عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
109

لما ذهب اليه أصحابنا المتقدمون و إن لم يكن ما استدلوا به تامّا من جهة السند أو الدلالة، و عليه فيشكل الحكم بخلاف رأي المتقدمين في الصورة المذكورة بل لا يضرّ به مخالفة نادر في زمان القدماء مع الإجماع المذكور فإنّ ارجاع الناس نحو ما ذهب إليه الجلّ و الاكتفاء بالنادر يعدّ تقريرا للخطإ كما لا يخفى.

و بالجملة لا اشكال فيه بحسب مقام الثبوت، و إنّما الإشكال في كيفية إحراز ذلك؛ إذ لا وسيلة لإحراز آراء الاصحاب إلّا بالحدس، كما إذا رأينا القدماء أجمعوا على خلاف العامة فحصل الحدس حينئذ بتوافق آراء الأصحاب و عليه فيؤول هذا الوجه إلى الوجه الرابع في النهاية كما سيأتى إن شاء اللّه تعالى.

نعم الحدس هنا تعلق بإجماع الأصحاب، بخلاف الوجه الرابع فإنّ الحدس هناك تعلق بالنص، إلّا أن يكتفى بشهادة بعض القدماء على الإجماع المحصّل بينهم فتدبر جيدا.

الوجه الرابع:

هو الحدس كما ذهب إليه جماعة من المتأخرين، و هو على أقسام: أحدها: أن يحصل لنا العلم برأي المعصوم بالحدس الضروري الحاصل من مبادئ محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحس، و المراد من المبادئ المحسوسة هي رؤية الفتاوى أو استماع الأقوال.

و ثانيها: أن يحصل لنا العلم المذكور بالحدس الاتفاقي من فتوى جماعة و إن لم تكن كذلك بحسب العادة، كما حكي ذلك عن بعض الفحول بالنسبة إلى اتفاق الشيخين و الفاضلين و المحققين في الفتاوى مع عدم استنادهم إلى دليل، للعلم بعدم اجتماعهم على الخطأ.

و ثالثها: أن يحصل لنا العلم المذكور بالحدس من مقدمات نظرية و عقلية، كما إذا رأينا اتفاقهم في بعض المسائل الأصولية أو القواعد الفقهية و زعمنا أنّ مورد الكلام و البحث من موارد هذه المسائل و القواعد حصل لنا الحدس بأنّ رأي الآخرين في هذا المورد يكون كذا و كذا مع أنّا لم نر آراءهم و لم نسمع اقوالهم.

110

ثم لا يخفى عليك أنّه لا مجال للأخير من أقسام الحدس؛ لعدم صحة نسبة الآراء و الأقوال إليهم بمجرد اتفاقهم على بعض القواعد و الاصول مع احتمال الخطأ في التطبيق و عدم كون المورد من مواردهما هذا مضافا إلى احتمال كون رأيهم على خلافها من جهة احتمال ورود دليل خاصّ فيه.

كما أنّه لا مجال للقسم الثاني؛ لندرة حصول العلم بدليل تامّ من رأي جماعة معدودة من العلماء.

فانحصر الأمر في القسم الأوّل، و له تقاريب:

منها: ما مرّ في ثالث الوجوه من أنّ اجماع القدماء إذا كان متصلا بإجماع أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) حصل لنا العلم بتقرير المعصوم بالنسبة إلى آرائهم، و لعلّ ذلك يحرز في موارد كان رأي علماء الإمامية على خلاف العامّة و لا يرد على هذا التقريب الإشكالات الواردة على التقريب الآتي.

و منها: أنّ الإجماع المحصل سواء كان من القدماء أو المتاخرين يكشف عن وجود النص إذا كان مورد الاجماع مخالفا للقواعد و الاصول و لم يستندوا إلى دليل؛ لأنّ العلماء مع كثرة اختلافاتهم و اختلاف مبانيهم و مشاربهم إذا فرض اتفاقهم في مسألة من المسائل، فلا محالة يحصل بذلك الحدس القطعي أو الاطمئناني بتلقّيهم ذلك ممن يكون قوله حجة عند الجميع، كما في نهاية الاصول. (1)

و بعبارة أخرى: أنّ الإجماع حجّة؛ لرجوعه إلى وجود السنة بينهم، و هي غير واصلة إلى المتأخرين عنهم و كأن ذلك الدليل نقي الدلالة و السند و تاما من جهة الصدور بحيث إذا وصل إلى المتأخرين عنهم لنا لوا منه ما نالوا منه. (2) و لعلّ هذا الحدس لا يتوقف على الاتفاق، بل يحصل بإجماع جلّ الأصحاب.

____________

(1) نهاية الاصول: 533.

(2) فوائد الاصول 3: 153- نهاية الافكار 3: 98.

111

و لكن يرد على التقريب الأخير:

أوّلا: أنّه ليس تاما بنحو الكلية؛ لعدم العلم بالملازمة العادية بين إجماع العلماء على أمر و بين العلم بتلقيهم ذلك من المعصوم (عليه السّلام) مع وجود الأدلة العقلية في المسألة أو مع كون المسألة من المسائل التفريعية الّتي استنبطها الفقهاء من الاصول المتلقاة و القواعد الكلية باعمال النظر و الاجتهاد، فإجماع العلماء في أمثالها لا يكشف عن تلقّيهم عن المعصومين (عليهم السّلام) بل غايته أنّه يكون من باب التوافق في الفهم و النظر. نعم لو كانت المسألة من المسائل النقليّة المحضة و اتفق عليها الفقهاء الذين لا يتعبدون إلّا بالنقل طبقة بعد طبقة إلى عصر المعصومين علم منه قهرا أنّهم تلقوها منهم بعد ما أحرزنا أنّهم لم يكونوا ممن يفتي بالقياس و الاستحسانات العقلية و الاعتبارات الظنية. (1)

و يمكن أن يقال: إنّ مورد كلام القائلين بالحدس بالتقريب الثاني هو ما إذا كانت المسألة من المسائل النقليّة المحضة و كانت خلاف القاعدة فاتفاقهم حينئذ يكشف عن وجود النصّ بينهم و إن لم يصل إلينا، و لكن لا يلزم من التقريب المذكور أن يتصل الاجماع إلى عصر المعصومين، بل يكون إجماع المتأخرين أيضا كذلك.

و ثانيا: أنّ هذه الطريقة موهونة بدعوى أنّ من البعيد جدا أن يقف الكليني أو الصدوق أو الشيخ و من بعده على رواية متقنة دالة على المقصود و مع ذلك تركوا نقلها و هي تصير مكشوفة بالإجماع في عصر الكليني أو الصدوق أو الشيخ او بعده.

و يمكن أن يقال ربّما لم يكن مورد فتاوى القدماء مرويّا بالأسناد بل كان من المسلمات بينهم و لعله لذا لم يرووها في كتبهم و عليه فيصح أن يقال: إنّ الشهرة الفتوائية بشي‏ء عند قدماء الأصحاب يكشف عن كون الحكم مشهورا في زمن الائمة بحيث صار الحكم في الاشتهار بمنزلة أوجبت عدم الاحتياج إلى السؤال عنهم، كما نشاهده في بعض المسائل الفقيهة. و بالجملة ان اشتهار حكم بين الأصحاب يكشف عن ثبوت الحكم في الشريعة المطهرة و معروفيته من لدن عصر الأئمة (عليهم السّلام). (2)

____________

(1) نهاية الاصول: 534.

(2) تهذيب الاصول 2: 100.

112

و ثالثا: أنّ دعوى الملازمة العادية بين الاجماع و قول المعصوم (عليه السّلام) بدعوى أنّ العادة تحكم بأنّ اتفاق المرءوسين على أمر لا ينفك عن رأي الرئيس إنّما تتم فيما إذا كان المرءوسون ملازمين لمحضر رئيسهم، و أنّى ذلك في زمان الغيبة؟!

نعم الملازمة الاتفاقية بمعنى كون الاتفاق كاشفا عن قول المعصوم أحيانا من باب الاتفاق مما لا سبيل إلى إنكارها، إلّا أنّه لا يثبت بها حجيّة الإجماع بنحو الإطلاق. (1)

و يمكن الجواب عنه بأنّ إجماع الفقهاء المعاصرين لعصر الغيبة الصغرى بل بعدها بقليل مما يوجب الكشف عن كون الحكم إجماعيا عند أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) أيضا، فالملازمة المذكورة حاصلة في هذا الفرض، و أمّا في فرض عدم اتصال إجماع العلماء بإجماع الاصحاب فالإجماع يكشف عن النص فيما إذا كان الحكم مخالفا للقواعد و الاصول، و لا موجب لاعتبار ملازمة المرءوسين للحضور عند الرئيس في هذا الفرض، كما لا يخفى.

و رابعا: أنّ غاية ما يقتضيه الإجماع على التقريب المذكور أنّ الفقهاء لعدالتهم لا يفتون بدون المستند، و أمّا أنّه تامّ سندا و دلالة فلا دليل له، بل يمكن أن يكون عندنا غير تام من جهتين. (2)

و اجيب عنه بأنّ اتفاق الأصحاب مع اختلاف مشاربهم يكفي في إحراز أنّ السند تام و الدلالة ظاهرة، قال في تحريرات في الاصول: فالمناقشة في هذا المسلك تارة باختلاف نظر المجمعين مع غيرهم في حجيّة السند، و أخرى بأن من المحتمل كون الخبر غير تام الدلالة، قابلة للدفع؛ ضرورة أنّ من اتفاقهم في الحكم يتبيّن أنّ السند مورد وثاقتهم الخاصّة، و من اتفاق القدماء و أرباب الحديث الأوّلين الذين هم لا يعملون الاجتهادات الدقيقة في فتاويهم يحصل الوثوق و الاطمينان بأنّ الخبر الموجود عندهم ظاهر (3) و لكن الانصاف: أنّ حصول الاطمينان بتمامية الدليل سندا و دلالة عندنا مشكل بعد ما رأينا من وقوع الخلاف بين المتأخرين و المتقدمين في مسألة منزوحات البئر.

____________

(1) راجع مصباح الاصول 2: 140.

(2) نهاية الدراية 2: 68.

(3) تحريرات في الاصول 6، 360.

113

ربّما يقال في الجواب عن هذا الاشكال: إنّ المأخذ ليس هو استكشاف مدرك روائي وصلهم و لم يصلنا ليلاحظ عليه بالملاحظتين، بل استكشاف ما هو أقوى من الرواية، و هو الارتكاز الكاشف تكوينا و قطعا عن رأي المعصوم بالنحو المتقدم شرحه. (1)

و لا يخفى ما فيه: فإنّ الكلام في الإجماعات لا السيرة و الارتكازات الشرعية، و لعله خلط بين الإجماع و السيرة، هذا مضافا إلى أنّ هذا الجواب لا يدفع الإشكال عن الإجماعات غير المتصلة.

و كيف كان فالإجماع المحصّل المبتني على مباد محسوسة يكشف عن وجود النصّ عند تمامية الخصوصيات اللازمة للكشف المذكور، و لكن تمامية الدليل من جهة الدلالة و السند عندنا غير محرزة، فالأولى هو العدول عن هذا التقريب إلى التقريب السابق من أنّ الإجماع المتصل بإجماع الأصحاب حيث كان في مرأى و مسمع الإمام و لم يردع عنه يكشف عن كون ما ذهب إليه الأصحاب مرضيا عنده (عليه السّلام)، و لا فرق في ذلك التقريب بين أن يكون له المستند أو لا يكون، و بين أن يكون المستند تامّ الدلالة أو لا يكون، و بين أن يكون المسألة موافقة للقاعدة أو لا تكون إذ الإجماع المحصّل في هذا التقريب يكشف على جميع التقادير عن تقرير الإمام المعصوم (عليه السّلام) نعم اللازم ان تكون المسألة من الاصول المتلقاة لا التفريعية الفرضية و ان تكون من المسائل الشائعة لا النادرة كما اشرنا اليه آنفا.

و ما اشتهر من أنّ الإجماع المعلوم المدرك أو محتمله لا يكشف عن شي‏ء لا يجري في هذا التقريب، بل هو مربوط بالإجماع غير المتصل إلى زمان المعصوم كإجماع المتأخرين، و يلحق بذلك أيضا حجيّة فهم الأصحاب لأنّه هم الاتصال إلى زمان المعصوم كان حجّة لتقرير الإمام المعصوم ذلك الفهم فلا تغفل.

الأمر الرّابع: في الإجماع المنقول بحسب مقام الثبوت‏

و اعلم أنّ الإجماع المنقول إمّا إخبار عن السبب و هي الفتاوى، فإن كان إخبار الناقل‏

____________

(1) مباحث الحجج 1: 314.

114

بها اخبارا عن الحسّ كما إذا رأى الناقل فتاويهم في كتبهم أو استمع منهم أو بواسطة المشايخ فلا إشكال في حجيّته قضاء لأدلّة حجية الخبر الواحد؛ لأنّ الخبر حسّي، و الخبر الحسّي حجة ببناء العقلاء و إمضاء الشارع، فحينئذ إن كان المقدار الذي أخبر به الناقل كافيا عند المنقول إليه للكشف عن رأي المعصوم أو تقريره فهو كالمحصّل، و لا يضر بذلك كون الكشف المذكور حدسيا بعد كونه من لوازم الإخبار الحسّي؛ فإنّ لوازم الأمارات و لو كانت برهانيّة أو حدسية تثبت بثبوت الأمارات، و المفروض أنّ الإخبار عن الامر الحسي أمارة على الفتاوى بمقدار يلزم منه الحدس، فكما أنّ الأمارة حجّة بالنسبة إلى السبب و هو نفس الفتاوى فكذلك تكون حجة بالنسبة إلى لوازمها من الحدس و الكشف عن قول الإمام أو تقريره (عليه السّلام). نعم لا يحرز كون الإخبار عن الحسّ و رؤية الكلمات أو استماع الأقوال إلّا إذا كان الناقل ممن يكون مشرفا على الأقوال و الآراء و مطلعا عليها كصاحب مفتاح الكرامة و العلامة في المتأخرين و كالشيخين في المتقدمين فيما إذا نقلا رأي الأصحاب بالحسّ؛ فإنّ الفتاوى تكون عند أمثالهم محسوسة أو قريبة من الحسّ، كما لا يخفى.

و لو شك في كون الإخبار عن حسّ أو حدس، فإن قامت قرينة على أحدهما فهو، و إلّا فقد يقال: إنّ بناء العقلاء على حمله على الإخبار عن الحسّ كما إذا شك في الشهادة كذلك يحمل عليه:

و لكن لا يبعد أن يكون ذلك فيما إذا لا يكون النقل باعتقاد الملازمة عقلا كما هو المفروض و إلّا فلا بناء للعقلاء، لأنّهم لا يرون بينهما ملازمة فلا تغفل. و ايضا لا يكون هذا البناء فيما إذا كان الاحتمال المذكور أى الإخبار عن الحس احتمالا بعيدا في حق الناقل.

و إن كان المقدار الذي أخبر به الناقل عن الحسّ غير كاف للحدس المذكور و لكن يوجب الحدس بضميمة أقوال أو أمارات اخرى فهو أيضا حجة فيما إذا أمكن تحصيل الضميمة؛ فان الإخبار بالمقدار المذكور ينتهي بالآخرة إلى حكم شرعي أو موضوع شرعي فيكون مرتبطا به، و هو يكفي في شمول أدلة اعتبار الخبر الواحد؛ و لذلك قال في الكفاية: و

115

لا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمام السبب أو ما للمخبر به دخل في السبب و به قوام السبب، كما يشهد به حجية الخبر بلا ريب في تعيين حال السائل أو خصوصية القضية الواقعة المسئول عنها، و غير ذلك مما له دخل في تعيين مرامه (عليه السّلام) من كلامه. (1)

اورد عليه بأنّ في موارد نقل جزء السبب إن اريد اثبات الحجيّة له بلحاظ الحكم الشرعى أو موضوع شرعي يكون مدلولا التزاميا له، فالمفروض هو عدم ملازمة المقدار المذكور لذلك ليكون له مدلولا التزاميا، و إن اريد ذلك بلحاظ مدلوله المطابقي فليس حكما شرعيا و لا موضوعا له أيضا.

و يمكن أن يقال: يكفي في الاعتبار أن ينتهي الإخبار المذكور إلى حكم أو موضوع شرعي و لو بالوسائط و الضمائم، و لا موجب لاعتبار الأثر لنفس المنقول، و حينئذ إن لم يصدق العادل دار الامر بين تكذيب العادل و هو ينافي أدلّة الاعتبار، و بين عدم القول بالملازمة بعد ضم الضميمة و هو خلف في اعتقاد المنقول إليه بالملازمة بين السبب التام و لو بضم الضميمة و بين رأي المعصوم أو تقريره (عليه السّلام).

هذا، مضافا إلى إمكان أن يقال: إنّ في مثله أيضا يوجد مدلول التزامي، و هو قضية شرطية أنّه إذا ما توفر الجزء الآخر- المفروض توفره- كان ذلك مطابقا مع قول المعصوم، و حجيّة هذا المدلول الالتزامي كاف لنا، كما لا يخفى. (2)

و إن كان إخبار الناقل عن الحدس كأن يرى المورد من موارد قاعدة أو أصل أجمع عليها كما لعله كثير في الاجماعات المنقولة فلا دليل على حجيّته؛ لاختصاص أدلة حجيّة الإخبار بالأمور الحسية أو القريبة بها لا الحدسية، كما لا يخفى.

هذا كله بالنسبة إلى الإخبار عن السبب و هو فتاوى العلماء و الأصحاب، و قد عرفت حجيّته إذا كان الإخبار مستندا إلى الحسّ أو ما يقرب منه و هكذا يكون حجة إذا كان نقله‏

____________

(1) الكفاية 2: 74.

(2) مباحث الحجج 1: 318.

116

متضمنا لنقل السبب أو المسبب مستندا إلى الحسّ بخلاف ما إذا لم يكن مستندا إلى الحسّ بل إلى الحدس؛ فإنّه لا يكون حجّة هذا كله بحسب مقام الثبوت.

الأمر الخامس: في كيفية الإجماعات المنقولة بحسب مقام الإثبات‏

و لا يخفى عليك أنّ الاجماعات المنقولة بحسب مقام الإثبات قد تكون مستندة إلى الحس أو ما يقرب منه، و تكون حينئذ كاشفة عن رأي الإمام أو تقريره (عليه السّلام)، و لا كلام فيها عند إحرازها، و لكنها نادرة و قد تكون مبتنية على الحدس و لي الغالب قال في الكفاية:

الإجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالبا مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلا، فلا اعتبار لها ما لم ينكشف أنّ نقل السبب كان مستندا إلى الحس. (1)

و عليه فلا فائدة لنقل هذا الغالب و لو مع انضمام الأمارات الاخرى، نعم جملة من الإجماعات تكون مبتنية على الحسّ و لكن تحتاج إلى ضمّ الضمائم في الاستكشاف و الاستلزام المذكور، و لا إشكال في حجيّتها عند انضمامها مع ما يتم الكشف المذكور عن النص التام الدلالة أو تقرير الإمام (عليه السّلام)، قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): إنّ الناقل للاجماع إن احتمل في حقه تتبع فتاوى من ادعى اتفاقهم حتى الإمام الذي هو داخل في المجمعين فلا إشكال في حجيّته و في الحاقه بالخبر الواحد؛ إذ لا يشترط في حجيّته معرفة الامام (عليه السّلام) تفصيلا حين السماع منه، لكن هذا الفرض ممّا يعلم بعدم وقوعه و أنّ المدّعي للإجماع لا يدّعيه على هذا الوجه.

و بعد هذا، فإن احتمل في حقه تتّبع فتاوى جميع المجمعين، و المفروض أنّ الظاهر من كلامه هو اتفاق الكلّ المستلزم عادة لموافقة قول الإمام فالظاهر حجيّة خبره للمنقول إليه سواء جعلنا المناط في حجيّته تعلق خبره بنفس الكاشف الذي هو من الامور المحسوسة المستلزمة ضرورة لأمر حدسي و هو قول الإمام (عليه السّلام)، أو جعلنا المناط تعلق خبره بالمنكشف و هو قول الإمام (عليه السّلام)؛ لما عرفت من أنّ الخبر الحدسي المستند إلى إحساس ما هو ملزوم للمخبر به عادة كالخبر الحسّي في وجوب القبول. إلى أن قال: لكنّك خبير بأنّ هذه‏

____________

(1) الكفاية 2: 73.

117

الفائدة للإجماع المنقول كالمعدومة؛ لأنّ القدر الثابت من الاتفاق بإخبار الناقل المستند إلى حسّه ... ليس مما يستلزم عادة وجود الدليل المعتبر حتى بالنسبة إلينا، لأنّ استناد كل بعض منهم إلى ما لا نراه دليلا ليس أمرا مخالفا للعادة، أ لا ترى أنّه ليس من البعيد أن يكون القدماء القائلون بنجاسة البئر بعضهم قد استند إلى دلالة الأخبار الظاهرة في ذلك مع عدم الظفر بما يعارضها، و بعضهم قد ظفر بالمعارض و لم يعمل به لقصور سنده أو لكونه من الآحاد عنده أو لقصور دلالته أو لمعارضته لأخبار النجاسة و ترجيحها عليه بضرب من الترجيح، فإذا ترجح في نظر المجتهد المتأخر أخبار الطهارة فلا يضره اتفاق القدماء على النجاسة المستند إلى الامور المختلفة المذكورة.

و بالجملة فالانصاف بعد التأمّل ... إلى أن قال: إنّ اتفاق من يمكن تحصيل فتاويهم على أمر كما لا يستلزم عادة موافقة الإمام (عليه السّلام) كذلك لا يستلزم وجود دليل معتبر عند الكل من جهة أو جهات شتّى، فلم يبق في المقام إلّا أن يحصّل المجتهد أمارات أخر من أقوال باقي العلماء و غيرها ليضيفها إلى ذلك، فيحصل من مجموع المحصّل له و المنقول إليه الذي فرض بحكم المحصّل من حيث وجوب العمل به تعبّدا القطع في مرحلة الظاهر باللازم و هو قول الإمام (عليه السّلام) أو وجود دليل معتبر الذي هو أيضا يرجع إلى حكم الإمام (عليه السّلام) بهذا الحكم الظاهري و المضمون لذلك الدليل.

و لكنّه أيضا مبنيّ على كون مجموع المنقول من الأقوال و المحصّل من الأمارات ملزوما عاديا لقول الإمام أو وجود الدليل المعتبر، و إلّا فلا معنى لتنزيل المنقول منزلة المحصّل بأدلّة حجيّة خبر الواحد (1)

حاصله: هو منع الإجماع المنقول المبتني على الحسّ و دخول الإمام في المجمعين؛ لندرته، بل العلم بعدمه، و منع استلزام الإجماع المنقول على الحسّ للنصّ التام الدلالة عندنا بحسب العادة، و هو صحيح و إن كان التعليل لعدم الاستلزام بقوله (لأنّ استناد كل بعض منهم إلى‏

____________

(1) فرائد الاصول: 63- 64.

118

ما لا نراه دليلا ليس أمرا مخالفا للعادة أ لا ترى الخ) لا يخلو عن النظر؛ لأنّ الكلام في الاجماعات التى لم تكن مستندة إلى مدرك و مستند، فالإجماع المدّعى في نجاسة البئر معلوم المدرك و خارج عن محل البحث؛ لأنّه لا يكشف عن نصّ آخر.

اللهم إلّا أن يكون مقصوده بيان ما يكون في الواقع مدركا للمجمعين و إن لم يكن الإجماع مدركيا عندنا؛ إذ من المحتمل أنّهم استندوا في آرائهم في الواقع بما لا نراه دليلا لو وصل إلينا، و التنظير بمنزوحات البئر من هذه الناحية، و هذا الاحتمال لا يكون أمر مخالفا للعادة.

و عليه تسقط الإجماعات سواء كانت محصّلة أو منقولة عن الحجيّة؛ لعدم كشفها عن الدليل التام عندنا، و مع عدم كشفها عن الدليل التامّ لا تكون مشمولة لأدلّة حجيّة الأخبار، و لا فرق في الإجماعات بين أن تكون بمقدار يكفي للكشف عن النّص و بين أن لا تكون كذلك؛ لعدم كونها سببا للنص التامّ عندنا. نعم تتم الإجماعات المنقولة في المسائل الاصلية المبتنية على الحسّ المتصلة بإجماعات أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)؛ فإنّها تكشف كما عرفت عن تقرير المعصوم (عليه السّلام) و إن علمنا بكونها مستندة إلى المدارك التي لا تكون تامّة عندنا، و ذلك لتقرير الامام (عليه السّلام) بالنسبة إلى ما ذهبوا إليه، فلا يمكن التقرير مع خطئهم في ذلك، فلا تغفل.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: عدم حجيّة الإجماع إلّا الإجماع المتّصل بإجماع الاصحاب الكاشف عن تقرير المعصوم من دون فرق بين المحصّل و المنقول إذا كان المنقول عن حسّ؛ لكونه مشمولا لأدلة حجيّة الخبر الواحد و لا تفاوت أيضا في كون المنقول تمام السبب أو جزء السبب فيما إذا أمكن تتميمه بسائر الآراء و الأمارات بحيث يتّصل بإجماع أصحاب الائمة (عليهم السّلام) و يكشف عن تقرير المعصوم (عليه السّلام).

119

الخلاصة 2- الإجماع‏

و الإجماع إمّا منقول و هو داخل في الأمارات الظّنيّة و إمّا محصّل و هو لهذا السبب من مصاديق القطع هو ذكره في القطع لا في المقام و لعلّ ذكره من باب توقف معرفة المنقول عليه و كيف كان فتحقيق الحال في الإجماع يتوقف على ذكر امور.

الأمر الأوّل:

في المراد من الإجماع عند العامّة.

و اعلم أنّ المراد منه عندهم هو اتفاق الكلّ و يقصدون منه إمّا اتفاق الأمّة أو اتفاق أهل الحلّ و العقد أو اتفاق المجتهدين في عصر واحد على أمر من الامور.

و على كلّ تقدير يكون الإجماع عندهم حجّة بنفسه و دليل في قبال الكتاب و السّنة.

و استدلّوا له بالنبويّ (صلى اللّه عليه و آله) أنّ أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسّواد الأعظم.

أو أنّ اللّه أجاركم من ثلاث خلال أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا ... و أن لا تجتمعوا على ضلالة.

اورد عليه بضعف السّند و الإرسال و اختصاص الدّليل بالشقّ الأوّل من معنى الاتفاق هذا مضافا إلى أنّ الضّلالة تستبطن الإثم و الانحراف و هو أخصّ من الخطأ و عدم الحجّيّة.

الأمر الثّاني:

في المراد من الإجماع عند الخاصّة.

و لا يخفى أنّ الإجماع عندهم قد يطلق على اتفاق العلماء من القدماء و المتأخّرين و قد يطلق على جماعة من العلماء كالقدماء أو المتأخّرين أو علماء عصر واحد.

و الإجماع بأيّ معنى كان لا يكون حجّة بنفسه و إنّما حجيّته من ناحية كشفه عن قول المعصوم أو تقريره و من المعلوم أنّ المكشوف من مصاديق السنّة و عليه فلا يكون الإجماع عند الخاصّة شيئا مستقلا في قبال الكتاب و السنّة.

120

الأمر الثّالث:

في وجوه الكشف‏

الوجه الأوّل: الحسّ كما إذا سمع الحكم من الإمام في جملة جماعة لا يعرف أعيانهم و هو الذي يسمّى بالإجماع الدّخولي و التشرّفي و هذا نادر و على فرض وجوده لا إشكال في حجّيّته.

الوجه الثّاني: قاعدة اللطف ذهب جماعة إلى أنّ الإجماع الاصطلاحي و هو اتفاق علماء الإماميّة في عصر واحد على أمر حجّة و كاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) إذ من الرحمة الواجبة في الحكمة الإلهية أن يكون في المجتهدين من علماء العصر من يكون رأيه موافقا لرأي إمام عصره و صاحب أمره و مع عدم ذلك لزم أن يكون الآراء كلّها باطلة و هو ينافي الحكمة المذكورة فإذا اتّفقوا على أمر علم بقاعدة اللطف أنّه رأى المعصوم و هو حجّة و لكن المحكي عن السّيد المرتضى و أنّه يجوز أن يكون الحق عند الإمام و الأقوال الأخر كلّها باطلة و لا يجب عليه الظّهور لأنّا إذا كنّا نحن السّبب في استتاره فكلّ ما يفوتنا من الانتفاع به و بما يكون معه من الأحكام قد فاتنا من قبل أنفسنا و لو أزلنا سبب الاستتار لظهر الانتفاء و انتفعنا به و أدّى إلينا الحق الذي كان عنده.

و ربّما يؤيّد ذلك بأنّ قاعدة اللطف ليست تامّة في باب النبوّة و لا في باب الإمامة.

و يمكن أن يقال إنّ قاعدة اللطف و الحكمة الإلهية تامّة و التخلّف عنهما يوجب نقض الغرض أو الخلف في الحكمة الإلهية مع أنّ هداية العباد ممّا تعلّقت به الإرادة الحتميّة الإلهيّة و لكن تماميّتها في البابين لا تستلزم جواز الاستدلال بها في المقام لما أشار إليه السيّد المرتضى فلا تغفل.

الوجه الثّالث: تقرير المعصوم كما أفاده بعض الأعلام و بيانه أنّ الإجماع إذا كان في الاصول المتلقاة و اتّصل إلى زمان المعصوم و كان بمرأى و بمنظر الإمام (عليه السّلام) و لم يرشدهم إلى خلاف ما اتفقوا عليه فهو تقرير له بالنّسبة إلى ما اتفقوا عليه.

121

و إلّا لزم عليه بيان خطأهم مع حضوره و شهوده عندهم و حيث لم يرشدهم على الخلاف علم تقريره بالنّسبة إلى مورد الإجماع و الاتفاق كسائر موارد التقرير كما لا يخفى.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون الإجماع المذكور معلوم المدرك أو محتمله و بين أن لا يكون و لا بين أن يكون مدركهم صحيحا أو غير صحيح و لا يضرّ بهذا الاجماع أعني إجماع القدماء المتّصل بإجماع أصحاب الأئمّة اختلاف المتأخّرين أو إجماعهم على الخلاف لما عرفت من كشف هذا الإجماع عن تقرير المعصوم (عليه السّلام).

و لا إشكال فيه و إنّما الإشكال في طريق إحراز هذا الإجماع إذ لا وسيلة لنا لذلك إلّا الحدس كما إذا رأينا إجماع القدماء في قبال العامّة فحصل لنا الحدس بأنّ رأي القدماء موافق لرأي الأصحاب و هو بمشهد الإمام و مرآة و يكون موردا لتقريره.

الوجه الرّابع: هو الحدس و هو على أقسام أحدها أن يحصل لنا العلم برأي المعصوم بالحدس الضّروري الحاصل من مبادي محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحسّ و المراد من المبادي المحسوسة من رؤية الفتاوى أو استماع الأقوال.

و ثانيها أن يحصل لنا العلم برأي المعصوم بالحدس الاتفاقي من رؤية فتاوى جماعة من الفقهاء و إن لم تكن كذلك بحسب العادة.

و ثالثها أن يحصل لنا العلم بذلك بالحدس من مقدّمات نظرية و عقلية كما إذا رأينا اتفاقهم في بعض المسائل الأصوليّة أو القواعد اللفظيّة و زعمنا أنّ مورد الكلام من مواردهما فيحصل لنا الحدس بأنّ بقية الأفراد أيضا كذلك مع أنّا لم نر آرائهم و لم نسمع أقوالهم.

و لا مجال للأخير بعد احتمال الخطأ في التطبيق أو احتمال وجود دليل عندهم على خلاف القواعد و الأصول.

كما لا مجال للقسم الثّاني لندرة حصول العلم بدليل تامّ من رأي جماعة معدودة من العلماء فانحصر الأمر في القسم الأوّل و له تقاريب منها ما مرّ في ثالث الوجوه من أنّ إجماع القدماء إذا كان متّصلا بإجماع أصحاب الأئمّة حصل لنا العلم بتقرير المعصوم بالنّسبة إلى آرائهم.

122

و لعلّ ذلك يحرز في موارد كان رأي علماء الإماميّة على خلاف العامّة و لا يرد على هذا التقريب شي‏ء من الإشكالات الواردة على التقريب الآتي.

و منها أنّ الإجماع المحصّل سواء كان من القدماء أو المتأخّرين يكشف عن وجود النص إذا كان مورد الإجماع مخالفا للقواعد و الاصول و لم يستندوا إلى دليل إذ معه يحصل الحدس القطعي أو الاطمئناني بتلقّيهم ذلك ممّن يكون قوله حجّة عند الجميع و يكشف الإجماع عن وجود السّنة بينهم كانت نقيّة الدلالة و تامّة السّند حتّى من جهة الصّدور بحيث لو وصلت إلى المتأخرين عن المجمعين لنالوا منه ما نالوا منه و لا يلزم في هذا الإجماع الاتفاق بل يكفيه إجماع جلّ الأصحاب و يرد عليه أوّلا: أنّه لا علم بالملازمة بين إجماع العلماء على أمر و بين تلقّيهم ذلك من المعصوم بعد احتمال وجود الأدلّة العقليّة أو كون المسألة من المسائل التفريعيّة الّتي استنبطوها من الاصول و المتلقاة من الأئمّة (عليهم السّلام).

نعم لو كانت المسألة من المسائل النقلية الأصلية أمكن الحدس بأنّهم تلقوه من المعصوم (عليه السّلام) و لعلّ مورد الكلام هو هذا.

و ثانيا: أنّ هذه الطريقة موهونة إذ من البعيد جدّا أن يقف الكليني أو الصدوق أو الشيخ و من بعده على رواية متقنة دالّة على المقصود و مع ذلك تركوا نقلها في كتبهم و هي صارت مكشوفة بالإجماع و الاتفاق.

اللّهمّ إلّا أن يقال: ربّما لم يكن مورد فتاوى القدماء هي الرّواية المسندة بل هي المرسلات المعمول بها و ليس دأب أرباب الكتب نقلها في الجوامع الرّوائية فتأمّل.

و ثالثا: أنّ دعوى الملازمة العادية بين الإجماع و قول المعصوم بدعوى أنّ العادة تحكم بأنّ اتفاق المرءوسين على أمر لا ينفكّ عن رأي الرئيس لا تتمّ إلّا إذا كان المرءوسون ملازمين لمحضر رئيسهم و هو غير ميسور في زمان الغيبة نعم الملازمة الاتفاقيّة بمعنى كون الاتفاق يكشف أحيانا عن قول المعصوم (عليه السّلام) من باب الاتفاق ممّا لا سبيل إلى إنكارها و لكنّه لا يجدي في حجّيّة الإجماع بنحو الإطلاق.

123

و رابعا: أنّ غاية ما يقتضيه الإجماع أنّ الفقهاء حيث لا يفتون بدون المستند علم أنّهم استندوا إلى الدّليل و أمّا أنّ هذا الدّليل تامّ سندا و دلالة فلا دليل له و يمكن أن يكون الدّليل المذكور غير تامّ عندنا سندا و دلالة.

و اجيب عنه بأنّ اتفاق الأصحاب مع اختلاف مشاربهم يكفي في إحراز تماميّة الدّليل من جهة الدلالة و السّند اللّهمّ إلّا أن يقال: حصول الاطمئنان بذلك مشكل بعد ما رأينا من وقوع الخلاف بين المتأخّرين و المتقدّمين في مسألة منزوحات البئر.

و الحاصل أنّ الإجماع المحصّل المبتنى على مباد محسوسة يكشف عن وجود النّص عند تماميّة الخصوصيّات اللّازمة للكشف المذكور و هذه التماميّة غير محرزة عندنا.

فالأولى هو العدول عن هذا التقريب إلى التقريب السّابق من الإجماع المتصل بإجماع الأصحاب حيث إنّه كان في مرأى و مسمع الإمام المعصوم فإذا لم يردع عنه الإمام كشف عن تقريره إيّاه.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون لهم مستند أو لا يكون و بين أن يكون المستند تامّ أو غير تامّ و بين أن يكون المسألة موافقة للقاعدة أو لا تكون إذ الإجماع المحصّل المذكور في هذا التقريب يكشف على جمع التقادير عن تقرير الإمام المعصوم (عليه السّلام) نعم يلزم أن يكون من المسائل الأصلية لا الفرعية المستنبطة من الأصول المتلقاة من الأئمّة (عليهم السّلام) و يلحق بالإجماع فهم العلماء فإنّه إذا اتصل إلى فهم الأصحاب في المسائل المذكورة يكشف عن تقرير الإمام (عليه السّلام).

الأمر الرّابع:

في الإجماع المنقول بحسب مقام الثّبوت.

و اعلم أنّ الإجماع المنقول إمّا إخبار عن السّبب و هي الفتاوى فإن كان إخبار الناقل عن الحسّ كما إذا رأى أو سمع فتاويهم بواسطة المشايخ فلا إشكال في حجيّته لأنّه خبر واحد عن حسّ و هو حجّة ببناء العقلاء و إمضاء الشّارع و حينئذ إن كان المنقول كافيا عند المنقول إليه للكشف عن رأى المعصوم و تقريره فهو كالمحصّل حجّة على ما فصّل آنفا.

124

فلا يضرّ بذلك كون الكشف المذكور حدسيا يعدّ كونه من لوازم الإخبار الحسّي فإنّ لوازم الأمارات تثبت بثبوتها.

نعم اللّازم هو أن يكون النقل ممّن يكون مشرفا على الأقوال و الآراء و مطّلعا عليها حتّى يكون عن حسّ مثل صاحب مفتاح الكرامة و العلّامة الحلّي (قدّس سرّهما) في المتأخّرين و الشيخين في المتقدّمين.

و إن لم يكن المنقول كافيا عند المنقول إليه للكشف و لكن إذا انضمّ إلى سائر الفتاوى كشف عن تقرير الإمام (عليه السّلام) فهو أيضا حجّة و مشمول لأدلّة الاعتبار لانتهائه إلى حكم شرعي فيكون مرتبطا به بخلاف ما إذا لم يكشف و لو مع الانضمام فإنّه لا يرتبط بالحكم الشرعي و ليس بحجّة و إن كان إخبار الناقل عن الحدس فلا دليل على حجيّته لاختصاص أدلّة حجّيّة الخبر بالأمور الحسّيّة أو القريبة بها لا الحدسيّة.

هذا كلّه بحسب مقام الثّبوت.

الأمر الخامس:

في كيفية الإجماعات المنقولة بحسب مقام الإثبات‏

و لا يذهب عليك أنّ الإجماعات المنقولة قد تكون مستندة إلى الحسّ أو ما يقرب منه و هي تكون كاشفة عن رأي الإمام أو تقريره (عليه السّلام) و لا كلام فيها عند إحرازها و لكنّها نادرة و قد تكون مبنيّة على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلا و هي الغالب.

و الإجماعات المبنيّة على الحدس أو الاعتقاد المذكور لا فائدة لنقلها لأنّها بنفسها لا تفيد و لا تصلح للانضمام أيضا لكونها مبنيّة على الحدس لا الحسّ.

ثمّ إنّ الناقل للإجماع عن حسّ إن احتمل في حقّه تتبّع فتاوى من ادّعى اتفاقهم فلا إشكال في حجّيّة نقله و في إلحاقه بالخبر الواحد و لكن كشفه عن قول الإمام أو تقريره غير محرز لأنّ استناد كلّ بعض منهم إلى ما لا نراه دليلا ليس أمرا مخالفا للعادة.

فتحصّل أنّ استلزام الإجماع المنقول المبني على الحسّ للنصّ التامّ الدّلالة غير محرز إذ

125

من المحتمل أنّهم استندوا بما لا نراه دليلا لو وصل إلينا و هو لا يكون مخالفا للعادة.

و عليه تسقط الإجماعات عن الحجّيّة مطلقا سواء كانت محصّلة أو منقولة لعدم كشفها عن الدّليل التّام عندنا و مع عدم كشفها عن الدّليل التام لا تكون مشمولة لأدلّة حجّيّة الأخبار.

نعم تتم الإجماعات المنقولة في المسائل الأصلية المتلقاة من الأئمّة (عليهم السّلام) المبنيّة على الحسّ المتّصلة بإجماعات أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) فإنّها تكشف عن تقرير الإمام المعصوم (عليه السّلام) و إن استندوا إلى ما لا يتم فالإجماع ليس بحجّة عدى الإجماع المتّصل بإجماع الأصحاب في المسائل الأصلية الكاشف عن تقرير المعصوم من دون فرق بين المحصّل و المنقول إذا كان المنقول عن حسّ لكونه مشمولا لأدلّة حجّيّة الخبر الواحد و لا تفاوت فيه بين كون المنقول تمام السبب أو جزئه فيما إذا أمكن تتميمه بسائر الآراء و الأمارات بحيث يتصل بإجماع أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) و يكشف عن تقرير الإمام المعصوم (عليه السّلام).

التنبيهات‏

التنبيه الأوّل: [أنّ تحصيل قول الإمام من طريق الحسّ منحصر في سماع قوله (عليه السّلام)‏]

أنّه لا يخفى عليك أنّه أورد على الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في نهاية الاصول بقوله: و يرد عليه أنّ ما يظهر منه من أنّ تحصيل قول الإمام من طريق الحسّ منحصر في سماع قوله (عليه السّلام) في ضمن أقوال المجمعين و هو مما يعلم بعدم تحققه لنوع الحاكين للإجماعات، مدفوع بعدم كون نقل قوله (عليه السّلام) عن حسّ منحصرا في سماع الناقل من شخصه و لا الإمام منحصرا في إمام العصر (عجّل اللّه تعالى فرجه)، بل مرادهم من نقل قوله (عليه السّلام) نقله و لو بطريق صحيح وصل إليهم من أيّ واحد من الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) و هم نور واحد، و النقل بالطريق الصحيح أيضا من مصاديق الحسّ، نظير ما اتفق في مسألتي العول و التعصيب و نحوهما من المسائل الواصلة عن أئمة الشيعة بالضرورة بطرق صحيحة في قبال العامة، فادّعوا عليها الإجماع ...

126

إلى أن قال: و السرّ في التعبير عنه بالإجماع أنّهم لمّا أثبتوا في كتبهم الاعتقادية و الاصولية حجيّة أقوال الأئمة (عليهم السّلام) و عصمتهم و لم يتمكنوا في الفقه من عنوانهم في قبال أدلة العامّة لكونه مفضيا إلى التنازع في مسألة الإمامة و الخلافة في كلّ مسألة مسألة حاولوا إدراج هذه الحجّة و هو قول المعصوم في واحد من الأدلّة الدارجة الدائرة على لسان القوم، و لم يتمكنوا من إدراجه في الكتاب كما هو واضح، و لا في السنّة لانحصارها عند العامّة في السنّة النبويّة، فالجأتهم الضرورة إلى إدراجه في الإجماع الذي اصطلح عليه العامة؛ لأنّه كان حجّة مستقلة عندهم و مشتملا عليها أيضا عندنا، فإذا استدلوا في مسألة بالإجماع أرادوا بذلك قول المعصوم و لكن لا بالسماع من شخصه، بل بوصول نصّ صحيح معتبر من أحد من الأئمة الاثنى عشر إلى ناقل الإجماع ... إلى أن قال: فلا وجه لحصر قول الإمام الثابت بالحسّ في السماع من شخص إمام العصر (عجّل اللّه تعالى فرجه) حتى يحكم عليه بالندرة أو عدم الوقوع ... إلى أن قال: و بالجملة فإذا رأيت الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) قد يتمسك في بعض المسائل بإجماع الطائفة مع كونها ممّا وردت فيها روايات مستفيضة أو متواترة وافية بإثبات المسألة فليس مقصوده حينئذ بالإجماع اتفاق الفقهاء و كشف قول الإمام بسببه، بل أراد به قول الإمام المعصوم المنقول له بالأخبار المسندة المعتبرة عنده الموجبة للعلم به ... إلى أن قال: و قد ظهر لك بما ذكرناه إلى هنا أنّ الاجماعات المنقولة في كلمات القدماء من أصحابنا كالشيخين و السيدين و غيرهما ليست بمعنى أنّ ناقل الإجماع استكشف قول الامام (عليه السّلام) من اتفاق جماعة و هو داخل فيهم او أنّ أقوالهم أو جبت علمه بقول الإمام (عليه السّلام) لطفا أو حدسا بل قصدوا بالإجماع ما هو الملاك عندهم لحجّيته، و هو نفس قول الإمام (عليه السّلام) الواصل اليهم بالأدلّة المعتبرة، و الظاهر منهم وصول قوله (عليه السّلام) إليهم بالطرق الحسّية، أعني الأخبار الموجبة للعلم، فيشمله أدلّة حجيّة الخبر ... إلى أن قال: و من ذلك يعلم منشأ تعارض الإجماعات المنقولة؛ إذ من الممكن أن وصل إلى كلّ من ناقلي الإجماع قوله (عليه السّلام) بطريق معتبر عنده؛ لكثرة الأخبار المتعارضة في الأبواب المختلفة ... إلى أن قال: و على هذا فناقل الإجماع إن كان‏

127

عدلا و ثقة و كان نقله محتملا لكونه عن حسّ كان نقله الإجماع في المسائل الفقهية الأصلية المبتنية على النقل حجّة و وزانه و زان نقل الخبر عن الأئمة (عليهم السّلام).

و أمّا في المسائل التفريعية المبتنية على النظر و الاجتهاد فليس بحجّة لأنّه؛ إخبار عن حدس الناقل و استنباطه.

فان قلت: اذا كان مقصود الشيخ و أمثاله من الاجماع قول الإمام لا الإجماع الاصطلاحي، فلم نرى كثيرا منهم يذكرون بعد نقل الإجماع أخبار المسألة ايضا ... إلى أن قال: فهذا يدل على أنّ المقصود بالإجماع غير الأخبار الواردة.

قلت: ذكرهم للأخبار بعد الإجماع لبيان مدرك الإجماع المدعى و أنّ ادعاء الإجماع مستند إلى هذه الأخبار، و لعل الشيخ أراد في الخلاف من قوله إجماع الفرقة قول الإمام المعصوم و من قوله الأخبار هي الأخبار المروية عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) التي لم تذكر في جوامعهم الحديثية و وصلت إلينا بواسطة الأئمة، ففي الحقيقة أقام في المسألة دليلين قول الإمام و السنّة النبوية، و قد ورد في أخبارنا أنّ روايات ائمتنا وصلت اليهم من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و يجوز روايتها عنه (صلى اللّه عليه و آله) الخ. (1)

و عليه فالإجماعات المنقولة عن القدماء تكون إخبارا عن الأخبار لا كاشفة عن الأخبار، و إنّما عبّر عنها بالإجماع لما أشار إليه في نهاية الاصول، فإذا كانت الإجماعات المذكورة إخبارا عن الأخبار خرجت حينئذ عن محلّ الكلام و هو حجيّة الإجماع بمعناه الاصطلاحي.

و لكن لقائل أن يقول: إنّ ما ذكره في نهاية الاصول من أنّ المراد من الإجماع في كلمات الشيخين و السيدين و غيرهما من القدماء هو نفس قول الإمام الواصل بالأدلّة المعتبرة و إنّما عبروا عن الأخبار بالإجماع دفعا للتنازع، منظور فيه؛ فإنّ الأمر إن كان كذلك كان المناسب أن لم يضف الإجماع إلى الطائفة أو الفرقة فإنّ الحجّة عند العامّة هو اتفاق الكلّ، لا إجماع جماعة من الامة بعنوان طائفة الشيعة، و أيضا كان المناسب أن لم يعطف عليه‏

____________

(1) نهاية الاصول: 534- 538.

128

الأخبار خصوصا مع تعبير و أخبارهم الظاهر في أنّ المراد هو أخبار الشيعة لا السنّة النبويّة المرويّة عن طرق العامة، فإنّه ينافي دفع التنازع و حمل العطف، على أنّ المقصود هو بيان مدرك الإجماع المدعى و أنّ الاجماع مستند إلى هذه الأخبار لا يساعد أيضا مع كون الغرض منه دفع التنازع من التعبير بالإجماع عوض الأخبار.

هذا مضافا إلى أنّ الشيخ لم يحترز عن ذكر الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السّلام) في الاستدلالات، قال في المبسوط: فلأصحابنا فيه روايتان الخ‏ (1)، و قال في الخلاف كتاب النفقات مسألة 15: و أخبار أصحابنا واردة بذلك و قد ذكرناها فى، مواضعها (2) و قال في الخلاف كتاب النفقات مسألة 12: إذا اختلف الزوجان بعد أن سلّمت نفسها إليه في قبض المهر أو النفقة فالذي رواه اصحابنا أنّ القول قول الزوج و عليها البيّنة ... إلى أن قال: و دليلنا:

إجماع الفرقة و أخبارهم. (3)

هذا، و لو سلم أنّ المراد من الإجماع في كلمات الشيخ و نحوه هو الإخبار عن الأخبار دخلت المسألة في الخبر الصحيح المنقول بالخبر الواحد، و هو في الحقيقة خبر عن الخبر، و هو إن كان مشمولا لأدلة حجيّة الخبر و لكن تماميّة الدلالة عند الناقل لا تكون مستلزمة لتماميتها عند المنقول إليه، فلا تغفل.

هذا، مضافا إلى ما في مصباح الاصول من أنّه على تقدير تسليم كون إجماع القدماء مستندا إلى الحسّ بالواسطة يكون الإجماع المنقول منهم بمنزلة رواية مرسلة، و لا يصح الاعتماد عليه؛ لعدم المعرفة بالواسطة بينهم و بين المعصوم و عدم ثبوت وثاقتها. (4)

التنبيه الثاني: [لا يقال: لا يمكن للمتأخرين العثور على مؤلفات القدماء]

أنّه لا يقال: لا يمكن للمتأخرين العثور على مؤلفات القدماء أو آرائهم باجمعهم؛ لعدم‏

____________

(1) المبسوط 1: 27- 28.

(2) الينابيع الفقيهة 38: 111.

(3) الينابيع الفقهية 38: 110.

(4) مصباح الاصول 2: 137- 138.

129

كون جميعها باقية إلى زمانهم، هذا مضافا إلى عدم ضبط أسماء المؤلفين فضلا عن كتبهم، و قد صرّح السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه) في مقدمة جامع الرواة بسقوط جماعة كثيرة من الطبقة الثانية عشرة، و هي طبقة الشيخ الطوسي عن قلم صاحب الفهرست منتجب الدين، و أيضا ذكر ابن النديم في الفهرست أنّ الصدوق ذكر مأتي كتاب لوالده، و ذكر العلامة ثلاثمائة مؤلف للصدوق، و عليه فمع عدم ضبط أسمائهم و تأليفاتهم و عدم بقاء كتبهم كيف يمكن للمتأخرين تحصيل الإجماع من مؤلفاتهم أو آرائهم؟! بل لا يمكن ذلك للمتقدمين أيضا؛ لقصور اطلاعهم على تأليفات جميع الأفراد مع تفرقهم في البلاد و فقدان صنعة الطبع و بعد الحوزات العلمية بعضها عن بعض، فكيف يمكن اطلاع حوزة بغداد على جميع الأفراد الذين كانوا يسكنون في قم أو الري أو المدينة المنورة أو الكوفة و بالعكس مع بعد الطرق و امتناع الاستخبار، و عليه فالميسور من الإجماع لا يفيد، و المفيد منه و هو الإجماع المحصّل المتصل برأي اصحاب الأئمة (عليهم السّلام) معسور أو متعذر.

لأنّا نقول: إنّ الحوزات العلمية كانت مطلعة على آراء المشهورين من العلماء و مؤلّفاتهم، و قد استنسخوا الكتب، فإذا أجمعوا على أمر و لم يذكروا الخلاف حصل الحدس القريب بالحس باتفاق الآخرين معهم؛ إذ لو كان رأيهم مخالفا معهم لا طلعوا عليه و لذكروه و أبطلوه، فحيث لم يذكروا الخلاف علم الاتحاد و الاتفاق بينهم قال في تحريرات في الاصول:

و الّذي يمكن أن يقال حلّا لهذه العويصة هو: أنّ من اتفاق الأكابر في الكتب الموجودة بين أيدينا يصح الحدس بأن ذلك الحكم رأي عام لكل فقيه في ذلك العصر، و يكون حدس ناقلى الإجماع أيضا مستند إلى ذلك، فيتمكن المتأخرون من تحصيل الإجماع و هكذا القدماء، و يكون وجهه واحدا إلّا أن حدس المتأخر لو كان موجبا لوثوقه و قطعه فهو و إلّا فحدس ناقل الإجماع و لو كان من القدماء. غير كاف إلّا إذا حصل منه الوثوق‏ (1) و لقد أفاد أجاد إلّا أنّ حدس ناقل الإجماع إذا كان قريبا بالحسّ و أخبر عنه كان مشمولا لادلة حجيّة

____________

(1) تحريرات في الاصول: 6/ 365.

130

الخبر الواحد و ان لم يوجب الوثوق الشخصي لنا كما فى سائر الاخبارات الواردة عن العادل.

و بالجملة يحرز إجماع القدماء من اتفاق المشهورين منهم و بعد إحراز آراء الإجماع من القدماء يمكن إحراز إجماع الأصحاب بالحدس القريب إذ لو كانوا مخالفين لظهر ذلك للقدماء لقرب عهدهم بهم فلم يدّعوا في المسائل الفقهيّة في قبال العامة بأنّ دليلنا إجماع الطائفة أو اجماع الفرقة.

و عليه فإذا اتفق القدماء و ذكروا في مدارك المسألة في قبال العامة إجماع الطائفة و الفرقة كان ذلك موجبا للوثوق بكون آراء أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) متحدة مع أصحابنا القدماء، و إلّا فلا معنى لدعوى إجماع الطائفة أو الفرقة، كما لا يخفى.

التنبيه الثالث: [الإجماعات المنقولة تكون متعارضة،]

أنّه لا يذهب عليك أنّ الإجماعات المنقولة ربما تكون متعارضة، و التعارض فيها إمّا يكون بحسب المسبّب و هو المكشوف به من قول الامام (عليه السّلام)؛ إذ لا يجتمع مثلا حرمة صلاة الجمعة في زمان الغيبة مع وجوبها في زمان الغيبة؛ للعلم بكذب أحدهما، فإذا فرضنا أنّ الإجماعين مشتملان لأدلة حجية الخبر الواحد و سلّمنا كشف الإجماع عن قول المعصوم بالحسّ أو بما هو قريب منه يترتب على المتعارضين منهما حكم الخبرين المتعارضين من الأخذ بالمرجّحات إن كانت و إلّا فالحكم بالتخيير، بناء على ثبوته عند فقدان المرجحات أو بالتساقط بناء على عدم ثبوت التخيير، و إمّا يكون التعارض بحسب السبب، كما إذا اريد من الإجماع اتفاق جميع العلماء؛ فإنّه يقع التعارض بين النقلين المتنافيين؛ لامتناع اتفاق الكل على حكمين متناقضين، و يترتب عليهما حكم المتعارضين، بخلاف ما إذا أريد من الإجماع رأي جماعة من العلماء يوجب القطع برأى المعصوم (عليه السّلام)؛ إذ لا تعارض حينئذ من جهة السبب، لإمكان صدق كل ناقل في نقل وجود آراء جماعة حصل منها له القطع برأي المعصوم (عليه السّلام) و إن كانا متعارضين بحسب المسبّب كما عرفت، لكن لا يصلح كل نقل لأن يكون سببا عند المنقول إليه بعد وجود نقل الخلاف في مورده، اللّهمّ إلّا إذا كان أحدهما

131

مشتملا على خصوصية من الخصوصيات الموجبة للجزم برأي المعصوم و لو مع الاطلاع على الخلاف و إن كان الاطلاع عليه بنحو الإجمال، فتدبر جيدا.

و السرّ في وقوع التعارض بين الإجماعات هو أنّ ناقليها استندوا في نسبة الآراء و الفتاوى إلى مباد اصولية و فقهية، لا نفس فتاويهم في خصوص المسألة.

التنبيه الرّابع: [أنّ الإجماع المركب هو اجتماع العلماء]

أنّ الإجماع المركب هو اجتماع العلماء على نفي القول الثالث مع اختلافهم في المسألة على القولين، و هو على قسمين:

أحدهما: أنّ كل جماعة ينفون القول الثالث مع قطع النظر عمّا ذهبوا إليه من رأيهم و مختارهم فى المسألة.

و ثانيهما: أنّ نفيهم للقول الثالث يكون من لوازم رأيهم و قولهم في المسألة المختلف فيها.

و لا إشكال في حجيّة القسم الأوّل بحسب المسالك المذكورة في حجية الإجماع؛ لأنّه إجماع فى الحقيقة و مستقل، و لا يرتبط بما اختلفوا فيه من المسألة، و لذا يكشف عن النصّ أو تقرير المعصوم.

و أمّا القسم الثاني فليس بحجة؛ إذ الإجماع بالنسبة إلى نفي القول الثالث معلول قولهم في المسألة المختلف فيها، و المفروض أنّهم لم يجمعوا في تلك المسألة على قول واحد، بل كل طائفة فيما إذا كانوا على قولين في طرف يناقض الأخرى.

و بالجملة: فالإجماع لا يكشف عن شي‏ء إلّا إذا كان مستقلا، و لا استقلال في الإجماع الحاصل من اختلافهما في المسألة الاصلية، فلا يحصل الكشف عن رأي المعصوم أو تقرير المعصوم مع اختلافهم في الأصل و عدم اجتماعهم على شي‏ء مستقلا، و بعبارة أخرى: فما اختاره كل طرف ليس بإجماعي، و لازمه ايضا ليس بإجماعي، فلا يترتب عليه حكم الإجماع، كما لا يخفى.

التنبيه الخامس: [ربّما يتمسّك بفهم الأصحاب في بعض المسائل‏]

أنّه ربّما يتمسّك بفهم الأصحاب في بعض المسائل كالقرعة حيث إنّ قوله (عليه السّلام): (القرعة

132

لكل أمر مشكل أو مشتبه)، يعمّ غير مورد الحقوق و مع ذلك لم يفت الأصحاب بالعموم، أو كحرمة العصير المغلي، فإنّ قوله (عليه السّلام) كل عصير أصابته النار فهو حرام يشمل غير العصير العنبي و الزبيبي، و مع ذلك لم يفت الأصحاب بحرمة سائر العصيرات و غير ذلك من الموارد.

و يشكل ذلك بأنّ الاتباع عن فهم الأصحاب تقليد و هو لا يجوز للمجتهدين. و يمكن أن يقال إنّ مراد المستدلين بفهم الأصحاب أنّ فهمهم يكشف عن القيد أو الخاص للإطلاق أو العموم، فكما أنّ فتاوى الأصحاب في ساير المسائل تكشف عن النصّ فكذلك في مثل هذه الموارد يكشف فهمهم عن القيود، إذ مع وجود العموم و الإطلاق و عدم ورود قيد ذهابهم إلى معاملة المقيد يكشف عن اطلاعهم على القيد و هو حجة كما لا يخفى، و عليه فهم الأصحاب في المسائل التي ليس فيها دليل على التقييد يكون كاشفا عن القيد، فإذا اتصل هذا الفهم إلى زمان المعصوم (عليه السّلام) أحرز تقريره له فلا تغفل.

التنبيه السادس: في التواتر المنقول‏

قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): من جميع ما ذكرناه يظهر الكلام في المتواتر المنقول حيث إنّ نقل التواتر في خبر لا يثبت حجيّته و لو قلنا بحجيّة خبر الواحد، لأنّ التواتر صفة في الخبر تحصل بإخبار جماعة يفيد العلم للسامع، و يختلف عدده باختلاف خصوصيات المقامات، و ليس كل تواتر ثبت لشخص مما يستلزم في نفس الأمر عادة تحقق المخبر به، فإذا أخبر بالتواتر فقد أخبر بإخبار جماعة أفاد له العلم بالواقع، و قبول هذا الخبر لا يجدي شيئا؛ لأنّ المفروض أنّ تحقق مضمون المتواتر ليس من لوازم إخبار الجماعة الثابتة بخبر العادل.

نعم، لو اخبر بإخبار جماعة يستلزم عادة تحقق المخبر به بأن يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لإخبار الجماعة كأن اخبر مثلا بإخبار الف عادل او ازيد بموت زيد و حضور جنازته كان اللازم من قبول خبره الحكم بتحقق الملزوم، و هو إخبار الجماعة، فيثبت اللازم، و هو تحقق موت زيد ... إلى أن قال: إنّ معنى قبول نقل التواتر مثل الإخبار

133

بتواتر موت زيد مثلا يتصوّر على وجهين:

الأوّل: الحكم بثبوت الخبر المدعى تواتره، أعني موت زيد، نظير حجيّة الإجماع المنقول بالنسبة إلى المسألة المدعى عليها الإجماع و هذا هو الذي ذكرنا أنّ الشرط في قبول خبر الواحد هو كون ما أخبر به مستلزما عادة لوقوع متعلقه.

الثاني: الحكم بثبوت تواتر الخبر المذكور ليترتب على ذلك الخبر آثار التواتر و أحكامه الشرعية، كما إذا نذر أن يحفظ أو يكتب كل خبر متواتر.

ثم أحكام التواتر، منها ما ثبت لما تواتر في الجملة و لو عند غير هذا الشخص، و منها ما ثبت لما تواتر بالنسبة إلى هذا الشخص، و لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى قبول نقل التواتر العمل به على الوجه الأوّل و أوّل وجهي الثاني، كما لا ينبغي الإشكال في عدم ترتب آثار تواتر المخبر به عند نفس هذا الشخص. (1)

و زاد عليه في الكفاية بأنّ نقل التواتر من حيث السبب يثبت به كلّ مقدار كان إخباره بالتواتر دالّا عليه، كما إذا اخبر به على التفصيل فربما لا يكون إلّا دون حدّ التواتر، فلا بد في معاملته معه معاملته من لحوق مقدار آخر من الاخبار يبلغ المجموع ذلك الحدّ (2) و هو حسن.

فتحصّل: أنّ قبول نقل التواتر بالنسبة إلى المسبّب و هو موت زيد مثلا مشروط بكون السبب مستلزما عاديا لحصول العلم من السامع بتحقق متعلقه حتى يترتب على نقل التواتر إحراز موت زيد، فيترتب على الموت آثاره من تقسيم الأموال و نحو ذلك، و إذا لم يكن السبب مستلزما كذلك فالخبر بالنسبة إلى المسبب حدسي لا حسّى، فلا دليل على حجية نقل التواتر؛ لأنّ التواتر صفة في الخبر تحصل بإخبار جماعة يفيد العلم للسامع، و

____________

(1) فرائد الاصول: 64.

(2) الكناية 2: 77.

134

المفروض أنّه غير حاصل، فلا حجّية لنقل التواتر في الفرض المذكور. نعم لو انضم إليه أخبار أخر يوجب الجميع حصول صفة التواتر ترتب الأثر على متعلقه و كان النقل بالنسبة إلى ما اخبر به حجّة.

و أمّا قبول نقل التواتر بالنسبة إلى السبب بمعنى الحكم بثبوت تواتر الخبر المذكور ليترتب عليه آثار نفس التواتر و أحكامه فهو منوط بكيفية اتخاذ الموضوع، فإن كان الأثر مترتبا على ما تواتر و لو عند غير السامع فيترتب عليه آثاره و لو لم يثبت تواتره عند السامع فإنّ ثبوته عند ناقل التواتر يكفي في ترتب آثاره، و احتمال عدم تحقق التواتر عنده ملغى بحكم وجوب تصديق العادل، و إن كان الأثر مترتبا على ما تواتر عند السامع فلا يترتب الأثر بمجرد نقل التواتر و إن كان المنقول إخبار عدة لو اطلع عليه السامع المنقول اليه تحقق له العلم؛ لأنّ المفروض هو عدم تحقق العلم للسامع بواسطة نقل إخبار تلك الجماعة، نعم لو انضمّ إليه ما يتمّه في حصول العلم بالتواتر عند السامع ترتب عليه الأثر المذكور، ايضا كما هو واضح.

و لا يخفى عليك أنّ ما ذكر من عدم ترتب الأثر بمجرد نقل التواتر ما دام لم يحصل العلم الفعلي للسامع و إن كان المنقول إخبار عدة لو اطلع عليه السامع تحقق له العلم منوط بما إذا كان مفهوم التواتر متقوما بحصول العلم الفعلي للسامع كما هو المفروض، و إلّا فإن قلنا بأنّ مفهوم التواتر هو حصول العلم عادة بإخبار جماعة و لو لم يحصل العلم الفعلي للسامع، فهو يكون من الامور الواقعية كالكرّية و القلّة للماء، و لا دخل للعلم الفعلي من السامع في حقيقة مفهوم التواتر و عليه تترتب على إخبار العادل آثار التواتر و آثار الواقع، و لا وجه لاعتبار حصول العلم الفعلي للسامع، قال شيخنا الأستاد الأراكي- تبعا لشيخه الأستاذ (قدّس سرّهما)- و أمّا التواتر المنقول، فإن قلنا إنّ التواتر موضوع محفوظ مع قطع النظر عن حصول العلم و هو بلوغ عدة الأخبار إلى حدّ يفيد عادة علم من اطلع عليها و إن لم يفد العلم الفعلي بواسطة عدم الاطلاع أو اغتشاش الذهن و غيره فالظاهر ترتب آثار هذا الموضوع، بل ترتب آثار الواقع أيضا؛ لأنّ كون السبب سببا عاديا لحصول العلم الذي أخبر به المخبر نظير

135

إخباره بأن القتل وقع بآلة متعارفة في القتل، فإنّ التعارف و العادة من الأمور الحسّية الغير المحتاجة إلى إعمال الفكر و النظر و ليس مثل تنقيح بعض الامور العادية المحتاجة، إلى تصفية الذهن و تخليته و إعمال النظر، و الوسع كما هو في تشخيص بعض المفاهيم العرفية للألفاظ، و إذن فكما يقبل إخباره بتعارف الآلة القتّالة يقبل إخباره بتعارف حصول القطع مع العدّة القائمة على الإخبار.

هذا، إن قلنا بأنّ للتواتر واقعا محفوظا، و أمّا إن قلنا إنّ حدّه أن يحصل من كثرة الأخبار مع قطع النظر عن شي‏ء آخر وراء الكثرة القطع الفعلي بصدق المضمون و وقوعه فهذا المعنى غير متحقق بالنسبة إلى السامع و المنقول إليه قطعا، فإذا كان الأثر مترتبا على التواتر عنده فلا يترتب الأثر، و إن كان على التواتر عند الناقل أو في الجملة ترتب و أمّا آثار الواقع فالكلام من هذا الحيث هو ما تقدم في الإجماع المنقول حرفا بحرف فراجع‏ (1) فتحصل ان الاخبار بالتواتر حجة و لا حاجة الى افادة العلم الفعلي للسامع بل يكفي فيه كونه بحيث لو اطلع عليه السامع حصل له العلم و هذا هو الظاهر من سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) حيث قال في محكى كلامه و أمّا التواتر المنقول فالظاهر حجيّته مطلقا سواء كان متمحّضا لنقل السبب فقط أعنى إخبار جماعة بقول الإمام (عليه السّلام) أو فعله أو تقريره أو نقل المسبب و هو قول الإمام (عليه السّلام) في ضمنه و ذلك لأنّ التواتر إنّما يكون اخبار جماعة ليستحيل عادة تواطؤهم على الكذب و حينئذ فإذا أخبر الثقة به و كان إخباره عن حسّ لا بدّ من فرض المخبر به بمنزلة الواقع بأدّلة حجيّة خبر الواحد فيفرض المنقول كالمحصّل و المفروض أنّه لو كان محصّلا كان موجبا للقطع العادى بقول الامام (عليه السّلام) من دون فرق في ذلك بين نقل قول الإمام في ضمن نقل التواتر و عدمه كما هو واضح فتدبر (2)

____________

(1) اصول الفقه 3: 377- 378.

(2) المحاضرات سيدنا الاستاذ 2/ 115.

136

الخلاصة التنبيهات‏

التّنبيه الأوّل:

أنّ الظّاهر من الشّيخ الأعظم أنّ تحصيل قول الإمام من طريق الحسّ منحصر في سماع قوله (عليه السّلام) في ضمن أقوال المجمعين و هو ممّا يعلم بعدم تحقّقه لنوع الحاكين للإجماعات.

منعه في نهاية الاصول بدعوى أنّ مراد الأصحاب من نقل قول الإمام هو نقله و لو بطريق صحيح وصل إلى النّاقل و بعبارة اخرى النقل بالطريق الصحيح أيضا من مصاديق الحسّ و التعبير عن الخبر بالإجماع من جهة عدم تمكّنهم من الاستدلال بالخبر في قبال العامّة لانحصار السّنة عندهم في السنّة النبويّة و لذا أدرجوا الخبر تحت عنوان الإجماع و مرادهم حينئذ من الإجماع هو الخبر الصحيح فمتى استدلّوا في مسألة بالإجماع أرادوا بذلك قول المعصوم و لكن لا بالسماع من شخصه (عليه السّلام) بل بوصول صحيح معتبر إلى ناقل الإجماع و عليه فلا وجه لحصر قول الإمام الثابت بالحسّ في السّماع من شخص إمام العصر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) حتّى يحكم عليه بالنّدرة أو عدم الوقوع إلى أن قال و بالجملة فإذا رأيت الشّيخ الطّوسي قد يتمسّك في بعض المسائل بإجماع الطّائفة مع كونها ممّا وردت فيها روايات مستفيضة أو متواترة وافية بإثبات المسألة فليس مقصوده حينئذ من الإجماع اتفاق الفقهاء و كشف قول الإمام بسببه بل أراد به قول الإمام المعصوم المنقول له بالإخبار المسندة المعتبرة عنده الموجبة للعلم به إلى أن قال و قد ظهر لك بما ذكرناه إلى هذا أنّ الإجماعات المنقولة في كلمات القدماء ليست بمعنى أنّ ناقل الاجماع استكشف قول الإمام من اتفاق جماعة هو داخل فيهم بل قصدوا بالإجماع ما هو الملاك عندهم لحجيّته و هو نفس قول الإمام الواصل إليهم بالأدلّة المعتبرة.

و على هذا فناقل الإجماع إن كان عدلا و ثقة و كان نقله محتملا لكونه عن حسّ كان نقله الإجماع في المسائل الفقهيّة الأصليّة المبتنية على النقل حجّة و وزانه و زان نقل الخبر عن‏

137

الأئمّة (عليهم السّلام) و أمّا في المسائل التفريعيّة فليس بحجّة لأنّه إخبار عن حدس النّاقل و استنباطه انتهى. و لا يخفى عليك أنّ مقتضى ما ذكر هو خروج الإجماعات المنقولة عن القدماء عن محل الكلام لأنّ البحث في حجّيّة الإجماع بمعناه الاصطلاحي و هو كما ترى.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان كذلك كان المناسب أن لم يضف الإجماع إلى الطّائفة أو الفرقة فإنّ الحجّة عند العامّة هو اتفاق الكلّ لا إجماع جماعة من الأمّة بعنوان طائفة الشّيعة.

و أيضا كان المناسب أن لم يعطف عليه الأخبار خصوصا مع تعبير و أخبارهم الظّاهر في أنّ المراد منه هو أخبار الشّيعة لا السّنة النبويّة المروية عن طريق العامّة.

هذا مضافا إلى أنّ الشيخ لم يحترز عن ذكر الرّوايات الواردة عن الأئمّة (عليهم السّلام) في المبسوط و الخلاف حتّى يضطرّ إلى التعبير عنها بالإجماع.

و لو سلّم أنّ المراد من الإجماعات المنقولة في كلمات القدماء هو الإخبار عن الأخبار دخلت المسألة في الخبر الصحيح المنقول بالخبر الواحد و هو في الحقيقة خبر عن الخبر و من المعلوم أنّه مشمول لأدلّة حجّيّة الخبر و لكن تماميّته دلالة الخبر المنقول بالخبر عنه الناقل لا تكون مستلزمة لتماميّته عند المنقول إليه كما لا يخفى.

على أنّه لا يصحّ الاعتماد عليه لعدم المعرفة بالواسطة بينهم و بين المعصوم و عدم ثبوت وثاقتها.

و ينقدح ممّا ذكر أنّه لا وجه لرفع اليد عن المعنى الاصطلاحي للإجماع في كلمات القدماء بل المقصود منه هو معناه الاصطلاحي.

التّنبيه الثّاني:

ربّما يتوهّم أنّه لا يمكن للمتأخرين العثور على مؤلّفات القدماء أو آرائهم بأجمعهم لعدم كونها باقية إلى زمانهم هذا مضافا إلى عدم ضبطهم أسماء المؤلّفين فضلا عن كتبهم و عليه فكيف يمكن تحصيل الإجماع من مؤلفاتهم أو آرائهم بل لا يمكن تحصيل الإجماع للمتقدّمين أيضا لقصور اطّلاعهم على تأليفات جميع العلماء مع تفرّقهم في البلاد و فقدان صنعة الطّبع‏

138

و بعد الحوزات العلميّة بعضها عن بعض و عدم إمكانات الاستخبار لكلّ واحدة بالنّسبة إلى الاخرى.

و عليه فالميسور من الإجماع لا يفيد و المفيد منه معسور أو متعذّر و يمكن الجواب عنه بأنّ الحوزات العلميّة اطّلعوا على آراء المشهورين و مؤلّفاتهم و الاستنساخ أمر شائع في ذلك العصر فإذا أجمع العلماء المشهورون على أمر و لم يذكروا الخلاف حصل الحدس القريب بالحسّ باتّفاق الآخرين معهم إذ لو كان رأيهم مخالفا معهم لاطّلعوا عليه و ذكروه و أبطلوه فحيث لم يذكروا خلافا علم الاتّحاد و الاتّفاق فمن اتفاق الأكابر في الكتب الموجودة يصحّ الحدس بأنّ ذلك الحكم رأي عامّ لكلّ فقيه في ذلك العصر و بعد إحراز الإجماع من القدماء أمكن إحراز إجماع الأصحاب بالحدس القريب إذ لو كانوا مخالفين لظهر ذلك للقدماء لقرب عهدهم بهم و لم يدّعوا في المسائل الفقهيّة قبال العامّة بأنّ دليلنا إجماع الطّائفة أو إجماع الفرقة.

التّنبيه الثّالث:

أنّه لا يخفى عليك أنّ الإجماعات المنقولة ربّما تكون متعارضة و التعارض فيها إمّا من ناحية المسبّب إذا لا يجتمع مثلا الإجماع على حرمة صلاة الجمعة في زمان الغيبة مع الإجماع على وجوبها فيه للعلم بكذب أحدهما فإذا فرضنا أنّ الإجماعين مشمولان لأدلّة حجّيّة الخبر الواحد و سلّمنا كشف الإجماع عن قول المعصوم بالحسّ أو بقريب منه يترتّب على المتعارضين من الإجماعين المنقولين حكم الخبرين المتعارضين من الأخذ بالمرجّحات إن كانت و إلّا فالحكم بالتخيير أو بالتّساقط على القولين في ذلك الباب و إمّا من ناحية السبب كما إذا أريد من الإجماع اتّفاق جميع العلماء فإنّه يقع التعارض بين النقلين المتنافيين لامتناع اتّفاق الكلّ على المتناقضين و يترتّب عليهما حكم المتعارضين بخلاف ما إذا أريد من الإجماع رأي جماعة من العلماء يوجب القطع برأي المعصوم إذ لا تعارض حينئذ من جهة السبب لإمكان صدق كلّ ناقل في نقل وجود آراء جماعة حصل فيها له القطع برأي‏

139

المعصوم (عليه السّلام) و إن كانا متعارضين بحسب المسبّب و لكن لا يصلح كلّ نقل لأن يكون سببا عنه المنقول إليه بعد وجود نقل الخلاف في مورده اللّهمّ إلّا إذا كان أحدهما مشتملا على خصوصيّة راجحة موجبة للجزم برأي المعصوم و لو مع الاطّلاع على الخلاف.

التّنبيه الرّابع:

أنّ الإجماع المركّب هو اجتماع العلماء على نفي القول الثّالث مع اختلافهم في المسألة على القولين.

و هو على قسمين: أحدهما أنّ كلّ جماعة ينفون القول الثّالث مع قطع النظر عمّا ذهبوا إليه من رأيهم و مختارهم فى المسألة و لا إشكال في حجّيّة هذا القسم بحسب المسالك المذكورة في حجّيّة الإجماع لأنّه من مصاديق الإجماع المبحوث عنه.

و ثانيهما: أن يكون نفي القول الثّالث من لوازم رأيهم و قولهم في المسألة المختلف فيها و هذا الإجماع لا يكون حجّة إذ الاجماع بالنّسبة إلى نفي الثّالث معلول لقولهم في المسألة و المفروض أنّهم لم يجمعوا في تلك المسألة على قول واحد بل كلّ طائفة في طرف غير طرف آخر فما اختاره كلّ طرف ليس بإجماعي و لازم مختاره أيضا ليس بإجماعي فلا يترتّب عليه حكم الإجماع كما لا يخفى.

التّنبيه الخامس:

أنّه ربّما يتمسّك بفهم الأصحاب في بعض المسائل كالقرعة من جهة عمومها و شمولها لغير مورد الحقوق و عدمه.

و يشكل ذلك بأنّ الاتّباع عن فهم الأصحاب تقليد و هو لا يجوز للمجتهدين.

و اجيب عنه بأنّ مراد المستدلّين بفهم الأصحاب هو أنّ فهمهم يكشف عن وجود قيد أو خصوصية للموضوع يمنع عن العموم و الشمول فكما أنّ فتاوى الأصحاب في سائر المسائل تكشف عن النصّ فكذلك في مثل هذه الموارد يكشف عن وجود القيد فإذا اتّصل هذا الفهم إلى زمان الامام (عليه السّلام) أحرز تقريره له فلا تغفل.

140

التّنبيه السّادس:

في التّواتر المنقول قال الشّيخ الأعظم نقل التواتر في خبر لا يثبت حجيّته و لو قلنا بحجّيّة خبر الواحد لأنّ التواتر صفة في الخبر تحصل بإخبار جماعة يفيد العلم للسامع و يختلف عدده باختلاف خصوصيّات المقامات و ليس كلّ تواتر ثبت لشخص ممّا يستلزم في نفس الأمر عادة تحقّق المخبر به فإذا أخبر بالتّواتر فقد أخبر بإخبار جماعة أفاد له (أي للناقل) العلم بالواقع و قبول هذا الخبر لا يجدي شيئا لأنّ المفروض أنّ تحقّق مضمون المتواتر ليس من لوازم إخبار الجماعة الثّابتة بخبر العادل.

نعم لو أخبر بإخبار جماعة يستلزم عادة تحقق المخبر به بأن يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لإخبار الجماعة كأن أخبر مثلا بإخبار ألف عادل أو أزيد بموت زيد و حضور جنازته كان اللّازم من قبول خبره الحكم بتحقّق الملزوم و هو إخبار الجماعة فيثبت اللّازم و هو تحقّق موت زيد هذا بالنّسبة إلى المسبّب و قد عرفت أنّ الشّرط في قبول خبر الواحد هو كون ما أخبر به مستلزما عادة لوقوع متعلّقه المذكور حتّى يترتّب عليه آثار نفس التّواتر و أحكامه كما إذا نذر أن يحفظ كلّ خبر متواتر فهو منوط بكيفية اتخاذ الموضوع فإن كان الأثر مترتّبا على تواتر و لو عند غير السّامع فيترتّب عليه آثاره و لو لم يثبت تواتره عند السامع.

و إنّ كان الأثر مترتّبا على ما تواتر عند السامع فلا يترتّب الأثر بمجرّد نقل التواتر و إن كان المنقول إخبار عدّة لو اطّلع عليه السامع المنقول إليه تحقّق العلم لأنّ المفروض هو عدم تحقق العلم الفعلي للسّامع بواسطة نقل إخبار تلك الجماعة مع اعتبار العلم الفعلي في حقيقة التواتر.

و لا يخفى ما فيه و ذلك لما أفاده شيخنا الأستاذ تبعا لشيخه الاستاذ المحقّق اليزدي (قدّس سرّه) في التّواتر المنقول من أنّه إن قلنا إنّ للتواتر موضوعا محفوظا في الواقع مع قطع النّظر عن حصول العلم الفعلي و هو بلوغ عدّة الأخبار إلى حدّ يفيد عادة علم من اطلع عليها و إن لم يفد العلم‏

141

الفعلي بواسطة عدم الاطّلاع أو اغتشاش الذهن و غيره فالظاهر ترتّب آثار هذا الموضوع بل ترتّب آثار الواقع أيضا بنقل التواتر لأنّ كون السبب سببا عاديا لحصول العلم الذي أخبر به المخبر نظير إخباره بأنّ القتل وقع بآلة متعارفة في القتل فإنّ التعارف و العادة من الأمور الحسيّة الغير المحتاجة إلى إعمال الفكر و النّظر و ليس مثل تنقيح بعض الامور العادية المحتاجة إلى تصفية الذهن و تخليته و إعمال النّظر و الوسع كما هو في تشخيص بعض المفاهيم العرفية للألفاظ و إذن فكما يقبل إخباره بتعارف الآلة القتّالة يقبل إخباره بتعارف حصول القطع مع العدّة القائمة على الأخبار و أمّا إن قلنا إنّ حقيقة التواتر هي أن يحصل من كثرة الأخبار مع قطع النظر عن شي‏ء آخر وراء الكثرة القطع الفعلي بصدق المضمون و وقوعه فهذا المعنى غير متحقّق بالنّسبة إلى السّامع المنقول إليه قطعا فإذا كان الأثر مترتّبا على التواتر عنده بهذا المعنى فلا يترتّب الأثر بخلاف ما إذا كان الأثر مترتّبا على التواتر عند الناقل أو في الجملة فيترتّب الأثر المترتّب على نفس التواتر كما لا يخفى و لكن اعتبار العلم الفعلي للسّامع في تحقّق التواتر لا دليل له.

فتحصّل أنّه لا وجه للقول بعدم ترتّب أثر التّواتر على نقل التواتر ما دام لم يحصل العلم الفعلي للسامع بل الظاهر كفاية بلوغ عدّة الأخبار في الواقع و لو بالانضمام يفيد العلم عادة في ترتّب آثار نفس التواتر و نقل هذا التواتر حجّة مطلقا.

142

3- الشهرة

و الكلام فيها يقع في جهات:

الجهة الاولى: في أنّ الشهرة على أقسام:

القسم الأوّل: [الشهرة الروائيّة]

الشهرة الروائيّة و هي بمعنى كثرة نقلها، و يقابلها الشذوذ و الندرة، و هذه الشهرة تكون من المرجحات عند تعارض الأخبار بناء على ما ذهب إليه المشهور في هذا الباب.

القسم الثاني: [الشهرة العملية]

الشهرة العملية، و هي بمعنى العمل بالرواية و هو يوجب الوثوق بصدور الرواية إن كان فيها ضعف من جهة السند، و في قبالها إعراض المشهور عن الرواية؛ فإنّه يوجب الوهن فيها و إن كانت الرواية صحيحة أو موثقة من جهة السند، بل كلما ازدادت صحة ازدادت سقما.

القسم الثالث: [الشهرة الفتوائية]

الشهرة الفتوائية، و معناها هو اشتهار الفتوى بحكم من الأحكام الشرعية بين معظم الفقهاء المعروفين سواء كان في مقابلها فتوى غيرهم بالخلاف أم لم يعرف الخلاف و الوفاق من غيرهم، و ربما تستعمل الشهرة الفتوائية على اتفاق جماعة من المعروفين من العلماء. و كيف كان فمورد البحث في المقام هو القسم الثالث، لا القسم الأوّل و الثاني؛ فإنّ البحث عن الأوّل مربوط بالبحث عن تعارض الأخبار، و البحث عن الثاني مربوط بالبحث عن حجيّة خبر الواحد، و سيأتي البحث فيهما إن شاء اللّه تعالى.

الجهة الثانية: [أنّ الشهرة الفتوائية إمّا ملحوظة بما هي تكون كاشفة كشفا قطعيا عن النص أو رأي المعصوم (عليه السّلام) ....]

أنّ الشهرة الفتوائية إمّا ملحوظة بما هي تكون كاشفة كشفا قطعيا عن النص أو رأي المعصوم (عليه السّلام) كالإجماع عندنا و إمّا ملحوظة بما هي تفيد الظن برأي المعصوم (عليه السّلام)، كنفس الخبر الواحد، و كلاهما مورد البحث.

143

الجهة الثالثة: في الاستدلال على حجيّة الشهرة الفتوائية بما هي كاشفة كشفا قطعيّا عن النص:

و لا إشكال في حجيّتها لأنّها مصداق للقطع فإن كانت الشهرة من المتأخرين و كانت المسألة مخالفة للقواعد و لم يستندوا إلى دليل فهي يكشف عن النص و لكن لم يحرز تمامية دلالته بفتوى المشهور به لإمكان أن لا يكون تاما عندنا لو وصل إلينا نعم إذا كانت الشهرة من القدماء و اتصلت إلى زمان المعصوم (عليه السّلام) صارت الشهرة كالإجماع المتصل إلى زمان اصحاب الأئمة (عليهم السّلام) في الكشف عن تقرير المعصوم (عليه السّلام) و لا فرق فيه بين الاستناد إلى دليل و عدمه و بين أن تكون المسألة من الاصول المتلقاة أو غيرها اللّهمّ إلّا أن يقال: لا يحرز التقرير إلّا في الاصول المتلقاة فإنّ المسألة إذا كانت من المسائل التفريعية و اخطأ الأصحاب في فهمها من الاصول المتلقاة لا يجب على الإمام (عليه السّلام) إرشادهم مع بيان الاصول المتلقاة فتامّل‏

نعم لو استندوا في المسألة إلى المتون المأثورة و اتصل الاشتهار إلى زمان المعصوم كان وزان المتون المأثورة وزان الأخبار للعلم بصدورها عن المعصوم (عليه السّلام) هذا مجمل الكلام و تفصيله أنّ السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه) ذهب في نهاية الاصول إلى أنّ الأظهر القول بحجيّة الشهرة الفتوائيّة من القدماء في المسائل الأصلية المبنيّة على نقلها بألفاظها و كشف الشهرة عن تلقّيها عن الأئمة المعصومين (عليهم السّلام).

توضيح ذلك: أنّ مسائل فقهنا على ثلاثة أنواع.

الأوّل: المسائل الأصلية المأثورة عن الأئمة (عليهم السّلام) التي ذكرها الأصحاب في كتبهم المعدّة لنقل خصوص هذه المسائل كالمقنع و الهداية و المقنعة و النهاية و المراسم و الكافي و المهذب و نحوها، و كان بناء الأصحاب فيها على نقل هذه المسائل بألفاظها المأثورة أو القريبة منها طبقة بعد طبقة و اتصلت سلسلتها إلى أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، فيكون وزانها و الأخبار المأثورة في كتب الرواية.

144

الثاني: المسائل التفريعيّة المستنبطة من المسائل الأصلية بإعمال الاجتهاد و النظر.

الثالث: المسائل المتصدية لبيان موضوعات الأحكام و حدودها و قيودها ... إلى أن قال: و إذا عرفت هذا فنقول: الشهرة في النوع الأوّل تكون كاشفة عن تلقّيها عن الأئمة (عليهم السّلام) و موجبة للوثوق بصدورها عنهم، بخلاف النوعين الأخيرين؛ لابتنائهما على إعمال الاجتهاد و النظر، فلا تفيد الشهرة فيهما شيئا، بل الظاهر أنّ الإجماع فيهما ايضا غير مفيد؛ فإنّ الإجماع فيها على وزان الإجماع في المسائل العقليّة النظريّة، فتدبر. (1)

حاصله: هو حجيّة الشهرة الفتوائية في المسائل الأصلية من القدماء الذين ذكروا فتاواهم في كتبهم بذكر متون النصوص المأثورة فإنّ إجماعهم على المتون في تلك المسائل يوجب الحدس القطعي القريب بالحسّ بصدور المتون المذكورة عن الأئمة (عليهم السّلام) قال سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): لا إشكال في عدم حجيّة الفتوائيّة في التفريعات الفقهيّة الدائرة بين المتأخرين من زمن شيخ الطائفة إلى زماننا هذا ... إلى أن قال: و إنّما الكلام في الشهرة المتقدمة على الشيخ، أعني الشهرة الدائرة بين قدماء أصحابنا الذين كانت عادتهم التحفظ على الاصول و الإفتاء بمتون الرواية إلى أن ينتهي الأمر إلى أصحاب الفتوى و الاجتهاد، فالظاهر وجود مناط الإجماع فيها و كونها موجبة للحدس القطعي على وجود نص معتبر دائر بينهم أو معروفيّة الحكم من لدن عصر الأئمة (عليهم السّلام)، كما أشرنا إليه ... (2)

و لا يخفى عليك أنّ الحدس القطعىّ يوجب القطع بصدور المتون المفتى بها في كتب القدماء عن الأئمة (عليهم السّلام)، لا القطع بوجود نص آخر، و إلّا لورد عليه ما أورد في الإجماع من أنّ النص المذكور و إن كان تاما عندهم سندا و لكن من الممكن أنّه ليس كذلك عندنا، هذا مضافا إلى أنّ مع وجود المخالف في المشهور كيف يحصل الحدس القطعيّ بوجود نص آخر.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ شذوذ المخالف يوجب عدم اعتناء العقلاء به، فيحصل معه الحدس المذكور عرفا. لأنّ اقوال النادر كالمعدوم.

____________

(1) نهاية الاصول: 543- 544.

(2) تهذيب الاصول 2: 100- 101.

145

و أمّا المتون المذكورة في كتب القدماء بعنوان الفتوى فهي قابلة لأن ينظر إليها، فإذا كانت تامّة من جهة الدلالة يحرز صدورها من ناحية الحدس القطعيّ المذكور، هذا مضافا إلى أنّ القطع بالنص الآخر وراء المتون المذكورة لا يتصور إلّا إذا كانت الشهرة على خلاف مقتضى القواعد و العمومات و الأدلة العقليّة، و إلّا فلا يحصل الحدس القطعيّ بوجود النصّ الآخر، كما لا يخفى.

و كيف كان فالشهرة الفتوائية على متون الأخبار في المسائل الأصلية تكشف عن صدور المتون المذكورة عن الأئمة (عليهم السّلام)، و لكن الشهرة بهذا المعنى ترجع إلى الشهرة العمليّة، فكما أنّ الشهرة العمليّة تجبر ضعف المرسلات من الروايات و تكشف عن صدورها، فكذلك تكشف عن صدور المتون المذكورة في كتب القدماء؛ لأنّها في حكم المرسلات، و لا إشكال فيه بعد فرض ثبوت أنّ القدماء في القرن الرابع بنوا على ذكر المتون في مقام الفتوى و حذف الأسانيد، كما يشهد له كيفية الكتب مع تصريح بعضهم كسلّار في المراسم، و ذكر بعض الفرعيات فيها لا ينافي أنّهم أفتوا بالمتون و جعلوها الاصول المتلقاة؛ لأنّ نفس هذا البعض من المرويّات ايضا.

فتحصّل: أنّ الشهرة الفتوائيّة في الكتب المذكورة توجب الحدس القطعيّ بالنسبة إلى صدور المتون المأثورة فيها عن المعصوم (عليه السّلام)، فلا يجوز العدول عنها مع العلم بصدورها عن المعصوم (عليه السّلام). و لكن الشهرة المذكورة ترجع الى الشهرة العمليّة نعم إذا اشتهر الفتوى بين القدماء و اتصل إلى زمان المعصوم كشف ذلك كالإجماع المتصل عن تقرير المعصوم و رأيه (عليه السّلام) و لا فرق فيه بين الاصول المتلقاة و غيرها اللّهمّ إلّا أن يقال: لا يحرز التقرير إلّا في الاصول المتلقاة لإمكان اكتفاء المعصوم في المسائل التفريعيّة ببيان الاصول المتلقاة فلا يجب عليه الإرشاد في المسائل التقريعية إذا اخطأ الاصحاب في فهمها من الاصول المتلقاة فتأمل.

الجهة الرابعة: [فى الاستدلال على الشهرة الفتوائيّة بما هي تفيد الظنّ‏]

فى الاستدلال على الشهرة الفتوائيّة بما هي تفيد الظنّ كنفس الخبر، و قد استدل لذلك بوجوه:

146

الوجه الأوّل: [أنّ مرفوعة زرارة و مقبولة عمر بن حنظلة تدلّان على حجيّة الشهرة]

أنّ مرفوعة زرارة و مقبولة عمر بن حنظلة تدلّان على حجيّة الشهرة الفتوائيّة ففي الاولى قال (عليه السّلام) في حكم الخبرين المتعارضين: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك، و دع الشاذ النادر. فقلت: يا سيدي إنّهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال: خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك الحديث. (1)

و في الثانية قال (عليه السّلام) بعد فرض اختلاف الحكمين لروايتهما حديثين مختلفين و كون راويهما عدلين مرضيين: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فأنّ المجمع عليه لا ريب فيه، قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به الحديث. (2)

و تقريب الاستدلال- كما في نهاية الاصول- أنّ المحتملات في قوله «المجمع عليه» بالنظر البدوي أربعة: المتفق عليه عند الجميع، أو المشهور بين الأصحاب في قبال الشاذ النادر، و على الوجهين الاتفاق أو الشهرة في الرواية أو في الفتوى، فهذه أربعة.

اما احتمال كون المراد الاتفاق في الرواية فهو باطل قطعا؛ لعدم وقوع هذا الأمر خارجا؛ إذ ليس لنا رواية رواها جميع أرباب الاصول و الجوامع، فإنّ أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام) على ما قالوا كانوا أربعة آلاف، و لم يتفق اتفاق جميعهم على نقل رواية واحدة عنه (عليه السّلام). و كذا احتمال كون المراد الاتفاق في الفتوى، إذ المستفاد من الحديث وجود الشاذ في قباله، و مقتضى التعليل بكون المجمع عليه لا ريب فيه كون مقابله مما فيه ريب، و لو كان الفتوى مما اتفق عليه الكل بلا استثناء كان القول بخلافه واضح البطلان لا مما فيه ريب و بعبارة أخري المقصود بالمجمع عليه بقرينة ذكر الشاذ الذي ليس بمشهور في قباله هو المشهور، لا المتفق عليه.

____________

(1) جامع الاحاديث: الباب 6 من ابواب ما يعالج به تعارض الروايات ح 2.

(2) الوسائل: الباب 9 من ابواب صفات القاضي، ح 1.

147

و كذا احتمال أن يكون المراد الشهرة الروائية؛ لوضوح بطلانه و إن أصرّ عليه بعض، إذ مقتضى إطلاقه على هذا لزوم الأخذ بالرواية التي رواها أكثر الأصحاب و إن أعرضوا عنه و كان فتوى الجميع حتى الرواة لها مخالفة لها، و هذا مما لا يمكن الالتزام به، كيف! و الرواية على هذا تصير مما فيه كل الريب، فكيف يحكم بكونها مما لا ريب فيه؟!

فيبقى من الاحتمالات: أن يكون المقصود الشهرة الفتوائية بأن يكون مفاد الرواية مشهورا بين الأصحاب إفتاء و عملا ... إلى أن قال: فإن قلت: حمل الشهرة في الحديث على الشهرة الفتوائية مخالف لفرض الراوي كليهما مشهورين؛ لعدم تصور الشهرة الفتوائيّة في طرفي المسألة.

قلت: ليس المقصود بالشهرة في الحديث الشهرة بالمعنى الاصطلاحي بين الاصوليين، أعني ذهاب الأكثر إلى مسألة، بل يراد بها معناها اللغوي، أعني الوضوح، فالمشهور هو الواضح المعروف في قبال الشاذ الذى ينكر، و منه قولهم شهر سيفه و سيف شاهر، و هذا المعنى يتصور في طرفي المسألة إذا فرض كون كليهما ظاهرين بين الاصحاب حتى و لو فرض كون أحدهما أكثر من الآخر إذا لم يبلغ الآخر إلى حدّ الشذوذ و الندرة.

و قد تحصّل مما ذكرنا: أنّ الشهرة الفتوائية بين الأصحاب، أعني افتائهم بمضمون الرواية و الأخذ بها في مقام العمل هو المرجح لإحدى الروايتين المتعارضين و يجعلها مما لا ريب فيه، لا الشهرة الروائية فقط من دون الأخذ بها و الاعتماد عليها.

نعم هنا شي‏ء، و هو أنّ المستفاد من الحديثين أوّلا: و بالذات كون الشهرة الفتوائية و الأخذ بالرواية في مقام الفتوى مرجّحة للرواية الواجدة لشرائط الحجية مع قطع النظر عن المعارض. و أمّا كونها بنفسها حجة شرعية مستقلة فهو أمر آخر يجب البحث فيها، و هو محط النظر هنا. فنقول: يمكن أن يستظهر من الحديثين حجيّتها بإلغاء الخصوصية؛ إذا الخصوصيّة المتوهم دخلها في المقام أمران:

الأوّل: وجود رواية في قبالها تخالف مضمونها فيكون لخصوصية وجود المعارض دخل في نفي الريب عنها.

148

الثاني: وجود رواية حاكية لقول الإمام (عليه السّلام) في موردها على وفقها. أمّا الأوّل فمعلوم عدم دخله ... إلى أن قال: و أمّا الثاني فيمكن أيضا أن يقال بعدم دخله في الحكم و إنّ الذي لا ريب فيه هو نفس الشهرة بإطلاقها؛ إذ تعليق الحكم على وصف مشعر بعلّيته له ... إلى أن قال: و لكن لأحد منع إلغاء الخصوصية الثانية؛ لاحتمال أن يكون لوجود الرواية الموافقة لمضمون الشهرة دخل في حجيّتها و نفي الريب عنها باعتبار تأيّد إحداهما بالأخرى. (1)

و عليه فلا دليل على حجيّة الشهرة الفتوائيّة بما هى مفيدة للظن مستقلة كالخبر؛ لاحتمال أن يكون الحجة مركّبة من الرواية و الشهرة.

نعم يمكن أن يقال: إنّ التعليل بقوله (عليه السّلام) (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) يغنينا عن إلغاء الخصوصية؛ فإنّ المراد من المجمع عليه في الموضعين هو المشهور بقرينة إطلاق المشهور عليه فى قوله (عليه السّلام) (و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور) و عليه فقوله (عليه السّلام) (فإنّ المجمع عليه الخ) يدلّ على أنّ المشهور مطلقا مما يجب العمل به و إن كان مورد التعليل مورد الترجيح بين الروايتين؛ لأنّ العبرة بعموم الوارد لا بخصوصيّة المورد.

هذا غاية التقريب لحجّية الشهرة من باب كونها ظنّا خاصا كالخبر.

و لكن يرد عليه: أوّلا: عدم تمامية كل من المرفوعة و المقبولة من حيث السند.

أمّا المرفوعة فلما أفاد في مصباح الاصول من كونها من المراسيل التي لا يصح الاعتماد عليها؛ فإنّها مروية في كتاب عوالى اللثالي لابن أبي جمهور الأحسائي عن العلامة مرفوعة إلى زرارة، مضافا إلى أنّها لم توجد في كتب العلامة رحمة اللّه و لم يثبت توثيق راويها، بل طعن فيه و في كتابه من ليس دأبه الخدشة في سند الرواية كالمحدث البحراني فى الحدائق.

و دعوى: انجبارها بعمل المشهور ممنوعة صغرى و كبرى:

أمّا من حيث الصغرى فلأنه لم يثبت استناد المشهور إليها، بل لم نجد عاملا بما في ذيلها من الأمر بالاحتياط ... إلى أن قال:

____________

(1) نهاية الاصول: 541- 543.

149

و أمّا المقبولة فلعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، و لم يذكر له توثيق في كتب الرجال، نعم وردت رواية في باب الوقت تدل على توثيق الإمام (عليه السّلام) له و نعم التوثيق؛ فإنّ توثيق الإمام إمام التوثيقات، و هي ما نقله في الوسائل عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت؟ فقال (عليه السّلام): إذا لا يكذب علينا: إلّا أنّ هذه الرواية بنفسها ضعيفة من حيث السند، فلا يمكن إثبات وثاقة عمر بن حنظلة بها. (1)

و يمكن أن يقال: إنّ ما ذكر في وجه ضعف المرفوعة صحيح، و لكن يشكل ما ذكره بالنسبة الى المقبولة، فإنّ عمر بن حنظلة ممن روى عنه الأجلّاء كابن مسكان و زرارة و عبد اللّه بن بكير و هشام بن سالم و علي بن رئاب و منصور بن حازم و أبى أيوب الخزاز، هذا مضافا إلى نقل صفوان عنه، و هو ممن لا يروي إلّا عمّن يوثق به، و أيضا روى صفوان عن يزيد بن خليفة، و عليه فلا تكون الرواية الواردة في توثيق عمر بن حنظلة ضعيفة، فلا تغفل.

و يرد عليه ثانيا: أنّا نمنع أن يكون المراد من الشهرة هي الشهرة الفتوائيّة بعد إمكان إرادة الشهرة الروائية، كما يقتضيه ظاهر الروايتين.

و دعوى: بطلان ذلك من جهة أنّ إطلاق اعتبار الشهرة الروائية يقضي لزوم الأخذ بالرواية التي رواها أكثر الأصحاب و إن أعرضوا عنه و كان فتوى الجميع حتى الرواة لها، مخالفة لها و هذا مما لا يمكن الالتزام به، كيف و الرواية على هذا تصير مما فيه كل الريب؟! فكيف يحكم بكونها مما لا ريب فيه؟!.

مندفعة: بأنّ الإطلاق الذاتي لا ينافي تقديم المقابل للعمل به و الإعراض عما رواه الأكثر، و عليه فلا مانع من إرادة الشهرة الروائيّة، فلا تغفل.

و مما ذكر يظهر أنّه لا وجه لحمل الروايتين على الشهرة الفتوائية مع ظهورهما في الشهرة الروائية، فالمراد من قوله (عليه السّلام) (خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر) في المرفوعة و

____________

(1) مصباح الاصول 2: 142.

150

قوله (عليه السّلام) (ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذى حكما به المجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) في المقبولة هو خصوص الرواية المشهورة من الروايتين، و لا يشمل الشهرة الفتوائية، كما أفاده الشيخ الانصاري (قدّس سرّه) حيث قال: إنّ المراد بالموصول في المرفوعة هو خصوص الرواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم المشهور، أ لا ترى أنّك لو سألت عن أنّ أي مسجد أحبّ إليك؟ قلت: ما كان الاجتماع فيه أكثر، لم يحسن للمخاطب أن ينسب إليك محبوبية كل مكان يكون الاجتماع فيه أكثر بيتا كان أو خانا أو سوقا ... إلى أن قال: و من هنا يعلم الجواب عن التمسك بالمقبولة.

هذا مضافا إلى أنّ الشهرة الفتوائيّة مما لا يقبل أن يكون في طرفي المسألة و عليه فقوله (يا سيدي إنّهما مشهوران مأثوران) أوضح شاهد على أنّ المراد من الشهرة في الرواية هي الشهرة الروائية الحاصلة مما اتفق الكل على روايته أو تدوينه، لأنّ هذا مما يمكن اتصاف الروايتين المتعارضتين به لجواز صدورهما معا و إن لم يتم جهة الصدور إلّا في أحدهما على أنّ إطلاق الشهرة في مقابل الإجماع إطلاق حادث مختص بالاصوليين، و المراد من المشهور في الرواية هو الإجماع الواضح المعروف، و منه شهر فلان سيفه و سيف شاهر، فالمراد من الرواية حينئذ أنّه يؤخذ بالرواية التي يعرفها جميع أصحابك و لا ينكرها أحد منهم، و يترك ما لا يعرفه إلّا الشاذ و لا يعرفها الباقي، فالشاذ مشارك للمشهور في معرفة الرواية المشهورة، و المشهور لا يشارك الشاذ في معرفة الرواية الشاذة؛ و لهذا كانت الرواية المشهورة من قبيل بيّن الرشد و الشاذ من قبيل المشكل الذي يرد علمه إلى أهله، و إلّا فلا معنى للاستشهاد بحديث التثليث‏ (1) و قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) في محكى كلامه إنّ الشهرة ربّما تكون من حيث الفتوى فقط و أخرى من حيث الرواية كذلك و ثالثة تكون على العمل بالرواية و الاولى خارجة عن مفاد الروايتين فإنّ ظهورهما بل كاد أن يكون صريحهما كون‏

____________

(1) فرائد الاصول: 66.

151

الكلام في جميع الأسئلة الواقعة فيها راجعة إلى تعارض الخبرين فالمراد بالموصول هو الخبر لا محالة و حينئذ كان الاشتهار راجعا إليه لكن الانصاف ان مجرد الاشتهار من حيث الرواية مع إعراض الأصحاب أو عدم إفتائهم بمضمونه أيضا خارج عن مفاد الخبرين و لا أقل من كون منصرفهما غيره فإنّ الظاهر أنّ المراد من قوله خذ بما اشتهر بين أصحابك أو الجمع عليه بين أصحابك هو شيوع العمل بمضمون الرواية و اشتهاره لا مجرد الاشتهاد من حيث النقل و الرواية و لعمرى أنّه واضح على من اعطى النظر حقه و على هذا كانت الروايتان ناظرتين إلى القسم الثالث من أقسام الشهرة فلا تدلان على حجيّة الشهرة الفتوائية و إنّما تدلان على وجوب ترجيح أحد الخبرين المتعارضين الموافق لفتوى المشهور المعمول به بين الأصحاب على الآخر الذى لم يعمل به و بالجملة غاية ما يمكن استفادته من المشهورة و المقبولة لزوم الأخذ بالخبر الذى اشتهر العمل به و جبر ضعف السند بذلك إن كان فيه ضعف و تقدمه على معارضه المتروك من حيث العمل. (1)

فتحصّل: أنّه لا دليل للشهرة الفتوائية؛ بما هى تفيد الظن كالخبر لما عرفت من اختصاص المرفوعة و المقبولة بالشهرة الروائيّة، هذا مضافا أنّ الشهرة تكون بمعنى الواضحة، و هي أنّ الاشتهار بين الأصحاب في تلك الأزمنة بحيث يكون الطرف المقابل معرضا عنه بينهم و لا يكون مضرا بإجماعهم، و هذا غير الشهرة الاصطلاحية الظنية، فالرواية لا تدل على التعبد بحجيّة الشهرة الفتوائية المفيدة للظن و هى محل الكلام و محتاجة إلى التعبد.

لا يقال: إنّ عموم التعليل و هو قوله (عليه السّلام) (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) يكفي لجواز التعدي عن المورد، فاختصاص المورد بالشهرة الروائية لا يمنع عن الأخذ به في الشهرة الفتوائية.

لأنّا نقول:

أوّلا: إنّ عموم التعليل غير ثابت؛ لأنّ المراد من المجمع عليه هو الخبر الذي أجمع على‏

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 117- 118.

152

صدوره من المعصوم، كما يشهد له تطبيقه عليه في قوله (عليه السّلام) (ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك حكما به الجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك.

و عليه فاللام في المجمع عليه لام العهد و إشارة إلى الخبر المجمع عليه، فلا يشمل غير الخبر، و إلغاء الخصوصية مع احتمال دخالة الرواية لا مجال له.

و ثانيا: إنّه لو سلمنا عموم التعليل و عدم اختصاصه بالخبر فهو لا يدل على حجيّة الشهرة الفتوائية الظنية، بل تدل على حجيّة الشهرة الفتوائية التي تكشف عن رأي المعصوم كشفا قطعيا لشذوذ المخالف بحيث لا يضر بالإجماع؛ لعدم اعتناء العقلاء به كما أنّ اشتهار الرواية بين الاصحاب بحيث يكون الطرف المقابل شاذا معرضا عنهم يكشف عن صدوره عن المعصوم كشفا قطعيا، و هذا هو المناسب لنفي الريب حقيقة.

ثم لا يخفى عليك أنّه لو تم الاستدلال بالرواية على التعبد بالشهرة الظنية الاصطلاحية لما دلت الرواية على حجيّة الشهرة الفتوائية بالذات و لو لم تكن طريقا إلى رأي المعصوم، بل غايتها هو كون الشهرة كالخبر في حجية الظن برأي المعصوم، و عليه فالشهرة الحاصلة من آراء المتأخرين لا حجيّة لها؛ لعدم كونها كاشفة عن رأي المعصوم فضلا عن شهرة متأخر المتاخرين، قال في تحريرات في الاصول: إنّ مصب التعليل في مورد تكون الشهرة- سواء كانت روائية او فتوائية- و الإجماع كاشفين عن أمر مفروغ منه صادر عنهم (عليهم السّلام)؛ لقول عمر بن حنظلة (و كلاهما اختلفا في حديثكم الحديث) فان المعلوم منه هو الارجاع الى الشهرة لأنّها الطريق، و هكذا الإجماع، فما هو الإجماع القابل لأن يكون طريقا يكون حجة، و هكذا الشهرة، و عندئذ ينحصر بالشهرة القديمة، و لا يشمل الشهرة الحديثة الحادثة بين المتأخرين فلا، فلاحظ. (1) فتحصّل أنّه لا دليل على حجيّة الشهرة الفتوائية الظنية هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل.

____________

(1) تحريرات في الاصول 6: 383.

153

الوجه الثاني: [أنّه يظهر من بعض الكلمات أنّ أدلة حجيّة خبر الواحد تدلّ على حجيّة الشهرة]

أنّه يظهر من بعض الكلمات أنّ أدلة حجيّة خبر الواحد تدلّ على حجيّة الشهرة المصطلحة الظنية بمفهوم الموافقة؛ لأنّه ربّما يحصل منها الظن الأقوى من الحاصل من خبر العادل.

و يمكن الجواب عنه- كما أشار إليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)- بأنّ هذا خيال ضعيف تخيّله بعض في رسائله، و وقع نظيره من الشهيد الثاني في المسالك حيث وجّه حجيّة الشياع الظني بكون الظن الحاصل منه أقوى من الحاصل من شهادة العدلين.

و وجه الضعف: أنّ الأولوية الظنية أوهن بمراتب من الشهرة، فكيف يتمسك بها في حجيّتها؟! مع أنّ الأولوية ممنوعة رأسا للظن بل العلم بأنّ المناط و العلة في حجيّة الأصل (خبر الواحد) ليس مجرد إفادة الظن؛

و أضعف من ذلك تسمية هذه الأولوية في كلام ذلك البعض مفهوم الموافقة، مع أنّه ما كان استفادة حكم الفرع من الدليل اللفظى الدال على حكم الأصل مثل قوله تعالى‏ «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» (1)

مقصوده (قدّس سرّه) من قوله (بل العلم بأنّ المناط و العلة في حجيّة خبر الواحد ليس مجرد إفادة الظن): أنّ المناط لو كان هو ذلك لزم حجيّة رأي فقيه لفقيه آخر فيما إذا حصل له منه الظن، مع أنّه ليس بحجيّة قطعا، فيعلم منه أنّ مجرد إفادة الظن ليس هو المناط.

و لعل ملاك حجيّة الخبر- كما أفاد السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه)- هو كونه غالب الإصابة باعتبار كونه إخبارا عن حسّ، و احتمال الخطأ في الحسّ بعيد، بخلاف الإخبار عن حدس كما في الفتوى؛ فإنّ احتمال الخطأ في الحدس غير بعيد، و يحتمل أيضا دخل خصوصية اخرى في ملاك حجيّة الخبر، و مجرد احتمال ذلك كاف في منع الأولوية المذكورة؛ لأنّ الحكم بالاولوية يحتاج إلى القطع بالملاك و كل ما له دخل فيه. (2)

____________

(1) فرائد الاصول: 65.

(2) مصباح الاصول 2: 144- 145.

154

فتحصّل: أنّه لا دليل على حجّية الشهرة الفتوائية من حيث إفادتها الظنّ برأي المعصوم (عليه السّلام)، فلا تقاس بالخبر. نعم لو حصل من الشهرة كشف قطعي بالنسبة إلى رأي المعصوم فلا إشكال فى حجّيته لأنّ القطع حجة كما لا يخفى و مما ذكرنا يظهر حكم نقل الشهرة فإن كانت قطعية يترتب عليه ما يترتب على نقل الاجماع و إن كانت الظنيّة فلا اعتبار له لعدم حجيّة الشهرة الظنية فتحصّل أنّ الشهرة الظنية لا حجيّة لها سواء كانت محصلة او منقولة.

155

الخلاصة 3- الشهرة

و الكلام فيها يقع في جهات:

الجهة الأولى:

في أنّ الشّهرة على أقسام:

الأوّل: الشّهرة الرّوائيّة و هي بمعنى كثرة نقلها و يقابلها الشّذوذ و النّدرة و الشّهرة بهذا المعنى تكون من المرجّحات عند تعارض الأخبار.

الثّاني: الشّهرة العمليّة و هي بمعنى العمل بالرّواية و هو يوجب الوثوق بصدور الرّواية إن كان فيها ضعف و في قبالها إعراض المشهور عن الرّواية فإنّه يكشف عن الخلل فيها بحيث يوهن سندها و إن كان صحيحا.

الثّالث: الشّهرة الفتوائيّة و معناها هو اشتهار الفتوى بحكم من الأحكام الشّرعية بين معظم الفقهاء سواء يعرف في قبالها فتوى الخلاف أو لم يعرف و ربّما تستعمل الشّهرة الفتوائيّة على اتفاق جماعة من المعروفين من العلماء.

ثمّ مورد البحث هو القسم الثّالث لا الأوّل و الثّاني فإنّ البحث عن الأوّل مناسب لباب تعارض الأخبار و البحث عن الثّاني سيأتي في البحث عن حجّيّة خبر الواحد إن شاء اللّه تعالى.

الجهة الثانية أنّ الشّهرة الفتوائيّة إمّا ملحوظة بما هي تكون كاشفة كشفا قطعيا عن النصّ أو رأي المعصوم (عليه السّلام) و إمّا ملحوظة بما هي تفيد الظنّ برأي المعصوم (عليه السّلام) كالخبر الواحد.

الجهة الثالثة في الاستدلال على حجّيّة الشهرة الفتوائية الكاشفة كشفا قطعيّا عن النصّ و لا إشكال في حجّيّتها من ناحية كونها مصداقا للقطع كسائر موارد القطع و يتحقّق ذلك في فتوى العلماء بشي‏ء من دون استناد إلى دليل و يكون فتواهم مخالفا للقاعدة و لكنّه ليس بكثير هذا مضافا إلى النصّ المكشوف و إن تمّ عند المشهور إلّا أنّه لم يحرّز تماميّته عندنا.

156

نعم إذا اشتهر الفتوى بين القدماء و اتّصل إلى زمان المعصوم كالإجماع المتصل كشف ذلك عن تقرير المعصوم (عليه السّلام) و هو حجّة و لا فرق فيه بين أن يكون المسألة من الاصول المتلقاة أو غيرها اللّهمّ إلّا أن يقال: لا يحرز التقرير إلّا في الاصول المتلقّاة فإنّ المسألة إذا كانت من المسائل التفريعيّة و أخطأ الأصحاب في فهمها من الاصول المتلقاة لا يجب إرشادهم مع بيان الاصول المتلقاة فتأمّل.

نعم لو كان الاشتهار بالنّسبة إلى المسائل الأصلية المأثورة و اتّصل الاشتهار إلى زمان المعصوم (عليه السّلام) كان وزان المتون المأثورة وزان الأخبار للعلم بصدورها عن المعصوم (عليه السّلام) و ترجع الشهرة الفتوائيّة حينئذ إلى الشهرة العملية بالنّسبة إلى الأخبار كما لا يخفى.

الجهة الرّابعة في الاستدلال على الشهرة الفتوائيّة بما هي تفيد الظنّ كالخبر الواحد المفيد للظنّ.

قد استدلّ لذلك بوجوه:

الوجه الأوّل: قوله (عليه السّلام) في مرفوعة زرارة في حكم الخبرين المتعارضين: «يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشّاذ النّادر».

و قوله (عليه السّلام) في مقبولة عمر بن حنظلة بعد فرض اختلاف الحكمين لروايتهما حديثين مختلفين و كون راويهما عدلين مرضيين: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشّاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثّقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به».

بدعوى أنّ المحتملات في قوله (عليه السّلام) المجمع عليه بالنّظر البدوي أربعة المتّفق عليه عند الجميع أو المشهور بين الأصحاب في قبال الشّاذ النّادر و على الوجهين في الرّواية أو الفتوى فهذه أربعة.

157

و الاتفاق في الرّواية باطل قطعا لعدم وقوعه في الخارج إذ ليس لنا رواية رواها جميع أصحاب الأصول و الجوامع.

و الاتّفاق في الفتوى لا يساعد مع التعليل بكون المجمع عليه لا ريب فيه فإنّ المستفاد منه وجود الرّيب في مقابله و لو كان الفتوى ممّا اتّفق عليه الكلّ بلا استثناء كان القول بخلافه واضح البطلان لا ممّا فيه ريب.

و الشّهرة في الرّواية ليست بمراد لوضوح أنّ مقتضى إطلاق الخبر هو لزوم الأخذ بالرواية التي رواها أكثر الأصحاب. و إن أعرضوا عنه و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به كيف و الرّواية على هذا تصير ممّا فيه كل الريب فكيف يحكم بكونها ممّا لا ريب فيه.

فانحصر الأمر في أن يكون المراد الشهرة الفتوائيّة بأن يكون مفاد الخبر مشهورا بين الأصحاب إفتاء.

لا يقال: حمل الشهرة في الحديث على الشّهرة الفتوائيّة مخالف لغرض الرّاوي كليهما مشهورين لعدم تصوّر الشّهرة الفتوائيّة في طرفي المسألة لأنّا نقول ليس المقصود بالشهرة في الحديث الشهرة بالمعنى الاصطلاحي أعني ذهاب الأكثر إلى طرف بل يراد بها معناها اللّغوي أي الوضوح فالمشهور هو الواضح المعروف في قبال الشّاذ الذي ينكر و هذا المعنى يتصوّر في طرفي المسألة كما إذا فرض كون كليهما ظاهرين بين الأصحاب و لو فرض كون أحدهما أكثر من الأخر إذا لم يبلغ الأخر إلى حدّ الشّذوذ و النّدرة.

يرد على ذلك أنّ المستفاد من الحديثين أنّ الشهرة الفتوائية مرجّحة للرواية الواجدة لشرائط الحجّيّة مع قطع النظر عن المعارض و هذا أجنبي عمّا نحن بصدده و هو حجّيّة الشهرة بنفسها.

إلّا أن يقال: بإلغاء الخصوصيّة بأن يدعى لا خصوصيّة لوجود رواية تكون موافقة للشهرة كما لا خصوصيّة لوجود رواية يخالف مضمونها لها و هو كما ترى لإمكان منع إلغاء الخصوصيّة لاحتمال خصوصية الرّواية الموافقة لمضمون الشهرة في حجيّتها.

158

و عليه فلا دليل على حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة بما هي مفيدة للظنّ لاحتمال كون الحجّة أمرا مركّبا من الرّواية و الشهرة.

و دعوى أنّ التعليل بقوله (عليه السّلام): «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» يغنينا عن إلغاء الخصوصيّة فإنّ المراد من المجمع عليه في الموضعين هو المشهور بقرينة إطلاق المشهور عليه في قوله (عليه السّلام) و يترك الشّاذّ الذي ليس بمشهور و عليه فقوله (عليه السّلام) فإنّ المجمع عليه الخ يدلّ على أنّ المشهور مطلقا ممّا يجب العمل به و إن كان مورد التّعليل مورد الترجيح بين الخبرين لأنّ العبرة لعموم الموارد لا بخصوصية المورد.

مندفعة بأنّ المراد من الموصول في المرفوعة هو خصوص الرّواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم المشهور و هكذا المجمع عليه يراد به الخبر المجمع عليه فلا تشمل الروايتان للشهرة الفتوائيّة بما هي تفيد الظنّ كالخبر و إلغاء الخصوصيّة مع احتمال دخالة الرّواية لا مجال له.

ثمّ لو سلّمنا تماميّة دلالة الرّوايتين على حجّيّة الشهرة الفتوائية.

فلا تدلّان إلّا على حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة من جهة كشفها عن رأي المعصوم (عليه السّلام) فحينئذ تكون الشهرة كالخبر في حجيّته بالنّسبة إلى إفادة الظنّ برأى المعصوم (عليه السّلام) و لذا لا تكون الشهرة بين المتأخّرين حجّة لعدم كونها كاشفة عن رأي المعصوم فضلا عن شهرة متأخّر المتأخّرين بل غايته هو الكشف عن النصّ و قد مرّ مرارا أنّ النصّ و إن كان تماما عندهم و لكن من الممكن أن لا يكون كذلك عندنا.

الوجه الثّاني: هو أدلّة حجّيّة خبر الواحد فإنّها تدلّ بالفحوى على حجّيّة الشهرة الظنيّة بمفهوم الموافقة لأنّ الظنّ الحاصل من الشّهرة ربّما يكون أقوى من الظنّ الحاصل من خبر العادل.

و اجيب عنه أنّ الأوّلية الظّنية أوهن بمراتب من الشّهرة فكيف يتمسّك بها في حجيّتها مع أنّ الأوّليّة ممنوعة رأسا للظنّ بل العلم بأنّ المناط في حجّيّة الخبر الواحد ليس مجرد إفادة