شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
301

أي ضمن‏

(العموم بخلافه)

أي بخلاف العموم فانه مشكوك إرادته‏

(و جعل اللفظ حقيقة فى المتيقن اولى)

من جعله حقيقة فى المشكوك و لا يصغى ايضا

(الى ان التخصيص قد اشتهر و شاع حتى قيل ما من عام إلا و قد خص و الظاهر يقتضي كونه حقيقة لما هو الغالب تقليلا للمجاز)

و ذلك لأن الاستدلالين المذكورين فى مقابل القطع بكون لفظ كل: مختصا بالعموم نظير الشبهة فى مقابل الحس فلا يعبأ بهما

(مع)

ما فى الاستدلال الأول من الوهن بلحاظ

(ان تيقن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع له مع كون العموم كثيرا ما يراد)

بداهة ان تيقن الارادة بالمعنى الدائر بين احتمال كونه في ضمن المراد و بين احتمال كونه مرادا بالخصوص ليس لازما لوضع اللفظ للخصوص بالخصوص ليكون كاشفا عن المعنى الحقيقي مميزا له عن المعنى المجازي بل لازم للمعنى الأعم المشترك المردد بين الحقيقي و المجازى و معلوم ان مثل هذا لا ينفع في مقصود الخصم مضافا الى ما قد يقال انه كيف يكون الخصوص متيقن الارادة مع انه عبارة عما هو دون مرتبة العام و هو ذا مراتب متعددة حتى يصل الى الواحد و لو قلت المرتبة الخاصة و هي التي لا يمكن الاخراج منها كالواحد هو المتيقن، قلنا لا وجه لارادة هذا التخصيص بعد إنكار المعنى العام فانه بلا مخصص اللهم إلا ان يدعى الوضع لخصوص الواحد و هو كما ترى‏

(و)

مع ما في الاستدلال الثاني من ان‏

(اشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز لعدم الملازمة بين التخصيص و المجازية)

لا في المخصص المتصل و لا في المنفصل‏

(كما يأتي توضيحه و لو سلم)

الملازمة

(فلا محذور فيه اصلا اذا كان بالقرينة كما لا يخفى)

مضافا الى ما قد يقال ان المثل السائر غير مسوق لما هو مدعى الخصم فان اقصى ما يدل عليه المثل هو ان الغالب في ألفاظ العموم وقوع التخصيص عليها و هو يوجب استعماله في مورد التخصيص في الخصوص و هذا لا يلزم كون كل واحد مما وقع عليه التخصيص غالب الاستعمال في الخصوص و لا ينافي غلبة استعماله في العموم و الدليل لا يتم إلا على تقدير ثبوت غلبة استعمال كل ما وقع عليه التخصيص في الخصوص.

(فصل ربما عدّ من الألفاظ الدالة على العموم النكرة في سياق النفي او النهي)

(و دلالتها عليه لا ينبغي ان ينكر عقلا لضرورة انه لا يكون طبيعة معدومة إلا اذا لم يكن فرد منها بموجود و إلا كانت موجودة)

ضرورة تحقق الطبيعة بتحقق فرد واحد

(لكن لا يخفى انها تفيده اذا اخذت مرسلة لا مبهمة قابلة للتقييد)

و قد اشار في هامش الكتاب الى علة هذا التقييد و الى طريق إحراز الارسال بما هذا لفظه و إحراز الارسال فيما اطلقت انما هو بمقدمات الحكمة

302

فلولاها كانت مهملة و هي ليست إلا بحكم الجزئية فلا يفيد إلا نفي هذه الطبيعة فى الجملة و لو فى ضمن صنف منها فافهم فانه لا يخلو عن دقة انتهى‏

(و إلا)

أى و ان لم تؤخذ مرسلة بل أخذت مبهمة

(فسلبها لا يقتضي إلا استيعاب السلب لما اريد منها يقينا لا استيعاب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها و هذا)

أى استيعاب السلب خصوص ما اريد منها يقينا

(لا ينافى كون دلالتها)

أى النكرة فى سياق النفي أو النهي‏

(عليه)

أى على العموم‏

(عقلية فانها)

أى الدلالة العقلية على العموم‏

(بالاضافة الى افراد ما يراد منها لا الأفراد التي يصلح)

اللفظ

(لانطباقها عليها)

بل حال الافراد الغير المرادة حال افراد غير تلك الطبيعة فى عدم الشمول تخصصا

(كما لا ينافى دلالة مثل لفظ كل على العموم وضعا كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله و لذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة)

كقوله تعالى: كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ و كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ

(نعم لا يبعد أن يكون)

النكرة المنفية أو المنهية

(ظاهرة عند إطلاقها فى استيعاب جميع افرادها)

فيكون هذا الظهور رافعا لاحتمال التقييد و سيأتي فى بحث المطلق و المقيد توضيح ذلك‏

(و هذا هو الحال فى المحلى باللام جمعا كان أو مفردا بناء على افادته للعموم)

يعني انه بناء على العموم يفيد عموم افراد ما يراد منه لا الأفراد التي يصلح لانطباقه عليها

(و لذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف و غيره و إطلاق التخصيص على تقييده)

مع كونه تخصصا على ما عرفت‏

(ليس إلا من قبيل ضيق فم الركية)

اذا قاله قبل فتحه‏

(لكن دلالته على العموم وضعا محل منع بل انما يفيده اذا اقتضته قرينة الحكمة)

كما فى قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏، و قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ‏

(أو قرينة اخرى)

كترك الاستفصال و الاستثناء و نحوهما

(و ذلك لعدم اقتضائه وضع اللام)

لأنها للاشارة الى تعيين مدخولها

(و لا مدخوله)

لأنه موضوع للطبيعة

(و لا ثبت وضع آخر للمركب منهما)

أى اللام و مدخولها

(كما لا يخفى)

و ان كان قد يدعى ظهور الاتفاق فى كون الجمع المحلى للعموم‏

(و ربما يأتي في المطلق و المقيد بعض الكلام مما يناسب المقام)

تتمة الأصل عند الشك فى كون العموم استيعابيا أو مجموعيا هو العموم الاستيعابي فان المجموعي يفتقر الى مئونة زائدة و هي ملاحظة الكثير أمرا واحدا كي يحكم عليه بحكم واحد و الأصل عدمه، فان قلت الظاهر من العموم سواء كان مدلول الاسم أو الأداة أو مستفادا من السياق هو العموم المجموعي فان لفظ كل الذى وقع موضوعا للحكم لا يصدق إلا على المجموع دون كل فرد فرد و كذلك الجمع المحلى فان الجمع لا يصدق على كل فرد فرد و كذا النكرة فى سياق النفي أو النهي حيث ان القضية حينئذ سالبة كلية و هي نقيض للموجبة الجزئية فيدل على ثبوت الحكم للمجموع. قلت اما كلمة كل قد أخذت فى الموضوع مرآة لملاحظة الافراد و بيانا لسراية الحكم من الطبيعة الى‏

303

كل واحد واحد، نعم قد يستعمل فى الاستيعاب المجموعي لكن بعناية زائدة قد علمتها، و اما الجمع المعرف فافادته للعموم ليس بلحاظ كون مدخول الأداة جمعا و إلا فقد علمت ان وضع الجمع لا يقتضي الاستيعاب لكونه موضوعا لطبيعة الجمع بل لما ذكرنا أخيرا من انه قد يدعى ظهور الاتفاق فى كون الجمع المحلى للعموم و ذلك يكشف عن ان الأداة و هيئته كلاهما وردا على المادة فى عرض واحد فيكون التعميم بالاضافة الى كل فرد فرد فافادته للعموم المجموعي يحتاج الى تلك العناية الزائدة و لو ثبت ان الاداة قد دخلت على الجمع بحيث يكون الجمعية سابقة بحسب المرتبة على دخول الاداة لما كان له دلالة على الاستيعاب أصلا و اما النكرة المذكورة فكونها قضية سالبة كلية مسلمة إلا ان السلب فيها أيضا متعلق بكل فرد فرد عقلا و انتفاء الحكم عن المجموع انما هو لازم انتفائه عن الجميع لا انه بنفسه مدلول الكلام.

(فصل لا شبهة فى ان العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقى)

(مما علم عدم دخوله فى المخصص مطلقا و لو كان متصلا و ما احتمل دخوله فيه أيضا اذا كان منفصلا كما هو المشهور بين الاصحاب بل لا ينسب الخلاف إلا الى بعض أهل الخلاف و ربما فصل بين المخصص المتصل فقيل بحجيته فيه)

أى فى الباقي‏

(و بين المنفصل فقيل بعدم حجيته فيه و احتج النافي)

مطلقا

(بالاجمال لتعدد المجازات حسب تعدد مراتب الخصوصيات و تعين الباقي من بينها بلا معين ترجيح بلا مرجح و التحقيق في الجواب أن يقال انه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازا اما فى التخصيص بالمتصل فلما عرفت من انه لا تخصيص أصلا و ان أدوات العموم قد استعملت فيه)

أى فى العموم‏

(و ان كان دائرته سعة و ضيقا تختلف باختلاف ذوى الأدوات فلفظة كل فى مثل كل رجل و كل رجل عالم قد استعملت فى العموم)

الذى هو الموضوع له‏

(و ان كان أفراد أحدهما)

أى المثال الثاني‏

(بالاضافة الى الآخر)

أى المثال الأول‏

(بل فى نفسها فى غاية القلة)

ففي الحقيقة ما خصص العام فى المتصل بل يكون متخصصا و إطلاق المخصص على المتصل انما يكون من قبيل ضيق فم الركية لا ان العام لوحظ أولا بصفة العراء عن كل القيود ثم خصص و ضيق فافهم‏

(و اما فى المنفصل فلأن إرادة الخصوص واقعا لا يستلزم استعماله)

أى العام في المخصص المنفصل‏

(فيه)

أى في الخصوص‏

(و كون الخاص قرينة عليه)

حتى يكون مجازا كما هو مقتضى ظاهر كلمات الأصحاب‏

(بل من الممكن قطعا استعماله معه في العموم قاعدة)

مؤسسة لمقام الشك حتى يتمسك بها فيه‏

(و كون الخاص مانعا عن حجية ظهوره تحكيما للنص أو الأظهر على الظاهر لا)

ان الخاص يكون‏

(مصادما)

304

(لأصل ظهوره و معه)

أى مع هذا الاحتمال‏

(لا مجال للمصير الى انه قد استعمل فيه)

أى في الخصوص‏

(مجازا كي يلزم الاجمال)

حاصله ان العام المخصص بالمنفصل و ان لم يرد منه العموم بالارادة الجدية لكنه مراد بالارادة الاستعمالية و الميزان في كون اللفظ حقيقة في معنى أو مجازا فيه هو الارادة الاستعمالية دون الجدية فارادة الخصوص من لفظ العموم بالارادة الجدية النفس الأمرية بتوسط القرائن لا تستلزم استعمال اللفظ فيه كي يلزم المجاز و لا ينافي استعمال اللفظ بحسب الارادة الاستعمالية في العموم و ظهوره فيه و برفع اليد عن حجيته في مورد الخاص لوجود حجة أقوى فلا مجاز و لا إجمال، و توهم لغوية استعمال اللفظ في المعنى الذى لا يراد واقعا مدفوع بعدم انحصار الداعي في الاستعمال في كون المستعمل فيه مراد بالارادة الواقعية بل يمكن أن يكون بدواع كثيرة أخر و قد علمت ذلك في بحث الأوامر في موارد الأوامر الامتحانية و الاعتذارية و كما في الكنايات حيث انها على التحقيق استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له لينتقل منه الى لازمه كما في زيد طويل النجاد المراد به طول قامة انسان لا يكون له سيف و لا نجاد و من تلك الدواعي ضرب القاعدة و تبين الحجة للعبد في مقام الشك بحسب العرف و العادة فان العرف عند الشك في كون فرد من الأفراد محكوما بحكم العام يتمسك بحكم العام، و مما ذكرنا ظهر لك فساد الاشكال على الدليل المذكور بأن المراد من الارادة الاستعمالية ان كان إرادة اتحاد المعنى للبسيط العقلائي باللفظ بحيث كان اللفظ و الارادة مغفولين حين الاستعمال فهذه بعينها هي الارادة الجدية لعدم تقوّم الاستعمال إلا بذلك و ان اريد منها الارادة الهزلية المقابلة للجدية المنفكة عن إرادة ايجاد المعنى باللفظ حين الاستعمال فلا نتعقل لها معنى معقولا و ذلك لما علمت من ان المراد هو الشق الاول إلا انه لا نسلم انها عين الارادة الجديدة نعم الارادة الجدية قد يكون داعيا على الارادة الاستعمالية و قد يكون الداعي على الارادة الاستعمالية امور أخر غير الجد و الحقيقة حتى ان الهزل و التمسخر قد يكون داعيا الى ذلك كما اذا قال بعت دارى و قصد بذلك ايجاد معنى البيع لكن بداعي الهزل لا بداعي الجد.

(لا يقال)

ان‏

(هذا)

الذى ذكرت من تحكيم الخاص على العام‏

(مجرد احتمال لا يرتفع به الاجمال لاحتمال الاستعمال في خصوص مرتبة من مراتبه)

.

(فانه يقال مجرد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره في العموم و الثابت من مزاحمته بالخاص انما هو بحسب الحجية تحكيما لما هو الاقوى كما أشرنا اليه آنفا، و بالجملة الفرق بين المتصل و المنفصل و ان كان بعدم انعقاد الظهور في الاول إلا في الخصوص و في الثاني إلا في العموم إلا انه لا وجه لتوهم استعماله مجازا في واحد منهما أصلا و انما اللازم)

هو

(الالتزام بحجية الظهور في الخصوص في الاول و عدم حجية ظهوره في خصوص ما كان)

305

(الخاص حجة فيه فى الثاني فتفطن و قد اجيب عن الاحتجاج بأن الباقي أقرب المجازات)

فاذا تعذرت الحقيقة و تعددت المجازات فأقربها متعين‏

(و فيه انه لا اعتبار فى الأقربية بحسب المقدار)

و ليس مرادهم من الأقربية هذا

(و انما المدار على الأقربية بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال)

بحيث يكون سببا للظهور عند العرف، و قد يقال ان غرض المجيب هو هذا أيضا إلا أنه جعل الأقربية بحسب المقدار علة للأقربية ذهنا من اللفظ فهو مرجح لميّ لكنه كما ترى لأن تمام المناط فى هذا الظهور و الأقربية هو كثرة الاستعمال و لو فى المباين‏

(و فى تقريرات بحث شيخنا الاستاد قده فى مقام الجواب عن الاحتجاج ما هذا لفظه: و الاولى ان يجاب بعد تسليم مجازية الباقي بأن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده و لو كانت دلالة مجازية إذ هي بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها فى مدلوله فالمقتضي للحمل على الباقي موجود و المانع مفقود لأن المانع فى مثل المقام انما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله و المفروض انتفائه بالنسبة الى الباقي لاختصاص المخصص بغيره فلو شك فالأصل عدمه انتهى موضع الحاجة)

من كلامه‏

(قلت)

مشيرا الى تضعيفه‏

(لا يخفى ان دلالته على كل فرد انما كانت لأجل دلالته على العموم و الشمول)

بل قد عرفت سابقا ان دلالته على كل فرد أي الاستيعاب الشمولي كأخويه انما يكون باختلاف كيفية تعلق الأحكام به و إلا فالعموم فى الجميع بمعنى واحد و هو السعة و الاحاطة

(فاذا لم يستعمل فيه و استعمل فى الخصوص كما هو المفروض مجازا و كان إرادة كل واحد من مراتب الخصوصيات مما جاز انتهاء التخصيص اليه و استعمال العام فيه مجازا ممكنا كان تعيين بعضها بلا معين ترجيحا بلا مرجح و لا مقتضى لظهوره فيه ضرورة ان الظهور اما بالوضع أو بالقرينة و المفروض انه ليس بموضوع له و لم يكن هناك قرينة و ليس له موجب آخر و دلالته على كل فرد على حدة حيث كانت فى ضمن دلالته على العموم لا يوجب ظهوره فى تمام الباقي بعد عدم استعماله فى العموم اذا لم تكن هناك قرينة على تعينه فالمانع عنه و ان كان مدفوعا بالأصل إلا انه لا مقتضى له بعد رفع اليد عن الوضع نعم انما يجدي)

دفع المانع بالأصل‏

(اذا لم يكن مستعملا إلا فى العموم كما حققناه فى الجواب فتأمل جيدا)

و بالجملة لا معنى محصل لكون دلالة العام على جميع الأفراد بدلالات مستقلة لاستلزامها كون كل واحد من الأفراد معنى خاصا للعام و لو مجازا فيلزم استعمال اللفظ فى ازيد من معنى واحد و انما دلالته على ذلك لأجل وضعه لمعنى واحد محيط بجميع تلك الأفراد دال عليه بدلالة واحدة و إرادة واحدة و اذا لم يستعمل اللفظ في ذلك المعنى باعترافك بل فى الخصوص مجازا و كان الخصوص متعدد المراتب فتعيين بعضها و هو تمام الباقي ترجيح بلا مرجح و كون الخصوص مرادا باعتبار

306

كونه محاطا للمعنى العام غير كونه مرادا بالخصوص و بالاستقلال، و إرادته فى المعنى الحقيقي انما هو بالاعتبار الأول المفروض انتفائه فى المقام فالمقتضى للدلالة ليس بموجود و لعل غرض صاحب التقريرات من الدلالة الغير المتوقفة هي الدلالة بحسب مقام تعلق الحكم و هذه لا تتفاوت فى الحقيقة و المجاز فعلى هذا يكون عدم الاجمال و كونه فى تمام الباقي مستندا الى نفس المخصص فانه كما يصرف العام عن العموم كذلك يوجب فى متفاهم العرف رجحان إرادة الباقي بمعنى استيعاب الحكم لجميع آحاد ما عدا المخرج كما انه كذلك فى مثل رأيت أسدا يرمي فى اشتماله على جهتي الصرف و التعيين و لو فرض احتمال مانع عن هذا التعيين فالأصل عدمه و ليس المجازية فى المقام نظير مجازية العشرة اذا استعملت فى التسعة فان لفظ العشرة حينئذ انما يراد منه معنى مباين للموضوع له حيث انها موضوعة لمجموع الآحاد بنحو الانضمام بخلاف العام فانه فى مقام الحكم يدل على ثبوته لكل واحد من الأفراد مستقلا و القرينة الدالة على خروج قطعة من الأفراد الموجب لمجازيته قد عين دلالته على غير هذه القطعة المخرجة.

(فصل اذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملا)

(بأن كان دائرا بين الأقل و الأكثر و كان منفصلا)

كما لو قال اكرم العلماء ثم قال لا تكرم غير العادل منهم أو لا تكرم الفساق منهم عند الشك فى ان عدم العدالة أو الفسق هل يتحقق بارتكاب الصغيرة بعد القطع بتحققه بارتكاب الكبيرة أو الاصرار على الصغائر أو الشك فى انه هل يعتبر فى العدالة الاجتناب عن الصغائر بعد القطع باعتبار الاجتناب عن الكبائر فيها

(فلا يسري إجماله الى العام)

أصلا

(لا حقيقة و لا حكما بل كان العام متبعا فيما لا يتبع فيه الخاص)

من الأفراد المشكوكة شموله لها

(لوضوح انه)

أي العام‏

(حجة فيه بلا مزاحم أصلا ضرورة ان الخاص انما يزاحمه فيما هو حجة على خلافه تحكيما للنص أو الأظهر على الظاهر لا فيما لا يكون كذلك)

كما فيما نحن فيه‏

(كما لا يخفى و ان لم يكن كذلك)

أي مما دار فيه الأمر بين الأقل و الأكثر مع الانفصال‏

(بأن كان الأمر دائرا بين المتباينين مطلقا أو بين الأقل و الأكثر فيما كان متصلا فيسري إجماله اليه حكما فى المنفصل المردد بين المتباينين)

لا حقيقة لان ظهوره فى الشمول قد انعقد و تحقق و لا يتغير عما هو عليه فليس العام إلا ان يكون بحكم المجمل‏

(و حقيقة فى غيره)

من المردد بين المتباينين مع الاتصال و بين الاقل و الاكثر كذلك‏

(اما الاول)

أي سريان الإجمال حكما فى المنفصل المردد بين المتباينين‏

(فلأن العام على ما حققناه كان ظاهرا فى عمومه إلا انه لا يتبع ظهوره فى أحد المتباينين اللذين علم تخصيصه بأحدهما)

كما لو قال أكرم العلماء ثم قال لا تكرم زيدا العالم‏

307

و كان زيد مشتركا لفظيا بين اثنين أو أكثر فحينئذ ان اقتضى العلم الاجمالي تنجز التكليف بأن كان جميع شرائط التنجيز موجودا فلا بد من الاحتياط عقلا و إلا فلا بد من العمل بما تقتضيه الاصول‏

(و اما الثاني)

أي سريان الاجمال حقيقة فى المردد بين المتباينين مع الاتصال و بين الاقل و الاكثر معه‏

(فلعدم انعقاد الظهور من راس للعام لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكل واحد من الاقل و الاكثر)

كما لو قال اكرم العلماء العدول أو اكرم العلماء إلا الفساق‏

(أو لكل واحد من المتباينين مع الاتصال)

كما لو قال اكرم العلماء إلا زيدا و كان مشتركا لفظيا بين اثنين أو أكثر

(لكنه حجة فى الاقل لانه المتيقن فى البين فانقدح بذلك الفرق بين المتصل و المنفصل و كذا فى المجمل بين المتباينين و الاكثر و الاقل فلا تغفل)

كي تستشكل بعدم الفرق بين المتصل و المنفصل بتوهم ان دليل حرمة اكرام الفاسق من العلماء و ان لم يكن رافعا لظهور العام اعني اكرم العلماء إلا انه موجب لتقييد المراد الواقعي بغير الفاسق و حيث ان المفروض إجمال مفهوم الفاسق بين الاقل و الاكثر فيكون من يجب اكرامه من العلماء بحسب المراد الواقعي مرددا بين الأقل و الأكثر أيضا، و تستشكل أيضا بعدم الفرق بين المتباينين و الاكثر و الاقل بتوهم ان جريان الاصول العملية عند دوران دليل التخصيص بين الاقل و الاكثر فى المقدار الزائد على المتيقن فانما هو من جهة ان موضوع الاصول العملية هو عدم العلم و هو موجود عند الدوران المذكور وجدانا و اما الاصول اللفظية فهي انما تعتبر لاجل كاشفيتها عن المراد الواقعي فاذا كان مرددا بالدوران المذكور من جهة إجمال المخصص فلا يبقى موضوع للتمسك بها لكن التوهم الاول مدفوع بأن دليل العام شامل لكل فرد فرد من أفراد الموضوع بالنسبة الى كل قيد يمكن أن يكون قيدا له لكن دليل المخصص المزبور لا يكون مقيدا له بمفهومه كي يوجب اجمال المراد منه بل التقييد انما يكون بالمفهوم الحاكي عن الحقيقة فما سقط عن هذه الاطلاقات و تبين كون المراد الواقعي مقيدا بالنسبة اليه انما هو المتيقن كعدم كونه فاعلا لكبيرة مثلا و اما بالنسبة الى الاكثر أي كونه فاعلا للصغيرة مثلا فالاطلاق من جهته بلا معارض لقصور دليل المخصص عن التقييد بعدمه و الشك فى شمول دليل المخصص للاكثر من جهة إجمال مفهومه لا أثر له كي يخل باطلاق العام من جهة حالاته و طواريه الذي هو الملاك في الأخذ باصالة الظهور و التوهم الثاني أيضا مدفوع بأن كاشفية الاصول اللفظية عن المراد الواقعي و ان كان صحيحا إلا أن موارد جريانها انما هو الشك غاية الامر ان الشك فى الاصول العملية أخذ موضوعا فى لسان دليلها و اما فى الاصول اللفظية فهو مورد لجريانها و هذا لا يصير فارقا بعد اشتراكهما فى اختصاص جريانهما بمورد الشك، هذا كله فى الخاص المجمل بحسب المفهوم الذي قد عرفت ان له أقساما أربعة

(و اما اذا كان مجملا بحسب)

308

(المصداق بأن اشتبه فرد و تردد بين أن يكون فردا له أو باقيا تحت العام)

من حيث الحكم‏

(فلا كلام فى عدم جواز التمسك بالعام لو كان)

المخصص‏

(متصلا به)

كما لو قال اكرم العلماء إلا فساقهم أو اكرم العلماء العدول و اشتبه أمر زيد العالم من حيث العدالة و الفسق‏

(ضرورة عدم انعقاد ظهور الكلام إلا فى الخصوص كما عرفت)

فلا بد من إحراز الموضوع الخاص‏

(و اما اذا كان منفصلا عنه ففي جواز التمسك به خلاف)

فالمشهور انه لا إجمال فى العام فيجوز التمسك به لمورد الشك و لذلك أفتوا بالضمان فى ما اذا دار أمر اليد بين أن تكون يد ضمان أو لا، و نسب الى الشيخ الأنصاري التمسك بعمومات الانفعال فيما اذا دار أمر الماء بين القلة القابلة للانفعال أو الكثرة العاصمة

(و التحقيق عدم جوازه إذ غاية ما يمكن أن يقال فى وجه جوازه ان الخاص انما يزاحم العام فيما كان فعلا حجة فيه و)

الحال ان الخاص‏

(لا يكون حجة فيما اشتبه انه من أفراده فخطاب لا تكرم الفساق لا يكون دليلا على حرمة اكرام من شك فى فسقه من العلماء فلا يزاحم مثل اكرم العلماء و لا يعارضه فانه يكون من قبيل مزاحمة الحجة)

أي العام‏

(لغير الحجة)

أي الخاص فى الفرد المشكوك انه منه، توضيحه انه لو لم يكن فى البين عموم أصلا بل كان الموجود هو الخاص فقط فحينئذ لا يزاحم هذا الخاص حكم الأصل فى المورد المشكوك من استصحاب وجوب إكرامه لو كان أو البراءة عن التكليف الالزامي بالنسبة اليه مع انه لا اضعف من الأصل فكيف فى صورة وجود دليل اجتهادي أي العام على حكمه‏

(و هو فى غاية الفساد فان الخاص و ان لم يكن دليلا فى الفرد المشتبه فعلا إلا انه يوجب اختصاص حجية العام)

فى فرد معنون‏

(بغير عنوانه)

أي غير عنوان الخاص من الأفراد

(فيكون اكرم العلماء دليلا و حجة فى العالم الغير الفاسق فالمصداق المشتبه و ان كان مصداقا للعام بلا كلام إلا انه لم يعلم انه من مصاديقه بما هو حجة لاختصاص حجيته)

بحكم التنويع الحاصل من القطع بمراد المولى بالارادة الجدية بحجة لفظية و هو قوله: لا تكرم الفاسق‏

(بغير الفاسق)

حاصل برهان المصنف على عدم التمسك بعد تمهيد مقدمة و هي ان المراد بالكلمة المشهورة بينهم ان المخصص المنفصل لا يورث عنوانا للعام بخلاف المتصل هو ان المخصص المتصل يوجب قصر إرادة المتكلم من لفظ العام بغير افراد المخصص، فاذا قال المولى اكرم العلماء إلا الفساق منهم يكون مراده فى الواقع وجوب اكرام العلماء الذين ليسوا بفاسقين و اما اذا كان التخصيص بالمنفصل فحيث انعقد للكلام ظهور فى العموم فلا يكون المتخصص رافعا له، غاية الأمر انه لقوته يوجب محكومية العام بالنسبة الى ما أخرجه المخصص فمن يقول ان المخصص المنفصل يوجب اختصاص حجية العام بغير عنوان الخاص كالمصنف اراد هذا المعنى، و من يقول انه لا يوجب عنوانا فى العام اراد انه لا يصادم ظهوره فتفطن، هو أن ورود

309

دليل المخصص المنفصل و ان لم يكن موجبا لرفع ظهور العام إلا انه موجب لتقييد المراد الواقعي و كاشف عن ان المتكلم لم يلق أولا إلا بعض مراده و كان له بعض مراد آخر هو آخر جزء منه بينه بدليل منفصل فكما ان الخاص لا يكون حجة إلا فيما احرز موضوعيته له و هو ما علم انه فاسق كذلك العام بعد صيرورته فى الواقع معنونا بعنوان خاص لا يكون حجة إلا فيما علم انه غير فاسق فلا معنى للتمسك بعمومه فى إثبات حكمه لما لا يعلم انه من افراده و الى ما ذكرنا أشار بقوله‏

(و بالجملة العام المخصص بالمنفصل و ان كان ظهوره فى العموم كما اذا لم يكن مخصصا)

أصلا

(بخلاف المخصص بالمتصل كما عرفت)

انه لا ظهور له إلا فى الخصوص‏

(إلا انه)

أي المخصص بالمنفصل‏

(فى عدم الحجية إلا فى غير عنوان الخاص مثله)

أي مثل المخصص بالمتصل‏

(فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت احدى الحجتين فلا بد من الرجوع الى ما هو الأصل فى البين)

و ان شئت قلت ان اصالة الظهور لما كانت اعتبارها من باب بناء العقلاء فاذا لم يحرز بنائهم فى مورد خاص كما فيما نحن فيه فذلك يكفي فى رفع اليد عنها و قياسه بالخاص المنفصل المجمل بحسب المفهوم المردد بين الأقل و الأكثر مع الفارق فانه ليس فى ذلك المقام حجتان بل العام حجة فى غير ما هو مندرج تحت الخاص متيقنا و ما قامت الحجة فى طرف الخاص من أول الأمر إلا على المتيقن و هو الأقل بخلاف هذا المقام فانه قد قام فيه حجتان معلومتان مفهوما و الشبهة انما هو فى الاندراج تحت أي الحجتين بسبب امور خارجة عن مفهوم الحجتين فالمشهور قد اشتبه عليهم حيثية الظهور بحيثية حجيته فزعموا ان كل ظهور حجة فعلية يمكن أن يتمسك به، و ربما يقال ان التمسك بالعام فى المقام مستلزم لمفسدة الدور و هو تقدم الشي‏ء على نفسه فان المراد الواقعي بالموضوع فى طرف العام هو العالم الغير الفاسق فالتمسك بالعموم موقوف على العلم بكون المشكوك حكمه عادلا فاذا اريد استكشاف كونه عادلا من العموم لزم الدور أو نقول ان الاشتباه فى حكم زيد المشكوك كونه عادلا أو فاسقا يتوقف على ثبوت حكم له واقعا فلو توقف ثبوت الحكم واقعا له على العموم لزم مفسدة الدور إذ ببركة العموم يصير المشتبه ذا حكم بحيث لو لم يكن العام لم يكن له حكم و موضوع الحكم و هو زيد المشكوك حكمه مقدم طبعا على الحكم بالبديهة و الحال أن كون زيد مشكوك الحكم يتوقف على ثبوت حكم له سابقا فالحكم المستفاد من العموم يلزم أن يكون مقدما على الموضوع أعني زيد المشتبه الحكم بمرتبتين و هذا هو مفسدة الدور، أجاب القائلون بجواز التمسك بالعام عن التقرير الأول بأنه اشتباه ناش من عدم الفرق بين كون الصفة مأخوذة فى موضوع الحكم و بين كونها لازمة مساومة له فعلى الأول يجب إحرازه و على الثاني فما هو الموضوع بحكم اللفظ يلازم وجوده وجود لازمه و السر فى ذلك ان المتكلم اذا كان فى مقام البيان فلا بد من‏

310

إظهار تمام مقصوده فاذا قال اكرم العلماء فى مقام البيان كان تمام مراده هو المطلق و إلا كان عليه بيان مطلوبه على وجه التقييد، فان قلت الفاسق قد خرج قطعا و المشكوك لم يحرز كونه مرادا واقعيا فلم يعلم كونه موضوعا لحكم العام فلا وجه للتمسك بالعام حينئذ قالوا الظاهر ان عنوان العام من قبيل المقتضى لثبوت الحكم لكل فرد فرد من العام و عنوان الخاص انما هو من قبيل المانع له فاذا أحرز المقتضى و شك فى المانع فلا بد من العناية الى المقتضي و الحكم بثبوت مقتضاه و فيه أولا منع ذلك لجواز كون العام هو الجزء الأخير للعلة التامة للحكم و أيضا يمنع انحصار عنوان المخصص فى كونه مانعا بل يجوز أن يكون جزء كما فى قوله:

لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو شرطا كما فى قوله ع: لا صلاة إلا بطهور، أو مرددا بينهما كما فى قوله: لا صلاة إلا بنية أولا عمل إلا بنية، و ثانيا لو سلم الانحصار نقول: انه لم يدل دليل شرعي و لا عقلي على هذه القاعدة كما سيأتي تحقيقه فى مسئلة الاستصحاب مضافا الى ان كون العام أو المطلق مقتضيا و المخصص أو المقيد مانعا لا معنى له فان التحقيق ان ظهور اللفظ فى معنى مأخوذ فيه عدم القرينة على الخلاف بمعنى ان اللفظ بوصف التجرد ظاهر فى المعنى لا أن يكون الاقتران بالقرينة مانعا عن الظهور فعلا و لذا لم يقدموا العام على الخاص من حيث هو هو فى مورد من الموارد و لو كان تقديم الخاص من باب المانعية لما انفك الحكم المزبور فى بعض الموارد، و عن التقرير الثاني فبأنه انما يلزم ذلك لو كان العام متكفلا للحكم الواقعي و الظاهري بانشاء واحد فانه حينئذ يلزم تقدم الحكم نفسه قطعا و اما لو كان العام كاشفا عن الحكم الواقعي فلا يلزم ذلك توضيحه ان كل موضوع من الموضوعات الواقعية له حكم واقعا فالعادل و الفاسق المعلومين و من هو مشكوك عدالته و فسقه له حكم واقعا و اما بحسب مرحلة الظاهر ينشأ المولى حكما بداعي الكشف عن الواقع ضربا للحجة على العباد فحينئذ لو تمسكنا بالعام إثباتا للحكم المنشأ بالخطاب الكاشف عن الحكم الواقعي لم يلزم دور أصلا فان التوقف الثاني ممنوع حيث ان ثبوت الحكم بحسب الواقع لم يكن متوقفا على العموم بل على المصالح و المفاسد النفس الأمرية الداعية الى جعل حكم فى الواقع و العام ليس متكفلا إلا للحكم الانشائي بالخطاب لكن يضعفه انه لا بد حينئذ من الالتزام بأن كل حكم عمومي يكون ظاهريا و لا أظن أحدا يلتزم به بل الالتزام به مخالف للقطع الوجداني و ان كان ربما يلتزم بذلك و يقال انه لا غرو فى انشاء الحكم الظاهري ضربا للقاعدة مقدما على الحكم الواقعي لكنه عليل حيث ان الانشاء و ان كان خفيف المئونة يمكن ان يرتكبه المتكلم بداع عقلائي حدث فى نفسه بأن يقول ابتداء اذا اشتبه الحكم الواقعي الذي سأجعله للموضوعات فاعمل بالعموم لكنه لا يصير حكما فعليا ظاهريا إلا بعد جعل الأحكام الواقعية للموضوعات الواقعية و حصول الاشتباه فى فرد خاص‏

311

و المفروض فى المقام انه ليس إلا خطاب واحد و هو قوله اكرم العلماء، و هو باطلاقه يقتضي ثبوت الحكم لكل فرد فرد من العالم بجميع أطواره و حالاته و لكن اذا قامت حجة اخرى فى قباله أقوى منه من قوله لا تكرم فساق العلماء، فقد أخرج بعض الأفراد و هو كل فاسق منهم عن تحته و زيد الذى اشتبه عدله و فسقه لو تمسك فى حكمه بالعام يلزم كون ذاك الخطاب الواحد متكفلا للحكم الواقعي و الظاهرى فيلزم حينئذ مفسدة الدور و لا تقاس المسألة بمسألة دليل اعتبار خبر الواحد من خطاب صدق العادل المستفاد من المفهوم و بمسألة كل خبرى صادق مما أخذ الموضوع للحكم طبيعة مرسلة كي تشمل جميع أفراد الموضوع حتى الفرد الذى يتولد من ثبوت محمول تلك القضية لموضوعها فانه لم يتولد من إثبات الوجوب للاكرام هنا فرد آخر من وجوب الاكرام كي تكون المسألة من قبيلهما فتدبر و امّا مسئلة فتوى المشهور بالضمان فى صورة اشتباه اليد فلم يعلم انه من التمسك بالعام لأنهم اختلفوا فى مستنده فبعضهم قالوا من جهة التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية، و بعضهم الى أنه من جهة قاعدة المقتضي و المانع نظرا الى أن اليد مقتضية للضمان و كونها يد أمانة مانعة عن ذلك، و بعضهم الى انه من جهة التشبث بأصل العدم الأزلي فيما اذا كان موضوع الحكم على نحو مفاد كان الناقصة و كلها تحكم و تخرص بالغيب بل قد قيل ان إدراجها تحت قاعدة التمسك بالعام فى الشبهات المصداقية مما لا يتصور فان موضوع الحكم بالضمان من الأول مقيد بالعدوان، و غاية ما يتصور فى تصحيح فتواهم هو التمسك بالأصل و إحراز موضوع الضمان بضم الوجدان اليه بادعاء ان موضوع الضمان أمر مركب من جزءين من دون اعتبار أمر آخر منتزع من اجتماعهما كعنوان المقارنة أو التقدم أو التأخر و هو الاستيلاء مع عدم رضاء المالك و الجزء الأول محرز بالوجدان و الجزء الآخر و هو عدم رضاء المالك بالأصل فيتم موضوع الحكم بالضمان و فى مقام المخاصمة يكون مدعى الضمان هو المنكر و مدعى عدمه هو المدعى‏

(هذا كله اذا كان المخصص لفظيا و اما اذا كان لبيا)

بأن لم يوجد فى عالم العنوان إلا عنوان العام و ليس من عنوان المخصص فى عالم العنوان و اللفظ عين و لا أثر و لكنا قد علمنا من الخارج انه لا يريد بعض أفراده إرادة جدية فالشيخ الأنصارى و تبعه جماعة و ان قالوا بجواز التمسك بالعام حينئذ فى الشبهات المصداقية إلا أن المصنف قد فصل فيه تفصيلا و قال‏

(فان كان)

الخاص‏

(مما يصح ان يتكل عليه المتكلم اذا كان بصدد البيان فى مقام التخاطب فهو كالمتصل حيث لا يكاد ينعقد معه)

أى مع المخصص اللبي الذى يصح عليه الاتكال في مقام البيان‏

(ظهور للعام إلا في الخصوص)

فلا يجوز حينئذ التمسك بالعام في الفرد المشكوك توضيحه ان المخصص اللبي اذا كان حكما عقليا ضروريا بحيث يكون صارفا و موجبا لعدم انعقاد الظهور إلا في الخاص من أول الأمر فيكون المخصص‏

312

المتصل اللفظي في عدم انعقاد الظهور ابتداء إلا في الخاص و اذا كان حكما عقليا نظريا أو إجماعا بحيث لم يكن صارفا لظهور العام من أول الأمر فيكون كالمخصص المنفصل اللفظي في انها تكشف عن تقييد المراد الواقعي و عدم كون موضوع الحكم في الواقع مطلقا و على أى تقدير لا يصح التمسك به في الفرد المشتبه، اما في الأول فواضح لعدم العموم، و اما الثاني فلان المخصص اللبي يكون كاشفا عن تقييد المراد الواقعي و عدم كون الموضوع الواقعي مطلقا فلا يمكن التمسك به عند عدم إحراز تمام موضوعه لأجل الشك في وجود القيد كالمخصص المنفصل اللفظي فالعبرة في عدم جواز التمسك بالمنكشف و هو تقيد موضوع الحكم لا بخصوصية الكاشف من كونها لفظية كتقييد قوله ع: فانظروا الى رجل قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا الخ بكونه عادلا بالاجماع‏

(و ان لم يكن كذلك)

و لو كان بمعنى إدراك العقل ما هو ملاك حكم الشارع واقعا من دون تقييد موضوع الحكم به لعدم صلاحية تقيد موضوع الحكم بما هو ملاكه‏

(فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجيته لظهوره فيه)

و كشفه عن وجود الملاك في تمام الأفراد حتى في المشكوك، نعم فيما علم بعدم الملاك في فرد من الافراد فيكون ذلك الفرد خارجا و يكون سكوت المولى عنه اما لاجل مصلحة مقتضية له أو لجهله بعدم الملاك على اختلاف الموارد و الموالي كقوله ع: لعن اللّه بني امية قاطبة مع قطعنا بأن ملاك اللعن هو الشقاوة فالمؤمن منهم لا يجوز لعنه لعدم وجود الملاك فيه و المشكوك حاله يتمسك بالعموم في جواز لعنه و يحكم عليه بأنه يجوز لعنه و يستكشف منه انه غير مؤمن‏

(و السر في ذلك ان الكلام الملقى من السيد حجة ليس إلا، ما)

دام‏

(اشتمل العام على اللفظ الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم فلا بد من اتباعه ما لم يقطع بخلافه مثلا اذا قال المولى اكرم جيراني و قطع بأنه لا يريد إكرام من كان عدوا له منهم كان اصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة الى ما لم نعلم بخروجه عن عموم الكلام للعلم بعداوته لعدم حجة اخرى بدون ذلك)

أى بدون العلم‏

(على خلافه)

ضرورة ان المشكوك ليس من متعلق قطعه‏

(بخلاف ما اذا كان المخصص لفظيا فان قضية تقديمه)

أى الخاص‏

(عليه)

أى على العام‏

(هو كون الملقى اليه كأنه كان من راس لا يعم الخاص كما كان كذلك)

أى لا يعم الخاص من راس‏

(حقيقة فيما اذا كان الخاص متصلا و القطع بعدم إرادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته إلا فيما قطع انه عدوه لا فيما شك فيه كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته له)

أى للمولى‏

(و حسن عقوبته على مخالفته و عدم صحته الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة و السيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية اصالة الظهور و بالجملة كان)

313

(بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة الى المشتبه هنا بخلاف هناك و لعله لما أشرنا اليه من التفاوت بينهما بالقاء حجتين هناك تكون قضيتهما بعد تحكيم الخاص و تقديمه على العام كأنه لم يعمه حكما من رأس و كأنه)

أي العام‏

(لم يكن بعام بخلاف هاهنا فان الحجة الملقاة ليست إلا واحدة و القطع بعدم إرادة اكرام العدو فى أكرم جيراني مثلا لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلا فيما قطع بخروجه عن تحته فانه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه و مرامه فلا بد من اتباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه بل يمكن أن يقال ان قضية عمومه للمشكوك)

هو الكشف عن‏

(انه ليس فردا لما علم بخروجه عن حكمه بمفهومه فيقال فى مثل لعن اللّه بني امية قاطبة ان فلانا و ان شك فى ايمانه يجوز لعنه لمكان العموم و كل من جاز لعنه لا يكون مؤمنا فينتج انه ليس بمؤمن فتأمل جيدا)

كي يظهر لك الفرق بين المخصص اللفظي و اللبي حيث انه قد يتوهم عدم الفرق بعد العلم بأن العداوة مانعة عن الإكرام و الايمان مانعة عن جواز اللعن بين ما اذا صرح بالتخصيص أو لم يصرح لظهور ان الحكم انما يلحق موضوعه و بعد العلم بالمانع نشك فى تحقق الموضوع و فساده قد ظهر من بيان المصنف بأن الرجوع الى العام يوجب رفع الشك عن الموضوع لأنا لا نسلم مدخلية أمر آخر وراء عنوان الموضوع فيه من العداوة فى المثال الأول و الايمان فى المثال الثاني ما لم يصرح بالتخصيص، غاية الأمر إنا علمنا به بملازمة بين العداوة و عدم الإكرام و بين الايمان و عدم جواز اللعن و ذلك لا يضر بالتمسك بالعام بل يؤكده حيث انا نستكشف من ثبوت الاكرام الملازم لعدم العداوة عدم كونه عدوا و من جواز اللعن الملازم لعدم الايمان كونه غير مؤمن، و توهم ان ذلك انما يتم اذا لم يعلم بوجود التخصيص أصلا و اما اذا علم بوجوده فيكفي في تعنون العام فمدفوع بالفرق بين العلم بوجوده و بين عدمه إذ المدار على الاستكشاف المذكور بجريان اصالة عدم التخصيص فكما لو شك ابتداء فى تخصيص العام بفرد بعد العلم بتخصيصه بفرد آخر نتمسك بالعموم و لا ينافيه العلم بتخصيصه بفرد آخر غيره فكذلك فيما نحن فيه، و بالجملة العموم عند كون المخصص لبيا مبين للصغرى فى كل من لم يعلم عداوته أو إسلامه و هو ان المورد غير عدو أو غير مسلم فيحكم وجوب إكرامه أو جواز لعنه لأجل ذلك لا أنه يحكم على الفرد بحكم العام مع عدم تشخيص الصغرى كي يكون من قبيل الاستدلال بالعام فى الشبهات المصداقية ثم ان هذا كله فيما يمكن اعتباره فى الموضوع كالعداوة و الايمان و العدالة من الأوصاف الخارجية، و اما ما لا يمكن اعتباره فيه كالصحة و الفساد من الأوصاف المنتزعة من مجرد إرادة المولى لفرد و عدم إرادته له، و بالجملة من الانقسامات المتولدة بعد تعلق الأمر و لا يعقل كونه من الانقسامات الطارئة قبل تعلق الأمر فلا اشكال حينئذ فى التمسك بالعموم كما أشرنا الى نظير ذلك آنفا فيما اذا كان‏

314

المراد بالمخصص العقلي إدراك العقل ما هو ملاك حكم الشارع فاذا شككنا فى صحة عتق الرقبة الكافرة يجب الأخذ بالعموم، فلو قلت الفاسد خارج قطعا و الفرد المشكوك لا تحرز صحته فلا وجه للتمسك، قلنا ليس الفاسد خارجا عن العام بل ليس الخارج إلا فاسدا بمعنى ان الفاسد ليس عنوانا للافراد الخارجة و إنما هو وصف اعتبارى منتزع من العناوين الخارجة كالربا و المنابذة و الملامسة و الحصاة فى المعاملات و صلاة الحائض و صوم المسافر فى العبادات فعلى هذا كون المشكوك فاسدة موقوف على خروجها و العموم حاكم بدخولها و مبين للصغرى فى كل ما لم يعلم بخروجه فلا يتصف بالفساد ثم انه اذا شك فى كون ما أدركه العقل قيدا للموضوع أو ملاكا للحكم كي لا يكون قيدا للموضوع لكونه قابلا لكلا الوجهين كما اذا فرض العلم بخروج العدو لكن لم يعلم ان عدم العداوة قيد أخذ فى موضوع وجوب الاكرام أو مناط لوجوبه ففيه التفصيل السابق من انه اذا كان حكم العقل ضروريا يصح اتكال المولى فى مقام البيان على ركزه فى ذهن المخاطب فلا يمكن التمسك به فى الفرد المشكوك لكونه من قبيل الكلام المحتف بما يصلح كونه قرينة و اذا كان نظريا فحيث قد تم ظهور الكلام فى الاطلاق فيؤخذ حينئذ بالاطلاق لاحتمال ان المولى احرز عدم كونه عدوا فألقى الحكم العام.

(إيقاظ)

(لا يخفى ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل)

دون مثل الشرط و الوصف و الغاية

(لما كان غير معنون بعنوان خاص بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي فى غالب الموارد إلا ما شذ)

و ندر

(ممكنا فبذلك نحكم عليه بحكم العام و ان لم يجز التمسك به بلا كلام ضرورة انه قل ما)

يكون عام‏

(لا يوجد فيه عنوان يجري فيه أصل ينقح به انه)

أي الفرد المشتبه‏

(مما بقى تحته)

أي تحت العام‏

(مثلا اذا شك ان امرأة تكون قرشية)

أو غيرها

(فهي و ان كانت اذا وجدت اما قرشية أو غيرها فلا أصل يحرز انها قرشية أو غيرها إلا ان اصالة عدم تحقق الانتساب بينها و بين قريش يجدي فى تنقيح انها ممن لا تحيض إلا الى خمسين لأن المرأة التي لا تكون بينها و بين قريش انتساب باقية أيضا تحت ما دل على أن المرأة انما ترى الحمرة الى خمسين و الخارج عن تحته هي القرشية فتأمل تعرف)

و اما اذا كان معنونا بعنوان خاص بنفسه أو بعد التخصيص كما لو قال أكرم العادل أو أكرم العلماء العدول فلا يفيد معاونة الأصل فى إحراز المشتبه منه لأنه بالنسبة الى العناوين الخاصة مثبت، و ليعلم ان ما ذكره المصنف من القاعدة الكلية لا أظن أحدا ينكره و إنما الانكار انما هو بالنسبة الى‏

315

الصغريات التي يعتقد المصنف اندراجها تحت القاعدة الكلية كاعتراض بعضهم عليه بأن ما ذكره إنما يتم فى مثال القرشية اذا كان الباقي تحت العام بعد التخصيص المرأة التي لا تكون الانتساب الى قريش موجودا معها على نهج ليس التامة و اما اذا كان الباقي هي المرأة التي لا تكون قرشية على نحو مفاد كان الناقصة فلا يتم فان العدم النعتي الذي هو موضوع الحكم ليس له حالة سابقة يقينية كي يجري فيه الأصل و العدم المحمولي الأزلي و ان كان له حالة سابقة يقينية إلا أنه لا يثبت العدم النعتي إلا على القول بالأصل المثبت و هذا ليس باشكال فى المسألة الاصولية و انما هي فقهية تختلف باختلاف الأنظار و المصنف نظره الى أن غاية ما يستظهر من الأدلة ان الموضوع ليس له خصوص عنوان و انما هو المرأة بأي عنوان كانت و ان القرشية و النبطية مانعة عن حكمها فاذا أحرزنا بالاستصحاب عدم المانع فلا محالة يكون المقتضي الموجود بالوجدان مؤثرا فى وجود الحكم و لم يستظهر من الأدلة ان هذه القرشية من حيث عدمها أخذت فى موضوع الحكم باعتبار كونها نعتا عدميا محتاجا الى إحراز لا يكفي فيه الأصل لكونه مثبتا و اعترض بعض آخر بأن الأصل الذي يتشبث به المصنف أي الأصل الجاري فى العدم المحمولي أيضا مثبت من جهة انه لا بد من كون المرأة المشكوكة غير قرشية و استصحاب الكلي أي عدم تحقق القرشية لا يفيد فى حكم هذه المرأة المعينة و فيه انه مدفوع بما سيأتي من المصنف فى الاستصحاب من أن الأصل المثبت انما يكون فيما اذا كان الأثر مترتبا على الواسطة التي تكون مغاير الوجود لذي الواسطة فى الخارج و إلا فالأثر المترتب على الفرد بواسطة عنوان كلي منطبق عليه بالحمل الشائع سواء كان منتزعا من مرتبة ذاته أو بملاحظة بعض عوارضه الذي يكون خارج المحمول لا يكون بمثبت فاذا نفينا بالأصل تحقق الانتساب ينطبق ذاك العدم الكلي الذي جرى فيه الأصل على المورد ضرورة ان تمام موضوع الحكم انما هي المرأة بلا عنوان آخر و من أفرادها من لا يتحقق بينها و بينه انتساب فافهم، كما انه فى صورة الشك فى شرط انه مخالف للكتاب أو غير مخالف نتمسك بأصل عدم تحقق المخالفة فنحكم بلزومه من غير فرق فى ذلك بين أن يكون موضوع الحكم الطبيعة المقيدة أو الطبيعة المرسلة، فالأول كما اذا شككنا فى الماء الخاص فى كريته و استصحبنا الكرّية السابقة فتنطبق الكرّية على المورد الذي موضوع الحكم فيه طبيعة مقيدة أي الماء الكر، و الثاني كما فى قول المولى أكرم كل رجل و قوله لا تكرم الفساق و شككنا فى فسق زيد المتيقن عدالته سابقا فيستصحب عدالته فيكون وجود زيد وجود ذاك الرجل العادل الذي هو كلي مرسل، فان قلت ان الانطباق ممنوع هنا فان وجود المستصحب وجود إضافة و وجود الموضوع وجود جوهر نفسي و التغاير بينهما واضح فيكون الأصل مثبتا لو كان بينهما ملازمة و إلا فلا يجري الأصل لأنه لا أثر له، قلت هذا التغاير مبني‏

316

على المداقة و لا اعتبار بها ما دام العرف يساعد على الاتحاد حيث انه يرى المستصحب من أطوار وجود الموضوع.

(وهم و إزاحة)

(ربما يظهر من بعضهم التمسك بالعمومات فيما اذا شك فى فرد لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة اخرى)

من انتفاء شرط أو وجود مانع و نحو ذلك‏

(كما اذا شك فى صحة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف فيستكشف صحته بعموم مثل اوفوا بالنذور فيما اذا وقع متعلقا للنذر بأن يقال وجب الاتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم و كل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا للقطع بأنه لو لا صحته لما وجب الوفاء به)

و ذكر الفقهاء فى كتاب النذر صحة نذر صلاة ركعة و ان لم تكن وترا أو ثلاثة و ان لم تكن مغربا أو خمسة معللين بوجوب الوفاء بالنذر مع تصريحهم أولا بوجوب كون المنذور فى نفسه طاعة

(و ربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الاحرام و الصيام قبل الميقات و فى السفر اذا تعلق بهما النذر كذلك)

مع حرمتهما تشريعا

(و التحقيق)

ان يقال ان الأحكام الشرعية على قسمين: أحدهما ما لم يؤخذ فى موضوعه حكم من الأحكام الشرعية مطلقا مماثلا كان أو غير مماثل بل الموضوع هو نفس ذات الشي‏ء بحسب نفس الأمر كالاباحة الثابتة للماء و الكلأ و حرمة الخمر و وجوب الصلاة و هكذا، و ثانيهما ما يؤخذ فى موضوعه أحد الأحكام المتعلقة به بعنوانه الأولي كوجوب إطاعة الوالدين فى الامور المباحة أو الغير المحرمة و وجوب إنفاذ وصايا الميت فى غير المحرمات و استحباب إجابة المؤمن فى المباحات اذا تقرر هذا فنقول‏

(انه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكفلة لأحكام العناوين الثانوية فيما شك في غير جهة تخصيصها اذا أخذ فى موضوعاتها أحد الأحكام المتعلقة بالأفعال بعناوينها الأولية كما هو الحال فى وجوب إطاعة الوالد و الوفاء بالنذر و شبهه فى الامور المباحة أو الراجحة ضرورة انه معه)

أي مع أخذ أحد الأحكام المذكورة فى موضوعاتها

(لا يكاد يتوهم عاقل انه اذا شك فى رجحان شي‏ء أو حليته جواز التمسك بعموم دليل وجوب الاطاعة أو الوفاء فى رجحانه و حليته)

حيث ان الفرض انه قد أخذ فى موضوعهما الجواز و الاباحة فكان مقدما على الأحكام الثابتة بالعمومات تقدم الموضوع على المحمول فلو كان يثبت بتلك العمومات لزم تقدم العمومات عليها، و بعبارة اخرى ان النذر مثلا لا يتعلق إلا بما اذا كان جوازه محرزا فلو كان إحراز الجواز بعمومات النذر يلزم الدور و بالجملة قد عرفت من مطاوي كلماتهم فى الأبواب السابقة و ستعرف فيما بعد ان شاء اللّه تعالى ان ما يؤخذ فى الموضوع لا يمكن أن يكون ناشئا من الحكم و دليله و القائلون بجواز التمسك بالعام فى الشبهة

317

التي كان أمر المشكوك دائرا بين أن يكون محكوما بحكم العام أو بحكم المخصص لا يجوزون التمسك بالعام فى نحو هذه الشبهة المصداقية لأنها بدوية صرفة إذ ليس هاهنا إلا عموم اوفوا بالنذر و أدلة شروط متعلق النذر

(نعم لا بأس بالتمسك به فى جوازه)

أي الفرد المشكوك جوازه‏

(بعد إحراز التمكن منه و القدرة عليه فيما)

اذا

(لم يؤخذ فى موضوعاتها حكم أصلا فاذا شك فى جوازه صح التمسك بعموم دليلها فى الحكم بجوازها)

مثلا لو لم يدل دليل نفس النذر على أن متعلقه لا بد و أن يكون راجحا فحينئذ لا بأس بالتمسك بعموم دليله فى مقام الشك فى جواز الوضوء بمائع مضاف اذا كان متعلقا للنذر لو كان المشكوك غير محكوم بحكم أصلا و

(اذا كانت)

المتعلقات للنذر

(محكومة بعناوينها الأولية بغير حكمها بعناوينها الثانوية فتقع المزاحمة بين المقتضيين)

لا محالة

(و يؤثر الأقوى منهما لو كان فى البين)

الأقوى‏

(و إلا)

بأن تساويا

(لم يؤثر أحدهما و إلا لزم الترجيح بلا مرجح)

فيتساقطان معا

(فليحكم عليه حينئذ بحكم آخر كالاباحة اذا كان أحدهما مقتضيا للوجوب و الآخر للحرمة مثلا و اما صحة الصوم فى السفر بنذره فيه بناء على عدم صحته فيه)

أي فى السفر

(بدونه)

أي بدون النذر

(و كذا الاحرام قبل الميقات فانما هو لدليل خاص كاشف عن رجحانهما ذاتا فى السفر و قبل الميقات و انما لم يؤمر بهما استحبابا أو وجوبا لمانع يرتفع بالنذر)

فيؤثر المقتضى لأحدهما أثره‏

(و اما لصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك كما ربما يدل عليه ما فى الخبر من كون الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت)

أو كالصلاة أربعا فى السفر.

(لا يقال لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك فى عباديتهما ضرورة كون وجوب الوفاء توصليا لا يعتبر فى سقوطه إلا الاتيان بالمنذور بأي داع كان)

.

(فانه يقال عباديتهما انما يكون لأجل كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح عليهما ملازم لتعلق النذر بهما)

بدلالة الاقتضاء

(هذا)

كله‏

(لو لم نقل بتخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان فى متعلق النذر بهذا الدليل و إلا)

أى و لو قلنا بأن الدليل الدال على اعتبار الرجحان فى العبادات رجحانا مغايرا للرجحان الحاصل بالنذر قد خصص بدليل النذر الدال على الاكتفاء فى عبادية المتعلق بالرجحان الحاصل من النذر

(أمكن أن يقال بكفاية الرجحان الطارى عليهما من قبل النذر فى عباديتهما بعد تعلق النذر باتيانهما عباديا و متقربا بهما منه تعالى فانه و ان لم يتمكن من اتيانهما كذلك قبله إلا أنه يتمكن منه بعده)

للدليل‏

(و لا يعتبر فى صحة النذر إلا التمكن من الوفاء و لو بسببه فتأمل جيدا)

.

(بقي شي‏ء)

(و هو انه هل يجوز التمسك باصالة عدم التخصيص فى إحراز عدم كون ما شك فى أنه من مصاديق العام مع العلم بعدم كونه محكوما بحكمه)

أى بحكم العام لو كان‏

(مصداقا)

318

(له مثل ما اذا علم ان زيدا يحرم إكرامه و شك)

و لو لأجل كون لفظ زيد مشتركا لفظيا بين زيد العالم و زيد الجاهل‏

(فى أنه عالم)

حتى يكون من باب التخصيص فيحكم عليه بجميع أحكام العالم بمقتضى أدلتها إلا حكم وجوب الاكرام‏

(أو ليس بعالم)

كي يكون من باب التخصص‏

(فيحكم عليه باصالة عدم تخصيص اكرم العلماء انه ليس بعالم بحيث يحكم عليه بسائر ما لغير العالم من الأحكام فيه اشكال)

و ان ذهب بعض الى جوازه متكلا على انه من ديدن العرف و دأبهم و على سيرتهم جرى العلماء أيضا كما انه قد استدل على طهارة الغسالة بأنها لا تنجس المحل فانه لو كان نجسا غير منجس يلزم تخصيص كل نجس منجس بتقريب انه مع الشك لا تثبت المعارضة كي يتوقف لأجلها فى العمل بالعام فكما ان الشك فى أصل وجود المعارض لا يمنع عن العمل بالدليل كذلك الشك فى كون الموجود معارضا و تقريب الاستدلال فى مثال المصنف هو أن يقال ان كل عالم يجب إكرامه لمكان قول المولى اكرم العلماء فينعكس بعكس النقيض الى ان كل من لا يجب إكرامه فهو ليس بعالم و زيد ممن لا يجب إكرامه حسب الفرض فهو ليس بعالم و توقف فيه جماعة منهم المصنف و ربما يقال فى وجه التوقف ان العلم الاجمالي بحرمة إكرام زيد العالم أو الجاهل موجب لترك إكرامهما و ليس العموم مورثا لانحلال العلم فان العام بمنزلة الكبرى الكلية و ليست ناظرة الى حال الفرد بخلاف البينة القائمة على أن زيدا العالم واجب إكرامه لإيراثها انحلاله قطعا لكونها ناظرة الى بيان حال الفرد فحينئذ يسقط العموم عن الحجية بالنسبة الى زيد العالم قهرا و فيه ان العام و ان لم يكن ناظرا الى حال الفرد ابتداء إلا أنه بعد انضمام الصغرى اليها يثبت الحكم له قهرا فاذا ثبت له الحكم الوجوبي بمقتضى العموم فينفى عنه الحرمة بالملازمة فيتعين الحرمة فى الطرف الآخر بالملازمة و المثبت من الاصول اللفظية حجة قطعا فيكون دليل العدم كقيام البينة موجبا لانحلال العلم لما تقرر فى محله من أن الانحلال اما باثبات الحكم المعلوم بالاجمال فى طرف أو نفيه عنه و حيث ان دليل العام ينفي الحرمة عن أحد طرفى العلم فتختص الحرمة بالطرف الآخر فينحل العلم و لكن المصنف وجه الاشكال و التوقف بما ملخصه قد مرّ مرارا من ان الاصول اللفظية اعتبارها انما يكون من باب بناء العقلاء و المحرز من بنائهم هو التشبث بها فى الشك فى المراد لا فى المراد المعلوم الذى قد شك فى كيفية إرادته انه بنحو التخصيص أو التخصص و اليه أشار بقوله‏

(لاحتمال اختصاص حجيتها بما اذا شك فى كون فرد العام المحقق فرديته محكوما بحكمه كما هو قضية عمومه و المثبت من الاصول اللفظية و ان كان حجة إلا أنه لا بد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل)

من مقدار الحجية

(و لا دليل هاهنا إلا السيرة و بناء العقلاء و لم يعلم استقرار بنائهم على ذلك)

أى إثبات عدم فردية المحكوم بغير حكمه‏

(فلا تغفل)

.

319

(فصل هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص)

(فيه خلاف و ربما نفى الخلاف عن عدم جوازه بل ادعى الاجماع عليه)

و نسب الجواز الى جماعة من العامة و تبعهم جماعة من متأخرى متأخرى أصحابنا كالشيرواني و التوني و السيد صدر الدين و المحكي عن جماعة انهم نقلوه عن بعض المتقدمين و فى المعالم و هو الذى يلوح من كلام العلامة فى التهذيب و صرح به فى النهاية انتهى و لعله اشتبهت هذه المسألة أى مسئلة أصل لزوم الفحص بمسألة مقدار الفحص فلاحظ

(و الذى ينبغي أن يكون محل الكلام فى المقام انه هل تكون اصالة العموم متبعة مطلقا)

و لو قبل الفحص عن المخصص‏

(أو بعد الفحص عن المخصص و اليأس عن الظفر به بعد الفراغ عن اعتبارها بالخصوص فى الجملة من باب الظن النوعي للمشافه و غيره ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلا و لم يكن من أطراف ما علم تخصيصه إجمالا)

كي ينحصر ما يصلح مانعا عن اتباع اصالة العموم فى وجوب الفحص عن المخصص الناشى من احتمال وجود المخصص‏

(و عليه فلا مجال لغير واحد مما استدل به على عدم جواز العمل به قبل الفحص و اليأس)

من عدم اعتبار هذا الأصل إلا مع الظن الشخصي بموارده أو عدم اعتباره بالنسبة الى غير المشافه أو غير من قصد افهامه لما عرفت من أن النزاع فى المقام انما هو بعد الفراغ عن اعتبار هذا الأصل بالخصوص من باب الظن النوعي مطلقا من غير فرق بين المشافه و غيره سواء كان من قصد افهامه أم لا و بين أن يفيد الظن الشخصي أم لا

(فالتحقيق)

فى المسألة

(عدم جواز التمسك به قبل الفحص فيما اذا كان)

العام‏

(في معرض التخصيص)

ليس المراد من معرضية العام للتخصيص قابليته له فان كل عام قابل له إلا نادرا لأجل القرينة الخارجية كقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ و إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، بل المراد انه قد أحرز من حال المتكلم و عادته أن لا يتكلم بالعام بل و بغيره أيضا إلا و أن يعتمد على قرائن منفصلة في تبيين مرامه و اظهار مراده و بذلك العلم يتضعضع أساس حجية الاصل قبل الفحص‏

(كما هو الحال في عمومات الكتاب و السنة)

و اليه أشار المصنف بقوله‏

(و ذلك لاجل انه لو لا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله فلا أقل من الشك كيف و قد ادعى الاجماع على عدم جوازه فضلا عن نفي الخلاف و هو كاف في عدم الجواز كما لا يخفى و اما اذا لم يكن العام كذلك)

أى في معرض التخصيص بالمعنى الذى عرفته‏

(كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في السنة أهل المحاورات فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن المخصص)

نعم لو اتفق في بعض من أهل المحاورة أن يكون من دأبه التعويل على قرائن منفصلة فحينئذ يكون حكم عموماته حكم عمومات‏

320

الكتاب و السنة فان العبد المطلع على عادة هذا المولى لو عمل بالعام قبل الفحص في فرد مشكوك ثم بان الخروج لكان مورد ذم العقلاء و توبيخهم، ثم اعلم انه قد استدل على عدم الجواز قبل الفحص بوجوه عديدة أخر، و المهم منها هو الدليل المشترك بين اصالة العموم قبل الفحص و الاصول العملية قبل الفحص و هو العلم الاجمالي بوجود مخصصات كثيرة للعمومات الواردة في الكتاب و السنة و مقتضاه عدم جواز العمل باصالة العموم إلا بعد الفحص عن المخصص كما ان مقتضى العلم الاجمالي بوجود واجبات و محرمات كثيرة ثابتة في الشريعة عدم جواز الرجوع الى الاصل العملي الا بعد الفحص عن الحجة على التكليف فمن اعتمد على بناء العقلاء فلا محيص له عن الفحص بمقدار يوجب خروج العام عن المعرضية و من اعتمد على العلم الاجمالي المزبور فلا بد و ان يفحص بمقدار ينحل به ذاك العلم الاجمالي كي يصح له أن يتمسك باصالة الظهور كما ان من يكون اعتبار الاصول عنده من باب حصول الظن التفصيلي بما هو التكليف فلا بد و أن يتمسك باصالة الظهور اذا ظن بالتكليف و من يكون اعتبارها عنده من باب الظن النوعي المقيد بعدم الخلاف لا بدو أن يتمسك بها في مورد لا ظن له بالتخصيص ظنا غير معتبر و الى ذلك أشار المصنف بقوله‏

(و قد ظهر لك بذلك ان مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له كما ان مقداره اللازم منه بحسب سائر الوجوه التي استدل بها من العلم الاجمالي به)

أى بوجود مخصصات كثيرة

(أو حصول الظن)

التفصيلي‏

(بما هو التكليف أو غير ذلك)

من حصول الظن النوعي المقيد بعدم الظن الغير المعتبر على الخلاف‏

(رعايتها)

أى رعاية الوجوه‏

(فيختلف مقداره)

أى مقدار الفحص‏

(بحسبها)

أى بحسب الوجوه‏

(كما لا يخفى ثم ان الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل باحتمال انه كان و لم يصل بل حاله حال احتمال قرينة المجاز و قد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقا و لو قبل الفحص عنها)

أى عن القرينة

(كما لا يخفى)

فانحصر محل النزاع في الفحص عن المخصص المنفصل.

(إيقاظ)

(لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا)

أى في الاصول اللفظية

(و بينه في الاصول العملية حيث انه هاهنا عما يزاحم الحجة)

حيث ان العام حجة فعلية إلّا انه لاحتمال وجود حجة فعلية أقوى معارض لها لا بد من الفحص فالفحص هنا من جهة رفع احتمال المانع و المزاحم‏

(بخلافه هناك)

أى في مقام الشبهات البدوية التي هي موارد للاصول العملية

(فانه بدونه)

أى بدون الفحص‏

(لا حجة ضرورة ان العقل بدونه يستقل باستحقاق المؤاخذة على المخالفة فلا يكون العقاب بدونه)

أى بدون الفحص‏

(بلا بيان و المؤاخذة عليها من غير برهان)

321

فالفحص في الشبهات البدوية بالنسبة الى البراءة العقلية محقق لموضوع الحكم من جهة عدم تمامية المقتضى له‏

(و النقل و ان دل على البراءة أو الاستصحاب في موردهما مطلقا)

من غير تقييد بالفحص‏

(الا ان الاجماع بقسميه)

محصلا و منقولا

(على تقييده)

أى تقييد النقل‏

(به فافهم)

أى بالفحص كما ان العقل يقيدها به حيث انه يلزم من اطلاقها عدم وجوب النظر في المعجزة كي يثبت أصل النبوة فضلا عما هو متفرع عليها.

(فصل هل الخطابات الشفاهية مثل يا

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ‏

تختص بالحاضر)

(هل الخطابات الشفاهية)

أى التراكيب التي يقصد بها مخاطبة الكثرة المستغرقة و مشافهتهم وضعا

(مثل يا

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ‏

)

و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ و ليس المراد ما يقابل الغيبة و التكلم كانت، و الكاف في ضربك و التاء في ضربت بفتح التاء و الامر الحاضر و صيغة النداء مما يدل بصيغته على الاختصاص كما قد يتوهم، و ان كنت في ريب مما تلونا عليك فلاحظ أدلة الطرفين و أجوبتها ترشدك الى ذلك‏

(تختص بالحاضر مجلس التخاطب أو يعم غيره من الغائبين بل المعدومين فيه خلاف و لا بد قبل الخوض في تحقيق المقام من بيان ما يمكن أن يكون محلا للنقض و الابرام بين الاعلام فاعلم انه يمكن ان يكون النزاع في ان التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح تعلقه بالمعدومين كما صح تعلقه بالموجودين أم لا أو)

أن يكون النزاع‏

(في صحة المخاطبة معهم بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالالفاظ الموضوعة للخطاب أو)

لا بالالفاظ المذكورة بل‏

(بنفس توجيه الكلام اليهم)

و ان لم يشتمل على لفظ موضوع للخطاب‏

(و عدم صحتها)

أى عدم صحة المخاطبة

(أو)

أن يكون النزاع‏

(فى عموم الالفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب للغائبين بل المعدومين و عدم عمومها لهما بقرينة تلك الادوات و لا يخفى ان النزاع على الوجهين الاولين يكون عقليا و على الوجه الاخير لغويا)

و الحق انه لا اختصاص للنزاع باحدى الجهتين بل يعمهما

(اذا عرفت هذا فلا ريب في عدم صحة تكليف المعدوم عقلا بمعنى بعثه أو زجره فعلا ضرورة انه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقة و لا يكاد يكون الطلب كذلك الا من الموجود ضرورة)

و بالجملة لما كان التكليف أمرا ربطيا متقوما بشيئين فكما لا يعقل تحقق التكليف من دون مكلف بالكسر كذلك لا يعقل تحققه بدون المكلف بالفتح‏

(نعم هو بمعنى مجرد انشاء الطلب بلا بعث و لا زجر لا استحالة فيه أصلا فان الانشاء خفيف المئونة فالحكيم تبارك و تعالى ينشأ على وفق الحكمة و المصلحة طلب شي‏ء قانونا من الموجود و المعدوم حين الخطاب ليصير فعليا بعد ما وجد الشرائط و فقد الموانع بلا حاجة الى انشاء آخر فتدبر و نظيره من غير الطلب انشاء التمليك في الوقف على البطون فان المعدوم‏

322

منهم يصير مالكا للعين الموقوفة بعد وجوده بانشائه و يتلقى لها من الواقف بعقده فيؤثر في حق الموجود منهم الملكية الفعلية و لا يؤثر في حق المعدوم فعلا الا استعدادها لان يصير ملكا له بعد وجوده، هذا اذا أنشأ الطلب مطلقا و اما اذا أنشأ مقيدا بوجود المكلف و وجدانه الشرائط فامكانه بمكان من الامكان و كذلك لا ريب فى عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة و عدم إمكانه ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة إلا اذا كان موجودا و كان بحيث يتوجه الى الكلام و يلتفت اليه)

لأن التوجيه كالتكليف أمر نسبي متقوم بالمنتسبين‏

(و منه قد انقدح ان ما وضع للخطاب مثل أدوات النداء لو كان موضوعا للخطاب الحقيقي لأوجب استعماله فيه تخصيص ما يقع فى تلوه بالحاضرين كما ان قضية إرادة العموم منه)

أي مما يقع فى تلوه‏

(لغيرهم)

أي لغير الحاضرين‏

(استعماله)

أي استعمال ما وضع للخطاب‏

(فى غيره)

أي غير الخطاب الحقيقي‏

(لكن الظاهر ان مثل أدوات النداء لم تكن موضوعا لذلك)

أي للحقيقي‏

(بل للخطاب الايقاعي الانشائي فالمتكلم ربما يوقع الخطاب بها تحسرا و تأسفا و تحزنا مثل)

:

(يا كوكب ما كان أقصر عمره)

.

(أو تشوقا)

مثل:

يا معير الغصن قدا أهيفا* * * و معير الريم مرضى الحدق‏

هل الى وصلك من بعد الجفا* * * بلغة تنعش باقي رمقي‏

(و نحو ذلك)

مثل:

أيا جبلي نعمان باللّه خليا* * * نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها

(كما يوقعه مخاطبا لمن يناديه حقيقة)

من غير فرق بينهما أصلا

(فلا يوجب استعماله فى معناه الحقيقي حينئذ التخصيص بمن يصح مخاطبته)

لكون المعنى الحقيقي أعم من ذلك‏

(نعم لا يبعد دعوى الظهور انصرافا فى الخطاب الحقيقي كما هو الحال فى حروف الاستفهام و الترجي و التمني و غيرها)

كالعرض نحو ألا تنزل بنا

(على ما حققناه فى المباحث السابقة من كونها موضوعة للايقاعي منها)

لا الحقيقي‏

(بدواع مختلفة)

منها الحقيقي منها

(مع ظهورها فى الواقعي منها انصرافا ما لم يكن هناك ما يمنع عنه)

كما فى قوله تعالى‏ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏

(كما يمكن دعوى وجوده)

أى وجود المانع‏

(غالبا فى كلام الشارع ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم فى مثل يا أيها الناس اتقوا و يا أيها المؤمنون لمن حضر مجلس الخطاب بلا شبهة و لا ارتياب)

و ليس ذلك إلا لاستعمال الخطاب فى الايقاعي‏

(و يشهد لما ذكرنا صحة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العام الواقع تلوها بلا عناية و لا للتنزيل و العلاقة رعاية، و توهم كونه)

أى‏

323

كون التنزيل‏

(ارتكازيا يدفعه عدم العلم به مع الالتفات اليه و التفتيش عن حاله مع حصوله)

أى العلم‏

(بذلك)

الالتفات و الفحص‏

(لو كان مرتكزا و إلا فمن أين يعلم ثبوته كذلك)

أى ارتكازا

(كما هو واضح و ان أبيت إلا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقي فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الإلهية بأدوات الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون الأدوات)

نحو قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏

(كغيرها بالمشافهين فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم و توهم صحة التزام التعميم فى خطاباته تعالى لغير الموجودين فضلا عن الغائبين لاحاطته بالموجود فى الحال و الموجود فى الاستقبال فاسد ضرورة ان احاطته تعالى لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب و عدم صحة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصا فى ناحيته تعالى كما لا يخفى كما ان خطابه اللفظي لكونه تدريجيا و متصرم الوجود كان قاصرا عن أن يكون موجها نحو غير من كان بمسمع منه ضرورة، هذا)

كله‏

(لو قلنا بأن الخطاب بمثل يا أيها الناس فى الكتاب حقيقة الى غير النبي ص)

بلسانه و النبي ص واسطة في الايصال و لسانه لسان اللّه بالنسبة الى العباد

(و اما اذا قيل بأنه المخاطب و الموجه اليه الكلام حقيقة وحيا أو إلهاما)

و ذكره ص انما يكون من باب الحكاية لما اوحي اليه أو ألهم‏

(فلا محيص إلا عن كون الأدوات فى مثله للخطاب الايقاعي و لو مجازا و عليه فلا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين بل يعم المعدومين فضلا عن الغائبين)

الانصاف ان المصنف قد بالغ فى تحرير محل النزاع و تشخيصه بحسب ما يمكن أن يكون الواقع عليه و أشار الى فساد قول من ابتنى الجواز على كون القضايا المستعملة فى الكتاب و السنة قضايا حقيقية لا تقتضي إلا وجود الموضوع مقدرا لا محققا كالقضايا الخارجية و انه لو كانت القضايا الشرعية خارجية لاختص بالمشافهين و ذلك لبديهة ان عدم اقتضاء القضية الحقيقية بطباعها و سذاجتها بأن يلاحظ مجرد مضمونها و هو ثبوت شي‏ء لشي‏ء لوجود الموضوع بالفعل بل يكفي الوجود التقديرى لا ينافى اقتضاء طباع الخطاب الحقيقي و التكليف البعثي و الزجرى وجود الموضوع بالفعل لكونهما أمرا نسبيا متقوما بالمنتسبين مضافا الى تصريحه بأن الخطاب الايقاعي الانشائي لا يقتضي وجوده بالفعل و ان الأدوات موضوعة للخطاب الايقاعي الانشائي و استشهد لذلك بصحة الاستعمال و إرادة العموم بلا عناية و تنزيل و رعاية علاقة، و رد كون التنزيل و رعاية العلاقة ارتكازيا بعدم العلم به بعد الالتفات و التفتيش عن حاله الى آخر ما قاله فى تحقيق المقام لكنا قد أشرنا فى صدر البحث بأن الذى يشهد به أدلة الطرفين و تزييفها ان محل النزاع هي المركبات التي يقصد بها مخاطبة الكثرة المستغرقة و ان لم تتضمن شيئا من المفردات الموضوعة للخطاب و النداء كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏، و ليس محل النزاع خصوص أدوات الخطاب و لا خصوص‏

324

الألفاظ الواقعة عقيبها فانظر الى استدلال النافين حيث قالوا انه لا يقال للمعدومين يا أيها الناس و يا أيها الذين آمنوا و إنكاره مكابرة و قالوا ايضا انه يمتنع خطاب الصبي و المجنون و نحوهما مع وجودهم و إدراكهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم اجدر بالمنع لكونه ابعد عن الفهم، و جواب القائلين بالعموم عن الأول بأنه انما يتم فيما اذا كان الخطاب للمعدومين خاصة و اما اذا كان لهم و للموجودين كان اطلاق الناس و الذين آمنوا عليهم بطريق التغليب فلا، و عن الثاني بأن عدم توجه التكليف لا ينافى عموم الخطاب و تناوله لفظا و انظر ايضا الى استدلال المثبتين حيث قالوا ان رسول المعدومين هو رسول الحاضرين بالضرورة و لا معنى للرسالة إلا تبليغ الخطاب و استدلوا ايضا باحتجاج العلماء فى جميع الأعصار بهذه الخطابات من بعد زمان الصحابة الى الآن من دون نكير و ذلك إجماع منهم و انظر الى جواب النافين عن الأول بالمنع من انه لا تبليغ إلا بهذه العمومات بل يكفي حصوله للبعض شفاها و للباقين بنصب الدلائل و الامارات على ان حكمهم حكم الذين شافهوهم و عن الثاني بأنه لا يتعين ان يكون احتجاجهم لتناول الخطاب بصيغته لهم بل يجوز ان يكون ذلك لعلمهم بأن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر فالمنصف بعد ملاحظة هذه الكلمات يقطع بأن موضوع البحث التراكيب الكلامية المذكورة و ان الاستيعاب هل هو بحيث يتناول المعدومين ايضا ام لا و ذلك بعد الفراغ عن اشتمال التركيب على ما يدل بصيغته على المتعدد من جمع او اسم جمع او غيرهما مما يدل بالوضع على الاستيعاب و التعدد فالذى يترجح فى النظر ان محل النزاع هي الصورة الثانية من الصورة الثانية من الصور التي ذكرها المصنف و هي صحة المخاطبة مع المعدومين و الغائبين عن مجلس الخطاب بنفس توجيه الكلام اليهم و حيث ان محط النظر و المهم هو خطابات اللّه تعالى فى الكتاب او اعم منها و من خطابات الرسول فى السنة، فالمراد بالعموم هو ما يكون بحسب اعتبار المتكلم و إرادته لا ما هو بحسب الوضع لغة او عرفا و انصرافا، و اما ان المتنازع فيه هو صحة هذه المخاطبة و امكانها عقلا و عدمها بعد الفراغ عن صحتها لغة كما يفهم من كلام المصنف حيث جعل النزاع فى هذه الصورة عقليا او فى وقوعها بعد الفراغ عن احراز صحتها لغة و عقلا او في صحتها لغة على تجوز او تصرف عقلي من تغليب الموجود على المعدوم و تنزيله منزلة الموجود ففيه وجوه منشأها اختلاف كلماتهم و الذى يتحصل للمتأمل في زبرهم ان المجوزين يدّعون الوقوع بعد الفراغ عن الصحة لغة و عقلا و النافين تارة ينكرون الوقوع بمنع الصحة عقلا و اخرى بمنع الصحة لغة و ثالثة بمنع وجود الدليل عليه شرعا و عليك بالتأمل التام في هذا المقام.

325

(فصل ربما قيل انه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان)

:

(الاولى حجية ظهور خطابات الكتاب لهم كالمشافهين)

بخلاف صورة الاختصاص بالمشافهين فانه لا يكون الظهور المذكور حجة لهم‏

(و فيه انه مبني‏

(*)

على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالأفهام و قد حقق‏

(**)

عدم الاختصاص بهم و لو سلم فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك)

أى بالأفهام‏

(ممنوع)

إذ لا ملازمة اصلا بين اختصاص الخطاب و اختصاص قصد الأفهام‏

(بل الظاهر ان الناس كلهم الى يوم القيامة يكون كذلك و ان لم يعمهم الخطاب كما يومي اليه غير واحد من الأخبار)

المستشهد فيها بآيات الكتاب.

(الثانية صحة التمسك باطلاقات الخطابات القرآنية)

(بناء على التعميم لثبوت الأحكام لمن وجد و بلغ من المعدومين و ان لم يكن متحدا مع المشافهين في الصنف)

فيما اذا شك لأجل ذلك في ثبوت الحكم‏

(و عدم صحته)

أى التمسك بالاطلاقات‏

(على عدمه)

أى بناء عدم التعميم‏

(لعدم كونها حينئذ متكفلة لأحكام غير المشافهين فلا بد من إثبات)

شرط الموضوع من‏

(اتحاده)

أى اتحاد المعدوم‏

(معهم)

أى مع المشافهين‏

(في الصنف حتى يحكم بالاشتراك مع المشافهين في الأحكام)

الثابتة لهم‏

(حيث لا دليل عليه حينئذ إلا الإجماع و لا إجماع إلا فيما)

____________

(*) قوله: مبني على اختصاص حجية الظواهر اه. بتقريب ان مبنى اصالة الظهور هو قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر و إرادة خلافه من دون نصب قرينة في وقت الحاجة مع عدم مصلحة توجب تأخير البيان عن وقت الحاجة بضميمة مرجوحية احتمال الغفلة من المتكلم الذى هو بصدد الافادة و المخاطب الذى هو بصدد الاستفادة و هذا كما ترى مختص بمن قصد افهامه لاحتمال اعتماد المتكلم في القاء الكلام على القرينة الصارفة المعهودة بينه و بين من قصد افهامه فلا رافع لهذا الاحتمال بالنسبة الى الغير فلا ظهور حينئذ بالنسبة الى الغير فافهم.

(**) قوله: و قد حقق عدم الاختصاص، بتقريب ان المبنى هو ان الغرض من الوضع هو تفهيم المقاصد اما بالوضع الأصلي او العارضي النوعي بملاحظة القرائن فالتوقف لاحتمال وجود الصارف على خلاف الغرض المذكور المستكشف هذا المبنى من اتفاق العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال القرينة الصارفة من غير فرق بين المخاطب و غيره كما في الوصايا الى شخص معين ثم مست الحاجة الى العمل بها مع فقد الموصى اليه و في الأوقاف و نحوهما و ليس المدرك هو قاعدة القبح كي يفرق بين المخاطب و غيره.

منه دام ظله‏

326

(اتّحد الصنف كما لا يخفى)

و لو لأجل انه القدر المتيقن مثلا لو قلنا بشمول قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ‏ للمعدومين تكون صلاة الجمعة واجبة على أهل زمان الغيبة للاطلاق حيث ان لهم الأخذ باطلاقها أو عمومها مع الشك فى تقييد الحكم أو تخصيصه فان الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه من دون نصب قرينة عليه قبيح فينفي بذلك احتمال مدخلية حضور السلطان العادل بخلاف ما لو قلنا باختصاصها بالمشافهين فانه لا يلزم وجوبها على أهل زمان الغيبة إذ لا مستند له حينئذ اما الاطلاق فلعدم كون الخطاب الاطلاقي لهم و هو في حق المشافهين لعله لعدم احتياجهم الى ذكر الشرط لوجدانهم له باعتبار انهم كانوا يصلون خلف النبي أو خلف من كان منصوبا من قبله و اما قضية الاشتراك فى التكليف فلأنها مشروطة باتحاد المكلفين فى الصنف بمعنى أن لا يكون غير من ثبت عليه التكليف على وصف وقع النزاع فى اتحاد حكمه مع حكم من ثبت عليه التكليف أو لا يكون غير من ثبت عليه التكليف على وصف وقع الاجماع على عدم اتحاد حكمه مع من ثبت عليه التكليف، و بالجملة الاتحاد فيما اعتبر قيدا للاحكام كأن كان من ثبت عليه التكليف حاضرا وقع الخلاف فى المسافر أو كان مختارا وقع الخلاف فى المضطر و هذا الشرط منتف فى المقام لوقوع الخلاف فى وجوب الجمعة على الغائبين و عدمه بعد الاجماع على وجوبها على المشافهين و هذا الخلاف يكشف عن عدم الاتحاد فى الصنف لأن صنف المشافهين كانوا يصلون خلف النبي ص أو خلف من هو منصوب عنه بخلاف الغائبين‏

(و لا يذهب عليك انه يمكن إثبات الاتحاد و عدم دخل ما كان البالغ الآن فاقدا له مما كان المشافهون واجدين له باطلاق الخطاب اليهم من دون التقييد به و كونهم كذلك)

أي كون المشافهين واجدين للشرط

(لا يوجب صحة الاطلاق مع إرادة المقيد معه فيما يمكن أن يتطرق اليه الفقدان)

و لم يكن من الامور الثابتة التي لا تتغير كوجود السلطان حيث انه صلى اللّه عليه و آله بشر قال اللّه تعالى فى حقه و حقنا إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏

(و ان صح فيما لا يتطرق اليه ذلك)

أي الفقد مثلا لا يمكن أن يوجه التكليف بالحج على نحو الاطلاق لمن استطاع فى آن أو زمان لا يسع الحج بل لا بد من أن يقيد بالاستطاعة لافادة الاطلاق ثبوت الحج حتى مع عدم بقاء الاستطاعة طول زمن يسع الحج مع انها شرط فيه بخلاف الامور الثابتة إذ لم يوجد و لا توجد صورة فقدان بعد صورة وجدان ليكون الاطلاق منافيا لكونه شرطا دخيلا فى الحكم كالبلوغ و الحياة

(و ليس المراد بالاتحاد فى الصنف إلا الاتحاد فى ما اعتبر قيدا فى الأحكام لا الاتحاد فيما كثر الاختلاف بحسبه و التفاوت بسببه بين الأنام بل فى شخص واحد بمرور الدهور و الأيام و إلا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين فضلا عن المعدومين حكم من الأحكام)

لكثرة التفاوت بينهما فى مثل تلك الصفات و هذه مفسدة عظيمة لم يحم حولها أحد

(و دليل)

327

(الاشتراك انما يجدي فى)

خصوص‏

(عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين فيما لم يكونوا مختصين)

كالتخلف عن جيش اسامة و وجوب التصدق عند نجوى الرسول قبل نسخه‏

(بخصوص عنوان أو لم يكونوا معنونين به)

أي بعنوان يشك فى شمول التكاليف للمشافهين أيضا كفقرائهم و عدم وجدانهم مئونة الجهاد فى السفر الى موضع بعيد جدا

(شك فى شمولها لهم أيضا)

و لا ينفع دليل الاشتراك أكثر من ذلك‏

(فلو لا الاطلاق و إثبات عدم دخل ذلك العنوان فى الحكم لما أفاد دليل الاشتراك)

شيئا

(و معه كان الحكم يعم غير المشافهين و لو قيل باختصاص الخطابات لهم فتأمل جيدا فتلخص انه لا يكاد تظهر الثمرة إلا على القول باختصاص لحجية الظواهر لمن قصد افهامه مع كون غير المشافهين غير مقصودين بالإفهام و قد حقق عدم الاختصاص به فى غير المقام و اشير الى منع كونهم غير مقصودين به فى خطاباته تبارك و تعالى في المقام)

و ان قلنا باختصاص الخطاب و مما ذكرنا يظهر ان جعل ثمرة النزاع هو عموم الحكم للغائبين بل المعدومين بنفس الخطاب بناء على التعميم و عدم شموله لهم بناء على الاختصاص فيحتاج في سراية الحكم منهم الى غيرهم الى التمسك بذيل قاعدة الاشتراك في التكليف و هي تجري مع الاتحاد في الصنف فاسد فان ذلك هو عين النزاع لا ثمرة متفرعة عليه و اختصاص الخطاب بالمشافهين لعدم تعقل الخطاب بالنسبة الى المعدومين لا ينافي كون الظهور الكلامي الحجة عليهم حجة علينا أيضا إلا اذا قيل بمقالة القمي ره من اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه‏

(فصل هل تعقب العام بضمير يرجع الى بعض أفراده يوجب تخصيصه به أو لا)

(هل تعقب العام)

تعقبا عرفيا لا حقيقيا

(بضمير يرجع الى بعض أفراده يوجب تخصيصه به أو لا فيه خلاف بين الأعلام و ليكن محل الخلاف ما اذا وقعا في كلامين)

كما سيأتي مثاله‏

(أو في كلام واحد)

كما لو قال أكرم العلماء واحدا منهم اذا فرض عود الضمير الى العدول منهم‏

(مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام)

بأن كان هو تمام الموضوع بحيث لم يكن للضمير دخل في موضوعيته أصلا

(كما في قوله تعالى‏

وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ‏

الى قوله‏

وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏

)

حيث ان حكم نفس العام هنا وجوب التربص و حكم الضمير أحقية الزوج بالرد

(و اما اذا كان مثل و المطلقات ازواجهن احق بردهن)

مما لا يكون العام مستقلا بما حكم عليه مع قطع النظر عن توابعه و لواحقه من صفة أو بدل أو عطف بيان و نحو ذلك حيث ان المطلقات مع قطع النظر عن قوله أزواجهن لا يكون موضوعا للحكم الذي هو الأحقية بالرد

(فلا شبهة في تخصيصه به)

فيكون المراد غير البائنات‏

(و التحقيق ان يقال انه حيث دار الأمر بين التصرف في العام بارادة خصوص ما اريد من الضمير الراجع اليه)

328

(أو التصرف في ناحية الضمير اما بارجاعه الى بعض ما هو المراد من مرجعه أو إلى تمامه مع التوسع فى الاسناد باسناد الحكم المسند الى البعض حقيقة الى الكل توسعا و تجوزا)

في الاسناد أو في الكلمة

(كانت اصالة الظهور في طرف العام سالمة عنها)

أى عن اصالة الظهور

(في جانب الضمير)

و هي التي يعبر عنها باصالة تطابق الضمير مع المرجع و اصالة عدم الاستخدام‏

(و ذلك لأن المتيقن من بناء العقلاء هو اتباع الظهور في تعيين المراد فقط لا في تعيين كيفية الاستعمال و انه على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد مع القطع بما يراد كما هو الحال في ناحية الضمير)

حيث إنا قطعنا بأن المراد منه بعض افراد العام‏

(و بالجملة اصالة الظهور انما تكون حجة فيما اذا شك في ما اريد)

من العام‏

(لا فيما اذا)

قطع بما اريد به و

(شك في انه كيف اريد فافهم لكنه)

انما يكون‏

(حجة اذا انعقد للكلام ظهور في العموم بأن لا يعد ما اشتمل على الضمير مما يكتنف به عرفا و إلا فيحكم عليه بالاجمال)

لعدم انعقاد ظهور للعام في مثل ذلك‏

(و يرجع الى ما يقتضيه الاصول)

نظير ورود الأمر عقيب الحظر و الشهرة في المجاز

(إلا أن يقال باعتبار اصالة الحقيقة تعبدا حتى فيما اذا احتف بالكلام ما لا يكون ظاهرا معه في معناه الحقيقي كما في كلام بعض الفحول)

و اما من قال باعتبارها من باب الظهور النوعي فلا محالة يحكم هنا بالاجمال فان نوع الكلام المحتف بما لا يكون معه ظاهرا في معناه لم يكن له ظهور لا في المعنى الحقيقي و لا في المعنى المجازى اللهم إلا ان يقال بعدم كون المسألة من صغريات تلك الكبرى فانها فيما اذا كان في الكلام لفظ مجمل من حيث المفهوم الأفرادى او التركيبي بحيث لو اتكل المولى في مقام بيان مراده على ما يصلح للقرينية لما اخل بمراده كما في الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة و في قول المولى اكرم العلماء إلا فساقهم المردد بين فاعلي الكبيرة فقط او الأعم منهم و من مرتكبي الصغيرة و في المقام تكون الجملة المشتملة على الضمير متكفلة لحكم آخر غير الحكم الذى تكفلته الجملة المشتملة على العام فلو اتكل المولى في إرادة الخصوص من العام و اتكل في ذلك على معلومية ارادة البعض من الجملة الاخرى فقد اخل ببيانه فتأمل، و ليعلم ان الدوران الذى ذكره المصنف انما يصح على مذهب المشهور من كون العام المخصص مجازا و اما بناء على مختاره من بقائه على معناه الحقيقي بعد التخصيص فلا دوران و لا اشكال فانه حينئذ لا يكون معنى آخر حقيقي او مجازى حتى يلزم الاستخدام و لا منافاة بين كون العام حجة بالنسبة الى حكم التربص في جميع الافراد و عدم حجيته في غير الرجعيات في حكم آخر، غاية الامر على هذا التقدير يكون المزاحم للحجية هو الاجماع الذى دل على اختصاص الحكم بالرجعيات و على المشهور يكون نفس المخصص موجبا لاستعمال العام في الباقي و من هنا يصح ان يقال ان في الآية الشريفة احتمالين آخرين، الاول‏

329

أن يراد بالعام و بضميره العموم و يرتكب التخصيص بطريق الاخراج فى الضمير، الثاني ان يضمر لفظ البعض فى قوله تعالى‏ بِرَدِّهِنَ‏ أي برد بعضهن أو فى قوله تعالى‏ وَ بُعُولَتُهُنَ‏ كما هو الظاهر أي و بعولة بعضهن فلا دوران بين التصرفين المذكورين فى كلام المصنف فى الآية الشريفة كي تكون اصالة الظهور فى طرف العام محكمة، و قد يستشكل على التحقيق الذي ذكره المصنف بأن اصالة الظهور و اصالة عدم الاستخدام فى طرف الضمير و ان لم تكن جارية بالنسبة الى نفس الظاهر لعدم ترتب الأثر عليها بعد معلومية المراد إلا انها بالنسبة الى إثبات لازمها و هو إرادة الخاص من العموم لا بأس بها كالاصول العملية الجارية لاثبات اللوازم و ان كانت الملزومات خارجة عن محل الابتلاء أو معدومة كما اذا لاقى ثوب مع ثوب آخر مع الرطوبة ثم خرج الملاقى بالفتح عن كونه محل الابتلاء أو صار معدوما و علم بنجاسته قبل الملاقاة و شك فى عروض المطهر له قبلها فان مقتضى استصحاب النجاسة هو الاجتناب عن الثوب الملاقي بالكسر و ان كان الملاقى بالفتح عدم أو خرج عن كونه من محل الابتلاء، و الجواب انه قياس مع الفارق فان الأصل العملي شأنه إثبات الآثار الشرعية و لو بألف واسطة فالتعبد بنجاسة الثوب الملاقي الخارج عن محل الابتلاء هو بعينه التعبد بنجاسة الثوب الملاقي بالكسر فمع وجود أثر شرعي و لو بنحو الايجاب الجزئي كاف فى جريان الأصل العملي و هذا بخلاف العموم فان إثبات تخصيصه باصالة عدم الاستخدام ليس من جهة كونه من آثاره شرعا بل هو من جهة ملازمته معه عقلا و بهذا الاعتبار يكون داخلا فى الاصول المثبتة و من المعلوم ان إثبات لازم عقلي بأصل، فرع إثبات ملزومه و الفرض انه لا يمكن إثبات الملزوم بالأصل فكيف يصح إثبات اللازم به مع انه من تبعاته و فروعه.

(فصل قد اختلفوا فى جواز التخصيص بالمفهوم المخالف)

كتخصيص قوله ص فى الغنم زكاة بمفهوم قوله فى الغنم السائمة زكاة و كتخصيص قوله الماء كله طاهر بمفهوم قوله ص اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي‏ء

(مع الاتفاق على الجواز بالمفهوم الموافق)

كتخصيص قوله تعالى‏ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ بمفهوم قوله: و الذي تزوج المرأة فى عدتها و هو يعلم لم تحل له أبدا و هو عدم حلية ذات البعل أبدا لمن تزوجها و هو عالم بالحال‏

(على قولين و قد استدل لكل منهما بما لا يخلو عن قصور)

كما يشهد به النظر فيها، اما استدلال المجوّزين فهو انه دليل شرعي عارض بمثله و فى العمل به جمع بين الدليلين فيجب تخصيصه به فيتعين العمل به لكونه أولى من الطرح، و رده المنكرون بأن الجمع كما يمكن بالغاء العموم كذلك يمكن بالغاء المفهوم فلا بد

330

فى ترجيح الأول من مرجح و مجرد كونه طريق الجمع لا يصلح مرجحا، و قد يستدل على الجواز بأنه اذا دار الأمر بين تخصيص العام بالمفهوم أو الغاء المفهوم فلا بد من الأول لأن الغاء المفهوم يوجب التجوز فيما دل عليه، و قد تقرر فى باب تعارض الأحوال ان التخصيص أولى من التجوز و فيه ما عرفته مرارا فى هذا الكتاب من انه لا اعتبار بالمرجحات المذكورة فى باب تعارض الأحوال ما لم توجب ظهورا للفظ

(و تحقيق المقام)

انه اذا ورد عام و ما له المفهوم الموافق بالأولوية فان كان المنطوق أخص مطلقا من المفهوم فيقدم عليه كما اذا ورد لا تكرم الفساق و ورد أكرم فساق خدام العلماء و من يحبهم، الدال بمفهومه الموافق بالأولوية على وجوب إكرام العلماء الفساق فيقدم المفهوم على العموم و لو كانت النسبة بين المنطوق و ما له العموم عموما من وجه لعدم إمكان الغاء المفهوم و المفروض تقدم المنطوق لأخصيته على العموم فيكون المورد من أحد مصاديق تقدم أحد العمومين على الآخر لمرجح فيه كما اذا لزم من تخصيص أحدهما بقائه بلا مورد و ان كانت النسبة بين المنطوق و المفهوم عموما من وجه كما اذا كان المنطوق أكرم خدام العلماء و من يحبهم الدال على وجوب إكرام العلماء أيضا فان قدم حينئذ المنطوق على العموم فى مورد التعارض فدخل خادم العالم و لو كان فاسقا فى موضوع وجوب الاكرام فيقدم المفهوم الثابت بالأولوية القطعية على العموم أيضا فلو قدم العموم على المنطوق فاخرج الخادم الفاسق عن موضوع وجوب الاكرام و خصص الوجوب بخصوص الخادم العادل فلا يثبت حينئذ بالأولوية إلا وجوب إكرام العلماء العدول دون الفساق منهم و كذلك الحكم فى المفهوم الموافق بالمساواة سواء كان منصوص العلة أو غير منصوص العلة و لكن قطعنا بالمناط من الخارج اذا كان بين المنطوق و ما له العموم عموم مطلق فيقدم المفهوم عليه و لو كانت النسبة بينهما عموما من وجه، و اما اذا كانت النسبة بين المنطوق و ما له العموم عموما من وجه ففيه التفصيل المتقدم، و اما المفهوم المخالف فقد فصل الشيخ الأنصاري فيه بين ما اذا كان العموم غير آب عن التخصيص فيخصص و بين ما اذا كان آبيا عنه فلا، و لهذا قال بتقدم عموم العلة فى آية النبأ على المفهوم من جهة ان اصابة القوم بجهالة لا تقبل التخصيص لأنه أمر فاسد مطلقا و قال بتقديم مفهوم آية النبأ على العمومات الناهية عن العمل بالظن و خروج خبر الواحد عن موضوع العمل بالظن، و فيه انه كما يمكن القول بأن الاصالة المزبورة غير قابلة للتخصيص كذلك قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً، غير قابل له و أيضا فكما ان أدلة حجية خبر الواحد تخرجه عن موضوع العمل بالظن فيكون المفهوم حاكما على الآيات الناهية عن العمل بالظن فكذلك تخرجه عن إصابة القوم بجهالة فيكون حاكما على عموم العلة، و دعوى ان عموم العلة مانع عن انعقاد الظهور فى المفهوم لاحتفاف الكلام بما يصلح ان يكون قرينة، فمدفوعة

331

بأن ذلك انما هو فى غير مورد الحكومة لا فيه، فان كون العلة قرينة انما تكون مع حفظ موضوع العلة و المفهوم رافع لموضوعها حسب الفرض فكيف تكون حينئذ مانعة عن الظهور فى المفهوم و المصنف قد فصل هنا تفصيلا آخر و قال‏

(انه اذا ورد العام و ما له المفهوم فى كلام أو كلامين)

و لكن لا مطلقا

(بل على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف فى الآخر)

ليكونا بحكم كلام واحد

(و دار الأمر بين تخصيص العموم أو الغاء المفهوم فالدلالة على كل منهما ان كانت بالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة أو بالوضع فلا يكون هناك عموم و لا مفهوم لعدم تمامية مقدمات الحكمة فى واحد منهما لأجل المزاحمة)

و العلم الاجمالي بارادة خلاف الظاهر فى أحدهما

(كما)

لا عموم و لا مفهوم أيضا

(فى مزاحمة ظهور أحدهما وضعا لظهور الآخر كذلك فلا بد من العمل بالاصول العملية فيما دار الأمر فيه بين العموم و المفهوم اذا لم يكن مع ذلك)

أي مع كون الظهورين وضعيا

(أحدهما أظهر و إلا كان مانعا عن انعقاد الظهور أو استقراره فى الآخر، و منه قد انقدح الحال فيما اذا لم يكن بين ما يدل على العموم و ما له المفهوم ذاك الارتباط و الاتصال و انه لا بد أن يعامل مع كل منهما معاملة المجمل لو لم يكن فى البين أظهر و إلا فهو المعول و القرينة على التصرف فى الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل)

و بالجملة فالمدار عند المصنف فى تقديم المفهوم على الظهور من غير فرق بين المفهوم المخالف و المفهوم الموافق فان كان ظهور المفهوم أقوى فيقدم و إلا فلا إلا أنه قد يستشكل فى بعض الصغريات كما اذا كانت الدلالة على كل من العموم أو المفهوم بالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة حيث ان احتفاف الكلام بما يصلح أن يكون قرينة لا يمنع عن انعقاد الظهور فى المفهوم فان جريان مقدمات الحكمة فى طرف المفهوم متقدم رتبة على جريانها فى طرف العموم فيكون حاكما عليه فان احتياج ظهور المفهوم الى مقدمات الحكمة انما هو لأجل انحصار القيد و عدم دخل شي‏ء آخر فى الحكم أصلا لا بنحو الجزئية و لا بنحو الاستقلال و اما ان القيد المذكور راجع الى الحكم لا الى موضوعه الذي هو مناط الظهور فى المفهوم فالاطلاق أجنبي عنه و انما يثبت ذلك بظهور وضعي و من المعلوم ان إطلاق مصب العموم لا يصلح أن يكون مانعا عن هذا الظهور كي يرفع اليد عن المفهوم و يلتزم برجوع القيد الى الموضوع فبعد الفراغ عن ظهور القضية فى حد نفسها فى المفهوم فلا اشكال فى تقدمه على العموم و كونه مبينا لدائرة مصبه، و بعبارة اخرى تقدم العموم على المفهوم، اما من جهة كشفه عن كون القيد قيد الموضوع لا الحكم و اما من جهة دلالته على عدم انحصار الشرط فى ذلك باثبات شرط آخر أيضا كما اذا كان التعارض بين الشرطيتين كما فى قوله: اذا خفى الأذان فقصر، و قوله: اذا خفى الجدران فقصر، و معلوم ان العموم لا يصلح لشي‏ء منهما، اما الأول فلأن رجوع القيد الى الحكم فى‏

332

القضايا التي لها مفهوم لا بد و أن يستند الى ظهور وضعي مانع عن جريان الحكمة في مصب العموم، و اما الثاني فلأن الحكم العمومي انما شأنه اثبات الحكم لأفراد العام، و اما اثبات عدم الانحصار و ثبوت شرط آخر يكون عدلا للشرط المذكور فلا، و كيف كان فلعل نظر المجمعين على الجواز فى المفهوم الموافق على كون ثبوت الحكم أو نفيه فى غير محل النطق فيه أشد و أقوى منه فى محل النطق و غفلوا عن ان المفهوم فى الظهور و عدمه تابع للمنطوق فلو كان المنطوق الذي له المفهوم الموافق أضعف دلالة عن العام فالمفهوم الموافق يكون أيضا أضعف فكيف يبنى العام على الخاص حينئذ اللهم إلا أن يدعى أظهرية الدلالة المفهومية و لو كانت الدلالة على المفهوم المخالف كما ادعى فى قوله ع: اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي‏ء، انه أظهر دلالة من مطلقات الطهارة من قوله: الماء طاهر و ماء طهور، أو خلق اللّه الماء طهورا، على عدم طهارته عند ملاقاة النجس على تقدير عدم الكرّية من دلالة مثل الماء طاهر بالعموم على طهارته على تقديري بلوغ الكرّية و عدمه و لا سيما بملاحظة ان دلالة قوله: الماء طاهر على طهارته، على تقدير القلة مبتنية على عموم، فى عموم أحدهما الوضعي و هو دلالة المحلي بلام الاستغراق مع تأكده بلفظ كله الدال على الاستغراق الأفرادي على كل فرد منه حتى الماء الغير الكر الملاقى للنجاسة، و الآخر العموم العقلي و هو دلالة إطلاق الحكم على كل فرد على عمومه بحسب الأحوال حتى حالتي بلوغ الكر و عدمه و المفهوم اخراج الماء فى خصوص حالة عدم البلوغ فهو فى الحقيقة اخراج عن العموم العقلي الذي هو دلالة ضعيفة فى دلالة ضعيفة لا عن العموم الأفرادي‏

(فصل الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة)

كما فى قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا الخ‏

(هل الظاهر رجوعه الى الكل أو خصوص الأخيرة أو لا ظهور له فى واحد منهما بل لا بد فى التعيين من قرينة. فيه أقوال و الظاهر انه لا خلاف و لا اشكال فى رجوعه الى الأخيرة على أي حال ضرورة ان رجوعه الى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة و كذا فى صحة رجوعه الى الكل و ان كان المتراءى من كلام صاحب المعالم حيث مهد مقدمة لصحة رجوعه اليه انه محل الاشكال و التأمل و ذلك ضرورة ان تعدد المستثنى منه كتعدد المستثنى لا يوجب تفاوتا أصلا فى ناحية الأداة بحسب المعنى كان الموضوع له فى الحروف عاما أو خاصا و كان المستعمل فيه الأداة فيما كان المستثنى منه متعددا هو)

بعينه‏

(المستعمل فيه فيما كان)

المستثنى منه‏

(واحدا كما هو الحال فى المستثنى بلا ريب و اشكال)

333

(و تعدد المخرج أو المخرج عنه خارجا لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الاخراج مفهوما)

ضرورة ان الاخراج الواحد يتعلق بالواحد من الواحد و بالمتعدد من المتعدد و انما يتعدد الاخراج بتعدد الاستعمال و ان كان المخرج أو المخرج عنه واحدا، نعم التعدد فى أحدهما يوجب تعدد اضافات الاخراج الواحد حيث انه يضاف باعتبارات شتى الى الجمل أو العمومات المتعددة فيقال ان زيدا مخرج عن هذا و عن هذا أو ان الاستثناء هنا اخراج لزيد العالم و لزيد الهاشمي و لزيد الشاعر و من البديهي ان تعدد الاضافات على حسب تعدد المضاف اليه لا يوجب تعدد المضاف و لا ينافى وحدته الشخصية فالتعدد وصف عرضي قد يلحق الاخراج عند العقل بالعرض باعتبار تعدد المخرج عنه أو تعدده مع تعدد مصاديق المخرج‏

(و بذلك يظهر انه لا ظهور لها فى الرجوع الى الجميع أو)

خصوص‏

(الأخيرة و ان كان الرجوع اليها متيقنا على كل تقدير نعم غير الأخيرة من الجمل أيضا لا يكون ظاهرا فى العموم لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهرا فيه فلا بد فى مورد الاستثناء فيه)

أي فى غير الأخيرة

(من الرجوع الى الاصول)

العملية

(اللهم إلا أن يقال بحجية اصالة الحقيقة تعبدا لا من باب الظهور فيكون المرجع عليه اصالة العموم اذا كان وضعيا لا ما اذا كان بالاطلاق و مقدمات الحكمة فانه لا يكاد تتم تلك المقدمات مع صلوح الاستثناء للرجوع الى الجميع فتأمل)

و بين وجه التأمل فى الهامش بقوله اشارة الى انه يكفي فى منع جريان المقدمات صلوح الاستثناء لذلك لاحتمال اعتماد المطلق حينئذ فى التقييد عليه لاعتقاد انه كاف فيه، اللهم إلا أن يقال ان مجرد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متعارف العرف ظاهرا فى الرجوع الى الجميع فاصالة الاطلاق مع عدم القرينة محكمة لتمامية مقدمات الحكمة انتهى، و قد يفصل فى المقام بعد اعتبار كون الاستثناء قيد الموضوع لا قيد الحكم بأنه لا بد من الرجوع الى الجميع ان لم يذكر الموضوع إلا فى الجملة الاولى كقول المولى أكرم العلماء و أضفهم و أعطهم إلا الفساق منهم لأن الموضوع لكل الجمل لم يذكر إلا فى الجملة الاولى و لا بد فى الاستثناء من رجوعه اليه ففي الحقيقة حينئذ يكون راجعا الى موضوع الكل، و اما اذا ذكر في الجملة الأخيرة كما في الآية الشريفة فلا يرجع الى الجميع فانه بالرجوع الى الأخيرة قد أخذ محله و تعلق بما هو يكون قيدا له فيحتاج رجوعه الى الجمل السابقة الى دليل و لا دليل في البين، و منه يظهر انه لو كرر الموضوع من وسط الجمل فلا بد من رجوعه اليه و الى المتأخر عنه و تبقى السابقة على عمومها، و توهم ان المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح أن يكون قرينة فاسد فان المولى على تقدير إرادته تخصيص الجميع و قد اكتفى باستثناء واحد مع تكرار الموضوع في الجملة الأخيرة فقد أخل ببيانه لما علمت انه بعد أن أخذ الاستثناء محله بذكر الموضوع في الجملة

334

الأخيرة لا موجب لرجوعه الى الجميع فعلى هذا يصير النزاع لفظيا إذ نظر من ذهب الى عوده الى الأخيرة فقط الى مثل الآية الشريفة التي قد كرر الموضوع فيها في الجملة الاخيرة و نظر من أرجعه الى الجميع الى الامثلة التي لم يذكر الموضوع إلا في الجملة الاولى فتدبر.

(فصل الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد)

(المعتبر بالخصوص)

أي بدليل خاص غير دليل الانسداد الذي هو دليل حجية مطلق الظن فان العمل بخبر الواحد حينئذ يكون من باب الاحتياط الذي هو أصل من الاصول العملية فلا يجوز حينئذ تخصيص الكتاب به فان الاصل دليل حيث لا دليل‏

(كما جاز تخصيصه بالكتاب و بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد بلا ارتياب)

وفاقا لاكثر المحققين و خلافا لما هو المحكي عن الشيخ و جماعة و عليه السيد المرتضى‏

(و ذلك لما هو الواضح من سيرة الاصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب الى زمن الأئمة و احتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة)

المعلومة عندهم و ان خفيت علينا

(واضح البطلان فانه تعويل على ما يعلم خلافه بالضرورة مع انه لولاه)

أي لو لا العمل بخبر الواحد في قبال عمومات الكتاب‏

(لزم الغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه)

أي بحكم الالغاء

(ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب لو سلم وجود ما لم يكن كذلك)

أي وجود خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب و لا أقل من عموم ما دل على اصالة البراءة كعمومات الحل و نحوها

(و كون العام الكتابي قطعيا صدورا و خبر الواحد ظنيا سندا)

و لا يجوز تحكيم الظني على القطعي كما استدل به المانع واضح البطلان ضرورة ان ذلك‏

(لا يمنع عن التصرف في دلالته)

أي دلالة الكتاب‏

(الغير القطعية و إلا)

أي و ان كان مجرد قطعية السند مانعا

(لما جاز تخصيص)

الخبر

(المتواتر به)

أي بخبر الواحد

(أيضا مع انه جائز جزما)

و بالاتفاق‏

(و السر)

في التحكيم‏

(ان الدوران)

و التعارض‏

(في الحقيقة بين اصالة العموم)

و الظهور في العام الكتابي‏

(و دليل سند الخبر)

الذي يقطع به باعتبارهما كليهما

(مع ان الخبر بدلالته و سنده صالح للقرينة على التصرف فيها)

أى في اصالة العموم و الظهور

(بخلافها فانها غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره)

لاستلزامه تقديم الظني و هو اصالة العموم و الظهور على القطعي كمفهوم آية البناء و بناء العقلاء و غير ذلك و هو باطل جزما و على تقدير الصلاحية يكون الاصل الجارى في القرينة مقدما على الاصل الجارى في ذى القرينة فتكون مبينا للمراد منه‏

(و لا ينحصر الدليل على)

اعتبار

(الخبر بالاجماع كي يقال بأنه)

أى الاجماع‏

(فيما لا يوجد على خلافه)

أى خلاف الخبر

(دلالة و مع وجود الدلالة القرآنية)

335

(يسقط وجوب العمل به)

و لو من جهة انه دليل لبي لا إطلاق فيه و لا عموم فيجب الاقتصار على القدر المتيقن كما استدل به المحقق في المعارج على المنع‏

(كيف و قد عرفت ان سيرتهم مستمرة على العمل به في قبال العمومات الكتابية)

فلا حاجة الى عموم أو إطلاق‏

(و الاخبار الدالة على أن الأخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها أو ضربها على الجدار أو انها زخرف أو انها مما لم يقل به الامام ع و ان كانت كثيرة جدا و صريحة الدلالة على طرح المخالف)

للكتاب كما استدل به المانع أيضا

(إلا أنه لا محيص عن أن يكون المراد من المخالفة فى هذه الأخبار غير مخالفة العموم)

و الخصوص و الاطلاق و التقييد

(ان لم نقل انها)

أى المخالفة بالعموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد

(ليست من المخالفة عرفا كيف و صدور الأخبار المخالفة للكتاب بهذه المخالفة منهم (عليهم السلام) كثيرة جدا)

بحيث يكون انكاره خلاف العلم القطعي‏

(مع قوة احتمال أن يكون المراد انهم (عليهم السلام) لا يقولون بغير ما هو قول اللّه واقعا و ان كان على خلافه ظاهرا)

أى ظاهر الكتاب‏

(شرحا لمرامه تعالى و بيانا لمراده تعالى من كلامه)

جل و علا

(فافهم و الملازمة بين جواز التخصيص و جواز النسخ به)

كما استدل به المانع أيضا حيث قال لو جاز التخصيص به لجاز النسخ أيضا و التالي باطل إجماعا، و اما الملازمة فلأجل ان النسخ مآله الى التخصيص‏

(ممنوعة و ان كان مقتضى القاعدة جوازهما)

معا أو عدم جوازهما لا التفكيك إلا إنا مع ذلك نمنع الملازمة

(لاختصاص النسخ بالاجماع على المنع)

و هو مفقود فى التخصيص‏

(مع)

انه يمكن أن يقال انه قياس مع الفارق ضرورة

(وضوح الفرق بتوفر الدواعي الى ضبطه و لذا قلّ الخلاف فى تعيين موارده بخلاف التخصيص)

فالملازمة ممنوعة و مما يجب أن يعلم ان مرجع الخلاف فى المسألة الى جواز تخصيص القطعي السند بالظني السند مع قطع النظر عن جهة الدلالة بحيث لو لا القطعية و الظنية من حيث السند كان تحكيم الخاص مفروغا عنه بخلاف مسئلة جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف فان النظر فيها الى حيثية الدلالة قوة و ضعفا مع قطع النظر عن جهة السند فعلى هذا يمكن أن يقال ان قطعية صدور الكتاب و ظنية صدور الخبر و ان كانا من أسباب قوة السند و ضعفه إلا أنهما انما يفيدان فى مقام ترجيح السندى حيث لم يمكن الجمع بينهما دلالة و حمل العام على الخاص جمع عرفى مقبول فيكون قوة السند فى طرف العام ملغاة و قد تقرر ذلك في باب التعادل و الترجيح فلا معنى لالغاء الخبر حينئذ بمجرد ظنية سنده، و مما ذكرنا تبين ان القول بالتفصيل بين ما اذا خصص العام الكتابي قبل هذا التخصيص بمخصص قطعي مطلقا أى متصلا كان أو منفصلا و بين ما اذا لم يخصص كذلك، و كذا القول بالتفصيل بين ما اذا خصص قبله بمنفصل قطعيا كان أو ظنيا و بين ما اذا لم يخصص كذلك انما نشأ من اختلاف جهتي البحث في المسألتين فان سبق‏

336

التخصيص بالقطعي مطلقا أو بالمنفصل مطلقا لا يورث إلا الوهن في دلالة العام و هو لا يدفع استدلال المانع الذى هو منشأ الاشكال في المسألة من أن الظن لا يعارض القطع، و تبين أيضا ان الاشكال على دليل الجواز بالمعارضة بين احتمال التخصيص في العام و بين احتمال مجاز آخر في الخاص غير التخصيص من أنواع المجاز مضافا الى احتمال التخصيص في الخاص الذى كان عاما أيضا كما عن القمي ره انما نشأ من هذا الخلط، إذ قد عرفت ان ظاهر كلماتهم و مساق أدلتهم انه لو لا جهة القطعية و الظنية سندا كان تحكيم الخاص مفروغا عنه و ليس المقام من قبيل دوران الأمر بين تخصيص العام و بين تخصيص الخاص أو تجوز آخر فيه كحمل النهي على الكراهة كما زعم القمي ره فالمثال لما نحن فيه قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، مع قوله ص البيعان بالخيار ما لم يفترقا و قوله ع ثلاثة أيام للمشترى، الوارد في خيارى المجلس و الحيوان حيث انه لا يكون هنا الا تخصيص الآية المقتضية لعمومها الأفرادى بالوضع و الأزماني بحسب الاطلاق و مقدمات الحكمة وجوب الوفاء بكل عقد عقد في جميع الأزمنة حتى زمان عدم افتراق المتبايعين في مطلق البيوع و قبل ثلاثة أيام في الحيوان و ليس يحتمل شي‏ء آخر في طرف الخبر من وجوه المجاز و ان كان فهو ليس بمحط للنظر.

(فصل ان الخاص و العام المتخالفين يختلف حالهما ناسخا و مخصصا و منسوخا)

(ان الخاص و العام المتخالفين)

بحسب الحكم بعد الفراغ عن أظهرية الخاص من العام و ان التخصيص أشيع و أرجح من أنحاء التصرفات في الخاص‏

(يختلف حالهما ناسخا و مخصصا و منسوخا)

و لو في كلام متكلمين يكونان بحكم متكلم واحد

(فيكون الخاص مخصصا تارة و ناسخا مرة و منسوخا اخرى و ذلك لأن الخاص ان كان مقارنا مع العام أو واردا بعده قبل حضور وقت العمل به فلا محيص عن كونه مخصصا و بيانا له)

و لا يجوز أن يكون ناسخا و إلا يلزم اما امتناع الناسخ أو امتناع المنسوخ لكن هذا فيما اذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي و اما اذا شك فيه ففيه اشكال‏

(و ان كان)

الخاص واردا

(بعد حضوره كان ناسخا لا مخصصا لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما اذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي و إلا)

أى و ان لم يكن العام واردا لبيان الحكم الواقعي بل كان متكفلا للحكم الظاهرى‏

(لكان الخاص ايضا مخصصا له)

فان العام حينئذ يكون قاعدة مضروبة في مقام الشك فيكون الخاص المتأخر مخصصا للحكم الظاهرى، و سيجي‏ء من المصنف في بحث المطلق و المقيد ما يدلك على ان ورود التخصيص بعد حضور وقت العمل بالعام الوارد لبيان الحكم الظاهرى لا ضير فيه فانتظر

(كما هو الحال في غالب العمومات و الخصوصيات في الآيات و الروايات)

المأثورة

337

عن الأئمة (عليهم السلام) دون العام و الخاص الواردين في الكتاب و السنة أو العام من الكتاب و الخاص من السنة و ذلك لكثرة التخصيص و قلة النسخ‏

(و ان كان العام وروده بعده)

أي بعد الخاص‏

(قبل حضور وقت العمل به)

أي بالخاص‏

(كان الخاص مخصصا و بيانا له)

و توهم لزوم تقديم البيان على المبين بالفتح و هو مستحيل فى غاية الضعف فان المقدم ليس إلا ذات البيان لا بوصف كونه بيانا و انما يثبت له هذا الوصف بعد ورود العام فان البيانية من الامور المنتزعة من الشي‏ء بالاضافة الى شي‏ء آخر بكونه شرحا و مفسرا له رافعا للغطاء عنه و يجب فى هذه الملاحظة، تقارنهما زمانا و ان كان أحدهما مقدما على الآخر ذاتا كوصف الابوّة و البنوّة للاب و الابن‏

(و ان كان)

العام‏

(واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص فكما يحتمل أن يكون الخاص مخصصا للعام)

مع كونه مقدما على العام و حضر وقت العمل به لكن العام لم يحضر وقت العمل به فيصح تخصيصه به‏

(يحتمل أن يكون العام ناسخا له و ان كان الأظهر أن يكون الخاص مخصصا لكثرة التخصيص حتى اشتهر ما من عام إلا و قد خص)

الشامل لنفسه لمكان قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏

(مع قلة النسخ فى الأحكام جدا و بذلك)

أي بكثرة التخصيص و قلة النسخ مع ورود العام بعد حضور وقت العمل بالخاص‏

(يصير ظهور الخاص فى الدوام و لو كان بالاطلاق)

و مقدمات الحكمة

(أقوى من ظهور العام و لو كان بالوضع كما لا يخفى)

اللهم إلا أن يقال انا قد ذكرنا فى باب تعارض الأحوال ان المرجحات التي ذكرها القوم اعتبارية استحسانية للعقل لا اعتبار بها ما لم تفد ظهور اللفظ أو أقوائيته و انما هي فى حد نفسها ظنون مطلقة لم تثبت حجيتها و افادة كثرة التخصيص و ندرة النسخ ذلك أول الكلام و صيرورتها علة لوهن فى اصالة العموم ممنوعة فلا شي‏ء فى مقابلة اصالة العموم ليعارضها فهي حجة

(هذا كله اذا علم تاريخهما اما لو جهل و تردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام و قبل حضوره)

و ان علم تاريخ أحدهما أو كليهما لكن مع الجهل لأن الخاص المتأخر وارد قبل حضور وقت العمل أو بعده‏

(فالوجه هو الرجوع الى الاصول العملية)

لا الى التخصيص و لا الى النسخ‏

(و كثرة التخصيص و ندرة النسخ هاهنا و ان كانا يوجبان الظن بالتخصيص أيضا و انه واجد لشرطه إلحاقا له بالغالب إلا انه لا دليل على اعتباره و انما يوجبان الحمل عليه فيما اذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص لصيرورة الخاص بذلك فى الدوام أظهر من العام كما اشير اليه فتدبر جيدا ثم ان تعيين الخاص للتخصيص اذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو ورد العام قبل حضور وقت العمل به)

أي بالخاص‏

(انما يكون مبنيا على عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل)

كما هو المشهور

(و إلا فلا يتعين له بل يدور بين كونه مخصصا و ناسخا فى الأول)

و هو ما اذا ورد

338

الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام، و علق فى الهامش هنا تعليقا حاصله نفي الثمرة العملية بين كون الخاص حينئذ مخصصا أو ناسخا و هذا لفظه: لا يخفى ان كونه مخصصا بمعنى كونه مبينا لمقدار المراد من العام و ناسخا بمعنى كون حكم العام غير ثابت فى نفس الأمر فى مورد الخاص مع كونه مرادا و مقصودا بالإفهام فى مورد العام كسائر الأفراد و إلا فلا تفاوت بينهما عملا أصلا كما هو واضح لا يكاد يخفى انتهى‏

(و مخصصا و منسوخا فى الثاني)

و هو ما اذا ورد العام قبل حضور وقت العمل بالخاص‏

(إلا أن الأظهر مع ذلك كونه مخصصا)

فى الصورتين و إن كان ظهور العام في عموم الأفراد أقوى من ظهور الخاص في الخصوص لما أشير إليه من تعارف التخصيص و شيوعه و ندرة النسخ جدا فى الأحكام‏

(و لا بأس بصرف الكلام الى ما هو نخبة القول فى النسخ)

(فاعلم ان النسخ و ان كان رفع الحكم الثابت اثباتا)

أي بحسب مقام الاثبات و الدلالة اللفظية

(إلا انه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا)

و واقعا

(و انما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم و استمراره أو أصل إنشائه و إقراره مع أنّه بحسب الواقع ليس له قرار أو ليس له دوام ورارمتسا)

فيكون مفاد دليل الناسخ هو انتهاء مدة الحكم فيكون شارحا و مبينا للعام الظاهر في استيعاب حكمه لجميع الأزمنة فالفرق بينه و بين التخصيص هو أن التخصيص بحسب أفراد موضوع الحكم و هو بحسب الازمان أو يكون مفاده عدم جعل لحكم من رأس فيكون شارحا و مبينا للدليل الظاهر في إرادة المولى مدلوله بالارادة الجدية بمعنى انه يبين أنه قد أريد بالارادة الاستعمالية بمصلحة اقتضت ذلك لا الارادة الجدية

(و ذلك لأن النبي ص الصادع للشرع ربما يلهم أو يوحى اليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال و انه ينسخ في الاستقبال أو مع عدم اطلاعه على ذلك لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تعالى)

لكونه ص ممكن الوجود و يستحيل أن يحيط بواجب الوجود الذي هو بارؤه و بكمالاته و صفاته التي هي عين ذاته التي من أعظمها صفة العلم‏

(و من هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل و حيث عرفت ان النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا)

و أن كان بحسب الظاهر رفعا

(فلا بأس به مطلقا و لو كان قبل حضور وقت العمل لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك و تعالى بالمعنى المستلزم لتغير ارادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتا وجهه)

كما انه كذلك لو كان النسخ رفع الحكم الثابت المستقر الدائم بأن يريد المولى أولا بالارادة الجدية استمرار الحكم واقعا ثم يظهر له بعض للمصالح أو المفاسد فيرفعه‏

(و إلا لزم امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ فان الفعل ان كان مشتملا على مصلحة موجبة للأمر به امتنع النهي عنه و إلا امتنع الأمر به و ذلك لان الفعل أو دوامه لم يكن متعلقا لارادته فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير ارادته و لم يكن الامر بالفعل من جهة كونه مشتملا على)

339

(مصلحة و انما كان انشاء الامر به أو اظهار دوامه عن حكمة و مصلحة)

هذا كله في وقوع النسخ في التشريعيات‏

(و اما البداء في التكوينات بغير ذاك المعنى فهو مما تدل عليه الروايات كما لا يخفى و مجمله ان اللّه تعالى اذا تعلقت مشيته باظهار ثبوت ما يمحوه لحكمة داعية الى اظهاره ألهم أو أوحى الى نبيه أو وليه أن يخبر به مع علمه بأنه يمحوه أو مع عدم علمه به لما اشير اليه)

آنفا

(من عدم الاحاطة)

له ص‏

(بتمام ما جرى فى علمه تعالى و انما يخبر به لأنه حال الوحي أو الإلهام لارتقاء نفسه الزكية و اتصاله بعالم لوح المحو و الاثبات)

الذي هو مرتبة من مراتب علمه تعالى و عالم الربوبى فينسخ جدا

(اطلع على ثبوته و لم يطلع على كونه معلقا على أمر غير واقع أو)

على‏

(عدم الموانع قال اللّه تعالى:

يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ.

الآية نعم من شملته العناية الإلهية و اتصلت نفسه الزكية بعالم لوح المحفوظ الذى من أعظم العوالم الربوبية و هو امّ الكتاب يكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها كما ربما يتفق لخاتم الأنبياء ص و لبعض الأوصياء كان عارفا للكائنات كما كانت و تكون، نعم مع ذلك ربما يوحى اليه حكم من الأحكام تارة بما يكون ظاهرا فى الاستمرار و الدوام مع انه فى الواقع له غاية و امد يعينها بخطاب آخر و اخرى بما يكون ظاهرا فى الجد مع انه لا يكون واقعا بجد بل لمجرد الابتلاء و الاختبار كما انه يؤمر وحيا أو إلهاما بالأخبار بوقوع عذاب)

على قوم كقوم يونس ع‏

(أو غيره)

من هلاك شخص أو نحو ذلك‏

(مما لا يقع لأجل حكمة فى هذه الأخبار أو ذاك الاظهار فبدا له تعالى بمعنى انه يظهر ما أمر نبيه أو وليه بعدم اظهاره أولا و يبدأ ما خفى ثانيا و انما نسب اليه تعالى البداء مع انه فى الحقيقة الإبداء لكمال شباهته إبداءه تعالى كذلك بالبداء فى غيره تعالى و فيما ذكرنا كفاية فيما هو المهم فى باب النسخ و لا داعي بذكر تمام ما ذكروه فى ذاك الباب كما لا يخفى على اولي الألباب)

و من أراد أن يطلع على تمام الكلام فى ذلك فعليه بمطالعة الثمرات فانا قد فصلنا هذا المطلب مع مسئلة عصمة الأنبياء فيها اجابة لملتمس بعض الاخوان‏

(ثم لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص و النسخ ضرورة انه على التخصيص يبتني على خروج الخاص عن حكم العام رأسا و على النسخ على ارتفاع حكمه عنه)

أي عن الخاص‏

(من حينه)

أي من حين النسخ‏

(فيما دار الأمر بينهما فى المخصص و اما اذا دار بينهما فى الخاص)

المتقدم‏

(و العام)

المتأخر

(فالخاص على التخصيص غير محكوم بحكم العام أصلا و على النسخ كان الخاص محكوما به)

أي بحكم العام‏

(من حين صدور دليله)

أي دليل العام‏

(كما لا يخفى)

و تبين لك ان ما هو المهم فى هذه المسألة هو بيان حال التخصيصات المتأخرة عن العمومات الصادرة عن لسان الأئمة بعد حضور وقت العمل بها إلا انه بعد ما علمت جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة لمصلحة مقتضية لذلك فيتعين الخاص للمخصصية كما اذا كان مقدما و لا

340

مجال لاحتمال النسخ فان اصالة العموم فيما اذا جرت مقدمات الحكمة و بعد وجود ما يصح لتقييد موضوع العموم تكون مقدمات الحكمة منتفية فلا مقتضى حينئذ للعموم لا ان عدم جريان اصالة العموم من جهة جريان اصالة عدم النسخ و تقدمها عليها و ذلك لأن اصالة عدم النسخ اما من الاصول العملية و اما من الاصول اللفظية، فعلى الأول لما كانت اصالة العموم من الاصول اللفظية فمعلوم ان الاصول اللفظية متقدمة على الاصول العملية عند التعارض فلا بد حينئذ من الحكم بالتخصيص دون النسخ و بينوا كونها من الاصول العملية بأن الحكم الثابت بدليله لا يمكن أن يكون بنفسه متكفلا لبيان استمراره حيث ان الاستمرار مرتبته متأخرة عن الحكم فلا يمكن أن يكون نفس الحكم المنشأ متكفلا لما هو متأخر عنه رتبة و ليس هناك دليل آخر و لو بقيد متصل بالكلام دل على استمرار كل حكم شخصي بحسب الأزمنة و قولهم (عليهم السلام) حلال محمد ص حلال الى يوم القيمة و حرام محمد حرام الى يوم القيمة فانما هو باعتبار نوع الأحكام الشرعية لا باعتبار الاشخاص فهو ناظر الى هذه الشريعة مستمرة الى يوم القيامة فحينئذ لو شك فى التخصيص و النسخ فلا بد من التشبث باصالة العموم التي هو أصل لفظي لا باصالة عدم النسخ التى هو أصل عملي و على الثاني تكون اصالة العموم حاكمة عليها فان الشك فى ناسخية الخاص المتأخر و كذلك فى منسوخية الخاص المتقدم مسبب عن الشك فى تقييد موضوع حكم العام و إطلاقه. فاذا فرضنا ثبوت إطلاقه باصالة العموم فيرتفع الشك عن طرف المسبب فلا بد و أن يحكم بالنسخ لا بعدم النسخ هذا خلف مع ان التعارض بين الاصلين و تقديم اصالة عدم النسخ فرع جريان اصالة عدم النسخ و هي غير جارية هنا فان الخاص المتأخر المزبور يجب العمل على طبقه سواء كان ناسخا للعام أو مخصصا له فاصالة عدم النسخ بالنسبة الى ما بعد ورود دليل الخاص لا أثر له، و اما بالنسبة الى ما قبله فلا أثر له أيضا فان التعبد الاستصحابي انما هو باعتبار البقاء لا باعتبار الحدوث و كيف كان لا مجال لاحتمال النسخ و لا تكون اصالة العموم جارية لعدم المقتضي له فيتعين الخاص فى المخصصية بل نقول فى العام المتأخر الوارد بعد حضور وقت العمل بالخاص ان احتمال كون العام ناسخا لحكم الخاص ابعد إذ لو سلم قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة مطلقا فلا نسلم قبح تقديم البيان فيكون الخاص المتقدم بيانا للعام و مضيقا لدائرته و اللّه العالم.

341

(المقصد الخامس في المطلق و المقيد و المجمل و المبيّن)

(فصل عرف المطلق بأنه ما دل على شايع فى جنسه)

(و قد اشكل عليه بعض الاعلام بعدم الاطراد)

كمن، و ما، فى الاستفهام حيث انه عام لا مطلق مع صدق هذا التعريف عليه فيختل طرده‏

(و الانعكاس)

لخروج المفرد المعرّف و المنكر عن الحد حيث يؤخذان باعتبار العموم الشمولي بقرينة حكمة أو مقام لعدم دلالتهما على خصة شايعة بل على جميع الحصص و ربما يورد عليه أيضا بأنه انما ينطبق على النكرة دون اسم الجنس الذى هو الاصل فى الاتصاف بالاطلاق و ربما يعتذر بأنه انما يتم اذا اريد من الشائع الفرد المردد، و اما اذا اريد منه السارى لأن معنى الشيوع هو السريان فيشمل كليهما

(و أطال)

ذلك البعض‏

(الكلام فى النقض و الابرام و قد نبهنا فى غير مقام على ان مثله شرح الاسم و هو مما يجوز أن لا يكون بمطرد و لا منعكس فالأولى الإعراض عن ذلك ببيان ما وضع له)

(بعض الالفاظ التي يطلق عليها المطلق)

(أو غيرها مما يناسب المقام)

.

(فمنها اسم الجنس)

(كانسان، و رجل، و فرس، و حيوان، و سواد، و بياض، الى غير ذلك من أسماء الكليات من الجواهر و الاعراض)

التي تكون محمولة بالضميمة

(بل العرضيات)

التي هي الخارجة عن الذات المحمولة عليها و ان تكن ضميمة كالفوقية و التحتية و الملكية و الزوجية و الولاية و النيابة و نحو ذلك‏

(و لا ريب انها موضوعة لمفاهيمها بما هي مبهمة مهملة بلا شرط أصلا ملحوظ معها حتى لحاظ انها كذلك)

أى مبهمة مهملة بلا شرط

(و بالجملة الموضوع له اسم الجنس هو نفس)

ذات‏

(المعنى)

فحسب‏

(و صرف المفهوم الغير الملحوظ معه شي‏ء أصلا الذى)

أى الملحوظ معه شي‏ء

(هو المعنى بشرط شي‏ء و لو كان ذلك الشي‏ء هو الارسال و العموم البدلي و لا الملحوظ معه عدم لحاظ شي‏ء معه)

سواء كان الشي‏ء قيدا وجوديا او عدميا، و بعبارة اخرى الملحوظ معه قيد اللابشرطية عن كل من قيدى بشرط شي‏ء و بشرط لا

(الذى هو الماهية اللابشرط المقسمي و ذلك لوضوح صدقها)

أى أسماء الاجناس‏

(بما لها من المعنى بلا عناية التجريد عما هو قضية الاشتراط و التقييد فيها كما لا يخفى مع بديهة عدم صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الافراد و ان كان يعم كل واحد منها بدلا او استيعابا و كذا المفهوم اللابشرط القسمي)

الملحوظ معه عدم لحاظ شي‏ء معه‏

(فانه)

342

(كلي عقلي لا موطن له إلا الذهن لا يكاد يمكن صدقه و انطباقه عليها بديهة ان مناطه الاتحاد بحسب الوجود خارجا فكيف يمكن ان يتحد معها ما لا وجود له إلا ذهنا)

فيمتنع تعلق التكليف به لكن مما يجب ان يعلم ان الموضوع له اسم الجنس و ان لم يكن هو الماهية بشرط شي‏ء و لا الماهية بشرط لا شي‏ء بل هو الماهية اللابشرط المقسمي إلا انها ليست هو نفس ذات المعنى و صرف الطبيعة فانه ليست الماهية من حيث هي هي إلا هي لا موجودة و لا معدومة لا خاصة و لا عامة لا مطلقة و لا مقيدة لا مقسم و لا لا مقسم و انما هذه اعتبارات تلحق الماهية باعتبار آخر غير اعتبار نفس الذات، و ان شئت تحقيق ذلك فراجع الثمرات فانا قد بينا فيها اعتبارات الماهية بما لا مزيد عليه.

(و منها علم الجنس)

(كاسامة و المشهور بين اهل العربية انه موضوع للطبيعة لا بما هي هي بل بما هي متعينة بالتعين الذهني)

فمدلوله كمدلول المعرف بلام الجنس‏

(و لذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون أداة التعريف)

و اسم الجنس و ان دل على الطبيعة إلا ان مدلوله لم يكن مقيدا بقيد الحضور و التعين الذهني و توهم ان كل لفظ اشارة الى معناه فلا يكون مدلوله إلا حاضرا فى الذهن فلم يكن حينئذ فرق بين اسم الجنس و علم الجنس، مدفوع بوضوح الفرق بين حصول صفة للمعنى من جهة كونها من لوازم دلالة اللفظ عليه و بين حصولها له من جهة اعتباره معه حيث ان الواضع قد يضع اللفظ للطبيعة مطلقا مع قطع النظر عن حصوله عند العقل و قد يضع للطبيعة المقيدة بالحصول فى الذهن فالحصول فى الذهن حينئذ قيد للموضوع له بخلاف الاول فان الموضوع له فيه هي الماهية المطلقة و ان لزمها الحضور فى الذهن عند دلالة اللفظ عليها

(لكن التحقيق انه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شي‏ء معه اصلا كاسم الجنس و التعريف معه لفظي كما هو الحال فى التأنيث اللفظي)

كما ذهب اليه نجم الأئمة المحقق الفاضل الرضي الأسترآبادي حيث قال فى شرح الكافية: اذا كان لنا تأنيث لفظي كغرفة و بشرى و نسبة لفظية نحو كرسي فلا بأس ان يكون لنا تعريف لفظي اما باللام كما ذكرنا قبل و اما بالعلمية كاسامة انتهى، فعلى هذا لا فرق بين اسم الجنس و علم الجنس فى المعنى إلا في الامور اللفظية

(و إلا)

أي و ان لم يكن علم الجنس موضوعا لصرف المعنى بل كان الامر كما ذهب اليه المشهور من ان الموضوع له هي الطبيعة المقيدة بالتعين الذهني‏

(لما صح حمله على الافراد بلا تصرف و تأويل لأنه على المشهور كلي عقلي و قد عرفت انه لا يكاد يصح صدقه على الأفراد مع صحة حمله عليها بدون ذلك كما لا يخفى ضرورة ان التصرف في المحمول بارادة نفس المعنى بدون قيده تعسف لا يكاد يكون بناء القضايا المتعارفة عليه مع ان وضعه لخصوص معنى يحتاج الى تجريده عن خصوصيته عند الاستعمال لا يكاد يصدر عن جاهل فضلا عن)

343

(الواضع الحكيم)

اللهم إلا أن يمنع عن ذلك بأن يقال ان المعنى مطلقا يلاحظ في مقامين أحدهما مقام الحكم أى اعتبار النسبة بين الطرفين الموضوع و المحمول خبرية كانت أو انشائية و ثانيهما مقام الاستعمال أي إرادته من اللفظ و طلب عمل اللفظ فى المعنى بالدلالة عليه، و المقام الثاني متأخر رتبة عن الأول لأنه مقام التلفظ الخارجي و الأول مقام التصور الذهني إلا أنه ليس بتابع له فى الكيفية و الكمية بأن يكون كل ما هو مأخوذ فى مقام الحكم لا بد و أن يكون مرادا فى مقام الاستعمال فيمكن أن يكون الملحوظ فى مقام الحكم هي الطبيعة مطلقة و فى مقام الاستعمال هي الطبيعة بقيد الخصوصية، و بالجملة وجوب الموافقة بين مقامي الحكم و الاستعمال فى اعتبار التقييد و الاطلاق أمر غير بيّن و لا مبين و ليس يلزم أن يكون المستعمل فيه متعلقا للغرض بالذات و لذا تكون الكنايات حقائق على التحقيق.

(و منها المفرد المعرف باللام)

(و المشهور انه على أقسام، المعرّف بلام الجنس أو الاستغراق أو العهد بأقسامه)

من الذهني و الذكرى و الحضورى و الخارجي‏

(على نحو الاشتراك بينها لفظا أو معنى و الظاهر)

انه ليس كذلك لقوة احتمال‏

(ان الخصوصية فى كل واحد من الأقسام من قبل خصوص اللام)

لا المدخول الذى هو المعرف باللام‏

(أو من قبل قرائن المقام من باب تعدد الدال و المدلول لا باستعمال المدخول ليلزم فيه المجاز أو الاشتراك فكان المدخول على كل حال مستعملا فيما يستعمل فيه الغير المدخول و المعروف ان اللام تكون موضوعة للتعريف و مفيدة للتعيين فى غير العهد الذهني و أنت خبير بأنه لا تعيين فى تعريف الجنس إلا الاشارة الى المعنى المتميز بنفسه من بين المعاني ذهنا و لازمه أن لا يصح حمل المعرف باللام بما هو معرف على الأفراد لما عرفت من امتناع الاتحاد)

فى الخارج‏

(مع شي‏ء لا موطن له إلا الذهن إلا بالتجريد و معه لا فائدة فى التقييد مع ان التأويل و التصرف فى القضايا المتداولة فى العرف غير خال عن التعسف)

لأنا نقطع بأن عموم الناس فى محاوراتهم لا التفات لهم الى هذا التجريد و التأويل‏

(هذا مضافا الى أن الوضع لما لا حاجة اليه بل لا بد من التجرد عنه و الغائه فى الاستعمالات المتعارفة المشتملة على حمل المعرف باللام أو الحمل عليه كان لغوا كما أشرنا اليه فالظاهر ان اللام مطلقا تكون للتزيين كما فى الحسن و الحسين (عليهما السلام) و استفادة الخصوصيات انما تكون بالقرائن التي لا بد منها لتعينها على كل حال و لو قيل بافادة اللام للاشارة الى المعنى)

حيث انها اما مشترك لفظي أو معنوى أو مجازات‏

(و مع الدلالة عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة الى تلك الاشارة لو لم تكن مخلة و قد عرفت اخلالها فتأمل جيدا)

و قد تقدم منا فى علم الجنس ما ينفعك فى هذا المقام، و لما كان هنا مظنة سؤال و هو ان انكار افادة اللام للتعريف و كونها للتزيين ينافى ما اتفق عليه أئمة الأدب من افادة الجمع المحلى باللام للعموم حيث انه لا سبب‏

344

في ذلك إلا اللام فان الفرض عدم وضع المدخول لذلك و لا قرينة ظاهرا كي يستند العموم اليه فأجاب المصنف بقوله‏

(و أما دلالة الجمع المعرف باللام)

(على العموم مع عدم دلالة المدخول عليه فلا دلالة لها على انها تكون لأجل دلالة اللام على التعيين حيث انه لا تعين إلا للمرتبة المستغرقة لجميع الأفراد و ذلك لتعين المرتبة الاخرى و هي أقل مراتب الجمع كما لا يخفى فلا بد أن يكون دلالته عليه مستندة الى وضعه كذلك)

أى مع اللام‏

(لذلك)

أى للعموم و الشمول‏

(لا الى دلالة اللام على الاشارة الى المعين ليكون به التعريف)

توضيح الجواب هو أن نفس الجمع ظاهر فى انه موضوع لطبيعة ما فوق الاثنين فيصدق على الثلاثة أيضا و اما اللام الداخلة عليه فبناء على وضعها للمعنى لا يكون وضعها إلا لتعيين المعنى في الذهن أو في الخارج و هذا أيضا لا يفيد العموم إلا بدعوى انها موضوعة للتعيين و لا تعيين هنا الا للمرتبة المستغرقة لجميع الأفراد و ضعف هذه الدعوى ظاهرة إذ المرتبة الدانية من جميع المراتب و هي أقل مراتب الجمع متيقنة في مقام الارادة فدلالته على العموم لا بد و ان يستند اما الى وضع مجموع الداخل و المدخول للعموم أو الى مقدمات الحكمة بتقريب أن يقال ان تعيين الجمع في مقام الاطلاق لا بد و أن يكون في المرتبة المستوعبة لجميع المراتب فانها متعينة من جميع الجهات عددا و معدودا بخلاف المرتبة الدانية فانها و ان كانت متعينة عددا إلا انها لا تعيين فيها معدودا إذ يحتمل أن يكون الثلاثة من صنف البخيل أو الكريم أو المركب منهما و هكذا و لا بد من اجراء مقدمات حكمة اخرى فيحتاج الى زيادة مئونة و تكلف و على أى التقديرين لا يكون العموم مستندا الى اللام‏

(و ان أبيت إلا عن استناد الدلالة عليه)

أى على العموم‏

(اليه)

أي الى اللام‏

(فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة على التعيين فلا يكون بسببه التعريف إلا لفظا فتأمل جيدا)

(و منها النكرة)

(مثل رجل في‏

وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ

)

مما يكون معينا عند المتكلم و عدم تعيينه انما هو بالنسبة الى المخاطب‏

(او في جئني برجل)

مما يكون غير معين مطلقا

(و لا اشكال ان المفهوم منها في الأول و لو بنحو تعدد الدال و المدلول هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير واحد من افراد الرجل)

و لو بان يكون الدال على الفردية هو التنوين بناء على كونه موضوعا لمعنى‏

(كما انه)

أى المفهوم منها

(في الثاني هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة فيكون حصة من الرجل و يكون كليا ينطبق على كثيرين لا فردا مرددا بين الأفراد و بالجملة النكرة اى ما بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم)

لا مفهوم النكرة و ما بالحمل الاولى نكرة

(اما هو فرد معين في الواقع غير معين للمخاطب او حصة كلية لا الفرد المردد بين الأفراد و ذلك لبديهة كون لفظ رجل في جئني برجل نكرة مع انه يصدق على كل من جي‏ء به من الأفراد و لا يكاد يكون واحدا منها)

اى من الأفراد كزيد

345

(هذا او غيره كما هو قضية الفرد المردد لو كان هو المراد منها ضرورة ان كل واحد هو هو لا هو أو غيره فلا بد أن تكون النكرة الواقعة فى متعلق الأمر)

أي لا النهي‏

(هو الطبيعي المقيد بمثل مفهوم الوحدة فيكون كليا قابلا للانطباق فتأمل جيدا)

توضيح مرامه هو انه أراد دفع توهم أن يكون المراد بالنكرة فى مثل جئني برجل هو الفرد المردد و يكون صدقه على الأفراد الخارجية التي يجي‏ء بها المكلف فى مقام الامتثال على نهج البدلية، و تقريبه هو ان الرجل فى مثل هذا المثال يصدق على كل من جاء به المكلف فى مقام الامتثال من زيد أو عمرو أو بكر و هكذا و هذا الصدق يكشف عن انه لا يكون المراد به هو الفرد المردد أي هذا المفهوم و إلا يلزم أن يكون زيد الخارجي المعين زيدا أو غير زيد لأن ذلك هو مقتضى كونه فردا لمفهوم الفرد المردد و هو محال ضرورة ان زيدا نفسه نفسه و ليس مرددا بين نفسه و غيره بل يكون المراد بها هو الطبيعي المقيد بقيد الوحدة فانها و ان كانت حصة بالنسبة الى الطبيعة المطلقة إلا انها فى حد نفسها كلي طبيعي و نحو صدقها على أفرادها هو أن يؤخذ كل واحد منها منفردا إذ المجتمع المنضم بعضها مع بعض ليس يصدق عليه الطبيعة مقيدة بقيد الوحدة بخلاف الطبيعة المطلقة حيث تصدق عليها منفردة و مجتمعة لكن قد بينا فى الثمرات ان هذا انما يتم اذا لم يكن المراد الواقعي من النكرة هو الفرد المردد، و اما اذا كان المراد الواقعي هو ذلك فلا يتم كما فى الوصية بأحد الشيئين أو بيع أحد العبدين بناء على صحته فراجع‏

(اذا عرفت ذلك فالظاهر صحة إطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني كما يصح لغة)

حيث انها فى اللغة بمعنى المرسل و الاطلاق بمعنى الارسال و لو كان اضافيا

(و غير بعيد أن يكون جريهم فى هذا الاطلاق على وفق اللغة من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح)

خاص‏

(على خلافها كما لا يخفى)

و من هنا يعلم ان الاشكال على تعريف المطلق بعدم الطرد و العكس غير صحيح فانه انما يصح على التعاريف الحقيقية لا اللغوية

(نعم لو صح ما نسب الى المشهور من كون المطلق عندهم موضوعا لما قيد بالارسال و الشمول البدلي لما كان ما اريد منه الجنس أو الحصة عندهم مطلقا)

لعدم تحقق قيد الارسال فى شي‏ء منهما

(إلا أن الكلام فى صدق النسبة و لا يخفى ان المطلق بهذا المعنى)

الذي نسب الى المشهور

(لطرد التقييد غير قابل فان ما له)

أي للمطلق‏

(من الخصوصية)

و هي قيد الارسال و الشمول البدلي‏

(ينافيه و يعانده)

أي ينافى التقييد و يعانده‏

(و هذا بخلافه بالمعنيين)

أي نفس الطبيعة أو الطبيعة المقيدة بالوحدة

(فان كلّا منهما له)

أي للتقييد

(قابل لعدم انثلامهما)

أي المعنيين‏

(بسببه)

أي بسبب التقييد

(أصلا كما لا يخفى و عليه لا يستلزم التقييد تجوزا فى المطلق لإمكان إرادة معنى لفظه و إرادة قيده من قرينة حال أو مقام و انما استلزمه)

أي استلزم التقييد التجوز

(لو كان المطلق بذاك)

346

(المعنى)

المنسوب الى المشهور

(نعم لو اريد من لفظه المعنى المقيد)

كأن اريد من لفظ رقبة فى قولنا اعتق رقبة مؤمنة الرقبة ذات الايمان و جعل القيد قرينة على المراد من اللفظ

(كان مجازا مطلقا كان التقييد بمتصل أو بمنفصل)

ثم انه قد ظهر لك من مطاوي ما ذكرنا ان الاطلاق و التقييد حالتان عرضيتان معروضهما الاولى و الذاتي هو المفهوم و اتصاف اللفظ بهما انما هو بالعرض و المجاز و ان كان التعريف المذكور فى صدر البحث يشعر بكون معروضهما أولا و بالذات هو اللفظ لكنهم أرادوا اتصاف اللفظ بهما تبعا و بالعرض.

(فصل قد ظهر لك انه لا دلالة لمثل رجل إلا على الماهية المبهمة)

(قد ظهر لك انه لا دلالة لمثل رجل)

أي خاليا عن كل اللواحق و الطواري‏

(إلا على الماهية المبهمة)

بالابهام اللابشرطي‏

(وضعا)

و هو المعنى الصالح للحوق اللواحق و الطواري عليه‏

(و ان الشياع و السريان)

الذي يقيد به الماهية المبهمة

(كسائر الطواري)

من الخصوصية المعينة أو التقيد بفرد ما او بجميع الأفراد

(يكون خارجا عما وضع)

لفظ مثل رجل‏

(له فلا بد في الدلالة عليه)

أي على الشياع و السريان الذي تقيد به الماهية المبهمة

(من قرينة حال أو مقال أو حكمة)

أما الأولان فلا يمكن ادخالهما تحت ضابط لاختلافهما حسب اختلاف خصوصيات الكلام أو المقام‏

(و)

اما

(هي)

أي قرينة الحكمة

(تتوقف على مقدمات)

.

(أحداها كون المتكلم فى مقام بيان تمام مراده)

المراد بالبيان هنا إظهار الشي‏ء و افهامه على النهج المتعارف بين أهل اللسان مطلقا أي سواء كان عن إرادة جدية أم لا بل عن إرادة استعمالية ضربا للقانون ليكون حجة فيما لم تكن حجة أقوى على خلافه فلو اتفق الظفر بالمقيد لم يكن كاشفا عن عدم كون المتكلم فى مقام البيان و لذا لا ينثلم به الاطلاق و يصح التمسك به فى غير مورد هذا المقيد بخلاف البيان فى قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة حيث انه بمعنى نصب القرينة على ما هو المراد بالارادة الجدية

(لا)

فى مقام‏

(الاهمال)

أي فى مقام إثبات الحكم لطبيعة الموضوع فى الجملة و ان لم يكن المتكلم عالما بكيفية تحققه له و لا بكيفية تحقق نفس الموضوع كما فى قول القائل الغير الطبيب لا بد لهذا المرض من شرب دواء

(أو الاجمال)

أي فى مقام إثبات الحكم للطبيعة فى الجملة مع كونه عالما بالكيفيتين إلا أنه لم يبينهما لأجل مصلحة كما فى قول الطبيب اسقوه السقمونيا مع العلم بكيفية شربه و لكن لم يبينها لأجل مصلحة و بالجملة فيما لم يكن فى مقام البيان كمقام التشريع فقط او كان فى مقام بيان حكم آخر كما فى قوله فكلوا مما أمسكن الوارد فى مقام بيان عدم كون ما اصطاده الكلب المعلم حراما لا يمكن التمسك بالاطلاق فى رفع جزء أو قيد شك فى دخله فى المطلوب كما لا يمكن التمسك باطلاق الأمر بالأكل‏

347

فى الآية على طهارة مواضع عضّ الكلب فان كونه فى مقام التشريع قرينة على انه ليس بصدد تمام مراده و كذلك اذا كان فى مقام بيان حكم آخر فلا يكون هناك دليل على كونه فى مقام البيان من الجهة التي يراد إثباتها بالاطلاق كطهارة مواضع العض من إطلاق الأمر الأكل فى الآية.

(ثانيتها انتفاء ما يوجب التعيين)

بأن لا يأتي المتكلم فى كلامه بما يدل على خصوصية فى متعلق حكمه أو موضوعه متصلا به أو منفصلا عنه.

(و ثالثتها انتفاء القدر المتيقن فى مقام التخاطب)

بأن لم يكن فى مقام الانفهام العرفى من نفس اللفظ فرق بين فرد و فرد بل كان الكل متساوية الأقدام من حيث الانفهام العرفى من نفس اللفظ، و بالجملة لا بد و أن لا يكون هناك انصراف مستقر الى بعض الأفراد من نفس اللفظ عرفا

(و لو كان المتيقن بملاحظة الخارج عن ذاك المقام)

أى مقام التخاطب‏

(فى البين)

كقطع المخاطب أو برهان من الخارج‏

(فانه)

أى وجود القدر المتيقن بملاحظة الخارج عن مقام التخاطب‏

(غير مؤثر فى رفع الاخلال بالغرض لو كان بصدد البيان كما هو الفرض)

ضرورة ان كونه متيقنا بملاحظة أمر خارج عن دائرة الانفهام العرفى من اللفظ غير كونه تمام المراد من اللفظ فى مقام التخاطب، و من المعلوم ان المطلق لا يصير بيانا للمقيد المتيقن كذلك و دليلا عليه فوجود هذا النحو من القدر المتيقن لا يصلح لأن يقع بيانا لمراد المتكلم من اللفظ فلو لم يكن الاطلاق مرادا للمتكلم لأخل بغرضه لعدم ما يصلح لأن يعين ما سوى الاطلاق فهذه المقدمات الثلاث مقوّمات لدليل الحكمة

(فانه فيما تحققت لو لم يرد المتكلم الشياع لاخل بغرضه حيث انه لم يبينه مع انه بصدده)

فيستكشف بطريق الإن عدم تقيد المراد الواقعي بخصوصية خاصة و تعلق إرادة المتكلم بالمطلق بما هو مطلق فالاطلاق فى عالم الاثبات و الدلالة دليل كاشف عن الاطلاق بحسب مقام الثبوت‏

(و بدونها)

أى و بدون هذه المقدمات الثلاث‏

(لا يكاد يكون هناك إخلال به حيث لم يكن مع انتفاء)

المقدمة

(الاولى إلا فى مقام الاهمال أو الاجمال)

و قد عرفت انه حينئذ لا يصح التمسك بالاطلاق على تمام مراده‏

(و مع انتفاء الثانية كان البيان بالقرينة)

فلا إخلال أيضا حيث انه مع اتيان القرينة المتصلة لا ينعقد ظهور للكلام فى الاطلاق من أول الأمر إلا فى المقيد و مع الاتيان بالمنفصلة و ان انعقد له ظهور إلا أنه بحكم المقيد لكونه أقوى من المطلق فى خصوص ما يكون المقيد ظاهرا فيه‏

(و مع انتفاء الثالثة)

و هو بأن يكون القدر المتيقن بحسب التخاطب بالمعنى الذى ذكرناه موجودا

(لا اخلال بالغرض لو كان المتيقن)

المزبور و هو المقيد

(تمام مراده فان الفرض انه بصدد بيان تمامه و قد بينه)

إذ المدار على مصداق تمام المراد لا عنوانه و مفهومه و المتيقن مصداق له‏

348

بالضرورة فلا داعي و لا حاجة الى بيان انطباق مفهوم تمام المراد عليه‏

(لا بصدد بيان انه)

أى القدر المتيقن‏

(تمامه)

أى تمام مراده و ليس ما وراء القدر المتيقن بمراد له‏

(كي)

يلزم انه‏

(أخل ببيانه فافهم)

و ان كان صيرورة الأمر بالعرض بملاحظة المقدمة الاولى أن القدر المتيقن هو تمام المراد و الى هذا أشار في الهامش هنا بما هذا لفظه اشارة الى انه لو كان بصدد بيان انه تمامه ما أخل ببيانه بعد عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد فانه بملاحظته يفهم ان المتيقن تمام المراد و إلا كان‏ (*) عليه نصب القرينة على إرادة تمامها و إلا قد أخل بغرضه، نعم لا يفهم ذلك اذا لم يكن إلا بصدد بيان ان المتيقن مراد و لم يكن بصدد بيان ان غيره مراد إذ ليس بمراد قبالا للاجمال و الاهمال المطلقين فافهم فانه لا يخلو عن دقة انتهى فيستفاد من مجموع المتن و الهامش انه اذا كان للفظ قدر متيقن بحسب مقام التخاطب فللمتكلم بهذا اللفظ يتصور ثلاث حالات، الاولى كونه بصدد بيان تمام المراد و كان ذلك المتيقن تمام المراد له، الثانية كونه بصدد بيان ان المتيقن المذكور هو تمام المراد مع عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد، الثالثة كونه بصدد بيان ان المتيقن مراد و اما ما وراء المتيقن مراد أو ليس بمراد فليس بصدده، ففي الصورة الاولى و الثانية لا إخلال بالغرض أصلا، اما في الاولى فمن جهة أنا نجزم بأن تمام مراده من المطلق هو بعض خصوصياته و شطر من أفراده و هو المتيقن بحسب مقام التخاطب لا جميع أفراده، و اما في الثانية فكذلك أيضا لكن من جهة عدم نصب القرينة على تمام الأفراد يفهم ان المتيقن تمام الأفراد و في الصورة الثالثة فاللفظ مبين من جهة كون‏

____________

(*) هذا هو الحق و ديدن الفقهاء رضوان اللّه عليهم على ذلك، قال الشيخ الأنصارى فى كتاب الطهارة فى مسئلة كفاية غسل الجنابة عن الأغسال الأخر ما هذا لفظه: ثم ان ظاهر كلمات الأصحاب عدم الفرق فى كفاية غسل الجنابة عما عداه بين عدم الالتفات الى ذلك الغسل و بين الالتفات اليه و قصد سقوطه و بين قصد عدم سقوطه و نوقش فى شرح س و المفاتيح فى شمول الاجماع للصورة الأخيرة و هو فى محله لو كان دليل المسألة الاجماع المحقق اما الاجماع المدعى فى السرائر و جامع المقاصد فهو مطلق كالاخبار على تقدير دلالتها إلا ان يدعى انصراف المطلق فى معقد الاجماع و مورد النص الى غير هذه الصورة لكن الأرجح فى النظر شمول فتوى المجمعين لهذه الصورة و ان كان إطلاقهم منصرفا الى غيره لأن ظاهرهم المصرح به بعضهم كون غسل الجنابة رافعا لحدث الحيض و الرفع غير متوقف على ما ذكر انتهى. أقول: وجه عدم التوقف هو ان الحكم الوضعي غير متوقف على القصد و كيف كان فكلامه صريح في انه اذا لم يكن المنصرف من الاطلاق تمام المراد بل تمام الأفراد كان تمام المراد فلا بد من التصريح بذلك و لا أقل من الظهور. منه دام ظله‏

349

المتيقن مرادا و مجمل من جهة انه يشك في ان ما وراءه مراد أو ليس بمراد

(ثم لا يخفى عليك ان المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده مجرد بيان ذلك و اظهاره و افهامه و لو لم يكن عن جد بل قاعدة و قانونا ليكون حجة فيما لم يكن حجة أقوى على خلافه لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا يكون الظفر بالمقيد لو كان كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام البيان و لذا لا ينثلم به إطلاقه و صحة التمسك به أصلا فتأمل جيدا)

و قد سبق بيان ذلك على سبيل الاجمال في شرح مقدمات الحكمة و غرضه قده من هذا الكلام دفع اشكال يرد على التمسك بالاطلاقات من باب مقدمات الحكمة على ما أسسه المصنف من كون وضع المطلقات للماهية لا بشرط شي‏ء فيما اذا ظفر المجتهد بمقيد منفصل إذ الظفر به يكشف عن عدم كون المتكلم بصدد البيان و ان المجتهد مخطئ في احرازه بل يمكن توجيه الاشكال مطلقا و لو قبل الظفر فان بعض مقدمات الحكمة هي المقدمة الاولى و هي ليست بمحرزة للقطع بعدم إرادة الاطلاق من مطلق المطلقات الواردة في الروايات بل مطلق المحاورات لا أقل من الظن بالعدم مع كفاية الاحتمال لمنافاته مع الاحراز المعتبر في صحة الاستدلال، و الجواب ان الاشكال انما يرد لو كان المراد بالبيان هنا بيان حقيقة مراده و واقع مقصوده كالبيان في مسئلة تأخير البيان عن وقت الحاجة، و اما اذا كان المراد منه هو البيان في مقام الاجمال أو الاهمال بأن يكون المتكلم بصدد افهام السامع الاطلاق في جهة أو جهات كما اذا كان موضوعا له و ان كان مراده واقعا التقييد مع عدم نصب قرينة على التعيين كما اذا كان في مقام ضرب قاعدة يرجع اليها عند الشك في ترتيب حكمها على فرد من أفراد موضوعها ما لم يقم من خارج دليل على التخصيص كما هو الحال في القواعد المستفادة من العمومات فلا يتوجه الاشكال أصلا فان مقتضى مقدمات الحكمة في مثل المقام لزوم التقييد لو لم يكن الاطلاق مرادا فعدم التقييد في مثل المقام كاشف عن إرادته من اللفظ كالمعنى العام من العام في مرحلة الاعلام و الافهام و ان لم يكن بمراد في الواقع و ذلك لبديهة كفاية البيان بهذا المعنى في استنتاج لزوم نقض الغرض و خلاف الحكمة من عدم إرادة الاطلاق كذلك مع الاطلاق في مثل المقام و يقابله ما اذا كان الغرض يحصل و لو اهمل أو اجمل فلا يخل بغرضه الاطلاق مع عدم إرادته منه أيضا في هذه المرحلة أيضا أى مرحلة الافهام كما اذا كان فى مقام التشريع من غير التفات الى جهاته أو مقام الاعلام به على إجماله و لو مع الالتفات الى جهاته فلا كاشف عن إرادة الاطلاق عند الاطلاق حينئذ

(و قد انقدح بما ذكرنا ان النكرة في دلالتها على الشياع و السريان أيضا يحتاج فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال الى مقدمات الحكمة فلا تغفل)

(بقي شي‏ء)

(و هو انه)

هل يعتبر في المقدمة الاولى العلم الوجداني بكون المتكلم في مقام البيان أم لا بل يقوم غيره مقامه‏

350

أيضا

(و لا يبعد أن يكون الأصل فيما اذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد هو كونه بصدد بيانه و ذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسك بالاطلاقات فيما اذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها الى جهة خاصة)

من كونه مسوقا لأجل تشريع الحكم أو اشارة الى ما بينه المتكلم سابقا أو واردا في مقام بيان حكم آخر أو التقية أو نحو ذلك و ليس للمولى حجة على العبد اذا عمل باطلاق كلامه بل له الحجة و الاعتذار بأنك اطلقت الكلام و لم تنصب القرينة على صرف وجهة الكلام الى جهة خاصة

(و لذلك ترى ان المشهور يتمسكون بها مع عدم احراز كون مطلقها)

أى المتكلم بالاطلاق‏

(بصدد البيان و بعد كونه لأجل ذهابهم الى انها موضوعة للشياع و السريان)

و الأصل حمل اللفظ على الحقيقة

(و ان كان ربما ينسب ذلك اليهم و لعل وجه النسبة ملاحظة انه لا وجه للتمسك بها بدون الاحراز)

أى احراز انه بصدد البيان‏

(و الغفلة عن وجهه)

الذى ذكرناه من جريان السيرة على التمسك بها عند الشك في كون المتكلم في مقام البيان‏

(فتأمل جيدا)

كي تذعن بأن الحق الحقيق ما ذهب اليه السلطان ره من كون المطلق موضوعا للطبيعة المطلقة بالاطلاق المقسمي بالمعنى الذى شرحناه في الثمرات لا للطبيعة المرسلة بالارسال القسمي كما نسب الى المشهور و ان كان يمكن أن يوجه ما نسب الى المشهور بأنه بضميمة مقدمات الحكمة يصير كأنه هو الموضوع له لا انه موضوع له حقيقة و إلا يلزم التجوز في المطلقات الواردة في غير مقام البيان من مقام أصل التشريع أو كونه في مقام حكم آخر و نحو ذلك و هو بعيد و ليعلم ان كون لفظ مطلقا بالنسبة الى قيد و خصوصية أو عدم كونه مطلقا بالنسبة اليه انما يصح بالنسبة الى القيد الذى يصح ان يقع قيدا للمتعلق أو للموضوع مع قطع النظر عن تعلق الحكم به كالايمان و عدمه بالنسبة الى الرقبة فانه يصح تقسيمها في نفسها الى مؤمنة و كافرة، و اما اذا لم يكن القيد كذلك بل كان من العناوين المتولدة عن الحكم كالوجوب و الندب و قصد القربة و العلم بالحكم و الجهل به فيستحيل الاطلاق كالتقييد بالنسبة اليها كما اوضحنا ذلك في مسئلة انقسام الواجب الى التعبدى و التوصلي‏

(ثم انه قد انقدح بما عرفت من توقف حمل المطلق على الاطلاق فيما لم يكن هناك قرينة حالية او مقالية على قرينة الحكمة المتوقفة على المقدمات المذكورة انه لا اطلاق له)

أى للمطلق‏

(فيما كان له الانصراف الى خصوص بعض الأفراد او الأصناف لظهوره فيه او كونه متيقنا منه)

بحسب مقام التخاطب‏

(و لو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه)

بأن يكون التيقن به بنحو تعدد الدال و المدلول حسب اختلاف مراتب الانصراف‏

(كما ان منها)

اى من مراتب الانصراف و في بعض النسخ و منه فعليه يكون مرجع الضمير هو الانصراف‏

(ما لا يوجب ذا و لا ذاك)

اى لا يوجب الظهور و لا كونه متيقنا منه‏

(بل)