عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
459

و منها: معتبرة حمزة بن محمّد الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1) قال حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه و قال‏ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها (2) قال بيّن لها ما تأتي و ما تترك و قال‏ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3) قال عرّفناه إما آخذ و إمّا تارك و عن قوله‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (4) قال عرّفناهم فاستحبّوا العمى على الهدى و هم يعرفون- و في رواية بيّنا لهم- (5)

و منها: معتبرة عبد الأعلى قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة قال فقال لا قلت فهل كلّفوا المعرفة قال لا، على اللّه البيان‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (6) و لا يكلّف نفسا إلّا ما أتاها قال و سألته عن قوله: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ قال حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه‏ (7) و إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أنّ الجهل بالأحكام الواقعية و عدم معرفتها يوجب وضعها و رفعها و عدم التكليف بها.

و غير خفي إنّ من لم يعرف الأحكام الواقعية كان محجوبا عنها إنّ اللّه الذي لم يبينها لهم حجب تلك الأحكام عنهم و هذه الروايات تدل على أنّ التكليف بالأحكام الواقعية متفرع على المعرفة بها و لا يصح الاحتجاج إلّا بالتعريف و المعرفة و البيان و لا تكليف‏

____________

(1) توبه/ 115.

(2) الشمس/ 8.

(3) انسان/ 3.

(4) فصلت/ 17.

(5) الكافي 1: 163 باب البيان و التعريف ح 3.

(6) بقرة/ 286.

(7) الكافي 1: 163 البيان و التعريف ح 5.

460

بالنسبة إلى أصل المعرفة بل التكليف متفرع على المعرفة و يجب عليهم أن يقبلوا ما عرفوه من الأحكام الواقعية و يمتثلوها و لا عذاب و لا إضلال بالنسبة إلى ما لم يعرفوا و حجبوا عن علمها فالحجب أو عدم العلم و المعرفة بالأحكام الواقعية يوجب عدم تأثير التكاليف المجهولة و وضعها و رفعها و بعبارة أخرى انّ الظاهر من هذه الأحاديث هو رفع التكليف و عدم الاحتجاج و العقوبة بالنسبة إلى ما لم يتمكنوا من المعرفة به من الأحكام الواقعية لا ما تمكنوا من المعرفة. و قصّروا فيه من جهة عدم الفحص و عدم تعلّمه و لا فرق في رفع التكليف بعدم المعرفة و الحجب بين أن بيّنه اللّه تعالى و لم يصل إلينا أو سكت عن بيانه إلى زمان ظهور الإمام الثاني عشر أرواحنا فداه لأنّ كل ذلك ممّا حجب علمه عن العباد و مما لم يعرفه الناس فهذه الأحاديث تشمل كل حجب و عدم المعرفة.

و دعوى اختصاص الحجب و عدم المعرفة بخصوص ما سكت عنه فلا تشمل ما حجب بواسطة الحوادث و النوازل كضياع الكتب أو كتمان الروايات فيكون تلك الروايات مساوقة لما ورد من أنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا، كما في فرائد الاصول. (1)

مندفعة بأنّ الحجب و عدم التعريف يصدقان أيضا فيما إذا أمكن تجديد البيان و لم يفعل فإنّه تعالى بعد حدوث النوازل و إخفاء الأحكام و إمكان تجديد البيان إذا سكت عنها صدق انه حجب علمه عن من لم يطلع عليها و صدق عدم المعرفة به بالنسبة إلى من لم يصل التكليف إليه و لم يكن مقصرا في ذلك نعم لا يصدقان بالنسبة إلى من عرف و كتم عن تقصير في حفظه كما لا يخفى.

و لقد أفاد و أجاد السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) في جواب الإشكال المذكور حيث قال إنّ الموجب لخفاء الأحكام التي بيّنها اللّه تعالى بلسان رسوله (صلى اللّه عليه و آله) اوصيائه (عليهم السّلام) و إن كان هو الظالمين إلّا أنه تعالى قادر على بيانها بأن يأمر المهدي (عليه السّلام) بالظهور و بيان تلك الأحكام‏

____________

(1) فرائد الاصول: 199.

461

فحيث لم يأمره بالبيان لحكمة لا يعلمها إلّا هو صح إسناد الحجب إليه تعالى هذا في الشبهات الحكمية و كذا الحال في الشبهات الموضوعية فإن اللّه تعالى قادر على إعطاء مقدمات العلم الوجداني لعباده فمع عدم الإعطاء صح إسناد الحجب إليه تعالى فصحّ الاستدلال بهذا الحديث على البراءة في الشبهات الحكمية و الموضوعية كحديث الرفع. (1)

و إذا عرفت صدق الحجب و عدم التعريف حتى بالنسبة إلى موارد إخفاء الظالمين بترك البيان المجدد فلا حاجة في شمولهما للموارد المذكورة إلى ما ربما يقال من أنه لمّا لم يمكن وقوع فعل إلّا بإرادة اللّه و إذنه تعالى فيصح إسناد حجب الأشياء أو حجب العلم بها عن العباد إلى اللّه تعالى و إن كان الحجب المذكور ناشئا عن معصية العصاة في إيجاد أسباب الاختفاء.

مع ما فيه من أنه خروج عن الاستناد بالظواهر و استدلال بما هو مقتضى الأدلة العقلية و مما ذكر يظهر ما في تهذيب الاصول و تسديد الاصول و مباحث الحجج فراجع أو يظهر ما فيما قد يقال من أنّه يمكن التعدي من مورد خبر الحجب (و هو الأحكام الواصلة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) بتوسيط خطابه إليه التي لم يؤمر من قبله سبحانه بإبلاغها إلى العباد بملاحظة صدق استناد الحجب فيها إليه سبحانه) إلى غيرها من الأحكام المجهولة التي كان سبب خفائها الأمور الخارجية بمقتضى عدم الفصل بينهما بعد صدق التكليف الفعلي على المضامين الخطابات المنزلة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لو مع عدم الأمر بإبلاغها إلى العباد و بذلك تصلح الرواية لمعارضة ما دل على وجوب الاحتياط (2) مع ما فيه من أنّ الأخذ بعدم الفصل فيما إذا لم يشمل الدليل و قد عرفت أنّ الحجب و عدم التعريف صادقان بعد إمكان البيان المجدد و امتنع عنه سبحانه تعالى ثم لا وجه لدعوى اختصاص هذه الروايات بالتفصيلات الاعتقادية لإطلاقها و عمومها بالنسبة إلى الأحكام أيضا كما لا يخفى.

____________

(1) مصباح الاصول 2: 271- 272.

(2) نهاية الأفكار 3: 227.

462

ثم إنّ ظاهر قوله (عليه السّلام) ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم أو قوله تعالى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ اي حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه أو قوله (عليه السّلام) و للّه على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا أو قوله أن اللّه يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم و غير ذلك هو ثبوت الحكم في الواقع و إنّ الحجب أو عدم التعريف يتعلق بالعلم به و عليه فقوله (عليه السّلام) فهو موضوع عنهم أو قوله (عليه السّلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء قال لا أو قوله (عليه السّلام) و للّه على الخلق إذا عرفهم ان يقبلوا يدلّ على رفع التكليف بالنسبة إلى ما في الواقع ارفاقا و تسهيلا فينا في ما يدل على وجوب الاحتياط بالنسبة إلى المحجوب من الأحكام الواقعية و من المعلوم أنّ الإرفاق فيما إذا كان ما في الواقع قابلا للوضع و لو بوضع ظاهري و جعل الاحتياط و هو لا يكون إلّا الأحكام الفعلية من ناحية اللّه سبحانه و تعالى و أما ما لم يبلغ إلى الفعلية كالحكم الإنشائي فلا يحتاج إلى الرفع و الإرفاق و بذلك تصلح هذه الروايات للمعارضة مع ما دل على وجوب الاحتياط في الأحكام الواقعية الفعلية فلا تغفل.

463

حديث السعة

و من الأخبار التي استدل بها للبراءة حديث السعة.

روى في مستدرك الوسائل عن عوالي اللئالي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال «الناس في سعة ما لم يعلموا» و فيه أنّ الرواية ضعيفة

و روي في الكافي بسند موثق عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقوم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن قيل يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال هم في سعة حتى يعلموا.

و لا مجال لتضعيف الرواية من ناحية النوفلي من جهة عدم توثيقه لوقوعه في طريق كثير من الأخبار في الكتب المعتبرة و هو يكفي وثاقته و إلّا فلم يكثروا عنه الرواية بهذه الكثرة.

هذا مضافا إلى أنّ ناشر رواياته هو إبراهيم بن هاشم و غيره من أجلّاء القمّيين الذى طعنوا على أحمد بن محمّد بن خالد البرقي بأنّه يروي عن الضعفاء و اعتمد على المراسيل و لذا نفاه احمد بن محمّد بن عيسى عن بلدة قم ثم اعتذر و أعاده.

و أيضا كانت روايات السكوني مقبولة كما نصّ عليه الشيخ في العدّة مع أنّ كتب السكوني منقولة بواسطة النوفلي فالرواية معتبرة.

و كيف ما كان فتقريب الاستدلال بهذه الرواية بأن يقال إنّ دلالة قوله (عليه السّلام) «الناس في سعة حتى يعلموا» على المطلوب ظاهرة لأنّ المستفاد منها هو التوسعة ما لم يحصل العلم بالواقع فمع عدم العلم لا يوجب التكاليف الواقعية ضيقا بوجوب الاحتياط.

لا يقال: إنّ الأخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبع و لكن مع العلم بالاحتياط بأحد الطريقين ارتفع الوسعة و لا منافاة بين الرواية و وجوب الاحتياط مع العلم به بالعقل أو النقل لأنا

464

نقول: إنّ ذلك يتمّ إذا كان دعوى الأخباري إثبات العقوبة على مخالفة نفس إيجاب الاحتياط في قبال الواقع و ليس كذلك بل مقصودهم إنّما هو إثبات العقوبة على مخالفة التكليف الواقعي المجهول و من المعلوم أنّ إثبات السعة من ناحية التكليف الواقعي ينافي إيجاب الاحتياط كما أنّ أدلّة وجوب الاحتياط ليست من باب قيام العلم على الواقع إذ الاحتياط لا طريقة له كما لا يخفى.

و دعوى أنّ شمول موثّقة السكوني «هم في سعة حتى يعلموا» لمثل المقام محل تأمّل لأنّ موردها هو خصوص اللحم و حكمه (عليه السّلام) بالإباحة إنّما هو من جهة كونه في أرض المسلمين و هي أمارة على التذكية و إن كان مقتضى أصالة عدم التذكية حرمة أكله فمورد الرواية من الشبهة الموضوعية التى تقوم فيه الأمارة على الحلّية و من المعلوم أنّها أجنبية عن المقام.

مندفعة بأنّه لا قرينة في الرواية على أنّ الطريق في أرض المسلمين حتى يكون ذلك أمارة على التذكية بل السؤال مطلق و الإمام (عليه السّلام) لم يستفصل عن الطريق أنّه طريق المسلمين أو غيره.

اللّهمّ إلّا أن يحمل الرواية جمعا بينها و بين ما دل على عدم جواز أكل اللحم من دون إحراز تذكيته على تخصيص هذه الرواية بمورد جريان الأمارة و لكن ذلك لا يضر بجواز الأخذ بالكبرى المذكورة في الموارد التى لا أمارة فيها كحلية الجين و بالجملة حمل الرواية بالنسبة إلى اللحم على مورد قيام الأمارة لا يكون دليلا على حملها بالنسبة إلى سائر الموارد إذ لا شاهد له ثمّ إنّ الرواية تعمّ الشبهة الموضوعية و الحكمية كليهما و مجرد تطبيقها على الشبهة الموضوعية لا يوجب تخصيصها بها إذ المورد لا يكون مخصّصا.

465

الخلاصة حديث السعة

و من الأخبار التي استدل بها للبراءة «حديث السعة»:

روي في مستدرك الوسائل عن عوالي اللآلي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال الناس في سعة ما لم يعلموا. (1)

و فيه أنّ السند ضعيف بالإرسال و لم أر نسخة ما لا يعلمون و لو كانت تلك النسخة موجودة فكلمة «ما» موصولة لا ظرفية لاختصاص الثانية بما إذا كان النفي في الماضي لا المستقبل على ما حكي عن أهل الأدب.

و روي في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن (الحسين بن يزيد) النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقوّم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد و ليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن قيل يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال هم في سعة حتى يعلموا و رواه البرقى في المحاسن عن النوفلي. (2)

لا يقال: إنّ هذه الرواية أيضا ضعيفة بالنوفلي إذ هو لم يوثق.

لأنا نقول: كما أفاد بعض الأعلام أنه وقع في طريق كثير من الأخبار في الكتب المعتبرة و هو يكفي في وثاقته و إلّا فلم يكثروا عنه بهذه الكثرة هذا مضافا إلى أنّ ناشر رواياته هو إبراهيم بن هاشم و غيره من أجلاء القميّين فلو كانت رواياته ضعيفة لم يتحملها أجلاء القميّين كما طعن القميون على أحمد بن محمّد بن خالد البرقي بأنّه يروي عن الضعفاء و اعتمد على المراسيل و لذا نفاه أحمد بن محمّد بن عيسى عن بلدة قم ثمّ أعاده إليها و اعتذر منه.

____________

(1) المستدرك الباب 12 من أبواب مقدمات الحدود ح 4.

(2) الوسائل الباب 38 من أبواب كتاب الصيد و الذبائح ح 2: 307.

466

هذا مضافا إلى أنّ روايات السكوني مقبولة كما نص الشيخ في العدة بأنّه عملت الطائفة بما رواه السكوني فيما لم يكن عندهم خلافه مع أنّ كتب السكوني منقولة بواسطة النوفلي كما صرّح بذلك النجاشي في رجاله و الشيخ في الفهرست فلو كان النوفلي غير مقبول الرواية لما أفاد ما في العدة من أنّ الطائفة عملت بما رواه السكوني فيما لم يكن عندهم خلافه كما لا يخفى و لذا قال في بهجة الآمال عند ترجمة السكوني و بالجملة من جميع ما ذكر ظهر الاعتماد على النوفلي أيضا فإنّه الراوي عنه جلّا إن لم نقل كلا حتى رواية الماء يطهر المتقدمة فإن راويها عنه هو. (1) و قال أيضا عند ترجمة النوفلي و مر في اسماعيل بن أبي زياد ما يشير إلى اعتماد تام عليه و يؤيده رواية الأجلاء عنه منهم الحسن بن علي الكوفي‏ (2)

و مما ذكر يظهر ما في مباحث الحجج من تضعيف السند بواسطة النوفلي. (3)

و كيف ما كان فتقريب الاستدلال كما في نهاية الأفكار انّ دلالة قوله الناس في سعة ما لا يعلمون على المطلوب ظاهرة سواء كانت كلمة ما مصدرية ظرفية أو موصولة أضيف إليها السعة إذ المعنى على الأول إنهم في سعة ما داموا غير عالمين بالواقع.

و على الثاني انّهم في سعة ما لا يعلمونه من الأحكام الراجع إلى عدم كونهم في كلفة إيجاب الاحتياط فيعارض ما دلّ على وجوب التوقف و الاحتياط (4) إذ لو كان الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة فهذا الحديث يعارض ما دل على وجوب الاحتياط.

أورد عليه في فرائد الاصول بأنّ فيه ما تقدم في الآيات من أنّ الأخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمل و التتبع. (5)

____________

(1) بهجة الآمال 2: 253.

(2) بهجة الآمال 3: 322.

(3) مباحث الحجج 2: 63.

(4) نهاية الأفكار 3: 228.

(5) فرائد الاصول: 199.

467

و أجاب عنه في نهاية الأفكار بأنّ ذلك يتم إذا كان دعوى الأخباري إثبات العقوبة على مخالفة نفس إيجاب الاحتياط في قبال الواقع و ليس كذلك بل مقصودهم إنّما هو إثبات العقوبة على مخالفة التكليف المجهول بمقتضى ما دل على وجوب التوقف و الاحتياط في قبال الاصولي فإنّ هذا هو الذي يساعد أدلتهم من نحو رواية التثليث من نحو قوله (عليه السّلام) و هلك من حيث لا يعلم و عليه فلا وجه لتوهم ورود أدلة الاحتياط على الرواية و لا حكومتها عليها.

نعم لو كانت أدلة الاحتياط متكفلة لإثبات العلم بالواقع كالأمارات كان لدعوى الحكومة كمال مجال و لكنه ليس كذلك بداهة إنّ مفاد تلك الأدلة لا يكون إلّا مجرد إثبات وجوب التوقف و الاحتياط عند الجهل بالواقع.

و مجرد صلاحيتها لتنجيز الواقع عند الموافقة لا يقتضي الطريقية و الكاشفية كما هو ظاهر.

نعم لو كان العلم في الرواية كناية عن مطلق قيام الحجة على الواقع أو كان المراد من عدم العلم الذي عليه مدار السعة هو عدم العلم بمطلق الوظيفة الفعلية لأمكن دعوى ورود إيجاب الاحتياط عليها و لكن ذلك خلاف ما يقتضيه ظهور الرواية في كون العلم الذي عليه مدار الضيق هو العلم بالواقع كما هو ظاهر. (1)

و لقد أفاد و أجاد إلّا انّا لا نسلم الحكومة أيضا فيما إذا كان العلم في الرواية كناية عن مطلق قيام الحجة على الواقع لأنّ أدلة الاحتياط ليست من باب قيام العلم و الحجة على الواقع.

و لذا قال سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): إنّ العلم المستعمل في الروايات و إن كان المراد منه المعنى الأعم أي الحجة لا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع و لكن الحجة عبارة عن الطرق العقلائية و الشرعية إلى الواقع التي تكشف كشفا غير تام و الاحتياط ليس منها بلا إشكال و الشاهد على ذلك إنّه لو أفتى أحد على الواقع لقيام الأمارة عليه لما يقال إنّه أفتى بغير علم‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 228.

468

و أمّا إذا أفتى بوجوب شي‏ء لأجل الاحتياط فإنّه أفتى بغير علم إلى أن قال إن شرب التتن بملاحظة كونه مجهول الحكم مرخص فيه حسب الحديث فلو تم أخبار الاحتياط و لزم وجوب الاحتياط لعدّ ذلك منافيا للترخيص من غير فرق بين أن يكون لزوم الاحتياط نفسيا أو غيريا. (1)

و مما ذكر يظهر ما في بعض العبائر من أنّ إيجاب الاحتياط إنّما هو طريقي للوصول إلى التكليف الواقعي فإيجابه ضيّق ناش من ناحية التكليف الواقعي المجهول فالحكم بالسعة من ناحيته يقتضي عدم إيجاب الاحتياط. (2)

و ذلك لما عرفت من أنّ الاحتياط ليس بطريق إلى الواقع و إن أتى به الواقع و كان حكما غيريا لأنّ الاحتمال لا طريقية له و صرف كون الاحتياط واجبا غيريا لا يوجب أن يكون طريقا إلى الواقع هذا مضافا إلى أنّ الاحتياط لو كان طريقا إلى الواقع فبعد قيام دليل الاحتياط لا مجال للحكم بالسعة من ناحية الجهل بالواقع إذ معه لا جهل بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

ثم لا يذهب عليك أنّ الاستدلال بهذا الحديث لا يتوقف على تعيين أنّ كلمة «ما» موصولة أو ظرفية لما عرفت من تمامية الاستدلال على التقديرين كما هو المستفاد من ظاهر الكفاية و نهاية الأفكار و تهذيب الاصول و ذلك لأن متعلق العلم هو الحكم الواقعي كما في حديث رفع ما لا يعلمون فالحديث يدل على رفع الضيق الناشي من الحكم الواقعي المجهول أو يدل على رفع الضيق الناشي من ناحية الحكم الواقعي المجهول ما دام لا يحصل العلم أو الطريق بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

و دعوى احتمال أن يكون مفاد الحديث الحكم بالسعة ما دام لم يعلموا بالضيق و لو ضيق ما بعنوان وجوب الاحتياط فلا محالة تحصل الغاية و ترتفع السعة بوجوب الاحتياط و مع‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 174.

(2) تسديد الاصول 2: 143.

469

هذا الاحتمال صار مفاد الحديث مجملا فإن كان مفاد الحديث هو الحكم بالسعة من ناحية الحكم الواقعي المجهول كان الحديث معارضا مع أدلة وجوب الاحتياط و إن كان مفاد الحديث هو الحكم بالسعة ما دام لم يعلموا بضيق ما و لو ضيق الاحتياط فلا ينافي ذلك وجوب الاحتياط بأدلته بل يكون كالبراءة العقلية التي لا تنافي وجوب الاحتياط و حيث يحتمل في قراءة الحديث احتمالان فلا تقاوم هذه الرواية مع أدلة وجوب الاحتياط.

مندفعة بما عرفت من ظهور كون متعلق العلم هو الحكم الواقعي مثل قوله (عليه السّلام) رفع ما لا يعلمون فكما أنّ دليل حديث الرفع ينافي دليل وجوب الاحتياط فكذلك في المقام دليل السعة عند الجهل بالحكم الواقعي ينافي أيّ ضيق و لو كان بعنوان وجوب الاحتياط و عليه فليس وجوب الاحتياط حاكما بالنسبة إلى دليل السعة من دون فرق بين أن يكون «ما» موصولة أو ظرفية فالصحيح دلالة الحديث على البراءة و بإطلاقه يشمل الشبهات الحكمية و الموضوعية و دعوى أنّ ما ذكر تام لو ثبتت صحة سند قوله (صلى اللّه عليه و آله) الناس في سعة ما لم يعلموا و أمّا مع ضعفه فلا يصلح للتمسك به فلا يبقى في المقام إلّا قوله (عليه السّلام) في موثقة السكوني هم في سعة حتى يعلموا.

و شموله للمقام محل تأمل لأن مورده كما أفاد السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) هو خصوص اللحم و حكمه (عليه السّلام) بالإباحة إنّما هو من جهة كونه في أرض المسلمين فهي أمارة على التذكية و إلّا كان مقتضى أصالة عدم التذكية حرمة أكله و بالجملة مورد هذه الرواية هى الشبهة الموضوعية القائمة فيها الأمارة على الحلية فهي اجنبية عن المقام. (1)

مندفعة بأنّه لا يكون في موثقة السكوني قرينة على أنّ الطريق هو طريق المسلمين حتى يكون أمارة على التذكية بل السؤال عن سفرة وجدت في الطريق و الإمام (عليه السّلام) لم يستفصل عن أنّ الطريق طريق المسلمين أو غيره اللهم إلّا أن يحمل جمعا بينه و بين ما دل على عدم جواز أكل اللحم من دون إحراز التذكية على تخصيص مورد هذه الرواية في اللحم بمورد جريان الأمارة.

____________

(1) مصباح الاصول 2: 279.

470

و أمّا ما ذكر من أنّ مورد الرواية مورد استصحاب عدم التذكية و مقتضاه هو حرمة أكله ففيه أنّ مجرى استصحاب عدم التذكية هو الحيوان الذي يكون قابلا للذبح لا أجزاؤه فلا يجري الاستصحاب المذكور في اللحم كما لا يخفى. و أمّا دعوى اختصاص قوله هم في سعة حتى يعلموا بخصوص اللحم فهي ممنوعة لأنّ الجبن أيضا يكون في السفرة و هو أيضا مشكوك الحليّة و لا دليل على إحراز كونه من غير ميتة بل يكتفى في جواز أكله بأصالة الحليّة و لا وجه لتخصيص الرواية باللحم.

ثم لو كان تطبيق قوله (عليه السّلام) هم في سعة حتى يعلموا على مورد الرواية مشكلا فلا يضر ذلك بجواز الأخذ بالكبرى في الموارد التي لا أمارة فيها كحلية الجبن فالرواية دالة على البراءة في الشبهة الموضوعية و الحكمية لأن قوله (عليه السّلام) هم في سعة حتى يعلموا يكون بمنزلة الكبرى الكلية و تطبيقها على الشبهة الموضوعية لا يوجب تخصيصها بها فبإطلاقها يشمل الشبهة الحكمية أيضا فتدبر جيدا.

اللّهمّ إلّا أن يقال: رجوع الضمير في قوله (عليه السّلام) هم في سعة حتى يعلموا إلى الّذين وجدوا السفرة المطروحة يمنع عن كون هذا القول كبرى كليّة بل يحتاج إلى إلقاء الخصوصية و هو مشكل بعد احتمال مدخلية خصوصيات المورد و لكن لحن الرواية يساعد كبروية القول المذكور و لا خصوصية في الذين وجدوا السفرة المطروحة فتدبر جيّدا.

471

حديث الحلّية

و منها: أي من الأخبار التي استدل بها للبراءة حديث الحلّية و أخبار الحلّية منقولة بألفاظ مختلفة:

منها: هي مرسلة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و هي قوله (عليه السّلام) «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام»

و فيه أنّ هذا الحديث لم يوجد بهذه اللفظة في جوامع الحديث و احتمل بعض الأعاظم أنّه صدر رواية مسعدة بن صدقه عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال سمعته يقول كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب عليك قد اشتريته و لعله سرقة الحديث.

و لكنّه غير ظاهر بعد اختلاف صدر رواية مسعدة مع هذه المرسلة و احتمل آخر أنها مضمون خبر عبد اللّه بن سليمان عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) في الجبن قال (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان أنّ فيه ميتة و فيه أنّه لو كان كذلك لزم أن يقتصر في نقل المضمون بمقدار مفاد هذه الرواية و المفروض أنّ هذه الرواية مختصّة بالشبهة الموضوعية لدلالة جعل البيّنة هي الغاية على أنّ الشبهة هي الموضوعية.

و منها: خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال سمعته يقول «كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة و المملوك عندك لعله حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امراة تحتك و هي أختك أو رضيعتك و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»

بتقريب أنّه يدلّ على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته و بعدم الفصل قطعا بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط فيه و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب.

472

أورد عليه أوّلا: بأنّ قوله (عليه السّلام) «بعينه» ظاهر في الاختصاص بالشبهة الموضوعية و حمل هذه الكلمة على أن يكون المراد منها هو تأكيد النسبة خلاف الظاهر إذ الظاهر أن يكون ذكرها للاحتراز عن العلم بالحرام لا بعينه و لا ينطبق ذلك إلّا على الشبهة الموضوعية إذ لا يتصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية لأنّ العناوين الكلية إما أن تكون معلومة الحرمة أو لا تكون كذلك فعلى الأوّل تكون معلومة الحرمة بعينها و على الثاني لا علم بالحرمة أصلا.

و اجيب عنه بمنع اختصاص الاحتراز بصورة العلم بالحرام لا بعينه مع أنّ المفروض في رواية مسعدة كل شي‏ء لك حلال لا كل شي‏ء فيه حلال و حرام لإمكان أن يكون قيدا «بعينه» احترازا عن الحكم بالحرمة بمجرد كون شي‏ء نظيرا للحرام فيصح أن يحكم بكونه حلالا حتى يعرف أنّه بعينه حرام و عليه فلا وجه لتخصيص الرواية بالشبهة الموضوعية بل هي أعم.

و ثانيا: أنّ الأمثلة المذكورة في رواية مسعدة كلّها من الشبهات الموضوعية و هي تؤكد اختصاصها بالشبهة الموضوعية هذا مضافا إلى عدم ارتباطها بقاعدة الحلّيّة لأنّ تلك الموارد موارد الأمارة و الاصول المحرزة.

و أجيب عنه بأنّ الأمثلة المذكورة تكون من باب التمثيل لا الاختصاص لأنّ الأمثلة المذكورة لا توجب اختصاص الكبرى الكلية بها

و يشكل ذلك بأنّ هذا خلاف الظاهر جدا لأنّ المناسب مع التمثيل ذكر القاعدة المماثلة للقاعدة المذكورة أوّلا لا ذكر تطبيقات قاعدة اخرى لم تذكر كبراها.

و دعوى أنّ المقصود من رواية مسعدة بن صدقة بيان عدم الاعتناء بالشك في الحرمة في هذه الموارد لمكان جعل الحلية الظاهرية فيها بعنوانات مختلفة غير أنّه جمع الكل ببيان واحد لا أنّ المقصود هو إنشاء الحليّة في الموارد المزبورة بعنوان قاعدة الحلية.

مندفعة لظهور قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه في الإنشاء و حمله على الحكاية عن القواعد المختلفة خلاف الظاهر.

473

فتحصّل أنّ الأمثلة لا تساعد مع قاعدة الحليّة اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المشكل هو تطبيق الكبرى المذكورة فيها على الأمثلة المذكورة لا أصل الكبرى فيمكن الأخذ بالكبرى فتدبر

و ثالثا: أنّ جعل غاية الحليّة قيام البيّنة في قوله (عليه السّلام) و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة قرينة على اختصاصها بالشبهة الموضوعية فلا تصلح الرواية للاستدلال بها في الشبهات الحكمية.

التنبيه‏

و اعلم أنّ مقتضى عموم قاعدة الحلية هي حلية المشكوك و لو كان الشي‏ء المشكوك هو أجزاء الحيوان من الجلد أو اللحم أو الشحم الماخوذة من يد الكافر أو المستوردة من بلاد الكفر إذا احتمل التذكية الشرعية في حيوانها فيجوز التصرف فيها و استعمالها عدى أكلها و الصلاة فيها و ذلك لجريان قاعدة الحلية كما تجري فيها قاعدة الطهارة و لا مجال لاستصحاب عدم التذكية في الأجزاء إذ التذكية المساوية لفري الأوداج الأربعة لا تتصور في أجزاء الحيوان بناء على أنّ التذكية هي نفس فري الأوداج الأربعة لا أمر معنوي يحصل بالفري المذكور و إلّا فلا يبعد جريان أصالة عدم التذكية في الأجزاء أيضا بناء على أنّ الأجزاء أيضا لها نصيب من هذا الأمر المعنوي.

نعم لو كان المشكوك جسد الحيوان الكامل فمقتضى أصالة عدم التذكية هو حرمة استعماله و التصرف فيه مضافا إلى حرمة أكلها و الصلاة فيها كما لا يخفى.

هذا بخلاف الأجزاء فإنّ أصالة عدم التذكية كما عرفت لا تجري بالنسبة إليها فمع احتمال التذكية يشملها عموم قوله كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف إنّه الحرام منه بعينه.

بل يجوز أكلها و استعمالها في الصلاة لو لم يمنع عنهما و لكن مع اشتراط العلم بالتذكية في جواز الأكل بمثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ‏

474

بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ (1) لا يجوز الأكل و هكذا مع اشتراط العلم بالتذكية في الصلاة بمثل قوله (عليه السّلام) في موثقة ابن بكير و كل شي‏ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي لا يجوز الصلاة فيه فتدبر جيدا.

____________

(1) المائدة/ 5.

475

الخلاصة حديث الحلّية

و منها: أي من الأخبار الّتي استدل بها للبراءة «حديث الحلّيّة» و هو منقول بألفاظ مختلفة منها مرسلة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و هي قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام» استدل به الشيخ (قدّس سرّه) في فرائد الاصول حيث قال كما في قوله (عليه السّلام) في رواية أخرى كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام. (1)

و لم يوجد هذه الرواية بهذه اللفظة في جوامع الحديث و الموجود مختلف معه في الألفاظ و الخصوصيات.

و استظهر سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) انّه صدر رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال سمعته يقول كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و لعله سرقه الخ.

و لكنه غير ظاهر بعد اختلاف صدر رواية مسعدة بن صدقة معه حيث زاد في رواية مسعدة كلمة «بعينه» و جملة «فتدعه من قبل نفسك» مع أنّ قوله حتى تعلم غير قوله حتى تعرف.

و احتمل المحقق العراقي انّها مضمون ما رواه في الكافي بسنده عن أبان بن عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الجبن قال (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة. (2)

و لا يخفى أنه لو كان كذلك لزم أن يقتصر في نقل المضمون بمقدار مفاد هذه الرواية و المفروض أنّ هذه الرواية مختصة بالشبهة الموضوعية لدلالة جعل البيّنة هي الغاية على أنّ الشبهة هي الموضوعية مع أنّ قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام أعم من الشبهة الموضوعية فلا تغفل.

ثم إنّ رواية الشيخ الأنصاري على تقدير ثبوتها تكون واضحة الدلالة على البراءة في‏

____________

(1) فرائد الاصول: 201.

(2) الوسائل الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة ح 2.

476

الشبهة الحكمية و الموضوعية و لذا قال في نهاية الأفكار دلالة هذه الرواية على المطلوب ظاهرة لو كانت هي غير رواية مسعدة بن صدقة (1) و إلّا ففيها إشكال من جهة موارد انطباقها كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بل عمومية دلالتها متوقفة على كونها غير رواية عبد اللّه بن سليمان و إلّا فالظاهر اختصاصها بالشبهة الموضوعية فإنّ السؤال فيها عن الجبن من جهة احتمال أن يكون الجبن مما فيه الميتة فأجاب الإمام بالحلية حتى تقوم الحجة على أنّ فيه ميتة و أمّا الإيراد على الرواية بأنها في صدد الترخيص لارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال فيكون وزانه وزان قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فإنّ المتبادر منهما هو جواز التصرف في الحلال المختلط بالحرام الذي جمع رواياته السيّد الفقيه الطباطبائي (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب عند بحثه عن جوائز السلطان و لا ترتبطان بالشبهة البدئيّة. (2)

ففيه أنّ هذا الإيراد لو كان واردا في مثل كل شي‏ء فيه حلال و حرام لما كان واردا في مثل قوله «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام» فإنّ المفروض فيه ليس هو اجتماع الحلال و الحرام مع اشتباه كل واحد بالآخر حتى يكون مربوطا بباب اختلاط الحرام بالحلال بل الأمر كذلك في مثل قوله كل شي‏ء فيه حلال و حرام إذ لم يفرض فيه الاختلاط فتدبر جيدا.

و منها: خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال سمعته يقول كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك.

و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة و المملوك عندك لعله حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. (3)

لم يستدل شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بهذه الرواية على البراءة في الشبهة الحكمية و لعل وجه ذلك‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 243.

(2) راجع تهذيب الأصول 2: 175.

(3) الوسائل الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

477

هو اشتمالها على جملة من أمثلة الشبهة الموضوعية فرأى اختصاصها بها أو رأى أنّ الرواية في مقام إبراز حلية جامعة بين حليات متعددة من قواعد مختلفة جمعت في قضية واحدة فالجملة إخبار عن القواعد المختلفة لا إنشاء يدل على إنشاءات متعددة أو رأى شيئا آخر.

و لكن استدل بها في الكفاية في الشبهة الحكمية حيث قال و منها قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه الحديث حيث دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقا و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته و بعدم الفصل قطعا بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط فيه و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب مع إمكان أن يقال ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال تامل. (1)

و كيف ما كان فقد أورد عليه أوّلا: بأن قوله (عليه السّلام) (بعينه) ظاهر في الاختصاص بالشبهة الموضوعية و ذلك لأن حمل هذه الكلمة على التأكيد بأن يكون المراد منها تاكيد النسبة و الاهتمام بالعلم بالحرمة خلاف الظاهر إذ الظاهر أن يكون احترازا عن العلم بالحرام لا بعينه و لا ينطبق إلّا على الشبهة الموضوعية إذ لا يتصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية فإنّه مع الشك في حرمة شي‏ء و حليته لا علم لنا بالحرام لا بعينه.

و بعبارة أخرى العناوين الكلية إمّا أن تكون معلومة الحرمة أو لا تكون كذلك فعلى الأول تكون معلومة الحرمة بعينها و على الثاني لا علم بالحرمة أصلا.

نعم يتصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية مع العلم الإجمالي بالحرمة و من الظاهر أنّ هذا الحديث لا يشمل العلم الإجمالي بالحرمة إذ جعل الترخيص في الطرفين مع العلم بحرمة أحدهما إجمالا مما لا يمكن الجمع بينهما ثبوتا و يتناقضان.

و أمّا الشبهة الموضوعية فلا ينفكّ الشك فيها عن العلم بالحرام لا بعينه فإنّا إذا شككنا في كون مائع موجود في الخارج خمرا كان الحرام معلوما لا بعينه إذ نعلم إجمالا بوجود الخمر في الخارج المحتمل انطباقه على هذا المائع فيكون الحرام معلوما لا بعينه.

____________

(1) الكفاية 2: 176.

478

و لكن هذا العلم لا يوجب التنجيز لعدم حصر أطرافه و عدم كون جميعها في محل الابتلاء فما ابتلي به من أطرافه محكوم بالحليّة ما لم يعلم أنه حرام بعينه. (1)

و ثانيا: أنّ الأمثلة المذكورة فيها كلّها من الشبهات الموضوعية. و هي تؤكد اختصاصها بالشبهة الموضوعية فلا تشمل الشبهة الحكمية هذا مضافا إلى عدم ارتباطها بقاعدة الحلية لأنّ تلك الموارد موارد الأمارة و الأصول المحرزة.

و ثالثا: أنّ جعل غاية الحلية قيام البينة في قوله (عليه السّلام) و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة قرينة على اختصاصها بالشبهة الموضوعية أيضا.

و عليه فلا وجه للاستدلال بموثقة مسعدة للبراءة في الشبهات الحكمية.

يمكن الجواب عن الجميع أمّا عن الإشكال الأول فبأن هذه القرينة غير تامة لوضوح أنّ المطلوب ليس هو التخصيص بالشبهة الحكمية و إنما تعميم الحديث لها و هو لا يتنافي مع عدم غلبة الشبهة غير المحصورة فيها إذ يكفي أن يكون غير نادر بلحاظ جامع الشبهة. (2)

و لا يخفى ما فيه فإن الإشكال يكون من جهة ظهور فيه «بعينه» في الاختصاص بالشبهة الموضوعية بدعوى ظهوره في الاحتراز عن العلم بالحرام لا بعينه و هو لا ينطبق إلّا على الشبهة الموضوعية لعدم تصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية فإنه مع الشك في حرمة شي‏ء و حليته لا علم لنا بالحرام لا بعينه و على فرض تصوره في العلم الإجمالي بالحرمة لا يمكن شمول الحديث له للمناقضة و بعبارة أخرى أنّ الإشكال ليس من جهة حمل المطلق على النادر حتى يصح الجواب عنه بأنّه ليس حمل المطلق على النادر بل هو من باب إطلاق المطلق على النادر بل الإشكال من جهة عدم إمكان تصور العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة الحكمية بحيث لا تلزم منه المناقضة فتدبر جيدا.

قال في منتقى الاصول يمكن تعميم الحديث للشبهة الحكمية مع المحافظة على ظهور لفظ

____________

(1) مصباح الاصول 2: 273- 274.

(2) مباحث الحجة 2: 65.

479

«بعينه» كما في موارد العلم الإجمالي (غير المنجز كما كان بعض أطراف المعلوم بالإجمال خارجا عن محل الابتلاء) بدوران الحرمة المجعولة بين شيئين كحرمة الغيبة أو الغناء فإنّه يصدق على مثل ذلك بأنّ كلّا منهما حلال حتى يعرف الحرام بعينه مع كون الشبهة في كل منهما حكمية لا موضوعية. (1)

و لا يخفى عليك أنّ فرض الخروج عن الابتلاء في الشبهات الحكمية كما ترى فإنّ الأحكام مجعولة على موضوعها على نحو ضرب القانون لا القضايا الخارجية و المجتهد لا يمكن له أن يجري البراءة في الشبهات الحكمية بمجرد كون بعض الأحكام خارجا عن محل ابتلاء بعض الآحاد.

هذا مضافا إلى أنّ مثل الغيبة و الغناء لا يكونان خارجين عن محل الابتلاء كما هو واضح.

نعم يمكن منع اختصاص الاحتراز بصورة العلم بالحرام لا بعينه مع أنّ المفروض في رواية مسعدة كل شي‏ء لك حلال لا كل شي‏ء فيه حلال و حرام و ذلك لإمكان أن يكون قيد «بعينه» احترازا عن الحكم بالحرمة بمجرد كون شي‏ء شبيها و نظيرا للحرام الخاص فيصح أن يحكم بكونه حلالا حتى يعرف أنه بعينه حرام و عليه فلا وجه لتخصيص الرواية بالشبهة الموضوعية بل هي أعمّ منها كما ذهب إليه صاحب الكفاية.

هذا مضافا إلى أنه لا باس بكون قيد «بعينه» للتاكيد لأنه شائع بل لعله متعين لأن تخصيص الحديث بموارد العلم الإجمالي يستلزم حمله على النادر إذ الحديث لا يشمل موارد الابتلاء لاستلزام المناقضة و يختص بموارد التي خرج بعض أطرافها عن محل الابتلاء و المفروض أنّ هذه الموارد نادرة و دعوى أنّ الشبهة الموضوعية لا تنفك عن العلم بالحرام لا بعينه مندفعة بأنّ العلم الإجمالي في هذه الموارد منحلة بالموارد المعلومة و يصير الشبهة بدوية كما لا يخفى.

و عليه فكون القيد و هو بعينه لتأكيد النسبة و الاهتمام بالعلم بالحرمة أقرب و معه لا مانع من شمول الحديث للشبهات الحكمية فتدبر جيدا.

____________

(1) منتقى الاصول 4: 425.

480

و أما عن الثاني فبأن الأمثلة المذكورة تكون من باب التمثيل لا اختصاص الرواية بها و عليه فكما في تسديد الاصول أصالة الحل المذكورة في الحديث إذا كانت عامة لجميع موارد الشك في الحرمة فجميع الأشياء التي لم يعلم حرمتها مشمولة له محكوم عليها بالحل فأصالة الحل كبرى كلية و الأمثلة المذكورة مصاديق لها و جزئيات و لا يجب في ذكر المثال أن يذكر جميع الأنواع المتصورة إذا لم يكن المتكلم بصدد بيان الأنواع المختلفة. (1)

و يمكن أن يقال انّ الأمثلة المذكورة لو كانت من موارد أصالة الحل أمكن أن يقال اكتفى بذكر بعض مواردها و مصاديقها و لكنها أجنبية عن أصالة الحل و البراءة إذ ليس فيها شي‏ء يمكن أن يكون مستند الحلية فيه هو أصالة الحل بل المستند هو قاعدة اليد و الاستصحاب و لذا قال السيّد الشهيد الصدر (قدّس سرّه): قد حاول البعض دفع الشبهة بأنّ المذكورات إنّما ذكرت من باب التمثيل لا التطبيق.

ثم أورد عليه بأنّ هذا خلاف الظاهر جدا لأن المناسب مع التمثيل ذكر القاعدة المماثلة للقاعدة المذكورة أولا لا ذكر تطبيقات قاعدة أخرى لم تذكر كبراها.

لا يقال: بناء على جريان الاصول الطولية إذا كانت من سنخ واحد تكون البراءة جارية في هذه الموارد.

فإنه يقال هذا المقدار لا يكفي بعد ظهور الحديث في أنّ منشأ التأمين و الحلية هو القاعدة وحدها لا القاعدة بضم عدم جريان الاصول الحاكمة عليها. (2)

اللّهمّ إلّا أن يكون مقصود تسديد الاصول أنّ المراد من أصالة الحل في رواية مسعدة هو الحكم بحلية كل شي‏ء ما لم يقطع قطعا وجدانيا بالحرمة و إنّ العلم المذكور فيه لا يعم العلم التعبدي الموجود في مورد الاستصحاب و اليد و لكنه مما لا يمكن الالتزام به لمعلومية تقدم أصالة اليد و الاستصحاب على أصالة الحلية بأي معنى كانت.

____________

(1) تسديد الاصول 2: 147.

(2) مباحث الحجج 2: 66.

481

قال في نهاية الأفكار يمكن دفعه بأنه يتجه ذلك إذا كان الصدر إنشاء للحلية في الأمثلة المزبورة بعنوان كونها مشكوك الحرمة و إلّا فبناء على كونه حاكيا عن إنشاءات الحلية في الموارد المزبورة بعنوانات مختلفة من نحو اليد و السوق و الاستصحاب و نحوها من العناوين التي منها عنوان مشكوك الحل و الحرمة فلا يرد إشكال إذ المقصود حينئذ بيان عدم الاعتناء بالشك في الحرمة في هذه الموارد لمكان جعل الحلية الظاهرية فيها بعنوانات مختلفة غير انه جمع الكل ببيان واحد لا أنّ المقصود هو إنشاء الحلية في الموارد المزبورة بعنوان قاعدة الحلية (1)

و لا يخفى ما فيه لظهور قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه في الإنشاء و حمله على الإخبار عن القواعد المختلفة خلاف الظاهر هذا مضافا إلى ما أفاد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) من أنه خلاف الظاهر لا فقط باعتبار ظهور الجملة في الإنشاء لا الإخبار بل من أجل قوة ظهورها في أنّها في مقام إعطاء قاعدة كلية بنكتة واحدة للتطبيق على الموارد المختلفة بحيث يستفيد السامع تطبيقها بالفعل و هذا لا يناسب مع كون القضية إخبارية تجمع حيثيات و قواعد متعددة لا يمكن أن يرجع إليها المكلف في مجال التطبيق. (2)

و حكي أيضا عن تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد في دفع الإشكال أن ذكر الموارد المذكورة من باب التنظير (اي تنظير قاعدة أصالة الإباحة بسائر القواعد كقاعدة اليد و السوق و الاستصحاب) لتقريب أصالة الإباحة إلى الأذهان و أنّها ليست بعادمة في الشريعة و إنّها حكمت بالحل في الموارد المذكورة مع عدم القطع بالحلية انتهى.

يمكن أن يقال إنّ هذا الحمل لا يساعد مع قوله (عليه السّلام) «و ذلك مثل الثوب» فإنّه كما أفاد في تسديد الاصول ظاهر جدا في أنه ذكر مثال لقوله كل شي‏ء هو لك حلال و لو أراد ما أفاده المحقق الخراساني لقال و ذلك مثل حلية الثوب‏ (3)

و قال الشهيد الصدر (قدّس سرّه): في نهاية الأمر و الذي يقوى في النفس أنّ المقصود من‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 234- 235.

(2) مباحث الحجج 2: 661.

(3) تسديد الاصول 2: 148.

482

الرواية النظر إلى مرحلة البقاء و إنّ ما أخذه المكلف و كان حلالا له على أساس قاعدة شرعية يبقى حلالا و لا ينبغي أن يوسوس فيه و في مناشئ حصوله حتى يستبين خلافه أو تقوم به البيّنة و بهذا تكون أجنبيّة عن البراءة إذ ليست في مقام جعل البراءة كما أن في الأمثلة المذكورة لا يوجد ما يكون موردا لها. (1)

و فيه أنه ليس بجواب بل هو تصديق للإشكال ببيان آخر هذا مع أنّ حمل الرواية على ما ذكر خلاف الظاهر جدا فإنّ ظاهر الرواية إنّ الشك في أصل الحليّة و الحرمة لا في بقائهما و مما ذكر يظهر أنه لا محيص عن هذا الإشكال لأن الأمثلة لا تساعد مع القاعدة المذكورة في صدرها اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المشكل هو تطبيق الكبرى على الأمثلة لا أصل الكبرى فيمكن الأخذ بها.

و أما عن الثالث فبأنّ قيام البيّنة و إن اختص بالشبهة الموضوعية إلّا أنه يمكن أن يقال إنّ الاستبانة المذكورة في الذيل تعم الاستبانة العلمية القطعية و غيرها الحاصلة بمثل خبر الواحد أو الظواهر و عليه فذكر قيام البيّنة بعد الاستبانة من قبيل ذكر الخاص بعد العام و لا شاهد فيه على الاختصاص فتحصّل أنّ الرواية لا تخلو عن الإشكال و لو من ناحية الإشكال الثاني كما عرفت و لكن مع ذلك يمكن الأخذ بالكبرى المذكورة فيها مع قطع النظر عن الأمثلة التي فيها هذا لو لا الإشكال في سندها من الضعف و الظاهر أنّ السند ضعيف فإنّ مسعدة بن صدقة عامي و لم يوثق و لكن المحكي من السيّد المحقق البروجردي (قدّس سرّه) هو اتحاده مع مسعدة بن زياد الربعي الثقة و استشهد لذلك باتحاد مضمون رواياتهما التي تقرب عشر روايات و أيّده بأنّ المروي في بعض طرق الكافي هكذا عن مسعدة بن صدقة عن زياد و الظاهر عندي أنّ الصحيح هو مسعدة بن صدقة بن زياد و عليه يكون زياد اسم جد مسعدة و كثيرا ما كانوا يحذفون اسم الأب و ينسبون إلى الجد و عليه كلمة «عن زياد» تصحيف ابن زياد انتهى.

____________

(1) مباحث الحجج 2: 67.

483

هذا مضافا إلى ما حكي عن الوحيد البهبهاني من أن جدي قال الذي يظهر من أخباره في الكتب أنه ثقة لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة و موافق لما يرويه الثقات و لهذا عملت الطائفة بما رواه بل لو تتبعت وجدت أخباره أسد و أمتن من أخبار مثل جميل بن دراج و حريز بن عبد اللّه انتهى.

و قال النجاشي في رجاله و له كتب منها كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السّلام) روى هارون بن مسلم عنه انتهى و هارون بن مسلم ثقة وجه. و قال بعض الأعلام أنّه ثقة لنقل بعض الأجلاء عنه هذا و لكن لقائل أن يقول اتحاد مضمون بعض روايات مسعدة بن زياد مع مسعدة بن صدقة لا يوجب إلّا الظن بالاتحاد هذا مضافا إلى بعد ذلك لأنّ الشيخ في الفهرست و الرجال و النجاشي في رجاله ذكر كليهما من دون احتمال الاتحاد و أمّا عمل الطائفة فالمذكور في كلام الشيخ الطوسي ليس هو مسعدة بن صدقة بل السكوني و حفض و غيرهما و لعل المقصود عمل جمع من الأصحاب من دون استناد ذلك إلى مثل الشيخ كما لعله هو الظاهر و أمّا نقل بعض الاجلاء فلم ار إلّا هارون بن مسلم اللّهمّ إلّا أن يكون المقصود هو نقل من روى عن هارون بن مسلم مثل أحمد بن محمّد بن يحيى و عبد اللّه بن جعفر الحميري و ابن شاذان فإنّهم من الأجلاء و كانوا يروون كتاب خطب امير المؤمنين (عليه السّلام) عن مسعدة بن صدقة بواسطة هارون بن مسلم كما في رجال النجاشي و غيره و من البعيد جدا نقل هؤلاء هذا الكتاب مع كون راويه غير ثقة فتدبر جيدا.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان التي رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم:

روى الصدوق في الفقيه عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): كل شي‏ء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (1) و سند الصدوق إلى الحسن بن محبوب صحيح و هو على ما في المشيخة محمّد

____________

(1) الفقيه الباب 39 باب الصيد و الذباحة ح 83.

484

بن موسى بن المتوكل رحمهم اللّه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري و سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان و روى الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في التهذيب عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): كل شي‏ء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (1) و طريقه إلى الحسن بن محبوب صحيح أيضا كما في المشيخة و الفهرست.

و رواها أيضا (2) بهذا السند عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال كل شي‏ء يكون منه حرام و حلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.

و روى الكليني (قدّس سرّه) عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعا عن ابن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه. (3)

و روى الكليني (قدّس سرّه) أيضا عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن عبد اللّه بن سليمان قال سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الجبن فقال لي لقد سألتني عن طعام يعجبني ثم أعطى الغلام درهما فقال يا غلام ابتع لنا جبنا و دعا بالغداء فتغدينا معه و أتى بالجبن فأكل و أكلنا معه فلما فرغنا من الغداء قلت له ما تقول في الجبن فقال لي أو لم ترني أكلته قلت بلى و لكني أحب أن أسمعه منك فقال ساخبرك عن الجبن و غيره كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه. (4) و حيث إنّ عبد اللّه بن سليمان ممن روى عنه الصفوان تكون الرواية معتبرة.

هذا مضافا إلى ما رواه أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي في المحاسن عن اليقطيني عن صفوان‏

____________

(1) التهذيب 9: 79 الباب 2 باب الذبائح و الأطعمة ح 72.

(2) في التهذيب 7: 226 الباب 21 باب من الزيادات ح 8.

(3) الكافي 5: 313 باب النوادر ح 39.

(4) الكافي 6: 339 باب الجبن ح 1.

485

عن معاوية بن عمار عن رجل من أصحابنا قال كنت عند أبي جعفر (عليه السّلام) فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر (عليه السّلام) إنه طعام يعجبني فسأخبرك عن الجبن و غيره كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه. (1)

هذه الروايات متوافقة المضمون و لعل يرجع بعضها إلى بعض.

و كيف ما كان فالمحكي عن الشهيد إنّه استدل للبراءة بقوله (عليه السّلام) كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.

و تقريب الاستدلال كما عن شرح الوافية انّ معنى الحديث انّ كل فعل من الأفعال التي تتصف بالحل و الحرمة و كذا كل عين مما يتعلق به فعل التكليف و يتصف بالحل و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحل و الحرمة فهو حلال.

فخرج ما لا يتصف بهما جميعا من الأفعال الاضطرارية و الأعيان التي لا يتعلق بها فعل المكلف و ما علم أنه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه.

و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل إنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال سواء علم حكم كلي فوقه أو تحته بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحققه في ضمنه لعلم حكمه أو لا.

و بعبارة أخرى انّ كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى إنّك تقسّمه إلى هذين و تحكم عليه باحدهما لا على التعيين و لا تدري المعين منهما فهو لك حلال فيقال حينئذ الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل كونه من المذكى أو الميتة و على شرب التتن و على لحم الحمير إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه لأنه يصدق على كل منها:

إنّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين فنقول إمّا حلال و

____________

(1) الوسائل الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة ح 7، المحاسن: 496، ح 601.

486

إمّا حرام و إنّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها و أصنافها حلالا و بعضها حراما و اشتركت في أن الحكم الشرعي المتعلق بها غير معلوم انتهى.

ذكر نحوه في الدرر حيث قال إنّ قوله (عليه السّلام) فيه حلال و حرام حمل على صلاحيتهما و احتمالهما فيصير الحاصل ان كل شي‏ء يصلح لأن يكون حراما و لأن يكون حلالا و يصح ان يقال فيه إما حرام و إما حلال فهو لك حلال سواء كانت الشبهة في الحلية و الحرمة من جهة الشك في اندراجه تحت كلي علم حكمه أم لا. (1)

أورد عليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في فرائد الاصول بأنّ المراد بالشي‏ء ليس هو خصوص المشتبه كاللحم المشترى و لحم الحمير على ما مثّله بهما إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في «منه» إليهما لكن لفظة «منه» ليس في بعض النسخ و أيضا الظاهر أنّ المراد بقوله فيه حلال و حرام كونه منقسما إليهما و وجود القسمين فيه بالفعل لا مرددا بينهما إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا لا ذهنا و لا خارجا إلى أن قال فالمعنى و اللّه العالم أنّ كل كلي فيه قسم حلال و قسم حرام كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكى و الميتة فهذا الكلي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معينا في الخارج فتدعه.

و على الاستخدام يكون المراد انّ كل جزئي خارجي في نوعه القسمان المذكوران فذلك الجزئي لك حلال حتى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلي في الخارج فتدعه و على أي تقدير فالرواية مختصة بالشبهة في الموضوع و أما ما ذكره المستدل من أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه احتماله و صلاحيته لهما فهو مخالف لظاهر القضية و لضمير منه و لو على الاستخدام انتهى موضع الحاجة. (2)

حاصله أنّ قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام ظاهر في الانقسام الفعلي و هو لا يتصور في الشبهات الحكمية فإنّ القسمة فيها ليست فعلية بل هي فرضية حيث انه ليس‏

____________

(1) الدرر: 449.

(2) فرائد الاصول: 201.

487

فيها إلّا احتمال الحل و الحرمة كما في شرب التتن المشكوك حليته و حرمته و عليه فيختص قوله (عليه السّلام) بالشبهات الموضوعية التي يكون الشك فيها في الحل و الحرمة من جهة الشك في انطباق ما هو الحرام على المشتبه بعد إحراز وجود الحلال و الحرام فيه بالفعل.

و يؤيد ذلك أيضا بظهور كلمة «منه» و «بعينه» و تعريف الحرام باللام في قوله (عليه السّلام) حتى تعرف الحرام منه بعينه فإنّه إشارة و إرجاع إلى الحرام المذكور في قوله كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام و الإشارة و الإرجاع إليهما متفرعتان على إحراز وجودهما كما لا يخفى.

و لا يخفى عليك أنّ ما ذكره الشيخ يتمّ فيما إذا كان المراد من الشي‏ء في قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء هو النوع و المراد من الحلال و الحرام هو حكم أصناف هذا النوع فإنّ الانقسام الفعلي لا يتصور حينئذ إلّا في الشبهة الموضوعية و أمّا إذا كان المراد من الشي‏ء هو الأعمّ من الجنس و من الحلال و الحرام أمكن أن يقال بشمول الرواية للشبهات الحكمية أيضا نظرا إلى إمكان فرض الانقسام الفعلي فيها كما في كلي اللحم فإن فيه قسمان معلومان حلال و هو لحم الغنم و حرام و هو لحم الأرنب و قسم ثالث مشتبه و هو لحم الحمير مثلا لا يدرى انه محكوم بالحلية أو الحرمة و منشأ الاشتباه فيه وجود القسمين المعلومين فيقال بمقتضى عموم الرواية انّه حلال حتى تعلم حرمته و يخرج بذلك عن دائرة المشتبهات المحكوم فيها بالحلية و بعد شمول العموم المزبور لمثل هذا المشتبه الذي يوجد في نوعه القسمان المعلومان يتعدى إلى غيره بعدم القول بالفصل. (1)

و يمكن الجواب عنه بما في كلام الشيخ من أنّ الظاهر إن ذكر هذا القيد مع تمام الكلام بدونه كما في رواية أخرى كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف إنه حرام بيان منشأ الاشتباه الذي يعلم من قوله (عليه السّلام) حتى تعرف إلى أن قال إنّ وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار و لا دخل له في هذا الحكم أصلا و لا في تحقق الموضوع و تقييد الموضوع بقيد أجنبي لا دخل له في الحكم و لا في تحقق الموضوع مع خروج بعض الأفراد منه مثل شرب‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 233- 234.

488

التتن حتى أحتاج إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه مما يوجد في نوعه قسمان معلومان بالإجماع المركب و مستهجن. (1)

و أوضح هذا الجواب في مصباح الاصول بأن الظاهر من قوله (عليه السّلام) فيه حلال و حرام إنّ منشأ الشك في الحلية و الحرمة هو نفس انقسام الشي‏ء إلى الحلال و الحرام و هذا لا ينطبق على الشبهة الحكمية فإنّ الشك في حلية بعض أنواع الحيوان ليس ناشئا من الانقسام إلى الحلال و الحرام بل هذا النوع مشكوك فيه من حيث الحلية و الحرمة و لو على تقدير حرمة جميع بقية الأنواع أو حليتها (بل منشأ الشك في الحلية و الحرمة فيه هو عدم النص أو اجمال النص كما لا يخفى) و هذا بخلاف الشبهة الموضوعية فإنّ الشك في حلية مائع موجود في الخارج ناشئ من انقسام المائع إلى الحلال و الحرام إذ لو كان المائع بجميع أقسامه حلالا أو بجميع أقسامه حراما لما شككنا في هذا المائع الموجود في الخارج من حيث الحلية و الحرمة فحيث كان المائع منقسما إلى قسمين قسم منه حلال كالخل و قسم منه حرام كالخمر فشككنا في حلية هذا المائع الموجود في الخارج لاحتمال أن يكون خلا فيكون من القسم الحلال و ان يكون خمرا فيكون من القسم الحرام. (2)

هذا مضافا إلى ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أيضا من أن الظاهر من قوله (عليه السّلام) حتى تعرف الحرام منه معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء و معلوم أن معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلية لحم الحمار. (3)

و هذا الذي أشار الشيخ إليه يلزم فيما إذا قلنا بشمول الرواية للشبهة الحكمية إذ يحكم بحلية لحم الحمار حتى تعرف لحم الخنزير و حرمته مع أنه كما ترى هذا بخلاف ما إذا قلنا باختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية فإنّ مورد الشبهة محكوم بالحلية حتى تعرف إنّه مصداق الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء و لا إشكال كما لا يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول: 201.

(2) مصباح الاصول 2: 276- 277.

(3) فرائد الاصول: 201.

489

فتحصل أنّ مفاد هذه الرواية لا ينطبق على الشبهة الحكمية بشهادة أمرين:

أحدهما دلالته على أن نفس الانقسام المذكور منشأ للشك و الاشتباه و ثانيهما جعل الحرام المعلوم منهما غاية للحلية فإنه لا يصح ذلك إلّا في الشبهات الموضوعية و أما في الحكمية فلا يصح جعل الحرام المعلوم المذكور غاية لحلية لحم الحمير مثلا كما لا يخفى.

إذ لا معنى لجعل العلم بكون لحم الخنزير حراما غاية لحلية لحم الحمير أمّا الأمر الأول فلا مكان أن يقال نفي السببية لوجود القسمين بالنسبة إلى الشك في حكم لحم الحمير في غير محله و الشاهد له أنّه لو علم ان مطلق اللحم حراما أو حلالا لم يبق له شك في حكم لحم الحمير فإنّ المشكوك لا يبقى على الشك مع العلم بحرمة مطلق اللحم أو العلم بحلية مطلق اللحم كما لا يخفى.

فالشك ناش من وجود القسمين من الحلال و الحرام في الأنواع و عليه فلا وجه لإنكار سببية وجود القسمين في الشبهات الحكمية و العجب من مصباح الاصول حيث قال هذا النوع مشكوك فيه من حيث الحلية و الحرمة و لو على تقدير حرمة جميع بقية الأنواع أو حليتها الخ مع أن اللازم هو إن قال و لو على تقدير حرمة مطلق اللحم أو حليته كما قاله كذلك في الشبهة الموضوعية و من المعلوم أنه لو قال بمثل ما قال في الشبهة الموضوعية لم يبق شك في هذا النوع أيضا و عليه فوجود القسمين موجب للشك في الشبهة الحكمية كالشبهة الموضوعيّة و لذلك قال في الدرر يكفي في عدم لغوية القيد (و هو قوله (عليه السّلام) فيه حلال و حرام) انه لو علم كون مطلق اللحم حراما أو حلالا لم يبق شك في لحم الحمير فوجود القسمين في اللحم صار منشأ للشك في لحم الحمير (1)

قال شيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه): في توضيح مراد استاذه (قدّس سرّه) و الحق هو اندفاع الإشكالين أما الأول فلأن التقييد المذكور لا يكون لغوا لكونه دخيلا في الموضوع و ذلك لأن الشبهة في لحم الحمار مثلا و إن كانت كما ذكر ناشئة عن عدم النص لكن لا ينافي هذا أن‏

____________

(1) الدرر: 450.

490

يكون منشأها وجود القسمين الحلال و الحرام فإنه لو كان النص على حلية كل لحم موجودا لم يكن شك في حلية لحم الحمار و لو كان النص على حرمة كل لحم موجودا لم يكن شك في حرمة لحم (الحمار).

و لكن لما لم يكن شي‏ء من هذا النصين و انما صار بعض اللحوم حراما و بعضها حلالا فهذا أوجب الشك في حكم لحم الحمار.

فهذا نظير ما يقال في العرف لو كان كل أفراد الإنسان أمينا لما شككت في أمانة هذا الشخص و لو كان كل أفراده خائنا ما شككت في خيانة هذا الشخص و لكن لما كان أفراده مختلفة فبعضها أمين و بعضها خائن فلا جرم شككت في أمانة هذا الشخص و خيانته و هذا مطلب صحيح عرفي. (1)

هذا كله بالنسبة إلى الأمر الأول و هو لزوم كون الانقسام سببا و منشأ للشك و هو متحقق في الشبهة الموضوعية دون الحكمية و أمّا الأمر الثاني و هو متحقق في الشبهة الموضوعية دون الحكمية فقد أجاب عنه في الدرر أيضا بأنّ معرفة الحرام غاية للحكم على المطلق أو على ذلك الشي‏ء الذي عرف حرمته. و لو لا ذلك للزم الإشكال على تقدير الاختصاص بالشبهة الموضوعية أيضا إذ بعد معرفة فرد من أفراد الغير المذكى يصدق انّه عرف الحرام فيلزم ارتفاع الحكم عن الشبهات أيضا فتدبر جيدا. (2)

قال شيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه): في توضيح ذلك و بالجملة إن كان المراد بعرفان الحرمة الذي جعل في الحديث غاية للحل حقيقة عرفان جنس الحرام حتى يكون صادقا على فرد واحد كان الإشكال مشترك الورود على كلتا الشبهتين و إن كان المراد ان عرفان الحرمة في كل شي‏ء ليس إلّا غاية للحل بالنسبة إلى هذا الشى‏ء دون غيره كان الإشكال غير وارد في كلتا الشبهتين و لكن حيث إنّ الظاهر هو إرادة عرفان جنس الحرام الصادق‏

____________

(1) أصول الفقه لشيخنا الاستاذ 2: 77.

(2) الدرر: 450.

491

على فرد واحد كان الإشكال واردا على كلتيهما فلا بدّ في دفعه عن كلتيهما فنقول إنّ عرفان الحرام غاية للقضية الاستغراقية بوصف كونها استغراقية فمعنى الحديث أنّ الجنس الذي هو اللحم المنقسم في الذهن إلى القسم المذكى و القسم الميتة يكون بجميع أفراده حلالا فكل فرد منه سواء كان ميتة واقعا أم مذكى واقعا فهو حلال و كذلك جنس اللحم الذي له قسمان احدهما لحم الغنم و الآخر لحم الخنزير و له قسم ثالث و هو لحم الحمار فهو بجميع أقسامه يكون حلالا سواء كان من القسم الحلال واقعا أم من القسم الحرام حتى يعرف الحرمة في فرد واحد على الأول أو في قسم واحد على الثاني فحينئذ يكون هذا الحكم العام الاستغراقي الاستيعابي و هو حلية كل فرد أو كل قسم مرتفعا و هذا لا إشكال فيه إذ لا إشكال في أنه بعد معرفة الحرمة في الفرد الواحد أو القسم الواحد لم يبق هذا الحكم العام بعمومه.

و اذن فبناء على حمل الرواية على التقسيم الذهني فدلالتها على البراءة في الشبهة الحكمية تامة غاية الأمر يكون موردها خصوص الشبهة الحكمية التي كان له قسم حلال و قسم حرام و لم يكن القسم الحرام بعد معروفا فيتم في غير هذا و هو ما لم يكن له قسم حلال و قسم حرام و ما كان له ذلك بعد عرفان الحرام بعدم القول بالفصل.

و لكن الشأن في إثبات ظهور الرواية في التقسيم الذهني دون الخارجي و هو غير معلوم بل الظاهر منها لا يبعد أن يكون هو التقسيم الخارجي بقرينة ذكر لفظة «بعينه» (1)

و لا يخفى عليك أيضا أن الظاهر من الحديث كما أشار إليه الاستاذ (قدّس سرّه) بقرينة لام العهد في قوله حتى تعرف الحرام و لفظة بعينه إن المراد من الغاية في قوله حتى تعرف الحرام منه بعينه هي معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده بالفعل في الشي‏ء و ذلك لا يساعد إلّا مع إرادة الشبهة الموضوعية إذ مع الشبهة الحكمية لا معنى لجعل معرفة حرمة لحم الخنزير غاية لحلية لحم الحمير لعدم الارتباط بينهما فلا وجه لأن يقال. إنّ لحم الحمير مثلا الذي شك في حليته و حرمته عند ما رأينا وجود القسمين في اللحم حلال حتى تعرف حرمة لحم الخنزير و علم‏

____________

(1) أصول الفقه شيخنا الاستاذ 2: 76- 77.

492

بوجوده في الشي‏ء بل الذي يكون مناسبا مع الشبهة الحكمية هو ان يقال إنّ لحم الحمير المشكوك حلال حتى تعرف إنه حرام آخر و هو لا يساعد مع ذكر لام العهد و رجوع الضمير في «بعينه» إلى الحرام الموجود في الشي‏ء كما لا يخفى.

و لعل إليه يؤول ما أشار إليه شيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه) في الدورة الأخيرة بقوله و لكن يمكن الإيراد على الكلام المزبور أعني التسرية إلى الشبهة الحكمية بأن يقال إنّ الظاهر أن يكون الدوران بين نفس الحلال و الحرام المذكورين في الصدر و هو منحصر في الشبهة الموضوعية إذ لا دوران في الشبهة الحكمية من لحم الحمير بين اللحوم المعلوم الحرمة و اللحوم المقطوع الحلية و بعبارة أخرى الظاهر انّ مورد الحكم بالحلية شي‏ء قابل لأن يعرف فيه ذلك الحرام المعلوم.

إلّا أن يقال: يكفي صحة انطباق عنوان الحرام بما هو هو فالمراد إنّ كل كلّي كان فيه الحلال و الحرام و لو لم يعرف عنوانهما بغير هذين العنوانين فهو حلال في أفراده المشتبهة حتى يعرف الحرام منه و لكنه مع ذلك لا يخلو عن التكلف فالظاهر اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية. (1)

قال سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): إنّ قوله «بعينه» و «منه» و «فيه» و مادة «العرفان» المستعملة في الأمور الجزئية قرينة على الاختصاص فإنّ كل واحد من هذه الأمور و إن كان في حد نفسه قابلا للمناقشة إلّا أنّ ملاحظة المجموع ربما تصير قرينة على الاختصاص أو سلب الاعتماد بمثل هذا الإطلاق. (2)

و يؤيده عدم اشتراط البراءة في هذه الأخبار بالفحص إذ لو كان لمراد أعمّ من الشبهة الحكمية لزم تقيدها بكونها بعد الفحص فتأمّل.

يمكن أن يقال: بأنّ الاستبانة المذكورة في الذيل تعمّ الاستبانة العلمية القطعية و

____________

(1) أصول الفقه لشيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه): 624

(2) تهذيب الاصول 2: 188.

493

غيرها الحاصلة بمثل خبر الواحد أو الظواهر و عليه فذكر قيام البيّنة بعد الاستبانة من قبيل ذكر الخاص بعد العام و لا شاهد فيه على الاختصاص.

نعم لا يخلو الرواية عن الضعف في السند فإنّ مسعدة بن صدقه عامّي و لم يوثق إلّا أنّ المحكي عن السيد المحقق البروجردى (قدّس سرّه) أنّه متحد مع مسعدة بن زياد الربعي الثقة بقرينة اتحاد مضمون رواياته مع رواياته التي تقرب عشر روايات و أيّد ذلك بالمروى في بعض طرق الكافي هكذا عن مسعدة بن صدقة عن زياد لأنّ الظاهر عندي أنّ الصحيح هو مسعدة بن صدقة بن زياد و عليه يكون زياد اسم جدّ مسعدة و كثيرا ما يحذف اسم الأب و ينسب الولد إلى الجدّ هذا مضافا إلى ما حكي عن الوحيد البهبهاني من أنّ جدّي قال الذي يظهر من أخباره في الكتب أنّه ثقة لأنّ جميع ما يرويه في غاية المتانة و موافق لما يرويه الثقات.

و لكن لقائل أن يقول اتحاد مضمون بعض روايات مسعدة بن زياد مع روايات مسعدة بن صدقة لا يوجب إلّا الظن باتّحادهما هذا مضافا إلى أنّه يبعده ذكر كليهما في الفهرست و الرجال و النجاشي فتأمّل.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان التي رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم و مضمونها متوافقة و قد رواها الكليني (قدّس سرّه) عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعا عن ابن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه.

و تقريب الاستدلال بها كما عن شرح الوافية و في الدرر أنّ معنى الحديث أنّ كلّ فعل من الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة و كذا كلّ عين ممّا يتعلق به فعل التكليف و يتّصف بالحلّ و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحلّ و الحرمة فهو لك حلال.

فخرج ما لا يتّصف بهما جمعيا من الأفعال الاضطرارية و الأعيان التى لا يتعلق بها فعل المكلف و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه.

494

فصار الحاصل أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو لك حلال سواء علم حكمه كلي فوقه أو تحته بحيث لو فرض العلم باندارجه تحته أو تحققه في ضمنه لعلم حكمه أو لم يعلم ذلك.

و عليه فالرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل حليته لكونه من المذكى أو حرمته لكونه من الميتة و هكذا يصدق على شرب التتن أو لحم الأرنب مثلا لان الحلّية و الحرمة كليهما محتملتان فيهما.

و بعبارة اخرى قوله فيه حلال و حرام يحمل على صلاحية الشي‏ء أو الفعل لهما و احتمالهما فيه فيصير المعنى أنّ كل شي‏ء يصلح لأن يكون حراما و لأن يكون حلالا و يصح فيه أن يقال: إنّه إما حرام أو حلال فهو لك حلال.

و قد أورد عليه بأنّ الظاهر من قوله (عليه السّلام) فيه حلال و حرام كونه منقسما إليهما و وجود القسمين فيه بالفعل لا مردّدا بينهما إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا لا ذهنا و لا خارجا و دعوى أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه هو احتماله و صلاحيته لهما مندفعة بأنه مخالف لظاهر القضيّة.

و عليه فيختص قوله (عليه السّلام) بالشبهات الموضوعية التى يكون الشكّ فيها في الحل و الحرمة من جهة الشكّ في انطباق ما هو الحرام على المشتبه بعد إحراز وجود الحلال و الحرام فيه بالفعل.

و يؤيّد ذلك ظهور كلمة «منه» و «بعينه» و تعريف الحرام باللام في قوله (عليه السّلام) حتى تعرف الحرام منه بعينه فإنّه إشارة و إرجاع إلى الحرام المذكور في قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء يكون فيه حلال و حرام و من المعلوم أنّ الإشارة و الإرجاع إليهما متفرّعتان على إحراز وجودهما قبل الإشارة و الإرجاع و الأجوبة المذكورة عن هذا الإيراد لا تخلو عن التكلف و التأمل و الحاصل أنّ قوله «بعينه» و «منه» و «فيه» و مادة «العرفان» المستعملة في الأمور الجزئية قرينة على اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و لا أقل من الشكّ في شمولها للشبهة الحكمية.

495

التنبيه‏

و اعلم أنّ مقتضى عموم قاعدة الحلّية هي حلّية المشكوك و لو كان الشي‏ء المشكوك هو أجزاء الحيوان من الجلد أو اللحم أو الشحم المأخوذة من يد الكافر أو المستوردة من بلاد الكفر بشرط احتمال التذكية الشرعية في حيوانها فحينئذ يجوز التصرف فيها عدى ما اشترط العلم بالتذكية في الاستعمال كالأكل أو لبسه في الصلاة.

و ذلك لجريان قاعدة الحلّية فيها كجريان قاعدة الطهارة و لا مجال لاستصحاب عدم التذكية فيها بناء على أنّ التذكية هي فري الأوداج الأربعة لا الأمر المعنوي الحاصل بالفري و من المعلوم أنّ فري الأوداج الأربعة لا يتصور في أجزاء الحيوان فانما لم تجر أصالة عدم التذكية فمقتضى قاعدة الحلّية هو جواز التصرف مطلقا عدى ما خرج.

نعم لو كان المشكوك جسد الحيوان الكامل فلا مجال لقاعدة الحلّية لجريان أصالة عدم التذكية فيحرم جميع التصرفات.

496

حديث احدى الجهالتين اهون‏

و منها: أي من الأخبار التي استدل بها للبراءة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المروية في التهذيب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أ هي ممن لا تحل له أبدا فقال لا أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت بأي الجهالتين أعذر بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في عدة؟

فقال إحدى الجهالتين أهون من الأخرى الجهالة بأن اللّه حرم ذلك عليه و ذلك انه لا يقدر على الاحتياط معها فقلت فهو في الأخرى معذور قال نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها فقلت و ان كان أحدهما متعمدا و الآخر بجهالة فقال الذي تعمد لا يحل له ان يرجع إلى صاحبه أبدا. (1)

و تقريب الاستدلال انّ الرواية تدل على أنّ الجهل مطلقا عذر و مقتضى كون الجهل عذرا هو انّه لا عقوبة عليه و هو المطلوب.

و يشكل ذلك أوّلا: بأن الجهل في الرواية إمّا يكون بمعنى الشك فإن كان متعلقا بالحكم التكليفي فالمعذورية تتوقف على الفحص إذ الجاهل بالحكم قبل الفحص ليس بمعذور إجماعا و لو حملنا الرواية على ما بعد الفحص فيبعد بقاء الجهل مع وضوح الحكم المذكور بين المسلمين و ان كان الشك متعلقا بالموضوع فيصح الحكم بالمعذورية قبل الفحص إذا لم يعلم بكونها في العدة سابقا و أما إذا علم بكونها في العدة و لم يدر انقضائها فمقتضى استصحاب بقاء العدة عدم معذوريته و بالجملة الحكم بمعذورية الجاهل مطلقا لا يطابق القواعد المسلّمة و إمّا يكون الجهل بمعنى الغفلة فيستقيم الحكم بالمعذورية و يشهد له قوله (عليه السّلام) و ذلك انه لا يقدر على الاحتياط معها و لكنه أجنبي عن المقام لأنّ بحث الأصولي يكون حول الشك لا الغفلة و ثانيا: كما أفاده في الدرر بأن حكمه (عليه السّلام) بكون الجهالة بأن اللّه‏

____________

(1) التهذيب 7: 306 الباب 26 باب من يحرم نكاحهن بالأسباب دون الأنساب ح 32.

497

تعالى حرم عليه ذلك أهون من الأخرى معللا بعدم قدرته على الاحتياط معها غير واضح لأنه لا فرق بين الجهالتين في هذه العلة لأن الجهالة إن كانت بمعنى الغفلة فلا إشكال في عدم قدرته على الاحتياط فيهما و التفكيك بين الجهالتين بأن يجعل الجهالة بالحكم بمعنى الغفلة و الأخرى بمعنى الشك في غاية البعد.

و يمكن الجواب عن الإشكالات الواردة على الرواية بأجمعها بما في الدرر من حمل الجهالة على الغفلة في كلتي الصورتين و حمل قول السائل «بجهالة أن اللّه حرم عليه ذلك» على الجهالة في الحكم التكليفي و قوله «أم بجهالته انها في العدة» على جهالته بأن العدة موضوعة للأمر الوضعي أعني الحرمة الأبدية.

و حينئذ وجه قدرته على الاحتياط في الثاني انه بعد الالتفات يتمكن من رفع اليد عن الزوجة بخلاف الأول فإنه عمل بالفعل المحرم شرعا و لا يتمكن عن تداركه بعد الالتفات فافهم‏ (1)

و لكن يرد عليه بأن تخصيص الرواية بمورد الغفلة يوجب كونها أجنبية عن محل البحث و هو صورة الشك و الترديد مع أنّ بحث الاصولي في حكم الشك و الترديد لا حكم الغفلة هذا مضافا إلى أن ما ذكره في وجه الفرق بين الجهالة بالحكم التكليفي و بين الجهالة بالموضوع في قدرته على الاحتياط في الثانية دون الأولى محل تامل و نظر و لعل قوله: فافهم اشارة إلى ذلك فالأولى هو الجواب عنه بما حكى شيخنا الاستاذ الأراكي (رحمه اللّه) عن الاستاد الأعظم الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) من أن الجهالة ليست في الموضعين مستعملة في معنيين بل استعملت في كليهما في العام الشامل للشك و الغفلة و هو عدم العلم و لكن هذا المعنى العام يكون الغالب تحققه في ضمن الغفلة بالنسبة إلى الحكم و في ضمن الترديد بالنسبة إلى الموضوع فالاختلاف في المحقق لا في المعنى المستعمل فيه الكلمة و أما وجه الاختلاف بينهما فلأن الحكم لغاية وضوحه مثل وجوب صلاة الظهر بين المسلمين يكون عدم علمه بنحو الترديد فيه في غاية الندرة نعم عدم علمه بنحو الغفلة ليس نادرا.

____________

(1) الدرر: 448.

498

و أما الموضوع فالإنسان المريد لتزويج امرأة لا محالة يكون بصدد التفتيش عن موانع التزويج في حق المرأة الشخصية و مع هذا لو لم يقع في ذهنه الالتفات إلى حيث كونها في عدة الغير أولا فهو في كمال البعد و الندرة نعم يمكن بقائه على حالة الترديد. (1)

و تبعه في نهاية الأفكار حيث قال و يمكن دفع ذلك بأن المراد من الجهالة في الموضعين إنّما هو مطلق الجهل الشامل للغافل و الشاك في قبال العالم الخ. (2)

و لكن هذا الجواب يوجب تخصيص الرواية بالشبهات الموضوعية و لا تعرض لها بالنسبة إلى الشبهات الحكمية لأنّ المفروض ان الغالب تحقق المعنى العام في ضمن الغفلة بالنسبة إلى الحكم و في ضمن الترديد بالنسبة إلى الموضوع اللّهمّ إلّا أن يكتفى في الشبهة الحكمية بغير الغالب و يحمل الرواية على بيان حكم الفرد النادر و هو كما ترى لأنه حمل المطلق على الفرد النادر إلّا أن يقال لا يحمل الإطلاق على الفرد النادر بل يستفاد منه حكم النادر أيضا و هو غير حمل المطلق على النادر و عليه فتعم الرواية الشبهة الحكمية أيضا و عليه فالتعليل بأنه لا يقدر على الاحتياط غالبي فلا ينافي المورد النادر فلا تغفل.

و أما ما يقال من أنّ الرواية مختصة ببعض المحرمات و لا إطلاق لها بالنسبة إلى سائر المحرمات هذا مضافا إلى عدم شمولها للواجبات المجهولة.

ففيه أن مورد الرواية و إن كان مختصة ببعض المحرمات و لكن يمكن إلغاء الخصوصية هذا مضافا إلى أن لسان الجواب لسان بيان ما يصلح للتعميم مثل قوله (عليه السّلام) و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك و قوله (عليه السّلام) إحدى الجهالتين أهون من الأخرى مع أن السؤال عن الحرمة التكليفية أو الشبهة الموضوعية و مضافا إلى أنّ الإمام (عليه السّلام) يكون في الذيل في مقام بيان الفرق بين العمد و العلم و بين مطلق الجهالة من الغفلة و الشك و الترديد من دون اختصاص ذلك بمورد من الموارد و الأضعف من ذلك هو دعوى اختصاص الرواية

____________

(1) أصول الفقه لشيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه) 3: 618- 619.

(2) نهاية الأفكار 3: 232.

499

بالأحكام الوضعية فإن التعبير بالأهونيّة في جواب الإمام (عليه السّلام) و بالأعذرية في كلام السائل لا يناسب تحصيصه بالأحكام الوضعية لأنها ليست ذات مراتب بخلاف التكليفية كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه). (1)

اللّهمّ إلّا أن يقال: أعذر ليس بأفعل التفضيل بل هو فعل مجهول بضم الهمزة و الضمير فيه راجع إلى الرجل فلا منافاة مع الاختصاص بالوضعية إلّا أنّ الإطلاق مانع من الاختصاص بها فتدبر.

و بما ذكرنا يظهر إمكان دفع الشبهات الواردة على هذه الرواية كما أشار إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بعد ما أشكل في الرواية من جهة اختصاص موضوع السؤال بالجاهل المركب أو الغافل و من جهة اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و من جهة أنه لو كان الشك في مقدار العدة فهو شبهة حكمية و لكنه حيث قصّر في السؤال عنها فهو ليس بمعذور اتفاقا لأصالة بقاء العدة و أحكامها و غير ذلك. بقوله في آخر عبارته فتدبر فيه و في دفعه. (2)

فتحصل أنّ الرواية بعد تخصيصها بحكم العقل بغير مورد الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص و بغير مورد الشبهة المحصورة و بغير مورد الاستصحاب أو الأمارات تدل على أنّ الجهل و عدم العلم بالحكم أو الموضوع عذر و معنى العذر انّه لا فعلية للحكم بالنسبة إليه و لا عقوبة و معه لا مجال لوجوب الاحتياط مطلقا سواء كانت الشبهة تحريمية أو وجوبية فتدبر.

____________

(1) تهذيب الأصول 2: 186.

(2) فرائد الاصول: 200.

500

الخلاصة حديث إحدى الجهالتين أهون‏

و منها: أي من الأخبار التي استدل بها للبراءة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدّتها بجهالة أ هي ممن لا تحلّ له أبدا فقال لا أمّا إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضى عدّتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت بأيّ الجهالتين أعذر بجهالته أن يعلم أنّ ذلك محرم عليه أم بجهالته أنّها في عدّة؟

فقال إحدى الجهالتين أهون من الاخرى الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه و ذلك أنّه لا يقدر على الاحتياط معها فقلت فهو في الاخرى معذور قال نعم إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوجها فقلت و إن كان أحدهما متعمّدا و الآخر بجهالة فقال الذي تعمّد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبدا.

و تقريب الاستدلال بها إنّ الرواية تدلّ على أنّ الجهل مطلقا عذر و مقتضى ذلك أنّه لا عقوبة عليه و هو المطلوب.

و يشكل ذلك بأنّ الجهل في الرواية إمّا يكون، بمعنى الشكّ فإن كان الشكّ متعلقا بالحكم التكليفي فالمعذورية تتوقف على الفحص إذ الجاهل بالحكم قبل الفحص ليس بمعذور إجماعا.

و لو حملنا الرواية على ما بعد الفحص ففيه أنّه يبعد بقاء الجهل بعد الفحص لوضوح الحكم المذكور بين المسلمين و إن كان الشكّ متعلقا بالموضوع فيصحّ الحكم بالمعذورية قبل الفحص إذا لم يعلم بكونها في العدة سابقا و إلّا فمع عدم العلم بانقضائها فمقتضى الاستصحاب بقاء العدّة و عدم المعذورية.

و عليه فالحكم بمعذورية الجاهل مطلقا لا يطابق القواعد المسلّمة هذا كله فيما إذا كان الجهل في الرواية بمعنى الشكّ.

501

و إمّا يكون الجهل فيها بمعنى الغفلة فيستقيم الحكم بالمعذورية حينئذ و يشهد له قوله (عليه السّلام) و ذلك إنّه لا يقدر على الاحتياط معها و لكن إشكاله أنّه أجنبي عن المقام لأنّ البحث الأصولي حول الشك لا الغفلة.

و يمكن الجواب بحمل الجهالة على الغفلة في كلتي الصورتين و بحمل قول السائل «بجهالة أنّ اللّه حرم عليه ذلك» على الجهالة في الحكم التكليفي و قوله «أم بجهالته أنّها في العدة» على جهالته بأنّ العدة موضوعة للأمر الوضعي أعني الحرمة الأبدية.

و حينئذ وجه قدرته على الاحتياط في الثاني أنّه بعد الالتفات يتمكن من رفع اليد عن الزوجة بخلاف الأوّل فإنّه أتى بالفعل المحرم شرعا و لا يتمكن من تداركه بعد الالتفات فافهم.

و لكن الرواية حينئذ تكون أجنبية عن صورة الشكّ و الترديد بل مختصة بمورد الغفلة مع أنّ بحث الاصولي في حكم الشكّ و الترديد لا حكم الغفلة و الأولى هو الجواب عن الاشكال بأنّ الجهالة ليست في الموضعين مستعملة في معنيين بل استعملت في كليهما في العام الشامل للشك و الغفلة و هو عدم العلم و لكن هذا المعنى العام يكون الغالب تحققه في ضمن الغفلة بالنسبة إلى الحكم و في ضمن الترديد و الشك بالنسبة إلى الموضوع فالاختلاف في المحقق لا في المعنى المستعمل فيه الكلمة.

و أمّا وجه الاختلاف بينهما فلأنّ الحكم لغاية وضوحه مثل وجوب صلاة الظهر بين المسلمين يكون عدم علمه بنحو الترديد فيه في غاية الندرة نعم عدم علمه بنحو الغفلة ليس نادرا.

و أمّا الموضوع فالإنسان المريد لتزويج امرأة لا محالة يكون بصدد التفتيش عن موانع التزويج في حق المرأة الشخصيّة و مع هذا لو لم يقع في ذهنه الالتفات إلى حيث كونها في عدة الغير أولا فهو في كمال البعد و الندرة فإذا كانت الغفلة بعيدة أمكن أن يبقى على حالة الترديد و الشكّ بالنسبة إلى الموضوع هذا هو المحكي عن الأستاد الأعظم الميرزا

502

الشيرازى (قدّس سرّه) و تبعه جماعة منهم المحقق الحائرى و شيخنا الأستاد و المحقق العراقى (قدس اللّه ارواحهم).

فتحصّل أنّ الرواية بعد تخصيصها بحكم العقل بغير مورد الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص و بغير مورد الشبهة المحصورة و بغير مورد الاستصحاب أو الأمارات تدلّ على أنّ الجهل و عدم العلم بالحكم أو الموضوع عذر و معناه أنّه لا فعلية للحكم بالنسبة إليه و لا عقوبة و معه لا مجال لوجوب الاحتياط مطلقا سواء كانت الشبهة تحريمية أو وجوبية.

503

حديث كل شي‏ء مطلق‏

و منها: أي من الأخبار التي استدل بها للبراءة هي الّتى رواها في الفقيه مرسلة عن الصادق (عليه السّلام) قال و ذكر شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي اللّه عنه عن سعد بن عبد اللّه إنّه كان يقول لا يجوز الدعاء في القنوت بالفارسية و كان محمّد بن الحسن الصفار يقول إنّه يجوز و الذي أقول به إنّه يجوز لقول أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) لا بأس أن يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شي‏ء يناجي به ربه عزّ و جلّ.

و لو لم يرد هذا الخبر أيضا لكنت أجيزه بالخبر الذي روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي و النهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود و الحمد للّه. (1) و رواها عوالي اللئالي‏ (2)، و رواها في المستدرك بسند غير معتبر عن الصادق (عليه السّلام) الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر و نهي. (3)

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): استدل به الصدوق على جواز القنوت بالفارسية و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتى يثبت الحظر من دين الإمامية و دلالته على المطلوب أوضح من الكل و ظاهره عدم وجوب الاحتياط لأن الظاهر إرادة ورود النهي في الشي‏ء من حيث هو لا من حيث كونه مجهول الحكم فإن تم ما سيأتي من أدلة الاحتياط دلالة و سندا وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية و أمثالها مما يدل على عدم وجوب الاحتياط ثم الرجوع إلى ما تقتضيه قاعدة التعارض. (4)

فيدل الحديث على الإطلاق و الإباحة و عدم وجوب الاحتياط ما دام لم يرد النهي عن الشي‏ء من حيث هو.

و قد أورد عليه في الكفاية بأن دلالته تتوقف على عدم صدق الورود إلّا بعد العلم أو ما

____________

(1) من لا يحضره الفقيه باب 17 باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ح 43 و رواها عوالي اللآلي.

(2) ج 3: 166 ح 60 و ص 462 ح 1.

(3) ج 17 ص 333 ح 21477 طبع آل البيت.

(4) فرائد الاصول: 199.

504

بحكمه بالنهي عنه و إن صدر عن الشارع و وصل غير واحد مع أنّه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه سيما بعد بلوغه إلى غير واحد و قد خفي على من لم يعلم بصدوره. (1)

يمكن الجواب عنه بأن مع العلم بصدور النهي عن الشارع و وصوله لغير واحد لا مجال للتمسك بالرواية لإثبات الإطلاق للعلم بحصول الغاية و أما إذا لم يعلم بصدور النهي عن الشارع و وصوله لغير واحد بل يحتمل ذلك أمكن التمسك باستصحاب عدم ورود النهي و تنقيح موضوع الحديث كما في جميع موارد الاصول المنقحة فيصحّ التمسك بالحديث في مورد يشك فيه من جهة ورود النهي عنه و عدمه.

و القول بأنّ الأخذ بالحديث حينئذ يكون بعنوان أنه مما لم يرد عنه النهي واقعا لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعا كما في الكفاية.

غير سديد إذ لا يتفاوت في المقصود و هو الحكم بالإباحة في مجهول الحرمة كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان.

و ما ذكره في الكفاية من أن الحديث بذلك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلا و لا يكاد يعم ما إذا نهى عنه في زمان و أباحه في آخر و اشتبها من حيث التقدم و التأخر مع أن البراءة تشمله أيضا.

مندفع بأن هذا لو لا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت مع أنّ هذا نادر جدا لا يقال: إنّ الأخذ بعدم الفصل يجدي فيما إذا كان المثبت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل الاجتهادي لا الأصل. (2)

لأنا نقول: بعد كون الأصل منقّحا يكون المثبت للحكم بالإباحة في المقام هو الدليل‏

____________

(1) الكفاية 2: 177.

(2) ربما يقال في وجه ذلك أن المراد بالإطلاق في الحديث هو الإباحة الواقعية المغياة بصدور النهي و الاستصحاب حكم ظاهري ببقاء تلك الإباحة فليس في البين براءة لا بدليل اجتهادي و لا فقاهتى فلا موضوع للإجماع و عدم القول بالفصل و الجواب عنه هو ما أشرنا إليه بأن الحكم بالإباحة ثابت بالدليل الاجتهادي لا الأصل.

505

الاجتهادي لا الأصل و لعل قول صاحب الكفاية في آخر عبارته فافهم اشارة إلى ذلك.

لا يقال: إنّ أصالة عدم ورود النهي حتى تثبت الحلية الواقعية أو الظاهرية من الاصول المثبتة لأن تحقق ذي الغاية مع عدم حصول غايته من الأحكام العقلية و الشك في تحقق ذيها و إن كان مسببا عن تحقق نفس الغاية و عدمها إلّا أنه ليس مطلق السببية مناطا لحكومة السببي على المسببي ما لم يكن الترتب شرعيا. (1)

و عليه فاستصحاب عدم الورود لإثبات كون الشي‏ء مطلقا و حلا لا مثبت.

لأنا نقول: إنّ ثبوت الحلية الواقعية أو الظاهرية لا يترتب على أصالة عدم ورود النهي حتى يكون أصالة عدم ورود النهي مثبتة بل ثبوتهما لصدق موضوعهما نعم تحقق الموضوع متوقف على أصالة عدم ورود النهي فلو كان الاصول المنقحة للموضوعات مثبتة لزم أن لم تجر تلك الاصول في مورد من الموارد مع أنّها جرت و يثبت بها موضوعات الأحكام و من المعلوم أن الأحكام حينئذ مترتبة على الموضوعات بالأدلة الاجتهادية فلا تغفل.

و أوضح ذلك في تسديد الاصول حيث قال إنّ مسئولية الاستصحاب و مفاده في جميع موارد جريانه ليست أزيد من الحكم ببقاء المستصحب و هذه المسئولية يؤدّيها و يفي بها هنا أيضا كسائر الموارد.

ثم إنّ الأدلّة الاجتهادية هي التي تنطبق ببركة الاستصحاب على الموضوعات المستصحبة و تحكم مفادها عليها و حينئذ فلا فرق بين أن يكون مفاد الدليل الاجتهادي حكما مجعولا من الأحكام الشرعية أو قاعدة كلية رافعة لتحير الناس و مبيّنة لوظيفتهم نظيرها كما لا يخفى فلا نعتمد في إثبات الإطلاق على مجرد حديث السببية و المسببية لكي يرمى بالبطلان و المثبتيّة. (2)

ثم أورد في الدرر على الحديث بأنه لو حمل الورود على الصدور في نفس الأمر كما أنّه لم‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 183- 184.

(2) تسديد الاصول 2: 146.

506

يكن ببعيد فلا تدل إلّا على إباحة الأشياء قبل تعلّق النهي بها واقعا فما شك في تعلّق النهي به و عدمه من الشبهات لا يجوز لنا التمسك بالعام فيها إلّا أن يتمسك باستصحاب عدم النهي لإحراز الموضوع و على هذا لا يحتاج إلى الرواية في الحكم بالإطلاق لأنه لو صح الاستصحاب لثبت به ذلك فافهم. (1)

و أوضحه شيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه) حيث قال هذا الاستصحاب نافع للتمسك بالحديث على قول من لا يرى استصحاب العدم الأزلي جاريا مثل شيخنا المرتضى فإنه قائل بأنّ مورد الاستصحاب لا بد أن يكون شيئا قابلا للجعل بالاستصحاب فلو كان مما لا يقبل الجعل فلا يجري فيه الاستصحاب إلّا بواسطة ما يقبله فالعدم الأزلي لا يصير مجرى للاستصحاب إلّا أن يكون موضوعا لأثر شرعي لأن العدم ليس قابلا للجعل و إنّما هو مسبب عن عدم الجعل فعلى هذا يستصحب عدم ورود النهي الثابت في الأزل فيترتب عليه أثره الشرعي الذي رتب عليه بمقتضى هذا الحديث و هو الإباحة و الإطلاق.

و أما على ما نختاره كما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى من جريان الاستصحابات العدمية فلا يكون هذا الاستصحاب نافعا بحال الحديث لكونه مغنيا عن التمسك به و بالجملة فعلى المختار لا يكون التمسك بالحديث بناء على المعنى المذكور صحيحا لأنه مع قطع النظر عن الاستصحاب يكون من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية و مع ملاحظة جريانه فلا حاجة إلى التمسك بالحديث. (2)

و لا يخفى عليك أنّ نسبة عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية إلى الشيخ الأعظم ممنوعة بعد ما حكي عن الشيخ في الرسائل و المكاسب من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

نعم استشكل الشيخ (قدّس سرّه) على الاستدلال على البراءة بالاستصحاب بأنّ استصحاب‏

____________

(1) الدرر: 451.

(2) أصول الفقه 2: 78- 79.

507

البراءة لو كان موجبا للقطع بعدم العقاب صح التمسك به و إلّا فلا إذ مع بقاء احتمال العقاب بعد جريان الاستصحاب لا مناص من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان لسد باب هذا الاحتمال و معه كان التمسك بالاستصحاب لغوا محضا لأنّ التمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان كاف في سدّ باب احتمال العقاب من أول الأمر بلا حاجة إلى التمسك بالاستصحاب.

و عليه فإن بنينا على كون الاستصحاب من الأمارات أو قلنا بحجية مثبتات الاصول حصل منه القطع بعدم العقاب و صح التمسك به إذ عدم المنع من الفعل الثابت بالاستصحاب مستلزم للرخصة في الفعل فإذا فرض ثبوت الرخصة من قبل الشارع بالتعبد الاستصحابي باعتبار كونها من لوازم عدم المنع المستصحب لم يحتمل العقاب فان العقاب على الفعل مع الترخيص فيه غير محتمل قطعا و أمّا لو لم نقل بكون الاستصحاب من الأمارات و لا بحجية مثبتات الاصول كما هو الصحيح فلا يصح التمسك بالاستصحاب في المقام إذ لا يثبت به الترخيص الموجب للقطع بعدم العقاب و يبقى احتمال العقاب فنحتاج إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان و معه كان التمسك بالاستصحاب لغوا.

و لكن هذا الإشكال غير وارد كما أفاد السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) حيث إنّ استصحاب عدم المنع كاف في القطع بعدم العقاب إذ العقاب من لوازم المنع عن الفعل و تحريمه فمع عدم إحراز عدم المنع عن الفعل بالاستصحاب نقطع بعدم العقاب بلا حاجة إلى إحراز الرخصة التي هي من لوازم عدم المنع ليكون مثبتا. (1)

فتحصل انّ مع إرادة الصدور من الورود و إن أمكن الاستدلال بالحديث المذكور في جريان استصحاب عدم صدور النهي و لكن لا حاجة إلى الحديث حينئذ لجريان الاستصحاب و سيأتي جريان الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

هذا كله بناء على أنّ المراد من الورود في قوله (عليه السّلام) «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» هو الصدور الواقعي و إن لم يصل إلى المكلفين و أمّا إذا كان الورود بمعنى الوصول إلى‏

____________

(1) مصباح الاصول 2: 293- 294.

508

المكلفين فلا حاجة في ثبوته إلى الاستصحاب قال سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) ان قوله (عليه السّلام) «يرد» جملة استقبالية و النهي المتوقع وروده في زمان الإمام الصادق (عليه السّلام) ليست النواهي الأولية الواردة على الموضوعات لأن ذلك بيد الشارع و قد فعل ذلك و ختم طوماره بموت النبي (صلى اللّه عليه و آله) و انقطاع الوحي غير أنّ كل ما يرد من العترة الطاهرة كلها حاكيات عن التشريع و الورود الأوّلي و على ذلك ينحصر المراد من قوله «يرد» على الورود على المكلف أي الوصول إليه حتى يرتفع بذلك الحكم المجعول للشاك و هذا عين الحكم الظاهري. (1)

حاصله أنه يستظهر من جملة «يرد» إنّ المراد من الورود هو وصول ما صدر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و ذلك لقيام القرينة على أنّه بعد انقطاع الوحي بموت النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يصدر شي‏ء من الأحكام حتى يكون المراد من قوله «يرد» هو ذلك و من المعلوم أنّ الوصول إمّا معلوم الوجود و إمّا معلوم العدم و لا يحتاج إلى الاستصحاب.

و استدل في مصباح الاصول على أنّ الورود في الحديث بمعنى الوصول من ناحية كلمة المطلق حيث قال إنّ الورود و إن صح استعماله في الصدور إلّا أنّ المراد به في الرواية هو الوصول إذ على تقدير أن يكون المراد منه الصدور لا مناص من أن يكون المراد من الإطلاق في قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء مطلق هو الإباحة الواقعية فيكون المعنى إنّ كل شي‏ء مباح واقعا ما لم يصدر النهي من المولى و لا يصح أن يكون المراد من الإطلاق هي الإباحة الظاهرية إذ لا يصح جعل صدور النهي من الشارع غاية للإباحة الظاهرية فإنّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك و عدم وصول الحكم الواقعي إلى المكلف فلا تكون الإباحة الظاهرية مرتفعة بمجرد صدور النهي من الشارع و لو مع عدم الوصول إلى المكلف.

بل هي مرتفعة بوصوله إلى المكلف فلا مناص من أن يكون المراد هي الإباحة الواقعية و حينئذ فإمّا أن يراد من الإطلاق الإباحة (الواقعية) في جميع الأزمنة أو الإباحة في خصوص عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لا سبيل إلى الأول إذ مفاد الرواية على هذا إنّ كل شي‏ء مباح واقعا حتى‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 185.