شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
251

فأشار المصنف الى فساد هذا التوهم بقوله‏

(الظاهر لحوق تعدد الاضافات بتعدد العنوانات و الجهات في انه لو كان تعدد الجهة و العنوان كافيا مع وحدة المعنون وجودا في جواز الاجتماع كان تعدد الاضافات مجديا ضرورة انه يوجب أيضا اختلاف المضاف بها)

أى بالاضافات المختلفة

(بحسب المصلحة و المفسدة و الحسن و القبح عقلا و بحسب الوجوب و الحرمة شرعا فيكون مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق من باب الاجتماع كصل و لا تغصب)

فلو لم يكن تعدد الاضافة كافيا فى كون فعل واحد مثل إكرام العالم الفاسق محكوما بحكمين فكذلك تعدد العنوان لا يجدي فى كون حركة واحدة مثلا محكومة بحكمين متضادين فالحق ان أمثال ما ذكر من باب الاجتماع فى مورد قد علم وجود المقتضي فى كل واحد و فى مورد لم يعلم بذلك فان استكشفنا من إطلاق الخطابين وجود المقتضي فى كل منهما حتى فى المجمع فكذلك أيضا و ان منع مانع عن هذا الاستكشاف فالوجه فى الجمع أن يقال ان العرف يحكم بأن أحدهما أو كليهما اقتضائي لا فعلي كما مر سابقا

(لا من باب التعارض)

أي لا يكون مورد تعدد الاضافات من التعارض كما زعمه القوم‏

(إلا اذا لم يكن للحكم فى أحد الخطابين فى مورد الاجتماع مقتض كما هو الحال فى تعدد العنوانين)

حتى على القول بالجواز أيضا

(فما يتراءى منهم من المعاملة مع مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق معاملة تعارض العموم من وجه انما يكون بناء على الامتناع أو عدم المقتضي لأحد الحكمين فى مورد الاجتماع)

حتى على الجواز و اللّه العالم.

(فصل فى أن النهي عن الشي‏ء هل يقتضي فساده أم لا)

(و ليقدم امور)

:

(الأول انه قد عرفت فى المسألة السابقة الفرق بينها و بين هذه المسألة)

(و انه لا دخل للجهة المبحوث عنها فى إحداهما بما هو جهة البحث فى الاخرى و ان البحث فى هذه المسألة فى دلالة النهي)

المسلّم تعلقه بما أمر به غاية الأمر الفرق بين ما أمر به و ما نهى عنه يكون بالاطلاق و التقييد

(بوجه يأتي تفصيله على الفساد بخلاف تلك المسألة فان البحث فيها فى أن تعدد الجهة مجد فى رفع غائلة اجتماع الأمر و النهي فى مورد الاجتماع)

بأن تكون الجهتان على استقلالهما موضوعتين للحكم من غير أن يسري الى معنون واحد

(أم لا)

بأن تكون مرآتين لملاحظة المعنون فالحكم عليهما يسري اليه فالغائلة غير مرتفعة و ليس الفرق بينهما ما ذكره القمي ره من ان بين الجهتين فى هذه المسألة عموم مطلق بخلاف تلك المسألة فان بينهما هناك عموم من وجه و لا ما ذكر فى الفصول من تعلق الحكم فى المسألة بالمختلفين لا بحسب الحقيقية بل بالاطلاق و التقييد و تعلقه هناك بالمختلفين بحسب الحقيقة كما مر تفصيله.

252

(الثاني انه لا يخفى ان عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ)

انه قد توهم بعض المحققين ان النزاع فى هذه المسألة عقلي كالمسألة السابقة و مسئلة مقدمة الواجب و لا ارتباط له باللفظ فالنزاع فى أن العقل هل يحكم بالملازمة بين الحرمة و لو كانت مستفادة من الاجماع و الضرورة و بين الفساد أم لا فأشار المصنف الى فساده بقوله‏

(انه لا يخفى ان عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ انما هو لأجل انه فى الأقوال قول بدلالته على الفساد فى المعاملات مع إنكار الملازمة بينه و بين الحرمة التي هي)

أي الحرمة

(مفاده)

أي مفاد النهي‏

(فيها)

أي فى المعاملات فهو يقول ان الصيغة قد استعملت فى طلب الترك و الداعى على هذا الاستعمال هو الارشاد الى الفساد كما ان صيغة الأمر فيها إرشاد الى الصحة فلأجل شمول العنوان للمعاملات لا بد من أن يراد بالنهي خصوص الصيغة

(و لا ينافى ذلك)

أي إنكار الملازمة المذكورة فى المعاملات‏

(ان الملازمة على تقدير ثبوتها فى العبادات انما تكون بينه و بين الحرمة و لو لم يكن)

الحرمة

(مدلولة بالصيغة و على تقدير عدمها)

أي عدم الملازمة

(تكون)

الدلالة على الفساد

(منتفية بينهما لإمكان أن يكون البحث معه)

أي مع هذا القائل بدلالته على الفساد فى المعاملات مع إنكار الملازمة المذكورة فيها

(فى دلالة الصيغة بما تعم دلالتها بالالتزام)

فتكون الملازمة فى العبادات من المبادى التصديقية لكون النهي فيها مقتضيا للفساد و ان كان البحث مع غيره لا فى خصوص دلالة الصيغة كذلك غاية الأمر يستشكل عليه بأن غاية ما يدل النهي عليه باللزوم البين بالمعنى الأعم هو عدم الأمر فى متعلقه لتضادهما و اما انتفاء الملاك فيه أيضا حتى يحكم بفساده فليس اللفظ دالّا عليه قطعا لكنه لا يترك مدعاه بمجرد هذا الاشكال بل يدعى كون النهي إرشادا الى الفساد مع انه بناء على هذا التوهم يلزم التأويلات البعيدة فى عنوان المسألة مع ملاحظة وجود هذا القول بأن يقال المراد بالنهي الأعم من الصيغة و لو لم تكن حرمة و من الحرمة و لو لم تكن صيغة كما فى مورد الإجماع و الضرورة و ان المراد بالاقتضاء فى مقام استناد الفساد الى اللفظ كما عند القائل بالقول المذكور فى المعاملات هو الدلالة و الاثبات و الكشف و فى غيره الثبوت و التأثير الواقعي مع انه لا جامع فى البين لا بين الاقتضائين و لا بين الصيغة التي هي من مقولة الأصوات و الحروف و بين الحرمة التي هي من عالم المعنى بخلاف ما اذا كانت المسألة لفظية فان المراد بالنهي حينئذ هي الصيغة مطلقا فى العبادات و المعاملات و المراد بالاقتضاء الدلالة اللفظية غاية الأمر انها تختلف ففي المعاملات من جهة ان اللفظ يدل على طلب الترك إرشادا الى الفساد مطابقة و فى العبادات التزاما من باب الملازمة بين الحرمة التي هي مدلول النهي فى العبادات و بين الفساد أو بين المرجوحية فيها و بين الفساد

(فلا يقاس بتلك المسألة للتي لا يكاد يكون لدلالة اللفظ بها مساس فتأمل جيدا)

و عبارة بعض المحققين على ما وجدته فى التقريرات هذه، و من هنا يظهر ان المسألة لا ينبغى أن تعد من مباحث الألفاظ

253

هذه الملازمة على تقدير ثبوتها انما هي موجودة بين مفاد النهي المتعلق بشي‏ء و ان لم يكن ذلك النهى مدلولا بالصيغة و على تقدير عدمها انما يحكم بانتفائها بين المعنيين و قد ذكر هذه العبارة عقيب قوله هداية فى تقديم امور لعلها تنفع فى توضيح المطلوب الأول قد عرفت فى المسألة السابقة الفرق بينها و بين هذه المسألة على التفصيل و محصله هو أن المسئول عنه فى تلك المسألة هو إمكان اجتماع هذين النحوين من الطلب فى مورد واحد و امتناعه و المسئول عنه فى هذه المسألة هو ثبوت الملازمة بين تعلق النهي بشي‏ء و فساد ذلك الشي‏ء نعم‏ (*) على القول بامتناع الاجتماع لا بد من القول باقتضاء الفساد و ذلك لا يوجب اتحاد العنوانين و لا اغناء أحد البحثين عن الآخر كيف و اقتضاء النهي الفساد و جواز اجتماع الأمر و النهي مفهومان مختلفان لا ارتباط لأحدهما بالآخر، و يظهر ما ذكرنا بملاحظة الفساد فى المعاملات إذ لا فرق فى اقتضاء النهي الفساد بالنسبة الى العبادات و المعاملات فان ذلك على تقدير التعميم بواسطة (**) جهة مطردة فيهما و حينئذ لا حاجة الى تكلف الفرق بينهما تارة باختصاص الاولى بما اذا كان بين متعلق الأمر و النهي عموم من وجه كما أفاده المحقق القمى ره و اخرى باختصاص الثانية بما اذا كان المنهى عنه عين المأمور به فى العنوان كما اذا قيل صل و لا تصل فى الدار المغصوبة كما أفاده غيره فان الاختلاف الموردي لا يصير سببا لاختلاف المسألتين بعد اتحاد جهة البحث فيهما نعم ذلك يوجب أن يكون الموردان قسمين من مسئلة واحدة و ذلك ظاهر في الغاية ثم قال: و من هنا يظهر ان المسألة الى آخر ما نقلناه آنفا فمعنى قوله و من هنا يظهر انه مما ذكرنا من عدم الفرق في اقتضاء النهى الفساد بالنسبة الى العبادات و المعاملات فان ذلك على تقدير التعميم بواسطة جهة مطردة فيهما يظهر ان المسألة لا ينبغي الى آخره.

____________

(*) بل يمكن التفكيك هنا ايضا فان للقائل بالامتناع ان يدعي الصحة هنا من جهة ان المأتي به و ان لم يكن مأمورا به إلا أنه تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها فيكون صحيحا أو من حيث انه محبوب ذاتا و ان لم يكن مطلوبا فعلا لأجل تعلق النهي به و يكفي المحبوبية الذاتية فى الصحة و يكفي فى نية التقرب قصد المحبوبية الذاتية و لا تتوقف على وجود أمر فعلي و ان كان هذا خلاف التحقيق.

(**) من دون ارتباط و ابتناء على مسئلة الاجتماع كما يظهر من ملاحظة أدلة القائلين بالفساد مطلقا فان من جملة أدلتهم هو ان العلماء يستدلون به على الفساد في جميع الأعصار و الأمصار من غير نكير و منها ان الأمر يقتضي الصحة و الاجزاء و النهي نقيضه و النقيضان مقتضاهما نقيضان فالنهى يقتضي الفساد الذى هو نقيض الصحة و هذا كما ترى جهة مطردة فيهما من غير ارتباط بمسألة الاجتماع. منه دام ظله‏

254

(الثالث ظاهر لفظ النهى و ان كان هو النهى التحريمى)

كما عرفت سابقا

(إلا أن ملاك البحث يعم التنزيهى)

و هو ان المرجوحية الصرفة مستلزمة للفساد في العبادات حيث انها لا تقع عبادة إلا اذا كانت راجحة فهذه هي قرينة تصرف لفظ النهى عن الظهور المذكور

(و معه)

أى و مع عموم الملاك الذى يصلح قرينة صارفة

(لا وجه لتخصيص العنوان)

بالتحريمى كما هو مختار التقريرات نعم فى المعاملة لا بد و أن يكون النهى تحريميا إذ الكراهة و المرجوحية الصرفة لا تستلزم الفساد فيها لكن عموم الملاك في العبادات كاف في صحة تعميم لفظ النهى و الى هذا أشار بقوله‏

(و اختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به كما لا يخفى)

أي و اختصاص عموم ملاك الفساد بالعبادات و عدم هذا العموم في المعاملات لا يوجب تخصيص العنوان بالتحريمى‏

(كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي)

و ان كان اللفظ ظاهرا فيه‏

(فيعم الغيري اذا كان أصليا)

مدلولا للخطاب لعموم الملاك الذى قد عرفته فان النهى الغيري كذلك المسوق لبيان المانعية لا اشكال في دلالته على الفساد كما في النهى عن الصلاة في غير المأكول ضرورة ان المأمور به المقيد بقيد عدمي لا محالة يقع فاسدا عند عدم هذا القيد العدمي فحال هذا النهى حال الأمر المتعلق بالاجزاء و الشرائط المسوقة لبيان الجزئية أو الشرطية فانه يدل على الفساد عند عدم جزء أو شرط

(و اما اذا كان تبعيا)

لا تكون الدلالة عليه بمقصودة من اللفظ بل هو لازم للمراد باللزوم العقلي الذى يحكم به العقل بملاحظة الخطاب و شي‏ء آخر و هو التوقف و مقدمية ترك الضد لفعل الضد الآخر أو امتناع العقل عن اختلاف المتلازمين في الحكم‏

(فهو و ان كان خارجا عن محل البحث لما عرفت انه)

أي البحث‏

(في دلالة النهى)

على الفساد

(و التبعى منه)

أي من النهى‏

(من مقولة المعنى)

و الحكم العقلي فالفساد حينئذ دائر مدار عدم الأمر و الملاك معا فاذا كان الملاك موجودا فيصح التقرب بها من جهة الملاك و ان لم يكن أمر بها فعلا

(إلا انه داخل فيما هو ملاكه)

أي ملاك البحث‏

(فان دلالته)

أي النهى‏

(على الفساد على القول به فيما لم يكن للارشاد اليه)

أي الى الفساد كما في المعاملات على ما سيأتي‏

(انما يكون لدلالته على الحرمة)

و هي هنا موجودة

(من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك)

أي في الدلالة على الفساد كي يقال انه منتف في التبعى فلا يكون داخلا في حريم النزاع‏

(كما توهمه القمى ره)

و ذهب الى عدم اقتضاء النهى التبعى الفساد قطعا لانحصار ما يمكن أن ينازع فيه فيما يترتب عليه العقاب و لا عقاب في التبعى‏

(و يؤيد ذلك)

أي التعميم للتبعى‏

(انه جعل ثمرة النزاع في)

مسئلة

(ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهى عن ضده فساده اذا كان عبادة)

و الحال انه بناء على الاقتضاء يكون النهى تبعيا

(فتدبر جيدا)

حتى تعرف ان كلام القوم لا يساعد القمى ره بل صريح في خلافه‏

255

إلا انه قد ينتصر لمختار التقريرات بأن النهى التنزيهى عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا تكون بينهما معارضة كي يقيد به إطلاقه.

نعم فيما لو كان الفرد بخصوصه الذى يكون مأمورا به منهيا عنه بالنهى التنزيهى كما اذا كان إطلاق الأمر شموليا فلا محالة يقع التعارض بينهما و مع تقديم النهى فلا صحة فانها تدور مدار الأمر أو الملاك و الأول منتف بفرض تقدم النهى و الثاني لا كاشف له فان الكاشف منحصر في أمره و لا إطلاق بدليا كي يكون كاشفا فيقع فاسدا لكنه خارج عن محل الكلام فانه فيما اذا كان التعارض و تقييد متعلق الامر من ناحية دلالة النهى على الفساد و هو منتف هاهنا.

(الرابع ان ما يتعلق به النهى اما أن يكون عبادة أو غيرها)

(و المراد بالعبادة هاهنا ما يكون بنفسه)

و ذاته‏

(و بعنوانه عبادة له تعالى موجبا بذاته للتقرب من حضرته لو لا حرمته)

و بالجملة صيرورته عبادة لا يتوقف على الأمر به‏

(كالسجود و الخضوع و الخشوع له و تسبيحه و تقديسه او ما)

أي وظيفة شرّعت لأجل التعبد بها بحيث‏

(لو تعلق الأمر به كان أمره أمرا عباديا لا يكاد يسقط إلا اذا أتى به بنحو قربى كسائر أمثاله نحو صوم العيدين و الصلاة في أيام العادة)

و بالجملة لا توصليا يسقط كيف ما اتفق تحققه و على أي التقديرين يصح تعلق النهى به من غير اشكال‏

(لا ما أمر به لأجل التعبد به و لا ما يتوقف صحته على النية و لا ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شي‏ء كما عرف بكل منها العبادة)

الأول عن التقريرات و الأخيران عن القمى ره في القوانين‏

(ضرورة انها)

أي العبادة

(بواحد منها)

أى من هذه التعاريف الثلاث‏

(لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهى)

حيث انها متعلقة للامر فعلا على كل واحد من هذه التعاريف و مقرّبة بالفعل فكيف يمكن أن تكون مع ذلك متعلقة للنهى فعلا اما على التعريف الأول فواضح و اما الثاني فلأن المراد بالنية هو قصد امتثال الأمر و هو فرع تحقق الأمر و اما الثالث فكذلك حيث ان ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شي‏ء يحتاج الى قصد امتثال أمره على حسب ما هم ملتزمون به و هو فرع تحقق الأمر

(مع ما أورد عليها بالانتقاض طردا و عكسا)

حيث أورد في الفصول على القمى ره باختلال التعريف جمعا بالوضوء حيث ان مصلحته معلومة و هي الطهارة لاجل الدخول في الصلاة مع كونه عبادة و طردا بتوجيه الميت الى القبلة حيث انه لم يعلم المصلحة فيه مع انه ليس بعبادة

(أو بغيره)

من الاشكالات الأخر

(كما يظهر من مراجعة المطولات و ان كان الاشكال بذلك)

أى الانتقاض طردا و عكسا أو بغيره‏

(فيها)

أى في التعاريف‏

(في غير محله لاجل كون مثلها من التعريفات ليس بحد و لا رسم)

حقيقة كي يجب مراعات شرائطهما المقررة في محله‏

(بل من قبيل شرح)

256

(الاسم)

الذى يجوز أن يكون بالاعم أيضا

(كما نبهنا عليه غير مرة فلا وجه لإطالة الكلام بالنقض و الإبرام في تعريف العبادة و لا في تعريف غيرها كما هو العادة)

:

(الخامس انه لا يدخل في عنوان النزاع إلا ما كان قابلا للاتصاف بالصحة و الفساد)

(بأن يكون تارة ما يترتب عليه ما يترقب عنه من الاثر و اخرى لا كذلك لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه)

كالتمليك الانشائي بالعوض فانه باعتبار تحققه في ضمن الصرف و السلم مثلا صحيح و باعتبار تحققه في الربا فاسد

(و اما ما لا أثر له شرعا)

كشرب الماء بما هو شرب و النظر الى الهواء بما هو كذلك‏

(أو كان أثره مما لا ينفك عنه كبعض أسباب الضمان)

كاتلاف مال الغير من حيث هو هو

(فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم طرو الفساد عليه كي ينازع في أن النهى عنه يقتضيه أولا فالمراد بالشي‏ء في العنوان هو العبادة بالمعنى الذى تقدم و المعاملة بالمعنى الأعم)

الشامل للعقود و الايقاعات أى كل أمر انشائي يتسبب به الى أمر اعتبارى شرعى فان ما ذكر

(مما يتصف بالصحة)

تارة

(و الفساد)

اخرى‏

(عقدا كان أو ايقاعا أو غيرهما)

لا مطلق ما لم يكن عبادة كي يشمل كل أمر خارجى غير عبادى و لو كان غير قابل للصحة تارة و الفساد اخرى‏

(فافهم)

.

(السادس في تحقيق معنى الصحة و الفساد)

(ان الصحة و الفساد وصفان اضافيان يختلفان بحسب الآثار و الانظار)

و ليسا من الامور الحقيقية التي كان لها بحسب الواقع حد معين في نفسه لا يتعداه‏

(فربما يكون شي‏ء واحد صحيحا بحسب أثر أو نظر و فاسدا بحسب)

أثر و نظر

(آخر و من هذا)

أى من كونها أمرين اضافيين مختلفين بحسب الاثر و النظر

(صح أن يقال ان الصحة في العبادة و المعاملة لا تختلف بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية و انما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها يتصف بالتمامية و عدمها)

ففي المعاملات يكون الاثر المرغوب منهما هو ترتب آثارها عليها من انتقال بعوض أو مجانا أو حدوث علاقة الزوجية أو انقطاعها أو قطعها و في العبادات هو إسقاط الأمر و حصول الامتثال أو سقوط القضاء و إلا فالصحة مثلا تحمل على المعاملات بنفس المعنى الذى تحمل على العبادات‏

(و هكذا الاختلاف بين الفقيه و المتكلم في صحة العبادة انما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الاثر بعد الاتفاق ظاهرا على انها بمعنى التمامية كما هي معناها لغة و عرفا فلما كان غرض الفقيه هو وجوب القضاء أو الاعادة أو عدم الوجوب فسر صحة العبادة بسقوطهما و كان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلا لاستحقاق المثوبة فسرها بما يوافق الامر تارة و بما يوافق الشريعة اخرى و حيث ان الامر في الشريعة يكون على أقسام من الواقعى الاولي و الثانوى و الظاهرى و الانظار تختلف في أن الاخيرين‏

257

يفيدان الإجزاء أو لا يفيدان كان الاتيان بعبادة موافقة لأمر و مخالفة لآخر أو مسقطا للقضاء و الاعادة بنظر و غير مسقط لهما بنظر آخر فالعبادة الموافقة للأمر الظاهري تكون صحيحة عند المتكلم و الفقيه بناء على أن الأمر فى تفسير الصحة بموافقة الأمر يعم الظاهري مع اقتضائه للاجزاء و عدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته بناء على عدم الاجزاء و كونه مراعى بموافقة الأمر الواقعى عند المتكلم بناء على كون الأمر فى تفسيرها خصوص الواقعى)

نعم ربما تكون العبادة و كذلك المعاملة فى أعلى درجة الصحة بحيث يترتب عليها جميع الآثار المطلوبة منها و يكون مجمعا لجميع الأغراض المهمة عند الكل فتكون صحيحة عند الكل كالصلاة الجامعة لجميع الشرائط و الاجزاء من مكلف صحيح المزاج تام الخلقة بارادته و اختياره و يمكن أن يقال ان موافقة الأمر و لو ظاهرا يلزمه سقوط القضاء و عدم سقوط القضاء يلازم عدم موافقة الأمر فما فى زبر القوم من أن النسبة بين التفسيرين عموم مطلق لأن العبادة التي توجب سقوط القضاء يجب مطابقتها للامر و ليس كل ما يطابق الأمر مسقطا للقضاء فان الصلاة مع الطهارة المستصحبة مطابقة للامر و ليست مسقطة للقضاء فانه يجب القضاء إذا انكشف الخلاف فمنظور فيه إذ الصلاة باستصحاب الطهارة نظرا الى قبل الانكشاف كما انها موافقة للامر الظاهرى كذلك سقوط القضاء متحقق بها فى مرحلة الظاهر و اما بالنظر الى ما بعد انكشاف الخلاف فكما ان القضاء بمعنى مطلق التدارك لا يسقط كذلك موافقة الأمر أيضا ليست بحاصلة و لو بالنسبة الى الأمر الظاهرى الذى هو مؤدى الظن أو إمارة اخرى كالاستصحاب و نحوه بناء على الطريقية كما هو الحق فالظن أو الاستصحاب قائم مقام العلم ما لم ينكشف الخلاف بمعنى انه يجب ترتيب آثار الواقع على مؤداه ما دام قائما و لم ينكشف مخالفته للواقع فانكشاف انتفاء الأمر الواقعى هو انكشاف انتفاء الأمر رأسا و مقتضى ذلك عدم موافقة العمل للمأمور به الواقعى و لازمه عدم سقوط القضاء بمعنى مطلق التدارك و قد مرّ ان مؤدى التفسيرين لا زمان لملزوم واحد و هو الكمال و التمامية و مبنى الاختلاف بين الفريقين على مراعات كل ما ناسب فنه من الغرض فاصطلح أحدهما الغرض فى لازم و الآخر فى لازم آخر فتذكر.

(تنبيه)

(و هو انه لا شبهة فى أن الصحة و الفساد عند المتكلم)

فى العبادات‏

(وصفان اعتباريان ينتزعان من)

الموارد بعد ملاحظة العقل‏

(مطابقة المأتي به مع المأمور به و عدمها)

و ليسا من الأحكام المجعولة للشارع ضرورة ان المطابقة المذكورة حاصلة قهرا عند الاتيان بما هو معتبر فى المأمور به على وجه يكون الفعل الخارجي من مصاديق ذاك الكلي فى العرف من‏

258

دون احتياج الى تكلف الجعل و الانشاء و كذلك اللامطابقة عند فقد شرط أو جزء أو وجود مانع أو قاطع فوزانها وزان لوازم المهيات حيث لا يعقل الجعل التأليفي بين الماهية و لوازمها بل هي مجعولات بنفس جعل الملزومات بسيطا

(و اما الصحة بمعنى سقوط القضاء و الاعادة عند الفقيه فهى من لوازم الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعى الاولى عقلا حيث لا يكاد يعقل ثبوت الاعادة و القضاء معه جزما)

لعدم معقولية الامتثال عقيب الامتثال خلافا لعبد الجبار على ما عرفت سابقا

(و الصحة بهذا المعنى فيه)

أي فى المأمور به بالأمر الواقعى الاولى‏

(و ان كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه أو بتبع تكليف)

كالصحة و الفساد عند المتكلم‏

(إلا أنه ليس بأمر اعتبارى ينتزع كما توهم)

فى التقريرات‏

(بل مما)

أي من الآثار الوضعية التي‏

(يستقل به العقل كما يستقل باستحقاق المثوبة)

و ليس استحقاق المثوبة باتيان المأمور به من الأوصاف المنتزعة من الفعل المأتي به‏

(و)

اما

(فى غيره)

أى فى غير المأمور به بالأمر الواقعى كالاضطرارية و الظاهرية

(فالسقوط)

ربما لا يكون مجعولا كما اذا وافق المأمور به فيهما للواقع و سقط المقتضي للحكم و

(ربما يكون مجعولا و كان الحكم به تخفيفا و منة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوتهما كما عرفت فى مسئلة الإجزاء)

من أنه يمكن أن تكون المصلحة الفائتة مما يمكن تداركها و استيفائها و لكنه تسهيلا و منة على العباد يكتفي بما أتى به‏

(كما ربما يحكم بثبوتهما فيكون الصحة و الفساد فيه)

أى فى غير الأوامر الواقعية الأولية

(حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين نعم الصحة و الفساد فى الموارد الخاصة)

و الأفراد الخارجية التي يوجدها المكلف‏

(لا يكاد يكونان مجعولين بل انما هي تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به هذا فى العبادات)

ضرورة ان انطباق الكلي على الافراد أمر قهرى غير قابل للجعل فجعل الجزئيات انما هو بنفس جعل الكلي فلا تتصف الموارد الجزئية بهما استقلالا

(و اما الصحة فى المعاملات فهى تكون مجعولة حيث كان ترتب الاثر على معاملة)

كالصرف و السلم‏

(انما هو بجعل الشارع و ترتيبه عليها و لو امضاء ضرورة انه لو لا جعله)

و لو امضاء

(لما كان يترتب)

الأثر

(عليه لأصالة الفساد)

و ليس يلزم من مجعوليتهما كونهما من الامور الموجودة بوجود منشأ انتزاعها بحيث لا يتغير عما هو عليه أصلا كالفوقية المنتزعة من السماء بالنسبة الى الارض بل لما كانتا باعتبار المصالح و المفاسد و هما يختلفان بحسب زمان دون زمان لأجل تفاوت استعدادات العباد أو بحسب أنظار المقننين و المشرعين من الأنبياء و العقلاء لأجل تفاوت مراتبهم فى الكمال و النقص و ان كان لا يفرّق بين أحد من رسله من حيث كون كلهم على صراط التوحيد فيصح تغييرهما حسب تغيير الازمان و الادوار

(نعم صحة كل معاملة شخصية و فسادها ليس إلا لاجل انطباقها مع ما هو المجعول سببا و عدمه كما هو)

259

(الحال فى التكليفية من الاحكام)

حيث ان كلياتها مجعولة دون جزئياتها

(ضرورة ان اتصاف المأتي به)

فى الخارج الصادر من العباد

(بالوجوب و الحرمة أو غيرهما ليس إلا لانطباقه لما هو الواجب و الحرام)

من الكليات المجعولة له و قيل بأن الصحة و الفساد فى المعاملات كالعبادات عبارة اخرى عن انطباق العقود على الموجود الخارجي و عدم انطباقها عليه فلا تكون مجعولة أصلا فجعل الملكية عند صدور عقد خاص كالسلم أو الصرف و ان كان بيد الشارع إلا أن العقد الكلي بما هو هو مع قطع النظر عن الموجود الخارجي لا يتصف بصحة و لا فساد و انما المتصف بهما هو الموجود الخارجي باعتبار الانطباق و عدمه الخارجين عن دائرة الجعل بل قيل بأن الصحة و الفساد فى الاوامر الواقعية الثانوية أيضا غير قابلة للجعل حتى بالنسبة الى الامر الواقعي الاولى أيضا معللا باستحالة الامر بغير المقيد مع بقاء القيدية فتعلق الامر به يكشف عن سقوط القيدية و فيه نظر كما قيل بأنهما أمران انتزاعيان مطلقا أو مجعولان مطلقا فالاقوال حينئذ تكون أربعة.

(السابع لا يخفى انه لا أصل فى المسألة يعول عليه لو شك فى دلالة النهي على الفساد)

يقتضي الفساد أو عدمه ضرورة ان النزاع فى المسألة لو كان فى دلالة اللفظ فالدلالة عند حدوثها اما حدثت مع الاقتضاء و اما حدثت لا معها فلا حالة سابقة لها كي يستصحب و كذلك الكلام لو كان عقليا من باب الملازمة بين الحرمة و الفساد

(نعم كان الاصل فى المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة فى المعاملة)

و بالجملة فى المعاملات عند عدم الاطلاق أو العموم انما يجرى الاصل فى المسبب الذى هو الاثر فان له حالة سابقة و هو عدم ترتبه و اما الاسباب فلما لم يكن لها حالة سابقة فلا أصل لها سواء فى ذلك الشبهة الموضوعية و الحكمية

(و اما العبادات فكذلك)

أى الاصل فيها الفساد

(لعدم الامر بها مع النهي عنها كما لا يخفى)

و عدم الامر فيها يكفي فى الفساد عندهم مع أن مقتضى قاعدة الاشتغال فى الشبهات الموضوعية هو الحكم بالفساد، نعم فى الشبهة الحكمية لما كان مرجع الشك المزبور الى الشك فى فى المانعية و عدمها فيئول الأمر الى الخلاف فى البراءة و الاشتغال عند الشك فى الأجزاء و الشرائط و الموانع.

(الثامن ان متعلق النهي اما أن يكون نفس العبادة)

كالصلاة فى أيام الحيض‏

(أو جزئها)

كقراءة سور العزائم فيها

(أو شرطها الخارج عنها)

وجودا كالصلاة بالطهارة بالماء المغصوب‏

(أو وصفها الملازم لها)

بحيث لا توجد العبادة بدونها

(كالجهر و الاخفات للقراءة)

و قد علل المصنف فى الهامش بأن كونهما وصفين ملازمين للقراءة بما هذا لفظه فان كل واحد منهما لا يكاد ينفك عن القراءة و ان كانت هي تنفك عن أحدهما فالنهي عن أيهما يكون مساوقا للنهي‏

260

عنها كما لا يخفى انتهى و يستفاد من هذا التعليق ان عروض الجهر و الاخفات للقراءة كعروض الاستقامة و الانحناء للخط فى ان تخصص الموصوف بكل واحد من المتقابلين يكون تخصصا بنفس المحمول لا تخصصا للموصوف قبل المحمول، و بعبارة اخرى عروض العارض هاهنا من قبيل عوارض الماهية لا من قبيل عوارض الوجود فلذا قال فى الهامش: فالنهي عن أيهما يكون مساوقا للنهي حيث ان انتفاء الخصوصية هنا مستلزم لانتفاء المطلوب رأسا الذى هو الامر الخاص بما هو خاص‏

(أو وصفها الغير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها)

بحيث يكون تخصص الكون تخصصا قبل المحمول لا بنفس المحمول‏

(لا ريب فى دخول القسم الأول فى محل النزاع و كذا القسم الثاني بلحاظ ان جزء العبادة عبادة)

فالنهي عنه ينافى التقرب بالعبادة

(إلا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها إلا مع الاقتصار عليه)

لأن انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل‏

(لا مع الاتيان بغيره مما لا نهي عنه)

أي عن الجزء الذى لا نهي عنه‏

(إلا أن يستلزم)

أي الاتيان ببدله مما لا نهي عنه‏

(محذورا آخر)

من فوات الموالات أو حصول الزيادة المخلة بالعبادة أو غير ذلك‏

(و اما القسم الثالث فلا يكون حرمة الشرط و النهي عنه موجبا لفساد العبادة)

لكونه أمرا خارجا عما هو مشروط به فلا يكون هذا القسم داخلا فى محل النزاع‏

(إلا فيما كان)

الشرط

(عبادة كي يكون حرمته موجبا لفساده المستلزم لفساد المشروط بها)

كالطهارة بالماء المغصوب للصلاة

(و بالجملة لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن)

النهي عن الشرط

(موجبا لفساده)

أي فساد الشرط

(كما اذا كانت)

أي الشرط

(عبادة)

و التأنيث فى اسم كانت انما هو باعتبار الخبر كما اذا قال المولى صلّ متسترا عورتك فى حال الصلاة و قال للرجال لا تلبسوا الحرير بمعنى ان لبسه حرام مطلقا لا لأجل خصوص الصلاة فلو صلى اختيارا فيه تكون مجزية و ان أثم لارتكابه معصية خارجية لا ارتباط لها بالصلاة أصلا، نعم لو كان الساتر منحصرا فى الحرير فحينئذ لا يصح عقلا أن يأمر بالصلاة متسترا

(و اما القسم الرابع فالنهي عن الوصف الملازم مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر فى القراءة مثلا مساوقا للنهي عنها لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيا عنها فعلا كما لا يخفى و هذا بخلاف ما اذا كان مفارقا كما فى القسم الخامس فان النهي عنه لا يسري الى الموصوف)

فيكون خارجا عن محل النزاع‏

(إلا فيما اذا اتّحد)

الوصف‏

(معه)

أي مع الموصوف‏

(وجودا بناء على امتناع الاجتماع و اما بناء على الجواز فلا يسري)

النهي من الوصف المفارق‏

(اليه)

أي الى الموصوف‏

(كما عرفت فى المسألة السابقة)

و اعلم ان الجزء و الشرط و الوصف من جهة تعلق النهي بها على قسمين فانها اما منهيات بنفس ذاتها و ليس الكل و المشروط و الموصوف منهيا عنها

261

أصلا و اما أن تكون العبادة منهيا عنها لأجل أحد هذه الامور، و بعبارة اخرى تكون هذه الامور منهيات لا بنفس ذاتها بل باعتبار وجودها الرابطى بالصلاة و ما ذكرنا من استلزام النهي للفساد فى بعض الصور و عدم استلزامه له فى بعضها الآخر انما هو بالنسبة الى هذه الامور اذا كانت من القسم الأول و اما اذا كانت من قبيل الثاني فهو أيضا على قسمين فان استناد النهي الى العبادة حينئذ اما من قبيل استناد الشي‏ء الى غير ما هو له و يكون اتصافها بكونها منهيا عنها من قبيل الوصف بحال المتعلق فيكون حال هذه الامور الثلاثة حينئذ كحالها فى القسم الأول من استلزام الفساد فى بعض الصور و عدمه فى البعض الآخر حرفا بحرف و اما أن يكون استناده اليها من قبيل استناد الشي‏ء الى ما هو له و يكون من قبيل الوصف بحال الشي‏ء و يكون أحد هذه الثلاثة واسطة فى الثبوت و علة لصيرورة العبادة منهيا عنها حقيقة لا من قبيل الواسطة فى العروض حتى يصح سلب النهي عن العبادة حقيقة و انما كان اتصافها بكونها منهيا عنها بضرب من العناية و المجاز فيكون حال هذا القسم كحال القسم الأول الذى تعلق النهي بنفس ذاته فى كونه محل النزاع و الى هذا أشار بقوله‏

(هذا حال النهي المتعلق بالجزء او الشرط أو الوصف)

كقوله لا تقرأ العزائم فى الصلاة و لا تتستر بالغصب و لا تجهر بصلاتك‏

(و اما النهي عن العبادة لأجل أحد هذه الامور)

الثلاثة و كذا الموانع‏

(فحاله حال النهى عن أحدها ان كان)

من قبيل‏

(الوصف بحال المتعلق و بعبارة اخرى كان النهى عنها بالعرض)

كقوله لا تصل الصلاة المشتملة على العزائم و لا تصل فى الغصب و لا تصلّ الظهر جهرا و لا تصلي فى الحيض أو النفاس بناء على كون الصلاة منهيا عنها باعتبار وقوعها فى ذلك الزمان لا كونها منهيا عنها مطلقا فى ذلك الزمان‏

(و ان كان النهى عنها على نحو الحقيقة و الوصف بحاله و ان كان بواسطة أحدها إلا أنه من قبيل الواسطة فى الثبوت لا العروض كان حاله حال النهى فى القسم الأول)

أي الذى يكون متعلق النهى نفس العبادة

(فلا تغفل)

و الأمثلة واضحة كالنهى عن الصلاة بلا ركوع أو بلا طهارة أو بلا وصف الاتصال‏

(و مما ذكرنا فى بيان أقسام النهى فى العبادة يظهر حال الأقسام فى المعاملة فلا يكون بيانه على حدة بمهم كما ان تفصيل الأقوال فى الدلالة على الفساد و عدمها التي ربما تزيد على العشرة على ما قيل كذلك)

أي ليس بمهم و اما الأمثلة فى المعاملات على حذو أمثلة العبادات كنكاح الخامسة لمن عنده أربع و بيع العبد و السفيه فى المنهى عنه لذاته و بيع الغاصب مع جهل المشتري على القول بأن البيع هو الايجاب و القبول الناقلين فى المنهى عنه لجزئه و كبيع الملاقيح فى المنهى عنه لشرطه فان القدرة على التسليم شرط فى البيع و كبيع الحصاة فى المنهى عنه لوصفه اللازم فان تعيين المبيع بالحصاة لازم لهذا البيع و كبيع مال الغير و بيع العنب ليعمل خمرا فى المنهى عنه لوصفه المفارق و ان‏

262

كان ربما يناقش فى بعض الأمثلة

(و انما المهم بيان ما هو الحق فى المسألة و لا بد فى تحقيقه على نحو يظهر الحال فى الأقوال من)

(بسط المقال فى مقامين)

:

(الأول فى العبادات)

(فنقول و على اللّه الاتكال: ان النهى المتعلق بالعبادة بنفسها و لو كانت جزء عبادة بما هي عبادة كما عرفت مقتض لفسادها لدلالته على حرمتها ذاتا و لا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة)

لمكان التناقض‏

(و كذا بمعنى سقوط الاعادة فانه)

أي كل من الموافقة و السقوط

(مترتب على إتيانها بقصد القربة و كانت مما يصلح لأن يتقرب بها و مع الحرمة لا يكاد يصلح لذلك)

أي لأن يتقرب بها مطلقا و لو من غير الملتفت الى حرمتها و ان كان يتأتى قصده منه و ليس المقام كمسألة الاجتماع من حيث كون شي‏ء واحد ذا جهتين يكون بأحدهما مأمورا به و بالاخرى منهيا عنه كي يمكن أن يقال بالصحة فيما اذا كانت الجهة المنهى عنها غير ملتفت اليهما مع كون الجهة المأمور بها ملتفتا اليها

(و لا يتأتى قصدها من الملتفت الى حرمتها كما لا يخفى لا يقال هذا)

انما يتم‏

(لو كان النهى عنها دالّا على الحرمة الذاتية و لا يكاد يتصف بها العبادة لعدم الحرمة بدون قصد القربة)

كما فى صلاة الحائض لتمرين الولد

(و عدم القدرة عليها مع قصد القربة بها إلا تشريعا)

و هو واضح‏

(و معه)

أي و مع قصد القربة

(تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة و معه)

أي و مع اتصافها بالحرمة التشريعية

(لا تتصف بحرمة اخرى لامتناع اجتماع المثلين)

فى موضوع واحد

(ك)

امتناع اجتماع‏

(الضدين)

فيه‏

(فانه يقال لا ضير فى اتصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا به بالحرمة الذاتية مثلا صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها بمعنى انه لو أمر به كان عبادة لا يسقط الأمر به إلا اذا أتى به بقصد القربة كصوم سائر الأيام)

و قد مر تحقيق ذلك فى الأمر الرابع‏

(هذا فيما اذا لم يكن ذاتا عبادة كالسجود للّه تعالى و نحوه و إلا كان محرما مع كونه فعلا عبادة مثلا إذا نهى الجنب و الحائض عن السجود له تبارك و تعالى كان عبادة محرمة ذاتا حينئذ لما فيه من المفسدة و المبغوضية فى هذا الحال مع انه لا ضير فى اتصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعية بناء على أن الفعل فيها لا يكون فى الحقيقة متصفا بالحرمة بل انما يكون المتصف بها ما هو من أفعال القلب كما هو الحال فى التجري و الانقياد فافهم)

غرضه من هذا الجواب الثاني هو ان موضوع الحرمتين متعدد لأن موضوع الحرمة الذاتية هو نفس العمل و أصل الفعل و موضوع الحرمة التشريعية هو ذاك العمل مع شي‏ء آخر و هو العقد القلبي و البناء و الاعتقاد بانه من الشرع ففي الحرام التشريعى يكون أصل الفعل على ما هو عليه إن محبوبا فمحبوبا و إن مبغوضا فمبغوضا

(هذا مع انه لو لم يكن النهى فيها دالّا على الحرمة لكان دالا على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية فانه لا أقل من دلالته)

أى دلالة النهى‏

263

التشريعى‏

(على انها ليست بمأمور بها و ان عمها إطلاق دليل الأمر بها أو عمومه)

فان اعتبرنا فى صحة العبادة تعلق الأمر بها كما هو مذهب البهائي و اليه ذهب صاحب الجواهر فالدلالة على الفساد واضحة و ان اكتفينا فيها بالملاك كما هو مختار المصنف فكذلك ايضا حيث ان الملاك الذى يمكن التقرب به عقلا انما هو الملاك الذى هو في حد العلة التامة للبعث و ليس عدم التكليف حينئذ إلا من جهة عدم القدرة كما في صورة التزاحم و اما الملاك الذى عدم بعروض وصف أو بغلبة ملاك النهى فكما لا يكون داعيا الى البعث كذلك لا يمكن ان يكون مقربا ايضا و لذا قال المصنف‏

(و ان عمها إطلاق دليل الأمر بها او عمومه نعم لو لم يكن النهى عنها إلا عرضا)

و تبعا

(كما اذا نهى عنها فيما كانت ضد الواجب مثلا لا يكون مقتضيا للفساد بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهى عن الضد إلا كذلك أى عرضا فيخصص به او يقيد)

و حاصل ما افاده في المقام هو انه تارة يمكن ان يستدل على الفساد بما عرفت في مسئلة الاجتماع من عدم جواز اجتماع الوجوب و الحرمة في موضوع واحد شخصي و كذا الاستحباب و الحرمة و ان هذا من الضروريات الأولية عند العقل و العقلاء فاذا نهى الشارع عن عبادة كما هو المفروض فهو ملازم لعدم وجوبها و كذا عدم استحبابها فلا تكون راجحة فلا تقع عبادة و اخرى بأن حال النهى عن عبادة فيما اذا كان هناك عموم او إطلاق يقتضي صحتها لو خلي و طبعه، و بالجملة حال النهى عن الخاص عقيب الأمر بالعام او المطلق كحال الأمر عقيب النهى فكما ان الامر في ذاك المقام لا يدل على الوجوب الذى هو مدلوله لغة او عرفا بل ارشاد الى رفع الحظر السابق كذلك النهى في هذا المقام لا يدل على الحرمة التي هي مدلوله لغة او عرفا بل ارشاد الى فساد هذا الخاص من بين الخصوصيات التي شمله العموم او الاطلاق لو خلي و طبعه و عدم كونه محبوبا عند المولى فاذا فرض ان العالم الفاسق ليس فيه ملاك وجوب الاكرام او ان ملاكه مغلوب لملاك حرمته فيستحيل التقرب باكرامه من المولى و ان صدر عنه عام ايضا اولا كقولنا اكرم العالم او اكرم العلماء.

(المقام الثاني في المعاملات)

(و نخبة القول ان النهى الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد لعدم الملازمة فيها لغة و لا عرفا بين حرمتها و فسادها اصلا)

كما يشاهد اجتماع الحرمة و المعصية مع الصحة بمعنى ترتب الاثر في الاسباب العقلية بالنسبة الى الآثار العقلية او العادية بل و الشرعية ايضا

(كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة)

كالبيع وقت النداء او حين الصلاة فيكون ايجاد السبب و التلفظ بالايجاب و القبول وقت النداء او حين الصلاة محرما مثل شرب الخمر و لا ينافي ذلك وقوع النقل و الانتقال في الخارج فلا بد من التماس دليل آخر على الفساد و هو مفقود حسب الفرض‏

(او)

كانت الحرمة متعلقة

(بمضمونها بما هو)

264

(فعل بالتسبيب)

اى لا من حيث انه مجرد فعل من الأفعال صادر عن المكلف متعلق للأمر و النهى لمصلحة فيه او مفسدة فيه من حيث انه فعل من الافعال بل من حيث ان هذا الفعل يوجب وجود مسبب مبغوض في نفسه كما في النهى عن بيع المصحف او العبد المسلم للكافر حيث ان حرمة ايجاد السبب من حيث ايراثه اثرا مبغوضا و هو سلطنة الكافر على المصحف و المسلم بناء على القول بالصحة و وجوب الإجبار على اخراجهما من ملكه‏

(او)

كانت الحرمة متعلقة

(بالتسبب بها اليه)

اى بالمعاملة الى الفعل التسبيبي‏

(و ان لم يكن السبب و لا المسبب بما هو فعل من الافعال بحرام)

كما في الظهار فان الفرقة من هذا الطريق الخاص الذى يتسبب به اليها مبغوضة لا من سبب خاص آخر كالطلاق و كما في بيع الحصاة و الملامسة و المنابذة و ذلك لاشتراك الأقسام الثلاثة المذكورة فيما هو الملاك لعدم الدلالة من عدم الملازمة المزبورة

(و انما يقتضي الفساد فيما إذ كان دالا على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها)

يعني فيما اذا كان دالا على النهى عن المسبب و الاثر بحيث لو كان ذلك السبب صحيحا لكان تعلق النهى و الحرمة بالمسبب و الاثر محالا

(مثل النهى عن أكل الثمن او المثمن في بيع او بيع شي‏ء)

كما اذا نهى عن أكل ثمن الخمر و الخنزير و العذرة و الكلب حيث انه لو كان بيع احد المذكورات صحيحا لكان ثمنه ملكا للبائع يجوز تصرفه فيه فالنهى عن التصرف كاشف عن فساد البيع بمعنى انه ليس له السلطنة الفعلية اما لتعلق حق الغير و اما لغير ذلك‏

(نعم لا يبعد دعوى ظهور النهى عن المعاملة في الارشاد الى فسادها)

نظير الامر الواقع عقيب الحظر من حيث انه ارشاد الى رفع المنع‏

(كما ان الامر بها)

أي بالمعاملة

(تكون ظاهرا في الارشاد الى صحتها من دون دلالة على ايجابها أو استحبابها كما لا يخفى لكنه في المعاملات بمعنى العقود و الايقاعات لا المعاملات بالمعنى الاعم المقابل للعبادات)

توضيحه ان قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ارشاد الى الصحة و النفوذ و المضي فان ما هو مفاد الامر حقيقة من الوجوب او الاستحباب ليس بمراد قطعا حيث ان مضمون متعلق الوفاء ليس مما باختيار المكلف و قدرته فان مضمون العقد الانشائي و هو حصول الملكية امر قهري الحصول تابع لصحة البيع الانشائي فاذا كان صحيحا يحصل ذلك التابع قهرا و اذا كان باطلا لا يحصل قهرا ايضا فلا يكون مقدورا للمكلف حتى يصح الامر بالوفاء به بخلاف مثل ف بوعدك فان مضمون الوعد لما كان فعلا للمكلف فلا محالة يكون مقدورا له فيصح تكليفه بالوفاء وجوبا او استحبابا بمضمونه بخلاف مضمون العقد الانشائي فلا يصح تعلق الامر بالوفاء به حقيقة فلا بد من التصرف فيه بأن يقال ان المراد به اما وجوب الالتزام بما هو من لوازم الملكية المسببة عن البيع الانشائي من وجوب التسليم الى مالكه و نحو ذلك و اما كناية عن حصول العقد و نفوذه فيكون ارشادا الى صحته و ترتب‏

265

أثره عليه‏

(فالمعوّل هو ملاحظة القرائن فى خصوص المقامات)

و اتباعها

(و مع عدمها لا محيص عن الأخذ بما هو قضية طبيعة النهي من الحرمة)

فقط

(و قد عرفت انها غير مستتبعة للفساد لا لغة و لا عرفا نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعا من جهة دلالة غير واحد من الأخبار عليه منها ما رواه فى الكافى و الفقيه عن زرارة عن الباقر ع سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال: ذلك الى سيده ان شاء أجازه و ان شاء فرق بينهما، قلت أصلحك اللّه تعالى ان حكم ابن عتيبة و ابراهيم النخعى و أصحابهما يقولون ان أصل النكاح فاسد و لا يحل اجازة السيد له فقال أبو جعفر ع انه لم يعص اللّه انما عصى سيده فاذا أجاز فهو له جائز حيث دل بظاهره على أن النكاح لو كان مما حرمه اللّه تعالى كان فاسدا)

بتقريب انه ع رتب الصحة على عدم معصية اللّه تعالى و مفهومه انه اذا عصى اللّه يكون فاسدا فلو نهى اللّه تعالى عن معاملة فخالفه المكلف و أتى بتلك المعاملة فقد عصى اللّه تعالى فتكون فاسدة و هو المطلوب‏

(و لا يخفى ان الظاهر أن يكون المراد بالمعصية المنفية هاهنا ان النكاح ليس مما لم يمض اللّه و لم يشرعه كي يقع فاسدا و من المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى)

أي عمل لم يمضه اللّه و لم يشرّعه‏

(الفساد كما لا يخفى)

توضيح الجواب هو أن الظاهر ان المعصية المنفية و المثبتة كلتيهما من مساق واحد و المثبتة و هي معصية السيد ليست تكليفية فانها مترتبة على عدم اذنه فقط لا على نهيه كي تكون تكليفية و إلا فعصيان السيد تكليفا يستلزم عصيان اللّه تعالى فيناقض قوله انه لم يعص اللّه بل وضعية و هو تصرفه فى سلطان المولى بدون اذنه و هو مما لم يشرّعه اللّه تعالى و لم يمضه فالمعصية المنفية أيضا كذلك فان اللّه تبارك و تعالى قد شرع و أمضى لكل احد الزواج و المناكحة حرا كان أو عبدا لكن من طريق سببه و علته و هي بحسب الأشخاص تختلف كما انه بحسب الحالات كذلك فربما تكون العلة بالنسبة الى البعض كالحر هي الصيغة الجامعة للشرائط و بالنسبة الى بعض آخر كالعبد هي الصيغة المزبورة مع شي‏ء آخر و هو إذن المالك و رضائه أو اجازته فاذا ارتكب العبد أمر الزواج بالصيغة لم يأت بأمر غير مشروع كالنكاح بذات البعل أو فى العدة بل أتى به بجزء من السبب المشروع فاذا انضم اليه رضاء المالك أو اجازته فقد تم السبب، و بالجملة فالمعصية المنفية هي الوضعية و مفهوم الكلام حينئذ انه اذا عصى المكلف اللّه تعالى بالمعصية الوضعية فالمعاملة باطلة كنكاح ذات البعل و هذا المفهوم لا يناسب المقام فان مقامنا هذا هو انه اذا عصى بالمعصية التكليفية بعد تحقق الاذن الوضعى المعلق على إذن السيد كأن يبيع العبد المأذون من مولاه فى التجارة وقت النداء هل هو مستلزم للفساد أم لا فبينهما بون بعيد و تفاوت شديد فالمستفاد من الرواية ان كل عقد كان عدم نفوذه لأجل رعاية حق ذى حق لا يحكم ببطلانه رأسا بمجرد وقوعه بل يبقى معلقا برضاء من له الحق فمتى حصل منه الرضا أثر العقد أثره و ان شئت قلت‏

266

ان المستفاد منها بمقتضى عمومها جريان التعليق المذكور حتى فيما كان المانع حق اللّه تعالى لكن لما لم يتصور فى حقه الرضاء التشريعى بعد ما كان ساخطا لاستلزامه البداء فلا محالة يخرج عن موضوع العموم المذكور لا عن حكمه فقط فتدبر

(و لا بأس باطلاق المعصية على عمل لم يمضه اللّه تعالى و لم يأذن به كما اطلق عليه بمجرد عدم إذن السيد فيه انه معصية)

و قد علل قده فى الهامش إطلاق المعصية بمجرد عدم إذن السيد فيه بما هذا لفظه، وجه ذلك ان العبودية تقتضي عدم صدور فعل عن العبد إلا عن أمر سيده و إذنه حيث انه كل عليه لا يقدر على شي‏ء فاذا استقل بأمر كان عاصيا حيث أتى بما ينافيه مقام عبوديته و لا سيما مثل التزوج الذى كان خطيرا و اما وجه انه لم يعص اللّه فيه فلأجل كون التزوج بالنسبة اليه أيضا كان مشروعا ماضيا غايته انه يعتبر فى تحققه إذن سيده و رضاه و ليس كالنكاح فى العدة غير مشروع من أصله فان أجاز ما صدر عنه بدون اذنه فقد وجد شرط نفوذه و ارتفع محذور عصيانه لسيده انتهى‏

(و بالجملة لو لم يكن)

ما رواه فى الكافى و الفقيه‏

(ظاهرا فى ذلك لما كان ظاهرا فيما توهم)

من دلالته على الفساد شرعا

(و هكذا حال سائر الأخبار الواردة فى هذا الباب فراجع و تأمل)

منها ما رواه الكليني بطريق فيه موسى بن بكير و الصدوق عنه عن زرارة مرسلا عنه ع سأله عن الرجل تزوج عبده بغير اذنه فدخل بها ثم اطّلع على ذلك مولاه فقال ع ذلك الى مولاه ان شاء فرق بينهما و ان شاء أجاز فان فرق بينهما فللمرأة ما اصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا و إن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما فقلت لأبي جعفر ع: فانه فى أصل النكاح كان عاصيا، فقال أبو جعفر ع: انما أتى شيئا حلالا و ليس بعاص للّه و رسوله و انما عصى سيده و لم يعص اللّه ان ذلك ليس كاتيان ما حرم اللّه عز و جل من نكاح فى عدة و أشباهه.

(تذنيب)

(حكى عن أبي حنيفة و الشيباني)

محمد بن الحسن تلميذه‏

(دلالة النهي على الصحة و عن الفخر)

فخر المحققين نجل العلامة قدس سرهما

(انه وافقهما فى ذلك و التحقيق انه فى المعاملات كذلك اذا كان)

النهي‏

(عن المسبب أو التسبيب لاعتبار القدرة فى متعلق النهى كالأمر و لا يكاد يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة و اما اذا كان عن السبب فلا لكونه مقدورا و ان لم يكن صحيحا نعم قد عرفت ان النهى عنه لا ينافيها)

تقريره ان النهى الحقيقي و هو النهى التحريمى اذا تعلق بحقيقة المعاملة أي بتمام أجزائها و شرائطها التي لها مدخلية فى تحققها لا بد و أن تكون مقدورة للمكلف و إلا لما صح تعلق النهى بها كالأمر الحقيقي اذا تعلق‏

267

بايجاد حقيقة الشي‏ء فلو خالف المكلف و أتى بالمنهى عنه فقد أتى بحقيقته و ماهيته و لا نعني بالصحة إلا هذا و هذه الكبرى صحيحة لا غبار عليها لكن الكلام فى الصغرى يقتضي تفصيلا و هو ان فى المعاملات سواء تعلق النهى بالمسبب أو بالتسبيب لو أتى بها المكلف فقد أتى به صحيحا فان النهى عنهما يكشف عن كونهما مقدورين للمكلف و اما اذا نهى عن السبب فلا يقتضي صحته كما لا يقتضي فساده فانه بما هو فعل من الأفعال يكون مقدورا له صحيحا كان أو فاسدا

(و اما العبادات ففيما كان منها عبادة ذاتية كالسجود و الركوع و الخشوع و الخضوع له تبارك و تعالى فمع النهى عنه يكون مقدورا كما اذا كان مأمورا به)

فلو أتى بها فقد أتى بها بتمام حقيقتها و ماهيتها

(و ما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأمورا به فلا يكاد يقدر عليه إلا اذا قيل باجتماع الأمر و النهى فى شي‏ء و لو بعنوان واحد و هو محال)

يعني لو فرض فرضا محالا تعلق النهى بالعبادة الفعلية التي تكون مأمورا بها بالفعل فان النهى حينئذ يكشف عن صحته أيضا

(و قد عرفت ان النهى فى هذا القسم انما يكون نهيا عن العبادة بمعنى انه لو كان مأمورا به كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلا بقصد القربة فافهم)

و قد قال المصنف فى الهامش فى ملخص هذا التحقيق ما هذا لفظه ملخصه: ان الكبرى و هي ان النهى حقيقة اذا تعلق بشي‏ء ذي أثر كان دالا على صحته و ترتب أثره عليه لاعتبار القدرة فيما تعلق به النهى كذلك و ان كانت مسلمة إلا أن النهى كذلك لا يكاد يتعلق بالعبادات ضرورة امتناع تعلق النهى كذلك بما تعلق به الأمر كذلك و تعلقه بالعبادات بالمعنى الأول و ان كان ممكنا إلا أن الأثر المرغوب منها عقلا و شرعا غير مترتب عليها مطلقا بل على خصوص ما ليس بحرام منها و كذا الحال فى المعاملات فان كان الأثر فى معاملة مترتبة عليها و لازما لوجودها كان النهى عنها دالا على ترتبه عليها لما عرفت انتهى، فيستفاد من مجموع كلماته فى المتن و الهامش تسليم ما قاله أبو حنيفة فى موردين من أبواب المعاملة و هما النهى عن المسبب أو التسبب و فى قسم واحد من العبادات أي العبادات الذاتية و اما فى السبب من المعاملات لا يدل على الصحة و ان كان نفس ذاته بما هو فعل مقدورا للمكلف و فى القسم الآخر من العبادات فليس النهى متعلقا بحقيقتها كي يدل على الصحة إلا على القول بجواز اجتماع الضدين فى موضوع واحد فتدبر و لا تصغ الى قول من يقول ان النهى عن المسبب يقتضي الفساد معللا بأن النهى عنه يكون معجزا مولويا للمكلف عن ظرف الفعل و رافعا لسلطنته على الفعل و الترك فيكون مخلا بشرط الصحة فان من شرائطها أن لا يكون الانسان محجورا عن التصرف فيها لتعلق حق الغير بها أو لغير ذلك فيكون دالا على الفساد فان ذلك دعوى بلا دليل بل قد عرفت الدليل على خلافها فان النهى الحقيقي عن المسبب يستلزم مقدوريته كي يمكن امتثاله و عصيانه و الاعتذار

268

عن ذلك بأن المسببات العرفية تتصف بالتحقق عند ايجادها بأسبابها لا محالة من غير فرق فى ذلك قبل النهى و بعده و النهى يدل على عدم كونها ممضاة فى نظر الشارع و فرق واضح بين عدم القدرة على ايجاد الملكية العرفية و بين عدم كونها ممضاة و ما هو ينافى النهى انما هو الأول و المدعى كونه لازما للنهى هو الثاني، فخروج عن الفرض كما لا يخفى لأن الكلام فى تعلق النهى الحقيقي بمعاملة و هذا الاعتذار مبني على دعوى ظهور النهى عن المعاملة فى الارشاد الى الفساد و اللّه العالم.

(المقصد الثالث في المفاهيم)

(مقدمة)

(و هي ان المفهوم كما يظهر من موارد إطلاقه هو عبارة عن حكم انشائي)

فى الانشاءات‏

(أو اخباري)

فى الكلام الخبري‏

(تستتبعه خصوصية المعنى الذي اريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة و كان يلزمه لذلك)

أي كان المفهوم لازما لذاك المعنى لأجل تلك الخصوصية

(وافقه في الايجاب و السلب)

كما في المفهوم الموافق و لحن الخطاب‏

(أو خالفه)

كما في المفهوم المخالف و دليل الخطاب‏

(فمفهوم ان جاءك زيد فاكرمه مثلا لو قيل به)

أي بمفهوم الشرط

(قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها)

أي يكون حرف السلب في كل منهما لكن في المقدم بنحو المعدول الموضوع و في التالي بنحو السلب البسيط التحصيلي‏

(لازمة)

هذه القضية الشرطية السالبة

(للقضية الشرطية)

الموجبة

(التي يكون معنى القضية اللفظية و يكون لها)

أي للقضية الشرطية الموجبة المذكورة

(خصوصية)

و هو كون جزائه مترتبا على الشرط ترتب المعلول على العلة المنحصرة كما في دليل الخطاب أو كون الحكم بحيث يكون ثبوته للموضوع الأخف مما يستلزم ثبوته للأشد كما في لحن الخطاب‏

(بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها)

أي للقضية السالبة ضرورة ان من لوازم المعلولية و العلية المنحصرة هو انتفاء المعلول عند انتفاء العلة

(فصح أن يقال ان المفهوم انما هو حكم غير مذكور)

هو نفسه‏

(لا أنه حكم)

لموضوع‏

(غير مذكور كما فسر به)

حيث قيل ان الموصول في قولهم المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق عبارة عن الموضوع و يكون الضمير راجعا اليه باعتبار الحكم المتعلق به و يكون المجرور حينئذ حالا من الموصول فالفرق بين المنطوق و المفهوم على هذا هو اعتبار ذكر الموضوع في المنطوق و اعتبار عدمه في المفهوم‏

(و قد وقع فيه النقض و الابرام بين الأعلام)

حيث أورد عليه بعض الأعلام بأن بعض ما عدّ من المنطوق كدلالة الآيتين على أقل الحمل ليس الموضوع فيه مذكورا و بعض ما عدّ من‏

269

المفهوم كدلالة قوله تعالى: و لا تقل لهما افّ، على حرمة ضربهما قد ذكر فيه الموضوع و رده بعض آخر بأن الموضوع فى الأول ليس أقل الحمل بل الحمل نفسه و هو مذكور فى احدى الآيتين، و الموضوع فى الثاني هو الضرب دون الوالدين و هو غير مذكور و غير ذلك مما هو مذكور فى مسطورات القوم‏

(مع انه لا موقع له كما أشرنا اليه فى غير مقام لأنه من قبيل شرح الاسم كما فى التفسير اللغوي)

فلا يجب أن يراعى فيه ما يجب مراعاته فى التعاريف الحقيقية من الطرد و العكس‏

(و منه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر فى المقام فلا يهمنا التصدي لذلك كما لا يهمنا بيان انه من صفات المدلول أو الدلالة و ان كان بصفات المدلول أشبه)

حيث عرفت انه لازم للمعنى المستفاد من الكلام لخصوصية فيه مستتبعة لذلك و نص عليه جماعة و نسبه التفتازاني الى صريح عبارات القوم فى شرحه للعضدي حيث قال العضدي: و ما هاهنا مصدرية انتهى محل الحاجة، يعني بذلك كلمة ما المأخوذة فى التعريف الذي ذكرناه آنفا قال التفتازاني هذا و ان كان مصححا لكون المفهوم و المنطوق من أقسام الدلالة لكنه يحوج الى تكلف عظيم فى تصحيح عبارات القوم لكونها صريحة فى كونهما من أقسام المدلول، كما قال الآمدي المنطوق ما فهم من اللفظ نطقا فى محل النطق و المفهوم ما فهم من اللفظ فى غير محل النطق انتهى‏

(و توصيف الدلالة به أحيانا كان من باب التوصيف بحال المتعلق)

و به يوجه كلام الحاجي فى المختصر حيث ان ظاهره انه من صفات الدلالة فانه عبر عنهما فى التقسيم بدلالة منطوق و دلالة مفهوم بناء على كون الاضافة بيانية و أخذ العضدي بهذا الظهور فصرح بكون لفظة ما فى حدهما مصدرية و كذا صاحب بيان المختصر حيث قال فى شرح عبارة الحاجبى: الدلالة تنقسم الى منطوق و مفهوم و ربما نسب الى ظاهر كلام الشهيد الثاني ره و اما كونهما من عوارض الدال أى اللفظ كالعموم و الخصوص و الحقيقة و المجاز فمما لم يذهب اليه و هم و لا يساعده موارد استعمالاتهم لهما

(و قد انقدح من ذلك ان النزاع فى ثبوت المفهوم و عدمه فى الحقيقة انما يكون فى أن القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الاخرى أم لا)

كما انه قد انقدح ان المفهوم الذى هو لازم مفاد الجملة لخصوصية فيه بنحو اللزوم البين بالمعنى الأخص غير الدلالة السياقية التي هي أيضا لازمة لمفاد الجملة لكن بنحو اللزوم البين بالمعنى الأعم كدلالة الاقتضاء و التنبيه و الاشارة من غير فرق بين دلالة جملة واحدة على ذلك كقوله ص: كفر فى جواب من قال هلكت و اهلكت واقعت أهلي فى نهار شهر رمضان على علية الوقاع للتكفير و بين دلالة الجملتين كدلالة الآيتين على كون أقل الحمل ستة أشهر.

270

(فصل الجملة الشرطية)

(هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء)

أى انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط

(كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام أم لا)

و عدول المصنف عن العنوان المشهور بينهم من أن تعليق الحكم على الشرط هل يدل الخ أو مفهوم الشرط حجة أم لا الى هذا العنوان المذكور فى الكتاب انما هو لركاكة فيه حيث ان لفظ التعليق مشعر بالانتفاء عند الانتفاء فلا يناسب أخذه فى العنوان و ان لفظ الشرط لو كان المراد منه ما هو مصطلح الاصول فلا يمكن النزاع فيه لأنه فى مصطلحهم ما يلزم من انتفائه الانتفاء و لو كان المراد ما هو مصطلح النحو فهو خارج عن محل النزاع حيث ان الشرط عندهم هو المقدم فقط لا الجملة المشتملة عليه و على الجزاء و القائل بالمفهوم يعتقد بلزومه للجملة المزبورة و كذا النافون له ينفونه عنها و ان النزاع فى حجية المفهوم و عدمها انما هو فى وجوده و عدمه و ان النزاع انما هو فى دلالة اللفظ عليه بنحو الالتزام و عدمها لا فى حجيته بعد كونه مدلولا للفظ و لو بنحو الالتزام و كيف كان‏

(فيه خلاف بين الأعلام)

و تحرير محل النزاع هو انه‏

(لا شبهة فى استعمالها و ارادة الانتفاء عند الانتفاء فى غير مقام و انما الاشكال و الخلاف فى انه بالوضع أو بقرينة عامة بحيث لا بد من الجرى عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال فلا بد للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة بأحد الوجهين)

أى بالوضع أو بقرينة عامة

(على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة)

كي يثبت مدعاه و هو الانتفاء عند الانتفاء

(و اما القائل بعدم الدلالة ففي فسحة فان له)

المنع من جهات اما

(منع دلالتها على اللزوم)

بمعنى انه لا نسلم ان بين الشرط و الجزاء علاقة لزومية بها يستصحب المقدم التالي من كون المقدم علة للتالي أو العكس أو كونهما معلولي علة ثالثة أو كون النسبة بينهما التضايف أى التكافؤ تحققا و تعقلا كالابوة و البنوة

(بل على مجرد الثبوت عند الثبوت و لو من باب الاتفاق)

كما هو الشأن فى القضايا الشرطية الاتفاقية و فى الأقيسة الاستثنائية المتصلة حيث تقرر فى علم الميزان ان وضع المقدم فيها يقتضي وضع التالي و لكن رفع المقدم لا يقتضي رفعه لجواز كون التالي أعم من المقدم فقولنا كل ما كان الشي‏ء انسانا كان حيوانا لكنه انسان ينتج انه حيوان بخلاف كلما كان الشي‏ء انسانا كان حيوانا لكنه ليس بانسان فلا ينتج انه ليس بحيوان‏

(أو منع دلالتها على الترتب)

أى ترتب الجزاء على الشرط كي ينتفي بانتفائه بل القدر المسلم هو كون الشرط إمارة لازمة بحسب الوجود لوجود داعي وجوب الجزاء من غير أن يكون بينهما توقف و ترتب بل يكونان موجودين فى عرض واحد كقول المجيب عند السؤال عن وقت حلول الشتاء

271

اذا نزل الثلج فقد حل الشتاء و قول النحوى اذا رأيت معرفة مرفوعة فى ابتداء الكلام فهو مبتدأ

(أو)

تسليم الدلالة على الترتب و منع كونه‏

(على نحو الترتب على العلة)

على نحو الترتب على المقتضى و يمكن أن يكون لشي‏ء واحد مقتضيات متعددة متبادلة

(أو العلة المنحصرة بعد تسليم اللزوم و العلية)

و يمكن أن يكون لشي‏ء واحد علل تامة متبادلة و ان لم يكن اجتماعها

(لكن منع دلالتها على اللزوم و دعوى كونها اتفاقية)

كما هو مفاد المنع الأول‏

(فى غاية السقوط لانسباق اللزوم منها قطعا)

و ندرة استعمال القضية الشرطية فى الاتفاقيات و مع ذلك لا بد من رعاية عناية ضرورة ان تعليق كل شي‏ء على كل شي‏ء مما يأباه الطبع السليم و من هنا ظهر سقوط المنع الثاني أيضا

(و اما المنع من انه بنحو الترتب على العلة فضلا عن كونها منحصرة فله مجال واسع و دعوى تبادر اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة مع كثرة استعمالها فى الترتب على نحو الترتب على الغير المنحصر منها بل فى مطلق اللزوم بعيدة عهدتها على مدعيها كيف و لا يرى فى استعمالها فيهما)

أى فى مطلق اللزوم أو الترتب على الغير المنحصر

(عناية و رعاية علاقة)

كما اذا رتبه على الشروط المتعددة كي يلزم مجاز

(بل انما يكون إرادته)

أى إرادة كل واحد منها

(كإرادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية)

و ذلك آية الحقيقة

(كما يظهر على من أمعن النظر و أجال البصر فى موارد الاستعمالات و)

كما يظهر على من أمعن النظر

(فى عدم الالزام و الأخذ بالمفهوم فى مقام المخاصمات و الاحتجاجات و صحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم و عدم صحته)

أي الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم‏

(لو كان له)

أي لكلامه‏

(ظهور فيه)

أي فى المفهوم‏

(معلوم)

لكل أحد

(و اما دعوى الدلالة)

على الانتفاء عند الانتفاء

(بادعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزومية الى ما هو أكمل أفرادها و هو اللزوم بين العلة المنحصرة و معلولها ففاسدة جدا لعدم كون الأكملية موجبة للانصراف الى الأكمل)

و انما الموجب له هو انس الذهن به من جهة كثرة الاستعمال‏

(لا سيما مع كثرة الاستعمال فى غيره)

أي غير الأكمل لكثرته فيه‏

(كما لا يكاد يخفى هذا مضافا الى منع كون اللزوم بينهما أكمل مما اذا لم يكن العلة بمنحصرة فان الانحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاص الذي لا بد منه فى تأثير العلة فى معلولها آكد و أقوى)

ضرورة أن المنحصرة و غيرها فى مقام التأثير و الايجاد على حد سواء.

(إن قلت نعم)

المنع عن كون الترتب بنحو الترتب على العلة فضلا عن كونها منحصرة، له مجال واسع ان ادعى الخصم الدلالة الوضعية للزوم كون الاستعمال فى غيره من موارد اللزوم مجازا و بالعناية و هو فاسد

(و لكنه)

أي الانتفاء عند الانتفاء

(قضية الاطلاق)

أي إطلاق كلمة التعليق‏

(بمقدمات الحكمة كما ان قضية إطلاق صيغة الأمر)

بمقدمات الحكمة

(هو)

272

(الوجوب النفسي)

كما مر فى مباحث الأمر فيكون ترتب الجزاء على الشرط من قبيل ترتب المعلول على العلة المنحصرة مستندا الى إطلاق كلمة التعليق فى مقام البيان بأنه لو كان فى البين تعليق آخر كان على المتكلم أن يبينه و اذ لم يبين فنستكشف انحصار التعليق و هذا مراد من قال و التحقيق انه يدل بالالتزام على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط بالوضع فى الجملة و بالاطلاق مطلقا ثم قال فنقول كما ان الظاهر من التعليق شرطية المقدم كذلك الظاهر من إطلاق الشرطية كون المذكور شرطا على التعيين فلا جرم يلزم من انتفائه انتفاء الجزاء لاستحالة وجود المشروط بدون الشرط فظهر ان دلالة التعليق على الشرط على انتفاء التالي عقلي على تقدير انتفاء المقدم فى الجملة مستندة الى الوضع لأن ذلك قضية التعليق و على انتفائه عند انتفائه مطلقا مستندة الى ظهور التعليق فى شرطية المقدم و ظهور الشرطية فى الشرطية التعيينية انتهى، و مراده من الانتفاء عند الانتفاء في الجملة المستندة الى الوضع هي القضية المهملة المرددة بين الانتفاء عند الانتفاء على تقدير انتفاء غير هذا المعلق عليه مما يحتمل كونه شرطا أيضا و بينه على كلا تقديرى انتفاء غيره و وجوده.

(قلت أولا هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة و لا يكاد يتم فيما هو مفاد الحروف كما هاهنا)

حيث ان التعليق مفاد أداة الشرط و ذلك للزوم انقلاب المعنى الحرفي الى المعنى الاسمي حيث ان الحكم بالاطلاق و التقييد انما يصح على موضوع ملحوظ بالاستقلال و المدلول الآلي التبعي حين كونه كذلك لا يمكن ملاحظته بالاستقلال و هذا معنى قوله‏

(و إلا لما كان معنى حرفيا كما يظهر وجهه بالتأمل)

و هذا بخلاف الطلب الذى هو مدلول الهيئة في الأوامر حيث ان مدلول الهيئة فيها أيضا معنى حرفي يتمسك باطلاق الهيئة على الوجوب النفسي التعييني العيني فانها تكون في كلمة واحدة مستقلة لا تحتاج في الملاحظة الى انضمام مدلول كلمة اخرى اليها بخلاف مدلول أداة الشرط و إلا فالمصنف قد رد ما نسب الى الأنصارى ره على ما في التقريرات من امتناع كون الشرط من قيود الهيئة مستدلا بأنه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالمادة المنشأ بالهيئة حتى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه بوجهين ثانيهما ما هذا لفظه مع انه لو سلم انه فرد فانما يمنع عن التقييد لو أنشأ أولا غير مقيد لا ما اذا أنشأ من الأول مقيدا غاية الأمر قد دل عليه بدليلين و هو غير انشائه أولا ثم تقييده ثانيا فافهم انتهى‏

(و ثانيا)

لو سلم جريان المقدمات في المعنى الحرفي و في الحروف نقول‏

(ان تعيينه)

أى تعيين العلة المنحصرة

(من بين أنحائه)

أى أنحاء العلية

(بالاطلاق المسوق في مقام البيان بلا معين)

فانه خصوصية في مقابلة الخصوصيات الأخر نسبة جميعها الى اللفظ على حد سواء حيث ان المنحصرة و غيرها كلتيهما محتاجان الى مئونة زائدة بالنسبة الى العلية المطلقة فاثبات واحد منها من بينها بمقدمات الحكمة

273

التي نسبتها الى الخصوصيات على حد سواء يكون ترجيحا بلا مرجح‏

(و مقايسته مع تعين الوجوب النفسي باطلاق صيغة الأمر مع الفارق فان النفسي هو الواجب على كل تقدير)

و على الاطلاق فيكون اللفظ قالبا له منطبقا عليه‏

(بخلاف الغيري فانه واجب على تقدير دون تقدير فيحتاج بيانه الى مئونة التقييد بما اذا وجب الغير فيكون الاطلاق فى الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولا عليه و هذا بخلاف اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة ضرورة ان كل واحد من أنحاء اللزوم و الترتب محتاج فى تعيينه الى القرينة مثل الآخر بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى)

و مما ذكرنا ظهر ان الايراد على المصنف بأن التمسك بالاطلاق ليس من جهة إثبات انحصار العلة حتى يرد عليه ما ذكره المصنف لما عرفت من أنه ليس كون الترتب بنحو المعلولية مفادا للقضية الشرطية بل مفاده انما هو ترتب التالي على المقدم ليس إلا، و لازم ذلك فى خصوص القضايا الشرطية التي لم تسق لبيان الموضوع هو تقيد الجزاء بوجود الشرط و حيث ان حال التقييد و عدمه يختلف لا محالة فيكون إطلاق القيد و عدم ذكر عدل له مفيدا لانحصاره لا محالة فى غير محله، فانه مضافا الى أنه اعتراض على مدعي الانتفاء عند الانتفاء مستدلا بالاطلاق لا على المصنف خلط بين الاستدلال باطلاق التعليق و بين الاستدلال باطلاق الشرط الذي أشار اليه المصنف بقوله‏

(ثم انه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم باطلاق الشرط)

أي ما هو مدخول أداة التعليق بمقدمات الحكمة و لكن بعد إثبات ان الجملة الشرطية تفيد اللزوم و الترتب و إلا فليس بتام‏

(بتقريب انه لو لم يكن بمنحصر يلزم على المتكلم تقييده ضرورة انه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده)

فى الصورة الاولى على نحو السالبة بانتفاء المحمول أي أثرا معا و فى الصورة الثانية على نحو السالبة بانتفاء الموضوع أي ما أثر أصلا فضلا عن أن يكون وحده بل الأثر للسابق وحده‏

(و قضية إطلاقه انه يؤثر كذلك مطلقا)

أي يؤثر وحده سواء قارنه شي‏ء أو سبقه أم لا، و توضيحه ان ظاهر تلك الجملة حيث اطلقت فى مقام البيان ان الجزاء مترتب على الشرط فقط فى جميع الحالات و التقادير إذ لو كان هناك أمر آخر له دخل فى الترتب أيضا سواء كان مقارن الوجود مع الشرط أو سابقا عليه لكان يلزم على المتكلم البيان و التقييد لعدم سبق ذلك الأمر الآخر أو عدم مقارنته له و إلا لزم الاغراء بالجهل فلا مدخلية لشي‏ء آخر فى تحقق الجزاء فاذا انتفى انتفى قهرا

(و فيه انه لا يكاد ينكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك إلا انه من المعلوم ندرة تحققه لو لم نقل بعدم اتفاقه)

و لعله من جهة ان غاية ما يدل عليه القضية الشرطية من جهة الوضع هو التلازم بين المقدم و التالي و اما استناد التالي فى وجوده فعلا الى المقدم فليس المتكلم فى مقام بيانه كي يتمسك بالاطلاق فى إثبات الانحصار و كيف كان هذا لا ينفع الاصولي لعدم اطرادها، نعم له نفع للفقيه حيث ان نظره فى مقام‏

274

استنباطه الحكم على الموارد الخاصة مضافا الى عدم جريانها فى مورد احتمال أن يكون هناك سبب آخر ضد السبب المعلق عليه المسبب بحيث اذا ارتفع يخلفه هذا الضد

(فتلخص بما ذكرناه انه لم ينهض دليل على وضع مثل ان)

الشرطية و ما فى معناها

(على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء و لم يقم عليها قرينة عامة اما قيامها أحيانا كانت مقدمات الحكمة أو غيرها مما لا يكاد ينكر فلا يجدي القائل بالمفهوم انه قضية الاطلاق فى مقام من باب الاتفاق و اما توهم انه قضية إطلاق الشرط بتقريب ان مقتضاه تعينه كما ان مقتضى إطلاق الأمر تعين الوجوب ففيه ان التعيين ليس فى الشرط نحو يغاير نحوه اذا كان متعددا كما كان فى الوجوب كذلك و كان الوجوب فى كل منهما متعلقا بالواجب بنحو آخر لا بد فى التخييري منهما من العدل و هذا بخلاف الشرط فانه واحدا كان أو متعددا كان نحوه واحدا و دخله فى المشروط بنحو واحد لا تتفاوت الحال فيه ثبوتا كي تتفاوت عند الاطلاق إثباتا و كان الاطلاق مثبتا لنحو لا يكون له عدل لاحتياج ما له العدل الى زيادة مئونة و هو ذكره بمثل أو كذا و احتياج ما اذا كان الشرط متعددا الى ذلك انما يكون لبيان التعدد لا لبيان نحو تأثيرها الشرطية فنسبة إطلاق الشرط اليه لا يختلف كان هناك شرط آخر أم لا حيث كان مسوقا لبيان شرطيته بلا إهمال و لا إجمال بخلاف إطلاق الأمر فانه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني فلا محالة يكون فى مقام الاهمال أو الاجمال تأمل تعرف هذا مع انه لو سلم لا يجدي القائل بالمفهوم لما عرفت من انه لا يكاد ينكر فيما اذا كان مفاد الاطلاق من باب الاتفاق)

.

(ثم انه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه،)

(أحدها ما عزي الى السيد من أن تأثير الشرط انما هو تعليق الحكم به)

(و ليس يمتنع أن يخلفه و ينوب منا به شرط آخر يجري مجراه و لا يخرج عن كونه شرطا)

ملخصه ان أقصى ما يستفاد من القضية الشرطية هو تعليق وجود الشي‏ء على وجود غيره و ارتباطه به و هذا غير كاف فى الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء إذ كما يكون وجوده مرتبطا بالشرط المذكور يمكن أن يكون مرتبطا بغيره أيضا من دون منافاة بين الارتباطين عرفا و عقلا فكما يكون حاصلا عند حصول ذلك الشرط كذلك يكون حاصلا عند غيره فلا دلالة فيه على الانتفاء عند الانتفاء

(فان قوله تعال فاستشهدوا شهيدين من رجالكم يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضم اليه شاهد آخر فانضمام الثاني الى الأول شرط فى القبول ثم علمنا ان ضم امرأتين الى الشاهد الأول شرط فى القبول ثم علمنا ان ضم اليمين يقوم مقامه أيضا فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى مثل الحرارة فان انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة لاحتمال قيام النار مقامه و الأمثلة لذلك كثيرة شرعا و عقلا و الجواب انه قده ان كان بصدد بيان إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض فى مقام الثبوت‏

275

و فى الواقع فهو مما لا يكاد ينكر ضرورة ان الخصم يدعي عدم وقوعه فى مقام الاثبات و)

فى مقام‏

(دلالة القضية الشرطية عليه)

و يقول انها ظاهرة فى الانتفاء عند الانتفاء فامكان النيابة المزبورة لا مساس له بالمقصود و لا يضربه‏

(و ان كان بصدد ابداء احتمال وقوعه)

بعد الفراغ عن مرحلة إمكانه‏

(فمجرد الاحتمال لا يضره ما لم يكن بحسب القواعد اللفظية راجحا أو مساويا و ليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلا كما لا يخفى)

(ثانيها انه لو دل لكان باحدى الدلالات)

الثلاث‏

(و الملازمة كبطلان التالي ظاهرة)

اما الاولى فلانحصار الدلالة اللفظية فيها و اما بطلان التالي فلأن الانتفاء عند الانتفاء ليس عين الثبوت عند الثبوت و لا جزئه و هو واضح و لا لازمه لعدم اللزوم بينهما عقلا و لا عرفا و عادة و هو شرط فى الدلالة الالتزامية

(و قد اجيب عنه بمنع بطلان التالي و ان الالتزام ثابت)

اما وضعا او إطلاقا بمقدمات الحكمة أو انصرافا

(و قد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال فى إثباته أو منعه فلا تغفل،)

(ثالثتها قوله تعالى:

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً

)

حيث ان المفهوم يوجب عدم حرمة الإكراه عند عدم ارادتهن التحصن و بطلانه واضح‏

(و فيه ما لا يخفى ضرورة ان استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له أحيانا و بالقرينة لا يكاد ينكر كما فى الآية و غيرها)

مما يكون الشرط لتحقق الموضوع كما قيل فى قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، و قوله:

إن رزقت ولدا فاختنه‏

(و انما القائل به انما يدعي ظهورها فيما له المفهوم وضعا أو بقرينة عامة كما عرفت)

(بقي هنا امور)

:

(الأمر الأول)

(ان المفهوم)

طريقة أخذه و إثباته‏

(هو)

ملاحظة

(انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط)

و نوعه و طبيعته‏

(عند انتفائه)

أى انتفاء الشرط على القول بالمفهوم و كذا المنكر للمفهوم ينكر انتفاء سنخ الحكم و نوعه عند الانتفاء

(و لا)

نظر للمثبت و لا للنافى‏

(الى انتفاء شخصه)

أى شخص الحكم المعلق على الشرط

(ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده فلا يتمشى الكلام في أن للقضية الشرطية مفهوما أو ليس لها مفهوم إلا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء و انتفائه عند انتفاء الشرط ممكنا و انما وقع النزاع في أن لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء أو لا يكون لها دلالة و من هنا انقدح انه ليس من المفهوم دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا و الأوقاف و النذور و الايمان كما توهم بل عن الشهيد في تمهيد القواعد انه لا اشكال في دلالتها على المفهوم و ذلك)

أى عدم كون دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا و الوقوف و النذور و الايمان من المفهوم‏

(لأن انتفائها عن غير ما هو المتعلق لها من الأشخاص التي تكون بألقابها)

و سيأتي بيان اللقب‏

(أو بوصف شي‏ء أو بشرطه مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو)

276

(الوصف او اللقب عليه)

و بالجملة ليس لخصوصية في المدلول مستتبعة للانتفاء عند الانتفاء كي يكون مفهوما

(بل لأجل انه اذا صار شي‏ء وقفا على احد او اوصى به او نذر له الى غير ذلك لا يقبل ان يصير وقفا على غيره او وصية او نذرا له)

أى للغير

(و انتفاء شخص الوقف او الوصية او النذر عن غير مورد المتعلق قد عرفت انه عقلي مطلقا و لو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له)

و الحاصل انه فرق بين انتفاء المنشأ الشخصي الخاص الموجب لما يترتب عليه من الآثار و بين انتفاء سنخ الوجوب المعتبر في المفهوم و الأول حكم عقلي لا ينكر بعد تمامية الانشاء الذى من لوازم شخصيته عدم سراية ذاك الحكم الثابت به الى غيره ضرورة ان وجوب اكرام زيد الثابت بانشاء خاص منفي عن عمرو و يصح إنشاء وجوب اكرام لعمرو بانشاء آخر مماثل لإنشاء وجوب إكرام زيد و كذا لا يصح إنشاء الوقف لغير الفقير بعد إنشائه له لأجل عدم قابلية المحل المذكور لوقفين مستقلين و الثاني امر كلي يحتمل الوجوبين بالنسبة الى التقديرين مثلا فهو قابل للانتفاء عند الانتفاء و عدمه و هذا عبارة عن المفهوم لا الأول.

(إشكال و دفع)

(لعلك تقول كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم لا نفس شخص الحكم في القضية و كان الشرط في الشرطية انما وقع شرطا بالنسبة الى الحكم الحاصل بانشائه دون غيره فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه و هكذا الحال في سائر القضايا التي تكون مفيدة للمفهوم)

ملخصه منع كون المفهوم انتفاء نوع الحكم المعلق على الشرط و سنده ان الشرط انما جعل شرطا بالنسبة الى الحكم الحاصل من الانشاء الخاص فهو انما يكون شخصيا لا كليا فلو كان للشرطية مفهوم فلا محيص عن ان يكون هو انتفاء ذاك الحكم الشخصي المتحقق بالانشاء الخاص‏

(و لكنك غفلت عن ان المعلق على الشرط انما هو نفس الوجوب الذى هو مفاد الصيغة و معناها و اما الشخص و الخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه لا يكاد يكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه كما لا يخفى كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الإخبار به من خصوصيات ما اخبر به و استعمل فيه اخبارا لا إنشاء و بالجملة كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصا بالخصوصيات الناشئة من قبل الإخبار بها كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه و قد عرفت بما حققناه في معنى الحرف و شبهه ان ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له و ان خصوصية لحاظه بنحو الآلية و الحالية لغيره من خصوصية الاستعمال كما ان خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالي من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه، و بذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات في مقام التفصي عن)

277

(هذا الاشكال من التفرقة بين الوجوب الإخبارى و الانشائي بأنه كلي في الأول و خاص في الثاني حيث دفع الاشكال بأنه لا يتوجه في الأول لكون الوجوب كليا)

لا جزئيا

(و على الثاني بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلية المستفادة من الجملة الشرطية حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا الى ارتفاع العلة المأخوذة فيها فانه يرتفع و لو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما في اللقب و الوصف)

إذ قد عرفت ان هذا الانتفاء عند الانتفاء حكم عقلي غير قابل للنزاع فقضية العلية و السببية انتفاء سنخ الوجوب الذى حصل بالانشاء و صار بالانشاء شخصا من الوجوب و اما وقوع الشرط شرطا للانشاء الخاص فهو بملاحظة نوع الوجوب المتعلق به الانشاء و ان لم يكن ذلك على ذلك الوجه مدلول اللفظ إذ يكفي فيه ارتفاع شخصه من حيث انه عنوان لارتفاع نوعه نظرا الى العلية المذكورة

(و اورد على ما تفصى به عن الاشكال بما ربما يرجع الى ما ذكرناه)

حيث قال المجيب ان الوجوب المنشأ فى المنطوق هو الوجوب مطلقا من حيث كون اللفظ موضوعا له بالوضع العام و اختصاصه و شخصيته من فعل الآمر كما ان شخصية الفعل المتعلق للوجوب من فعل المأمور فيحكم بانتفاء مطلق الوجوب فى جانب المفهوم و كون هذا الجواب عين ما أجاب به المصنف أو راجعا اليه كما صرح به واضح لا يحتاج الى البيان و أورد عليه صاحب التقريرات بقوله فلأن ابتناء الرفع على ما زعمه من عموم الموضوع له أو الوضع ليس على ما ينبغي كما عرفت فيما ذكرنا مضافا الى أن ذلك مما لم يقم عليه دليل لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه حيث ان الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ انتهى و لهذا قال المصنف‏

(بما حاصله بأن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب لما أفاده)

أي على كلية الموضوع له‏

(و كون الموضوع له فى الانشاء عاما لم يقم عليه دليل لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه حيث ان الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ و ذلك)

أي الفساد

(لما عرفت من أن الخصوصيات فى الإنشاءات و الإخبارات انما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت بينهما أصلا و لعمري لا يكاد ينقضي تعجبي كيف تجعل خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه مع انها كخصوصيات الاخبار تكون ناشئة من الاستعمال و لا يكاد يمكن أن يدخل فى المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال كما هو واضح لمن تأمل)

إلا أنك قد عرفت فيما سبق ان المعاني الحرفية بنفس ذاتها مغايرة للمعاني الاسمية لا أن التفاوت بينهما منحصر فى عرض الوضع و ان المعاني الحرفية بنفس ذاتها ارتباطات خاصة بين الشيئين المرتبط و المرتبط اليه فى الجواب حينئذ ان التعليق صحيح فى مفاد الهيئة يئول الى التعليق فى مضمون الجزاء أي المادة المنتسبة فالمعلق فى الحقيقة هو الوجوب العارض للمادة و عند انتفاء الشرط يكون مرتفعا عنها و الفرق بين الانشاء و الاخبار هو ان المعلق فى الأول هو حقيقة الوجوب المتعلق‏

278

بالمادة و فى الإخبار المفهوم باعتبار مرآتيته للحقيقة و فنائه فيها.

(الأمر الثاني)

(انه اذا تعدد الشرط)

بأن كان الجزاء مترتبا على الشروط المتعددة نظير ترتب المسبب و المعلول على الأسباب و العلل المتعددة بحسب مقام الاثبات و دلالة الدليل‏

(مثل اذا خفى الأذان فقصر و اذا خفى الجدران فقصر)

فبناء على عدم ظهور الجملة الشرطية فى المفهوم فلا اشكال فيه أصلا و أما

(بناء على ظهور الجملة الشرطية فى المفهوم لا بد من التصرف و رفع اليد عن الظهور)

لمكان المعارضة بين مفهوم احدى القضيتين و منطوق الاخرى فالحكم المستفاد من مفهوم اذا خفي الأذان فقصر و هو عدم وجوب التقصير عند عدم خفاء الأذان و لو مع خفاء الجدران يعارض منطوق اذا خفى الجدران فقصر و كذا العكس و التصرف‏

(اما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين)

بملاحظة ان القائل بالمفهوم يقول به مطلقا و لو كان هناك قرينة على خلافه و هو تعدد الشرط و لما كانت الدلالة المنطوقية أقوى عنده من الدلالة المفهومية فعند التعارض يقدم الأقوى‏

(و اما برفع اليد عن المفهوم فيهما)

بملاحظة انها انما تظهر فى المفهوم عند عدم القرينة على الخلاف و تعدد الشرط قرينة على الخلاف‏

(فلا دلالة لهما)

أي للقضيتين الشرطيتين‏

(على عدم مدخلية شي‏ء آخر فى الجزاء)

بل انما تدلان على السببين الموجبين كل منهما لتحقق الجزاء

(بخلاف الوجه الأول فان فيهما الدلالة على ذلك)

أي على عدم مدخلية شي‏ء آخر فى الجزاء ورائهما

(و اما بتقييد إطلاق الشرط فى كل منهما بالآخر فيكون الشرط هو خفاء الأذان و الجدران معا فاذا خفيا)

كلاهما

(وجب القصر و لا يجب عند انتفاء خفائهما و لو خفى أحدهما و اما بجعل الشرط هو القدر المشترك)

و الجامع‏

(بينهما بأن يكون تعدد الشرط قرينة على أن الشرط فى كل منهما ليس بعنوانه الخاص بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان)

فترتب الجزاء على خصوصية الشرط على ما هو ظاهر قضية الشرطية ليس إلا لمحصلية هذه الخصوصية لذاك الجامع فهذه وجوه أربعة كل منها لعمومها و اطّرادها مفيد للاصولي بخلاف التصرف برفع اليد عن مفهوم واحد منهما على الخصوص و بقاء الآخر على مفهومه فانه انما يفيد الفقيه الناظر فى الموارد الخاصة فما عن الحلى من جعل المناط فى المثال هو خفاء الأذان فقط و تقييد منطوق الآخر بخفاء الأذان و مفهومه بعدمه فكأنه استظهر ان خفاء الجدران ليس فى الحقيقة علة بل من الامارات التي يتوسل بها الى خفاء الأذان‏

(و لعل العرف يساعد على الوجه الثاني)

من هذه الأربعة بمعنى انه اذا عرضت الجملتان الشرطيتان على العرف يحكم بعدم المفهوم فى هذه الصورة لعدم فهمهم انحصار السبب حينئذ و انما المنفهم عنده حينئذ هو أن الشرط موجب لتحقق الجزاء بمعنى ان المتبادر الى أذهانهم عند سماع الجملة الشرطية هو حدوث الجزاء بمجرد حدوث خصوص الشرط

279

بسببه أو بكشفه عن سببه من غير مدخلية انضمام شرط آخر اليه فى ذلك كما هو مفاد الوجه الثالث و من دون مدخلية نقيض شرط آخر فى ذلك أيضا كما هو مفاد الوجه الأول و من دون ملاحظتهم ان الجامع بين الشرطين هو السبب أيضا كما هو مفاد الوجه الرابع‏

(كما ان العقل ربما يعين هذا الوجه)

الرابع‏

(بملاحظة ان الامور المتعددة بما هي مختلفة لا يمكن أن يكون كل منهما مؤثرا فى واحد فانه لا بد من الربط الخاص)

و السنخية المخصوصة

(بين العلة و المعلول و لا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان و لذلك أيضا لا يصدر من الواحد إلا الواحد فلا بد من المصير الى أن الشرط فى الحقيقة واحد و هو المشترك بين الشرطين بعد البناء عن رفع اليد عن المفهوم و بقاء إطلاق الشرط فى كل منهما على حاله و ان كان بناء العرف و الأذهان العامية على تعدد الشرط و تأثير كل شرط بعنوانه الخاص فافهم‏

(*)

)

من غير فرق فى ذلك بين أن يكون هناك جامع خطابي أم لا فانه عند تعذر الحقيقة لا بد من ارتكاب التأويل و اما الوجه الأول فمع عدم مساعدة العرف عليه قيل بأنه غير معقول إذ المفهوم تابع للمنطوق و ليس هو بنفسه مدلولا للكلام حتى يقيد أو يخصص من دون تصرف فى المنطوق و اما الوجه الثالث فقد قيل عليه بأنه خلاف صريح القضيتين حيث انهما ناصتان فى ترتب التالي على المقدم المذكور فيهما و لو فى مورد واحد فلا مجال حينئذ لاحتمال كون كل من الشرطين جزء سبب.

(الأمر الثالث)

(اذا تعدد الشرط و اتّحد الجزاء)

بحسب ظاهر الدليل أو من الخارج كما فى الوضوء للصلاة بالنسبة الى البول و الغائط و النوم و الريح و الاغماء و الاستحاضة القليلة

(فلا اشكال على الوجه الثالث)

من تقييد إطلاق الشرط فى كل منهما بالآخر و جعل العلة فى الحقيقة هو مجموع السببين بما هو مجموع لأنه حينئذ يصير كل واحد جزء سبب‏

(و اما على سائر الوجوه)

أى الثلاثة الأخر

(فهل اللازم)

عند تقارنهما زمانا أو تقدم أحدهما على الآخر

(الاتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشرط)

و يعبّر عنه بعدم التداخل‏

(أو يتداخل و يكتفي باتيانه دفعة واحدة فيه أقوال المشهور عدم التداخل و عن جماعة منهم المحقق الخوانساري ره التداخل و عن الحلي التفصيل بين اتحاد جنس الشروط و تعدده)

و ليعلم قبل الخوض فى المقصود ان مسئلة التداخل جوازا و امتناعا مسئلة عقلية و مسئلتنا هذه لفظية و التفصيل الذى‏

____________

(*) هذا آخر الامر الثاني و قد توجد فى النسخ المطبوعة فى أيام حيوة المؤلف اضافات عقيب قوله: فافهم. و علق المصنف عليها فى الهامش تعليقة مختصرة ثم عدل رأيه و شطب عليها و على التعليقة، هذا ما أفاده استاذنا الشارح دام ظله.

محي الدين المامقاني‏

280

ذهب اليه الحلي لا يتأتى فى هذه المسألة كما سيأتي تحقيقه من المصنف ثم ان الكلام هنا تارة فى أن مقتضى القاعدة عند اجتماع الأسباب هو عدم التداخل فى الأسباب و تأثير كل واحد منها أثرا مستقلا فيتعدد الجزاء من جهة ظهور كل من الشرطين في الاستقلال أو التداخل و تأثير الكل أثرا واحدا فيتحد الجزاء من جهة ظهور متعلق الحكم في صرف الطبيعة و هي بما هي لا يتثنى و لا يتكرر كي يتعدد الحكم و صرف الشي‏ء لا يمكن أن يحكم عليه بحكمين فهذا الاختلاف مبني على الاختلاف في تقدم أى واحد من الظهورين على الآخر و تارة بعد الفراغ عن أن كل واحد من الأسباب يؤثر أثرا مستقلا في أن المسببين اذا اشتركا في اسم فهل مقتضى القاعدة جواز الاكتفاء بفعل واحد عنهما أو عدمه فلا بد حينئذ من الاتيان بفعلين و هذا هو النزاع في تداخل المسببات و المصنف اختار عدم التداخل فقال‏

(و التحقيق انه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه)

أى بسبب الشرط و بعبارة اخرى لكون الشرط سببا حقيقيا لوجود الجزاء

(أو بكشفه)

أى الشرط

(عن سببه)

و بعبارة اخرى لكون الشرط معرفا و إمارة كما في قوله تعالى: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ‏

(و كان قضيته)

أى الحدوث عند الحدوث‏

(تعدد الجزاء عند تعدد الشرط كان الأخذ بظاهرها)

أى بظاهر الجملة الشرطية

(اذا تعدد حقيقة)

كما اذا تحقق البول و النوم‏

(أو وجودا)

كما اذا بال مرتين أو نام كذلك‏

(محالا ضرورة ان لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة مثل الوضوء بما هي واحدة في مثل اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ أو فيما اذا بال مكررا أو نام كذلك محكوما بحكمين متماثلين و هو واضح الاستحالة كالمتضادين فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه اما بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت)

فالتصرف حينئذ في الشرط و إبقاء الجزاء على حاله‏

(أو الالتزام بكون متعلق الجزاء و ان كان واحدا صورة إلا أنه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط متصادقة على واحد فالذمة و ان اشتغلت بتكاليف متعددة حسب تعدد الشرط إلا أن الاجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها)

أى للتكاليف المتعددة

(كما في اكرم هاشميا و أضف عالما فاكرم العالم الهاشمي بالضيافة ضرورة انه بضيافته بداعي الأمرين يصدق انه امتثلهما و لا محالة يسقط الأمر بامتثاله و موافقته و ان كان له امتثال كل منهما على حدة كما اذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة و أضاف العالم الغير الهاشمي)

(ان قلت كيف يمكن ذلك أى الامتثال بما تصادق عليه العنوانان مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه)

.

(قلت انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين)

لمكان التزاحم ففي صورة وحدة الآمر يلزم اجتماع ارادتين بالنسبة الى شي‏ء واحد لآمر واحد كما لا يعقل‏

281

اتصاف محل واحد بحكمين و فى صورة تعدد الآمر كما اذا أمر الوالد بشي‏ء وجوبا و الوالدة به أيضا كذلك و ان كان لا يلزم المحذور الأول إلا أن المحذور الثاني باق بحاله فيكون الفرد المجمع خارجا عن تحت الطبيعتين بما هما مأمورا بهما إلا أنه لما كان وافيا بغرضهما كالباقي تحتهما كان عقلا مثله فى الاتيان به فى مقام الامتثال و الاتيان بداعي الأمر بلا تفاوت فى نظره أصلا و قد عرفت فى مسئلة الضد ان الخارج عن تحت الطبيعة لأجل المزاحمة و ان كان لا تعمه الطبيعة المأمور بها إلا أنه ليس لقصور فيه بل لعدم إمكان تعلق الأمر بما تعمه عقلا فلا يلزم محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فى المجمع لو أتى به فى مقام الامتثال بل غاية ما يمكن أن يقال من قبل القائلين بالامتناع بعد عدم شمول شي‏ء من الطلبين للمجمع انه محكوم بالوجوب المتأكد من جهة وجود مناط الحكمين كما لو كانت هناك مصلحتان داعيتان الى طلب شي‏ء على وجه الوجوب بحيث لو انفردت كل واحدة منهما اقتضت الحكم مثل ما اذا كان المريض محتاجا الى اسهال البلغم و الصفراء و كان السكنجبين مسهلا لهما فانه يجب شربه متأكدا من جهة وجود الفائدتين و الى هذا أشار المصنف بقوله‏

(بل غايته ان انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب و انتزاع صفة له مع انه على القول بجواز الاجتماع لا محذور فى اتصافه بهما)

أي بالوجوبين لكفاية تعدد العنوان فى تعدد الموضوع‏

(بخلاف ما اذا كان بعنوان واحد فافهم)

فانه لا يجوز حينئذ اتصافه بالوجوبين عند القائل بجواز الاجتماع أيضا و يحتمل أن يكون معناه بخلاف انطباق عنوان واحد واجب على مصداق فانه يستلزم اتصافه بالوجوب الواحد مع ان بعضهم لا يلتزم بهذا الوجوب المتأكد أيضا قائلا بأن التأكد انما يكون فيما اذا تعلق الطلب بنفس المصداق الذي يكون مجمعا و فيما نحن فيه ليس كذلك فان المتعلق انما هو الطبيعة باعتبار صرف الوجود و جواز الاتيان بكل فرد انما هو بمقتضى الاطلاق ليس إلا، فلا يلزم تأكد فى الطلب فالفرد المجمع لهما يكون مسقطا لكلا الخطابين فتدبر كي تعرف ان ما ذكره المصنف لا ينافي ما ذكره ذلك البعض حيث انه بقرينة قوله و انتزاع صفة له أراد أن العقل ينتزع صفة وجوب متأكد منه لوجود الملاكين لا أن الشرع يحكم بوجوبه متأكدا

(أو)

التصرف فيه‏

(بالالتزام حدوث الأثر عند وجود كل شرط إلا أنه)

أي الأثر

(وجوب الوضوء فى المثال عند الشرط الأول و تأكد وجوبه عند الآخر)

لا وجوب آخر كي يلزم اجتماع المثلين‏

(و لا يخفى انه لا وجه لأن يصار الى واحد منها)

أي من الوجوه الثلاثة

(فانه)

أي كل واحد من الثلاثة

(رفع اليد عن الظاهر بلا وجه)

حيث ان الظاهر من الجملة الشرطية هي حدوث الجزاء مترتبا على حدوث الشرط ترتبا لزوميا من دون تداخل بأحد الوجوه الثلاثة

(مع ما فى الالتزامين الأخيرين من الاحتياج الى إثبات ان متعلق الجزاء متعدد متصادق على واحد و ان)

282

(كان صورة واحدا مسمى باسم واحد كالغسل)

و هذا فى الأول من الأخيرين مع انه لم يدل دليل على تصادقهما على واحد

(و الى ان الحادث بغير الشرط الأول تأكد ما حدث بالأول)

و هذا فى الثاني من الأخيرين‏

(و مجرد الاحتمال)

أي مجرد احتمال التصادق و كذا مجرد احتمال ان الحادث بغير الشرط الأول تأكد ما حدث بالأول‏

(لا يجدي ما لم يكن فى البين ما يثبته)

كما قيل انه قد ثبت ذلك فى موردين، الأول ما اذا كان بين الواجبين عموما من وجه مع كون خطاب كل منهما مطلقا بالنسبة الى مورد الاجتماع كما فى اكرم هاشميا و أضف عالما فالفرد المجمع يكون منطبقا عليه لعنوانين واجبين و مسقطا لكليهما، الثاني ما اذا قام دليل خاص على الاجتزاء بفعل واحد عن حقوق متعددة كما فى سقوط أغسال متعددة بغسل واحد نوى به سقوط الجميع أو بغسل الجنابة و كما فى باب الوضوء بناء على كون الأحداث الصغيرة متعددة و لكن الوضوء الواحد يكون رافعا لجميعها و لو لم يكن ناويا لارتفاع بعضها.

(فان قلت وجه ذلك هو لزوم التصرف فى ظهور الجملة الشرطية لعدم إمكان الأخذ بظهورها حيث ان قضيته)

أي قضية الظهور المذكور

(هو اجتماع الحكمين فى الوضوء فى المثال كما مرت الاشارة اليه)

.

(قلت نعم)

يحتاج الى مثل هذه التصرفات‏

(اذا لم يكن المراد بالجملة فيما اذا تعدد الشرط كما فى المثال هو وجوب وضوء مثلا بكل شرط غير ما وجب بالآخر و لا ضير فى كون فرد محكوما بحكم فرد آخر أصلا كما لا يخفى)

.

(ان قلت نعم لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الاطلاق)

أي إطلاق مادة الجزاء

(قلت نعم)

تقدير تعدد الفرد خلاف الاطلاق لكن‏

(لو لم يكن ظهور الجملة الشرطية فى كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب مقتضيا لذلك أي لتعدد الفرد)

عرفا

(و إلا)

أي و ان كان اقتضاء ظهور الجملة لذلك ثابتا

(كان بيانا لما هو المراد من الاطلاق و بالجملة لا دوران بين ظهور الجملة فى حدوث الجزاء و ظهور الاطلاق)

أي إطلاق المادة فى عدم التعدد

(ضرورة ان ظهور الاطلاق)

أي إطلاق المادة

(يكون معلقا على عدم البيان و ظهورها)

أي ظهور الجملة الشرطية

(فى ذلك)

أي فى كون الشرط سببا أو كاشفا

(صالح لأن يكون بيانا)

للاطلاق أي لاطلاق المادة

(فلا ظهور له)

أى للاطلاق‏

(مع ظهورها)

أى ظهور الجملة الشرطية

(فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا بخلاف القول بالتداخل كما لا يخفى)

و قد علق فى الهامش هنا ما يظهر منه الجواب التحقيقي عن الاشكال الأخير و هذا لفظه هذا واضح بناء على ما يظهر من شيخنا العلامة من كون ظهور الاطلاق معلقا على عدم البيان مطلقا و لو كان منفصلا و اما بناء على ما اخترناه فى غير مقام من انه انما يكون معلقا على عدم‏

283

البيان فى مقام التخاطب لا مطلقا فالدوران حقيقة بين الظهورين حينئذ و ان كان إلا انه لا دوران بينهما حكما لأن العرف لا يكاد يشك بعد الاطلاع على تعدد القضية الشرطية فى أن قضيته تعدد الجزاء و انه فى كل قضية وجوب فرد غير ما وجب فى الاخرى كما اذا اتصلت القضايا و كانت فى كلام واحد فافهم انتهى‏

(فتلخص بذلك ان قضية ظاهر الجملة الشرطية هو القول بعدم التداخل عند تعدد الشرط و قد انقدح مما ذكرناه ان المجدى للقول بالتداخل هو أحد الوجوه)

الثلاثة

(التي ذكرناه)

كي يرتفع غائلة اجتماع المثلين فى موضوع واحد

(لا مجرد كون الاسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات فلا وجه لما عن الفخر)

نجل العلامة قدس سرهما

(و غيره من ابتناء هذه المسألة على انها معرفات أو مؤثرات)

فالتداخل مبني على كونها معرفات لامكان اجتماع امارات شتى و معرفات متعددة على شي‏ء واحد و عدم التداخل مبني على كونها أسبابا و مؤثرات و ذلك لأنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث وجوب شي‏ء عند حدوث شي‏ء مطلقا سواء كان ذاك الشي‏ء علة أو إمارة و كاشفا فلازمه هو تعدد وجوب ذلك الشي‏ء عند تعدد تلك العلة أو الامارة فيبقى غائلة اجتماع المثلين بحالها

(مع ان الأسباب الشرعية حالها حال غيرها فى كونها معرفات تارة و مؤثرات اخرى ضرورة ان الشرط للحكم الشرعي في الجملة الشرطية ربما يكون مما له دخل فى ترتب الحكم بحيث لولاه لما وجد له علة)

كقوله اذا شككت فابن على الأكثر و قوله: اذا شككت بين الواحد و الاثنين فأعد

(كما انه فى الحكم الغير الشرعي قد يكون إمارة على حدوثه بسببه)

كقولنا ان كان النهار موجودا فالشمس طالعة

(و ان كان ظاهر التعليق ان له)

أى للشرط

(الدخل فيهما)

أى فى الحكم الشرعي و الحكم الغير الشرعي‏

(كما لا يخفى)

فاذا لا يصح دعوى الايجاب الكلي لا فى طرف المعرف و لا فى طرف السبب بالنسبة الى شي‏ء من الحكم الشرعي و الغير الشرعي‏

(نعم لو كان المراد بالمعرفية فى الأسباب الشرعية انها ليست بدواعي الأحكام التي هي فى الحقيقة علل لها و ان كان لها دخل فى تحقق موضوعاتها بخلاف الأسباب الغير الشرعية فهو و ان كان له وجه إلا انه مما لا يكاد يتوهم انه يجدى فيما همّ)

أى قصد إثباته‏

(و أراد)

توضيح ذلك ان السبب للحكم في كلمات الأصحاب و كذلك العلة قد يطلق و يراد به ما يكون ملاكا و داعيا على الحكم حيث انه لو لم يكن ملاك يكون داعيا الى الحكم لما صدر عن المولى حكم و قد يطلق و يراد به الموضوع و ما يكون من دواخله و قوامه أو قيوده و طواريه حيث انه لو لم يكن في البين موضوع بتمام دواخله و قيوده لم يكن حكم أصلا كما ان المعرف يطلق تارة و يراد به الكاشف عن الشي‏ء سواء كان معلولا له أو لازما عاديا و قد يطلق و يراد منه مطلق ما يلازم الشي‏ء وجودا و ان كان يمكن انفكاكهما عقلا، و المعنى الأول من المعرف لا يصدق على ملاك الحكم و موضوعه‏

284

ضرورة تأخر الحكم عنهما فيستحيل أن تكونا معرفين له، و المعنى الثاني يستحيل صدقه على موضوع الحكم لاستحالة انفكاكه عن الحكم و يصح صدقه على الملاك فانه يمكن انفكاك الحكم عنه كما في وجوب العدة حيث ان الملاك هو حفظ الانساب و عدم تداخل المياه و هذا الملاك لم يكن مطردا حتى في موارد العقم إلا أن تميز موارد الخلط عن غيرها لما كان عسيرا جدا بل متعذرا بحيث لا يخطأ و لا يشتبه في مورد، فقد جعله الشارع مطلقا حفظا لغرضه ففي موارد عدم الاختلاط الواقعي لا ملاك لوجوب العدة و ان كان تشريع الحكم مطلقا بملاك لا محالة و هو حفظ الغرض اذا تقرر هذا فنقول: ان الأحكام الشرعية لما كانت دواعيها منحصرة فى علمه تعالى بالأصلح بحال عباده و ليس له تعالى فى هذا المقام داع آخر غيره فلا جرم يكون ما هو بظاهر الكلام سببا و علة للحكم الشرعي إمارة و كواشف عن السبب الحقيقي أي الدواعي على الحكم و ان كان يمكن أن يقال حينئذ انه سبب بمعنى انه تمام الموضوع أو جزئه أو شرطه فاتضح من هذا البيان معنى الكلمة الدائرة على ألسنة الأصحاب المودعة فى صحفهم و زبرهم ان العلل الشرعية معرفات و ليست بأسباب حقيقية كما انه قد اتضح انه يصح أن يقال انها أسباب أيضا، و بالجملة يصح أن يقال انها علل مادية و ليست بعلل فاعلية بخلاف الأسباب الغير الشرعية فانها جائزة أن تكون عللا فاعلية إلا أن هذا التوجيه لا يجدي فيما هو المهم من التداخل و عدمه لابتنائه على أمر آخر قد عرفته من ظهور الجملة الشرطية فى ترتب الاجزاء على كل واحد من الشرطين مستقلا فلا بد حينئذ من القول بتداخل الأسباب أو بتداخل المسببات‏

(ثم انه لا وجه للتفصيل بين اختلاف الشروط بحسب الأجناس و عدمه و اختيار عدم التداخل فى الأول و التداخل فى الثاني)

كما هو المحكي عن الحلي‏

(إلا توهم عدم صحة التعليق)

و الاستدلال‏

(بعموم اللفظ فى الثاني لأنه من أسماء الأجناس فمع تعدد أفراد شرط واحد لم يوجد إلا السبب الواحد)

إذ حينئذ يكون نفس تلك الطبيعة الجنسية و القدر الجامع فى الحقيقة سببا و ان وجدت مرارا متعددة كما فى قوله: اذا نمت فتوضأ فنام مرارا عديدة فلا عموم فى اللفظ كي يصح التمسك به‏

(بخلاف الأول لكون كل منهما)

أي من الجنسين المختلفين‏

(سببا فلا وجه لتداخلها)

كالنوم و البول بالنسبة الى الوضوء

(و هو فاسد فان قضية إطلاق الشرط فى مثل اذا بلت فتوضأ هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرات)

لصدق القضية الشرطية عند كل مرة

(و إلا فالأجناس المختلفة لا بد من رجوعها الى واحد فيما جعلت شروطا و أسبابا لواحد لما مرت اليه الاشارة من أن الأشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسبابا لواحد)

ضرورة امتناع تأثير المباينات بما هي مباينات فى الواحد بما هو واحد اللهم إلا أن يدعى ان العرف يفهمون من ظاهر اللفظ التداخل عند اتحاد الجنس دون الاختلاف و العهدة على من‏

285

يدعيه‏

(هذا كله فيما اذا كان موضوع الحكم فى الجزاء قابلا للتعدد)

كالوضوء الواجب بالبول و النوم أو بفردين من البول او النوم أو قابلا للتقييد كالقتل الواجب قصاصا عن اثنين فان القتل لنفس واحدة و ان لم يقبل التعدد إلا أن ايجابه يتقيد بكل واحد من السببين بحيث لو عفا وليّ أحد المقتولين لا يسقط الوجوب بوجود سبب آخر و كالخيار المسبب عن أمرين فلو سقط أو أسقط أحدهما بقي الآخر على سببيته فبناء على عدم التداخل بتقيد الجزاء بكل من السببين فيؤثر أحدهما عند ارتفاع الآخر

(و اما اذا لم يكن قابلا له)

أي للتعدد و لا للتقيد كوجوب القتل للارتداد و نحوه من حقوق اللّه تعالى فان حكم اللّه لا يعفى عنه‏

(فلا بد من تداخل الأسباب فيه فيما لا يتأكد المسبب)

بمعنى ان السبب انما يؤثر لو لم يوجد معه سبب آخر فلو وجد فالتأثير للسابق ان كان سبق، و مع التقارن فلهما معا تأثير واحد قطعا كالملكية و الضمان و الطهارة و النجاسة و الحدث فى الأحكام الوضعية و مثله ما لو كان المسبب فى نفسه قابلا للتأكد و التكرار و لكن كان متفرعا على ما لا يقبل ذلك كالوضوء حيث انه فى حد نفسه قابل للتكرار و التأكد إلا أنه بلحاظ المحدثية و رفع الحدث لا يقبلهما

(و من التداخل فيه)

أي في المسبب‏

(فيما يتأكد)

أي فيما كان قابلا للتأكيد كما اذا وجب قتل زيد لأجل القصاص و الارتداد فيكون الحكم حينئذ متأكدا لا محالة فلا تداخل حينئذ فى الأسباب بل التداخل فى المسبب بمعنى انه حصل من السببين وجوب متأكد.

تذنيب: اعلم ان مقتضى الأصل عند الشك فى تداخل الأسباب هو التداخل بمعنى ان تأثيرهما فى تكليف واحد متيقن و الشك انما هو فى التكليف الزائد و الأصل البراءة و عند الشك فى تداخل المسببات هو عدم التداخل فانه اذا ثبت تكاليف متعددة و شك فى امتثالها بفعل واحد فمقتضى الاشتغال عدم الاكتفاء بفعل واحد فى مقام الامتثال و اما فى الأحكام الوضعية فلا بد من ملاحظة كل مورد مورد من الموارد الخاصة بالنسبة الى جريان الأصل فيه و عدمه.

(فصل الظاهر انه لا مفهوم للوصف)

المعتمد على الموصوف كقول المولى اكرم زيد العالم و اما الوصف الغير المعتمد فليس بمحل البحث و إلا لكانت الجوامد المتعلقة للحكم داخلة فى حريم البحث لعدم الفرق بينهما إلا فى ان المبدا فى الجوامد جعلي و فى الوصف الغير المعتمد غير جعلي و هو ليس بفارق بل المبدا الجوهري أولى من المبدا العرضي فى ان مناط الحكم يعدم بعدمه‏

(و ما بحكمه)

من العناوين الأخر التي يفيد قيدا فى الموضوع من البدل و عطف البيان و نحو ذلك و هذا العنوان أولى من العنوان الذي فى كلام بعض المحققين من ان تعليق الحكم على الوصف‏

286

هل يدل على الانتفاء عند الانتفاء فان الوصف قيد لموضوع الحكم سواء كان مسندا أو مسندا اليه أو غيرهما من متعلقاتهما و ليس كالشرط قيدا للحكم و لهذا قالوا ان مفهوم الوصف أضعف من مفهوم الشرط فان إثبات حكم لموضوع مقيد من حيث هو هو لا يقتضي نفي سنخ الحكم عن غيره و تقييد الحكم بالشرط باعتبار ترتبه عليه فى الوجود يقتضي نفيه عند انتفائه و من هنا يفهم ان الحاق الحال النحوي بالشرط أولى من الحاقه بالوصف لكونه قيدا للحكم فان قولك اعط هندا قائمة بمنزلة ان كانت قائمة فاعطها و لعل مرادهم من التعليق هنا هو التعليق العرضي المجازي فيقال ان الحكم مقيد باعتبار تعلقه بموضوع مقيد و قوله‏

(مطلقا)

معناه سواء كان الوصف و ما بحكمه مساويا للموصوف أو أعم منه مطلقا أو من وجه كما سيظهر لك وجه هذا التعميم و كيف كان فوجه عدم المفهوم هو انه لو كان دالا على المفهوم لكان ذلك اما بالوضع بأن الهيئة التركيبية من المقيد و القيد موضوعة للدلالة على الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء أو بالانصراف العرفى، أو لأجل لزوم اللغوية بدونه و لا يرتكبه المولى الحكيم، أو لأجل ان الأصل فى القيد أن يكون احترازيا، أو لأجل ما هو المعروف على الالسنة من أن تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية لا سبيل الى الاول للقطع بأن الهيئة لم توضع لذلك بل وزان الهيئة فى القضية الوصفية وزان اللقب فكما ان المتيقن من زيد عالم ليس إلا ثبوت الحكم للموضوع الخاص كذلك أكرم زيد العالم، غاية الامر ان الموضوع فى اللقب خاص يمكن التعبير عنه بلفظ واحد بخلاف الموضوع في المسألة فانه لا يمكن التعبير عنه إلا بلفظين و هو ليس بفارق بينهما بعد اشتراكهما في كون الحكم غير مقيد بشي‏ء و انما الخصوصية أخذت في ناحية الموضوع و اليه أشار بقوله‏

(لعدم ثبوت الوضع)

لقوة احتمال كون الوصف من قيود المفاهيم الافرادية المتقدمة على النسبة بل الظاهر انه كذلك و ليس كالشرط من قيود الجمل التركيبية و في عرض النسبة الكائنة في الجمل التركيبية و لا سبيل الى الثاني أيضا فلأن الانصراف المذكور لا بد له من جهة و هي غلبة استعمال اللفظ و هي هنا ممنوعة بعد فهم العرف في كثير من الموارد من القضية الوصفية فوائد اخرى غير الانتفاء عند الانتفاء مثل تعيين الموضوع و غيره و لا الى الثالث لان اللغوية انما تلزم لو كانت فائدة الوصف منحصرة في الانتفاء عند الانتفاء و ليس كذلك بل له فوائد كثيرة مثل الاعتناء بمحل الوصف و سبق حكم غير محل الوصف و احتياج السائل الى حكم محل الوصف فقط لعدم كون غيره محل ابتلائه و غير ذلك كما علمت آنفا و اليه أشار بقوله‏

(و عدم لزوم اللغوية بدونه لعدم انحصار الفائدة به)

و لا الى الرابع فلأن الاصل المذكور لا ارتباط له بالمقام حيث ان معنى كون القيد احترازيا ليس إلا تقييد الموضوع مثلا و تضييق دائرته بمعنى انه رتب الحكم على الموضوع الخاص مثلا و لم يرتبه على غيره لا أنه رتب حكما

287

مخالفا للحكم المذكور على الغير مثل ما اذا كان الموضوع الخاص مستفادا من لفظ واحد فلا فرق بين جئني بانسان و بين جئني بحيوان ناطق و سيأتي في باب المطلق و المقيد انه ليس يلزم في حمل المطلق على المقيد اذا وجد شرائطه إلا التضييق المذكور من دون أن يكون هناك مفهوم بل العرف بملاحظة القطع بوحدة الحكم يفهم ان المراد هو المقيد فكأنه لا يكون في البين غيره و ربما يقال انه لا وجه لكون الحمل بلحاظ المفهوم فان ظهور المفهوم في التقييد ليس بأقوى من ظهور المطلق في الاطلاق حتى يحمل عليه لو لم نقل بأقوائيته لكونه منطوقا و لا الى الخامس فانا لا نسلم الإشعار حيث ان الاوصاف بمنزلة المشخصات للوجود و معينات لموضوع الحكم كما عرفت و لو سلم الإشعار فهو ليس بمجد بحيث يعتمد عليه في مقام الاحتجاج فان الإشعار عبارة عن مجرد الإدخال في الوهم فلا يبلغ حد الدلالة المنوطة بالظهور، و لو سلم بلوغها حد الدلالة فلا نسلم دلالته على انحصار العلة كي يثبت المفهوم لما قد عرفت من عدم ظهور كونه قيدا للحكم و لو سلم هذه الدلالة في بعض المقامات فانما يكون بحسب القرائن الخارجية و المفهوم كما عرفت في صدر البحث يكون تابعا للخصوصية المستفادة من نفس اللفظ المستتبعة له، نعم لو دلت القرينة العامة على استعمال اللفظ في هذا النحو من العلية لكان الانتفاء عند الانتفاء حينئذ من المفهوم و أنى لنا باثباته مضافا الى كونه أخص من المدعى حيث ان الإشعار المذكور انما يدعى في خصوص ما اذا كان الوصف المعلق خصوص المشتق الجارى على الموصوف لا مطلق القيود الواردة في الكلام و ان كان أعم من حيث الاعتماد على الموصوف الذى هو محل الكلام و الغير المعتمد الذى هو خارج عن محل الكلام و الى نفي هذين الوجهين الاخيرين و نفي الانصراف العرفي أشار بقوله‏

(و عدم قرينة اخرى ملازمة له و عليته فيما اذا استفيدت غير مقتضية له كما لا يخفى و مع كونها بنحو الانحصار و ان كانت مقتضية له إلا أنه لم يكن من مفهوم الوصف ضرورة ان العلة الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص المقام و هو مما لا اشكال فيه و لا كلام فلا وجه لجعله تفصيلا في محل النزاع و مورد النقض و الابرام)

و قد نسب هذا التفصيل الى العلامة قده‏

(و لا ينافي ذلك ما قيل من أن الاصل في القيد أن يكون احترازيا لان الاحترازية لا يوجب إلا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية مثل ما اذا كان هذا الضيق بلفظ واحد فلا فرق بين أن يقال جئني بانسان أو بحيوان ناطق كما أنه لا يلزم من حمل المطلق على المقيد فيما وجد شرائطه إلا ذلك)

أى التضييق‏

(من دون حاجة فيه الى دلالته على المفهوم فان من المعلوم ان قضية الحمل ليس إلا ان المراد بالمطلق هو المقيد و كأنه لا يكون في البين غيره بل ربما قيل انه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم فان ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الاطلاق كي يحمل عليه لو لم نقل بأنه الاقوى لكونه)

288

(بالمنطوق كما لا يخفى)

هكذا ينبغي ان يستدل على عدم الدلالة

(و اما الاستدلال على ذلك أى عدم الدلالة على المفهوم بأية ربائبكم اللاتي في حجوركم)

حيث ان الربائب مطلقة محرمة سواء كن في الحجور أم لا

(ففيه ان الاستعمال في غيره)

أى غير المفهوم‏

(أحيانا مع القرينة مما لا يكاد ينكر كما في الآية قطعا)

حيث ان الإجماع على عدم الفرق ثابت‏

(مع انه يعتبر في دلالته عليه عند القائل بالدلالة ان لا يكون واردا مورد الغالب كما في الآية)

حيث ان الاولاد و لا سيما البنات مع الامهات غالبا

(و وجه الاعتبار)

أى وجه اعتبار هذا القيد عند القائل بالدلالة

(واضح لعدم دلالته)

أى الوصف‏

(معه)

أى مع الغلبة

(على الاختصاص)

و الانحصار

(و بدونها)

أى بدون الدلالة على الاختصاص و الانحصار

(لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم فافهم)

حيث ان العرف لا يفهمون المفهوم في هذه الصورة، و وجهه أن المفهوم انما يكون فيما اذا كان محل القيد بحيث يصح أن يطرئه حالتا وجود الوصف و عدمه فيفهم من التعليق وجود الحكم حيث يوجد الوصف و انتفائه حيث ينتفي و اما اذا لم يكن كذلك بل كان أحد الحالين من لوازم محل القيد في الوجود الخارجي فلا يعقل فيه المفهوم بمعنى الانتفاء عند الانتفاء لعدم طروّ حالة الانتفاء حينئذ فكأن محل القيد الوارد مورد الغالب بملاحظة ان الندرة تنزل الافراد النادرة منزلة العدم منحصر في الافراد الغالبة فلا يطرئه إلا حالة واحدة و هي حالة وجود الوصف فلا مفهوم حينئذ فلا بد ان يكون القيد لفائدة اخرى غير المفهوم.

(تذنيب)

(لا يخفى)

ان الوصف اما مساو للموصوف أو أعم منه مطلقا أو أخص منه مطلقا أو يكون بينهما العموم من وجه فاعلم‏

(انه لا شبهة في جريان النزاع فيما اذا كان الوصف أخص من موصوفه و لو من وجه في مورد الافتراق من جانب الموصوف)

بأن وجد الموصوف بدون الصفة كقولنا اكرم الانسان العالم و قولنا اكرم الرجل العلامة بأن يقال هل لهما مفهوم و هو انه لا يجب اكرام الانسان الغير العالم و لا يجب اكرام الرجل الغير العلامة أم لا

(و اما في غيره)

كما اذا كان بينهما التساوى أو كان الوصف أعم مطلقا من موصوفه أو كان بينهما عموم من وجه و كان الافتراق من جانب الصفة بان كانت الصفة موجودة و الموصوف منتفيا

(ففي جريانه اشكال)

كما في جاءني الانسان الضاحك و رأيت الانسان الماشي و كاكرام المرأة العلامة في المثال الثاني المتقدم من قولنا اكرم الرجل العلامة

(أظهره عدم جريانه)

فان الوصف في الاولين لا يوجب تضييقا في الموصوف و في الثالث يكون التقييد بالوصف أجنبيا

289

عن الصفة الثابتة لغير الموصوف نعم المتكلم ما علق الحكم على غير الموصوف لا أنه حكم على غير الموصوف بحكم يخالف حكم الموصوف‏

(و ان كان يظهر مما عن بعض الشافعية حيث قال قولنا فى الغنم السائمة زكاة يدل على عدم الزكاة فى معلوفة الإبل جريانه فيه)

حيث انه اذا دل بالمفهوم على حكم صورة انتفاء الوصف و الموصوف أي معلوفة الإبل فدل بالمفهوم على حكم صورة انتفائهما فى المتساويين و العام و الخاص المطلقين أيضا

(و لعل وجهه)

أي وجه دلالته على عدم الزكاة فى المعلوفة من الإبل‏

(استفادة العلية المنحصرة منه)

أي من الوصف و هو منتف فى الابل المعلوفة فلا تجب الزكاة فيه‏

(و عليه)

أى على هذا الوجه و هو انحصار العلة

(فيجري)

النزاع‏

(فيما كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا أيضا فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه)

أي انتفاء الوصف المساوي أو الأعم‏

(فلا وجه فى التفصيل بينهما)

أي بين الوصف المساوي و الأعم مطلقا

(و بين ما اذا كان)

الوصف‏

(أخص من وجه)

من الموصوف‏

(فيما اذا كان الافتراق من جانب الوصف بأنه لا وجه للنزاع فيهما معللا بعدم الموضوع و استظهار جريانه من بعض الشافعية فيه)

أي فيما كان أخص من وجه كما فصل فى التقريرات هكذا و ذلك لأن جريان النزاع فيما اذا كان الافتراق من جانب الوصف و الموصوف معا على مذهب الشافعية مع كون الموضوع منتفيا فيه يقتضي جريانه فيهما أيضا و ليس لعدم الموضوع حينئذ دخل فى عدم الجريان و إلا لاطّرد و جرى فيه أيضا

(كما لا يخفى فتأمل)

و بالجملة اذا أمكن دلالة قوله فى الغنم السائمة زكاة على عدم الزكاة فى الابل المعلوفة لجاز دلالة جاءني الانسان الضاحك على انتفاء الحكم عن الفرس و البقر و لجاز دلالة رأيت الانسان الماشي على انتفاء الحكم عن الشجر و الجبل اللهم إلا أن يقال ان فى صورة العموم من وجه يوجد ذات يمكن ثبوت الوصف له و انتفائه عنه كالابل فى قولنا فى الغنم السائمة زكاة بخلاف صورتي التساوي و الوصف الأعم مطلقا من الموصوف حيث ان الفرس و البقر لا يصح ثبوت الوصف لهما كي ينتفي عنهما و كذا المشي عن الشجر و الجبل فى قولنا رأيت الانسان الماشي و إلا يلزم خلاف الفرض فتدبر حق التدبر.

(فصل هل الغاية فى القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية)

(هل الغاية فى القضية)

أي مدخول الأداة أعني الى، و حتى، و ليس المراد نهاية الشي‏ء المقول بالاشتراك على ما يبلغه الشي‏ء و لا يتجاوزه الى غيره و على ما ينقطع عنده الشي‏ء و يعبّر عن الأول بالمسافة و عن الثاني بما بعد المسافة و مثال الأول قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏، و مثال الثاني قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏، و اما مثل قولنا قرأت القرآن‏

290

الى سورة كذا فمحتمل لهما فلا بد فى تعيين المراد من القرينة فافهم‏

(يدل على ارتفاع الحكم مما بعد الغاية بناء على دخول الغاية فى المغيى أو عنها و ما بعدها بناء على خروجها أولا)

تدل‏

(فيه خلاف و قد نسب الى المشهور الدلالة على الارتفاع و الى جماعة منهم السيد و الشيخ عدم الدلالة عليه)

و المصنف ره قد فصل بين ما كانت الغاية قيدا للحكم فتدل على ارتفاع الحكم عما بعدها و بين ما اذا كانت قيدا للموضوع فلا تدل و صرح بذلك فى قوله‏

(و التحقيق انه اذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيدا للحكم كما فى قوله ع: كل شي‏ء حلال حتى تعرف انه حرام و كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر، كانت دالة على ارتفاعه عند حصولهما لانسباق ذلك منها)

كما لا يخفى‏

(و كونه)

أي الارتفاع‏

(قضية تقييده بها و إلا لما كانت ما جعل غاية له بغاية و هو واضح الى النهاية)

و بالجملة لو لم يكن حينئذ مفهوم لخرجت الغاية عن كونها غاية و آخرا الى كونها وسطا هذا خلف‏

(و اما اذا كانت بحسبها)

أى بحسب قواعد العربية

(قيدا للموضوع مثل سر من البصرة الى الكوفة فخالفها حال الوصف فى عدم الدلالة)

فانها قد اخذت حينئذ من قيود المفهوم الافرادى و من معينات موضوع الحكم و مشخصاته جي‏ء بها لتضييق دائرة الموضوع لا قيدا للجملة و المادة المنتسبة و تضييقا لدائرة الحكم فقضيتها حينئذ عدم الحكم إلا على موضوع معين لا الحكم بخلاف الحكم المذكور على غيره فلو كان له حكم من سنخ الحكم الثابت للمغيا لما كان منافيا للتقييد بالغاية كما ان وجوب اكرام زيد بعينه لا ينافى وجوبه لآلاف من غيره و الى هذا أشار بقوله‏

(و ان كان تحديده بها بملاحظة حكمه و تعلق الطلب به و قضيته ليس إلا عدم الحكم فيها إلا بالمغيا من دون دلالة لها أصلا على انتفاء سنخه عن غيره لعدم ثبوت وضع لذلك و عدم قرينة ملازمة لها و لو غالبا دلت على اختصاص الحكم به و فائدة التحديد بها كسائر أنحاء التقييد غير منحصرة بافادته كما مر فى الوصف)

هذا كله بالنسبة الى ما بعد الغاية أى فى دلالة القضية المشتملة على الغاية على المفهوم‏

(ثم ان فى الغاية خلافا آخر كما أشرنا اليه)

فى العنوان‏

(و هو انها هل‏

القى الصحيفة كي يخفف رحلها* * * و الزاد حتى نعله ألقاها

سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت‏* * * لهم فلا زال عنها الخير مجذوذا

(*) هي داخلة فى المغيى بحسب الحكم أو خارجة)

____________n}~n

(*) قال فى المغني فى كلمة حتى فى وجوه الفرق بين حتى و الى ما هذا لفظه: انها- أى كلمة حتى- اذا لم تكن معها قرينة تقتضي دخول ما بعدها كما فى قوله:

القى الصحيفة كي يخفف رحلها* * * و الزاد حتى نعله ألقاها

أو عدم دخوله كما فى قوله:

سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت‏* * * لهم فلا زال عنها الخير مجذوذا

حمل على الدخول و يحكم فى مثل ذلك لما بعد الى بعدم الدخول حملا على الغالب فى البابين انتهى محل الحاجة.

منه دام ظله‏

291

(عنه) و هذا بحث فى دلالتها المنطوقية (و الأظهر خروجها لكونها من حدوده فلا تكون محكومة بحكمه و دخوله فيه فى بعض الموارد إنما يكون بالقرينة) كما فى قرأت القرآن أو حفظته أو كتبته من أوله الى آخره‏ (و عليه تكون) الغاية (كما بعدها بالنسبة الى الخلاف الأول) فى انه يمكن أن تكون محكومة بسنخ حكم المغيّا أو بضده‏ (كما انه على القول الآخر) أى الدخول بحسب الحكم‏ (تكون محكومة بالحكم منطوقا) و ليس من باب المفهوم و البحث حينئذ فى الحقيقة عن حال الموضوع الذى حكم عليه فى الكلام من حيث كون مدخول الأداة جزء من الموضوع لأنه آخره فيشمله الحكم المغيّا، أو ليس بجزء له فلا يشمله و مرجعه الى تشخيص آخر الموضوع هل هو مدخول الأداة أو ما قبله و مبناه التردد بين كون المأخوذ فى وضع الأداة هل هو الانتهاء بمعنى البلوغ فيلزمه الدخول أو بمعنى الانقطاع فيلزمه الخروج و هذا كما ترى تحقيق فى الدلالة المنطوقية (ثم لا يخفى ان هذا الخلاف) الثاني‏ (لا يكاد يعقل جريانه فيما اذا كان قيدا للحكم فلا تغفل) و قد علله المصنف فى الهامش بما هذا لفظه: حيث ان المغيّى حينئذ نفس الحكم لا المحكوم به ليصح‏

(*)

أن ينازع فى دخول الغاية فى الحكم للمغيا أو خارجا عنه، نعم يعقل أن ينازع فى أن الظاهر هل هو انقطاع الحكم المغيى بحصول الغاية الاصطلاحي أى مدخول الى و حتى و استمراره فى تلك الحال لكن الأظهر هو انقطاعه فافهم و استقم انتهى. أقول: ان الفحص البالغ يقضي بأن من قال بالدلالة يريد من الغاية فى عنوان المسألة ما هو قيد للحكم حتى ان بعضهم صرح بأن مبنى الدلالة على مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها هو ذلك و من أنكر الدلالة يريد منها ما هو قيد موضوع الحكم حتى ان بعضهم صرح بأن متعلقات الفعل قيود لمدلول مادته و يرشد اليه أيضا ما قيل من أن مدلول الهيئة انما يرد على المادة بعد اعتبار قيودها و حيثياتها و لعل هذا أقرب الى الذهن بالنظر الى الانسباق العرفى و أوفق بالتركيب الكلامي و الاعتبار النحوى و لهذا لا تكون الغاية فى تراكيب الكلام إلا من جنس الموضوع و لا عامل له إلا الفعل فيكون من متعلقاته و ما فى عبارات القوم فى عنوان المسألة بتعليق الحكم أو تقييده بالغاية فيمكن توجيهه بأن تعليقه على الموضوع المقيد فى مغيا تعليقه بقيد ذلك الموضوع تبعا كما عرفت سابقا و بهذا يمكن أن يتصالح بين الفريقين و يرتفع النزاع من البين.

(فصل لا شبهة فى دلالة الاستثناء)

(على اختصاص الحكم سلبا أو ايجابا بالمستثنى منه و لا يعم)

____________n}~n

(*) حيث انه ليس للحكم حكم. منه دام ظله‏

292

(المستثنى) بل يدل على ثبوت نقيضه له‏ (و لذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتا و من الاثبات نفيا و ذلك للانسباق عند الاطلاق قطعا) و ذلك كاشف عن كون أدوات الاستثناء استثناء عن الجملة و قيدا لها لا للمفهوم الافرادى، نعم كلمة إلا الصفتية لما كانت قيدا للمفهوم الافرادى نظير سائر الأوصاف فلا تدل على الانتفاء عند الانتفاء (فلا يعبأ بما عن أبي حنيفة من عدم الافادة محتجا بمثل لا صلاة إلا بطهور) حيث انه مع وجود الطهور يمكن انتفاء الصلاة بفقد بعض الشرائط الآخر و يستفاد من بعض المحققين ان خلاف الحنفية انما هو فى أن الاستثناء من النفي إثبات و اما ان الاستثناء من الاثبات نفي فهم متفقون مع غيرهم فيه و كيف كان لا يعبأ بخلافهم‏ (ضرورة ضعف احتجاجه أولا بكون المراد من مثله) أى مثل هذا التركيب كقوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب و لا علم إلا بحياة (انه لا تكون الصلاة التي كانت واجدة لأجزائها و شرائطها المعتبرة فيها صلاة إلا اذا كانت واجدة للطهارة و بدونها لا تكون صلاة على وجه) و هو وجه كون ألفاظ العبادات موضوعة للصحيحة (و صلاة تامة مأمورا بها على) وجه‏ (آخر) و هو وجه كونها موضوعة للاعم، و ملخص هذا ان كلمة: لا، هنا ليست لنفي الماهية حتى يكون الاستثناء من الماهية المنفية إذ ليس سياق القول إخراج الطهور من الصلاة و إخراج الفاتحة منها و إخراج الحياة من العلم ليثبتا بثبوتهما بل سياق القول تعليق ما بعد إلا بمتعلق، على أن يكون اما ظرفا مستقرا صفة له فالتقدير لا صحة لصلاة إلا صحة مشروطة بطهور أو بفاتحة و لا تحقق للعلم إلا تحققا مقرونا بحياة أو لا صلاة إلا صلاة بطهور أو بفاتحة و لا علم إلا علما بحياة و اما ظرفا لغوا صلة له فمساق التقدير الى: لا صلاة إلا باشتراطها بطهور أو بفاتحة و لا علم إلا باقترانه بحياة فذلك المتعلق هو المستثنى، و المستثنى منه اما النكرة المنفية و اما مقدر تقديره بوجه من الوجوه و الاستثناء مفرغ على التقديرين و قد أجاب فى الهامش بجواب آخر مبني على نفي الامكان لا نفي الصحة و هذا لفظه: بل المراد من مثله فى المستثنى منه نفي الامكان و انه لا يكاد يكون بدون المستثنى و قضيته ليس إلا إمكان ثبوته معه لا ثبوته فعلا كما هو واضح لمن راجع أمثاله من القضايا العرفية انتهى‏ (و ثانيا بأن الاستعمال مع القرينة كما فى مثل التركيب مما علم فيه الحال) ان هنا شروطا أخر لا بد من تحصيلها فى تحقق الفعل‏ (لا دلالة له على مدعاه أصلا كما لا يخفى) و قد يوجه ما عن أبي حنيفة بأن الاستثناء قيد للموضوع و المفهوم الافرادى فيكون من المشخصات له فكأن المتكلم فى مثل جاءني القوم إلا زيدا أراد ان القوم الذى هو غير زيد قد ثبت له الحكم و ذلك لا ينافى ثبوت سنخ الحكم المذكور لغير هذا الموضوع، غاية الأمر ان المتكلم قد ضيق موضوع حكمه لمصلحة لاحظها فى مقام الحكم، نعم لو كان قيدا للحكم فلا وجه لانكاره لكن التبادر و فهم العرف‏

293

من خصوص هذا التركيب الاثبات بعد النفي و النفي بعد الاثبات يضعف هذا التوجيه و يطرد هذا التفصيل مضافا الى انه جار فى الاستثناء عن الاثبات فيلزم أن لا يكون نفيا و قد صح عنه وفاته على ذلك على ما صرح به بعض المحققين و احتج أيضا بأن بين الحكم بالنفي و الحكم بالاثبات واسطة و هي عدم الحكم فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي و لا بالاثبات و اجيب بالنقض بالاستثناء عن الاثبات حيث انه يلزم أن لا يكون نفيا لأجل ثبوت الواسطة و قد صح عنه وفاقه على ذلك فبطل الاحتجاج‏ (و منه) أى و من الجواب الثاني‏ (قد انقدح انه لا موقع للاستدلال على المدعى بقبول رسول اللّه ص إسلام من قال كلمة التوحيد) كما فى التقريرات حيث قال: و قبول رسول اللّه إسلام من قال لا إله إلا اللّه من أعدل الشواهد على ذلك و القول بأن ذلك للقرينة او انها تدل على التوحيد شرعا بمكان من السخافة انتهى محل الحاجة و ذلك‏ (لإمكان دعوى ان دلالتها على التوحيد كان لقرينة الحال أو المقال) فى ابتداء الاستعمال و صار لكثرة الاستعمال فى ذلك المعنى بالقرينة مشتهرا بحيث استغنت عن القرينة فلا بد من الدليل على إفادة التوحيد بالوضع فالاولى فى مقام الاستدلال هو ما ذكرناه‏ (و الاشكال فى دلالتها عليه بأن خبر لا، اما يقدر ممكن أو موجود و على كل تقدير لا دلالة لها عليه اما على الأول فانه حينئذ لا دلالة لها إلا على إثبات إمكان وجوده تبارك و تعالى لا وجوده و اما على الثاني فلأنها و إن دلت على وجوده تعالى إلا أنه لا دلالة لها على عدم إمكان إله آخر مندفع بأن المراد من الإله هو واجب الوجود) و يختار ان الخبر المقدر هو موجود (و نفي ثبوته و وجوده) أى ثبوت الإله و وجوده‏ (فى الخارج و إثبات فرد منه فيه و هو اللّه تعالى يدل بالملازمة البينة على امتناع تحققه) أى تحقق عنوان الإله‏ (فى ضمن غيره تبارك و تعالى ضرورة انه لو لم يكن ممتنعا لوجد) على سبيل البيت‏ (لكونه من أفراد الواجب) الوجود الذى ليس لوجوده حالة منتظرة و سبق استعداد و مادة، ثم ان هذا الجواب على تقدير لزوم الخبر و إلا فيمكن أن يقال انه لا حاجة هنا الى الخبر أصلا فان العدم المستفاد من كلمة لا فى المقام عدم محمولي بمعنى انتفاء الشي‏ء كما فى قولهم لا مال و لا أهل بمعنى انتفى المال و الأهل في مقابل الوجود المحمولي الذى هو بمعنى ثبوت الشي‏ء كقولك كان زيد أي وجد و الذى يحتاج الى الخبر هو كلمة لا بمعنى العدم الرابطي الذى هو مفاد سلب الشي‏ء عن الشي‏ء في مقابل الوجود الرابطي بمعنى كينونة شي‏ء شيئا ككان زيد قائما (ثم ان الظاهر ان دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى بالمفهوم و انه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي) صفة للخصوصية (دلت عليها الجملة الاستثنائية نعم لو كانت الدلالة في طرفه) أى المستثنى‏ (بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة كانت بالمنطوق كما هو ليس ببعيد) بل‏

294

قد يقال انه المتعين‏ (و ان كان تعيين ذلك) أى انه بالمفهوم أو المنطوق‏ (لا يكاد يفيد) و يثمر في مقام التعارض لأنه على أى التقديرين على حد سواء و لا رجحان و لا اقوائية لأحدهما على الآخر بل دلالته في المقام قوية جدا سواء كان بالمنطوق أو بالمفهوم.

(و مما يدل على الحصر و الاختصاص) كلمة (إنما، و ذلك لتصريح أهل اللغة بذلك) و هو العمدة (و تبادره منها قطعا عند أهل العرف و المحاورة و دعوى ان الانصاف انه لا سبيل لنا الى ذلك) أى افادتها الحصر (فان موارد استعمال هذه اللفظة مختلفة و لا يعلم بما هو مرادف لها في عرفنا حتى يستكشف منها ما هو المتبادر منها) كما في التقريرات‏ (غير مسموعة فان السبيل الى التبادر لا ينحصر بالانسباق في أذهاننا فان الانسباق الى أذهان أهل العرف أيضا سبيل) من السبل كما عرفت في بحث التبادر (و ربما يعد مما دل على الحصر كلمة بل الاضرابية) في النفي و ما في حكمه كالنهي لا في الايجاب قال ابن هشام في المغني في بحث بل ثم ان تقدمها أمر أو ايجاب كاضرب زيدا بل عمروا و قام زيد بل عمرو فهل تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشي‏ء و إثبات الحكم لما بعدها و ان تقدمها نفي أو نهي فهي لتقرير ما قبلها على حالته و جعل ضده لما بعدها نحو ما قام زيد بل عمرو و لا يقم زيد بل عمرو و أجاز المبرّد و عبد الوارث ان تكون ناقلة معنى النفي أو النهي الى ما بعدها و على قولهما فيصح ما زيد قائما بل قاعدا أو قاعد و يختلف المعنى انتهى‏ (و التحقيق ان الاضراب على انحاء منها ما كان لأجل ان المضرب عنه إنما أتى به غفلة أو سبقه به لسانه فيضرب بها عنه الى ما قصد بيانه فلا دلالة له على الحصر أصلا فكأنه أتى بالمضرب اليه ابتداء كما لا يخفى) و هذا هو مدلول كلمة بل في الايجاب على ما صرح به معظم النحاة (و منها ما كان) الأضراب‏ (لأجل التأكيد) و المبالغة (فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب اليه فلا دلالة له عليه أيضا) كقوله حبيبي قمر بل شمس.

(و منها ما كان في مقام الردع و إبطال ما اثبت أولا فيدل عليه و هو واضح) و هذا هو مدلول كلمة بل في السلب على ما صرح به معظم النحاة و لكن قيده المصنف في الهامش بما اذا كان المتكلم بصدد ارتفاعه بحسب الواقع و إثباته للمضرب اليه بحسبه و اما اذا لم يكن كذلك بل بصدد انه ارتدع عن الأخبار عنه و اخبر عن الشي‏ء الآخر بتقريب انه لما كان عالما بحال زيد و أراد الإخبار عنه لكنه نسي فأخبر عن عمرو و لم يكن عالما بحاله ثم ابطل ذلك الاخبار فأخبر عن حال زيد فحينئذ لا دلالة له على الحصر فان عدم الاخبار عنه لا يستلزم نفيه عنه في الواقع و لفظ ما علقه هو هذا اذا كان بصدد الردع عنه ثبوتا و اما اذا كان بصدده إثباتا كما اذا كان مثلا بصدد بيان انه إنما أثبته أولا بوجه لا يصح معه الأثبات اشتباها منه فلا دلالة على الحصر أيضا فتدبر جيدا انتهى.

295

(و مما يفيد الحصر على ما قيل تعريف المسند اليه باللام) نحو الانسان زيد و اسلم شي‏ء يقال في وجهه انما هو التبادر بمعنى ان هذا التركيب من حيث هو هذا التركيب يتبادر منه الحصر و عدم تجاوز المسند اليه عن المسند و لو ادعاء و ذلك يكشف عن الوضع الثانوى للمركب من دون ملاحظة تحليل اللفظ الى الداخل و المدخول و من دون ملاحظة الحمل كما يظهر من كتب القوم و مسطوراتهم و كأن المصنف نظره الى ما هو في كتبهم حيث قال‏ (و التحقيق انه لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام لأن الأصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس كما ان الأصل في الحمل في القضايا المتعارفة هو الحمل المتعارف الذى ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود فانه الشائع فيها لا الحمل الذاتي الذى ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم كما لا يخفى و حمل شي‏ء على جنس و ماهيّة كذلك) اى حملا متعارفا (لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به و حصرها عليه، نعم لو قامت قرينة على ان اللام للاستغراق او ان مدخوله اخذ بنحو الارسال و الاطلاق) بالنسبة الى الأفراد، و بعبارة اخرى اذا قامت قرينة على ان اللام للجنس‏ (او على ان الحمل عليه كان ذاتيا لافيد حصر مدخوله على محموله و اختصاصه به) و بالجملة يظهر من كلامه المناقشة في المدعى من جهة الوضع الافرادى و من جهة الحمل اللتين قد استدل بهما في كتب القوم‏ (و قد انقدح بذلك الخلل في كثير من كلمات الأعلام في المقام و ما وقع منهم من النقض و الابرام و لا نطيل بذكرها فانه بلا طائل كما يظهر للمتأمل فتأمل جيدا) ثم اعلم ان الحصر من اى طريق حصل اما حصر الموصوف على الصفة و اما بالعكس و كل منها منقسم الى الحقيقي و الاضافي و التحقيقي و الادعائي و ما على الحقيقة و ما على المبالغة و كل منها اما قصر قلب و اما قصر افراد و اما قصر تعيين فقولنا ما زيد إلا عالم ليس حصرا حقيقيا تحقيقيا على الحقيقة بمعنى انه لا حيثية له في نفس الأمر سوى العلم و انما يصح اضافيا ردا على من يزعم انه جاهل فيكون قصر قلب او يردده بين العلم و الجهل فيكون قصر تعيين او يعتقده عالما و شاعرا مثلا فأنت تثبت العلم و تنفي غيره مما يظنه مخاطبك فيكون قصر إفراد او حقيقيا ادعائيا بجعل سائر الصفات بمنزلة العدم فيدعى انه لا صفة له غير العلم او تحقيقيا لا على الحقيقة بل على طريق المبالغة كأنك تقول انه من كمال علمه كان نفس حقيقته و جميع صفاته العلم فكأنه عين مجرد العلم و كذلك لا صلاة إلا بطهور لا يفيد الحصر إلا بالاضافة الى عدم الطهور ردا على من توهم ان الصلاة صحيحة عند استجماع سائر الشروط فيها غير الطهور او ادعائي تنزيلا لسائر الشروط منزلة العدم بالنسبة الى الطهور او للمبالغة في افتقار الصلاة الى الطهور فكأنها من كمال الافتقار الى الطهور لا مجال لها لأن يفتقر الى غيره كما في قولهم لا قضاء إلا بالعلم و الورع يعنى ان الشرط الأعظم في القضاء هو العلم و الورع كأنه لا يفتقر إلا اليهما اما لأنهما اقوى الشرط

296

أو لأنه من شدة الاحتياج اليهما لا مجال له لأن يفتقر الى غيرهما فلا يرد الاشكال بأن الاستثناء المفرغ من المنفي الأعم مقتضاه نفي جميع الصفات غير الصفة المثبتة أو جميع الوجوه غير الوجه المثبت بالاستثناء فيلزم فى مثل ما زيد إلا عالم و لا صلاة إلا بطهور نفي ما عدا العلم من الصفات عن زيد و ما عدا الاقتران بالطهور من الوجوه عن كل صلاة و لازمه أن لا يكون زيد انسانا و لا جوهرا و لا حيا و لا شيئا مما عدا العلم و لا الصلاة صلاة من وجه آخر من الوجوه المعتبرة فيها أصلا اذا حصلت مع الطهور و اللّه العالم.

(فصل لا دلالة للقب و لا للعدد على المفهوم)

(لا دلالة للقب) الذي هو عبارة عما اخذ فى الكلام ركنا أو غيره غير الشرط و الوصف كالفاعل و المبتدأ و الخبر و المفعول و نحو ذلك‏ (و لا للعدد على المفهوم، و انتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما أصلا) لعدم الوضع و لا القرينة العامة (و قد عرفت ان انتفاء شخصه) أي شخص الحكم عن غير موضعه‏ (ليس بمفهوم) بل المفهوم هو حكم مخالف لحكم المنطوق و الفرق بين عدم الحكم و الحكم بالعدم ظاهر (كما ان قضية التقييد بالعدد منطوقا عدم جواز الاقتصار على ما دونه لأنه) أي لأن ما دونه‏ (ليس بذاك الخاص و المقيد و اما الزيادة فكالنقيصة اذا كان التقييد به للتحديد بالاضافة الى كلا طرفيه) كتسبيح الزهراء سلام اللّه عليها و صلاة جعفر (عليه السلام)‏ (نعم لو كان لمجرد التحديد بالنظر الى طرفه الأقل لما كان فى الزيادة ضير أصلا) كأيام الاقامة و فراسخ المسافة و أيام الحيض فى طرف قلته‏ (بل ربما كان فيها فضيلة و زيادة) اذا كانت من المستحبات كذكر الركوع و السجود و الصلاة على محمد و آله (عليهم السلام) الف مرة يوم الجمعة كما انه لو كان لمجرد التحديد من جانب الكثرة لما كان فى القلة ضير أصلا كما فى تحديد الحيض من طرف الكثرة بعشرة أيام‏ (و كيف كان فليس عدم الإجزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم بل انما يكون لأجل عدم الموافقة مع ما اخذ فى المنطوق) متعلقا للحكم‏ (كما هو معلوم) فلا يعقل تعلق الأمر به و أين ذلك من المفهوم.

297

(المقصد الرابع في العام و الخاص)

(فصل قد عرف العام بتعاريف)

منها ما عن أبي الحسين البصري و هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، و منها ما عن الغزالي و هو اللفظ

(*)

الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا و منها ما دل على‏

(**)

مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا جزئية أي دفعة لا بدلا كما فى المنكر، و منها ما عن المحقق فى المعارج من انه اللفظ الدال على اثنين فصاعدا من غير حصر، و منها ما ذكره العلامة ره فى النهاية من انه اللفظ

(***)

الواحد المتبادل بالفعل لما هو صالح له بالقوة مع تعدد موارده، و منها ما عن البهائى من انه اللفظ الموضوع لاستغراق أجزائه أو جزئياته‏ (و قد وقع‏

(****)

من الأعلام فيها النقض بعدم الإطراد تارة و الانعكاس اخرى بما لا يليق)

____________n}~n

(*) تقييد اللفظ بالواحد لإخراج المركبات كزيد قائم فى الدار الدالة على معاني مفرداتها و بالدال من جهة واحدة لإخراج المشتركات حيث ان دلالته على المعنيين أو المعاني من جهة وضعين أو أوضاع، و بقوله على شيئين فصاعدا لإخراج سائر الألفاظ المفردة ما عدا العمومات‏

(**) قوله: ما دل على مسميات اه. فقوله مسميات لاخراج المفردات التي لا عموم لها و كذا المثنى بملاحظة دلالته على التثنية، و اما بالنظر الى افراد التثنية فبالقيد الأخير كما ستعلم و قوله: باعتبار أمر اشتركت فيه، لاخراج أسماء العدد لعدم اشتراك أجزاء العشرة مثلا فى المسمى بعشرة. و بقوله: مطلقا، المعهود المتعدد فان دلالته على المسميات باعتبار الجامع ليست مطلقة بل مقيدة بالمعهودية. و بقوله: جزئية، خرجت النكرة و كذا المثنى بالنسبة الى دلالته الى أحد الاثنين.

(***) هذا القيد لاخراج الجملة. و قوله: المتبادل بالفعل، لاخراج النكرة لعدم تناولها فعلا لجميع الآحاد و ان كانت صالحة لها بالقوة. و قوله: مع تعدد موارده، لاخراج الأعلام الشخصية و الكليات المنحصرة فى فرد.

(****) قوله: و قد وقع من الأعلام، حيث أورد على التعريف الأول بخروج جملة من العمومات من الحد كالنكرة فى سياق النفي و الجمع المحلى باللام و غيرهما مما يستفاد منه العموم بالقرينة و لو بمقدمات الحكمة ان كان الاستغراق وصفا فانه لم يوضع شي‏ء مما كان من هذا القبيل للعموم، و اما اذا اريد مجرد الاستغراق و لو بالقرينة كدليل الحكمة و ترك الاستفصال-

298

(المقام) أي بمقام المبادي التصورية لعلم الاصول الذي هو مقام تعاريف الموضوعات و اجزائها ان كانت الموضوعات مركبة و جزائياتها و أعراضها المثبتة لتلك الموضوعات‏ (فانها تعاريف لفظية يقع فى جواب السؤال عنه) أي عن العام‏ (بالماء الشارحة) الاسمية يقصد بها شرح الاسم و تبيين المفهوم سواء كان للمشروح وجود فى الخارج أم لا كقولنا ما العنقاء و ما اجتماع النقيضين و كان الغرض تبيين المعنى و المفهوم‏ (لا واقعة فى جواب السؤال عنه بالماء الحقيقية) التي يطلب بها تعقل ماهيّة النفس الامرية بعد التصديق بوجودها و لذا يقال التعريف للماهية و بالماهية و الاطراد أو الانعكاس من شرائط التعاريف الحقيقية لا اللفظية حيث انهم صرحوا بجواز كونها أعم من المعرف كقولنا نبت فى جواب ما سعدانه‏ (كيف) و لو كان التعريف الحقيقي لكان عدم تعريفه بهذه التعاريف اليق‏ (و كان المعنى المركوز منه فى الأذهان أوضح مما عرف به مفهوما و مصداقا و لذا يجعل صدق ذلك المعنى على فرد و عدم صدقه المقياس فى الاشكال عليها بعدم الاطراد او الانعكاس بلا ريب فيه و لا شبهة تعتريه من أحد و التعريف) الحقيقي‏ (لا بد و أن يكون بالأجلى كما هو اوضح من أن يخفى) ضرورة عدم جواز التعريف بالأخفى او المساوي ظهورا و خفاء (فالظاهر ان الغرض من تعريفه انما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعا بين ما لا شبهة فى انها أفراد العام ليشار به) أي بذاك المفهوم‏ (اليه فى المقام لاثبات ما له من الأحكام) حيث ان التصديق بثبوت حكم لشي‏ء بدون تصوره بوجه ما ممتنع‏ (لا بيان ما هو حقيقته و مهيته لعدم تعلق غرض به بعد وضوح ما هو محل الكلام بحسب) تعلق‏ (الأحكام من أفراده و مصاديقه حيث) ان الأحكام انما تتعلق بها من حيث تحققها فى ضمن‏

____________n}~n

- و وقوع النكرة بعد النفي او النهي و نحو ذلك لزم اندراج المطلقات تحت العام، و أورد على التعريف الثاني بخروج الجمع المضاف و الموصول بل الجمع المحلى إذ ليس شي‏ء منها لفظا واحدا و بدخول المثنى و المجموع و أسماء العدد و العمومات المخصصة مع انها ليست بداخل فى المحدود و أورد على الثالث بأنه ان اريد بالأمر المشترك هو الكلي الصادق على الجزئيات لزم خروج الجمع المحلى أو المضاف عن الحد لعدم صدقه على الآحاد و ان اريد الأعم من ذلك و من صدق الكل على أجزائه لا ندرج فيه الجمع المنكر و أسماء العدد مضافا الى ما في الحد من الخفاء الغير اللائق بمقام الحدود، و أورد على الرابع بدخول الجمع المنكر و لفظ الكثير و نظائره و بالعام المخصوص، و على الخامس بخروج الجمع المحلى ان اريد بالموارد الجزئيات و اما ان اريد الأعم منه و من الأجزاء دخل أسماء العدد، و على السادس بخروج العمومات التي تقييد العموم بالقرينة و بدخول العام المخصوص و العام المستعمل فى غير العموم للمبالغة.

منه دام ظله‏

299

مصاديقها (و لا يكون) هو (بمفهوم العام محلا لحكم من الأحكام ثم) انهم ذكروا للعموم أقساما ثلاثة: الأول العموم الاستغراقي و هو ما يكون الحكم فيه متعلقا بكل فرد فرد على حدة فيكون التكليف متعددا حسب تعدد الأفراد من دون ارتباط له فى البعض به فى البعض الآخر و يحصل امتثال كل بأداء مورده و لا يضر به ترك أداء غيره نحو اكرم كل عالم أو العلماء و ان الانسان لفي خسر من غير فرق بين أن تكون القضية حقيقية أو خارجية، غاية الفرق ان الحكم فى الاولى على الطبيعة التي أخذت مرآة للافراد المحققة الوجود و المقدرة الوجود و فى الثانية على الطبيعة التي أخذت مرآة للافراد المحققة الوجود فى الخارج بالفعل من غير فرق فيهما بين أن تكون الطبيعة التي أخذت مرآة للافراد طبيعة جنسية أو نوعية أو صنفية كما هو المقرر فى علم الميزان، و دعوى ان الحكم فى الحقيقة على الطبيعة السارية على ما فى الخارج و فى الخارجية على نفس الأفراد من دون دخل توسط عنوان فى ذلك فشطط من الكلام فان ملاك اعتبار الطبيعة و هو عدم انتهاء الأفراد و الغير المتناهي لا يمكن أن يحاط به فى مقام الحكم الذي زمانه متناه مشترك بينهما و عند كون الموضوع طبيعة جنسية يمكن أن يكون التخصيص العارض لها تخصيصا أنواعيا فى القضية الخارجية، فدعوى انحصار تخصيصها بالتخصيص الافرادي أيضا دعوى بلا دليل، الثاني العموم المجموعي و هو ما يكون الحكم فيه ثابتا لمجموع الافراد من حيث هو مجموع فيكون التكليف واحدا لوحدة مورده من دون أن يكون كل واحد بنفسه موردا له فلا يحصل‏

(*)

امتثاله إلا بأداء الجميع و ترك واحد منها يضر بالامتثال كقول المولى مشيرا الى عشرة رجال ارفعوا هذا الحجر اذا كان ثقله بمقدار لا يمكن رفعه إلا بعشرة رجال، الثالث العموم البدلي و هو أن يكون جميع الجزئيات المندرجة تحت العام مرادا على وجه يناط الحكم بواحد منها على البدل نحو جئني برجل أو جاء رجل و عدّ هذا القسم من العموم فيه مسامحة إذ البدلية تنافى العموم فان متعلق الحكم فى الواقع ليس فرد واحد فقط، نعم البدلية عامة فالعموم فى البدلية لا فى الحكم و الدال على هذا القسم هو إطلاق المتعلق غالبا (و الظاهر ان ما ذكر له من الأقسام من الاستغراقي و المجموعي و البدلي انما هو باختلاف كيفية تعلق الأحكام به) كما عرفت تفصيله‏ (و إلا فالعموم فى الجميع بمعنى واحد و هو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه) و هذا المعنى موجود فى الثلاثة من دون تفاوت فيه نفسه‏

____________n}~n

(*) هذا اذا كان الحكم ايجابيا و اما اذا كان تحريميا فيمكن أن يكون المطلوب هو مجموع التروك فلو أخل بواحد منها عصى و يمكن أن يكون ترك المجموع فحينئذ يتحقق الامتثال بترك فرد واحد من الأفراد فلا بد فى تعيين أحدهما من التماس دليل من الخارج. منه دام ظله‏

300

(غاية الأمر ان تعلق الحكم به تارة بنحو يكون كل فرد موضوعا على حدة للحكم و اخرى بنحو يكون الجميع موضوعا واحدا بحيث لو أخل باكرام واحد فى اكرم كل فقيه مثلا لما امتثل أصلا بخلاف الصورة الاولى فانه أطاع و عصى و ثالثه بنحو يكون كل واحد موضوعا على البدل بحيث لو اكرم واحدا منهم لقد أطاع و امتثل كما يظهر لمن أمعن النظر و تأمل)

و قد ذكر فى الهامش سؤالا و جوابا هذا لفظه، ان قلت كيف ذلك و لكل واحد منها لفظ غير ما للآخر مثل أي رجل للبدلي و كل رجل للاستغراقي، قلت نعم و لكنه لا يقتضي أن يكون هذه الأقسام له لا بملاحظة اختلاف كيفية تعلق الأحكام لعدم إمكان تطرق هذه الأقسام إلا بهذه الملاحظة فتأمل جيدا، و حاصل الجواب عدم المضايقة عن كون لفظ خاص موضوعا للعموم الاستيعابي و لفظ آخر للبدلي مطلقا و انما نضايق عن هذا اذا قطع النظر عن كيفية تعلق الحكم فالاختلاف بحسب الوضع انما نشأ من لحاظ الواضع اختلاف تعلق الأحكام‏

(و قد انقدح ان مثل شمول عشرة و غيرها كالعقود الأخر لآحادها المندرجة تحتها ليس من العموم لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها فافهم)

إذ ليس كل الآحاد ملحوظا فيها و انما الملحوظ هناك هو المجموع بما هو مجموع ففي العام المجموعي يكون كل واحد من الآحاد ملحوظا بلحاظ إجمالي إلا أن الحكم منوط بالمجموع و فى الاعداد لم يلاحظ إلا الكل بما هو كل كما انه قد انقدح ان مثل شمول المطلقات لآحادها المندرجة تحتها ليس من العموم الذي كلامنا فيه فان العام المبحوث عنه هو ما كان بدلالته اللفظية دالا على العموم و العموم فى المطلقات انما يستفاد من تعليق الحكم على الطبيعة بمعونة مقدمات الحكمة.

(فصل لا شبهة فى أن للعموم صيغة تخصه لغة و شرعا)

بمعنى إمضاء الشارع و عدم تصرفه فيه فى مقام إثبات الأحكام للعمومات اللغوية

(كالخصوص)

فى انه لا شبهة فى ان له صيغة تخصه‏

(كما)

انه لا شبهة فى‏

(انه يكون ما يشترك بينهما)

كالنكرة فى سياق الاثبات و النفي و كالمحلى بلام الجنس المطلق على العهد الذهني و الاستغراقي‏

(ضرورة ان لفظ كل و ما يرادفه فى أي لغة كان يخصه)

أي العموم‏

(و لا يخص الخصوص و لا يعمه)

أي الخصوص‏

(و لا ينافى اختصاصه به)

أي بالعموم‏

(استعماله فى الخصوص عناية بادعاء انه العموم)

على نحو الاستعارة بالكناية عند السكاكي‏

(أو)

مجازا

(بعلاقة العموم و الخصوص)

كما هو الحال فى سائر الألفاظ المجازية

(و معه)

أي مع القطع و عدم الاشتباه فى ذلك‏

(لا يصغى الى)

الانكار

(ذلك)

و ادعاء انه للخصوص بخصوصه مستدلا

(بأن إرادة الخصوص متيقنة و لو فى ضمنه)