عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
59

و قال السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه): من الواضحات أنّ المسلمين كانوا يهتمّون بحفظ القرآن و كان من أهمّ الامور عندهم حفظه و تلاوته. و قد ورد عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أخبار في ثواب تلاوة جميعه أو بعض سوره و في بيان خواصها. و قد روي حكاية قراءة «معاذ» حين إمامته سورة البقرة في صلاته فيظهر من ذلك أنّه كان في زمان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) منظّمة مسوّرة محفوظة للمسلمين فكيف يمكن وقوع التحريف فيه بمرآهم و منظرهم مع كمال عنايتهم به بكثرتهم.

نعم لو كان القرآن مكتوبا في أوراق خاصة من دون أن يكون للمسلمين اطلاع تفصيلي عليه لأمكن تضييعه. هذا مع أنّه ورد في الخطب و الروايات لا سيّما خطب نهج البلاغة التحريص و الترغيب على العمل بالقرآن و حفظه و تعظيمه و بيان شأنه فلو كان محرّفا لما صدرت عنهم هذه الأخبار الكثيرة في شأنه. (1)

و لذلك صرح أعاظم الأصحاب من السلف إلى الخلف بأنّ القرآن محفوظ من دون نقص و زيادة.

منهم الصدوق شيخ المحدثين المعتني بالروايات حيث قال في كتاب الاعتقاد، اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله اللّه على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) هو ما بين الدفّتين و ليس بأكثر من ذلك و من نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب.

و منهم السيد المرتضى حيث قال إنّ من خالف في ذلك من الإمامية و الحشوية لا يعتد بخلافهم فإنّ الخلاف فى ذلك مضاف إلى قوم من اصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنّوا صحتها.

و منهم الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) حيث قال في أوّل التبيان أمّا الكلام في زيادته و نقصه فممّا لا يليق به أيضا لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها و النقصان فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه و هو الأليق بالصحيح من مذهبنا و هو الّذي نصره المرتضى و هو الظاهر

____________

(1) نهاية الاصول: 1/ 482.

60

في الروايات غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة و العامة بنقصان كثير من آي القرآن و نقل شي‏ء منه من موضع إلى موضع طريقها الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا و الأولى و الأعراض عنها.

و منهم الطبرسى في مجمع البيان.

و منهم السيد القاضي نور اللّه في كتابه مصائب النواصب حيث قال ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم إلى غير ذلك من التصريحات. (1)

ثانيا: بأنّ الأخبار المروية المستدل بها لتلك المزعمة لا اعتبار بها إعراض الأصحاب عنها و ضعفها سندا و دلالة و تناقض مضمونها و لقد أفاد و أجاد الشيخ البلاغي (قدّس سرّه) حيث قال حول تلك الروايات التي استدل بها على النقيصة كثر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل عن الأئمة (صلى اللّه عليه و آله) في الكتب كمراسيل العياشي و فرات و غيرها مع أنّ المتتبع المحقّق يجزم بأنّ هذه المراسيل مأخوذة من تلك المسانيد و في جملة من الروايات ما لا يتيسّر احتمال صدقها.

و منها ما هو مختلف باختلاف يئول به إلى التنافي و التعارض و هذا المختصر لا يسع بيان النحوين الأخيرين. هذا مع أنّ القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار و قد وصف علماء الرجال كلّا منهم إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو (2) الرواية و إمّا بأنّه مضطرب الحديث و المذهب يعرف حديثه و ينكر و يروى عن الضعفاء و إمّا بأنّه كذّاب متّهم لا استحلّ أن اروى من تفسيره حديثا واحدا و أنّه معروف بالوقف و أشدّ الناس عداوة، للرضا (عليه السّلام) و إمّا بأنّه كان غاليا كذّابا و إمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت اليه و لا يعوّل عليه و من الكذّابين و إمّا بأنّه فاسد الرواية يرمى بالغلوّ و من الواضع أنّ أمثال هؤلاء لا تجدى كثرتهم شيئا.

____________

(1) آلاء الرحمن: 1، 26- 25.

(2) اى مطرود

61

و لو تسامحنا بالاعتناء برواياتهم في مثل هذا المقام الكبير لوجب من دلالة الروايات المتعددة أن تنزلها على أنّ مضامينها تفسير للآيات أو تاويل أو بيان لما يعلم يقينا شمول عموماتها له لأنّه أظهر الأفراد و أحقها بحكم العامّ أو ما كان مرادا بخصوصه و بالنصّ عليه في ضمن العموم عند التنزيل أو ما كان هو المورد للنزول أو ما كان هو المراد من اللفظ المبهم.

و على أحد الوجوه الثلاثة الأخيرة يحمل ما ورد فيها أنّه تنزيل و أنّه نزل به جبرئيل كما يشهد به نفس الجمع بين الروايات.

كما يحمل التحريف فيها على تحريف المعنى و يشهد لذلك مكاتبة أبي جعفر (عليه السّلام) لسعد الخير كما في روضة الكافي ففيها و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده و كما يحمل ما فيها من أنّه كان في مصحف امير المؤمنين (عليه السّلام) أو ابن مسعود و ينزل على أنّه كان فيه بعنوان التفسير و التاويل.

و مما يشهد لذلك قول امير المؤمنين (عليه السّلام) للزنديق كما فى نهج البلاغة و غيره و لقد جئتهم بالكتاب كملا مشتملا على التنزيل و التأويل إلى آخر ما ذكره من الشواهد و القرائن. (1)

و قال السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه): و أمّا الأخبار الواردة في التحريف فهي و إن كانت كثيرة من قبل الفريقين و لكنه يظهر للمتتبع أنّ أكثرها بحيث يقرب ثلثيها مرويّة عن كتاب أحمد بن محمّد السياري من كتّاب آل طاهر و ضعف مذهبه و فساد عقيدته معلوم عند من كان مطلعا على أحوال الرجال.

و كثير منها يقرب الربع مروي عن تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي و هو أيضا مثل السياري في فساد العقيدة هذا مع أنّ أكثرها محذوف الواسطة او مبهمها.

و كثير منها معلوم الكذب مثل ما ورد من كون اسم على (عليه السّلام) مصرّحا به في آية التبليغ و غيرها إذ لو كان مصرحا به لكان يحتج به علي (عليه السّلام) في احتجاجاته مع غيره في باب الإمامة

____________

(1) آلاء الرحمن: 1/ 29- 26.

62

و مثل ما ورد في قوله‏ (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) أنّه كان في الأصل (ترابيا) و نحو ذلك مما يعلم بكذبها إلى أن قال و بالجملة فوقوع التحريف مما لا يمكن أن يلتزم به. (1)

و ثالثا: بأنّ الآيات و الروايات الدالة على مصونيّة عن التحريف و التغيير و التبديل و عروض الباطل تعارض الأخبار الدالة على التحريف منها قوله تعالى‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (2) بتقريب أنّ الآية الكريمة تدلّ مع التأكيدات المتعدّدة على أنّ الأيادى الجائرة لن تتمكن من تحريف الذكر و هو القرآن و معنى الآية انّا بقدرتنا الكاملة نحفظه عن الضياع و التحريف و التغيير و التبديل و عروض الباطل. و القول بأنّ المراد من الذكر هو الرسول لا القرآن كما ورد استعمال الذكر فيه في قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ‏. (3)

غير سديد بما أفاده السيد المحقق البروجردى (قدّس سرّه) من أنّه لا يناسب لفظ التنزيل لأنّ المراد منه هو الإنزال التدريجى و الإنزال التدريجى يناسب القرآن لا الرسول. (4)

هذا مضافا إلى ما أفاده السيد الخويى (قدّس سرّه) أنّ هذه الآية مسبوقة بقوله تعالى‏ وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) و لا شبهة في أنّ المراد بالذكر في هذه الآية أعنى قوله‏ «يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» هو القرآن فيكون ذلك قرينة على أنّ المراد من الذكر فى آية الحفظ هو القرآن أيضا. (5)

و دعوى أنّ المراد من الحفظ هو حفظه عن تطرق الشبهات مندفعة بأنّ التحريف مضيع‏

____________

(1) نهاية الاصول: 1/ 484- 483.

(2) الحجر/ 9

(3) طلاق/ 11- 10.

(4) نهاية الاصول: 1/ 484.

(5) البيان: 144.

63

لاصله فهو كما أفاد السيد المحقق البروجردى (قدّس سرّه) أسوأ حالا من تشكيك المشككين و تطرق الشبهات إليه. (1)

فتحصّل أنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب الذي هو منزّل على النبي (صلى اللّه عليه و آله) ليكون تذكارا للناس مصون عن التحريف و التضييع و محفوظ عند الناس بحيث يمكن لهم أن يصلوا إليه فى كل عصر و زمن و لا مجال للإشكال على الاستدلال بالآية المذكورة بأنّ احتمال وجود التحريف في هذه الآية نفسها يمنع عن الاستدلال بها إذ لو اريد أن يثبت عدم التحريف بنفس الآية كان من الدور الباطل و ذلك لأنّ احتمال التحريف بالزيادة منفي بإجماع المسلمين و إنّما الكلام في التحريف بالنقصان و عليه فالآية الكريمة التي يكون مصونة عن التحريف بالزيادة تدلّ على عدم وقوع التحريف بالنقصان كما لا يخفى.

و عليه فكلّ رواية تدلّ على التحريف بالنقصان مخالف للآية الكريمة و مردود بها.

و منها قوله تعالى، و إنّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. (2)

بتقريب أنّ الآية تدلّ على نفى طبيعة الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب و لا شبهة في أنّ التحريف من أوضح أفراد الباطل فإنّ ما نقص يبطل بفصله من الكتاب كما يبطل الكتاب بالزيادة فيه و يخرج عن محض الوحى فيجب أن لا يتطرق التحريف إلى الكتاب العزيز.

هذا مضافا إلى أنّ توصيف الكتاب بالعزة كما أفاد السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه) يقتضي المحافظة عليه من التغيير و الضياع‏ (3)

إذ العزيز هو القادر الذى لا يغلب عليه. و احتمال إرادة حفظه من خصوص التناقض و الكذب من لفظ الباطل لا يناسبه عموم نفى الباطل هذا مع أنّ توصيف الكتاب العزّة بما له‏

____________

(1) نهاية الاصول: 1/ 485.

(2) فصلت/ 42- 41.

(3) البيان: 146.

64

من الامتيازات الداخلية و الخارجية تمنع عن غلبة الأيادي الجائرة بمثل التحريف عليه.

و منها قوله تعالى في سورة القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19)

تدل هذه الآيات على أنّ اللّه تعالى جعل جمع القرآن و قراءته حتما على نفسه و وعده لنبي (صلى اللّه عليه و آله) ليطمئنّ بحفظه و منعه عن التعجيل في قراءته لغرض الحفظ و الجمع و من المعلوم أنّ وعده تعالى لا يتخلّف إذا التخلّف ناش إمّا من جهة عروض العوارض كالنسيان أو من جهة العجز و كلاهما محالان في اللّه تعالى.

قال في الميزان الذى يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفّها من الآيات المتقدمة و المتأخّرة الواصفة ليوم القيامة أنّها معترضة متضمنة أدبا إلهيا كلّف النبى (صلى اللّه عليه و آله) أن يتأدب به حينما يتلقى ما يوحى إليه من القرآن الكريم فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد و لا يحرك به لسانه و ينصت حتى يتمم الوحى فالآيات الأرباع في معنى قوله تعالى و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه. (1)

و المعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضمّ بعض أجزائه إلى بعض و قراءته عليك فلا يفوتنا شي‏ء منه حتى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نوحه بعد.

و دعوى أنّ معنى هذه الآيات أنّ النبي كان يحرّك لسانه عند الوحى بما ألقى إليه من القرآن مخافة أن ينساه فنهى عنه بالآيات و أمر بالانصات حتى يتمّ الوحى فضمير «لا تحرّك به» للقرآن أو الوحى باعتبار ما قرء عليه منه لا باعتبار ما لم يقرأ بعد.

مندفعة بأنّه لا يلائم سياق الآيات تلك الملاءمة نظر إلى ما فيها من النهي عن العجل و الأمر باتّباع قرآنه تعالى بعد ما قرء و كذا إنّ علينا جمعه و قرآنه فذلك كله أظهر فيما تقدم منها في هذا المعنى. (2)

____________

(1) طه/ 114.

(2) الميزان: 20/ 196- 195.

65

و أيّد الاستاذ الشهيد المطهرى الاحتمال الثاني بقوله سنقرئك فلا تنسى و لكن جوابه هو أظهرية الآيات المذكورة في الاحتمال الاوّل و وجه الاظهرية أنّ الأمر باتباع قراءته تعالى ناظر إلى عدم التقدم لا الى التكرار خوفا من النسيان إذ لو اريد التكرار بالنسبة إلى ما قرأه اللّه تعالى لا مجال للأمر بالاتبّاع عن قراءته فإنّ الاتباع حاصل بل التكرار مؤكد للاتباع هذا مضافا إلى أنّه لا معنى للنهي عن التعجيل حينئذ. و دعوى أنّ المراد من الآيات المذكورة هو قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة كما يدلّ عليه سياق الآيات المتقدمة و المتاخرة و المقصود منها هو تقريع و توبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول لا تحرّك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التى فيها أعمالك يعنى اقرأ كتابك و لا تعجل فإنّ هذا الذى هو على نفسه بصيرة إذا راى سيّئاته ضجر و استعجل فيقال له توبيخا لا تعجل و تثبت لتعلم الحجة عليك فإنّا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك بالانقياد لحكمه و الاستسلام للتبعة فيه فإنّه لا يمكنك إنكاره ثم إنّ علينا بيانه لو أنكرت.

مندفعة بأنّ المعترضة لا تحتاج في تمام معناها إلى دلالة مما قبلها و ما بعدها عليه على أنّ مشاكلة قوله و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه في سياقه لهذه الآيات تؤيّد مشاكلتها له في المعنى. (1)

هذا مع أنّ كتاب العمل قرأه المكلّف لا أنّ اللّه تعالى قرأه و لزم عليه المتابعة. و عليه فلا يساعد قوله إنّ علينا جمعه و قرآنه كما لا مجال لقوله فاتبع قرآنه بعد قراءته تعالى و هكذا لا يساعد حمل الآيات منه على أنّ المراد هو النهي عن التفوه بالسؤال عن وقت القيامة أصلا و لو كنت غير مكذب و لا مستهزئ «لتعجل به» اي بالعلم به «إنّ علينا جمعه و قرانه» أي من الواجب في الحكمة أن نجمع من نجمعه فيه و نوحى شرح وصفه اليك في القرآن فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي إذا قرأنا ما يتعلق به فاتبع ذلك بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له.

ثم إنّ علينا بيانه أى إظهار ذلك بالنفخ في الصور و عدم المساعدة لأنّه يحتاج إلى تقديرات و هى لا تخلوا عن التكلّف و تعسّف، كما لا يخفى.

____________

(1) الميزان: 20/ 196.

66

و منها أخبار الثقلين الدالّة على أنّهما باقيان بين الأمة غير مفترقان و أنّ التمسك بهما يوجب الهداية و ينفى الضلالة و مقتضى عمومية ذلك لجميع الآحاد و الأزمان هو صيانتهما عن التحريف و عروض الخطأ و الاشتباه إذ مع نفوذ الخطأ و التحريف لا يكون الكتاب متروكا عندهم.

هذا مضافا إلى أنّه لا يصلح المحرّف لتضمين الهداية و نفي الضلالة. و لا مجال لاحتمال كفاية وجود القرآن واقعا عند المعصوم لأنّه حينئذ لا يكون متروكا بين ايديهم و المفروض أنّ مفاد الحديث هو ترك القرآن في جامعة المسلمين هذا مضافا إلى أنّ التمسك الذي أمر به لا يمكن إلّا بإمكان الوصول إليه و عليه فلا بد من أن يكون القرآن موجودا بين الأمة في زمان حياته و بعد مماته حتى يمكن لهم أن يتمسكوا به و يحفظوا بالتمسك به عن الضلال.

و أيضا تدلّ هذه الأخبار على وجود العترة و اقترانهم مع الكتاب و كونهما باقيان بين الأمّة لرفع الضلالة إذا التمسك بالعترة يتحقق بوجود العترة العالمة بأوامر اللّه و نواهيه بين الأمّة مع إمكان أخذ أوامرهم و نواهيهم.

نعم الأخذ المذكور لا يتوقف على الاتصال المباشرى بالإمام و المخاطبة معه شفاها فإنّ ذلك لا يتيسّر لجميع المكلفين حتى في زمان الحضور فضلا عن الغيبة بل ذلك يحصل بوسيلة الرواة و الفقهاء الناقلين لكلماتهم الذين أمروا بالرجوع إليهم في الحوادث الواقعة لأخذ الأوامر و التكاليف المأتيّة من ناحيتهم (عليهم السّلام) فالقرآن و مكتب أهل البيت موجودان بين الأمّة و يصلحان للهداية و نفي الضلالة لمن أراد من دون اختصاص بزمان أو مكان.

ثم إنّ قوله (صلى اللّه عليه و آله) إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي لا يساعد مع تضييع بعض القرآن في عصره فإنّ المتروك حينئذ هو بعض الكتاب لا جميعه مع أنّ الظاهر من الكلام المذكور هو ترك الكتاب بجميعه بين الأمّة في زمان حياته و بعد مماته بل هذه الروايات كما أفاد السيد الخوئى (قدّس سرّه) تدلّ بالصراحة على تدوين القرآن و جمعه في زمان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لأنّ الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرّقات إلّا على نحو المجاز و العناية و المجاز لا يحمل اللفظ

67

عليه من غير قرينة فإنّ لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي و لا يطلق على المكتوب إذا كان مجزئا غير مجتمع فضلا عما إذا لم يكتب و كان محفوظا في الصدور. (1)

و الحاصل أنّ حديث الثقلين يدلّ على تدوين القرآن و جمعه في عصر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و تركه بين الأمة إلى التالي لتمسك الناس بهما و ذلك يدلّ على بقائه على ما هو عليه في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) من دون تحريف و نقصان و حيث إنّ حديث الثقلين متواتر و قطعي يقدم على كل خبر و رواية يدلّ على التحريف بنحو من الأنحاء كما لا يخفى.

و مما ذكر يظهر أن إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أمر موهوم مخالف للكتاب و السنة و الإجماع و العقل و عليه فليس معنى جمع القرآن في عصر عثمان هو جمع الآيات و السور في مصحف بل المقصود من جمعه كما افاد السيد الخوئى (قدّس سرّه) هو أنّه جمع المسلمين على قراءة واحدة و أحرق المصاحف الأخرى التى تخالف ذلك المصحف و كتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها و نهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة و قد صرح بهذا كثير من أعلام اهل السنة قال الحارث المحاسبى المشهور عند الناس إنّ جامع القرآن عثمان و ليس كذلك إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه و بين من شهده من المهاجرين و الأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق و الشام في حروف القراءات. (2)

و لم ينتقد على عثمان أحد من المسلمين و ذلك لأنّ الاختلاف في القراءة كان يؤدّي إلى الاختلاف بين المسلمين و تخريق صفوفهم و تفريق وحدتهم بل كان يؤدّي إلى تكفير بعضهم بعضا و لكن الأمر الذي انتقد عليه هو إحراقه لبقيّة المصاحف و أمره أهالى الأمصار بإحراق ما عندهم من المصاحف و قد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين حتى سمّوه بحرّاق المصاحف. (3)

و أيضا ينقدح مما تقدّم ضعف الاستدلال على التحريف بما ورد من أنّ عليا (عليه السّلام) كان له‏

____________

(1) البيان: 167- 152.

(2) الاتقان: 1/ 103.

(3) البيان: 172- 171.

68

مصحف مشتمل على التأويل و التنزيل و هو غير المصحف الموجود و قد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه. (1)

و فيه أوّلا: أنّه لا يقاوم ما عرفت من الأدلة الدالّة على عدم التحريف.

و ثانيا: أنّ اشتمال مصحفه (عليه السّلام) على التأويل و التنزيل لا يدلّ على زيادات آياته على المصحف الموجود لإمكان أن يكون مصحفه مشتمل على متن القرآن و شرحه من ناحية وقت نزولها و مورده و تأويل الآيات و مرجعها و غير ذلك و من المعلوم أنّ القرآن المشتمل على المتن و الشرح غير المصحف الموجود.

قال السيد الخوئي (قدّس سرّه) إنّ اشتمال قرانه (عليه السّلام) على زيادات ليست في القرآن الموجود و إن كان صحيحا إلّا أنّه لا دلالة في ذلك على أنّ هذه الزيادات كانت من القرآن و قد أسقطت منه بالتحريف بل الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل أو بعنوان التنزيل شرحا للمراد و أنّ هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل و التنزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا و اطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ حملا له على خلاف ظاهره إلّا أنّ هذين الإطلاقين من الاصطلاحات المحدثة و ليس لهما في اللغة عين و لا أثر ليحمل عليها هذا اللفظان (التنزيل و التأويل) الواردان في الروايات الماثورة عن أهل البيت (عليهم السّلام) و إنّما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه و أصله الأول بمعنى الرجوع و منه قولهم أوّل الحكم إلى أهله أي رده اليهم) و قد يستعمل التأويل و يراد منه العاقبة و ما يؤول إليه الأمر و منه قوله تعالى‏ (وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) و قوله تعالى نبّئنا بتأويله) و قوله تعالى‏ (هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ) و قوله تعالى‏ (ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) و غير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم و على ذلك فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع إليه الكلام و ما هو عاقبته سواء كان ذلك ظاهرا يفهمه العارف باللّغة العربية أم كان خفيّا لا يعرفه إلّا الراسخون في العلم.

____________

(1) مقدمه تفسير البرهان: 27، تفسير الصافى: مقدمة السادسة ص 11.

69

و أمّا التنزيل، فهو أيضا مصدر مزيد فيه و أصله النزول و قد يستعمل و يراد به ما نزل و من هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى‏ (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).

و على ما ذكرناه فليس كل ما نزل من اللّه وحيا يلزم أن يكون من القرآن، فالّذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أنّ مصحف علي (عليه السّلام) كان مشتملا على زيادات تنزيلا أو تأويلا و لا دلالة في شي‏ء من هذه الروايات على أنّ تلك الزيادات هي من القرآن إلى أن قال الالتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة أي الزيادة في القرآن قول بلا دليل مضافا إلى أنّه باطل قطعا و يدلّ على بطلانه جميع ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن. (1)

و لا يخفى عليك أنّ التنزيل و إن كان اصطلاحا فيما نزل من القرآن لا يدل الخبر المذكور على الزيادة لما عرفت من إمكان أن يكون المراد أنّ مصحفه مشتمل على المتن و الشرح و المتن منه هو التنزيل و الشرح منه هو التفسير و التأويل، و بالجملة هذا الخبر لا يدلّ على التحريف أصلا.

رابعا: بما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أنّ وقوع التحريف في القرآن على القول به لا يمنع من التمسك بالظواهر لعدم العلم الإجمالي باختلال الظواهر بذلك مع أنّه لو علم لكان من قبيل الشبهة الغير المحصورة مع أنّه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة أمكن القول بعدم قدحه لاحتمال كون الظاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلقة بالأحكام الشرعية العمليّة التى أمرنا بالرجوع فيها إلى ظاهر الكتاب فافهم. (2) و تبعه المحقق الخراساني في الكفاية (3)

و قوله فافهم لعله إشارة إلى المناقشات التي تكون حول المسألة و قد أوردها المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) مع الجواب عنها في نهاية الدراية:

____________

(1) البيان: 174- 172.

(2) فرائد الاصول: 40.

(3) كفاية: 2/ 64- 63.

70

منها أنّ الخروج عن محل الابتلاء لا يجدي في رفع الإجمال عن بعض أطراف العلم و إن كان مجديا في عدم تنجز التكليف على خلاف الظاهر.

اجاب عنه المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) بأنّ الظهور الذاتي محفوظ في الجميع و إنّما المعلوم بالإجمال أنّ بعضها غير حجة لا لارتفاع ظهوره حيث لا يرتفع الظهور بعد انعقاده. اذ الواقع لا ينقلب عما هو عليه و لا يرتفع كشفه عن المراد الجديّ الذي هو ملاك الحجية أيضا بل حجيته لحجّة أقوى و إذا كان بعض الأطراف بنفسه غير حجّة (من جهة خروجه عن محل الابتلاء) فلا جرم لا علم إجمالى بورود الحجّة على خلاف الحجة هذا في القرينة المنفصلة ... و أمّا فى المتصلة فربّما يتوهم الفرق بين المجمل و غيره نظرا إلى سراية إجماله إلى الظاهر فلا ظهور كى يكون حجّة بخلاف غيره ...

و فيه أنّ الظهور الذاتى محفوظ حتى في المجمل و الظهور الفعلي مرتفع حتى فى المبيّن و الفرق بينهما بانعقاد الظهور الفعلي في غير الموضوع له إذا كان المتصل مبيّنا دون ما إذا كان مجملا و الميزان في اتباع الظهور هو الفعلي و هو مشكوك في كليهما فلا بدّ من دعوى بناء العقلاء على المعاملة مع هذا العلم الإجمالي معاملة الشك البدوي نظرا إلى خروج أحد الظاهرين عن محل الابتلاء فالقرينة المحتملة هنا يبنى على عدمها فيتم الظهور الفعلي كما مرّ في غير ما نحن فيه. (1)

حاصله أنّ الظهور في آيات الأحكام التي تكون مورد الابتلاء منعقد و لا دليل على ارتفاعه بعد انعقاده و هكذا لا يرتفع كشفه عن المراد الجدّي بل تقديم المخالف عند ثبوته من باب تقديم أقوى الحجّتين و إذا كان بعض الأطراف خارجا عن الابتلاء فلا علم بوجود المخالف الأقوى حتى يتقدم على الظاهر بالفعل و لا فرق في ذلك بين أن يكون احتمال المخالف احتمال المنفصل أو احتمال المتصل لبناء العقلاء على المعاملة مع هذا العلم الإجمالي معاملة الشك البدوى و عليه فالعلم الاجمالي بوجوده مع كون أحد الظاهرين خارجا عن محل‏

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 65.

71

الابتلاء لا يؤثر في حدوث الإجمال في الظاهر الذي يكون موردا للابتلاء و الاحتمال يبنى على عدمه.

فتحصّل أنّ الخروج عن محل الابتلاء يجدي في رفع الإجمال عن بعض أطراف العلم الإجمالي كما يجدي في عدم تنجّز التكليف على خلاف الظاهر الذى يكون مورد الابتلاء.

و لكن يمكن أن يقال إنّ البناء دليل لبّى و ثبوته في مورد الكلام يحتاج إلى الإحراز.

نعم يمكن أن يقال بقيام الدليل التعبدى على الحجّية و هى الروايات الدالّة على وجوب عرض الأخبار المتعارضة بل مطلق الأخبار على كتاب اللّه و على ردّ الشروط المخالفة للكتاب و السنة فإنّ هذه الروايات قد صدرت عن الصادقين (عليهما السّلام) بعد التحريف على تقدير تسليم وقوعه. فيعلم من هذه الروايات أنّ التحريف على تقدير وقوعه غير قادح في الظهور. (1) و قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) و بالجملة قد وقع التعبد بالأخذ بظاهر الكتاب و هذا يكفى في جواز الأخذ و لو احتمل وقوع التحريف واقعا نظير التعبد بسائر الحجج الشرعية في الظاهر مع احتمال كون الواقع على خلافها و لعل المصلحة فيه غلبة مصادفة هذه الظواهر مع الواقع فتامّل جيّدا. (2)

التنبيه الرابع: [حجيّة الظهورات في تعيين المرادات ...]

أنّه قد عرفت حجيّة الظهورات في تعيين المرادات من دون تفاوت بين مواردها و عليه فمع العلم بالظهورات و إرادتها فلا إشكال و أمّا مع عدم العلم بهما فإن كان لأجل احتمال وجود القرينة معه بحيث لو كان الكلام مقترنا مع القرينة فلا ظهور للكلام، فحينئذ ربّما يقال بأنّ المقام يقتضي التمسك بأصالة الظهور لا بأصالة عدم وجود القرينة بدعوى أنّ العقلاء لا اعتناء لهم باحتمال وجود القرينة بل يأخذون بأصالة الظهور.

يمكن أن يقال: لا مجال للأخذ بأصالة الظهور مع احتمال اقتران الكلام مع وجود القرينة إذ

____________

(1) مصباح الاصول: 2/ 124.

(2) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 103.

72

مع احتمال الاقتران لا علم بالظهور فاللازم فيه هو أن يرجع أصالة الظهور إلى أصالة عدم وجود القرينة و الاقتران المذكور فمع البناء على عدم وجود الاقتران المذكور يتحقق الظهور فيؤخذ به ففي مثله يرجع الأصالة الوجودية إلى الأصالة العدمية و مما ذكر يظهر ما في الكفاية من أنّ الظاهر أنّه معه يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهرا فيه ابتداء لا أنّه يبنى عليه بعد البناء على عدمها كما لا يخفى، فافهم. (1)

و ذلك لما عرفت من أنّ مع عدم جريان أصالة عدم وجود الاقتران المذكور لا مجال لانعقاد الظهور حتى يؤخذ به كما لا مجال للأخذ بأصالة الظهور مع احتمال غفلة المتكلم عن مراده بل اللازم هو الرجوع إلى أصالة عدم الغفلة قبل الأخذ بأصالة الظهور كما لا يخفى.

و إن كان عدم العلم بالظهور و إرادته من جهة احتمال وجود القرينة منفصلا عن الكلام فالحق هو انعقاد الظهور إذ المانع المنفصل لا يمنع عن الظهور بل الحق أنّه لا يمنع عن كشفه عن المراد إذ المانع عن إرادته ليس بوجوده الواقعي بل بوجوده الواصل و المفروض أنّه لم يصل ففي هذه الصورة يؤخذ بأصالة الظهور و لا حاجة إلى رجوعها إلى أصالة عدم وجود المانع لأنّ المانع عند العقلاء هو الكاشف الأقوى الواصل فمع عدم وصوله الوجداني لا مانع قطعا فيؤخذ بأصالة الظهور و لو فيما لا تجري فيه أصالة عدم القرينة كما إذا كان الشك في قرينية المنفصل.

و إن كان عدم العلم بالظهور و الإرادة من جهة احتمال قرينيّة الموجود في الكلام فلا أصل في المقام إذ مع احتمال قرينيّة الموجود لا ينعقد الظهور فلا مجال للأخذ بأصالة الظهور كما لا مجال لأصالة عدم قرينيّة الموجود إذ لا حالة سابقة لها بل يعامل معه العقلاء معاملة المجمل و إن أمكن التعبد بأصالة الظهور و لكنه لم يثبت.

فتحصّل أنّ إطلاق القول برجوع الاصول الوجودية إلى الاصول العدمية أو إطلاق القول بعدم الرجوع إليها لا يخلو عن النظر بل الصحيح هو التفصيل بحسب الموارد كما عرفت.

____________

(1) كفاية: 2/ 65.

73

و إن كان عدم العلم بالظهور ناشئا عن الشك في الموضوع له لغة أو الشك في المفهوم من اللفظ عرفا فلا دليل على تعيين شي‏ء بمجرد الظنّ فإنّ الأصل يقتضى عدم حجيّة الظنون خرج منه الظنون المتيقنة استفادتها من الألفاظ و أمّا الظنون غير المتيقنة استفادتها فلا دليل على اعتبارها.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): و الأوفق بالقواعد عدم حجيّة الظنّ هنا لأنّ الثابت المتيقّن هى حجيّة الظواهر و أمّا حجيّة الظن في أنّ هذا ظاهر فلا دليل عليه. (1)

و ذلك واضح فإنّ مع عدم العلم بالظهورات فلا يجوز التمسّك بما دلّ على حجيّة الظواهر فإنّه تمسّك بالعام في الشبهات الموضوعية كما لا يخفى.

هذا بناء على ما ذهب إليه المحقّقون كالشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني من وجود بناء العقلاء على عدم وجود القرينة فيما إذا شكّ في وجود القرينة مطلقا و لكن استشكل سيدنا الاستاذ المحقق الداماد في محكي كلامه في تحقق بناء العقلاء اذا وصل إلى غير المقصود بالإفهام كلام المتكلم و لو كان بألفاظه كما إذا كان بالكتابة في قرطاس و احتمل وجود القرينة بينه و بين المقصود بالإفهام و لم يكن في البين ما يوجب الاطمئنان بعدمها كما في المكاتبات و المكالمات الرمزيّة السرّية التى كان البناء فيها على إخفاء المطالب الواقعية إذ ليس أصالة عدم وجود القرينة أصلا متبعا عند العقلاء في هذا المورد. (2)

و يمكن أن يقال إنّ الإشكال المذكور فيما إذا لم يكن المقصود بالإفهام ناقلا لغيره بعنوان الوظيفة العامة و إلّا فلا مجال للإشكال في وجود البناء كما لا يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول: 45.

(2) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 95- 96.

74

الخلاصة الظّهورات اللفظيّة

في الأمارات التي ثبتت حجّيتها بالأدلّة أو قيل بثبوتها.

و أعلم أنّ الأصل، هو عدم حجّيّة الظنّ و حرمة التعبّد به، و لكن يخرج عن هذا الأصل عدّة من الظّنون من جهة قيام الأدلّة على حجيّتها، و هي كما تلي:

و لا يخفى أنّ الظّهورات الكلاميّة حجّة عند العقلاء، و لذا يحكمون بوجوب اتّباعها في تعيين المرادات و استقرّ بنائهم عليها في جميع مخاطباتهم من الدعاوى و الأقارير و الوصايا و الشّهادات و الإنشاءات و الإخبارات.

و ليست طريقة الشّارع في إفادة مراداته مغايرة لطريقة العقلاء في محاوراتهم، بل هي هي لأنّه يتكلّم مع النّاس بلسانهم و يشهد له إرجاعات الشّارع إلى الظّهورات و احتجاجاته بها ثمّ إنّ الظّهورات الكلاميّة تتحقّق من ظهور المفردات و الهيئات التركيبية في معانيها من دون فرق بين كون ذلك بالوضع أو القرائن المتّصلة المذكورة في الكلام أو بالقرائن الحالية المقرونة و غير ذلك.

و لو شكّ في استعمال كلمة في معناها الوضعي أم لا فمقتضى أصالة الحقيقة هو استعمالها فيه فيتحقّق ظهور الكلمة فيه بأصالة الحقيقة.

و لو شكّ في وجود القرينة على خلاف المعنى الموضوع له و عدمه فمقتضى أصالة عدم القرينة هو العدم، فيتحقّق الظّهور بأصالة عدم القرينة.

و لو شكّ في التخصيص أو التقييد فمقتضى أصالة العموم أو الاطلاق هو ظهور الكلام في العموم و الاطلاق بتلك الاصول.

و لو شكّ في الخطأ و السهو و النسيان فمقتضى اصالة العدم هو الظّهور و عدم حدوث هذه الامور.

و لو شكّ في أنّ هذه الظّهورات مرادة بالارادة الجدّية أو لا، فمقتضى أصالة التطابق بين الارادة الاستعماليّة و الجدّية هي ارادتها جدّا.

75

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الحجّيّة لا تختص بالمعاني الحقيقيّة بل المعاني المجازيّة التي تستفاد من الكلام بالقرينة تكون حجّة أيضا لأنّ الملاك في الحجّيّة هو الظّهورات و هي موجودة فيها.

ثمّ لا فرق في الحجّيّة في الظّهورات بين من قصد افهامه و غيره ما لم يقم قرينة على اختصاص الحكم بمن قصد افهامه.

كما لا تفاوت في الحجّيّة بين أن تكون النّصوص شرعية أو عرفية، و لا بين الشّرعية أن تكون النّصوص قرآنيّة أو روائيّة.

و لكن مع ذلك اختلف في بعض الأمور المذكورة، فالأولى هو أن نذكر بعض تلك الموارد مع الجواب عنه و نقول بعون اللّه و توفيقه يقع الكلام في أمور:

الأمر الأوّل:

أنّ المحكى عن المحقق القمّي (قدّس سرّه) هو اختصاص حجّيّة الظّهورات الكلاميّة بمن قصد إفهامه و هذه الظّهورات المقصودة بالافهام على قسمين أحدهما الخطابات الشّفاهية الّتي كان المقصود منها افهام المخاطبين بها، و ثانيهما الكتب المصنفة لرجوع كل ناظر إليها و أما الأخبار الواصلة من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) بعنوان الجواب عن الأسئلة أو الكتاب العزيز فالظهور اللفظي الحاصل منهما ليس حجّة لنا إلّا من باب الظّنّ المطلق الثابت حجّيته عند انسداد باب العلم لعدم كوننا مقصودين بالافهام فيهما فان المقصودين من الافهام في القرآن أهل البيت (عليهم السّلام) و هكذا المقصودين من الافهام في الاجوبة المذكورة هم الذين سألوا و بعبارة اخرى ادعى المحقق القمّي امرين، أحدهما أنّ الأخبار الواصلة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) بعنوان السؤال و الجواب و هكذا الكتاب العزيز ليست كالمؤلفات حتى نكون من المقصودين بالافهام فيها.

و ثانيهما أنّه لا تجري الأصول العقلائيّة كأصالة عدم القرينة في ظواهر الكلمات و الجملات بالنّسبة إلى غير المقصودين بالافهام لاختصاص تلك الاصول بامور جرت العادّة بأنّها لو كانت لوصلت إلينا دون غيرها ممّا لم يكن كذلك و عليه فلا دليل على عدم‏

76

الاعتناء باحتمال إرادة الخلاف إذا كان الاحتمال المذكور مسببا عن اختفاء امور لم يجر العادة القطعيّة أو الظنيّة بأنها لو كانت لوصلت إلينا.

يمكن أن يقال أوّلا: إنّا نمنع عدم كون الأخبار الواصلة كالكتب المؤلفة فإنّها و إن كانت كثيرا ما بعنوان الأجوبة عن الأسئلة و لكن تكون في مقام بيان وظائف النّاس من دون دخالة لخصوصيّة السائلين و لا لعصر دون عصر سيما إذا كان السؤال من مثل زرارة و محمّد بن مسلم فأنّهما في مقام أخذ الجواب لصور المسائل بنحو يكون من القوانين الكلّية و أيضا نمنع اختصاص الظّهورات القرآنيّة لقوم دون قوم بعد جريان القرآن كمجرى الشمس و يشهد لذلك دعوته جميع النّاس في كل عصر إلى التدبّر في آياته و الاتّعاظ بمواعظه فكما تكون في الكتب المؤلفة من المقصودين بالافهام فكذلك بالنّسبة إلى الأخبار المذكورة و القرآن الكريم.

و ثانياً: إنّا ننكر عدم حجّيّة الظّهورات اللّفظية بالنّسبة إلى غير المقصودين بالافهام ما لم يحرز أنّ بناء المتكلم على القاء الرّموز و الاكتفاء بالقرائن الخفية المعلومة بين المتكلم و السامع لجريان أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام أيضا عند العقلاء و يشهد لذلك سيرة أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) فإنّهم كانوا يعملون بظواهر الأخبار الواردة إليهم كما يعملون بما يسمعون من أئمّتهم (عليهم السّلام).

فما ذهب إليه المحقّق القمّي محل منع صغرى و كبرى، أما الصغرى فلما عرفت من أنّا من المقصودين بالافهام و أمّا الكبرى فلما ذكرنا من جريان أصالة عدم القرينة بالنّسبة إلى غير المقصودين بالافهام عند العقلاء فلو سلمنا أنّا غير مقصودين بالافهام لكانت الظّهورات حجة لنا أيضا.

و دعوى اتكال الأئمّة (عليهم السّلام) على القرائن المنفصلة مندفعة بأنّه و إن كانت صحيحة إلّا أنّه لا يقتضي اختصاص حجّيّة الظّهورات بمن قصد افهامها بل مقتضاه هو الفحص عن القرائن و مع عدم الظّفر يؤخذ بالظهورات.

77

و احتمال التقطيع لا يمنع عن انعقاد الظّهور بعد كون المقطعين عارفين بأسلوب الكلام العربي و ملتزمين برعاية الأمانة.

لا يقال لا يمتنع أن ينصب المتكلم قرينة لا يعرفها سوى من قصد افهامه و عليه فلا يمكن لمن لم يقصد افهامه ان يحتج بكلام المتكلم على تعيين مراده إذ لعلّه نصب قرينة خفيّة عليه علّمها المخاطب فقط لأنّا نقول إنّ محل الكلام فيما إذا صدر من المتكلم كلام متوجّه إلى مخاطب لا بما هو مخاطب خاص كما هو المفروض فإنّ غرض الشّارع ليس إلّا بثّ الأحكام بين النّاس فلا مجال لاحتمال الرّموز المانع من النّشر و البثّ كما لا يخفى.

و في مثل هذا المورد لا يبعد دعوى البناء على عدم القرينة بعد الفحص و لا حاجة إلى حصول الاطمئنان بعدم وجود القرينة كما يظهر من سيدنا الأستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) فلا تغفل.

الأمر الثّاني:

أنّ المناط في حجّيّة الكلام و اعتباره هو ظهوره عرفا في المراد الاستعمالي و الجدّي و لو كان هذا الظّهور مسبّبا عن القرائن الموجودة في الكلام و هذا هو الذي بنى عليه العقلاء في إفادة المرادات بين الموالي و العبيد و غيرهم من أفراد الإنسان.

و لا يشترط في حجّيّة الظّهور المذكور حصول الظّنّ الشّخصي بالوفاق أو عدم قيام الظّنّ غير المعتبر على الخلاف بل هو حجّة و لو مع قيام الظّنّ غير المعتبر على الخلاف أو عدم حصول الظنّ بالوفاق و لذا لا يعذّر عند العقلاء من خالف ظاهر الكلام من المولى بأحد الأمرين.

و دعوى أنّ توقّف الأصحاب في العمل بالخبر الصحيح المخالف لفتوى المشهور أو طرح الخبر المذكور مع اعترافهم بعدم حجّيّة الشهرة يشهد على أنّ حجّيّة الظّهورات متوقفة على عدم قيام الظنّ غير المعتبر على خلافها.

مندفعة بأنّ وجه التوقّف أو الطرح مزاحمة الشهرة للخبر من حيث الصّدور إذ

78

لا يحصل الوثوق بالصدور مع مخالفة المشهور مع أنّ الوثوق بالصدور لازم في حجّيّة الخبر لا مزاحمة الشهرة للخبر من جهة الظّهور كما هو محل الكلام.

و هذا واضح فيما إذا كان المطلوب هو تحصيل الحجّة و الأمن من العقوبة لوجود بناء العقلاء على كفاية العمل بالظواهر مطلقا.

و أمّا إذا كان المطلوب هو تحصيل الواقع لا الاحتجاج كما إذا احتمل المريض إرادة خلاف الظّاهر من كلام الطبيب لا يعمل بمجرّد الظّهور ما لم يحصل الاطمئنان الشخصي بالواقع و لكنّه خارج عن محل الكلام.

و هكذا الظّهورات الواردة في غير الأحكام الشرعيّة كالامور الواقعيّة يكون اللّازم في اعتبارها هو حصول الاطمئنان الشخصي بالامور المذكورة إذ لا معنى للتعبّد بالنّسبة إليها إلّا إذا أدرجت في موضوع الأحكام كالإخبار بها عن اللّه سبحانه و تعالى في يوم القيامة فحينئذ يصحّ التعبّد بها بهذا الاعتبار كما لا يخفى.

ثمّ إنّ محلّ الكلام فيما إذا انعقد الظّهور فلا يتوقّف اعتباره على وفاق الظنّ الشخصي و لا على عدم قيام الظنّ غير المعتبر على خلافه.

و أمّا إذا اكتنف الكلام بما يصلح أن يكون صارفا عن الظّهور فلا ظهور حتّى يكون حجّة نعم لو لم يكتنف ما يصلح أن يكون صارفا بالكلام انعقد الظّهور و يحكمون بنفي احتمال الانصراف و ارتفاع الإجمال كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثمّ ورد قول آخر من المولى لا تكرم زيدا و اشترك الزيد بين العالم و الجاهل فلا يرفع اليد عن ظهور العام في العموم و شموله لزيد العالم بمجرد صدور لا تكرم زيدا بل يرفعون الإجمال بواسطة العموم و يحكمون بأنّ المراد من قوله لا تكرم زيدا هو الجاهل منهما.

ثمّ إنّ الظّهورات الكلاميّة و إن كانت من الظّنون و لكن حجّيّتها شرعا من الضروريّات إذ لا طريق للشارع في إفادات مراده إلّا ما بنى عليه العقلاء في تفهيم مقاصدهم من الظّهورات و عليه فظنّية الظّهورات لا تنافي قطعيّة اعتبارها.

79

و إذا اتّضح ذلك فالآيات الناهية عن العمل بالظنّ منصرفة عن العمل بالظهورات المذكورة لأنّ الأخذ بها أخذ في الحقيقة بالقطع و الضرورة.

ثمّ لا يذهب عليك بعد ما عرفت من حجّيّة الظّهور العرفي أنّ الظّهور العرفي لا يتعدّد بتعدّد الآحاد و الأشخاص لتقوم الظهور العرفي باستظهار نوع الأفراد و هو غير قابل للتعدّد نعم يمكن الاختلاف بين الآحاد في كون شي‏ء أنّه ظاهر في ذلك عرفا أو غير ظاهر.

بأن يدّعى كلّ واحد من طرفي الاختلاف ظهور الكلام عرفا فيما ادّعاه و حينئذ يمكن تعدّد دعوى الظّهور العرفي و لكنّ الظّهور العرفي بحسب واقع العرف واحد و الحجّيّة مخصوصة به.

و ممّا ذكر يظهر عدم صحّة ما يتوهّم في زماننا هذا من حجّيّة الظنّ الشخصي في الألفاظ و العبارات و لو مع عدم مراعاة القواعد الأدبيّة و العقلائيّة بدعوى أنّ لكلّ شخص استظهارا. و هو حجّة له ضرورة اختصاص أدلّة اعتبار الظّهورات بالظهورات العرفيّة لا الشخصيّة و للظهورات العرفيّة قواعد و ضوابط ينتهي ملاحظتها و إعمالها إلى الظّهور النوعي.

و دعوى أنّ التفسيرات المختلفة من القرآن الكريم تؤيّد حجّيّة الظّهورات الشخصيّة مندفعة، بأنّ التفسيرات المختلفة إن أمكن إرجاعها إلى معنى جامع فهو ظهور عرفي و إن لم يمكن ذلك فليس كلّها بصحيح بل الصحيح هو واحد منها و هو ما يستظهر بالاستظهار العرفي و البقية من التفسير بالرأي و هو منهي عنه بالأخبار القطعيّة.

ربما يقاس جواز الأخذ بالظّنون الشخصيّة بجواز الأخذ بالقراءات المختلفة للقرآن الكريم و لكنّه مع الفارق فإنّ القراءات المختلفة و إن لم تكن جميعها بصحيحة و مطابقة للواقع لأنّ القرآن واحد نزل من عند واحد و لكن قامت الأدلّة الخاصّة على جواز الاكتفاء بواحد منها تسهيلا للأمر هذا بخلاف المقام فإنّه لا دليل على جواز الاكتفاء بالظنّ الشخصي.

و في الختام أقول و ليس المدّعى عدم لزوم التعمّق الزائد حول النصوص و الظواهر

80

العرفيّة لكشف المطالب و الاستنباط بل هو لازم بتأكيد و لكن الواجب هو مراعاة القواعد الأدبيّة و الاصول العقلائيّة و إلّا فمع عدم مراعاتها لا حجّيّة لتلك الظّنون كما لا يخفى.

الأمر الثالث:

أنّه لا فرق في حجّيّة الظّهورات بين المحاورات العرفيّة و بين النقلية الشرعية كما لا تفاوت في النقليّة بين الظّهورات القرآنيّة و بين الظّهورات الحديثيّة.

و ذلك لعموم دليل حجّيّة الظّهورات و هو بناء العقلاء و المفروض أنّ الشّارع لم يخترع طريقا آخر لإفادة مراداته.

و لكن ذهب جماعة من الأخباريّين في الأعصار الأخيرة إلى عدم جواز الأخذ بظهورات الكتاب العزيز فيما إذا لم يرد التفسير عن الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) و استدلّوا لذلك بوجوه:

منها: الأخبار الدالّة على اختصاص فهم القرآن بالنبيّ و الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه عليهم)، و من جملة هذه الأخبار خبر زيد الشحّام عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال في حديث له مع قتادة المفسّر ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به. (1)

بدعوى أنّ مع اختصاص فهم القرآن بهم (عليهم السّلام) لا مجال للاستظهار من الآيات الكريمة لغيرهم و مع فرض الإمكان لا حجّيّة له.

و يمكن الجواب أوّلا: بأنّ المراد من الاختصاص المذكور هو اختصاص فهم القرآن و هو لا ينافي إمكان الاستظهار من جملة من الآيات و حجّيّتها بعد الاستظهار مع مراعاة شرائط الحجّيّة كالفحص عن القيود و ملاحظة القرائن المتّصلة و المنفصلة.

و ردع الإمام (عليه السّلام) لمثل أبي حنيفة و قتادة عن الفتوى بظاهر القرآن يرجع إلى ردعه عن الاستقلال في الفتوى من دون مراجعة إلى أهل البيت (عليهم السّلام) أو من دون ملاحظة القرائن المتّصلة و المنفصلة.

____________

(1) روضة الكافي: 312.

81

و ثانيا: بأنّ لازم الاختصاص هو أن يكون القرآن لغزا أو معمّى مع أنّه ليس كذلك لأنّ القرآن نزل ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور و كانت الأعراب يفهمونه بمجرّد قراءة القرآن و تلاوته و أثّر في نفوسهم أشدّ التأثير.

و الشّاهد على حجّيّة ظواهر الآيات هو إرجاع النّاس إلى الكتاب في غير واحد من الأخبار إذ لا يمكن ذلك بدون حجّيّة الظّهورات القرآنيّة.

و منها الأخبار الدالّة على أنّ القرآن الكريم يحتوي على مضامين شامخة و مطالب غامضة عالية لا تكاد تصل إليها أيدي أفكار اولي الأنظار غير الرّاسخين العالمين بتأويله.

و من تلك الأخبار ما رواه المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إنّه ليس شي‏ء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن و في ذلك تحيّر الخلائق أجمعون إلّا من شاء اللّه و إنّما أراد اللّه بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه و صراطه و أن يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوّام بكتابه و النّاطقين عن أمره و أن يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم. (1)

و يمكن الجواب بأنّ اشتمال القرآن على المضامين العالية الغامضة و اختصاص علمها بالرّاسخين في العلم و لزوم الرجوع اليهم في التفسير و التأويل لا ينافي وجود ظواهر فيه بالنّسبة إلى الأحكام و غيرها و حجّيّتها لغيرهم.

هذا مضافا إلى أنّ جعل تمام القرآن غامضا لا يساعد مع تصريح القرآن بكونه عربيّا مبينا بل دعوى إبهام تمام القرآن ينافي قول أبي جعفر (عليه السّلام) فمن زعم أنّ الكتاب مبهم فقد هلك و أهلك. (2)

و هكذا ينافي قول مولى الموحّدين في ضمن احتجاجه على زنديق: ثمّ إنّ اللّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسما يعرفه العالم و الجاهل و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه‏

____________

(1) الوسائل الباب: 13 من أبواب صفات القاضي ح 38.

(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب صفات القاضي ح 39.

82

و صحّ تمييزه ممّن شرح اللّه صدره للإسلام و قسما لا يعلمه إلّا اللّه و ملائكته و الرّاسخون في العلم. (1)

و منها: أنّ القرآن يشتمل على المتشابهات و المتشابه يشمل الظّواهر و لا أقلّ من احتمال ذلك لتشابه معنى المتشابه.

و الجواب عنه واضح لمنع كون الظّاهر من مصاديق المتشابه بل هو خصوص المجمل الذي ليس له ظهور في معنى من المعاني هذا مضافا إلى أنّ التمسّك بما يمنع عن الأخذ بالمتشابه في مورد يحتمل أن يكون متشابها يرجع إلى التمسّك بالدّليل في الشّبهات الموضوعيّة و هو كما ترى.

و منها دعوى العلم الإجمالي بطروّ تخصيصات و تقييدات و تجوّزات في ظواهر الكتاب و عليه فلا يجوز العمل بالأصول اللّفظية في أطراف المعلوم بالإجمال لتعارضها و سقوطها.

و فيه أنّ العلم الإجمالي يمنع عن العمل بالظّواهر فيما إذا لم ينحل بالظفر بمقدار المعلوم بالإجمال و إلّا فلا يبقى علم إجمالي بالنّسبة إلى غير الموارد التي ظفرنا فيه بمقدار المعلوم بالإجمال.

و منها: الرّوايات النّاهية عن التفسير و هذه الأخبار على طوائف:

الطّائفة الاولى:

هي التي تدلّ على اختصاص التفسير بالأئمّة (عليهم السّلام) كقوله (عليه السّلام) إنّ من علم ما اوتينا تفسير القرآن و أحكامه. (2)

و كقوله (عليه السّلام) تفسير القرآن على سبعة أوجه منه ما كان و منه ما لم يكن بعد تعرفه الأئمّة (عليهم السّلام). (3)

الطّائفة الثّانية:

هي التي نهت عن تفسير القرآن بالرأي كموثّقة الريّان عن الرضا (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه‏

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أبواب صفات القاضي ح 44.

(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب صفات القاضي ح 13.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب صفات القاضي ح 50.

83

عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال اللّه جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي. (1)

الطّائفة الثّالثة:

هي الّتي تدلّ على المنع عن ضرب القرآن بعضه ببعض في التفسير كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال أبي: ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلّا كفر. (2)

و الجواب عنه:

أوّلا: بأنّ الأخبار المذكورة دلّت على ممنوعيّة خصوص التفسير و لا نظر لها بالنّسبة إلى الأخذ و العمل بظواهر الكتاب إذ ذلك لا يكون تفسيرا لاختصاص موضوع التّفسير بما له إجمال و خفاء بحيث يحتاج إلى كشف القناع الذي هو حقيقة التفسير و الظّواهر لا تحتاج إلى التفسير و كشف القناع كما لا يخفى.

و يشهد لما ذكر تطبيق التفسير المنهي في الرّوايات على تفسير البطون و ذكر المصاديق الخفيّة التي لم تسبق إلى الأذهان.

و ثانيا: بأنّا لو سلّمنا أنّ العمل بالظواهر من التفسير فالمنع عنه محمول على التّفسير بالرأي و هو حمل اللفظ على خلاف ظاهره بمجرّد رجحانه بنظره أو حمل المجمل على بعض المحتملات بمجرّد رجحانه بنظره من دون إقامة دليل أو فحص لازم.

و من المعلوم أنّ ذلك لا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغويّة و العرفيّة بعد الفحص اللّازم عن القرائن المتّصلة و المنفصلة و العقليّة و النقليّة من دون إعمال رأي.

و ثالثا: بأنّه لو سلّمنا دلالة الأخبار المذكورة على المنع عن الأخذ بظهورات القرآنيّة فلا بدّ من حملها على ما ذكر لتعارضها مع الأخبار الدالّة على جواز التمسّك بظواهر القرآن الكريم مثل خبر الثقلين و الرّوايات الدالّة على الإرجاع إلى ظواهر الكتاب و التدبّر فيها و جعلها معيار الصّحة الأخبار و عدمها و غير ذلك.

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي ح 22.

(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب صفات القاضي ح 22.

84

و مقتضى الجمع بين الأخبار هو حمل الأخبار النّاهية على النهي عن التفسير بالرأي أو التفسير من دون الفحص اللازم لأنّ جواز التمسّك بظواهر القرآن و عرض الأخبار المتعارضة على تلك الظّواهر و ردّ الشروط المخالفة لظاهر القرآن و الإرجاعات إلى ظواهر الكتاب و غير ذلك من المسلّمات.

و دعوى أنّ الرجوع إلى الكتاب عند تعارض الأخبار أو تعيين الشروط الصّحيحة عن غيرها ليس من باب حجّيّة ظواهر الكتاب بل لعلّه من جهة المرجّحيّة.

مندفعة بأنّه لا يساعد مع التعبيرات الواردة في الأخبار من أنّ القرآن شاهد صدق و نور و هداية و فصل الخطاب و غيره ممّا يكون من خصائص الحجّيّة كما لا يخفى.

التنبيهات‏

التّنبيه الأوّل:

أنّه ربّما يتوهّم أنّ البحث عن اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى إذ ما من آية من الآيات إلّا ورد فيها خبر أو أخبار فلو لم يكن ظواهر الآيات حجّة كفى الأخذ بالأخبار الواردة حول الآيات.

و أجيب عنه:

أوّلا: بأنّ الآيات الواردة في العبادات و إن كانت أغلبها كذلك و لكن غيرها من إطلاقات المعاملات ممّا يتمسّك بها في الفروع غير المنصوصة أو المنصوصة بالنّصوص المتكافئة كثيرة مثل قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» و «فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ» و «لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ» و «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ»* و غير ذلك.

هذا مضافا إلى أنّ الأخبار الواردة حول الآيات في العبادات ربّما تكون متعارضة أو ضعافا ففي هذه الموارد يؤخذ بظهور الآيات.

نعم يمكن أن يقال حيث لا يحرز كون المتكلم في مقام البيان لا أصل التشريع في الآيات‏

85

الواردة في العبادات فلا يجوز أن يؤخذ بظهور إطلاقها بخلاف الآيات الواردة في الإمضائيات أو التأسيسيّات التي كان موضوعها من الموضوعات العرفيّة أو اللغويّة كالمعاملات و الجهاد و الدفاع و نحوهما لمعلوميّة الموضوع العرفيّة أو اللغويّة كالمعاملات و الجهاد و الدفاع و نحوهما لمعلوميّة الموضوع عند العرف و اللغة و لا حاجة إلى بيان الشّارع اللّهمّ إلّا أن يقال: بكفاية الإطلاق المقامي في العباديّات بعد حلول وقت العمل إذا اكتفاء الشّارع بما ذكره من الآيات بعد حلول وقت العمل يكشف عن إرادة إطلاقها و ذلك لأنّه لو لم يرد الإطلاق لاتّخذ سبيلا آخر لبيان مراده.

التّنبيه الثّاني:

أنّ اللازم بعد حجّيّة ظهورات الكتاب هو إحراز كون الظّاهر من الكتاب و عليه فإذا اشتبه في ظاهر أنّه من الكتاب أم لا فليس الظّاهر المذكور حجّة و يتفرّع عليه أنّه لو اختلفت قراءة القرآن بحيث يوجب الاختلاف في الظّهور و الأحكام مثل يطهرن بالتشديد و التخفيف فإنّ الأوّل ظاهر في لزوم الاغتسال في جواز المعاشرة و الثّاني ظاهر في كفاية انتقاء عن الحيض في ذلك ففي مثل هذا لا يجوز التمسّك بأحدهما لإثبات خصوص ما يكون ظاهرا فيه لعدم إحراز كونه من ظاهر الكتاب فاللازم في الحجّيّة إحراز كون الظّاهر من الكتاب.

و دعوى تواتر جميع القراءات ممّا لا أصل له و إنّما الثّابت جواز القراءة و لا ملازمة بينها و بين تواترها كما لا ملازمة بين جواز القراءة تعبّدا و جواز الاستدلال بها.

و دعوى قيام الإجماع على تواتر القراءات كما ترى لعدم تحقّقه باتفاق مذهب واحد عند مخالفة الآخرين.

و القول بأنّ اهتمام الصحابة و التابعين بالقرآن يقضى؟؟؟ بتواتر قراءاته غير سديد لأنّه لا يثبت به إلّا تواتر القرآن لا كيفية قراءاته و لو كفى ذلك في إثبات تواتر القراءات فلا وجه لتخصيصه بالقراءات السبعة أو العشرة بل لازمه هو الالتزام بتواتر جميع القراءات و هو

86

واضح الفساد و قد اعترف جمع كثير من العلماء بعدم الملازمة بين تواتر القرآن و تواتر القراءات.

قال الزّركشي في البرهان القرآن و القراءات حقيقتان متغايرتان إلى أن قال و القراءات السبع متواترة عند الجمهور إلى أن قال و التحقيق أنّها متواترة عن الأئمّة السبعة أمّا تواترها عن النبي ففيه نظر فإنّ اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات و ممّا نقل الواحد عن الواحد.

87

مسألة نزول القرآن على الأحرف‏

قال السيّد المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) قد يتخيّل أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السّبع فيتمسّك لإثبات كونها من القرآن بالرّوايات الدالّة على أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.

أجاب عنه السيّد المحقّق الخوئى (قدّس سرّه) بأنّ الرّوايات الواردة في هذا المعنى كلّها من طرق أهل السّنّة و هي معارضة مع ما صحّ عندنا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد و لكن الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة و كذّب الإمام الصادق ما روى من نزول القرآن على سبعة أحرف و قال: و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد.

و قد تقدّم أنّ المرجع بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله) في أمور الدّين إنّما هو كتاب اللّه و أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا.

و عليه فلا قيمة للرّوايات إذا كانت مخالفة لما يصحّ عنهم.

هذا مضافا إلى التخالف الموجود بين الرّوايات المذكورة و من المعلوم أنّه من الموهنات لتلك الرّوايات.

فتحصّل أنّ بعد عدم تواتر القراءات لا يجوز الاستدلال بكل قراءة لخصوص ما تكون ظاهرة فيه لعدم إحراز كونه من ظاهر القرآن و مع التخالف يكون من موارد اشتباه الحجّة إن قلنا بوجود قراءة النبي في أحد الطرفين إجمالا و مقتضى القاعدة هو التساقط و الرّجوع إلى العموم أو الأصل الموافق لأحدهما.

و لو سلّمنا تواتر القراءات فاللّازم هو الجمع بينها بحمل الظّاهر على الأظهر عند التخالف و مع عدم إمكان ذلك يحكم بالتوقّف و الرجوع إلى الأدلة اللفظية أو الأصول العملية و التحقيق هو القطع بتقرير الأئمّة (عليهم السّلام) القراءة بآية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم كما ورد عنهم اقرأ كما يقرأ النّاس و عليه فيجوز الاكتفاء بكل واحدة منها و لا حاجة إلى الاحتياط بالتكرار.

88

و ينقدح ممّا ذكرناه أنّ بعد تقرير المعروفة لا وجه لتخصيص جواز القراءة بالقراءات السّبعة أو العشرة نعم يعتبر في الجواز أن تكون القراءة شاذّة إذ مع الشذوذ لا علم بكونها في المرأى و منظر الأئمة (عليهم السّلام) حتّى يؤخذ بتقريرهم إيّاها بل اللازم هو شيوع القراءة و يكفي شيوعها في عهد كلّ إمام و عدم ردعه عنه كما لا يخفى.

لا يقال يكفى في الرّدع ما ورد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالّ ثمّ قال أمّا نحن فنقرؤه على قراءة ابي. (1) لدلالته على تخطئة غير قراءتهم.

لأنّا نقول وجود قراءة صحيحة عندهم لا ينافي تقريرهم القراءات المعروفة لبعض المصالح و جرت السّيرة عليها و قراءة الأئمّة لم تذكر للنّاس و إلّا لكانت شائعة.

و دعوى عدم جواز القراءة بغير القراءة التي يكون القرآن عليها لأنّها هي الّتي تواترت نسلا بعد نسل و قامت الضرورة القطعيّة عليها.

مندفعة، بأنّ الأئمة (عليهم السّلام) جوّزوا قراءة القرآن بالقراءات الشائعة في أعصارهم و مع تجويزهم و تقريرهم لا مجال للإشكال في الجواز.

و إذا عرفت جواز القراءة لكلّ واحدة من القراءات الشائعة فلا حاجة إلى الاحتياط بتكرار الصّلاة مع كلّ قراءة أو بالجمع بين القراءات في صلاة واحدة بنيّة القراءة في واحدة منها و نيّة الثّناء في غيرها حتّى لا يلزم الزيادة لكفاية القراءة الشّائعة.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ جواز القراءة لكلّ واحدة من القراءات لا يلزم جواز الاستدلال بها و لو سلّمنا جواز الاستدلال أيضا ففي موارد تعارض القراءات لزم حمل الظّاهر على الأظهر و مع التكافؤ حكم بسقوطهما عن الحجّيّة في مورد التعارض و رجع إلى غيرهما من الأدلة أو الاصول بحسب اختلاف المقامات و لا مجال للأخذ بالمرجّحات المذكورة في الأخبار العلاجيّة لاختصاصها بالأخبار المتعارضة نعم يؤخذ بمفادهما في غير مورد التعارض.

التّنبيه الثّالث:

____________

(1) الوسائل: الباب 74 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 4.

89

أنّه قد يتوهّم وقوع التحريف في الكتاب العزيز حسب ما ورد في بعض الأخبار و معه يحتمل وجود القرينة على إرادة خلاف الظّاهر فيما سقط منه بالتحريف و هو يوجب عروض الإجمال المانع من التمسّك به لأنّه يكون من باب احتمال قرينيّة الموجود لا من باب احتمال وجود القرينة ليدفع بأصالة عدم وجود القرينة و أجيب عنه أوّلا: بأنّ هذا التوهّم لا وقع له إذ احتمال التحريف لا مجال له بعد كون القرآن في رتبة من الأهمّيّة عند المسلمين في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) حفظته الصّدور زائدة على الكتابة بحيث لا يمكن تحريفه حتّى عن الصّدور الحافظة له هذا مضافا إلى أنّ شعار الإسلام و سمة المسلم كان هو التجمّل و التكمّل بحفظ القرآن و استمرّ المسلمون على ذلك حتّى صاروا في زمان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) يعدّون بالالوف و عشراتها و مئاتها و كلّهم من حملة القرآن و حفّاظها و إن تفاوتوا في ذلك بحسب السابقة و الفضيلة فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفاء العظيم بين المسلمين جيل بعد جيل ترى له في كلّ آن ألوفا مؤلّفة من المصاحف و ألوفا مؤلّفة من المصاحف و ألوفا من الحفّاظ و لا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض و المسلمون يقرأ بعضهم على بعض و يسمع بعضهم من بعض تكون ألوف المصاحف رقيبة على الحفّاظ و الوف الحفّاظ رقباء على المصاحف و تكون الالوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدّد منهما لقول الالوف و لكنّها مئات الالوف و الوف الالوف فلم يتّفق لأمر تاريخي من التّواتر مثل ما اتفق للقرآن الكريم كما وعد اللّه جلّ جلاله بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏.

و قد بلغ حرص المسلمين على توفّى الدقّة في ضبط القرآن إلى أنّهم إذا عثروا في المصاحف القديمة للمصدر الأوّل على كلمة مكتوبة على خلاف القواعد المعروفة للإملاء يبقونها و لا يتجرءون على تغييرها و مواردها متعدّدة ليس هنا محلّ تفصيلها.

و ثانيا: بأنّ الأخبار التي يستشمّ منها وقوع التحريف لا اعتبار بها بعد إعراض الأصحاب عنها هذا مضافا إلى ضعفها سندا و دلالة و تناقض مضمونها مع رجوع قسم وافر منها إلى وصفهم علماء الرجال بضعف الحديث و فساد المذهب و الكذب.

90

أضف إلى ذلك أنّ مضامين كثير منها ليست هي التحريف بل هي تفسير للآيات أو تأويل لها أو أظهر الأفراد و أكملها أو ما كان مرادا بخصوصه و بالنصّ عليه في ضمن العموم عند التّنزيل أو ما كان هو المورد للنزول أو ما كان هو المراد من اللّفظ المبهم و على أحد الوجوه الثّلاثة الأخيرة يحمل ما ورد بعنوان التنزيل أو نزل به جبرئيل.

كما أنّه ربّما يكون المراد من التحريف هو التحريف المعنوي و عليه يحمل ما ورد في المراد من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده.

قال السيّد المحقّق البروجردي (قدّس سرّه): و أنّ الأخبار الواردة في التحريف فهي و إن كانت كثيرة من قبل الفريقين و لكنّه يظهر للمتتبع أنّ أكثرها بحيث يقرب ثلثيها مروية عن كتاب أحمد بن محمّد السّياري من كتاب آل طاهر و ضعف مذهبه و فساد عقيدته معلوم عند من كان مطّلعا على أحوال الرجال.

و كثير منها يقرب الرّبع مروي عن تفسير فرات بن إبراهيم و هو أيضا مثل السّياري في فساد العقيدة.

هذا مع أنّ أكثرها محذوف الواسطة أو مبهما و كثير منها معلوم الكذب مثل ما ورد من كون اسم على (عليه السّلام) مصرّحا به في آية التبليغ و غيرها إذ لو كان مصرّحا به لكان يحتجّ به على (عليه السّلام) في احتجاجاته مع غيره في باب الإمامة إلى أن قال و بالجملة فوقوع التحريف ممّا لا يمكن الالتزام به.

و ثالثا: بأنّ الآيات و الرّوايات الدالة على مصونية القرآن عن التحريف و التغيير و التبديل و عروض الباطل تعارض الأخبار الدالّة على التحريف:

منها قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ بتقريب أنّ الآية الكريمة تدلّ مع التأكيدات المتعدّدة على أنّ الأيادي الجائرة لن تتمكّن من تحريف الذكر و هو القرآن كما يدلّ عليه الآية السّابقة: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏ و من المعلوم أنّ المراد من الذكر في الآية السابقة هو القرآن و بهذه القرينة يكون المراد من الذّكر في آية الحفظ أيضا هو القرآن كما لا يخفى.

91

و عليه فكلّ خبر يدلّ على التحريف مخالف لهذه الآية و مردود بها.

و منها قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

بتقريب: أنّ الآية الكريمة تنفي طبيعة عروض الباطل بالنّسبة إلى القرآن و من المعلوم أنّ التحريف من أوضح أفراد الباطل.

و منها أخبار الثّقلين الدالّة على أنّهما باقيان بين الأمّة غير مفترقان و أنّ التمسّك بهما يوجب الهداية و نفي الضّلالة و مقتضى عموميّة ذلك لجميع الأزمان و الأعصار هو لزوم صيانتهما عن التحريف و عروض الخطأ و الاشتباه إذ مع عروض الخطأ و التحريف لا يبقى الكتاب متروكا بينهم هذا مضافا إلى عدم صلاحيّته حينئذ لتضمين الهداية و نفي الضلالة.

و دعوى كفاية وجود القرآن واقعا عند المعصوم مندفعة، بأنّه لا يكون حينئذ متروكا بين الأمّة و المفروض أنّ مفاد حديث الثّقلين هو بقاء القرآن في مجتمع المسلمين هذا مضافا إلى التمسّك بالقرآن المأمور به لا يمكن إلّا بوصول القرآن إليهم.

ثمّ إنّ قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي لا يساعد مع تضييع بعض القرآن في عصره (صلى اللّه عليه و آله) فإنّ المتروك حينئذ هو بعض الكتاب لا جميعه مع أنّ الظّاهر من حديث الثّقلين هو ترك الكتاب بجميعه بين الأمة في زمان حياته و مماته بل هذا الخبر المتواتر يدل بالصراحة على أنّ تدوين القرآن و جمعه كان في زمان النبي (صلى اللّه عليه و آله) إذ الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرّقات إلّا على نحو المجاز بالأول و المشارفة و لا يحمل اللفظ على المجاز دون قرينة و عليه فحديث الثّقلين يدلّ على كون تدوين القرآن و جمعه في النبي (صلى اللّه عليه و آله) فتركه بين الأمة للتالي لأن يتمسّك النّاس به.

و ممّا ذكر يظهر أنّ إسناد جمع القرآن إلى بعض الخلفاء أمر موهوم مخالف للكتاب و السنة و الاعتبار و أمّا ما قالوا من أنّ القرآن جمع في عصر عثمان فليس المقصود منه هو جمع القرآن في عصر عثمان في مصحف بل المقصود هو جمع المسلمين على قراءة واحدة و قد صرّح به كثير من أعلام أهل السّنة.

92

و هذا ينقدح ممّا ذكر أنّ المراد و ممّا ورد من أنّ عليا (عليه السّلام) كان له مصحف مشتمل على التأويل و التنزيل ليس هو اشتمال مصحفه لآيات زائدة بل المراد أنّ مصحفه مشتمل على زيادات تفسيرية و تأويلية و لا دلالة في شي‏ء من هذه الرّوايات على أنّ تلك الزيادات من القرآن كما لا يخفى و رابعا بأنّ التحريف على فرض التسليم لا يمنع من التمسّك بظواهر الكتاب لعدم العلم الإجمالي باختلال الظّواهر بذلك مع أنّه لو علم لكان من قبيل الشّبهة الغير المحصورة و حينئذ يكون المعلوم بالاجمال بنفسه غير حجّة لخروجه عن محل الابتلاء فلا مجال لرفع اليد عن ظواهر الكتاب بما ليس بمعلوم الحجيّة فيعامل مع هذا العلم الإجمالي معاملة الشكّ البدوي و عليه فالعلم الاجمالي في الظّواهر التي تكون مورد الابتلاء و الاحتمال هنا يبنى على العدم إلّا أنّ ذلك محرز في القيد المنفصل و أمّا فيما إذا كان المعلوم بالإجمال هو القيد المتّصل فإحراز البناء فيه غير ثابت و سيأتي تفصيل ذلك في التّنبيه التّالي إن شاء اللّه تعالى.

نعم يمكن أن يقال بقيام الدّليل التعبّدي على الحجيّة و هي الرّوايات الدالّة على وجوب عرض الأخبار على كتاب اللّه أو على ردّ الشروط المخالفة للكتاب و السّنة فيعلم من هذه الرّوايات حجيّة الكتاب حتّى على تقدير التحريف تعبّدا فلا تغفل.

و قد وقع التمسّك بظواهر الكتاب من أهل بيت العصمة (عليهم السّلام) في مقامات كثيرة و أرجعوا (عليهم السّلام) الأصحاب إلى ظواهر القرآن و علّموهم طريق الاستدلال بالآيات و هذا دليل على حجيّة ظواهر الكتاب كما لا يخفى.

قال سيّدنا الاستاذ المحقق الداماد و بالجملة قد وقع التعبّد بظاهر الكتاب و هذا يكفي في جواز الأخذ و لو احتمل وقوع التحريف واقعا نظير التعبّد بسائر الحجج الشّرعية في الظّاهر مع احتمال كون الواقع على خلافها و لعلّ المصلحة فيه غلبة مصادفة هذه الظّواهر مع الواقع فتأمّل جيّدا.

التّنبيه الرّابع:

أنّ مع العلم بالظّهورات و إرادتها فلا إشكال في حجيّتها من دون فرق بين مواردها.

93

و أمّا إذا لم يحصل العلم بالظّهورات و إرادتها فإن كان ذلك لأجل احتمال وجود القرينة متّصلا بها بحيث لو كان الكلام مقترنا مع القرينة المحتملة فلا يحصل له الظّهور فيرجع فيه إلى أصالة عدم وجود القرينة و مع جريان أصالة عدم وجود القرينة و مع جريان أصالة عدم وجود الاقتران المذكور يحصل الظهور و يؤخذ به.

و دعوى أنّ المرجّح في مثله هو أصالة الظهور لا أصالة عدم وجود القرينة قائلا بأنّ العقلاء لا يعتنون باحتمال وجود القرينة و يأخذون بأصالة الظّهور مندفعة، بأنّ تحقّق الظّهور منوط بجريان أصالة عدم وجود القرينة على الفرض و إلّا فلا ظهور حتّى يجري فيه أصالة الظّهور.

و ممّا ذكر ينقدح ما في الكفاية من أنّ الظّاهر أنّه معه يبني على المعنى الذي لولاها كان اللّفظ ظاهرا فيه ابتداء لا أنّه يبني عليه بعد البناء على عدمها.

و ذلك لأنّ مع عدم جريان أصالة عدم وجود القرينة لا ينعقد الظّهور حتّى يؤخذ به بمقتضى اصالة الظّهور كما لا مجال للأخذ بهذه الأصالة مع احتمال غفلة المتكلّم عن مراده بل اللازم هو الرجوع إلى أصالة عدم الغفلة قبل الأخذ بأصالة الظّهور هذا كله فيما إذا كان علّة عدم العلم بالظّهورات احتمال وجود القرينة متصلا بالكلام.

و إن كان عدم العلم بالظّهورات و إرادتها من جهة احتمال وجود القرينة منفصلا عن الكلام فالحقّ هو أن يقال بانعقاد الظهور إذ المانع المنفصل لا يمنع عن تحقق الظّهور بل لا يمنع عن كشفه عن المراد بعد كون المانع هو الوجود الواصل منه لا الوجود الواقعي منه و المفروض أنّه لم يصل ففي هذه الصورة يتحقق الظّهور و يؤخذ بأصالة الظّهور و لا حاجة إلى أصالة عدم وجود المانع لعدم دخالته بوجوده الواقعي منه و المفروض أنّه لم يصل ففي هذه الصورة يتحقق الظّهور و يؤخذ بأصالة الظّهور و لا حاجة إلى أصالة عدم وجود المانع لعدم دخالته بوجوده الواقعي و لا فرق في ذلك بين أن يكون الشكّ في وجود القرينة المنفصلة أو الشكّ في قرينيّة المنفصل إذ في كلتا الصّورتين ينعقد الظّهور و لا حاجة إلى أصالة عدم وجود المانع لما ذكر.

94

و إن كان عدم العلم بالظّهورات من جهة احتمال قرينيّة الموجود في الكلام فلا أصل حتّى يؤخذ به إذ مع احتمال قرينيّة الموجود في الكلام لا ينعقد الظّهور فلا ظهور حتّى يؤخذ بأصالة الظّهور كما لا مجال للأخذ بأصالة عدم قرينيّة الموجود لعدم الحالة السابقة له حتّى يرجع إليها لتحقق الظّهور كالصورة الاولى فحينئذ يعامل مع هذا اللفظ عند العقلاء معاملة المجمل.

و إن كان عدم العمل بالظهور ناشئا عن الشكّ في الموضوع له لغة أو الشكّ في المفهوم من اللفظ عرفا فلا دليل على تعيين شي‏ء بمجرّد الظنّ و الأصل عدم حجيّة الظنّ خرج منه الظّنون المتيقّنة استفادتها من الالفاظ و أمّا الظّنون غير المتيقّنة استفادتها فلا دليل على اعتبارها و لذا قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) و الأوفق بالقواعد عدم حجيّة الظنّ هنا لأنّ الثابت المتيقّن هي حجيّة الظّواهر و أما حجيّة الظنّ في أنّ هذا ظاهر فلا دليل عليه ففي الصورة الأولى يؤخذ بأصالة عدم وجود القرينة المتّصلة و مع جريانها يتحقّق الظّهور و يؤخذ به و في الصورة الثانية يؤخذ بأصالة الظّهور و لا حاجة إلى عدم وجود القرينة المنفصلة لأنّ عدم وصولها يكفي في عدم المانعية من غير توقّف على جريان أصالة عدمها.

و في الصّورة الثّالثة لا أصل حتّى يدفع به احتمال قرينيّة الموجود في الكلام و مع عدم هذا الأصل لا ينعقد ظهور في الكلام فحينئذ يعامل مع الكلام المذكور معاملة المجمل.

و في الصّورة الرّابعة فلا حجيّة للظهور لعدم العلم به و الظنّ بالظهور لا حجيّة له و التمسّك بأدلّة اعتبار الظّهور فيه مع عدم العلم بالظهور تمسّك بالعامّ في الشّبهات الموضوعيّة و هو كما ترى.

فالظهور في الأولى و الثّانية متحقّقة و حجّة يؤخذ به بخلاف الثّالثة و الرّابعة فإنّ الظهور ليس فيهما متحقّقه حتى يؤخذ به.

95

حجيّة قول اللغويين‏

نسب إلى المشهور حجيّة قول اللغوييّن بالخصوص في تعيين الأوضاع و تشخيص الحقائق عن المجازات و تعيين الظهورات مع أنّ آرائهم تفيد الظنّ بالأوضاع أو الظهورات و استدل له باتفاق العلماء بل جميع العقلاء على الرجوع إليهم في استعلام اللغات و الاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاج و لم ينكر ذلك أحد على أحد.

و أورد عليه بأنّ المتيقّن من هذا الاتفاق هو الرجوع إليهم مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد و العدالة و نحو ذلك لا مطلقا.

أ لا ترى أنّ أكثر علمائنا على اعتبار العدالة في أهل الخبرة في مسألة التقويم و غيرها. (1)

و يمكن أن يقال: الانصاف أنّ رجوع العقلاء إليهم من دون اعتبار التعدد و الإخبار عن حسّ يدل على أنّ الرجوع إليهم من باب أنّهم مهرة الفنّ و الخبرة لا من باب الشهادة و دعوى اعتبار العدالة في بعض موارد الرجوع إلى الخبرة كمسألة التقويم أو مسألة التقليد لا تدلّ على أنّ الرجوع إليهم من باب الشهادة بل هو شرط شرعى في بعض الموارد و يقتصر بمورده.

هذا مضافا إلى ما في الوقاية من أنّ اعتبار التعدد و العدالة في مسألة التقويم فلعلّه من جهة كون اعتمادهم فيها من باب الشهادة و هي أمر ربّما يتصرف فيها الشارع بتصرفات مختلفة و لا ارتباط بالمقام فإنّه لم يتصرف فيه الشارع إلّا بالإمضاء. (2)

و عليه فلا يعتبر في الرجوع إلى أهل اللغة في موارد الاستعمال التعدد أو العدالة، بل لو ثبت أنّ اللغويّين خبرة تشخيص موارد الحقيقة عن المجاز أو موارد الظهورات فلا إشكال أيضا في الرجوع إليهم لحجيّة قول أهل الخبرة في جميع العلوم و الصنائع و غيرهما لأنّه أمر جرى عليه العقلاء كافة في جميع البلدان و الأزمان كما لا يخفى.

____________

(1) فرائد الاصول:/ 46، كفاية الاصول: 2/ 7.

(2) الوقاية: 510.

96

و دعوى أنّ موارد التمسّك ببناء العقلاء إنّما هو فيما إذا أحرز كون بناء العقلاء بمرأى و مسمع من المعصومين (عليهم السّلام) و لم يحرز رجوع الناس إلى صناعة اللغة في زمن الأئمة (عليهم السّلام) بحيث كان الرجوع إليهم كالرجوع إلى الطبيب. (1)

مندفعة أوّلا: بمنع لزوم إحراز كون جميع الموارد و المصاديق من البناء بمرأى و مسمع من المعصومين (عليهم السّلام) بعد إحراز البناء الكلي من العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم في الامور من دون فرق بينها فإنّ عدم الردع عن هذا الكلي المستفاد من بنائهم في الموارد المختلفة يكفي في جواز رجوع الجاهل إلى العالم مطلقا و إلّا فلا يجوز الاعتماد إلى الخبراء في كثير من الصنائع الحديثة و هو كما ترى. و دعوى أنّ القدر المتيقّن صورة حصول الوثوق الشخصي أو كون الامور من الامور الحسّية كما في تحريرات في الاصول‏ (2) ممنوعة اذ البناء ثابت على رجوع الجاهل إلى العالم و لو لم يوجب قوله وثوقا شخصيا أو لم يكن رأيه مبنيا على الامور الحسّيّة.

و ثانيا: بمنع عدم ثبوت رجوع الناس إلى مهرة اللغة في صدر الإسلام بل قبله مع شيوع الاستعمالات اللغويّة و تبادل الأدبيات بين الجوامع و وجود الحاجة في فهم اللغات و التراكيب المختلفة و إن لم تكن كتب اللغة مدوّنة إلّا في زمن الإمام الصادق (عليه السّلام) ككتاب خليل بن احمد الفراهي الذى عدّه الشيخ من اصحاب الامام الصادق (عليه السّلام) و الإمام الجواد (عليه السّلام) و كتاب جمهرة الذي ألفه ابن دريد و هو كان من أصحاب الإمام الجواد (عليه السّلام) هذا.

و ثالثا: بأن الرجوع إلى الكتب المؤلفة في اللغة في زمان بعض الأئمة (عليهم السّلام) يكفي في إحراز رجوع الناس إلى صناعة اللغة.

فتحصل أنّ الرجوع إلى اللغوييّن من باب الرجوع إلى الخبراء و عليه فيمكن الاعتماد على قولهم في تعيين موارد الاستعمال بل لا يبعد القول بجواز الاعتماد عليهم في بيان المعاني‏

____________

(1) تهذيب الاصول: 2/ 97.

(2) تحريرات في الاصول: 6/ 347.

97

الظاهرة بل ذهب بعض الأعلام إلى أنّهم مهرة لتشخيص الحقائق عن المجازات ايضا.

قال في الوقاية: لا طريق اطلاع اللغويين على المعنى الموضوع له واضح لا أرى سببا لخفائه على هؤلاء الأعلام إلّا شدة وضوحه لأنّه بعينه الطريق الذى تعلّموا و تعلّم جميع الناس من أهل جميع اللغات معاني الألفاظ الأصلية في زمن الطفولية.

إذ الطفل لا يزال يسمع الألفاظ مستعملة في معاني يعرفها بالقرائن و ربما احتمل المجاز في استعمالين أو ثلاثة فيحتاج إلى ما رسمه الأستاذ من أعمال العلائم و لكن بتكرر الاستعمال يزول ذلك الاحتمال و يقطع بالوضع كما يحتمل الخطأ و الغلط في استعمال و استعمالين ثم يزول ذلك بالتكرار فيكون في غنى عن العلائم إلى أن قال و ما حال أئمة اللغة مع فصحاء العرب إلّا كهذا الحال فهم (للّه درّهم) ... عاشروا زمنا طويلا و تكرر على مسامعهم الألفاظ حتى حصل لهم القطع بمعانيها و أصبحوا في غنى كلّفهم هذا الأستاذ من أعمال العلائم استغناء الأطفال بتكرر سماعهم الألفاظ من آبائهم إلى أن قال و ما ذكرناه من حال عالم اللغة كالتجربة بل هو ضرب منها و على التجربة يدور رحى كثير من الحرف و العلوم.

و أمّا علامة الفرق بين المعاني الحقيقيّة و بين المجازية فإنّ عالم الفن في غنى عنه بماله من التدرب في الصناعة و الخبرة بمجاري الكلام فكثيرا ما ينظر إلى كلمة في كتب أئمة اللغة كتهذيب الأزهري و غيره و يظهر له أصلها و تحوّلها عن معنى إلى كلمة في كتب أئمة اللغة كتهذيب الأزهري و غيره و يظهر له أصلها و تحوّلها عن معنى إلى معنى آخر و تطوّراتها الطارئة عليها مدى الأجيال الى ان قال و أمّا غيره فيكفيه التصريح في مثل أساس اللغة فإنّ دأبه أن يقول بعد الفراغ عن ذكر المعاني الحقيقيّة إنّ من المجاز كذا أو التلويح بعبارات يعرف منها ذلك، راجع مفردات القرآن و غيره ...

ثم على تسليم الأمرين معا فإنّ معرفة الظواهر لا تتوقف على معرفة الحقائق من المجازات إذ من الواضح لدى أهل الفن أنّ همّ الأئمة المصنّفين في علم اللغة بيان الظاهر من كل كلمة في التراكيب المختلفة و ضبط المعاني الظاهرة منها باختلاف النسب و الحروف و

98

غيرهما فتراهم يذكرون شام البرق و شام السيف و رفّ الطائر و رفّ الظليم و رفّ لونه و رفّ زيدا أو رفّ هندا و يفسرون ذلك بقولهم أبصره و أغمده و بسط جناحه و أسرع في عدوه و برق وجهه و أكرمه و قبّلها و مثل ذلك الفرق بين عقلته و عقلت عنه و شكرته و شكرت له و بين المسهب في الكلام بفتح الهاء و كسرها فلكل كلمة وقعت في كلام ظهور غير ظهوره في غيره و معرفة ذلك هي التي يحتاجها أهل العلم.

و من العبث تطلب المعنى الأوّلي الّذي وضع له اللفظ و من فضول البحث الاهتمام في معرفة ما بين هذه الألفاظ من نسبة المجاز أو الاشتراك إلى أن قال إنّ الظهور الذى عرفت حجّيته هو الّذي يفهمه أهل تلك اللغة من اللفظ أو من زاولها خبرا حتى عاد كأحدهم بل كاد أن يعدّ منهم فلا بدّ لمن يروم استنباط الأحكام من الكتاب و السنة من ممارسة هذه اللغة الشريفة و معرفة عوائد أهلها و درس أخلاقها و طبائعها و الاطلاع على أيامها و مذاهبها في جاهليتها و إسلامها. (1)

و التحقيق أنّ همّ أكثر اللغويّين بيان الظواهر من كل كلمة في التراكيب المختلفة مثل كلمة رغب فيه و رغب عنه و قلّ من كان بصدد بيان الحقيقة و المجاز و الّذي يحتاج إليه الفقيه و المفسر و المحدث و نحوهم في غالب الأوقات هو تعيين الظهورات لا تعيين الحقائق عن المجازات و اللغوى يكون خبيرا بذلك لكثرة مزاولته للاستعمالات من أهل اللسان فإذا أخبر أنّ معنى رغب عنه مثلا هو الإعراض عنه و معنى رغب فيه هو التمايل فيه جاز الاعتماد عليه لأنّه خبر الخبرة ...

و هذا الاعتماد اعتماد على الخبرة كسائر موارد الاعتماد على الخبراء و لا حاجة إلى التعدد و لا إلى العدالة بل اللازم فيه هو الوثوق و الاعتماد النوعى و عليه فيثبت بقول اللغوي ظهور اللفظ و يترتب عليه الحجيّة بعد ثبوت الظهور.

فإسقاط قول اللغوى عن الحجيّة فيما إذا أفاد المعانى الظاهرة من دون حاجة إلى قرينة

____________

(1) الوقاية: 515- 512.

99

خاصّة لا يساعده التحقيق. و لعلّ الوجه في إنكار حجيّة قول اللغوي مطلقا هو ملاحظه المفردات و أنّ معانيها مختلفة و حيث إنّ اللغوي لم يعيّن الحقيقة عن المجاز لا يحصل العلم بظهور اللفظ في أيّ معنى من معانيه و لكن مقتضى الإمعان أنّ اللغوي ذكر في أكثر الموارد القرائن العامّة للمعاني مثل كلمة عنه و فيه بعد كلمة رغب و مع ملاحظة القرائن العامّة صار اللفظ المفرد في التركيب ظاهر المعنى و لا حاجة إلى معرفة الحقيقة و المجاز و أنّ ايّهما سابق أو لاحق بل اللازم هو إحراز الظهور للكلمة عند الصدور و هو حاصل بإخبار اللغوى الماهر.

و لذا ذكر أهل اللغة تفاوت المعاني باختلاف أبواب الأفعال و اللزوم و التعدي و المجرد و المزيد فيه مثلا قالوا في كلمة «عرف» بضم الراء أي أكثر الطيب و «عرف» بكسر الراء أي ترك الطيب و «عرفه» بفتح الراء و التعدّي أي علمه بحاسّة من الحواس الخمس فهو عارف و «عرّفه الأمر» بفتح الراء و تشديده أي أعلمه إيّاه و «أعرف فلان فلانا» من باب الافعال أي وقّفه على ذنبه ثم عفا عنه و غير ذلك من الموارد و من المعلوم أنّ المعاني في هذه الموارد و نظائرها ظاهرة و لا إجمال فيها. نعم إنّا لا ننكر الإجمال في بعض الموارد و لكن ذلك لا يوجب إسقاط قول اللغوي عن الحجيّة في الموارد الظاهرة و العجب أنّ المنكرين أخذوا بأقوال اللغويين في المعاني الظاهرة بارتكازهم و مع ذلك أنكروا حجيّة قول اللغوى و دعوى حصول القطع بكون اللفظ ظاهرا في المعنى عند المراجعة و عليه فهم اعتمدوا على قطعهم لا على قول اللغويين كما ترى و يخالفه الوجدان.

فتحصّل أنّ ما ذهب إليه صاحب الوقاية من حجّية قول اللغوى في تعيين المعاني الظاهرة مما لا مجال لإنكاره و إن كان ذهابه إلى أنّ اللغوى خبرة لتشخيص موارد الحقيقة عن المجاز محل تأمل لعدم وضوح ذلك في اكثر كتب اللغة. نعم من اطمأن بذلك بالنسبة إلى كتاب لغة من اللغات فلا مانع من الاعتماد عليه أيضا من باب أنّه خبرة ذلك فلا تغفل.

قال سيدنا الأستاذ المحقق الداماد في محكي كلامه أقول التحقيق الذى يساعده النظر الدقيق حجيّة قول اللغوى و بيانه يستدعى رسم مقدمتين الأولى استقرار بناء العقلاء على‏

100

الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة مطلقا و لو لم يحصل من قوله الاطمئنان بإصابة رأيه للواقع نعم لا بدّ من حصول الاطمئنان بأنّ ما يخبر به مطابق لرأيه و الدليل على ذلك ما يرى من استشهادهم في مقام الاحتجاج و المخاصمة و اللجاج بقوله إلى أن قال الثانية إنّ اللغوى خبير بالاوضاع و ليس خبرويته مخصوصة بمجرد موارد الاستعمالات و ذلك لأنّه إذا راجع كلمات العرف و أهل المحاورة ربّما يحصل له العلم.

بأنّ اللفظ الكذائى يتبادر منه عند أهل العرف المعنى الكذائى بلا قرينة و إلى أن قال فإذا قال إنّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني أو أخبر بهذا التبادر فقال المتبادر عند أهل اللسان من هذا اللفظ هذا المعنى كان ذلك بمنزلة ما لو علمت بنفسك لتبادر و بالجملة اللغوي المتتبع في موارد الاستعمالات كثيرا ما يحصل له العلم بأنّ هذا اللفظ يتبادر منه هذا المعنى بلا قرينة و بذلك يستكشف وضعه له و كونه حقيقة فيه و يصير خبيرا بذلك إذا جدّ جهده و بالغ سعيه و استفرغ وسعه فكيف القول بأنّه ليس خبيرا بالأوضاع و إذا ثبت كونه خبيرا كان قوله حجة من باب حجيّة قول أهل الخبرة إلى أن قال و يمكن إثبات حجية قوله بطريق آخر إلى أن قال أى الاخذ بإخباره بإدخال قوله في خبر الواحد الموثوق به بضميمة أصالة عدم الغفلة (1)

و ربّما يشكل الرجوع إلى أهل اللغة من باب الخبروية من جهة أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة إنّما هو في الامور الحدسية التي تحتاج إلى إعمال النظر و الرأي لا في الامور الحسّية التي لا دخل للنظر و الرأي فيها و تعيين معاني الألفاظ من قبيل الامور الحسيّة لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات و المحاورات و ليس له إعمال النظر و الرأي فيها فيكون إخبار اللغوي عن معاني الألفاظ داخلا في الشهادة المعتبرة فيها العدالة بل التعدد في مورد القضاء و أمّا في غيره ففي اعتباره خلاف مذكور في محله. (2)

____________

(1) المحاضرات 2/ 107- 109.

(2) مصباح الاصول: 2/ 131.

101

و فيه ما لا يخفى فإنّ تخصيص الخبرة بالامور الحدسية كما ترى لأنّ الطبابة مبتنية على التجربة و الحسّيات و لها خبراء يعتمد عليهم. و هكذا علم الرجال يبتني على ما رآه الرجالي من أحوال الأشخاص أو ما سمعه في هذه الناحية و من المعلوم أنّ المرئيات و المسموعات من الحسّيات و مع ذلك له خبراء يمكن الاعتماد على أقوالهم، هذا مضافا إلى أنّ علم اللغة لا يخلو عن حدس أيضا إذ اللغوى إذا راى الاستعمالات المتكررة في مثل رغب عنه في الإعراض و رغب فيه في التمايل حصل له الحدس بأنّ كلمة عنه بعد فعل رغب قرينة عامة على إرادة الإعراض. و هكذا كلمة فيه بعد الفعل المذكور قرينة عامة على إرادة التمايل. قال الشهيد الصدر (قدّس سرّه) إنّ خبرة اللغوي كثيرا ما يكون على أساس الحدس و إعمال النظر، فأنّه و إن كان رأس ما له السماع و تتّبع موارد الاستعمالات إلّا أنّه لا بدّ له أيضا أن يقارن بين موارد الاستعمالات و يجتهد في تخريج و تجريد المعاني التي يستعمل فيها اللفظ و التي تستفاد من مجموع تلك المسموعات‏ (1)

فتحصّل من ذلك جوا الرجوع إلى قول اللغوي فيما يكون خبرة فيه كموارد الاستعمال فإذا أخبر بأنّ المعنى الفلانى لا يكون شائعا أمكن الاعتماد عليه.

قال شيخنا الاستاذ الأراكى (قدّس سرّه) فلو شككنا من جهة موارد الاستعمال كان للرجوع إليهم وجه لانهم خبرة هذا المقام. (2)

و هكذا يجوز الاعتماد عليه في تعيين المعاني الظاهرة من جهة القيود المختلفة كقيد عنه و فيه في فعل رغب و من جهات اختلاف الهيئة و اللزوم و التعدي و المجرد و المزيد فيه و غيرها و عليه فيجوز الاعتماد على قول اللغوي فيما كان خبرة فيه.

و أيضا يجوز الرجوع الى قول اللغوى فى تعيين الحقيقة و المجاز فيما اذا تصدى لذلك و اخبر به لما عرفت من توجيه ذلك و امكانه فلا تغفل.

____________

(1) مباحث الحجج و الاصول العملية: 1/ 296.

(2) اصول الفقه: 1/ 508.

102

نعم من كان خبرة في اللغة كبعض الفقهاء لا يجوز له ان يراجع إلى قول اللغوي إلّا فيما إذا لم يعمل خبرويته و إلّا فهو رجوع الخبرة إلى الخبرة و لا حجيّة لقول الخبرة على الخبرة بل يشكل الرجوع إلى قول اللغوي ممن يريد من المراجعة أن يفتى للآخرين فإنّه حينئذ بالنسبة إلى اللغة جاهل و المقلد يرجع إلى العالم لا إلى الجاهل و التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم لا رجوع الجاهل إلى الجاهل و هذا الإشكال يسرى أيضا إلى علم الرجال و سائر مقدمات الاجتهاد فاللازم لمن أراد أن يفتى للآخرين أن يجتهد في مقدمات الاجتهاد. نعم لا مانع من الرجوع إلى قول اللغوي أو الرجالي و غيرهما في عمل نفسه فلا تغفل.

اللّهمّ إلّا أن يقال: كثيرا ما يحصل الوثوق الشخصي من مراجعة الكتب اللغوية بالموضوع له أو المعاني الظاهرة و هكذا في علم الرجال و غيره من المقدمات و مع حصول الوثوق فلا مانع من الإفتاء للآخرين و حينئذ يجوز تقليد من حصل له الوثوق بالنسبة إلى معاني الكلمات أو أحوال الرجال. هذا مضافا إلى أنّ كثيرا ما يكون اللغوي أو الرجالي متعددا فمع شهادتهما في المحسوسات أو ما يقرب منها أمكن اعتماد المفتي على البينة الشرعية و عليه فيجوز تقليد من اعتمد على البينة الشرعية، فتدبر.

103

الخلاصة حجيّة قول اللغويين‏

نسب إلى المشهور حجّيّة قول اللغويّين في تعيين الأوضاع و تشخيص الحقائق عن المجازات و تعيين الظّهورات المفردة و التركيبية و استدلّ له بقيام بناء العقلاء على الرجوع إليهم في استعلام اللغات و الاستشهاد بأقوالهم في مقام الاحتجاجات و لم ينكر ذلك أحد على أحد.

و دعوى أنّ القدر المتيقّن من الرجوع إليهم هو ما إذا اجتمع شرائط الشّهادة من العدد و العدالة لا مطلقا.

مندفعة، بمنع اشتراط ذلك في الرجوع إليهم لوضوح رجوعهم إليهم من دون اعتبار التعدّد أو اعتبار الإخبار عن حسّ و هذا يكشف عن كون الرجوع إليهم من باب أنّهم مهرة الفنّ و أهل الخبرة لا من باب الشهادة.

و القول بأنّ هذا البناء لم يحرز وجوده في زمان الأئمّة (عليهم السّلام) حتّى يكون حجّة بعدم الرّدع عنه و لا كتاب لغة في ذلك العصر حتّى يرجع إليه.

ممنوع أوّلا: بأنّ عدم الرّدع عن الكلّي المعمول به و هو رجوع الجاهل إلى العالم في الامور يكفي في إمضاء آحاد الكلّي المذكور و لا حاجة إلى إحراز كون كلّ فرد موجودا في عصر الإمام (عليه السّلام).

و ثانيا: يمنع عدم ثبوت رجوع النّاس إلى مهرة اللّغة في صدر الإسلام بل قبله مع شيوع الاستعمالات اللّغوية و تبادل الأدبيّات بين الجوامع و وجود الحاجة في فهم اللّغات و التّراكيب المعمولة إلى ذلك.

و ثالثا: بأنّ بعض الكتب اللّغوية مدوّن في زمن الإمام الصادق (عليه السّلام) ككتاب خليل و في زمن الإمام الجواد (عليه السّلام) ككتاب جمهرة و يرجع إليه و لم يردع عنه.

فيتحصّل أنّ الرجوع إلى قول اللّغويين من باب أنّهم خبراء و مهرة و عليه فقولهم حجّة

104

فيما أخبروا به ممّا كانوا فيه خبراء من دون فرق بين كون ذلك من موارد الاستعمال أو الحقيقة و المجاز أو الظّهورات المفردة أو التركيبية هذا مضافا إلى إمكان إدراج قوله في خبر الواحد الموثوق به بضميمة أصالة عدم الغفلة.

لا يقال إنّ الرّجوع إلى أهل اللّغة ليس من باب الخبروية لأنّ الرجوع إلى أهل الخبرة إنما هو في الأمور الحدسيّة التي تحتاج إلى إعمال النظر و الرأي لا في الامور الحسيّة التي لا دخل للنظر و الرأي فيها.

و تعيين معاني الألفاظ من قبيل الامور الحسّية لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات و المحاورات و عليه فيدخل إخبار اللغوي في الشهادة التي اعتبر فيها العدالة و التّعدد في مورد القضاء لأنّا نقول إنّ تخصيص الخبرة بالامور الحدسية كما ترى لأنّ الطبابة مبتنية على الحسّ و التجربة و مع ذلك لها خبراء و مهرة يعتمد عليهم و هكذا علم الرجال يبتني على ما رآه و سمع الرجالي من أحوال الأشخاص و هما من حسيّات و مع ذلك له خبراء يعتمد عليهم.

هذا مضافا إلى أنّ علم اللّغة لا يخلو عن حدس أيضا إذ اللغوي إذا رأى الاستعمالات المتكرّرة في مثل رغب عنه في معنى الإعراض و رغب فيه في معنى التّمايل حصل له الحدس بأنّ كلمة عنه بعد فعل رغب قرينة عامّة على إرادة الإعراض و هكذا في كلمة فيه بعد فعل رغب قرينة عامّة على إرادة التّمايل.

بل رأي اللّغوي كثيرا ما يكون على أساس الحدس و إعمال النظر فإنّه و إن كان رأس ماله السّماع و تتبع موارد الاستعمالات إلّا أنّه لا بدّ له أيضا أن يقارن بين موارد الاستعمالات و يجتهد في تخريج و تجريد المعاني التي يستعمل فيها اللفظ و التي تستفاد من مجموع تلك المسموعات.

و بالجملة يجوز الرجوع إلى قول اللغوي فيما يكون فيه ماهرا و خبيرا من دون فرق بين موارد الاستعمالات و تعيين الظّهورات و الحقيقة و المجاز.

105

2- الإجماع‏

و الإجماع إمّا منقول و هو داخل في الأمارات الظنيّة، و إمّا محصّل و هو من مصاديق القطع بالحكم، و ذكره في المقام لتوقف اعتبار الإجماع المنقول على معرفة الإجماع المحصّل، و إلّا لكان المناسب هو ذكر الإجماع المحصّل في القطع و كيف كان فتحقيق الحال يتوقف على ذكر امور:

الأمر الأوّل: في المراد من الإجماع عند العامّة

و اعلم أنّ الإجماع عند العامة هو اتفاق الكلّ، و المراد من الكلّ إما اتفاق الأمّة أو اتفاق أهل الحلّ و العقد أو المجتهدين في عصر واحد. على أمر من الامور. و الإجماع على كلّ تقدير عندهم حجّة بنفسه و دليل في مقابل الكتاب و السنّة، و استدلوا له بما روى عن النبي (صلى اللّه عليه و آله):

أنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم‏ (1) و نحوه ما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله) أنّ اللّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا ... و أن لا تجتمعوا على ضلالة. (2)

أورد عليه بأنّه لا دليل على حجيّة الإجماع بنفسه؛ إذ المروي المذكور عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ضعيف و مرسل؛ لشهادة جملة من علمائهم بضعف أبى خلف الأعمى فى الطريق الأوّل و إرسال الثاني. هذا مضافا إلى أنّ الامّة لا تناسب إلّا اتفاق الأمّة، فالدليل مختص بالشق الأوّل من معنى الاتفاق، و لا يشمل غيره من الشقوق، فتأمّل على أنّ الضلالة تستبطن الإثم و الانحراف و هو أخص من الخطأ و عدم الحجيّة. (3)

ثم لا مجال للتمسك بقوله (عليه السّلام) في أخبار الخاصة: فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. (4) فإنّه في مقام ترجيح أحد المتعارضين على الآخر، و المقصود أنّ الخبر الذي يكون مجمعا عليه لا ريب فيه، و لا نظر فيه إلى نفس الإجماع في قبال الكتاب و السنّة.

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 1203

(2) سنن ابى داود 4: 98.

(3) مباحث الحجج 1: 308.

(4) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى، ح 1.

106

الأمر الثاني: في المراد من الإجماع عند الخاصّة

و لا يخفي عليك أنّ الإجماع عند الخاصّة قد يطلق على اتفاق علمائنا من القدماء و المتأخرين، و قد يطلق على اتفاق جماعة منهم كالقدماء أو المتأخرين أو علماء عصر واحد، و الإجماع بأي معنى كان ليس حجّة بنفسه عند الخاصّة، بل حجيّته لأجل كشفه عن قول المعصوم أو تقريره، و كلّ واحد منهما يكون من مصاديق السنّة، و عليه فلا يكون الإجماع عندنا في مقابل الكتاب و السنّة، بل هو من مصاديق السنّة.

الأمر الثالث: في وجوه استكشاف رأى المعصوم‏

الوجه الأوّل:

الحسّ، كما إذا سمع الحكم من الإمام في جملة جماعة لا يعرف أعيانهم، و هو الذي يسمّى بالإجماع الدخولي و التشرفي، فيحصل له العلم بقول الإمام، و هذا الفرض نادر جدّا و على فرض وجوده لا إشكال فى حجيّته؛ لأنّ المعرفة الإجمالية بوجود الإمام تكفي في الحجيّة، و لا يلزم فى الحجيّة أن تكون المعرفة تفصيلية، كما لا يخفى.

الوجه الثاني:

قاعدة اللطف، و هذه هي التي ذهب إليها الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في العدة حيث قال في حكم ما إذا اختلفت الإمامية (الأمة خ ل) على قولين يكون أحد القولين قول الإمام على وجه لا يعرف بنفسه و الباقون كلهم على خلافه: إنّه متى اتفق ذلك؛ فإن كان على القول الذي انفرد به الإمام دليل من كتاب أو سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور و لا الدلالة على ذلك؛ لأنّ الموجود من الدليل كاف في ازاحة التكليف، و متى لم يكن عليه دليل، وجب عليه الظهور أو إظهار من تبين الحق فى تلك المسألة إلى ... أن قال: و ذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوى أنّه يجوز أن يكون الحق عند الإمام و الأقوال الأخر كلها باطلة، و لا يجب عليه الظهور؛ لأنّا إذا كنا نحن السبب في استتاره فكل ما يفوتنا من الانتفاع به و بما يكون معه من الأحكام قد فاتنا من قبل أنفسنا و لو أزلنا سبب الاستتار لظهر و انتفعنا به و أدّى إلينا الحق الّذي كان عنده.

107

قال الشيخ الطوسي: و هذا عندي غير صحيح؛ لأنّه يؤدي إلى أن لا يصح الاحتجاج بإجماع الطائفة اصلا.

و تبعه فخر الدين و الشهيد و المحقق الثاني على المحكي حيث اشترطوا في تحقق الإجماع عدم مخالفة أحد من علماء العصر، و حيث صرحوا بعدم مانعية قول الميت لانعقاد الإجماع، و قالوا بأنّه لا قول للميّت بالإجماع، على أنّ خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع من انعقاد الإجماع اعتدادا بقوله و اعتبارا بخلافه، فإذا مات و انحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد و صار قوله غير منظور إليه و لا يعتدّ به.

و عليه فالإجماع الاصطلاحي عندهم هو اتفاق علماء الإمامية في عصر واحد على أمر، و أنّهم يدّعون كما في المحكي عن المحقق الداماد (قدّس سرّه) أنّ من الرحمة الواجبة في الحكمة الإلهية أن يكون في المجتهدين المختلفين في المسألة المختلف فيها من علماء العصر من يوافق رأيه رأي إمام عصره و صاحب أمره (عليه السّلام).

اورد على الشيخ و من تبعه بأنّ قاعدة اللطف ليست تامة في باب النبوة و لا في باب الإمامة.

و يمكن أن يقال: إنّ قاعدة اللطف و الحكمة الالهية تامّة، و التخلف فيها يوجب نقض الغرض و الخلف في الحكمة الإلهية مع أنّ هداية العباد مما تعلّقت به الإرادة الحتمية الإلهية، و موارد الهداية الإلهيّة لا تقاس بالموارد التي يصل إليها الإنسان بالتجارب في أموره و معيشته طيلة حياته. و قد ذكرنا تفصيل الكلام حولها في رسالة منفردة مطبوعة بمناسبة ذكرى الشيخ الانصارى فراجع.

و لكن تماميّة القاعدة في البابين لا تستلزم جواز الاستدلال بها في المقام؛ لما أشار إليه السيد المرتضى (قدّس سرّه) في المقام من أنّ السبب لاستتار الإمام و ذهاب الآثار هو نفس المكلفين، فاللطف محقق في المقام و لكن هم أنفسهم يمنعون عن انجازه و تحققه و إدامته و إيصاله بالنسبة إليهم: إذ الأئمة (عليهم السّلام) قد بينوا الأحكام للرواة المعاصرين بالنحو المتعارف، فلو لم‏

108

تصل إلى الطبقة اللاحقة بسبب تقصيرهم ليس على الإمام رفع الموانع التي تحققت بفعل العباد و عصيانهم أنفسهم و لا إيصال الأحكام إليهم بطريق متعارف فضلا عن غير متعارف بعد كون الضياع بفعلهم أنفسهم.

و ما ذكره الشيخ من أنّ عدم حجية الإجماع يؤدي إلى عدم صحة الاحتجاج بإجماع الطائفة أصلا منظور فيه، كما سيأتي بيانه، قال في الدرر: و ليس هذا الطريق صحيحا؛ لعدم تماميّة البرهان الذي أقيم عليه، فانه بعد غيبة الإمام (عليه السّلام) بتقصير منا كل ما يفوتنا من الانتفاع بوجوده الشريف و بما يكون عنده من الأحكام الواقعيّة قد فاتنا من قبل أنفسنا فلا يجب عليه عقلا أن يظهر المخالفة عند اتفاق العلماء إذا كان اتفاقهم على خلاف حكم اللّه الواقعى. (1)

الوجه الثالث:

تقرير المعصوم كما ذهب إليه بعض الأعلام، و بيان ذلك: أنّ الاجماع إذا كان في غير المسائل التفريعية من الاصول المتلقاة و اتصل إلى زمان المعصوم و كان في مرأى و منظر الإمام و لم يرشدهم إلى خلاف ما اتفقوا عليه فهو تقرير له بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، و إلّا لزم عليه مع حضوره و شهوده أن يبيّن خطئهم، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الإجماع المذكور معلوم المدرك أو محتمله و بين أن لا يكون، بل لا فرق بين أن يكون مدركهم صحيحا أو غير صحيح؛ نعم اللازم ان يكون المسألة من الاصول المتلقاة لا المسألة التفريعية الفرضية التى لا يكون مع قطع النظر عن الامامة في المرأى و منظر الامام و ان يكون المسألة مورد الابتلاء و شايعة بحيث لو ردّ الامام لبان و وصل الينا لا المسألة النادرة التى لورد الامام فيها لم يصل الينا.

و عليه فالإجماع الاصطلاحي هو إجماع القدماء المتصل بإجماع أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، و لا يضر به اختلاف المتأخرين أو إجماعهم على الخلاف بعد ما عرفت من كشف تقرير الإمام‏

____________

(1) الدرر: 372.