مع انه ليس من المجوّزين للاجتماع‏

(و اما القول بكونه مأمورا به و منهيا عنه)

كما ذهب اليه أبو هاشم‏

(ففيه مضافا الى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما اذا كان بعنوانين فضلا عما اذا كان بعنوان واحد كما فى المقام حيث كان الخروج)

الشخصي‏

(بعنوانه سببا للتخلص و كان بغير إذن المالك و ليس التخلص إلا منتزعا عن ترك الحرام المسبب عن الخروج لا عنوانا له)

و قد علق هنا فى الهامش ما هذا لفظه: قد عرفت بما علقت فى الهامش ان ترك الحرام غير مسبب عن الخروج حقيقة و انما المسبب عنه إنما هو الملازم له و هو الكون فى خارج الدار، نعم يكون مسببا عنه مسامحة و عرضا و قد انقدح بذلك انه لا دليل فى البين إلا على حرمة الغصب المقتضي لاستقلال العقل بلزوم الخروج من باب انه أقل المحذورين و انه لا دليل على وجوبه بعنوان آخر يجب اعماله أيضا بناء على القول بجواز الاجتماع كاحتمال النهي عن الغصب ليكون الخروج مأمورا به و منهيا عنه فافهم انتهى‏

(ان الاجتماع هنا لو سلم انه لا يكون بمحال لتعدد العنوان و كونه مجديا فى رفع غائلة التضاد كان محالا لأجل)

243

(كونه طلب المحال حيث لا مندوحة هاهنا و ذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب و البعث حقيقة بفعل واجب أو ممتنع أو ترك كذلك)

أي واجب أو ممتنع‏

(و لو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار)

و الحاصل ان انقداح الطلبين على وجه الحقيقة على شي‏ء واحد شخصي من دون مندوحة مما يأبى عنه العقل و لو على القول بالجواز

(و ما قيل)

بل اشتهر

(ان الامتناع أو الايجاب بالاختيار لا ينافى الاختيار)

فقد علمت من مطاوي كلماتنا انه ان اريد بذلك بقاء الاختيار من حيث الخطاب فبطلانه ضروري و ان اريد من حيث العقاب فهو و ان كان مسلما لكنه لا يجدي فى المقام مضافا الى ان الظاهر ان مورد هذه القاعدة غير المقام و انه‏

(انما هو فى قبال استدلال الأشاعرة للقول بأن الأفعال غير اختيارية بقضية ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد)

و ما لم يمتنع لم يعدم ففعل العبد مع الإرادة واجب الصدور و مع عدمها أو إرادة عدمه ممتنع فيقال ردا عليهم ان الوجوب بالاختيار و الامتناع به لا ينافيان الاختيار بل يؤكده و يعنى بذلك نفي الجبر لا فى بيان ان الامتناع أو الايجاب اذا كان بالاختيار لا يمنع عن تعلق الخطاب‏

(فانقدح بذلك فساد الاستدلال لهذا القول بأن الأمر بالتخلص و النهي عن الغصب دليلان يجب اعمالهما و لا موجب للتقييد عقلا)

بتوهم لزوم اجتماع الارادة و الكراهة أو التكليف بما لا يطاق‏

(لعدم استحالة كون الخروج واجبا و حراما باعتبارين مختلفين إذ منشأ الاستحالة اما لزوم اجتماع الضدين و هو غير لازم مع تعدد الجهة و اما لزوم التكليف بما لا يطاق و هو ليس بمحال اذا كان مسببا عن سوء الاختيار و ذلك لما عرفت من ثبوت الموجب للتقييد عقلا و لو كانا بعنوانين و ان اجتماع الضدين لازم و لو مع تعدد الجهة مع عدم تعددها هاهنا و التكليف بما لا يطاق محال على كل حال نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو الايجاب)

لكونه لغوا و عبثا و قد علمت آنفا ان سقوط الخطاب بعثا و زجرا لا يستلزم سقوط الملاك حبا و بغضا ثوابا و عقابا ثم أشار المصنف الى بيان ثمرة الأقوال بقوله‏

(ثم لا يخفى انه لا اشكال فى صحة الصلاة مطلقا فى الدار المغصوبة على القول بالاجتماع و اما على القول بالامتناع فكذلك مع الاضطرار الى الغصب لا بسوء الاختيار مطلقا أو بسوء الاختيار و لكنها وقعت حال الخروج على القول بكونه مأمورا به بدون اجراء حكم المعصية عليه أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت و اما مع السعة فالصحة و عدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن الضد و اقتضائه فان الصلاة فى الدار المغصوبة و ان كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة إلا أنه لا شبهة فى ان الصلاة فى غيرها يضادها بناء على انه لا يبقى مجال مع إحداهما)

و هي الصلاة فى غيرها

(للاخرى)

و هي الصلاة فيها

(مع كونها)

أي إحداهما

(أهم منها)

أي من الاخرى‏

(لخلوها عن المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع)

244

(الغصب لكنه عرفت عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه فالصلاة فى سعة الوقت صحيحة و ان لم يكن مأمورا بها)

لكونها وافية بالغرض الملزم، و كونها مشتملة على فضيلة أول الوقت لا يجدي فى صيرورتها مأمورا بها فعلا لكونها مصلحة غير ملزمة لا تقاوم المفسدة المحققة فى الغصب الملزمة للترك و ما ذكرنا من عدم الأمر الفعلي فى هذا الفرد الغير الأهم لا ينافي ما ذكرنا سابقا من انه اذا علمنا برجحان أحد الملاكين من الأمر و النهي يصير الراجح فعليا فان معنى الفعلية هو انه اذا قيس ملاك طبيعة الصلاة الى ملاك طبيعة الغصب لا يكون مانع عن الصلاة من قبل طبيعة الغصب و ذلك لا ينافى عدم فعلية أحد أفرادها و هو الفرد الغير الأهم بالنسبة الى فرد آخر من تلك الطبيعة و هو الفرد الأهم و اما على القول بكونه منهيا عنه بالنهي السابق الساقط بالعصيان كما هو الحق أو بكونه مأمورا به مع جريان حكم المعصية عليه فلا تكون صحيحة أصلا لا فى سعة الوقت و لا فى ضيقه.

فان المبغوض لا يصح لأن يتقرب به، فان قلت على هذا القول أي القول بكونه مأمورا به مع جريان حكم المعصية عليه يكون حالها حال نفسها على القول بجواز الاجتماع و قد عرفت ان الحكم حينئذ الصحة فما وجه الفرق، قلت مبنى هذا القول ليس هو تعدد الجهة المجدي كما هو مبنى القول بالاجتماع حتى يحكم بالصحة من جهة ان ما يتقرب به غير ما لا يصلح لأن يتقرب به بل مبنى هذا القول توهم عدم المزاحمة بين النهي السابق الساقط و الأمر اللاحق فيكون اجراء حكم المعصية عليه بما هو عليه فى الواقع لا من جهة دون جهة فلا يكون فى البين ما يصلح لأن يتقرب به فلو وجد فى بعض المقامات حكم من الشارع على الصحة كما لو فرض الاجماع على صحة الصلاة حال الخروج مع ضيق الوقت فلا بد من الالتزام بأن الكون الخروجي عند وقوعه جزء من الصلاة يكون مطلوبا محضا من دون اجراء حكم المعصية عليه لشدة الاهتمام بشأنها و غلبة مصلحتها على مفسدة الغصب أو الالتزام بأن الكون من لوازم الجسم و ما هو جزء للصلاة لا ربط له بالغصب غاية الأمر انه مقارن لما هو غصب.

(الأمر الثاني قد مرّ فى بعض المقدمات)

فى بيان الفرق بين باب الاجتماع و التعارض‏

(انه لا تعارض بين مثل خطاب صلّ و خطاب لا تغصب على الامتناع تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا بل انما هو من باب تزاحم المؤثرين و المقتضيين فيقدم الغالب منهما و ان كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه)

لكن‏

(هذا فيما أحرز الغالب منهما و إلا كان بين الخطابين تعارض فيقدم الأقوى منهما دلالة أو)

تعبدا

(سندا)

أو غيره فمع كونهما قطعيين سندا يرجع الى المرجحات الدلالتية و مع فقدها يرجع الى الأصل و مع قطعية أحدهما يقدم على الآخر و اما مع قطعيتهما من حيث السند

245

و الدلالة فغير متصور و مع ظنيتهما من حيث السند نوعا فمع وجود المرجح دلالة يؤخذ به كائنا ما كان‏

(و بطريق الإن يحرز به)

أي بالأقوى دلالة أو سندا

(ان مدلوله أقوى مقتضيا)

بأن يقال الجمع العرفى بين هذين الدليلين الفعليين فى جميع الأفراد حتى فى مورد الاجتماع قاض بحمل أضعفهما دلالة على الحكم الاقتضائي‏

(هذا لو كان كل من الخطابين متكفلا للحكم الفعلي)

أي حتى بالنسبة الى الخطاب الآخر كان يكون مدلول صلّ وجوب الصلاة حتى فى مورد الغصب و مدلول لا تغصب حرمته حتى فى مورد الصلاة

(و إلا)

أي و ان لم يكن كل من الخطابين متكفلا للحكم الفعلي المزبور

(فلا بد من الأخذ بالمتكفل لذلك منهما لو كان و إلا)

أي و ان لم يوجد فى البين ما هو أقوى دلالة فالجمع يقتضي حملهما على الحكم الاقتضائي من هذه الجهة أي من جهة مزاحمة المقتضى فى أحدهما بالمقتضى فى الآخر فى مورد الاجتماع و ان كان كل منهما فعليا من سائر الجهات و اما فى تعيين الحكم الفعلي فى هذا المورد

(فلا محيص عن الانتهاء الى ما تقتضيه الاصول العملية)

كما انه فى العامين من وجه مع ظنيتهما سندا مع فقد المرجح دلالة على القول بعدم الرجوع الى المرجحات السندية يرجع الى الاصول العملية المختلفة بحسب المقامات ففي مثل الصلاة فى الدار المغصوبة يحكم بالفساد و الاباحة و التفكيك غير ضائر لأنه بمقتضى الاصول، فانقدح مما ذكرنا ان الجمع العرفى دائما يكون موجودا فلا تصل النوبة الى الترجيحات السندية

(ثم انه لا يخفى ان ترجيح أحد الدليلين و تخصيص الآخر به فى المسألة)

أي فى هذا الترجيح الدلالي‏

(لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأسا كما هو قضية التقييد و التخصيص فى غيرها مما لا يحرز فيه المقتضى لكلا الحكمين)

حيث ان الترجيح و التخصيص يقتضي خروج المرجوح و المخصص على نحو الاطلاق بحيث لو أتى به فى مورد من الموارد لا يكون مجزيا بخلاف الترجيح و التخصيص فى المسألة

(بل قضيته ليس إلا خروجه فيما كان الحكم الذى هو مفاد الآخر فعليا و ذلك لثبوت المقتضى فى كل واحد من الحكمين فيها فاذا لم يكن المقتضى لحرمة الغصب مؤثرا لها لاضطرار أو جهل أو نسيان كان المقتضى لصحة الصلاة مؤثرا لها فعلا كما اذا لم يكن دليل الحرمة أقوى أو لم يكن واحد من الدليلين دالّا على الفعلية أصلا فانقدح بذلك فساد الاشكال فى صحة الصلاة فى صورة الجهل أو النسيان و نحوهما فيما اذا قدم خطاب لا تغصب كما هو الحال فيما اذا كان الخطابان من أول الأمر متعارضين و لم يكونا من باب الاجتماع أصلا)

و الاشكال المزبور هو مقتضى كلام صاحب التقريرات الذى قد تقدم‏

(و ذلك لثبوت المقتضى فى هذا الباب كما اذا لم يقع بينهما تعارض و لم يكونا متكفلين للحكم الفعلي فيكون وزان التخصيص فى مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين و تأثيره فعلا المختص بما اذا لم يمنع عن تأثيره مانع)

246

(المقتضى لصحة مورد الاجتماع مع الأمر أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضى للنهي له أو عن فعليته كما مر تفصيله و كيف كان فلا بد)

فى هذه المسألة

(فى ترجيح أحد الحكمين من مرجح)

(و قد ذكروا لترجيح النهي وجوها)

:

(منها انه أقوى دلالة)

(لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الأمر)

و هذا مختار صاحب الاشارات‏

(و قد أورد عليه بأن ذلك)

أي الاستيعاب و العموم‏

(فيه)

أي فى النهي‏

(من جهة إطلاق متعلقه بقرينة الحكمة كدلالة الأمر على الاجتزاء بأي فرد كان)

و ليس للنهي مع قطع النظر عن مقدمات الحكمة دلالة على العموم و الاستيعاب كما انه مع قطع النظر عنها لا دلالة للامر على العموم البدلي، غاية الأمر ان إطلاق النهي يحمل على العموم الاستيعابي و إطلاق الأمر على البدلي و هذا لا يوجب قوة فيه‏

(و قد أورد عليه)

أي على الايراد

(بأنه لو كان العموم المستفاد من النهي بالاطلاق بمقدمات الحكمة و غير مستند الى دلالته عليه بالالتزام لكان استعمال مثل لا تغصب فى بعض أفراد الغصب حقيقة)

فان استعمال المطلق فى المقيد حقيقة على التحقيق‏

(و هذا واضح الفساد)

لأن الخصوصية خلاف الظاهر المتبادر من اللفظ عرفا فلا بد و أن يكون مجازا

(فيكون دلالته على العموم من جهة ان وقوع الطبيعة فى حيز النفي أو النهي يقتضي عقلا سريان الحكم الى جميع الأفراد ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه قلت دلالتهما)

أي النفى و النهي‏

(على العموم و الاستيعاب ظاهرا مما لا ينكر لكنه من الواضح ان العموم المستفاد منهما كذلك)

أي الاستيعابي‏

(انما هو بحسب ما يراد من متعلقهما)

أي النفي و النهي‏

(فيختلف سعة و ضيقا فلا يكاد يدل على استيعاب جميع الأفراد إلا اذا اريد منه)

أى من المتعلق‏

(الطبيعة مطلقة و بلا قيد و لا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته عليه بالخصوص إلا بالاطلاق و قرينة الحكمة بحيث لو لم تكن هناك قرينتها بأن يكون الاطلاق فى غير مقام البيان لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة و ذلك)

أى عدم استظهار إرادة نفس الطبيعة مهملة و بلا قيد إلا من الاطلاق و قرينة الحكمة

(لا ينافى دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلق)

من جهة ان النهي بالدلالة الالتزامية يدل على ذلك‏

(إذ الفرض عدم الدلالة على انه المقيد أو المطلق)

بخلاف العموم البدلي المستفاد من الأمر فانه أيضا من الاطلاق كما ان إحراز ان الطبيعة ملحوظة مطلقة و بلا قيد و شرط من الاطلاق‏

(اللهم إلا أن يقال فى دلالتهما)

أى النفي و النهي‏

(على الاستيعاب كفاية دلالة على أن المراد من المتعلق هو المطلق كما ربما يدعى ذلك فى مثل كل رجل فان مثل لفظة كل تدل على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة الى ملاحظة إطلاق مدخوله و قرينة الحكمة بل يكفي إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة و لا بشرط فى دلالته على الاستيعاب و ان كان لا يلزم)

247

(مجاز أصلا لو اريد منه خاص بالقرينة لا فيه)

أى فى لفظة كل‏

(لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول و لا فيه)

أى فى المدخول‏

(اذا كان)

إرادة الخاص‏

(بنحو تعدد الدال و المدلول لعدم استعماله)

أى المدخول‏

(إلا فيما وضع له و الخصوصية مستفادة من دال آخر فتدبر)

و مبنى هذا التوجيه الذى ملخصه كون الدلالة على أصل الاستيعاب مدلولا التزاميا على دعوى وضع أسماء الأجناس و أمثالها للطبيعة مرسلة و مهملة أى لا بشرط فانه لو لم تكن موضوعة لذلك لما احتاجت الى قرينة الحكمة فى إثبات العموم فى النهي فان ملاك عموم مطلوبية الترك لجميع أفراد المنهي عنه انما هو اهمال المتعلق و هو حاصل بالوضع حسب الفرض فتدبر ثم ان هذا الوجه انما هو يفيد وجود المرجح بحسب مقام الاثبات و الدلالة و قد يذكر وجه آخر لتقديم النهي بحسب مقام الاثبات و الدلالة و هو ان النهي في مادة الاجتماع مع الامر ناظر الى جهة الترخيص الثابت بالأمر فى الفعل و الاقدام و هو حاكم على الأمر، و فيه انه انما يتم اذا كان النهي للارشاد و هو لا يكون إلا فى الخاص المطلق مع انه أيضا من باب التخصيص أيضا عند العرف لا الحكومة و مفروض المقام كون النهي للتحريم لا للارشاد و ان كان أخص من الأمر فالكلام فى مثل صل و لا تصل فى الغصب انما يكون من محل النزاع اذا علم ان النهى للتحريم من جهة خصوصية الغصب فلو كان مع ذلك ناظرا الى الترخيص يلزم الاستعمال فى التحريم و الارشاد معا و هو غير جائز لعدم الجامع و لو سلم وجوده فمعلوم عدم إرادته و إلا لاحتاج إثبات الحرمة الى دليل خارجي و ان اريد النظر الى الترخيص التكليفي لا الوضعي فيمنعه إذ كون النهى ناظرا ليس باولى من كون الأمر ناظرا الى المنع المستفاد من النهى ثم ذكر المصنف وجهين آخرين يدلان على تقديم النهى لا من جهة الرجحان دلالة بل تعبدا بقوله‏

(و منها ان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة)

فى صورة الدوران سواء كانتا معلومتين أو كان المعلوم إحداهما و فى ترجيح النهى دفع للمفسدة إذ فى ترجيح الأمر جلب المنفعة

(و قد أورد عليه فى القوانين بأنه مطلقا ممنوع لأن فى ترك الواجب أيضا مفسدة اذا تعين)

فلا ترجيح لأحد الدفعين على الآخر

(و لا يخفى ما فيه فان الواجب و لو كان معينا ليس إلا لاجل ان فى فعله مصلحة يلزم استيفائها من دون أن يكون فى تركه مفسدة كما ان الحرام ليس إلا لاجل المفسدة فى فعله بلا مصلحة فى تركه)

و ليس فيه إلا دفع المفسدة

(و لكن يرد عليه)

أي على هذا الوجه الذى ذكر مرجحا للنهى‏

(أن الأولوية مطلقا ممنوعة)

بل تختلف المقامات اذا كانتا إلزاميتين‏

(و ربما يكون العكس أولى كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات خصوصا مثل الصلاة و ما يتلو تلوها)

فى كونها عمود الدين و ربما يكون بعض المصالح من الامور المهمة عند الشارع بحيث يكون ارتكاب بعض المحرمات‏

248

فى جنبه مستهلكا كما فى انقاذ نبي غريق أو وليّ كذلك بحبل غصبي و مع الاختلاف بأن يكون أحدهما إلزاميا و الآخر غير إلزامي يقدم الإلزامي على غيره هذا مع العلم بهما و كونهما متزاحمين و اما العلم بأحدهما لا على التعيين فالمرجع هو اصالة الاباحة أو التخيير

(و لو سلم فهو أجنبى عن المقام فانه فيما اذا دار بين الواجب و الحرام)

يعني بين ترك الواجب و فعل الحرام من جهة الاشتباه موضوعا أو حكما لا فى مثل المقام الذى يكون الشك فيه بعد القطع بوجود دليلي الوجوب و الحرمة و حكم العقل بامتناع الاجتماع فى مورد التصادق و طلبه مرجحا لأن يندرج تحت واحد منهما و قد علله المصنف فى الهامش بما هذا لفظه: فان الترجيح به انما يناسب ترجيح المكلف و اختياره للفعل او الترك بما هو أوفق بغرضه لا المقام و هو مقام جعل الاحكام فان المرجح هناك ليس إلا حسنها أو قبحها العقليان لا موافقة الاغراض و مخالفتها كما لا يخفى تأمل تعرف انتهى، غرضه ان هذه القاعدة حكم عقلي للمكلف عند وجود المصلحة و المفسدة فى الفعل و الترك له و اما عند المولى فلا وجود إلا لأحدهما فى المجمع لأجل الكسر و الانكسار و اضمحلال أحدهما فلا دوران كي يحتاج الى الترجيح‏

(و لو سلم فانما يجدي فيما لو حصل القطع)

بالاولوية و هو ممنوع غايته الظن بها

(و لو سلم انه يجدي و لو لم يحصل)

القطع‏

(فانما يجرى فيما لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال كما فى دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة التعيينيين لا فيما يجري كما فى محل الاجتماع لأصالة البراءة عن حرمته فيحكم بصحته)

و ليست معارضة باصالة عدم الوجوب لأن الحرمة لو كانت تعيينية و اما الوجوب فمحقق هنا للقطع بوجوب الصلاة لكنه تخييرا فللمكلف مندوحة من جانب الوجوب باختيار فرد آخر فاذا أجرينا اصالة البراءة عن الحرمة فيحكم بصحتها

(و لو قيل بقاعدة الاشتغال فى الشك فى الاجزاء و الشرائط)

و الموانع فانها تجري فى الامور المذكورة اذا صح أخذها فى لسان الدليل الشرعى قيودا للمكلف به لا فيما اذا كانت قيودا عقلية ناشئة من نفس التكليف كما فيما نحن فيه فان مانعية الغصب عن الصلاة انما تنشأ من العقل لو كانت الحرمة الفعلية للغصب فى المجمع محققة لا فيما لم يكن بفعلية لجهة من الجهات كالاضطرار و النسيان و الجهل بالموضوع أو الحكم قصورا لا تقصيرا و قوله‏

(فانه لا مانع عقلا إلا فعلية الحرمة المرفوعة باصالة البراءة عنها عقلا و نقلا)

تعليل لقوله فيحكم بصحته‏

(نعم لو قيل بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة فى المبغوضية و لو لم تكن بمحرزة فاصالة البراءة غير مجدية بل كانت اصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة و لو قيل باصالة البراءة فى الأجزاء و الشرائط)

و قوله‏

(لعدم تأتي قصد القربة مع الشك فى المبغوضية)

اشارة الى دفع وهم و هو انه بناء على القول باصالة البراءة فى الشك في الاجزاء و الشرائط لا وجه لكون اصالة الاشتغال بالواجب‏

249

لو كان عبادة محكمة حيث انه لا يبقى شك بعد الحكم باباحة الكون الغصبى الذى يقع جزء الصلاة و ملخص الدفع انه انما يتم فيما لو كان الشك فى صحة الصلاة مسببا عن الشك فى الحرمة و الاباحة و ليس كذلك بل الشك فى الصحة مسبب عن الشك فى غلبة أية واحدة من المصلحة و المفسدة على الاخرى فى نظر الشارع و هذا المقدار من الشك كاف فى عدم تأتي قصد القربة و قد علق المصنف على قوله نعم لو قيل بأن المفسدة الخ فى الهامش ما هذا لفظه كما هو غير بعيد كله بتقريب ان إحراز المفسدة و العلم بالحرمة الذاتية كاف فى تأثيرها بما لها من المرتبة و لا يتوقف تأثيرها كذلك على إحرازها بمرتبتها و لذا كان العلم بمجرد حرمة شي‏ء موجبا لتنجز حرمته على ما هي عليه و لو كانت فى أقوى مراتبها و لاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدتها كما لا يخفى لكنه انما يكون اذا لم يحرز أيضا ما يحتمل أن يزاحمها و يمنع عن تأثيرها المبغوضية و اما معه فيكون الفعل كما اذا لم يحرزه انه ذو مصلحة أو مفسدة مما لا يستقل بحسنه أو قبحه و حينئذ يمكن أن يقال بصحته عبادة لو أتى به بداعى الأمر المتعلق بما تعمه من الطبيعة بناء على عدم اعتبار أزيد من اتيان العمل قريبا فى العبادة و امتثالا للامر بالطبيعة و عدم اعتبار كونه ذاتا راجحا كيف و يمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتا راجحات بل انما يكون كذلك فيما اذا أتى بها على نحو قربى، نعم المعتبر فى صحته عبادة انما هو أن لا يقع منه مبغوضا عليه كما لا يخفى و قوله فتأمل اشارة الى ذلك انتهى و قد يورد على أصل المرجح بأنه لا يلزم كون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة لإمكان كون المصلحة فى التكليف لا فى المكلف به و ان اريد بهما الثواب و العقاب فلا شك فى أن فى ترك الواجب أيضا عقابا كما ان فى ترك الحرام ثوابا.

(و منها الاستقراء)

(فانه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب)

حيث ان الشارع فى غالب الموارد قدم جانب الحرمة عند الدوران بينها و بين الوجوب‏

(كحرمة الصلاة في أيام الاستظهار و عدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين و فيه انه لا دليل على اعتبار الاستقراء ما لم يفد القطع و لو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار)

أي بمجرد هذين الموردين‏

(و لو سلم)

كفايته في ثبوته‏

(فليس حرمة الصلاة في تلك الأيام و لا عدم جواز الوضوء منهما مربوطا بالمقام)

أي من قبيل ترجيح جانب الحرمة على الوجوب عند دوران الأمر بينهما اما المورد الأول‏

(لأن حرمة الصلاة فيها انما يكون لقاعدة الامكان)

أي قاعدة كل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض المستفادة من الأخبار المستفيضة سواء كان قبل العادة أو بعدها مع عدم تجاوز العشرة

(و الاستصحاب)

أي استصحاب حدث الحيضية اذا كان بعد العادة

(المثبتين)

أي القاعدة و الاستصحاب‏

(لكون الدم)

المشتبه‏

(حيضا فيحكم بجميع)

250

(أحكامه و منها)

أي و من الأحكام‏

(حرمة الصلاة عليها لا لأجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدعى هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في حال الحيض و إلا)

أي إن لم نقل بحرمتها الذاتية بل التشريعية

(فهو خارج من محل الكلام)

فانه يمكن أن يكون الاتيان بها من باب الاحتياط و لا بأس به حينئذ

(و من هنا انقدح انه ليس منه)

المورد الثاني أى‏

(ترك الوضوء من الإنائين فان حرمة الوضوء من الماء النجس ليس إلا تشريعيا و لا تشريع فيما لو توضأ منهما احتياطا فلا حرمة في البين غلب جانبها)

بل قد يقال انه لو سلم كون حرمة الوضوء بالماء النجس ذاتية فالأمر بالاراقة من جهة ثبوت البدل للوضوء و هو التيمم فلهذا لا يزاحم الحرام و يمكن أن يقال ان السر في قاعدة الامكان هو تغليب جانب الحرمة و ثبوت البدل لا دخل له في عدم المزاحمة لعدم الفرق بين ما له بدل و ما لا بدل له في ذلك فالأولى أن يقال انه لم يعلم ان ترك العبادة و الوضوء لأجل التغليب فلعله لشي‏ء آخر كما أشار الى هذا بقوله‏

(فعدم جواز الوضوء منهما و لو كذلك بل اراقتهما كما في النص ليس إلا من باب التعبد أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن ظاهرا بحكم الاستصحاب للقطع بحصول النجاسة حال ملاقات المتوضئ من الآنية الثانية اما بملاقاتها أو بملاقات الاولى و عدم استعمال مطهر بعده)

يقيني و لهذا لو لم يكن الاشتباه من جهة النجاسة بل من جهة انه مضاف أو مطلق فلا بد من التوضؤ بهما لتحصيل العلم بالوضوء فوجوب الترك في المثال للقطع بحصول النجاسة و عدم استعمال مطهر يقيني بعده‏

(و لو طهر بالثانية مواضع الملاقاة بالاولى)

فيما لو كان حصول التطهير محتاجا الى التعدد و الانفصال إذ حينئذ يعلم تفصيلا بنجاسة البدن بملاقات الثانية، و الغرض ان حصول التطهير بهما لو كانت في الواقع طاهرة محتاجة الى التعدد و انفصال الغسالة لكن طهارتها مشكوكة فيستصحب النجاسة الى أن يعلم بحصول التطهير يقينا

(نعم لو طهرت)

مواضع الملاقاة بالاولى‏

(على تقدير نجاستها بمجرد ملاقاتها بلا حاجة الى التعدد)

كالكر

(أو انفصال الغسالة)

كالجارى‏

(لا يعلم تفصيلا بنجاستها و ان علم بنجاستها حين ملاقات الاولى أو الثانية إجمالا فلا مجال لاستصحابها)

لكونهما كمجهولي التاريخ‏

(بل كانت قاعدة الطهارة محكمة)

.

(الأمر الثالث الظاهر لحوق تعدد الاضافات بتعدد العنوانات)

ان الاصوليين قد عاملوا في مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق معاملة العموم من وجه مطلقا من غير ابتناء له على امتناع الاجتماع أو على عدم وجود المقتضي لأحد الحكمين و يظهر من معاملتهم هذه ان أمثال ما ذكر خارج عن موضوع مسئلة الاجتماع و لعله لأجل توهم ان مجرد تعدد الاضافة مع الاتحاد بحسب الحقيقة لا يوجب تعدد العنوان و موضوع مسئلة الاجتماع ما كان كذلك أى يجب أن يكون فيه متعلق الأمر و النهي متعددا بحسب العنوان كالصلاة و الغصب و ان كان بينهما عموم مطلق كالحركة و عدم التداني الى دار كذا